البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الشعراء 26:216 – النمل 27:86
المحتويات
- الشعراء 26:216
- الشعراء 26:217
- الشعراء 26:218
- الشعراء 26:219
- الشعراء 26:220
- الشعراء 26:221
- الشعراء 26:222
- الشعراء 26:223
- الشعراء 26:224
- الشعراء 26:225
- الشعراء 26:226
- الشعراء 26:227
- النمل 27:1
- النمل 27:2
- النمل 27:3
- النمل 27:4
- النمل 27:5
- النمل 27:6
- النمل 27:7
- النمل 27:8
- النمل 27:9
- النمل 27:10
- النمل 27:11
- النمل 27:12
- النمل 27:13
- النمل 27:14
- النمل 27:15
- النمل 27:16
- النمل 27:17
- النمل 27:18
- النمل 27:19
- النمل 27:20
- النمل 27:21
- النمل 27:22
- النمل 27:23
- النمل 27:24
- النمل 27:25
- النمل 27:26
- النمل 27:27
- النمل 27:28
- النمل 27:29
- النمل 27:30
- النمل 27:31
- النمل 27:32
- النمل 27:33
- النمل 27:34
- النمل 27:35
- النمل 27:36
- النمل 27:37
- النمل 27:38
- النمل 27:39
- النمل 27:40
- النمل 27:41
- النمل 27:42
- النمل 27:43
- النمل 27:44
- النمل 27:45
- النمل 27:46
- النمل 27:47
- النمل 27:48
- النمل 27:49
- النمل 27:50
- النمل 27:51
- النمل 27:52
- النمل 27:53
- النمل 27:54
- النمل 27:55
- النمل 27:56
- النمل 27:57
- النمل 27:58
- النمل 27:59
- النمل 27:60
- النمل 27:61
- النمل 27:62
- النمل 27:63
- النمل 27:64
- النمل 27:65
- النمل 27:66
- النمل 27:67
- النمل 27:68
- النمل 27:69
- النمل 27:70
- النمل 27:71
- النمل 27:72
- النمل 27:73
- النمل 27:74
- النمل 27:75
- النمل 27:76
- النمل 27:77
- النمل 27:78
- النمل 27:79
- النمل 27:80
- النمل 27:81
- النمل 27:82
- النمل 27:83
- النمل 27:84
- النمل 27:85
- النمل 27:86
الشعراء 26:216
يقول الحق جل جلاله: { وأنذر } يا محمد { عشيرتك الأقربين } ، إنما خصهم بالذكر لئلا يتكلوا على النسب، فيدعوا ما يجب عليهم، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به: " لا أملك لكم من الله شيئا ". وفي الغال كذلك. وقيل: إنما خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئا إذ النجاة في اتباعه، لا في قربه منهم. ولما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى الأقرب فالأقرب، وقال:
" يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يابني عبد مناف، يا عباس - عم النبي صلى الله عليه وسلم - يا صفية - عمة النبي صلى الله عليه وسلم لا أملك لكم من الله شيئا "
وقال ابن عباس رضي الله عنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى:
" يا صباحاه "
فاجتمع الناس، فقال صلى الله عليه وسلم:
" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إن أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا "
؟ فنزلت:
تبت يدآ أبي لهب وتب
[المسد: 1]. ثم قال: { واخفض جناحك } أي: وألن جانبك وتواضع، وأصله: أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع ولين الجانب. ويكن ذلك التواضع { لمن اتبعك من المؤمنين } من قرابتك وغيرهم. { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } أي: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك وغيره. { وتوكل على العزيز الرحيم } أي: على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته، فإنه يكفيك شر من يعاديك. { الذي يراك حين تقوم } للتهجد، { و } يرى { تقلبك في الساجدين } في المصلين. أتبع كونه رحيما برسوله ما هو من أسباب الرحمة، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل، من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون. وقيل: معناه: ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلبك في الساجدين: تصرفه فيما بينهم، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن؟ فقال: لا يحضرني، فتلا له هذه الآية. وقيل: تقلبه في أصلاب الرجال. وروي عنه صلى الله عليه وسلم في الآية أنه قال:
" من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيا ".
{ إنه هو السميع } لما تقول، { العليم } بما تنويه وتعمله. هون عليه مشاق العبادة، حيث أخبره برؤيته له، إذ لا مشقة على من يعلم أنه يعمل بمرأى من مولاه، وهو كقوله في الحديث القدسي:
" بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي "
والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لمن أهل للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، ولو علم أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل. فمن تبعه على مذهبه فليلن له جانبه وليتواضع له، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله، ولا ينساه من نصحه، ولذلك قال تعالى: { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } ، ولم يقل: " منكم " ، وهذا مذهب الجمهور وأن الأخ إذا زل إنما يبغض عمله فقط. وعن بعض الصحابة - وقد قيل له في أخيه، فقال: إنما أبغض عمله، وإلا فهو أخي، وذكر مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأن الأخ في الله لا يبغض لزلته، ولا يترك لشيء من الأشياء، وإنما يبغض عمله، ووافقه على ذلك سلمان، وتابعهما عمر، وخالف في ذلك أبو ذر، فقال: إذا وقعت المخالفة، وانقلب عما كان عليه، فأبغضه من حيث أحببته. قال صاحب القوت: وأبو ذر صاحب شدائد، وعزائم، وهذا من عزائمه وشدائده. ه. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء: الأخ في الله لا يبغض لزلة. وأما الكافر فصريح آياته:
إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله
[الممتحنة: 4]، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر - كما في مسلم - موجب للبراءة، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره بظلم، أو غصب، أو غيبة، أو نميمة، أو شهادة زور لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. ه. من الحاشية. قوله تعالى: { فتوكل على العزيز الرحيم } ، قيل: التوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله وحده، والمتوكل من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد رضي الله عنه: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عمن دونه فإن حاجتك إنما هي إليه في الدارين. ه. قال القشيري: { وتقلبك في الساجدين } من أصحابك، ويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين، الذين عرفوا الله، فسجدوا له، دون من لم يعرفه. ه. وفي القوت: قيل: وتقلبك في أصلاب الأنبياء - عليهم السلام، يقلبك في صلب نبي بعد نبي، حتى أخرجك من ذرية أسماعيل، وروينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحاصل: أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين في الجملة، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. ه. ثم ذكر قوله: { وما تنزلت به الشياطين } ، فقال: { هل أنبئكم على من تنزل... }
الشعراء 26:217
يقول الحق جل جلاله: { وأنذر } يا محمد { عشيرتك الأقربين } ، إنما خصهم بالذكر لئلا يتكلوا على النسب، فيدعوا ما يجب عليهم، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به: " لا أملك لكم من الله شيئا ". وفي الغال كذلك. وقيل: إنما خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئا إذ النجاة في اتباعه، لا في قربه منهم. ولما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى الأقرب فالأقرب، وقال:
" يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يابني عبد مناف، يا عباس - عم النبي صلى الله عليه وسلم - يا صفية - عمة النبي صلى الله عليه وسلم لا أملك لكم من الله شيئا "
وقال ابن عباس رضي الله عنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى:
" يا صباحاه "
فاجتمع الناس، فقال صلى الله عليه وسلم:
" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إن أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا "
؟ فنزلت:
تبت يدآ أبي لهب وتب
[المسد: 1]. ثم قال: { واخفض جناحك } أي: وألن جانبك وتواضع، وأصله: أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع ولين الجانب. ويكن ذلك التواضع { لمن اتبعك من المؤمنين } من قرابتك وغيرهم. { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } أي: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك وغيره. { وتوكل على العزيز الرحيم } أي: على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته، فإنه يكفيك شر من يعاديك. { الذي يراك حين تقوم } للتهجد، { و } يرى { تقلبك في الساجدين } في المصلين. أتبع كونه رحيما برسوله ما هو من أسباب الرحمة، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل، من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون. وقيل: معناه: ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلبك في الساجدين: تصرفه فيما بينهم، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن؟ فقال: لا يحضرني، فتلا له هذه الآية. وقيل: تقلبه في أصلاب الرجال. وروي عنه صلى الله عليه وسلم في الآية أنه قال:
" من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيا ".
{ إنه هو السميع } لما تقول، { العليم } بما تنويه وتعمله. هون عليه مشاق العبادة، حيث أخبره برؤيته له، إذ لا مشقة على من يعلم أنه يعمل بمرأى من مولاه، وهو كقوله في الحديث القدسي:
" بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي "
والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لمن أهل للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، ولو علم أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل. فمن تبعه على مذهبه فليلن له جانبه وليتواضع له، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله، ولا ينساه من نصحه، ولذلك قال تعالى: { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } ، ولم يقل: " منكم " ، وهذا مذهب الجمهور وأن الأخ إذا زل إنما يبغض عمله فقط. وعن بعض الصحابة - وقد قيل له في أخيه، فقال: إنما أبغض عمله، وإلا فهو أخي، وذكر مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأن الأخ في الله لا يبغض لزلته، ولا يترك لشيء من الأشياء، وإنما يبغض عمله، ووافقه على ذلك سلمان، وتابعهما عمر، وخالف في ذلك أبو ذر، فقال: إذا وقعت المخالفة، وانقلب عما كان عليه، فأبغضه من حيث أحببته. قال صاحب القوت: وأبو ذر صاحب شدائد، وعزائم، وهذا من عزائمه وشدائده. ه. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء: الأخ في الله لا يبغض لزلة. وأما الكافر فصريح آياته:
إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله
[الممتحنة: 4]، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر - كما في مسلم - موجب للبراءة، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره بظلم، أو غصب، أو غيبة، أو نميمة، أو شهادة زور لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. ه. من الحاشية. قوله تعالى: { فتوكل على العزيز الرحيم } ، قيل: التوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله وحده، والمتوكل من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد رضي الله عنه: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عمن دونه فإن حاجتك إنما هي إليه في الدارين. ه. قال القشيري: { وتقلبك في الساجدين } من أصحابك، ويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين، الذين عرفوا الله، فسجدوا له، دون من لم يعرفه. ه. وفي القوت: قيل: وتقلبك في أصلاب الأنبياء - عليهم السلام، يقلبك في صلب نبي بعد نبي، حتى أخرجك من ذرية أسماعيل، وروينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحاصل: أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين في الجملة، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. ه. ثم ذكر قوله: { وما تنزلت به الشياطين } ، فقال: { هل أنبئكم على من تنزل... }
الشعراء 26:218
يقول الحق جل جلاله: { وأنذر } يا محمد { عشيرتك الأقربين } ، إنما خصهم بالذكر لئلا يتكلوا على النسب، فيدعوا ما يجب عليهم، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به: " لا أملك لكم من الله شيئا ". وفي الغال كذلك. وقيل: إنما خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئا إذ النجاة في اتباعه، لا في قربه منهم. ولما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى الأقرب فالأقرب، وقال:
" يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يابني عبد مناف، يا عباس - عم النبي صلى الله عليه وسلم - يا صفية - عمة النبي صلى الله عليه وسلم لا أملك لكم من الله شيئا "
وقال ابن عباس رضي الله عنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى:
" يا صباحاه "
فاجتمع الناس، فقال صلى الله عليه وسلم:
" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إن أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا "
؟ فنزلت:
تبت يدآ أبي لهب وتب
[المسد: 1]. ثم قال: { واخفض جناحك } أي: وألن جانبك وتواضع، وأصله: أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع ولين الجانب. ويكن ذلك التواضع { لمن اتبعك من المؤمنين } من قرابتك وغيرهم. { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } أي: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك وغيره. { وتوكل على العزيز الرحيم } أي: على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته، فإنه يكفيك شر من يعاديك. { الذي يراك حين تقوم } للتهجد، { و } يرى { تقلبك في الساجدين } في المصلين. أتبع كونه رحيما برسوله ما هو من أسباب الرحمة، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل، من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون. وقيل: معناه: ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلبك في الساجدين: تصرفه فيما بينهم، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن؟ فقال: لا يحضرني، فتلا له هذه الآية. وقيل: تقلبه في أصلاب الرجال. وروي عنه صلى الله عليه وسلم في الآية أنه قال:
" من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيا ".
{ إنه هو السميع } لما تقول، { العليم } بما تنويه وتعمله. هون عليه مشاق العبادة، حيث أخبره برؤيته له، إذ لا مشقة على من يعلم أنه يعمل بمرأى من مولاه، وهو كقوله في الحديث القدسي:
" بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي "
والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لمن أهل للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، ولو علم أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل. فمن تبعه على مذهبه فليلن له جانبه وليتواضع له، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله، ولا ينساه من نصحه، ولذلك قال تعالى: { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } ، ولم يقل: " منكم " ، وهذا مذهب الجمهور وأن الأخ إذا زل إنما يبغض عمله فقط. وعن بعض الصحابة - وقد قيل له في أخيه، فقال: إنما أبغض عمله، وإلا فهو أخي، وذكر مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأن الأخ في الله لا يبغض لزلته، ولا يترك لشيء من الأشياء، وإنما يبغض عمله، ووافقه على ذلك سلمان، وتابعهما عمر، وخالف في ذلك أبو ذر، فقال: إذا وقعت المخالفة، وانقلب عما كان عليه، فأبغضه من حيث أحببته. قال صاحب القوت: وأبو ذر صاحب شدائد، وعزائم، وهذا من عزائمه وشدائده. ه. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء: الأخ في الله لا يبغض لزلة. وأما الكافر فصريح آياته:
إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله
[الممتحنة: 4]، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر - كما في مسلم - موجب للبراءة، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره بظلم، أو غصب، أو غيبة، أو نميمة، أو شهادة زور لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. ه. من الحاشية. قوله تعالى: { فتوكل على العزيز الرحيم } ، قيل: التوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله وحده، والمتوكل من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد رضي الله عنه: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عمن دونه فإن حاجتك إنما هي إليه في الدارين. ه. قال القشيري: { وتقلبك في الساجدين } من أصحابك، ويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين، الذين عرفوا الله، فسجدوا له، دون من لم يعرفه. ه. وفي القوت: قيل: وتقلبك في أصلاب الأنبياء - عليهم السلام، يقلبك في صلب نبي بعد نبي، حتى أخرجك من ذرية أسماعيل، وروينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحاصل: أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين في الجملة، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. ه. ثم ذكر قوله: { وما تنزلت به الشياطين } ، فقال: { هل أنبئكم على من تنزل... }
الشعراء 26:219
يقول الحق جل جلاله: { وأنذر } يا محمد { عشيرتك الأقربين } ، إنما خصهم بالذكر لئلا يتكلوا على النسب، فيدعوا ما يجب عليهم، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به: " لا أملك لكم من الله شيئا ". وفي الغال كذلك. وقيل: إنما خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئا إذ النجاة في اتباعه، لا في قربه منهم. ولما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى الأقرب فالأقرب، وقال:
" يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يابني عبد مناف، يا عباس - عم النبي صلى الله عليه وسلم - يا صفية - عمة النبي صلى الله عليه وسلم لا أملك لكم من الله شيئا "
وقال ابن عباس رضي الله عنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى:
" يا صباحاه "
فاجتمع الناس، فقال صلى الله عليه وسلم:
" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إن أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا "
؟ فنزلت:
تبت يدآ أبي لهب وتب
[المسد: 1]. ثم قال: { واخفض جناحك } أي: وألن جانبك وتواضع، وأصله: أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع ولين الجانب. ويكن ذلك التواضع { لمن اتبعك من المؤمنين } من قرابتك وغيرهم. { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } أي: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك وغيره. { وتوكل على العزيز الرحيم } أي: على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته، فإنه يكفيك شر من يعاديك. { الذي يراك حين تقوم } للتهجد، { و } يرى { تقلبك في الساجدين } في المصلين. أتبع كونه رحيما برسوله ما هو من أسباب الرحمة، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل، من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون. وقيل: معناه: ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلبك في الساجدين: تصرفه فيما بينهم، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن؟ فقال: لا يحضرني، فتلا له هذه الآية. وقيل: تقلبه في أصلاب الرجال. وروي عنه صلى الله عليه وسلم في الآية أنه قال:
" من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيا ".
{ إنه هو السميع } لما تقول، { العليم } بما تنويه وتعمله. هون عليه مشاق العبادة، حيث أخبره برؤيته له، إذ لا مشقة على من يعلم أنه يعمل بمرأى من مولاه، وهو كقوله في الحديث القدسي:
" بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي "
والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لمن أهل للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، ولو علم أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل. فمن تبعه على مذهبه فليلن له جانبه وليتواضع له، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله، ولا ينساه من نصحه، ولذلك قال تعالى: { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } ، ولم يقل: " منكم " ، وهذا مذهب الجمهور وأن الأخ إذا زل إنما يبغض عمله فقط. وعن بعض الصحابة - وقد قيل له في أخيه، فقال: إنما أبغض عمله، وإلا فهو أخي، وذكر مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأن الأخ في الله لا يبغض لزلته، ولا يترك لشيء من الأشياء، وإنما يبغض عمله، ووافقه على ذلك سلمان، وتابعهما عمر، وخالف في ذلك أبو ذر، فقال: إذا وقعت المخالفة، وانقلب عما كان عليه، فأبغضه من حيث أحببته. قال صاحب القوت: وأبو ذر صاحب شدائد، وعزائم، وهذا من عزائمه وشدائده. ه. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء: الأخ في الله لا يبغض لزلة. وأما الكافر فصريح آياته:
إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله
[الممتحنة: 4]، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر - كما في مسلم - موجب للبراءة، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره بظلم، أو غصب، أو غيبة، أو نميمة، أو شهادة زور لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. ه. من الحاشية. قوله تعالى: { فتوكل على العزيز الرحيم } ، قيل: التوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله وحده، والمتوكل من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد رضي الله عنه: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عمن دونه فإن حاجتك إنما هي إليه في الدارين. ه. قال القشيري: { وتقلبك في الساجدين } من أصحابك، ويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين، الذين عرفوا الله، فسجدوا له، دون من لم يعرفه. ه. وفي القوت: قيل: وتقلبك في أصلاب الأنبياء - عليهم السلام، يقلبك في صلب نبي بعد نبي، حتى أخرجك من ذرية أسماعيل، وروينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحاصل: أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين في الجملة، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. ه. ثم ذكر قوله: { وما تنزلت به الشياطين } ، فقال: { هل أنبئكم على من تنزل... }
الشعراء 26:220
يقول الحق جل جلاله: { وأنذر } يا محمد { عشيرتك الأقربين } ، إنما خصهم بالذكر لئلا يتكلوا على النسب، فيدعوا ما يجب عليهم، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به: " لا أملك لكم من الله شيئا ". وفي الغال كذلك. وقيل: إنما خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئا إذ النجاة في اتباعه، لا في قربه منهم. ولما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى الأقرب فالأقرب، وقال:
" يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يابني عبد مناف، يا عباس - عم النبي صلى الله عليه وسلم - يا صفية - عمة النبي صلى الله عليه وسلم لا أملك لكم من الله شيئا "
وقال ابن عباس رضي الله عنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى:
" يا صباحاه "
فاجتمع الناس، فقال صلى الله عليه وسلم:
" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إن أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا "
؟ فنزلت:
تبت يدآ أبي لهب وتب
[المسد: 1]. ثم قال: { واخفض جناحك } أي: وألن جانبك وتواضع، وأصله: أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع ولين الجانب. ويكن ذلك التواضع { لمن اتبعك من المؤمنين } من قرابتك وغيرهم. { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } أي: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك وغيره. { وتوكل على العزيز الرحيم } أي: على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته، فإنه يكفيك شر من يعاديك. { الذي يراك حين تقوم } للتهجد، { و } يرى { تقلبك في الساجدين } في المصلين. أتبع كونه رحيما برسوله ما هو من أسباب الرحمة، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل، من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون. وقيل: معناه: ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلبك في الساجدين: تصرفه فيما بينهم، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن؟ فقال: لا يحضرني، فتلا له هذه الآية. وقيل: تقلبه في أصلاب الرجال. وروي عنه صلى الله عليه وسلم في الآية أنه قال:
" من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيا ".
{ إنه هو السميع } لما تقول، { العليم } بما تنويه وتعمله. هون عليه مشاق العبادة، حيث أخبره برؤيته له، إذ لا مشقة على من يعلم أنه يعمل بمرأى من مولاه، وهو كقوله في الحديث القدسي:
" بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي "
والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لمن أهل للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، ولو علم أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل. فمن تبعه على مذهبه فليلن له جانبه وليتواضع له، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله، ولا ينساه من نصحه، ولذلك قال تعالى: { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } ، ولم يقل: " منكم " ، وهذا مذهب الجمهور وأن الأخ إذا زل إنما يبغض عمله فقط. وعن بعض الصحابة - وقد قيل له في أخيه، فقال: إنما أبغض عمله، وإلا فهو أخي، وذكر مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأن الأخ في الله لا يبغض لزلته، ولا يترك لشيء من الأشياء، وإنما يبغض عمله، ووافقه على ذلك سلمان، وتابعهما عمر، وخالف في ذلك أبو ذر، فقال: إذا وقعت المخالفة، وانقلب عما كان عليه، فأبغضه من حيث أحببته. قال صاحب القوت: وأبو ذر صاحب شدائد، وعزائم، وهذا من عزائمه وشدائده. ه. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء: الأخ في الله لا يبغض لزلة. وأما الكافر فصريح آياته:
إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله
[الممتحنة: 4]، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر - كما في مسلم - موجب للبراءة، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره بظلم، أو غصب، أو غيبة، أو نميمة، أو شهادة زور لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. ه. من الحاشية. قوله تعالى: { فتوكل على العزيز الرحيم } ، قيل: التوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله وحده، والمتوكل من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد رضي الله عنه: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عمن دونه فإن حاجتك إنما هي إليه في الدارين. ه. قال القشيري: { وتقلبك في الساجدين } من أصحابك، ويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين، الذين عرفوا الله، فسجدوا له، دون من لم يعرفه. ه. وفي القوت: قيل: وتقلبك في أصلاب الأنبياء - عليهم السلام، يقلبك في صلب نبي بعد نبي، حتى أخرجك من ذرية أسماعيل، وروينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحاصل: أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين في الجملة، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. ه. ثم ذكر قوله: { وما تنزلت به الشياطين } ، فقال: { هل أنبئكم على من تنزل... }
الشعراء 26:221
قلت: " أي منقلب ": مفعول مطلق لينقلبون، والأصل: ينقلبون أي انقلاب، وليست " أيا ": مفعول " يعلم " لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة: " ينقلبون ": معلق عنها العامل، فهي محل نصب على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل. يقول الحق جل جلاله: { هل أنبئكم } أي: أخبركم أيها المشركون { على من تنزل الشياطين } ، ودخل حرف الجار على " من " الاستفهامية لأنها ليست للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم، فقال: { تنزل على كل أفاك }: كثير الإفك، وهو الكذب، { أثيم } كثير الإثم وهم الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحرم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم. { يلقون السمع } وهم الشياطين، كانوا، قبل أن يحجبوا بالرجم، يلقون أسماعهم إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم. { وأكثرهم كاذبون } فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث:
" إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبة "
، فلذلك يخطئون ويصيبون، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي: المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس، { وأكثرهم } أي: الأفاكون { كاذبون }: مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفاك: الذي يذكر يكثر الإفك، ولا يدل على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكيه عن الجنة. ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، فينتفي كونه كهانة وشعرا، كما قيل فيه، فقال: { والشعراء يتبعهم الغاوون }: مبتدأ وخبر، أي: لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، وهجاء من لا يستحق الهجو، ولا يستحسن ذلك منهم { إلا الغاوون } ، أي: السفهاء، أو الضالون عن طريق الرشد، الحائرون فيما يفعلون ويذرون، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون، بخلاف غيرهم من أهل الرشد، المهتدون إلى طريق الحق، الثابتين عليه. { ألم تر أنهم } أي الشعراء { في كل واد } من الكلام { يهيمون } ، أو في كل فن من الإفك يتحدثون، أو: في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر، أي: ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال، وفي كل شعب من الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال، يهيمون.
{ وأنهم يقولون ما لا يفعلون } من الأفاعيل، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، والأخلاق الحميدة، مستقرا على المنهاج القويم، مستمرا على الصراط المستقيم، ناطقا بكل أمر رشيد، داعيا إلى صراط العزيز الحميد، مؤيدا بمعجزة قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون من الحكم الباهرة، وصنوف المعارف الزاخرة، مستقل بنظم رائق، أعجز كل منطيق ماهر، وبكت كل مفلق ساحر. هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء: أن أتباع الشعراء الغاوون، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. ه. قاله أبو السعود. ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } كعبد الله بن رواحة، وحسان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. { وذكروا الله كثيرا } أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء. وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل "
، وكان يقول لحسان:
" قل، وروح القدس معك ".
{ وانتصروا من بعد ما ظلموا } أي: ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية: جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا يا رسول الله: أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء؟ فقال:
" اقرؤوا ما بعدها: { إلا الذين آمنوا... } هم أنتم وانتصروا، هم أنتم ".
ومر عمر رضي الله عنه وحسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أجب عني، اللهم أيده بروح القدس "
قال: اللهم نعم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } أي مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقة، وفي { الذين ظلموا } من الإطلاق والتعميم.
وفي { أي منقلب ينقلبون } من الإبهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. و المعنى: سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون علي وأي منقلب ينقلبون حين يفدون إلي. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حين نلقاك يا أرحم الراحمين. الإشارة: هل أنبئكم على قلب من تنزلت الشياطين، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت في الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل: ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحدا أدخل رأسه معه وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله: { وأكثرهم كاذبون } ، ومن جملة ما يفسد القلب: تولهه بالشعر، وفي الحديث:
" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله. وقوله تعالى: { وانتصروا من بعدها ظلموا } ، أي: جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قهرتهم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. ه. وفي الحكم: " ماذا فقد من وجدك، وما الذي وجد من فقدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغى عنك متحولا، كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الشعراء 26:222
قلت: " أي منقلب ": مفعول مطلق لينقلبون، والأصل: ينقلبون أي انقلاب، وليست " أيا ": مفعول " يعلم " لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة: " ينقلبون ": معلق عنها العامل، فهي محل نصب على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل. يقول الحق جل جلاله: { هل أنبئكم } أي: أخبركم أيها المشركون { على من تنزل الشياطين } ، ودخل حرف الجار على " من " الاستفهامية لأنها ليست للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم، فقال: { تنزل على كل أفاك }: كثير الإفك، وهو الكذب، { أثيم } كثير الإثم وهم الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحرم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم. { يلقون السمع } وهم الشياطين، كانوا، قبل أن يحجبوا بالرجم، يلقون أسماعهم إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم. { وأكثرهم كاذبون } فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث:
" إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبة "
، فلذلك يخطئون ويصيبون، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي: المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس، { وأكثرهم } أي: الأفاكون { كاذبون }: مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفاك: الذي يذكر يكثر الإفك، ولا يدل على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكيه عن الجنة. ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، فينتفي كونه كهانة وشعرا، كما قيل فيه، فقال: { والشعراء يتبعهم الغاوون }: مبتدأ وخبر، أي: لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، وهجاء من لا يستحق الهجو، ولا يستحسن ذلك منهم { إلا الغاوون } ، أي: السفهاء، أو الضالون عن طريق الرشد، الحائرون فيما يفعلون ويذرون، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون، بخلاف غيرهم من أهل الرشد، المهتدون إلى طريق الحق، الثابتين عليه. { ألم تر أنهم } أي الشعراء { في كل واد } من الكلام { يهيمون } ، أو في كل فن من الإفك يتحدثون، أو: في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر، أي: ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال، وفي كل شعب من الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال، يهيمون.
{ وأنهم يقولون ما لا يفعلون } من الأفاعيل، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، والأخلاق الحميدة، مستقرا على المنهاج القويم، مستمرا على الصراط المستقيم، ناطقا بكل أمر رشيد، داعيا إلى صراط العزيز الحميد، مؤيدا بمعجزة قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون من الحكم الباهرة، وصنوف المعارف الزاخرة، مستقل بنظم رائق، أعجز كل منطيق ماهر، وبكت كل مفلق ساحر. هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء: أن أتباع الشعراء الغاوون، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. ه. قاله أبو السعود. ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } كعبد الله بن رواحة، وحسان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. { وذكروا الله كثيرا } أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء. وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل "
، وكان يقول لحسان:
" قل، وروح القدس معك ".
{ وانتصروا من بعد ما ظلموا } أي: ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية: جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا يا رسول الله: أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء؟ فقال:
" اقرؤوا ما بعدها: { إلا الذين آمنوا... } هم أنتم وانتصروا، هم أنتم ".
ومر عمر رضي الله عنه وحسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أجب عني، اللهم أيده بروح القدس "
قال: اللهم نعم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } أي مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقة، وفي { الذين ظلموا } من الإطلاق والتعميم.
وفي { أي منقلب ينقلبون } من الإبهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. و المعنى: سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون علي وأي منقلب ينقلبون حين يفدون إلي. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حين نلقاك يا أرحم الراحمين. الإشارة: هل أنبئكم على قلب من تنزلت الشياطين، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت في الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل: ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحدا أدخل رأسه معه وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله: { وأكثرهم كاذبون } ، ومن جملة ما يفسد القلب: تولهه بالشعر، وفي الحديث:
" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله. وقوله تعالى: { وانتصروا من بعدها ظلموا } ، أي: جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قهرتهم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. ه. وفي الحكم: " ماذا فقد من وجدك، وما الذي وجد من فقدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغى عنك متحولا، كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الشعراء 26:223
قلت: " أي منقلب ": مفعول مطلق لينقلبون، والأصل: ينقلبون أي انقلاب، وليست " أيا ": مفعول " يعلم " لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة: " ينقلبون ": معلق عنها العامل، فهي محل نصب على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل. يقول الحق جل جلاله: { هل أنبئكم } أي: أخبركم أيها المشركون { على من تنزل الشياطين } ، ودخل حرف الجار على " من " الاستفهامية لأنها ليست للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم، فقال: { تنزل على كل أفاك }: كثير الإفك، وهو الكذب، { أثيم } كثير الإثم وهم الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحرم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم. { يلقون السمع } وهم الشياطين، كانوا، قبل أن يحجبوا بالرجم، يلقون أسماعهم إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم. { وأكثرهم كاذبون } فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث:
" إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبة "
، فلذلك يخطئون ويصيبون، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي: المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس، { وأكثرهم } أي: الأفاكون { كاذبون }: مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفاك: الذي يذكر يكثر الإفك، ولا يدل على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكيه عن الجنة. ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، فينتفي كونه كهانة وشعرا، كما قيل فيه، فقال: { والشعراء يتبعهم الغاوون }: مبتدأ وخبر، أي: لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، وهجاء من لا يستحق الهجو، ولا يستحسن ذلك منهم { إلا الغاوون } ، أي: السفهاء، أو الضالون عن طريق الرشد، الحائرون فيما يفعلون ويذرون، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون، بخلاف غيرهم من أهل الرشد، المهتدون إلى طريق الحق، الثابتين عليه. { ألم تر أنهم } أي الشعراء { في كل واد } من الكلام { يهيمون } ، أو في كل فن من الإفك يتحدثون، أو: في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر، أي: ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال، وفي كل شعب من الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال، يهيمون.
{ وأنهم يقولون ما لا يفعلون } من الأفاعيل، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، والأخلاق الحميدة، مستقرا على المنهاج القويم، مستمرا على الصراط المستقيم، ناطقا بكل أمر رشيد، داعيا إلى صراط العزيز الحميد، مؤيدا بمعجزة قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون من الحكم الباهرة، وصنوف المعارف الزاخرة، مستقل بنظم رائق، أعجز كل منطيق ماهر، وبكت كل مفلق ساحر. هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء: أن أتباع الشعراء الغاوون، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. ه. قاله أبو السعود. ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } كعبد الله بن رواحة، وحسان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. { وذكروا الله كثيرا } أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء. وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل "
، وكان يقول لحسان:
" قل، وروح القدس معك ".
{ وانتصروا من بعد ما ظلموا } أي: ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية: جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا يا رسول الله: أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء؟ فقال:
" اقرؤوا ما بعدها: { إلا الذين آمنوا... } هم أنتم وانتصروا، هم أنتم ".
ومر عمر رضي الله عنه وحسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أجب عني، اللهم أيده بروح القدس "
قال: اللهم نعم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } أي مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقة، وفي { الذين ظلموا } من الإطلاق والتعميم.
وفي { أي منقلب ينقلبون } من الإبهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. و المعنى: سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون علي وأي منقلب ينقلبون حين يفدون إلي. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حين نلقاك يا أرحم الراحمين. الإشارة: هل أنبئكم على قلب من تنزلت الشياطين، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت في الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل: ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحدا أدخل رأسه معه وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله: { وأكثرهم كاذبون } ، ومن جملة ما يفسد القلب: تولهه بالشعر، وفي الحديث:
" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله. وقوله تعالى: { وانتصروا من بعدها ظلموا } ، أي: جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قهرتهم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. ه. وفي الحكم: " ماذا فقد من وجدك، وما الذي وجد من فقدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغى عنك متحولا، كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الشعراء 26:224
قلت: " أي منقلب ": مفعول مطلق لينقلبون، والأصل: ينقلبون أي انقلاب، وليست " أيا ": مفعول " يعلم " لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة: " ينقلبون ": معلق عنها العامل، فهي محل نصب على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل. يقول الحق جل جلاله: { هل أنبئكم } أي: أخبركم أيها المشركون { على من تنزل الشياطين } ، ودخل حرف الجار على " من " الاستفهامية لأنها ليست للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم، فقال: { تنزل على كل أفاك }: كثير الإفك، وهو الكذب، { أثيم } كثير الإثم وهم الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحرم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم. { يلقون السمع } وهم الشياطين، كانوا، قبل أن يحجبوا بالرجم، يلقون أسماعهم إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم. { وأكثرهم كاذبون } فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث:
" إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبة "
، فلذلك يخطئون ويصيبون، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي: المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس، { وأكثرهم } أي: الأفاكون { كاذبون }: مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفاك: الذي يذكر يكثر الإفك، ولا يدل على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكيه عن الجنة. ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، فينتفي كونه كهانة وشعرا، كما قيل فيه، فقال: { والشعراء يتبعهم الغاوون }: مبتدأ وخبر، أي: لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، وهجاء من لا يستحق الهجو، ولا يستحسن ذلك منهم { إلا الغاوون } ، أي: السفهاء، أو الضالون عن طريق الرشد، الحائرون فيما يفعلون ويذرون، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون، بخلاف غيرهم من أهل الرشد، المهتدون إلى طريق الحق، الثابتين عليه. { ألم تر أنهم } أي الشعراء { في كل واد } من الكلام { يهيمون } ، أو في كل فن من الإفك يتحدثون، أو: في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر، أي: ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال، وفي كل شعب من الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال، يهيمون.
{ وأنهم يقولون ما لا يفعلون } من الأفاعيل، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، والأخلاق الحميدة، مستقرا على المنهاج القويم، مستمرا على الصراط المستقيم، ناطقا بكل أمر رشيد، داعيا إلى صراط العزيز الحميد، مؤيدا بمعجزة قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون من الحكم الباهرة، وصنوف المعارف الزاخرة، مستقل بنظم رائق، أعجز كل منطيق ماهر، وبكت كل مفلق ساحر. هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء: أن أتباع الشعراء الغاوون، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. ه. قاله أبو السعود. ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } كعبد الله بن رواحة، وحسان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. { وذكروا الله كثيرا } أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء. وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل "
، وكان يقول لحسان:
" قل، وروح القدس معك ".
{ وانتصروا من بعد ما ظلموا } أي: ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية: جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا يا رسول الله: أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء؟ فقال:
" اقرؤوا ما بعدها: { إلا الذين آمنوا... } هم أنتم وانتصروا، هم أنتم ".
ومر عمر رضي الله عنه وحسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أجب عني، اللهم أيده بروح القدس "
قال: اللهم نعم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } أي مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقة، وفي { الذين ظلموا } من الإطلاق والتعميم.
وفي { أي منقلب ينقلبون } من الإبهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. و المعنى: سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون علي وأي منقلب ينقلبون حين يفدون إلي. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حين نلقاك يا أرحم الراحمين. الإشارة: هل أنبئكم على قلب من تنزلت الشياطين، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت في الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل: ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحدا أدخل رأسه معه وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله: { وأكثرهم كاذبون } ، ومن جملة ما يفسد القلب: تولهه بالشعر، وفي الحديث:
" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله. وقوله تعالى: { وانتصروا من بعدها ظلموا } ، أي: جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قهرتهم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. ه. وفي الحكم: " ماذا فقد من وجدك، وما الذي وجد من فقدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغى عنك متحولا، كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الشعراء 26:225
قلت: " أي منقلب ": مفعول مطلق لينقلبون، والأصل: ينقلبون أي انقلاب، وليست " أيا ": مفعول " يعلم " لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة: " ينقلبون ": معلق عنها العامل، فهي محل نصب على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل. يقول الحق جل جلاله: { هل أنبئكم } أي: أخبركم أيها المشركون { على من تنزل الشياطين } ، ودخل حرف الجار على " من " الاستفهامية لأنها ليست للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم، فقال: { تنزل على كل أفاك }: كثير الإفك، وهو الكذب، { أثيم } كثير الإثم وهم الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحرم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم. { يلقون السمع } وهم الشياطين، كانوا، قبل أن يحجبوا بالرجم، يلقون أسماعهم إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم. { وأكثرهم كاذبون } فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث:
" إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبة "
، فلذلك يخطئون ويصيبون، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي: المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس، { وأكثرهم } أي: الأفاكون { كاذبون }: مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفاك: الذي يذكر يكثر الإفك، ولا يدل على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكيه عن الجنة. ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، فينتفي كونه كهانة وشعرا، كما قيل فيه، فقال: { والشعراء يتبعهم الغاوون }: مبتدأ وخبر، أي: لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، وهجاء من لا يستحق الهجو، ولا يستحسن ذلك منهم { إلا الغاوون } ، أي: السفهاء، أو الضالون عن طريق الرشد، الحائرون فيما يفعلون ويذرون، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون، بخلاف غيرهم من أهل الرشد، المهتدون إلى طريق الحق، الثابتين عليه. { ألم تر أنهم } أي الشعراء { في كل واد } من الكلام { يهيمون } ، أو في كل فن من الإفك يتحدثون، أو: في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر، أي: ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال، وفي كل شعب من الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال، يهيمون.
{ وأنهم يقولون ما لا يفعلون } من الأفاعيل، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، والأخلاق الحميدة، مستقرا على المنهاج القويم، مستمرا على الصراط المستقيم، ناطقا بكل أمر رشيد، داعيا إلى صراط العزيز الحميد، مؤيدا بمعجزة قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون من الحكم الباهرة، وصنوف المعارف الزاخرة، مستقل بنظم رائق، أعجز كل منطيق ماهر، وبكت كل مفلق ساحر. هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء: أن أتباع الشعراء الغاوون، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. ه. قاله أبو السعود. ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } كعبد الله بن رواحة، وحسان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. { وذكروا الله كثيرا } أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء. وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل "
، وكان يقول لحسان:
" قل، وروح القدس معك ".
{ وانتصروا من بعد ما ظلموا } أي: ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية: جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا يا رسول الله: أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء؟ فقال:
" اقرؤوا ما بعدها: { إلا الذين آمنوا... } هم أنتم وانتصروا، هم أنتم ".
ومر عمر رضي الله عنه وحسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أجب عني، اللهم أيده بروح القدس "
قال: اللهم نعم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } أي مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقة، وفي { الذين ظلموا } من الإطلاق والتعميم.
وفي { أي منقلب ينقلبون } من الإبهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. و المعنى: سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون علي وأي منقلب ينقلبون حين يفدون إلي. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حين نلقاك يا أرحم الراحمين. الإشارة: هل أنبئكم على قلب من تنزلت الشياطين، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت في الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل: ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحدا أدخل رأسه معه وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله: { وأكثرهم كاذبون } ، ومن جملة ما يفسد القلب: تولهه بالشعر، وفي الحديث:
" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله. وقوله تعالى: { وانتصروا من بعدها ظلموا } ، أي: جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قهرتهم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. ه. وفي الحكم: " ماذا فقد من وجدك، وما الذي وجد من فقدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغى عنك متحولا، كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الشعراء 26:226
قلت: " أي منقلب ": مفعول مطلق لينقلبون، والأصل: ينقلبون أي انقلاب، وليست " أيا ": مفعول " يعلم " لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة: " ينقلبون ": معلق عنها العامل، فهي محل نصب على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل. يقول الحق جل جلاله: { هل أنبئكم } أي: أخبركم أيها المشركون { على من تنزل الشياطين } ، ودخل حرف الجار على " من " الاستفهامية لأنها ليست للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم، فقال: { تنزل على كل أفاك }: كثير الإفك، وهو الكذب، { أثيم } كثير الإثم وهم الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحرم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم. { يلقون السمع } وهم الشياطين، كانوا، قبل أن يحجبوا بالرجم، يلقون أسماعهم إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم. { وأكثرهم كاذبون } فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث:
" إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبة "
، فلذلك يخطئون ويصيبون، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي: المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس، { وأكثرهم } أي: الأفاكون { كاذبون }: مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفاك: الذي يذكر يكثر الإفك، ولا يدل على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكيه عن الجنة. ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، فينتفي كونه كهانة وشعرا، كما قيل فيه، فقال: { والشعراء يتبعهم الغاوون }: مبتدأ وخبر، أي: لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، وهجاء من لا يستحق الهجو، ولا يستحسن ذلك منهم { إلا الغاوون } ، أي: السفهاء، أو الضالون عن طريق الرشد، الحائرون فيما يفعلون ويذرون، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون، بخلاف غيرهم من أهل الرشد، المهتدون إلى طريق الحق، الثابتين عليه. { ألم تر أنهم } أي الشعراء { في كل واد } من الكلام { يهيمون } ، أو في كل فن من الإفك يتحدثون، أو: في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر، أي: ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال، وفي كل شعب من الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال، يهيمون.
{ وأنهم يقولون ما لا يفعلون } من الأفاعيل، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، والأخلاق الحميدة، مستقرا على المنهاج القويم، مستمرا على الصراط المستقيم، ناطقا بكل أمر رشيد، داعيا إلى صراط العزيز الحميد، مؤيدا بمعجزة قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون من الحكم الباهرة، وصنوف المعارف الزاخرة، مستقل بنظم رائق، أعجز كل منطيق ماهر، وبكت كل مفلق ساحر. هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء: أن أتباع الشعراء الغاوون، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. ه. قاله أبو السعود. ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } كعبد الله بن رواحة، وحسان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. { وذكروا الله كثيرا } أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء. وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل "
، وكان يقول لحسان:
" قل، وروح القدس معك ".
{ وانتصروا من بعد ما ظلموا } أي: ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية: جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا يا رسول الله: أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء؟ فقال:
" اقرؤوا ما بعدها: { إلا الذين آمنوا... } هم أنتم وانتصروا، هم أنتم ".
ومر عمر رضي الله عنه وحسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أجب عني، اللهم أيده بروح القدس "
قال: اللهم نعم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } أي مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقة، وفي { الذين ظلموا } من الإطلاق والتعميم.
وفي { أي منقلب ينقلبون } من الإبهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. و المعنى: سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون علي وأي منقلب ينقلبون حين يفدون إلي. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حين نلقاك يا أرحم الراحمين. الإشارة: هل أنبئكم على قلب من تنزلت الشياطين، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت في الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل: ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحدا أدخل رأسه معه وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله: { وأكثرهم كاذبون } ، ومن جملة ما يفسد القلب: تولهه بالشعر، وفي الحديث:
" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله. وقوله تعالى: { وانتصروا من بعدها ظلموا } ، أي: جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قهرتهم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. ه. وفي الحكم: " ماذا فقد من وجدك، وما الذي وجد من فقدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغى عنك متحولا، كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الشعراء 26:227
قلت: " أي منقلب ": مفعول مطلق لينقلبون، والأصل: ينقلبون أي انقلاب، وليست " أيا ": مفعول " يعلم " لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وجملة: " ينقلبون ": معلق عنها العامل، فهي محل نصب على قاعدة التعليق، فإنه في اللفظ دون المحل. يقول الحق جل جلاله: { هل أنبئكم } أي: أخبركم أيها المشركون { على من تنزل الشياطين } ، ودخل حرف الجار على " من " الاستفهامية لأنها ليست للاستفهام بالأصالة. ثم أخبرهم، فقال: { تنزل على كل أفاك }: كثير الإفك، وهو الكذب، { أثيم } كثير الإثم وهم الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة. وحيث كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة أن يحرم حولها شيء من ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم. { يلقون السمع } وهم الشياطين، كانوا، قبل أن يحجبوا بالرجم، يلقون أسماعهم إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم. { وأكثرهم كاذبون } فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وفي الحديث:
" إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبة "
، فلذلك يخطئون ويصيبون، وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي: المسموع من الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس، { وأكثرهم } أي: الأفاكون { كاذبون }: مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. والأفاك: الذي يذكر يكثر الإفك، ولا يدل على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكيه عن الجنة. ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، فينتفي كونه كهانة وشعرا، كما قيل فيه، فقال: { والشعراء يتبعهم الغاوون }: مبتدأ وخبر، أي: لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من لا يستحق المدح، وهجاء من لا يستحق الهجو، ولا يستحسن ذلك منهم { إلا الغاوون } ، أي: السفهاء، أو الضالون عن طريق الرشد، الحائرون فيما يفعلون ويذرون، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون، بخلاف غيرهم من أهل الرشد، المهتدون إلى طريق الحق، الثابتين عليه. { ألم تر أنهم } أي الشعراء { في كل واد } من الكلام { يهيمون } ، أو في كل فن من الإفك يتحدثون، أو: في كل لغو وباطل يخوضون. والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر، أي: ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال، وفي كل شعب من الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال، يهيمون.
{ وأنهم يقولون ما لا يفعلون } من الأفاعيل، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، والأخلاق الحميدة، مستقرا على المنهاج القويم، مستمرا على الصراط المستقيم، ناطقا بكل أمر رشيد، داعيا إلى صراط العزيز الحميد، مؤيدا بمعجزة قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون من الحكم الباهرة، وصنوف المعارف الزاخرة، مستقل بنظم رائق، أعجز كل منطيق ماهر، وبكت كل مفلق ساحر. هذا وقد قيل في تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء: أن أتباع الشعراء الغاوون، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلي. ه. قاله أبو السعود. ثم استثنى الشعراء المؤمنين، فقال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } كعبد الله بن رواحة، وحسان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. { وذكروا الله كثيرا } أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والأدب، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء. وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل "
، وكان يقول لحسان:
" قل، وروح القدس معك ".
{ وانتصروا من بعد ما ظلموا } أي: ردوا على المشركين، الذين هجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروي أنه لما نزلت الآية: جاء حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، يبكون، فقالوا يا رسول الله: أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء؟ فقال:
" اقرؤوا ما بعدها: { إلا الذين آمنوا... } هم أنتم وانتصروا، هم أنتم ".
ومر عمر رضي الله عنه وحسان رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أجب عني، اللهم أيده بروح القدس "
قال: اللهم نعم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } أي مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد لما في { سيعلم } من تهويل متعلقة، وفي { الذين ظلموا } من الإطلاق والتعميم.
وفي { أي منقلب ينقلبون } من الإبهام والتهويل. وتلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنه حين عهد إليه، وكان السلف يتواعظون بها. و المعنى: سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم، حين يقدمون علي وأي منقلب ينقلبون حين يفدون إلي. اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم، حين نلقاك يا أرحم الراحمين. الإشارة: هل أنبئكم على قلب من تنزلت الشياطين، وسكنت فيه، تنزل على قلب كل أفاك أثيم، خارب من النور، محشو بالوسواس والخواطر، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها، وهو سبب فتنتها فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها، سكن فيه النور وتأنس بالله، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت في الظلمة، وتأنس بالخلق، وغاب عن الحق. ولذلك قيل: ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون إذا كان وحده انبسط، وإذا رأى أحدا أدخل رأسه معه وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب وإليه الإشارة بقوله: { وأكثرهم كاذبون } ، ومن جملة ما يفسد القلب: تولهه بالشعر، وفي الحديث:
" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، إلا من كان شعره في توحيد الله، أو في الطريق، كالزهد في الدنيا، والترهيب من الركون إليها، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة، والافتتان بملاذها الفانية، وغير ذلك، أو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والمشايخ الموصلين إليه تعالى، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر الله. وقوله تعالى: { وانتصروا من بعدها ظلموا } ، أي: جاروا على نفوسهم بعدما جارت عليهم، وقهروها بعد ما قهرتهم. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما فاته منا. ه. وفي الحكم: " ماذا فقد من وجدك، وما الذي وجد من فقدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغى عنك متحولا، كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان، أم كيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟ " وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
النمل 27:1
يقول الحق جل جلاله: { طس } أي: يا طاهر يا سيد. قال ابن عباس: " هو اسم من أسماء الله تعالى " ، أقسم به أن هذه السورة آياتها القرآن وكتاب مبين. قلت: ولعلها مختصرة من اسمه " اللطيف والسميع ". وقيل إشارة إلى طهارة سر حبيبه. { تلك آيات القرآن } ، الإشارة إلى نفس السورة، وما في معنى الإشارة من معنى البعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف، أي: تلك السورة الكريمة التي نتلوها عليك هي آيات القرآن، المعروف بعلو الشأن. { و } آيات { كتاب } عظيم الشأن { مبين } مظهر بما في تضاعيفه من الحكم، والأحكام، وأحوال الآخرة، أو: مبين: مفرق بين الرشد والغي، والحلال والحرام، أو: ظاهر الإعجاز، على أنه من: أبان، بمعنى بان، وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، نحو: هذا فعل السخي والجواد. ونكر الكتاب ليكون أفخم له. وقيل: إنما نكر الكتاب وعرفه في الحجر، وعرف القرآن ونكره في الحجر لأن القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفان له لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف. قاله النسفي. وما قيل من أهل الكتاب هو اللوح المحفوظ، وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن، لا يساعده إضافة الآيات إليه. والوصف بالهداية والبشارة في قوله: { هدى وبشرى للمؤمنين } أي: حال كون تلك الآيات هادية ومبشرة للمؤمنين، فهما منصوبان على الحال، من الآيات، على أنهما مصدران بمعنى الفاعل للمبالغة، كأنهما نفس الهداية والبشارة، والعامل فيها ما في " تلك " من معنى الإشارة، أو خبر، أي: هي هدى وبشرى للمؤمنين خاصة إذ لا هداية لغيرهم بها. { الذين يقيمون الصلاة } يديمون على إقامة فرائضها وسننها، ويحافظون على خشوعها وإتقانها، { ويؤتون الزكاة } أي: يؤدون زكاة أموالهم، { وهم بالآخرة هم يوقنون } حق الإيقان. إما من جملة الموصول، وإما استئناف، كأنه قيل: هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان، لا من عداهم لأن من تحمل مشاق العبادات، إنما يكون لخوف العقاب، ورجاء الثواب، أولا، ثم عبودية آخرا، لمن كمل إخلاصه. ثم ذكر ضدهم، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: لا يصدقون بها، وبما فيها من الثواب والعقاب، { زينا لهم أعمالهم } الخبيثة، حيث جعلناها مشتهية للطبع، محبوبة للنفس، حتى رأوها حسنة، كقوله:
أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا
[فاطر: 8]، { فهم يعمهون } يترددون في ضلالتهم. كما يكون حال الضال عن الطريق. { أولئك الذين لهم سوء العذاب } في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر، { وهم في الآخرة هم الأخسرون } أشد الناس خسرانا لأنهم لو آمنوا لكانوا من أكرم الناس، شهداء على جميع الأمم يوم القيامة، فخسروا ذلك مع خسران ثواب الله والنظر إليه.
عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: طس: طهر سرك أيها الإنسان، لتكون من أهل العيان، طهر سرك من الأغيار لتشاهد سر الأسرار، وحينئذ تذوق أسرار القرآن والكتاب المبين، وتصير هداية وبشارة للمؤمنين: فإن من قرأ القرآن وعمل به فقد أدرج النبوة بين كتفيه، كما في الخبر. ثم ذكر من امتلأ قلبه بالأكدار فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة... } إلخ، قال القشيري: أغشيناهم فهم لا يبصرون، وعمينا عليهم المسالك، فهم عن الطريقة المثلى يصدون. أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون. { أؤلئك الذين لهم سوء العذاب } هو أن يجد الألم ولا يجد شهود المبتلي، ولو وجدوه تحمل عنهم ثقله بخلاف المؤمنين. ه. ثم ذكر الحق تعالى كيفية نزول القرآن الذي تقدم ذكره، فقال: { وإنك لتلقى القرآن... }
النمل 27:2
يقول الحق جل جلاله: { طس } أي: يا طاهر يا سيد. قال ابن عباس: " هو اسم من أسماء الله تعالى " ، أقسم به أن هذه السورة آياتها القرآن وكتاب مبين. قلت: ولعلها مختصرة من اسمه " اللطيف والسميع ". وقيل إشارة إلى طهارة سر حبيبه. { تلك آيات القرآن } ، الإشارة إلى نفس السورة، وما في معنى الإشارة من معنى البعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف، أي: تلك السورة الكريمة التي نتلوها عليك هي آيات القرآن، المعروف بعلو الشأن. { و } آيات { كتاب } عظيم الشأن { مبين } مظهر بما في تضاعيفه من الحكم، والأحكام، وأحوال الآخرة، أو: مبين: مفرق بين الرشد والغي، والحلال والحرام، أو: ظاهر الإعجاز، على أنه من: أبان، بمعنى بان، وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، نحو: هذا فعل السخي والجواد. ونكر الكتاب ليكون أفخم له. وقيل: إنما نكر الكتاب وعرفه في الحجر، وعرف القرآن ونكره في الحجر لأن القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفان له لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف. قاله النسفي. وما قيل من أهل الكتاب هو اللوح المحفوظ، وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن، لا يساعده إضافة الآيات إليه. والوصف بالهداية والبشارة في قوله: { هدى وبشرى للمؤمنين } أي: حال كون تلك الآيات هادية ومبشرة للمؤمنين، فهما منصوبان على الحال، من الآيات، على أنهما مصدران بمعنى الفاعل للمبالغة، كأنهما نفس الهداية والبشارة، والعامل فيها ما في " تلك " من معنى الإشارة، أو خبر، أي: هي هدى وبشرى للمؤمنين خاصة إذ لا هداية لغيرهم بها. { الذين يقيمون الصلاة } يديمون على إقامة فرائضها وسننها، ويحافظون على خشوعها وإتقانها، { ويؤتون الزكاة } أي: يؤدون زكاة أموالهم، { وهم بالآخرة هم يوقنون } حق الإيقان. إما من جملة الموصول، وإما استئناف، كأنه قيل: هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان، لا من عداهم لأن من تحمل مشاق العبادات، إنما يكون لخوف العقاب، ورجاء الثواب، أولا، ثم عبودية آخرا، لمن كمل إخلاصه. ثم ذكر ضدهم، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: لا يصدقون بها، وبما فيها من الثواب والعقاب، { زينا لهم أعمالهم } الخبيثة، حيث جعلناها مشتهية للطبع، محبوبة للنفس، حتى رأوها حسنة، كقوله:
أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا
[فاطر: 8]، { فهم يعمهون } يترددون في ضلالتهم. كما يكون حال الضال عن الطريق. { أولئك الذين لهم سوء العذاب } في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر، { وهم في الآخرة هم الأخسرون } أشد الناس خسرانا لأنهم لو آمنوا لكانوا من أكرم الناس، شهداء على جميع الأمم يوم القيامة، فخسروا ذلك مع خسران ثواب الله والنظر إليه.
عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: طس: طهر سرك أيها الإنسان، لتكون من أهل العيان، طهر سرك من الأغيار لتشاهد سر الأسرار، وحينئذ تذوق أسرار القرآن والكتاب المبين، وتصير هداية وبشارة للمؤمنين: فإن من قرأ القرآن وعمل به فقد أدرج النبوة بين كتفيه، كما في الخبر. ثم ذكر من امتلأ قلبه بالأكدار فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة... } إلخ، قال القشيري: أغشيناهم فهم لا يبصرون، وعمينا عليهم المسالك، فهم عن الطريقة المثلى يصدون. أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون. { أؤلئك الذين لهم سوء العذاب } هو أن يجد الألم ولا يجد شهود المبتلي، ولو وجدوه تحمل عنهم ثقله بخلاف المؤمنين. ه. ثم ذكر الحق تعالى كيفية نزول القرآن الذي تقدم ذكره، فقال: { وإنك لتلقى القرآن... }
النمل 27:3
يقول الحق جل جلاله: { طس } أي: يا طاهر يا سيد. قال ابن عباس: " هو اسم من أسماء الله تعالى " ، أقسم به أن هذه السورة آياتها القرآن وكتاب مبين. قلت: ولعلها مختصرة من اسمه " اللطيف والسميع ". وقيل إشارة إلى طهارة سر حبيبه. { تلك آيات القرآن } ، الإشارة إلى نفس السورة، وما في معنى الإشارة من معنى البعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف، أي: تلك السورة الكريمة التي نتلوها عليك هي آيات القرآن، المعروف بعلو الشأن. { و } آيات { كتاب } عظيم الشأن { مبين } مظهر بما في تضاعيفه من الحكم، والأحكام، وأحوال الآخرة، أو: مبين: مفرق بين الرشد والغي، والحلال والحرام، أو: ظاهر الإعجاز، على أنه من: أبان، بمعنى بان، وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، نحو: هذا فعل السخي والجواد. ونكر الكتاب ليكون أفخم له. وقيل: إنما نكر الكتاب وعرفه في الحجر، وعرف القرآن ونكره في الحجر لأن القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفان له لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف. قاله النسفي. وما قيل من أهل الكتاب هو اللوح المحفوظ، وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن، لا يساعده إضافة الآيات إليه. والوصف بالهداية والبشارة في قوله: { هدى وبشرى للمؤمنين } أي: حال كون تلك الآيات هادية ومبشرة للمؤمنين، فهما منصوبان على الحال، من الآيات، على أنهما مصدران بمعنى الفاعل للمبالغة، كأنهما نفس الهداية والبشارة، والعامل فيها ما في " تلك " من معنى الإشارة، أو خبر، أي: هي هدى وبشرى للمؤمنين خاصة إذ لا هداية لغيرهم بها. { الذين يقيمون الصلاة } يديمون على إقامة فرائضها وسننها، ويحافظون على خشوعها وإتقانها، { ويؤتون الزكاة } أي: يؤدون زكاة أموالهم، { وهم بالآخرة هم يوقنون } حق الإيقان. إما من جملة الموصول، وإما استئناف، كأنه قيل: هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان، لا من عداهم لأن من تحمل مشاق العبادات، إنما يكون لخوف العقاب، ورجاء الثواب، أولا، ثم عبودية آخرا، لمن كمل إخلاصه. ثم ذكر ضدهم، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: لا يصدقون بها، وبما فيها من الثواب والعقاب، { زينا لهم أعمالهم } الخبيثة، حيث جعلناها مشتهية للطبع، محبوبة للنفس، حتى رأوها حسنة، كقوله:
أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا
[فاطر: 8]، { فهم يعمهون } يترددون في ضلالتهم. كما يكون حال الضال عن الطريق. { أولئك الذين لهم سوء العذاب } في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر، { وهم في الآخرة هم الأخسرون } أشد الناس خسرانا لأنهم لو آمنوا لكانوا من أكرم الناس، شهداء على جميع الأمم يوم القيامة، فخسروا ذلك مع خسران ثواب الله والنظر إليه.
عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: طس: طهر سرك أيها الإنسان، لتكون من أهل العيان، طهر سرك من الأغيار لتشاهد سر الأسرار، وحينئذ تذوق أسرار القرآن والكتاب المبين، وتصير هداية وبشارة للمؤمنين: فإن من قرأ القرآن وعمل به فقد أدرج النبوة بين كتفيه، كما في الخبر. ثم ذكر من امتلأ قلبه بالأكدار فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة... } إلخ، قال القشيري: أغشيناهم فهم لا يبصرون، وعمينا عليهم المسالك، فهم عن الطريقة المثلى يصدون. أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون. { أؤلئك الذين لهم سوء العذاب } هو أن يجد الألم ولا يجد شهود المبتلي، ولو وجدوه تحمل عنهم ثقله بخلاف المؤمنين. ه. ثم ذكر الحق تعالى كيفية نزول القرآن الذي تقدم ذكره، فقال: { وإنك لتلقى القرآن... }
النمل 27:4
يقول الحق جل جلاله: { طس } أي: يا طاهر يا سيد. قال ابن عباس: " هو اسم من أسماء الله تعالى " ، أقسم به أن هذه السورة آياتها القرآن وكتاب مبين. قلت: ولعلها مختصرة من اسمه " اللطيف والسميع ". وقيل إشارة إلى طهارة سر حبيبه. { تلك آيات القرآن } ، الإشارة إلى نفس السورة، وما في معنى الإشارة من معنى البعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف، أي: تلك السورة الكريمة التي نتلوها عليك هي آيات القرآن، المعروف بعلو الشأن. { و } آيات { كتاب } عظيم الشأن { مبين } مظهر بما في تضاعيفه من الحكم، والأحكام، وأحوال الآخرة، أو: مبين: مفرق بين الرشد والغي، والحلال والحرام، أو: ظاهر الإعجاز، على أنه من: أبان، بمعنى بان، وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، نحو: هذا فعل السخي والجواد. ونكر الكتاب ليكون أفخم له. وقيل: إنما نكر الكتاب وعرفه في الحجر، وعرف القرآن ونكره في الحجر لأن القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفان له لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف. قاله النسفي. وما قيل من أهل الكتاب هو اللوح المحفوظ، وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن، لا يساعده إضافة الآيات إليه. والوصف بالهداية والبشارة في قوله: { هدى وبشرى للمؤمنين } أي: حال كون تلك الآيات هادية ومبشرة للمؤمنين، فهما منصوبان على الحال، من الآيات، على أنهما مصدران بمعنى الفاعل للمبالغة، كأنهما نفس الهداية والبشارة، والعامل فيها ما في " تلك " من معنى الإشارة، أو خبر، أي: هي هدى وبشرى للمؤمنين خاصة إذ لا هداية لغيرهم بها. { الذين يقيمون الصلاة } يديمون على إقامة فرائضها وسننها، ويحافظون على خشوعها وإتقانها، { ويؤتون الزكاة } أي: يؤدون زكاة أموالهم، { وهم بالآخرة هم يوقنون } حق الإيقان. إما من جملة الموصول، وإما استئناف، كأنه قيل: هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان، لا من عداهم لأن من تحمل مشاق العبادات، إنما يكون لخوف العقاب، ورجاء الثواب، أولا، ثم عبودية آخرا، لمن كمل إخلاصه. ثم ذكر ضدهم، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: لا يصدقون بها، وبما فيها من الثواب والعقاب، { زينا لهم أعمالهم } الخبيثة، حيث جعلناها مشتهية للطبع، محبوبة للنفس، حتى رأوها حسنة، كقوله:
أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا
[فاطر: 8]، { فهم يعمهون } يترددون في ضلالتهم. كما يكون حال الضال عن الطريق. { أولئك الذين لهم سوء العذاب } في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر، { وهم في الآخرة هم الأخسرون } أشد الناس خسرانا لأنهم لو آمنوا لكانوا من أكرم الناس، شهداء على جميع الأمم يوم القيامة، فخسروا ذلك مع خسران ثواب الله والنظر إليه.
عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: طس: طهر سرك أيها الإنسان، لتكون من أهل العيان، طهر سرك من الأغيار لتشاهد سر الأسرار، وحينئذ تذوق أسرار القرآن والكتاب المبين، وتصير هداية وبشارة للمؤمنين: فإن من قرأ القرآن وعمل به فقد أدرج النبوة بين كتفيه، كما في الخبر. ثم ذكر من امتلأ قلبه بالأكدار فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة... } إلخ، قال القشيري: أغشيناهم فهم لا يبصرون، وعمينا عليهم المسالك، فهم عن الطريقة المثلى يصدون. أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون. { أؤلئك الذين لهم سوء العذاب } هو أن يجد الألم ولا يجد شهود المبتلي، ولو وجدوه تحمل عنهم ثقله بخلاف المؤمنين. ه. ثم ذكر الحق تعالى كيفية نزول القرآن الذي تقدم ذكره، فقال: { وإنك لتلقى القرآن... }
النمل 27:5
يقول الحق جل جلاله: { طس } أي: يا طاهر يا سيد. قال ابن عباس: " هو اسم من أسماء الله تعالى " ، أقسم به أن هذه السورة آياتها القرآن وكتاب مبين. قلت: ولعلها مختصرة من اسمه " اللطيف والسميع ". وقيل إشارة إلى طهارة سر حبيبه. { تلك آيات القرآن } ، الإشارة إلى نفس السورة، وما في معنى الإشارة من معنى البعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف، أي: تلك السورة الكريمة التي نتلوها عليك هي آيات القرآن، المعروف بعلو الشأن. { و } آيات { كتاب } عظيم الشأن { مبين } مظهر بما في تضاعيفه من الحكم، والأحكام، وأحوال الآخرة، أو: مبين: مفرق بين الرشد والغي، والحلال والحرام، أو: ظاهر الإعجاز، على أنه من: أبان، بمعنى بان، وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، نحو: هذا فعل السخي والجواد. ونكر الكتاب ليكون أفخم له. وقيل: إنما نكر الكتاب وعرفه في الحجر، وعرف القرآن ونكره في الحجر لأن القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفان له لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف. قاله النسفي. وما قيل من أهل الكتاب هو اللوح المحفوظ، وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن، لا يساعده إضافة الآيات إليه. والوصف بالهداية والبشارة في قوله: { هدى وبشرى للمؤمنين } أي: حال كون تلك الآيات هادية ومبشرة للمؤمنين، فهما منصوبان على الحال، من الآيات، على أنهما مصدران بمعنى الفاعل للمبالغة، كأنهما نفس الهداية والبشارة، والعامل فيها ما في " تلك " من معنى الإشارة، أو خبر، أي: هي هدى وبشرى للمؤمنين خاصة إذ لا هداية لغيرهم بها. { الذين يقيمون الصلاة } يديمون على إقامة فرائضها وسننها، ويحافظون على خشوعها وإتقانها، { ويؤتون الزكاة } أي: يؤدون زكاة أموالهم، { وهم بالآخرة هم يوقنون } حق الإيقان. إما من جملة الموصول، وإما استئناف، كأنه قيل: هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان، لا من عداهم لأن من تحمل مشاق العبادات، إنما يكون لخوف العقاب، ورجاء الثواب، أولا، ثم عبودية آخرا، لمن كمل إخلاصه. ثم ذكر ضدهم، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: لا يصدقون بها، وبما فيها من الثواب والعقاب، { زينا لهم أعمالهم } الخبيثة، حيث جعلناها مشتهية للطبع، محبوبة للنفس، حتى رأوها حسنة، كقوله:
أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا
[فاطر: 8]، { فهم يعمهون } يترددون في ضلالتهم. كما يكون حال الضال عن الطريق. { أولئك الذين لهم سوء العذاب } في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر، { وهم في الآخرة هم الأخسرون } أشد الناس خسرانا لأنهم لو آمنوا لكانوا من أكرم الناس، شهداء على جميع الأمم يوم القيامة، فخسروا ذلك مع خسران ثواب الله والنظر إليه.
عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: طس: طهر سرك أيها الإنسان، لتكون من أهل العيان، طهر سرك من الأغيار لتشاهد سر الأسرار، وحينئذ تذوق أسرار القرآن والكتاب المبين، وتصير هداية وبشارة للمؤمنين: فإن من قرأ القرآن وعمل به فقد أدرج النبوة بين كتفيه، كما في الخبر. ثم ذكر من امتلأ قلبه بالأكدار فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة... } إلخ، قال القشيري: أغشيناهم فهم لا يبصرون، وعمينا عليهم المسالك، فهم عن الطريقة المثلى يصدون. أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون. { أؤلئك الذين لهم سوء العذاب } هو أن يجد الألم ولا يجد شهود المبتلي، ولو وجدوه تحمل عنهم ثقله بخلاف المؤمنين. ه. ثم ذكر الحق تعالى كيفية نزول القرآن الذي تقدم ذكره، فقال: { وإنك لتلقى القرآن... }
النمل 27:6
قلت: تلقى: مبني للمفعول. والفاعل هو الله لدلالة ما تقدم عليه، من قوله: { وإنه لتنزيل رب العالمين }. ولقى: يتعدى إلى واحد، وبالتضعيف إلى اثنين. وكأنه كان غائبا فلقيه، فالمفعول الأول صار نائبا. و " القرآن ": مفعول ثان، أي: وإنك ليلقيك الله القرآن. يقول الحق جل جلاله: { وإنك } يا محمد { لتلقى القرآن } أي: لتؤتاه بطريق التلقية والتلقين { من لدن حكيم عليم } أي: من عند أي حكيم وأي عليم، فالتنكير للتفخيم. وفي تفخيمه تفخيم لشأن القرآن. وتنصيص على علو طبقته - عليه الصلاة والسلام - في معرفته، والإحاطة بما فيه من العلوم والحكم والأسرار فإن من تلقى العلوم والحكم من الحكيم العليم يكون علما في إتقان العلوم والحكم. والجمع بينهما مع دخول العلم في الحكمة لعموم العلم، ودلالة الحكمة على إتقان الفعل، والإشعار بأن ما في القرآن من العلوم، منها ما هو حكمة، كالعقائد والشرائع، ومنها ما ليس كذلك، كالقصص والأخبار الغيبية. قاله أبو السعود. قال ابن عطية: في الآية رد على كفار قريش في قولهم: القرآن من تلقاء محمد. وقال القرطبي: الآية تمهيد لما يريد أن يسوق من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه، ومن آثار ذلك: قصة موسى { إذ قال لأهله... } إلخ. ه. الإشارة: قال أبو بكر بن طاهر: وإنك لتلقى القرآن من الحق حقيقية، وإن كنت تأخذه في الظاهر عن واسطة جبريل عليه السلام. قال تعالى:
الرحمن علم القرءان
[الرحمن: 1، 2]ه. قلت: العارفون بالله لا يسمعون القرآن إلا من لدن حكيم عليم، بلا واسطة، الواسطة محذوفة في نظرهم، فهم يسمعون من الله إلى الله، ويقرؤون بالله على الله، كما قال القائل: أنا بالله أنطق، ومن الله أسمع. ومما يحقق لك حذف الواسطة: قوله تعالى:
فإذا قرأناه فاتبع قرآنه
[القيامة: 28] وسمعت شيخي البوزيدي رضي الله عنه، يقول: لا يكون الإنسان من الراسخين في العلم حتى يقرأ كله وهو مجموع فيه، أي: يقرأ بالله ويسمعه من الله. والله تعالى أعلم. ثم شرع في قصص الأنبياء تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: { إذ قال موسى لأهله... }
النمل 27:7
يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ قال موسى لأهله } زوجته ومن معه، عند مسيره من مدين إلى مصر: { إني آنست } أي: أبصرت { نارا سآتيكم منها بخبر } عن حال طريق التي ضل عنها. والسين للدلالة على نوع بعد في المسافة، وتأكيد الوعد. { آو آتيكم بشهاب قبس } أي: شعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة. ومن نون فبدل، أو صفة، وعلى القراءتين فالمراد: تعيين المقصود الذي هو القبس، الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء لأن من النار ما ليس بقبس، كالجمرة. وكلتا العدتين منه عليه السلام بطريق الظن، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه، من صيغتي الترجي والترديد لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه التخلف. وأتى بأو لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معا لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى، وهي عز الدنيا والآخرة. واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. قاله النسفي. { لعلكم تصطلون } تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم. { فلما جاءها } أي: النار التي أبصرها { نودي } من جانب الطور { أن بورك } ، على أن " أن " مفسرة لما في النداء من معنى القول. أو: بأن بورك، على أنها مصدرية، وقيل: مخففة، ولا ضرر في فقدان الفصل ب " لا " ، أو قد، أو السين، أو سوف لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام، أي: أنه، أي: الأمر والشأن { بورك } أي: قدس، أو: جعل فيه البركة والخير، { من في النار ومن حولها } أي: من في مكان النار، وهم الملائكة، { ومن حولها } أي: موسى عليه السلام، بإنزال الوحي عليه، الذي فيه خير الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس والحسن: بورك من في النار أي: قدس من في النار، وهو الله تعالى أي: نوره وسره، الذي قامت به الأشياء، من باب قيام المعاني بالأواني، أو: من قيام أسرار الذات بالأشياء، بمعنى أنه نادى موسى منها وسمع كلامه من جهتها، ثم نزه - سبحانه - ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد، فقال: { وسبحان الله } أي: تنزيها له عن الحلول في شيء، وهو { رب العالمين }. ثم فسر نداءه، فقال: { يا موسى إنه } أي: الأمر والشأن { أنا الله العزيز الحكيم } أو: إنه، أي: مكلمك، الله العزيز الحكيم، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات. { وألق عصاك } لتعلم معجزتها، فتأنس بها، وهو عطف على بورك أي: نودي أن بورك وأن ألق عصاك. والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: ألق عصاك، { فلما رآها تهتز } تتحرك يمينا وشمالا، { كأنها جان } حية صغيرة { ولى } موسى { مدبرا } أي: أدبر عنها، وجعلها تلي ظهره، خوفا من وثوب الحية عليه، { ولم يعقب } لم يرجع على عقبيه، من: عقب المقاتل: إذا كر بعد الفر.
والخوف من الشيء المكروه أمر طبيعي، لا يتخلف، وليس في طوق البشر. قال له تعالى: { يا موسى لا تخف } من غيري، ثقة بي، أو: لا تخف مطلقا { إني لايخاف لدي المرسلون } أي: لا يخاف المرسلون عند خطابي إياهم، فإنهم مستغرقون في شهود الحق، لا يخطر ببالهم خوف ولا غيره. وأما في غير أحوال الوحي فهم أشد الناس خوفا منه سبحانه، أو: لا يخافون من غيري، لأنهم لدي في حفظي ورعايتي. { إلا من ظلم } أي: لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون قط، فهو استثناء منقطع، استدرك به ما عسى يختلج في العقل، من نفي الخوف عن كلهم، مع أن منهم من فرطت منه صغيرة مما يجوز صدوره عن الأنبياء - عليهم السلام - كما فرط من آدم، وموسى، وداود، وسليمان - عليهم السلام - فحسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى - عليه السلام - ومن وكزه القبطي. وسماها ظلما، كقوله عليه السلام في سورة القصص:
رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له
[القصص: 16]. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر في الاستثناء كونه متصلا، وأطلق الظلم باعتبار منصب النبوة، وإشفاقهم مما لا يشفق منه غيرهم، كما اتفق لموسى في مدافعة القبطي عن الإسرائيلي، مع أن إغاثة المظلوم مشروعة عموما، ولكن لما لم يؤذن له خصوصا عد ذلك ظلما وذنبا. وأما ما سرى من القتل فلم يقصده، وإنما اتفق من غير قصد. ه. قوله: { ثم بدل حسنا بعد سوء } أي: أتبع زلته حسنة محلها، كالتوبة وشبهها، { فإني غفور رحيم } أقبل توبته، وأغفر حوبته، وأرحمه، فأحقق أمنيته. والله تعالى أعلم. الإشارة: تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه. وقوله تعالى: { أن بورك من في النار... } تقدم قول ابن عباس وغيره: أن المراد بمن في النار: نور الحق تعالى. قال بعض العلماء: كانت النار نوره تعالى، وإنما ذكره بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. ه. ومنه حديث:
" حجابه النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره "
، أي: حجابه النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه، فالأواني حجب للمعاني، والمعاني هي أنوارالملكوت، الساترة لأسرار الجبروت، السارية في الأشياء. وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل بالحديث: " حجابة النار " ومعنى كلامه: أن الله تعالى احتجت في مظاهر تجلياته، وهي كثيرة، ومن جملتها النار، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها، وإليه أشار ابن وفا بقوله
هو النور المحيط بكل كون
ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات، العارفون بالله، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله بالجهل، والعياذ بالله. ثم ذكر معجزة اليد، فقال: { وأدخل يدك في جيبك تخرج... }
النمل 27:8
يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ قال موسى لأهله } زوجته ومن معه، عند مسيره من مدين إلى مصر: { إني آنست } أي: أبصرت { نارا سآتيكم منها بخبر } عن حال طريق التي ضل عنها. والسين للدلالة على نوع بعد في المسافة، وتأكيد الوعد. { آو آتيكم بشهاب قبس } أي: شعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة. ومن نون فبدل، أو صفة، وعلى القراءتين فالمراد: تعيين المقصود الذي هو القبس، الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء لأن من النار ما ليس بقبس، كالجمرة. وكلتا العدتين منه عليه السلام بطريق الظن، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه، من صيغتي الترجي والترديد لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه التخلف. وأتى بأو لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معا لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى، وهي عز الدنيا والآخرة. واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. قاله النسفي. { لعلكم تصطلون } تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم. { فلما جاءها } أي: النار التي أبصرها { نودي } من جانب الطور { أن بورك } ، على أن " أن " مفسرة لما في النداء من معنى القول. أو: بأن بورك، على أنها مصدرية، وقيل: مخففة، ولا ضرر في فقدان الفصل ب " لا " ، أو قد، أو السين، أو سوف لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام، أي: أنه، أي: الأمر والشأن { بورك } أي: قدس، أو: جعل فيه البركة والخير، { من في النار ومن حولها } أي: من في مكان النار، وهم الملائكة، { ومن حولها } أي: موسى عليه السلام، بإنزال الوحي عليه، الذي فيه خير الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس والحسن: بورك من في النار أي: قدس من في النار، وهو الله تعالى أي: نوره وسره، الذي قامت به الأشياء، من باب قيام المعاني بالأواني، أو: من قيام أسرار الذات بالأشياء، بمعنى أنه نادى موسى منها وسمع كلامه من جهتها، ثم نزه - سبحانه - ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد، فقال: { وسبحان الله } أي: تنزيها له عن الحلول في شيء، وهو { رب العالمين }. ثم فسر نداءه، فقال: { يا موسى إنه } أي: الأمر والشأن { أنا الله العزيز الحكيم } أو: إنه، أي: مكلمك، الله العزيز الحكيم، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات. { وألق عصاك } لتعلم معجزتها، فتأنس بها، وهو عطف على بورك أي: نودي أن بورك وأن ألق عصاك. والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: ألق عصاك، { فلما رآها تهتز } تتحرك يمينا وشمالا، { كأنها جان } حية صغيرة { ولى } موسى { مدبرا } أي: أدبر عنها، وجعلها تلي ظهره، خوفا من وثوب الحية عليه، { ولم يعقب } لم يرجع على عقبيه، من: عقب المقاتل: إذا كر بعد الفر.
والخوف من الشيء المكروه أمر طبيعي، لا يتخلف، وليس في طوق البشر. قال له تعالى: { يا موسى لا تخف } من غيري، ثقة بي، أو: لا تخف مطلقا { إني لايخاف لدي المرسلون } أي: لا يخاف المرسلون عند خطابي إياهم، فإنهم مستغرقون في شهود الحق، لا يخطر ببالهم خوف ولا غيره. وأما في غير أحوال الوحي فهم أشد الناس خوفا منه سبحانه، أو: لا يخافون من غيري، لأنهم لدي في حفظي ورعايتي. { إلا من ظلم } أي: لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون قط، فهو استثناء منقطع، استدرك به ما عسى يختلج في العقل، من نفي الخوف عن كلهم، مع أن منهم من فرطت منه صغيرة مما يجوز صدوره عن الأنبياء - عليهم السلام - كما فرط من آدم، وموسى، وداود، وسليمان - عليهم السلام - فحسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى - عليه السلام - ومن وكزه القبطي. وسماها ظلما، كقوله عليه السلام في سورة القصص:
رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له
[القصص: 16]. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر في الاستثناء كونه متصلا، وأطلق الظلم باعتبار منصب النبوة، وإشفاقهم مما لا يشفق منه غيرهم، كما اتفق لموسى في مدافعة القبطي عن الإسرائيلي، مع أن إغاثة المظلوم مشروعة عموما، ولكن لما لم يؤذن له خصوصا عد ذلك ظلما وذنبا. وأما ما سرى من القتل فلم يقصده، وإنما اتفق من غير قصد. ه. قوله: { ثم بدل حسنا بعد سوء } أي: أتبع زلته حسنة محلها، كالتوبة وشبهها، { فإني غفور رحيم } أقبل توبته، وأغفر حوبته، وأرحمه، فأحقق أمنيته. والله تعالى أعلم. الإشارة: تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه. وقوله تعالى: { أن بورك من في النار... } تقدم قول ابن عباس وغيره: أن المراد بمن في النار: نور الحق تعالى. قال بعض العلماء: كانت النار نوره تعالى، وإنما ذكره بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. ه. ومنه حديث:
" حجابه النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره "
، أي: حجابه النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه، فالأواني حجب للمعاني، والمعاني هي أنوارالملكوت، الساترة لأسرار الجبروت، السارية في الأشياء. وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل بالحديث: " حجابة النار " ومعنى كلامه: أن الله تعالى احتجت في مظاهر تجلياته، وهي كثيرة، ومن جملتها النار، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها، وإليه أشار ابن وفا بقوله
هو النور المحيط بكل كون
ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات، العارفون بالله، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله بالجهل، والعياذ بالله. ثم ذكر معجزة اليد، فقال: { وأدخل يدك في جيبك تخرج... }
النمل 27:9
يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ قال موسى لأهله } زوجته ومن معه، عند مسيره من مدين إلى مصر: { إني آنست } أي: أبصرت { نارا سآتيكم منها بخبر } عن حال طريق التي ضل عنها. والسين للدلالة على نوع بعد في المسافة، وتأكيد الوعد. { آو آتيكم بشهاب قبس } أي: شعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة. ومن نون فبدل، أو صفة، وعلى القراءتين فالمراد: تعيين المقصود الذي هو القبس، الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء لأن من النار ما ليس بقبس، كالجمرة. وكلتا العدتين منه عليه السلام بطريق الظن، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه، من صيغتي الترجي والترديد لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه التخلف. وأتى بأو لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معا لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى، وهي عز الدنيا والآخرة. واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. قاله النسفي. { لعلكم تصطلون } تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم. { فلما جاءها } أي: النار التي أبصرها { نودي } من جانب الطور { أن بورك } ، على أن " أن " مفسرة لما في النداء من معنى القول. أو: بأن بورك، على أنها مصدرية، وقيل: مخففة، ولا ضرر في فقدان الفصل ب " لا " ، أو قد، أو السين، أو سوف لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام، أي: أنه، أي: الأمر والشأن { بورك } أي: قدس، أو: جعل فيه البركة والخير، { من في النار ومن حولها } أي: من في مكان النار، وهم الملائكة، { ومن حولها } أي: موسى عليه السلام، بإنزال الوحي عليه، الذي فيه خير الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس والحسن: بورك من في النار أي: قدس من في النار، وهو الله تعالى أي: نوره وسره، الذي قامت به الأشياء، من باب قيام المعاني بالأواني، أو: من قيام أسرار الذات بالأشياء، بمعنى أنه نادى موسى منها وسمع كلامه من جهتها، ثم نزه - سبحانه - ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد، فقال: { وسبحان الله } أي: تنزيها له عن الحلول في شيء، وهو { رب العالمين }. ثم فسر نداءه، فقال: { يا موسى إنه } أي: الأمر والشأن { أنا الله العزيز الحكيم } أو: إنه، أي: مكلمك، الله العزيز الحكيم، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات. { وألق عصاك } لتعلم معجزتها، فتأنس بها، وهو عطف على بورك أي: نودي أن بورك وأن ألق عصاك. والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: ألق عصاك، { فلما رآها تهتز } تتحرك يمينا وشمالا، { كأنها جان } حية صغيرة { ولى } موسى { مدبرا } أي: أدبر عنها، وجعلها تلي ظهره، خوفا من وثوب الحية عليه، { ولم يعقب } لم يرجع على عقبيه، من: عقب المقاتل: إذا كر بعد الفر.
والخوف من الشيء المكروه أمر طبيعي، لا يتخلف، وليس في طوق البشر. قال له تعالى: { يا موسى لا تخف } من غيري، ثقة بي، أو: لا تخف مطلقا { إني لايخاف لدي المرسلون } أي: لا يخاف المرسلون عند خطابي إياهم، فإنهم مستغرقون في شهود الحق، لا يخطر ببالهم خوف ولا غيره. وأما في غير أحوال الوحي فهم أشد الناس خوفا منه سبحانه، أو: لا يخافون من غيري، لأنهم لدي في حفظي ورعايتي. { إلا من ظلم } أي: لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون قط، فهو استثناء منقطع، استدرك به ما عسى يختلج في العقل، من نفي الخوف عن كلهم، مع أن منهم من فرطت منه صغيرة مما يجوز صدوره عن الأنبياء - عليهم السلام - كما فرط من آدم، وموسى، وداود، وسليمان - عليهم السلام - فحسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى - عليه السلام - ومن وكزه القبطي. وسماها ظلما، كقوله عليه السلام في سورة القصص:
رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له
[القصص: 16]. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر في الاستثناء كونه متصلا، وأطلق الظلم باعتبار منصب النبوة، وإشفاقهم مما لا يشفق منه غيرهم، كما اتفق لموسى في مدافعة القبطي عن الإسرائيلي، مع أن إغاثة المظلوم مشروعة عموما، ولكن لما لم يؤذن له خصوصا عد ذلك ظلما وذنبا. وأما ما سرى من القتل فلم يقصده، وإنما اتفق من غير قصد. ه. قوله: { ثم بدل حسنا بعد سوء } أي: أتبع زلته حسنة محلها، كالتوبة وشبهها، { فإني غفور رحيم } أقبل توبته، وأغفر حوبته، وأرحمه، فأحقق أمنيته. والله تعالى أعلم. الإشارة: تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه. وقوله تعالى: { أن بورك من في النار... } تقدم قول ابن عباس وغيره: أن المراد بمن في النار: نور الحق تعالى. قال بعض العلماء: كانت النار نوره تعالى، وإنما ذكره بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. ه. ومنه حديث:
" حجابه النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره "
، أي: حجابه النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه، فالأواني حجب للمعاني، والمعاني هي أنوارالملكوت، الساترة لأسرار الجبروت، السارية في الأشياء. وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل بالحديث: " حجابة النار " ومعنى كلامه: أن الله تعالى احتجت في مظاهر تجلياته، وهي كثيرة، ومن جملتها النار، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها، وإليه أشار ابن وفا بقوله
هو النور المحيط بكل كون
ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات، العارفون بالله، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله بالجهل، والعياذ بالله. ثم ذكر معجزة اليد، فقال: { وأدخل يدك في جيبك تخرج... }
النمل 27:10
يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ قال موسى لأهله } زوجته ومن معه، عند مسيره من مدين إلى مصر: { إني آنست } أي: أبصرت { نارا سآتيكم منها بخبر } عن حال طريق التي ضل عنها. والسين للدلالة على نوع بعد في المسافة، وتأكيد الوعد. { آو آتيكم بشهاب قبس } أي: شعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة. ومن نون فبدل، أو صفة، وعلى القراءتين فالمراد: تعيين المقصود الذي هو القبس، الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء لأن من النار ما ليس بقبس، كالجمرة. وكلتا العدتين منه عليه السلام بطريق الظن، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه، من صيغتي الترجي والترديد لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه التخلف. وأتى بأو لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معا لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى، وهي عز الدنيا والآخرة. واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. قاله النسفي. { لعلكم تصطلون } تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم. { فلما جاءها } أي: النار التي أبصرها { نودي } من جانب الطور { أن بورك } ، على أن " أن " مفسرة لما في النداء من معنى القول. أو: بأن بورك، على أنها مصدرية، وقيل: مخففة، ولا ضرر في فقدان الفصل ب " لا " ، أو قد، أو السين، أو سوف لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام، أي: أنه، أي: الأمر والشأن { بورك } أي: قدس، أو: جعل فيه البركة والخير، { من في النار ومن حولها } أي: من في مكان النار، وهم الملائكة، { ومن حولها } أي: موسى عليه السلام، بإنزال الوحي عليه، الذي فيه خير الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس والحسن: بورك من في النار أي: قدس من في النار، وهو الله تعالى أي: نوره وسره، الذي قامت به الأشياء، من باب قيام المعاني بالأواني، أو: من قيام أسرار الذات بالأشياء، بمعنى أنه نادى موسى منها وسمع كلامه من جهتها، ثم نزه - سبحانه - ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد، فقال: { وسبحان الله } أي: تنزيها له عن الحلول في شيء، وهو { رب العالمين }. ثم فسر نداءه، فقال: { يا موسى إنه } أي: الأمر والشأن { أنا الله العزيز الحكيم } أو: إنه، أي: مكلمك، الله العزيز الحكيم، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات. { وألق عصاك } لتعلم معجزتها، فتأنس بها، وهو عطف على بورك أي: نودي أن بورك وأن ألق عصاك. والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: ألق عصاك، { فلما رآها تهتز } تتحرك يمينا وشمالا، { كأنها جان } حية صغيرة { ولى } موسى { مدبرا } أي: أدبر عنها، وجعلها تلي ظهره، خوفا من وثوب الحية عليه، { ولم يعقب } لم يرجع على عقبيه، من: عقب المقاتل: إذا كر بعد الفر.
والخوف من الشيء المكروه أمر طبيعي، لا يتخلف، وليس في طوق البشر. قال له تعالى: { يا موسى لا تخف } من غيري، ثقة بي، أو: لا تخف مطلقا { إني لايخاف لدي المرسلون } أي: لا يخاف المرسلون عند خطابي إياهم، فإنهم مستغرقون في شهود الحق، لا يخطر ببالهم خوف ولا غيره. وأما في غير أحوال الوحي فهم أشد الناس خوفا منه سبحانه، أو: لا يخافون من غيري، لأنهم لدي في حفظي ورعايتي. { إلا من ظلم } أي: لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون قط، فهو استثناء منقطع، استدرك به ما عسى يختلج في العقل، من نفي الخوف عن كلهم، مع أن منهم من فرطت منه صغيرة مما يجوز صدوره عن الأنبياء - عليهم السلام - كما فرط من آدم، وموسى، وداود، وسليمان - عليهم السلام - فحسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى - عليه السلام - ومن وكزه القبطي. وسماها ظلما، كقوله عليه السلام في سورة القصص:
رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له
[القصص: 16]. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر في الاستثناء كونه متصلا، وأطلق الظلم باعتبار منصب النبوة، وإشفاقهم مما لا يشفق منه غيرهم، كما اتفق لموسى في مدافعة القبطي عن الإسرائيلي، مع أن إغاثة المظلوم مشروعة عموما، ولكن لما لم يؤذن له خصوصا عد ذلك ظلما وذنبا. وأما ما سرى من القتل فلم يقصده، وإنما اتفق من غير قصد. ه. قوله: { ثم بدل حسنا بعد سوء } أي: أتبع زلته حسنة محلها، كالتوبة وشبهها، { فإني غفور رحيم } أقبل توبته، وأغفر حوبته، وأرحمه، فأحقق أمنيته. والله تعالى أعلم. الإشارة: تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه. وقوله تعالى: { أن بورك من في النار... } تقدم قول ابن عباس وغيره: أن المراد بمن في النار: نور الحق تعالى. قال بعض العلماء: كانت النار نوره تعالى، وإنما ذكره بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. ه. ومنه حديث:
" حجابه النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره "
، أي: حجابه النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه، فالأواني حجب للمعاني، والمعاني هي أنوارالملكوت، الساترة لأسرار الجبروت، السارية في الأشياء. وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل بالحديث: " حجابة النار " ومعنى كلامه: أن الله تعالى احتجت في مظاهر تجلياته، وهي كثيرة، ومن جملتها النار، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها، وإليه أشار ابن وفا بقوله
هو النور المحيط بكل كون
ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات، العارفون بالله، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله بالجهل، والعياذ بالله. ثم ذكر معجزة اليد، فقال: { وأدخل يدك في جيبك تخرج... }
النمل 27:11
يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ قال موسى لأهله } زوجته ومن معه، عند مسيره من مدين إلى مصر: { إني آنست } أي: أبصرت { نارا سآتيكم منها بخبر } عن حال طريق التي ضل عنها. والسين للدلالة على نوع بعد في المسافة، وتأكيد الوعد. { آو آتيكم بشهاب قبس } أي: شعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة. ومن نون فبدل، أو صفة، وعلى القراءتين فالمراد: تعيين المقصود الذي هو القبس، الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء لأن من النار ما ليس بقبس، كالجمرة. وكلتا العدتين منه عليه السلام بطريق الظن، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه، من صيغتي الترجي والترديد لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه التخلف. وأتى بأو لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معا لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ولم يدر أنه ظافر بحاجته الكبرى، وهي عز الدنيا والآخرة. واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. قاله النسفي. { لعلكم تصطلون } تستدفئون بالنار من البرد إذا أصابكم. { فلما جاءها } أي: النار التي أبصرها { نودي } من جانب الطور { أن بورك } ، على أن " أن " مفسرة لما في النداء من معنى القول. أو: بأن بورك، على أنها مصدرية، وقيل: مخففة، ولا ضرر في فقدان الفصل ب " لا " ، أو قد، أو السين، أو سوف لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام، أي: أنه، أي: الأمر والشأن { بورك } أي: قدس، أو: جعل فيه البركة والخير، { من في النار ومن حولها } أي: من في مكان النار، وهم الملائكة، { ومن حولها } أي: موسى عليه السلام، بإنزال الوحي عليه، الذي فيه خير الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس والحسن: بورك من في النار أي: قدس من في النار، وهو الله تعالى أي: نوره وسره، الذي قامت به الأشياء، من باب قيام المعاني بالأواني، أو: من قيام أسرار الذات بالأشياء، بمعنى أنه نادى موسى منها وسمع كلامه من جهتها، ثم نزه - سبحانه - ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد، فقال: { وسبحان الله } أي: تنزيها له عن الحلول في شيء، وهو { رب العالمين }. ثم فسر نداءه، فقال: { يا موسى إنه } أي: الأمر والشأن { أنا الله العزيز الحكيم } أو: إنه، أي: مكلمك، الله العزيز الحكيم، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات. { وألق عصاك } لتعلم معجزتها، فتأنس بها، وهو عطف على بورك أي: نودي أن بورك وأن ألق عصاك. والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: ألق عصاك، { فلما رآها تهتز } تتحرك يمينا وشمالا، { كأنها جان } حية صغيرة { ولى } موسى { مدبرا } أي: أدبر عنها، وجعلها تلي ظهره، خوفا من وثوب الحية عليه، { ولم يعقب } لم يرجع على عقبيه، من: عقب المقاتل: إذا كر بعد الفر.
والخوف من الشيء المكروه أمر طبيعي، لا يتخلف، وليس في طوق البشر. قال له تعالى: { يا موسى لا تخف } من غيري، ثقة بي، أو: لا تخف مطلقا { إني لايخاف لدي المرسلون } أي: لا يخاف المرسلون عند خطابي إياهم، فإنهم مستغرقون في شهود الحق، لا يخطر ببالهم خوف ولا غيره. وأما في غير أحوال الوحي فهم أشد الناس خوفا منه سبحانه، أو: لا يخافون من غيري، لأنهم لدي في حفظي ورعايتي. { إلا من ظلم } أي: لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون قط، فهو استثناء منقطع، استدرك به ما عسى يختلج في العقل، من نفي الخوف عن كلهم، مع أن منهم من فرطت منه صغيرة مما يجوز صدوره عن الأنبياء - عليهم السلام - كما فرط من آدم، وموسى، وداود، وسليمان - عليهم السلام - فحسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى - عليه السلام - ومن وكزه القبطي. وسماها ظلما، كقوله عليه السلام في سورة القصص:
رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له
[القصص: 16]. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر في الاستثناء كونه متصلا، وأطلق الظلم باعتبار منصب النبوة، وإشفاقهم مما لا يشفق منه غيرهم، كما اتفق لموسى في مدافعة القبطي عن الإسرائيلي، مع أن إغاثة المظلوم مشروعة عموما، ولكن لما لم يؤذن له خصوصا عد ذلك ظلما وذنبا. وأما ما سرى من القتل فلم يقصده، وإنما اتفق من غير قصد. ه. قوله: { ثم بدل حسنا بعد سوء } أي: أتبع زلته حسنة محلها، كالتوبة وشبهها، { فإني غفور رحيم } أقبل توبته، وأغفر حوبته، وأرحمه، فأحقق أمنيته. والله تعالى أعلم. الإشارة: تقدم بعض إشارة الآية في سورة طه. وقوله تعالى: { أن بورك من في النار... } تقدم قول ابن عباس وغيره: أن المراد بمن في النار: نور الحق تعالى. قال بعض العلماء: كانت النار نوره تعالى، وإنما ذكره بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. ه. ومنه حديث:
" حجابه النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره "
، أي: حجابه النور الذي تجلى به في مظاهر خلقه، فالأواني حجب للمعاني، والمعاني هي أنوارالملكوت، الساترة لأسرار الجبروت، السارية في الأشياء. وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى. ثم استدل بالحديث: " حجابة النار " ومعنى كلامه: أن الله تعالى احتجت في مظاهر تجلياته، وهي كثيرة، ومن جملتها النار، فهي إحدى الحجب التي احتجب الحق تعالى بها، وإليه أشار ابن وفا بقوله
هو النور المحيط بكل كون
ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء في الذات، العارفون بالله، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وإلا وقع الإنكار على أولياء الله بالجهل، والعياذ بالله. ثم ذكر معجزة اليد، فقال: { وأدخل يدك في جيبك تخرج... }
النمل 27:12
يقول الحق جل جلاله: { وأدخل يدك } يا موسى { في جيبك } في جيب قميصك. والجيب: الفتح في الثوب لرأس الإنسان. قال الثعلبي: إنما أمره بذلك لأنه كان عليه مدرعة صوف، لا كم لها. { تخرج بيضاء من غير سوء } من غير آفة، كبرص ونحوه، { في تسع آيات } أي: هاتان الآيتان في جملة تسع آيات، وهي الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. ومن عد اليد والعصا من التسع عد الاخيرين واحدا، ولم يعد الفلق لأنه لم يبعث به إلى فرعون. وقوله: { إلى فرعون } متعلق بمحذوف، أي: مرسلا، أو: ذاهبا إلى فرعون { وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين } خارجين عن أمر الله، كافرين به. { فلما جاءتهم آياتنا } معجزاتنا، وظهرت على يد موسى، حال كونها { مبصرة } بينة واضحة، وهي اسم فاعل، أطلق على المفعول، إشعارا بأنها لفرط ظهورها كأنها تبصر نفسها مبالغة في وضوحها وإلا فهي مبصرة لمن ينظر ويتفكر فيها. أو: ذات تبصر لأنها تهدي من يتبصر بها. فلما جاءتهم { قالوا هذا سحر مبين } واضح سحريته. { وجحدوا بها } أي: كذبوا بها { و } قد { استيقنتها أنفسهم } أي: علمتها علما يقينا، فالاستيقان: أبلغ من الإيقان. يعني: أنهم جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم. { ظلما }: حال من ضمير جحدوا أي: ظالمين في ذلك، ولا ظلم أفحش ممن تيقن أنها آيات من عند الله، وسماها سحرا بينا، { وعلوا } تكبرا وترفعا عن الإيمان بموسى عليه السلام، وهو أيضا حال، أو: علة، { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } وهو الإغراق في الدنيا، والإحراق في الآخرة. نسأل الله العافية. الإشارة: وأدخل يد فكرتك في جيب قلبك، تخرج بيضاء شعشعانية، يستولي شعاعها على وجود بشريتك، فتنخنس البشرية تحت أنوار المعاني، ثم يستولي على الوجود بأسره، فيصير كله نورا ملكوتيا، جبروتيا، متصلا بالنور الأعظم، والبحر الطام، بعد قطع مقامات التوبة، والتقوى، والإستقامة، والإخلاص، والصدق، والطمأنينة، والمراقبة والمحبة، والمشاهدة، فيكون حينئذ آية مبصرة واضحة، من آيات الله، يدل على الله، ويدعو إليه على بصيرة منه. فمن جحدها انخرط في سلك من قال تعالى في حقه: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا... } الآية. ثم ذكر قصة داود وسليمان - عليهما السلام - فقال: { ولقد آتينا داوود وسليمان علما... }
النمل 27:13
يقول الحق جل جلاله: { وأدخل يدك } يا موسى { في جيبك } في جيب قميصك. والجيب: الفتح في الثوب لرأس الإنسان. قال الثعلبي: إنما أمره بذلك لأنه كان عليه مدرعة صوف، لا كم لها. { تخرج بيضاء من غير سوء } من غير آفة، كبرص ونحوه، { في تسع آيات } أي: هاتان الآيتان في جملة تسع آيات، وهي الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. ومن عد اليد والعصا من التسع عد الاخيرين واحدا، ولم يعد الفلق لأنه لم يبعث به إلى فرعون. وقوله: { إلى فرعون } متعلق بمحذوف، أي: مرسلا، أو: ذاهبا إلى فرعون { وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين } خارجين عن أمر الله، كافرين به. { فلما جاءتهم آياتنا } معجزاتنا، وظهرت على يد موسى، حال كونها { مبصرة } بينة واضحة، وهي اسم فاعل، أطلق على المفعول، إشعارا بأنها لفرط ظهورها كأنها تبصر نفسها مبالغة في وضوحها وإلا فهي مبصرة لمن ينظر ويتفكر فيها. أو: ذات تبصر لأنها تهدي من يتبصر بها. فلما جاءتهم { قالوا هذا سحر مبين } واضح سحريته. { وجحدوا بها } أي: كذبوا بها { و } قد { استيقنتها أنفسهم } أي: علمتها علما يقينا، فالاستيقان: أبلغ من الإيقان. يعني: أنهم جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم. { ظلما }: حال من ضمير جحدوا أي: ظالمين في ذلك، ولا ظلم أفحش ممن تيقن أنها آيات من عند الله، وسماها سحرا بينا، { وعلوا } تكبرا وترفعا عن الإيمان بموسى عليه السلام، وهو أيضا حال، أو: علة، { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } وهو الإغراق في الدنيا، والإحراق في الآخرة. نسأل الله العافية. الإشارة: وأدخل يد فكرتك في جيب قلبك، تخرج بيضاء شعشعانية، يستولي شعاعها على وجود بشريتك، فتنخنس البشرية تحت أنوار المعاني، ثم يستولي على الوجود بأسره، فيصير كله نورا ملكوتيا، جبروتيا، متصلا بالنور الأعظم، والبحر الطام، بعد قطع مقامات التوبة، والتقوى، والإستقامة، والإخلاص، والصدق، والطمأنينة، والمراقبة والمحبة، والمشاهدة، فيكون حينئذ آية مبصرة واضحة، من آيات الله، يدل على الله، ويدعو إليه على بصيرة منه. فمن جحدها انخرط في سلك من قال تعالى في حقه: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا... } الآية. ثم ذكر قصة داود وسليمان - عليهما السلام - فقال: { ولقد آتينا داوود وسليمان علما... }
النمل 27:14
يقول الحق جل جلاله: { وأدخل يدك } يا موسى { في جيبك } في جيب قميصك. والجيب: الفتح في الثوب لرأس الإنسان. قال الثعلبي: إنما أمره بذلك لأنه كان عليه مدرعة صوف، لا كم لها. { تخرج بيضاء من غير سوء } من غير آفة، كبرص ونحوه، { في تسع آيات } أي: هاتان الآيتان في جملة تسع آيات، وهي الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. ومن عد اليد والعصا من التسع عد الاخيرين واحدا، ولم يعد الفلق لأنه لم يبعث به إلى فرعون. وقوله: { إلى فرعون } متعلق بمحذوف، أي: مرسلا، أو: ذاهبا إلى فرعون { وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين } خارجين عن أمر الله، كافرين به. { فلما جاءتهم آياتنا } معجزاتنا، وظهرت على يد موسى، حال كونها { مبصرة } بينة واضحة، وهي اسم فاعل، أطلق على المفعول، إشعارا بأنها لفرط ظهورها كأنها تبصر نفسها مبالغة في وضوحها وإلا فهي مبصرة لمن ينظر ويتفكر فيها. أو: ذات تبصر لأنها تهدي من يتبصر بها. فلما جاءتهم { قالوا هذا سحر مبين } واضح سحريته. { وجحدوا بها } أي: كذبوا بها { و } قد { استيقنتها أنفسهم } أي: علمتها علما يقينا، فالاستيقان: أبلغ من الإيقان. يعني: أنهم جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم. { ظلما }: حال من ضمير جحدوا أي: ظالمين في ذلك، ولا ظلم أفحش ممن تيقن أنها آيات من عند الله، وسماها سحرا بينا، { وعلوا } تكبرا وترفعا عن الإيمان بموسى عليه السلام، وهو أيضا حال، أو: علة، { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } وهو الإغراق في الدنيا، والإحراق في الآخرة. نسأل الله العافية. الإشارة: وأدخل يد فكرتك في جيب قلبك، تخرج بيضاء شعشعانية، يستولي شعاعها على وجود بشريتك، فتنخنس البشرية تحت أنوار المعاني، ثم يستولي على الوجود بأسره، فيصير كله نورا ملكوتيا، جبروتيا، متصلا بالنور الأعظم، والبحر الطام، بعد قطع مقامات التوبة، والتقوى، والإستقامة، والإخلاص، والصدق، والطمأنينة، والمراقبة والمحبة، والمشاهدة، فيكون حينئذ آية مبصرة واضحة، من آيات الله، يدل على الله، ويدعو إليه على بصيرة منه. فمن جحدها انخرط في سلك من قال تعالى في حقه: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا... } الآية. ثم ذكر قصة داود وسليمان - عليهما السلام - فقال: { ولقد آتينا داوود وسليمان علما... }
النمل 27:15
يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا داود وسليمان علما } أي: أعطينا كل واحد منهما طائفة خاصة به من علم الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما يختص به كل واحد منهما، كصنعة الدروع، ومنطق الطير. أو: علما لدنيا. { وقالا } أي: كل واحد منهما، شكرا لما أوتيه من العلم: { الحمد لله الذي فضلنا } بما آتانا من العلم { على كثير من عباده المؤمنين }. قال النسفي: وهنا محذوف، ليصلح عطف الواو عليه، ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه: الفاء، كقولك: أعطيته فشكر، وتقديره: آتيناهما علما، فعملا به، وعرفا حق النعمة فيه، وقالا: { الحمد لله الذي فضلنا على كثير }. والكثير المفضل عليه: من لم يؤت علما أو: من لم يؤت مثل علمهما. وفيه: أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير. وفي الآية دليل على شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من عباده، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم في الشرف والمنزلة لأنهم القوام بما بعثوا من أجله. وفيها: أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله تعالى على ما أوتوه، وأن يعتقد العالم أنه إذا فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم. وما أحسن قول عمر رضي الله عنه: كل الناس أفقه من عمر. ه. والعلماء على قسمين: علماء بالله وعلماء بأحكام الله. فالعلماء بالله هم العارفون به، أهل الشهود والعيان. وهم أهل علم الباطن، أعني علم القلوب، والعلماء بأحكام الله هم علماء الشرائع والنوازل. وحيث انتهت درجة العلماء بأحكام الله ابتدئت درجة العلماء بالله. فنهاية علماء الظاهر بداية علماء الباطن لأن علم أهل الظاهر جله ظني، وعلم أهل الباطن عياني، ذوقي، وليس الخبر كالعيان، مع ما فاقوهم به من المجاهدة والمكابدة، ومقاساة مخالفة النفوس، وقطع المقامات، حتى ماتوا موتات، ثم حييت أرواحهم، فشاهدوا من الأنوار والأسرار ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه النقول. ثم قال تعالى: { وورث سليمان داود }. ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر. ووراثته للنبوة: انتقالها إليه بعد أبيه، وإلا فالنبوة لا تورث. { وقال يا أيها الناس علمنا منطلق الطير } تشهيرا لنعمة الله، واعترافا بمكانها، ودعاء للناس إلى تصديقه بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير. والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف، والمفيد وغير المفيد. وكان سليمان عليه السلام يفهم عنها كما يفهم بعضها بعضا. يحكى أنه مر على بلبل على شجرة، يحرك رأسه، ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ونبيه أعلم، قال يقول: إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء.
وصاحت فاختة، فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاووس، فقال: يقول: كما تدين تدان، وصاح هدهد، فقال: يقول: من لا يرحم لا يرحم، وصاح صرد - وهو طائر ضخم الرأس - فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاح طيطوى، فقال: يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال. وصاح خطاف، فقال: يقول: قدموا خيرا تجدوه. وصاح قمري، فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى. وصاحت رخمة، فقال: إنها تقول سبحان ربي الأعلى ملء أرضه وسمائه. وفي رواية: هدرت حمامة، فقال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى - مثل الرخمة - وقال: الغراب يدعو على العشار. والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين، والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت، آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس. والضفدع تقول: سبحان ربي القدوس. والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، المذكور في كل مكان. والدراج يقول: الرحمن على العرش استوى. والقنب يقول: إلهي العن مبغض آل محمد، عليه الصلاة والسلام. وقيل: إن سليمان كان يفهم صوت الحيوانات كلها، وإنما خص الطير لأنه معظم جنده. ثم قال: { وأوتينا من كل شيء } أي: ما نحتاج إليه. والمراد به كثرة ما أوتي، كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، كناية عن كثرة علمه. { إن هذا لهو الفضل } والإحسان من الله تعالى { المبين } أي: الواضح، الذي لا يخفى على أحد، أو: إن هذا الفضل الذي أوتيته هو الفضل المبين. على أنه عليه السلام قاله على سبيل الشكر والمحمدة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنا سيد ولد آدم ولا فخر "
أي: أقول هذا القول شكرا، لا فخرا، والنون في علمنا وأوتينا نون الواحد المطاع، وكان حينئذ ملكا، فكلم أهل طاعته على الحالة التي كان عليها، وليس فيه تكبر ولا فخر لعصمة الأنبياء من ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: أشرف العلوم وأعظمها وأعزها العلم بالله، على سبيل الذوق والكشف والوجدان، ولا يكون إلا من طريق التربية على يد شيخ كامل لأنه إذا حصل هذا العلم أغنى عن العلوم كلها، وصغرت في جانبه، حتى إن صاحب العلم بالله يعد الاشتغال بطلب علم الرسوم بطالة وانحطاطا، ومثله كمن عنده قناطير من الفضة، ثم وجد جبلا من الإكسير، فهل يلتفت صاحب الإكسير إلى الفضة أو الفلوس؟ لأن من كانت أوقاته كلها مشاهدة ونظرا لوجه الملك، كيف يلتفت إلى شيء سواه، ولذلك قال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم، الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه. ه.
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف: كنت أعرف أربعة عشر علما، فما أدركت علم الحقيقة، سرطت ذلك كله، ولم يبق إلا التفسير والحديث، نتكلم فيه مع أصحابنا. أو قريبا من هذا الكلام. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه:
أقارئين علم التوحيد هنا البحور إلي تنبي هذا مقام أهل التجريد الواقفين مع ربي
وهذا أمر بين عند أهل هذا الفن، وقال الورتجبي: العلم علمان: علم البيان وعلم العيان. علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية، وعلم العيان مستفاد من الكشوفات الغيبية. ثم قال: فالعلم البياني معروف بين العموم، والعلم العياني مشهور بين الخصوص، لم يطلع عليه إلا نبي أو ولي، لأنه صدر من الحق لأهل شهوده، من المحبين العارفين والموحدين والصديقين، والأنبياء والمرسلين، انظر بقية كلامه. وقال أيضا في قوله: { علمنا منطق الطير }: أفهم أن أصوات الطيور والوحوش وحركات الأكوان جميعا هي خطابات من الله عز وجل للأنبياء والمرسلين، والعارفين والصديقين، يفهمونها من حيث أحوالهم ومقاماتهم. فللأنبياء والمرسلين علم بمناطقها قطعيا. ويمكن أن يقع ذلك بوحي، لكن أكثر فهوم الأنبياء أنهم يفهمون من أصواتها ما يتعلق بحالهم، بما يقع في قلوبهم من إلهام الله، لا بأنهم يعرفون لغاتهم بعينها. ه. قلت: وكذلك الأولياء يفهمون عنها ما يليق بمقاماتهم، من ألفاظ، أو أنس، أو إعلام، أو غير ذلك. والله تعالى أعلم. ولما أراد سليمان الغزو، جمع جنوده، كما قال تعالى: { وحشر لسليمان جنوده... }
النمل 27:16
يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا داود وسليمان علما } أي: أعطينا كل واحد منهما طائفة خاصة به من علم الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما يختص به كل واحد منهما، كصنعة الدروع، ومنطق الطير. أو: علما لدنيا. { وقالا } أي: كل واحد منهما، شكرا لما أوتيه من العلم: { الحمد لله الذي فضلنا } بما آتانا من العلم { على كثير من عباده المؤمنين }. قال النسفي: وهنا محذوف، ليصلح عطف الواو عليه، ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه: الفاء، كقولك: أعطيته فشكر، وتقديره: آتيناهما علما، فعملا به، وعرفا حق النعمة فيه، وقالا: { الحمد لله الذي فضلنا على كثير }. والكثير المفضل عليه: من لم يؤت علما أو: من لم يؤت مثل علمهما. وفيه: أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير. وفي الآية دليل على شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من عباده، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم في الشرف والمنزلة لأنهم القوام بما بعثوا من أجله. وفيها: أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله تعالى على ما أوتوه، وأن يعتقد العالم أنه إذا فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم. وما أحسن قول عمر رضي الله عنه: كل الناس أفقه من عمر. ه. والعلماء على قسمين: علماء بالله وعلماء بأحكام الله. فالعلماء بالله هم العارفون به، أهل الشهود والعيان. وهم أهل علم الباطن، أعني علم القلوب، والعلماء بأحكام الله هم علماء الشرائع والنوازل. وحيث انتهت درجة العلماء بأحكام الله ابتدئت درجة العلماء بالله. فنهاية علماء الظاهر بداية علماء الباطن لأن علم أهل الظاهر جله ظني، وعلم أهل الباطن عياني، ذوقي، وليس الخبر كالعيان، مع ما فاقوهم به من المجاهدة والمكابدة، ومقاساة مخالفة النفوس، وقطع المقامات، حتى ماتوا موتات، ثم حييت أرواحهم، فشاهدوا من الأنوار والأسرار ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه النقول. ثم قال تعالى: { وورث سليمان داود }. ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر. ووراثته للنبوة: انتقالها إليه بعد أبيه، وإلا فالنبوة لا تورث. { وقال يا أيها الناس علمنا منطلق الطير } تشهيرا لنعمة الله، واعترافا بمكانها، ودعاء للناس إلى تصديقه بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير. والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف، والمفيد وغير المفيد. وكان سليمان عليه السلام يفهم عنها كما يفهم بعضها بعضا. يحكى أنه مر على بلبل على شجرة، يحرك رأسه، ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ونبيه أعلم، قال يقول: إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء.
وصاحت فاختة، فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاووس، فقال: يقول: كما تدين تدان، وصاح هدهد، فقال: يقول: من لا يرحم لا يرحم، وصاح صرد - وهو طائر ضخم الرأس - فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاح طيطوى، فقال: يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال. وصاح خطاف، فقال: يقول: قدموا خيرا تجدوه. وصاح قمري، فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى. وصاحت رخمة، فقال: إنها تقول سبحان ربي الأعلى ملء أرضه وسمائه. وفي رواية: هدرت حمامة، فقال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى - مثل الرخمة - وقال: الغراب يدعو على العشار. والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين، والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت، آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس. والضفدع تقول: سبحان ربي القدوس. والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، المذكور في كل مكان. والدراج يقول: الرحمن على العرش استوى. والقنب يقول: إلهي العن مبغض آل محمد، عليه الصلاة والسلام. وقيل: إن سليمان كان يفهم صوت الحيوانات كلها، وإنما خص الطير لأنه معظم جنده. ثم قال: { وأوتينا من كل شيء } أي: ما نحتاج إليه. والمراد به كثرة ما أوتي، كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، كناية عن كثرة علمه. { إن هذا لهو الفضل } والإحسان من الله تعالى { المبين } أي: الواضح، الذي لا يخفى على أحد، أو: إن هذا الفضل الذي أوتيته هو الفضل المبين. على أنه عليه السلام قاله على سبيل الشكر والمحمدة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنا سيد ولد آدم ولا فخر "
أي: أقول هذا القول شكرا، لا فخرا، والنون في علمنا وأوتينا نون الواحد المطاع، وكان حينئذ ملكا، فكلم أهل طاعته على الحالة التي كان عليها، وليس فيه تكبر ولا فخر لعصمة الأنبياء من ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: أشرف العلوم وأعظمها وأعزها العلم بالله، على سبيل الذوق والكشف والوجدان، ولا يكون إلا من طريق التربية على يد شيخ كامل لأنه إذا حصل هذا العلم أغنى عن العلوم كلها، وصغرت في جانبه، حتى إن صاحب العلم بالله يعد الاشتغال بطلب علم الرسوم بطالة وانحطاطا، ومثله كمن عنده قناطير من الفضة، ثم وجد جبلا من الإكسير، فهل يلتفت صاحب الإكسير إلى الفضة أو الفلوس؟ لأن من كانت أوقاته كلها مشاهدة ونظرا لوجه الملك، كيف يلتفت إلى شيء سواه، ولذلك قال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم، الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه. ه.
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف: كنت أعرف أربعة عشر علما، فما أدركت علم الحقيقة، سرطت ذلك كله، ولم يبق إلا التفسير والحديث، نتكلم فيه مع أصحابنا. أو قريبا من هذا الكلام. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه:
أقارئين علم التوحيد هنا البحور إلي تنبي هذا مقام أهل التجريد الواقفين مع ربي
وهذا أمر بين عند أهل هذا الفن، وقال الورتجبي: العلم علمان: علم البيان وعلم العيان. علم البيان ما يكون بالوسائط الشرعية، وعلم العيان مستفاد من الكشوفات الغيبية. ثم قال: فالعلم البياني معروف بين العموم، والعلم العياني مشهور بين الخصوص، لم يطلع عليه إلا نبي أو ولي، لأنه صدر من الحق لأهل شهوده، من المحبين العارفين والموحدين والصديقين، والأنبياء والمرسلين، انظر بقية كلامه. وقال أيضا في قوله: { علمنا منطق الطير }: أفهم أن أصوات الطيور والوحوش وحركات الأكوان جميعا هي خطابات من الله عز وجل للأنبياء والمرسلين، والعارفين والصديقين، يفهمونها من حيث أحوالهم ومقاماتهم. فللأنبياء والمرسلين علم بمناطقها قطعيا. ويمكن أن يقع ذلك بوحي، لكن أكثر فهوم الأنبياء أنهم يفهمون من أصواتها ما يتعلق بحالهم، بما يقع في قلوبهم من إلهام الله، لا بأنهم يعرفون لغاتهم بعينها. ه. قلت: وكذلك الأولياء يفهمون عنها ما يليق بمقاماتهم، من ألفاظ، أو أنس، أو إعلام، أو غير ذلك. والله تعالى أعلم. ولما أراد سليمان الغزو، جمع جنوده، كما قال تعالى: { وحشر لسليمان جنوده... }
النمل 27:17
قلت: { قالت نملة }: التاء للوحدة، لا للتأنيث. قال الرضي: تكون التاء للفرق بين المذكر والمؤنث، وتكون لآحاد الجنس، كنحلة ونحل، وثمرة وثمر، وبطة وبط، ونملة ونمل، فيجوز أن تكون النملة مذكرا، والتاء للوحدة، وأنث الفعل باعتبار تأنيث اللفظ. ه. مختصرا. ولا يحطمنكم: يحتمل أن يكون جوابا للأمر، أو: نهيا بدلا من الأمر لتقارب المعنى لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. والضد ينشأ عنه الحطم، فلا: ناهية، ومثله الحديث:
" فليمسك بنصالها، لا يعقر مسلما "
ه. يقول الحق جل جلاله: { وحشر لسليمان } أي: جمع له { جنوده من الجن والإنس والطير } بمباشرة مخاطبيه، فإنهم رؤساء مملكته، وعظماء دولته، من الثقلين وغيرهم. وتقديم الجن على الإنس للإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه لأن الجن طائفة عاتية، وقبيلة طاغية، ماردة، بعيدة من الحشر والتسخير، { فهم يوزعون } أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم، أي: يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم الثواني، فيكونوا مجتمعين، لا يختلف منهم أحد، وذلك لكثرة العظمة والقهرية. قال قتادة: فكان لكل صنف منهم وزعة. أو: لترتيب الصفوف، كما هو المعتاد في العساكر. والوزع: المنع، ومنه قول الحسن البصري، حين ولي القضاء: لا بد للحاكم من وزعة أي: شرط يمنعون الناس من الظلم. وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضا: لأن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا إن لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو. قال محمد بن كعب: كان عسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية. وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم، فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه، وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء - عليهم السلام - على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها، حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط، فتسير به مسيرة شهر، من الصباح إلى الرواح. وروي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تسيره، فأوحى الله تعالى إليه، وهو يسير بين السماء والأرض: إني زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك. قال وهب: حدثني أبي: أن سليمان مر بحراث، فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فالتفت ونزل إلى الحراث، فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك مما أوتي آل داود.
ه. { حتى إذا أتوا على واد النمل } أي: فساروا حتى بلغوا وداي النمل، وهو واد بالشام، كثير النمل، قاله مقاتل. أو: بالطائف، قاله كعب. وقيل: هو واد يسكنه الجن، والنمل مراكبهم. وعدي الفعل ب " على " لأن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء. ولعلهم أرادوا أن ينزلوا بأعلى الوادي إذ حينئذ يخافهم من في الأرض، لا عند سيرهم في الهواء. وجواب إذ قوله: { قالت نملة } ، وكأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت منهم، فصاحت صيحة، فنبهت بها ما بحضرتها من النمل. قال كعب: مر سليمان عليه السلام بوادي السدير، من أودية الطائف، فأتى على واد النمل، فقالت نملة، وهي تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، مثل الذئب في العظم. قال الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية، وقيل: منذرة، وقيل: جرمي. وقال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان أمثال الذباب. وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتف عليه الناس، فقال: سلوني عما شئتم، فسأله أبو حنيفة، وهو شاب، عن نملة سليمان، أكان ذكرا أو أنثى؟ فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: بم عرفت؟ فقال: قوله تعالى: { قالت نملة } ولو كان ذكرا لقال: قال نملة. ه. قلت: وهو غير صحيح لما تقدم عن الرضي. { قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم } لم يقل: ادخلن لأنه لما جعلها قائلة،والنمل مقولا لهم، كما يكون من العقلاء، أجرى خطابهن مجرى ذوي العقل، { لا يحطمنكم } لا يكسرنكم. والحطم: الكسر، وهو في الظاهر نهى لسليمان عن الحطم، وفي الحقيقة نهى لهم عن البروز والوقوف على طريقه، نحو: لا أرينك ها هنا، أي: لا تتعرضوا فيكسرنكم { سليمان وجنوده } ، وقيل: أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ. { وهم لا يشعرون } لا يعلمون بمكانكم، أي: لو شعروا ما فعلوا. قالت ذلك على وجه العذر، واصفة سليمان وجنوده بالعدل، فحمل الريح قولها إلى سليمان على ثلاثة أميال. روي أن سليمان قال لها: لم حذرت النمل، أخفت ظلمي؟ أما علمت أني نبي عدل، فلم قلت: { لا يحطمنكم سليمان وجنوده }؟ فقالت: أما سمعت قولي: { وهم لا يشعرون } ، مع أني لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنين ما أعطيت، ويشغلن بالنظر إليك عن التسبيح، فقال لها سليمان: عظيني، فقالت: هل علمت لم سمي أبوك داود؟ قال: لا، قالت: لأنه داوى جرحه. هل تدري لم سميت سليمان؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم، ما ركنت إلى ما أوتيت، لسلامة صدرك، وأنى لك أن تلحق أباك. ثم قالت: اتدري لم سخر الله لك الريح؟ قال: لا، قالت: أخبرك الله أن الدنيا كلها ريح. قال ابن عباس: ومن هنا " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد، والصرد، والنحلة، والنملة ".
{ فتبسم ضاحكا } ، معجبا { من قولها } ومن حذرها، واهتدائها لمصالحها، ونصحها للنمل، وفرحا بظهور عدله. والتبسم: ابتداء الضحك، وأكثر الضحك الأنبياء التبسم، أي: فتبسم ابتداء، ضاحكا انتهاء. { وقال رب أوزعني } ، الإيزاع في الأصل: الكف، أي: كفني عن كل شيء إلا عن شكر نعمتك، ويطلق على الإلهام، أي: ألهمني { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي } من النبوة والملك والعلم، { وعلى والدي } لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد، { و } ألهمني { أن أعمل صالحا ترضاه } في بقية عمري، { وأدخلني برحمتك } أي: وأدخلني الجنة برحمتك، لا بصالح عملي إذ لا يدخل الجنة إلا برحمتك كما في الحديث. { في عبادك الصالحين } أي: في جملة أنبيائك المرسلين، الذين صلحوا لحضرتك. أو: مع عبادك الصالحين. روي أن النملة أحست بصوت الجنود، ولم تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان عليه السلام الريح، فوقفت لئلا يذعرن، حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة. قاله النسفي. الإشارة: من أقبل بكليته على مولاه، وأطاعه في كل شيء، سخرت له الأكوان، وأطاعته في كل شيء. ومن أعرض عن مولاه أعرض عنه كل شيء، وصعب عليه كل شيء. " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك ". فإذا سخرت له الأشياء، وزهد فيها، وأعرض عنها، واختار مقام العبودية، ارتفع قدره، ولم ينقص منه شيئا، كحال نبينا - عليه السلام -. ومن سخرت له الأشياء، ونظر إليها، انتقص قدره، وإن كان كريما على الله، ولذلك ورد في الخبر أن سليمان عليه السلام: هو آخر من يدخل الجنة من الأنبياء. ذكره في القوت. وذكر فيه أيضا: أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوما ثيابا رفيعة، ثم ركب على سريره، فحملته الريح، وسارت به، فنظر إلى عطفيه نظرة، فأنزلته إلى الأرض، فقال لها: لم أنزلتني ولم آمرك؟ فقالت له: نطعيك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وتاب، فحملته. وهذا مما يعتب علىالمقربين لكبر مقامهم، فكل نعيم في الدنيا ينقص في الآخرة. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { وتفقد الطير فقال مالي... }
النمل 27:18
قلت: { قالت نملة }: التاء للوحدة، لا للتأنيث. قال الرضي: تكون التاء للفرق بين المذكر والمؤنث، وتكون لآحاد الجنس، كنحلة ونحل، وثمرة وثمر، وبطة وبط، ونملة ونمل، فيجوز أن تكون النملة مذكرا، والتاء للوحدة، وأنث الفعل باعتبار تأنيث اللفظ. ه. مختصرا. ولا يحطمنكم: يحتمل أن يكون جوابا للأمر، أو: نهيا بدلا من الأمر لتقارب المعنى لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. والضد ينشأ عنه الحطم، فلا: ناهية، ومثله الحديث:
" فليمسك بنصالها، لا يعقر مسلما "
ه. يقول الحق جل جلاله: { وحشر لسليمان } أي: جمع له { جنوده من الجن والإنس والطير } بمباشرة مخاطبيه، فإنهم رؤساء مملكته، وعظماء دولته، من الثقلين وغيرهم. وتقديم الجن على الإنس للإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه لأن الجن طائفة عاتية، وقبيلة طاغية، ماردة، بعيدة من الحشر والتسخير، { فهم يوزعون } أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم، أي: يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم الثواني، فيكونوا مجتمعين، لا يختلف منهم أحد، وذلك لكثرة العظمة والقهرية. قال قتادة: فكان لكل صنف منهم وزعة. أو: لترتيب الصفوف، كما هو المعتاد في العساكر. والوزع: المنع، ومنه قول الحسن البصري، حين ولي القضاء: لا بد للحاكم من وزعة أي: شرط يمنعون الناس من الظلم. وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضا: لأن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا إن لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو. قال محمد بن كعب: كان عسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية. وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم، فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه، وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء - عليهم السلام - على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها، حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط، فتسير به مسيرة شهر، من الصباح إلى الرواح. وروي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تسيره، فأوحى الله تعالى إليه، وهو يسير بين السماء والأرض: إني زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك. قال وهب: حدثني أبي: أن سليمان مر بحراث، فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فالتفت ونزل إلى الحراث، فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك مما أوتي آل داود.
ه. { حتى إذا أتوا على واد النمل } أي: فساروا حتى بلغوا وداي النمل، وهو واد بالشام، كثير النمل، قاله مقاتل. أو: بالطائف، قاله كعب. وقيل: هو واد يسكنه الجن، والنمل مراكبهم. وعدي الفعل ب " على " لأن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء. ولعلهم أرادوا أن ينزلوا بأعلى الوادي إذ حينئذ يخافهم من في الأرض، لا عند سيرهم في الهواء. وجواب إذ قوله: { قالت نملة } ، وكأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت منهم، فصاحت صيحة، فنبهت بها ما بحضرتها من النمل. قال كعب: مر سليمان عليه السلام بوادي السدير، من أودية الطائف، فأتى على واد النمل، فقالت نملة، وهي تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، مثل الذئب في العظم. قال الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية، وقيل: منذرة، وقيل: جرمي. وقال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان أمثال الذباب. وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتف عليه الناس، فقال: سلوني عما شئتم، فسأله أبو حنيفة، وهو شاب، عن نملة سليمان، أكان ذكرا أو أنثى؟ فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: بم عرفت؟ فقال: قوله تعالى: { قالت نملة } ولو كان ذكرا لقال: قال نملة. ه. قلت: وهو غير صحيح لما تقدم عن الرضي. { قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم } لم يقل: ادخلن لأنه لما جعلها قائلة،والنمل مقولا لهم، كما يكون من العقلاء، أجرى خطابهن مجرى ذوي العقل، { لا يحطمنكم } لا يكسرنكم. والحطم: الكسر، وهو في الظاهر نهى لسليمان عن الحطم، وفي الحقيقة نهى لهم عن البروز والوقوف على طريقه، نحو: لا أرينك ها هنا، أي: لا تتعرضوا فيكسرنكم { سليمان وجنوده } ، وقيل: أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ. { وهم لا يشعرون } لا يعلمون بمكانكم، أي: لو شعروا ما فعلوا. قالت ذلك على وجه العذر، واصفة سليمان وجنوده بالعدل، فحمل الريح قولها إلى سليمان على ثلاثة أميال. روي أن سليمان قال لها: لم حذرت النمل، أخفت ظلمي؟ أما علمت أني نبي عدل، فلم قلت: { لا يحطمنكم سليمان وجنوده }؟ فقالت: أما سمعت قولي: { وهم لا يشعرون } ، مع أني لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنين ما أعطيت، ويشغلن بالنظر إليك عن التسبيح، فقال لها سليمان: عظيني، فقالت: هل علمت لم سمي أبوك داود؟ قال: لا، قالت: لأنه داوى جرحه. هل تدري لم سميت سليمان؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم، ما ركنت إلى ما أوتيت، لسلامة صدرك، وأنى لك أن تلحق أباك. ثم قالت: اتدري لم سخر الله لك الريح؟ قال: لا، قالت: أخبرك الله أن الدنيا كلها ريح. قال ابن عباس: ومن هنا " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد، والصرد، والنحلة، والنملة ".
{ فتبسم ضاحكا } ، معجبا { من قولها } ومن حذرها، واهتدائها لمصالحها، ونصحها للنمل، وفرحا بظهور عدله. والتبسم: ابتداء الضحك، وأكثر الضحك الأنبياء التبسم، أي: فتبسم ابتداء، ضاحكا انتهاء. { وقال رب أوزعني } ، الإيزاع في الأصل: الكف، أي: كفني عن كل شيء إلا عن شكر نعمتك، ويطلق على الإلهام، أي: ألهمني { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي } من النبوة والملك والعلم، { وعلى والدي } لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد، { و } ألهمني { أن أعمل صالحا ترضاه } في بقية عمري، { وأدخلني برحمتك } أي: وأدخلني الجنة برحمتك، لا بصالح عملي إذ لا يدخل الجنة إلا برحمتك كما في الحديث. { في عبادك الصالحين } أي: في جملة أنبيائك المرسلين، الذين صلحوا لحضرتك. أو: مع عبادك الصالحين. روي أن النملة أحست بصوت الجنود، ولم تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان عليه السلام الريح، فوقفت لئلا يذعرن، حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة. قاله النسفي. الإشارة: من أقبل بكليته على مولاه، وأطاعه في كل شيء، سخرت له الأكوان، وأطاعته في كل شيء. ومن أعرض عن مولاه أعرض عنه كل شيء، وصعب عليه كل شيء. " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك ". فإذا سخرت له الأشياء، وزهد فيها، وأعرض عنها، واختار مقام العبودية، ارتفع قدره، ولم ينقص منه شيئا، كحال نبينا - عليه السلام -. ومن سخرت له الأشياء، ونظر إليها، انتقص قدره، وإن كان كريما على الله، ولذلك ورد في الخبر أن سليمان عليه السلام: هو آخر من يدخل الجنة من الأنبياء. ذكره في القوت. وذكر فيه أيضا: أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوما ثيابا رفيعة، ثم ركب على سريره، فحملته الريح، وسارت به، فنظر إلى عطفيه نظرة، فأنزلته إلى الأرض، فقال لها: لم أنزلتني ولم آمرك؟ فقالت له: نطعيك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وتاب، فحملته. وهذا مما يعتب علىالمقربين لكبر مقامهم، فكل نعيم في الدنيا ينقص في الآخرة. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { وتفقد الطير فقال مالي... }
النمل 27:19
قلت: { قالت نملة }: التاء للوحدة، لا للتأنيث. قال الرضي: تكون التاء للفرق بين المذكر والمؤنث، وتكون لآحاد الجنس، كنحلة ونحل، وثمرة وثمر، وبطة وبط، ونملة ونمل، فيجوز أن تكون النملة مذكرا، والتاء للوحدة، وأنث الفعل باعتبار تأنيث اللفظ. ه. مختصرا. ولا يحطمنكم: يحتمل أن يكون جوابا للأمر، أو: نهيا بدلا من الأمر لتقارب المعنى لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. والضد ينشأ عنه الحطم، فلا: ناهية، ومثله الحديث:
" فليمسك بنصالها، لا يعقر مسلما "
ه. يقول الحق جل جلاله: { وحشر لسليمان } أي: جمع له { جنوده من الجن والإنس والطير } بمباشرة مخاطبيه، فإنهم رؤساء مملكته، وعظماء دولته، من الثقلين وغيرهم. وتقديم الجن على الإنس للإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه لأن الجن طائفة عاتية، وقبيلة طاغية، ماردة، بعيدة من الحشر والتسخير، { فهم يوزعون } أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم، أي: يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم الثواني، فيكونوا مجتمعين، لا يختلف منهم أحد، وذلك لكثرة العظمة والقهرية. قال قتادة: فكان لكل صنف منهم وزعة. أو: لترتيب الصفوف، كما هو المعتاد في العساكر. والوزع: المنع، ومنه قول الحسن البصري، حين ولي القضاء: لا بد للحاكم من وزعة أي: شرط يمنعون الناس من الظلم. وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضا: لأن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا إن لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو. قال محمد بن كعب: كان عسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية. وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم، فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه، وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء - عليهم السلام - على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها، حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط، فتسير به مسيرة شهر، من الصباح إلى الرواح. وروي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تسيره، فأوحى الله تعالى إليه، وهو يسير بين السماء والأرض: إني زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك. قال وهب: حدثني أبي: أن سليمان مر بحراث، فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فالتفت ونزل إلى الحراث، فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك مما أوتي آل داود.
ه. { حتى إذا أتوا على واد النمل } أي: فساروا حتى بلغوا وداي النمل، وهو واد بالشام، كثير النمل، قاله مقاتل. أو: بالطائف، قاله كعب. وقيل: هو واد يسكنه الجن، والنمل مراكبهم. وعدي الفعل ب " على " لأن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء. ولعلهم أرادوا أن ينزلوا بأعلى الوادي إذ حينئذ يخافهم من في الأرض، لا عند سيرهم في الهواء. وجواب إذ قوله: { قالت نملة } ، وكأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت منهم، فصاحت صيحة، فنبهت بها ما بحضرتها من النمل. قال كعب: مر سليمان عليه السلام بوادي السدير، من أودية الطائف، فأتى على واد النمل، فقالت نملة، وهي تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، مثل الذئب في العظم. قال الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية، وقيل: منذرة، وقيل: جرمي. وقال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان أمثال الذباب. وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتف عليه الناس، فقال: سلوني عما شئتم، فسأله أبو حنيفة، وهو شاب، عن نملة سليمان، أكان ذكرا أو أنثى؟ فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: بم عرفت؟ فقال: قوله تعالى: { قالت نملة } ولو كان ذكرا لقال: قال نملة. ه. قلت: وهو غير صحيح لما تقدم عن الرضي. { قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم } لم يقل: ادخلن لأنه لما جعلها قائلة،والنمل مقولا لهم، كما يكون من العقلاء، أجرى خطابهن مجرى ذوي العقل، { لا يحطمنكم } لا يكسرنكم. والحطم: الكسر، وهو في الظاهر نهى لسليمان عن الحطم، وفي الحقيقة نهى لهم عن البروز والوقوف على طريقه، نحو: لا أرينك ها هنا، أي: لا تتعرضوا فيكسرنكم { سليمان وجنوده } ، وقيل: أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ. { وهم لا يشعرون } لا يعلمون بمكانكم، أي: لو شعروا ما فعلوا. قالت ذلك على وجه العذر، واصفة سليمان وجنوده بالعدل، فحمل الريح قولها إلى سليمان على ثلاثة أميال. روي أن سليمان قال لها: لم حذرت النمل، أخفت ظلمي؟ أما علمت أني نبي عدل، فلم قلت: { لا يحطمنكم سليمان وجنوده }؟ فقالت: أما سمعت قولي: { وهم لا يشعرون } ، مع أني لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنين ما أعطيت، ويشغلن بالنظر إليك عن التسبيح، فقال لها سليمان: عظيني، فقالت: هل علمت لم سمي أبوك داود؟ قال: لا، قالت: لأنه داوى جرحه. هل تدري لم سميت سليمان؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم، ما ركنت إلى ما أوتيت، لسلامة صدرك، وأنى لك أن تلحق أباك. ثم قالت: اتدري لم سخر الله لك الريح؟ قال: لا، قالت: أخبرك الله أن الدنيا كلها ريح. قال ابن عباس: ومن هنا " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد، والصرد، والنحلة، والنملة ".
{ فتبسم ضاحكا } ، معجبا { من قولها } ومن حذرها، واهتدائها لمصالحها، ونصحها للنمل، وفرحا بظهور عدله. والتبسم: ابتداء الضحك، وأكثر الضحك الأنبياء التبسم، أي: فتبسم ابتداء، ضاحكا انتهاء. { وقال رب أوزعني } ، الإيزاع في الأصل: الكف، أي: كفني عن كل شيء إلا عن شكر نعمتك، ويطلق على الإلهام، أي: ألهمني { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي } من النبوة والملك والعلم، { وعلى والدي } لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد، { و } ألهمني { أن أعمل صالحا ترضاه } في بقية عمري، { وأدخلني برحمتك } أي: وأدخلني الجنة برحمتك، لا بصالح عملي إذ لا يدخل الجنة إلا برحمتك كما في الحديث. { في عبادك الصالحين } أي: في جملة أنبيائك المرسلين، الذين صلحوا لحضرتك. أو: مع عبادك الصالحين. روي أن النملة أحست بصوت الجنود، ولم تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان عليه السلام الريح، فوقفت لئلا يذعرن، حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة. قاله النسفي. الإشارة: من أقبل بكليته على مولاه، وأطاعه في كل شيء، سخرت له الأكوان، وأطاعته في كل شيء. ومن أعرض عن مولاه أعرض عنه كل شيء، وصعب عليه كل شيء. " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك ". فإذا سخرت له الأشياء، وزهد فيها، وأعرض عنها، واختار مقام العبودية، ارتفع قدره، ولم ينقص منه شيئا، كحال نبينا - عليه السلام -. ومن سخرت له الأشياء، ونظر إليها، انتقص قدره، وإن كان كريما على الله، ولذلك ورد في الخبر أن سليمان عليه السلام: هو آخر من يدخل الجنة من الأنبياء. ذكره في القوت. وذكر فيه أيضا: أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوما ثيابا رفيعة، ثم ركب على سريره، فحملته الريح، وسارت به، فنظر إلى عطفيه نظرة، فأنزلته إلى الأرض، فقال لها: لم أنزلتني ولم آمرك؟ فقالت له: نطعيك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وتاب، فحملته. وهذا مما يعتب علىالمقربين لكبر مقامهم، فكل نعيم في الدنيا ينقص في الآخرة. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { وتفقد الطير فقال مالي... }
النمل 27:20
يقول الحق جل جلاله: { وتفقد } سليمان { الطير } أي: تعرف أحوال الطير تعرف الملك لمملكته، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته، والاهتمام بكل جزء منها، أو: تفقده لمعرفته بالماء، أو لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد: طلب ما غاب عنك. { فقال مالي لا أرى الهدهد } أساتر ستره؟ { أم كان من الغائبين } ، و " أم ": بمعنى " بل ". كأنه قال: ما لي لا أراه؟ ثم بدا له أنه غائب، فأضرب عنه، وقال: بل هو من الغائبين. { لأعذبنه عذابا شديدا } ، قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه، أو: يجعله مع أضداده في قفص، أو: بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو: نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله. وحل له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حل له التأديب. { أو لأذبحنه } ليعتبر به أبناء جنسه، { أو ليأتيني بسلطان مبين } بحجة تبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم: وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل: كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خاليا، فتفقده، وقيل: احتاج إلى الماء، وكان علم ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده. والسبب فيه: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قربانا. وقال: إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيز، صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحا، يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحدا بقي آخر، قال: اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة ذلك، والله أعلم. ه. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا الحديث: قال له نافع بن الأزرق: كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه؟ قال ابن عباس: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر.
ه. قلت: ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة. فلما نزل سليمان، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير ". فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها " بلقيس " تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء. قال ابن عباس: فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله؟، فقال: ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال: لأعذبنه... إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه، فقال له الهدهد: بحق الحق الذي قواك إلا ما رحمتني، فقال: ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له: لقد توعدك نبي الله. قال: أو ما استثنى؟ قالت: بلى، قال: { أو ليأتيني بسلطان مبين }. ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعا لله ولسليمان، فقال سليمان: أين كنت؟ لأعذبنك... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما. قال تعالى: { فمكث غير بعيد } أي: تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو: فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد، خوفا من سليمان، فالضمير إما لسليمان، أو: للهدهد، وهو الظاهر، ويرجحه قراءة: فتمكث. وفي " مكث " لغتان: الضم والفتح. ولما قدم من غيبته، أحضر بين يديه، على الهيئة المتقدمة، ثم سأله عن غيبته، { فقال أحطت بما لم تحط به } أي: أدركت علما لم تحط به أنت، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة، ابتلاء له عليه السلام في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه اضعفهم من أحاطه الله علما بما لم يحط به لتتصاغر إليه نفسه، ويصغر في عينه وعلمه، في جانب علم الله، رحمة به ولطفا في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء.
ثم قال: { وجئتك من سبأ } - بالصرف - اسما للحي، أو: للأب الأكبر، وبعدمه اسما للقبيلة. { بنبأ يقين } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله: { من سبأ بنبإ } من محاسن الكلام ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظا ومعنى، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. وعبر عما جاء به بالنبأ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير، ووصفه بما وصفه به. { وإني وجدت امرأة تملكهم } هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أبا. وقيل: كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكا عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها " ريحانة " فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كان أحد أبوي بلقيس جنيا "
فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا قائما بسيرته، حتى فجر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. { وأوتيت من كل شيء } تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، { ولها عرش عظيم }: كبير، قيل: كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا، وقيل: كان ثمانين ذراعا في ثمانين، وطوله في الهواء: ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعا بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودر، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية. وكانت بلقيس مجوسية، فلذلك قال: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } التي هي عبادة الشمس، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن سبيل الرشد والصواب، وهو التوحيد { فهم لا يهتدون } إليه. ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاما من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات والمعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء، الراجحة العقول، يهتدون إليها. وهذا من أسرارالربوبية، التي سرت في الأشياء، فوحدت الله تعالى، ولهجت بحمده.
{ ألا يسجدوا } بالتشديد، أي: فصدهم عن السبيل لئلا، فحذف الجار، أي: لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون " لا " مزيدة، أي: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وقرئ: هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف. فالتقدير عنده: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فألا للتنبيه، والمنادي محذوف، فمن شدد لم يقف على { يهتدون } ، ومن خفف وقف ثم استأنف: ألا يا هؤلاء اسجدوا { لله الذي يخرج الخبء } الشيء المخبوء المستور { في السماوات والأرض } ، قال قتادة: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. واللفظ أعم من ذلك، { ويعلم ما يخفون وما يعلنون } عطف على " يخرج " ، إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا، كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا. { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ووصف الهدهد عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. وفي الخبر:
" إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة "
ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا، وملؤوا الركايا، والله تعالى أعلم. الإشارة: هدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هددها بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علما قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب، فتقول: إني وجدت إمرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو: لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزين لهم الشيطان ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبدا ما داموا كذلك لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يسرون من الإخلاص، وما يعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق. ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس، كما قال تعالى: { قال سننظر أصدقت... }
النمل 27:21
يقول الحق جل جلاله: { وتفقد } سليمان { الطير } أي: تعرف أحوال الطير تعرف الملك لمملكته، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته، والاهتمام بكل جزء منها، أو: تفقده لمعرفته بالماء، أو لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد: طلب ما غاب عنك. { فقال مالي لا أرى الهدهد } أساتر ستره؟ { أم كان من الغائبين } ، و " أم ": بمعنى " بل ". كأنه قال: ما لي لا أراه؟ ثم بدا له أنه غائب، فأضرب عنه، وقال: بل هو من الغائبين. { لأعذبنه عذابا شديدا } ، قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه، أو: يجعله مع أضداده في قفص، أو: بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو: نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله. وحل له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حل له التأديب. { أو لأذبحنه } ليعتبر به أبناء جنسه، { أو ليأتيني بسلطان مبين } بحجة تبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم: وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل: كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خاليا، فتفقده، وقيل: احتاج إلى الماء، وكان علم ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده. والسبب فيه: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قربانا. وقال: إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيز، صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحا، يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحدا بقي آخر، قال: اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة ذلك، والله أعلم. ه. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا الحديث: قال له نافع بن الأزرق: كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه؟ قال ابن عباس: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر.
ه. قلت: ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة. فلما نزل سليمان، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير ". فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها " بلقيس " تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء. قال ابن عباس: فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله؟، فقال: ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال: لأعذبنه... إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه، فقال له الهدهد: بحق الحق الذي قواك إلا ما رحمتني، فقال: ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له: لقد توعدك نبي الله. قال: أو ما استثنى؟ قالت: بلى، قال: { أو ليأتيني بسلطان مبين }. ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعا لله ولسليمان، فقال سليمان: أين كنت؟ لأعذبنك... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما. قال تعالى: { فمكث غير بعيد } أي: تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو: فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد، خوفا من سليمان، فالضمير إما لسليمان، أو: للهدهد، وهو الظاهر، ويرجحه قراءة: فتمكث. وفي " مكث " لغتان: الضم والفتح. ولما قدم من غيبته، أحضر بين يديه، على الهيئة المتقدمة، ثم سأله عن غيبته، { فقال أحطت بما لم تحط به } أي: أدركت علما لم تحط به أنت، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة، ابتلاء له عليه السلام في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه اضعفهم من أحاطه الله علما بما لم يحط به لتتصاغر إليه نفسه، ويصغر في عينه وعلمه، في جانب علم الله، رحمة به ولطفا في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء.
ثم قال: { وجئتك من سبأ } - بالصرف - اسما للحي، أو: للأب الأكبر، وبعدمه اسما للقبيلة. { بنبأ يقين } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله: { من سبأ بنبإ } من محاسن الكلام ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظا ومعنى، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. وعبر عما جاء به بالنبأ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير، ووصفه بما وصفه به. { وإني وجدت امرأة تملكهم } هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أبا. وقيل: كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكا عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها " ريحانة " فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كان أحد أبوي بلقيس جنيا "
فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا قائما بسيرته، حتى فجر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. { وأوتيت من كل شيء } تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، { ولها عرش عظيم }: كبير، قيل: كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا، وقيل: كان ثمانين ذراعا في ثمانين، وطوله في الهواء: ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعا بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودر، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية. وكانت بلقيس مجوسية، فلذلك قال: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } التي هي عبادة الشمس، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن سبيل الرشد والصواب، وهو التوحيد { فهم لا يهتدون } إليه. ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاما من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات والمعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء، الراجحة العقول، يهتدون إليها. وهذا من أسرارالربوبية، التي سرت في الأشياء، فوحدت الله تعالى، ولهجت بحمده.
{ ألا يسجدوا } بالتشديد، أي: فصدهم عن السبيل لئلا، فحذف الجار، أي: لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون " لا " مزيدة، أي: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وقرئ: هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف. فالتقدير عنده: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فألا للتنبيه، والمنادي محذوف، فمن شدد لم يقف على { يهتدون } ، ومن خفف وقف ثم استأنف: ألا يا هؤلاء اسجدوا { لله الذي يخرج الخبء } الشيء المخبوء المستور { في السماوات والأرض } ، قال قتادة: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. واللفظ أعم من ذلك، { ويعلم ما يخفون وما يعلنون } عطف على " يخرج " ، إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا، كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا. { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ووصف الهدهد عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. وفي الخبر:
" إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة "
ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا، وملؤوا الركايا، والله تعالى أعلم. الإشارة: هدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هددها بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علما قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب، فتقول: إني وجدت إمرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو: لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزين لهم الشيطان ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبدا ما داموا كذلك لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يسرون من الإخلاص، وما يعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق. ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس، كما قال تعالى: { قال سننظر أصدقت... }
النمل 27:22
يقول الحق جل جلاله: { وتفقد } سليمان { الطير } أي: تعرف أحوال الطير تعرف الملك لمملكته، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته، والاهتمام بكل جزء منها، أو: تفقده لمعرفته بالماء، أو لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد: طلب ما غاب عنك. { فقال مالي لا أرى الهدهد } أساتر ستره؟ { أم كان من الغائبين } ، و " أم ": بمعنى " بل ". كأنه قال: ما لي لا أراه؟ ثم بدا له أنه غائب، فأضرب عنه، وقال: بل هو من الغائبين. { لأعذبنه عذابا شديدا } ، قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه، أو: يجعله مع أضداده في قفص، أو: بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو: نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله. وحل له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حل له التأديب. { أو لأذبحنه } ليعتبر به أبناء جنسه، { أو ليأتيني بسلطان مبين } بحجة تبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم: وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل: كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خاليا، فتفقده، وقيل: احتاج إلى الماء، وكان علم ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده. والسبب فيه: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قربانا. وقال: إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيز، صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحا، يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحدا بقي آخر، قال: اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة ذلك، والله أعلم. ه. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا الحديث: قال له نافع بن الأزرق: كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه؟ قال ابن عباس: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر.
ه. قلت: ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة. فلما نزل سليمان، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير ". فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها " بلقيس " تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء. قال ابن عباس: فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله؟، فقال: ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال: لأعذبنه... إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه، فقال له الهدهد: بحق الحق الذي قواك إلا ما رحمتني، فقال: ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له: لقد توعدك نبي الله. قال: أو ما استثنى؟ قالت: بلى، قال: { أو ليأتيني بسلطان مبين }. ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعا لله ولسليمان، فقال سليمان: أين كنت؟ لأعذبنك... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما. قال تعالى: { فمكث غير بعيد } أي: تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو: فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد، خوفا من سليمان، فالضمير إما لسليمان، أو: للهدهد، وهو الظاهر، ويرجحه قراءة: فتمكث. وفي " مكث " لغتان: الضم والفتح. ولما قدم من غيبته، أحضر بين يديه، على الهيئة المتقدمة، ثم سأله عن غيبته، { فقال أحطت بما لم تحط به } أي: أدركت علما لم تحط به أنت، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة، ابتلاء له عليه السلام في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه اضعفهم من أحاطه الله علما بما لم يحط به لتتصاغر إليه نفسه، ويصغر في عينه وعلمه، في جانب علم الله، رحمة به ولطفا في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء.
ثم قال: { وجئتك من سبأ } - بالصرف - اسما للحي، أو: للأب الأكبر، وبعدمه اسما للقبيلة. { بنبأ يقين } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله: { من سبأ بنبإ } من محاسن الكلام ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظا ومعنى، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. وعبر عما جاء به بالنبأ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير، ووصفه بما وصفه به. { وإني وجدت امرأة تملكهم } هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أبا. وقيل: كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكا عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها " ريحانة " فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كان أحد أبوي بلقيس جنيا "
فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا قائما بسيرته، حتى فجر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. { وأوتيت من كل شيء } تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، { ولها عرش عظيم }: كبير، قيل: كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا، وقيل: كان ثمانين ذراعا في ثمانين، وطوله في الهواء: ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعا بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودر، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية. وكانت بلقيس مجوسية، فلذلك قال: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } التي هي عبادة الشمس، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن سبيل الرشد والصواب، وهو التوحيد { فهم لا يهتدون } إليه. ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاما من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات والمعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء، الراجحة العقول، يهتدون إليها. وهذا من أسرارالربوبية، التي سرت في الأشياء، فوحدت الله تعالى، ولهجت بحمده.
{ ألا يسجدوا } بالتشديد، أي: فصدهم عن السبيل لئلا، فحذف الجار، أي: لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون " لا " مزيدة، أي: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وقرئ: هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف. فالتقدير عنده: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فألا للتنبيه، والمنادي محذوف، فمن شدد لم يقف على { يهتدون } ، ومن خفف وقف ثم استأنف: ألا يا هؤلاء اسجدوا { لله الذي يخرج الخبء } الشيء المخبوء المستور { في السماوات والأرض } ، قال قتادة: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. واللفظ أعم من ذلك، { ويعلم ما يخفون وما يعلنون } عطف على " يخرج " ، إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا، كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا. { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ووصف الهدهد عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. وفي الخبر:
" إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة "
ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا، وملؤوا الركايا، والله تعالى أعلم. الإشارة: هدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هددها بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علما قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب، فتقول: إني وجدت إمرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو: لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزين لهم الشيطان ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبدا ما داموا كذلك لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يسرون من الإخلاص، وما يعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق. ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس، كما قال تعالى: { قال سننظر أصدقت... }
النمل 27:23
يقول الحق جل جلاله: { وتفقد } سليمان { الطير } أي: تعرف أحوال الطير تعرف الملك لمملكته، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته، والاهتمام بكل جزء منها، أو: تفقده لمعرفته بالماء، أو لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد: طلب ما غاب عنك. { فقال مالي لا أرى الهدهد } أساتر ستره؟ { أم كان من الغائبين } ، و " أم ": بمعنى " بل ". كأنه قال: ما لي لا أراه؟ ثم بدا له أنه غائب، فأضرب عنه، وقال: بل هو من الغائبين. { لأعذبنه عذابا شديدا } ، قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه، أو: يجعله مع أضداده في قفص، أو: بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو: نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله. وحل له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حل له التأديب. { أو لأذبحنه } ليعتبر به أبناء جنسه، { أو ليأتيني بسلطان مبين } بحجة تبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم: وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل: كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خاليا، فتفقده، وقيل: احتاج إلى الماء، وكان علم ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده. والسبب فيه: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قربانا. وقال: إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيز، صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحا، يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحدا بقي آخر، قال: اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة ذلك، والله أعلم. ه. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا الحديث: قال له نافع بن الأزرق: كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه؟ قال ابن عباس: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر.
ه. قلت: ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة. فلما نزل سليمان، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير ". فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها " بلقيس " تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء. قال ابن عباس: فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله؟، فقال: ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال: لأعذبنه... إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه، فقال له الهدهد: بحق الحق الذي قواك إلا ما رحمتني، فقال: ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له: لقد توعدك نبي الله. قال: أو ما استثنى؟ قالت: بلى، قال: { أو ليأتيني بسلطان مبين }. ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعا لله ولسليمان، فقال سليمان: أين كنت؟ لأعذبنك... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما. قال تعالى: { فمكث غير بعيد } أي: تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو: فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد، خوفا من سليمان، فالضمير إما لسليمان، أو: للهدهد، وهو الظاهر، ويرجحه قراءة: فتمكث. وفي " مكث " لغتان: الضم والفتح. ولما قدم من غيبته، أحضر بين يديه، على الهيئة المتقدمة، ثم سأله عن غيبته، { فقال أحطت بما لم تحط به } أي: أدركت علما لم تحط به أنت، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة، ابتلاء له عليه السلام في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه اضعفهم من أحاطه الله علما بما لم يحط به لتتصاغر إليه نفسه، ويصغر في عينه وعلمه، في جانب علم الله، رحمة به ولطفا في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء.
ثم قال: { وجئتك من سبأ } - بالصرف - اسما للحي، أو: للأب الأكبر، وبعدمه اسما للقبيلة. { بنبأ يقين } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله: { من سبأ بنبإ } من محاسن الكلام ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظا ومعنى، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. وعبر عما جاء به بالنبأ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير، ووصفه بما وصفه به. { وإني وجدت امرأة تملكهم } هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أبا. وقيل: كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكا عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها " ريحانة " فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كان أحد أبوي بلقيس جنيا "
فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا قائما بسيرته، حتى فجر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. { وأوتيت من كل شيء } تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، { ولها عرش عظيم }: كبير، قيل: كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا، وقيل: كان ثمانين ذراعا في ثمانين، وطوله في الهواء: ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعا بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودر، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية. وكانت بلقيس مجوسية، فلذلك قال: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } التي هي عبادة الشمس، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن سبيل الرشد والصواب، وهو التوحيد { فهم لا يهتدون } إليه. ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاما من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات والمعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء، الراجحة العقول، يهتدون إليها. وهذا من أسرارالربوبية، التي سرت في الأشياء، فوحدت الله تعالى، ولهجت بحمده.
{ ألا يسجدوا } بالتشديد، أي: فصدهم عن السبيل لئلا، فحذف الجار، أي: لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون " لا " مزيدة، أي: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وقرئ: هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف. فالتقدير عنده: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فألا للتنبيه، والمنادي محذوف، فمن شدد لم يقف على { يهتدون } ، ومن خفف وقف ثم استأنف: ألا يا هؤلاء اسجدوا { لله الذي يخرج الخبء } الشيء المخبوء المستور { في السماوات والأرض } ، قال قتادة: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. واللفظ أعم من ذلك، { ويعلم ما يخفون وما يعلنون } عطف على " يخرج " ، إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا، كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا. { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ووصف الهدهد عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. وفي الخبر:
" إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة "
ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا، وملؤوا الركايا، والله تعالى أعلم. الإشارة: هدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هددها بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علما قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب، فتقول: إني وجدت إمرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو: لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزين لهم الشيطان ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبدا ما داموا كذلك لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يسرون من الإخلاص، وما يعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق. ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس، كما قال تعالى: { قال سننظر أصدقت... }
النمل 27:24
يقول الحق جل جلاله: { وتفقد } سليمان { الطير } أي: تعرف أحوال الطير تعرف الملك لمملكته، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته، والاهتمام بكل جزء منها، أو: تفقده لمعرفته بالماء، أو لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد: طلب ما غاب عنك. { فقال مالي لا أرى الهدهد } أساتر ستره؟ { أم كان من الغائبين } ، و " أم ": بمعنى " بل ". كأنه قال: ما لي لا أراه؟ ثم بدا له أنه غائب، فأضرب عنه، وقال: بل هو من الغائبين. { لأعذبنه عذابا شديدا } ، قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه، أو: يجعله مع أضداده في قفص، أو: بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو: نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله. وحل له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حل له التأديب. { أو لأذبحنه } ليعتبر به أبناء جنسه، { أو ليأتيني بسلطان مبين } بحجة تبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم: وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل: كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خاليا، فتفقده، وقيل: احتاج إلى الماء، وكان علم ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده. والسبب فيه: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قربانا. وقال: إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيز، صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحا، يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحدا بقي آخر، قال: اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة ذلك، والله أعلم. ه. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا الحديث: قال له نافع بن الأزرق: كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه؟ قال ابن عباس: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر.
ه. قلت: ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة. فلما نزل سليمان، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير ". فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها " بلقيس " تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء. قال ابن عباس: فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله؟، فقال: ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال: لأعذبنه... إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه، فقال له الهدهد: بحق الحق الذي قواك إلا ما رحمتني، فقال: ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له: لقد توعدك نبي الله. قال: أو ما استثنى؟ قالت: بلى، قال: { أو ليأتيني بسلطان مبين }. ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعا لله ولسليمان، فقال سليمان: أين كنت؟ لأعذبنك... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما. قال تعالى: { فمكث غير بعيد } أي: تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو: فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد، خوفا من سليمان، فالضمير إما لسليمان، أو: للهدهد، وهو الظاهر، ويرجحه قراءة: فتمكث. وفي " مكث " لغتان: الضم والفتح. ولما قدم من غيبته، أحضر بين يديه، على الهيئة المتقدمة، ثم سأله عن غيبته، { فقال أحطت بما لم تحط به } أي: أدركت علما لم تحط به أنت، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة، ابتلاء له عليه السلام في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه اضعفهم من أحاطه الله علما بما لم يحط به لتتصاغر إليه نفسه، ويصغر في عينه وعلمه، في جانب علم الله، رحمة به ولطفا في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء.
ثم قال: { وجئتك من سبأ } - بالصرف - اسما للحي، أو: للأب الأكبر، وبعدمه اسما للقبيلة. { بنبأ يقين } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله: { من سبأ بنبإ } من محاسن الكلام ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظا ومعنى، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. وعبر عما جاء به بالنبأ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير، ووصفه بما وصفه به. { وإني وجدت امرأة تملكهم } هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أبا. وقيل: كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكا عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها " ريحانة " فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كان أحد أبوي بلقيس جنيا "
فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا قائما بسيرته، حتى فجر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. { وأوتيت من كل شيء } تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، { ولها عرش عظيم }: كبير، قيل: كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا، وقيل: كان ثمانين ذراعا في ثمانين، وطوله في الهواء: ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعا بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودر، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية. وكانت بلقيس مجوسية، فلذلك قال: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } التي هي عبادة الشمس، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن سبيل الرشد والصواب، وهو التوحيد { فهم لا يهتدون } إليه. ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاما من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات والمعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء، الراجحة العقول، يهتدون إليها. وهذا من أسرارالربوبية، التي سرت في الأشياء، فوحدت الله تعالى، ولهجت بحمده.
{ ألا يسجدوا } بالتشديد، أي: فصدهم عن السبيل لئلا، فحذف الجار، أي: لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون " لا " مزيدة، أي: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وقرئ: هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف. فالتقدير عنده: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فألا للتنبيه، والمنادي محذوف، فمن شدد لم يقف على { يهتدون } ، ومن خفف وقف ثم استأنف: ألا يا هؤلاء اسجدوا { لله الذي يخرج الخبء } الشيء المخبوء المستور { في السماوات والأرض } ، قال قتادة: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. واللفظ أعم من ذلك، { ويعلم ما يخفون وما يعلنون } عطف على " يخرج " ، إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا، كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا. { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ووصف الهدهد عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. وفي الخبر:
" إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة "
ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا، وملؤوا الركايا، والله تعالى أعلم. الإشارة: هدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هددها بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علما قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب، فتقول: إني وجدت إمرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو: لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزين لهم الشيطان ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبدا ما داموا كذلك لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يسرون من الإخلاص، وما يعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق. ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس، كما قال تعالى: { قال سننظر أصدقت... }
النمل 27:25
يقول الحق جل جلاله: { وتفقد } سليمان { الطير } أي: تعرف أحوال الطير تعرف الملك لمملكته، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته، والاهتمام بكل جزء منها، أو: تفقده لمعرفته بالماء، أو لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد: طلب ما غاب عنك. { فقال مالي لا أرى الهدهد } أساتر ستره؟ { أم كان من الغائبين } ، و " أم ": بمعنى " بل ". كأنه قال: ما لي لا أراه؟ ثم بدا له أنه غائب، فأضرب عنه، وقال: بل هو من الغائبين. { لأعذبنه عذابا شديدا } ، قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه، أو: يجعله مع أضداده في قفص، أو: بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو: نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله. وحل له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حل له التأديب. { أو لأذبحنه } ليعتبر به أبناء جنسه، { أو ليأتيني بسلطان مبين } بحجة تبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم: وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل: كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خاليا، فتفقده، وقيل: احتاج إلى الماء، وكان علم ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده. والسبب فيه: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قربانا. وقال: إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيز، صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحا، يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحدا بقي آخر، قال: اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة ذلك، والله أعلم. ه. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا الحديث: قال له نافع بن الأزرق: كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه؟ قال ابن عباس: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر.
ه. قلت: ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة. فلما نزل سليمان، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير ". فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها " بلقيس " تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء. قال ابن عباس: فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله؟، فقال: ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال: لأعذبنه... إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه، فقال له الهدهد: بحق الحق الذي قواك إلا ما رحمتني، فقال: ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له: لقد توعدك نبي الله. قال: أو ما استثنى؟ قالت: بلى، قال: { أو ليأتيني بسلطان مبين }. ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعا لله ولسليمان، فقال سليمان: أين كنت؟ لأعذبنك... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما. قال تعالى: { فمكث غير بعيد } أي: تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو: فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد، خوفا من سليمان، فالضمير إما لسليمان، أو: للهدهد، وهو الظاهر، ويرجحه قراءة: فتمكث. وفي " مكث " لغتان: الضم والفتح. ولما قدم من غيبته، أحضر بين يديه، على الهيئة المتقدمة، ثم سأله عن غيبته، { فقال أحطت بما لم تحط به } أي: أدركت علما لم تحط به أنت، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة، ابتلاء له عليه السلام في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه اضعفهم من أحاطه الله علما بما لم يحط به لتتصاغر إليه نفسه، ويصغر في عينه وعلمه، في جانب علم الله، رحمة به ولطفا في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء.
ثم قال: { وجئتك من سبأ } - بالصرف - اسما للحي، أو: للأب الأكبر، وبعدمه اسما للقبيلة. { بنبأ يقين } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله: { من سبأ بنبإ } من محاسن الكلام ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظا ومعنى، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. وعبر عما جاء به بالنبأ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير، ووصفه بما وصفه به. { وإني وجدت امرأة تملكهم } هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أبا. وقيل: كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكا عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها " ريحانة " فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كان أحد أبوي بلقيس جنيا "
فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا قائما بسيرته، حتى فجر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. { وأوتيت من كل شيء } تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، { ولها عرش عظيم }: كبير، قيل: كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا، وقيل: كان ثمانين ذراعا في ثمانين، وطوله في الهواء: ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعا بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودر، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية. وكانت بلقيس مجوسية، فلذلك قال: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } التي هي عبادة الشمس، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن سبيل الرشد والصواب، وهو التوحيد { فهم لا يهتدون } إليه. ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاما من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات والمعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء، الراجحة العقول، يهتدون إليها. وهذا من أسرارالربوبية، التي سرت في الأشياء، فوحدت الله تعالى، ولهجت بحمده.
{ ألا يسجدوا } بالتشديد، أي: فصدهم عن السبيل لئلا، فحذف الجار، أي: لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون " لا " مزيدة، أي: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وقرئ: هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف. فالتقدير عنده: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فألا للتنبيه، والمنادي محذوف، فمن شدد لم يقف على { يهتدون } ، ومن خفف وقف ثم استأنف: ألا يا هؤلاء اسجدوا { لله الذي يخرج الخبء } الشيء المخبوء المستور { في السماوات والأرض } ، قال قتادة: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. واللفظ أعم من ذلك، { ويعلم ما يخفون وما يعلنون } عطف على " يخرج " ، إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا، كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا. { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ووصف الهدهد عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. وفي الخبر:
" إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة "
ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا، وملؤوا الركايا، والله تعالى أعلم. الإشارة: هدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هددها بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علما قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب، فتقول: إني وجدت إمرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو: لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزين لهم الشيطان ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبدا ما داموا كذلك لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يسرون من الإخلاص، وما يعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق. ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس، كما قال تعالى: { قال سننظر أصدقت... }
النمل 27:26
يقول الحق جل جلاله: { وتفقد } سليمان { الطير } أي: تعرف أحوال الطير تعرف الملك لمملكته، حسبما تقتضيه عناية الملك بمملكته، والاهتمام بكل جزء منها، أو: تفقده لمعرفته بالماء، أو لغير ذلك على ما يأتي. فلما تفقده لم ير الهدهد فيما بينها. والتفقد: طلب ما غاب عنك. { فقال مالي لا أرى الهدهد } أساتر ستره؟ { أم كان من الغائبين } ، و " أم ": بمعنى " بل ". كأنه قال: ما لي لا أراه؟ ثم بدا له أنه غائب، فأضرب عنه، وقال: بل هو من الغائبين. { لأعذبنه عذابا شديدا } ، قيل: كان عذابه للطير: نتفه ريشه وتشميسه، أو: يجعله مع أضداده في قفص، أو: بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو: نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو: النمل تأكله. وحل له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حل له التأديب. { أو لأذبحنه } ليعتبر به أبناء جنسه، { أو ليأتيني بسلطان مبين } بحجة تبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم: وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل: كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خاليا، فتفقده، وقيل: احتاج إلى الماء، وكان علم ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده. والسبب فيه: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قربانا. وقال: إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيز، صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحا، يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحدا بقي آخر، قال: اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة ذلك، والله أعلم. ه. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا الحديث: قال له نافع بن الأزرق: كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه؟ قال ابن عباس: ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر.
ه. قلت: ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة. فلما نزل سليمان، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير ". فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها " بلقيس " تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء. قال ابن عباس: فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله؟، فقال: ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال: لأعذبنه... إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه، فقال له الهدهد: بحق الحق الذي قواك إلا ما رحمتني، فقال: ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له: لقد توعدك نبي الله. قال: أو ما استثنى؟ قالت: بلى، قال: { أو ليأتيني بسلطان مبين }. ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعا لله ولسليمان، فقال سليمان: أين كنت؟ لأعذبنك... فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما. قال تعالى: { فمكث غير بعيد } أي: تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو: فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد، خوفا من سليمان، فالضمير إما لسليمان، أو: للهدهد، وهو الظاهر، ويرجحه قراءة: فتمكث. وفي " مكث " لغتان: الضم والفتح. ولما قدم من غيبته، أحضر بين يديه، على الهيئة المتقدمة، ثم سأله عن غيبته، { فقال أحطت بما لم تحط به } أي: أدركت علما لم تحط به أنت، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة، ابتلاء له عليه السلام في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه اضعفهم من أحاطه الله علما بما لم يحط به لتتصاغر إليه نفسه، ويصغر في عينه وعلمه، في جانب علم الله، رحمة به ولطفا في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء.
ثم قال: { وجئتك من سبأ } - بالصرف - اسما للحي، أو: للأب الأكبر، وبعدمه اسما للقبيلة. { بنبأ يقين } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن. وقوله: { من سبأ بنبإ } من محاسن الكلام ويسمى البديع. وقد حسن وبرع لفظا ومعنى، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة. وعبر عما جاء به بالنبأ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير، ووصفه بما وصفه به. { وإني وجدت امرأة تملكهم } هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أبا. وقيل: كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكا عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها " ريحانة " فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كان أحد أبوي بلقيس جنيا "
فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا قائما بسيرته، حتى فجر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. { وأوتيت من كل شيء } تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، { ولها عرش عظيم }: كبير، قيل: كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا، وقيل: كان ثمانين ذراعا في ثمانين، وطوله في الهواء: ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعا بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودر، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية. وكانت بلقيس مجوسية، فلذلك قال: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } التي هي عبادة الشمس، ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن سبيل الرشد والصواب، وهو التوحيد { فهم لا يهتدون } إليه. ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاما من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوانات والمعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء، الراجحة العقول، يهتدون إليها. وهذا من أسرارالربوبية، التي سرت في الأشياء، فوحدت الله تعالى، ولهجت بحمده.
{ ألا يسجدوا } بالتشديد، أي: فصدهم عن السبيل لئلا، فحذف الجار، أي: لأجل ألا يسجدوا لله. ويجوز أن تكون " لا " مزيدة، أي: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. وقرئ: هلا يسجدون. ومن قرأ بالتخفيف. فالتقدير عنده: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فألا للتنبيه، والمنادي محذوف، فمن شدد لم يقف على { يهتدون } ، ومن خفف وقف ثم استأنف: ألا يا هؤلاء اسجدوا { لله الذي يخرج الخبء } الشيء المخبوء المستور { في السماوات والأرض } ، قال قتادة: خبء السموات: المطر، وخبء الأرض: النبات. واللفظ أعم من ذلك، { ويعلم ما يخفون وما يعلنون } عطف على " يخرج " ، إشارة إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من الخفايا، كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا. { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } الذي هو أول الأجرام وأعظمهما. ووصف الهدهد عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. وفي الخبر:
" إن السموات والأرض في جانب العرش كحلقة في فلاة "
ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. هذا آخر كلام الهدهد. ثم دلهم على الماء فحفروا وشربوا، وملؤوا الركايا، والله تعالى أعلم. الإشارة: هدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هددها بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علما قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب، فتقول: إني وجدت إمرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو: لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزين لهم الشيطان ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبدا ما داموا كذلك لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يسرون من الإخلاص، وما يعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق. ولما سمع سليمان كلام الهدهد أرسله بكتابه إلى بلقيس، كما قال تعالى: { قال سننظر أصدقت... }
النمل 27:27
يقول الحق جل جلاله: { قال } سليمان للهدهد: { سننظر } أي: نتأمل فيما أخبرت، فتعلم { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ، وهو أبلغ من: أكذبت لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا، لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم فيما أخبر به، فلا يوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاما فيه. ثم قرأ: { إنه من سليمان... } إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جملا، لا يطيلون ولا يكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: { إنه من سليمان... } إلخ. ثم طيبه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } أي: إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله: { وجدتها وقومها } ، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك. { ثم تول عنهم } أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، { فانظر ماذا يرجعون } أي: ما الذي يردون من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره، ودخل عليها من كوة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدة، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها الجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم { قالت } لأشرف قومها وهي خائفة: { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوما. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" كرم الكتاب ختمه "
أو: لكونه مصدرا بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خرق العادة. ومضمونه والمكتوب فيه: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، وهذا تبيين لما ألقي إليها كأنها لما قالت: { ألقي إلي كتاب كريم } قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي } " إن ": مفسرة، أي: لا تترفعوا علي ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، { وأتوني مسلمين }: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة. { قالت يا أيها الملا } ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في حيزه: { أفتوني في أمري } أي: أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرته لكم، وعبرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا تهويلا للأمر، ورفعا لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة.
ثم قالت: { ما كنت قاطعة أمرا } من الأمور المتعلقة بالمملكة { حتى تشهدون } بكسر النون، ولا يصح الفتح لأنه يحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كل واحد على عشرة آلاف. { قالوا } في جوابها: { نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. { والأمر إليك } أي: هو موكل إليك { فانظري ماذا تأمرين } ، فنحن مطيعون إليك، فمرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي والمشهورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. فلما أحسنت منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية } على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهرا { أفسدوها } بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } بالقتل والاسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة ليستقيم لهم ملكهم وحدهم. ثم قالت: { وكذلك يفعلون } أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لاتتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديما، أبا عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقا لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى:
إن الملوك بلاء حيثما حلوا فلا يكن بك في أكنافهم ظل ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا وإن صدقتهم خالوك تخدعهم واستثقلوك كما يستثقل الكل فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا إن الوقوف على أبوابهم ذل
ففي صحبة الملوك خطير كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تول عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير: يا أيها الملا إني ألقي إلي في قلبي كتاب كريم، وعلم عظيم، فلا تعل علي وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت - لما تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالو: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك - أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذلا، وجاهها خمولا، وغناها من الدنيا فقرا، وكذلك يفعلون.
وفي الحكم العطائية: " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". وبالله التوفيق. ثم اشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى: { وإني مرسلة إليهم بهدية... }
النمل 27:28
يقول الحق جل جلاله: { قال } سليمان للهدهد: { سننظر } أي: نتأمل فيما أخبرت، فتعلم { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ، وهو أبلغ من: أكذبت لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا، لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم فيما أخبر به، فلا يوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاما فيه. ثم قرأ: { إنه من سليمان... } إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جملا، لا يطيلون ولا يكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: { إنه من سليمان... } إلخ. ثم طيبه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } أي: إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله: { وجدتها وقومها } ، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك. { ثم تول عنهم } أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، { فانظر ماذا يرجعون } أي: ما الذي يردون من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره، ودخل عليها من كوة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدة، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها الجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم { قالت } لأشرف قومها وهي خائفة: { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوما. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" كرم الكتاب ختمه "
أو: لكونه مصدرا بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خرق العادة. ومضمونه والمكتوب فيه: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، وهذا تبيين لما ألقي إليها كأنها لما قالت: { ألقي إلي كتاب كريم } قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي } " إن ": مفسرة، أي: لا تترفعوا علي ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، { وأتوني مسلمين }: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة. { قالت يا أيها الملا } ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في حيزه: { أفتوني في أمري } أي: أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرته لكم، وعبرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا تهويلا للأمر، ورفعا لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة.
ثم قالت: { ما كنت قاطعة أمرا } من الأمور المتعلقة بالمملكة { حتى تشهدون } بكسر النون، ولا يصح الفتح لأنه يحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كل واحد على عشرة آلاف. { قالوا } في جوابها: { نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. { والأمر إليك } أي: هو موكل إليك { فانظري ماذا تأمرين } ، فنحن مطيعون إليك، فمرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي والمشهورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. فلما أحسنت منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية } على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهرا { أفسدوها } بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } بالقتل والاسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة ليستقيم لهم ملكهم وحدهم. ثم قالت: { وكذلك يفعلون } أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لاتتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديما، أبا عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقا لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى:
إن الملوك بلاء حيثما حلوا فلا يكن بك في أكنافهم ظل ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا وإن صدقتهم خالوك تخدعهم واستثقلوك كما يستثقل الكل فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا إن الوقوف على أبوابهم ذل
ففي صحبة الملوك خطير كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تول عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير: يا أيها الملا إني ألقي إلي في قلبي كتاب كريم، وعلم عظيم، فلا تعل علي وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت - لما تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالو: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك - أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذلا، وجاهها خمولا، وغناها من الدنيا فقرا، وكذلك يفعلون.
وفي الحكم العطائية: " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". وبالله التوفيق. ثم اشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى: { وإني مرسلة إليهم بهدية... }
النمل 27:29
يقول الحق جل جلاله: { قال } سليمان للهدهد: { سننظر } أي: نتأمل فيما أخبرت، فتعلم { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ، وهو أبلغ من: أكذبت لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا، لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم فيما أخبر به، فلا يوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاما فيه. ثم قرأ: { إنه من سليمان... } إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جملا، لا يطيلون ولا يكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: { إنه من سليمان... } إلخ. ثم طيبه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } أي: إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله: { وجدتها وقومها } ، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك. { ثم تول عنهم } أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، { فانظر ماذا يرجعون } أي: ما الذي يردون من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره، ودخل عليها من كوة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدة، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها الجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم { قالت } لأشرف قومها وهي خائفة: { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوما. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" كرم الكتاب ختمه "
أو: لكونه مصدرا بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خرق العادة. ومضمونه والمكتوب فيه: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، وهذا تبيين لما ألقي إليها كأنها لما قالت: { ألقي إلي كتاب كريم } قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي } " إن ": مفسرة، أي: لا تترفعوا علي ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، { وأتوني مسلمين }: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة. { قالت يا أيها الملا } ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في حيزه: { أفتوني في أمري } أي: أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرته لكم، وعبرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا تهويلا للأمر، ورفعا لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة.
ثم قالت: { ما كنت قاطعة أمرا } من الأمور المتعلقة بالمملكة { حتى تشهدون } بكسر النون، ولا يصح الفتح لأنه يحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كل واحد على عشرة آلاف. { قالوا } في جوابها: { نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. { والأمر إليك } أي: هو موكل إليك { فانظري ماذا تأمرين } ، فنحن مطيعون إليك، فمرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي والمشهورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. فلما أحسنت منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية } على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهرا { أفسدوها } بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } بالقتل والاسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة ليستقيم لهم ملكهم وحدهم. ثم قالت: { وكذلك يفعلون } أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لاتتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديما، أبا عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقا لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى:
إن الملوك بلاء حيثما حلوا فلا يكن بك في أكنافهم ظل ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا وإن صدقتهم خالوك تخدعهم واستثقلوك كما يستثقل الكل فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا إن الوقوف على أبوابهم ذل
ففي صحبة الملوك خطير كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تول عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير: يا أيها الملا إني ألقي إلي في قلبي كتاب كريم، وعلم عظيم، فلا تعل علي وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت - لما تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالو: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك - أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذلا، وجاهها خمولا، وغناها من الدنيا فقرا، وكذلك يفعلون.
وفي الحكم العطائية: " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". وبالله التوفيق. ثم اشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى: { وإني مرسلة إليهم بهدية... }
النمل 27:30
يقول الحق جل جلاله: { قال } سليمان للهدهد: { سننظر } أي: نتأمل فيما أخبرت، فتعلم { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ، وهو أبلغ من: أكذبت لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا، لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم فيما أخبر به، فلا يوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاما فيه. ثم قرأ: { إنه من سليمان... } إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جملا، لا يطيلون ولا يكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: { إنه من سليمان... } إلخ. ثم طيبه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } أي: إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله: { وجدتها وقومها } ، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك. { ثم تول عنهم } أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، { فانظر ماذا يرجعون } أي: ما الذي يردون من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره، ودخل عليها من كوة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدة، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها الجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم { قالت } لأشرف قومها وهي خائفة: { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوما. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" كرم الكتاب ختمه "
أو: لكونه مصدرا بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خرق العادة. ومضمونه والمكتوب فيه: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، وهذا تبيين لما ألقي إليها كأنها لما قالت: { ألقي إلي كتاب كريم } قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي } " إن ": مفسرة، أي: لا تترفعوا علي ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، { وأتوني مسلمين }: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة. { قالت يا أيها الملا } ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في حيزه: { أفتوني في أمري } أي: أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرته لكم، وعبرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا تهويلا للأمر، ورفعا لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة.
ثم قالت: { ما كنت قاطعة أمرا } من الأمور المتعلقة بالمملكة { حتى تشهدون } بكسر النون، ولا يصح الفتح لأنه يحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كل واحد على عشرة آلاف. { قالوا } في جوابها: { نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. { والأمر إليك } أي: هو موكل إليك { فانظري ماذا تأمرين } ، فنحن مطيعون إليك، فمرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي والمشهورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. فلما أحسنت منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية } على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهرا { أفسدوها } بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } بالقتل والاسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة ليستقيم لهم ملكهم وحدهم. ثم قالت: { وكذلك يفعلون } أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لاتتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديما، أبا عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقا لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى:
إن الملوك بلاء حيثما حلوا فلا يكن بك في أكنافهم ظل ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا وإن صدقتهم خالوك تخدعهم واستثقلوك كما يستثقل الكل فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا إن الوقوف على أبوابهم ذل
ففي صحبة الملوك خطير كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تول عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير: يا أيها الملا إني ألقي إلي في قلبي كتاب كريم، وعلم عظيم، فلا تعل علي وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت - لما تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالو: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك - أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذلا، وجاهها خمولا، وغناها من الدنيا فقرا، وكذلك يفعلون.
وفي الحكم العطائية: " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". وبالله التوفيق. ثم اشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى: { وإني مرسلة إليهم بهدية... }
النمل 27:31
يقول الحق جل جلاله: { قال } سليمان للهدهد: { سننظر } أي: نتأمل فيما أخبرت، فتعلم { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ، وهو أبلغ من: أكذبت لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا، لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم فيما أخبر به، فلا يوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاما فيه. ثم قرأ: { إنه من سليمان... } إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جملا، لا يطيلون ولا يكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: { إنه من سليمان... } إلخ. ثم طيبه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } أي: إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله: { وجدتها وقومها } ، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك. { ثم تول عنهم } أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، { فانظر ماذا يرجعون } أي: ما الذي يردون من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره، ودخل عليها من كوة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدة، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها الجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم { قالت } لأشرف قومها وهي خائفة: { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوما. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" كرم الكتاب ختمه "
أو: لكونه مصدرا بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خرق العادة. ومضمونه والمكتوب فيه: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، وهذا تبيين لما ألقي إليها كأنها لما قالت: { ألقي إلي كتاب كريم } قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي } " إن ": مفسرة، أي: لا تترفعوا علي ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، { وأتوني مسلمين }: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة. { قالت يا أيها الملا } ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في حيزه: { أفتوني في أمري } أي: أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرته لكم، وعبرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا تهويلا للأمر، ورفعا لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة.
ثم قالت: { ما كنت قاطعة أمرا } من الأمور المتعلقة بالمملكة { حتى تشهدون } بكسر النون، ولا يصح الفتح لأنه يحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كل واحد على عشرة آلاف. { قالوا } في جوابها: { نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. { والأمر إليك } أي: هو موكل إليك { فانظري ماذا تأمرين } ، فنحن مطيعون إليك، فمرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي والمشهورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. فلما أحسنت منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية } على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهرا { أفسدوها } بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } بالقتل والاسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة ليستقيم لهم ملكهم وحدهم. ثم قالت: { وكذلك يفعلون } أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لاتتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديما، أبا عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقا لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى:
إن الملوك بلاء حيثما حلوا فلا يكن بك في أكنافهم ظل ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا وإن صدقتهم خالوك تخدعهم واستثقلوك كما يستثقل الكل فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا إن الوقوف على أبوابهم ذل
ففي صحبة الملوك خطير كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تول عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير: يا أيها الملا إني ألقي إلي في قلبي كتاب كريم، وعلم عظيم، فلا تعل علي وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت - لما تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالو: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك - أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذلا، وجاهها خمولا، وغناها من الدنيا فقرا، وكذلك يفعلون.
وفي الحكم العطائية: " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". وبالله التوفيق. ثم اشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى: { وإني مرسلة إليهم بهدية... }
النمل 27:32
يقول الحق جل جلاله: { قال } سليمان للهدهد: { سننظر } أي: نتأمل فيما أخبرت، فتعلم { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ، وهو أبلغ من: أكذبت لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا، لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم فيما أخبر به، فلا يوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاما فيه. ثم قرأ: { إنه من سليمان... } إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جملا، لا يطيلون ولا يكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: { إنه من سليمان... } إلخ. ثم طيبه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } أي: إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله: { وجدتها وقومها } ، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك. { ثم تول عنهم } أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، { فانظر ماذا يرجعون } أي: ما الذي يردون من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره، ودخل عليها من كوة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدة، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها الجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم { قالت } لأشرف قومها وهي خائفة: { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوما. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" كرم الكتاب ختمه "
أو: لكونه مصدرا بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خرق العادة. ومضمونه والمكتوب فيه: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، وهذا تبيين لما ألقي إليها كأنها لما قالت: { ألقي إلي كتاب كريم } قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي } " إن ": مفسرة، أي: لا تترفعوا علي ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، { وأتوني مسلمين }: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة. { قالت يا أيها الملا } ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في حيزه: { أفتوني في أمري } أي: أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرته لكم، وعبرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا تهويلا للأمر، ورفعا لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة.
ثم قالت: { ما كنت قاطعة أمرا } من الأمور المتعلقة بالمملكة { حتى تشهدون } بكسر النون، ولا يصح الفتح لأنه يحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كل واحد على عشرة آلاف. { قالوا } في جوابها: { نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. { والأمر إليك } أي: هو موكل إليك { فانظري ماذا تأمرين } ، فنحن مطيعون إليك، فمرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي والمشهورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. فلما أحسنت منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية } على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهرا { أفسدوها } بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } بالقتل والاسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة ليستقيم لهم ملكهم وحدهم. ثم قالت: { وكذلك يفعلون } أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لاتتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديما، أبا عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقا لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى:
إن الملوك بلاء حيثما حلوا فلا يكن بك في أكنافهم ظل ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا وإن صدقتهم خالوك تخدعهم واستثقلوك كما يستثقل الكل فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا إن الوقوف على أبوابهم ذل
ففي صحبة الملوك خطير كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تول عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير: يا أيها الملا إني ألقي إلي في قلبي كتاب كريم، وعلم عظيم، فلا تعل علي وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت - لما تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالو: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك - أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذلا، وجاهها خمولا، وغناها من الدنيا فقرا، وكذلك يفعلون.
وفي الحكم العطائية: " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". وبالله التوفيق. ثم اشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى: { وإني مرسلة إليهم بهدية... }
النمل 27:33
يقول الحق جل جلاله: { قال } سليمان للهدهد: { سننظر } أي: نتأمل فيما أخبرت، فتعلم { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ، وهو أبلغ من: أكذبت لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا، لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم فيما أخبر به، فلا يوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاما فيه. ثم قرأ: { إنه من سليمان... } إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جملا، لا يطيلون ولا يكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: { إنه من سليمان... } إلخ. ثم طيبه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } أي: إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله: { وجدتها وقومها } ، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك. { ثم تول عنهم } أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، { فانظر ماذا يرجعون } أي: ما الذي يردون من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره، ودخل عليها من كوة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدة، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها الجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم { قالت } لأشرف قومها وهي خائفة: { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوما. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" كرم الكتاب ختمه "
أو: لكونه مصدرا بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خرق العادة. ومضمونه والمكتوب فيه: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، وهذا تبيين لما ألقي إليها كأنها لما قالت: { ألقي إلي كتاب كريم } قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي } " إن ": مفسرة، أي: لا تترفعوا علي ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، { وأتوني مسلمين }: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة. { قالت يا أيها الملا } ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في حيزه: { أفتوني في أمري } أي: أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرته لكم، وعبرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا تهويلا للأمر، ورفعا لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة.
ثم قالت: { ما كنت قاطعة أمرا } من الأمور المتعلقة بالمملكة { حتى تشهدون } بكسر النون، ولا يصح الفتح لأنه يحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كل واحد على عشرة آلاف. { قالوا } في جوابها: { نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. { والأمر إليك } أي: هو موكل إليك { فانظري ماذا تأمرين } ، فنحن مطيعون إليك، فمرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي والمشهورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. فلما أحسنت منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية } على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهرا { أفسدوها } بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } بالقتل والاسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة ليستقيم لهم ملكهم وحدهم. ثم قالت: { وكذلك يفعلون } أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لاتتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديما، أبا عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقا لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى:
إن الملوك بلاء حيثما حلوا فلا يكن بك في أكنافهم ظل ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا وإن صدقتهم خالوك تخدعهم واستثقلوك كما يستثقل الكل فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا إن الوقوف على أبوابهم ذل
ففي صحبة الملوك خطير كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تول عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير: يا أيها الملا إني ألقي إلي في قلبي كتاب كريم، وعلم عظيم، فلا تعل علي وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت - لما تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالو: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك - أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذلا، وجاهها خمولا، وغناها من الدنيا فقرا، وكذلك يفعلون.
وفي الحكم العطائية: " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". وبالله التوفيق. ثم اشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى: { وإني مرسلة إليهم بهدية... }
النمل 27:34
يقول الحق جل جلاله: { قال } سليمان للهدهد: { سننظر } أي: نتأمل فيما أخبرت، فتعلم { أصدقت أم كنت من الكاذبين } ، وهو أبلغ من: أكذبت لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا، لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم فيما أخبر به، فلا يوثق به، ثم كتب: من عبد الله، سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال منصور: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلهم كلاما فيه. ثم قرأ: { إنه من سليمان... } إلخ، والأنبياء كلهم كذلك، كانت تكتب جملا، لا يطيلون ولا يكثرون. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قال الله تعالى: { إنه من سليمان... } إلخ. ثم طيبه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } أي: إلى بلقيس وقومها لأنه ذكرهم معها في قوله: { وجدتها وقومها } ، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك. { ثم تول عنهم } أي: تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك، { فانظر ماذا يرجعون } أي: ما الذي يردون من الجواب، أو: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره، ودخل عليها من كوة، فطرح الكتاب على نحرها، وهي راقدة، وتوارى في الكوة. وقيل: نقرها، فانتبهت فزعة، أو: أتاها الجنود حولها، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم، ثم طرح الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم { قالت } لأشرف قومها وهي خائفة: { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه إذ هو حق، أو: لأنه من ملك كريم، أو: لكونه مختوما. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" كرم الكتاب ختمه "
أو: لكونه مصدرا بالتسمية، أو: لغرابة شأنه، ووصوله إليها على وجه خرق العادة. ومضمونه والمكتوب فيه: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ، وهذا تبيين لما ألقي إليها كأنها لما قالت: { ألقي إلي كتاب كريم } قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي } " إن ": مفسرة، أي: لا تترفعوا علي ولا تتكبروا، كما يفعل جبابرة الملوك، { وأتوني مسلمين }: مؤمنين، أو: منقادين، وليس فيه الأمر بالإسلام. وقيل: إقامة الحجة على رسالته لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة. { قالت يا أيها الملا } ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في حيزه: { أفتوني في أمري } أي: أجيبوني في أمري، الذي حزبني وذكرته لكم، وعبرت عن الجواب بالفتوى، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا تهويلا للأمر، ورفعا لمحلهم، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة.
ثم قالت: { ما كنت قاطعة أمرا } من الأمور المتعلقة بالمملكة { حتى تشهدون } بكسر النون، ولا يصح الفتح لأنه يحذف للناصب. وأصله: تشهدونني، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية، أي: تحضروني، وتشهدوا أنه على صواب، أي: لا أقطع أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كل واحد على عشرة آلاف. { قالوا } في جوابها: { نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي: نجدة وشجاعة، فأرادوا بالقوة: قوة الأجساد والآلات، وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب. { والأمر إليك } أي: هو موكل إليك { فانظري ماذا تأمرين } ، فنحن مطيعون إليك، فمرينا بأمرك، نمتثل أمرك، ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي والمشهورة، وأنت ذات الرأي والتدبير، فانظري ماذا تأمرين نتبع رأيك. فلما أحسنت منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة، فزيفت رأيهم، حيث { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية } على منهاج المقاتلة والحرب، أو عنوة وقهرا { أفسدوها } بتخريب عمارتها، وإتلاف ما فيها من الأموال، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } بالقتل والاسر والإجلاء، وغير ذلك من فنون الإهانة ليستقيم لهم ملكهم وحدهم. ثم قالت: { وكذلك يفعلون } أي: وهذه عادتهم المستمرة التي لاتتغير، لأنها كانت في بيت المملكة قديما، أبا عن أب، فجربت الأمور، أو: يكون من قول الله تعالى، تصديقا لقولها، أي: قال الله تعالى: وكذلك شأن الملوك إذا غلبوا وقهروا أفسدوا. وأنشدوا في هذا المعنى:
إن الملوك بلاء حيثما حلوا فلا يكن بك في أكنافهم ظل ماذا يؤمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا وإن صدقتهم خالوك تخدعهم واستثقلوك كما يستثقل الكل فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا إن الوقوف على أبوابهم ذل
ففي صحبة الملوك خطير كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة، وقد أقيم في هذا المقام الشيخ أبو حسن الشاذلي، وشيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي - رضي الله عنهما - وكان تلميذاهما الشيخ أبو العباس المرسي، وشيخنا سيدي محمد البوزيدي الحسني - رضي الله عنهما - يفران من صحبتهم، أشد الفرار وهو أسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال صاحب الخصوصية لنفسه: سننظر أصدقت في الخصوصية أم أنت من الكاذبين، اذهب بما معك من العلم، وذكر به عباد الله، وألقه إليهم، ثم تول عنهم، وانظر ماذا يرجعون، فإن تأثروا بوعظك، وانتقش فيهم قولك، فأنت صادقة في ثبوت الخصوصية لديك لأن أهل العلم بالله إذا تكلموا وقع كلامهم في قلوب العباد، فحييت به قلوبهم وأرواحهم. ومن لا خصوصية له صدت كلامه الآذان. قالت حين أرادت التذكير: يا أيها الملا إني ألقي إلي في قلبي كتاب كريم، وعلم عظيم، فلا تعل علي وأتوني مسلمين، منقادين لما آمركم به، وقالت - لما تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأحدقت بها جنود الأنوار: يا أيها الملأ - تعني جنود الأنوار - أفتوني في أمري الذي أريد ان أفعله، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور، التي تتجلى في القلب، حتى تشهدون، وتشهدوا أنه رشد وحق، قالو: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، حيث تطهرت، فانظري ماذا تأمرين لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به، قالت: إن الملوك - أي: الواردات الإلهية التي تأتي من حضرة القهار، إذا دخلوا قرية، أي: قلب نفس، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أي: أبدلوا عزها ذلا، وجاهها خمولا، وغناها من الدنيا فقرا، وكذلك يفعلون.
وفي الحكم العطائية: " متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ". فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب، قال في الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار ". وبالله التوفيق. ثم اشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان، كما قال تعالى: { وإني مرسلة إليهم بهدية... }
النمل 27:35
يقول الحق جل جلاله: في حكاية بلقيس - وكانت سيسة، قد سيست وساست، فقالت لقومها: { وإني مرسلة إليهم } سليمان وقومه، { بهدية } أصانعه بذلك عن ملكي، وأختبره، أملك هو أم نبي؟ { فناظرة } فمنتظرة { بم يرجع المرسلون } بأي شيء يرجعون، بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك، وحسن موقع الهدايا عندهم، فإن كان ملكا قبلها وانصرف. وإن كان نبيا ردها ولم يقبل منا إلا أن نتبعه على دينه، فبعثت خمسمائة غلام، عليهم ثياب الجواري وحليهن، راكبين خيلا، مغشاة بالديباج، محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجوهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وحقا فيه درة عذراء، وخرزة جزعية مثقوبة، معوجة الثقب، وأرسلت رسلا، وأمرت عليهم المنذر بن عمرو وكتبت كتابا فيه نسخة الهدية. وقالت فيه: إذ كنت نبيا فميز بين الوصفاء و الوصائف، وأخبر بما في الحق، واثقب الدرة ثقبا مستويا، واسلك في الخرزة خيطا. ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضب فهو ملك، فلا يهولنك منظره، وإن رأيته لينا لطيفا فهو نبي. فأقبل الهدهد، فأخبر سليمان الخبر كله، فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة، وفرشوها في الميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا، شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر، فربطوها عن يمين الميدان و يساره، على اللبنات. وأمر بأولاد الجن - وهم خلق كثير - فأقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره، والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك فلما دنا القوم، ونظروا، بهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا. ولما وقفوا بين يديه، نظر إليهم سليمان بوجه طلق، فأعطوه كتاب الملكة، فنظر فيه، فقال: أين الحق؟ فأتى به، فحركه، وأخبره جبريل عليه السلام بما فيه. فقال لهم: إن كان فيه كذا وكذا. ثم أمر بالأرضة فأخذت شعرة، ونفذت في الدرة، فجعل رزقها في الشجر. وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت في ثقب الجزعة فجعل رزقها في الفواكه. ودعا بالماء، وأمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه فيميزهم بذلك. ثم رد الهدية. ذلك قوله تعالى: { فلما جاء سليمان } أي: جاء رسولها المنذر بن عمرو إليه { قال أتمدونن بمال } ، توبيخ وإنكار لإمدادهم إياه بالمال، مع علو شأنه وسعة سلطانه. والتنكير للتحقير، والخطاب للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل تغليب للحاضر. { فما آتاني الله } من النبوة والملك الذي لا غاية وراءه { خير مما آتاكم } أي: من المال الذي من جملته ما جئتم به، فلا حاجة لي إلى هديتكم، ولا وقع لها عندي، ولعله عليه السلام إنما قال لهم هذه المقالة.
.. إلخ بعد ما جرى بينه وبينهم ما حكي من قصة الحق وغيرها، لا أنه عليه السلام خاطبهم بها أول ما جاؤوه. ثم قال لهم: { بل أنتم بهديتكم تفرحون }. الهدية: اسم للمهدى، كما أن العطية اسم للمعطى، فتضاف إلى المهدي والمهدى له. والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله تعالى آتاني الدين والمعرفة به، التي هي الغنى الأكبر، والحظ الأوفر، وأتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمد بمال من قبلكم؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزدادون ويهدى إليكم لأن ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف ذلكم، فلا أرضى منكم بشيء، ولا أفرح إلا بالإيمان منكم، وترك ما أنتم عليه من المجوسية. والإضراب راجع إلى معنى ما تقدم، كأنه قيل: أنا لا أفرح بما تمدونني به بل أنتم. ثم قال للرسول: { ارجع إليهم } إلى بلقيس وقومها، وقل لهم: { فلنأتينهم بجنود لا قبل }: لا طاقة { لهم بها }. وحقيقة القبل: المقابلة والمقاومة، أي: لا يقدرون أن يقابلوهم، { ولنخرجنهم منها } أي: من سبأ { أذلة وهم صاغرون }: أسارى مهانون. فالذل: أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار: أن يبقوا في أسر واستعباد. فلما رجع إليها رسولها بالهدايا، وقص عليها القصة، قالت: هو نبي، وما لنا به طاقة. ثم تجهزت للقائه، على ما يأتي إن شاء الله. الإشارة: إذا توجه المريد إلى مولاه، توجهت إليه نفسه بأجنادها، وهي الدنيا، والجاه، والرئاسة، والحظوظ، والشهوات، فتمده أولا بمال وجاه، تختبره، فإن علت همته، وقويت عزيمته، أعرض عن ذلك وأنكره، وقال: أتمدونني بمال حقير، وجاه صغير، فلما آتاني الله من معرفته والغنى به خير مما آتاكم. ثم يقول للوارد بذلك: ارجع إليهم - أي: للنفس وجنودها - فلنأتينهم بجنود من الأنوار لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها - أي: قرية القلب - أذلة وهم صاغرون. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم ذكر إيتان عرشها قبل إيتانها، فقال: { قال يأيها الملأ... }
النمل 27:36
يقول الحق جل جلاله: في حكاية بلقيس - وكانت سيسة، قد سيست وساست، فقالت لقومها: { وإني مرسلة إليهم } سليمان وقومه، { بهدية } أصانعه بذلك عن ملكي، وأختبره، أملك هو أم نبي؟ { فناظرة } فمنتظرة { بم يرجع المرسلون } بأي شيء يرجعون، بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك، وحسن موقع الهدايا عندهم، فإن كان ملكا قبلها وانصرف. وإن كان نبيا ردها ولم يقبل منا إلا أن نتبعه على دينه، فبعثت خمسمائة غلام، عليهم ثياب الجواري وحليهن، راكبين خيلا، مغشاة بالديباج، محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجوهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وحقا فيه درة عذراء، وخرزة جزعية مثقوبة، معوجة الثقب، وأرسلت رسلا، وأمرت عليهم المنذر بن عمرو وكتبت كتابا فيه نسخة الهدية. وقالت فيه: إذ كنت نبيا فميز بين الوصفاء و الوصائف، وأخبر بما في الحق، واثقب الدرة ثقبا مستويا، واسلك في الخرزة خيطا. ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضب فهو ملك، فلا يهولنك منظره، وإن رأيته لينا لطيفا فهو نبي. فأقبل الهدهد، فأخبر سليمان الخبر كله، فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة، وفرشوها في الميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا، شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر، فربطوها عن يمين الميدان و يساره، على اللبنات. وأمر بأولاد الجن - وهم خلق كثير - فأقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره، والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك فلما دنا القوم، ونظروا، بهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا. ولما وقفوا بين يديه، نظر إليهم سليمان بوجه طلق، فأعطوه كتاب الملكة، فنظر فيه، فقال: أين الحق؟ فأتى به، فحركه، وأخبره جبريل عليه السلام بما فيه. فقال لهم: إن كان فيه كذا وكذا. ثم أمر بالأرضة فأخذت شعرة، ونفذت في الدرة، فجعل رزقها في الشجر. وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت في ثقب الجزعة فجعل رزقها في الفواكه. ودعا بالماء، وأمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه فيميزهم بذلك. ثم رد الهدية. ذلك قوله تعالى: { فلما جاء سليمان } أي: جاء رسولها المنذر بن عمرو إليه { قال أتمدونن بمال } ، توبيخ وإنكار لإمدادهم إياه بالمال، مع علو شأنه وسعة سلطانه. والتنكير للتحقير، والخطاب للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل تغليب للحاضر. { فما آتاني الله } من النبوة والملك الذي لا غاية وراءه { خير مما آتاكم } أي: من المال الذي من جملته ما جئتم به، فلا حاجة لي إلى هديتكم، ولا وقع لها عندي، ولعله عليه السلام إنما قال لهم هذه المقالة.
.. إلخ بعد ما جرى بينه وبينهم ما حكي من قصة الحق وغيرها، لا أنه عليه السلام خاطبهم بها أول ما جاؤوه. ثم قال لهم: { بل أنتم بهديتكم تفرحون }. الهدية: اسم للمهدى، كما أن العطية اسم للمعطى، فتضاف إلى المهدي والمهدى له. والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله تعالى آتاني الدين والمعرفة به، التي هي الغنى الأكبر، والحظ الأوفر، وأتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمد بمال من قبلكم؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزدادون ويهدى إليكم لأن ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف ذلكم، فلا أرضى منكم بشيء، ولا أفرح إلا بالإيمان منكم، وترك ما أنتم عليه من المجوسية. والإضراب راجع إلى معنى ما تقدم، كأنه قيل: أنا لا أفرح بما تمدونني به بل أنتم. ثم قال للرسول: { ارجع إليهم } إلى بلقيس وقومها، وقل لهم: { فلنأتينهم بجنود لا قبل }: لا طاقة { لهم بها }. وحقيقة القبل: المقابلة والمقاومة، أي: لا يقدرون أن يقابلوهم، { ولنخرجنهم منها } أي: من سبأ { أذلة وهم صاغرون }: أسارى مهانون. فالذل: أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار: أن يبقوا في أسر واستعباد. فلما رجع إليها رسولها بالهدايا، وقص عليها القصة، قالت: هو نبي، وما لنا به طاقة. ثم تجهزت للقائه، على ما يأتي إن شاء الله. الإشارة: إذا توجه المريد إلى مولاه، توجهت إليه نفسه بأجنادها، وهي الدنيا، والجاه، والرئاسة، والحظوظ، والشهوات، فتمده أولا بمال وجاه، تختبره، فإن علت همته، وقويت عزيمته، أعرض عن ذلك وأنكره، وقال: أتمدونني بمال حقير، وجاه صغير، فلما آتاني الله من معرفته والغنى به خير مما آتاكم. ثم يقول للوارد بذلك: ارجع إليهم - أي: للنفس وجنودها - فلنأتينهم بجنود من الأنوار لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها - أي: قرية القلب - أذلة وهم صاغرون. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم ذكر إيتان عرشها قبل إيتانها، فقال: { قال يأيها الملأ... }
النمل 27:37
يقول الحق جل جلاله: في حكاية بلقيس - وكانت سيسة، قد سيست وساست، فقالت لقومها: { وإني مرسلة إليهم } سليمان وقومه، { بهدية } أصانعه بذلك عن ملكي، وأختبره، أملك هو أم نبي؟ { فناظرة } فمنتظرة { بم يرجع المرسلون } بأي شيء يرجعون، بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك، وحسن موقع الهدايا عندهم، فإن كان ملكا قبلها وانصرف. وإن كان نبيا ردها ولم يقبل منا إلا أن نتبعه على دينه، فبعثت خمسمائة غلام، عليهم ثياب الجواري وحليهن، راكبين خيلا، مغشاة بالديباج، محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجوهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وحقا فيه درة عذراء، وخرزة جزعية مثقوبة، معوجة الثقب، وأرسلت رسلا، وأمرت عليهم المنذر بن عمرو وكتبت كتابا فيه نسخة الهدية. وقالت فيه: إذ كنت نبيا فميز بين الوصفاء و الوصائف، وأخبر بما في الحق، واثقب الدرة ثقبا مستويا، واسلك في الخرزة خيطا. ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضب فهو ملك، فلا يهولنك منظره، وإن رأيته لينا لطيفا فهو نبي. فأقبل الهدهد، فأخبر سليمان الخبر كله، فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة، وفرشوها في الميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا، شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر، فربطوها عن يمين الميدان و يساره، على اللبنات. وأمر بأولاد الجن - وهم خلق كثير - فأقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره، والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك فلما دنا القوم، ونظروا، بهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا. ولما وقفوا بين يديه، نظر إليهم سليمان بوجه طلق، فأعطوه كتاب الملكة، فنظر فيه، فقال: أين الحق؟ فأتى به، فحركه، وأخبره جبريل عليه السلام بما فيه. فقال لهم: إن كان فيه كذا وكذا. ثم أمر بالأرضة فأخذت شعرة، ونفذت في الدرة، فجعل رزقها في الشجر. وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت في ثقب الجزعة فجعل رزقها في الفواكه. ودعا بالماء، وأمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه فيميزهم بذلك. ثم رد الهدية. ذلك قوله تعالى: { فلما جاء سليمان } أي: جاء رسولها المنذر بن عمرو إليه { قال أتمدونن بمال } ، توبيخ وإنكار لإمدادهم إياه بالمال، مع علو شأنه وسعة سلطانه. والتنكير للتحقير، والخطاب للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل تغليب للحاضر. { فما آتاني الله } من النبوة والملك الذي لا غاية وراءه { خير مما آتاكم } أي: من المال الذي من جملته ما جئتم به، فلا حاجة لي إلى هديتكم، ولا وقع لها عندي، ولعله عليه السلام إنما قال لهم هذه المقالة.
.. إلخ بعد ما جرى بينه وبينهم ما حكي من قصة الحق وغيرها، لا أنه عليه السلام خاطبهم بها أول ما جاؤوه. ثم قال لهم: { بل أنتم بهديتكم تفرحون }. الهدية: اسم للمهدى، كما أن العطية اسم للمعطى، فتضاف إلى المهدي والمهدى له. والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله تعالى آتاني الدين والمعرفة به، التي هي الغنى الأكبر، والحظ الأوفر، وأتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمد بمال من قبلكم؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزدادون ويهدى إليكم لأن ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف ذلكم، فلا أرضى منكم بشيء، ولا أفرح إلا بالإيمان منكم، وترك ما أنتم عليه من المجوسية. والإضراب راجع إلى معنى ما تقدم، كأنه قيل: أنا لا أفرح بما تمدونني به بل أنتم. ثم قال للرسول: { ارجع إليهم } إلى بلقيس وقومها، وقل لهم: { فلنأتينهم بجنود لا قبل }: لا طاقة { لهم بها }. وحقيقة القبل: المقابلة والمقاومة، أي: لا يقدرون أن يقابلوهم، { ولنخرجنهم منها } أي: من سبأ { أذلة وهم صاغرون }: أسارى مهانون. فالذل: أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار: أن يبقوا في أسر واستعباد. فلما رجع إليها رسولها بالهدايا، وقص عليها القصة، قالت: هو نبي، وما لنا به طاقة. ثم تجهزت للقائه، على ما يأتي إن شاء الله. الإشارة: إذا توجه المريد إلى مولاه، توجهت إليه نفسه بأجنادها، وهي الدنيا، والجاه، والرئاسة، والحظوظ، والشهوات، فتمده أولا بمال وجاه، تختبره، فإن علت همته، وقويت عزيمته، أعرض عن ذلك وأنكره، وقال: أتمدونني بمال حقير، وجاه صغير، فلما آتاني الله من معرفته والغنى به خير مما آتاكم. ثم يقول للوارد بذلك: ارجع إليهم - أي: للنفس وجنودها - فلنأتينهم بجنود من الأنوار لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها - أي: قرية القلب - أذلة وهم صاغرون. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم ذكر إيتان عرشها قبل إيتانها، فقال: { قال يأيها الملأ... }
النمل 27:38
ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان، جعلت عرشها آخر سبعة أبيات، وغلقت الأبواب، وجعلت عليه حراسا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان، { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به، من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو: أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام، فلا يحل له، والأول أليق بمنصب النبوة، أو: أراد أن يختبرها في عقلها، بتغييره، هل تعرفه أو تنكره. { فال عفريت من الجن } ، وهو المارد الخبيث، واسمه " ذكوان " ، أو: " صخر ": { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي: من مجلسك إلى الحكومة، وكان يجلس إلى تسع النهار، وقيل: إلى نصفه. { وإني عليه } على حمله { لقوي أمين } ، آتي به على ما هو عليه، لا أغير منه شيئا ولا أبدله، فقال سليمان عليه السلام، أريد أعجل من هذا، { قال الذي عنده علم من الكتاب }. قيل هو: آصف بن برخيا - وزير سليمان عليه السلام، كان عنده اسم الله الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب. قيل هو: يا حي يا قيوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت. وليس الشأن معرفة الاسم، إنما الشأن أن يكون عين الاسم، أي: عين مسمى الاسم، حتى يكون أمره بأمر الله. وقيل: هو الخضر، أو: جبريل، أو: ملك بيده كتاب المقادير، أرسل تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر. قال: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } أي: ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده تبصر العرش بين يديك. روي: أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف، فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان، بقدرة الله تعالى، قبل أن يرجع إليه طرفه. { فما رآه } أي: العرش { مستقرا عنده } ثابتا لديه غير مضطرب، { قال هذا } أي: حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة قليلة، { من فضل ربي } علي، وإحسانه إلي، بلا استحقاق مني، بل هو فضل خال من العوض، { ليبلوني }: ليختبرني { أأشكر } نعمه { أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } لأنه يقيد به محصولها، ويستجلب به مفقودها، ويحط عن ذمته عناء الواجب، ويتخلص من وصمة الكفران. { ومن كفر فإن ربي غني كريم } أي: ومن كفر بترك الشكر، فإن ربي غني عن شكره، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه.
وفي الخبر:
" من شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها ".
وقال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا. ه. { قال } سليمان عليه السلام لأصحابه: { نكروا لها عرشها } أي: غيروا هيئته بوجه من الوجوه، { ننظر أتهتدي } لمعرفته، أو: للجواب الصواب إذا سئلت عنه، { أم تكون من الذين لا يهتدون } إلى معرفة عرشها. أو إلى الجواب الصواب. { فلما جاءت } بلقيس سليمان عليه السلام، وقد كان العرش بين يديه، { قيل } من جهة سليمان، أو بواسطة: { أهكذا عرشك }؟ ولم يقل: أهذا عرشك لئلا يكون تلقينا، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان - لما أراد تزوجها -: إن في عقلها شيئا، فاختبرها بذلك. { قالت } - لما رأته -: { كأنه هو } فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو مع علمها بحقيقة الحال، ولما شبهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها: { كأنه هو } مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو. ثم قالت: { وأوتينا العلم } بقدرة الله تعالى، وبصحبة نبوتك { من قبلها } من قبل هذا الأمر، أي: من قبل المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، { وكنا مسلمين } منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به. فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه. أو قال سليمان: { وأوتينا العلم } بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية، { وكنا مسلمين } موحدين، أو: { وأوتينا العلم } بإسلامها ومجيئها طائعة { من قبل } مجيئها، { وكنا مسلمين } موحدين. { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ، هو من كلام سليمان، أي: وصدها عن العلم بما علمناه - أو: عن التقدم إلى الإسلام - عبادة الشمس وإقامتها بين ظهراني الكفرة، أو: من كلام تعالى، بيانا لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام الآن، أي: صدها عن ذلك عبادتها القديمة للشمس، { إنها كانت من قوم كافرين } أي: كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها، وهو بين ظهرانيهم، حتى دخلت تحت ملكة سليمان عليه السلام، أو: وصدها الله تعالى، أو: سليمان، عما كانت تعبد من دون الله، فحذف الجار وأوصل الفعل. { قيل لها ادخلي الصرح } أي: القصر، أو: صحن الدار، { فما رأته حسبته لجة }: ماء عظيما، { وكشفت عن ساقيها }.
روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها، فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاما لأمره، وتحقيقا لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن يتزوجها، فنفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد، فيجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك أشد منه، فقالوا له: إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار، فاحتبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها فكشفت عنهما، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، إلا أنه شعراء وصرف يصره. ثم { قال } لها { إنه صرح ممرد } مملس مستو. ومنه: الأمرد، للذي لا شعر في وجهه، { من قوارير } من الزجاج، وأراد سليمان تزوجها، فكره شعرها، فعملت له الشياطين النورة، فنكحها سليمان، وأحبها، وأقرها على ملكها، وكان يزورها في الشهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة ايام وولدت له، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان عليه السلام، فسبحان من لا انقضاء لملكه. روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ه. ثم ذكر إسلامها، فقال: { قالت ربي إني ظلمت نفسي } بعبادة الشمس، { وأسلمت مع سليمان } تابعة له، مقتدية به، { لله رب العالمين }. وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته للعالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى، وتفرده باستحاق العبادة، وربوبيته لجميع الموجودين، التي من جملتها: ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم. الإشارة: عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها، فقد أجلس نفسه على عرشها، وصيرها مالكه له، متصرفة فيه بما تحب، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها، فقد هدم لها عرشها، وصارت خادمة مملوكة له، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله - وهو من أهله الله للتربية - للمريدين: أيكم يأتيني بعرشها، ويخرج عنها لله في أول بدايته؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب، ومن أتى بعرش نفسه، وخرج عنها لله، فهو الذي آتاه الله علما من الكتاب، وعرف مدلوله ومقصوده، لكن من السياسة أن يتدرج المريد في تركها شيئا فشيئا، حتى يخرج عنها، أو يغيب عن شغلها بالكلية، وإن كانت بيده. فاما خرجوا عن عرش نفوسهم لله، وتوجهوا إليه، ورأى ذلك منهم، قال: هذا من فضل ربي، حيث وقعت الهداية على يدي، ليبلوني أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها، أي: اعرضوا عليها الدنيا، وأروها عرشها التي كانت عليه، متغيرا عن حاله الأولى - لأنه كان معشوقا لها، والآن صار ممقوتا، لغناها بالله - ننظر أتهتدي إليه، وترجع إلى محبته، فيكون علامة على عدم وصولها، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبدا، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختبارا، قيل: أهكذا عرشك؟ قالت:كأنه هو، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه الساعة، وكنا منقادين لمراده، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبدا.
وصدها عن الحضرة ما كانت تبعد من الهوى، من دون محبة الله، إنها كانت من قوم كافرين، منكرين للحضرة، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها: ادخلي دار الحضرة، فلما رأت بحر الوحدة يتموج بتيار الصفات دهشت وحسبته لجة يغرق صاحبه في بحر الزندقة، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ التربية: إنه بحر منزه متصل، لا أول له، ولا آخر له. ليس مثله شيء، ولا معه شيء، محيط بكل شيء، وماح لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها، مشغولة بهواها، قبل أن تعرف هواه، فلما عرفته غابت عن غيره، واستسلمت وانقادت له. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود... }
النمل 27:39
ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان، جعلت عرشها آخر سبعة أبيات، وغلقت الأبواب، وجعلت عليه حراسا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان، { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به، من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو: أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام، فلا يحل له، والأول أليق بمنصب النبوة، أو: أراد أن يختبرها في عقلها، بتغييره، هل تعرفه أو تنكره. { فال عفريت من الجن } ، وهو المارد الخبيث، واسمه " ذكوان " ، أو: " صخر ": { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي: من مجلسك إلى الحكومة، وكان يجلس إلى تسع النهار، وقيل: إلى نصفه. { وإني عليه } على حمله { لقوي أمين } ، آتي به على ما هو عليه، لا أغير منه شيئا ولا أبدله، فقال سليمان عليه السلام، أريد أعجل من هذا، { قال الذي عنده علم من الكتاب }. قيل هو: آصف بن برخيا - وزير سليمان عليه السلام، كان عنده اسم الله الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب. قيل هو: يا حي يا قيوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت. وليس الشأن معرفة الاسم، إنما الشأن أن يكون عين الاسم، أي: عين مسمى الاسم، حتى يكون أمره بأمر الله. وقيل: هو الخضر، أو: جبريل، أو: ملك بيده كتاب المقادير، أرسل تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر. قال: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } أي: ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده تبصر العرش بين يديك. روي: أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف، فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان، بقدرة الله تعالى، قبل أن يرجع إليه طرفه. { فما رآه } أي: العرش { مستقرا عنده } ثابتا لديه غير مضطرب، { قال هذا } أي: حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة قليلة، { من فضل ربي } علي، وإحسانه إلي، بلا استحقاق مني، بل هو فضل خال من العوض، { ليبلوني }: ليختبرني { أأشكر } نعمه { أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } لأنه يقيد به محصولها، ويستجلب به مفقودها، ويحط عن ذمته عناء الواجب، ويتخلص من وصمة الكفران. { ومن كفر فإن ربي غني كريم } أي: ومن كفر بترك الشكر، فإن ربي غني عن شكره، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه.
وفي الخبر:
" من شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها ".
وقال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا. ه. { قال } سليمان عليه السلام لأصحابه: { نكروا لها عرشها } أي: غيروا هيئته بوجه من الوجوه، { ننظر أتهتدي } لمعرفته، أو: للجواب الصواب إذا سئلت عنه، { أم تكون من الذين لا يهتدون } إلى معرفة عرشها. أو إلى الجواب الصواب. { فلما جاءت } بلقيس سليمان عليه السلام، وقد كان العرش بين يديه، { قيل } من جهة سليمان، أو بواسطة: { أهكذا عرشك }؟ ولم يقل: أهذا عرشك لئلا يكون تلقينا، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان - لما أراد تزوجها -: إن في عقلها شيئا، فاختبرها بذلك. { قالت } - لما رأته -: { كأنه هو } فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو مع علمها بحقيقة الحال، ولما شبهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها: { كأنه هو } مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو. ثم قالت: { وأوتينا العلم } بقدرة الله تعالى، وبصحبة نبوتك { من قبلها } من قبل هذا الأمر، أي: من قبل المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، { وكنا مسلمين } منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به. فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه. أو قال سليمان: { وأوتينا العلم } بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية، { وكنا مسلمين } موحدين، أو: { وأوتينا العلم } بإسلامها ومجيئها طائعة { من قبل } مجيئها، { وكنا مسلمين } موحدين. { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ، هو من كلام سليمان، أي: وصدها عن العلم بما علمناه - أو: عن التقدم إلى الإسلام - عبادة الشمس وإقامتها بين ظهراني الكفرة، أو: من كلام تعالى، بيانا لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام الآن، أي: صدها عن ذلك عبادتها القديمة للشمس، { إنها كانت من قوم كافرين } أي: كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها، وهو بين ظهرانيهم، حتى دخلت تحت ملكة سليمان عليه السلام، أو: وصدها الله تعالى، أو: سليمان، عما كانت تعبد من دون الله، فحذف الجار وأوصل الفعل. { قيل لها ادخلي الصرح } أي: القصر، أو: صحن الدار، { فما رأته حسبته لجة }: ماء عظيما، { وكشفت عن ساقيها }.
روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها، فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاما لأمره، وتحقيقا لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن يتزوجها، فنفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد، فيجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك أشد منه، فقالوا له: إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار، فاحتبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها فكشفت عنهما، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، إلا أنه شعراء وصرف يصره. ثم { قال } لها { إنه صرح ممرد } مملس مستو. ومنه: الأمرد، للذي لا شعر في وجهه، { من قوارير } من الزجاج، وأراد سليمان تزوجها، فكره شعرها، فعملت له الشياطين النورة، فنكحها سليمان، وأحبها، وأقرها على ملكها، وكان يزورها في الشهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة ايام وولدت له، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان عليه السلام، فسبحان من لا انقضاء لملكه. روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ه. ثم ذكر إسلامها، فقال: { قالت ربي إني ظلمت نفسي } بعبادة الشمس، { وأسلمت مع سليمان } تابعة له، مقتدية به، { لله رب العالمين }. وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته للعالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى، وتفرده باستحاق العبادة، وربوبيته لجميع الموجودين، التي من جملتها: ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم. الإشارة: عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها، فقد أجلس نفسه على عرشها، وصيرها مالكه له، متصرفة فيه بما تحب، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها، فقد هدم لها عرشها، وصارت خادمة مملوكة له، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله - وهو من أهله الله للتربية - للمريدين: أيكم يأتيني بعرشها، ويخرج عنها لله في أول بدايته؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب، ومن أتى بعرش نفسه، وخرج عنها لله، فهو الذي آتاه الله علما من الكتاب، وعرف مدلوله ومقصوده، لكن من السياسة أن يتدرج المريد في تركها شيئا فشيئا، حتى يخرج عنها، أو يغيب عن شغلها بالكلية، وإن كانت بيده. فاما خرجوا عن عرش نفوسهم لله، وتوجهوا إليه، ورأى ذلك منهم، قال: هذا من فضل ربي، حيث وقعت الهداية على يدي، ليبلوني أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها، أي: اعرضوا عليها الدنيا، وأروها عرشها التي كانت عليه، متغيرا عن حاله الأولى - لأنه كان معشوقا لها، والآن صار ممقوتا، لغناها بالله - ننظر أتهتدي إليه، وترجع إلى محبته، فيكون علامة على عدم وصولها، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبدا، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختبارا، قيل: أهكذا عرشك؟ قالت:كأنه هو، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه الساعة، وكنا منقادين لمراده، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبدا.
وصدها عن الحضرة ما كانت تبعد من الهوى، من دون محبة الله، إنها كانت من قوم كافرين، منكرين للحضرة، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها: ادخلي دار الحضرة، فلما رأت بحر الوحدة يتموج بتيار الصفات دهشت وحسبته لجة يغرق صاحبه في بحر الزندقة، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ التربية: إنه بحر منزه متصل، لا أول له، ولا آخر له. ليس مثله شيء، ولا معه شيء، محيط بكل شيء، وماح لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها، مشغولة بهواها، قبل أن تعرف هواه، فلما عرفته غابت عن غيره، واستسلمت وانقادت له. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود... }
النمل 27:40
ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان، جعلت عرشها آخر سبعة أبيات، وغلقت الأبواب، وجعلت عليه حراسا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان، { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به، من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو: أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام، فلا يحل له، والأول أليق بمنصب النبوة، أو: أراد أن يختبرها في عقلها، بتغييره، هل تعرفه أو تنكره. { فال عفريت من الجن } ، وهو المارد الخبيث، واسمه " ذكوان " ، أو: " صخر ": { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي: من مجلسك إلى الحكومة، وكان يجلس إلى تسع النهار، وقيل: إلى نصفه. { وإني عليه } على حمله { لقوي أمين } ، آتي به على ما هو عليه، لا أغير منه شيئا ولا أبدله، فقال سليمان عليه السلام، أريد أعجل من هذا، { قال الذي عنده علم من الكتاب }. قيل هو: آصف بن برخيا - وزير سليمان عليه السلام، كان عنده اسم الله الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب. قيل هو: يا حي يا قيوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت. وليس الشأن معرفة الاسم، إنما الشأن أن يكون عين الاسم، أي: عين مسمى الاسم، حتى يكون أمره بأمر الله. وقيل: هو الخضر، أو: جبريل، أو: ملك بيده كتاب المقادير، أرسل تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر. قال: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } أي: ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده تبصر العرش بين يديك. روي: أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف، فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان، بقدرة الله تعالى، قبل أن يرجع إليه طرفه. { فما رآه } أي: العرش { مستقرا عنده } ثابتا لديه غير مضطرب، { قال هذا } أي: حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة قليلة، { من فضل ربي } علي، وإحسانه إلي، بلا استحقاق مني، بل هو فضل خال من العوض، { ليبلوني }: ليختبرني { أأشكر } نعمه { أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } لأنه يقيد به محصولها، ويستجلب به مفقودها، ويحط عن ذمته عناء الواجب، ويتخلص من وصمة الكفران. { ومن كفر فإن ربي غني كريم } أي: ومن كفر بترك الشكر، فإن ربي غني عن شكره، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه.
وفي الخبر:
" من شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها ".
وقال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا. ه. { قال } سليمان عليه السلام لأصحابه: { نكروا لها عرشها } أي: غيروا هيئته بوجه من الوجوه، { ننظر أتهتدي } لمعرفته، أو: للجواب الصواب إذا سئلت عنه، { أم تكون من الذين لا يهتدون } إلى معرفة عرشها. أو إلى الجواب الصواب. { فلما جاءت } بلقيس سليمان عليه السلام، وقد كان العرش بين يديه، { قيل } من جهة سليمان، أو بواسطة: { أهكذا عرشك }؟ ولم يقل: أهذا عرشك لئلا يكون تلقينا، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان - لما أراد تزوجها -: إن في عقلها شيئا، فاختبرها بذلك. { قالت } - لما رأته -: { كأنه هو } فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو مع علمها بحقيقة الحال، ولما شبهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها: { كأنه هو } مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو. ثم قالت: { وأوتينا العلم } بقدرة الله تعالى، وبصحبة نبوتك { من قبلها } من قبل هذا الأمر، أي: من قبل المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، { وكنا مسلمين } منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به. فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه. أو قال سليمان: { وأوتينا العلم } بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية، { وكنا مسلمين } موحدين، أو: { وأوتينا العلم } بإسلامها ومجيئها طائعة { من قبل } مجيئها، { وكنا مسلمين } موحدين. { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ، هو من كلام سليمان، أي: وصدها عن العلم بما علمناه - أو: عن التقدم إلى الإسلام - عبادة الشمس وإقامتها بين ظهراني الكفرة، أو: من كلام تعالى، بيانا لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام الآن، أي: صدها عن ذلك عبادتها القديمة للشمس، { إنها كانت من قوم كافرين } أي: كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها، وهو بين ظهرانيهم، حتى دخلت تحت ملكة سليمان عليه السلام، أو: وصدها الله تعالى، أو: سليمان، عما كانت تعبد من دون الله، فحذف الجار وأوصل الفعل. { قيل لها ادخلي الصرح } أي: القصر، أو: صحن الدار، { فما رأته حسبته لجة }: ماء عظيما، { وكشفت عن ساقيها }.
روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها، فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاما لأمره، وتحقيقا لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن يتزوجها، فنفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد، فيجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك أشد منه، فقالوا له: إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار، فاحتبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها فكشفت عنهما، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، إلا أنه شعراء وصرف يصره. ثم { قال } لها { إنه صرح ممرد } مملس مستو. ومنه: الأمرد، للذي لا شعر في وجهه، { من قوارير } من الزجاج، وأراد سليمان تزوجها، فكره شعرها، فعملت له الشياطين النورة، فنكحها سليمان، وأحبها، وأقرها على ملكها، وكان يزورها في الشهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة ايام وولدت له، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان عليه السلام، فسبحان من لا انقضاء لملكه. روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ه. ثم ذكر إسلامها، فقال: { قالت ربي إني ظلمت نفسي } بعبادة الشمس، { وأسلمت مع سليمان } تابعة له، مقتدية به، { لله رب العالمين }. وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته للعالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى، وتفرده باستحاق العبادة، وربوبيته لجميع الموجودين، التي من جملتها: ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم. الإشارة: عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها، فقد أجلس نفسه على عرشها، وصيرها مالكه له، متصرفة فيه بما تحب، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها، فقد هدم لها عرشها، وصارت خادمة مملوكة له، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله - وهو من أهله الله للتربية - للمريدين: أيكم يأتيني بعرشها، ويخرج عنها لله في أول بدايته؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب، ومن أتى بعرش نفسه، وخرج عنها لله، فهو الذي آتاه الله علما من الكتاب، وعرف مدلوله ومقصوده، لكن من السياسة أن يتدرج المريد في تركها شيئا فشيئا، حتى يخرج عنها، أو يغيب عن شغلها بالكلية، وإن كانت بيده. فاما خرجوا عن عرش نفوسهم لله، وتوجهوا إليه، ورأى ذلك منهم، قال: هذا من فضل ربي، حيث وقعت الهداية على يدي، ليبلوني أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها، أي: اعرضوا عليها الدنيا، وأروها عرشها التي كانت عليه، متغيرا عن حاله الأولى - لأنه كان معشوقا لها، والآن صار ممقوتا، لغناها بالله - ننظر أتهتدي إليه، وترجع إلى محبته، فيكون علامة على عدم وصولها، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبدا، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختبارا، قيل: أهكذا عرشك؟ قالت:كأنه هو، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه الساعة، وكنا منقادين لمراده، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبدا.
وصدها عن الحضرة ما كانت تبعد من الهوى، من دون محبة الله، إنها كانت من قوم كافرين، منكرين للحضرة، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها: ادخلي دار الحضرة، فلما رأت بحر الوحدة يتموج بتيار الصفات دهشت وحسبته لجة يغرق صاحبه في بحر الزندقة، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ التربية: إنه بحر منزه متصل، لا أول له، ولا آخر له. ليس مثله شيء، ولا معه شيء، محيط بكل شيء، وماح لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها، مشغولة بهواها، قبل أن تعرف هواه، فلما عرفته غابت عن غيره، واستسلمت وانقادت له. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود... }
النمل 27:41
ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان، جعلت عرشها آخر سبعة أبيات، وغلقت الأبواب، وجعلت عليه حراسا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان، { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به، من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو: أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام، فلا يحل له، والأول أليق بمنصب النبوة، أو: أراد أن يختبرها في عقلها، بتغييره، هل تعرفه أو تنكره. { فال عفريت من الجن } ، وهو المارد الخبيث، واسمه " ذكوان " ، أو: " صخر ": { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي: من مجلسك إلى الحكومة، وكان يجلس إلى تسع النهار، وقيل: إلى نصفه. { وإني عليه } على حمله { لقوي أمين } ، آتي به على ما هو عليه، لا أغير منه شيئا ولا أبدله، فقال سليمان عليه السلام، أريد أعجل من هذا، { قال الذي عنده علم من الكتاب }. قيل هو: آصف بن برخيا - وزير سليمان عليه السلام، كان عنده اسم الله الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب. قيل هو: يا حي يا قيوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت. وليس الشأن معرفة الاسم، إنما الشأن أن يكون عين الاسم، أي: عين مسمى الاسم، حتى يكون أمره بأمر الله. وقيل: هو الخضر، أو: جبريل، أو: ملك بيده كتاب المقادير، أرسل تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر. قال: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } أي: ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده تبصر العرش بين يديك. روي: أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف، فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان، بقدرة الله تعالى، قبل أن يرجع إليه طرفه. { فما رآه } أي: العرش { مستقرا عنده } ثابتا لديه غير مضطرب، { قال هذا } أي: حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة قليلة، { من فضل ربي } علي، وإحسانه إلي، بلا استحقاق مني، بل هو فضل خال من العوض، { ليبلوني }: ليختبرني { أأشكر } نعمه { أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } لأنه يقيد به محصولها، ويستجلب به مفقودها، ويحط عن ذمته عناء الواجب، ويتخلص من وصمة الكفران. { ومن كفر فإن ربي غني كريم } أي: ومن كفر بترك الشكر، فإن ربي غني عن شكره، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه.
وفي الخبر:
" من شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها ".
وقال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا. ه. { قال } سليمان عليه السلام لأصحابه: { نكروا لها عرشها } أي: غيروا هيئته بوجه من الوجوه، { ننظر أتهتدي } لمعرفته، أو: للجواب الصواب إذا سئلت عنه، { أم تكون من الذين لا يهتدون } إلى معرفة عرشها. أو إلى الجواب الصواب. { فلما جاءت } بلقيس سليمان عليه السلام، وقد كان العرش بين يديه، { قيل } من جهة سليمان، أو بواسطة: { أهكذا عرشك }؟ ولم يقل: أهذا عرشك لئلا يكون تلقينا، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان - لما أراد تزوجها -: إن في عقلها شيئا، فاختبرها بذلك. { قالت } - لما رأته -: { كأنه هو } فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو مع علمها بحقيقة الحال، ولما شبهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها: { كأنه هو } مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو. ثم قالت: { وأوتينا العلم } بقدرة الله تعالى، وبصحبة نبوتك { من قبلها } من قبل هذا الأمر، أي: من قبل المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، { وكنا مسلمين } منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به. فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه. أو قال سليمان: { وأوتينا العلم } بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية، { وكنا مسلمين } موحدين، أو: { وأوتينا العلم } بإسلامها ومجيئها طائعة { من قبل } مجيئها، { وكنا مسلمين } موحدين. { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ، هو من كلام سليمان، أي: وصدها عن العلم بما علمناه - أو: عن التقدم إلى الإسلام - عبادة الشمس وإقامتها بين ظهراني الكفرة، أو: من كلام تعالى، بيانا لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام الآن، أي: صدها عن ذلك عبادتها القديمة للشمس، { إنها كانت من قوم كافرين } أي: كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها، وهو بين ظهرانيهم، حتى دخلت تحت ملكة سليمان عليه السلام، أو: وصدها الله تعالى، أو: سليمان، عما كانت تعبد من دون الله، فحذف الجار وأوصل الفعل. { قيل لها ادخلي الصرح } أي: القصر، أو: صحن الدار، { فما رأته حسبته لجة }: ماء عظيما، { وكشفت عن ساقيها }.
روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها، فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاما لأمره، وتحقيقا لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن يتزوجها، فنفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد، فيجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك أشد منه، فقالوا له: إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار، فاحتبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها فكشفت عنهما، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، إلا أنه شعراء وصرف يصره. ثم { قال } لها { إنه صرح ممرد } مملس مستو. ومنه: الأمرد، للذي لا شعر في وجهه، { من قوارير } من الزجاج، وأراد سليمان تزوجها، فكره شعرها، فعملت له الشياطين النورة، فنكحها سليمان، وأحبها، وأقرها على ملكها، وكان يزورها في الشهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة ايام وولدت له، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان عليه السلام، فسبحان من لا انقضاء لملكه. روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ه. ثم ذكر إسلامها، فقال: { قالت ربي إني ظلمت نفسي } بعبادة الشمس، { وأسلمت مع سليمان } تابعة له، مقتدية به، { لله رب العالمين }. وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته للعالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى، وتفرده باستحاق العبادة، وربوبيته لجميع الموجودين، التي من جملتها: ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم. الإشارة: عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها، فقد أجلس نفسه على عرشها، وصيرها مالكه له، متصرفة فيه بما تحب، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها، فقد هدم لها عرشها، وصارت خادمة مملوكة له، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله - وهو من أهله الله للتربية - للمريدين: أيكم يأتيني بعرشها، ويخرج عنها لله في أول بدايته؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب، ومن أتى بعرش نفسه، وخرج عنها لله، فهو الذي آتاه الله علما من الكتاب، وعرف مدلوله ومقصوده، لكن من السياسة أن يتدرج المريد في تركها شيئا فشيئا، حتى يخرج عنها، أو يغيب عن شغلها بالكلية، وإن كانت بيده. فاما خرجوا عن عرش نفوسهم لله، وتوجهوا إليه، ورأى ذلك منهم، قال: هذا من فضل ربي، حيث وقعت الهداية على يدي، ليبلوني أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها، أي: اعرضوا عليها الدنيا، وأروها عرشها التي كانت عليه، متغيرا عن حاله الأولى - لأنه كان معشوقا لها، والآن صار ممقوتا، لغناها بالله - ننظر أتهتدي إليه، وترجع إلى محبته، فيكون علامة على عدم وصولها، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبدا، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختبارا، قيل: أهكذا عرشك؟ قالت:كأنه هو، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه الساعة، وكنا منقادين لمراده، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبدا.
وصدها عن الحضرة ما كانت تبعد من الهوى، من دون محبة الله، إنها كانت من قوم كافرين، منكرين للحضرة، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها: ادخلي دار الحضرة، فلما رأت بحر الوحدة يتموج بتيار الصفات دهشت وحسبته لجة يغرق صاحبه في بحر الزندقة، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ التربية: إنه بحر منزه متصل، لا أول له، ولا آخر له. ليس مثله شيء، ولا معه شيء، محيط بكل شيء، وماح لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها، مشغولة بهواها، قبل أن تعرف هواه، فلما عرفته غابت عن غيره، واستسلمت وانقادت له. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود... }
النمل 27:42
ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان، جعلت عرشها آخر سبعة أبيات، وغلقت الأبواب، وجعلت عليه حراسا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان، { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به، من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو: أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام، فلا يحل له، والأول أليق بمنصب النبوة، أو: أراد أن يختبرها في عقلها، بتغييره، هل تعرفه أو تنكره. { فال عفريت من الجن } ، وهو المارد الخبيث، واسمه " ذكوان " ، أو: " صخر ": { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي: من مجلسك إلى الحكومة، وكان يجلس إلى تسع النهار، وقيل: إلى نصفه. { وإني عليه } على حمله { لقوي أمين } ، آتي به على ما هو عليه، لا أغير منه شيئا ولا أبدله، فقال سليمان عليه السلام، أريد أعجل من هذا، { قال الذي عنده علم من الكتاب }. قيل هو: آصف بن برخيا - وزير سليمان عليه السلام، كان عنده اسم الله الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب. قيل هو: يا حي يا قيوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت. وليس الشأن معرفة الاسم، إنما الشأن أن يكون عين الاسم، أي: عين مسمى الاسم، حتى يكون أمره بأمر الله. وقيل: هو الخضر، أو: جبريل، أو: ملك بيده كتاب المقادير، أرسل تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر. قال: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } أي: ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده تبصر العرش بين يديك. روي: أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف، فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان، بقدرة الله تعالى، قبل أن يرجع إليه طرفه. { فما رآه } أي: العرش { مستقرا عنده } ثابتا لديه غير مضطرب، { قال هذا } أي: حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة قليلة، { من فضل ربي } علي، وإحسانه إلي، بلا استحقاق مني، بل هو فضل خال من العوض، { ليبلوني }: ليختبرني { أأشكر } نعمه { أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } لأنه يقيد به محصولها، ويستجلب به مفقودها، ويحط عن ذمته عناء الواجب، ويتخلص من وصمة الكفران. { ومن كفر فإن ربي غني كريم } أي: ومن كفر بترك الشكر، فإن ربي غني عن شكره، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه.
وفي الخبر:
" من شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها ".
وقال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا. ه. { قال } سليمان عليه السلام لأصحابه: { نكروا لها عرشها } أي: غيروا هيئته بوجه من الوجوه، { ننظر أتهتدي } لمعرفته، أو: للجواب الصواب إذا سئلت عنه، { أم تكون من الذين لا يهتدون } إلى معرفة عرشها. أو إلى الجواب الصواب. { فلما جاءت } بلقيس سليمان عليه السلام، وقد كان العرش بين يديه، { قيل } من جهة سليمان، أو بواسطة: { أهكذا عرشك }؟ ولم يقل: أهذا عرشك لئلا يكون تلقينا، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان - لما أراد تزوجها -: إن في عقلها شيئا، فاختبرها بذلك. { قالت } - لما رأته -: { كأنه هو } فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو مع علمها بحقيقة الحال، ولما شبهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها: { كأنه هو } مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو. ثم قالت: { وأوتينا العلم } بقدرة الله تعالى، وبصحبة نبوتك { من قبلها } من قبل هذا الأمر، أي: من قبل المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، { وكنا مسلمين } منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به. فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه. أو قال سليمان: { وأوتينا العلم } بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية، { وكنا مسلمين } موحدين، أو: { وأوتينا العلم } بإسلامها ومجيئها طائعة { من قبل } مجيئها، { وكنا مسلمين } موحدين. { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ، هو من كلام سليمان، أي: وصدها عن العلم بما علمناه - أو: عن التقدم إلى الإسلام - عبادة الشمس وإقامتها بين ظهراني الكفرة، أو: من كلام تعالى، بيانا لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام الآن، أي: صدها عن ذلك عبادتها القديمة للشمس، { إنها كانت من قوم كافرين } أي: كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها، وهو بين ظهرانيهم، حتى دخلت تحت ملكة سليمان عليه السلام، أو: وصدها الله تعالى، أو: سليمان، عما كانت تعبد من دون الله، فحذف الجار وأوصل الفعل. { قيل لها ادخلي الصرح } أي: القصر، أو: صحن الدار، { فما رأته حسبته لجة }: ماء عظيما، { وكشفت عن ساقيها }.
روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها، فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاما لأمره، وتحقيقا لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن يتزوجها، فنفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد، فيجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك أشد منه، فقالوا له: إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار، فاحتبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها فكشفت عنهما، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، إلا أنه شعراء وصرف يصره. ثم { قال } لها { إنه صرح ممرد } مملس مستو. ومنه: الأمرد، للذي لا شعر في وجهه، { من قوارير } من الزجاج، وأراد سليمان تزوجها، فكره شعرها، فعملت له الشياطين النورة، فنكحها سليمان، وأحبها، وأقرها على ملكها، وكان يزورها في الشهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة ايام وولدت له، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان عليه السلام، فسبحان من لا انقضاء لملكه. روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ه. ثم ذكر إسلامها، فقال: { قالت ربي إني ظلمت نفسي } بعبادة الشمس، { وأسلمت مع سليمان } تابعة له، مقتدية به، { لله رب العالمين }. وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته للعالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى، وتفرده باستحاق العبادة، وربوبيته لجميع الموجودين، التي من جملتها: ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم. الإشارة: عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها، فقد أجلس نفسه على عرشها، وصيرها مالكه له، متصرفة فيه بما تحب، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها، فقد هدم لها عرشها، وصارت خادمة مملوكة له، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله - وهو من أهله الله للتربية - للمريدين: أيكم يأتيني بعرشها، ويخرج عنها لله في أول بدايته؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب، ومن أتى بعرش نفسه، وخرج عنها لله، فهو الذي آتاه الله علما من الكتاب، وعرف مدلوله ومقصوده، لكن من السياسة أن يتدرج المريد في تركها شيئا فشيئا، حتى يخرج عنها، أو يغيب عن شغلها بالكلية، وإن كانت بيده. فاما خرجوا عن عرش نفوسهم لله، وتوجهوا إليه، ورأى ذلك منهم، قال: هذا من فضل ربي، حيث وقعت الهداية على يدي، ليبلوني أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها، أي: اعرضوا عليها الدنيا، وأروها عرشها التي كانت عليه، متغيرا عن حاله الأولى - لأنه كان معشوقا لها، والآن صار ممقوتا، لغناها بالله - ننظر أتهتدي إليه، وترجع إلى محبته، فيكون علامة على عدم وصولها، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبدا، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختبارا، قيل: أهكذا عرشك؟ قالت:كأنه هو، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه الساعة، وكنا منقادين لمراده، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبدا.
وصدها عن الحضرة ما كانت تبعد من الهوى، من دون محبة الله، إنها كانت من قوم كافرين، منكرين للحضرة، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها: ادخلي دار الحضرة، فلما رأت بحر الوحدة يتموج بتيار الصفات دهشت وحسبته لجة يغرق صاحبه في بحر الزندقة، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ التربية: إنه بحر منزه متصل، لا أول له، ولا آخر له. ليس مثله شيء، ولا معه شيء، محيط بكل شيء، وماح لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها، مشغولة بهواها، قبل أن تعرف هواه، فلما عرفته غابت عن غيره، واستسلمت وانقادت له. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود... }
النمل 27:43
ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان، جعلت عرشها آخر سبعة أبيات، وغلقت الأبواب، وجعلت عليه حراسا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان، { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به، من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو: أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام، فلا يحل له، والأول أليق بمنصب النبوة، أو: أراد أن يختبرها في عقلها، بتغييره، هل تعرفه أو تنكره. { فال عفريت من الجن } ، وهو المارد الخبيث، واسمه " ذكوان " ، أو: " صخر ": { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي: من مجلسك إلى الحكومة، وكان يجلس إلى تسع النهار، وقيل: إلى نصفه. { وإني عليه } على حمله { لقوي أمين } ، آتي به على ما هو عليه، لا أغير منه شيئا ولا أبدله، فقال سليمان عليه السلام، أريد أعجل من هذا، { قال الذي عنده علم من الكتاب }. قيل هو: آصف بن برخيا - وزير سليمان عليه السلام، كان عنده اسم الله الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب. قيل هو: يا حي يا قيوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت. وليس الشأن معرفة الاسم، إنما الشأن أن يكون عين الاسم، أي: عين مسمى الاسم، حتى يكون أمره بأمر الله. وقيل: هو الخضر، أو: جبريل، أو: ملك بيده كتاب المقادير، أرسل تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر. قال: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } أي: ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده تبصر العرش بين يديك. روي: أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف، فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان، بقدرة الله تعالى، قبل أن يرجع إليه طرفه. { فما رآه } أي: العرش { مستقرا عنده } ثابتا لديه غير مضطرب، { قال هذا } أي: حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة قليلة، { من فضل ربي } علي، وإحسانه إلي، بلا استحقاق مني، بل هو فضل خال من العوض، { ليبلوني }: ليختبرني { أأشكر } نعمه { أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } لأنه يقيد به محصولها، ويستجلب به مفقودها، ويحط عن ذمته عناء الواجب، ويتخلص من وصمة الكفران. { ومن كفر فإن ربي غني كريم } أي: ومن كفر بترك الشكر، فإن ربي غني عن شكره، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه.
وفي الخبر:
" من شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها ".
وقال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا. ه. { قال } سليمان عليه السلام لأصحابه: { نكروا لها عرشها } أي: غيروا هيئته بوجه من الوجوه، { ننظر أتهتدي } لمعرفته، أو: للجواب الصواب إذا سئلت عنه، { أم تكون من الذين لا يهتدون } إلى معرفة عرشها. أو إلى الجواب الصواب. { فلما جاءت } بلقيس سليمان عليه السلام، وقد كان العرش بين يديه، { قيل } من جهة سليمان، أو بواسطة: { أهكذا عرشك }؟ ولم يقل: أهذا عرشك لئلا يكون تلقينا، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان - لما أراد تزوجها -: إن في عقلها شيئا، فاختبرها بذلك. { قالت } - لما رأته -: { كأنه هو } فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو مع علمها بحقيقة الحال، ولما شبهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها: { كأنه هو } مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو. ثم قالت: { وأوتينا العلم } بقدرة الله تعالى، وبصحبة نبوتك { من قبلها } من قبل هذا الأمر، أي: من قبل المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، { وكنا مسلمين } منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به. فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه. أو قال سليمان: { وأوتينا العلم } بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية، { وكنا مسلمين } موحدين، أو: { وأوتينا العلم } بإسلامها ومجيئها طائعة { من قبل } مجيئها، { وكنا مسلمين } موحدين. { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ، هو من كلام سليمان، أي: وصدها عن العلم بما علمناه - أو: عن التقدم إلى الإسلام - عبادة الشمس وإقامتها بين ظهراني الكفرة، أو: من كلام تعالى، بيانا لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام الآن، أي: صدها عن ذلك عبادتها القديمة للشمس، { إنها كانت من قوم كافرين } أي: كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها، وهو بين ظهرانيهم، حتى دخلت تحت ملكة سليمان عليه السلام، أو: وصدها الله تعالى، أو: سليمان، عما كانت تعبد من دون الله، فحذف الجار وأوصل الفعل. { قيل لها ادخلي الصرح } أي: القصر، أو: صحن الدار، { فما رأته حسبته لجة }: ماء عظيما، { وكشفت عن ساقيها }.
روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها، فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاما لأمره، وتحقيقا لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن يتزوجها، فنفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد، فيجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك أشد منه، فقالوا له: إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار، فاحتبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها فكشفت عنهما، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، إلا أنه شعراء وصرف يصره. ثم { قال } لها { إنه صرح ممرد } مملس مستو. ومنه: الأمرد، للذي لا شعر في وجهه، { من قوارير } من الزجاج، وأراد سليمان تزوجها، فكره شعرها، فعملت له الشياطين النورة، فنكحها سليمان، وأحبها، وأقرها على ملكها، وكان يزورها في الشهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة ايام وولدت له، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان عليه السلام، فسبحان من لا انقضاء لملكه. روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ه. ثم ذكر إسلامها، فقال: { قالت ربي إني ظلمت نفسي } بعبادة الشمس، { وأسلمت مع سليمان } تابعة له، مقتدية به، { لله رب العالمين }. وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته للعالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى، وتفرده باستحاق العبادة، وربوبيته لجميع الموجودين، التي من جملتها: ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم. الإشارة: عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها، فقد أجلس نفسه على عرشها، وصيرها مالكه له، متصرفة فيه بما تحب، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها، فقد هدم لها عرشها، وصارت خادمة مملوكة له، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله - وهو من أهله الله للتربية - للمريدين: أيكم يأتيني بعرشها، ويخرج عنها لله في أول بدايته؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب، ومن أتى بعرش نفسه، وخرج عنها لله، فهو الذي آتاه الله علما من الكتاب، وعرف مدلوله ومقصوده، لكن من السياسة أن يتدرج المريد في تركها شيئا فشيئا، حتى يخرج عنها، أو يغيب عن شغلها بالكلية، وإن كانت بيده. فاما خرجوا عن عرش نفوسهم لله، وتوجهوا إليه، ورأى ذلك منهم، قال: هذا من فضل ربي، حيث وقعت الهداية على يدي، ليبلوني أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها، أي: اعرضوا عليها الدنيا، وأروها عرشها التي كانت عليه، متغيرا عن حاله الأولى - لأنه كان معشوقا لها، والآن صار ممقوتا، لغناها بالله - ننظر أتهتدي إليه، وترجع إلى محبته، فيكون علامة على عدم وصولها، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبدا، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختبارا، قيل: أهكذا عرشك؟ قالت:كأنه هو، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه الساعة، وكنا منقادين لمراده، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبدا.
وصدها عن الحضرة ما كانت تبعد من الهوى، من دون محبة الله، إنها كانت من قوم كافرين، منكرين للحضرة، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها: ادخلي دار الحضرة، فلما رأت بحر الوحدة يتموج بتيار الصفات دهشت وحسبته لجة يغرق صاحبه في بحر الزندقة، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ التربية: إنه بحر منزه متصل، لا أول له، ولا آخر له. ليس مثله شيء، ولا معه شيء، محيط بكل شيء، وماح لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها، مشغولة بهواها، قبل أن تعرف هواه، فلما عرفته غابت عن غيره، واستسلمت وانقادت له. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود... }
النمل 27:44
ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان، جعلت عرشها آخر سبعة أبيات، وغلقت الأبواب، وجعلت عليه حراسا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة إليك لأنظر ما الذي تدعو إليه، وشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان، { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به، من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان. أو: أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام، فلا يحل له، والأول أليق بمنصب النبوة، أو: أراد أن يختبرها في عقلها، بتغييره، هل تعرفه أو تنكره. { فال عفريت من الجن } ، وهو المارد الخبيث، واسمه " ذكوان " ، أو: " صخر ": { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي: من مجلسك إلى الحكومة، وكان يجلس إلى تسع النهار، وقيل: إلى نصفه. { وإني عليه } على حمله { لقوي أمين } ، آتي به على ما هو عليه، لا أغير منه شيئا ولا أبدله، فقال سليمان عليه السلام، أريد أعجل من هذا، { قال الذي عنده علم من الكتاب }. قيل هو: آصف بن برخيا - وزير سليمان عليه السلام، كان عنده اسم الله الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب. قيل هو: يا حي يا قيوم، أو: يا ذا الجلال والإكرام، أو: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت. وليس الشأن معرفة الاسم، إنما الشأن أن يكون عين الاسم، أي: عين مسمى الاسم، حتى يكون أمره بأمر الله. وقيل: هو الخضر، أو: جبريل، أو: ملك بيده كتاب المقادير، أرسل تعالى عند قول العفريت. والأول أشهر. قال: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } أي: ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده تبصر العرش بين يديك. روي: أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه، فنظر نحو اليمن، فدعا آصف، فغار العرش في مكانه، ثم نبع عند مجلس سليمان، بقدرة الله تعالى، قبل أن يرجع إليه طرفه. { فما رآه } أي: العرش { مستقرا عنده } ثابتا لديه غير مضطرب، { قال هذا } أي: حصول مرادي، وهو حضور العرش في مدة قليلة، { من فضل ربي } علي، وإحسانه إلي، بلا استحقاق مني، بل هو فضل خال من العوض، { ليبلوني }: ليختبرني { أأشكر } نعمه { أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } لأنه يقيد به محصولها، ويستجلب به مفقودها، ويحط عن ذمته عناء الواجب، ويتخلص من وصمة الكفران. { ومن كفر فإن ربي غني كريم } أي: ومن كفر بترك الشكر، فإن ربي غني عن شكره، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه.
وفي الخبر:
" من شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها ".
وقال الواسطي: ما كان منا من الشكر فهو لنا، وما كان منه من النعمة فهو إلينا، وله المنة والفضل علينا. ه. { قال } سليمان عليه السلام لأصحابه: { نكروا لها عرشها } أي: غيروا هيئته بوجه من الوجوه، { ننظر أتهتدي } لمعرفته، أو: للجواب الصواب إذا سئلت عنه، { أم تكون من الذين لا يهتدون } إلى معرفة عرشها. أو إلى الجواب الصواب. { فلما جاءت } بلقيس سليمان عليه السلام، وقد كان العرش بين يديه، { قيل } من جهة سليمان، أو بواسطة: { أهكذا عرشك }؟ ولم يقل: أهذا عرشك لئلا يكون تلقينا، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان - لما أراد تزوجها -: إن في عقلها شيئا، فاختبرها بذلك. { قالت } - لما رأته -: { كأنه هو } فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو مع علمها بحقيقة الحال، ولما شبهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها: { كأنه هو } مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو. ثم قالت: { وأوتينا العلم } بقدرة الله تعالى، وبصحبة نبوتك { من قبلها } من قبل هذا الأمر، أي: من قبل المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، { وكنا مسلمين } منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به. فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه. أو قال سليمان: { وأوتينا العلم } بالله تعالى وبكمال قدرته من قبل هذه الآية، { وكنا مسلمين } موحدين، أو: { وأوتينا العلم } بإسلامها ومجيئها طائعة { من قبل } مجيئها، { وكنا مسلمين } موحدين. { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ، هو من كلام سليمان، أي: وصدها عن العلم بما علمناه - أو: عن التقدم إلى الإسلام - عبادة الشمس وإقامتها بين ظهراني الكفرة، أو: من كلام تعالى، بيانا لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام الآن، أي: صدها عن ذلك عبادتها القديمة للشمس، { إنها كانت من قوم كافرين } أي: كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها، وهو بين ظهرانيهم، حتى دخلت تحت ملكة سليمان عليه السلام، أو: وصدها الله تعالى، أو: سليمان، عما كانت تعبد من دون الله، فحذف الجار وأوصل الفعل. { قيل لها ادخلي الصرح } أي: القصر، أو: صحن الدار، { فما رأته حسبته لجة }: ماء عظيما، { وكشفت عن ساقيها }.
روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها، فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجن والإنس. وإنما فعل ليزيدها استعظاما لأمره، وتحقيقا لنبوته. وقيل: إن الجن كرهوا أن يتزوجها، فنفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد، فيجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك أشد منه، فقالوا له: إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار، فاحتبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها فكشفت عنهما، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، إلا أنه شعراء وصرف يصره. ثم { قال } لها { إنه صرح ممرد } مملس مستو. ومنه: الأمرد، للذي لا شعر في وجهه، { من قوارير } من الزجاج، وأراد سليمان تزوجها، فكره شعرها، فعملت له الشياطين النورة، فنكحها سليمان، وأحبها، وأقرها على ملكها، وكان يزورها في الشهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة ايام وولدت له، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان عليه السلام، فسبحان من لا انقضاء لملكه. روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ه. ثم ذكر إسلامها، فقال: { قالت ربي إني ظلمت نفسي } بعبادة الشمس، { وأسلمت مع سليمان } تابعة له، مقتدية به، { لله رب العالمين }. وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته للعالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى، وتفرده باستحاق العبادة، وربوبيته لجميع الموجودين، التي من جملتها: ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس. والله تعالى أعلم. الإشارة: عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها، فقد أجلس نفسه على عرشها، وصيرها مالكه له، متصرفة فيه بما تحب، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها، فقد هدم لها عرشها، وصارت خادمة مملوكة له، يتصرف فيها كيف يشاء. فيقول الداعي إلى الله - وهو من أهله الله للتربية - للمريدين: أيكم يأتيني بعرشها، ويخرج عنها لله في أول بدايته؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب، ومن أتى بعرش نفسه، وخرج عنها لله، فهو الذي آتاه الله علما من الكتاب، وعرف مدلوله ومقصوده، لكن من السياسة أن يتدرج المريد في تركها شيئا فشيئا، حتى يخرج عنها، أو يغيب عن شغلها بالكلية، وإن كانت بيده. فاما خرجوا عن عرش نفوسهم لله، وتوجهوا إليه، ورأى ذلك منهم، قال: هذا من فضل ربي، حيث وقعت الهداية على يدي، ليبلوني أشكر أم أكفر.. الآية. قال نكروا لها عرشها، أي: اعرضوا عليها الدنيا، وأروها عرشها التي كانت عليه، متغيرا عن حاله الأولى - لأنه كان معشوقا لها، والآن صار ممقوتا، لغناها بالله - ننظر أتهتدي إليه، وترجع إلى محبته، فيكون علامة على عدم وصولها، أم تكون من الذين لا يهتدون إليه أبدا، فتكون قد تمكنت من الأنس بالله، فلما جاءت وأظهر لها عرشها اختبارا، قيل: أهكذا عرشك؟ قالت:كأنه هو، وأوتينا العلم بالله من قبل هذه الساعة، وكنا منقادين لمراده، فلن نرجع إلى ما خرجنا عنه لله أبدا.
وصدها عن الحضرة ما كانت تبعد من الهوى، من دون محبة الله، إنها كانت من قوم كافرين، منكرين للحضرة، غير عارفين بها. قيل لها حين رحلت عن عرشها: ادخلي دار الحضرة، فلما رأت بحر الوحدة يتموج بتيار الصفات دهشت وحسبته لجة يغرق صاحبه في بحر الزندقة، قال لها رئيس البحرية - وهو شيخ التربية: إنه بحر منزه متصل، لا أول له، ولا آخر له. ليس مثله شيء، ولا معه شيء، محيط بكل شيء، وماح لكل شيء. ثم اعترفت أنها ظالمة لنفسها، مشغولة بهواها، قبل أن تعرف هواه، فلما عرفته غابت عن غيره، واستسلمت وانقادت له. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود... }
النمل 27:45
قلت: ولقد أرسلنا: عطف على ولقد آتينا داود... إلخ. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم } نسبا { صالحا أن اعبدوا الله } أي: بأن اعبدوه وحده، { فإذا هم فريقان يختصمون } أي: ففاجؤوا التفرق والاختصام، ففريق مؤمن به، وفريق كافر، أو يختصمون فيه، فكل فريق يقول: الحق معي. وقد فسر هذا الاختصام قوله تعالى في الأعراف:
قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون
[الأعراف: 75- 76] { قال } عليه السلام للفريق الكافر، بعد ما شاهد منهم ما شاهد من نهاية العتو والعناد، حتى استعجلوا العذاب: { يا قوم لم تستعجلون بالسيئة } بالعقوبة السيئة { قبل الحسنة } أي: التوبة الصالحة، فتؤخرونها إلى حين نزولها، حيث كانوا - من جهلهم وغوايتهم يقولون، إن وقع العذاب تبنا حينئذ، وإلا فنحن على ما كنا عليه. أو: لم تستعجلون بالعذاب قبل الرحمة، أو: بالمعصية قبل الطاعة، { لولا تستغفرون الله }: هلا تطلبون المغفرة من كفركم بالتوبة والإيمان قبل نزوله، { لعلكم ترحمون } بالإجابة قبل النزول، إذ لا قبول بعده، { قالوا اطيرنا بك } تشاءمنا بك { وبمن معك } من المؤمنين لأنهم قحطوا عند مبعثه لكفرهم، فنسبوه إلى مجيئه. والأصل: تطيرنا. وقرئ به، فأدغمت التاء في الطاء، وزيدت ألف وصل، للسكون. { قال } صالح عليه السلام: { طائركم عند الله } أي: سببكم الذي به ينالكم ما ينالكم من الخير والشر عند الله، وهو قدره وقضاؤه، أو: عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل، عقوبة لكم وفتنة. ومنه:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
[الإسراء: 13] أي: ألزمناه جزاء عمله، أو: ما قدر له في عنقه، وأصله: أن المسافر كان إذا مر بطائر يزجره، فإن مر إلى جهة اليمين تيمن، وإن مر إلى ناحية الشمال تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو: من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة، { بل أنتم قوم تفتنون }: تختبرون بتعاقب السراء والضراء، أو: تعذبون، أو: يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" لا عدوى ولا طيرة "
وقال أيضا:
" إذا تطيرت فلا ترجع "
والله تعالى أعلم. الإشارة: سير أهل التربية مع أهل زمانهم كسير الأنبياء مع أممهم، إذا بعثهم الله إلى أهل زمانهم اختصموا فيهم، ففريق يصدق وفريق يكذب، فيطلبون الكرامة والبرهان، ويتطيرون بهم وبمن تبعهم، إن ظهرت بهم قهرية من عند الله، كما رأينا ذلك كله. وبالله التوفيق. ثم ذكر اهتمامهم بقتل صالح وهلاكهم، فقال: { وكان في المدينة تسعة... }
النمل 27:46
قلت: ولقد أرسلنا: عطف على ولقد آتينا داود... إلخ. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم } نسبا { صالحا أن اعبدوا الله } أي: بأن اعبدوه وحده، { فإذا هم فريقان يختصمون } أي: ففاجؤوا التفرق والاختصام، ففريق مؤمن به، وفريق كافر، أو يختصمون فيه، فكل فريق يقول: الحق معي. وقد فسر هذا الاختصام قوله تعالى في الأعراف:
قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون
[الأعراف: 75- 76] { قال } عليه السلام للفريق الكافر، بعد ما شاهد منهم ما شاهد من نهاية العتو والعناد، حتى استعجلوا العذاب: { يا قوم لم تستعجلون بالسيئة } بالعقوبة السيئة { قبل الحسنة } أي: التوبة الصالحة، فتؤخرونها إلى حين نزولها، حيث كانوا - من جهلهم وغوايتهم يقولون، إن وقع العذاب تبنا حينئذ، وإلا فنحن على ما كنا عليه. أو: لم تستعجلون بالعذاب قبل الرحمة، أو: بالمعصية قبل الطاعة، { لولا تستغفرون الله }: هلا تطلبون المغفرة من كفركم بالتوبة والإيمان قبل نزوله، { لعلكم ترحمون } بالإجابة قبل النزول، إذ لا قبول بعده، { قالوا اطيرنا بك } تشاءمنا بك { وبمن معك } من المؤمنين لأنهم قحطوا عند مبعثه لكفرهم، فنسبوه إلى مجيئه. والأصل: تطيرنا. وقرئ به، فأدغمت التاء في الطاء، وزيدت ألف وصل، للسكون. { قال } صالح عليه السلام: { طائركم عند الله } أي: سببكم الذي به ينالكم ما ينالكم من الخير والشر عند الله، وهو قدره وقضاؤه، أو: عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل، عقوبة لكم وفتنة. ومنه:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
[الإسراء: 13] أي: ألزمناه جزاء عمله، أو: ما قدر له في عنقه، وأصله: أن المسافر كان إذا مر بطائر يزجره، فإن مر إلى جهة اليمين تيمن، وإن مر إلى ناحية الشمال تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو: من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة، { بل أنتم قوم تفتنون }: تختبرون بتعاقب السراء والضراء، أو: تعذبون، أو: يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" لا عدوى ولا طيرة "
وقال أيضا:
" إذا تطيرت فلا ترجع "
والله تعالى أعلم. الإشارة: سير أهل التربية مع أهل زمانهم كسير الأنبياء مع أممهم، إذا بعثهم الله إلى أهل زمانهم اختصموا فيهم، ففريق يصدق وفريق يكذب، فيطلبون الكرامة والبرهان، ويتطيرون بهم وبمن تبعهم، إن ظهرت بهم قهرية من عند الله، كما رأينا ذلك كله. وبالله التوفيق. ثم ذكر اهتمامهم بقتل صالح وهلاكهم، فقال: { وكان في المدينة تسعة... }
النمل 27:47
قلت: ولقد أرسلنا: عطف على ولقد آتينا داود... إلخ. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم } نسبا { صالحا أن اعبدوا الله } أي: بأن اعبدوه وحده، { فإذا هم فريقان يختصمون } أي: ففاجؤوا التفرق والاختصام، ففريق مؤمن به، وفريق كافر، أو يختصمون فيه، فكل فريق يقول: الحق معي. وقد فسر هذا الاختصام قوله تعالى في الأعراف:
قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون
[الأعراف: 75- 76] { قال } عليه السلام للفريق الكافر، بعد ما شاهد منهم ما شاهد من نهاية العتو والعناد، حتى استعجلوا العذاب: { يا قوم لم تستعجلون بالسيئة } بالعقوبة السيئة { قبل الحسنة } أي: التوبة الصالحة، فتؤخرونها إلى حين نزولها، حيث كانوا - من جهلهم وغوايتهم يقولون، إن وقع العذاب تبنا حينئذ، وإلا فنحن على ما كنا عليه. أو: لم تستعجلون بالعذاب قبل الرحمة، أو: بالمعصية قبل الطاعة، { لولا تستغفرون الله }: هلا تطلبون المغفرة من كفركم بالتوبة والإيمان قبل نزوله، { لعلكم ترحمون } بالإجابة قبل النزول، إذ لا قبول بعده، { قالوا اطيرنا بك } تشاءمنا بك { وبمن معك } من المؤمنين لأنهم قحطوا عند مبعثه لكفرهم، فنسبوه إلى مجيئه. والأصل: تطيرنا. وقرئ به، فأدغمت التاء في الطاء، وزيدت ألف وصل، للسكون. { قال } صالح عليه السلام: { طائركم عند الله } أي: سببكم الذي به ينالكم ما ينالكم من الخير والشر عند الله، وهو قدره وقضاؤه، أو: عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل، عقوبة لكم وفتنة. ومنه:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
[الإسراء: 13] أي: ألزمناه جزاء عمله، أو: ما قدر له في عنقه، وأصله: أن المسافر كان إذا مر بطائر يزجره، فإن مر إلى جهة اليمين تيمن، وإن مر إلى ناحية الشمال تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو: من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة، { بل أنتم قوم تفتنون }: تختبرون بتعاقب السراء والضراء، أو: تعذبون، أو: يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة. قال - عليه الصلاة والسلام -:
" لا عدوى ولا طيرة "
وقال أيضا:
" إذا تطيرت فلا ترجع "
والله تعالى أعلم. الإشارة: سير أهل التربية مع أهل زمانهم كسير الأنبياء مع أممهم، إذا بعثهم الله إلى أهل زمانهم اختصموا فيهم، ففريق يصدق وفريق يكذب، فيطلبون الكرامة والبرهان، ويتطيرون بهم وبمن تبعهم، إن ظهرت بهم قهرية من عند الله، كما رأينا ذلك كله. وبالله التوفيق. ثم ذكر اهتمامهم بقتل صالح وهلاكهم، فقال: { وكان في المدينة تسعة... }
النمل 27:48
يقول الحق جل جلاله: { وكان في المدينة } مدينة ثمود وهي الحجر، { تسعة رهط } أي: أشخاص، وهو جمع لا واحد له، فلذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قيل: تسعة أنفس، وهو من الثلاثة إلى العشرة، وكان رئيسهم " قدار بن سالف " وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا أبناء أشرافهم ومن عتاتهم، { يفسدون في الأرض } أي: في المدينة، إفسادا لا يخالطه شيء من الصلاح أصلا، { ولا يصلحون } يعني إن شأنهم الإفساد المحض، الذي لا صلاح معه. وعن الحسن: يظلمون الناس، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس، ولا يسترون عوراتهم. { قالوا تقاسموا بالله }: استئناف لبيان بعض فسادهم. وتقاسموا: إما أمر مقول لقالوا، أي: تحالفوا أمر بعضهم بعضا بالقسم على قتله. وإما خبر حال، أي: قالوا متقاسمين. { لنبيتنه }: لنقتلنه بياتا، أي: ليلا، { وأهله }: ولده ونساءه، { ثم لنقولن لوليه } أي: لولي دمه: { ما شهدنا مهلك أهله } أي: ما حضرنا هلاكهم، أو: وقت هلاكهم. أو: مكانه فضلا أن نتولى إهلاكهم، { وإنا لصادقون } فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول، أو: حال، أي: نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده، بل مهلكه ومهلككم جميعا، كقولك: ما رأيت ثم رجلا، أي: بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأيمان مع كفرهم لما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب، وبعد قوله:
تمتعوا في داركم ثلاثة أيام
[هود: 65]. قال تعالى: { ومكروا مكرا } بهذه المواضع، { ومكرنا مكرا } أهلكناهم إهلاكا غير معهود، { وهم لا يشعرون } أي: من حيث لا يحتسبون، فمكرهم هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } أي: فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم. فسره بقوله: { أنا دمرناهم }: أهلكناهم بالصيحة { وقومهم } الذين لم يكونوا معهم في التبييت { أجمعين }. روي أنه كان لصالح مسجد في شعب يصلي فيه. فقالوا: زعم صالح يفرغ منا إلى ثلاث، وقد رأى علامة ذلك، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب، وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة من الهضب التي حيالهم، فبادروا، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا في مكانه ونجى صالحا ومن معه. وقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة ليلا، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة إلى دار صالح، شاهرين السيوف، فقتلهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة، ولا يرون راميا.
ه. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل. قال تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية } ساقطة متهدمة، من: خوى النجم: إذا سقط. أو: خالية من السكان، { بما ظلموا } بسبب ظلمهم. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من التدمير العجيب { لآية لقوم يعلمون } قدرتنا، فيتعظون. { وأنجينا الذين آمنوا } أي: صالحا ومن معه من المؤمنين، { وكانوا يتقون } الكفر والمعاصي، اتقاء مستمرا، ولذلك نجوا مع صالح. قال مقاتل: لما وقت لهم صالح العذاب إلى ثلاث، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمص أحمر، ثم اصفر من الغد، ثم اسود من اليوم الثالث. ثم تفقأت، وصاح جبريل في خلال ذلك، فخمدوا، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت حضرموت. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكان في مدينة القلب تسع علل، يفسدون فيها ولا يصلحون، وهي حب الدنيا، وحب الرئاسة، والحسد. والكبر، والحقد، والعجب، والرياء، والمداهنة، والبخل، هم أفسدوا قلوب الناس، وتقاسموا على هلاكها، ومكروا بهم حتى زينوا لهم سوء عملهم، ومكر الله بهم، فدفعهم ودمرهم عن قلوب الصالحين، فتلك بيوتهم خاوية منها، أخرجهم منها، بسبب ظلمهم لها. وقال القشيري على قوله: { ومكروا مكرا... } الآية: مكر الله: جزاؤهم على مكرهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتة. ه. وقال الورتجبي: حقيقة المكر: امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة، فإذا كان كذلك من ينجو من مكره، والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القدم، فمكره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت: ومعنى كلامه: أن مكر الله في الجملة: هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجو أحد من مكره إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك: العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل: العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أي: لا يسكن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وقال القشيري - على قوله: { فتلك بيوتهم خاوية... } ، في الخبر:
" لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلط الله عليه الخراب "
ه. قلت: فكل من اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه... }
النمل 27:49
يقول الحق جل جلاله: { وكان في المدينة } مدينة ثمود وهي الحجر، { تسعة رهط } أي: أشخاص، وهو جمع لا واحد له، فلذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قيل: تسعة أنفس، وهو من الثلاثة إلى العشرة، وكان رئيسهم " قدار بن سالف " وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا أبناء أشرافهم ومن عتاتهم، { يفسدون في الأرض } أي: في المدينة، إفسادا لا يخالطه شيء من الصلاح أصلا، { ولا يصلحون } يعني إن شأنهم الإفساد المحض، الذي لا صلاح معه. وعن الحسن: يظلمون الناس، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس، ولا يسترون عوراتهم. { قالوا تقاسموا بالله }: استئناف لبيان بعض فسادهم. وتقاسموا: إما أمر مقول لقالوا، أي: تحالفوا أمر بعضهم بعضا بالقسم على قتله. وإما خبر حال، أي: قالوا متقاسمين. { لنبيتنه }: لنقتلنه بياتا، أي: ليلا، { وأهله }: ولده ونساءه، { ثم لنقولن لوليه } أي: لولي دمه: { ما شهدنا مهلك أهله } أي: ما حضرنا هلاكهم، أو: وقت هلاكهم. أو: مكانه فضلا أن نتولى إهلاكهم، { وإنا لصادقون } فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول، أو: حال، أي: نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده، بل مهلكه ومهلككم جميعا، كقولك: ما رأيت ثم رجلا، أي: بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأيمان مع كفرهم لما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب، وبعد قوله:
تمتعوا في داركم ثلاثة أيام
[هود: 65]. قال تعالى: { ومكروا مكرا } بهذه المواضع، { ومكرنا مكرا } أهلكناهم إهلاكا غير معهود، { وهم لا يشعرون } أي: من حيث لا يحتسبون، فمكرهم هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } أي: فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم. فسره بقوله: { أنا دمرناهم }: أهلكناهم بالصيحة { وقومهم } الذين لم يكونوا معهم في التبييت { أجمعين }. روي أنه كان لصالح مسجد في شعب يصلي فيه. فقالوا: زعم صالح يفرغ منا إلى ثلاث، وقد رأى علامة ذلك، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب، وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة من الهضب التي حيالهم، فبادروا، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا في مكانه ونجى صالحا ومن معه. وقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة ليلا، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة إلى دار صالح، شاهرين السيوف، فقتلهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة، ولا يرون راميا.
ه. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل. قال تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية } ساقطة متهدمة، من: خوى النجم: إذا سقط. أو: خالية من السكان، { بما ظلموا } بسبب ظلمهم. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من التدمير العجيب { لآية لقوم يعلمون } قدرتنا، فيتعظون. { وأنجينا الذين آمنوا } أي: صالحا ومن معه من المؤمنين، { وكانوا يتقون } الكفر والمعاصي، اتقاء مستمرا، ولذلك نجوا مع صالح. قال مقاتل: لما وقت لهم صالح العذاب إلى ثلاث، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمص أحمر، ثم اصفر من الغد، ثم اسود من اليوم الثالث. ثم تفقأت، وصاح جبريل في خلال ذلك، فخمدوا، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت حضرموت. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكان في مدينة القلب تسع علل، يفسدون فيها ولا يصلحون، وهي حب الدنيا، وحب الرئاسة، والحسد. والكبر، والحقد، والعجب، والرياء، والمداهنة، والبخل، هم أفسدوا قلوب الناس، وتقاسموا على هلاكها، ومكروا بهم حتى زينوا لهم سوء عملهم، ومكر الله بهم، فدفعهم ودمرهم عن قلوب الصالحين، فتلك بيوتهم خاوية منها، أخرجهم منها، بسبب ظلمهم لها. وقال القشيري على قوله: { ومكروا مكرا... } الآية: مكر الله: جزاؤهم على مكرهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتة. ه. وقال الورتجبي: حقيقة المكر: امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة، فإذا كان كذلك من ينجو من مكره، والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القدم، فمكره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت: ومعنى كلامه: أن مكر الله في الجملة: هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجو أحد من مكره إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك: العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل: العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أي: لا يسكن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وقال القشيري - على قوله: { فتلك بيوتهم خاوية... } ، في الخبر:
" لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلط الله عليه الخراب "
ه. قلت: فكل من اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه... }
النمل 27:50
يقول الحق جل جلاله: { وكان في المدينة } مدينة ثمود وهي الحجر، { تسعة رهط } أي: أشخاص، وهو جمع لا واحد له، فلذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قيل: تسعة أنفس، وهو من الثلاثة إلى العشرة، وكان رئيسهم " قدار بن سالف " وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا أبناء أشرافهم ومن عتاتهم، { يفسدون في الأرض } أي: في المدينة، إفسادا لا يخالطه شيء من الصلاح أصلا، { ولا يصلحون } يعني إن شأنهم الإفساد المحض، الذي لا صلاح معه. وعن الحسن: يظلمون الناس، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس، ولا يسترون عوراتهم. { قالوا تقاسموا بالله }: استئناف لبيان بعض فسادهم. وتقاسموا: إما أمر مقول لقالوا، أي: تحالفوا أمر بعضهم بعضا بالقسم على قتله. وإما خبر حال، أي: قالوا متقاسمين. { لنبيتنه }: لنقتلنه بياتا، أي: ليلا، { وأهله }: ولده ونساءه، { ثم لنقولن لوليه } أي: لولي دمه: { ما شهدنا مهلك أهله } أي: ما حضرنا هلاكهم، أو: وقت هلاكهم. أو: مكانه فضلا أن نتولى إهلاكهم، { وإنا لصادقون } فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول، أو: حال، أي: نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده، بل مهلكه ومهلككم جميعا، كقولك: ما رأيت ثم رجلا، أي: بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأيمان مع كفرهم لما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب، وبعد قوله:
تمتعوا في داركم ثلاثة أيام
[هود: 65]. قال تعالى: { ومكروا مكرا } بهذه المواضع، { ومكرنا مكرا } أهلكناهم إهلاكا غير معهود، { وهم لا يشعرون } أي: من حيث لا يحتسبون، فمكرهم هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } أي: فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم. فسره بقوله: { أنا دمرناهم }: أهلكناهم بالصيحة { وقومهم } الذين لم يكونوا معهم في التبييت { أجمعين }. روي أنه كان لصالح مسجد في شعب يصلي فيه. فقالوا: زعم صالح يفرغ منا إلى ثلاث، وقد رأى علامة ذلك، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب، وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة من الهضب التي حيالهم، فبادروا، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا في مكانه ونجى صالحا ومن معه. وقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة ليلا، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة إلى دار صالح، شاهرين السيوف، فقتلهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة، ولا يرون راميا.
ه. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل. قال تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية } ساقطة متهدمة، من: خوى النجم: إذا سقط. أو: خالية من السكان، { بما ظلموا } بسبب ظلمهم. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من التدمير العجيب { لآية لقوم يعلمون } قدرتنا، فيتعظون. { وأنجينا الذين آمنوا } أي: صالحا ومن معه من المؤمنين، { وكانوا يتقون } الكفر والمعاصي، اتقاء مستمرا، ولذلك نجوا مع صالح. قال مقاتل: لما وقت لهم صالح العذاب إلى ثلاث، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمص أحمر، ثم اصفر من الغد، ثم اسود من اليوم الثالث. ثم تفقأت، وصاح جبريل في خلال ذلك، فخمدوا، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت حضرموت. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكان في مدينة القلب تسع علل، يفسدون فيها ولا يصلحون، وهي حب الدنيا، وحب الرئاسة، والحسد. والكبر، والحقد، والعجب، والرياء، والمداهنة، والبخل، هم أفسدوا قلوب الناس، وتقاسموا على هلاكها، ومكروا بهم حتى زينوا لهم سوء عملهم، ومكر الله بهم، فدفعهم ودمرهم عن قلوب الصالحين، فتلك بيوتهم خاوية منها، أخرجهم منها، بسبب ظلمهم لها. وقال القشيري على قوله: { ومكروا مكرا... } الآية: مكر الله: جزاؤهم على مكرهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتة. ه. وقال الورتجبي: حقيقة المكر: امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة، فإذا كان كذلك من ينجو من مكره، والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القدم، فمكره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت: ومعنى كلامه: أن مكر الله في الجملة: هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجو أحد من مكره إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك: العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل: العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أي: لا يسكن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وقال القشيري - على قوله: { فتلك بيوتهم خاوية... } ، في الخبر:
" لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلط الله عليه الخراب "
ه. قلت: فكل من اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه... }
النمل 27:51
يقول الحق جل جلاله: { وكان في المدينة } مدينة ثمود وهي الحجر، { تسعة رهط } أي: أشخاص، وهو جمع لا واحد له، فلذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قيل: تسعة أنفس، وهو من الثلاثة إلى العشرة، وكان رئيسهم " قدار بن سالف " وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا أبناء أشرافهم ومن عتاتهم، { يفسدون في الأرض } أي: في المدينة، إفسادا لا يخالطه شيء من الصلاح أصلا، { ولا يصلحون } يعني إن شأنهم الإفساد المحض، الذي لا صلاح معه. وعن الحسن: يظلمون الناس، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس، ولا يسترون عوراتهم. { قالوا تقاسموا بالله }: استئناف لبيان بعض فسادهم. وتقاسموا: إما أمر مقول لقالوا، أي: تحالفوا أمر بعضهم بعضا بالقسم على قتله. وإما خبر حال، أي: قالوا متقاسمين. { لنبيتنه }: لنقتلنه بياتا، أي: ليلا، { وأهله }: ولده ونساءه، { ثم لنقولن لوليه } أي: لولي دمه: { ما شهدنا مهلك أهله } أي: ما حضرنا هلاكهم، أو: وقت هلاكهم. أو: مكانه فضلا أن نتولى إهلاكهم، { وإنا لصادقون } فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول، أو: حال، أي: نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده، بل مهلكه ومهلككم جميعا، كقولك: ما رأيت ثم رجلا، أي: بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأيمان مع كفرهم لما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب، وبعد قوله:
تمتعوا في داركم ثلاثة أيام
[هود: 65]. قال تعالى: { ومكروا مكرا } بهذه المواضع، { ومكرنا مكرا } أهلكناهم إهلاكا غير معهود، { وهم لا يشعرون } أي: من حيث لا يحتسبون، فمكرهم هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } أي: فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم. فسره بقوله: { أنا دمرناهم }: أهلكناهم بالصيحة { وقومهم } الذين لم يكونوا معهم في التبييت { أجمعين }. روي أنه كان لصالح مسجد في شعب يصلي فيه. فقالوا: زعم صالح يفرغ منا إلى ثلاث، وقد رأى علامة ذلك، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب، وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة من الهضب التي حيالهم، فبادروا، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا في مكانه ونجى صالحا ومن معه. وقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة ليلا، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة إلى دار صالح، شاهرين السيوف، فقتلهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة، ولا يرون راميا.
ه. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل. قال تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية } ساقطة متهدمة، من: خوى النجم: إذا سقط. أو: خالية من السكان، { بما ظلموا } بسبب ظلمهم. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من التدمير العجيب { لآية لقوم يعلمون } قدرتنا، فيتعظون. { وأنجينا الذين آمنوا } أي: صالحا ومن معه من المؤمنين، { وكانوا يتقون } الكفر والمعاصي، اتقاء مستمرا، ولذلك نجوا مع صالح. قال مقاتل: لما وقت لهم صالح العذاب إلى ثلاث، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمص أحمر، ثم اصفر من الغد، ثم اسود من اليوم الثالث. ثم تفقأت، وصاح جبريل في خلال ذلك، فخمدوا، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت حضرموت. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكان في مدينة القلب تسع علل، يفسدون فيها ولا يصلحون، وهي حب الدنيا، وحب الرئاسة، والحسد. والكبر، والحقد، والعجب، والرياء، والمداهنة، والبخل، هم أفسدوا قلوب الناس، وتقاسموا على هلاكها، ومكروا بهم حتى زينوا لهم سوء عملهم، ومكر الله بهم، فدفعهم ودمرهم عن قلوب الصالحين، فتلك بيوتهم خاوية منها، أخرجهم منها، بسبب ظلمهم لها. وقال القشيري على قوله: { ومكروا مكرا... } الآية: مكر الله: جزاؤهم على مكرهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتة. ه. وقال الورتجبي: حقيقة المكر: امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة، فإذا كان كذلك من ينجو من مكره، والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القدم، فمكره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت: ومعنى كلامه: أن مكر الله في الجملة: هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجو أحد من مكره إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك: العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل: العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أي: لا يسكن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وقال القشيري - على قوله: { فتلك بيوتهم خاوية... } ، في الخبر:
" لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلط الله عليه الخراب "
ه. قلت: فكل من اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه... }
النمل 27:52
يقول الحق جل جلاله: { وكان في المدينة } مدينة ثمود وهي الحجر، { تسعة رهط } أي: أشخاص، وهو جمع لا واحد له، فلذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قيل: تسعة أنفس، وهو من الثلاثة إلى العشرة، وكان رئيسهم " قدار بن سالف " وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا أبناء أشرافهم ومن عتاتهم، { يفسدون في الأرض } أي: في المدينة، إفسادا لا يخالطه شيء من الصلاح أصلا، { ولا يصلحون } يعني إن شأنهم الإفساد المحض، الذي لا صلاح معه. وعن الحسن: يظلمون الناس، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس، ولا يسترون عوراتهم. { قالوا تقاسموا بالله }: استئناف لبيان بعض فسادهم. وتقاسموا: إما أمر مقول لقالوا، أي: تحالفوا أمر بعضهم بعضا بالقسم على قتله. وإما خبر حال، أي: قالوا متقاسمين. { لنبيتنه }: لنقتلنه بياتا، أي: ليلا، { وأهله }: ولده ونساءه، { ثم لنقولن لوليه } أي: لولي دمه: { ما شهدنا مهلك أهله } أي: ما حضرنا هلاكهم، أو: وقت هلاكهم. أو: مكانه فضلا أن نتولى إهلاكهم، { وإنا لصادقون } فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول، أو: حال، أي: نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده، بل مهلكه ومهلككم جميعا، كقولك: ما رأيت ثم رجلا، أي: بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأيمان مع كفرهم لما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب، وبعد قوله:
تمتعوا في داركم ثلاثة أيام
[هود: 65]. قال تعالى: { ومكروا مكرا } بهذه المواضع، { ومكرنا مكرا } أهلكناهم إهلاكا غير معهود، { وهم لا يشعرون } أي: من حيث لا يحتسبون، فمكرهم هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } أي: فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم. فسره بقوله: { أنا دمرناهم }: أهلكناهم بالصيحة { وقومهم } الذين لم يكونوا معهم في التبييت { أجمعين }. روي أنه كان لصالح مسجد في شعب يصلي فيه. فقالوا: زعم صالح يفرغ منا إلى ثلاث، وقد رأى علامة ذلك، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب، وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة من الهضب التي حيالهم، فبادروا، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا في مكانه ونجى صالحا ومن معه. وقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة ليلا، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة إلى دار صالح، شاهرين السيوف، فقتلهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة، ولا يرون راميا.
ه. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل. قال تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية } ساقطة متهدمة، من: خوى النجم: إذا سقط. أو: خالية من السكان، { بما ظلموا } بسبب ظلمهم. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من التدمير العجيب { لآية لقوم يعلمون } قدرتنا، فيتعظون. { وأنجينا الذين آمنوا } أي: صالحا ومن معه من المؤمنين، { وكانوا يتقون } الكفر والمعاصي، اتقاء مستمرا، ولذلك نجوا مع صالح. قال مقاتل: لما وقت لهم صالح العذاب إلى ثلاث، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمص أحمر، ثم اصفر من الغد، ثم اسود من اليوم الثالث. ثم تفقأت، وصاح جبريل في خلال ذلك، فخمدوا، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت حضرموت. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكان في مدينة القلب تسع علل، يفسدون فيها ولا يصلحون، وهي حب الدنيا، وحب الرئاسة، والحسد. والكبر، والحقد، والعجب، والرياء، والمداهنة، والبخل، هم أفسدوا قلوب الناس، وتقاسموا على هلاكها، ومكروا بهم حتى زينوا لهم سوء عملهم، ومكر الله بهم، فدفعهم ودمرهم عن قلوب الصالحين، فتلك بيوتهم خاوية منها، أخرجهم منها، بسبب ظلمهم لها. وقال القشيري على قوله: { ومكروا مكرا... } الآية: مكر الله: جزاؤهم على مكرهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتة. ه. وقال الورتجبي: حقيقة المكر: امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة، فإذا كان كذلك من ينجو من مكره، والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القدم، فمكره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت: ومعنى كلامه: أن مكر الله في الجملة: هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجو أحد من مكره إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك: العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل: العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أي: لا يسكن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وقال القشيري - على قوله: { فتلك بيوتهم خاوية... } ، في الخبر:
" لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلط الله عليه الخراب "
ه. قلت: فكل من اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه... }
النمل 27:53
يقول الحق جل جلاله: { وكان في المدينة } مدينة ثمود وهي الحجر، { تسعة رهط } أي: أشخاص، وهو جمع لا واحد له، فلذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قيل: تسعة أنفس، وهو من الثلاثة إلى العشرة، وكان رئيسهم " قدار بن سالف " وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا أبناء أشرافهم ومن عتاتهم، { يفسدون في الأرض } أي: في المدينة، إفسادا لا يخالطه شيء من الصلاح أصلا، { ولا يصلحون } يعني إن شأنهم الإفساد المحض، الذي لا صلاح معه. وعن الحسن: يظلمون الناس، ولا يمنعون الظالمين عن الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس، ولا يسترون عوراتهم. { قالوا تقاسموا بالله }: استئناف لبيان بعض فسادهم. وتقاسموا: إما أمر مقول لقالوا، أي: تحالفوا أمر بعضهم بعضا بالقسم على قتله. وإما خبر حال، أي: قالوا متقاسمين. { لنبيتنه }: لنقتلنه بياتا، أي: ليلا، { وأهله }: ولده ونساءه، { ثم لنقولن لوليه } أي: لولي دمه: { ما شهدنا مهلك أهله } أي: ما حضرنا هلاكهم، أو: وقت هلاكهم. أو: مكانه فضلا أن نتولى إهلاكهم، { وإنا لصادقون } فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول، أو: حال، أي: نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده، بل مهلكه ومهلككم جميعا، كقولك: ما رأيت ثم رجلا، أي: بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأيمان مع كفرهم لما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب، وبعد قوله:
تمتعوا في داركم ثلاثة أيام
[هود: 65]. قال تعالى: { ومكروا مكرا } بهذه المواضع، { ومكرنا مكرا } أهلكناهم إهلاكا غير معهود، { وهم لا يشعرون } أي: من حيث لا يحتسبون، فمكرهم هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } أي: فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم. فسره بقوله: { أنا دمرناهم }: أهلكناهم بالصيحة { وقومهم } الذين لم يكونوا معهم في التبييت { أجمعين }. روي أنه كان لصالح مسجد في شعب يصلي فيه. فقالوا: زعم صالح يفرغ منا إلى ثلاث، وقد رأى علامة ذلك، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب، وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة من الهضب التي حيالهم، فبادروا، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا في مكانه ونجى صالحا ومن معه. وقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة ليلا، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة إلى دار صالح، شاهرين السيوف، فقتلهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة، ولا يرون راميا.
ه. ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل. قال تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية } ساقطة متهدمة، من: خوى النجم: إذا سقط. أو: خالية من السكان، { بما ظلموا } بسبب ظلمهم. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من التدمير العجيب { لآية لقوم يعلمون } قدرتنا، فيتعظون. { وأنجينا الذين آمنوا } أي: صالحا ومن معه من المؤمنين، { وكانوا يتقون } الكفر والمعاصي، اتقاء مستمرا، ولذلك نجوا مع صالح. قال مقاتل: لما وقت لهم صالح العذاب إلى ثلاث، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمص أحمر، ثم اصفر من الغد، ثم اسود من اليوم الثالث. ثم تفقأت، وصاح جبريل في خلال ذلك، فخمدوا، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت حضرموت. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكان في مدينة القلب تسع علل، يفسدون فيها ولا يصلحون، وهي حب الدنيا، وحب الرئاسة، والحسد. والكبر، والحقد، والعجب، والرياء، والمداهنة، والبخل، هم أفسدوا قلوب الناس، وتقاسموا على هلاكها، ومكروا بهم حتى زينوا لهم سوء عملهم، ومكر الله بهم، فدفعهم ودمرهم عن قلوب الصالحين، فتلك بيوتهم خاوية منها، أخرجهم منها، بسبب ظلمهم لها. وقال القشيري على قوله: { ومكروا مكرا... } الآية: مكر الله: جزاؤهم على مكرهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتة. ه. وقال الورتجبي: حقيقة المكر: امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة، فإذا كان كذلك من ينجو من مكره، والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القدم، فمكره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت: ومعنى كلامه: أن مكر الله في الجملة: هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجو أحد من مكره إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك: العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل: العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أي: لا يسكن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وقال القشيري - على قوله: { فتلك بيوتهم خاوية... } ، في الخبر:
" لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلط الله عليه الخراب "
ه. قلت: فكل من اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه... }
النمل 27:54
قلت: ولوط: عطف على صالحا داخل معه في القسم، أي: ولقد أرسلنا صالحا ولوطا. وإذ قال: ظرف للإرسال، أو: منصوب باذكر، وإذ قال: بدل من لوط. يقول الحق جل جلاله: { و } لقد أرسلنا { لوطا } ، أو: واذكر لوطا { إذ قال لقومه } أي: وقت قوله لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: الفعلة المتناهية في الفحش والسماجة، { وأنتم تبصرون } أي: الحالة أنكم تعلمون علما يقينيا أنها فاحشة، لم تسبقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار، فإن تعاطي القبيح من العالم بقبحه أقبح وأشنع، ولذلك ورد في الخبر:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ".
وقال الفخر: لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم، وحين صدورها منه هو جاهل لأنه رجح المرجوح وترجيح المرجوح جهل، ولذلك قال: { بل أنتم قوم تجهلون }. ه. وفي الحديث:
" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "
إذ لو صدق بإطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى، لكنه جهل ذلك. و { تبصرون } ، من: بصر القلب. وقيل: يبصر بعضكم بعضا لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم، معلنين بها، لا يستتر بعضهم من بعض، مجانة وانهماكا في المعصية، أو: تبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم. { أئنكم لتأتون الرجال شهوة } أي: للشهوة { من دون النساء } أي: إن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر، ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادة لله تعالى في حكمته، فلذلك كانت أشنع المعاصي، { بل أنتم قوم تجهلون } تفعلون فعل الجاهلين بقبحها، أو: تجهلون العاقبة. أو: بمعنى السفاهة والمجون، أي: بل أنتم سفهاء ماجنون. والتاء فيه - مع كونه صفة لقوم لكونهم في حيز الخطاب. وكذا قوله:
بل أنتم قوم تفتنون
[النمل: 47]، غلب الخطاب على الغيبة. قال ابن عرفة: " بل " للانتقال، والانتقال في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وتقرير الأشدية هنا: أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة تنقضي بانقضاء ذلك الفعل والثاني راجع للقوة العلمية وهي دائمة لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم. ه. { فما كان جواب قومه } حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى الله، { إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط } أي: لوطا ومتبعيه { من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } يتنزهون عن أفعالنا، أو: عن القاذورات، ويعدون فعلنا قذرا. وعن ابن عباس: إنه استهزاء، كقوله:
إنك لأنت الحليم الرشيد
[هود: 87]. { فأنجيناه }: فخلصناه من العذاب الواقع بالقوم، { وأهله إلا امرأته قدرناها } بالتشديد والتخفيف، أي: قدرنا أنها { من الغابرين } الباقين في العذاب. { وأمطرنا عليهم مطرا } غير معهود حجارة مكتوب عليها اسم صاحبها، { فساء }: قبح { مطر المنذرين } الذين لم يقبلوا الإنذار.
وقد مر كيفية ما جرى بهم غير مرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أنكر لوط على قومه إلا غلبة الشهوة على قلوبهم، والانهماك في غفلتهم، فرجعت إلى معصية القلوب، وهي أشد من معصية الجوارح لأن معصية الجوارح إذا صحبتها التوبة والانكسار، عادت طاعة، بخلاف معصية القلوب فإنها تنطمس بها أنوار الغيوب، فلا يزيد صاحبها إلا البعد والطرد. والعياذ بالله. ثم أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتحميد، ثم السلام على عباده المرسلين توطئة لما يتلوه من دلالة على وحدانيته تعالى وقدرته على كل شيء، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال، بأن يبتدئ في خطبته بحمد الله والثناء على رسله، فقال: { قل الحمد لله وسلام... }
النمل 27:55
قلت: ولوط: عطف على صالحا داخل معه في القسم، أي: ولقد أرسلنا صالحا ولوطا. وإذ قال: ظرف للإرسال، أو: منصوب باذكر، وإذ قال: بدل من لوط. يقول الحق جل جلاله: { و } لقد أرسلنا { لوطا } ، أو: واذكر لوطا { إذ قال لقومه } أي: وقت قوله لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: الفعلة المتناهية في الفحش والسماجة، { وأنتم تبصرون } أي: الحالة أنكم تعلمون علما يقينيا أنها فاحشة، لم تسبقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار، فإن تعاطي القبيح من العالم بقبحه أقبح وأشنع، ولذلك ورد في الخبر:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ".
وقال الفخر: لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم، وحين صدورها منه هو جاهل لأنه رجح المرجوح وترجيح المرجوح جهل، ولذلك قال: { بل أنتم قوم تجهلون }. ه. وفي الحديث:
" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "
إذ لو صدق بإطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى، لكنه جهل ذلك. و { تبصرون } ، من: بصر القلب. وقيل: يبصر بعضكم بعضا لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم، معلنين بها، لا يستتر بعضهم من بعض، مجانة وانهماكا في المعصية، أو: تبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم. { أئنكم لتأتون الرجال شهوة } أي: للشهوة { من دون النساء } أي: إن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر، ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادة لله تعالى في حكمته، فلذلك كانت أشنع المعاصي، { بل أنتم قوم تجهلون } تفعلون فعل الجاهلين بقبحها، أو: تجهلون العاقبة. أو: بمعنى السفاهة والمجون، أي: بل أنتم سفهاء ماجنون. والتاء فيه - مع كونه صفة لقوم لكونهم في حيز الخطاب. وكذا قوله:
بل أنتم قوم تفتنون
[النمل: 47]، غلب الخطاب على الغيبة. قال ابن عرفة: " بل " للانتقال، والانتقال في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وتقرير الأشدية هنا: أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة تنقضي بانقضاء ذلك الفعل والثاني راجع للقوة العلمية وهي دائمة لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم. ه. { فما كان جواب قومه } حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى الله، { إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط } أي: لوطا ومتبعيه { من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } يتنزهون عن أفعالنا، أو: عن القاذورات، ويعدون فعلنا قذرا. وعن ابن عباس: إنه استهزاء، كقوله:
إنك لأنت الحليم الرشيد
[هود: 87]. { فأنجيناه }: فخلصناه من العذاب الواقع بالقوم، { وأهله إلا امرأته قدرناها } بالتشديد والتخفيف، أي: قدرنا أنها { من الغابرين } الباقين في العذاب. { وأمطرنا عليهم مطرا } غير معهود حجارة مكتوب عليها اسم صاحبها، { فساء }: قبح { مطر المنذرين } الذين لم يقبلوا الإنذار.
وقد مر كيفية ما جرى بهم غير مرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أنكر لوط على قومه إلا غلبة الشهوة على قلوبهم، والانهماك في غفلتهم، فرجعت إلى معصية القلوب، وهي أشد من معصية الجوارح لأن معصية الجوارح إذا صحبتها التوبة والانكسار، عادت طاعة، بخلاف معصية القلوب فإنها تنطمس بها أنوار الغيوب، فلا يزيد صاحبها إلا البعد والطرد. والعياذ بالله. ثم أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتحميد، ثم السلام على عباده المرسلين توطئة لما يتلوه من دلالة على وحدانيته تعالى وقدرته على كل شيء، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال، بأن يبتدئ في خطبته بحمد الله والثناء على رسله، فقال: { قل الحمد لله وسلام... }
النمل 27:56
قلت: ولوط: عطف على صالحا داخل معه في القسم، أي: ولقد أرسلنا صالحا ولوطا. وإذ قال: ظرف للإرسال، أو: منصوب باذكر، وإذ قال: بدل من لوط. يقول الحق جل جلاله: { و } لقد أرسلنا { لوطا } ، أو: واذكر لوطا { إذ قال لقومه } أي: وقت قوله لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: الفعلة المتناهية في الفحش والسماجة، { وأنتم تبصرون } أي: الحالة أنكم تعلمون علما يقينيا أنها فاحشة، لم تسبقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار، فإن تعاطي القبيح من العالم بقبحه أقبح وأشنع، ولذلك ورد في الخبر:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ".
وقال الفخر: لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم، وحين صدورها منه هو جاهل لأنه رجح المرجوح وترجيح المرجوح جهل، ولذلك قال: { بل أنتم قوم تجهلون }. ه. وفي الحديث:
" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "
إذ لو صدق بإطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى، لكنه جهل ذلك. و { تبصرون } ، من: بصر القلب. وقيل: يبصر بعضكم بعضا لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم، معلنين بها، لا يستتر بعضهم من بعض، مجانة وانهماكا في المعصية، أو: تبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم. { أئنكم لتأتون الرجال شهوة } أي: للشهوة { من دون النساء } أي: إن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر، ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادة لله تعالى في حكمته، فلذلك كانت أشنع المعاصي، { بل أنتم قوم تجهلون } تفعلون فعل الجاهلين بقبحها، أو: تجهلون العاقبة. أو: بمعنى السفاهة والمجون، أي: بل أنتم سفهاء ماجنون. والتاء فيه - مع كونه صفة لقوم لكونهم في حيز الخطاب. وكذا قوله:
بل أنتم قوم تفتنون
[النمل: 47]، غلب الخطاب على الغيبة. قال ابن عرفة: " بل " للانتقال، والانتقال في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وتقرير الأشدية هنا: أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة تنقضي بانقضاء ذلك الفعل والثاني راجع للقوة العلمية وهي دائمة لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم. ه. { فما كان جواب قومه } حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى الله، { إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط } أي: لوطا ومتبعيه { من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } يتنزهون عن أفعالنا، أو: عن القاذورات، ويعدون فعلنا قذرا. وعن ابن عباس: إنه استهزاء، كقوله:
إنك لأنت الحليم الرشيد
[هود: 87]. { فأنجيناه }: فخلصناه من العذاب الواقع بالقوم، { وأهله إلا امرأته قدرناها } بالتشديد والتخفيف، أي: قدرنا أنها { من الغابرين } الباقين في العذاب. { وأمطرنا عليهم مطرا } غير معهود حجارة مكتوب عليها اسم صاحبها، { فساء }: قبح { مطر المنذرين } الذين لم يقبلوا الإنذار.
وقد مر كيفية ما جرى بهم غير مرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أنكر لوط على قومه إلا غلبة الشهوة على قلوبهم، والانهماك في غفلتهم، فرجعت إلى معصية القلوب، وهي أشد من معصية الجوارح لأن معصية الجوارح إذا صحبتها التوبة والانكسار، عادت طاعة، بخلاف معصية القلوب فإنها تنطمس بها أنوار الغيوب، فلا يزيد صاحبها إلا البعد والطرد. والعياذ بالله. ثم أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتحميد، ثم السلام على عباده المرسلين توطئة لما يتلوه من دلالة على وحدانيته تعالى وقدرته على كل شيء، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال، بأن يبتدئ في خطبته بحمد الله والثناء على رسله، فقال: { قل الحمد لله وسلام... }
النمل 27:57
قلت: ولوط: عطف على صالحا داخل معه في القسم، أي: ولقد أرسلنا صالحا ولوطا. وإذ قال: ظرف للإرسال، أو: منصوب باذكر، وإذ قال: بدل من لوط. يقول الحق جل جلاله: { و } لقد أرسلنا { لوطا } ، أو: واذكر لوطا { إذ قال لقومه } أي: وقت قوله لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: الفعلة المتناهية في الفحش والسماجة، { وأنتم تبصرون } أي: الحالة أنكم تعلمون علما يقينيا أنها فاحشة، لم تسبقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار، فإن تعاطي القبيح من العالم بقبحه أقبح وأشنع، ولذلك ورد في الخبر:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ".
وقال الفخر: لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم، وحين صدورها منه هو جاهل لأنه رجح المرجوح وترجيح المرجوح جهل، ولذلك قال: { بل أنتم قوم تجهلون }. ه. وفي الحديث:
" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "
إذ لو صدق بإطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى، لكنه جهل ذلك. و { تبصرون } ، من: بصر القلب. وقيل: يبصر بعضكم بعضا لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم، معلنين بها، لا يستتر بعضهم من بعض، مجانة وانهماكا في المعصية، أو: تبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم. { أئنكم لتأتون الرجال شهوة } أي: للشهوة { من دون النساء } أي: إن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر، ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادة لله تعالى في حكمته، فلذلك كانت أشنع المعاصي، { بل أنتم قوم تجهلون } تفعلون فعل الجاهلين بقبحها، أو: تجهلون العاقبة. أو: بمعنى السفاهة والمجون، أي: بل أنتم سفهاء ماجنون. والتاء فيه - مع كونه صفة لقوم لكونهم في حيز الخطاب. وكذا قوله:
بل أنتم قوم تفتنون
[النمل: 47]، غلب الخطاب على الغيبة. قال ابن عرفة: " بل " للانتقال، والانتقال في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وتقرير الأشدية هنا: أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة تنقضي بانقضاء ذلك الفعل والثاني راجع للقوة العلمية وهي دائمة لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم. ه. { فما كان جواب قومه } حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى الله، { إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط } أي: لوطا ومتبعيه { من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } يتنزهون عن أفعالنا، أو: عن القاذورات، ويعدون فعلنا قذرا. وعن ابن عباس: إنه استهزاء، كقوله:
إنك لأنت الحليم الرشيد
[هود: 87]. { فأنجيناه }: فخلصناه من العذاب الواقع بالقوم، { وأهله إلا امرأته قدرناها } بالتشديد والتخفيف، أي: قدرنا أنها { من الغابرين } الباقين في العذاب. { وأمطرنا عليهم مطرا } غير معهود حجارة مكتوب عليها اسم صاحبها، { فساء }: قبح { مطر المنذرين } الذين لم يقبلوا الإنذار.
وقد مر كيفية ما جرى بهم غير مرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أنكر لوط على قومه إلا غلبة الشهوة على قلوبهم، والانهماك في غفلتهم، فرجعت إلى معصية القلوب، وهي أشد من معصية الجوارح لأن معصية الجوارح إذا صحبتها التوبة والانكسار، عادت طاعة، بخلاف معصية القلوب فإنها تنطمس بها أنوار الغيوب، فلا يزيد صاحبها إلا البعد والطرد. والعياذ بالله. ثم أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتحميد، ثم السلام على عباده المرسلين توطئة لما يتلوه من دلالة على وحدانيته تعالى وقدرته على كل شيء، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال، بأن يبتدئ في خطبته بحمد الله والثناء على رسله، فقال: { قل الحمد لله وسلام... }
النمل 27:58
قلت: ولوط: عطف على صالحا داخل معه في القسم، أي: ولقد أرسلنا صالحا ولوطا. وإذ قال: ظرف للإرسال، أو: منصوب باذكر، وإذ قال: بدل من لوط. يقول الحق جل جلاله: { و } لقد أرسلنا { لوطا } ، أو: واذكر لوطا { إذ قال لقومه } أي: وقت قوله لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: الفعلة المتناهية في الفحش والسماجة، { وأنتم تبصرون } أي: الحالة أنكم تعلمون علما يقينيا أنها فاحشة، لم تسبقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار، فإن تعاطي القبيح من العالم بقبحه أقبح وأشنع، ولذلك ورد في الخبر:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ".
وقال الفخر: لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم، وحين صدورها منه هو جاهل لأنه رجح المرجوح وترجيح المرجوح جهل، ولذلك قال: { بل أنتم قوم تجهلون }. ه. وفي الحديث:
" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "
إذ لو صدق بإطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى، لكنه جهل ذلك. و { تبصرون } ، من: بصر القلب. وقيل: يبصر بعضكم بعضا لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم، معلنين بها، لا يستتر بعضهم من بعض، مجانة وانهماكا في المعصية، أو: تبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم. { أئنكم لتأتون الرجال شهوة } أي: للشهوة { من دون النساء } أي: إن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر، ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادة لله تعالى في حكمته، فلذلك كانت أشنع المعاصي، { بل أنتم قوم تجهلون } تفعلون فعل الجاهلين بقبحها، أو: تجهلون العاقبة. أو: بمعنى السفاهة والمجون، أي: بل أنتم سفهاء ماجنون. والتاء فيه - مع كونه صفة لقوم لكونهم في حيز الخطاب. وكذا قوله:
بل أنتم قوم تفتنون
[النمل: 47]، غلب الخطاب على الغيبة. قال ابن عرفة: " بل " للانتقال، والانتقال في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وتقرير الأشدية هنا: أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة تنقضي بانقضاء ذلك الفعل والثاني راجع للقوة العلمية وهي دائمة لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم. ه. { فما كان جواب قومه } حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى الله، { إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط } أي: لوطا ومتبعيه { من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } يتنزهون عن أفعالنا، أو: عن القاذورات، ويعدون فعلنا قذرا. وعن ابن عباس: إنه استهزاء، كقوله:
إنك لأنت الحليم الرشيد
[هود: 87]. { فأنجيناه }: فخلصناه من العذاب الواقع بالقوم، { وأهله إلا امرأته قدرناها } بالتشديد والتخفيف، أي: قدرنا أنها { من الغابرين } الباقين في العذاب. { وأمطرنا عليهم مطرا } غير معهود حجارة مكتوب عليها اسم صاحبها، { فساء }: قبح { مطر المنذرين } الذين لم يقبلوا الإنذار.
وقد مر كيفية ما جرى بهم غير مرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أنكر لوط على قومه إلا غلبة الشهوة على قلوبهم، والانهماك في غفلتهم، فرجعت إلى معصية القلوب، وهي أشد من معصية الجوارح لأن معصية الجوارح إذا صحبتها التوبة والانكسار، عادت طاعة، بخلاف معصية القلوب فإنها تنطمس بها أنوار الغيوب، فلا يزيد صاحبها إلا البعد والطرد. والعياذ بالله. ثم أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتحميد، ثم السلام على عباده المرسلين توطئة لما يتلوه من دلالة على وحدانيته تعالى وقدرته على كل شيء، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال، بأن يبتدئ في خطبته بحمد الله والثناء على رسله، فقال: { قل الحمد لله وسلام... }
النمل 27:59
يقول الحق جل جلاله: لنبيه - عليه الصلاة والسلام-: { قل الحمد لله } على ما أنعم به عليك من فنون النعم، ومن جملتها: اطلاعك على أسرار علم غيوبه، { وسلام على عباده الذين اصطفى } لرسالته. وقال ابن عباس وسفيان: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، اصطفاهم بصحبته - عليه الصلاة والسلام - وقال الكلبي: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته. ثم قل لهم إلزاما للحجة: { الله خير أما تشركون } أي: آلله الذي ذكرت شؤونه العظيمة خير، أم ما تشركونه معه تعالى من الأصنام؟ ومرجع الترديد إلى التعرض بتبكيت الكفرة، وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذ من البين أن ليس فيما أشركوه به تعالى شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من لا خير إلا خيره، ولا إله غيره. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بل الله خير، وأبقى، وأجل، وأكرم ".
ثم عدد سبحانه الخيرات والمنافع، الدالة على انفراده بالخيرية، فقال: { أمن خلق السماوات والأرض } ، " أم " هنا: منقطعة، بخلاف { أما تشكرون } أي: بل أمن خلق العالم العلوي والسفلي، وأفاض من كل واحد ما يليق به من الخيرات، خير، أم جماد لا يقدر على شيء؟ فمن: مبتدأ، وخبرها: محذوف مع " أم " المعادلة للهمزة، كما قررنا. { وأنزل لكم من السماء ماء }. مطرا { فأنبتنا } ، التفت من الغيبة إلى التكلم تأكيدا لمعنى اختصاص الفعل به تعالى، وإيذانا بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان، والطعوم والأشكال، مع بهجتها، بماء واحد، لا يقدر عليه غيره، أي: فأخرجنا { به حدائق }: بساتين، فالحديقة: بستان عليه حائط، من: الإحداق، وهو الإحاطة، { ذات بهجة } أي: ذات حسن ورونق، تبتهج به النظار، ولم يقل: ذوات: لأن المعنى: جماعة حدائق، كما تقول: النساء ذهبت. { ما كان لكم } ما صح وما أمكن لكم { أن تنبتوا شجرها } فضلا عن ثمارها وسائر صفاتها البديعة المبهجة، { أإله مع الله }؟ أي: أإله كائن مع الله، الذي ذكرت أفعاله، التي لا يقدر عليها غيره، حتى يتوهم جعله شريكا له تعالى في العبادة؟ أو: أإله مع الله يفعل ذلك؟ { بل هم قوم يعدلون }: بل هم قوم عادتهم العدول عن طريق الحق بالكلية، والانحراف عن الاستقامة في كل أمر من الأمور، فلذلك يفعلون ما يفعلون من الإشراك والجرائم، أو: يعدلون به غيره فيشركونه معه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قل الحمد لله، الذي كشف الحجب عن قلوب أوليائه، وسلام على عباده الذين اصطفاهم لحضرته، آلله خير، أي: أشهود الله وحده في الوجود خير، أم شهود الغير معه؟، فتشركون في توحيدكم. أمن خلق سموات أرواحكم، وهيأها لشهود الربوبية، وخلق أرض نفوسكم، وهيأها لآداب العبودية، وأنزل لكم من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية، فأنبتنا به في قلوب العارفين بساتين المعرفة، ذات بهجة ونزهة؟ ما كان لكم، وفي طوقكم، أن تنبتوا في قلوبكم شجر المعرفة، ولا ثمار المحبة، أإله مع الله يمن عليكم بذلك؟. بل هم قوم يعدلون عن طريق الوصول إلى هذه البساتين البهية لأنها محفوفة بالمكاره النفسية، لا يقدر على سلوكها إلا الشجعان، أهل الهمم العلية. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعا آخر من دلائل توحيده، فقال: { أمن جعل الأرض قرارا... }
النمل 27:60
يقول الحق جل جلاله: لنبيه - عليه الصلاة والسلام-: { قل الحمد لله } على ما أنعم به عليك من فنون النعم، ومن جملتها: اطلاعك على أسرار علم غيوبه، { وسلام على عباده الذين اصطفى } لرسالته. وقال ابن عباس وسفيان: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، اصطفاهم بصحبته - عليه الصلاة والسلام - وقال الكلبي: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته. ثم قل لهم إلزاما للحجة: { الله خير أما تشركون } أي: آلله الذي ذكرت شؤونه العظيمة خير، أم ما تشركونه معه تعالى من الأصنام؟ ومرجع الترديد إلى التعرض بتبكيت الكفرة، وتسفيه آرائهم الركيكة، والتهكم بهم، إذ من البين أن ليس فيما أشركوه به تعالى شائبة خير، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من لا خير إلا خيره، ولا إله غيره. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بل الله خير، وأبقى، وأجل، وأكرم ".
ثم عدد سبحانه الخيرات والمنافع، الدالة على انفراده بالخيرية، فقال: { أمن خلق السماوات والأرض } ، " أم " هنا: منقطعة، بخلاف { أما تشكرون } أي: بل أمن خلق العالم العلوي والسفلي، وأفاض من كل واحد ما يليق به من الخيرات، خير، أم جماد لا يقدر على شيء؟ فمن: مبتدأ، وخبرها: محذوف مع " أم " المعادلة للهمزة، كما قررنا. { وأنزل لكم من السماء ماء }. مطرا { فأنبتنا } ، التفت من الغيبة إلى التكلم تأكيدا لمعنى اختصاص الفعل به تعالى، وإيذانا بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان، والطعوم والأشكال، مع بهجتها، بماء واحد، لا يقدر عليه غيره، أي: فأخرجنا { به حدائق }: بساتين، فالحديقة: بستان عليه حائط، من: الإحداق، وهو الإحاطة، { ذات بهجة } أي: ذات حسن ورونق، تبتهج به النظار، ولم يقل: ذوات: لأن المعنى: جماعة حدائق، كما تقول: النساء ذهبت. { ما كان لكم } ما صح وما أمكن لكم { أن تنبتوا شجرها } فضلا عن ثمارها وسائر صفاتها البديعة المبهجة، { أإله مع الله }؟ أي: أإله كائن مع الله، الذي ذكرت أفعاله، التي لا يقدر عليها غيره، حتى يتوهم جعله شريكا له تعالى في العبادة؟ أو: أإله مع الله يفعل ذلك؟ { بل هم قوم يعدلون }: بل هم قوم عادتهم العدول عن طريق الحق بالكلية، والانحراف عن الاستقامة في كل أمر من الأمور، فلذلك يفعلون ما يفعلون من الإشراك والجرائم، أو: يعدلون به غيره فيشركونه معه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قل الحمد لله، الذي كشف الحجب عن قلوب أوليائه، وسلام على عباده الذين اصطفاهم لحضرته، آلله خير، أي: أشهود الله وحده في الوجود خير، أم شهود الغير معه؟، فتشركون في توحيدكم. أمن خلق سموات أرواحكم، وهيأها لشهود الربوبية، وخلق أرض نفوسكم، وهيأها لآداب العبودية، وأنزل لكم من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية، فأنبتنا به في قلوب العارفين بساتين المعرفة، ذات بهجة ونزهة؟ ما كان لكم، وفي طوقكم، أن تنبتوا في قلوبكم شجر المعرفة، ولا ثمار المحبة، أإله مع الله يمن عليكم بذلك؟. بل هم قوم يعدلون عن طريق الوصول إلى هذه البساتين البهية لأنها محفوفة بالمكاره النفسية، لا يقدر على سلوكها إلا الشجعان، أهل الهمم العلية. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعا آخر من دلائل توحيده، فقال: { أمن جعل الأرض قرارا... }
النمل 27:61
يقول الحق جل جلاله: { أمن جعل الأرض قرارا } أي: قارة ثابتة، ليستقر عليها الإنسان والدواب، بإظهار بعضها من الماء، ودحوها وتسويتها، حسبما يدور عليه منافعهم. { وجعل خلالها } أواسطها { أنهارا } جارية ينتفعون بها، { وجعل لها رواسي } أي: جبالا ثوابت، تمنعها أن تميد بأهلها، ولتتكون فيها المعادن، وينبع من حضيضها المنابع. { وجعل بين البحرين } أي: العذب والمالح، أو: خليجي فارس والروم حاجزا برزخا مانعا من المعارجة والمخالطة، { أإله مع الله } في الوجود، أو: في إبداع هذه البدائع؟ { بل أكثرهم لا يعلمون } شيئا من الأشياء، ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره. الإشارة: أم من جعل أرض النفوس قرارا، لتستقر عليها أحكام العبودية، وتتصرف فيها أقدار الربوبية، وجعل خلالها أنهارا من علوم الشرائع، وما يتعلق بعالم الحكمة من الحكم والأحكام، وجعل لها جبالا من العقل لتعرف صانعها ومدبرها، وجعل بين بحر الحقيقة والشريعة حاجزا وبرزخا، وهو نور العقل؟ فما دام العقل صاحيا ميز بين الحقيقة والشريعة، فيلزمه التكليف، ويعطي كل ذي حق حقه. فإذا سكر وغاب نوره سقط التكليف. وقد تشرق على نور قمر العقل شمس العرفان، فتغطيه مع وجود صحوه، فيميز بين الحقائق والشرائع، وتكون عبادته أدبا وشكرا. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعا آخر، فقال: { أمن يجيب المضطر إذا دعاه... }
النمل 27:62
قلت: الاضطرار: الافتعال من الضرورة، وهي الحاجة المحوجة إلى اللجأ، يقال: اضطره إلى كذا، واسم الفاعل والمفعول: مضطر، ويختلف التقدير. يقول الحق جل جلاله: { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ، وهو من نزلت به شدة من شدائد الزمان، ألجأته إلى الدعاء والتضرع، كمرض، أو فقر، أو نازلة من نوازل الدهر ونوائبه، أو: المذنب إذا استغفر مبتهلا، أو: المظلوم إذا دعا، أو: من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة يرجو بها القبول غير التوحيد، وهو منه على خطر، فهذه أنواع المضطر. وإجابة دعوته مقيدة بالحديث:
" الداعي على ثلاث مراتب، إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما يدفع عنه من السوء مثله "
وأيضا: إذا حصل الاضطرار الحقيقي حصلت الإجابة قطعا، إما بعين المطلوب، أو بما هو أتم منه، وهو الرضا والتأييد. { ويكشف السوء } وهو الذي يعتري الإنسان مما يسؤوه، كضرر أو جور، { ويجعلكم خلفاء الأرض } أي: خلفاء فيها، تتصرفون فيها كيف شئتم، بالسكنى وغيره، وراثة عمن كان قبلكم من الأمم، قرنا بعد قرن: أو: أو أراد بالخلافة الملك والتسلط. { أإله مع الله } الذي يفيض على الخلق هذه النعام الجسام، يمكن أن يعطيكم مثلها؟ { قليلا ما تذكرون } أي: تذكرا قليلا، أو: زمانا قليلا تتذكرون فيه. و " ما ": مزيدة، لتأكيد معنى القلة، التي أريد بها العدم، أو: ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى. وتذييل الكلام بنفي عدم التذكر منهم إيذان بأن وجود التذكر مركوز في ذهن كل ذكي، وأنه من الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه وتذكره. والله تعالى أعلم. الإشارة: الاضطرار الحقيقي الذي لا تتخلف الإجابة عنه في الغالب: وهو أن يكون العبد في حال شدته كالغريق في البحر وحده، لا يرى لغياثه غير سيده. و قال ذو النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله. وقال سهل بن عبد الله: هو الذي رفع يديه إلى الله تعالى داعيا، ولم تكن له وسيلة من طاعة قدمها. ه. بل يقدم إساءته بين يديه، ليكون دعاؤه بلا شيء يستحق عليه الإجابة، إلا من محض الكرم. قال القشيري: يقال للجناية: سراية، فمن كان في الجناية مختارا، فليس يسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جرمه الذي سلف، وهو في ذلك مختار، فأكثر الناس أنهم مضطرون، وذلك الاضطرار سراية ما برز منهم في حال اختيارهم، وما دام العبد يتوهم من نفسه شيئا من الحول والحيل، ويرى لنفسه شيئا من الأسباب يعتمد عليه، ويستند إليه، فليس بمضطر، إلا أن يرى نفسه كالغريق في البحر، والضال في المتاهة. والمضطر يرى غياثه بيد سيده، وزمامه في قبضته، كالميت في يد غاسله، ولا يرى لنفسه استحقاقا في أن يجاب، بل اعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط، ولا يقرأ اسمه في ديوان السعادة، ولا ينبغي للمضطر أن يستعين بأحد في أن يدعو له لأن الله وعد الإجابة له لا من يدعو له.
ه. وبحث معه المحشي الفاسي في بعض ألفاظه، فانظره. قوله تعالى: { ويكشف السوء }: أي: ما يسوء القلب وبحجبه عن مولاه، من أكدار وأغيار، وقوله: { ويجعلكم خلفاء الأرض } أي: تتصرفون في الوجود بأسره، بهمتكم، إن زال غم الحجاب عنكم، وشاهدتم ربكم بعين بصيرتكم وبصركم لأن نور البصيرة إذا استولى على البصر، بعد فتح البصيرة، غطى نوره، فلا يرى البصر إلا ما تراه البصيرة من أسرار الذات الأزلية القديمة. فمن بلغ هذا المقام كان خليفة الله في أرضه، يملكه الوجود بأسره وما ذلك على الله بعزيز. ثم ذكر نوعا آخر من دلائل توحيده، فقال: { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر... }
النمل 27:63
يقول الحق جل جلاله: { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر } ليلا، وبعلامات في الأرض نهارا؟ أو: أمن يهديكم إلى سلوك الطريق التي توصلكم إلى مقصدكم، وأنتم في ظلمات الليل، سواء كنتم في البر أو البحر؟ فلا هادي إلى ذلك إلا الله تعالى. { ومن يرسل الرياح } ، أو بالإفراد. { نشرا } بالنون - أي: تنشر السحاب إلى الموضع الذي أمر الله بإنزال المطر فيه، أو { بشرا } - بالباء - أي مبشرة بالمطر { بين يدي رحمته } قدام المطر علامة عليه، { أإله مع الله } يفعل ذلك؟ { تعالى الله عما يشركون }. وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإشعار بعلية الحكم، أي: تعالى الله وتنزه بذاته المنفردة بالألوهية، المقتضية لكون كل المخلوقات مقهورا تحت قدرته، عن وجود ما يشركونه به تعالى. الإشارة: أمن يهديكم إلى حل ما أشكل عليكم، وأظلمت منه قلوبكم، من علم بر الشرائع. وبحر الحقائق، فيهديكم في الأول إلى كشف الحق والصواب وفي الثاني إلى كشف الغطاء ورفع الحجاب، أو: في الأول إلى علم البيان، وفي الثاني إلى عين العيان بالذوق والوجدان. أو: في الأول إلى علم اليقين، وفي الثاني إلى عين اليقين وحق اليقين. ومن يرسل رياح الواردات الإلهية، بشارة بين يدي رحمته بالوصول إلى حضرته، وهو التوحيد الخاص. ولذلك ختمه بقوله: { تعالى الله عما يشركون } من رؤية وجود السوى. ثم ذكر نوعا آخر، فقال: { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده... }
النمل 27:64
قلت: " من ": إما فاعل بيعلم، و " الغيب ": بدل منه، و " الله ": مفعول، و " إلا الله ": بدل على لغة تميم، أي: إبدال المنقطع، وإما مفعول بيعلم، و " الغيب " بدل منه والله: فاعل، والاستثناء: مفرغ. يقول الحق جل جلاله: { أمن يبدأ الخلق } أي: ينشىء الخلق { ثم يعيده } بعد الموت بالبعث. وإنما قيل لهم: { ثم يعيده } وهم منكرون للإعادة لأنهم أزيحت شبهتهم بالتمكن من المعرفة، والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار. { ومن يرزقكم من السماء } بالمطر { والأرض } أي: ومن الأرض بالنبات، أي: يرزقكم بأسباب سماوية وأرضية، قد رتبها على ترتيب بديع، تقضيه الحكمة التي عليها بني أمر التكوين، { أإله مع الله } يفعل ذلك؟ { قل هاتوا برهانكم } أي: حجتكم، عقلية أو نقلية، على إشراككم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم أن مع الله إلها آخر. { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } ، بعد ما حقق سبحانه انفراده بالألوهية، ببيان اختصاصه بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة عقب بذكر ما هو من لوازمه وهو اختصاصه بعلم الغيب، تكميلا لما قبله، وتمهيدا لما بعده من أمر البعث. قالت عائشة - رضي الله عنها -: من زعم أنه يعلم ما في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } . دخل على الحجاج منجم فأخذ الحجاج حصيات، قد عدها فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب، ثم اغتفله الحجاج، فأخذ حصيات لم يعدها، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك، فقال: ما الفرق بينهما؟ فقال: إن ذلك أحصيته فخرج من حد الغيب فحسبت فأصبت وإن هذا لم تعرف عدته، فصار غيبا، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. ومن جملة الغيب: قيام الساعة، ولذلك قال: { وما يشعرون أيان يبعثون } أي: متى ينتشرون من القبور، مع كونه مما لا بد لهم منه، ومن أهل الأمور عندهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرزق ثلاثة: رزق الأشباح، ورزق القلوب، ورزق الأرواح، فرزق الأشباح معلوم، ورزق القلوب: اليقين والطمأنينة، ورزق الأرواح: المشاهدة والمكالمة. قل من يرزق قلوبكم وأرواحكم من سماء غيب القدرة وأرض الحكمة؟ فلا رازق سواه، ولا برهان على وجود ما سواه، ولا يعلم الغيب إلا الله. أو: من كان وجوده بالله قد غاب في نور الله، فشهد الغيب بالله. والله تعالى أعلم. ولما نفى عنه علم الغيب، والشعور بمآلهم، أضرب عنه، وبين أن ما تناهى فيه أسباب العلم به، وهو مجيء يوم القيامة، لم يحصل لهم به يقين، فضلا عن غيره، فقال: { بل ادارك علمهم في الآخرة... }
النمل 27:65
قلت: " من ": إما فاعل بيعلم، و " الغيب ": بدل منه، و " الله ": مفعول، و " إلا الله ": بدل على لغة تميم، أي: إبدال المنقطع، وإما مفعول بيعلم، و " الغيب " بدل منه والله: فاعل، والاستثناء: مفرغ. يقول الحق جل جلاله: { أمن يبدأ الخلق } أي: ينشىء الخلق { ثم يعيده } بعد الموت بالبعث. وإنما قيل لهم: { ثم يعيده } وهم منكرون للإعادة لأنهم أزيحت شبهتهم بالتمكن من المعرفة، والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار. { ومن يرزقكم من السماء } بالمطر { والأرض } أي: ومن الأرض بالنبات، أي: يرزقكم بأسباب سماوية وأرضية، قد رتبها على ترتيب بديع، تقضيه الحكمة التي عليها بني أمر التكوين، { أإله مع الله } يفعل ذلك؟ { قل هاتوا برهانكم } أي: حجتكم، عقلية أو نقلية، على إشراككم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم أن مع الله إلها آخر. { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } ، بعد ما حقق سبحانه انفراده بالألوهية، ببيان اختصاصه بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة عقب بذكر ما هو من لوازمه وهو اختصاصه بعلم الغيب، تكميلا لما قبله، وتمهيدا لما بعده من أمر البعث. قالت عائشة - رضي الله عنها -: من زعم أنه يعلم ما في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } . دخل على الحجاج منجم فأخذ الحجاج حصيات، قد عدها فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب، ثم اغتفله الحجاج، فأخذ حصيات لم يعدها، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك، فقال: ما الفرق بينهما؟ فقال: إن ذلك أحصيته فخرج من حد الغيب فحسبت فأصبت وإن هذا لم تعرف عدته، فصار غيبا، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. ومن جملة الغيب: قيام الساعة، ولذلك قال: { وما يشعرون أيان يبعثون } أي: متى ينتشرون من القبور، مع كونه مما لا بد لهم منه، ومن أهل الأمور عندهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرزق ثلاثة: رزق الأشباح، ورزق القلوب، ورزق الأرواح، فرزق الأشباح معلوم، ورزق القلوب: اليقين والطمأنينة، ورزق الأرواح: المشاهدة والمكالمة. قل من يرزق قلوبكم وأرواحكم من سماء غيب القدرة وأرض الحكمة؟ فلا رازق سواه، ولا برهان على وجود ما سواه، ولا يعلم الغيب إلا الله. أو: من كان وجوده بالله قد غاب في نور الله، فشهد الغيب بالله. والله تعالى أعلم. ولما نفى عنه علم الغيب، والشعور بمآلهم، أضرب عنه، وبين أن ما تناهى فيه أسباب العلم به، وهو مجيء يوم القيامة، لم يحصل لهم به يقين، فضلا عن غيره، فقال: { بل ادارك علمهم في الآخرة... }
النمل 27:66
قلت: قرأ الجمهور: " ادارك " بالمد، وأصله: تدارك، فأدغمت التاء في الدال، ودخلت همزة وصل. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: " ادرك " ، وأصله: افتعل، بمعنى تفاعل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " أدرك " أفعل. يقول الحق جل جلاله: { بل ادارك } أي: تدارك وتناهى وتتابع أسباب { علمهم في الآخرة } أي: بالآخرة، أو: في شأنها، بما ذكرنا لهم من البراهين القطعية، والحجج العقلية، على كمال قدرتنا. ومع ذلك لم يحصل لهم بها يقين، { بل هم في شك منها } ، والمعنى: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته بما تتابع لهم من الدلائل. زمع ذلك لم يحصل لهم شيء من علمها، بل شكوا. أو: أدرك علمهم، بمعنى: يدركهم في الآخرة حين يرون الأمر عيانا، ولا ينفعهم ذلك. قاله ابن عباس وغيره. { بل هم } اليوم { في شك منها بل هم منها عمون } لا يبصرون دلائلها، ولا يلتفتون إلى العمل لها. والإضرابات الثلاثة تنزيل لأحوالهم، وتأكيد لجهلهم. وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون بوقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة مع تتابع أسباب علمها، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، ثم بما هو اسوأ حالا، وهو العمى، وجعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، فلذا عداه ب " من " دون " عن " لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التفكر والتدبر. ووجه اتصال مضمون هذه الآية - وهو وصف المشركين - بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله، وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء بذلك: هو أنه لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب، وكان هذا بيانا لعجزهم، ووصفا لقصور علمهم، وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه - وهو وقت بعثهم، ومجازاتهم على أعمالهم: لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه، لا محالة. ه. قاله النسفي. { وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون } أي: أنخرج من القبور أحياء إذا صرنا ترابا وآباؤنا. وتكرير الاستفهام في " أئذا " و " أئنا " في قراءة عاصم، وحمزة وخلف، إنكار بعد إنكار، وجحود بعد جحود، ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والعامل في إذا: مادل عليه { لمخرجون } وهو: نخرج، لا مخرجون، لموانع كثيرة. والضمير في " أئنا " لهم ولآبائهم. { لقد وعدنا هذا } البعث { نحن وآباؤنا من قبل } من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، قدم هنا " هذا " على " نحن " وفي المؤمنون قدم " نحن " ليدل هنا أن المقصود بالذكر هو البعث وثم المبعوث لأن هنا تكررت أدلة البعث قبل هذا القول كثيرا، فاعتنى به بخلاف " ثم ".
ثم قالوا: { إن هذا إلا أساطير الأولين }: ما هذا إلا أحاديثهم وأكاذيبهم. وقد كذبوا، ورب الكعبة. الإشارة: العلم بالآخرة يقوى بقوة العلم بالله، فكلما قوي اليقين في جانب الله قوي اليقين في جانب ما وعد الله به من الأمور الغيبية، فأهل العلم بالله الحقيقي أمور الآخرة عندهم نصب أعينهم، واقعة في نظرهم لقوة يقينهم. وانظر إلى قول حارثة رضي الله عنه حين
" قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما حقيقة إيمانك؟ " فقال: يا رسول الله عزفت الدنيا من قلبي، فاستوى عندي وذهبها ومدرها. ثم قال: وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وأهل النار يتعاوون فيها، فقال له صلى الله عليه وسلم: " قد عرفت فالزم، عبد نور الله قلبه "
اللهم نور قلوبنا بأنوار معرفتك الكاملة، حتى نلقاك على عين اليقين وحق اليقين. آمين. ثم أمرهم بالاعتبار بمن قبلهم، فقال: { قل سيروا في الأرض فانظروا... }
النمل 27:67
قلت: قرأ الجمهور: " ادارك " بالمد، وأصله: تدارك، فأدغمت التاء في الدال، ودخلت همزة وصل. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: " ادرك " ، وأصله: افتعل، بمعنى تفاعل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " أدرك " أفعل. يقول الحق جل جلاله: { بل ادارك } أي: تدارك وتناهى وتتابع أسباب { علمهم في الآخرة } أي: بالآخرة، أو: في شأنها، بما ذكرنا لهم من البراهين القطعية، والحجج العقلية، على كمال قدرتنا. ومع ذلك لم يحصل لهم بها يقين، { بل هم في شك منها } ، والمعنى: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته بما تتابع لهم من الدلائل. زمع ذلك لم يحصل لهم شيء من علمها، بل شكوا. أو: أدرك علمهم، بمعنى: يدركهم في الآخرة حين يرون الأمر عيانا، ولا ينفعهم ذلك. قاله ابن عباس وغيره. { بل هم } اليوم { في شك منها بل هم منها عمون } لا يبصرون دلائلها، ولا يلتفتون إلى العمل لها. والإضرابات الثلاثة تنزيل لأحوالهم، وتأكيد لجهلهم. وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون بوقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة مع تتابع أسباب علمها، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، ثم بما هو اسوأ حالا، وهو العمى، وجعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، فلذا عداه ب " من " دون " عن " لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التفكر والتدبر. ووجه اتصال مضمون هذه الآية - وهو وصف المشركين - بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله، وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء بذلك: هو أنه لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب، وكان هذا بيانا لعجزهم، ووصفا لقصور علمهم، وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه - وهو وقت بعثهم، ومجازاتهم على أعمالهم: لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه، لا محالة. ه. قاله النسفي. { وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون } أي: أنخرج من القبور أحياء إذا صرنا ترابا وآباؤنا. وتكرير الاستفهام في " أئذا " و " أئنا " في قراءة عاصم، وحمزة وخلف، إنكار بعد إنكار، وجحود بعد جحود، ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والعامل في إذا: مادل عليه { لمخرجون } وهو: نخرج، لا مخرجون، لموانع كثيرة. والضمير في " أئنا " لهم ولآبائهم. { لقد وعدنا هذا } البعث { نحن وآباؤنا من قبل } من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، قدم هنا " هذا " على " نحن " وفي المؤمنون قدم " نحن " ليدل هنا أن المقصود بالذكر هو البعث وثم المبعوث لأن هنا تكررت أدلة البعث قبل هذا القول كثيرا، فاعتنى به بخلاف " ثم ".
ثم قالوا: { إن هذا إلا أساطير الأولين }: ما هذا إلا أحاديثهم وأكاذيبهم. وقد كذبوا، ورب الكعبة. الإشارة: العلم بالآخرة يقوى بقوة العلم بالله، فكلما قوي اليقين في جانب الله قوي اليقين في جانب ما وعد الله به من الأمور الغيبية، فأهل العلم بالله الحقيقي أمور الآخرة عندهم نصب أعينهم، واقعة في نظرهم لقوة يقينهم. وانظر إلى قول حارثة رضي الله عنه حين
" قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما حقيقة إيمانك؟ " فقال: يا رسول الله عزفت الدنيا من قلبي، فاستوى عندي وذهبها ومدرها. ثم قال: وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وأهل النار يتعاوون فيها، فقال له صلى الله عليه وسلم: " قد عرفت فالزم، عبد نور الله قلبه "
اللهم نور قلوبنا بأنوار معرفتك الكاملة، حتى نلقاك على عين اليقين وحق اليقين. آمين. ثم أمرهم بالاعتبار بمن قبلهم، فقال: { قل سيروا في الأرض فانظروا... }
النمل 27:68
قلت: قرأ الجمهور: " ادارك " بالمد، وأصله: تدارك، فأدغمت التاء في الدال، ودخلت همزة وصل. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: " ادرك " ، وأصله: افتعل، بمعنى تفاعل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " أدرك " أفعل. يقول الحق جل جلاله: { بل ادارك } أي: تدارك وتناهى وتتابع أسباب { علمهم في الآخرة } أي: بالآخرة، أو: في شأنها، بما ذكرنا لهم من البراهين القطعية، والحجج العقلية، على كمال قدرتنا. ومع ذلك لم يحصل لهم بها يقين، { بل هم في شك منها } ، والمعنى: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته بما تتابع لهم من الدلائل. زمع ذلك لم يحصل لهم شيء من علمها، بل شكوا. أو: أدرك علمهم، بمعنى: يدركهم في الآخرة حين يرون الأمر عيانا، ولا ينفعهم ذلك. قاله ابن عباس وغيره. { بل هم } اليوم { في شك منها بل هم منها عمون } لا يبصرون دلائلها، ولا يلتفتون إلى العمل لها. والإضرابات الثلاثة تنزيل لأحوالهم، وتأكيد لجهلهم. وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون بوقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة مع تتابع أسباب علمها، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، ثم بما هو اسوأ حالا، وهو العمى، وجعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، فلذا عداه ب " من " دون " عن " لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التفكر والتدبر. ووجه اتصال مضمون هذه الآية - وهو وصف المشركين - بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله، وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء بذلك: هو أنه لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب، وكان هذا بيانا لعجزهم، ووصفا لقصور علمهم، وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه - وهو وقت بعثهم، ومجازاتهم على أعمالهم: لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه، لا محالة. ه. قاله النسفي. { وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون } أي: أنخرج من القبور أحياء إذا صرنا ترابا وآباؤنا. وتكرير الاستفهام في " أئذا " و " أئنا " في قراءة عاصم، وحمزة وخلف، إنكار بعد إنكار، وجحود بعد جحود، ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والعامل في إذا: مادل عليه { لمخرجون } وهو: نخرج، لا مخرجون، لموانع كثيرة. والضمير في " أئنا " لهم ولآبائهم. { لقد وعدنا هذا } البعث { نحن وآباؤنا من قبل } من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، قدم هنا " هذا " على " نحن " وفي المؤمنون قدم " نحن " ليدل هنا أن المقصود بالذكر هو البعث وثم المبعوث لأن هنا تكررت أدلة البعث قبل هذا القول كثيرا، فاعتنى به بخلاف " ثم ".
ثم قالوا: { إن هذا إلا أساطير الأولين }: ما هذا إلا أحاديثهم وأكاذيبهم. وقد كذبوا، ورب الكعبة. الإشارة: العلم بالآخرة يقوى بقوة العلم بالله، فكلما قوي اليقين في جانب الله قوي اليقين في جانب ما وعد الله به من الأمور الغيبية، فأهل العلم بالله الحقيقي أمور الآخرة عندهم نصب أعينهم، واقعة في نظرهم لقوة يقينهم. وانظر إلى قول حارثة رضي الله عنه حين
" قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما حقيقة إيمانك؟ " فقال: يا رسول الله عزفت الدنيا من قلبي، فاستوى عندي وذهبها ومدرها. ثم قال: وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وأهل النار يتعاوون فيها، فقال له صلى الله عليه وسلم: " قد عرفت فالزم، عبد نور الله قلبه "
اللهم نور قلوبنا بأنوار معرفتك الكاملة، حتى نلقاك على عين اليقين وحق اليقين. آمين. ثم أمرهم بالاعتبار بمن قبلهم، فقال: { قل سيروا في الأرض فانظروا... }
النمل 27:69
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { سيروا في الأرض فانظر كيف كانت عاقبة المجرمين } بسبب تكذيبهم للرسل - عليهم السلام - فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله - عز وجل - وحده، واليوم الآخر، الذي ينكرونه، فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولي البصائر. وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين، لطف بالمسلمين، بترك الجرائم، وحث لهم على الفرار منها، كقوله:
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم
[الشمس: 14] و
مما خطيئاتهم أغرقوا
[نوح: 25]. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تحزن عليهم } أي: لأجل أنهم لم يتبعوك، ولم يسلموا فيسلموا. { ولا تكن في ضيق } في حرج صدر { مما يمكرون } من مكرهم وكيدهم، أي: فإن الله يعصمك من الناس. يقال: ضاق ضيقا - بالفتح والكسر. { ويقولون متى هذا الوعد } أي: وعد العذاب التي تعدنا، إن كنت من الصادقين في إخبارك بإتيانه على من كذب. والجملة باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك. { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } أي: تبعكم ولحقكم. استعجلوا العذاب، فقيل لهم: عسى أن يكون ردف، أي: قرب لكم بعضه. وهو عذاب يوم بدر، واللام زائدة للتأكيد. أو: ضمن الفعل معنى يتعدى باللام، نحو: دنا لكم، أو: أزف لكم. وعسى ولعل وسوف، في وعد الملوك ووعيدهم، يدل على صدق الأمر، وجده، وعلى ذلك جرى وعد الله، ووعيده. { وإن ربك لذو فضل على الناس } أي: إفضال وإنعام على كافة الناس. ومن جملة إنعامه: تأخير العقوبة عن هؤلاء، بعد استعجالهم لها، { ولكن أكثرهم لا يشكرون } أي: أكثرهم لا يعرفون حق النعمة، ولا يشكرونها، فيستعجلون بجهلهم وقوع العذاب، كدأب هؤلاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار، ساعة منه أفضل من عبادة سبعين سنة. ومن أجل ما يتفكر فيه الإنسان: ما جرى على أهل الغفلة والبطالة والعصيان، من تجرع كأس الحمام، قبل النزوع والإقلاع عن الإجرام، فندموا حيث لم ينفع الندم، وقد زلت بهم القدم، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من الأعمال الصالحات رجعوا. فليعتبر الإنسان بحالتهم، لئلا يجري عليه ما جرى عليهم، وليبادر بالتوبة إلى ربه، وليشهد يده على أوقات عمره، قبل أن تنقضي في البطالة والتقصير، فيمضي عمره سبهللا. ولله در القائل:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
قال أبو على الدقاق رضي الله عنه: رؤي بعضهم مجتهدا، فقيل له في ذلك، فقال: ومن أولى مني بالجهد، وأنا أطمع أن ألحق الأبرار الكبار من السلف. ه. ويقال للواعظ أو للعارف، إذا رأى إدبار الناس عن الله، وإقبالهم على الهوى: { ولا تحزن عليهم.. } الآية. ثم ذكر سعة علمه وحلمه، فقال: { وإن ربك ليعلم ما تكن... }
النمل 27:70
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { سيروا في الأرض فانظر كيف كانت عاقبة المجرمين } بسبب تكذيبهم للرسل - عليهم السلام - فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله - عز وجل - وحده، واليوم الآخر، الذي ينكرونه، فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولي البصائر. وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين، لطف بالمسلمين، بترك الجرائم، وحث لهم على الفرار منها، كقوله:
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم
[الشمس: 14] و
مما خطيئاتهم أغرقوا
[نوح: 25]. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تحزن عليهم } أي: لأجل أنهم لم يتبعوك، ولم يسلموا فيسلموا. { ولا تكن في ضيق } في حرج صدر { مما يمكرون } من مكرهم وكيدهم، أي: فإن الله يعصمك من الناس. يقال: ضاق ضيقا - بالفتح والكسر. { ويقولون متى هذا الوعد } أي: وعد العذاب التي تعدنا، إن كنت من الصادقين في إخبارك بإتيانه على من كذب. والجملة باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك. { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } أي: تبعكم ولحقكم. استعجلوا العذاب، فقيل لهم: عسى أن يكون ردف، أي: قرب لكم بعضه. وهو عذاب يوم بدر، واللام زائدة للتأكيد. أو: ضمن الفعل معنى يتعدى باللام، نحو: دنا لكم، أو: أزف لكم. وعسى ولعل وسوف، في وعد الملوك ووعيدهم، يدل على صدق الأمر، وجده، وعلى ذلك جرى وعد الله، ووعيده. { وإن ربك لذو فضل على الناس } أي: إفضال وإنعام على كافة الناس. ومن جملة إنعامه: تأخير العقوبة عن هؤلاء، بعد استعجالهم لها، { ولكن أكثرهم لا يشكرون } أي: أكثرهم لا يعرفون حق النعمة، ولا يشكرونها، فيستعجلون بجهلهم وقوع العذاب، كدأب هؤلاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار، ساعة منه أفضل من عبادة سبعين سنة. ومن أجل ما يتفكر فيه الإنسان: ما جرى على أهل الغفلة والبطالة والعصيان، من تجرع كأس الحمام، قبل النزوع والإقلاع عن الإجرام، فندموا حيث لم ينفع الندم، وقد زلت بهم القدم، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من الأعمال الصالحات رجعوا. فليعتبر الإنسان بحالتهم، لئلا يجري عليه ما جرى عليهم، وليبادر بالتوبة إلى ربه، وليشهد يده على أوقات عمره، قبل أن تنقضي في البطالة والتقصير، فيمضي عمره سبهللا. ولله در القائل:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
قال أبو على الدقاق رضي الله عنه: رؤي بعضهم مجتهدا، فقيل له في ذلك، فقال: ومن أولى مني بالجهد، وأنا أطمع أن ألحق الأبرار الكبار من السلف. ه. ويقال للواعظ أو للعارف، إذا رأى إدبار الناس عن الله، وإقبالهم على الهوى: { ولا تحزن عليهم.. } الآية. ثم ذكر سعة علمه وحلمه، فقال: { وإن ربك ليعلم ما تكن... }
النمل 27:71
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { سيروا في الأرض فانظر كيف كانت عاقبة المجرمين } بسبب تكذيبهم للرسل - عليهم السلام - فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله - عز وجل - وحده، واليوم الآخر، الذي ينكرونه، فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولي البصائر. وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين، لطف بالمسلمين، بترك الجرائم، وحث لهم على الفرار منها، كقوله:
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم
[الشمس: 14] و
مما خطيئاتهم أغرقوا
[نوح: 25]. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تحزن عليهم } أي: لأجل أنهم لم يتبعوك، ولم يسلموا فيسلموا. { ولا تكن في ضيق } في حرج صدر { مما يمكرون } من مكرهم وكيدهم، أي: فإن الله يعصمك من الناس. يقال: ضاق ضيقا - بالفتح والكسر. { ويقولون متى هذا الوعد } أي: وعد العذاب التي تعدنا، إن كنت من الصادقين في إخبارك بإتيانه على من كذب. والجملة باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك. { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } أي: تبعكم ولحقكم. استعجلوا العذاب، فقيل لهم: عسى أن يكون ردف، أي: قرب لكم بعضه. وهو عذاب يوم بدر، واللام زائدة للتأكيد. أو: ضمن الفعل معنى يتعدى باللام، نحو: دنا لكم، أو: أزف لكم. وعسى ولعل وسوف، في وعد الملوك ووعيدهم، يدل على صدق الأمر، وجده، وعلى ذلك جرى وعد الله، ووعيده. { وإن ربك لذو فضل على الناس } أي: إفضال وإنعام على كافة الناس. ومن جملة إنعامه: تأخير العقوبة عن هؤلاء، بعد استعجالهم لها، { ولكن أكثرهم لا يشكرون } أي: أكثرهم لا يعرفون حق النعمة، ولا يشكرونها، فيستعجلون بجهلهم وقوع العذاب، كدأب هؤلاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار، ساعة منه أفضل من عبادة سبعين سنة. ومن أجل ما يتفكر فيه الإنسان: ما جرى على أهل الغفلة والبطالة والعصيان، من تجرع كأس الحمام، قبل النزوع والإقلاع عن الإجرام، فندموا حيث لم ينفع الندم، وقد زلت بهم القدم، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من الأعمال الصالحات رجعوا. فليعتبر الإنسان بحالتهم، لئلا يجري عليه ما جرى عليهم، وليبادر بالتوبة إلى ربه، وليشهد يده على أوقات عمره، قبل أن تنقضي في البطالة والتقصير، فيمضي عمره سبهللا. ولله در القائل:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
قال أبو على الدقاق رضي الله عنه: رؤي بعضهم مجتهدا، فقيل له في ذلك، فقال: ومن أولى مني بالجهد، وأنا أطمع أن ألحق الأبرار الكبار من السلف. ه. ويقال للواعظ أو للعارف، إذا رأى إدبار الناس عن الله، وإقبالهم على الهوى: { ولا تحزن عليهم.. } الآية. ثم ذكر سعة علمه وحلمه، فقال: { وإن ربك ليعلم ما تكن... }
النمل 27:72
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { سيروا في الأرض فانظر كيف كانت عاقبة المجرمين } بسبب تكذيبهم للرسل - عليهم السلام - فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله - عز وجل - وحده، واليوم الآخر، الذي ينكرونه، فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولي البصائر. وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين، لطف بالمسلمين، بترك الجرائم، وحث لهم على الفرار منها، كقوله:
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم
[الشمس: 14] و
مما خطيئاتهم أغرقوا
[نوح: 25]. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تحزن عليهم } أي: لأجل أنهم لم يتبعوك، ولم يسلموا فيسلموا. { ولا تكن في ضيق } في حرج صدر { مما يمكرون } من مكرهم وكيدهم، أي: فإن الله يعصمك من الناس. يقال: ضاق ضيقا - بالفتح والكسر. { ويقولون متى هذا الوعد } أي: وعد العذاب التي تعدنا، إن كنت من الصادقين في إخبارك بإتيانه على من كذب. والجملة باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك. { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } أي: تبعكم ولحقكم. استعجلوا العذاب، فقيل لهم: عسى أن يكون ردف، أي: قرب لكم بعضه. وهو عذاب يوم بدر، واللام زائدة للتأكيد. أو: ضمن الفعل معنى يتعدى باللام، نحو: دنا لكم، أو: أزف لكم. وعسى ولعل وسوف، في وعد الملوك ووعيدهم، يدل على صدق الأمر، وجده، وعلى ذلك جرى وعد الله، ووعيده. { وإن ربك لذو فضل على الناس } أي: إفضال وإنعام على كافة الناس. ومن جملة إنعامه: تأخير العقوبة عن هؤلاء، بعد استعجالهم لها، { ولكن أكثرهم لا يشكرون } أي: أكثرهم لا يعرفون حق النعمة، ولا يشكرونها، فيستعجلون بجهلهم وقوع العذاب، كدأب هؤلاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار، ساعة منه أفضل من عبادة سبعين سنة. ومن أجل ما يتفكر فيه الإنسان: ما جرى على أهل الغفلة والبطالة والعصيان، من تجرع كأس الحمام، قبل النزوع والإقلاع عن الإجرام، فندموا حيث لم ينفع الندم، وقد زلت بهم القدم، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من الأعمال الصالحات رجعوا. فليعتبر الإنسان بحالتهم، لئلا يجري عليه ما جرى عليهم، وليبادر بالتوبة إلى ربه، وليشهد يده على أوقات عمره، قبل أن تنقضي في البطالة والتقصير، فيمضي عمره سبهللا. ولله در القائل:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
قال أبو على الدقاق رضي الله عنه: رؤي بعضهم مجتهدا، فقيل له في ذلك، فقال: ومن أولى مني بالجهد، وأنا أطمع أن ألحق الأبرار الكبار من السلف. ه. ويقال للواعظ أو للعارف، إذا رأى إدبار الناس عن الله، وإقبالهم على الهوى: { ولا تحزن عليهم.. } الآية. ثم ذكر سعة علمه وحلمه، فقال: { وإن ربك ليعلم ما تكن... }
النمل 27:73
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { سيروا في الأرض فانظر كيف كانت عاقبة المجرمين } بسبب تكذيبهم للرسل - عليهم السلام - فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله - عز وجل - وحده، واليوم الآخر، الذي ينكرونه، فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولي البصائر. وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين، لطف بالمسلمين، بترك الجرائم، وحث لهم على الفرار منها، كقوله:
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم
[الشمس: 14] و
مما خطيئاتهم أغرقوا
[نوح: 25]. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تحزن عليهم } أي: لأجل أنهم لم يتبعوك، ولم يسلموا فيسلموا. { ولا تكن في ضيق } في حرج صدر { مما يمكرون } من مكرهم وكيدهم، أي: فإن الله يعصمك من الناس. يقال: ضاق ضيقا - بالفتح والكسر. { ويقولون متى هذا الوعد } أي: وعد العذاب التي تعدنا، إن كنت من الصادقين في إخبارك بإتيانه على من كذب. والجملة باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك. { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } أي: تبعكم ولحقكم. استعجلوا العذاب، فقيل لهم: عسى أن يكون ردف، أي: قرب لكم بعضه. وهو عذاب يوم بدر، واللام زائدة للتأكيد. أو: ضمن الفعل معنى يتعدى باللام، نحو: دنا لكم، أو: أزف لكم. وعسى ولعل وسوف، في وعد الملوك ووعيدهم، يدل على صدق الأمر، وجده، وعلى ذلك جرى وعد الله، ووعيده. { وإن ربك لذو فضل على الناس } أي: إفضال وإنعام على كافة الناس. ومن جملة إنعامه: تأخير العقوبة عن هؤلاء، بعد استعجالهم لها، { ولكن أكثرهم لا يشكرون } أي: أكثرهم لا يعرفون حق النعمة، ولا يشكرونها، فيستعجلون بجهلهم وقوع العذاب، كدأب هؤلاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار، ساعة منه أفضل من عبادة سبعين سنة. ومن أجل ما يتفكر فيه الإنسان: ما جرى على أهل الغفلة والبطالة والعصيان، من تجرع كأس الحمام، قبل النزوع والإقلاع عن الإجرام، فندموا حيث لم ينفع الندم، وقد زلت بهم القدم، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من الأعمال الصالحات رجعوا. فليعتبر الإنسان بحالتهم، لئلا يجري عليه ما جرى عليهم، وليبادر بالتوبة إلى ربه، وليشهد يده على أوقات عمره، قبل أن تنقضي في البطالة والتقصير، فيمضي عمره سبهللا. ولله در القائل:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
قال أبو على الدقاق رضي الله عنه: رؤي بعضهم مجتهدا، فقيل له في ذلك، فقال: ومن أولى مني بالجهد، وأنا أطمع أن ألحق الأبرار الكبار من السلف. ه. ويقال للواعظ أو للعارف، إذا رأى إدبار الناس عن الله، وإقبالهم على الهوى: { ولا تحزن عليهم.. } الآية. ثم ذكر سعة علمه وحلمه، فقال: { وإن ربك ليعلم ما تكن... }
النمل 27:74
يقول الحق جل جلاله: { وإن ربك ليعلم ما تكن } أي: تخفي { صدورهم وما يعلنون } أي: يظهرون من القول. وليس تأخير العذاب عنهم لخفاء حالهم عليه، ولكن له وقت مقدار، فيمهلهم إليه. أو: إن ربك ليعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوتك ومكايدهم لك، وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقونه. وقرئ بفتح التاء، من: كننت الشيء: سترته. { وما من غائبة في السماء والأرض } أي: من خافية فيهما { إلا في كتاب مبين } في اللوح المحفوظ. يسمى الشيء الذي يخفى ويعيب غائبه وخافية. والتاء فيهما كالتاء في العاقبة والعافية. ونظائرهما، وهي أسماء غير صفات. ويجوز أن يكونا صفتين، وتاؤهما للمبالغة، كالرواية. كأنه قال: وما من شيء شديد الغيوبة إلا وقد علمه الله، وأحاط به، وأثبته في اللوح المحفوظ. ومن جملة ذلك: تعجيل عقوبتهم، ولكن لكل شيء أجل معلوم، لا يتأخر عنه ولا يتقدم. ولولا ذلك لعجل لهم ما استعجلوه. والمبين: الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة: أو: مبين لما فيه من تفاصيل المقدورات. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية حث على مراقبة العبد لمولاه، في سر وعلانيته، فلا يفعل ما يخل بالأدب مع العليم الخبير، ولا يجول بقلبه فيما يستحيي أن يظهره لغيره، إلا أن يكون خاطرا مارا، لا ثبات له، فلا قدرة للعبد على دفعه. وبالله التوفيق. ثم مدح كتابة المشتمل على حل العلوم الغيبية، فقال: { إن هذا القرآن يقص... }
النمل 27:75
يقول الحق جل جلاله: { وإن ربك ليعلم ما تكن } أي: تخفي { صدورهم وما يعلنون } أي: يظهرون من القول. وليس تأخير العذاب عنهم لخفاء حالهم عليه، ولكن له وقت مقدار، فيمهلهم إليه. أو: إن ربك ليعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوتك ومكايدهم لك، وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقونه. وقرئ بفتح التاء، من: كننت الشيء: سترته. { وما من غائبة في السماء والأرض } أي: من خافية فيهما { إلا في كتاب مبين } في اللوح المحفوظ. يسمى الشيء الذي يخفى ويعيب غائبه وخافية. والتاء فيهما كالتاء في العاقبة والعافية. ونظائرهما، وهي أسماء غير صفات. ويجوز أن يكونا صفتين، وتاؤهما للمبالغة، كالرواية. كأنه قال: وما من شيء شديد الغيوبة إلا وقد علمه الله، وأحاط به، وأثبته في اللوح المحفوظ. ومن جملة ذلك: تعجيل عقوبتهم، ولكن لكل شيء أجل معلوم، لا يتأخر عنه ولا يتقدم. ولولا ذلك لعجل لهم ما استعجلوه. والمبين: الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة: أو: مبين لما فيه من تفاصيل المقدورات. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية حث على مراقبة العبد لمولاه، في سر وعلانيته، فلا يفعل ما يخل بالأدب مع العليم الخبير، ولا يجول بقلبه فيما يستحيي أن يظهره لغيره، إلا أن يكون خاطرا مارا، لا ثبات له، فلا قدرة للعبد على دفعه. وبالله التوفيق. ثم مدح كتابة المشتمل على حل العلوم الغيبية، فقال: { إن هذا القرآن يقص... }
النمل 27:76
يقول الحق جل جلاله: { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } يبين لهم { أكثر الذي هم فيه يختلفون } من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما اختلفوا فيه: المسيح، وتحزبوا فيه أحزابا، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط، ووقع بينهم المناكرة في أشياء، حتى لعن بعضهم بعضا. وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، لو أنصفوا وأخذوا به، وأسلموا. يريد اليهود والنصارى، وإن كانت الآية خاصة باليهود. { وإنه } - أي: القرآن { لهدى ورحمة للمؤمنين } على الإطلاق، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا. { إن ربك يقضي بينهم } أي: بين بني إسرائيل، أو: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، { بحكمه } أي: بعدله لأنه لا يحكم إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكما. أو: بحكمته، ويدل على قراءة من قرأ " بحكمه ": جمع: حكمة لأن أحكامه تعالى كلها حكم بديعة. { وهو العزيز } ، فلا يرد حكمه وقضاؤه، { العليم } بجميع الأشياء، ومن جملتها: من يقضي له ومن يقضي عليه. أو: العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بين المختلفين. { فتوكل على الله } ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شؤونه - عز وجل - فإنها موجبة للتوكل عليه، داعية إلى الأمر به، أي: فتوكل على الله الذي هذا شأنه. وهذه أوصافه، فإنه موجب لكل أحد يتوكل عليه، ويفوض جميع أموره إليه. أو: فتوكل على الله ولا تبالي بأعدادء الدين. { إنك على الحق المبين } ، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب. وفيه تنبيه على أن أصحاب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن، بنفي ما رموه من كون أساطير الأولين. ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحكمه عليهم بما يستحقونه، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم. ثم بين سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك لكونهم موتى صما، لا حياة لهم ولا سمع استبصار، قال تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } ، شبهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر، { ولا تسمع الصم الدعاء } أي: الدعوة إلى أمر من الأمور { إذا ولوا مدبرين } عنك. وتقييد النفي بالإدبار لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخة، قريبا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدا منه؟. { وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم } هداية موصلة إلى المطلوب، كما في قوله تعالى:
إنك لا تهدي من أحببت
[القصص:56] فإن الاهتداء منوط بالصبر في الحس، وبالبصيرة في المعنى. ومن فقدهما لا يتصور منه اهتداء، و " عن " متعلق بهادي باعتبار تضمنه معنى الصرف، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. { إن تسمع } أي: ما تسمع سماعا يجدي السامع وينفعه { إلا من يؤمن بآياتنا } أي: من علم الله أنهم يؤمنون بآياته. { فهم مسلمون } مخلصون، من قوله:
بلى من أسلم وجهه لله
[البقرة: 112] أي: جعله سالما لله خالصا. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين. الإشارة: إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة، رجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السنة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية، من طريق الأذواق أو العلوم، يرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام، والوساوس من القلوب المسوسة، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم، ومن جمع بين الظاهر والباطن، رجع إليه في الأمرين معا. ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان يناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يقال له: أبو مروان، فسلم عليه، فقال له الشيخ: اقرأ علينا آية من كتاب الله، فأجرى الله على لسانه، من غير قصد، قوله تعالى: { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } إلى قوله: { ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون } فتهلل وجه الشيخ، وقال: ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يبصر الداعي، ولا يسمع المنادي. ولذلك قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى.. } إلخ: قال الورتجبي: الميت: من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم: من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. ه. ثم ذكر بعض مقدمات الساعة، التي كانوا يستعجلونها، فقال: { وإذا وقع القول عليهم... }
النمل 27:77
يقول الحق جل جلاله: { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } يبين لهم { أكثر الذي هم فيه يختلفون } من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما اختلفوا فيه: المسيح، وتحزبوا فيه أحزابا، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط، ووقع بينهم المناكرة في أشياء، حتى لعن بعضهم بعضا. وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، لو أنصفوا وأخذوا به، وأسلموا. يريد اليهود والنصارى، وإن كانت الآية خاصة باليهود. { وإنه } - أي: القرآن { لهدى ورحمة للمؤمنين } على الإطلاق، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا. { إن ربك يقضي بينهم } أي: بين بني إسرائيل، أو: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، { بحكمه } أي: بعدله لأنه لا يحكم إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكما. أو: بحكمته، ويدل على قراءة من قرأ " بحكمه ": جمع: حكمة لأن أحكامه تعالى كلها حكم بديعة. { وهو العزيز } ، فلا يرد حكمه وقضاؤه، { العليم } بجميع الأشياء، ومن جملتها: من يقضي له ومن يقضي عليه. أو: العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بين المختلفين. { فتوكل على الله } ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شؤونه - عز وجل - فإنها موجبة للتوكل عليه، داعية إلى الأمر به، أي: فتوكل على الله الذي هذا شأنه. وهذه أوصافه، فإنه موجب لكل أحد يتوكل عليه، ويفوض جميع أموره إليه. أو: فتوكل على الله ولا تبالي بأعدادء الدين. { إنك على الحق المبين } ، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب. وفيه تنبيه على أن أصحاب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن، بنفي ما رموه من كون أساطير الأولين. ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحكمه عليهم بما يستحقونه، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم. ثم بين سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك لكونهم موتى صما، لا حياة لهم ولا سمع استبصار، قال تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } ، شبهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر، { ولا تسمع الصم الدعاء } أي: الدعوة إلى أمر من الأمور { إذا ولوا مدبرين } عنك. وتقييد النفي بالإدبار لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخة، قريبا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدا منه؟. { وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم } هداية موصلة إلى المطلوب، كما في قوله تعالى:
إنك لا تهدي من أحببت
[القصص:56] فإن الاهتداء منوط بالصبر في الحس، وبالبصيرة في المعنى. ومن فقدهما لا يتصور منه اهتداء، و " عن " متعلق بهادي باعتبار تضمنه معنى الصرف، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. { إن تسمع } أي: ما تسمع سماعا يجدي السامع وينفعه { إلا من يؤمن بآياتنا } أي: من علم الله أنهم يؤمنون بآياته. { فهم مسلمون } مخلصون، من قوله:
بلى من أسلم وجهه لله
[البقرة: 112] أي: جعله سالما لله خالصا. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين. الإشارة: إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة، رجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السنة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية، من طريق الأذواق أو العلوم، يرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام، والوساوس من القلوب المسوسة، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم، ومن جمع بين الظاهر والباطن، رجع إليه في الأمرين معا. ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان يناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يقال له: أبو مروان، فسلم عليه، فقال له الشيخ: اقرأ علينا آية من كتاب الله، فأجرى الله على لسانه، من غير قصد، قوله تعالى: { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } إلى قوله: { ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون } فتهلل وجه الشيخ، وقال: ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يبصر الداعي، ولا يسمع المنادي. ولذلك قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى.. } إلخ: قال الورتجبي: الميت: من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم: من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. ه. ثم ذكر بعض مقدمات الساعة، التي كانوا يستعجلونها، فقال: { وإذا وقع القول عليهم... }
النمل 27:78
يقول الحق جل جلاله: { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } يبين لهم { أكثر الذي هم فيه يختلفون } من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما اختلفوا فيه: المسيح، وتحزبوا فيه أحزابا، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط، ووقع بينهم المناكرة في أشياء، حتى لعن بعضهم بعضا. وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، لو أنصفوا وأخذوا به، وأسلموا. يريد اليهود والنصارى، وإن كانت الآية خاصة باليهود. { وإنه } - أي: القرآن { لهدى ورحمة للمؤمنين } على الإطلاق، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا. { إن ربك يقضي بينهم } أي: بين بني إسرائيل، أو: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، { بحكمه } أي: بعدله لأنه لا يحكم إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكما. أو: بحكمته، ويدل على قراءة من قرأ " بحكمه ": جمع: حكمة لأن أحكامه تعالى كلها حكم بديعة. { وهو العزيز } ، فلا يرد حكمه وقضاؤه، { العليم } بجميع الأشياء، ومن جملتها: من يقضي له ومن يقضي عليه. أو: العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بين المختلفين. { فتوكل على الله } ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شؤونه - عز وجل - فإنها موجبة للتوكل عليه، داعية إلى الأمر به، أي: فتوكل على الله الذي هذا شأنه. وهذه أوصافه، فإنه موجب لكل أحد يتوكل عليه، ويفوض جميع أموره إليه. أو: فتوكل على الله ولا تبالي بأعدادء الدين. { إنك على الحق المبين } ، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب. وفيه تنبيه على أن أصحاب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن، بنفي ما رموه من كون أساطير الأولين. ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحكمه عليهم بما يستحقونه، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم. ثم بين سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك لكونهم موتى صما، لا حياة لهم ولا سمع استبصار، قال تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } ، شبهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر، { ولا تسمع الصم الدعاء } أي: الدعوة إلى أمر من الأمور { إذا ولوا مدبرين } عنك. وتقييد النفي بالإدبار لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخة، قريبا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدا منه؟. { وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم } هداية موصلة إلى المطلوب، كما في قوله تعالى:
إنك لا تهدي من أحببت
[القصص:56] فإن الاهتداء منوط بالصبر في الحس، وبالبصيرة في المعنى. ومن فقدهما لا يتصور منه اهتداء، و " عن " متعلق بهادي باعتبار تضمنه معنى الصرف، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. { إن تسمع } أي: ما تسمع سماعا يجدي السامع وينفعه { إلا من يؤمن بآياتنا } أي: من علم الله أنهم يؤمنون بآياته. { فهم مسلمون } مخلصون، من قوله:
بلى من أسلم وجهه لله
[البقرة: 112] أي: جعله سالما لله خالصا. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين. الإشارة: إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة، رجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السنة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية، من طريق الأذواق أو العلوم، يرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام، والوساوس من القلوب المسوسة، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم، ومن جمع بين الظاهر والباطن، رجع إليه في الأمرين معا. ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان يناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يقال له: أبو مروان، فسلم عليه، فقال له الشيخ: اقرأ علينا آية من كتاب الله، فأجرى الله على لسانه، من غير قصد، قوله تعالى: { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } إلى قوله: { ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون } فتهلل وجه الشيخ، وقال: ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يبصر الداعي، ولا يسمع المنادي. ولذلك قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى.. } إلخ: قال الورتجبي: الميت: من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم: من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. ه. ثم ذكر بعض مقدمات الساعة، التي كانوا يستعجلونها، فقال: { وإذا وقع القول عليهم... }
النمل 27:79
يقول الحق جل جلاله: { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } يبين لهم { أكثر الذي هم فيه يختلفون } من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما اختلفوا فيه: المسيح، وتحزبوا فيه أحزابا، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط، ووقع بينهم المناكرة في أشياء، حتى لعن بعضهم بعضا. وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، لو أنصفوا وأخذوا به، وأسلموا. يريد اليهود والنصارى، وإن كانت الآية خاصة باليهود. { وإنه } - أي: القرآن { لهدى ورحمة للمؤمنين } على الإطلاق، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا. { إن ربك يقضي بينهم } أي: بين بني إسرائيل، أو: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، { بحكمه } أي: بعدله لأنه لا يحكم إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكما. أو: بحكمته، ويدل على قراءة من قرأ " بحكمه ": جمع: حكمة لأن أحكامه تعالى كلها حكم بديعة. { وهو العزيز } ، فلا يرد حكمه وقضاؤه، { العليم } بجميع الأشياء، ومن جملتها: من يقضي له ومن يقضي عليه. أو: العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بين المختلفين. { فتوكل على الله } ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شؤونه - عز وجل - فإنها موجبة للتوكل عليه، داعية إلى الأمر به، أي: فتوكل على الله الذي هذا شأنه. وهذه أوصافه، فإنه موجب لكل أحد يتوكل عليه، ويفوض جميع أموره إليه. أو: فتوكل على الله ولا تبالي بأعدادء الدين. { إنك على الحق المبين } ، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب. وفيه تنبيه على أن أصحاب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن، بنفي ما رموه من كون أساطير الأولين. ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحكمه عليهم بما يستحقونه، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم. ثم بين سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك لكونهم موتى صما، لا حياة لهم ولا سمع استبصار، قال تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } ، شبهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر، { ولا تسمع الصم الدعاء } أي: الدعوة إلى أمر من الأمور { إذا ولوا مدبرين } عنك. وتقييد النفي بالإدبار لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخة، قريبا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدا منه؟. { وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم } هداية موصلة إلى المطلوب، كما في قوله تعالى:
إنك لا تهدي من أحببت
[القصص:56] فإن الاهتداء منوط بالصبر في الحس، وبالبصيرة في المعنى. ومن فقدهما لا يتصور منه اهتداء، و " عن " متعلق بهادي باعتبار تضمنه معنى الصرف، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. { إن تسمع } أي: ما تسمع سماعا يجدي السامع وينفعه { إلا من يؤمن بآياتنا } أي: من علم الله أنهم يؤمنون بآياته. { فهم مسلمون } مخلصون، من قوله:
بلى من أسلم وجهه لله
[البقرة: 112] أي: جعله سالما لله خالصا. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين. الإشارة: إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة، رجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السنة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية، من طريق الأذواق أو العلوم، يرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام، والوساوس من القلوب المسوسة، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم، ومن جمع بين الظاهر والباطن، رجع إليه في الأمرين معا. ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان يناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يقال له: أبو مروان، فسلم عليه، فقال له الشيخ: اقرأ علينا آية من كتاب الله، فأجرى الله على لسانه، من غير قصد، قوله تعالى: { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } إلى قوله: { ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون } فتهلل وجه الشيخ، وقال: ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يبصر الداعي، ولا يسمع المنادي. ولذلك قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى.. } إلخ: قال الورتجبي: الميت: من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم: من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. ه. ثم ذكر بعض مقدمات الساعة، التي كانوا يستعجلونها، فقال: { وإذا وقع القول عليهم... }
النمل 27:80
يقول الحق جل جلاله: { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } يبين لهم { أكثر الذي هم فيه يختلفون } من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما اختلفوا فيه: المسيح، وتحزبوا فيه أحزابا، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط، ووقع بينهم المناكرة في أشياء، حتى لعن بعضهم بعضا. وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، لو أنصفوا وأخذوا به، وأسلموا. يريد اليهود والنصارى، وإن كانت الآية خاصة باليهود. { وإنه } - أي: القرآن { لهدى ورحمة للمؤمنين } على الإطلاق، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا. { إن ربك يقضي بينهم } أي: بين بني إسرائيل، أو: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، { بحكمه } أي: بعدله لأنه لا يحكم إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكما. أو: بحكمته، ويدل على قراءة من قرأ " بحكمه ": جمع: حكمة لأن أحكامه تعالى كلها حكم بديعة. { وهو العزيز } ، فلا يرد حكمه وقضاؤه، { العليم } بجميع الأشياء، ومن جملتها: من يقضي له ومن يقضي عليه. أو: العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بين المختلفين. { فتوكل على الله } ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شؤونه - عز وجل - فإنها موجبة للتوكل عليه، داعية إلى الأمر به، أي: فتوكل على الله الذي هذا شأنه. وهذه أوصافه، فإنه موجب لكل أحد يتوكل عليه، ويفوض جميع أموره إليه. أو: فتوكل على الله ولا تبالي بأعدادء الدين. { إنك على الحق المبين } ، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب. وفيه تنبيه على أن أصحاب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن، بنفي ما رموه من كون أساطير الأولين. ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحكمه عليهم بما يستحقونه، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم. ثم بين سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك لكونهم موتى صما، لا حياة لهم ولا سمع استبصار، قال تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } ، شبهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر، { ولا تسمع الصم الدعاء } أي: الدعوة إلى أمر من الأمور { إذا ولوا مدبرين } عنك. وتقييد النفي بالإدبار لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخة، قريبا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدا منه؟. { وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم } هداية موصلة إلى المطلوب، كما في قوله تعالى:
إنك لا تهدي من أحببت
[القصص:56] فإن الاهتداء منوط بالصبر في الحس، وبالبصيرة في المعنى. ومن فقدهما لا يتصور منه اهتداء، و " عن " متعلق بهادي باعتبار تضمنه معنى الصرف، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. { إن تسمع } أي: ما تسمع سماعا يجدي السامع وينفعه { إلا من يؤمن بآياتنا } أي: من علم الله أنهم يؤمنون بآياته. { فهم مسلمون } مخلصون، من قوله:
بلى من أسلم وجهه لله
[البقرة: 112] أي: جعله سالما لله خالصا. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين. الإشارة: إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة، رجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السنة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية، من طريق الأذواق أو العلوم، يرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام، والوساوس من القلوب المسوسة، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم، ومن جمع بين الظاهر والباطن، رجع إليه في الأمرين معا. ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان يناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يقال له: أبو مروان، فسلم عليه، فقال له الشيخ: اقرأ علينا آية من كتاب الله، فأجرى الله على لسانه، من غير قصد، قوله تعالى: { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } إلى قوله: { ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون } فتهلل وجه الشيخ، وقال: ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يبصر الداعي، ولا يسمع المنادي. ولذلك قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى.. } إلخ: قال الورتجبي: الميت: من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم: من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. ه. ثم ذكر بعض مقدمات الساعة، التي كانوا يستعجلونها، فقال: { وإذا وقع القول عليهم... }
النمل 27:81
يقول الحق جل جلاله: { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } يبين لهم { أكثر الذي هم فيه يختلفون } من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما اختلفوا فيه: المسيح، وتحزبوا فيه أحزابا، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط، ووقع بينهم المناكرة في أشياء، حتى لعن بعضهم بعضا. وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، لو أنصفوا وأخذوا به، وأسلموا. يريد اليهود والنصارى، وإن كانت الآية خاصة باليهود. { وإنه } - أي: القرآن { لهدى ورحمة للمؤمنين } على الإطلاق، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا. { إن ربك يقضي بينهم } أي: بين بني إسرائيل، أو: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، { بحكمه } أي: بعدله لأنه لا يحكم إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكما. أو: بحكمته، ويدل على قراءة من قرأ " بحكمه ": جمع: حكمة لأن أحكامه تعالى كلها حكم بديعة. { وهو العزيز } ، فلا يرد حكمه وقضاؤه، { العليم } بجميع الأشياء، ومن جملتها: من يقضي له ومن يقضي عليه. أو: العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بين المختلفين. { فتوكل على الله } ، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شؤونه - عز وجل - فإنها موجبة للتوكل عليه، داعية إلى الأمر به، أي: فتوكل على الله الذي هذا شأنه. وهذه أوصافه، فإنه موجب لكل أحد يتوكل عليه، ويفوض جميع أموره إليه. أو: فتوكل على الله ولا تبالي بأعدادء الدين. { إنك على الحق المبين } ، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب. وفيه تنبيه على أن أصحاب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن، بنفي ما رموه من كون أساطير الأولين. ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحكمه عليهم بما يستحقونه، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم. ثم بين سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك لكونهم موتى صما، لا حياة لهم ولا سمع استبصار، قال تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } ، شبهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر، { ولا تسمع الصم الدعاء } أي: الدعوة إلى أمر من الأمور { إذا ولوا مدبرين } عنك. وتقييد النفي بالإدبار لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخة، قريبا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدا منه؟. { وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم } هداية موصلة إلى المطلوب، كما في قوله تعالى:
إنك لا تهدي من أحببت
[القصص:56] فإن الاهتداء منوط بالصبر في الحس، وبالبصيرة في المعنى. ومن فقدهما لا يتصور منه اهتداء، و " عن " متعلق بهادي باعتبار تضمنه معنى الصرف، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. { إن تسمع } أي: ما تسمع سماعا يجدي السامع وينفعه { إلا من يؤمن بآياتنا } أي: من علم الله أنهم يؤمنون بآياته. { فهم مسلمون } مخلصون، من قوله:
بلى من أسلم وجهه لله
[البقرة: 112] أي: جعله سالما لله خالصا. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين. الإشارة: إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة، رجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السنة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية، من طريق الأذواق أو العلوم، يرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام، والوساوس من القلوب المسوسة، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم، ومن جمع بين الظاهر والباطن، رجع إليه في الأمرين معا. ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان يناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يقال له: أبو مروان، فسلم عليه، فقال له الشيخ: اقرأ علينا آية من كتاب الله، فأجرى الله على لسانه، من غير قصد، قوله تعالى: { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } إلى قوله: { ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون } فتهلل وجه الشيخ، وقال: ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يبصر الداعي، ولا يسمع المنادي. ولذلك قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى.. } إلخ: قال الورتجبي: الميت: من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم: من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. ه. ثم ذكر بعض مقدمات الساعة، التي كانوا يستعجلونها، فقال: { وإذا وقع القول عليهم... }
النمل 27:82
يقول الحق جل جلاله: { وإذا وقع القول عليهم } أي: وقع مصداق القول الناطق بمجيء الساعة، بأن قرب إتيانها، وظهرت أشراطها، فأراد بالوقوع: دنوه واقترابه، كقوله:
أتى أمر الله...
[النحل: 1] روي أن ذلك حين ينقطع الخير، ولا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، ولا يبقى منيب ولا تائب. و " وقع ": عبارة عن الثبوت واللزوم، وهذا بمنزلة:
حق عليه كلمة العذاب
[الزمر: 19] أي: وإذا انتجز وعد عذابهم التي تضمنه القول الأزلي، وأراد أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب، أخرج لهم دابة من الأرض. وفي الحديث:
" إن الدابة، وطلوع الشمس من المغرب، من أول الأشراط ".
فلا ينبغي لهؤلاء الكفرة ترك الإيمان حيث ينفعهم، ويتطلبون وقوع الساعة الموعود بها، التي لا ينفع الإيمان لمن لم يكن آمن، مع ظهور مقدماتها، فضلا عنها. فإذا وقع الوعد وسمت الدابة من لم يؤمن بسمة الكفر، وكان ذلك طبعا وختما، فلا يقبل منه إيمان، ويقال له: أيها الكافر لم تؤمن بالآيات غيبا، فلا يقبل منك بعد رؤيتها عينا وهذا معنى قوله: { أخرجنا لهم دابة من الأرض } ، وهي الجساسة، طولها ستون ذراعا، لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، لها أربع قوائم، وزغب، وريش، وجناحان. وقيل: لها رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن أيل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرة، وذنب كبش، وخف بعير، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعا، تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية فتقول { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } أي: بخروجي لأن خروجها من الآيات، وتقول: ألا لعنة الله على الظالمين. وفي حديث حذيفة رضي الله عنه: " تأتي الدابة المؤمن، فتسلم عليه، وتأتي الكافر فتخطه - أي تسمه - في وجهه ". وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" تخرج الدابة معها خاتم سليمان، وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن، وتختم أنف الكافر بالخاتم ختى أن أهل الحواء مجتمعون فيقول: هاها يا مؤمن ويقول: هاها يا كافر "
وهي بعد نزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها. والله تعالى أعلم. الإشارة: وإذا وقع القول على قوم بإسدال الحجاب، وإدامة غلق الباب، أخرج لهم جاهل بالله، يكلمهم بادعاء التربية، فيأخذون عنه، ويقتدون به. قال في المباحث:
واعلم بأن عصبة الجهال بهائم في صور الرجال
فالجاهد بالله دابة في الأرض: أن الناس كانوا بآياتنا الدالة علينا - وهم العلماء بالله، أهل الشهود والعيان - لا يوقنون بوجودهم، ولا يعرفون وجود الخصوصية عندهم. فإذا أراد الله تعب عبد، وإبقاءه في غم الحجاب، ألقاه إلى شيخ جاهل بالله، أو: إلى ميت يتخذه شيخا، ويفنى محبته، فلا يرجى فلاحه في طريق الخصوصية، ما دام مقيدا به، فإن تركه واقتدى بالعارف الحي، فقد هيأه لرفع الحجاب. وبالله التوفيق. ثم ذكر قيام الساعة، بعد ذكر بعض أشراطها، فقال: { ويوم نحشر من كل... }
النمل 27:83
قلت: " ماذا " تأتي على أوجه أحدها: أن تكون " ما ": استفهاما، و " ذا ": إشارة نحو: ماذا التواني. الثاني: أن تكون " ما ": استفهاما، و " ذا ": موصولة، كقول لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول؟ أنحب فيقضى، أم ضلال وباطل؟
الثالث: " ماذا " كله: استفهام على التركيب، كقولك: لماذا جئت؟. الرابع: أن تكون " ماذا " كله: اسم جنس بمعنى شيء أو: بمعنى " الذي " كقوله: دعني ماذا علمت؟، وتكون " ذا " زائدة. انظر القاموس. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر من كل إمة فوجا } ، الفوج، الجماعة الكثيرة. و " من ": للتبعيض، أي: واذكر يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة { ممن يكذب بآياتنا } ، " من ": لبيان الفوج، أي: فوجا مكذبين بآياتنا، المنزلة على أنبيائنا، { فهم يوزعون }: يحبس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا، حين يساقون إلى موضع الحساب. وهذه عبارة عن كثرة العدد، وتباعد أطرافهم، والمراد بهذا الحشر: الحشر للعذاب، والتوبيخ والمناقشة، بعد الحشر الكلي، الشامل لكافة الخلق. وعن ابن عباس: المراد بهذا الفوج: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، يساقون بين يدي أهل مكة وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. { حتى إذا جاؤوا } إلى موقف السؤال والجواب، والمناقشة والحساب، { قال } أي: الله عز وجل، موبخا لهم على التكذيب: { أكذبتم بآياتي } المنزلة على رسلي، الناطقة بلقاء يومكم، { و } الحال أنكم { لم تحيطوا بها علما } أي: أكذبتم بها في بادئ الرأي، من غير فكر، ولا نظر، يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق حتما. وهذا نص في أن المراد بالآيات في الموضعين هي الآيات القرآنية. وقيل: هو عطف على " كذبتم " ، أي: أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر فيها. { أم ماذا كنتم تعملون }؟ حيث لم تتفكروا فيها، فإنكم لم تخلقوا عبثا. أو: أي شيء كنتم تعملون، استفهام، على معنى استبعاد الحجج، أي: إن كانت لكم حجة وعمل فهاتوا ذلك. وخطابهم بهذا تبكيت لهم. ثم يكبون في النار، وذلك قوله تعالى: { ووقع القول عليهم } أي: حل بهم العذاب، الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله، { بما ظلموا }: بسبب ظلمهم، الذي هو تكذيبهم بآيات الله { فهم لا ينطقون } لانقطاعهم عن الجواب بالكلية، وابتلائهم بشغل شاغل من العذاب الأليم، يشغلهم العذاب عن النطق والاعتذار. ثم ذكر دلائل قدرته على البعث، وما ينشأ بعد ذلك، بقوله: { ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه } ، الرؤية هنا قلبية، أي: ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم والقرار.
{ والنهار مبصرا } أي: يبصروا، بما فيه من الإضاءة، طرق التقلب في أمور المعاش. وبولغ فيه، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس، حالا له، ووصفا من أوصافه، بحيث لا ينفك عنها، ولم يسلك في الليل هذا المسلك لأن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير النهار في الإبصار. قاله أبو السعود. قلت: وقد جعله كذلك في قوله:
وجعل الليل سكنا
[الأنعام: 96] فانظره. { إن في ذلك لآيات } كثيرة { لقوم يؤمنون } يصدقون، فيعتبرون، فإن من تأمل في تعاقب الليل والنهار، واختلافهما على وجوه بديعة، مبنية على حكم رائقة، تحار في فهمها العقول، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل، المحاكية للموت، بضياء النهار، المضاهي للحياة، وعاين في نفسه غلبة النوم، الذي هو يضاهي الموت، وانتباهه منه، الذي هو يضاهي البعث، قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. قال لقمان لابنه: يا بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم، فكما أنك تنام قهرا كذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه، فكما أنك تنتبه بعد نومك كذلك تبعث بعد موتك ه. وبالله التوفيق. الإشارة: يوم نحشر من كل أمة فوجا ينكر على أهل الخصوصية، ممن يكذب بآياتنا، وهم العارفون بنا، الدالون علينا، المعرفون بنا، فهم يوزعون: يجمعون للعتاب، حتى إذا جاؤوا إلينا بقلب سقيم، قال: أكذبتم بأوليائي، الدالين على حضرتي، بعد التطهير والتهذيب، ولم تحيطوا بهم علما، منعكم من ذلك حب الرئاسة والجاه، أم ماذا كنتم تعملون؟. ووقع القول عليهم بالبقاء مع عامة أهل الحجاب، فهم لا ينطقون، ولا يجدون اعتذارا يقبل منهم. ألم يعلموا أنهم يموتون على ما عاشوا عليه، ويبعثون على ما ماتوا عليه، فهلا صحبوا أهل اليقين الكبير، - وهو عين اليقين أو حق اليقين المستفاد من شهود الذات الأقدس - فيكتسبوا منهم اليقين، حتى يموتوا على اليقين ويبعثوا على اليقين. وبالله التوفيق. ثم ذكر النفخ في الصور، وما يكون بعده من الأهوال، فقال: { ويوم ينفخ في الصور... }
النمل 27:84
قلت: " ماذا " تأتي على أوجه أحدها: أن تكون " ما ": استفهاما، و " ذا ": إشارة نحو: ماذا التواني. الثاني: أن تكون " ما ": استفهاما، و " ذا ": موصولة، كقول لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول؟ أنحب فيقضى، أم ضلال وباطل؟
الثالث: " ماذا " كله: استفهام على التركيب، كقولك: لماذا جئت؟. الرابع: أن تكون " ماذا " كله: اسم جنس بمعنى شيء أو: بمعنى " الذي " كقوله: دعني ماذا علمت؟، وتكون " ذا " زائدة. انظر القاموس. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر من كل إمة فوجا } ، الفوج، الجماعة الكثيرة. و " من ": للتبعيض، أي: واذكر يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة { ممن يكذب بآياتنا } ، " من ": لبيان الفوج، أي: فوجا مكذبين بآياتنا، المنزلة على أنبيائنا، { فهم يوزعون }: يحبس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا، حين يساقون إلى موضع الحساب. وهذه عبارة عن كثرة العدد، وتباعد أطرافهم، والمراد بهذا الحشر: الحشر للعذاب، والتوبيخ والمناقشة، بعد الحشر الكلي، الشامل لكافة الخلق. وعن ابن عباس: المراد بهذا الفوج: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، يساقون بين يدي أهل مكة وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. { حتى إذا جاؤوا } إلى موقف السؤال والجواب، والمناقشة والحساب، { قال } أي: الله عز وجل، موبخا لهم على التكذيب: { أكذبتم بآياتي } المنزلة على رسلي، الناطقة بلقاء يومكم، { و } الحال أنكم { لم تحيطوا بها علما } أي: أكذبتم بها في بادئ الرأي، من غير فكر، ولا نظر، يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق حتما. وهذا نص في أن المراد بالآيات في الموضعين هي الآيات القرآنية. وقيل: هو عطف على " كذبتم " ، أي: أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر فيها. { أم ماذا كنتم تعملون }؟ حيث لم تتفكروا فيها، فإنكم لم تخلقوا عبثا. أو: أي شيء كنتم تعملون، استفهام، على معنى استبعاد الحجج، أي: إن كانت لكم حجة وعمل فهاتوا ذلك. وخطابهم بهذا تبكيت لهم. ثم يكبون في النار، وذلك قوله تعالى: { ووقع القول عليهم } أي: حل بهم العذاب، الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله، { بما ظلموا }: بسبب ظلمهم، الذي هو تكذيبهم بآيات الله { فهم لا ينطقون } لانقطاعهم عن الجواب بالكلية، وابتلائهم بشغل شاغل من العذاب الأليم، يشغلهم العذاب عن النطق والاعتذار. ثم ذكر دلائل قدرته على البعث، وما ينشأ بعد ذلك، بقوله: { ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه } ، الرؤية هنا قلبية، أي: ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم والقرار.
{ والنهار مبصرا } أي: يبصروا، بما فيه من الإضاءة، طرق التقلب في أمور المعاش. وبولغ فيه، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس، حالا له، ووصفا من أوصافه، بحيث لا ينفك عنها، ولم يسلك في الليل هذا المسلك لأن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير النهار في الإبصار. قاله أبو السعود. قلت: وقد جعله كذلك في قوله:
وجعل الليل سكنا
[الأنعام: 96] فانظره. { إن في ذلك لآيات } كثيرة { لقوم يؤمنون } يصدقون، فيعتبرون، فإن من تأمل في تعاقب الليل والنهار، واختلافهما على وجوه بديعة، مبنية على حكم رائقة، تحار في فهمها العقول، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل، المحاكية للموت، بضياء النهار، المضاهي للحياة، وعاين في نفسه غلبة النوم، الذي هو يضاهي الموت، وانتباهه منه، الذي هو يضاهي البعث، قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. قال لقمان لابنه: يا بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم، فكما أنك تنام قهرا كذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه، فكما أنك تنتبه بعد نومك كذلك تبعث بعد موتك ه. وبالله التوفيق. الإشارة: يوم نحشر من كل أمة فوجا ينكر على أهل الخصوصية، ممن يكذب بآياتنا، وهم العارفون بنا، الدالون علينا، المعرفون بنا، فهم يوزعون: يجمعون للعتاب، حتى إذا جاؤوا إلينا بقلب سقيم، قال: أكذبتم بأوليائي، الدالين على حضرتي، بعد التطهير والتهذيب، ولم تحيطوا بهم علما، منعكم من ذلك حب الرئاسة والجاه، أم ماذا كنتم تعملون؟. ووقع القول عليهم بالبقاء مع عامة أهل الحجاب، فهم لا ينطقون، ولا يجدون اعتذارا يقبل منهم. ألم يعلموا أنهم يموتون على ما عاشوا عليه، ويبعثون على ما ماتوا عليه، فهلا صحبوا أهل اليقين الكبير، - وهو عين اليقين أو حق اليقين المستفاد من شهود الذات الأقدس - فيكتسبوا منهم اليقين، حتى يموتوا على اليقين ويبعثوا على اليقين. وبالله التوفيق. ثم ذكر النفخ في الصور، وما يكون بعده من الأهوال، فقال: { ويوم ينفخ في الصور... }
النمل 27:85
قلت: " ماذا " تأتي على أوجه أحدها: أن تكون " ما ": استفهاما، و " ذا ": إشارة نحو: ماذا التواني. الثاني: أن تكون " ما ": استفهاما، و " ذا ": موصولة، كقول لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول؟ أنحب فيقضى، أم ضلال وباطل؟
الثالث: " ماذا " كله: استفهام على التركيب، كقولك: لماذا جئت؟. الرابع: أن تكون " ماذا " كله: اسم جنس بمعنى شيء أو: بمعنى " الذي " كقوله: دعني ماذا علمت؟، وتكون " ذا " زائدة. انظر القاموس. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر من كل إمة فوجا } ، الفوج، الجماعة الكثيرة. و " من ": للتبعيض، أي: واذكر يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة { ممن يكذب بآياتنا } ، " من ": لبيان الفوج، أي: فوجا مكذبين بآياتنا، المنزلة على أنبيائنا، { فهم يوزعون }: يحبس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا، حين يساقون إلى موضع الحساب. وهذه عبارة عن كثرة العدد، وتباعد أطرافهم، والمراد بهذا الحشر: الحشر للعذاب، والتوبيخ والمناقشة، بعد الحشر الكلي، الشامل لكافة الخلق. وعن ابن عباس: المراد بهذا الفوج: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، يساقون بين يدي أهل مكة وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. { حتى إذا جاؤوا } إلى موقف السؤال والجواب، والمناقشة والحساب، { قال } أي: الله عز وجل، موبخا لهم على التكذيب: { أكذبتم بآياتي } المنزلة على رسلي، الناطقة بلقاء يومكم، { و } الحال أنكم { لم تحيطوا بها علما } أي: أكذبتم بها في بادئ الرأي، من غير فكر، ولا نظر، يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق حتما. وهذا نص في أن المراد بالآيات في الموضعين هي الآيات القرآنية. وقيل: هو عطف على " كذبتم " ، أي: أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر فيها. { أم ماذا كنتم تعملون }؟ حيث لم تتفكروا فيها، فإنكم لم تخلقوا عبثا. أو: أي شيء كنتم تعملون، استفهام، على معنى استبعاد الحجج، أي: إن كانت لكم حجة وعمل فهاتوا ذلك. وخطابهم بهذا تبكيت لهم. ثم يكبون في النار، وذلك قوله تعالى: { ووقع القول عليهم } أي: حل بهم العذاب، الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله، { بما ظلموا }: بسبب ظلمهم، الذي هو تكذيبهم بآيات الله { فهم لا ينطقون } لانقطاعهم عن الجواب بالكلية، وابتلائهم بشغل شاغل من العذاب الأليم، يشغلهم العذاب عن النطق والاعتذار. ثم ذكر دلائل قدرته على البعث، وما ينشأ بعد ذلك، بقوله: { ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه } ، الرؤية هنا قلبية، أي: ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم والقرار.
{ والنهار مبصرا } أي: يبصروا، بما فيه من الإضاءة، طرق التقلب في أمور المعاش. وبولغ فيه، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس، حالا له، ووصفا من أوصافه، بحيث لا ينفك عنها، ولم يسلك في الليل هذا المسلك لأن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير النهار في الإبصار. قاله أبو السعود. قلت: وقد جعله كذلك في قوله:
وجعل الليل سكنا
[الأنعام: 96] فانظره. { إن في ذلك لآيات } كثيرة { لقوم يؤمنون } يصدقون، فيعتبرون، فإن من تأمل في تعاقب الليل والنهار، واختلافهما على وجوه بديعة، مبنية على حكم رائقة، تحار في فهمها العقول، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل، المحاكية للموت، بضياء النهار، المضاهي للحياة، وعاين في نفسه غلبة النوم، الذي هو يضاهي الموت، وانتباهه منه، الذي هو يضاهي البعث، قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. قال لقمان لابنه: يا بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم، فكما أنك تنام قهرا كذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه، فكما أنك تنتبه بعد نومك كذلك تبعث بعد موتك ه. وبالله التوفيق. الإشارة: يوم نحشر من كل أمة فوجا ينكر على أهل الخصوصية، ممن يكذب بآياتنا، وهم العارفون بنا، الدالون علينا، المعرفون بنا، فهم يوزعون: يجمعون للعتاب، حتى إذا جاؤوا إلينا بقلب سقيم، قال: أكذبتم بأوليائي، الدالين على حضرتي، بعد التطهير والتهذيب، ولم تحيطوا بهم علما، منعكم من ذلك حب الرئاسة والجاه، أم ماذا كنتم تعملون؟. ووقع القول عليهم بالبقاء مع عامة أهل الحجاب، فهم لا ينطقون، ولا يجدون اعتذارا يقبل منهم. ألم يعلموا أنهم يموتون على ما عاشوا عليه، ويبعثون على ما ماتوا عليه، فهلا صحبوا أهل اليقين الكبير، - وهو عين اليقين أو حق اليقين المستفاد من شهود الذات الأقدس - فيكتسبوا منهم اليقين، حتى يموتوا على اليقين ويبعثوا على اليقين. وبالله التوفيق. ثم ذكر النفخ في الصور، وما يكون بعده من الأهوال، فقال: { ويوم ينفخ في الصور... }
النمل 27:86
قلت: " ماذا " تأتي على أوجه أحدها: أن تكون " ما ": استفهاما، و " ذا ": إشارة نحو: ماذا التواني. الثاني: أن تكون " ما ": استفهاما، و " ذا ": موصولة، كقول لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول؟ أنحب فيقضى، أم ضلال وباطل؟
الثالث: " ماذا " كله: استفهام على التركيب، كقولك: لماذا جئت؟. الرابع: أن تكون " ماذا " كله: اسم جنس بمعنى شيء أو: بمعنى " الذي " كقوله: دعني ماذا علمت؟، وتكون " ذا " زائدة. انظر القاموس. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر من كل إمة فوجا } ، الفوج، الجماعة الكثيرة. و " من ": للتبعيض، أي: واذكر يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة { ممن يكذب بآياتنا } ، " من ": لبيان الفوج، أي: فوجا مكذبين بآياتنا، المنزلة على أنبيائنا، { فهم يوزعون }: يحبس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا، حين يساقون إلى موضع الحساب. وهذه عبارة عن كثرة العدد، وتباعد أطرافهم، والمراد بهذا الحشر: الحشر للعذاب، والتوبيخ والمناقشة، بعد الحشر الكلي، الشامل لكافة الخلق. وعن ابن عباس: المراد بهذا الفوج: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، يساقون بين يدي أهل مكة وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. { حتى إذا جاؤوا } إلى موقف السؤال والجواب، والمناقشة والحساب، { قال } أي: الله عز وجل، موبخا لهم على التكذيب: { أكذبتم بآياتي } المنزلة على رسلي، الناطقة بلقاء يومكم، { و } الحال أنكم { لم تحيطوا بها علما } أي: أكذبتم بها في بادئ الرأي، من غير فكر، ولا نظر، يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق حتما. وهذا نص في أن المراد بالآيات في الموضعين هي الآيات القرآنية. وقيل: هو عطف على " كذبتم " ، أي: أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر فيها. { أم ماذا كنتم تعملون }؟ حيث لم تتفكروا فيها، فإنكم لم تخلقوا عبثا. أو: أي شيء كنتم تعملون، استفهام، على معنى استبعاد الحجج، أي: إن كانت لكم حجة وعمل فهاتوا ذلك. وخطابهم بهذا تبكيت لهم. ثم يكبون في النار، وذلك قوله تعالى: { ووقع القول عليهم } أي: حل بهم العذاب، الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله، { بما ظلموا }: بسبب ظلمهم، الذي هو تكذيبهم بآيات الله { فهم لا ينطقون } لانقطاعهم عن الجواب بالكلية، وابتلائهم بشغل شاغل من العذاب الأليم، يشغلهم العذاب عن النطق والاعتذار. ثم ذكر دلائل قدرته على البعث، وما ينشأ بعد ذلك، بقوله: { ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه } ، الرؤية هنا قلبية، أي: ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم والقرار.
{ والنهار مبصرا } أي: يبصروا، بما فيه من الإضاءة، طرق التقلب في أمور المعاش. وبولغ فيه، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس، حالا له، ووصفا من أوصافه، بحيث لا ينفك عنها، ولم يسلك في الليل هذا المسلك لأن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير النهار في الإبصار. قاله أبو السعود. قلت: وقد جعله كذلك في قوله:
وجعل الليل سكنا
[الأنعام: 96] فانظره. { إن في ذلك لآيات } كثيرة { لقوم يؤمنون } يصدقون، فيعتبرون، فإن من تأمل في تعاقب الليل والنهار، واختلافهما على وجوه بديعة، مبنية على حكم رائقة، تحار في فهمها العقول، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل، المحاكية للموت، بضياء النهار، المضاهي للحياة، وعاين في نفسه غلبة النوم، الذي هو يضاهي الموت، وانتباهه منه، الذي هو يضاهي البعث، قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. قال لقمان لابنه: يا بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم، فكما أنك تنام قهرا كذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه، فكما أنك تنتبه بعد نومك كذلك تبعث بعد موتك ه. وبالله التوفيق. الإشارة: يوم نحشر من كل أمة فوجا ينكر على أهل الخصوصية، ممن يكذب بآياتنا، وهم العارفون بنا، الدالون علينا، المعرفون بنا، فهم يوزعون: يجمعون للعتاب، حتى إذا جاؤوا إلينا بقلب سقيم، قال: أكذبتم بأوليائي، الدالين على حضرتي، بعد التطهير والتهذيب، ولم تحيطوا بهم علما، منعكم من ذلك حب الرئاسة والجاه، أم ماذا كنتم تعملون؟. ووقع القول عليهم بالبقاء مع عامة أهل الحجاب، فهم لا ينطقون، ولا يجدون اعتذارا يقبل منهم. ألم يعلموا أنهم يموتون على ما عاشوا عليه، ويبعثون على ما ماتوا عليه، فهلا صحبوا أهل اليقين الكبير، - وهو عين اليقين أو حق اليقين المستفاد من شهود الذات الأقدس - فيكتسبوا منهم اليقين، حتى يموتوا على اليقين ويبعثوا على اليقين. وبالله التوفيق. ثم ذكر النفخ في الصور، وما يكون بعده من الأهوال، فقال: { ويوم ينفخ في الصور... }