Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — العنكبوت 29:1 – الروم 30:60

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. العنكبوت 29:1
  2. العنكبوت 29:2
  3. العنكبوت 29:3
  4. العنكبوت 29:4
  5. العنكبوت 29:5
  6. العنكبوت 29:6
  7. العنكبوت 29:7
  8. العنكبوت 29:8
  9. العنكبوت 29:9
  10. العنكبوت 29:10
  11. العنكبوت 29:11
  12. العنكبوت 29:12
  13. العنكبوت 29:13
  14. العنكبوت 29:14
  15. العنكبوت 29:15
  16. العنكبوت 29:16
  17. العنكبوت 29:17
  18. العنكبوت 29:18
  19. العنكبوت 29:19
  20. العنكبوت 29:20
  21. العنكبوت 29:21
  22. العنكبوت 29:22
  23. العنكبوت 29:23
  24. العنكبوت 29:24
  25. العنكبوت 29:25
  26. العنكبوت 29:26
  27. العنكبوت 29:27
  28. العنكبوت 29:28
  29. العنكبوت 29:29
  30. العنكبوت 29:30
  31. العنكبوت 29:31
  32. العنكبوت 29:32
  33. العنكبوت 29:33
  34. العنكبوت 29:34
  35. العنكبوت 29:35
  36. العنكبوت 29:36
  37. العنكبوت 29:37
  38. العنكبوت 29:38
  39. العنكبوت 29:39
  40. العنكبوت 29:40
  41. العنكبوت 29:41
  42. العنكبوت 29:42
  43. العنكبوت 29:43
  44. العنكبوت 29:44
  45. العنكبوت 29:45
  46. العنكبوت 29:46
  47. العنكبوت 29:47
  48. العنكبوت 29:48
  49. العنكبوت 29:49
  50. العنكبوت 29:50
  51. العنكبوت 29:51
  52. العنكبوت 29:52
  53. العنكبوت 29:53
  54. العنكبوت 29:54
  55. العنكبوت 29:55
  56. العنكبوت 29:56
  57. العنكبوت 29:57
  58. العنكبوت 29:58
  59. العنكبوت 29:59
  60. العنكبوت 29:60
  61. العنكبوت 29:61
  62. العنكبوت 29:62
  63. العنكبوت 29:63
  64. العنكبوت 29:64
  65. العنكبوت 29:65
  66. العنكبوت 29:66
  67. العنكبوت 29:67
  68. العنكبوت 29:68
  69. العنكبوت 29:69
  70. الروم 30:1
  71. الروم 30:2
  72. الروم 30:3
  73. الروم 30:4
  74. الروم 30:5
  75. الروم 30:6
  76. الروم 30:7
  77. الروم 30:8
  78. الروم 30:9
  79. الروم 30:10
  80. الروم 30:11
  81. الروم 30:12
  82. الروم 30:13
  83. الروم 30:14
  84. الروم 30:15
  85. الروم 30:16
  86. الروم 30:17
  87. الروم 30:18
  88. الروم 30:19
  89. الروم 30:20
  90. الروم 30:21
  91. الروم 30:22
  92. الروم 30:23
  93. الروم 30:24
  94. الروم 30:25
  95. الروم 30:26
  96. الروم 30:27
  97. الروم 30:28
  98. الروم 30:29
  99. الروم 30:30
  100. الروم 30:31
  101. الروم 30:32
  102. الروم 30:33
  103. الروم 30:34
  104. الروم 30:35
  105. الروم 30:36
  106. الروم 30:37
  107. الروم 30:38
  108. الروم 30:39
  109. الروم 30:40
  110. الروم 30:41
  111. الروم 30:42
  112. الروم 30:43
  113. الروم 30:44
  114. الروم 30:45
  115. الروم 30:46
  116. الروم 30:47
  117. الروم 30:48
  118. الروم 30:49
  119. الروم 30:50
  120. الروم 30:51
  121. الروم 30:52
  122. الروم 30:53
  123. الروم 30:54
  124. الروم 30:55
  125. الروم 30:56
  126. الروم 30:57
  127. الروم 30:58
  128. الروم 30:59
  129. الروم 30:60

العنكبوت 29:1

قلت: الحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر، كالظن، بخلاف الشك، فهو الوقوف بينهما. والعلم: هو القطع بأحدهما، ولا يصح تعلقهما بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل، فلا أقول: حسبت زيدا وظننت الفرس بل حسبت زيدا قائما، والفرس جوادا. والكلام الدال على المضمون، الذي يقتضيه الحسبان هنا أن يتركوا مع قوله: { وهم لا يفتنون } أي: أحسبوا تركهم غير مفتونين لأن يقولوا: آمنا. يقول الحق جل جلاله: { الم }: الألف: لوحدة أسرار الجبروت، واللام: لفيضان أنوار الملكوت، والميم: لاتصال المادة بعالم الملك. فكأنه تعالى أقسم بوحدة جبروته وأنوار ملكوته واتصال مادته بملكه وخليقته، أنه لا يدع دعوة مدع إلا ويختبره ليظهر صدقه أو كذبه، وهذا معنى قوله: { أحسب الناس } أي: أظن الناس { أن يتركوا } غير - مفتونين ومختبرين، { أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } أظنوا أن يدعوا الإيمان ولا يختبرون عليه ليظهر الصادق من الكاذب، بل يمتحنهم الله بمشاق التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، ورفض الشهوات، ووظائف الطاعات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأموال والأنفس، وإذاية الخلق ليتميز المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر على ذلك عوالي الدرجات، فإن مجرد الإيمان، وإن كان على خلوص قلب، لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب، وما ينال العبد من المكاره يسمو به إلى أعلى الدرجات وأعظم المقامات، مع ما في ذلك من تصفية النفس وتهذيبها، لتتهيأ لإشراق أنوار مقام الإحسان. روي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جزعوا من أذى المشركين، وضاقت صدورهم من ذلك، وربما استنكر بعضهم أن يمكن الله الكفرة من المؤمنين. فزلت مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا لهم. قال تعالى: { ولقد فتنا الذين من قبلهم } بأنواع المحن فمنهم من كان يوضع المناشر على رأسه، فيفرق فرقتين، وما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من كان يمشط بأمشاط الحديد، ومنهم من كان يطرح في النار، وما يصده ذلك عن دينه. { فليعلمن الله } بذلك الامتحان { الذين صدقوا } في الإيمان بالثبات، { وليعلمن الكاذبين } بالرجوع عنه. ومعنى علمه تعالى به، أي: علم ظهور وتمييز. والمعنى: وليميزن الصادق منهم من الكاذب، في الدنيا والآخرة. قال ابن عطاء: يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء، فمن شكر في أيام الرخاء، وصبر في أيام البلاء، فهو من الصادقين، ومن بطر في أيام الدنيا، وجزع في أيام البلاء، فهو من الكاذبين. ه. الإشارة: سنة الله تعالى في أوليائه: أن يمتحنهم في البدايات، فإذا تمكنوا من معرفة الله، وكمل تهذيبهم، أعزهم ونصرهم، وأظهرهم لعباده. ومنهم من يتركهم تحت أستار الخمول، حتى يلقوه على ذلك وهم عرائس الملكوت، ضن بهم أن يظهرهم لخلقه. والامتحان يكون على قدر المقام، وفي الحديث: " أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس بلاء في الدنيا: نبي أو صفي " وقال صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الصالحون. لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يحويها فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء " من الجامع. والله تعالى أعلم. ثم ذكر المؤذين لهم، فقال: { أم حسب الذين يعملون... }

العنكبوت 29:2

قلت: الحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر، كالظن، بخلاف الشك، فهو الوقوف بينهما. والعلم: هو القطع بأحدهما، ولا يصح تعلقهما بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل، فلا أقول: حسبت زيدا وظننت الفرس بل حسبت زيدا قائما، والفرس جوادا. والكلام الدال على المضمون، الذي يقتضيه الحسبان هنا أن يتركوا مع قوله: { وهم لا يفتنون } أي: أحسبوا تركهم غير مفتونين لأن يقولوا: آمنا. يقول الحق جل جلاله: { الم }: الألف: لوحدة أسرار الجبروت، واللام: لفيضان أنوار الملكوت، والميم: لاتصال المادة بعالم الملك. فكأنه تعالى أقسم بوحدة جبروته وأنوار ملكوته واتصال مادته بملكه وخليقته، أنه لا يدع دعوة مدع إلا ويختبره ليظهر صدقه أو كذبه، وهذا معنى قوله: { أحسب الناس } أي: أظن الناس { أن يتركوا } غير - مفتونين ومختبرين، { أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } أظنوا أن يدعوا الإيمان ولا يختبرون عليه ليظهر الصادق من الكاذب، بل يمتحنهم الله بمشاق التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، ورفض الشهوات، ووظائف الطاعات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأموال والأنفس، وإذاية الخلق ليتميز المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر على ذلك عوالي الدرجات، فإن مجرد الإيمان، وإن كان على خلوص قلب، لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب، وما ينال العبد من المكاره يسمو به إلى أعلى الدرجات وأعظم المقامات، مع ما في ذلك من تصفية النفس وتهذيبها، لتتهيأ لإشراق أنوار مقام الإحسان. روي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جزعوا من أذى المشركين، وضاقت صدورهم من ذلك، وربما استنكر بعضهم أن يمكن الله الكفرة من المؤمنين. فزلت مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا لهم. قال تعالى: { ولقد فتنا الذين من قبلهم } بأنواع المحن فمنهم من كان يوضع المناشر على رأسه، فيفرق فرقتين، وما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من كان يمشط بأمشاط الحديد، ومنهم من كان يطرح في النار، وما يصده ذلك عن دينه. { فليعلمن الله } بذلك الامتحان { الذين صدقوا } في الإيمان بالثبات، { وليعلمن الكاذبين } بالرجوع عنه. ومعنى علمه تعالى به، أي: علم ظهور وتمييز. والمعنى: وليميزن الصادق منهم من الكاذب، في الدنيا والآخرة. قال ابن عطاء: يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء، فمن شكر في أيام الرخاء، وصبر في أيام البلاء، فهو من الصادقين، ومن بطر في أيام الدنيا، وجزع في أيام البلاء، فهو من الكاذبين. ه. الإشارة: سنة الله تعالى في أوليائه: أن يمتحنهم في البدايات، فإذا تمكنوا من معرفة الله، وكمل تهذيبهم، أعزهم ونصرهم، وأظهرهم لعباده. ومنهم من يتركهم تحت أستار الخمول، حتى يلقوه على ذلك وهم عرائس الملكوت، ضن بهم أن يظهرهم لخلقه. والامتحان يكون على قدر المقام، وفي الحديث: " أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس بلاء في الدنيا: نبي أو صفي " وقال صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الصالحون. لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يحويها فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء " من الجامع. والله تعالى أعلم. ثم ذكر المؤذين لهم، فقال: { أم حسب الذين يعملون... }

العنكبوت 29:3

قلت: الحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر، كالظن، بخلاف الشك، فهو الوقوف بينهما. والعلم: هو القطع بأحدهما، ولا يصح تعلقهما بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل، فلا أقول: حسبت زيدا وظننت الفرس بل حسبت زيدا قائما، والفرس جوادا. والكلام الدال على المضمون، الذي يقتضيه الحسبان هنا أن يتركوا مع قوله: { وهم لا يفتنون } أي: أحسبوا تركهم غير مفتونين لأن يقولوا: آمنا. يقول الحق جل جلاله: { الم }: الألف: لوحدة أسرار الجبروت، واللام: لفيضان أنوار الملكوت، والميم: لاتصال المادة بعالم الملك. فكأنه تعالى أقسم بوحدة جبروته وأنوار ملكوته واتصال مادته بملكه وخليقته، أنه لا يدع دعوة مدع إلا ويختبره ليظهر صدقه أو كذبه، وهذا معنى قوله: { أحسب الناس } أي: أظن الناس { أن يتركوا } غير - مفتونين ومختبرين، { أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } أظنوا أن يدعوا الإيمان ولا يختبرون عليه ليظهر الصادق من الكاذب، بل يمتحنهم الله بمشاق التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، ورفض الشهوات، ووظائف الطاعات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأموال والأنفس، وإذاية الخلق ليتميز المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر على ذلك عوالي الدرجات، فإن مجرد الإيمان، وإن كان على خلوص قلب، لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب، وما ينال العبد من المكاره يسمو به إلى أعلى الدرجات وأعظم المقامات، مع ما في ذلك من تصفية النفس وتهذيبها، لتتهيأ لإشراق أنوار مقام الإحسان. روي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جزعوا من أذى المشركين، وضاقت صدورهم من ذلك، وربما استنكر بعضهم أن يمكن الله الكفرة من المؤمنين. فزلت مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا لهم. قال تعالى: { ولقد فتنا الذين من قبلهم } بأنواع المحن فمنهم من كان يوضع المناشر على رأسه، فيفرق فرقتين، وما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من كان يمشط بأمشاط الحديد، ومنهم من كان يطرح في النار، وما يصده ذلك عن دينه. { فليعلمن الله } بذلك الامتحان { الذين صدقوا } في الإيمان بالثبات، { وليعلمن الكاذبين } بالرجوع عنه. ومعنى علمه تعالى به، أي: علم ظهور وتمييز. والمعنى: وليميزن الصادق منهم من الكاذب، في الدنيا والآخرة. قال ابن عطاء: يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء، فمن شكر في أيام الرخاء، وصبر في أيام البلاء، فهو من الصادقين، ومن بطر في أيام الدنيا، وجزع في أيام البلاء، فهو من الكاذبين. ه. الإشارة: سنة الله تعالى في أوليائه: أن يمتحنهم في البدايات، فإذا تمكنوا من معرفة الله، وكمل تهذيبهم، أعزهم ونصرهم، وأظهرهم لعباده. ومنهم من يتركهم تحت أستار الخمول، حتى يلقوه على ذلك وهم عرائس الملكوت، ضن بهم أن يظهرهم لخلقه. والامتحان يكون على قدر المقام، وفي الحديث: " أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس بلاء في الدنيا: نبي أو صفي " وقال صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الصالحون. لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يحويها فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء " من الجامع. والله تعالى أعلم. ثم ذكر المؤذين لهم، فقال: { أم حسب الذين يعملون... }

العنكبوت 29:4

يقول الحق جل جلاله: { أم حسب الذين يعملون السيئات } أي: الشرك والمعاصي وإذاية المسلمين، { أن يسبقونا } أي: يفوتونا، بل يلحقهم الجزاء لا محالة. و " أم ": منقطعة، ومعنى الإضراب فيها: أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول، لأن ذلك يظن أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساوئه، وشبهته أضعف، ولذلك عقبه بقوله: { ساء ما يحكمون } ، أي: بئس ما يحكمون به حكمهم في صفات الله أنه مسبوق، وهو القادر على كل شيء، فالمخصوص محذوف. ثم ذكر الحامل على الصبر عند الإمتحان، وهو رجاء لقاء الحبيب، فقال: { من كان يرجو لقاء الله } أي: يأمل ثوابه، أو يخاف حسابه، أو ينتظر رؤيته، { فإن أجل الله } المضروب للغاية { لآت } لا محالة. وهو تبشير بأن اللقاء حاصل لأنه لأجل آت، وكل آت قريب. وكل غاية لها انقضاء، فليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله. { وهو السميع } لما يقوله عباده، { العليم } بما يفعلونه، فلا يفوته شيء. { ومن جاهد } نفسه، بالصبر على مشاق الطاعات، ورفض الشهوات، وإذاية المخلوقات، وحبس النفس على مراقبة الحق في الأنفاس واللحظات، { فإنما يجاهد لنفسه } لأن منفعة ذلك لها، { إن الله لغني عن العالمين } وعن طاعاتهم ومجاهدتهم. وإنما أمر ونهي رحمة لهم، ومراعاة لصلاحهم. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم } أي: الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة، { ولنجزينهم } مع غنانا عنهم، { أحسن الذين كانوا يعملون } أي: أحسن جزاء أعمالهم بالفضل والكرم. والله تعالى أعلم. الإشارة: أم حسب الذين ينكرون على أوليائي، المنتسبين إلي، أن يسبقونا؟ بل لا بد أن نعاقبهم في الدنيا والآخرة، إما في الظاهر بمصيبة تنزل بهم، أو في الباطن، وهو أقبح، كقساوة في قلوبهم، أو: كسل في بدنهم، أو: شك في يقينهم، أو: بعد من ربهم، فإن من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. ثم بشر المتوجهين الذين يؤذون في جانبه، بأن لقاءه حاصل لهم إن صبروا، وهو الوصول إلى حضرته، والتنعم بقربه ومشاهدته، جزاء على صبرهم ومجاهدتهم، وهو الغني بالإطلاق. ثم حذر من طاعة من يرد عن التوحيد والاخلاص، فقال: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا... }

العنكبوت 29:5

يقول الحق جل جلاله: { أم حسب الذين يعملون السيئات } أي: الشرك والمعاصي وإذاية المسلمين، { أن يسبقونا } أي: يفوتونا، بل يلحقهم الجزاء لا محالة. و " أم ": منقطعة، ومعنى الإضراب فيها: أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول، لأن ذلك يظن أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساوئه، وشبهته أضعف، ولذلك عقبه بقوله: { ساء ما يحكمون } ، أي: بئس ما يحكمون به حكمهم في صفات الله أنه مسبوق، وهو القادر على كل شيء، فالمخصوص محذوف. ثم ذكر الحامل على الصبر عند الإمتحان، وهو رجاء لقاء الحبيب، فقال: { من كان يرجو لقاء الله } أي: يأمل ثوابه، أو يخاف حسابه، أو ينتظر رؤيته، { فإن أجل الله } المضروب للغاية { لآت } لا محالة. وهو تبشير بأن اللقاء حاصل لأنه لأجل آت، وكل آت قريب. وكل غاية لها انقضاء، فليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله. { وهو السميع } لما يقوله عباده، { العليم } بما يفعلونه، فلا يفوته شيء. { ومن جاهد } نفسه، بالصبر على مشاق الطاعات، ورفض الشهوات، وإذاية المخلوقات، وحبس النفس على مراقبة الحق في الأنفاس واللحظات، { فإنما يجاهد لنفسه } لأن منفعة ذلك لها، { إن الله لغني عن العالمين } وعن طاعاتهم ومجاهدتهم. وإنما أمر ونهي رحمة لهم، ومراعاة لصلاحهم. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم } أي: الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة، { ولنجزينهم } مع غنانا عنهم، { أحسن الذين كانوا يعملون } أي: أحسن جزاء أعمالهم بالفضل والكرم. والله تعالى أعلم. الإشارة: أم حسب الذين ينكرون على أوليائي، المنتسبين إلي، أن يسبقونا؟ بل لا بد أن نعاقبهم في الدنيا والآخرة، إما في الظاهر بمصيبة تنزل بهم، أو في الباطن، وهو أقبح، كقساوة في قلوبهم، أو: كسل في بدنهم، أو: شك في يقينهم، أو: بعد من ربهم، فإن من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. ثم بشر المتوجهين الذين يؤذون في جانبه، بأن لقاءه حاصل لهم إن صبروا، وهو الوصول إلى حضرته، والتنعم بقربه ومشاهدته، جزاء على صبرهم ومجاهدتهم، وهو الغني بالإطلاق. ثم حذر من طاعة من يرد عن التوحيد والاخلاص، فقال: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا... }

العنكبوت 29:6

يقول الحق جل جلاله: { أم حسب الذين يعملون السيئات } أي: الشرك والمعاصي وإذاية المسلمين، { أن يسبقونا } أي: يفوتونا، بل يلحقهم الجزاء لا محالة. و " أم ": منقطعة، ومعنى الإضراب فيها: أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول، لأن ذلك يظن أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساوئه، وشبهته أضعف، ولذلك عقبه بقوله: { ساء ما يحكمون } ، أي: بئس ما يحكمون به حكمهم في صفات الله أنه مسبوق، وهو القادر على كل شيء، فالمخصوص محذوف. ثم ذكر الحامل على الصبر عند الإمتحان، وهو رجاء لقاء الحبيب، فقال: { من كان يرجو لقاء الله } أي: يأمل ثوابه، أو يخاف حسابه، أو ينتظر رؤيته، { فإن أجل الله } المضروب للغاية { لآت } لا محالة. وهو تبشير بأن اللقاء حاصل لأنه لأجل آت، وكل آت قريب. وكل غاية لها انقضاء، فليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله. { وهو السميع } لما يقوله عباده، { العليم } بما يفعلونه، فلا يفوته شيء. { ومن جاهد } نفسه، بالصبر على مشاق الطاعات، ورفض الشهوات، وإذاية المخلوقات، وحبس النفس على مراقبة الحق في الأنفاس واللحظات، { فإنما يجاهد لنفسه } لأن منفعة ذلك لها، { إن الله لغني عن العالمين } وعن طاعاتهم ومجاهدتهم. وإنما أمر ونهي رحمة لهم، ومراعاة لصلاحهم. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم } أي: الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة، { ولنجزينهم } مع غنانا عنهم، { أحسن الذين كانوا يعملون } أي: أحسن جزاء أعمالهم بالفضل والكرم. والله تعالى أعلم. الإشارة: أم حسب الذين ينكرون على أوليائي، المنتسبين إلي، أن يسبقونا؟ بل لا بد أن نعاقبهم في الدنيا والآخرة، إما في الظاهر بمصيبة تنزل بهم، أو في الباطن، وهو أقبح، كقساوة في قلوبهم، أو: كسل في بدنهم، أو: شك في يقينهم، أو: بعد من ربهم، فإن من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. ثم بشر المتوجهين الذين يؤذون في جانبه، بأن لقاءه حاصل لهم إن صبروا، وهو الوصول إلى حضرته، والتنعم بقربه ومشاهدته، جزاء على صبرهم ومجاهدتهم، وهو الغني بالإطلاق. ثم حذر من طاعة من يرد عن التوحيد والاخلاص، فقال: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا... }

العنكبوت 29:7

يقول الحق جل جلاله: { أم حسب الذين يعملون السيئات } أي: الشرك والمعاصي وإذاية المسلمين، { أن يسبقونا } أي: يفوتونا، بل يلحقهم الجزاء لا محالة. و " أم ": منقطعة، ومعنى الإضراب فيها: أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول، لأن ذلك يظن أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساوئه، وشبهته أضعف، ولذلك عقبه بقوله: { ساء ما يحكمون } ، أي: بئس ما يحكمون به حكمهم في صفات الله أنه مسبوق، وهو القادر على كل شيء، فالمخصوص محذوف. ثم ذكر الحامل على الصبر عند الإمتحان، وهو رجاء لقاء الحبيب، فقال: { من كان يرجو لقاء الله } أي: يأمل ثوابه، أو يخاف حسابه، أو ينتظر رؤيته، { فإن أجل الله } المضروب للغاية { لآت } لا محالة. وهو تبشير بأن اللقاء حاصل لأنه لأجل آت، وكل آت قريب. وكل غاية لها انقضاء، فليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله. { وهو السميع } لما يقوله عباده، { العليم } بما يفعلونه، فلا يفوته شيء. { ومن جاهد } نفسه، بالصبر على مشاق الطاعات، ورفض الشهوات، وإذاية المخلوقات، وحبس النفس على مراقبة الحق في الأنفاس واللحظات، { فإنما يجاهد لنفسه } لأن منفعة ذلك لها، { إن الله لغني عن العالمين } وعن طاعاتهم ومجاهدتهم. وإنما أمر ونهي رحمة لهم، ومراعاة لصلاحهم. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم } أي: الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة، { ولنجزينهم } مع غنانا عنهم، { أحسن الذين كانوا يعملون } أي: أحسن جزاء أعمالهم بالفضل والكرم. والله تعالى أعلم. الإشارة: أم حسب الذين ينكرون على أوليائي، المنتسبين إلي، أن يسبقونا؟ بل لا بد أن نعاقبهم في الدنيا والآخرة، إما في الظاهر بمصيبة تنزل بهم، أو في الباطن، وهو أقبح، كقساوة في قلوبهم، أو: كسل في بدنهم، أو: شك في يقينهم، أو: بعد من ربهم، فإن من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. ثم بشر المتوجهين الذين يؤذون في جانبه، بأن لقاءه حاصل لهم إن صبروا، وهو الوصول إلى حضرته، والتنعم بقربه ومشاهدته، جزاء على صبرهم ومجاهدتهم، وهو الغني بالإطلاق. ثم حذر من طاعة من يرد عن التوحيد والاخلاص، فقال: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا... }

العنكبوت 29:8

قلت: " وصى " حكمه حكم " أمر " ، يقال وصيت زيدا بان يفعل خيرا، كما تقول: أمرته بأن يفعل خيرا، ومنه: ووصى بهآ إبراهيم بنيه [البقرة: 132]، أي: أمرهم بكلمة التوحيد ووصاهم عليها. يقول الحق جل جلاله: { ووصينا الإنسان بوالديه } أمرناه بإيتاء والديه { حسنا } أي: فعلا ذا حسن، أو: ما هو في ذاته حسن، لفرط حسنه، كقوله: وقولوا للناس حسنا [البقرة: 83] أو: وصينا الإنسان بتعاهد والديه، وقلنا له: أحسن بهما حسنا، أو أولهما حسنا. { وإن جاهداك } أي: حملاك بالمجاهدة والجد { لتشرك بي ما ليس لك به علم } أي: لا علم لك بالإلهية، والمراد نفي العلم نفي المعلوم، وكأنه قيل: لتشرك بي شيئا لا يصح أن يكون إلها، وقيل: ما ليس لك به حجة لأنها طريق العلم، فهو قوله: لا برهان له به [المؤمنون: 117]، بل هو باطل عقلا ونقلا، { فلا تطعمها } في ذلك إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. { إلي مرجعكم } ، من آمن منكم ومن أشرك، { فأنبئكم بما كنتم تعملون } فأجازيكم حق جزائكم. وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك، وحث على الثبات والاستقامة في الدين. روي أن سعد بن أبي وقاص لما أسلم، نذرت أمه ألا تأكل ولا تشرب حتى يرتد، فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية والتي في لقمان وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما [لقمان: 15]. { والذين آمنوا } ثبتوا على الإيمان { وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين } أي: في جملتهم، والصلاح من أبلغ صفة المؤمنين، وهو متمني الأنبياء، فقال سليمان عليه السلام: وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين [النمل: 19]. وقال يوسف عليه السلام: توفني مسلما وألحقني بالصالحين [يوسف: 101] أو: في مدخل الصالحين، وهو الجنة. الإشارة: قد وصى الله تعالى بطاعة الوالدين في كل شيء، إلا في شأن التوحيد والتخلص من الشرك الجلي والخفي، فإن ظهر شيخ التربية ومنع الوالدان ولدهما من صحبته، ليتطهر من شركه، فلا يطعمها، وسيأتي في لقمان دليل ذلك، إن شاء الله. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن من امتحن فافتضح، فقال: { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ... }

العنكبوت 29:9

قلت: " وصى " حكمه حكم " أمر " ، يقال وصيت زيدا بان يفعل خيرا، كما تقول: أمرته بأن يفعل خيرا، ومنه: ووصى بهآ إبراهيم بنيه [البقرة: 132]، أي: أمرهم بكلمة التوحيد ووصاهم عليها. يقول الحق جل جلاله: { ووصينا الإنسان بوالديه } أمرناه بإيتاء والديه { حسنا } أي: فعلا ذا حسن، أو: ما هو في ذاته حسن، لفرط حسنه، كقوله: وقولوا للناس حسنا [البقرة: 83] أو: وصينا الإنسان بتعاهد والديه، وقلنا له: أحسن بهما حسنا، أو أولهما حسنا. { وإن جاهداك } أي: حملاك بالمجاهدة والجد { لتشرك بي ما ليس لك به علم } أي: لا علم لك بالإلهية، والمراد نفي العلم نفي المعلوم، وكأنه قيل: لتشرك بي شيئا لا يصح أن يكون إلها، وقيل: ما ليس لك به حجة لأنها طريق العلم، فهو قوله: لا برهان له به [المؤمنون: 117]، بل هو باطل عقلا ونقلا، { فلا تطعمها } في ذلك إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. { إلي مرجعكم } ، من آمن منكم ومن أشرك، { فأنبئكم بما كنتم تعملون } فأجازيكم حق جزائكم. وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك، وحث على الثبات والاستقامة في الدين. روي أن سعد بن أبي وقاص لما أسلم، نذرت أمه ألا تأكل ولا تشرب حتى يرتد، فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية والتي في لقمان وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما [لقمان: 15]. { والذين آمنوا } ثبتوا على الإيمان { وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين } أي: في جملتهم، والصلاح من أبلغ صفة المؤمنين، وهو متمني الأنبياء، فقال سليمان عليه السلام: وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين [النمل: 19]. وقال يوسف عليه السلام: توفني مسلما وألحقني بالصالحين [يوسف: 101] أو: في مدخل الصالحين، وهو الجنة. الإشارة: قد وصى الله تعالى بطاعة الوالدين في كل شيء، إلا في شأن التوحيد والتخلص من الشرك الجلي والخفي، فإن ظهر شيخ التربية ومنع الوالدان ولدهما من صحبته، ليتطهر من شركه، فلا يطعمها، وسيأتي في لقمان دليل ذلك، إن شاء الله. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن من امتحن فافتضح، فقال: { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ... }

العنكبوت 29:10

يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يقول آمنا بالله } ، فيدخل في جملة المسلمين، { فإذا أوذي في الله } أي: مسه أذى من الكفرة بأن عذبوه على الإيمان، { جعل فتنة الناس كعذاب الله } أي: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله، فيصرف عن الإيمان، { ولئن جاء نصر من ربك } فتح أو غنيمة، { ليقولن إنا كنا معكم } أي: متابعين لكم في دينكم، ثابتين عليه بثباتكم، فأعطونا نصيبا من المغنم. والمراد بهم: المنافقون، أو: قوم ضعف إيمانهم فارتدوا. قال تعالى: { أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } أي: هو أعلم بما في صدور العالمين. ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق، وما في صدور المؤمنين. من الإخلاص. الإشارة: منافق أهل الإيمان هو الذي يظهر الإيمان في الرخاء ويرجع عنه في الشدة، ومنافق الصوفية هو الذي يظهر الانتساب في السعة والجمال، فإذا وقع البلاء والاختبار بأهل النسبة خرج عنهم، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله بالقطيعة والحجاب، ولئن جاء لأهل النسبة نصر وعز، ليقولن: إنا كنا معكم. وقد رأينا كثيرا من هذا النوع، دخلوا في طريق القوم، فلما قابلتهم نيران التعرف والامتحان رجعوا القهقرى، فعند الامتحان يعز المرء أو يهان، وعند الحملة يتميز الجبان من الشجاع. قال القشيري: المحن تظهر جواهر الرجال، وتدل على قيمتهم وأقدارهم. ثم من كانت محنته من فوات الدنيا، أو نقص نصيبه فيها، أو بموت قريب أو فقد حبيب، فحقير قدره، وكثير في الناس مثله. ومن كانت محنته في الله ولله، فعظيم قدره، وقليل مثله، في العدد قليل، ولكن في القدر والخطر جليل. ه. قلت: معنى كلامه: أن العامة يمتحنهم الله ويختبرهم بذهاب حظوظهم وأحبابهم، فإن جزعوا فقدرهم حقير، وإن صبروا فأجرهم كبير، وأما الخاصة فيمتحنهم الله بسبب نسبتهم إلى الله، وإقبالهم عليه، أو الأمر بمعروف أو نهي عن منكر، فيؤذون في جانب الله، فمنهم من يسجن، ومنهم من يضرب، ومنهم من يجلى من بلده، فهؤلاء قدرهم عند الله كبير. ثم قال: والمؤمن من يكف الأذى، والولي من يتحمل من الناس الأذى، من غير شكوى، ولا إظهار دعوى. ه. ولما وقعت الإذابة من الكفار للمسلمين طمعوا فيهم كما قال تعالى: { وقال الذين كفروا للذين... }

العنكبوت 29:11

يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يقول آمنا بالله } ، فيدخل في جملة المسلمين، { فإذا أوذي في الله } أي: مسه أذى من الكفرة بأن عذبوه على الإيمان، { جعل فتنة الناس كعذاب الله } أي: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله، فيصرف عن الإيمان، { ولئن جاء نصر من ربك } فتح أو غنيمة، { ليقولن إنا كنا معكم } أي: متابعين لكم في دينكم، ثابتين عليه بثباتكم، فأعطونا نصيبا من المغنم. والمراد بهم: المنافقون، أو: قوم ضعف إيمانهم فارتدوا. قال تعالى: { أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } أي: هو أعلم بما في صدور العالمين. ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق، وما في صدور المؤمنين. من الإخلاص. الإشارة: منافق أهل الإيمان هو الذي يظهر الإيمان في الرخاء ويرجع عنه في الشدة، ومنافق الصوفية هو الذي يظهر الانتساب في السعة والجمال، فإذا وقع البلاء والاختبار بأهل النسبة خرج عنهم، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله بالقطيعة والحجاب، ولئن جاء لأهل النسبة نصر وعز، ليقولن: إنا كنا معكم. وقد رأينا كثيرا من هذا النوع، دخلوا في طريق القوم، فلما قابلتهم نيران التعرف والامتحان رجعوا القهقرى، فعند الامتحان يعز المرء أو يهان، وعند الحملة يتميز الجبان من الشجاع. قال القشيري: المحن تظهر جواهر الرجال، وتدل على قيمتهم وأقدارهم. ثم من كانت محنته من فوات الدنيا، أو نقص نصيبه فيها، أو بموت قريب أو فقد حبيب، فحقير قدره، وكثير في الناس مثله. ومن كانت محنته في الله ولله، فعظيم قدره، وقليل مثله، في العدد قليل، ولكن في القدر والخطر جليل. ه. قلت: معنى كلامه: أن العامة يمتحنهم الله ويختبرهم بذهاب حظوظهم وأحبابهم، فإن جزعوا فقدرهم حقير، وإن صبروا فأجرهم كبير، وأما الخاصة فيمتحنهم الله بسبب نسبتهم إلى الله، وإقبالهم عليه، أو الأمر بمعروف أو نهي عن منكر، فيؤذون في جانب الله، فمنهم من يسجن، ومنهم من يضرب، ومنهم من يجلى من بلده، فهؤلاء قدرهم عند الله كبير. ثم قال: والمؤمن من يكف الأذى، والولي من يتحمل من الناس الأذى، من غير شكوى، ولا إظهار دعوى. ه. ولما وقعت الإذابة من الكفار للمسلمين طمعوا فيهم كما قال تعالى: { وقال الذين كفروا للذين... }

العنكبوت 29:12

يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } من صناديد قريش، { للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا } الذي نسلكه، وهو الدخول في ديننا، { ولنحمل خطاياكم } إن كان ذلك خطيئة في زعمكم. أمروهم باتباع سبيلهم، وهي طريقتهم التي كانوا عليها، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا ليجتمع هذان الأمران في الحصول. والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، أي: إن تتبعوا سبيلنا حملنا خطاياكم. وهذا قول صناديد قريش، كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم، فإن كان ذلك فإنا نحمل عنكم الإثم. قال تعالى: { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } أي: ما هم حاملين شيئا من أوزارهم، { إنهم لكاذبون } فيما ادعوا لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف. { وليحملن أثقالهم } أي: أثقال أنفسهم بسبب كفرهم، { وأثقالا مع أثقالهم } أي: أثقالا أخر غير التي ضمنوا للمؤمنين حملها، وهي أثقال الذين كانوا سببا في ضلالهم، كقولهم: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم [النحل: 25]، { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } من الأكاذيب والأباطيل التي ضلوا بها. الإشارة: كل من عاق الناس عن الدخول في طريق التصفية والتخليص: تصدق عليه هذه الآية، فيتقلد بحمل نقائصهم ومساوئهم التي بقيت فيهم، فيحاسب عليها وعلى مساوئ نفسه. والله تعالى أعلم. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أوذي معه، بما جرى للأنبياء من قبله، فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه... }

العنكبوت 29:13

يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } من صناديد قريش، { للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا } الذي نسلكه، وهو الدخول في ديننا، { ولنحمل خطاياكم } إن كان ذلك خطيئة في زعمكم. أمروهم باتباع سبيلهم، وهي طريقتهم التي كانوا عليها، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا ليجتمع هذان الأمران في الحصول. والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، أي: إن تتبعوا سبيلنا حملنا خطاياكم. وهذا قول صناديد قريش، كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم، فإن كان ذلك فإنا نحمل عنكم الإثم. قال تعالى: { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } أي: ما هم حاملين شيئا من أوزارهم، { إنهم لكاذبون } فيما ادعوا لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف. { وليحملن أثقالهم } أي: أثقال أنفسهم بسبب كفرهم، { وأثقالا مع أثقالهم } أي: أثقالا أخر غير التي ضمنوا للمؤمنين حملها، وهي أثقال الذين كانوا سببا في ضلالهم، كقولهم: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم [النحل: 25]، { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } من الأكاذيب والأباطيل التي ضلوا بها. الإشارة: كل من عاق الناس عن الدخول في طريق التصفية والتخليص: تصدق عليه هذه الآية، فيتقلد بحمل نقائصهم ومساوئهم التي بقيت فيهم، فيحاسب عليها وعلى مساوئ نفسه. والله تعالى أعلم. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أوذي معه، بما جرى للأنبياء من قبله، فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه... }

العنكبوت 29:14

يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } يدعوهم إلى الله، وهم يؤذونه بالشتم والضرب حتى نصر، فاصبر كما صبر، فإن العاقبة للمتقين. روي أنه عاش ألفا وخمسين سنة وقيل: إنه ولد في حياة آدم وآدم يومئذ ابن ألف سنة إلا ستين عاما. وقيل: إلا أربعين. ذكره الفاسي في الحاشية. والمشهور: أن بينه وبين آدام نحو العشرة آباء. وروي أنه بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين. وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب أنه عاش في عمره ألفا وأربعمائة، وقيل: وستمائة، فقال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا؟ قال: كدار لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. ولم يقل: تسعمائة وخمسين سنة، لأنه، لو قيل ذلك، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل هنا، وكأنه قيل: تسعمائة وخمسين كاملة وافية العدد. مع أن ما ذكره الحق أسلس وأعذب لفظا، ولأن القصة سيقت لذكر ما ابتلى به نوح عليه السلام من أمته، وما كابده من طول المصابرة تسلية لنبينا - عليه الصلاة والسلام - فكان ذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض. وجيء، أولا: بالسنة ثم بالعام لأن تكرار لفظ واحد في كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة. { فأخذهم الطوفان } طوفان الماء، وهو ما طاف وأحاط، بكثرة وغلبة، من سيل، أو ظلام ليل، أو نحوها، { وهم ظالمون } أنفسهم بالكفر والشرك، { فأنجيناه وأصحاب السفينة } ، وكانوا ثمانية وسبعين نفسا، نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، أولاد نوح: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم، ومن آمن من غيرهم، { وجعلناها } أي: السفينة، أو الحادثة، أو القصة، { آية } عبرة وعظة { للعالمين } يتعظون بها. الإشارة: كل ما سلى به الأنبياء يسلى به الأولياء، فكل من أوذي في الله، او لحقته شدة من شدائد الزمان، فليعتبر بمن سلف قبله من الأكابر، ويتسلى بهم، ولينظر إلى لطف الله وبره وإحسانه، فإن لطفه لا ينفعك عن قدره. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: العارف هو الذي يغرق إساءته في إحسان الله إليه، ويغرق شداد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون. ثم ذكر قصة إبراهيم، فقال: { وإبراهيم إذ قال لقومه.... }

العنكبوت 29:15

يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } يدعوهم إلى الله، وهم يؤذونه بالشتم والضرب حتى نصر، فاصبر كما صبر، فإن العاقبة للمتقين. روي أنه عاش ألفا وخمسين سنة وقيل: إنه ولد في حياة آدم وآدم يومئذ ابن ألف سنة إلا ستين عاما. وقيل: إلا أربعين. ذكره الفاسي في الحاشية. والمشهور: أن بينه وبين آدام نحو العشرة آباء. وروي أنه بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين. وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب أنه عاش في عمره ألفا وأربعمائة، وقيل: وستمائة، فقال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا؟ قال: كدار لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. ولم يقل: تسعمائة وخمسين سنة، لأنه، لو قيل ذلك، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل هنا، وكأنه قيل: تسعمائة وخمسين كاملة وافية العدد. مع أن ما ذكره الحق أسلس وأعذب لفظا، ولأن القصة سيقت لذكر ما ابتلى به نوح عليه السلام من أمته، وما كابده من طول المصابرة تسلية لنبينا - عليه الصلاة والسلام - فكان ذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض. وجيء، أولا: بالسنة ثم بالعام لأن تكرار لفظ واحد في كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة. { فأخذهم الطوفان } طوفان الماء، وهو ما طاف وأحاط، بكثرة وغلبة، من سيل، أو ظلام ليل، أو نحوها، { وهم ظالمون } أنفسهم بالكفر والشرك، { فأنجيناه وأصحاب السفينة } ، وكانوا ثمانية وسبعين نفسا، نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، أولاد نوح: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم، ومن آمن من غيرهم، { وجعلناها } أي: السفينة، أو الحادثة، أو القصة، { آية } عبرة وعظة { للعالمين } يتعظون بها. الإشارة: كل ما سلى به الأنبياء يسلى به الأولياء، فكل من أوذي في الله، او لحقته شدة من شدائد الزمان، فليعتبر بمن سلف قبله من الأكابر، ويتسلى بهم، ولينظر إلى لطف الله وبره وإحسانه، فإن لطفه لا ينفعك عن قدره. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: العارف هو الذي يغرق إساءته في إحسان الله إليه، ويغرق شداد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون. ثم ذكر قصة إبراهيم، فقال: { وإبراهيم إذ قال لقومه.... }

العنكبوت 29:16

قلت: إبراهيم: عطف على نوح، أو متعلق باذكر، و وإذ قال: ظرف زمان لأرسلنا، أو: بدل اشتمال من إبراهيم إن نصب باذكر، لأن الأحيان تشتمل على ما فيها. يقول الحق جل جلاله: { وإبراهيم } أي: وأرسلنا إبراهيم { إذ قال لقومه } أي: أرسلناه حين كمل عقله وتم نظره، وبلغ من السن والعلم مبلغا صلح فيه لأن يعظ قومه، ويأمرهم بالعبادة والتقوى. وقرأ النخعي وأبو حنيفة: بالرفع. أي: ومن المرسلين إبراهيم، قال في وعظه: { اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم } مما أنتم عليه من الكفر، { إن كنتم تعلمون } إن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم. { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } أصناما { وتخلقون }: تختلفون وتكذبون، أو تصنعون أصناما بأيديكم تسمونها آلهة. وقرأ أبو حنيفة والسلمي: " وتخلقون " بالكسر والشد. من خلق للمبالغة. { إفكا }: وقرئ " أفكا " بفتح الهمزة، وهو مصدر، نحو كذب ولعب. واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله. { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا }: لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق، { فابتغوا عند الله الرزق } كله فإنه هو الرزاق وحده، لا يرزق غيره. { واعبدوه واشكروا له } أي: متوسلين إلى مطالبكم بعبادته، مقيدين لما خصكم به من النعم بشكره { إليه ترجعون } فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه، { وإن تكذبوا } أي: تكذبوني { فقد كذب أمم من قبلكم } رسلهم، { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } الذي يزول معه الشك. والمعنى: وأن تكذبوني فلا تضرونني بتكذيبكم فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضروهم، وإنما ضروا أنفسهم، حيث حل بهم العذاب. وأما الرسول فقد أدى ما عليه حين بلغ البلاغ المبين، الذي لم يبق معه شك، حيث اقترن بآيات الله معجزاته. أو: وإن كنت مكذبا فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة حيث كذبوا وعلى الرسول أن يبلغ، وما عليه أن يصدق ولايكذب. وهذه الآية من قوله: { وإن تكذبوا } إلى قوله: { فما كان جواب قومه }: يحتمل أن تكون من جملة قول إبراهيم عليه السلام لقومه، والمراد بالأمم قبله: قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وأن تكون من كلام الله في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشأن قريش، معترضة بين أول قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت: الجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه فلا تقول: مكة، وزيد قائم، خير بلاد الله؟ قلت: قد وقع الاتصال، وبيانه: أن إيراد قصة إبراهيم عليه السلام إنما هو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أباه إبراهيم كان مبتلى بنحو ما ابتلى به من شرك قومه، وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: { وإن تكذبوا } يا معشر قريش محمدا، فقد كذب إبراهيم قومه، وكل أمة كذبت نبيها لأن قوله: { فقد كذب أمم من قبلكم } لا بد من تناوله لأمة إبراهيم، وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الأيات بعدها من توابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله، وهدم الشرك، وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله وسلطانه، ووضح صحته وبرهانه. قاله النسفي. قال ابن جزي: { وإن تكذبوا } يحتمل ان يكون وعيدا للكفار وتهديدا لهم، أو يراد به تسلية النبي عن تكذيب قومه، بالتأسي بغيره من الأنبياء الذين كذبهم قومهم. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فابتغوا عند الله الرزق } قال سهل رضي الله عنه: معناه: اطلبوا الرزق في التوكل، لا في الكسب فإن طلب بالكسب سبيل العوام. وقال ابن عطاء الله: اطلبوا الرزق في الطاعة والإقبال على العبادة. وقال القشيري: وقدم ابتغاء الرزق لتوقف القيام بالعبادة عليه، ثم أمر بالشكر على الكفاية. ه. ثم أمرهم بالاعتبار، فقال: { أولم يروا كيف يبدئ... }

العنكبوت 29:17

قلت: إبراهيم: عطف على نوح، أو متعلق باذكر، و وإذ قال: ظرف زمان لأرسلنا، أو: بدل اشتمال من إبراهيم إن نصب باذكر، لأن الأحيان تشتمل على ما فيها. يقول الحق جل جلاله: { وإبراهيم } أي: وأرسلنا إبراهيم { إذ قال لقومه } أي: أرسلناه حين كمل عقله وتم نظره، وبلغ من السن والعلم مبلغا صلح فيه لأن يعظ قومه، ويأمرهم بالعبادة والتقوى. وقرأ النخعي وأبو حنيفة: بالرفع. أي: ومن المرسلين إبراهيم، قال في وعظه: { اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم } مما أنتم عليه من الكفر، { إن كنتم تعلمون } إن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم. { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } أصناما { وتخلقون }: تختلفون وتكذبون، أو تصنعون أصناما بأيديكم تسمونها آلهة. وقرأ أبو حنيفة والسلمي: " وتخلقون " بالكسر والشد. من خلق للمبالغة. { إفكا }: وقرئ " أفكا " بفتح الهمزة، وهو مصدر، نحو كذب ولعب. واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله. { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا }: لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق، { فابتغوا عند الله الرزق } كله فإنه هو الرزاق وحده، لا يرزق غيره. { واعبدوه واشكروا له } أي: متوسلين إلى مطالبكم بعبادته، مقيدين لما خصكم به من النعم بشكره { إليه ترجعون } فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه، { وإن تكذبوا } أي: تكذبوني { فقد كذب أمم من قبلكم } رسلهم، { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } الذي يزول معه الشك. والمعنى: وأن تكذبوني فلا تضرونني بتكذيبكم فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضروهم، وإنما ضروا أنفسهم، حيث حل بهم العذاب. وأما الرسول فقد أدى ما عليه حين بلغ البلاغ المبين، الذي لم يبق معه شك، حيث اقترن بآيات الله معجزاته. أو: وإن كنت مكذبا فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة حيث كذبوا وعلى الرسول أن يبلغ، وما عليه أن يصدق ولايكذب. وهذه الآية من قوله: { وإن تكذبوا } إلى قوله: { فما كان جواب قومه }: يحتمل أن تكون من جملة قول إبراهيم عليه السلام لقومه، والمراد بالأمم قبله: قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وأن تكون من كلام الله في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشأن قريش، معترضة بين أول قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت: الجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه فلا تقول: مكة، وزيد قائم، خير بلاد الله؟ قلت: قد وقع الاتصال، وبيانه: أن إيراد قصة إبراهيم عليه السلام إنما هو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أباه إبراهيم كان مبتلى بنحو ما ابتلى به من شرك قومه، وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: { وإن تكذبوا } يا معشر قريش محمدا، فقد كذب إبراهيم قومه، وكل أمة كذبت نبيها لأن قوله: { فقد كذب أمم من قبلكم } لا بد من تناوله لأمة إبراهيم، وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الأيات بعدها من توابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله، وهدم الشرك، وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله وسلطانه، ووضح صحته وبرهانه. قاله النسفي. قال ابن جزي: { وإن تكذبوا } يحتمل ان يكون وعيدا للكفار وتهديدا لهم، أو يراد به تسلية النبي عن تكذيب قومه، بالتأسي بغيره من الأنبياء الذين كذبهم قومهم. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فابتغوا عند الله الرزق } قال سهل رضي الله عنه: معناه: اطلبوا الرزق في التوكل، لا في الكسب فإن طلب بالكسب سبيل العوام. وقال ابن عطاء الله: اطلبوا الرزق في الطاعة والإقبال على العبادة. وقال القشيري: وقدم ابتغاء الرزق لتوقف القيام بالعبادة عليه، ثم أمر بالشكر على الكفاية. ه. ثم أمرهم بالاعتبار، فقال: { أولم يروا كيف يبدئ... }

العنكبوت 29:18

قلت: إبراهيم: عطف على نوح، أو متعلق باذكر، و وإذ قال: ظرف زمان لأرسلنا، أو: بدل اشتمال من إبراهيم إن نصب باذكر، لأن الأحيان تشتمل على ما فيها. يقول الحق جل جلاله: { وإبراهيم } أي: وأرسلنا إبراهيم { إذ قال لقومه } أي: أرسلناه حين كمل عقله وتم نظره، وبلغ من السن والعلم مبلغا صلح فيه لأن يعظ قومه، ويأمرهم بالعبادة والتقوى. وقرأ النخعي وأبو حنيفة: بالرفع. أي: ومن المرسلين إبراهيم، قال في وعظه: { اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم } مما أنتم عليه من الكفر، { إن كنتم تعلمون } إن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم. { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } أصناما { وتخلقون }: تختلفون وتكذبون، أو تصنعون أصناما بأيديكم تسمونها آلهة. وقرأ أبو حنيفة والسلمي: " وتخلقون " بالكسر والشد. من خلق للمبالغة. { إفكا }: وقرئ " أفكا " بفتح الهمزة، وهو مصدر، نحو كذب ولعب. واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله. { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا }: لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق، { فابتغوا عند الله الرزق } كله فإنه هو الرزاق وحده، لا يرزق غيره. { واعبدوه واشكروا له } أي: متوسلين إلى مطالبكم بعبادته، مقيدين لما خصكم به من النعم بشكره { إليه ترجعون } فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه، { وإن تكذبوا } أي: تكذبوني { فقد كذب أمم من قبلكم } رسلهم، { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } الذي يزول معه الشك. والمعنى: وأن تكذبوني فلا تضرونني بتكذيبكم فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضروهم، وإنما ضروا أنفسهم، حيث حل بهم العذاب. وأما الرسول فقد أدى ما عليه حين بلغ البلاغ المبين، الذي لم يبق معه شك، حيث اقترن بآيات الله معجزاته. أو: وإن كنت مكذبا فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة حيث كذبوا وعلى الرسول أن يبلغ، وما عليه أن يصدق ولايكذب. وهذه الآية من قوله: { وإن تكذبوا } إلى قوله: { فما كان جواب قومه }: يحتمل أن تكون من جملة قول إبراهيم عليه السلام لقومه، والمراد بالأمم قبله: قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وأن تكون من كلام الله في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشأن قريش، معترضة بين أول قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت: الجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه فلا تقول: مكة، وزيد قائم، خير بلاد الله؟ قلت: قد وقع الاتصال، وبيانه: أن إيراد قصة إبراهيم عليه السلام إنما هو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أباه إبراهيم كان مبتلى بنحو ما ابتلى به من شرك قومه، وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: { وإن تكذبوا } يا معشر قريش محمدا، فقد كذب إبراهيم قومه، وكل أمة كذبت نبيها لأن قوله: { فقد كذب أمم من قبلكم } لا بد من تناوله لأمة إبراهيم، وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الأيات بعدها من توابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله، وهدم الشرك، وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله وسلطانه، ووضح صحته وبرهانه. قاله النسفي. قال ابن جزي: { وإن تكذبوا } يحتمل ان يكون وعيدا للكفار وتهديدا لهم، أو يراد به تسلية النبي عن تكذيب قومه، بالتأسي بغيره من الأنبياء الذين كذبهم قومهم. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فابتغوا عند الله الرزق } قال سهل رضي الله عنه: معناه: اطلبوا الرزق في التوكل، لا في الكسب فإن طلب بالكسب سبيل العوام. وقال ابن عطاء الله: اطلبوا الرزق في الطاعة والإقبال على العبادة. وقال القشيري: وقدم ابتغاء الرزق لتوقف القيام بالعبادة عليه، ثم أمر بالشكر على الكفاية. ه. ثم أمرهم بالاعتبار، فقال: { أولم يروا كيف يبدئ... }

العنكبوت 29:19

قلت: يقال: بدأ الله الخلق، وأبداه: بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة. وقوله: يعيده: عطف على الجلمة، لا على يبدئ لأن رؤية البداءة بالمشاهدة بخلاف الإعادة، فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وهم لا يقرونها، لعدم النظر. وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات وإبداءه، وعلى هذا تكون ثم يعيده: عطفا على يبدئ. يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: كفار قريش { كيف يبدىء الله الخلق } أي: يظهره من العدم، أي: قد رأوا ذلك وعلموه، { ثم يعيده } بالبعث للجزاء بالعذاب والثواب. قال القشيري: الذي داخلهم في الشك هو بعث الخلق، فاحتج عليهم بما أراهم من فصول السنة بعد نقضها، وإعادتها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وكما أن ذلك سائغ في قدرته، كذلك بعث الخلق. ه. ونحوه لابن عطية وغيره. كما هو مشهود في الثمار، من كونها تبدأ، فتجنى، ثم تفنى، ثم تعيدها مرة أخرى. وكذلك يبدئ خلق الإنسان، ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا آخر، وكذا سائر الحيوان. وهذا يرشح صحة عطف " يعيد " على " يبدئ ". { إن ذلك على الله يسير } أي: الإعادة بعد الإفناء يسيرة على قدرة الله تعالى. { قل سيروا في الأرض } أي: قل يا محمد، وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره: وأوحينا إليه أن قل: سيروا في الأرض، { فانظروا كيف بدأ الخلق } على كثرتهم، واختلاف أحوالهم وألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، تفاوت هيئاتهم، لتعرفوا عجائب قدرة الله بالمشاهدة، ويقوي إيمانكم بالبعث، وهو قوله: { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } أي: البعث، وهذا دليل على أنهما نشأتان: نشأة الاختراع ونشأة الإعادة، غير إن الآخرة إنشاء بعد إنشاء، والأولى ليست كذلك. والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة، وإنما عدل عنه لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء، بإنه من الله، احتج بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب ألا يعجزه الإعادة فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. قال النسفي. { إن الله على كل شيء قدير } فلا يعجزه شيء. { يعذب من يشاء } بعدله { ويرحم من يشاء } بفضله، أو: يعذب من يشاء بالخذلان، ويرحم بالهداية للإيمان، أو: يعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة، أو: يعذب بالتدبير والاختيار ويرحم بالرضا والتسليم لمجاري الأقدار، أو: يعذب بالإعراض عنه، ويرحم بالإقبال عليه، أو: بالاستتار والتجلي، أو: بالقبض والبسط، أو بالمجاهدة والمشاهدة، إلى غير ذلك. { وإليه تقلبون } تردون للحساب والعقاب. { وما أنتم بمعجزين } أي: بفائتين ربكم إن هربتم من حكمه وقضائه، { في الأرض } الفسيحة، { ولا في السماء } التي هي أفسح منها وأبسط، لو كنتم فيها. { وما لكم من دون الله من ولي } يتولى أموركم، { ولا نصير } ولا ناصر يمنعكم من عذابه. { والذين كفروا بآيات الله } بدلائله على وحدانيته، أو كتبه، أو معجزاته، { ولقائه } وكفروا بلقائه، { أولئك يئسوا من رحمتي } جنتي، { وأولئك لهم عذاب أليم } موجع. وبالله التوفيق. الإشارة: أولم ير أهل فكرة الاستبصار كيف يظهر الحق تجلياته من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ثم يبطنها، فيردها لأصلها من اللطافة، ثم ينشأها النشأة الثانية، تكون معانيها أظهر من حسها، وقدرتها أظهر من حكمتها، فليس عند أهل التوحيد الخاص شيء يفنى، وإنما يبطن ما ظهر، ويظهر ما بطن، ولا زائد على أسرار الذات وأنوار الصفات. وهذا أمر لا يدركه إلا أفراد الرجال بصحبة أكابر الرجال، وهو لب العلم، وخالصة طريقة ذكر الله، والتفرغ عن كل شيء ما يشغل عن الله، بعد قتل النفوس وحط الرؤوس وبذل الفلوس. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب قوم إبراهيم، فقال: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا... }

العنكبوت 29:20

قلت: يقال: بدأ الله الخلق، وأبداه: بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة. وقوله: يعيده: عطف على الجلمة، لا على يبدئ لأن رؤية البداءة بالمشاهدة بخلاف الإعادة، فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وهم لا يقرونها، لعدم النظر. وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات وإبداءه، وعلى هذا تكون ثم يعيده: عطفا على يبدئ. يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: كفار قريش { كيف يبدىء الله الخلق } أي: يظهره من العدم، أي: قد رأوا ذلك وعلموه، { ثم يعيده } بالبعث للجزاء بالعذاب والثواب. قال القشيري: الذي داخلهم في الشك هو بعث الخلق، فاحتج عليهم بما أراهم من فصول السنة بعد نقضها، وإعادتها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وكما أن ذلك سائغ في قدرته، كذلك بعث الخلق. ه. ونحوه لابن عطية وغيره. كما هو مشهود في الثمار، من كونها تبدأ، فتجنى، ثم تفنى، ثم تعيدها مرة أخرى. وكذلك يبدئ خلق الإنسان، ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا آخر، وكذا سائر الحيوان. وهذا يرشح صحة عطف " يعيد " على " يبدئ ". { إن ذلك على الله يسير } أي: الإعادة بعد الإفناء يسيرة على قدرة الله تعالى. { قل سيروا في الأرض } أي: قل يا محمد، وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره: وأوحينا إليه أن قل: سيروا في الأرض، { فانظروا كيف بدأ الخلق } على كثرتهم، واختلاف أحوالهم وألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، تفاوت هيئاتهم، لتعرفوا عجائب قدرة الله بالمشاهدة، ويقوي إيمانكم بالبعث، وهو قوله: { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } أي: البعث، وهذا دليل على أنهما نشأتان: نشأة الاختراع ونشأة الإعادة، غير إن الآخرة إنشاء بعد إنشاء، والأولى ليست كذلك. والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة، وإنما عدل عنه لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء، بإنه من الله، احتج بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب ألا يعجزه الإعادة فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. قال النسفي. { إن الله على كل شيء قدير } فلا يعجزه شيء. { يعذب من يشاء } بعدله { ويرحم من يشاء } بفضله، أو: يعذب من يشاء بالخذلان، ويرحم بالهداية للإيمان، أو: يعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة، أو: يعذب بالتدبير والاختيار ويرحم بالرضا والتسليم لمجاري الأقدار، أو: يعذب بالإعراض عنه، ويرحم بالإقبال عليه، أو: بالاستتار والتجلي، أو: بالقبض والبسط، أو بالمجاهدة والمشاهدة، إلى غير ذلك. { وإليه تقلبون } تردون للحساب والعقاب. { وما أنتم بمعجزين } أي: بفائتين ربكم إن هربتم من حكمه وقضائه، { في الأرض } الفسيحة، { ولا في السماء } التي هي أفسح منها وأبسط، لو كنتم فيها. { وما لكم من دون الله من ولي } يتولى أموركم، { ولا نصير } ولا ناصر يمنعكم من عذابه. { والذين كفروا بآيات الله } بدلائله على وحدانيته، أو كتبه، أو معجزاته، { ولقائه } وكفروا بلقائه، { أولئك يئسوا من رحمتي } جنتي، { وأولئك لهم عذاب أليم } موجع. وبالله التوفيق. الإشارة: أولم ير أهل فكرة الاستبصار كيف يظهر الحق تجلياته من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ثم يبطنها، فيردها لأصلها من اللطافة، ثم ينشأها النشأة الثانية، تكون معانيها أظهر من حسها، وقدرتها أظهر من حكمتها، فليس عند أهل التوحيد الخاص شيء يفنى، وإنما يبطن ما ظهر، ويظهر ما بطن، ولا زائد على أسرار الذات وأنوار الصفات. وهذا أمر لا يدركه إلا أفراد الرجال بصحبة أكابر الرجال، وهو لب العلم، وخالصة طريقة ذكر الله، والتفرغ عن كل شيء ما يشغل عن الله، بعد قتل النفوس وحط الرؤوس وبذل الفلوس. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب قوم إبراهيم، فقال: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا... }

العنكبوت 29:21

قلت: يقال: بدأ الله الخلق، وأبداه: بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة. وقوله: يعيده: عطف على الجلمة، لا على يبدئ لأن رؤية البداءة بالمشاهدة بخلاف الإعادة، فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وهم لا يقرونها، لعدم النظر. وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات وإبداءه، وعلى هذا تكون ثم يعيده: عطفا على يبدئ. يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: كفار قريش { كيف يبدىء الله الخلق } أي: يظهره من العدم، أي: قد رأوا ذلك وعلموه، { ثم يعيده } بالبعث للجزاء بالعذاب والثواب. قال القشيري: الذي داخلهم في الشك هو بعث الخلق، فاحتج عليهم بما أراهم من فصول السنة بعد نقضها، وإعادتها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وكما أن ذلك سائغ في قدرته، كذلك بعث الخلق. ه. ونحوه لابن عطية وغيره. كما هو مشهود في الثمار، من كونها تبدأ، فتجنى، ثم تفنى، ثم تعيدها مرة أخرى. وكذلك يبدئ خلق الإنسان، ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا آخر، وكذا سائر الحيوان. وهذا يرشح صحة عطف " يعيد " على " يبدئ ". { إن ذلك على الله يسير } أي: الإعادة بعد الإفناء يسيرة على قدرة الله تعالى. { قل سيروا في الأرض } أي: قل يا محمد، وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره: وأوحينا إليه أن قل: سيروا في الأرض، { فانظروا كيف بدأ الخلق } على كثرتهم، واختلاف أحوالهم وألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، تفاوت هيئاتهم، لتعرفوا عجائب قدرة الله بالمشاهدة، ويقوي إيمانكم بالبعث، وهو قوله: { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } أي: البعث، وهذا دليل على أنهما نشأتان: نشأة الاختراع ونشأة الإعادة، غير إن الآخرة إنشاء بعد إنشاء، والأولى ليست كذلك. والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة، وإنما عدل عنه لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء، بإنه من الله، احتج بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب ألا يعجزه الإعادة فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. قال النسفي. { إن الله على كل شيء قدير } فلا يعجزه شيء. { يعذب من يشاء } بعدله { ويرحم من يشاء } بفضله، أو: يعذب من يشاء بالخذلان، ويرحم بالهداية للإيمان، أو: يعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة، أو: يعذب بالتدبير والاختيار ويرحم بالرضا والتسليم لمجاري الأقدار، أو: يعذب بالإعراض عنه، ويرحم بالإقبال عليه، أو: بالاستتار والتجلي، أو: بالقبض والبسط، أو بالمجاهدة والمشاهدة، إلى غير ذلك. { وإليه تقلبون } تردون للحساب والعقاب. { وما أنتم بمعجزين } أي: بفائتين ربكم إن هربتم من حكمه وقضائه، { في الأرض } الفسيحة، { ولا في السماء } التي هي أفسح منها وأبسط، لو كنتم فيها. { وما لكم من دون الله من ولي } يتولى أموركم، { ولا نصير } ولا ناصر يمنعكم من عذابه. { والذين كفروا بآيات الله } بدلائله على وحدانيته، أو كتبه، أو معجزاته، { ولقائه } وكفروا بلقائه، { أولئك يئسوا من رحمتي } جنتي، { وأولئك لهم عذاب أليم } موجع. وبالله التوفيق. الإشارة: أولم ير أهل فكرة الاستبصار كيف يظهر الحق تجلياته من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ثم يبطنها، فيردها لأصلها من اللطافة، ثم ينشأها النشأة الثانية، تكون معانيها أظهر من حسها، وقدرتها أظهر من حكمتها، فليس عند أهل التوحيد الخاص شيء يفنى، وإنما يبطن ما ظهر، ويظهر ما بطن، ولا زائد على أسرار الذات وأنوار الصفات. وهذا أمر لا يدركه إلا أفراد الرجال بصحبة أكابر الرجال، وهو لب العلم، وخالصة طريقة ذكر الله، والتفرغ عن كل شيء ما يشغل عن الله، بعد قتل النفوس وحط الرؤوس وبذل الفلوس. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب قوم إبراهيم، فقال: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا... }

العنكبوت 29:22

قلت: يقال: بدأ الله الخلق، وأبداه: بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة. وقوله: يعيده: عطف على الجلمة، لا على يبدئ لأن رؤية البداءة بالمشاهدة بخلاف الإعادة، فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وهم لا يقرونها، لعدم النظر. وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات وإبداءه، وعلى هذا تكون ثم يعيده: عطفا على يبدئ. يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: كفار قريش { كيف يبدىء الله الخلق } أي: يظهره من العدم، أي: قد رأوا ذلك وعلموه، { ثم يعيده } بالبعث للجزاء بالعذاب والثواب. قال القشيري: الذي داخلهم في الشك هو بعث الخلق، فاحتج عليهم بما أراهم من فصول السنة بعد نقضها، وإعادتها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وكما أن ذلك سائغ في قدرته، كذلك بعث الخلق. ه. ونحوه لابن عطية وغيره. كما هو مشهود في الثمار، من كونها تبدأ، فتجنى، ثم تفنى، ثم تعيدها مرة أخرى. وكذلك يبدئ خلق الإنسان، ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا آخر، وكذا سائر الحيوان. وهذا يرشح صحة عطف " يعيد " على " يبدئ ". { إن ذلك على الله يسير } أي: الإعادة بعد الإفناء يسيرة على قدرة الله تعالى. { قل سيروا في الأرض } أي: قل يا محمد، وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره: وأوحينا إليه أن قل: سيروا في الأرض، { فانظروا كيف بدأ الخلق } على كثرتهم، واختلاف أحوالهم وألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، تفاوت هيئاتهم، لتعرفوا عجائب قدرة الله بالمشاهدة، ويقوي إيمانكم بالبعث، وهو قوله: { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } أي: البعث، وهذا دليل على أنهما نشأتان: نشأة الاختراع ونشأة الإعادة، غير إن الآخرة إنشاء بعد إنشاء، والأولى ليست كذلك. والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة، وإنما عدل عنه لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء، بإنه من الله، احتج بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب ألا يعجزه الإعادة فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. قال النسفي. { إن الله على كل شيء قدير } فلا يعجزه شيء. { يعذب من يشاء } بعدله { ويرحم من يشاء } بفضله، أو: يعذب من يشاء بالخذلان، ويرحم بالهداية للإيمان، أو: يعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة، أو: يعذب بالتدبير والاختيار ويرحم بالرضا والتسليم لمجاري الأقدار، أو: يعذب بالإعراض عنه، ويرحم بالإقبال عليه، أو: بالاستتار والتجلي، أو: بالقبض والبسط، أو بالمجاهدة والمشاهدة، إلى غير ذلك. { وإليه تقلبون } تردون للحساب والعقاب. { وما أنتم بمعجزين } أي: بفائتين ربكم إن هربتم من حكمه وقضائه، { في الأرض } الفسيحة، { ولا في السماء } التي هي أفسح منها وأبسط، لو كنتم فيها. { وما لكم من دون الله من ولي } يتولى أموركم، { ولا نصير } ولا ناصر يمنعكم من عذابه. { والذين كفروا بآيات الله } بدلائله على وحدانيته، أو كتبه، أو معجزاته، { ولقائه } وكفروا بلقائه، { أولئك يئسوا من رحمتي } جنتي، { وأولئك لهم عذاب أليم } موجع. وبالله التوفيق. الإشارة: أولم ير أهل فكرة الاستبصار كيف يظهر الحق تجلياته من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ثم يبطنها، فيردها لأصلها من اللطافة، ثم ينشأها النشأة الثانية، تكون معانيها أظهر من حسها، وقدرتها أظهر من حكمتها، فليس عند أهل التوحيد الخاص شيء يفنى، وإنما يبطن ما ظهر، ويظهر ما بطن، ولا زائد على أسرار الذات وأنوار الصفات. وهذا أمر لا يدركه إلا أفراد الرجال بصحبة أكابر الرجال، وهو لب العلم، وخالصة طريقة ذكر الله، والتفرغ عن كل شيء ما يشغل عن الله، بعد قتل النفوس وحط الرؤوس وبذل الفلوس. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب قوم إبراهيم، فقال: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا... }

العنكبوت 29:23

قلت: يقال: بدأ الله الخلق، وأبداه: بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة. وقوله: يعيده: عطف على الجلمة، لا على يبدئ لأن رؤية البداءة بالمشاهدة بخلاف الإعادة، فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وهم لا يقرونها، لعدم النظر. وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات وإبداءه، وعلى هذا تكون ثم يعيده: عطفا على يبدئ. يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: كفار قريش { كيف يبدىء الله الخلق } أي: يظهره من العدم، أي: قد رأوا ذلك وعلموه، { ثم يعيده } بالبعث للجزاء بالعذاب والثواب. قال القشيري: الذي داخلهم في الشك هو بعث الخلق، فاحتج عليهم بما أراهم من فصول السنة بعد نقضها، وإعادتها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وكما أن ذلك سائغ في قدرته، كذلك بعث الخلق. ه. ونحوه لابن عطية وغيره. كما هو مشهود في الثمار، من كونها تبدأ، فتجنى، ثم تفنى، ثم تعيدها مرة أخرى. وكذلك يبدئ خلق الإنسان، ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا آخر، وكذا سائر الحيوان. وهذا يرشح صحة عطف " يعيد " على " يبدئ ". { إن ذلك على الله يسير } أي: الإعادة بعد الإفناء يسيرة على قدرة الله تعالى. { قل سيروا في الأرض } أي: قل يا محمد، وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره: وأوحينا إليه أن قل: سيروا في الأرض، { فانظروا كيف بدأ الخلق } على كثرتهم، واختلاف أحوالهم وألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، تفاوت هيئاتهم، لتعرفوا عجائب قدرة الله بالمشاهدة، ويقوي إيمانكم بالبعث، وهو قوله: { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } أي: البعث، وهذا دليل على أنهما نشأتان: نشأة الاختراع ونشأة الإعادة، غير إن الآخرة إنشاء بعد إنشاء، والأولى ليست كذلك. والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة، وإنما عدل عنه لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء، بإنه من الله، احتج بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب ألا يعجزه الإعادة فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. قال النسفي. { إن الله على كل شيء قدير } فلا يعجزه شيء. { يعذب من يشاء } بعدله { ويرحم من يشاء } بفضله، أو: يعذب من يشاء بالخذلان، ويرحم بالهداية للإيمان، أو: يعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة، أو: يعذب بالتدبير والاختيار ويرحم بالرضا والتسليم لمجاري الأقدار، أو: يعذب بالإعراض عنه، ويرحم بالإقبال عليه، أو: بالاستتار والتجلي، أو: بالقبض والبسط، أو بالمجاهدة والمشاهدة، إلى غير ذلك. { وإليه تقلبون } تردون للحساب والعقاب. { وما أنتم بمعجزين } أي: بفائتين ربكم إن هربتم من حكمه وقضائه، { في الأرض } الفسيحة، { ولا في السماء } التي هي أفسح منها وأبسط، لو كنتم فيها. { وما لكم من دون الله من ولي } يتولى أموركم، { ولا نصير } ولا ناصر يمنعكم من عذابه. { والذين كفروا بآيات الله } بدلائله على وحدانيته، أو كتبه، أو معجزاته، { ولقائه } وكفروا بلقائه، { أولئك يئسوا من رحمتي } جنتي، { وأولئك لهم عذاب أليم } موجع. وبالله التوفيق. الإشارة: أولم ير أهل فكرة الاستبصار كيف يظهر الحق تجلياته من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ثم يبطنها، فيردها لأصلها من اللطافة، ثم ينشأها النشأة الثانية، تكون معانيها أظهر من حسها، وقدرتها أظهر من حكمتها، فليس عند أهل التوحيد الخاص شيء يفنى، وإنما يبطن ما ظهر، ويظهر ما بطن، ولا زائد على أسرار الذات وأنوار الصفات. وهذا أمر لا يدركه إلا أفراد الرجال بصحبة أكابر الرجال، وهو لب العلم، وخالصة طريقة ذكر الله، والتفرغ عن كل شيء ما يشغل عن الله، بعد قتل النفوس وحط الرؤوس وبذل الفلوس. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب قوم إبراهيم، فقال: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا... }

العنكبوت 29:24

قلت: { مودة بينكم }: من نصبها: فله وجهان أحدهما: على التعليل، أي لتوادوا بينكم، والمفعول الثاني محذوف، أي: اتخذتم أوثانا آلهة. والثاني على المفعول الثاني لاتخذتم، كقوله: اتخذ آلهه هواه [الفرقان: 43]. وما: كافة، أي: اتخذتم الأوثان سبب المودة على حذف مضاف، أو: اتخذتموها مودودة بينكم. وبينكم: نصب على الظرفية نعت لمودة، أي: حاصلة بينكم. ومن رفع: فله وجهان إما خبر إن، وما موصولة، أو: عن مبتدأ محذوف، أي: هي مودة بينكم، وبينكم: مضاف إليه ما قبله. يقول الحق جل جلاله: { فما كان جواب قومه } قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الله { إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه } ، قاله بعضهم لبعض، أو: قاله واحد منهم، وكان الباقون راضين، فكانوا جميعا في الحكم القائلين. فاتفقوا على تحريقه، { فأنجاه الله من النار } حين قذفوه فيها بأن جعلها بردا وسلاما. وتقدم في الأنبياء تمام القصة. { إن في ذلك } فيما فعلوه به وفعلناه { لآيات } دالة على عظم قدرته { لقوم يؤمنون } لأنهم المنتفعون بالفصح عنها والتأمل فيها. روي أنه لم ينتفع بها في تلك الأيام أحد لذهاب حرها لأن كل نار سمعت الخطاب فامتثلت. { وقال } إبراهيم لقومه: { إنما اتخذتم من دون الله أوثانا } أصناما آلهة { مودة بينكم في الحياة الدنيا } أي: لتوادوا بينكم في الحياة الدنيا، وتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها، واتفاقكم عليها كما تتفق الناس على مذهب أو طريق، فيكون ذلك سبب تحابهم. أو: إنما اتخذتم الأوثان سبب المودة، أو اتخذتموها مودودة ومحبوبة بينكم، أو: إن التي اتخذتموها أوثانا تعبدونها هي مودة بينكم في الدنيا، { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } أي: تتبرأ الأصنام من عابديها كقوله: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو [الزخرف: 67]. { ويلعن بعضكم بعضا } ، فتلعن الأتباع الرؤساء: { ومأواكم النار } أي: مأوى العابد والمعبود والتابع والمتبوع. { وما لكم من ناصرين } يحصنونكم منها. الإشارة: الإنكار على أهل الخصوصية سنة الله في خلقه، فلا يأنف منها إلا جاهل، والاجتماع على التودد على غير ذكر الله ومحبته وما يقرب إليه، كله يؤدي إلى التباغض والتلاعن يوم القيامة { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ، وهم المتحابون في الله، والمجتمعون على ذكر الله والعلم به. والله تعالى أعلم.

العنكبوت 29:25

قلت: { مودة بينكم }: من نصبها: فله وجهان أحدهما: على التعليل، أي لتوادوا بينكم، والمفعول الثاني محذوف، أي: اتخذتم أوثانا آلهة. والثاني على المفعول الثاني لاتخذتم، كقوله: اتخذ آلهه هواه [الفرقان: 43]. وما: كافة، أي: اتخذتم الأوثان سبب المودة على حذف مضاف، أو: اتخذتموها مودودة بينكم. وبينكم: نصب على الظرفية نعت لمودة، أي: حاصلة بينكم. ومن رفع: فله وجهان إما خبر إن، وما موصولة، أو: عن مبتدأ محذوف، أي: هي مودة بينكم، وبينكم: مضاف إليه ما قبله. يقول الحق جل جلاله: { فما كان جواب قومه } قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الله { إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه } ، قاله بعضهم لبعض، أو: قاله واحد منهم، وكان الباقون راضين، فكانوا جميعا في الحكم القائلين. فاتفقوا على تحريقه، { فأنجاه الله من النار } حين قذفوه فيها بأن جعلها بردا وسلاما. وتقدم في الأنبياء تمام القصة. { إن في ذلك } فيما فعلوه به وفعلناه { لآيات } دالة على عظم قدرته { لقوم يؤمنون } لأنهم المنتفعون بالفصح عنها والتأمل فيها. روي أنه لم ينتفع بها في تلك الأيام أحد لذهاب حرها لأن كل نار سمعت الخطاب فامتثلت. { وقال } إبراهيم لقومه: { إنما اتخذتم من دون الله أوثانا } أصناما آلهة { مودة بينكم في الحياة الدنيا } أي: لتوادوا بينكم في الحياة الدنيا، وتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها، واتفاقكم عليها كما تتفق الناس على مذهب أو طريق، فيكون ذلك سبب تحابهم. أو: إنما اتخذتم الأوثان سبب المودة، أو اتخذتموها مودودة ومحبوبة بينكم، أو: إن التي اتخذتموها أوثانا تعبدونها هي مودة بينكم في الدنيا، { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } أي: تتبرأ الأصنام من عابديها كقوله: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو [الزخرف: 67]. { ويلعن بعضكم بعضا } ، فتلعن الأتباع الرؤساء: { ومأواكم النار } أي: مأوى العابد والمعبود والتابع والمتبوع. { وما لكم من ناصرين } يحصنونكم منها. الإشارة: الإنكار على أهل الخصوصية سنة الله في خلقه، فلا يأنف منها إلا جاهل، والاجتماع على التودد على غير ذكر الله ومحبته وما يقرب إليه، كله يؤدي إلى التباغض والتلاعن يوم القيامة { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ، وهم المتحابون في الله، والمجتمعون على ذكر الله والعلم به. والله تعالى أعلم.

العنكبوت 29:26

يقول الحق جل جلاله: { فآمن } لإبراهيم، أي: انقاد { له لوط } ، وكان ابن أخيه، وأول من آمن به حين رأى النار لم تحرقه. { وقال } إبراهيم: { إني مهاجر إلى ربي } إلى حيث أمرني ربي بالهجرة، وهو الشام، فخرج من " كوثى " ، وهي من سواد الكوفة، إلى حران، ثم منها إلى فلسطين، وهي من برية الشام، ونزل لوط بسدوم، ومن ثم قالوا لكل نبي هجرة، ولإبراهيم هجرتان. وكان معه، في هجرته، لوط وسارة زوجته. وقيل: القائل: { إني مهاجر إلى ربي } هو لوط، فأول من هاجر من الأنبياء إبراهيم ولوط. وذكر البيهقي: إن أول من هاجر منا في الإسلام بأهله: عثمان. ورفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قال: إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط. ه. يعني: الهجرة إلى الحبشة. وكانت - فيما ذكر الواقدي - سنة خمس من البعثة، وأما الهجرة إلى المدينة ففي البخاري عن البراء: أول من قدم المدينة من الصحابة، مهاجرا، مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، ثم جاء عمار، وبلال، وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم. { إنه هو العزيز } الذي يمنعني من أعدائي، { والحكيم } الذي لا يأمرني إلا بما هو خير لي. { ووهبنا له إسحاق } ولدا، { ويعقوب } ولد ولد، ولم يذكر إسماعيل لشهرته، أو: لأن إسحاق ولد بعد اليأس من عجوز عاقر، فعظمت المنة به. { وجعلنا في ذريته النبوة } أي في ذرية إبراهيم فإنه شجرة الأنبياء، { والكتاب } يريد به الجنس، ليتناول التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. { وآتيناه أجره في الدنيا } أي: الثناء الحسن، والصلاة عليه آخر الدهر، ومحبة أهل الملل له، أو: هو بقاء ضيافته عند قبره، وليس ذلك لغيره، أو: المال الحلال، واللفظ عام. وفيه دليل على أن الله تعالى قد يعجل لأوليائه بعض الأجر في الدنيا، ولا يخل بعلو منصبهم { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، والسكنى في جوارنا. أسكننا الله معهم في فسيح الجنان. آمين. الإشارة: الهجرة سنة الخواص، وهي على قسمين: هجرة حسية وهجرة معنوية، فالحسية هي هجرة العبد من وطن تكثر فيه الغفلة والعوائق عن الله أو الإذاية والإنكار إلى وطن يجد فيه اليقظة وقلة العوائق. والهجرة المعنوية: هي هجرة القلب من وطن المعصية إلى وطن التوبة، ومن وطن الغفلة إلى وطن اليقظة، ومن وطن الحرص إلى وطن الزهد والقناعة، ومن وطن الحظوظ والشهوات إلى وطن العفة والحرية، ومن وطن الشواغل إلى وطن التفرغ، ومن وطن رؤية الحس إلى رؤية المعاني، وهذه نهاية الهجرة. قال القشيري: لا تصح الهجرة إلى الله إلا بالتبري بالقلب من غير الله، والهجرة بالنفس يسيرة بالنسبة إلى الهجرة بالقلب، وهي هجرة الخواص، وهي الهجرة عن أوطان التفرقة إلى ساحة الجمع، والجمع بين التعريج في أوطان التفرقة والكون في مشاهدة الجمع متناف. ه. وقال في قوله تعالى: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } أي: للدنو والقربة والتخصيص بالزلفة. ه. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون... }

العنكبوت 29:27

يقول الحق جل جلاله: { فآمن } لإبراهيم، أي: انقاد { له لوط } ، وكان ابن أخيه، وأول من آمن به حين رأى النار لم تحرقه. { وقال } إبراهيم: { إني مهاجر إلى ربي } إلى حيث أمرني ربي بالهجرة، وهو الشام، فخرج من " كوثى " ، وهي من سواد الكوفة، إلى حران، ثم منها إلى فلسطين، وهي من برية الشام، ونزل لوط بسدوم، ومن ثم قالوا لكل نبي هجرة، ولإبراهيم هجرتان. وكان معه، في هجرته، لوط وسارة زوجته. وقيل: القائل: { إني مهاجر إلى ربي } هو لوط، فأول من هاجر من الأنبياء إبراهيم ولوط. وذكر البيهقي: إن أول من هاجر منا في الإسلام بأهله: عثمان. ورفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قال: إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط. ه. يعني: الهجرة إلى الحبشة. وكانت - فيما ذكر الواقدي - سنة خمس من البعثة، وأما الهجرة إلى المدينة ففي البخاري عن البراء: أول من قدم المدينة من الصحابة، مهاجرا، مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، ثم جاء عمار، وبلال، وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم. { إنه هو العزيز } الذي يمنعني من أعدائي، { والحكيم } الذي لا يأمرني إلا بما هو خير لي. { ووهبنا له إسحاق } ولدا، { ويعقوب } ولد ولد، ولم يذكر إسماعيل لشهرته، أو: لأن إسحاق ولد بعد اليأس من عجوز عاقر، فعظمت المنة به. { وجعلنا في ذريته النبوة } أي في ذرية إبراهيم فإنه شجرة الأنبياء، { والكتاب } يريد به الجنس، ليتناول التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. { وآتيناه أجره في الدنيا } أي: الثناء الحسن، والصلاة عليه آخر الدهر، ومحبة أهل الملل له، أو: هو بقاء ضيافته عند قبره، وليس ذلك لغيره، أو: المال الحلال، واللفظ عام. وفيه دليل على أن الله تعالى قد يعجل لأوليائه بعض الأجر في الدنيا، ولا يخل بعلو منصبهم { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، والسكنى في جوارنا. أسكننا الله معهم في فسيح الجنان. آمين. الإشارة: الهجرة سنة الخواص، وهي على قسمين: هجرة حسية وهجرة معنوية، فالحسية هي هجرة العبد من وطن تكثر فيه الغفلة والعوائق عن الله أو الإذاية والإنكار إلى وطن يجد فيه اليقظة وقلة العوائق. والهجرة المعنوية: هي هجرة القلب من وطن المعصية إلى وطن التوبة، ومن وطن الغفلة إلى وطن اليقظة، ومن وطن الحرص إلى وطن الزهد والقناعة، ومن وطن الحظوظ والشهوات إلى وطن العفة والحرية، ومن وطن الشواغل إلى وطن التفرغ، ومن وطن رؤية الحس إلى رؤية المعاني، وهذه نهاية الهجرة. قال القشيري: لا تصح الهجرة إلى الله إلا بالتبري بالقلب من غير الله، والهجرة بالنفس يسيرة بالنسبة إلى الهجرة بالقلب، وهي هجرة الخواص، وهي الهجرة عن أوطان التفرقة إلى ساحة الجمع، والجمع بين التعريج في أوطان التفرقة والكون في مشاهدة الجمع متناف. ه. وقال في قوله تعالى: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } أي: للدنو والقربة والتخصيص بالزلفة. ه. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون... }

العنكبوت 29:28

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } أي: الفعلة البالغة في القبح، وهي اللواطة، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين }: جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقال: لأن أحدا ممن قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } اي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، كما هو شأن قطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة لقصد الفاحشة، { وتأتون في ناديكم } في مجالسكم الغاصة بأهلها، ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، { المنكر } فعلهم الفاحشة بالرجال، أو المضارطة، أو: السباب والفحش في المزاح، أو الحذف بالحصى، أو: مضغ العلك، أو الفرقعة. وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وتأتون في ناديكم المنكر }؟ فقال: " كانوا يحذفون من يمر بهم الطريق، ويسخرون منهم " وقال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل قصعة من الحصى، فإذا مر بهم عابر قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به ". { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب، أو في دعوى النبوة، المفهومة من التوبيخ، { قال رب انصرني } بإنزال العذاب { على القوم المفسدين } بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها، وسنها لمن بعدهم. وصفهم بذلك مبالغة استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم بالولد، والنافلة إسحاق، ويعقوب، أي: مروا عليه، حين كانوا قاصدين قوم لوط، { قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية } سدوم، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام، قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم، قاله النسفي. { إن أهلها كانوا ظالمين } ، تعليل للإهلاك، أي: إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. { قال } إبراهيم: { إن فيها لوطا } أي: أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم، أو: وفيهم نبي بين أظهرهم؟ { قالوا } أي: الملائكة: { نحن أعلم } منك { بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال: { ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي: ساءه مجيئهم وغمه مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و " أن ": صلة لتأكيد الفعلين وترتيب أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه وطاقته، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع، إذا كان مطيقا للأمور، والأصل فيه: إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. { وقالوا } ، لما رأوا فيه أثر الضجر والخوف: { لا تخف ولا تحزن } على تمكنهم منا، { إنا منجوك وأهلك } أي: وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و " أهلك ": نصب بفعل محذوف، { إلا إمرأتك كانت من الغابرين }. في الكلام حذف يدل عليه ما في هود، أي: لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعا، وأما أنت فإنا منجوك... إلخ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر: إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا: { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } عذابا { من السماء بما كانوا يفسقون } بسبب فسقهم. { ولقد تركنا منها } من القرية { آية بينة } هي حكايتها الشائعة، أوآثار منازلهم الخربة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، حيث بقيت أنهارهم مسودة، وقيل: الحجارة المسطورة، فإنها بقيت بعدهم آية { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال القشيري: من جملة المنكر: تخلية الفساق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، ومن ذلك: ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر. ه. وقال في قوله تعالى: { إن فيها لوطا } ، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط تكلم في شأن لوط، إلى أن قالوا: { لننجينه... } إلخ، فدل ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط، ولو كان بريئا، لم يكن ظلما، لو كان كذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه، حتى كان يجادل عنه، بل لله أن يعذب من يعذب ويعافي، من يعافي بلا حجر ه. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى: قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه [المائدة: 17] الآية. ه. قلت: ظاهر قوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] أن مجادلته كانت عن قومه فقط لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75]... حتى قال له تعالى: يإبراهيم أعرض عن هذآ [هود: 76] لما تحتم عليهم العذاب، فتأمله. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم... }

العنكبوت 29:29

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } أي: الفعلة البالغة في القبح، وهي اللواطة، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين }: جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقال: لأن أحدا ممن قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } اي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، كما هو شأن قطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة لقصد الفاحشة، { وتأتون في ناديكم } في مجالسكم الغاصة بأهلها، ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، { المنكر } فعلهم الفاحشة بالرجال، أو المضارطة، أو: السباب والفحش في المزاح، أو الحذف بالحصى، أو: مضغ العلك، أو الفرقعة. وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وتأتون في ناديكم المنكر }؟ فقال: " كانوا يحذفون من يمر بهم الطريق، ويسخرون منهم " وقال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل قصعة من الحصى، فإذا مر بهم عابر قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به ". { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب، أو في دعوى النبوة، المفهومة من التوبيخ، { قال رب انصرني } بإنزال العذاب { على القوم المفسدين } بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها، وسنها لمن بعدهم. وصفهم بذلك مبالغة استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم بالولد، والنافلة إسحاق، ويعقوب، أي: مروا عليه، حين كانوا قاصدين قوم لوط، { قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية } سدوم، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام، قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم، قاله النسفي. { إن أهلها كانوا ظالمين } ، تعليل للإهلاك، أي: إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. { قال } إبراهيم: { إن فيها لوطا } أي: أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم، أو: وفيهم نبي بين أظهرهم؟ { قالوا } أي: الملائكة: { نحن أعلم } منك { بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال: { ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي: ساءه مجيئهم وغمه مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و " أن ": صلة لتأكيد الفعلين وترتيب أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه وطاقته، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع، إذا كان مطيقا للأمور، والأصل فيه: إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. { وقالوا } ، لما رأوا فيه أثر الضجر والخوف: { لا تخف ولا تحزن } على تمكنهم منا، { إنا منجوك وأهلك } أي: وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و " أهلك ": نصب بفعل محذوف، { إلا إمرأتك كانت من الغابرين }. في الكلام حذف يدل عليه ما في هود، أي: لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعا، وأما أنت فإنا منجوك... إلخ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر: إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا: { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } عذابا { من السماء بما كانوا يفسقون } بسبب فسقهم. { ولقد تركنا منها } من القرية { آية بينة } هي حكايتها الشائعة، أوآثار منازلهم الخربة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، حيث بقيت أنهارهم مسودة، وقيل: الحجارة المسطورة، فإنها بقيت بعدهم آية { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال القشيري: من جملة المنكر: تخلية الفساق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، ومن ذلك: ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر. ه. وقال في قوله تعالى: { إن فيها لوطا } ، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط تكلم في شأن لوط، إلى أن قالوا: { لننجينه... } إلخ، فدل ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط، ولو كان بريئا، لم يكن ظلما، لو كان كذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه، حتى كان يجادل عنه، بل لله أن يعذب من يعذب ويعافي، من يعافي بلا حجر ه. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى: قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه [المائدة: 17] الآية. ه. قلت: ظاهر قوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] أن مجادلته كانت عن قومه فقط لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75]... حتى قال له تعالى: يإبراهيم أعرض عن هذآ [هود: 76] لما تحتم عليهم العذاب، فتأمله. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم... }

العنكبوت 29:30

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } أي: الفعلة البالغة في القبح، وهي اللواطة، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين }: جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقال: لأن أحدا ممن قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } اي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، كما هو شأن قطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة لقصد الفاحشة، { وتأتون في ناديكم } في مجالسكم الغاصة بأهلها، ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، { المنكر } فعلهم الفاحشة بالرجال، أو المضارطة، أو: السباب والفحش في المزاح، أو الحذف بالحصى، أو: مضغ العلك، أو الفرقعة. وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وتأتون في ناديكم المنكر }؟ فقال: " كانوا يحذفون من يمر بهم الطريق، ويسخرون منهم " وقال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل قصعة من الحصى، فإذا مر بهم عابر قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به ". { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب، أو في دعوى النبوة، المفهومة من التوبيخ، { قال رب انصرني } بإنزال العذاب { على القوم المفسدين } بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها، وسنها لمن بعدهم. وصفهم بذلك مبالغة استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم بالولد، والنافلة إسحاق، ويعقوب، أي: مروا عليه، حين كانوا قاصدين قوم لوط، { قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية } سدوم، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام، قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم، قاله النسفي. { إن أهلها كانوا ظالمين } ، تعليل للإهلاك، أي: إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. { قال } إبراهيم: { إن فيها لوطا } أي: أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم، أو: وفيهم نبي بين أظهرهم؟ { قالوا } أي: الملائكة: { نحن أعلم } منك { بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال: { ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي: ساءه مجيئهم وغمه مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و " أن ": صلة لتأكيد الفعلين وترتيب أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه وطاقته، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع، إذا كان مطيقا للأمور، والأصل فيه: إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. { وقالوا } ، لما رأوا فيه أثر الضجر والخوف: { لا تخف ولا تحزن } على تمكنهم منا، { إنا منجوك وأهلك } أي: وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و " أهلك ": نصب بفعل محذوف، { إلا إمرأتك كانت من الغابرين }. في الكلام حذف يدل عليه ما في هود، أي: لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعا، وأما أنت فإنا منجوك... إلخ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر: إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا: { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } عذابا { من السماء بما كانوا يفسقون } بسبب فسقهم. { ولقد تركنا منها } من القرية { آية بينة } هي حكايتها الشائعة، أوآثار منازلهم الخربة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، حيث بقيت أنهارهم مسودة، وقيل: الحجارة المسطورة، فإنها بقيت بعدهم آية { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال القشيري: من جملة المنكر: تخلية الفساق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، ومن ذلك: ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر. ه. وقال في قوله تعالى: { إن فيها لوطا } ، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط تكلم في شأن لوط، إلى أن قالوا: { لننجينه... } إلخ، فدل ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط، ولو كان بريئا، لم يكن ظلما، لو كان كذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه، حتى كان يجادل عنه، بل لله أن يعذب من يعذب ويعافي، من يعافي بلا حجر ه. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى: قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه [المائدة: 17] الآية. ه. قلت: ظاهر قوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] أن مجادلته كانت عن قومه فقط لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75]... حتى قال له تعالى: يإبراهيم أعرض عن هذآ [هود: 76] لما تحتم عليهم العذاب، فتأمله. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم... }

العنكبوت 29:31

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } أي: الفعلة البالغة في القبح، وهي اللواطة، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين }: جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقال: لأن أحدا ممن قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } اي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، كما هو شأن قطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة لقصد الفاحشة، { وتأتون في ناديكم } في مجالسكم الغاصة بأهلها، ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، { المنكر } فعلهم الفاحشة بالرجال، أو المضارطة، أو: السباب والفحش في المزاح، أو الحذف بالحصى، أو: مضغ العلك، أو الفرقعة. وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وتأتون في ناديكم المنكر }؟ فقال: " كانوا يحذفون من يمر بهم الطريق، ويسخرون منهم " وقال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل قصعة من الحصى، فإذا مر بهم عابر قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به ". { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب، أو في دعوى النبوة، المفهومة من التوبيخ، { قال رب انصرني } بإنزال العذاب { على القوم المفسدين } بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها، وسنها لمن بعدهم. وصفهم بذلك مبالغة استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم بالولد، والنافلة إسحاق، ويعقوب، أي: مروا عليه، حين كانوا قاصدين قوم لوط، { قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية } سدوم، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام، قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم، قاله النسفي. { إن أهلها كانوا ظالمين } ، تعليل للإهلاك، أي: إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. { قال } إبراهيم: { إن فيها لوطا } أي: أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم، أو: وفيهم نبي بين أظهرهم؟ { قالوا } أي: الملائكة: { نحن أعلم } منك { بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال: { ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي: ساءه مجيئهم وغمه مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و " أن ": صلة لتأكيد الفعلين وترتيب أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه وطاقته، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع، إذا كان مطيقا للأمور، والأصل فيه: إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. { وقالوا } ، لما رأوا فيه أثر الضجر والخوف: { لا تخف ولا تحزن } على تمكنهم منا، { إنا منجوك وأهلك } أي: وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و " أهلك ": نصب بفعل محذوف، { إلا إمرأتك كانت من الغابرين }. في الكلام حذف يدل عليه ما في هود، أي: لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعا، وأما أنت فإنا منجوك... إلخ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر: إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا: { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } عذابا { من السماء بما كانوا يفسقون } بسبب فسقهم. { ولقد تركنا منها } من القرية { آية بينة } هي حكايتها الشائعة، أوآثار منازلهم الخربة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، حيث بقيت أنهارهم مسودة، وقيل: الحجارة المسطورة، فإنها بقيت بعدهم آية { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال القشيري: من جملة المنكر: تخلية الفساق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، ومن ذلك: ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر. ه. وقال في قوله تعالى: { إن فيها لوطا } ، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط تكلم في شأن لوط، إلى أن قالوا: { لننجينه... } إلخ، فدل ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط، ولو كان بريئا، لم يكن ظلما، لو كان كذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه، حتى كان يجادل عنه، بل لله أن يعذب من يعذب ويعافي، من يعافي بلا حجر ه. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى: قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه [المائدة: 17] الآية. ه. قلت: ظاهر قوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] أن مجادلته كانت عن قومه فقط لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75]... حتى قال له تعالى: يإبراهيم أعرض عن هذآ [هود: 76] لما تحتم عليهم العذاب، فتأمله. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم... }

العنكبوت 29:32

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } أي: الفعلة البالغة في القبح، وهي اللواطة، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين }: جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقال: لأن أحدا ممن قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } اي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، كما هو شأن قطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة لقصد الفاحشة، { وتأتون في ناديكم } في مجالسكم الغاصة بأهلها، ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، { المنكر } فعلهم الفاحشة بالرجال، أو المضارطة، أو: السباب والفحش في المزاح، أو الحذف بالحصى، أو: مضغ العلك، أو الفرقعة. وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وتأتون في ناديكم المنكر }؟ فقال: " كانوا يحذفون من يمر بهم الطريق، ويسخرون منهم " وقال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل قصعة من الحصى، فإذا مر بهم عابر قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به ". { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب، أو في دعوى النبوة، المفهومة من التوبيخ، { قال رب انصرني } بإنزال العذاب { على القوم المفسدين } بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها، وسنها لمن بعدهم. وصفهم بذلك مبالغة استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم بالولد، والنافلة إسحاق، ويعقوب، أي: مروا عليه، حين كانوا قاصدين قوم لوط، { قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية } سدوم، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام، قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم، قاله النسفي. { إن أهلها كانوا ظالمين } ، تعليل للإهلاك، أي: إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. { قال } إبراهيم: { إن فيها لوطا } أي: أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم، أو: وفيهم نبي بين أظهرهم؟ { قالوا } أي: الملائكة: { نحن أعلم } منك { بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال: { ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي: ساءه مجيئهم وغمه مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و " أن ": صلة لتأكيد الفعلين وترتيب أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه وطاقته، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع، إذا كان مطيقا للأمور، والأصل فيه: إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. { وقالوا } ، لما رأوا فيه أثر الضجر والخوف: { لا تخف ولا تحزن } على تمكنهم منا، { إنا منجوك وأهلك } أي: وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و " أهلك ": نصب بفعل محذوف، { إلا إمرأتك كانت من الغابرين }. في الكلام حذف يدل عليه ما في هود، أي: لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعا، وأما أنت فإنا منجوك... إلخ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر: إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا: { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } عذابا { من السماء بما كانوا يفسقون } بسبب فسقهم. { ولقد تركنا منها } من القرية { آية بينة } هي حكايتها الشائعة، أوآثار منازلهم الخربة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، حيث بقيت أنهارهم مسودة، وقيل: الحجارة المسطورة، فإنها بقيت بعدهم آية { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال القشيري: من جملة المنكر: تخلية الفساق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، ومن ذلك: ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر. ه. وقال في قوله تعالى: { إن فيها لوطا } ، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط تكلم في شأن لوط، إلى أن قالوا: { لننجينه... } إلخ، فدل ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط، ولو كان بريئا، لم يكن ظلما، لو كان كذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه، حتى كان يجادل عنه، بل لله أن يعذب من يعذب ويعافي، من يعافي بلا حجر ه. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى: قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه [المائدة: 17] الآية. ه. قلت: ظاهر قوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] أن مجادلته كانت عن قومه فقط لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75]... حتى قال له تعالى: يإبراهيم أعرض عن هذآ [هود: 76] لما تحتم عليهم العذاب، فتأمله. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم... }

العنكبوت 29:33

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } أي: الفعلة البالغة في القبح، وهي اللواطة، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين }: جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقال: لأن أحدا ممن قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } اي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، كما هو شأن قطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة لقصد الفاحشة، { وتأتون في ناديكم } في مجالسكم الغاصة بأهلها، ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، { المنكر } فعلهم الفاحشة بالرجال، أو المضارطة، أو: السباب والفحش في المزاح، أو الحذف بالحصى، أو: مضغ العلك، أو الفرقعة. وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وتأتون في ناديكم المنكر }؟ فقال: " كانوا يحذفون من يمر بهم الطريق، ويسخرون منهم " وقال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل قصعة من الحصى، فإذا مر بهم عابر قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به ". { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب، أو في دعوى النبوة، المفهومة من التوبيخ، { قال رب انصرني } بإنزال العذاب { على القوم المفسدين } بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها، وسنها لمن بعدهم. وصفهم بذلك مبالغة استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم بالولد، والنافلة إسحاق، ويعقوب، أي: مروا عليه، حين كانوا قاصدين قوم لوط، { قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية } سدوم، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام، قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم، قاله النسفي. { إن أهلها كانوا ظالمين } ، تعليل للإهلاك، أي: إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. { قال } إبراهيم: { إن فيها لوطا } أي: أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم، أو: وفيهم نبي بين أظهرهم؟ { قالوا } أي: الملائكة: { نحن أعلم } منك { بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال: { ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي: ساءه مجيئهم وغمه مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و " أن ": صلة لتأكيد الفعلين وترتيب أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه وطاقته، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع، إذا كان مطيقا للأمور، والأصل فيه: إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. { وقالوا } ، لما رأوا فيه أثر الضجر والخوف: { لا تخف ولا تحزن } على تمكنهم منا، { إنا منجوك وأهلك } أي: وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و " أهلك ": نصب بفعل محذوف، { إلا إمرأتك كانت من الغابرين }. في الكلام حذف يدل عليه ما في هود، أي: لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعا، وأما أنت فإنا منجوك... إلخ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر: إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا: { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } عذابا { من السماء بما كانوا يفسقون } بسبب فسقهم. { ولقد تركنا منها } من القرية { آية بينة } هي حكايتها الشائعة، أوآثار منازلهم الخربة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، حيث بقيت أنهارهم مسودة، وقيل: الحجارة المسطورة، فإنها بقيت بعدهم آية { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال القشيري: من جملة المنكر: تخلية الفساق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، ومن ذلك: ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر. ه. وقال في قوله تعالى: { إن فيها لوطا } ، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط تكلم في شأن لوط، إلى أن قالوا: { لننجينه... } إلخ، فدل ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط، ولو كان بريئا، لم يكن ظلما، لو كان كذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه، حتى كان يجادل عنه، بل لله أن يعذب من يعذب ويعافي، من يعافي بلا حجر ه. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى: قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه [المائدة: 17] الآية. ه. قلت: ظاهر قوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] أن مجادلته كانت عن قومه فقط لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75]... حتى قال له تعالى: يإبراهيم أعرض عن هذآ [هود: 76] لما تحتم عليهم العذاب، فتأمله. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم... }

العنكبوت 29:34

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } أي: الفعلة البالغة في القبح، وهي اللواطة، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين }: جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقال: لأن أحدا ممن قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } اي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، كما هو شأن قطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة لقصد الفاحشة، { وتأتون في ناديكم } في مجالسكم الغاصة بأهلها، ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، { المنكر } فعلهم الفاحشة بالرجال، أو المضارطة، أو: السباب والفحش في المزاح، أو الحذف بالحصى، أو: مضغ العلك، أو الفرقعة. وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وتأتون في ناديكم المنكر }؟ فقال: " كانوا يحذفون من يمر بهم الطريق، ويسخرون منهم " وقال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل قصعة من الحصى، فإذا مر بهم عابر قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به ". { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب، أو في دعوى النبوة، المفهومة من التوبيخ، { قال رب انصرني } بإنزال العذاب { على القوم المفسدين } بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها، وسنها لمن بعدهم. وصفهم بذلك مبالغة استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم بالولد، والنافلة إسحاق، ويعقوب، أي: مروا عليه، حين كانوا قاصدين قوم لوط، { قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية } سدوم، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام، قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم، قاله النسفي. { إن أهلها كانوا ظالمين } ، تعليل للإهلاك، أي: إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. { قال } إبراهيم: { إن فيها لوطا } أي: أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم، أو: وفيهم نبي بين أظهرهم؟ { قالوا } أي: الملائكة: { نحن أعلم } منك { بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال: { ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي: ساءه مجيئهم وغمه مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و " أن ": صلة لتأكيد الفعلين وترتيب أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه وطاقته، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع، إذا كان مطيقا للأمور، والأصل فيه: إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. { وقالوا } ، لما رأوا فيه أثر الضجر والخوف: { لا تخف ولا تحزن } على تمكنهم منا، { إنا منجوك وأهلك } أي: وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و " أهلك ": نصب بفعل محذوف، { إلا إمرأتك كانت من الغابرين }. في الكلام حذف يدل عليه ما في هود، أي: لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعا، وأما أنت فإنا منجوك... إلخ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر: إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا: { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } عذابا { من السماء بما كانوا يفسقون } بسبب فسقهم. { ولقد تركنا منها } من القرية { آية بينة } هي حكايتها الشائعة، أوآثار منازلهم الخربة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، حيث بقيت أنهارهم مسودة، وقيل: الحجارة المسطورة، فإنها بقيت بعدهم آية { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال القشيري: من جملة المنكر: تخلية الفساق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، ومن ذلك: ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر. ه. وقال في قوله تعالى: { إن فيها لوطا } ، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط تكلم في شأن لوط، إلى أن قالوا: { لننجينه... } إلخ، فدل ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط، ولو كان بريئا، لم يكن ظلما، لو كان كذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه، حتى كان يجادل عنه، بل لله أن يعذب من يعذب ويعافي، من يعافي بلا حجر ه. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى: قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه [المائدة: 17] الآية. ه. قلت: ظاهر قوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] أن مجادلته كانت عن قومه فقط لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75]... حتى قال له تعالى: يإبراهيم أعرض عن هذآ [هود: 76] لما تحتم عليهم العذاب، فتأمله. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم... }

العنكبوت 29:35

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } أي: الفعلة البالغة في القبح، وهي اللواطة، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين }: جملة مستأنفة مقررة لفحش تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقال: لأن أحدا ممن قبلهم لم يقدم عليها، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } اي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، كما هو شأن قطاع الطريق، وقيل: اعتراضهم السابلة لقصد الفاحشة، { وتأتون في ناديكم } في مجالسكم الغاصة بأهلها، ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، { المنكر } فعلهم الفاحشة بالرجال، أو المضارطة، أو: السباب والفحش في المزاح، أو الحذف بالحصى، أو: مضغ العلك، أو الفرقعة. وعن أم هانىء - رضي اله عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وتأتون في ناديكم المنكر }؟ فقال: " كانوا يحذفون من يمر بهم الطريق، ويسخرون منهم " وقال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل قصعة من الحصى، فإذا مر بهم عابر قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به ". { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } فيما تعدنا من نزول العذاب، أو في دعوى النبوة، المفهومة من التوبيخ، { قال رب انصرني } بإنزال العذاب { على القوم المفسدين } بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها، وسنها لمن بعدهم. وصفهم بذلك مبالغة استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم بالولد، والنافلة إسحاق، ويعقوب، أي: مروا عليه، حين كانوا قاصدين قوم لوط، { قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية } سدوم، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السلام، قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم، قاله النسفي. { إن أهلها كانوا ظالمين } ، تعليل للإهلاك، أي: إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم. { قال } إبراهيم: { إن فيها لوطا } أي: أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم، أو: وفيهم نبي بين أظهرهم؟ { قالوا } أي: الملائكة: { نحن أعلم } منك { بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين في العذاب. ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم، فقال: { ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي: ساءه مجيئهم وغمه مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. و " أن ": صلة لتأكيد الفعلين وترتيب أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب. { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه وطاقته، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع، إذا كان مطيقا للأمور، والأصل فيه: إن الرجل إذا طالت ذراعه نال مالا يناله القصير، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها. { وقالوا } ، لما رأوا فيه أثر الضجر والخوف: { لا تخف ولا تحزن } على تمكنهم منا، { إنا منجوك وأهلك } أي: وننجي أهلك، فالكاف في محل الجر، و " أهلك ": نصب بفعل محذوف، { إلا إمرأتك كانت من الغابرين }. في الكلام حذف يدل عليه ما في هود، أي: لا تخف ولا تحزن من أجلنا، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك، بل يهلكون جميعا، وأما أنت فإنا منجوك... إلخ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه. أو يقدر: إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم. ثم قالوا: { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } عذابا { من السماء بما كانوا يفسقون } بسبب فسقهم. { ولقد تركنا منها } من القرية { آية بينة } هي حكايتها الشائعة، أوآثار منازلهم الخربة، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، حيث بقيت أنهارهم مسودة، وقيل: الحجارة المسطورة، فإنها بقيت بعدهم آية { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال القشيري: من جملة المنكر: تخلية الفساق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، ومن ذلك: ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر. ه. وقال في قوله تعالى: { إن فيها لوطا } ، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط تكلم في شأن لوط، إلى أن قالوا: { لننجينه... } إلخ، فدل ذلك على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط، ولو كان بريئا، لم يكن ظلما، لو كان كذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه، حتى كان يجادل عنه، بل لله أن يعذب من يعذب ويعافي، من يعافي بلا حجر ه. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وما ذكره واضح من حيث العقيدة، وإن كانت الآية، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى: قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه [المائدة: 17] الآية. ه. قلت: ظاهر قوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] أن مجادلته كانت عن قومه فقط لغلبة الشفقة عليه، كما هو شأنه، ولذلك قال تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75]... حتى قال له تعالى: يإبراهيم أعرض عن هذآ [هود: 76] لما تحتم عليهم العذاب، فتأمله. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم... }

العنكبوت 29:36

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله } وحده، { وارجوا اليوم الآخر } أي: خافوه، واعملوا ما ترجون به الثواب فيه، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } قاصدين الفساد، { فكذبوه فأخذتهم الرجفة } الزلزلة الشديدة، أو: الصيحة من جبريل عليه السلام لأن القلوب رجفت بها، { فأصبحوا في دارهم } بلدهم وأرضهم، { جاثمين } باركين على الركب ميتين. الإشارة: العبادة مع الغفلة عن العواقب الغيبية المستقبلة، لا جدوى لها، كأنها عادة، وخوف العواقب، من غير استعداد لها، خذلان، والاجتهاد في العمل، مع ارتقاب العواقب الغيبية، فلاح، من شأن أهل البصائر، كما قال تعالى في حق من مدحهم من أكابر الرسل: أولي الأيدي والأبصار إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار [ص: 45 - 46]. ثم ذكر قوم هود وصالح وموسى - عليهم السلام - فقال: { وعادا وثمودا وقد تبين... }

العنكبوت 29:37

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله } وحده، { وارجوا اليوم الآخر } أي: خافوه، واعملوا ما ترجون به الثواب فيه، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } قاصدين الفساد، { فكذبوه فأخذتهم الرجفة } الزلزلة الشديدة، أو: الصيحة من جبريل عليه السلام لأن القلوب رجفت بها، { فأصبحوا في دارهم } بلدهم وأرضهم، { جاثمين } باركين على الركب ميتين. الإشارة: العبادة مع الغفلة عن العواقب الغيبية المستقبلة، لا جدوى لها، كأنها عادة، وخوف العواقب، من غير استعداد لها، خذلان، والاجتهاد في العمل، مع ارتقاب العواقب الغيبية، فلاح، من شأن أهل البصائر، كما قال تعالى في حق من مدحهم من أكابر الرسل: أولي الأيدي والأبصار إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار [ص: 45 - 46]. ثم ذكر قوم هود وصالح وموسى - عليهم السلام - فقال: { وعادا وثمودا وقد تبين... }

العنكبوت 29:38

يقول الحق جل جلاله: { وعادا وثمودا } أي: اذكر عادا وثمودا، أو أهلكنا عادا، وثمودا يدل عليه { فأخذتهم الرجفة } لأنه في معنى الإهلاك، { وقد تبين لكم } ما وصفنا من إهلاكهم { من مساكنهم } الدارسة. أو تبين لكم بعض مساكنهم الخربة إذا مررتم بها خالية. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } من الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن الطريق الذي أمروا بسلوكه، وهو الإيمان بالله ورسوله. { وكانوا مستبصرين } متمكنين من النظر والاستبصار وتميز الحق من الباطل ولكنهم لم يفعلوا. أو عارفين الحق من الباطل بظهور دلائله، لكنهم عاندوا، حسدا. يقال: استبصر: إذا عرف الشيء على حقيقته. أو: متيقنين أن العذاب لاحق بهم بإخبار الرسول، لكنهم لجوا. أو: مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها. وقال الفراء: عقلاء ذوو بصائر، يعني: علماء في أمور الدنيا، كقوله: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا [الروم: 7] الآية. وقال مجاهد: حسبوا أنهم على الحق، وهم على الباطل. ه. { وقارون وفرعون وهامان }: أي: أهلكناهم، { ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين } فائتين، بل أدركهم أمر الله فلم يفوتوه. يقال: سبق طالبه: فاته، { فكلا أخذنا } عاقبناه { بذنبه } ، فيه رد على من يجوز العقوبة بغير ذنب. قاله النسفي، وهو جائز عقلا في حقه تعالى، لكنه لم يقع لإظهار عدله. { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } أي: ريحا عاصفة فيها حصباء أو: ملكا رماهم بها. قال ابن جزي: فيحتمل عندي أنه أراد به المعنيين لأن قوم لوط هلكوا بالحجارة، وعادا هلكوا بالريح. وإن حملناه على المعنى الواحد نقض ذكر الآخر، وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين، ويقوي ذلك إن المقصود عموم أصناف الكفار. ه. { ومنهم من أخذتهم الصيحة } كمدين وثمود، { ومنهم من خسفنا به الأرض } كقارون، { ومنهم من أغرقنا } كقوم نوح، وفرعون وقومه، { وما كان الله ليظلمهم } فيعاقبهم بغير ذنب إذ ليس ذلك من عادته - عز وجل -، وإن جاز في حقه، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالتعرض للعذاب بالكفر والطغيان. وبالله التوفيق. الإشارة: الاستبصار في أمور الدنيا والتحديق في تدبير شؤونها، حمق وبطالة، وقد وسم به الحق تعالى الكفرة بقوله: { وكانوا مستبصرين } ، والاستبصار في أمور الله تعالى وما يقرب إليه وما يبعد عنه، والفحص عن ذلك، والتفكر في عواقب الأمور من شأن العقلاء الأكياس، قال صلى الله عليه وسلم: " ألا وإن من علامات العقل: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور " ، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني " ، وقيل للجنيد رضي الله عنه: متى يكون الرجل موصوفا بالعقل؟ فقال: إذا كان للأمور متميزا، ولها متصفحا، وعما يوجبه عليه العقل باحثا، فيتخير بذلك طلب الذي هو أولى، ليعمل به، ويؤثره على ما سواه. ثم قال: فمن كانت هذه صفته ترك العمل بما يفنى وينقضي، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا، وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل، ويسير حائل، يصده التشاغل به، والعمل له، عن أمور الآخرة، التي يدوم نعيمها ونفعها، ويتأبد سرورها، ويتصل بقاؤها.. إلخ كلامه. وقد ضرب الله مثلا لمن ركن إلى غير الله، فقال: { مثل الذين اتخذوا.... }

العنكبوت 29:39

يقول الحق جل جلاله: { وعادا وثمودا } أي: اذكر عادا وثمودا، أو أهلكنا عادا، وثمودا يدل عليه { فأخذتهم الرجفة } لأنه في معنى الإهلاك، { وقد تبين لكم } ما وصفنا من إهلاكهم { من مساكنهم } الدارسة. أو تبين لكم بعض مساكنهم الخربة إذا مررتم بها خالية. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } من الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن الطريق الذي أمروا بسلوكه، وهو الإيمان بالله ورسوله. { وكانوا مستبصرين } متمكنين من النظر والاستبصار وتميز الحق من الباطل ولكنهم لم يفعلوا. أو عارفين الحق من الباطل بظهور دلائله، لكنهم عاندوا، حسدا. يقال: استبصر: إذا عرف الشيء على حقيقته. أو: متيقنين أن العذاب لاحق بهم بإخبار الرسول، لكنهم لجوا. أو: مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها. وقال الفراء: عقلاء ذوو بصائر، يعني: علماء في أمور الدنيا، كقوله: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا [الروم: 7] الآية. وقال مجاهد: حسبوا أنهم على الحق، وهم على الباطل. ه. { وقارون وفرعون وهامان }: أي: أهلكناهم، { ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين } فائتين، بل أدركهم أمر الله فلم يفوتوه. يقال: سبق طالبه: فاته، { فكلا أخذنا } عاقبناه { بذنبه } ، فيه رد على من يجوز العقوبة بغير ذنب. قاله النسفي، وهو جائز عقلا في حقه تعالى، لكنه لم يقع لإظهار عدله. { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } أي: ريحا عاصفة فيها حصباء أو: ملكا رماهم بها. قال ابن جزي: فيحتمل عندي أنه أراد به المعنيين لأن قوم لوط هلكوا بالحجارة، وعادا هلكوا بالريح. وإن حملناه على المعنى الواحد نقض ذكر الآخر، وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين، ويقوي ذلك إن المقصود عموم أصناف الكفار. ه. { ومنهم من أخذتهم الصيحة } كمدين وثمود، { ومنهم من خسفنا به الأرض } كقارون، { ومنهم من أغرقنا } كقوم نوح، وفرعون وقومه، { وما كان الله ليظلمهم } فيعاقبهم بغير ذنب إذ ليس ذلك من عادته - عز وجل -، وإن جاز في حقه، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالتعرض للعذاب بالكفر والطغيان. وبالله التوفيق. الإشارة: الاستبصار في أمور الدنيا والتحديق في تدبير شؤونها، حمق وبطالة، وقد وسم به الحق تعالى الكفرة بقوله: { وكانوا مستبصرين } ، والاستبصار في أمور الله تعالى وما يقرب إليه وما يبعد عنه، والفحص عن ذلك، والتفكر في عواقب الأمور من شأن العقلاء الأكياس، قال صلى الله عليه وسلم: " ألا وإن من علامات العقل: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور " ، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني " ، وقيل للجنيد رضي الله عنه: متى يكون الرجل موصوفا بالعقل؟ فقال: إذا كان للأمور متميزا، ولها متصفحا، وعما يوجبه عليه العقل باحثا، فيتخير بذلك طلب الذي هو أولى، ليعمل به، ويؤثره على ما سواه. ثم قال: فمن كانت هذه صفته ترك العمل بما يفنى وينقضي، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا، وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل، ويسير حائل، يصده التشاغل به، والعمل له، عن أمور الآخرة، التي يدوم نعيمها ونفعها، ويتأبد سرورها، ويتصل بقاؤها.. إلخ كلامه. وقد ضرب الله مثلا لمن ركن إلى غير الله، فقال: { مثل الذين اتخذوا.... }

العنكبوت 29:40

يقول الحق جل جلاله: { وعادا وثمودا } أي: اذكر عادا وثمودا، أو أهلكنا عادا، وثمودا يدل عليه { فأخذتهم الرجفة } لأنه في معنى الإهلاك، { وقد تبين لكم } ما وصفنا من إهلاكهم { من مساكنهم } الدارسة. أو تبين لكم بعض مساكنهم الخربة إذا مررتم بها خالية. { وزين لهم الشيطان أعمالهم } من الكفر والمعاصي، { فصدهم عن السبيل } عن الطريق الذي أمروا بسلوكه، وهو الإيمان بالله ورسوله. { وكانوا مستبصرين } متمكنين من النظر والاستبصار وتميز الحق من الباطل ولكنهم لم يفعلوا. أو عارفين الحق من الباطل بظهور دلائله، لكنهم عاندوا، حسدا. يقال: استبصر: إذا عرف الشيء على حقيقته. أو: متيقنين أن العذاب لاحق بهم بإخبار الرسول، لكنهم لجوا. أو: مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها. وقال الفراء: عقلاء ذوو بصائر، يعني: علماء في أمور الدنيا، كقوله: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا [الروم: 7] الآية. وقال مجاهد: حسبوا أنهم على الحق، وهم على الباطل. ه. { وقارون وفرعون وهامان }: أي: أهلكناهم، { ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين } فائتين، بل أدركهم أمر الله فلم يفوتوه. يقال: سبق طالبه: فاته، { فكلا أخذنا } عاقبناه { بذنبه } ، فيه رد على من يجوز العقوبة بغير ذنب. قاله النسفي، وهو جائز عقلا في حقه تعالى، لكنه لم يقع لإظهار عدله. { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } أي: ريحا عاصفة فيها حصباء أو: ملكا رماهم بها. قال ابن جزي: فيحتمل عندي أنه أراد به المعنيين لأن قوم لوط هلكوا بالحجارة، وعادا هلكوا بالريح. وإن حملناه على المعنى الواحد نقض ذكر الآخر، وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين، ويقوي ذلك إن المقصود عموم أصناف الكفار. ه. { ومنهم من أخذتهم الصيحة } كمدين وثمود، { ومنهم من خسفنا به الأرض } كقارون، { ومنهم من أغرقنا } كقوم نوح، وفرعون وقومه، { وما كان الله ليظلمهم } فيعاقبهم بغير ذنب إذ ليس ذلك من عادته - عز وجل -، وإن جاز في حقه، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالتعرض للعذاب بالكفر والطغيان. وبالله التوفيق. الإشارة: الاستبصار في أمور الدنيا والتحديق في تدبير شؤونها، حمق وبطالة، وقد وسم به الحق تعالى الكفرة بقوله: { وكانوا مستبصرين } ، والاستبصار في أمور الله تعالى وما يقرب إليه وما يبعد عنه، والفحص عن ذلك، والتفكر في عواقب الأمور من شأن العقلاء الأكياس، قال صلى الله عليه وسلم: " ألا وإن من علامات العقل: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور " ، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني " ، وقيل للجنيد رضي الله عنه: متى يكون الرجل موصوفا بالعقل؟ فقال: إذا كان للأمور متميزا، ولها متصفحا، وعما يوجبه عليه العقل باحثا، فيتخير بذلك طلب الذي هو أولى، ليعمل به، ويؤثره على ما سواه. ثم قال: فمن كانت هذه صفته ترك العمل بما يفنى وينقضي، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا، وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل، ويسير حائل، يصده التشاغل به، والعمل له، عن أمور الآخرة، التي يدوم نعيمها ونفعها، ويتأبد سرورها، ويتصل بقاؤها.. إلخ كلامه. وقد ضرب الله مثلا لمن ركن إلى غير الله، فقال: { مثل الذين اتخذوا.... }

العنكبوت 29:41

يقول الحق جل جلاله: { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } أصناما يعبدونها، أي: مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف، وسوء الاختيار، { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } ، أي: كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت فإنه لا يدفع الحر والبرد، ولا يقي ما تقي البيوت، فكذلك الأوثان، لا تنفعهم في الدنيا والآخرة، بل هي أوهى وأضعف، فإن لبيت العنكبوت حقيقة وانتفاعا عاما، وأما الأوثان فتضر ولا تنفع، { وإن أوهن البيوت } أي: أضعفها { لبيت العنكبوت } لا بيت أوهن من بيته إذ أضعف شيء يسقطها. عن علي رضي الله عنه: " طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه يورث الفقر ". والعنكبوت يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، ويجمع على عناكيب وعناكب وعكاب وعكبة وأعكب. { لو كانوا يعلمون } لعلموا أن هذا مثلهم، وأن ما تمسكوا به من الدين أرق من بيت العنكبوت. وقال الزجاج: تقدير الآية: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء، لو كانوا يعلمون، كمثل العنكبوت. وقيل: معنى الآية: مثل المشرك يعبد الوثن، بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوت تتخذ بيتا بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجر وجص، أو جص وصخور، فكما أن أوهن البيوت، إذا استقرأتها بيتا بيتا، بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان، إذا تتبعتها دينا دينا، عبادة الأوثان. وقال الضحاك: ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها، فلو علموا أن عبادة الأوثان، في عدم الغنى، كما ذكرنا في المثل، لما عبدوها، ولكنهم لا يعلمون، بل الله يعلم ضعف ما تعبدون من دونه وعجزه، ولذلك قال: { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } ، أي: يعلم حاله، وصفته، وحقيقته، وعدم صلاحيته لما تؤملونه منه، فما: موصولة، مفعول " يعلم " ، وهي تامة، أي: يتعلق علمه بجميع ما يعبدونه من دونه أي شيء كان. أو ناقصة والثاني محذوف أي: يعلمه وهيا وباطلا. وقيل: استفهامية معلقة، وأما كونها نافية فضعيف، و " من " الثانية للبيان، ومن قرأ بالخطاب فعلى حذف القول، أي: ويقال للكفرة: إن الله يعلم ما تعبدونه من دونه من جيمع الأشياء، أو: أي شيء كان. { وهو العزيز } الغالب الذي لا شريك له { الحكيم } في ترك المعاجلة بالعقوبة وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جمادا لا علم له ولا قدرة وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء الحكيم الذي لا يفعل إلا لحكمة وتدبير. { وتلك الأمثال } الغريبة، أي: هذا المثل ونظائره { نضربها للناس } نبينها لهم تقريبا لما بعد عن أفهامهم. كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال تعالى: { وما يعقلها إلا العالمون } ، أي: بالله وصفاته وأسمائه، وبمواقع كلامه وحكمه، أي: لا يعقل صحتها وحسنها، ولا يفهم حكمتها، إلا هم لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة، حتى يبرزها ويصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الذي بين فيه حال المشرك وحال المؤمن. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا في هذه الآية، وقال: " العالم: من عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه " ، ودلت هذه الآية على فضل العلم وأهله. { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي: محقا، لم يخلقها عبثا، كما لم يضرب الأمثال عبثا، بل خلقها لحكمة، وهي أن تكون مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين منهم ودلائل على عظم قدرته، بدليل قوله: { إن في ذلك لآية للمؤمنين } لأنهم هم المنتفعون بها. وقيل: بالحق العدل، وقيل: بكلامه وقدرته، وذلك هو الحق الذي خلق به الأشياء. وخص السموات والأرض لأنها المشهودات. والله تعالى أعلم. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو مال بالمحبة إلى شيء سواه، كان كمن اعتمد على خيط العنكبوت، فعن قريب يذهب ويفوت، يا من تعلق بمن يموت قد تمسكت بأضعف من خيط العنكبوت. تنبيه: الأشياء الحسية جعل الله فيها القوي والضعيف، والعزيز والذليل، والفقير والغني لحكمة، وأما أسرار المعاني القائمة بها فكلها قوية عزيزة غنية، فالأشياء، بهذا الإعتبار - أعني: النظر لحسها ومعناها - كلها قوية في ضعفها، عزيزة في ذلها، غنية في فقرها. ولذلك تجد الحق تعالى يدفع بأضعف شيء وأقوى شيء، وينصر بأذل شيء على أقوى شيء. روي أنه لما نزل قوله تعالى: { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } شكى العنكبوت إلى الله تعالى، وقال رب خلقتني ضعيفا، ووصفتني بالإهانة والضعف، فأوحى الله تعالى إليه: انكسر قلبك من قولنا، ونحن عند المنكسرة قلوبهم من أجلنا، وقد صددنا بنسجك الضعيف صناديد قريش، وأغنينا محمدا عن كل ركن كثيف، فقال: يا رب حسبي أن خلقت في ذلي عزتي، وفي إهانتي قوتي. ه. ذكره في اللباب. ثم أمره بالاشتغال بالتلاوة والصلاة تسلية وغيبة عمن آذاه، فقال: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب... }

العنكبوت 29:42

يقول الحق جل جلاله: { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } أصناما يعبدونها، أي: مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف، وسوء الاختيار، { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } ، أي: كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت فإنه لا يدفع الحر والبرد، ولا يقي ما تقي البيوت، فكذلك الأوثان، لا تنفعهم في الدنيا والآخرة، بل هي أوهى وأضعف، فإن لبيت العنكبوت حقيقة وانتفاعا عاما، وأما الأوثان فتضر ولا تنفع، { وإن أوهن البيوت } أي: أضعفها { لبيت العنكبوت } لا بيت أوهن من بيته إذ أضعف شيء يسقطها. عن علي رضي الله عنه: " طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه يورث الفقر ". والعنكبوت يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، ويجمع على عناكيب وعناكب وعكاب وعكبة وأعكب. { لو كانوا يعلمون } لعلموا أن هذا مثلهم، وأن ما تمسكوا به من الدين أرق من بيت العنكبوت. وقال الزجاج: تقدير الآية: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء، لو كانوا يعلمون، كمثل العنكبوت. وقيل: معنى الآية: مثل المشرك يعبد الوثن، بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوت تتخذ بيتا بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجر وجص، أو جص وصخور، فكما أن أوهن البيوت، إذا استقرأتها بيتا بيتا، بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان، إذا تتبعتها دينا دينا، عبادة الأوثان. وقال الضحاك: ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها، فلو علموا أن عبادة الأوثان، في عدم الغنى، كما ذكرنا في المثل، لما عبدوها، ولكنهم لا يعلمون، بل الله يعلم ضعف ما تعبدون من دونه وعجزه، ولذلك قال: { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } ، أي: يعلم حاله، وصفته، وحقيقته، وعدم صلاحيته لما تؤملونه منه، فما: موصولة، مفعول " يعلم " ، وهي تامة، أي: يتعلق علمه بجميع ما يعبدونه من دونه أي شيء كان. أو ناقصة والثاني محذوف أي: يعلمه وهيا وباطلا. وقيل: استفهامية معلقة، وأما كونها نافية فضعيف، و " من " الثانية للبيان، ومن قرأ بالخطاب فعلى حذف القول، أي: ويقال للكفرة: إن الله يعلم ما تعبدونه من دونه من جيمع الأشياء، أو: أي شيء كان. { وهو العزيز } الغالب الذي لا شريك له { الحكيم } في ترك المعاجلة بالعقوبة وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جمادا لا علم له ولا قدرة وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء الحكيم الذي لا يفعل إلا لحكمة وتدبير. { وتلك الأمثال } الغريبة، أي: هذا المثل ونظائره { نضربها للناس } نبينها لهم تقريبا لما بعد عن أفهامهم. كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال تعالى: { وما يعقلها إلا العالمون } ، أي: بالله وصفاته وأسمائه، وبمواقع كلامه وحكمه، أي: لا يعقل صحتها وحسنها، ولا يفهم حكمتها، إلا هم لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة، حتى يبرزها ويصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الذي بين فيه حال المشرك وحال المؤمن. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا في هذه الآية، وقال: " العالم: من عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه " ، ودلت هذه الآية على فضل العلم وأهله. { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي: محقا، لم يخلقها عبثا، كما لم يضرب الأمثال عبثا، بل خلقها لحكمة، وهي أن تكون مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين منهم ودلائل على عظم قدرته، بدليل قوله: { إن في ذلك لآية للمؤمنين } لأنهم هم المنتفعون بها. وقيل: بالحق العدل، وقيل: بكلامه وقدرته، وذلك هو الحق الذي خلق به الأشياء. وخص السموات والأرض لأنها المشهودات. والله تعالى أعلم. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو مال بالمحبة إلى شيء سواه، كان كمن اعتمد على خيط العنكبوت، فعن قريب يذهب ويفوت، يا من تعلق بمن يموت قد تمسكت بأضعف من خيط العنكبوت. تنبيه: الأشياء الحسية جعل الله فيها القوي والضعيف، والعزيز والذليل، والفقير والغني لحكمة، وأما أسرار المعاني القائمة بها فكلها قوية عزيزة غنية، فالأشياء، بهذا الإعتبار - أعني: النظر لحسها ومعناها - كلها قوية في ضعفها، عزيزة في ذلها، غنية في فقرها. ولذلك تجد الحق تعالى يدفع بأضعف شيء وأقوى شيء، وينصر بأذل شيء على أقوى شيء. روي أنه لما نزل قوله تعالى: { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } شكى العنكبوت إلى الله تعالى، وقال رب خلقتني ضعيفا، ووصفتني بالإهانة والضعف، فأوحى الله تعالى إليه: انكسر قلبك من قولنا، ونحن عند المنكسرة قلوبهم من أجلنا، وقد صددنا بنسجك الضعيف صناديد قريش، وأغنينا محمدا عن كل ركن كثيف، فقال: يا رب حسبي أن خلقت في ذلي عزتي، وفي إهانتي قوتي. ه. ذكره في اللباب. ثم أمره بالاشتغال بالتلاوة والصلاة تسلية وغيبة عمن آذاه، فقال: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب... }

العنكبوت 29:43

يقول الحق جل جلاله: { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } أصناما يعبدونها، أي: مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف، وسوء الاختيار، { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } ، أي: كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت فإنه لا يدفع الحر والبرد، ولا يقي ما تقي البيوت، فكذلك الأوثان، لا تنفعهم في الدنيا والآخرة، بل هي أوهى وأضعف، فإن لبيت العنكبوت حقيقة وانتفاعا عاما، وأما الأوثان فتضر ولا تنفع، { وإن أوهن البيوت } أي: أضعفها { لبيت العنكبوت } لا بيت أوهن من بيته إذ أضعف شيء يسقطها. عن علي رضي الله عنه: " طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه يورث الفقر ". والعنكبوت يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، ويجمع على عناكيب وعناكب وعكاب وعكبة وأعكب. { لو كانوا يعلمون } لعلموا أن هذا مثلهم، وأن ما تمسكوا به من الدين أرق من بيت العنكبوت. وقال الزجاج: تقدير الآية: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء، لو كانوا يعلمون، كمثل العنكبوت. وقيل: معنى الآية: مثل المشرك يعبد الوثن، بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوت تتخذ بيتا بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجر وجص، أو جص وصخور، فكما أن أوهن البيوت، إذا استقرأتها بيتا بيتا، بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان، إذا تتبعتها دينا دينا، عبادة الأوثان. وقال الضحاك: ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها، فلو علموا أن عبادة الأوثان، في عدم الغنى، كما ذكرنا في المثل، لما عبدوها، ولكنهم لا يعلمون، بل الله يعلم ضعف ما تعبدون من دونه وعجزه، ولذلك قال: { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } ، أي: يعلم حاله، وصفته، وحقيقته، وعدم صلاحيته لما تؤملونه منه، فما: موصولة، مفعول " يعلم " ، وهي تامة، أي: يتعلق علمه بجميع ما يعبدونه من دونه أي شيء كان. أو ناقصة والثاني محذوف أي: يعلمه وهيا وباطلا. وقيل: استفهامية معلقة، وأما كونها نافية فضعيف، و " من " الثانية للبيان، ومن قرأ بالخطاب فعلى حذف القول، أي: ويقال للكفرة: إن الله يعلم ما تعبدونه من دونه من جيمع الأشياء، أو: أي شيء كان. { وهو العزيز } الغالب الذي لا شريك له { الحكيم } في ترك المعاجلة بالعقوبة وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جمادا لا علم له ولا قدرة وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء الحكيم الذي لا يفعل إلا لحكمة وتدبير. { وتلك الأمثال } الغريبة، أي: هذا المثل ونظائره { نضربها للناس } نبينها لهم تقريبا لما بعد عن أفهامهم. كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال تعالى: { وما يعقلها إلا العالمون } ، أي: بالله وصفاته وأسمائه، وبمواقع كلامه وحكمه، أي: لا يعقل صحتها وحسنها، ولا يفهم حكمتها، إلا هم لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة، حتى يبرزها ويصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الذي بين فيه حال المشرك وحال المؤمن. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا في هذه الآية، وقال: " العالم: من عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه " ، ودلت هذه الآية على فضل العلم وأهله. { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي: محقا، لم يخلقها عبثا، كما لم يضرب الأمثال عبثا، بل خلقها لحكمة، وهي أن تكون مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين منهم ودلائل على عظم قدرته، بدليل قوله: { إن في ذلك لآية للمؤمنين } لأنهم هم المنتفعون بها. وقيل: بالحق العدل، وقيل: بكلامه وقدرته، وذلك هو الحق الذي خلق به الأشياء. وخص السموات والأرض لأنها المشهودات. والله تعالى أعلم. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو مال بالمحبة إلى شيء سواه، كان كمن اعتمد على خيط العنكبوت، فعن قريب يذهب ويفوت، يا من تعلق بمن يموت قد تمسكت بأضعف من خيط العنكبوت. تنبيه: الأشياء الحسية جعل الله فيها القوي والضعيف، والعزيز والذليل، والفقير والغني لحكمة، وأما أسرار المعاني القائمة بها فكلها قوية عزيزة غنية، فالأشياء، بهذا الإعتبار - أعني: النظر لحسها ومعناها - كلها قوية في ضعفها، عزيزة في ذلها، غنية في فقرها. ولذلك تجد الحق تعالى يدفع بأضعف شيء وأقوى شيء، وينصر بأذل شيء على أقوى شيء. روي أنه لما نزل قوله تعالى: { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } شكى العنكبوت إلى الله تعالى، وقال رب خلقتني ضعيفا، ووصفتني بالإهانة والضعف، فأوحى الله تعالى إليه: انكسر قلبك من قولنا، ونحن عند المنكسرة قلوبهم من أجلنا، وقد صددنا بنسجك الضعيف صناديد قريش، وأغنينا محمدا عن كل ركن كثيف، فقال: يا رب حسبي أن خلقت في ذلي عزتي، وفي إهانتي قوتي. ه. ذكره في اللباب. ثم أمره بالاشتغال بالتلاوة والصلاة تسلية وغيبة عمن آذاه، فقال: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب... }

العنكبوت 29:44

يقول الحق جل جلاله: { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } أصناما يعبدونها، أي: مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف، وسوء الاختيار، { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } ، أي: كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت فإنه لا يدفع الحر والبرد، ولا يقي ما تقي البيوت، فكذلك الأوثان، لا تنفعهم في الدنيا والآخرة، بل هي أوهى وأضعف، فإن لبيت العنكبوت حقيقة وانتفاعا عاما، وأما الأوثان فتضر ولا تنفع، { وإن أوهن البيوت } أي: أضعفها { لبيت العنكبوت } لا بيت أوهن من بيته إذ أضعف شيء يسقطها. عن علي رضي الله عنه: " طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه يورث الفقر ". والعنكبوت يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، ويجمع على عناكيب وعناكب وعكاب وعكبة وأعكب. { لو كانوا يعلمون } لعلموا أن هذا مثلهم، وأن ما تمسكوا به من الدين أرق من بيت العنكبوت. وقال الزجاج: تقدير الآية: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء، لو كانوا يعلمون، كمثل العنكبوت. وقيل: معنى الآية: مثل المشرك يعبد الوثن، بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوت تتخذ بيتا بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجر وجص، أو جص وصخور، فكما أن أوهن البيوت، إذا استقرأتها بيتا بيتا، بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان، إذا تتبعتها دينا دينا، عبادة الأوثان. وقال الضحاك: ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها، فلو علموا أن عبادة الأوثان، في عدم الغنى، كما ذكرنا في المثل، لما عبدوها، ولكنهم لا يعلمون، بل الله يعلم ضعف ما تعبدون من دونه وعجزه، ولذلك قال: { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } ، أي: يعلم حاله، وصفته، وحقيقته، وعدم صلاحيته لما تؤملونه منه، فما: موصولة، مفعول " يعلم " ، وهي تامة، أي: يتعلق علمه بجميع ما يعبدونه من دونه أي شيء كان. أو ناقصة والثاني محذوف أي: يعلمه وهيا وباطلا. وقيل: استفهامية معلقة، وأما كونها نافية فضعيف، و " من " الثانية للبيان، ومن قرأ بالخطاب فعلى حذف القول، أي: ويقال للكفرة: إن الله يعلم ما تعبدونه من دونه من جيمع الأشياء، أو: أي شيء كان. { وهو العزيز } الغالب الذي لا شريك له { الحكيم } في ترك المعاجلة بالعقوبة وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جمادا لا علم له ولا قدرة وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء الحكيم الذي لا يفعل إلا لحكمة وتدبير. { وتلك الأمثال } الغريبة، أي: هذا المثل ونظائره { نضربها للناس } نبينها لهم تقريبا لما بعد عن أفهامهم. كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال تعالى: { وما يعقلها إلا العالمون } ، أي: بالله وصفاته وأسمائه، وبمواقع كلامه وحكمه، أي: لا يعقل صحتها وحسنها، ولا يفهم حكمتها، إلا هم لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة، حتى يبرزها ويصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الذي بين فيه حال المشرك وحال المؤمن. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا في هذه الآية، وقال: " العالم: من عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه " ، ودلت هذه الآية على فضل العلم وأهله. { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي: محقا، لم يخلقها عبثا، كما لم يضرب الأمثال عبثا، بل خلقها لحكمة، وهي أن تكون مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين منهم ودلائل على عظم قدرته، بدليل قوله: { إن في ذلك لآية للمؤمنين } لأنهم هم المنتفعون بها. وقيل: بالحق العدل، وقيل: بكلامه وقدرته، وذلك هو الحق الذي خلق به الأشياء. وخص السموات والأرض لأنها المشهودات. والله تعالى أعلم. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو مال بالمحبة إلى شيء سواه، كان كمن اعتمد على خيط العنكبوت، فعن قريب يذهب ويفوت، يا من تعلق بمن يموت قد تمسكت بأضعف من خيط العنكبوت. تنبيه: الأشياء الحسية جعل الله فيها القوي والضعيف، والعزيز والذليل، والفقير والغني لحكمة، وأما أسرار المعاني القائمة بها فكلها قوية عزيزة غنية، فالأشياء، بهذا الإعتبار - أعني: النظر لحسها ومعناها - كلها قوية في ضعفها، عزيزة في ذلها، غنية في فقرها. ولذلك تجد الحق تعالى يدفع بأضعف شيء وأقوى شيء، وينصر بأذل شيء على أقوى شيء. روي أنه لما نزل قوله تعالى: { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } شكى العنكبوت إلى الله تعالى، وقال رب خلقتني ضعيفا، ووصفتني بالإهانة والضعف، فأوحى الله تعالى إليه: انكسر قلبك من قولنا، ونحن عند المنكسرة قلوبهم من أجلنا، وقد صددنا بنسجك الضعيف صناديد قريش، وأغنينا محمدا عن كل ركن كثيف، فقال: يا رب حسبي أن خلقت في ذلي عزتي، وفي إهانتي قوتي. ه. ذكره في اللباب. ثم أمره بالاشتغال بالتلاوة والصلاة تسلية وغيبة عمن آذاه، فقال: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب... }

العنكبوت 29:45

يقول الحق جل جلاله: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب } تنعما بشهود أسرار معانيه، وبشهود المتكلم به، فتغيب عن كل ما سواه، واستكشافا لحقائقه، فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه. وقد كان من السلف من يبقى في السورة يكررها أياما، وفي الآية يرددها ليلة وأكثر، كلما رددها ظهر له معان أخر. { وأقم الصلاة } أي: دم على إقامتها، بإتقانها فعلا وحضورا وخشوعا، { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء } الفعلة القبيحة كالزنى، والشرب، ونحوهما، { والمنكر } ، وهو ما ينكره الشرع والعقل. ولا شك أن الصلاة، إذا صحبها الخشوع والهيبة في الباطن، والإتقان في الظاهر، نهت صاحبها عن المنكر، لا محالة، وإلا فلا. روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله الصلوات، ولا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه، فوصف حاله له صلى الله عليه وسلم فقال: " إن صلاته تنهاه " ، فلم يلبث أن تاب. ه. وأما من كان يصليها فلم تنهه فهو دليل عدم قبولها، ففي الحديث: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا " رواه الطبراني. وقال الحسن: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليست بصلاة، وهي بال عليه. وقال ابن عوف: إن الصلاة تنهى إذا كنت فيها فأنت في معروف وطاعة، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر. ه. فخص النهي بكونه ما دام فيها، وعليه حمله المحلي. قال المحشي: يعني: أن من شأنها ذلك، وإن لم يحصل ذلك فلا تخرج عن كونها صلاة، كما أن من شأن الإيمان التوكل، وإن قدر أن أحدا من المؤمنين لا يتوكل فلا يخرج ذلك عن الإيمان. وقيل: الصلاة الحقيقية: ما تكون لصاحبها ناهية عن ذلك، وإن لم ينته فالصلاة ناهية على معنى: ورود الزواجر على قلبه، ولكنه أصر ولم يطع. ويقال: بل الصلاة الحقيقية ما تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإن كان، وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها. انظر القيشيري. وقال ابن عطية: إذا وقعت على ما ينبغي من الخشوع، والإخبات لذكر عظمة الله، والوقوف بين يديه، انتهى عن الفحشاء والمنكر، وأما من كانت صلاته لا ذكر فيها ولا خشوع، فتلك تترك صاحبها بمنزلته حيث كان. ه. فائدة: ذكر في اللباب أن أول من صلى الصبح آدم عليه السلام، لأنه لم يكن رأى ظلمة قط، فلما نزل، وجنه الليل خر مغشيا، فلما أصبح ورأى النور صلى ركعتين، شكرا. وأول من صلى الظهر إبراهيم، لما فدى ولده، وقد كان نزل به أربعة أهوال، هم الذبح وهم الولد، وهم والدته، وهم مرضاة الرب، فصلى أربع ركعات، شكرا لله تعالى. وأول من صلى العصر سليمان عليه السلام، لما رد الله عليه ملكه. وأول من صلى المغرب عيسى عليه السلام، كفارة عما اعتقد فيه من أنه ثالث ثلاثة. وأول من صلى العشاء يونس عليه السلام، ولعله هذا الوقت الذي نبذ فيه بالعراء. وأول من توضأ آدم كفارة لأكله. ه. مختصرا بزيادة بيان. وجمعها الحق تعالى لهذه الأمة المحمدية لتحوز فضائل تلك الشرائع لأنه صلى الله عليه وسلم جامع لما افترق في غيره. ثم قال تعالى { ولذكر الله أكبر } ، أي: ولذكر الله، على الدوام، أكبر، في النهي من الفحشاء والمنكر، من الصلاة لأنها في بعض الأوقات. فالجزء الذي في الصلاة ينهى عن الفحشاء الظاهرة، والباقي ينهى عن الفحشاء الباطنة، وهو أعظم، ولأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر لله، مراقب له، وثواب ذلك الذكر أن يذكر الله تعالى لقوله: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152]. ومن ذكره حفظه ورعاه. أو: لذكر الله أكبر أجرا، من الصلاة، ومن سائر الطاعات، كما في الحديث: " ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا اعناقكم؟ قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال ذكر الله " وسئل أي الأعمال أفضل؟ قال: " أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله " قيل: المراد بذكر الله هو الصلاة نفسها، أي: وللصلوات أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر عنها بذكر الله ليشعر بالتعليل، كأنه قال: والصلاة أكبر لأنها ذكر الله. وعن ابن عباس: ولذكر الله لكم إياكم، برحمته، أكبر من ذكركم إياه بطاعته. وقال ابن عطاء ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له لأن ذكره بلا علة، وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى، وذكركم يفنى. أو: لذكر الله أكبر من أن تفهمه أفهامكم وعقولكم. أو: ذكر الله أكبر من أن تبقى معه معصية. { والله يعلم ما تصنعون } من الخير والطاعة، فيثيبكم أحسن الثواب. والله تعالى أعلم. الإشارة: الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر المتعلقين بالجوارح الظاهرة، والذكر ينهى عن الفحشاء والمنكر والمتعلقين بالعوالم الباطنة، وهي المساوئ التي تحجب العبد عن حضرة الغيوب فإذا أكثر العبد من ذكر الله، على نعت الحضور والتفرغ من الشواغل، تنور قلبه، وتطهر سره ولبه، فاتصف بأوصاف الكمال، وزالت عن جميع العلل، ولذلك جعلته الصوفية معتمد أعمالهم، والتزموه مع مرور أوقاتهم وأنفاسهم، ولم يقتنعوا منه بقليل ولا كثير، بل قاموا بالجد والتشمير، فيذكرون أولا بلسانهم وقلوبهم، ثم بقلوبهم فقط، ثم بأرواحهم وأسرارهم فيغيبون حينئذ في شهود المذكور عن وجودهم وعن ذكرهم، وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان، ويصير العبد محوا في وجود العيان، فتكون عبادتهم كلها فكرة وعبرة، وشهودا ونظرة، وهو مقام العيان في منزل الإحسان، فيكون ذكر اللسان عندهم بطالة، وفي ذلك يقول الشاعر: ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني سري وقلبي وروحي، عند ذكراك حتى كأن رقيبا منك يهتف بي: إياك، ويحك، والتذكار، إياك أما ترى الحق قد لاحت شواهده؟ وواصل الكل، من معناه معناك؟! قال القشيري: ويقال: ذكر الله أكبر من أن يبقى معه ذكر مخلوق أو معلوم للعبد، فضلا أن يبقى معه للفحشاء والمنكر سلطان. ه. وقال في القوت على هذه الآية: الذكر عند الذاكرين: المشاهدة، فمشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة. هذا أحد الوجهين في الآية: ثم قال: وروي في معنى الآية عن رسول لله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما فرضت الصلاة، وأمر بالحج والطواف،وأشعرت المناسك، لإقامة ذكر الله - عز وجل - " قال تعالى: وأقم الصلاة لذكري [طه: 14]، أي: لتذكرني فيها. ثم قال: فإذا لم يكن في قلبك للمذكور، الذي هو المقصود والمبتغى، عظمة ولا هيبة، ولا إجلال مقام، ولا حلاوة فهم، فما قيمة ذكرك فإنما صلاتك كعمل من أعمال دنياك. وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة قسما من اقسام الدنيا، إذ كان المصلي على مقام من الهوى، فقال: " حبب إلي من دنياكم.. " ذكر منها الصلاة، فهي دنيا لمن كان همه الدنيا، وهي آخرة لأبناء الآخرة، وهي صلة ومواصلة لأهل الله - عز وجل-، وإنما سميت الصلاة لأنها صلة بين الله وعبده، ولا تكون المواصلة إلا لتقي، ولا يكون التقي إلا خاشعا، فعند هذا لا يعظم عليه طول القيام، ولا يكبر عليه الانتهاء عن المنكر كما قال الله: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر }. ه. ثم ذكر ما ينتج عن الصلاة الكاملة والذكر الدائم وهو الخلق الجميل فوصى به، حيث قال: { ولا تجادلوا أهل الكتاب... }

العنكبوت 29:46

يقول الحق جل جلاله: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } إلا بالخصلة التي هي أحسن، أي: ألطف وأرفق، وهي مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والمشاغبة بالنصح، بأن تدعوه إلى الله تعالى برفق ولين، وتبين له الحجج والآيات، من غير مغالبة ولا قهر. وأصل المجادلة: فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجج، وأصله: شدة الفتل، ومنه قيل للصقر: أجدل لشدة فتل بدنه وقوة خلقه. والآية قيل: منسوخة بآية السيف، وقيل: نزلت في أهل الذمة. { إلا الذين ظلموا منهم } ، فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو: إلا الذين أثبتوا الولد والشريك، وقالوا: يد الله مغلولة. أو معناه: ولا تجادلوا الذين دخلوا في الذمة، المؤدين للجزية، إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا: فنبذوا الذمة، ومنعوا الجزية، فمجادلتهم بالسيف. والآية تدل على جواز مناظرة الكفرة في الدين، وعلى جواز تعلم علم الكلام، الذي به تتحقق المجادلة. قاله النسفي. { وقولو آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد } هذا من حسن المجادلة. قال صلى الله عليه وسلم: " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوهم، وإن كان حقا لم تكذبوهم " { ونحن له مسلمون } مطيعون له خاصة، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. الإشارة: المناظرة بين العلماء، والمذاكرة بين الفقراء، ينبغي أن تكون برفق ولين على قلب سليم، بقصد إظهار الحق وتبيين الصواب، أو تنبيه عن الغفلة، أو ترقية في المنزلة، من غير ملاححة، أو مخاصمة، ولا قصد مغالبة لأن العلم النافع، وذكر الله الحقيقي، يهذب الطبع، ويحسن الأخلاق. قال في الحاشية: ثم تذكر حسن رده صلى الله عليه وسلم للقائلين له: السام عليكم، ورفقه، وقوله لعائشة: " متى عهدتني فاحشا "؟ يتبين لك مناسبة الوصية بحسن المجادلة في الآية مع ما قبلها، وأن ذلك حال المقيمين للصلاة، الذاكرين الله حقيقة، وأنهم على خلق جميل وحلم وسمت، لا يستفزهم شيء من العوارض لما رسخ في قلوبهم من نور القرب الذي محى الطبع وفحشه. والله تعالى أعلم. ه. ثم ذكر برهان حقية القرآن الذي أنزل إلينا، فقال: { وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب... }

العنكبوت 29:47

يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: ومثل ذلك الإنزال البديع { أنزلنا إليك الكتاب } مصدقا لسائر الكتب السماوية وشاهدا عليها، { فالذين آتيناهم الكتاب } التوراة والإنجيل، { يؤمنون به } ، وهم عبد الله بن سلام ومن آمن معه، وأصحاب النجاشي، أو: من تقدم عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، { ومن هؤلاء } ، من أهل مكة، { من يؤمن به } ، أو: فالذي آتيناهم الكتب قبلك يؤمنون به قبل ظهوره، ومن هؤلاء الذين أدركوا زمانك من يؤمن به. وإذا قلنا: إن السورة كلها مكية، يكون إخبارا بغيب تحقق وقوعه، { وما يجحد بآياتنا } ، مع ظهورها وزوال الشبهة عنها، { إلا الكافرون } إلا المتوغلون في الكفر، المصممون عليه، ككعب بن الأشرف وأضرابه، أو كفار قريش، إذا قلنا: الآية مكية. { وما كنت تتلوا من قبله } من قبل القرآن { من كتاب ولا تخطه بيمينك } ، بل كنت أميا، لم تقرأ ولم تكتب، فظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة والأخبار السالفة، على يد أمي لم يعرف بالقراءة والتعلم، خرق عادة، قاطعة لبغيته. وذكر اليمين، لأن الكتابة، غالبا، تكون به، أي: ما كنت قارئا كتابا من الكتب، ولا كاتبا { إذا لارتاب المبطلون } أي: لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا: تعلمه، والتقطه من كتب الأقدمين، وكتبه بيده. أو: يقول أهل الكتاب: الذي نجده في كتابنا أمي لا يكتب ولا يقرأ، وليس به. وسماهم مبطلين، لإنكارهم النبوة، أو: لارتيابهم فيها، مع تواتر حججها ودلائلها. هذا، وكونه صلى الله عليه وسلم أميا كمال في حقه صلى الله عليه وسلم، مع كونه أميا أحاط بعلوم الأولين والآخرين، وأخبر بقصص القرون الخالية والأمم الماضية، من غير مدارسة ولا مطالعة، وهو، مع ذلك، يخبر بما مضى، وبما يأتي إلى قيام الساعة، وسرد علم الأولين والآخرين مما لا يعلم القصة الواحدة منها إلا الفذ من أحبارهم، الذي يقطع عمره في مدارسته وتعلمه، وهذا كله في جاهلية جهلاء، بعد فيها العهد بالأنبياء، وبدل الناس، وغيروا في كتب الله تعالى بالزيادة والنقصان، ففضحهم صلى الله عليه وسلم وقرر الشرائع الماضية، فهذا كله كاف في صحة نبوته، فكانت أميته صلى الله عليه وسلم وصف كمال في حقه، ومعجزة دالة على نبوته لأنه صلى الله عليه وسلم، مع كونه أميا، ظهر عليه من العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، ما يعجز عنه العقول، ولا تحيط به النقول، مع إحكامه لسياسة الخلق، ومعالجتهم، مع تنوعهم، وتدبير أمر الحروب، وإمامته في كل علم وحكمة. وأيضا: المقصود من القراءة والكتابة: ما ينتج عنهما من العلم لأنهما آلة، فإذا حصلت الثمرة استغنى عنهما. والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتب قط. وقال الباجي وغيره: إنه كتب، لظاهر حديث الحديبية. وقال مجاهد والشعبي: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ. وهذا كله ضعيف. قال تعالى: { بل هو } أي: القرآن { آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } اي: في صدور العلماء وحفاظه، وهما من خصائص القرآن كون آياته بينات الإعجاز وكونه محفوظا في الصدور، بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، ولم تكن تقرأ إلا بالمصاحف. قال ابن عباس: { بل هو } أي: محمد، والعلم بأنه أمي، { آيات بينات } في صدور أهل العلم من أهل الكتاب، يجدونه في كتبهم. ه. وبل: للإضراب عن محذوف، ينساق إليه الكلام، أي: ليس الأمر مما يمكن الارتياب فيه، بل هو آيات واضحات. وفي صدور: متعلق ببينات، أو: خبر ثان لهو. { وما يجحد بآياتنا } الواضحة { إلا الظالمون } المتوغلون في الظلم. قال ابن عطية: الظالمون والمبطلون هم كل مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم. قاله مجاهد. ه. الإشارة: كم من ولي يكون أميا، وتجد عنده من العلوم والحكم والتوحيد ما لا يوجد عند نحارير العلماء. ما اتخذ الله وليا جاهلا إلا علمه ولقد سمعت من شيخنا البوزيدي رضي الله عنه علوما وأسرارا، ما رأيتها في كتاب، وكان يتكلم في تفسير آيات من كتاب الله على طريق أهل الإشارة، قل أن تجدها عند غيره، وسمعته يقول: والله ما جلست بين يدى عالم قط، ولا قرأت شيئا من العلم الظاهر. قال القشيري: قلوب الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب، فيها أودع براهين حقه، وبينات سره، ودلائل توحيده، وشواهد ربوبيته، فقانون الحقائق في قلوبهم، وكل شيء يطلب من موطنه ومحله، فالدر يطلب من الصدف لأنه مسكنه، كذلك المعرفة، ووصف الحق يطلب من قلوب خواصه لأن ذلك قانون معرفته، ومنها ترفع نسخة توحيده. ه. ثم رد اقتراحهم للآيات، فقال: { وقالوا لولا أنزل عليه... }

العنكبوت 29:48

يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: ومثل ذلك الإنزال البديع { أنزلنا إليك الكتاب } مصدقا لسائر الكتب السماوية وشاهدا عليها، { فالذين آتيناهم الكتاب } التوراة والإنجيل، { يؤمنون به } ، وهم عبد الله بن سلام ومن آمن معه، وأصحاب النجاشي، أو: من تقدم عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، { ومن هؤلاء } ، من أهل مكة، { من يؤمن به } ، أو: فالذي آتيناهم الكتب قبلك يؤمنون به قبل ظهوره، ومن هؤلاء الذين أدركوا زمانك من يؤمن به. وإذا قلنا: إن السورة كلها مكية، يكون إخبارا بغيب تحقق وقوعه، { وما يجحد بآياتنا } ، مع ظهورها وزوال الشبهة عنها، { إلا الكافرون } إلا المتوغلون في الكفر، المصممون عليه، ككعب بن الأشرف وأضرابه، أو كفار قريش، إذا قلنا: الآية مكية. { وما كنت تتلوا من قبله } من قبل القرآن { من كتاب ولا تخطه بيمينك } ، بل كنت أميا، لم تقرأ ولم تكتب، فظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة والأخبار السالفة، على يد أمي لم يعرف بالقراءة والتعلم، خرق عادة، قاطعة لبغيته. وذكر اليمين، لأن الكتابة، غالبا، تكون به، أي: ما كنت قارئا كتابا من الكتب، ولا كاتبا { إذا لارتاب المبطلون } أي: لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا: تعلمه، والتقطه من كتب الأقدمين، وكتبه بيده. أو: يقول أهل الكتاب: الذي نجده في كتابنا أمي لا يكتب ولا يقرأ، وليس به. وسماهم مبطلين، لإنكارهم النبوة، أو: لارتيابهم فيها، مع تواتر حججها ودلائلها. هذا، وكونه صلى الله عليه وسلم أميا كمال في حقه صلى الله عليه وسلم، مع كونه أميا أحاط بعلوم الأولين والآخرين، وأخبر بقصص القرون الخالية والأمم الماضية، من غير مدارسة ولا مطالعة، وهو، مع ذلك، يخبر بما مضى، وبما يأتي إلى قيام الساعة، وسرد علم الأولين والآخرين مما لا يعلم القصة الواحدة منها إلا الفذ من أحبارهم، الذي يقطع عمره في مدارسته وتعلمه، وهذا كله في جاهلية جهلاء، بعد فيها العهد بالأنبياء، وبدل الناس، وغيروا في كتب الله تعالى بالزيادة والنقصان، ففضحهم صلى الله عليه وسلم وقرر الشرائع الماضية، فهذا كله كاف في صحة نبوته، فكانت أميته صلى الله عليه وسلم وصف كمال في حقه، ومعجزة دالة على نبوته لأنه صلى الله عليه وسلم، مع كونه أميا، ظهر عليه من العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، ما يعجز عنه العقول، ولا تحيط به النقول، مع إحكامه لسياسة الخلق، ومعالجتهم، مع تنوعهم، وتدبير أمر الحروب، وإمامته في كل علم وحكمة. وأيضا: المقصود من القراءة والكتابة: ما ينتج عنهما من العلم لأنهما آلة، فإذا حصلت الثمرة استغنى عنهما. والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتب قط. وقال الباجي وغيره: إنه كتب، لظاهر حديث الحديبية. وقال مجاهد والشعبي: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ. وهذا كله ضعيف. قال تعالى: { بل هو } أي: القرآن { آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } اي: في صدور العلماء وحفاظه، وهما من خصائص القرآن كون آياته بينات الإعجاز وكونه محفوظا في الصدور، بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، ولم تكن تقرأ إلا بالمصاحف. قال ابن عباس: { بل هو } أي: محمد، والعلم بأنه أمي، { آيات بينات } في صدور أهل العلم من أهل الكتاب، يجدونه في كتبهم. ه. وبل: للإضراب عن محذوف، ينساق إليه الكلام، أي: ليس الأمر مما يمكن الارتياب فيه، بل هو آيات واضحات. وفي صدور: متعلق ببينات، أو: خبر ثان لهو. { وما يجحد بآياتنا } الواضحة { إلا الظالمون } المتوغلون في الظلم. قال ابن عطية: الظالمون والمبطلون هم كل مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم. قاله مجاهد. ه. الإشارة: كم من ولي يكون أميا، وتجد عنده من العلوم والحكم والتوحيد ما لا يوجد عند نحارير العلماء. ما اتخذ الله وليا جاهلا إلا علمه ولقد سمعت من شيخنا البوزيدي رضي الله عنه علوما وأسرارا، ما رأيتها في كتاب، وكان يتكلم في تفسير آيات من كتاب الله على طريق أهل الإشارة، قل أن تجدها عند غيره، وسمعته يقول: والله ما جلست بين يدى عالم قط، ولا قرأت شيئا من العلم الظاهر. قال القشيري: قلوب الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب، فيها أودع براهين حقه، وبينات سره، ودلائل توحيده، وشواهد ربوبيته، فقانون الحقائق في قلوبهم، وكل شيء يطلب من موطنه ومحله، فالدر يطلب من الصدف لأنه مسكنه، كذلك المعرفة، ووصف الحق يطلب من قلوب خواصه لأن ذلك قانون معرفته، ومنها ترفع نسخة توحيده. ه. ثم رد اقتراحهم للآيات، فقال: { وقالوا لولا أنزل عليه... }

العنكبوت 29:49

يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: ومثل ذلك الإنزال البديع { أنزلنا إليك الكتاب } مصدقا لسائر الكتب السماوية وشاهدا عليها، { فالذين آتيناهم الكتاب } التوراة والإنجيل، { يؤمنون به } ، وهم عبد الله بن سلام ومن آمن معه، وأصحاب النجاشي، أو: من تقدم عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، { ومن هؤلاء } ، من أهل مكة، { من يؤمن به } ، أو: فالذي آتيناهم الكتب قبلك يؤمنون به قبل ظهوره، ومن هؤلاء الذين أدركوا زمانك من يؤمن به. وإذا قلنا: إن السورة كلها مكية، يكون إخبارا بغيب تحقق وقوعه، { وما يجحد بآياتنا } ، مع ظهورها وزوال الشبهة عنها، { إلا الكافرون } إلا المتوغلون في الكفر، المصممون عليه، ككعب بن الأشرف وأضرابه، أو كفار قريش، إذا قلنا: الآية مكية. { وما كنت تتلوا من قبله } من قبل القرآن { من كتاب ولا تخطه بيمينك } ، بل كنت أميا، لم تقرأ ولم تكتب، فظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة والأخبار السالفة، على يد أمي لم يعرف بالقراءة والتعلم، خرق عادة، قاطعة لبغيته. وذكر اليمين، لأن الكتابة، غالبا، تكون به، أي: ما كنت قارئا كتابا من الكتب، ولا كاتبا { إذا لارتاب المبطلون } أي: لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا: تعلمه، والتقطه من كتب الأقدمين، وكتبه بيده. أو: يقول أهل الكتاب: الذي نجده في كتابنا أمي لا يكتب ولا يقرأ، وليس به. وسماهم مبطلين، لإنكارهم النبوة، أو: لارتيابهم فيها، مع تواتر حججها ودلائلها. هذا، وكونه صلى الله عليه وسلم أميا كمال في حقه صلى الله عليه وسلم، مع كونه أميا أحاط بعلوم الأولين والآخرين، وأخبر بقصص القرون الخالية والأمم الماضية، من غير مدارسة ولا مطالعة، وهو، مع ذلك، يخبر بما مضى، وبما يأتي إلى قيام الساعة، وسرد علم الأولين والآخرين مما لا يعلم القصة الواحدة منها إلا الفذ من أحبارهم، الذي يقطع عمره في مدارسته وتعلمه، وهذا كله في جاهلية جهلاء، بعد فيها العهد بالأنبياء، وبدل الناس، وغيروا في كتب الله تعالى بالزيادة والنقصان، ففضحهم صلى الله عليه وسلم وقرر الشرائع الماضية، فهذا كله كاف في صحة نبوته، فكانت أميته صلى الله عليه وسلم وصف كمال في حقه، ومعجزة دالة على نبوته لأنه صلى الله عليه وسلم، مع كونه أميا، ظهر عليه من العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، ما يعجز عنه العقول، ولا تحيط به النقول، مع إحكامه لسياسة الخلق، ومعالجتهم، مع تنوعهم، وتدبير أمر الحروب، وإمامته في كل علم وحكمة. وأيضا: المقصود من القراءة والكتابة: ما ينتج عنهما من العلم لأنهما آلة، فإذا حصلت الثمرة استغنى عنهما. والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتب قط. وقال الباجي وغيره: إنه كتب، لظاهر حديث الحديبية. وقال مجاهد والشعبي: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ. وهذا كله ضعيف. قال تعالى: { بل هو } أي: القرآن { آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } اي: في صدور العلماء وحفاظه، وهما من خصائص القرآن كون آياته بينات الإعجاز وكونه محفوظا في الصدور، بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، ولم تكن تقرأ إلا بالمصاحف. قال ابن عباس: { بل هو } أي: محمد، والعلم بأنه أمي، { آيات بينات } في صدور أهل العلم من أهل الكتاب، يجدونه في كتبهم. ه. وبل: للإضراب عن محذوف، ينساق إليه الكلام، أي: ليس الأمر مما يمكن الارتياب فيه، بل هو آيات واضحات. وفي صدور: متعلق ببينات، أو: خبر ثان لهو. { وما يجحد بآياتنا } الواضحة { إلا الظالمون } المتوغلون في الظلم. قال ابن عطية: الظالمون والمبطلون هم كل مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم. قاله مجاهد. ه. الإشارة: كم من ولي يكون أميا، وتجد عنده من العلوم والحكم والتوحيد ما لا يوجد عند نحارير العلماء. ما اتخذ الله وليا جاهلا إلا علمه ولقد سمعت من شيخنا البوزيدي رضي الله عنه علوما وأسرارا، ما رأيتها في كتاب، وكان يتكلم في تفسير آيات من كتاب الله على طريق أهل الإشارة، قل أن تجدها عند غيره، وسمعته يقول: والله ما جلست بين يدى عالم قط، ولا قرأت شيئا من العلم الظاهر. قال القشيري: قلوب الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب، فيها أودع براهين حقه، وبينات سره، ودلائل توحيده، وشواهد ربوبيته، فقانون الحقائق في قلوبهم، وكل شيء يطلب من موطنه ومحله، فالدر يطلب من الصدف لأنه مسكنه، كذلك المعرفة، ووصف الحق يطلب من قلوب خواصه لأن ذلك قانون معرفته، ومنها ترفع نسخة توحيده. ه. ثم رد اقتراحهم للآيات، فقال: { وقالوا لولا أنزل عليه... }

العنكبوت 29:50

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي كفار قريش: { لولا أنزل عليه آية من ربه } تدل على صدقه، مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى، ونحو ذلك. وقرأ نافع وابن عامر وحفص: بالجمع " آيات " ، كثيرة { قل إنما الآيات عند الله } ، ينزل منها ما شاء متى شاء، ولست أملك منها شيئا، { وإنما أنا نذير مبين } إنما كلفت بالإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس من شأني أن أقول: أنزل على آية كذا دون آية كذا، مع علمي أن المراد من الآيات ثبوت الدلالة على نبوتي، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك. { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ، أي أولم يكفهم إنزال آية مغنية عن سائر الآيات، إن كانوا طالبين للحق، غير متعنتين، وهو هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل زمان ومكان، فلا يزال معهم آية ثابته، لا تزول ولا تنقطع، كما انقطع غيره من الآيات، وفي ذلك يقوم البوصيري: دامت لدينا ففاقت كل معجزة من النبيين، إذ جاءت ولم تدم { إن في ذلك } أي: هذه الآية الموجودة في كل زمان إلى آخر الدهر، { لرحمة } لنعمة عظيمة، { وذكرى } وتذكرة { لقوم يؤمنون } من دون المتعنتين. قال يحيى بن جعدة: إن ناسا من المسلمين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما يقول اليهود، فألقاها، وقال: كفى بها حماقة، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاء به نبيهم، فنزل: { أولم يكفهم... } إلخ. { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } أي: شاهدا بصدق ما أدعيه من الرسالة وإنزال القرآن علي، وتكذبيكم، { يعلم ما في السماوات والأرض } ، فهو مطلع على أمري وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم، فلا يخفى عليه شيء. { والذين آمنوا بالباطل } ، وهو ما يعبد من دون الله، { وكفروا بالله } وبآياته منكم { أولئك هم الخاسرون } المغبونون في صفقتهم، حيث اشتروا الكفر المؤدي إلى النيران، بالإيمان المؤدي إلى الخلود في الجنان. روي أن كعب بن الأشرف وأصحابه من اليهود قالوا: من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزل: { قل كفى... } إلخ. الإشارة: اقتراح الآيات والكرامات كله جهل وحمق إذ ليس بيد النبي أو الولي شيء من ذلك، وإنما هو مأمور بالوعظ والدلالة على الله، والدعاء إليه، والكرامة لا تدل على كمال صاحبها، " ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة " ، ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه. وقد تظهر الكرامات في البدايات وتخفى في النهايات، والكرامة العظمى هي الاستقامة وكشف الحجاب بين الله وعبده حتى يشاهده عيانا، ويذهب عنه الأوهام والشكوك، وأما غير هذا فقد يكون استدراجا لمن يقف معه. والله تعالى أعلم. ولما لم تظهر آية كما اقترحوا، استعجلوا بالعذاب استهزاء كما قال تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب ولولا... }

العنكبوت 29:51

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي كفار قريش: { لولا أنزل عليه آية من ربه } تدل على صدقه، مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى، ونحو ذلك. وقرأ نافع وابن عامر وحفص: بالجمع " آيات " ، كثيرة { قل إنما الآيات عند الله } ، ينزل منها ما شاء متى شاء، ولست أملك منها شيئا، { وإنما أنا نذير مبين } إنما كلفت بالإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس من شأني أن أقول: أنزل على آية كذا دون آية كذا، مع علمي أن المراد من الآيات ثبوت الدلالة على نبوتي، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك. { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ، أي أولم يكفهم إنزال آية مغنية عن سائر الآيات، إن كانوا طالبين للحق، غير متعنتين، وهو هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل زمان ومكان، فلا يزال معهم آية ثابته، لا تزول ولا تنقطع، كما انقطع غيره من الآيات، وفي ذلك يقوم البوصيري: دامت لدينا ففاقت كل معجزة من النبيين، إذ جاءت ولم تدم { إن في ذلك } أي: هذه الآية الموجودة في كل زمان إلى آخر الدهر، { لرحمة } لنعمة عظيمة، { وذكرى } وتذكرة { لقوم يؤمنون } من دون المتعنتين. قال يحيى بن جعدة: إن ناسا من المسلمين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما يقول اليهود، فألقاها، وقال: كفى بها حماقة، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاء به نبيهم، فنزل: { أولم يكفهم... } إلخ. { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } أي: شاهدا بصدق ما أدعيه من الرسالة وإنزال القرآن علي، وتكذبيكم، { يعلم ما في السماوات والأرض } ، فهو مطلع على أمري وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم، فلا يخفى عليه شيء. { والذين آمنوا بالباطل } ، وهو ما يعبد من دون الله، { وكفروا بالله } وبآياته منكم { أولئك هم الخاسرون } المغبونون في صفقتهم، حيث اشتروا الكفر المؤدي إلى النيران، بالإيمان المؤدي إلى الخلود في الجنان. روي أن كعب بن الأشرف وأصحابه من اليهود قالوا: من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزل: { قل كفى... } إلخ. الإشارة: اقتراح الآيات والكرامات كله جهل وحمق إذ ليس بيد النبي أو الولي شيء من ذلك، وإنما هو مأمور بالوعظ والدلالة على الله، والدعاء إليه، والكرامة لا تدل على كمال صاحبها، " ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة " ، ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه. وقد تظهر الكرامات في البدايات وتخفى في النهايات، والكرامة العظمى هي الاستقامة وكشف الحجاب بين الله وعبده حتى يشاهده عيانا، ويذهب عنه الأوهام والشكوك، وأما غير هذا فقد يكون استدراجا لمن يقف معه. والله تعالى أعلم. ولما لم تظهر آية كما اقترحوا، استعجلوا بالعذاب استهزاء كما قال تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب ولولا... }

العنكبوت 29:52

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي كفار قريش: { لولا أنزل عليه آية من ربه } تدل على صدقه، مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى، ونحو ذلك. وقرأ نافع وابن عامر وحفص: بالجمع " آيات " ، كثيرة { قل إنما الآيات عند الله } ، ينزل منها ما شاء متى شاء، ولست أملك منها شيئا، { وإنما أنا نذير مبين } إنما كلفت بالإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس من شأني أن أقول: أنزل على آية كذا دون آية كذا، مع علمي أن المراد من الآيات ثبوت الدلالة على نبوتي، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك. { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ، أي أولم يكفهم إنزال آية مغنية عن سائر الآيات، إن كانوا طالبين للحق، غير متعنتين، وهو هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل زمان ومكان، فلا يزال معهم آية ثابته، لا تزول ولا تنقطع، كما انقطع غيره من الآيات، وفي ذلك يقوم البوصيري: دامت لدينا ففاقت كل معجزة من النبيين، إذ جاءت ولم تدم { إن في ذلك } أي: هذه الآية الموجودة في كل زمان إلى آخر الدهر، { لرحمة } لنعمة عظيمة، { وذكرى } وتذكرة { لقوم يؤمنون } من دون المتعنتين. قال يحيى بن جعدة: إن ناسا من المسلمين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما يقول اليهود، فألقاها، وقال: كفى بها حماقة، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاء به نبيهم، فنزل: { أولم يكفهم... } إلخ. { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } أي: شاهدا بصدق ما أدعيه من الرسالة وإنزال القرآن علي، وتكذبيكم، { يعلم ما في السماوات والأرض } ، فهو مطلع على أمري وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم، فلا يخفى عليه شيء. { والذين آمنوا بالباطل } ، وهو ما يعبد من دون الله، { وكفروا بالله } وبآياته منكم { أولئك هم الخاسرون } المغبونون في صفقتهم، حيث اشتروا الكفر المؤدي إلى النيران، بالإيمان المؤدي إلى الخلود في الجنان. روي أن كعب بن الأشرف وأصحابه من اليهود قالوا: من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزل: { قل كفى... } إلخ. الإشارة: اقتراح الآيات والكرامات كله جهل وحمق إذ ليس بيد النبي أو الولي شيء من ذلك، وإنما هو مأمور بالوعظ والدلالة على الله، والدعاء إليه، والكرامة لا تدل على كمال صاحبها، " ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة " ، ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه. وقد تظهر الكرامات في البدايات وتخفى في النهايات، والكرامة العظمى هي الاستقامة وكشف الحجاب بين الله وعبده حتى يشاهده عيانا، ويذهب عنه الأوهام والشكوك، وأما غير هذا فقد يكون استدراجا لمن يقف معه. والله تعالى أعلم. ولما لم تظهر آية كما اقترحوا، استعجلوا بالعذاب استهزاء كما قال تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب ولولا... }

العنكبوت 29:53

يقول الحق جل جلاله: { ويستعجلونك بالعذاب } ،كقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء، { ولولا أجل مسمى } المضروب لعذاب كل قوم، أو: القيامة، أو: يوم بدر، أو: وقت فنائهم بأجلهم. والمعنى: ولو أجل قد سماه الله وعينه في اللوح المحفوظ، { لجاءهم العذاب } عاجلا. والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى، { وليأتينهم } العذاب في الأجل المسمى { بغتة }: فجأة { وهم لا يشعرون } بإيتانه. { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } أي: لتحيط بهم، أو: هي كالمحيطة بهم، لإحاطة أسبابها بهم من الكفر والمعاصي. واللام للعهد، على وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على موجب الإحاطة، وهو الكفر، أو الجنس، فيدخل المخاطبون دخولا أوليا. وتكرير استعاجلهم لاختلاف ما يترتب على كل واحد، فرتب على الأول حكمة تأخيره، وعلى الثاني تهديهم وزجرهم عنه. ثم قال تعالى: { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ، هذا وقت إحاطتها بهم، أي: تحيط من جميع جوانبهم، كقوله: لهم من فوقهم ظلل [الزمر: 16]. { ويقولوا ذوقوا ما كنتم تعملون } أي: باشروا جزاء أعمالكم. الإشارة: ما قيل في حق من استعجل العذاب من الأنبياء، يقال في حق من استعجله من الأولياء، بحيث يؤذيهم ويقول: ليظهروا ما عندهم، فهذا حمق كبير، ولا بد أن يلحقه وبال ذلك، عاجلا، أو آجلا، إما ظاهرا أو باطنا، وقد لا يشعر، وقد يسري ذلك إلى عقبه، فيصيبه ذلك الوبال، كما أصاب أباه والعياذ بالله من التعرض لأوليائه. ثم أمر بالهجرة من الأرض التي تكثر فيها الإذاية في الدين، فقال: { يعبادي الذين... }

العنكبوت 29:54

يقول الحق جل جلاله: { ويستعجلونك بالعذاب } ،كقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء، { ولولا أجل مسمى } المضروب لعذاب كل قوم، أو: القيامة، أو: يوم بدر، أو: وقت فنائهم بأجلهم. والمعنى: ولو أجل قد سماه الله وعينه في اللوح المحفوظ، { لجاءهم العذاب } عاجلا. والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى، { وليأتينهم } العذاب في الأجل المسمى { بغتة }: فجأة { وهم لا يشعرون } بإيتانه. { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } أي: لتحيط بهم، أو: هي كالمحيطة بهم، لإحاطة أسبابها بهم من الكفر والمعاصي. واللام للعهد، على وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على موجب الإحاطة، وهو الكفر، أو الجنس، فيدخل المخاطبون دخولا أوليا. وتكرير استعاجلهم لاختلاف ما يترتب على كل واحد، فرتب على الأول حكمة تأخيره، وعلى الثاني تهديهم وزجرهم عنه. ثم قال تعالى: { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ، هذا وقت إحاطتها بهم، أي: تحيط من جميع جوانبهم، كقوله: لهم من فوقهم ظلل [الزمر: 16]. { ويقولوا ذوقوا ما كنتم تعملون } أي: باشروا جزاء أعمالكم. الإشارة: ما قيل في حق من استعجل العذاب من الأنبياء، يقال في حق من استعجله من الأولياء، بحيث يؤذيهم ويقول: ليظهروا ما عندهم، فهذا حمق كبير، ولا بد أن يلحقه وبال ذلك، عاجلا، أو آجلا، إما ظاهرا أو باطنا، وقد لا يشعر، وقد يسري ذلك إلى عقبه، فيصيبه ذلك الوبال، كما أصاب أباه والعياذ بالله من التعرض لأوليائه. ثم أمر بالهجرة من الأرض التي تكثر فيها الإذاية في الدين، فقال: { يعبادي الذين... }

العنكبوت 29:55

يقول الحق جل جلاله: { ويستعجلونك بالعذاب } ،كقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء، { ولولا أجل مسمى } المضروب لعذاب كل قوم، أو: القيامة، أو: يوم بدر، أو: وقت فنائهم بأجلهم. والمعنى: ولو أجل قد سماه الله وعينه في اللوح المحفوظ، { لجاءهم العذاب } عاجلا. والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى، { وليأتينهم } العذاب في الأجل المسمى { بغتة }: فجأة { وهم لا يشعرون } بإيتانه. { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } أي: لتحيط بهم، أو: هي كالمحيطة بهم، لإحاطة أسبابها بهم من الكفر والمعاصي. واللام للعهد، على وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على موجب الإحاطة، وهو الكفر، أو الجنس، فيدخل المخاطبون دخولا أوليا. وتكرير استعاجلهم لاختلاف ما يترتب على كل واحد، فرتب على الأول حكمة تأخيره، وعلى الثاني تهديهم وزجرهم عنه. ثم قال تعالى: { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ، هذا وقت إحاطتها بهم، أي: تحيط من جميع جوانبهم، كقوله: لهم من فوقهم ظلل [الزمر: 16]. { ويقولوا ذوقوا ما كنتم تعملون } أي: باشروا جزاء أعمالكم. الإشارة: ما قيل في حق من استعجل العذاب من الأنبياء، يقال في حق من استعجله من الأولياء، بحيث يؤذيهم ويقول: ليظهروا ما عندهم، فهذا حمق كبير، ولا بد أن يلحقه وبال ذلك، عاجلا، أو آجلا، إما ظاهرا أو باطنا، وقد لا يشعر، وقد يسري ذلك إلى عقبه، فيصيبه ذلك الوبال، كما أصاب أباه والعياذ بالله من التعرض لأوليائه. ثم أمر بالهجرة من الأرض التي تكثر فيها الإذاية في الدين، فقال: { يعبادي الذين... }

العنكبوت 29:56

يقول الحق جل جلاله: { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } ، فإذا لم يتيسر لكم إقامة دينكم في بلد، فاخرجوا منها إلى أرض يتهيأ لكم فيها استقامة دينكم، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتا كبيرا، والناس مختلفون، فأهل الشرائع يطلبون البقاع التي يتيسر لهم فيها استقامة ظواهرهم، كالمدن والقرى الكبار، التي يكثر فيها العلم وأهله. وأهل الحقائق من الصوفية يطلبون البقاع التي تسلم فيها قلوبهم من العلائق والشواغل، أينما وجدوها عمروها، إن تهيأ لهم الاجتماع على ربهم. وعن سهل رضي الله عنه: إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض، فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من فر بدينه من أرض، إلى أرض وإن كان بشيرا، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ". { فإياي فاعبدون } أي: فخصوني بالعبادة. وإياي: مفعول لمحذوف، ومفعول " اعبدوني ": الياء المحذوفة، أي: فاعبدوا إياي، فاعبدوني. والفاء: جواب الشرط، محذوف، إذ المعنى، إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فاخلصوا لي في غيرها. ثم شجع المهاجرين بقوله: { كل نفس ذائقة الموت } ، أي: واجدة مرارته وكربه لأنها إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارقة وطنها. { ثم إلينا ترجعون } بالموت، فتجاوزن على ما أسلفتم. ومن علم أن هذا عاقبته، ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له، فإن لم يتهيأ في أرض فليهاجر منها. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم } لننزلنهم { من الجنة غرفا } علالي، عالية، وقرأ حمزة والكسائي: { لنثوينهم } لنقيمنهم، من الثوى، وهو الإقامة، وثوى: غير متعد، فإذا تعدى بزيادة الهمزة لم يجاوز مفعولا واحدا. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إما إجراؤه مجرى " لننزلنهم " ، أو: بحذف الجار، وإيصال الفعل، أو: شبه الظرف المؤقت، بالمبهم، أي: لنقيمنهم في غرف { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين } أجرهم هذا. وهم { الذين صبروا } على مفارقة الأوطان وأذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، ومشاق الطاعات، وترك المحرمات، { وعلى ربهم يتوكلون } ، أي: لم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله، فكفاهم شأنهم. وبالله التوفيق. الإشارة: كل من لم يتأت له جمع قلبه في بلده فليهاجر منها إلى غير، وليسمع قول سيده: { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } ، فإن شق عليه مفارقة الأوطان، فليذكر مفارقته للدنيا في أقرب زمان. وكان الصديق رضي الله عنه لما هاجر إلى المدينة، وأصابته الحمى، يتسلى بذكر الموت، وينشد: كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وقد أكثر الناس في الوعظ بالموت وهجومه، نظما ونثرا، فمن ذلك قول الشاعر: الموت كأس، وكل الناس شاربه والقبر باب، وكل الناس داخله وقال آخر: اعلم بأن سهام الموت قاطعة بكل مدرع فيها ومترس ركوبك النعش ينسيك الركوب إلى ما كنت تركب من نعل ومن فرس ترجو النجاة ولم تسلك طريقتها إن السفينة لا تجري على يبس إلى غير ذلك مما يطول. ولما أمر بالهجرة خافوا العيلة، فأنزل الله تعالى: { وكأين من دآبة لا تحمل... }

العنكبوت 29:57

يقول الحق جل جلاله: { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } ، فإذا لم يتيسر لكم إقامة دينكم في بلد، فاخرجوا منها إلى أرض يتهيأ لكم فيها استقامة دينكم، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتا كبيرا، والناس مختلفون، فأهل الشرائع يطلبون البقاع التي يتيسر لهم فيها استقامة ظواهرهم، كالمدن والقرى الكبار، التي يكثر فيها العلم وأهله. وأهل الحقائق من الصوفية يطلبون البقاع التي تسلم فيها قلوبهم من العلائق والشواغل، أينما وجدوها عمروها، إن تهيأ لهم الاجتماع على ربهم. وعن سهل رضي الله عنه: إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض، فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من فر بدينه من أرض، إلى أرض وإن كان بشيرا، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ". { فإياي فاعبدون } أي: فخصوني بالعبادة. وإياي: مفعول لمحذوف، ومفعول " اعبدوني ": الياء المحذوفة، أي: فاعبدوا إياي، فاعبدوني. والفاء: جواب الشرط، محذوف، إذ المعنى، إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فاخلصوا لي في غيرها. ثم شجع المهاجرين بقوله: { كل نفس ذائقة الموت } ، أي: واجدة مرارته وكربه لأنها إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارقة وطنها. { ثم إلينا ترجعون } بالموت، فتجاوزن على ما أسلفتم. ومن علم أن هذا عاقبته، ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له، فإن لم يتهيأ في أرض فليهاجر منها. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم } لننزلنهم { من الجنة غرفا } علالي، عالية، وقرأ حمزة والكسائي: { لنثوينهم } لنقيمنهم، من الثوى، وهو الإقامة، وثوى: غير متعد، فإذا تعدى بزيادة الهمزة لم يجاوز مفعولا واحدا. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إما إجراؤه مجرى " لننزلنهم " ، أو: بحذف الجار، وإيصال الفعل، أو: شبه الظرف المؤقت، بالمبهم، أي: لنقيمنهم في غرف { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين } أجرهم هذا. وهم { الذين صبروا } على مفارقة الأوطان وأذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، ومشاق الطاعات، وترك المحرمات، { وعلى ربهم يتوكلون } ، أي: لم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله، فكفاهم شأنهم. وبالله التوفيق. الإشارة: كل من لم يتأت له جمع قلبه في بلده فليهاجر منها إلى غير، وليسمع قول سيده: { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } ، فإن شق عليه مفارقة الأوطان، فليذكر مفارقته للدنيا في أقرب زمان. وكان الصديق رضي الله عنه لما هاجر إلى المدينة، وأصابته الحمى، يتسلى بذكر الموت، وينشد: كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وقد أكثر الناس في الوعظ بالموت وهجومه، نظما ونثرا، فمن ذلك قول الشاعر: الموت كأس، وكل الناس شاربه والقبر باب، وكل الناس داخله وقال آخر: اعلم بأن سهام الموت قاطعة بكل مدرع فيها ومترس ركوبك النعش ينسيك الركوب إلى ما كنت تركب من نعل ومن فرس ترجو النجاة ولم تسلك طريقتها إن السفينة لا تجري على يبس إلى غير ذلك مما يطول. ولما أمر بالهجرة خافوا العيلة، فأنزل الله تعالى: { وكأين من دآبة لا تحمل... }

العنكبوت 29:58

يقول الحق جل جلاله: { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } ، فإذا لم يتيسر لكم إقامة دينكم في بلد، فاخرجوا منها إلى أرض يتهيأ لكم فيها استقامة دينكم، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتا كبيرا، والناس مختلفون، فأهل الشرائع يطلبون البقاع التي يتيسر لهم فيها استقامة ظواهرهم، كالمدن والقرى الكبار، التي يكثر فيها العلم وأهله. وأهل الحقائق من الصوفية يطلبون البقاع التي تسلم فيها قلوبهم من العلائق والشواغل، أينما وجدوها عمروها، إن تهيأ لهم الاجتماع على ربهم. وعن سهل رضي الله عنه: إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض، فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من فر بدينه من أرض، إلى أرض وإن كان بشيرا، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ". { فإياي فاعبدون } أي: فخصوني بالعبادة. وإياي: مفعول لمحذوف، ومفعول " اعبدوني ": الياء المحذوفة، أي: فاعبدوا إياي، فاعبدوني. والفاء: جواب الشرط، محذوف، إذ المعنى، إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فاخلصوا لي في غيرها. ثم شجع المهاجرين بقوله: { كل نفس ذائقة الموت } ، أي: واجدة مرارته وكربه لأنها إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارقة وطنها. { ثم إلينا ترجعون } بالموت، فتجاوزن على ما أسلفتم. ومن علم أن هذا عاقبته، ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له، فإن لم يتهيأ في أرض فليهاجر منها. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم } لننزلنهم { من الجنة غرفا } علالي، عالية، وقرأ حمزة والكسائي: { لنثوينهم } لنقيمنهم، من الثوى، وهو الإقامة، وثوى: غير متعد، فإذا تعدى بزيادة الهمزة لم يجاوز مفعولا واحدا. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إما إجراؤه مجرى " لننزلنهم " ، أو: بحذف الجار، وإيصال الفعل، أو: شبه الظرف المؤقت، بالمبهم، أي: لنقيمنهم في غرف { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين } أجرهم هذا. وهم { الذين صبروا } على مفارقة الأوطان وأذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، ومشاق الطاعات، وترك المحرمات، { وعلى ربهم يتوكلون } ، أي: لم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله، فكفاهم شأنهم. وبالله التوفيق. الإشارة: كل من لم يتأت له جمع قلبه في بلده فليهاجر منها إلى غير، وليسمع قول سيده: { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } ، فإن شق عليه مفارقة الأوطان، فليذكر مفارقته للدنيا في أقرب زمان. وكان الصديق رضي الله عنه لما هاجر إلى المدينة، وأصابته الحمى، يتسلى بذكر الموت، وينشد: كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وقد أكثر الناس في الوعظ بالموت وهجومه، نظما ونثرا، فمن ذلك قول الشاعر: الموت كأس، وكل الناس شاربه والقبر باب، وكل الناس داخله وقال آخر: اعلم بأن سهام الموت قاطعة بكل مدرع فيها ومترس ركوبك النعش ينسيك الركوب إلى ما كنت تركب من نعل ومن فرس ترجو النجاة ولم تسلك طريقتها إن السفينة لا تجري على يبس إلى غير ذلك مما يطول. ولما أمر بالهجرة خافوا العيلة، فأنزل الله تعالى: { وكأين من دآبة لا تحمل... }

العنكبوت 29:59

يقول الحق جل جلاله: { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } ، فإذا لم يتيسر لكم إقامة دينكم في بلد، فاخرجوا منها إلى أرض يتهيأ لكم فيها استقامة دينكم، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتا كبيرا، والناس مختلفون، فأهل الشرائع يطلبون البقاع التي يتيسر لهم فيها استقامة ظواهرهم، كالمدن والقرى الكبار، التي يكثر فيها العلم وأهله. وأهل الحقائق من الصوفية يطلبون البقاع التي تسلم فيها قلوبهم من العلائق والشواغل، أينما وجدوها عمروها، إن تهيأ لهم الاجتماع على ربهم. وعن سهل رضي الله عنه: إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض، فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من فر بدينه من أرض، إلى أرض وإن كان بشيرا، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ". { فإياي فاعبدون } أي: فخصوني بالعبادة. وإياي: مفعول لمحذوف، ومفعول " اعبدوني ": الياء المحذوفة، أي: فاعبدوا إياي، فاعبدوني. والفاء: جواب الشرط، محذوف، إذ المعنى، إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فاخلصوا لي في غيرها. ثم شجع المهاجرين بقوله: { كل نفس ذائقة الموت } ، أي: واجدة مرارته وكربه لأنها إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارقة وطنها. { ثم إلينا ترجعون } بالموت، فتجاوزن على ما أسلفتم. ومن علم أن هذا عاقبته، ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له، فإن لم يتهيأ في أرض فليهاجر منها. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم } لننزلنهم { من الجنة غرفا } علالي، عالية، وقرأ حمزة والكسائي: { لنثوينهم } لنقيمنهم، من الثوى، وهو الإقامة، وثوى: غير متعد، فإذا تعدى بزيادة الهمزة لم يجاوز مفعولا واحدا. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إما إجراؤه مجرى " لننزلنهم " ، أو: بحذف الجار، وإيصال الفعل، أو: شبه الظرف المؤقت، بالمبهم، أي: لنقيمنهم في غرف { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين } أجرهم هذا. وهم { الذين صبروا } على مفارقة الأوطان وأذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، ومشاق الطاعات، وترك المحرمات، { وعلى ربهم يتوكلون } ، أي: لم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله، فكفاهم شأنهم. وبالله التوفيق. الإشارة: كل من لم يتأت له جمع قلبه في بلده فليهاجر منها إلى غير، وليسمع قول سيده: { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } ، فإن شق عليه مفارقة الأوطان، فليذكر مفارقته للدنيا في أقرب زمان. وكان الصديق رضي الله عنه لما هاجر إلى المدينة، وأصابته الحمى، يتسلى بذكر الموت، وينشد: كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وقد أكثر الناس في الوعظ بالموت وهجومه، نظما ونثرا، فمن ذلك قول الشاعر: الموت كأس، وكل الناس شاربه والقبر باب، وكل الناس داخله وقال آخر: اعلم بأن سهام الموت قاطعة بكل مدرع فيها ومترس ركوبك النعش ينسيك الركوب إلى ما كنت تركب من نعل ومن فرس ترجو النجاة ولم تسلك طريقتها إن السفينة لا تجري على يبس إلى غير ذلك مما يطول. ولما أمر بالهجرة خافوا العيلة، فأنزل الله تعالى: { وكأين من دآبة لا تحمل... }

العنكبوت 29:60

يقول الحق جل جلاله: { وكأين من دابة } أي: وكم دابة من داوب الأرض، عاقلة وغير عاقلة، { لا تحمل رزقها } لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله، { الله يرزقها وإياكم } أي: لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أنتم أيها الأقوياء إلا الله، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها لأنه لو لم يخلق فيكم قدرة على كسبها، لكنتم أعجز من الدواب. وعن الحسن: { لا تحمل رزقها }: لا تدخره، إنما تصبح خماصا، فيرزقها الله. وقيل: لا يدخر من الحيوان قوتا إلا ابن آدم والفأرة والنملة. { وهو السميع } لقولكم: نخشى الفقر والعيلة إن هاجرنا، { العليم } بما في ضمائركم من خوف فوات الرزق. ثم ذكر دلائل قدرته على الرزق وغيره فقال: { ولئن سألتهم } أي: المشركين وغيرهم { من خلق السماوات والأرض } على كبرهما وسعتهما، { وسخر الشمس والقمر } يجريان في فلكهما، { ليقولن الله } لا يجدون جوابا إلا هذا، لإقرارهم بوجود الصانع، { فأنى يؤفكون } فكيف يصرفون عن توحيد الله؟ مع إقرارهم بهذا كله، إذ لوتعدد الإله لفسد نظام العالم. { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده } هاجر أو أقام في بلده، { ويقدر له } ويضيق عليه، أقام أو هاجر، فالضمير في { له } لمن يشاء لأنه مبهم غير معين، { إن الله بكل شيء عليم } يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم، فمنهم من يصله الفقر، ومنهم من يفسده، ففي الحديث القدسي: " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك " ذكره النسفي. { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله } معترفين بأنه الموجد للكائنات بأسرها، أصولها وفروعها، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي هو أضعف الأشياء. { قل الحمد لله } على إظهار قدرته، حتى ظهرت لجميع الخلق، حتى أقرت بها الجاهلية الجهلاء. أو: على ما عصمك مما هم عليه، أو: على تصديقك وإظهار حجتك، أو: على إنزاله الماء لإحياء الأرض، { بل أكثرهم لا يعقلون } لا عقول لهم، فلا يتدبرون فيما يريهم من الآيات ويقيم عليهم من الدلالات. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرزق مضمون بيد من أمره بين الكاف والنون، لا يزيد بحرص قوي، ولا ينقص بعجز ضعيف، بل قد ينعكس الأمر، كما الشاعر: كم قوي قوي في تقلبه ترى عنه أمر الرزق ينحرف وكم ضعيف ضعيف في تصرفه كأنه من خليج البحر يغترف وقد يبسطه الله لأهل الغفلة والبعد، ويقدره لأهل الولاية والقرب، كما قال القائل: الله يرزق قوما لا خلاق لهم مثل البهائم في خلق التصاوير لو كان عن قوة أو عن مغالبة طار البزاة بأرزاق العصافير وقال عليه الصلاة والسلام - في بعض خطبه -: " أيها الناس، إن الرزق مقسوم، لن يعدو امرؤ ما كتب له، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب. وإن الأمر محدود، لن يجاوز أحد ما قدر له، فبادروا قبل نفود الأجل، وإن الأعمال محصاة، لن يهمل منها صغيرة ولا كبيرة، فأكثروا من صالح الأعمال... " الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: " لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ". ثم حقر الدنيا وعظم الآخرة، فقال: { وما هذه الحياة... }.

العنكبوت 29:61

يقول الحق جل جلاله: { وكأين من دابة } أي: وكم دابة من داوب الأرض، عاقلة وغير عاقلة، { لا تحمل رزقها } لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله، { الله يرزقها وإياكم } أي: لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أنتم أيها الأقوياء إلا الله، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها لأنه لو لم يخلق فيكم قدرة على كسبها، لكنتم أعجز من الدواب. وعن الحسن: { لا تحمل رزقها }: لا تدخره، إنما تصبح خماصا، فيرزقها الله. وقيل: لا يدخر من الحيوان قوتا إلا ابن آدم والفأرة والنملة. { وهو السميع } لقولكم: نخشى الفقر والعيلة إن هاجرنا، { العليم } بما في ضمائركم من خوف فوات الرزق. ثم ذكر دلائل قدرته على الرزق وغيره فقال: { ولئن سألتهم } أي: المشركين وغيرهم { من خلق السماوات والأرض } على كبرهما وسعتهما، { وسخر الشمس والقمر } يجريان في فلكهما، { ليقولن الله } لا يجدون جوابا إلا هذا، لإقرارهم بوجود الصانع، { فأنى يؤفكون } فكيف يصرفون عن توحيد الله؟ مع إقرارهم بهذا كله، إذ لوتعدد الإله لفسد نظام العالم. { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده } هاجر أو أقام في بلده، { ويقدر له } ويضيق عليه، أقام أو هاجر، فالضمير في { له } لمن يشاء لأنه مبهم غير معين، { إن الله بكل شيء عليم } يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم، فمنهم من يصله الفقر، ومنهم من يفسده، ففي الحديث القدسي: " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك " ذكره النسفي. { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله } معترفين بأنه الموجد للكائنات بأسرها، أصولها وفروعها، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي هو أضعف الأشياء. { قل الحمد لله } على إظهار قدرته، حتى ظهرت لجميع الخلق، حتى أقرت بها الجاهلية الجهلاء. أو: على ما عصمك مما هم عليه، أو: على تصديقك وإظهار حجتك، أو: على إنزاله الماء لإحياء الأرض، { بل أكثرهم لا يعقلون } لا عقول لهم، فلا يتدبرون فيما يريهم من الآيات ويقيم عليهم من الدلالات. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرزق مضمون بيد من أمره بين الكاف والنون، لا يزيد بحرص قوي، ولا ينقص بعجز ضعيف، بل قد ينعكس الأمر، كما الشاعر: كم قوي قوي في تقلبه ترى عنه أمر الرزق ينحرف وكم ضعيف ضعيف في تصرفه كأنه من خليج البحر يغترف وقد يبسطه الله لأهل الغفلة والبعد، ويقدره لأهل الولاية والقرب، كما قال القائل: الله يرزق قوما لا خلاق لهم مثل البهائم في خلق التصاوير لو كان عن قوة أو عن مغالبة طار البزاة بأرزاق العصافير وقال عليه الصلاة والسلام - في بعض خطبه -: " أيها الناس، إن الرزق مقسوم، لن يعدو امرؤ ما كتب له، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب. وإن الأمر محدود، لن يجاوز أحد ما قدر له، فبادروا قبل نفود الأجل، وإن الأعمال محصاة، لن يهمل منها صغيرة ولا كبيرة، فأكثروا من صالح الأعمال... " الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: " لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ". ثم حقر الدنيا وعظم الآخرة، فقال: { وما هذه الحياة... }.

العنكبوت 29:62

يقول الحق جل جلاله: { وكأين من دابة } أي: وكم دابة من داوب الأرض، عاقلة وغير عاقلة، { لا تحمل رزقها } لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله، { الله يرزقها وإياكم } أي: لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أنتم أيها الأقوياء إلا الله، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها لأنه لو لم يخلق فيكم قدرة على كسبها، لكنتم أعجز من الدواب. وعن الحسن: { لا تحمل رزقها }: لا تدخره، إنما تصبح خماصا، فيرزقها الله. وقيل: لا يدخر من الحيوان قوتا إلا ابن آدم والفأرة والنملة. { وهو السميع } لقولكم: نخشى الفقر والعيلة إن هاجرنا، { العليم } بما في ضمائركم من خوف فوات الرزق. ثم ذكر دلائل قدرته على الرزق وغيره فقال: { ولئن سألتهم } أي: المشركين وغيرهم { من خلق السماوات والأرض } على كبرهما وسعتهما، { وسخر الشمس والقمر } يجريان في فلكهما، { ليقولن الله } لا يجدون جوابا إلا هذا، لإقرارهم بوجود الصانع، { فأنى يؤفكون } فكيف يصرفون عن توحيد الله؟ مع إقرارهم بهذا كله، إذ لوتعدد الإله لفسد نظام العالم. { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده } هاجر أو أقام في بلده، { ويقدر له } ويضيق عليه، أقام أو هاجر، فالضمير في { له } لمن يشاء لأنه مبهم غير معين، { إن الله بكل شيء عليم } يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم، فمنهم من يصله الفقر، ومنهم من يفسده، ففي الحديث القدسي: " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك " ذكره النسفي. { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله } معترفين بأنه الموجد للكائنات بأسرها، أصولها وفروعها، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي هو أضعف الأشياء. { قل الحمد لله } على إظهار قدرته، حتى ظهرت لجميع الخلق، حتى أقرت بها الجاهلية الجهلاء. أو: على ما عصمك مما هم عليه، أو: على تصديقك وإظهار حجتك، أو: على إنزاله الماء لإحياء الأرض، { بل أكثرهم لا يعقلون } لا عقول لهم، فلا يتدبرون فيما يريهم من الآيات ويقيم عليهم من الدلالات. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرزق مضمون بيد من أمره بين الكاف والنون، لا يزيد بحرص قوي، ولا ينقص بعجز ضعيف، بل قد ينعكس الأمر، كما الشاعر: كم قوي قوي في تقلبه ترى عنه أمر الرزق ينحرف وكم ضعيف ضعيف في تصرفه كأنه من خليج البحر يغترف وقد يبسطه الله لأهل الغفلة والبعد، ويقدره لأهل الولاية والقرب، كما قال القائل: الله يرزق قوما لا خلاق لهم مثل البهائم في خلق التصاوير لو كان عن قوة أو عن مغالبة طار البزاة بأرزاق العصافير وقال عليه الصلاة والسلام - في بعض خطبه -: " أيها الناس، إن الرزق مقسوم، لن يعدو امرؤ ما كتب له، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب. وإن الأمر محدود، لن يجاوز أحد ما قدر له، فبادروا قبل نفود الأجل، وإن الأعمال محصاة، لن يهمل منها صغيرة ولا كبيرة، فأكثروا من صالح الأعمال... " الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: " لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ". ثم حقر الدنيا وعظم الآخرة، فقال: { وما هذه الحياة... }.

العنكبوت 29:63

يقول الحق جل جلاله: { وكأين من دابة } أي: وكم دابة من داوب الأرض، عاقلة وغير عاقلة، { لا تحمل رزقها } لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله، { الله يرزقها وإياكم } أي: لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أنتم أيها الأقوياء إلا الله، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها لأنه لو لم يخلق فيكم قدرة على كسبها، لكنتم أعجز من الدواب. وعن الحسن: { لا تحمل رزقها }: لا تدخره، إنما تصبح خماصا، فيرزقها الله. وقيل: لا يدخر من الحيوان قوتا إلا ابن آدم والفأرة والنملة. { وهو السميع } لقولكم: نخشى الفقر والعيلة إن هاجرنا، { العليم } بما في ضمائركم من خوف فوات الرزق. ثم ذكر دلائل قدرته على الرزق وغيره فقال: { ولئن سألتهم } أي: المشركين وغيرهم { من خلق السماوات والأرض } على كبرهما وسعتهما، { وسخر الشمس والقمر } يجريان في فلكهما، { ليقولن الله } لا يجدون جوابا إلا هذا، لإقرارهم بوجود الصانع، { فأنى يؤفكون } فكيف يصرفون عن توحيد الله؟ مع إقرارهم بهذا كله، إذ لوتعدد الإله لفسد نظام العالم. { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده } هاجر أو أقام في بلده، { ويقدر له } ويضيق عليه، أقام أو هاجر، فالضمير في { له } لمن يشاء لأنه مبهم غير معين، { إن الله بكل شيء عليم } يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم، فمنهم من يصله الفقر، ومنهم من يفسده، ففي الحديث القدسي: " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك " ذكره النسفي. { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله } معترفين بأنه الموجد للكائنات بأسرها، أصولها وفروعها، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي هو أضعف الأشياء. { قل الحمد لله } على إظهار قدرته، حتى ظهرت لجميع الخلق، حتى أقرت بها الجاهلية الجهلاء. أو: على ما عصمك مما هم عليه، أو: على تصديقك وإظهار حجتك، أو: على إنزاله الماء لإحياء الأرض، { بل أكثرهم لا يعقلون } لا عقول لهم، فلا يتدبرون فيما يريهم من الآيات ويقيم عليهم من الدلالات. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرزق مضمون بيد من أمره بين الكاف والنون، لا يزيد بحرص قوي، ولا ينقص بعجز ضعيف، بل قد ينعكس الأمر، كما الشاعر: كم قوي قوي في تقلبه ترى عنه أمر الرزق ينحرف وكم ضعيف ضعيف في تصرفه كأنه من خليج البحر يغترف وقد يبسطه الله لأهل الغفلة والبعد، ويقدره لأهل الولاية والقرب، كما قال القائل: الله يرزق قوما لا خلاق لهم مثل البهائم في خلق التصاوير لو كان عن قوة أو عن مغالبة طار البزاة بأرزاق العصافير وقال عليه الصلاة والسلام - في بعض خطبه -: " أيها الناس، إن الرزق مقسوم، لن يعدو امرؤ ما كتب له، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب. وإن الأمر محدود، لن يجاوز أحد ما قدر له، فبادروا قبل نفود الأجل، وإن الأعمال محصاة، لن يهمل منها صغيرة ولا كبيرة، فأكثروا من صالح الأعمال... " الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: " لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ". ثم حقر الدنيا وعظم الآخرة، فقال: { وما هذه الحياة... }.

العنكبوت 29:64

يقول الحق جل جلاله: { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب } أي: وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها، إلا كما يلعب الصبيان ساعة، ثم يفترقون متعبين بلا فائدة. وفيه ازدراء بالدنيا وتحقير لشأنها، وكيف لا يحقرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة؟ واللهو: ما يتلذذ به الإنسان، فيلهيه ساعة، ثم ينقضي. { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } ، أي: الحياة الحقيقية لأنها دائمة. والحيوان: مصدر، وقياسه: حييان، فقلب الياء الثانية واوا. ولم يقل: لهي الحياة لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب. وفي المصباح: الحيوان: مبالغة في الحياة، كما قيل: للموت الكثير موتان. ه. { لو كانوا يعلمون } حقيقة الدارين لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي. { فإذا ركبوا في الفلك } ، هو مرتب على محذوف، دل عليه ما وصفهم به قبل، والتقدير: هم على ما هم عليه من الشرك والعناد، وإذا ركبوا في الفلك { دعوا الله مخلصين له الدين } ، أي: كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون معه إلها آخر، { فلما نجاهم إلى البر } ، وأمنوا من الغرق، { إذا هم يشركون } ، أي: عادوا إلى حال الشرك، { ليكفروا بما آتيناهم } من النعمة، { وليتمتعوا } باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها. واللام فيهما: إما لام كي، أي: يعودون إلى شركهم ليكونوا به كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع بها والتلذذ لا غير على خلاف عادة المؤمنين المخلصين فإنهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى توحيده وطاعته لا إلى التلذذ والتمتع. أو: لام الأمر، علة وجه التهديد، كقوله: فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر [الكهف: 29]، ويقويه: قراءة من سكن الثانية، أي: ليكفروا وليتمتعوا { فسوف يعلمون } تدبيرهم عند تدميرهم. الإشارة: الدنيا عند أهل الجد والاجتهاد جد، يتوصلون فيها إلى معرفة الحق، ويترقون منها إلى أسرار ومعارف لا يحصرها عقل ولا يحيط بها نقل، لأن في هذه الدار: عرفه من عرف، وجهله من جهله. والترقي عند العارفين فيها أكثر لأنه يسير بين جلاله وجماله، وهناك ليس إلا الجمال، والترقي بين الضدين أعظم، فإذا مات بقي يترقى في أنوار الجمال على قدر ما أدرك هنا. والله أعلم. فتحصل أن الدنيا في حق أهل الغفلة لعب ولهو لأنها شغلتهم وغرتهم بزخارفها عن معرفة الله والوصول إليه، ولذلك حذر منها صلى الله عليه وسلم، فقد قال في بعض خطبه: " أيها الناس، لا تكونوا ممن خدعته العاجلة، وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزوال، وشيكة الانتقال إذ لن يبقى من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو در حالب، فعلام تعرجون؟ وما تنتظرون؟ فكأنكم، والله، بما قد أصبحتم فيه من الدنيا، كأن لم يكن، وما تصيرون إليه من الآخرة، لم يزل، فخذوا في الأهبة لأزوف النقلة، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل إمرىء على ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم " وفي حق أهل الجد جد وحق لأنها مزرعة للآخرة، ومتجر من أسواق الله، فيها ربحهم وغنيمتهم. وبالله التوفيق. ثم ذكرهم بما أنعم عليهم ليشكروا، فقال: { أولم يروا أنا جعلنا حرما... }

العنكبوت 29:65

يقول الحق جل جلاله: { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب } أي: وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها، إلا كما يلعب الصبيان ساعة، ثم يفترقون متعبين بلا فائدة. وفيه ازدراء بالدنيا وتحقير لشأنها، وكيف لا يحقرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة؟ واللهو: ما يتلذذ به الإنسان، فيلهيه ساعة، ثم ينقضي. { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } ، أي: الحياة الحقيقية لأنها دائمة. والحيوان: مصدر، وقياسه: حييان، فقلب الياء الثانية واوا. ولم يقل: لهي الحياة لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب. وفي المصباح: الحيوان: مبالغة في الحياة، كما قيل: للموت الكثير موتان. ه. { لو كانوا يعلمون } حقيقة الدارين لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي. { فإذا ركبوا في الفلك } ، هو مرتب على محذوف، دل عليه ما وصفهم به قبل، والتقدير: هم على ما هم عليه من الشرك والعناد، وإذا ركبوا في الفلك { دعوا الله مخلصين له الدين } ، أي: كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون معه إلها آخر، { فلما نجاهم إلى البر } ، وأمنوا من الغرق، { إذا هم يشركون } ، أي: عادوا إلى حال الشرك، { ليكفروا بما آتيناهم } من النعمة، { وليتمتعوا } باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها. واللام فيهما: إما لام كي، أي: يعودون إلى شركهم ليكونوا به كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع بها والتلذذ لا غير على خلاف عادة المؤمنين المخلصين فإنهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى توحيده وطاعته لا إلى التلذذ والتمتع. أو: لام الأمر، علة وجه التهديد، كقوله: فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر [الكهف: 29]، ويقويه: قراءة من سكن الثانية، أي: ليكفروا وليتمتعوا { فسوف يعلمون } تدبيرهم عند تدميرهم. الإشارة: الدنيا عند أهل الجد والاجتهاد جد، يتوصلون فيها إلى معرفة الحق، ويترقون منها إلى أسرار ومعارف لا يحصرها عقل ولا يحيط بها نقل، لأن في هذه الدار: عرفه من عرف، وجهله من جهله. والترقي عند العارفين فيها أكثر لأنه يسير بين جلاله وجماله، وهناك ليس إلا الجمال، والترقي بين الضدين أعظم، فإذا مات بقي يترقى في أنوار الجمال على قدر ما أدرك هنا. والله أعلم. فتحصل أن الدنيا في حق أهل الغفلة لعب ولهو لأنها شغلتهم وغرتهم بزخارفها عن معرفة الله والوصول إليه، ولذلك حذر منها صلى الله عليه وسلم، فقد قال في بعض خطبه: " أيها الناس، لا تكونوا ممن خدعته العاجلة، وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزوال، وشيكة الانتقال إذ لن يبقى من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو در حالب، فعلام تعرجون؟ وما تنتظرون؟ فكأنكم، والله، بما قد أصبحتم فيه من الدنيا، كأن لم يكن، وما تصيرون إليه من الآخرة، لم يزل، فخذوا في الأهبة لأزوف النقلة، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل إمرىء على ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم " وفي حق أهل الجد جد وحق لأنها مزرعة للآخرة، ومتجر من أسواق الله، فيها ربحهم وغنيمتهم. وبالله التوفيق. ثم ذكرهم بما أنعم عليهم ليشكروا، فقال: { أولم يروا أنا جعلنا حرما... }

العنكبوت 29:66

يقول الحق جل جلاله: { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب } أي: وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها، إلا كما يلعب الصبيان ساعة، ثم يفترقون متعبين بلا فائدة. وفيه ازدراء بالدنيا وتحقير لشأنها، وكيف لا يحقرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة؟ واللهو: ما يتلذذ به الإنسان، فيلهيه ساعة، ثم ينقضي. { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } ، أي: الحياة الحقيقية لأنها دائمة. والحيوان: مصدر، وقياسه: حييان، فقلب الياء الثانية واوا. ولم يقل: لهي الحياة لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب. وفي المصباح: الحيوان: مبالغة في الحياة، كما قيل: للموت الكثير موتان. ه. { لو كانوا يعلمون } حقيقة الدارين لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي. { فإذا ركبوا في الفلك } ، هو مرتب على محذوف، دل عليه ما وصفهم به قبل، والتقدير: هم على ما هم عليه من الشرك والعناد، وإذا ركبوا في الفلك { دعوا الله مخلصين له الدين } ، أي: كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون معه إلها آخر، { فلما نجاهم إلى البر } ، وأمنوا من الغرق، { إذا هم يشركون } ، أي: عادوا إلى حال الشرك، { ليكفروا بما آتيناهم } من النعمة، { وليتمتعوا } باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها. واللام فيهما: إما لام كي، أي: يعودون إلى شركهم ليكونوا به كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع بها والتلذذ لا غير على خلاف عادة المؤمنين المخلصين فإنهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى توحيده وطاعته لا إلى التلذذ والتمتع. أو: لام الأمر، علة وجه التهديد، كقوله: فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر [الكهف: 29]، ويقويه: قراءة من سكن الثانية، أي: ليكفروا وليتمتعوا { فسوف يعلمون } تدبيرهم عند تدميرهم. الإشارة: الدنيا عند أهل الجد والاجتهاد جد، يتوصلون فيها إلى معرفة الحق، ويترقون منها إلى أسرار ومعارف لا يحصرها عقل ولا يحيط بها نقل، لأن في هذه الدار: عرفه من عرف، وجهله من جهله. والترقي عند العارفين فيها أكثر لأنه يسير بين جلاله وجماله، وهناك ليس إلا الجمال، والترقي بين الضدين أعظم، فإذا مات بقي يترقى في أنوار الجمال على قدر ما أدرك هنا. والله أعلم. فتحصل أن الدنيا في حق أهل الغفلة لعب ولهو لأنها شغلتهم وغرتهم بزخارفها عن معرفة الله والوصول إليه، ولذلك حذر منها صلى الله عليه وسلم، فقد قال في بعض خطبه: " أيها الناس، لا تكونوا ممن خدعته العاجلة، وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزوال، وشيكة الانتقال إذ لن يبقى من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو در حالب، فعلام تعرجون؟ وما تنتظرون؟ فكأنكم، والله، بما قد أصبحتم فيه من الدنيا، كأن لم يكن، وما تصيرون إليه من الآخرة، لم يزل، فخذوا في الأهبة لأزوف النقلة، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل إمرىء على ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم " وفي حق أهل الجد جد وحق لأنها مزرعة للآخرة، ومتجر من أسواق الله، فيها ربحهم وغنيمتهم. وبالله التوفيق. ثم ذكرهم بما أنعم عليهم ليشكروا، فقال: { أولم يروا أنا جعلنا حرما... }

العنكبوت 29:67

يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: أهل مكة { أنا جعلنا } بلدهم { حرما } أي: ممنوعا مصونا من الهبب، { آمنا } يأمن كل من دخله، أو آمنا أهله من القتل والسبي، { ويتخطف الناس من حولهم } أي: يخطف بعضهم بعضا، قتلا وسبيا، إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب، { أفبالباطل يؤمنون } أبعد هذه النعمة العظمى يؤمنون بالأصنام ويعبدونها، أو: الشيطان، { وبنعمة الله يكفرون } حيث أشركوا به غيره، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ هو النعمة المهداة، أو: الإسلام. وتقديم المعمولين للاهتمام، أو للاختصاص. { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى علىا لله كذبا } بأن جعل له شريكا، { أو كذب بالحق } الرسول صلى الله عليه وسلم، أو: الكتاب، { لما جاءه } أي: لم يتلعثموا في تكذيبه لما سمعوه، وفي " لما " ، المقتضية للاتصال، تسفيه لرأيهم، حيث لم يتوقفوا ولم يتأملوا قط حين جاءهم، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه. { أليس في جهنم مثوى } مقاما { للكافرين } ، وهو تقرير لمثواهم في جهنم، لأن همزة الإنكار، إذا دخلت على النفي، صار إثباتا، كقوله: ألستم خير من ركب المطايا أي: أتم خير من ركب المطايا، والتقدير: ألا يستوجبون الثوى فيها؟ وقد افتروا مثل هذه العظيمة، كذبوا على الله وكذبوا بالحق الذي جاء من عنده، أو: ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين؟ حين اجترأوا مثل هذه الجرأة، بل لهم فيها مثوى وإقامة. وهذه الآية في مقابلة قوله: لنبوئنهم من الجنة غرفا [العنكبوت: 58]. لا سيما في قراءة الثاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحرم الآمن، في هذه الدار، هو التبتل والانقطاع عن الدنيا وأبنائها، والتجريد من أسبابها، فمن دخله أمن ظاهرا وباطنا، ومن هجرها، وترك الناس حوله يتخطفون ويتهارجون عليها، وهو يتفرج عليهم، فالدنيا جيفة والناس كلابها، فإن خالطتهم ناهشوك، وإن تركت لهم جيفتهم سلمت منهم، فمن كذب بهذا فقد كذب بالحق وآمن بالباطل، فلا أحد أظلم منه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مآل أهل الجد والاجتهاد ممن تبتل وانقطع إلى الله فقال: { والذين جاهدوا فينا... }

العنكبوت 29:68

يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: أهل مكة { أنا جعلنا } بلدهم { حرما } أي: ممنوعا مصونا من الهبب، { آمنا } يأمن كل من دخله، أو آمنا أهله من القتل والسبي، { ويتخطف الناس من حولهم } أي: يخطف بعضهم بعضا، قتلا وسبيا، إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب، { أفبالباطل يؤمنون } أبعد هذه النعمة العظمى يؤمنون بالأصنام ويعبدونها، أو: الشيطان، { وبنعمة الله يكفرون } حيث أشركوا به غيره، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ هو النعمة المهداة، أو: الإسلام. وتقديم المعمولين للاهتمام، أو للاختصاص. { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى علىا لله كذبا } بأن جعل له شريكا، { أو كذب بالحق } الرسول صلى الله عليه وسلم، أو: الكتاب، { لما جاءه } أي: لم يتلعثموا في تكذيبه لما سمعوه، وفي " لما " ، المقتضية للاتصال، تسفيه لرأيهم، حيث لم يتوقفوا ولم يتأملوا قط حين جاءهم، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه. { أليس في جهنم مثوى } مقاما { للكافرين } ، وهو تقرير لمثواهم في جهنم، لأن همزة الإنكار، إذا دخلت على النفي، صار إثباتا، كقوله: ألستم خير من ركب المطايا أي: أتم خير من ركب المطايا، والتقدير: ألا يستوجبون الثوى فيها؟ وقد افتروا مثل هذه العظيمة، كذبوا على الله وكذبوا بالحق الذي جاء من عنده، أو: ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين؟ حين اجترأوا مثل هذه الجرأة، بل لهم فيها مثوى وإقامة. وهذه الآية في مقابلة قوله: لنبوئنهم من الجنة غرفا [العنكبوت: 58]. لا سيما في قراءة الثاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحرم الآمن، في هذه الدار، هو التبتل والانقطاع عن الدنيا وأبنائها، والتجريد من أسبابها، فمن دخله أمن ظاهرا وباطنا، ومن هجرها، وترك الناس حوله يتخطفون ويتهارجون عليها، وهو يتفرج عليهم، فالدنيا جيفة والناس كلابها، فإن خالطتهم ناهشوك، وإن تركت لهم جيفتهم سلمت منهم، فمن كذب بهذا فقد كذب بالحق وآمن بالباطل، فلا أحد أظلم منه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مآل أهل الجد والاجتهاد ممن تبتل وانقطع إلى الله فقال: { والذين جاهدوا فينا... }

العنكبوت 29:69

يقول الحق جل جلاله: { والذين جاهدوا فينا } ، أطلق المجاهدة، ولم يقيدها بمفعول ليتناول من تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين، أي: جاهدوا نفوسهم في طلبنا أو في حقنا، ومن أجلنا، ولوجهنا، خالصا، { لنهدينهم سبلنا } أي: طرق السير إلينا، والوصول إلى حضرتنا، أو لنسهلنهم فعل الخير حتى يصلوا إلى جنابنا. وعن الداراني: والذين جاهدوا بأن عملوا بما علموا، لنهدينهم إلى علم ما لم يعلموا. وقال الفضيل: والذين جاهدوا في طلب العلم، أي: لله، لنهدينهم سبل العمل. وقال سهل: والذين جاهدوا في إقامة السننة، لنهدينهم سبل الجنة. وقال ابن عطاء: جاهدوا في إرضائنا لنهدينهم سبل الوصول إلى محل الرضوان. وقال ابن عباس: جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وقال الجنيد: جاهدوا في التوبة، لنهديهم سبل الإخلاص، أو: جاهدوا في خدمتنا لنمنحنهم سبل المناجاة معنا والأنس بنا، { وإن الله لمع المحسنين } بالنصر والمعونة في الدنيا، وبالثواب والمغفرة في العقبى. والله تعالى أعلم. الإشارة: المجاهدة، على قدرها تكون المشاهدة، فمن لا مجاهدة له لا مشاهدة له. وبالمجاهدة تميزت الخصوص من العموم، وبها تحقق سير السائرين، فالعموم وقفوا مع موافقة حظوظهم من الجاه والغنى وغيره والخصوص خالفوا نفوسهم ورفضوا حظوظهم، وخرقوا عوائدهم، فخرقت لهم العوائد، وانكشفت عنهم الحجب، وشاهدوا المحبوب. فجاهدوا أولا في ترك الدنيا، وتحملوا مرارة الفقر، حتى تحققوا بمقام التوكل، ثم جاهدوا في ترك الجاه والرئاسة، فتحققوا بالخمول، وهو أساس الإخلاص، ثم جاهدوا في مخالفة النفس، فحملوها كل ما يثقل عليها، وأخرجوها من كل ما تهواه ويخف عليها، وارتكبوا في ذلك أهوالا وأحوالا صعابا، حتى ماتت نفوسهم موتات، فتحقق بذلك حياة أرواحهم، وأشرفت على البحر الزاخر، بحر التوحيد الخاص، فغابت ظلال الأكوان حين أشرقت شمس العيان، ففني من لم يكن، وبقي من لم يزل، فدخلوا جنة المعارف، ولم يشتاقوا قط إلى جنة الزخارف لأنها منطوية فيها. ولا بد من صحبة شيخ كامل، قد سلك هذه المسالك، يلقيه زمام نفسه، حتى يوصله إلى ربه، وإلا أتعب نفسه بلا فائدة. وقوله تعالى: { وإن الله لمع المحسنين } تهوين وتسهيل على السائرين أمر نفوسهم ومجاهدتها، إذا علموا أن الله معهم، هان عليهم كل صعب، وقرب كل بعيد. وبالله التوفيق. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الروم 30:1

يقول الحق جل جلاله: بعد التسمية { الم } أي: أيها المصطفى، أو: المرسل، { غلبت الروم } أي غلبت فارس الروم { في أدنى الأرض } أي: في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، أي: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي: في أدنى أرضهم إلى عدوهم. قال ابن عطية: قرأ الجمهور: " غلبت " بضم الغين. وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزم جيش الروم بأذرعات، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة، فسر لذلك كفار قريش، فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. ه. وهذا معنى قوله: { وهم } أي: الروم { من بعد غلبهم } ، وقرئ: بسكون اللام كالحلب والحلب، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: وهم من بعد غلبة فارس إياهم { سيغلبون } فارس، وتكون الدولة لهم. وذلك { في بضع سنين } ، وهو ما بين الثلاث إلى العشر. قال النسفي: قيل: احتربت الروم وفارس، بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، والملك بفارس، يومئذ، كسرى " أبرويز " ، فبلغ الخبر مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن فارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت، فناحبه - أي: قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعل ثلالث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام-: " زد في الخطر وأبعد في الأجل " ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، أو: يوم بدر، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، فقال عليه الصلاة والسلام -: " تصدق به ". وهذه آية بينة على صحة نبوته، وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب. وكان ذلك قبل تحريم القمار، عن قتادة. ومذهب ابي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار، واحتجا بهذه القصة. ه. زاد البيضاوي: وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. ه وقرئ: " غلبت " بالفتح، " وسيغلبون " بالضم، ومعناه: أن الروم غلبوا على ريف الشام، وسيغلبهم المسلمون، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل. { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء. أو: من قبل الغلبة وبعدها، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين - وقبله: وهو وقت كونهم مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين، يعني: أن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله وقضائه. وتلك الأيام نداولها بين الناس [آل عمران: 140]. { ويومئذ } أي: ويوم تغلب الروم فارس، ويحل ما وعده الله من غلبتهم، { يفرح المؤمنون بنصر الله } ، وتغلب من له كتاب على من لا كتاب له، وغيظ من شمت بهم من أهل مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين، بما أخبروا به المشركين من غلبة الروم. { ينصر من يشاء } فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى، { وهو العزيز }: الغالب على أعدائه { الرحيم }: العاطف على أوليائه. { وعد الله } اي: وعد ذلك وعدا، فسينجزه لا محالة، فهو مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله: { سيغلبون } وعد، { لا يخلف الله وعده } لامتناع الكذب عليه تعالى، فلا بد من نصر الروم على فارس. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } صحة وعده، وأنه لا يخلف، أو: لا يعلمون أن الأمور كلها بيد الله لجهلهم وعدم تفكرهم. وإنما { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } ما يشاهدونه منها من التمتع بزخارفها. وفيه دليل أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها. قال بعض الحكماء: إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار، فإنها مجمع الأكدار، ومنبع المضار، وسجن الإبرار، ومجلس الأشرار، الدنيا كالحية، تجمع سموم نوائبها، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها. ه. وباطنها: أنها مجاز إلى الآخرة، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة وتحقيق المعرفة. وتنكير ظاهرا: مفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها. { وهم عن الآخرة هم غافلون } لا تخطر ببالهم، ولا يتفكرون في أهوالها ونوائبها. فهم، الثانية: مبتدأ، وغافلون: خبره، والجملة: خبرالأولى، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما تقع الدولة بين الأشباح، تقع بين النفوس والأرواح. فتارة تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح، فتحجبها عن الله، وتارة تغلب الأرواح بأنوارها على النفوس، فتستر ظلمة حظوظها، ويرتفع الحجاب بين الله وعبده. آلم. غلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس في أدنى أرض العبودية وهم من بعد غلبهم سيغلبون فتغلب أنوار الأرواح المطهرة، على ظلمة نفوس الظلمانية، وذلك في بضع سنين، مدة المجاهدة، والبضع: من ثلاث إلى عشر، على قدر الجد والاجتهاد، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع، فمنهم من يظفر بنفسه في مدة يسيره، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون السائرون بنصر الله، حيث نصرهم على نفوسهم، فظفروا بها. ينصر من شاء حيث يشاء وهو العزيز الرحيم. قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. وقال الورتجبي: قوله: { غلبت الروم.. } الآية، إشارة إلى أن الأرواح، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة، والشياطين الكافرة امتحانا من الله، وتربية لها بمباشرة القهريات، فإنها تغلب على النفوس، من حيث تخرج من مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري: قوله تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا }: استغراقهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم بما منعهم عن العلم بالآخرة وقيمة كل امرىء علمه كما في الأثر عن علي رضي الله عنه. قال: وقيمة كل امرىء ما كان يتقنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة، هم بوجودها، في غفلة عن الله. ه. قلت: وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتفكر، فقال: { أولم يتفكروا في أنفسهم... }

الروم 30:2

يقول الحق جل جلاله: بعد التسمية { الم } أي: أيها المصطفى، أو: المرسل، { غلبت الروم } أي غلبت فارس الروم { في أدنى الأرض } أي: في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، أي: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي: في أدنى أرضهم إلى عدوهم. قال ابن عطية: قرأ الجمهور: " غلبت " بضم الغين. وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزم جيش الروم بأذرعات، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة، فسر لذلك كفار قريش، فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. ه. وهذا معنى قوله: { وهم } أي: الروم { من بعد غلبهم } ، وقرئ: بسكون اللام كالحلب والحلب، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: وهم من بعد غلبة فارس إياهم { سيغلبون } فارس، وتكون الدولة لهم. وذلك { في بضع سنين } ، وهو ما بين الثلاث إلى العشر. قال النسفي: قيل: احتربت الروم وفارس، بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، والملك بفارس، يومئذ، كسرى " أبرويز " ، فبلغ الخبر مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن فارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت، فناحبه - أي: قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعل ثلالث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام-: " زد في الخطر وأبعد في الأجل " ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، أو: يوم بدر، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، فقال عليه الصلاة والسلام -: " تصدق به ". وهذه آية بينة على صحة نبوته، وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب. وكان ذلك قبل تحريم القمار، عن قتادة. ومذهب ابي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار، واحتجا بهذه القصة. ه. زاد البيضاوي: وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. ه وقرئ: " غلبت " بالفتح، " وسيغلبون " بالضم، ومعناه: أن الروم غلبوا على ريف الشام، وسيغلبهم المسلمون، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل. { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء. أو: من قبل الغلبة وبعدها، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين - وقبله: وهو وقت كونهم مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين، يعني: أن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله وقضائه. وتلك الأيام نداولها بين الناس [آل عمران: 140]. { ويومئذ } أي: ويوم تغلب الروم فارس، ويحل ما وعده الله من غلبتهم، { يفرح المؤمنون بنصر الله } ، وتغلب من له كتاب على من لا كتاب له، وغيظ من شمت بهم من أهل مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين، بما أخبروا به المشركين من غلبة الروم. { ينصر من يشاء } فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى، { وهو العزيز }: الغالب على أعدائه { الرحيم }: العاطف على أوليائه. { وعد الله } اي: وعد ذلك وعدا، فسينجزه لا محالة، فهو مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله: { سيغلبون } وعد، { لا يخلف الله وعده } لامتناع الكذب عليه تعالى، فلا بد من نصر الروم على فارس. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } صحة وعده، وأنه لا يخلف، أو: لا يعلمون أن الأمور كلها بيد الله لجهلهم وعدم تفكرهم. وإنما { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } ما يشاهدونه منها من التمتع بزخارفها. وفيه دليل أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها. قال بعض الحكماء: إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار، فإنها مجمع الأكدار، ومنبع المضار، وسجن الإبرار، ومجلس الأشرار، الدنيا كالحية، تجمع سموم نوائبها، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها. ه. وباطنها: أنها مجاز إلى الآخرة، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة وتحقيق المعرفة. وتنكير ظاهرا: مفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها. { وهم عن الآخرة هم غافلون } لا تخطر ببالهم، ولا يتفكرون في أهوالها ونوائبها. فهم، الثانية: مبتدأ، وغافلون: خبره، والجملة: خبرالأولى، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما تقع الدولة بين الأشباح، تقع بين النفوس والأرواح. فتارة تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح، فتحجبها عن الله، وتارة تغلب الأرواح بأنوارها على النفوس، فتستر ظلمة حظوظها، ويرتفع الحجاب بين الله وعبده. آلم. غلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس في أدنى أرض العبودية وهم من بعد غلبهم سيغلبون فتغلب أنوار الأرواح المطهرة، على ظلمة نفوس الظلمانية، وذلك في بضع سنين، مدة المجاهدة، والبضع: من ثلاث إلى عشر، على قدر الجد والاجتهاد، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع، فمنهم من يظفر بنفسه في مدة يسيره، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون السائرون بنصر الله، حيث نصرهم على نفوسهم، فظفروا بها. ينصر من شاء حيث يشاء وهو العزيز الرحيم. قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. وقال الورتجبي: قوله: { غلبت الروم.. } الآية، إشارة إلى أن الأرواح، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة، والشياطين الكافرة امتحانا من الله، وتربية لها بمباشرة القهريات، فإنها تغلب على النفوس، من حيث تخرج من مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري: قوله تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا }: استغراقهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم بما منعهم عن العلم بالآخرة وقيمة كل امرىء علمه كما في الأثر عن علي رضي الله عنه. قال: وقيمة كل امرىء ما كان يتقنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة، هم بوجودها، في غفلة عن الله. ه. قلت: وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتفكر، فقال: { أولم يتفكروا في أنفسهم... }

الروم 30:3

يقول الحق جل جلاله: بعد التسمية { الم } أي: أيها المصطفى، أو: المرسل، { غلبت الروم } أي غلبت فارس الروم { في أدنى الأرض } أي: في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، أي: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي: في أدنى أرضهم إلى عدوهم. قال ابن عطية: قرأ الجمهور: " غلبت " بضم الغين. وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزم جيش الروم بأذرعات، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة، فسر لذلك كفار قريش، فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. ه. وهذا معنى قوله: { وهم } أي: الروم { من بعد غلبهم } ، وقرئ: بسكون اللام كالحلب والحلب، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: وهم من بعد غلبة فارس إياهم { سيغلبون } فارس، وتكون الدولة لهم. وذلك { في بضع سنين } ، وهو ما بين الثلاث إلى العشر. قال النسفي: قيل: احتربت الروم وفارس، بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، والملك بفارس، يومئذ، كسرى " أبرويز " ، فبلغ الخبر مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن فارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت، فناحبه - أي: قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعل ثلالث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام-: " زد في الخطر وأبعد في الأجل " ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، أو: يوم بدر، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، فقال عليه الصلاة والسلام -: " تصدق به ". وهذه آية بينة على صحة نبوته، وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب. وكان ذلك قبل تحريم القمار، عن قتادة. ومذهب ابي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار، واحتجا بهذه القصة. ه. زاد البيضاوي: وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. ه وقرئ: " غلبت " بالفتح، " وسيغلبون " بالضم، ومعناه: أن الروم غلبوا على ريف الشام، وسيغلبهم المسلمون، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل. { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء. أو: من قبل الغلبة وبعدها، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين - وقبله: وهو وقت كونهم مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين، يعني: أن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله وقضائه. وتلك الأيام نداولها بين الناس [آل عمران: 140]. { ويومئذ } أي: ويوم تغلب الروم فارس، ويحل ما وعده الله من غلبتهم، { يفرح المؤمنون بنصر الله } ، وتغلب من له كتاب على من لا كتاب له، وغيظ من شمت بهم من أهل مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين، بما أخبروا به المشركين من غلبة الروم. { ينصر من يشاء } فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى، { وهو العزيز }: الغالب على أعدائه { الرحيم }: العاطف على أوليائه. { وعد الله } اي: وعد ذلك وعدا، فسينجزه لا محالة، فهو مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله: { سيغلبون } وعد، { لا يخلف الله وعده } لامتناع الكذب عليه تعالى، فلا بد من نصر الروم على فارس. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } صحة وعده، وأنه لا يخلف، أو: لا يعلمون أن الأمور كلها بيد الله لجهلهم وعدم تفكرهم. وإنما { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } ما يشاهدونه منها من التمتع بزخارفها. وفيه دليل أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها. قال بعض الحكماء: إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار، فإنها مجمع الأكدار، ومنبع المضار، وسجن الإبرار، ومجلس الأشرار، الدنيا كالحية، تجمع سموم نوائبها، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها. ه. وباطنها: أنها مجاز إلى الآخرة، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة وتحقيق المعرفة. وتنكير ظاهرا: مفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها. { وهم عن الآخرة هم غافلون } لا تخطر ببالهم، ولا يتفكرون في أهوالها ونوائبها. فهم، الثانية: مبتدأ، وغافلون: خبره، والجملة: خبرالأولى، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما تقع الدولة بين الأشباح، تقع بين النفوس والأرواح. فتارة تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح، فتحجبها عن الله، وتارة تغلب الأرواح بأنوارها على النفوس، فتستر ظلمة حظوظها، ويرتفع الحجاب بين الله وعبده. آلم. غلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس في أدنى أرض العبودية وهم من بعد غلبهم سيغلبون فتغلب أنوار الأرواح المطهرة، على ظلمة نفوس الظلمانية، وذلك في بضع سنين، مدة المجاهدة، والبضع: من ثلاث إلى عشر، على قدر الجد والاجتهاد، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع، فمنهم من يظفر بنفسه في مدة يسيره، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون السائرون بنصر الله، حيث نصرهم على نفوسهم، فظفروا بها. ينصر من شاء حيث يشاء وهو العزيز الرحيم. قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. وقال الورتجبي: قوله: { غلبت الروم.. } الآية، إشارة إلى أن الأرواح، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة، والشياطين الكافرة امتحانا من الله، وتربية لها بمباشرة القهريات، فإنها تغلب على النفوس، من حيث تخرج من مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري: قوله تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا }: استغراقهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم بما منعهم عن العلم بالآخرة وقيمة كل امرىء علمه كما في الأثر عن علي رضي الله عنه. قال: وقيمة كل امرىء ما كان يتقنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة، هم بوجودها، في غفلة عن الله. ه. قلت: وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتفكر، فقال: { أولم يتفكروا في أنفسهم... }

الروم 30:4

يقول الحق جل جلاله: بعد التسمية { الم } أي: أيها المصطفى، أو: المرسل، { غلبت الروم } أي غلبت فارس الروم { في أدنى الأرض } أي: في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، أي: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي: في أدنى أرضهم إلى عدوهم. قال ابن عطية: قرأ الجمهور: " غلبت " بضم الغين. وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزم جيش الروم بأذرعات، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة، فسر لذلك كفار قريش، فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. ه. وهذا معنى قوله: { وهم } أي: الروم { من بعد غلبهم } ، وقرئ: بسكون اللام كالحلب والحلب، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: وهم من بعد غلبة فارس إياهم { سيغلبون } فارس، وتكون الدولة لهم. وذلك { في بضع سنين } ، وهو ما بين الثلاث إلى العشر. قال النسفي: قيل: احتربت الروم وفارس، بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، والملك بفارس، يومئذ، كسرى " أبرويز " ، فبلغ الخبر مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن فارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت، فناحبه - أي: قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعل ثلالث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام-: " زد في الخطر وأبعد في الأجل " ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، أو: يوم بدر، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، فقال عليه الصلاة والسلام -: " تصدق به ". وهذه آية بينة على صحة نبوته، وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب. وكان ذلك قبل تحريم القمار، عن قتادة. ومذهب ابي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار، واحتجا بهذه القصة. ه. زاد البيضاوي: وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. ه وقرئ: " غلبت " بالفتح، " وسيغلبون " بالضم، ومعناه: أن الروم غلبوا على ريف الشام، وسيغلبهم المسلمون، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل. { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء. أو: من قبل الغلبة وبعدها، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين - وقبله: وهو وقت كونهم مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين، يعني: أن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله وقضائه. وتلك الأيام نداولها بين الناس [آل عمران: 140]. { ويومئذ } أي: ويوم تغلب الروم فارس، ويحل ما وعده الله من غلبتهم، { يفرح المؤمنون بنصر الله } ، وتغلب من له كتاب على من لا كتاب له، وغيظ من شمت بهم من أهل مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين، بما أخبروا به المشركين من غلبة الروم. { ينصر من يشاء } فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى، { وهو العزيز }: الغالب على أعدائه { الرحيم }: العاطف على أوليائه. { وعد الله } اي: وعد ذلك وعدا، فسينجزه لا محالة، فهو مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله: { سيغلبون } وعد، { لا يخلف الله وعده } لامتناع الكذب عليه تعالى، فلا بد من نصر الروم على فارس. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } صحة وعده، وأنه لا يخلف، أو: لا يعلمون أن الأمور كلها بيد الله لجهلهم وعدم تفكرهم. وإنما { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } ما يشاهدونه منها من التمتع بزخارفها. وفيه دليل أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها. قال بعض الحكماء: إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار، فإنها مجمع الأكدار، ومنبع المضار، وسجن الإبرار، ومجلس الأشرار، الدنيا كالحية، تجمع سموم نوائبها، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها. ه. وباطنها: أنها مجاز إلى الآخرة، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة وتحقيق المعرفة. وتنكير ظاهرا: مفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها. { وهم عن الآخرة هم غافلون } لا تخطر ببالهم، ولا يتفكرون في أهوالها ونوائبها. فهم، الثانية: مبتدأ، وغافلون: خبره، والجملة: خبرالأولى، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما تقع الدولة بين الأشباح، تقع بين النفوس والأرواح. فتارة تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح، فتحجبها عن الله، وتارة تغلب الأرواح بأنوارها على النفوس، فتستر ظلمة حظوظها، ويرتفع الحجاب بين الله وعبده. آلم. غلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس في أدنى أرض العبودية وهم من بعد غلبهم سيغلبون فتغلب أنوار الأرواح المطهرة، على ظلمة نفوس الظلمانية، وذلك في بضع سنين، مدة المجاهدة، والبضع: من ثلاث إلى عشر، على قدر الجد والاجتهاد، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع، فمنهم من يظفر بنفسه في مدة يسيره، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون السائرون بنصر الله، حيث نصرهم على نفوسهم، فظفروا بها. ينصر من شاء حيث يشاء وهو العزيز الرحيم. قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. وقال الورتجبي: قوله: { غلبت الروم.. } الآية، إشارة إلى أن الأرواح، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة، والشياطين الكافرة امتحانا من الله، وتربية لها بمباشرة القهريات، فإنها تغلب على النفوس، من حيث تخرج من مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري: قوله تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا }: استغراقهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم بما منعهم عن العلم بالآخرة وقيمة كل امرىء علمه كما في الأثر عن علي رضي الله عنه. قال: وقيمة كل امرىء ما كان يتقنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة، هم بوجودها، في غفلة عن الله. ه. قلت: وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتفكر، فقال: { أولم يتفكروا في أنفسهم... }

الروم 30:5

يقول الحق جل جلاله: بعد التسمية { الم } أي: أيها المصطفى، أو: المرسل، { غلبت الروم } أي غلبت فارس الروم { في أدنى الأرض } أي: في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، أي: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي: في أدنى أرضهم إلى عدوهم. قال ابن عطية: قرأ الجمهور: " غلبت " بضم الغين. وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزم جيش الروم بأذرعات، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة، فسر لذلك كفار قريش، فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. ه. وهذا معنى قوله: { وهم } أي: الروم { من بعد غلبهم } ، وقرئ: بسكون اللام كالحلب والحلب، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: وهم من بعد غلبة فارس إياهم { سيغلبون } فارس، وتكون الدولة لهم. وذلك { في بضع سنين } ، وهو ما بين الثلاث إلى العشر. قال النسفي: قيل: احتربت الروم وفارس، بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، والملك بفارس، يومئذ، كسرى " أبرويز " ، فبلغ الخبر مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن فارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت، فناحبه - أي: قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعل ثلالث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام-: " زد في الخطر وأبعد في الأجل " ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، أو: يوم بدر، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، فقال عليه الصلاة والسلام -: " تصدق به ". وهذه آية بينة على صحة نبوته، وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب. وكان ذلك قبل تحريم القمار، عن قتادة. ومذهب ابي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار، واحتجا بهذه القصة. ه. زاد البيضاوي: وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. ه وقرئ: " غلبت " بالفتح، " وسيغلبون " بالضم، ومعناه: أن الروم غلبوا على ريف الشام، وسيغلبهم المسلمون، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل. { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء. أو: من قبل الغلبة وبعدها، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين - وقبله: وهو وقت كونهم مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين، يعني: أن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله وقضائه. وتلك الأيام نداولها بين الناس [آل عمران: 140]. { ويومئذ } أي: ويوم تغلب الروم فارس، ويحل ما وعده الله من غلبتهم، { يفرح المؤمنون بنصر الله } ، وتغلب من له كتاب على من لا كتاب له، وغيظ من شمت بهم من أهل مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين، بما أخبروا به المشركين من غلبة الروم. { ينصر من يشاء } فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى، { وهو العزيز }: الغالب على أعدائه { الرحيم }: العاطف على أوليائه. { وعد الله } اي: وعد ذلك وعدا، فسينجزه لا محالة، فهو مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله: { سيغلبون } وعد، { لا يخلف الله وعده } لامتناع الكذب عليه تعالى، فلا بد من نصر الروم على فارس. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } صحة وعده، وأنه لا يخلف، أو: لا يعلمون أن الأمور كلها بيد الله لجهلهم وعدم تفكرهم. وإنما { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } ما يشاهدونه منها من التمتع بزخارفها. وفيه دليل أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها. قال بعض الحكماء: إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار، فإنها مجمع الأكدار، ومنبع المضار، وسجن الإبرار، ومجلس الأشرار، الدنيا كالحية، تجمع سموم نوائبها، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها. ه. وباطنها: أنها مجاز إلى الآخرة، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة وتحقيق المعرفة. وتنكير ظاهرا: مفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها. { وهم عن الآخرة هم غافلون } لا تخطر ببالهم، ولا يتفكرون في أهوالها ونوائبها. فهم، الثانية: مبتدأ، وغافلون: خبره، والجملة: خبرالأولى، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما تقع الدولة بين الأشباح، تقع بين النفوس والأرواح. فتارة تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح، فتحجبها عن الله، وتارة تغلب الأرواح بأنوارها على النفوس، فتستر ظلمة حظوظها، ويرتفع الحجاب بين الله وعبده. آلم. غلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس في أدنى أرض العبودية وهم من بعد غلبهم سيغلبون فتغلب أنوار الأرواح المطهرة، على ظلمة نفوس الظلمانية، وذلك في بضع سنين، مدة المجاهدة، والبضع: من ثلاث إلى عشر، على قدر الجد والاجتهاد، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع، فمنهم من يظفر بنفسه في مدة يسيره، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون السائرون بنصر الله، حيث نصرهم على نفوسهم، فظفروا بها. ينصر من شاء حيث يشاء وهو العزيز الرحيم. قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. وقال الورتجبي: قوله: { غلبت الروم.. } الآية، إشارة إلى أن الأرواح، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة، والشياطين الكافرة امتحانا من الله، وتربية لها بمباشرة القهريات، فإنها تغلب على النفوس، من حيث تخرج من مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري: قوله تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا }: استغراقهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم بما منعهم عن العلم بالآخرة وقيمة كل امرىء علمه كما في الأثر عن علي رضي الله عنه. قال: وقيمة كل امرىء ما كان يتقنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة، هم بوجودها، في غفلة عن الله. ه. قلت: وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتفكر، فقال: { أولم يتفكروا في أنفسهم... }

الروم 30:6

يقول الحق جل جلاله: بعد التسمية { الم } أي: أيها المصطفى، أو: المرسل، { غلبت الروم } أي غلبت فارس الروم { في أدنى الأرض } أي: في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، أي: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي: في أدنى أرضهم إلى عدوهم. قال ابن عطية: قرأ الجمهور: " غلبت " بضم الغين. وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزم جيش الروم بأذرعات، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة، فسر لذلك كفار قريش، فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. ه. وهذا معنى قوله: { وهم } أي: الروم { من بعد غلبهم } ، وقرئ: بسكون اللام كالحلب والحلب، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: وهم من بعد غلبة فارس إياهم { سيغلبون } فارس، وتكون الدولة لهم. وذلك { في بضع سنين } ، وهو ما بين الثلاث إلى العشر. قال النسفي: قيل: احتربت الروم وفارس، بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، والملك بفارس، يومئذ، كسرى " أبرويز " ، فبلغ الخبر مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن فارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت، فناحبه - أي: قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعل ثلالث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام-: " زد في الخطر وأبعد في الأجل " ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، أو: يوم بدر، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، فقال عليه الصلاة والسلام -: " تصدق به ". وهذه آية بينة على صحة نبوته، وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب. وكان ذلك قبل تحريم القمار، عن قتادة. ومذهب ابي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار، واحتجا بهذه القصة. ه. زاد البيضاوي: وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. ه وقرئ: " غلبت " بالفتح، " وسيغلبون " بالضم، ومعناه: أن الروم غلبوا على ريف الشام، وسيغلبهم المسلمون، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل. { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء. أو: من قبل الغلبة وبعدها، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين - وقبله: وهو وقت كونهم مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين، يعني: أن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله وقضائه. وتلك الأيام نداولها بين الناس [آل عمران: 140]. { ويومئذ } أي: ويوم تغلب الروم فارس، ويحل ما وعده الله من غلبتهم، { يفرح المؤمنون بنصر الله } ، وتغلب من له كتاب على من لا كتاب له، وغيظ من شمت بهم من أهل مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين، بما أخبروا به المشركين من غلبة الروم. { ينصر من يشاء } فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى، { وهو العزيز }: الغالب على أعدائه { الرحيم }: العاطف على أوليائه. { وعد الله } اي: وعد ذلك وعدا، فسينجزه لا محالة، فهو مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله: { سيغلبون } وعد، { لا يخلف الله وعده } لامتناع الكذب عليه تعالى، فلا بد من نصر الروم على فارس. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } صحة وعده، وأنه لا يخلف، أو: لا يعلمون أن الأمور كلها بيد الله لجهلهم وعدم تفكرهم. وإنما { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } ما يشاهدونه منها من التمتع بزخارفها. وفيه دليل أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها. قال بعض الحكماء: إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار، فإنها مجمع الأكدار، ومنبع المضار، وسجن الإبرار، ومجلس الأشرار، الدنيا كالحية، تجمع سموم نوائبها، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها. ه. وباطنها: أنها مجاز إلى الآخرة، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة وتحقيق المعرفة. وتنكير ظاهرا: مفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها. { وهم عن الآخرة هم غافلون } لا تخطر ببالهم، ولا يتفكرون في أهوالها ونوائبها. فهم، الثانية: مبتدأ، وغافلون: خبره، والجملة: خبرالأولى، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما تقع الدولة بين الأشباح، تقع بين النفوس والأرواح. فتارة تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح، فتحجبها عن الله، وتارة تغلب الأرواح بأنوارها على النفوس، فتستر ظلمة حظوظها، ويرتفع الحجاب بين الله وعبده. آلم. غلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس في أدنى أرض العبودية وهم من بعد غلبهم سيغلبون فتغلب أنوار الأرواح المطهرة، على ظلمة نفوس الظلمانية، وذلك في بضع سنين، مدة المجاهدة، والبضع: من ثلاث إلى عشر، على قدر الجد والاجتهاد، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع، فمنهم من يظفر بنفسه في مدة يسيره، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون السائرون بنصر الله، حيث نصرهم على نفوسهم، فظفروا بها. ينصر من شاء حيث يشاء وهو العزيز الرحيم. قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. وقال الورتجبي: قوله: { غلبت الروم.. } الآية، إشارة إلى أن الأرواح، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة، والشياطين الكافرة امتحانا من الله، وتربية لها بمباشرة القهريات، فإنها تغلب على النفوس، من حيث تخرج من مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري: قوله تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا }: استغراقهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم بما منعهم عن العلم بالآخرة وقيمة كل امرىء علمه كما في الأثر عن علي رضي الله عنه. قال: وقيمة كل امرىء ما كان يتقنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة، هم بوجودها، في غفلة عن الله. ه. قلت: وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتفكر، فقال: { أولم يتفكروا في أنفسهم... }

الروم 30:7

يقول الحق جل جلاله: بعد التسمية { الم } أي: أيها المصطفى، أو: المرسل، { غلبت الروم } أي غلبت فارس الروم { في أدنى الأرض } أي: في أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، أي: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي: في أدنى أرضهم إلى عدوهم. قال ابن عطية: قرأ الجمهور: " غلبت " بضم الغين. وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أن الملك كسرى هزم جيش الروم بأذرعات، وهي أدنى أرض الروم إلى مكة، فسر لذلك كفار قريش، فبشر المؤمنين بأن الروم سيغلبون. ه. وهذا معنى قوله: { وهم } أي: الروم { من بعد غلبهم } ، وقرئ: بسكون اللام كالحلب والحلب، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: وهم من بعد غلبة فارس إياهم { سيغلبون } فارس، وتكون الدولة لهم. وذلك { في بضع سنين } ، وهو ما بين الثلاث إلى العشر. قال النسفي: قيل: احتربت الروم وفارس، بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، والملك بفارس، يومئذ، كسرى " أبرويز " ، فبلغ الخبر مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن فارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم فنزلت الآية. فقال أبو بكر: والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت، فناحبه - أي: قامره - على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعل ثلالث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام-: " زد في الخطر وأبعد في الأجل " ، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، أو: يوم بدر، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، فقال عليه الصلاة والسلام -: " تصدق به ". وهذه آية بينة على صحة نبوته، وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب. وكان ذلك قبل تحريم القمار، عن قتادة. ومذهب ابي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -: أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره، جائز في دار الحرب بين المسلمين والكفار، واحتجا بهذه القصة. ه. زاد البيضاوي: وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. ه وقرئ: " غلبت " بالفتح، " وسيغلبون " بالضم، ومعناه: أن الروم غلبوا على ريف الشام، وسيغلبهم المسلمون، وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل. { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء. أو: من قبل الغلبة وبعدها، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين - وقبله: وهو وقت كونهم مغلوبين - ومن بعد كونهم مغلوبين - وهو وقت كونهم غالبين، يعني: أن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله وقضائه. وتلك الأيام نداولها بين الناس [آل عمران: 140]. { ويومئذ } أي: ويوم تغلب الروم فارس، ويحل ما وعده الله من غلبتهم، { يفرح المؤمنون بنصر الله } ، وتغلب من له كتاب على من لا كتاب له، وغيظ من شمت بهم من أهل مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين، بما أخبروا به المشركين من غلبة الروم. { ينصر من يشاء } فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى، { وهو العزيز }: الغالب على أعدائه { الرحيم }: العاطف على أوليائه. { وعد الله } اي: وعد ذلك وعدا، فسينجزه لا محالة، فهو مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله: { سيغلبون } وعد، { لا يخلف الله وعده } لامتناع الكذب عليه تعالى، فلا بد من نصر الروم على فارس. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } صحة وعده، وأنه لا يخلف، أو: لا يعلمون أن الأمور كلها بيد الله لجهلهم وعدم تفكرهم. وإنما { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } ما يشاهدونه منها من التمتع بزخارفها. وفيه دليل أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها. قال بعض الحكماء: إن كنت من أهل الاستبصار فألق ناظرك عن زخارف هذه الدار، فإنها مجمع الأكدار، ومنبع المضار، وسجن الإبرار، ومجلس الأشرار، الدنيا كالحية، تجمع سموم نوائبها، وتفرغه في صميم قلوب أبنائها. ه. وباطنها: أنها مجاز إلى الآخرة، يتزودون منها إليها بالأعمال الصالحة وتحقيق المعرفة. وتنكير ظاهرا: مفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها. { وهم عن الآخرة هم غافلون } لا تخطر ببالهم، ولا يتفكرون في أهوالها ونوائبها. فهم، الثانية: مبتدأ، وغافلون: خبره، والجملة: خبرالأولى، وفيه تنبيه أنهم معدن الغفلة ومقرها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما تقع الدولة بين الأشباح، تقع بين النفوس والأرواح. فتارة تغلب النفوس بظلماتها على الأرواح، فتحجبها عن الله، وتارة تغلب الأرواح بأنوارها على النفوس، فتستر ظلمة حظوظها، ويرتفع الحجاب بين الله وعبده. آلم. غلبت أنوار الأرواح بظلمة كثائف النفوس في أدنى أرض العبودية وهم من بعد غلبهم سيغلبون فتغلب أنوار الأرواح المطهرة، على ظلمة نفوس الظلمانية، وذلك في بضع سنين، مدة المجاهدة، والبضع: من ثلاث إلى عشر، على قدر الجد والاجتهاد، وعلى قدر تفاوت النفوس والطبع، فمنهم من يظفر بنفسه في مدة يسيره، ومنهم من يظفر بعد مدة طويلة. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون السائرون بنصر الله، حيث نصرهم على نفوسهم، فظفروا بها. ينصر من شاء حيث يشاء وهو العزيز الرحيم. قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. وقال الورتجبي: قوله: { غلبت الروم.. } الآية، إشارة إلى أن الأرواح، وإن كانت مغلوبة من النفوس الأمارة، والشياطين الكافرة امتحانا من الله، وتربية لها بمباشرة القهريات، فإنها تغلب على النفوس، من حيث تخرج من مقام الاختيار. انظر تمامه. وقال القشيري: قوله تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا }: استغراقهم في الاشتغال بالدنيا، وانهماكهم بما منعهم عن العلم بالآخرة وقيمة كل امرىء علمه كما في الأثر عن علي رضي الله عنه. قال: وقيمة كل امرىء ما كان يتقنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة، هم بوجودها، في غفلة عن الله. ه. قلت: وأهل المعرفة بالله لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتفكر، فقال: { أولم يتفكروا في أنفسهم... }

الروم 30:8

قلت: " في أنفسهم ": يحتمل أن يكون ظرفا، أي: أو لم يحدثوا التفكر فيها، وأن تكون صلة للتفكر، نحو: تفكر في الأمر: أجال فيه فكره. والأول أظهر. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يتفكروا في أنفسهم } أي: أو لم يثبتوا التفكر في أنفسهم، أي: في قلوبهم الفارغة، فيتفكروا بها في مصنوعات الله، حتى يعلموا أنها ما خلقت عبثا، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكن زيادة تصوير لحال المتفكرين، كقوله: اعتقده في قلبك. أو: أولم يتفكروا في أنفسهم، التي هي أقرب إليهم من غيرها، وهم أعلم بأحوالها، فيتدبروا ما أودعها الله تعالى، ظاهرا وباطنا، من غرائب الحكمة الدالة على التدبير من الحكيم القديم، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازي فيه، على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا، عند ذلك، أن سائر الخلائق مثلها، وأنه لا بد لهم من الانتهاء إلى ذلك الوقت، فعلموا أن { ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى } أي: ما خلقها باطلا وعبثا من غير حكمة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة البالغة، وتنتهي إلى أجل مسمى، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب، بالثواب والعقاب، فيخرب هذا العالم، ويقوم عالم آخر، لا انتهاء لوجوده. قال في الحاشية الفاسية: وبالجملة: فخلق السموات والأرض للدلالة على التوحيد بوجودهما، وعلى الآخرة بفنائهما، وانقضاء أجلهما. ثم قال: والحاصل أن خلقه بمقتضى الحكمة يقتضي جزاء أوليائه، وتعذيب أعدائه. وقد نصب تعالى القلب شاهدا ومنزلا منزلة الآخرة، والقلب منزلة الدنيا، وكما أن عمل القالب يعود نفعه، إذا فعل الطاعة، على القلب بالتنوير والتقريب لحضرة الربوبية، ويعود ضرره عليه، إذا فعل ضد ذلك، كما يعرفه أهل القلوب، وأنه مزرعة للقلب، ولا بقاء له، وإنما خلق لقضاء ذلك، فكذلك الدنيا مزرعة للآخرة، وإنما خلقت لذلك، كما يعرفه أهل القلوب والبصائر الصافية السالمة، فاعتبر ذلك. ه. { وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم } بالبعث والجزاء { لكافرون }: لجاحدون. الإشارة: قد تقدم الكلام على فضل التفكر في آل عمران. وقوله تعالى: { إلا بالحق } أي: ما خلق الكائنات إلا بالحق، من الحق إلى الحق، فهي من تجليات الحق، ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالحق عبارة عن عين الذات عند أهل الحق، فافهم. ثم قال زيادة في الأمر، بالاعتبار أو تقول: لما ذكر عمهم بظاهر الحياة الدنيا ذكر أن من قبلهم كانوا أعلم بها ولم ينفعهم مع التكذيب، فقال: { أولم يسيروا في الأرض... }

الروم 30:9

قلت: من رفع " عاقبة الذين أساءوا " فالسوأى منصوب خبر كان، ومن نصب " عاقبة " فالسوأى: مرفوع اسمها، أو: مصدر لأساؤوا. انظر البيضاوي. والسوأى: تأنيث أسوأ. وأن كذبوا: مفعول من أجله، أو: بدل، على أن معنى أساءوا: كفروا. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يسيروا } اي: أعموا ولم يسيروا { في الأرض } ، ثم قرره بقوله: { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } أي: فينظروا إلى آثار الذين من قبلهم كيف دمرهم الله، وأخلا بلادهم، وبقيت دارسة بعدهم، كعاد وثمود، وغيرهم من الأمم العاتية، والجبابرة الطاغية، { كانوا أشد منهم قوة } حتى كان منهم من يفتل الحديد بيده، { وأثاروا الأرض } قلبوا وجهها بالحراثة، واستنباط المياه، واستخراج المعادن، وغير ذلك. { وعمروها } اي: عمر المدمرون الأرض { أكثر مما عمروها } أي: أهل مكة، فأكثر: صفة لمصدر محذوف. وما: مصدرية، أي: عمارة هؤلاء، فإنهم أهل واد غير ذي زرع، ولا تبسط لهم في غيرها. وفيه تهكم بهم من حيث أنهم عمروا الأرض، مغترون بالدنيا، مفتخرون بها، وهو أضعف حالا فيها إذ مدار أمرها على التبسط في البلاد، والتسلط على العباد، والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة، وهم ضعفاء ملجؤون إلى واد لا نفع فيه. قال البيضاوي. { وجاءتهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات الواضحات، فلم يؤمنوا فأهلكوا، { فما كان الله ليظلمهم } بأن دمرهم بلا سبب، أو: من غير إعذار، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث ارتكبوا ما أدى إلى تدميرهم. { ثم كان عاقبة الذي أساءوا } بالكفر والمعاصي { السوأى } أي: العقوبة السوأى، والأصل: ثم كان عاقبتهم، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على ما اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم، وهو إساءتهم. والمعنى: أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار، ثم كان عاقبتهم في الآخرة العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، وهي النار التي أعدت للكافرين. لأجل { أن كذبوا } أو: بأن كذبوا { بآيات الله } الدالة على صدق رسله، أو: على وحدانيته. { وكانوا بها يستهزؤون } حيث قابلوها بالتكذيب، أو: غفلوا عن التفكر فيها. أو: ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة السؤاى أن طبع الله على قلوبهم، حتى كذبوا بالآيات، واستهزءوا بها. أو: ثم كان عاقبة الذين فعلوا الفعلة السوأى، وهو أن كذبوا واستهزءوا، أن يلحقهم ما تعجز عنه نطاق العبارة، فخبر كان، على هذا: محذوف للتهويل. وأن كذبوا: بيان، أو: بدل من السوأى. والله تعالى أعلم. الإشارة: السير إلى الله على أقسام: سير النفوس: بإقامة عبادة الجوارح لطلب الأجور، وسير القلوب: بجولانها في ميادين الأغيار، للتبصر والاعتبار، طلبا للحضور، وسير الأرواح: بجولان الفكرة في ميادين الأنوار طلبا لرفع الستور ودوام الحضور، وسير الأسرار: الترقي في أسرار الجبروت، بعد التمكن من شهود أنوار الملكوت على سبيل الدوام. قال القشيري: سير النفوس في أوطان الأرض ومناكبها لأداء العبادات، وسير القلوب بجولان الفكر في جميع المخلوقات، وغايته: الظفر بحقائق العلوم التي توجب ثلج الصدور - ثم تلك العلوم علىدرجات - وسير الأرواح في ميادين الغيب: بنعت خرق سرادقات الملكوت. وقصاراه: الوصول إلى ساحل الشهود، واستيلاء سلطان الحقيقة. وسير الأسرار: بالترقي - أي: الغيبة - عن الحدثان بأسرها، والتحقق، أولا، بالصفات، ثم بالخمود، بالكلية، عما سوى الحق. ه. وقال في قوله: { ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى }: من زرع الشوك لم يحصد الورد، ومن استنبت الحشيش لم يقطف البهار، ومن سلك سبيل الغي لم يحلل بساحة الرشد. ه. ثم ذكر شأن البعث الذي هو عاقبة المسيء والمحسن، فقال: { الله يبدأ الخلق... }

الروم 30:10

قلت: من رفع " عاقبة الذين أساءوا " فالسوأى منصوب خبر كان، ومن نصب " عاقبة " فالسوأى: مرفوع اسمها، أو: مصدر لأساؤوا. انظر البيضاوي. والسوأى: تأنيث أسوأ. وأن كذبوا: مفعول من أجله، أو: بدل، على أن معنى أساءوا: كفروا. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يسيروا } اي: أعموا ولم يسيروا { في الأرض } ، ثم قرره بقوله: { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } أي: فينظروا إلى آثار الذين من قبلهم كيف دمرهم الله، وأخلا بلادهم، وبقيت دارسة بعدهم، كعاد وثمود، وغيرهم من الأمم العاتية، والجبابرة الطاغية، { كانوا أشد منهم قوة } حتى كان منهم من يفتل الحديد بيده، { وأثاروا الأرض } قلبوا وجهها بالحراثة، واستنباط المياه، واستخراج المعادن، وغير ذلك. { وعمروها } اي: عمر المدمرون الأرض { أكثر مما عمروها } أي: أهل مكة، فأكثر: صفة لمصدر محذوف. وما: مصدرية، أي: عمارة هؤلاء، فإنهم أهل واد غير ذي زرع، ولا تبسط لهم في غيرها. وفيه تهكم بهم من حيث أنهم عمروا الأرض، مغترون بالدنيا، مفتخرون بها، وهو أضعف حالا فيها إذ مدار أمرها على التبسط في البلاد، والتسلط على العباد، والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة، وهم ضعفاء ملجؤون إلى واد لا نفع فيه. قال البيضاوي. { وجاءتهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات الواضحات، فلم يؤمنوا فأهلكوا، { فما كان الله ليظلمهم } بأن دمرهم بلا سبب، أو: من غير إعذار، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث ارتكبوا ما أدى إلى تدميرهم. { ثم كان عاقبة الذي أساءوا } بالكفر والمعاصي { السوأى } أي: العقوبة السوأى، والأصل: ثم كان عاقبتهم، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على ما اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم، وهو إساءتهم. والمعنى: أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار، ثم كان عاقبتهم في الآخرة العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، وهي النار التي أعدت للكافرين. لأجل { أن كذبوا } أو: بأن كذبوا { بآيات الله } الدالة على صدق رسله، أو: على وحدانيته. { وكانوا بها يستهزؤون } حيث قابلوها بالتكذيب، أو: غفلوا عن التفكر فيها. أو: ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة السؤاى أن طبع الله على قلوبهم، حتى كذبوا بالآيات، واستهزءوا بها. أو: ثم كان عاقبة الذين فعلوا الفعلة السوأى، وهو أن كذبوا واستهزءوا، أن يلحقهم ما تعجز عنه نطاق العبارة، فخبر كان، على هذا: محذوف للتهويل. وأن كذبوا: بيان، أو: بدل من السوأى. والله تعالى أعلم. الإشارة: السير إلى الله على أقسام: سير النفوس: بإقامة عبادة الجوارح لطلب الأجور، وسير القلوب: بجولانها في ميادين الأغيار، للتبصر والاعتبار، طلبا للحضور، وسير الأرواح: بجولان الفكرة في ميادين الأنوار طلبا لرفع الستور ودوام الحضور، وسير الأسرار: الترقي في أسرار الجبروت، بعد التمكن من شهود أنوار الملكوت على سبيل الدوام. قال القشيري: سير النفوس في أوطان الأرض ومناكبها لأداء العبادات، وسير القلوب بجولان الفكر في جميع المخلوقات، وغايته: الظفر بحقائق العلوم التي توجب ثلج الصدور - ثم تلك العلوم علىدرجات - وسير الأرواح في ميادين الغيب: بنعت خرق سرادقات الملكوت. وقصاراه: الوصول إلى ساحل الشهود، واستيلاء سلطان الحقيقة. وسير الأسرار: بالترقي - أي: الغيبة - عن الحدثان بأسرها، والتحقق، أولا، بالصفات، ثم بالخمود، بالكلية، عما سوى الحق. ه. وقال في قوله: { ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى }: من زرع الشوك لم يحصد الورد، ومن استنبت الحشيش لم يقطف البهار، ومن سلك سبيل الغي لم يحلل بساحة الرشد. ه. ثم ذكر شأن البعث الذي هو عاقبة المسيء والمحسن، فقال: { الله يبدأ الخلق... }

الروم 30:11

يقول الحق جل جلاله: { الله يبدأ الخلق } ينشئهم، { ثم يعيده } يحييهم بعد الموت، { ثم إليه ترجعون } للجزاء بالثواب والعقاب. والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في إثباته. وقرأ أبو عمرو وسهل وروح: بالغيب، على الأصل. { ويوم تقوم الساعة يبلس }: ييأس ويتحير { المجرمون } المشركون يقال: ناظرته فأبلس، أي: أفحم وأيس من الحجة، أو: يسكتون متحيرين، { ولم يكن لهم من شركائهم } التي عبدوها من دون الله { شفعاء } يشفعون لهم ويجيرونهم من النار، { وكانوا بشركائهم كافرين } جاحدين لها، متبرئين من عبادتها، حين أيسوا من نفعها. أو: كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتها. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } أي: المسلمون والكافرون، بدليل قوله: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة } ، أي: بستان ذي أزهار وأنهار، وهي الجنة. والتنكيرلإبهام أمرها وتفخيمه، { يحبرون }: يسرون، يقال: حبره، إذا سره سرورا تهلل به وجهه، وظهر فيه أثره. ووجوه المسار كثيرة، فقيل: يكرمون، وقيل: يحلون. وقيل: هو السماع في الجنة. قاله غير واحد. قال أبو الدرداء: كان عليه الصلاة والسلام يذكر الناس بنعيم الجنان فقيل: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال: " نعم، إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانة، يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم أهل الجنة " قال الرواي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح إن شاء الله. والخمصانة: المرهفة الأعلى، الضخمة الأسفل. ه. انظر الثعلبي. وذكر غيره أن هذا السماع يكون في نزهة تكون لأهل الجنة على شاطئ هذا النهر، وقد ذكرناها في شرحنا الكبير على الفاتحة. { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } بالبعث { فأولئك في العذاب محضرون }: مقيمون، لا يغيبون عنه. عائذا بالله من غضبه. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو ركن إلى شيء سواه، فهو مجرم عند الخصوص، وذلك الشيء الذي ركن إليه صنم في حقه، يتبرأ منه يوم القيامة، ويبلس من نفعه، { يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون }: الآية. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } فريق هم أهل الوصلة، وفريق هم أهل القطعة، فريق في المنة، وفريق في المحنة، فريق في السرور، وفريق في الثبور، فريق في الثواب، وفريق في العقاب، فريق في الفراق، وفريق في التلاق. قال القشيري: وإذا كان الأمر هكذا، فجد، أيها المؤمن، في طاعة مولاك، وأكثر من ذكره، صباحا ومساء، وليلا ونهارا لتنال ذلك الوعد، وتنجو من الوعيد. ثم أبان ذلك بقوله: { فسبحان الله حين... }

الروم 30:12

يقول الحق جل جلاله: { الله يبدأ الخلق } ينشئهم، { ثم يعيده } يحييهم بعد الموت، { ثم إليه ترجعون } للجزاء بالثواب والعقاب. والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في إثباته. وقرأ أبو عمرو وسهل وروح: بالغيب، على الأصل. { ويوم تقوم الساعة يبلس }: ييأس ويتحير { المجرمون } المشركون يقال: ناظرته فأبلس، أي: أفحم وأيس من الحجة، أو: يسكتون متحيرين، { ولم يكن لهم من شركائهم } التي عبدوها من دون الله { شفعاء } يشفعون لهم ويجيرونهم من النار، { وكانوا بشركائهم كافرين } جاحدين لها، متبرئين من عبادتها، حين أيسوا من نفعها. أو: كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتها. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } أي: المسلمون والكافرون، بدليل قوله: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة } ، أي: بستان ذي أزهار وأنهار، وهي الجنة. والتنكيرلإبهام أمرها وتفخيمه، { يحبرون }: يسرون، يقال: حبره، إذا سره سرورا تهلل به وجهه، وظهر فيه أثره. ووجوه المسار كثيرة، فقيل: يكرمون، وقيل: يحلون. وقيل: هو السماع في الجنة. قاله غير واحد. قال أبو الدرداء: كان عليه الصلاة والسلام يذكر الناس بنعيم الجنان فقيل: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال: " نعم، إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانة، يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم أهل الجنة " قال الرواي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح إن شاء الله. والخمصانة: المرهفة الأعلى، الضخمة الأسفل. ه. انظر الثعلبي. وذكر غيره أن هذا السماع يكون في نزهة تكون لأهل الجنة على شاطئ هذا النهر، وقد ذكرناها في شرحنا الكبير على الفاتحة. { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } بالبعث { فأولئك في العذاب محضرون }: مقيمون، لا يغيبون عنه. عائذا بالله من غضبه. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو ركن إلى شيء سواه، فهو مجرم عند الخصوص، وذلك الشيء الذي ركن إليه صنم في حقه، يتبرأ منه يوم القيامة، ويبلس من نفعه، { يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون }: الآية. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } فريق هم أهل الوصلة، وفريق هم أهل القطعة، فريق في المنة، وفريق في المحنة، فريق في السرور، وفريق في الثبور، فريق في الثواب، وفريق في العقاب، فريق في الفراق، وفريق في التلاق. قال القشيري: وإذا كان الأمر هكذا، فجد، أيها المؤمن، في طاعة مولاك، وأكثر من ذكره، صباحا ومساء، وليلا ونهارا لتنال ذلك الوعد، وتنجو من الوعيد. ثم أبان ذلك بقوله: { فسبحان الله حين... }

الروم 30:13

يقول الحق جل جلاله: { الله يبدأ الخلق } ينشئهم، { ثم يعيده } يحييهم بعد الموت، { ثم إليه ترجعون } للجزاء بالثواب والعقاب. والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في إثباته. وقرأ أبو عمرو وسهل وروح: بالغيب، على الأصل. { ويوم تقوم الساعة يبلس }: ييأس ويتحير { المجرمون } المشركون يقال: ناظرته فأبلس، أي: أفحم وأيس من الحجة، أو: يسكتون متحيرين، { ولم يكن لهم من شركائهم } التي عبدوها من دون الله { شفعاء } يشفعون لهم ويجيرونهم من النار، { وكانوا بشركائهم كافرين } جاحدين لها، متبرئين من عبادتها، حين أيسوا من نفعها. أو: كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتها. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } أي: المسلمون والكافرون، بدليل قوله: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة } ، أي: بستان ذي أزهار وأنهار، وهي الجنة. والتنكيرلإبهام أمرها وتفخيمه، { يحبرون }: يسرون، يقال: حبره، إذا سره سرورا تهلل به وجهه، وظهر فيه أثره. ووجوه المسار كثيرة، فقيل: يكرمون، وقيل: يحلون. وقيل: هو السماع في الجنة. قاله غير واحد. قال أبو الدرداء: كان عليه الصلاة والسلام يذكر الناس بنعيم الجنان فقيل: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال: " نعم، إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانة، يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم أهل الجنة " قال الرواي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح إن شاء الله. والخمصانة: المرهفة الأعلى، الضخمة الأسفل. ه. انظر الثعلبي. وذكر غيره أن هذا السماع يكون في نزهة تكون لأهل الجنة على شاطئ هذا النهر، وقد ذكرناها في شرحنا الكبير على الفاتحة. { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } بالبعث { فأولئك في العذاب محضرون }: مقيمون، لا يغيبون عنه. عائذا بالله من غضبه. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو ركن إلى شيء سواه، فهو مجرم عند الخصوص، وذلك الشيء الذي ركن إليه صنم في حقه، يتبرأ منه يوم القيامة، ويبلس من نفعه، { يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون }: الآية. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } فريق هم أهل الوصلة، وفريق هم أهل القطعة، فريق في المنة، وفريق في المحنة، فريق في السرور، وفريق في الثبور، فريق في الثواب، وفريق في العقاب، فريق في الفراق، وفريق في التلاق. قال القشيري: وإذا كان الأمر هكذا، فجد، أيها المؤمن، في طاعة مولاك، وأكثر من ذكره، صباحا ومساء، وليلا ونهارا لتنال ذلك الوعد، وتنجو من الوعيد. ثم أبان ذلك بقوله: { فسبحان الله حين... }

الروم 30:14

يقول الحق جل جلاله: { الله يبدأ الخلق } ينشئهم، { ثم يعيده } يحييهم بعد الموت، { ثم إليه ترجعون } للجزاء بالثواب والعقاب. والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في إثباته. وقرأ أبو عمرو وسهل وروح: بالغيب، على الأصل. { ويوم تقوم الساعة يبلس }: ييأس ويتحير { المجرمون } المشركون يقال: ناظرته فأبلس، أي: أفحم وأيس من الحجة، أو: يسكتون متحيرين، { ولم يكن لهم من شركائهم } التي عبدوها من دون الله { شفعاء } يشفعون لهم ويجيرونهم من النار، { وكانوا بشركائهم كافرين } جاحدين لها، متبرئين من عبادتها، حين أيسوا من نفعها. أو: كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتها. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } أي: المسلمون والكافرون، بدليل قوله: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة } ، أي: بستان ذي أزهار وأنهار، وهي الجنة. والتنكيرلإبهام أمرها وتفخيمه، { يحبرون }: يسرون، يقال: حبره، إذا سره سرورا تهلل به وجهه، وظهر فيه أثره. ووجوه المسار كثيرة، فقيل: يكرمون، وقيل: يحلون. وقيل: هو السماع في الجنة. قاله غير واحد. قال أبو الدرداء: كان عليه الصلاة والسلام يذكر الناس بنعيم الجنان فقيل: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال: " نعم، إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانة، يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم أهل الجنة " قال الرواي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح إن شاء الله. والخمصانة: المرهفة الأعلى، الضخمة الأسفل. ه. انظر الثعلبي. وذكر غيره أن هذا السماع يكون في نزهة تكون لأهل الجنة على شاطئ هذا النهر، وقد ذكرناها في شرحنا الكبير على الفاتحة. { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } بالبعث { فأولئك في العذاب محضرون }: مقيمون، لا يغيبون عنه. عائذا بالله من غضبه. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو ركن إلى شيء سواه، فهو مجرم عند الخصوص، وذلك الشيء الذي ركن إليه صنم في حقه، يتبرأ منه يوم القيامة، ويبلس من نفعه، { يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون }: الآية. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } فريق هم أهل الوصلة، وفريق هم أهل القطعة، فريق في المنة، وفريق في المحنة، فريق في السرور، وفريق في الثبور، فريق في الثواب، وفريق في العقاب، فريق في الفراق، وفريق في التلاق. قال القشيري: وإذا كان الأمر هكذا، فجد، أيها المؤمن، في طاعة مولاك، وأكثر من ذكره، صباحا ومساء، وليلا ونهارا لتنال ذلك الوعد، وتنجو من الوعيد. ثم أبان ذلك بقوله: { فسبحان الله حين... }

الروم 30:15

يقول الحق جل جلاله: { الله يبدأ الخلق } ينشئهم، { ثم يعيده } يحييهم بعد الموت، { ثم إليه ترجعون } للجزاء بالثواب والعقاب. والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في إثباته. وقرأ أبو عمرو وسهل وروح: بالغيب، على الأصل. { ويوم تقوم الساعة يبلس }: ييأس ويتحير { المجرمون } المشركون يقال: ناظرته فأبلس، أي: أفحم وأيس من الحجة، أو: يسكتون متحيرين، { ولم يكن لهم من شركائهم } التي عبدوها من دون الله { شفعاء } يشفعون لهم ويجيرونهم من النار، { وكانوا بشركائهم كافرين } جاحدين لها، متبرئين من عبادتها، حين أيسوا من نفعها. أو: كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتها. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } أي: المسلمون والكافرون، بدليل قوله: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة } ، أي: بستان ذي أزهار وأنهار، وهي الجنة. والتنكيرلإبهام أمرها وتفخيمه، { يحبرون }: يسرون، يقال: حبره، إذا سره سرورا تهلل به وجهه، وظهر فيه أثره. ووجوه المسار كثيرة، فقيل: يكرمون، وقيل: يحلون. وقيل: هو السماع في الجنة. قاله غير واحد. قال أبو الدرداء: كان عليه الصلاة والسلام يذكر الناس بنعيم الجنان فقيل: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال: " نعم، إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانة، يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم أهل الجنة " قال الرواي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح إن شاء الله. والخمصانة: المرهفة الأعلى، الضخمة الأسفل. ه. انظر الثعلبي. وذكر غيره أن هذا السماع يكون في نزهة تكون لأهل الجنة على شاطئ هذا النهر، وقد ذكرناها في شرحنا الكبير على الفاتحة. { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } بالبعث { فأولئك في العذاب محضرون }: مقيمون، لا يغيبون عنه. عائذا بالله من غضبه. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو ركن إلى شيء سواه، فهو مجرم عند الخصوص، وذلك الشيء الذي ركن إليه صنم في حقه، يتبرأ منه يوم القيامة، ويبلس من نفعه، { يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون }: الآية. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } فريق هم أهل الوصلة، وفريق هم أهل القطعة، فريق في المنة، وفريق في المحنة، فريق في السرور، وفريق في الثبور، فريق في الثواب، وفريق في العقاب، فريق في الفراق، وفريق في التلاق. قال القشيري: وإذا كان الأمر هكذا، فجد، أيها المؤمن، في طاعة مولاك، وأكثر من ذكره، صباحا ومساء، وليلا ونهارا لتنال ذلك الوعد، وتنجو من الوعيد. ثم أبان ذلك بقوله: { فسبحان الله حين... }

الروم 30:16

يقول الحق جل جلاله: { الله يبدأ الخلق } ينشئهم، { ثم يعيده } يحييهم بعد الموت، { ثم إليه ترجعون } للجزاء بالثواب والعقاب. والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في إثباته. وقرأ أبو عمرو وسهل وروح: بالغيب، على الأصل. { ويوم تقوم الساعة يبلس }: ييأس ويتحير { المجرمون } المشركون يقال: ناظرته فأبلس، أي: أفحم وأيس من الحجة، أو: يسكتون متحيرين، { ولم يكن لهم من شركائهم } التي عبدوها من دون الله { شفعاء } يشفعون لهم ويجيرونهم من النار، { وكانوا بشركائهم كافرين } جاحدين لها، متبرئين من عبادتها، حين أيسوا من نفعها. أو: كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتها. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } أي: المسلمون والكافرون، بدليل قوله: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة } ، أي: بستان ذي أزهار وأنهار، وهي الجنة. والتنكيرلإبهام أمرها وتفخيمه، { يحبرون }: يسرون، يقال: حبره، إذا سره سرورا تهلل به وجهه، وظهر فيه أثره. ووجوه المسار كثيرة، فقيل: يكرمون، وقيل: يحلون. وقيل: هو السماع في الجنة. قاله غير واحد. قال أبو الدرداء: كان عليه الصلاة والسلام يذكر الناس بنعيم الجنان فقيل: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال: " نعم، إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانة، يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم أهل الجنة " قال الرواي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح إن شاء الله. والخمصانة: المرهفة الأعلى، الضخمة الأسفل. ه. انظر الثعلبي. وذكر غيره أن هذا السماع يكون في نزهة تكون لأهل الجنة على شاطئ هذا النهر، وقد ذكرناها في شرحنا الكبير على الفاتحة. { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } بالبعث { فأولئك في العذاب محضرون }: مقيمون، لا يغيبون عنه. عائذا بالله من غضبه. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو ركن إلى شيء سواه، فهو مجرم عند الخصوص، وذلك الشيء الذي ركن إليه صنم في حقه، يتبرأ منه يوم القيامة، ويبلس من نفعه، { يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون }: الآية. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } فريق هم أهل الوصلة، وفريق هم أهل القطعة، فريق في المنة، وفريق في المحنة، فريق في السرور، وفريق في الثبور، فريق في الثواب، وفريق في العقاب، فريق في الفراق، وفريق في التلاق. قال القشيري: وإذا كان الأمر هكذا، فجد، أيها المؤمن، في طاعة مولاك، وأكثر من ذكره، صباحا ومساء، وليلا ونهارا لتنال ذلك الوعد، وتنجو من الوعيد. ثم أبان ذلك بقوله: { فسبحان الله حين... }

الروم 30:17

قلت: " فسبحان ": مصدر لمحذوف، أي: سبحوا سبحان. وحين: متعلق بذلك المحذوف، وجملة: وله الحمد: معترضة بين معطوفات الظروف. وفي السموات: حال من الحمد، أي: وله، على عباده، الحمد كائنا في السموات... إلخ. يقول الحق جل جلاله: { فسبحان الله } أي: فسبحوا الله ونزهوه تنزيها يليق به في هذه الأوقات التي تظهر قدرته، وتجدد فيها نعمه، وهي { حين تمسون } تدخلون في المساء { وحين تصبحون } تدخلون في الصباح. { وله الحمد في السماوات والأرض } أي: وله، على المميزين كلهم، من أهل السموات والأرض، أن يحمدوه، { وعشيا } أي: وسبحوه عشيا آخر النهار، { وحين تظهرون } تدخلون في وقت الظهيرة. قال البيضاوي: وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأن آثار العظمة والقدرة فيهما أظهر، تخصيص الحمد بالعشي - الذي هو آخر النهار، من عشى العين إذ نقص نورها - والظهيرة - التي هي وسطه لأن تجدد النعم فيها أكثر. ويجوز أن يكون { عشيا } معطوف على { حين تمسون } ، وقوله: { وله الحمد.. } إلخ - اعتراضا. وعن ابن عباس: الآية جامعة للصلوات الخمس، تمسون: صلاتا المغرب والعشاء، تصبحون: صلاة الفجر، وعشيا: صلاة العصر، وتظهرون صلاة الظهر. ولذلك زعم الحسن أنها مدنية لأنه كان يقول: كان الواجب عليه بمكة ركعتين، في أي وقت اتفقت، وإنما فرضت الخمس بالمدينة. والأكثر على أنها فرضت بمكة. ه. ثم ذكر وجه استحقاقه للحمد والتنزيه بقوله: { يخرج الحي من الميت } ، الطائر من البيضة، والإنسان من النطفة، أو: المؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل. { ويخرج الميت من الحي } ، البيضة من الطائر، والنطفة من الإنسان، أو: الكافر من المؤمن، والجاهل من العالم. { ويحيي الأرض } بالنبات { بعد موتها } يبسها، { وكذلك تخرجون } ، والمعنى: أن الإبداء والإعادة متساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الحي من الميت، وعكسه. روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ { فسبحان الله حين تمسون }.. إلى الثلاث آيات، وآخر سورة الصافات: { سبحان ربك رب العزة.. } إلخ.. دبر كل صلاة، كتب له من الحسنات عدد نجوم السماء، وقطر الأمطار، وورق الأشجار، وتراب الأرض. فإذا مات أجرى له بكل لفظ عشر حسنات في قبره " نقله الثعلبي والنسفي. وعنه - عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يصبح: { فسبحان الله حين تمسون }... إلى قوله: { وكذلك تخرجون } أدرك ما فاته في يومه، ومن قاله حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته " رواه ابو داود. وقال الضحاك: من قال: { فسبحان الله حين تمسون.. } إلخ كان له كعدل مائتي رقبة من ولد إسماعيل. ه. زاد كعب: ولم يفته خير كان في يومه، ولا يدركه شر كان فيه. وإن قالها في السماء فكذلك. وكان إبراهيم الخليل عليه السلام يقرها ست مرات في كل يوم وليلة. ه. الإشارة: أما وجه الأمر بالتنزيه حين المساء والصباح فلأن المجوس كانوا يسجدون للشمس في هذين الوقتين تسليما وتوديعا، فأمر الحق تعالى المؤمنين أن ينزهوه عمن يستحق العبادة معه، وأما العشي فلأنه وقت غفلة الناس في جميع حوائجهم، وأما وقت الظهيرة فلأن جهنم تشتعل فيه كما في الحديث، وأمر بحمده والثناء عليه في كل وقت لما غمرهم من النعم الظاهرة والباطنة. قال القشيري: فمن كان صباحه بالله بورك له في يومه، ومن كان مساؤه بالله بورك له في ليلته، وأنشدوا: وإن صباحا نلتقي في مسائه صباح على قلب الغريب حبيب شتان بين عبد: صباحه مفتتح بعبادته، ومساؤه مختتم بطاعته، وبين عبد: صباحه مفتتح بمشاهدته، ورواحه مختتم بعزيز رؤيته. قلت: الأول من عامة الأبرار، والثاني من خاصة العارفين الكبار، وبقي مقام الغافلين، وهو: من كان صباحه مفتتح بهم نفسه، ومساؤه مختتم برؤية حسه، ثم ذكر احتمال الصلوات الخمس في الآية، كما تقدم - ثم قال: وأراد الحق من أوليائه أن يجددوا العبودية في اليوم والليلة خمس مرات، فيقف على بساط المناجاة، ويستدرك ما فاته بين الصلاتين من صوارف الزلات. ه. وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت } يخرج الذاكر من الغافل، والغافل من الذاكر، والعارف من الجاهل، والجاهل من العارف، ويحيي أرض النفوس باليقظة والمعرفة بعد موتها بالغفلة والجهل وكذلك تخرجون من قبوركم على ما متم عليه من معرفة أو جهل، من يقظة أو غفلة، يموت المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دلائل البعث والخروج، فقال: { ومن آياته أن خلقكم... }

الروم 30:18

قلت: " فسبحان ": مصدر لمحذوف، أي: سبحوا سبحان. وحين: متعلق بذلك المحذوف، وجملة: وله الحمد: معترضة بين معطوفات الظروف. وفي السموات: حال من الحمد، أي: وله، على عباده، الحمد كائنا في السموات... إلخ. يقول الحق جل جلاله: { فسبحان الله } أي: فسبحوا الله ونزهوه تنزيها يليق به في هذه الأوقات التي تظهر قدرته، وتجدد فيها نعمه، وهي { حين تمسون } تدخلون في المساء { وحين تصبحون } تدخلون في الصباح. { وله الحمد في السماوات والأرض } أي: وله، على المميزين كلهم، من أهل السموات والأرض، أن يحمدوه، { وعشيا } أي: وسبحوه عشيا آخر النهار، { وحين تظهرون } تدخلون في وقت الظهيرة. قال البيضاوي: وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأن آثار العظمة والقدرة فيهما أظهر، تخصيص الحمد بالعشي - الذي هو آخر النهار، من عشى العين إذ نقص نورها - والظهيرة - التي هي وسطه لأن تجدد النعم فيها أكثر. ويجوز أن يكون { عشيا } معطوف على { حين تمسون } ، وقوله: { وله الحمد.. } إلخ - اعتراضا. وعن ابن عباس: الآية جامعة للصلوات الخمس، تمسون: صلاتا المغرب والعشاء، تصبحون: صلاة الفجر، وعشيا: صلاة العصر، وتظهرون صلاة الظهر. ولذلك زعم الحسن أنها مدنية لأنه كان يقول: كان الواجب عليه بمكة ركعتين، في أي وقت اتفقت، وإنما فرضت الخمس بالمدينة. والأكثر على أنها فرضت بمكة. ه. ثم ذكر وجه استحقاقه للحمد والتنزيه بقوله: { يخرج الحي من الميت } ، الطائر من البيضة، والإنسان من النطفة، أو: المؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل. { ويخرج الميت من الحي } ، البيضة من الطائر، والنطفة من الإنسان، أو: الكافر من المؤمن، والجاهل من العالم. { ويحيي الأرض } بالنبات { بعد موتها } يبسها، { وكذلك تخرجون } ، والمعنى: أن الإبداء والإعادة متساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الحي من الميت، وعكسه. روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ { فسبحان الله حين تمسون }.. إلى الثلاث آيات، وآخر سورة الصافات: { سبحان ربك رب العزة.. } إلخ.. دبر كل صلاة، كتب له من الحسنات عدد نجوم السماء، وقطر الأمطار، وورق الأشجار، وتراب الأرض. فإذا مات أجرى له بكل لفظ عشر حسنات في قبره " نقله الثعلبي والنسفي. وعنه - عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يصبح: { فسبحان الله حين تمسون }... إلى قوله: { وكذلك تخرجون } أدرك ما فاته في يومه، ومن قاله حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته " رواه ابو داود. وقال الضحاك: من قال: { فسبحان الله حين تمسون.. } إلخ كان له كعدل مائتي رقبة من ولد إسماعيل. ه. زاد كعب: ولم يفته خير كان في يومه، ولا يدركه شر كان فيه. وإن قالها في السماء فكذلك. وكان إبراهيم الخليل عليه السلام يقرها ست مرات في كل يوم وليلة. ه. الإشارة: أما وجه الأمر بالتنزيه حين المساء والصباح فلأن المجوس كانوا يسجدون للشمس في هذين الوقتين تسليما وتوديعا، فأمر الحق تعالى المؤمنين أن ينزهوه عمن يستحق العبادة معه، وأما العشي فلأنه وقت غفلة الناس في جميع حوائجهم، وأما وقت الظهيرة فلأن جهنم تشتعل فيه كما في الحديث، وأمر بحمده والثناء عليه في كل وقت لما غمرهم من النعم الظاهرة والباطنة. قال القشيري: فمن كان صباحه بالله بورك له في يومه، ومن كان مساؤه بالله بورك له في ليلته، وأنشدوا: وإن صباحا نلتقي في مسائه صباح على قلب الغريب حبيب شتان بين عبد: صباحه مفتتح بعبادته، ومساؤه مختتم بطاعته، وبين عبد: صباحه مفتتح بمشاهدته، ورواحه مختتم بعزيز رؤيته. قلت: الأول من عامة الأبرار، والثاني من خاصة العارفين الكبار، وبقي مقام الغافلين، وهو: من كان صباحه مفتتح بهم نفسه، ومساؤه مختتم برؤية حسه، ثم ذكر احتمال الصلوات الخمس في الآية، كما تقدم - ثم قال: وأراد الحق من أوليائه أن يجددوا العبودية في اليوم والليلة خمس مرات، فيقف على بساط المناجاة، ويستدرك ما فاته بين الصلاتين من صوارف الزلات. ه. وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت } يخرج الذاكر من الغافل، والغافل من الذاكر، والعارف من الجاهل، والجاهل من العارف، ويحيي أرض النفوس باليقظة والمعرفة بعد موتها بالغفلة والجهل وكذلك تخرجون من قبوركم على ما متم عليه من معرفة أو جهل، من يقظة أو غفلة، يموت المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دلائل البعث والخروج، فقال: { ومن آياته أن خلقكم... }

الروم 30:19

قلت: " فسبحان ": مصدر لمحذوف، أي: سبحوا سبحان. وحين: متعلق بذلك المحذوف، وجملة: وله الحمد: معترضة بين معطوفات الظروف. وفي السموات: حال من الحمد، أي: وله، على عباده، الحمد كائنا في السموات... إلخ. يقول الحق جل جلاله: { فسبحان الله } أي: فسبحوا الله ونزهوه تنزيها يليق به في هذه الأوقات التي تظهر قدرته، وتجدد فيها نعمه، وهي { حين تمسون } تدخلون في المساء { وحين تصبحون } تدخلون في الصباح. { وله الحمد في السماوات والأرض } أي: وله، على المميزين كلهم، من أهل السموات والأرض، أن يحمدوه، { وعشيا } أي: وسبحوه عشيا آخر النهار، { وحين تظهرون } تدخلون في وقت الظهيرة. قال البيضاوي: وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأن آثار العظمة والقدرة فيهما أظهر، تخصيص الحمد بالعشي - الذي هو آخر النهار، من عشى العين إذ نقص نورها - والظهيرة - التي هي وسطه لأن تجدد النعم فيها أكثر. ويجوز أن يكون { عشيا } معطوف على { حين تمسون } ، وقوله: { وله الحمد.. } إلخ - اعتراضا. وعن ابن عباس: الآية جامعة للصلوات الخمس، تمسون: صلاتا المغرب والعشاء، تصبحون: صلاة الفجر، وعشيا: صلاة العصر، وتظهرون صلاة الظهر. ولذلك زعم الحسن أنها مدنية لأنه كان يقول: كان الواجب عليه بمكة ركعتين، في أي وقت اتفقت، وإنما فرضت الخمس بالمدينة. والأكثر على أنها فرضت بمكة. ه. ثم ذكر وجه استحقاقه للحمد والتنزيه بقوله: { يخرج الحي من الميت } ، الطائر من البيضة، والإنسان من النطفة، أو: المؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل. { ويخرج الميت من الحي } ، البيضة من الطائر، والنطفة من الإنسان، أو: الكافر من المؤمن، والجاهل من العالم. { ويحيي الأرض } بالنبات { بعد موتها } يبسها، { وكذلك تخرجون } ، والمعنى: أن الإبداء والإعادة متساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الحي من الميت، وعكسه. روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ { فسبحان الله حين تمسون }.. إلى الثلاث آيات، وآخر سورة الصافات: { سبحان ربك رب العزة.. } إلخ.. دبر كل صلاة، كتب له من الحسنات عدد نجوم السماء، وقطر الأمطار، وورق الأشجار، وتراب الأرض. فإذا مات أجرى له بكل لفظ عشر حسنات في قبره " نقله الثعلبي والنسفي. وعنه - عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يصبح: { فسبحان الله حين تمسون }... إلى قوله: { وكذلك تخرجون } أدرك ما فاته في يومه، ومن قاله حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته " رواه ابو داود. وقال الضحاك: من قال: { فسبحان الله حين تمسون.. } إلخ كان له كعدل مائتي رقبة من ولد إسماعيل. ه. زاد كعب: ولم يفته خير كان في يومه، ولا يدركه شر كان فيه. وإن قالها في السماء فكذلك. وكان إبراهيم الخليل عليه السلام يقرها ست مرات في كل يوم وليلة. ه. الإشارة: أما وجه الأمر بالتنزيه حين المساء والصباح فلأن المجوس كانوا يسجدون للشمس في هذين الوقتين تسليما وتوديعا، فأمر الحق تعالى المؤمنين أن ينزهوه عمن يستحق العبادة معه، وأما العشي فلأنه وقت غفلة الناس في جميع حوائجهم، وأما وقت الظهيرة فلأن جهنم تشتعل فيه كما في الحديث، وأمر بحمده والثناء عليه في كل وقت لما غمرهم من النعم الظاهرة والباطنة. قال القشيري: فمن كان صباحه بالله بورك له في يومه، ومن كان مساؤه بالله بورك له في ليلته، وأنشدوا: وإن صباحا نلتقي في مسائه صباح على قلب الغريب حبيب شتان بين عبد: صباحه مفتتح بعبادته، ومساؤه مختتم بطاعته، وبين عبد: صباحه مفتتح بمشاهدته، ورواحه مختتم بعزيز رؤيته. قلت: الأول من عامة الأبرار، والثاني من خاصة العارفين الكبار، وبقي مقام الغافلين، وهو: من كان صباحه مفتتح بهم نفسه، ومساؤه مختتم برؤية حسه، ثم ذكر احتمال الصلوات الخمس في الآية، كما تقدم - ثم قال: وأراد الحق من أوليائه أن يجددوا العبودية في اليوم والليلة خمس مرات، فيقف على بساط المناجاة، ويستدرك ما فاته بين الصلاتين من صوارف الزلات. ه. وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت } يخرج الذاكر من الغافل، والغافل من الذاكر، والعارف من الجاهل، والجاهل من العارف، ويحيي أرض النفوس باليقظة والمعرفة بعد موتها بالغفلة والجهل وكذلك تخرجون من قبوركم على ما متم عليه من معرفة أو جهل، من يقظة أو غفلة، يموت المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دلائل البعث والخروج، فقال: { ومن آياته أن خلقكم... }

الروم 30:20

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على قدرته، الشاملة للبعث وغيره: أو: ومن علامات ربوبيته: { أن خلقكم } أي: أباكم { من تراب } لأن أصل الإنشاء منه، { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } أي: ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض، آدم وذريته. { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها } لأن حواء خلقت من ضلع آدم، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال. أو: من شكل أنفسكم وجنسها، لا من جنس آخر، وذلك لما بين الاثنين - إذ كانا من جنس واحد - من الألفة والمودة والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر. ويقال سكن إليه: إذا مال إليه. { وجعل بينكم مودة ورحمة } أي: جعل بينكم التوادد والتراحم بسبب الزواج. وعن الحسن: المودة كناية عن الجماع، والرحمة هي الولد. وقيل المودة للشابة الجميلة، والرحمة للعجوز، وقيل: المودة والرحمة من الله، والفرك من الشيطان - أي: البغض من الجانبين. { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } فيعلمون ما في ذلك من الحكم، وأن قوام الدنيا بوجود التناسل. الإشارة: أصل النشأة البشرية من الطين، وأصل الروح من نور رب العالمين. فإذا غلبت الطينة على الروح جذبتها إلى عالم الطين، فكان همها الطين، وهوت إلى أسفل سافلين، فلا تجد فكرتها وحديثها، في الغالب، إلا في عالم الحس، ويكون عملها كله عمل الجوارح، يفنى بفنائها. وإذا غلبت الروح على الطينة وذلك بدخول مقام الفناء، حتى تستولي المعاني على الحسيات. وتنخنس البشرية تحت سلطان أنوار الحقيقة، جذبتها إلى عالم الأنوار والأسرار، فلا تجد فكرتها إلا في أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وعملها كله قلبي وسري. بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، يبقى مع الروح ببقائها، يجري عليها بعد موت البشرية، ويبعث معها، كما تقدم في الحديث: " يموت المرء... " إلخ. قال القشيري: يقال: الأصل تربة، ولكن العبرة بالتربية لا بالتربة. ه. قلت: إذ بالتربية تغلب الروح على البشرية، ثم قال: اصطفى الكعبة، فهي خير من الجنة، مع أن الجنة جواهر ويواقيت، والكعبة حجر ومدر، أي: كذلك المؤمن الكامل، وإن كان أصله من الطين، فهو أفضل من كثير العوالم اللطيفة. ثم قال في قوله تعالى: { ومن آياته أن خلق لكم من انفسكم أزواجا } الآية: رد المثل إلى المثل، وربط الشكل بالشكل، وجعل سكون البعض إلى البعض، وذلك للأشباح والصور، والأرواح صحبت الأشباح كرها لا طوعا، وأما الأسرار فمعتقة، لا تساكن الأطلال، ولا تتدنس بالأغيار. ه. قلت: وكأنه يشير إلى أن المودة التي انعقدت بين الزوجين إنما هي نفسية، لا روحانية، ولا سرية إذ الروح والسر لا يتصور منها ميل إلى غير أسرار الذات العلية إذ محبة الحق، جذبتها عن الميل إلى شيء من السوى. واختلف الصوفية: هل تخل هذه المودة بين الزوجين يمحية الحق أم لا؟ فقال سهل رضي الله عنه: لا تضر الروح لقوله صلى الله عليه وسلم: " حبب إلي من دنياكم ثلاث... " فذكر النساء إذا كان على وجه الشفقة والرحمة، لا على غلبة الشهوة. وعلامة محبة الشفقة: أنه لا يتغير عند فقدها، ولا يحزن بفواتها. وهذا هو الصحيح. والله تعالى أعلم.

الروم 30:21

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على قدرته، الشاملة للبعث وغيره: أو: ومن علامات ربوبيته: { أن خلقكم } أي: أباكم { من تراب } لأن أصل الإنشاء منه، { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } أي: ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض، آدم وذريته. { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها } لأن حواء خلقت من ضلع آدم، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال. أو: من شكل أنفسكم وجنسها، لا من جنس آخر، وذلك لما بين الاثنين - إذ كانا من جنس واحد - من الألفة والمودة والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر. ويقال سكن إليه: إذا مال إليه. { وجعل بينكم مودة ورحمة } أي: جعل بينكم التوادد والتراحم بسبب الزواج. وعن الحسن: المودة كناية عن الجماع، والرحمة هي الولد. وقيل المودة للشابة الجميلة، والرحمة للعجوز، وقيل: المودة والرحمة من الله، والفرك من الشيطان - أي: البغض من الجانبين. { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } فيعلمون ما في ذلك من الحكم، وأن قوام الدنيا بوجود التناسل. الإشارة: أصل النشأة البشرية من الطين، وأصل الروح من نور رب العالمين. فإذا غلبت الطينة على الروح جذبتها إلى عالم الطين، فكان همها الطين، وهوت إلى أسفل سافلين، فلا تجد فكرتها وحديثها، في الغالب، إلا في عالم الحس، ويكون عملها كله عمل الجوارح، يفنى بفنائها. وإذا غلبت الروح على الطينة وذلك بدخول مقام الفناء، حتى تستولي المعاني على الحسيات. وتنخنس البشرية تحت سلطان أنوار الحقيقة، جذبتها إلى عالم الأنوار والأسرار، فلا تجد فكرتها إلا في أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وعملها كله قلبي وسري. بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، يبقى مع الروح ببقائها، يجري عليها بعد موت البشرية، ويبعث معها، كما تقدم في الحديث: " يموت المرء... " إلخ. قال القشيري: يقال: الأصل تربة، ولكن العبرة بالتربية لا بالتربة. ه. قلت: إذ بالتربية تغلب الروح على البشرية، ثم قال: اصطفى الكعبة، فهي خير من الجنة، مع أن الجنة جواهر ويواقيت، والكعبة حجر ومدر، أي: كذلك المؤمن الكامل، وإن كان أصله من الطين، فهو أفضل من كثير العوالم اللطيفة. ثم قال في قوله تعالى: { ومن آياته أن خلق لكم من انفسكم أزواجا } الآية: رد المثل إلى المثل، وربط الشكل بالشكل، وجعل سكون البعض إلى البعض، وذلك للأشباح والصور، والأرواح صحبت الأشباح كرها لا طوعا، وأما الأسرار فمعتقة، لا تساكن الأطلال، ولا تتدنس بالأغيار. ه. قلت: وكأنه يشير إلى أن المودة التي انعقدت بين الزوجين إنما هي نفسية، لا روحانية، ولا سرية إذ الروح والسر لا يتصور منها ميل إلى غير أسرار الذات العلية إذ محبة الحق، جذبتها عن الميل إلى شيء من السوى. واختلف الصوفية: هل تخل هذه المودة بين الزوجين يمحية الحق أم لا؟ فقال سهل رضي الله عنه: لا تضر الروح لقوله صلى الله عليه وسلم: " حبب إلي من دنياكم ثلاث... " فذكر النساء إذا كان على وجه الشفقة والرحمة، لا على غلبة الشهوة. وعلامة محبة الشفقة: أنه لا يتغير عند فقدها، ولا يحزن بفواتها. وهذا هو الصحيح. والله تعالى أعلم.

الروم 30:22

قلت: يريكم البرق: فيه وجهان، أحدهما: إضمار " أن " كما في حرف ابن مسعود، والثاني: تنزيل الفعل منزلة المصدر، كما قيل في قولهم، في المثل: " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ". أي: إن تسمع، أو: سماعك. وخوفا وطمعا: مفعولان له على حذف مضاف، أي: إرادة خوف، وإرادة طمع، أو: على الحال، أي: خائفين وطامعين. وإذا دعاكم: شرطية، وإذا، الثانية فجائية، نابت عن الفاء. ومن الأرض: يتعلق بدعاكم. يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على باهر قدرته { خلق السماوات والأرض }. قال القشيري: السموات في علوها. والأرض في دنوها، هذه بنجومها وكواكبها، وهذه بأقطارها ومناكبها، هذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومدرها، واختلاف لغات أهلها في الأرض، واختلاف تسبيح الملائكة - عليهم السلام - الذين هم سكان السماء. ه. { واختلاف ألسنتكم } باختلاف اللغات، وبأجناس النطق وأشكاله، { وألوانكم } ، كالسواد والبياض وغيرهما، حتى لا تكاد تجد شخصين متوافقين إلا وبينهما نوع تخالف في اللسان واللون، وباختلاف ذلك وقع التعارف والتمايز، فلو توافقت وتشاكلت لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت المصالح. وفي ذلك آية بينة، حيث ولدوا من أب واحد، وهم على كثرتهم متفاوتون. { إن في ذلك لآيات للعالمين } بفتح اللام وكسره. ويشهد للكسر قوله تعالى: وما يعقلهآ إلا العالمون [العنكبوت: 43]. قال القشيري: واختصاص كل شيء من هذه ببعض جائزات حكمها شاهد عدل، ودليل صدق، يناجي أفكار المستيقظين، وتنادي على أنفسها: أنها، بأجمعها، بتقدير العزيز العليم. ه. { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } ، أي منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، أو: منامكم في الزمانين، وابتغاؤكم من فضله فيهما، وهو حسن لأنه إذا طال النهار يقع النوم فيه، وإذا طال الليل يقع الابتغاء فيه. { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } سماع تدبر، بآذان واعية. قال القشيري: غلبة النوم لصاحبه من غير اختيار، وانتباهه بلا اكتساب، يدل على موته ثم بعثه، ثم في حال منامه يرى ما يسره وما يضره يدل على حاله في قبره. الله أعلم كيف حاله، في أمره، فيما يلقاه من خيره وشره. ه. { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا } ، أي: خوفا من الصواعق، وطمعا في الغيث، أو: خوفا للمسافر وطمعا للحاضر، { وينزل من السماء ماء } مطرا { فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }: يتفكرون بعقولهم. { ومن آياته أن تقوم السماء } بغير عمد { والأرض } على ماء جماد { بأمره } أي: بإقامته، أو تدبيره وقدرته. { ثم إذا دعاكم } للبعث { دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } من قبوركم. وسبك الآية: ومن آياته قيام السماوات والأرض، واستمساكها بغير عمد، ثم إذا دعاكم دعوة واحدة، يا أهل القبور، خرجتم بسرعة. وإنما عطف هذا بثم بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر، وإظهار اقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور، قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر، كقوله: ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون [الزمر:68]. تنبيه: عبر عن مودة الزوجين بيتكفرون لأن المودة قلبية، لا تدرك إلا بتفكر القلب، وعبر عن خلق السموات والأرض واختلاف الألسن والألوان بالعالمين لأن أمر ذلك يدركه كل أحد، ممن له عقل أو علم، وعبر عن النوم واليقظة بيسمعون لأن من كان في الغفلة لا يسمع أمثال هذه المواعظ، وإنما يسمعها من كان متيقظا، وعبر عن إظهار البرق، وإنزال المطر، وإحياء الأرض، بيعقلون لأن أمر البرق وما معه يبصره كل من له مسكة عن عقل سليم، ويعلم أنه من الله بلا واسطة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما نصبت هذه الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها، فما هذه الأكوان الحسية إلا تجليات من تجليات الحق، ومظاهر من مظاهره، وأنوار من أنوار ملكوته، متدفقة من بحر جبروته. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. لكن لا يعرف هذا إلا العارفون بالله، وأما غيرهم فحسبهم أن يستدلوا على عظمة خالقها، وباهر قدرته وحكمته، فيقوي إيمانهم ويشتد إيقانهم. قال في الإحياء: وبحر المعرفة لا ساحل له، والإحاطة بكنه جلال الله محال، وكلما كثرت المعرفة بالله سبحانه، وبأفعال مملكته، وأسرار مملكته، وقويت، كثر النعيم في الآخرة وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزعر وحسن، وقال أيضا، في كتاب شرح عجائب القلب: ويكون سعة ملك العبد في الجنة بحسب سعة معرفته بالله، وبحسب ما يتجلى له من عظمة الله سبحانه، ومن صفاته وأفعاله. ه. ومن آياته خلق سماوات أرواحكم، وأرض نفوسكم، لتقوم الأرواح بشهود عظمة الربوبية، والنفوس بآداب العبودية، واختلاف ألسنتكم فبعضها لا تتكلم إلا في الفرق، وبعضها إلا في الجمع. وألوانكم بعضها طهر فيها سيما العارفين وبهجة المحبين وبعضها لم يظهر عليها شيء من ذلك. ومن آياته منامكم في ليل الغفلة والبطالة، وقت غفلتكم، وابتغاؤكم من فضله بزيادة معرفته وقت يقظتكم. ومن آياته يريكم البرق، أي: يلمع عليكم أسرار المعاني، ثم تخفى عند الاستشراف على بحر الحقيقة، خوفا من الاصطلام والرجوع، وطمعا في الوصول والتمكين. ومن آياته أن تقوم الأشياء به وبأسرار ذاته، ثم إذا دعاكم دعوة من أرض القطيعة إذا أنتم تخرجون، فتعرجون بأرواحكم إلى سماء وصلته وتمكن معرفته. والله تعالى أعلم. ثم برهن على كمال ملكه وعظمته، فقال: { وله من في السماوات... }

الروم 30:23

قلت: يريكم البرق: فيه وجهان، أحدهما: إضمار " أن " كما في حرف ابن مسعود، والثاني: تنزيل الفعل منزلة المصدر، كما قيل في قولهم، في المثل: " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ". أي: إن تسمع، أو: سماعك. وخوفا وطمعا: مفعولان له على حذف مضاف، أي: إرادة خوف، وإرادة طمع، أو: على الحال، أي: خائفين وطامعين. وإذا دعاكم: شرطية، وإذا، الثانية فجائية، نابت عن الفاء. ومن الأرض: يتعلق بدعاكم. يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على باهر قدرته { خلق السماوات والأرض }. قال القشيري: السموات في علوها. والأرض في دنوها، هذه بنجومها وكواكبها، وهذه بأقطارها ومناكبها، هذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومدرها، واختلاف لغات أهلها في الأرض، واختلاف تسبيح الملائكة - عليهم السلام - الذين هم سكان السماء. ه. { واختلاف ألسنتكم } باختلاف اللغات، وبأجناس النطق وأشكاله، { وألوانكم } ، كالسواد والبياض وغيرهما، حتى لا تكاد تجد شخصين متوافقين إلا وبينهما نوع تخالف في اللسان واللون، وباختلاف ذلك وقع التعارف والتمايز، فلو توافقت وتشاكلت لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت المصالح. وفي ذلك آية بينة، حيث ولدوا من أب واحد، وهم على كثرتهم متفاوتون. { إن في ذلك لآيات للعالمين } بفتح اللام وكسره. ويشهد للكسر قوله تعالى: وما يعقلهآ إلا العالمون [العنكبوت: 43]. قال القشيري: واختصاص كل شيء من هذه ببعض جائزات حكمها شاهد عدل، ودليل صدق، يناجي أفكار المستيقظين، وتنادي على أنفسها: أنها، بأجمعها، بتقدير العزيز العليم. ه. { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } ، أي منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، أو: منامكم في الزمانين، وابتغاؤكم من فضله فيهما، وهو حسن لأنه إذا طال النهار يقع النوم فيه، وإذا طال الليل يقع الابتغاء فيه. { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } سماع تدبر، بآذان واعية. قال القشيري: غلبة النوم لصاحبه من غير اختيار، وانتباهه بلا اكتساب، يدل على موته ثم بعثه، ثم في حال منامه يرى ما يسره وما يضره يدل على حاله في قبره. الله أعلم كيف حاله، في أمره، فيما يلقاه من خيره وشره. ه. { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا } ، أي: خوفا من الصواعق، وطمعا في الغيث، أو: خوفا للمسافر وطمعا للحاضر، { وينزل من السماء ماء } مطرا { فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }: يتفكرون بعقولهم. { ومن آياته أن تقوم السماء } بغير عمد { والأرض } على ماء جماد { بأمره } أي: بإقامته، أو تدبيره وقدرته. { ثم إذا دعاكم } للبعث { دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } من قبوركم. وسبك الآية: ومن آياته قيام السماوات والأرض، واستمساكها بغير عمد، ثم إذا دعاكم دعوة واحدة، يا أهل القبور، خرجتم بسرعة. وإنما عطف هذا بثم بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر، وإظهار اقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور، قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر، كقوله: ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون [الزمر:68]. تنبيه: عبر عن مودة الزوجين بيتكفرون لأن المودة قلبية، لا تدرك إلا بتفكر القلب، وعبر عن خلق السموات والأرض واختلاف الألسن والألوان بالعالمين لأن أمر ذلك يدركه كل أحد، ممن له عقل أو علم، وعبر عن النوم واليقظة بيسمعون لأن من كان في الغفلة لا يسمع أمثال هذه المواعظ، وإنما يسمعها من كان متيقظا، وعبر عن إظهار البرق، وإنزال المطر، وإحياء الأرض، بيعقلون لأن أمر البرق وما معه يبصره كل من له مسكة عن عقل سليم، ويعلم أنه من الله بلا واسطة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما نصبت هذه الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها، فما هذه الأكوان الحسية إلا تجليات من تجليات الحق، ومظاهر من مظاهره، وأنوار من أنوار ملكوته، متدفقة من بحر جبروته. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. لكن لا يعرف هذا إلا العارفون بالله، وأما غيرهم فحسبهم أن يستدلوا على عظمة خالقها، وباهر قدرته وحكمته، فيقوي إيمانهم ويشتد إيقانهم. قال في الإحياء: وبحر المعرفة لا ساحل له، والإحاطة بكنه جلال الله محال، وكلما كثرت المعرفة بالله سبحانه، وبأفعال مملكته، وأسرار مملكته، وقويت، كثر النعيم في الآخرة وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزعر وحسن، وقال أيضا، في كتاب شرح عجائب القلب: ويكون سعة ملك العبد في الجنة بحسب سعة معرفته بالله، وبحسب ما يتجلى له من عظمة الله سبحانه، ومن صفاته وأفعاله. ه. ومن آياته خلق سماوات أرواحكم، وأرض نفوسكم، لتقوم الأرواح بشهود عظمة الربوبية، والنفوس بآداب العبودية، واختلاف ألسنتكم فبعضها لا تتكلم إلا في الفرق، وبعضها إلا في الجمع. وألوانكم بعضها طهر فيها سيما العارفين وبهجة المحبين وبعضها لم يظهر عليها شيء من ذلك. ومن آياته منامكم في ليل الغفلة والبطالة، وقت غفلتكم، وابتغاؤكم من فضله بزيادة معرفته وقت يقظتكم. ومن آياته يريكم البرق، أي: يلمع عليكم أسرار المعاني، ثم تخفى عند الاستشراف على بحر الحقيقة، خوفا من الاصطلام والرجوع، وطمعا في الوصول والتمكين. ومن آياته أن تقوم الأشياء به وبأسرار ذاته، ثم إذا دعاكم دعوة من أرض القطيعة إذا أنتم تخرجون، فتعرجون بأرواحكم إلى سماء وصلته وتمكن معرفته. والله تعالى أعلم. ثم برهن على كمال ملكه وعظمته، فقال: { وله من في السماوات... }

الروم 30:24

قلت: يريكم البرق: فيه وجهان، أحدهما: إضمار " أن " كما في حرف ابن مسعود، والثاني: تنزيل الفعل منزلة المصدر، كما قيل في قولهم، في المثل: " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ". أي: إن تسمع، أو: سماعك. وخوفا وطمعا: مفعولان له على حذف مضاف، أي: إرادة خوف، وإرادة طمع، أو: على الحال، أي: خائفين وطامعين. وإذا دعاكم: شرطية، وإذا، الثانية فجائية، نابت عن الفاء. ومن الأرض: يتعلق بدعاكم. يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على باهر قدرته { خلق السماوات والأرض }. قال القشيري: السموات في علوها. والأرض في دنوها، هذه بنجومها وكواكبها، وهذه بأقطارها ومناكبها، هذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومدرها، واختلاف لغات أهلها في الأرض، واختلاف تسبيح الملائكة - عليهم السلام - الذين هم سكان السماء. ه. { واختلاف ألسنتكم } باختلاف اللغات، وبأجناس النطق وأشكاله، { وألوانكم } ، كالسواد والبياض وغيرهما، حتى لا تكاد تجد شخصين متوافقين إلا وبينهما نوع تخالف في اللسان واللون، وباختلاف ذلك وقع التعارف والتمايز، فلو توافقت وتشاكلت لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت المصالح. وفي ذلك آية بينة، حيث ولدوا من أب واحد، وهم على كثرتهم متفاوتون. { إن في ذلك لآيات للعالمين } بفتح اللام وكسره. ويشهد للكسر قوله تعالى: وما يعقلهآ إلا العالمون [العنكبوت: 43]. قال القشيري: واختصاص كل شيء من هذه ببعض جائزات حكمها شاهد عدل، ودليل صدق، يناجي أفكار المستيقظين، وتنادي على أنفسها: أنها، بأجمعها، بتقدير العزيز العليم. ه. { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } ، أي منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، أو: منامكم في الزمانين، وابتغاؤكم من فضله فيهما، وهو حسن لأنه إذا طال النهار يقع النوم فيه، وإذا طال الليل يقع الابتغاء فيه. { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } سماع تدبر، بآذان واعية. قال القشيري: غلبة النوم لصاحبه من غير اختيار، وانتباهه بلا اكتساب، يدل على موته ثم بعثه، ثم في حال منامه يرى ما يسره وما يضره يدل على حاله في قبره. الله أعلم كيف حاله، في أمره، فيما يلقاه من خيره وشره. ه. { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا } ، أي: خوفا من الصواعق، وطمعا في الغيث، أو: خوفا للمسافر وطمعا للحاضر، { وينزل من السماء ماء } مطرا { فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }: يتفكرون بعقولهم. { ومن آياته أن تقوم السماء } بغير عمد { والأرض } على ماء جماد { بأمره } أي: بإقامته، أو تدبيره وقدرته. { ثم إذا دعاكم } للبعث { دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } من قبوركم. وسبك الآية: ومن آياته قيام السماوات والأرض، واستمساكها بغير عمد، ثم إذا دعاكم دعوة واحدة، يا أهل القبور، خرجتم بسرعة. وإنما عطف هذا بثم بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر، وإظهار اقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور، قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر، كقوله: ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون [الزمر:68]. تنبيه: عبر عن مودة الزوجين بيتكفرون لأن المودة قلبية، لا تدرك إلا بتفكر القلب، وعبر عن خلق السموات والأرض واختلاف الألسن والألوان بالعالمين لأن أمر ذلك يدركه كل أحد، ممن له عقل أو علم، وعبر عن النوم واليقظة بيسمعون لأن من كان في الغفلة لا يسمع أمثال هذه المواعظ، وإنما يسمعها من كان متيقظا، وعبر عن إظهار البرق، وإنزال المطر، وإحياء الأرض، بيعقلون لأن أمر البرق وما معه يبصره كل من له مسكة عن عقل سليم، ويعلم أنه من الله بلا واسطة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما نصبت هذه الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها، فما هذه الأكوان الحسية إلا تجليات من تجليات الحق، ومظاهر من مظاهره، وأنوار من أنوار ملكوته، متدفقة من بحر جبروته. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. لكن لا يعرف هذا إلا العارفون بالله، وأما غيرهم فحسبهم أن يستدلوا على عظمة خالقها، وباهر قدرته وحكمته، فيقوي إيمانهم ويشتد إيقانهم. قال في الإحياء: وبحر المعرفة لا ساحل له، والإحاطة بكنه جلال الله محال، وكلما كثرت المعرفة بالله سبحانه، وبأفعال مملكته، وأسرار مملكته، وقويت، كثر النعيم في الآخرة وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزعر وحسن، وقال أيضا، في كتاب شرح عجائب القلب: ويكون سعة ملك العبد في الجنة بحسب سعة معرفته بالله، وبحسب ما يتجلى له من عظمة الله سبحانه، ومن صفاته وأفعاله. ه. ومن آياته خلق سماوات أرواحكم، وأرض نفوسكم، لتقوم الأرواح بشهود عظمة الربوبية، والنفوس بآداب العبودية، واختلاف ألسنتكم فبعضها لا تتكلم إلا في الفرق، وبعضها إلا في الجمع. وألوانكم بعضها طهر فيها سيما العارفين وبهجة المحبين وبعضها لم يظهر عليها شيء من ذلك. ومن آياته منامكم في ليل الغفلة والبطالة، وقت غفلتكم، وابتغاؤكم من فضله بزيادة معرفته وقت يقظتكم. ومن آياته يريكم البرق، أي: يلمع عليكم أسرار المعاني، ثم تخفى عند الاستشراف على بحر الحقيقة، خوفا من الاصطلام والرجوع، وطمعا في الوصول والتمكين. ومن آياته أن تقوم الأشياء به وبأسرار ذاته، ثم إذا دعاكم دعوة من أرض القطيعة إذا أنتم تخرجون، فتعرجون بأرواحكم إلى سماء وصلته وتمكن معرفته. والله تعالى أعلم. ثم برهن على كمال ملكه وعظمته، فقال: { وله من في السماوات... }

الروم 30:25

قلت: يريكم البرق: فيه وجهان، أحدهما: إضمار " أن " كما في حرف ابن مسعود، والثاني: تنزيل الفعل منزلة المصدر، كما قيل في قولهم، في المثل: " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ". أي: إن تسمع، أو: سماعك. وخوفا وطمعا: مفعولان له على حذف مضاف، أي: إرادة خوف، وإرادة طمع، أو: على الحال، أي: خائفين وطامعين. وإذا دعاكم: شرطية، وإذا، الثانية فجائية، نابت عن الفاء. ومن الأرض: يتعلق بدعاكم. يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على باهر قدرته { خلق السماوات والأرض }. قال القشيري: السموات في علوها. والأرض في دنوها، هذه بنجومها وكواكبها، وهذه بأقطارها ومناكبها، هذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومدرها، واختلاف لغات أهلها في الأرض، واختلاف تسبيح الملائكة - عليهم السلام - الذين هم سكان السماء. ه. { واختلاف ألسنتكم } باختلاف اللغات، وبأجناس النطق وأشكاله، { وألوانكم } ، كالسواد والبياض وغيرهما، حتى لا تكاد تجد شخصين متوافقين إلا وبينهما نوع تخالف في اللسان واللون، وباختلاف ذلك وقع التعارف والتمايز، فلو توافقت وتشاكلت لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت المصالح. وفي ذلك آية بينة، حيث ولدوا من أب واحد، وهم على كثرتهم متفاوتون. { إن في ذلك لآيات للعالمين } بفتح اللام وكسره. ويشهد للكسر قوله تعالى: وما يعقلهآ إلا العالمون [العنكبوت: 43]. قال القشيري: واختصاص كل شيء من هذه ببعض جائزات حكمها شاهد عدل، ودليل صدق، يناجي أفكار المستيقظين، وتنادي على أنفسها: أنها، بأجمعها، بتقدير العزيز العليم. ه. { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } ، أي منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، أو: منامكم في الزمانين، وابتغاؤكم من فضله فيهما، وهو حسن لأنه إذا طال النهار يقع النوم فيه، وإذا طال الليل يقع الابتغاء فيه. { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } سماع تدبر، بآذان واعية. قال القشيري: غلبة النوم لصاحبه من غير اختيار، وانتباهه بلا اكتساب، يدل على موته ثم بعثه، ثم في حال منامه يرى ما يسره وما يضره يدل على حاله في قبره. الله أعلم كيف حاله، في أمره، فيما يلقاه من خيره وشره. ه. { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا } ، أي: خوفا من الصواعق، وطمعا في الغيث، أو: خوفا للمسافر وطمعا للحاضر، { وينزل من السماء ماء } مطرا { فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }: يتفكرون بعقولهم. { ومن آياته أن تقوم السماء } بغير عمد { والأرض } على ماء جماد { بأمره } أي: بإقامته، أو تدبيره وقدرته. { ثم إذا دعاكم } للبعث { دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } من قبوركم. وسبك الآية: ومن آياته قيام السماوات والأرض، واستمساكها بغير عمد، ثم إذا دعاكم دعوة واحدة، يا أهل القبور، خرجتم بسرعة. وإنما عطف هذا بثم بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر، وإظهار اقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور، قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر، كقوله: ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون [الزمر:68]. تنبيه: عبر عن مودة الزوجين بيتكفرون لأن المودة قلبية، لا تدرك إلا بتفكر القلب، وعبر عن خلق السموات والأرض واختلاف الألسن والألوان بالعالمين لأن أمر ذلك يدركه كل أحد، ممن له عقل أو علم، وعبر عن النوم واليقظة بيسمعون لأن من كان في الغفلة لا يسمع أمثال هذه المواعظ، وإنما يسمعها من كان متيقظا، وعبر عن إظهار البرق، وإنزال المطر، وإحياء الأرض، بيعقلون لأن أمر البرق وما معه يبصره كل من له مسكة عن عقل سليم، ويعلم أنه من الله بلا واسطة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما نصبت هذه الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها، فما هذه الأكوان الحسية إلا تجليات من تجليات الحق، ومظاهر من مظاهره، وأنوار من أنوار ملكوته، متدفقة من بحر جبروته. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. لكن لا يعرف هذا إلا العارفون بالله، وأما غيرهم فحسبهم أن يستدلوا على عظمة خالقها، وباهر قدرته وحكمته، فيقوي إيمانهم ويشتد إيقانهم. قال في الإحياء: وبحر المعرفة لا ساحل له، والإحاطة بكنه جلال الله محال، وكلما كثرت المعرفة بالله سبحانه، وبأفعال مملكته، وأسرار مملكته، وقويت، كثر النعيم في الآخرة وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزعر وحسن، وقال أيضا، في كتاب شرح عجائب القلب: ويكون سعة ملك العبد في الجنة بحسب سعة معرفته بالله، وبحسب ما يتجلى له من عظمة الله سبحانه، ومن صفاته وأفعاله. ه. ومن آياته خلق سماوات أرواحكم، وأرض نفوسكم، لتقوم الأرواح بشهود عظمة الربوبية، والنفوس بآداب العبودية، واختلاف ألسنتكم فبعضها لا تتكلم إلا في الفرق، وبعضها إلا في الجمع. وألوانكم بعضها طهر فيها سيما العارفين وبهجة المحبين وبعضها لم يظهر عليها شيء من ذلك. ومن آياته منامكم في ليل الغفلة والبطالة، وقت غفلتكم، وابتغاؤكم من فضله بزيادة معرفته وقت يقظتكم. ومن آياته يريكم البرق، أي: يلمع عليكم أسرار المعاني، ثم تخفى عند الاستشراف على بحر الحقيقة، خوفا من الاصطلام والرجوع، وطمعا في الوصول والتمكين. ومن آياته أن تقوم الأشياء به وبأسرار ذاته، ثم إذا دعاكم دعوة من أرض القطيعة إذا أنتم تخرجون، فتعرجون بأرواحكم إلى سماء وصلته وتمكن معرفته. والله تعالى أعلم. ثم برهن على كمال ملكه وعظمته، فقال: { وله من في السماوات... }

الروم 30:26

يقول الحق جل جلاله: { وله من في السماوات والأرض } ملكا وملكا، { كل له قانتون } أي: مطيعون، كل لما أراد، لا يستطيع التغير عن ذلك. أو مقرون بالعبودية، أو: قائمون بالشهادة على وحدانيته. { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } أي: ينشئهم ثم يعيدهم للبعث، { وهو } أي: البعث { أهون } أيسر { عليه } عندكم لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء، فلم أنكرتم الإعادة، مع إقراركم بأن الإنشاء منه تعالى؟ وقال الزجاج وغيره: أهون بمعنى " هين " كقوله: وكان ذلك على الله يسيرا [النساء: 30]، كما قالوا: أكبر، بمعنى كبير. والإعادة في نفسها عظيمة ولكنها هونت بالقياس إلى الإنشاء إذ هو أهون عند الخلق من الإنشاء لأن قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، إلى تكميل خلقهم. قاله النسفي. { وله المثل الأعلى في السماوات والأرض } أي: الوصف الأعلى، الذي ليس لغيره، وقد عرف به، ووصف في السموات والأرض، على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة، وغيرهما من المقدورات، { وهو العزيز } أي: القاهر لكل مقدور، { الحكيم } الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه. وعن ابن عباس: المثل الأعلى هو: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11]. وعن مجاهد: هو قول: " لا إله إلا الله ". ومعناه: وله الوصف الأرفع، وهو اختصاصه بالألوهية في العالم العلوي والسفلي، ويعضده: ما بعده من ضرب المثل. والله تعالى أعلم. الإشارة: الاشياء كلها، من عرشها إلى فرشها، حيها وجامدها، قانتة وساجدة لله تعالى، من حيث حسها الذي هو مقر العبودية، وغنية عن السجود من حيث معناها لأنها من أسرار الربوبية. فالعبد، من حيث حسها الذي هو مقر العبودية، وغنية عن السجود من حيث معناها لأنها من أسرار الربوبية. فالعبد، من حيث فرقه، عبد خاضع، ومن حيث جمعه: حر مطاع. قال القشيري: قوله: { وهو أهون عليه } أي: في ظنكم وتقديركم. وفي الحقيقة السهولة والوعورة على الحق لا تجوز. { وله المثل الأعلى } والصفات العلى في الوجود بحق القدم، وفي وجوده - أي: للأشياء - بنعت الكرم، وفي القدرة بوصف الشمول، وفي النظرة بوصف الكمال، وفي العلم بعموم التعلق، وفي الحكم بوجود التحقق، وفي المشيئة بوصف البلوغ، وفي القضية بحكم النفوذ، وفي الجبروت بعين العز والجلال، وفي الملكوت بنعت الجد والكمال. ه. قلت: والحاصل ان المثل الأعلى يرجع إلى كمال ذاته، تعالى، وصفاته وأفعاله. ثم ضرب مثلا لقبح الشرك، بعد بيان علو شأنه، فقال: { ضرب لكم مثلا من أنفسكم... }

الروم 30:27

يقول الحق جل جلاله: { وله من في السماوات والأرض } ملكا وملكا، { كل له قانتون } أي: مطيعون، كل لما أراد، لا يستطيع التغير عن ذلك. أو مقرون بالعبودية، أو: قائمون بالشهادة على وحدانيته. { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } أي: ينشئهم ثم يعيدهم للبعث، { وهو } أي: البعث { أهون } أيسر { عليه } عندكم لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء، فلم أنكرتم الإعادة، مع إقراركم بأن الإنشاء منه تعالى؟ وقال الزجاج وغيره: أهون بمعنى " هين " كقوله: وكان ذلك على الله يسيرا [النساء: 30]، كما قالوا: أكبر، بمعنى كبير. والإعادة في نفسها عظيمة ولكنها هونت بالقياس إلى الإنشاء إذ هو أهون عند الخلق من الإنشاء لأن قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، إلى تكميل خلقهم. قاله النسفي. { وله المثل الأعلى في السماوات والأرض } أي: الوصف الأعلى، الذي ليس لغيره، وقد عرف به، ووصف في السموات والأرض، على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة، وغيرهما من المقدورات، { وهو العزيز } أي: القاهر لكل مقدور، { الحكيم } الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه. وعن ابن عباس: المثل الأعلى هو: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11]. وعن مجاهد: هو قول: " لا إله إلا الله ". ومعناه: وله الوصف الأرفع، وهو اختصاصه بالألوهية في العالم العلوي والسفلي، ويعضده: ما بعده من ضرب المثل. والله تعالى أعلم. الإشارة: الاشياء كلها، من عرشها إلى فرشها، حيها وجامدها، قانتة وساجدة لله تعالى، من حيث حسها الذي هو مقر العبودية، وغنية عن السجود من حيث معناها لأنها من أسرار الربوبية. فالعبد، من حيث حسها الذي هو مقر العبودية، وغنية عن السجود من حيث معناها لأنها من أسرار الربوبية. فالعبد، من حيث فرقه، عبد خاضع، ومن حيث جمعه: حر مطاع. قال القشيري: قوله: { وهو أهون عليه } أي: في ظنكم وتقديركم. وفي الحقيقة السهولة والوعورة على الحق لا تجوز. { وله المثل الأعلى } والصفات العلى في الوجود بحق القدم، وفي وجوده - أي: للأشياء - بنعت الكرم، وفي القدرة بوصف الشمول، وفي النظرة بوصف الكمال، وفي العلم بعموم التعلق، وفي الحكم بوجود التحقق، وفي المشيئة بوصف البلوغ، وفي القضية بحكم النفوذ، وفي الجبروت بعين العز والجلال، وفي الملكوت بنعت الجد والكمال. ه. قلت: والحاصل ان المثل الأعلى يرجع إلى كمال ذاته، تعالى، وصفاته وأفعاله. ثم ضرب مثلا لقبح الشرك، بعد بيان علو شأنه، فقال: { ضرب لكم مثلا من أنفسكم... }

الروم 30:28

يقول الحق جل جلاله: { ضرب لكم مثلا } لقبح الشرك وبشاعته، منتزعا { من أنفسكم } التي هي أقرب شيء إليكم، وهو: { هل لكم } ، معاشر الأحرار، { مما ملكت أيمانكم } اي من عبيدكم { من شركاء فيما رزقناكم } من الأموال وغيرها. فمن، الأولى: للابتداء، والثانية: للتبعيض، والثالثة: مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. والمعنى: هل لكم، من بعض عبيدكم، شرك فيما رزقناكم، اي: هل ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم، فيما رزقناكم؟ { فأنتم فيه سواء } فتكونون أنتم وهم، فيما رزقناكم من الأموال، سواء يتصرفون فيه كتصرفكم، ويحكمون فيه كحكمكم، مع أنهم بشر مثلكم، حال كونكم { تخافونهم } أي: يستبدوا بالتصرف فيه، { كخيفتكم أنفسكم } أي: كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض - فيما هو مشترك بينهم - أن يستبد فيه بالتصرف دونه. أو: تخافونهم أن يقاسموكم تلك الأموال، أو: يرثونها بعدكم، كما تخافون ذلك من بعضكم، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فكيف ترضونه لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد، أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء في استحقاق العبادة؟! { كذلك } ، أي: مثل هذا التفصيل البديع، { نفصل الآيات } بينهما لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها { لقوم يعقلون } يتدبرون في ضرب الأمثال، ويعرفون حكمها وأسرارها، فلما لم ينزجروا أضرب عنهم، فقال: { بل اتبع الذين ظلموا } أنفسهم بالشرك { أهواءهم بغير علم } ، أي: تبعوا أهواءهم، جاهلين، ولو كان لهم علم لرجي أن يزجرهم، { فمن يهدي من أضل الله }؟ اي: لا هادي له قط، { وما لهم من ناصرين } يمنعونهم من العذاب، أو: يحفظونهم من الضلالة، أو: من الإقامة فيها. الإشارة: ما قيل في الشرك الجلي يجري مثله في الشرك الخفي فأن الحق تعالى غيور، لا يحب العمل المشترك، ولا القلب المشترك. العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه، وأنشدوا: لي محبوب إنما هو غيور يطل في القلب كطير حذور إذا رأى شيئا امتنع أن يزور فكما أنك لا ترضى من عبدك أن يحب غيرك، ويخضع له، كذلك الحق تعالى، لا يرضى منك أن تميل لغيره. قال القشيري. قوله: { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم }: أشد الظلم متابعة الهوى لأنه قريب من الشرك. قال الله تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [ الجاثية: 23]، ومن اتبع هواه خالف رضا مولاه، فهو، بوضع الشيء في غير موضعه، صار ظالما، كما أن العاصي، بوضع المعصية في موضع الطاعة، صار ظالما، كذلك بمتابعة هواه، بدلا عن موافقة ومتابعة رضا مولاه، صار في الظلم متماديا. ه. ثم أمر بالتوحيد الخالص المقصود من ضرب المثل، فقال: { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت... }

الروم 30:29

يقول الحق جل جلاله: { ضرب لكم مثلا } لقبح الشرك وبشاعته، منتزعا { من أنفسكم } التي هي أقرب شيء إليكم، وهو: { هل لكم } ، معاشر الأحرار، { مما ملكت أيمانكم } اي من عبيدكم { من شركاء فيما رزقناكم } من الأموال وغيرها. فمن، الأولى: للابتداء، والثانية: للتبعيض، والثالثة: مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. والمعنى: هل لكم، من بعض عبيدكم، شرك فيما رزقناكم، اي: هل ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم، فيما رزقناكم؟ { فأنتم فيه سواء } فتكونون أنتم وهم، فيما رزقناكم من الأموال، سواء يتصرفون فيه كتصرفكم، ويحكمون فيه كحكمكم، مع أنهم بشر مثلكم، حال كونكم { تخافونهم } أي: يستبدوا بالتصرف فيه، { كخيفتكم أنفسكم } أي: كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض - فيما هو مشترك بينهم - أن يستبد فيه بالتصرف دونه. أو: تخافونهم أن يقاسموكم تلك الأموال، أو: يرثونها بعدكم، كما تخافون ذلك من بعضكم، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فكيف ترضونه لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد، أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء في استحقاق العبادة؟! { كذلك } ، أي: مثل هذا التفصيل البديع، { نفصل الآيات } بينهما لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها { لقوم يعقلون } يتدبرون في ضرب الأمثال، ويعرفون حكمها وأسرارها، فلما لم ينزجروا أضرب عنهم، فقال: { بل اتبع الذين ظلموا } أنفسهم بالشرك { أهواءهم بغير علم } ، أي: تبعوا أهواءهم، جاهلين، ولو كان لهم علم لرجي أن يزجرهم، { فمن يهدي من أضل الله }؟ اي: لا هادي له قط، { وما لهم من ناصرين } يمنعونهم من العذاب، أو: يحفظونهم من الضلالة، أو: من الإقامة فيها. الإشارة: ما قيل في الشرك الجلي يجري مثله في الشرك الخفي فأن الحق تعالى غيور، لا يحب العمل المشترك، ولا القلب المشترك. العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه، وأنشدوا: لي محبوب إنما هو غيور يطل في القلب كطير حذور إذا رأى شيئا امتنع أن يزور فكما أنك لا ترضى من عبدك أن يحب غيرك، ويخضع له، كذلك الحق تعالى، لا يرضى منك أن تميل لغيره. قال القشيري. قوله: { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم }: أشد الظلم متابعة الهوى لأنه قريب من الشرك. قال الله تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [ الجاثية: 23]، ومن اتبع هواه خالف رضا مولاه، فهو، بوضع الشيء في غير موضعه، صار ظالما، كما أن العاصي، بوضع المعصية في موضع الطاعة، صار ظالما، كذلك بمتابعة هواه، بدلا عن موافقة ومتابعة رضا مولاه، صار في الظلم متماديا. ه. ثم أمر بالتوحيد الخالص المقصود من ضرب المثل، فقال: { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت... }

الروم 30:30

قلت: حنيفا: حال من الدين، أو: من المأمور، وهو ضمير أقم، وفطرة: منصوب على الإغراء. يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم، أو: لكل سامع: { فأقم وجهك للدين } أي: قوم وجهك له، غير ملتفت عنه يمينا ولا شمالا. وهو تمثيل لإقباله على الدين بكليته، واستقامته عليه، واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء توجه إليه بوجهه، وسدد إليه نظره، { حنيفا } أي: مائلا عن كل ما سواه من الأديان، { فطرت الله } أي: الزموا فطرة الله. والفطرة: الخلقة: ألا ترى إلى قوله: { لا تبديل لخلق الله }؟ فالأرواح، حين تركيبها في الأشباح، كانت قابلة للتوحيد، مهيأة له، بل عالمة به، بدليل إقرارها به في عالم الذر، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن غوى فإنما غوى منهم بإغواء شياطين الإنس والجن. وفي حديث قدسي: " كل عبادي خلقت حنيفا، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري " وفي الصحيح: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " قال الزجاج: معناه: أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به، على ما جاء في الحديث: " إن الله عز وجل أخرج من صلب آدم ذريته كالذر، وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم، فقالوا: بلى " ،وكل مولود فهو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى ربها وخالقها. ه. قال ابن عطية: الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة: أنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل، التي هي مهيئة لمعرفة الله والإيمان به، الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرض لهم العوارض على حسب ما جرى به القدر، ولا يلزم من الإعداد وجعله على حالة قابلة للتوحيد ألا يساعده القدر، كما في قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: خلقهم معدين لذلك، فأمر من ساعده القدر، وصرف عن ذلك من لم يوفق لما خلق له. ه. فقوله في الحديث: " كل مولود يولد على الفطرة " أي: على القابلية والصلاحية للتوحيد، ثم منهم من يتمحض لذلك، كما سبق في القدر، ومنهم من لم يوفق لذلك، بل يخذل ويصرف عنه لما سبق عليه من الشقاء. وقال في المشارق: أي: يخلق سالما من الكفر، متهيئا لقبول الصلاح والهدى، ثم أبواه يحملانه، بعد، على ما سبق له في الكتاب. ه. قال ابن عطية: وذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. ثم قال: وقد فطر الله الخلق على الاعتراف بربوبيته، ومن لازم ذلك توحيده، وإن لم يوفقوا لذلك كلهم، بل وحده بعضهم، وأشرك بعضهم، مع اتفاق الكل على ربوبيته ضرورة أن الكل يشعر بقاهر له مدبر. قال في الحاشية: والحاصل: أنه تعالى فطر الكل في ابتداء النشأة، على الاعتراف بربوبيته، ولكن كتب منهم السعداء موحدين، وكتب الأشقياء مشركين، مع اعتراف الجميع بربوبيته، ولم يوفق الأشقياء لكون الربوبية تستلزم الوحدانية، فأشركوا، فناقضوا لازم قولهم. ه. وهذا معنى قوله تعالى: { التي فطر الناس عليها } ، أي: خلقهم في أصل نشأتم عليها، { لا تبديل لخلق الله } أي: ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير. وقال الزجاج: معناه: لا تبديل لدين الله، ويدل على قوله: { ذلك الدين القيم } أي: المستقيم، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } حقيقة ذلك. حال كونكم. { منيبين إليه } أي: راجعين إليه، فهو حال من ضمير: الزموا. وقوله: { واتقوه وأقيموا الصلاة }: عطف على الزموا. أو: على فأقم لأن الأمر له - عليه الصلاة والسلام - أمر لأمته، فكأنه قال: فأقيموا وجوهكم، منيبين إليه، { واتقوه } أي: خافوا عقوبته، { وأقيموا الصلاة } أي: أتقنوها وأدوها في وقتها، { ولا تكونوا من المشركين } ممن يشرك به غيره في العبادة. { من الذين فرقوا دينهم }: بدل من " المشركين " بإعادة الجار، أي: لا تكونوا من الذين جعلوا دينهم أديانا مختلفة باختلاف ما يعبدونه لاختلاف أهوائهم. وقرأ الأخوان: فارقوا أي: تركوا دين الإسلام الذي أمروا به، { وكانوا شيعا } أي: فرقا، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها، أي: تشيعه، وتقوي سواده، { كل حزب } منهم { بما لديهم فرحون } مسرورون، ظنا بأنه الحق، ثم يبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. والعياذ بالله. الإشارة: الفطرة التي فطر الله الأرواح عليها في معرفة العيان، لأنها كلها كانت عارفة بالله، لصفائها ولطافتها، فما عاقها عن تلك المعرفة إلا كثافة الأبدان، والاشتغال بحظوظها وهواها، حتى نسيت تلك المعرفة. وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه: ولم تزل كل نفوس الأحيا لأمة دراكة للأشيا وإنما تعوقها الأبدان والأنفس النزع والشيطان فكل من أذاقهم جهاده أظهر للقاعد خرق العاده قال بعضهم: إنما حجب الله عنها تلك العلوم غيرة أن تكشف سر الربوبية، فيظهر لغير أهله، قال القشيري: { فأقم وجهك } أي: أخلص قصدك إلى الله، واحفظ عهدك معه، وأفرد عملك، في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك، له. { حنيفا } أي: مستقيما في دينه، مائلا عن غيره، معرضا عن سواه. والزم فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم ذكر ما تقدم لنا. ثم قال: { منيبين إليه } راجعين إلى الله بالكلية، من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفائه، منحرفين بكل وجه عن خلافه، متقين صغير الإثم وكبيره، وقليله وكثيره، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها جهرا، متحققين بمرعاة فضلها سرا. وقال في قوله تعالى: { من الذين فرقوا دينهم }: أقاموا في دنياهم في دار الغفلة، وعناد الجهل والفترة، فركنوا إلى ظنونهم، واستوطنوا مركب أوهامهم، وثملوا بسكر غيهم، وظنوا أنهم على شيء، فإذا انكشف ضباب وقتهم، وانقشع سحاب هجرهم، انقلب فرحهم ترحا، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة، ولم يعرجوا إلا في أوطان الجهالة. ه. ثم ذكر حال أهل الغفلة، فقال: { وإذا مس الناس... }

الروم 30:31

قلت: حنيفا: حال من الدين، أو: من المأمور، وهو ضمير أقم، وفطرة: منصوب على الإغراء. يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم، أو: لكل سامع: { فأقم وجهك للدين } أي: قوم وجهك له، غير ملتفت عنه يمينا ولا شمالا. وهو تمثيل لإقباله على الدين بكليته، واستقامته عليه، واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء توجه إليه بوجهه، وسدد إليه نظره، { حنيفا } أي: مائلا عن كل ما سواه من الأديان، { فطرت الله } أي: الزموا فطرة الله. والفطرة: الخلقة: ألا ترى إلى قوله: { لا تبديل لخلق الله }؟ فالأرواح، حين تركيبها في الأشباح، كانت قابلة للتوحيد، مهيأة له، بل عالمة به، بدليل إقرارها به في عالم الذر، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن غوى فإنما غوى منهم بإغواء شياطين الإنس والجن. وفي حديث قدسي: " كل عبادي خلقت حنيفا، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري " وفي الصحيح: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " قال الزجاج: معناه: أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به، على ما جاء في الحديث: " إن الله عز وجل أخرج من صلب آدم ذريته كالذر، وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم، فقالوا: بلى " ،وكل مولود فهو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى ربها وخالقها. ه. قال ابن عطية: الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة: أنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل، التي هي مهيئة لمعرفة الله والإيمان به، الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرض لهم العوارض على حسب ما جرى به القدر، ولا يلزم من الإعداد وجعله على حالة قابلة للتوحيد ألا يساعده القدر، كما في قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: خلقهم معدين لذلك، فأمر من ساعده القدر، وصرف عن ذلك من لم يوفق لما خلق له. ه. فقوله في الحديث: " كل مولود يولد على الفطرة " أي: على القابلية والصلاحية للتوحيد، ثم منهم من يتمحض لذلك، كما سبق في القدر، ومنهم من لم يوفق لذلك، بل يخذل ويصرف عنه لما سبق عليه من الشقاء. وقال في المشارق: أي: يخلق سالما من الكفر، متهيئا لقبول الصلاح والهدى، ثم أبواه يحملانه، بعد، على ما سبق له في الكتاب. ه. قال ابن عطية: وذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. ثم قال: وقد فطر الله الخلق على الاعتراف بربوبيته، ومن لازم ذلك توحيده، وإن لم يوفقوا لذلك كلهم، بل وحده بعضهم، وأشرك بعضهم، مع اتفاق الكل على ربوبيته ضرورة أن الكل يشعر بقاهر له مدبر. قال في الحاشية: والحاصل: أنه تعالى فطر الكل في ابتداء النشأة، على الاعتراف بربوبيته، ولكن كتب منهم السعداء موحدين، وكتب الأشقياء مشركين، مع اعتراف الجميع بربوبيته، ولم يوفق الأشقياء لكون الربوبية تستلزم الوحدانية، فأشركوا، فناقضوا لازم قولهم. ه. وهذا معنى قوله تعالى: { التي فطر الناس عليها } ، أي: خلقهم في أصل نشأتم عليها، { لا تبديل لخلق الله } أي: ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير. وقال الزجاج: معناه: لا تبديل لدين الله، ويدل على قوله: { ذلك الدين القيم } أي: المستقيم، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } حقيقة ذلك. حال كونكم. { منيبين إليه } أي: راجعين إليه، فهو حال من ضمير: الزموا. وقوله: { واتقوه وأقيموا الصلاة }: عطف على الزموا. أو: على فأقم لأن الأمر له - عليه الصلاة والسلام - أمر لأمته، فكأنه قال: فأقيموا وجوهكم، منيبين إليه، { واتقوه } أي: خافوا عقوبته، { وأقيموا الصلاة } أي: أتقنوها وأدوها في وقتها، { ولا تكونوا من المشركين } ممن يشرك به غيره في العبادة. { من الذين فرقوا دينهم }: بدل من " المشركين " بإعادة الجار، أي: لا تكونوا من الذين جعلوا دينهم أديانا مختلفة باختلاف ما يعبدونه لاختلاف أهوائهم. وقرأ الأخوان: فارقوا أي: تركوا دين الإسلام الذي أمروا به، { وكانوا شيعا } أي: فرقا، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها، أي: تشيعه، وتقوي سواده، { كل حزب } منهم { بما لديهم فرحون } مسرورون، ظنا بأنه الحق، ثم يبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. والعياذ بالله. الإشارة: الفطرة التي فطر الله الأرواح عليها في معرفة العيان، لأنها كلها كانت عارفة بالله، لصفائها ولطافتها، فما عاقها عن تلك المعرفة إلا كثافة الأبدان، والاشتغال بحظوظها وهواها، حتى نسيت تلك المعرفة. وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه: ولم تزل كل نفوس الأحيا لأمة دراكة للأشيا وإنما تعوقها الأبدان والأنفس النزع والشيطان فكل من أذاقهم جهاده أظهر للقاعد خرق العاده قال بعضهم: إنما حجب الله عنها تلك العلوم غيرة أن تكشف سر الربوبية، فيظهر لغير أهله، قال القشيري: { فأقم وجهك } أي: أخلص قصدك إلى الله، واحفظ عهدك معه، وأفرد عملك، في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك، له. { حنيفا } أي: مستقيما في دينه، مائلا عن غيره، معرضا عن سواه. والزم فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم ذكر ما تقدم لنا. ثم قال: { منيبين إليه } راجعين إلى الله بالكلية، من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفائه، منحرفين بكل وجه عن خلافه، متقين صغير الإثم وكبيره، وقليله وكثيره، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها جهرا، متحققين بمرعاة فضلها سرا. وقال في قوله تعالى: { من الذين فرقوا دينهم }: أقاموا في دنياهم في دار الغفلة، وعناد الجهل والفترة، فركنوا إلى ظنونهم، واستوطنوا مركب أوهامهم، وثملوا بسكر غيهم، وظنوا أنهم على شيء، فإذا انكشف ضباب وقتهم، وانقشع سحاب هجرهم، انقلب فرحهم ترحا، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة، ولم يعرجوا إلا في أوطان الجهالة. ه. ثم ذكر حال أهل الغفلة، فقال: { وإذا مس الناس... }

الروم 30:32

قلت: حنيفا: حال من الدين، أو: من المأمور، وهو ضمير أقم، وفطرة: منصوب على الإغراء. يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم، أو: لكل سامع: { فأقم وجهك للدين } أي: قوم وجهك له، غير ملتفت عنه يمينا ولا شمالا. وهو تمثيل لإقباله على الدين بكليته، واستقامته عليه، واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء توجه إليه بوجهه، وسدد إليه نظره، { حنيفا } أي: مائلا عن كل ما سواه من الأديان، { فطرت الله } أي: الزموا فطرة الله. والفطرة: الخلقة: ألا ترى إلى قوله: { لا تبديل لخلق الله }؟ فالأرواح، حين تركيبها في الأشباح، كانت قابلة للتوحيد، مهيأة له، بل عالمة به، بدليل إقرارها به في عالم الذر، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن غوى فإنما غوى منهم بإغواء شياطين الإنس والجن. وفي حديث قدسي: " كل عبادي خلقت حنيفا، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري " وفي الصحيح: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " قال الزجاج: معناه: أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به، على ما جاء في الحديث: " إن الله عز وجل أخرج من صلب آدم ذريته كالذر، وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم، فقالوا: بلى " ،وكل مولود فهو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى ربها وخالقها. ه. قال ابن عطية: الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة: أنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل، التي هي مهيئة لمعرفة الله والإيمان به، الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرض لهم العوارض على حسب ما جرى به القدر، ولا يلزم من الإعداد وجعله على حالة قابلة للتوحيد ألا يساعده القدر، كما في قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: خلقهم معدين لذلك، فأمر من ساعده القدر، وصرف عن ذلك من لم يوفق لما خلق له. ه. فقوله في الحديث: " كل مولود يولد على الفطرة " أي: على القابلية والصلاحية للتوحيد، ثم منهم من يتمحض لذلك، كما سبق في القدر، ومنهم من لم يوفق لذلك، بل يخذل ويصرف عنه لما سبق عليه من الشقاء. وقال في المشارق: أي: يخلق سالما من الكفر، متهيئا لقبول الصلاح والهدى، ثم أبواه يحملانه، بعد، على ما سبق له في الكتاب. ه. قال ابن عطية: وذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. ثم قال: وقد فطر الله الخلق على الاعتراف بربوبيته، ومن لازم ذلك توحيده، وإن لم يوفقوا لذلك كلهم، بل وحده بعضهم، وأشرك بعضهم، مع اتفاق الكل على ربوبيته ضرورة أن الكل يشعر بقاهر له مدبر. قال في الحاشية: والحاصل: أنه تعالى فطر الكل في ابتداء النشأة، على الاعتراف بربوبيته، ولكن كتب منهم السعداء موحدين، وكتب الأشقياء مشركين، مع اعتراف الجميع بربوبيته، ولم يوفق الأشقياء لكون الربوبية تستلزم الوحدانية، فأشركوا، فناقضوا لازم قولهم. ه. وهذا معنى قوله تعالى: { التي فطر الناس عليها } ، أي: خلقهم في أصل نشأتم عليها، { لا تبديل لخلق الله } أي: ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير. وقال الزجاج: معناه: لا تبديل لدين الله، ويدل على قوله: { ذلك الدين القيم } أي: المستقيم، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } حقيقة ذلك. حال كونكم. { منيبين إليه } أي: راجعين إليه، فهو حال من ضمير: الزموا. وقوله: { واتقوه وأقيموا الصلاة }: عطف على الزموا. أو: على فأقم لأن الأمر له - عليه الصلاة والسلام - أمر لأمته، فكأنه قال: فأقيموا وجوهكم، منيبين إليه، { واتقوه } أي: خافوا عقوبته، { وأقيموا الصلاة } أي: أتقنوها وأدوها في وقتها، { ولا تكونوا من المشركين } ممن يشرك به غيره في العبادة. { من الذين فرقوا دينهم }: بدل من " المشركين " بإعادة الجار، أي: لا تكونوا من الذين جعلوا دينهم أديانا مختلفة باختلاف ما يعبدونه لاختلاف أهوائهم. وقرأ الأخوان: فارقوا أي: تركوا دين الإسلام الذي أمروا به، { وكانوا شيعا } أي: فرقا، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها، أي: تشيعه، وتقوي سواده، { كل حزب } منهم { بما لديهم فرحون } مسرورون، ظنا بأنه الحق، ثم يبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. والعياذ بالله. الإشارة: الفطرة التي فطر الله الأرواح عليها في معرفة العيان، لأنها كلها كانت عارفة بالله، لصفائها ولطافتها، فما عاقها عن تلك المعرفة إلا كثافة الأبدان، والاشتغال بحظوظها وهواها، حتى نسيت تلك المعرفة. وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه: ولم تزل كل نفوس الأحيا لأمة دراكة للأشيا وإنما تعوقها الأبدان والأنفس النزع والشيطان فكل من أذاقهم جهاده أظهر للقاعد خرق العاده قال بعضهم: إنما حجب الله عنها تلك العلوم غيرة أن تكشف سر الربوبية، فيظهر لغير أهله، قال القشيري: { فأقم وجهك } أي: أخلص قصدك إلى الله، واحفظ عهدك معه، وأفرد عملك، في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك، له. { حنيفا } أي: مستقيما في دينه، مائلا عن غيره، معرضا عن سواه. والزم فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم ذكر ما تقدم لنا. ثم قال: { منيبين إليه } راجعين إلى الله بالكلية، من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفائه، منحرفين بكل وجه عن خلافه، متقين صغير الإثم وكبيره، وقليله وكثيره، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها جهرا، متحققين بمرعاة فضلها سرا. وقال في قوله تعالى: { من الذين فرقوا دينهم }: أقاموا في دنياهم في دار الغفلة، وعناد الجهل والفترة، فركنوا إلى ظنونهم، واستوطنوا مركب أوهامهم، وثملوا بسكر غيهم، وظنوا أنهم على شيء، فإذا انكشف ضباب وقتهم، وانقشع سحاب هجرهم، انقلب فرحهم ترحا، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة، ولم يعرجوا إلا في أوطان الجهالة. ه. ثم ذكر حال أهل الغفلة، فقال: { وإذا مس الناس... }

الروم 30:33

قلت: إذا هم: جواب إن. وإذا الفجائية، تخلف الفاء، لتآخيهما في التعقيب. يقول الحق جل جلاله: { وإذا مس الناس ضر } كمرض، وفقر، وشدة، أو غير ذلك، { دعوا ربهم منيبين } راجعين { إليه } من دعاء غيره. { ثم إذا أذاقهم منه رحمة } خلاصا من الشدة { إذا فريق منهم بربهم يشركون } شركا جليا أو خفيا،أي فاجأ بعضهم الإشراك بربهم الذي عافاهم، { ليكفروا } إما: لام كي، أو: لام الأمر للوعيد والتهديد، أي: أشركوا كي يكفروا { بما آتيناهم } من النعم، التي من جملتها: نجاتهم وخلاصهم من كل شدة، { فتمتعوا } بكفركم قليلا أمر تهديد، { فسوف تعلمون } وبال تمتعكم. { أم أنزلنا عليهم سلطانا } حجة على عبادة أصنامهم، { فهو يتكلم } ، وتكلمه مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه: الشهادة، كأنه قال: يشهد بصحة ما { كانوا به يشركون } ، فما: مصدرية، أي: بصحة كونهم بالله يشركون، أو: موصولة، أي: بالأمر الذي بسببه يشركون. { وإذا أذقنا الناس رحمة } أي: نعمة من مطر، أو: سعة رزق، أو: صحة، { فرحوا بها } فرح بطر وافتخار وغفلة. { وإن تصبهم سيئة } بلاء من جدب، أو ضيق، أو مرض، { بما } بسبب ما { قدمت أيديهم } من المعاصي، أي: بشؤمها، { إذا هم يقنطون } ييأسون من رحمة الله، وفرجه بعد عسره. يقال: قنط يقنط، كفرح يفرح، وكعلم. الإشارة: الواجب على المؤمنين أن يختلفوا بضد ما تخلق به الكافرون، فإذا مسهم ضر أو شدة، توجهوا إلى الله، إما بالتضرع والابتهال عبودية، منتظرين ما يفعل الله، وإما بالصبر، والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. فإذا جاء الفرج والنعمة شكروا الله وحمدوه، ونسبوا الفرج إليه وحده، فإن كان وقع منهم سبب شرعي لم يلتفتوا إليه قط إذ لا تأثير له أصلا، وإنما الفرج عنده لا به، فلا يقولوا: فلان ولا فلانة، وإنما الفاعل هو الله الواحد القهار. وهذا الشرك الخفي مما ابتلى به كثير من الناس، علماء وصالحين، وخصوصا منهم من يتعاطى كتب الفلسفة، كالأطباء وغيرهم، إذا أصابهم شيء فزعوا، فإذا فرج عنهم قالوا: فلان داوانا، وفلان فرج عنا، والدواء الفلاني هو شفاني، فتعالى الله عما يشكرون. فليشد العبد يده على التوحيد، ولا يرى في الوجود إلا الفرد الصمد، الفعال لما يريد. ومن أوصاف أهل الغفلة: أنهم، إذا أصابتهم نعمة، فرحوا وافتخروا بها، وإذا أصابتهم شدة قنطوا وأيسوا من روح الله، والواجب: ألا يفرح بما هو عارض فان، ولا ييأس من روح الله عند الشدة، بل ينتظر من الله الفرج، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا. قال تعالى: مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم [الحديد: 22 -23] الآية. وبالله التوفيق. ثم برهن على توالي النعم والمحن على العبد، ما دام في دار الدنيا، فقال: { أولم يروا أن الله يبسط... }

الروم 30:34

قلت: إذا هم: جواب إن. وإذا الفجائية، تخلف الفاء، لتآخيهما في التعقيب. يقول الحق جل جلاله: { وإذا مس الناس ضر } كمرض، وفقر، وشدة، أو غير ذلك، { دعوا ربهم منيبين } راجعين { إليه } من دعاء غيره. { ثم إذا أذاقهم منه رحمة } خلاصا من الشدة { إذا فريق منهم بربهم يشركون } شركا جليا أو خفيا،أي فاجأ بعضهم الإشراك بربهم الذي عافاهم، { ليكفروا } إما: لام كي، أو: لام الأمر للوعيد والتهديد، أي: أشركوا كي يكفروا { بما آتيناهم } من النعم، التي من جملتها: نجاتهم وخلاصهم من كل شدة، { فتمتعوا } بكفركم قليلا أمر تهديد، { فسوف تعلمون } وبال تمتعكم. { أم أنزلنا عليهم سلطانا } حجة على عبادة أصنامهم، { فهو يتكلم } ، وتكلمه مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه: الشهادة، كأنه قال: يشهد بصحة ما { كانوا به يشركون } ، فما: مصدرية، أي: بصحة كونهم بالله يشركون، أو: موصولة، أي: بالأمر الذي بسببه يشركون. { وإذا أذقنا الناس رحمة } أي: نعمة من مطر، أو: سعة رزق، أو: صحة، { فرحوا بها } فرح بطر وافتخار وغفلة. { وإن تصبهم سيئة } بلاء من جدب، أو ضيق، أو مرض، { بما } بسبب ما { قدمت أيديهم } من المعاصي، أي: بشؤمها، { إذا هم يقنطون } ييأسون من رحمة الله، وفرجه بعد عسره. يقال: قنط يقنط، كفرح يفرح، وكعلم. الإشارة: الواجب على المؤمنين أن يختلفوا بضد ما تخلق به الكافرون، فإذا مسهم ضر أو شدة، توجهوا إلى الله، إما بالتضرع والابتهال عبودية، منتظرين ما يفعل الله، وإما بالصبر، والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. فإذا جاء الفرج والنعمة شكروا الله وحمدوه، ونسبوا الفرج إليه وحده، فإن كان وقع منهم سبب شرعي لم يلتفتوا إليه قط إذ لا تأثير له أصلا، وإنما الفرج عنده لا به، فلا يقولوا: فلان ولا فلانة، وإنما الفاعل هو الله الواحد القهار. وهذا الشرك الخفي مما ابتلى به كثير من الناس، علماء وصالحين، وخصوصا منهم من يتعاطى كتب الفلسفة، كالأطباء وغيرهم، إذا أصابهم شيء فزعوا، فإذا فرج عنهم قالوا: فلان داوانا، وفلان فرج عنا، والدواء الفلاني هو شفاني، فتعالى الله عما يشكرون. فليشد العبد يده على التوحيد، ولا يرى في الوجود إلا الفرد الصمد، الفعال لما يريد. ومن أوصاف أهل الغفلة: أنهم، إذا أصابتهم نعمة، فرحوا وافتخروا بها، وإذا أصابتهم شدة قنطوا وأيسوا من روح الله، والواجب: ألا يفرح بما هو عارض فان، ولا ييأس من روح الله عند الشدة، بل ينتظر من الله الفرج، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا. قال تعالى: مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم [الحديد: 22 -23] الآية. وبالله التوفيق. ثم برهن على توالي النعم والمحن على العبد، ما دام في دار الدنيا، فقال: { أولم يروا أن الله يبسط... }

الروم 30:35

قلت: إذا هم: جواب إن. وإذا الفجائية، تخلف الفاء، لتآخيهما في التعقيب. يقول الحق جل جلاله: { وإذا مس الناس ضر } كمرض، وفقر، وشدة، أو غير ذلك، { دعوا ربهم منيبين } راجعين { إليه } من دعاء غيره. { ثم إذا أذاقهم منه رحمة } خلاصا من الشدة { إذا فريق منهم بربهم يشركون } شركا جليا أو خفيا،أي فاجأ بعضهم الإشراك بربهم الذي عافاهم، { ليكفروا } إما: لام كي، أو: لام الأمر للوعيد والتهديد، أي: أشركوا كي يكفروا { بما آتيناهم } من النعم، التي من جملتها: نجاتهم وخلاصهم من كل شدة، { فتمتعوا } بكفركم قليلا أمر تهديد، { فسوف تعلمون } وبال تمتعكم. { أم أنزلنا عليهم سلطانا } حجة على عبادة أصنامهم، { فهو يتكلم } ، وتكلمه مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه: الشهادة، كأنه قال: يشهد بصحة ما { كانوا به يشركون } ، فما: مصدرية، أي: بصحة كونهم بالله يشركون، أو: موصولة، أي: بالأمر الذي بسببه يشركون. { وإذا أذقنا الناس رحمة } أي: نعمة من مطر، أو: سعة رزق، أو: صحة، { فرحوا بها } فرح بطر وافتخار وغفلة. { وإن تصبهم سيئة } بلاء من جدب، أو ضيق، أو مرض، { بما } بسبب ما { قدمت أيديهم } من المعاصي، أي: بشؤمها، { إذا هم يقنطون } ييأسون من رحمة الله، وفرجه بعد عسره. يقال: قنط يقنط، كفرح يفرح، وكعلم. الإشارة: الواجب على المؤمنين أن يختلفوا بضد ما تخلق به الكافرون، فإذا مسهم ضر أو شدة، توجهوا إلى الله، إما بالتضرع والابتهال عبودية، منتظرين ما يفعل الله، وإما بالصبر، والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. فإذا جاء الفرج والنعمة شكروا الله وحمدوه، ونسبوا الفرج إليه وحده، فإن كان وقع منهم سبب شرعي لم يلتفتوا إليه قط إذ لا تأثير له أصلا، وإنما الفرج عنده لا به، فلا يقولوا: فلان ولا فلانة، وإنما الفاعل هو الله الواحد القهار. وهذا الشرك الخفي مما ابتلى به كثير من الناس، علماء وصالحين، وخصوصا منهم من يتعاطى كتب الفلسفة، كالأطباء وغيرهم، إذا أصابهم شيء فزعوا، فإذا فرج عنهم قالوا: فلان داوانا، وفلان فرج عنا، والدواء الفلاني هو شفاني، فتعالى الله عما يشكرون. فليشد العبد يده على التوحيد، ولا يرى في الوجود إلا الفرد الصمد، الفعال لما يريد. ومن أوصاف أهل الغفلة: أنهم، إذا أصابتهم نعمة، فرحوا وافتخروا بها، وإذا أصابتهم شدة قنطوا وأيسوا من روح الله، والواجب: ألا يفرح بما هو عارض فان، ولا ييأس من روح الله عند الشدة، بل ينتظر من الله الفرج، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا. قال تعالى: مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم [الحديد: 22 -23] الآية. وبالله التوفيق. ثم برهن على توالي النعم والمحن على العبد، ما دام في دار الدنيا، فقال: { أولم يروا أن الله يبسط... }

الروم 30:36

قلت: إذا هم: جواب إن. وإذا الفجائية، تخلف الفاء، لتآخيهما في التعقيب. يقول الحق جل جلاله: { وإذا مس الناس ضر } كمرض، وفقر، وشدة، أو غير ذلك، { دعوا ربهم منيبين } راجعين { إليه } من دعاء غيره. { ثم إذا أذاقهم منه رحمة } خلاصا من الشدة { إذا فريق منهم بربهم يشركون } شركا جليا أو خفيا،أي فاجأ بعضهم الإشراك بربهم الذي عافاهم، { ليكفروا } إما: لام كي، أو: لام الأمر للوعيد والتهديد، أي: أشركوا كي يكفروا { بما آتيناهم } من النعم، التي من جملتها: نجاتهم وخلاصهم من كل شدة، { فتمتعوا } بكفركم قليلا أمر تهديد، { فسوف تعلمون } وبال تمتعكم. { أم أنزلنا عليهم سلطانا } حجة على عبادة أصنامهم، { فهو يتكلم } ، وتكلمه مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه: الشهادة، كأنه قال: يشهد بصحة ما { كانوا به يشركون } ، فما: مصدرية، أي: بصحة كونهم بالله يشركون، أو: موصولة، أي: بالأمر الذي بسببه يشركون. { وإذا أذقنا الناس رحمة } أي: نعمة من مطر، أو: سعة رزق، أو: صحة، { فرحوا بها } فرح بطر وافتخار وغفلة. { وإن تصبهم سيئة } بلاء من جدب، أو ضيق، أو مرض، { بما } بسبب ما { قدمت أيديهم } من المعاصي، أي: بشؤمها، { إذا هم يقنطون } ييأسون من رحمة الله، وفرجه بعد عسره. يقال: قنط يقنط، كفرح يفرح، وكعلم. الإشارة: الواجب على المؤمنين أن يختلفوا بضد ما تخلق به الكافرون، فإذا مسهم ضر أو شدة، توجهوا إلى الله، إما بالتضرع والابتهال عبودية، منتظرين ما يفعل الله، وإما بالصبر، والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. فإذا جاء الفرج والنعمة شكروا الله وحمدوه، ونسبوا الفرج إليه وحده، فإن كان وقع منهم سبب شرعي لم يلتفتوا إليه قط إذ لا تأثير له أصلا، وإنما الفرج عنده لا به، فلا يقولوا: فلان ولا فلانة، وإنما الفاعل هو الله الواحد القهار. وهذا الشرك الخفي مما ابتلى به كثير من الناس، علماء وصالحين، وخصوصا منهم من يتعاطى كتب الفلسفة، كالأطباء وغيرهم، إذا أصابهم شيء فزعوا، فإذا فرج عنهم قالوا: فلان داوانا، وفلان فرج عنا، والدواء الفلاني هو شفاني، فتعالى الله عما يشكرون. فليشد العبد يده على التوحيد، ولا يرى في الوجود إلا الفرد الصمد، الفعال لما يريد. ومن أوصاف أهل الغفلة: أنهم، إذا أصابتهم نعمة، فرحوا وافتخروا بها، وإذا أصابتهم شدة قنطوا وأيسوا من روح الله، والواجب: ألا يفرح بما هو عارض فان، ولا ييأس من روح الله عند الشدة، بل ينتظر من الله الفرج، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا. قال تعالى: مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم [الحديد: 22 -23] الآية. وبالله التوفيق. ثم برهن على توالي النعم والمحن على العبد، ما دام في دار الدنيا، فقال: { أولم يروا أن الله يبسط... }

الروم 30:37

يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي: يضيق على من يشاء، فينبغي للعبد أن يكون راجيا ما عند الله، غير آيس من روح الله إذ دوام حال من قضايا المحال، { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } فيستدلون بها على كمال قدرته وحكمته، ولا يقفون مع شيء دونه. قال النسفي: أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه القابض الباسط، فما لهم يقنطون من رحمته؟ وما لهم لا يرجعون إليه، تائبين من معاصيهم، التي عوقبوا بالشدة من أجلها، حتى يعيد عليهم رحمته؟ ولما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم، أتبعه ذكر ما يحب أن يفعل وما يجب أن يترك، يعني: عند البسط فقال: { فآت ذا القربى } أعط قريبك { حقه } من البر والصلة مما بسط عليك. { و } أعط { المسكين وابن السبيل } حقهما من الصدقة الواجبة أو التطوعية، حسبما تقتضيه مكارم الأخلاق. والخطاب لمن بسط عليه، أو: للنبي - عليه الصلاة والسلام، وغيره تبع. { ذلك } أي: إيتاء حقوقهم الواجبة، والتطوعية، { خير للذين يريدون وجه الله } أي: ذاته المقدسة، أي: يقصدون، بمعروفهم، إياه، خالصا. { وأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير، قد حصلوا، بما بسط لهم، النعيم المقيم. { وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس } أي: وما أعطيتم من مال لتأخذوا من أموال الناس أكثر منه، كيفية أو كمية، { فلا يربوا عند الله } ولا يبارك فيه، بل يسحته ويمحقه، ولو بعد حين. وهذه صورة الربا المحرمة، إجماعا، وقيل: وما أعطيتم من هدية لتأخذوا أكثر منها، فلا يربو عند الله، لأنكم لم تقصدوا به وجه الله. وهذه هدية الثواب، جائزة، إلا في حقه - عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: ولا تمنن تستكثر [المدثر: 6]. وقرأ ابن كثير: " أتيتم " بالقصر، بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا. وقرأ نافع: " لتربوا " بالخطاب، أي: لتصيروا ذوي ربا، فتزيدوا في أموالكم. { وما آتيتم من زكاة } صدقة، { تريدون وجه الله } تبتغون به وجهه خالصا، لا تطلبون به زيادة، ولا مكافأة، ولاسمعة، { فأولئك هم المضعفون } أي: ذوو الأضعاف من الحسنات، من سبعمائة فأكثر. ونظير المضعف: المقوي، والموسر، لذي القوة واليسار. والالتفات إلى الخطاب في أولئك... إلخ في غاية الحسن لما فيه من التعظيم، كأنه خاطب الملائكة وخواص الخلق تعريفا بحالهم، وتنويها بقدرهم، ولأنه يفيد التعميم، كأنه قيل: من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين المقبول عليهم. ولا بد من ضمير يعود إلى " ما " الموصولة، أي: المضعفون به. أو: فمؤتوه أولئك هم المضعفون. وقال الزجاج: أي: فأهلها هم المضعفون، أي: يضاعف لهم الثواب، من عشر إلى سبعمائة. والله تعالى أعلم. الإشارة: البسط والقبض يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار. فالواجب على العبد: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فالبسط يشهد فيه المنة من الله، ومقتضى الحق منك الحمد والشكر. والقبض يشهده من الله امتحانا وتصفية، ومقتضى الحق منك الصبر والرضا، وانتظار الفرج من الله فإن انتظار الفرج، مع الصبر، عبادة. قال القشيري: الإشارة إلى ألا يعلق العبد قلبه إلا بالله، لأن ما يسوءهم ليس زواله إلا من الله، وما يسرهم ليس وجوده إلا من الله. فالبسط، الذي يسرهم ويؤنسهم منه، وجوده، والقبض، الذي يسوءهم ويحوشهم منه، حصوله. فالواجب: لزوم عهوده بالإسرار، وقطع الأفكار عن الأغيار. ه. وقال في قوله: { فآت ذا القربى حقه }: القرابة على قسمين قرابة النسب وقرابة الدين، وهي أمس، وبالمواساة أحق. وإذ كان الرجل مشتغلا بالعبادة غير متفرغ لطلب المعيشة، فالذي له إيمان بحاله، وإشراف على وقته، يجب عليه أن يقوم بشأنه، بقدر ما يمكنه، مما يكون له عون على طاعته، مما يشوش قلبه، من حديث عياله، فإن كان اشتغال الرجل بشيء من مراعاة القلب فحقه آكد، وتفقده أوجب، { ذلك خير للذين يريدون وجه الله } ، والمريد هو الذي يؤثر حق الله على حظ نفسه. فإيثار الإخوان، لمن يريد وجه الله، أتم من مراعاة حال نفسه، فهمه بالإحسان لذوي القربى والمساكين يتقدم على نظره لنفسه وعيلته، وما يهمه من نصبيه. ه. وقال في قوله: { يريدون وجه الله }: لا تستخدم الفقير بما تريده به من رفق، بل أفضل الصدقة على ذي رحم كاشح، أي: قاطع حتى يكون إعطاؤه لله مجردا عن كل نصيب لك. فهؤلاء هم الذين يتضاعف أجرهم بمجاهدتهم لنفوسهم، حيث يخالفونها، وفوزهم بالعوض من قبل الله. ثم الزكاة هي التطهير، فتطهير المال معلوم ببيان الشريعة، وزكاة البدن، وزكاة القلب، وزكاة السر، كل ذلك يجب القيام به. ه. قلت: فزكاة البدن: إتعابه في القيام بوظائف العبودية الظاهرة، وزكاة القلب: تطهيره من الرذائل وتحليته بالفضائل، وزكاة السر: صيانته من الميل إلى شيء من السوى. والله تعالى أعلم. ثم برهن على وحدانيته، فقال: { الله الذي خلقكم... }

الروم 30:38

يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي: يضيق على من يشاء، فينبغي للعبد أن يكون راجيا ما عند الله، غير آيس من روح الله إذ دوام حال من قضايا المحال، { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } فيستدلون بها على كمال قدرته وحكمته، ولا يقفون مع شيء دونه. قال النسفي: أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه القابض الباسط، فما لهم يقنطون من رحمته؟ وما لهم لا يرجعون إليه، تائبين من معاصيهم، التي عوقبوا بالشدة من أجلها، حتى يعيد عليهم رحمته؟ ولما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم، أتبعه ذكر ما يحب أن يفعل وما يجب أن يترك، يعني: عند البسط فقال: { فآت ذا القربى } أعط قريبك { حقه } من البر والصلة مما بسط عليك. { و } أعط { المسكين وابن السبيل } حقهما من الصدقة الواجبة أو التطوعية، حسبما تقتضيه مكارم الأخلاق. والخطاب لمن بسط عليه، أو: للنبي - عليه الصلاة والسلام، وغيره تبع. { ذلك } أي: إيتاء حقوقهم الواجبة، والتطوعية، { خير للذين يريدون وجه الله } أي: ذاته المقدسة، أي: يقصدون، بمعروفهم، إياه، خالصا. { وأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير، قد حصلوا، بما بسط لهم، النعيم المقيم. { وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس } أي: وما أعطيتم من مال لتأخذوا من أموال الناس أكثر منه، كيفية أو كمية، { فلا يربوا عند الله } ولا يبارك فيه، بل يسحته ويمحقه، ولو بعد حين. وهذه صورة الربا المحرمة، إجماعا، وقيل: وما أعطيتم من هدية لتأخذوا أكثر منها، فلا يربو عند الله، لأنكم لم تقصدوا به وجه الله. وهذه هدية الثواب، جائزة، إلا في حقه - عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: ولا تمنن تستكثر [المدثر: 6]. وقرأ ابن كثير: " أتيتم " بالقصر، بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا. وقرأ نافع: " لتربوا " بالخطاب، أي: لتصيروا ذوي ربا، فتزيدوا في أموالكم. { وما آتيتم من زكاة } صدقة، { تريدون وجه الله } تبتغون به وجهه خالصا، لا تطلبون به زيادة، ولا مكافأة، ولاسمعة، { فأولئك هم المضعفون } أي: ذوو الأضعاف من الحسنات، من سبعمائة فأكثر. ونظير المضعف: المقوي، والموسر، لذي القوة واليسار. والالتفات إلى الخطاب في أولئك... إلخ في غاية الحسن لما فيه من التعظيم، كأنه خاطب الملائكة وخواص الخلق تعريفا بحالهم، وتنويها بقدرهم، ولأنه يفيد التعميم، كأنه قيل: من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين المقبول عليهم. ولا بد من ضمير يعود إلى " ما " الموصولة، أي: المضعفون به. أو: فمؤتوه أولئك هم المضعفون. وقال الزجاج: أي: فأهلها هم المضعفون، أي: يضاعف لهم الثواب، من عشر إلى سبعمائة. والله تعالى أعلم. الإشارة: البسط والقبض يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار. فالواجب على العبد: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فالبسط يشهد فيه المنة من الله، ومقتضى الحق منك الحمد والشكر. والقبض يشهده من الله امتحانا وتصفية، ومقتضى الحق منك الصبر والرضا، وانتظار الفرج من الله فإن انتظار الفرج، مع الصبر، عبادة. قال القشيري: الإشارة إلى ألا يعلق العبد قلبه إلا بالله، لأن ما يسوءهم ليس زواله إلا من الله، وما يسرهم ليس وجوده إلا من الله. فالبسط، الذي يسرهم ويؤنسهم منه، وجوده، والقبض، الذي يسوءهم ويحوشهم منه، حصوله. فالواجب: لزوم عهوده بالإسرار، وقطع الأفكار عن الأغيار. ه. وقال في قوله: { فآت ذا القربى حقه }: القرابة على قسمين قرابة النسب وقرابة الدين، وهي أمس، وبالمواساة أحق. وإذ كان الرجل مشتغلا بالعبادة غير متفرغ لطلب المعيشة، فالذي له إيمان بحاله، وإشراف على وقته، يجب عليه أن يقوم بشأنه، بقدر ما يمكنه، مما يكون له عون على طاعته، مما يشوش قلبه، من حديث عياله، فإن كان اشتغال الرجل بشيء من مراعاة القلب فحقه آكد، وتفقده أوجب، { ذلك خير للذين يريدون وجه الله } ، والمريد هو الذي يؤثر حق الله على حظ نفسه. فإيثار الإخوان، لمن يريد وجه الله، أتم من مراعاة حال نفسه، فهمه بالإحسان لذوي القربى والمساكين يتقدم على نظره لنفسه وعيلته، وما يهمه من نصبيه. ه. وقال في قوله: { يريدون وجه الله }: لا تستخدم الفقير بما تريده به من رفق، بل أفضل الصدقة على ذي رحم كاشح، أي: قاطع حتى يكون إعطاؤه لله مجردا عن كل نصيب لك. فهؤلاء هم الذين يتضاعف أجرهم بمجاهدتهم لنفوسهم، حيث يخالفونها، وفوزهم بالعوض من قبل الله. ثم الزكاة هي التطهير، فتطهير المال معلوم ببيان الشريعة، وزكاة البدن، وزكاة القلب، وزكاة السر، كل ذلك يجب القيام به. ه. قلت: فزكاة البدن: إتعابه في القيام بوظائف العبودية الظاهرة، وزكاة القلب: تطهيره من الرذائل وتحليته بالفضائل، وزكاة السر: صيانته من الميل إلى شيء من السوى. والله تعالى أعلم. ثم برهن على وحدانيته، فقال: { الله الذي خلقكم... }

الروم 30:39

يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي: يضيق على من يشاء، فينبغي للعبد أن يكون راجيا ما عند الله، غير آيس من روح الله إذ دوام حال من قضايا المحال، { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } فيستدلون بها على كمال قدرته وحكمته، ولا يقفون مع شيء دونه. قال النسفي: أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه القابض الباسط، فما لهم يقنطون من رحمته؟ وما لهم لا يرجعون إليه، تائبين من معاصيهم، التي عوقبوا بالشدة من أجلها، حتى يعيد عليهم رحمته؟ ولما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم، أتبعه ذكر ما يحب أن يفعل وما يجب أن يترك، يعني: عند البسط فقال: { فآت ذا القربى } أعط قريبك { حقه } من البر والصلة مما بسط عليك. { و } أعط { المسكين وابن السبيل } حقهما من الصدقة الواجبة أو التطوعية، حسبما تقتضيه مكارم الأخلاق. والخطاب لمن بسط عليه، أو: للنبي - عليه الصلاة والسلام، وغيره تبع. { ذلك } أي: إيتاء حقوقهم الواجبة، والتطوعية، { خير للذين يريدون وجه الله } أي: ذاته المقدسة، أي: يقصدون، بمعروفهم، إياه، خالصا. { وأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير، قد حصلوا، بما بسط لهم، النعيم المقيم. { وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس } أي: وما أعطيتم من مال لتأخذوا من أموال الناس أكثر منه، كيفية أو كمية، { فلا يربوا عند الله } ولا يبارك فيه، بل يسحته ويمحقه، ولو بعد حين. وهذه صورة الربا المحرمة، إجماعا، وقيل: وما أعطيتم من هدية لتأخذوا أكثر منها، فلا يربو عند الله، لأنكم لم تقصدوا به وجه الله. وهذه هدية الثواب، جائزة، إلا في حقه - عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: ولا تمنن تستكثر [المدثر: 6]. وقرأ ابن كثير: " أتيتم " بالقصر، بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا. وقرأ نافع: " لتربوا " بالخطاب، أي: لتصيروا ذوي ربا، فتزيدوا في أموالكم. { وما آتيتم من زكاة } صدقة، { تريدون وجه الله } تبتغون به وجهه خالصا، لا تطلبون به زيادة، ولا مكافأة، ولاسمعة، { فأولئك هم المضعفون } أي: ذوو الأضعاف من الحسنات، من سبعمائة فأكثر. ونظير المضعف: المقوي، والموسر، لذي القوة واليسار. والالتفات إلى الخطاب في أولئك... إلخ في غاية الحسن لما فيه من التعظيم، كأنه خاطب الملائكة وخواص الخلق تعريفا بحالهم، وتنويها بقدرهم، ولأنه يفيد التعميم، كأنه قيل: من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين المقبول عليهم. ولا بد من ضمير يعود إلى " ما " الموصولة، أي: المضعفون به. أو: فمؤتوه أولئك هم المضعفون. وقال الزجاج: أي: فأهلها هم المضعفون، أي: يضاعف لهم الثواب، من عشر إلى سبعمائة. والله تعالى أعلم. الإشارة: البسط والقبض يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار. فالواجب على العبد: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فالبسط يشهد فيه المنة من الله، ومقتضى الحق منك الحمد والشكر. والقبض يشهده من الله امتحانا وتصفية، ومقتضى الحق منك الصبر والرضا، وانتظار الفرج من الله فإن انتظار الفرج، مع الصبر، عبادة. قال القشيري: الإشارة إلى ألا يعلق العبد قلبه إلا بالله، لأن ما يسوءهم ليس زواله إلا من الله، وما يسرهم ليس وجوده إلا من الله. فالبسط، الذي يسرهم ويؤنسهم منه، وجوده، والقبض، الذي يسوءهم ويحوشهم منه، حصوله. فالواجب: لزوم عهوده بالإسرار، وقطع الأفكار عن الأغيار. ه. وقال في قوله: { فآت ذا القربى حقه }: القرابة على قسمين قرابة النسب وقرابة الدين، وهي أمس، وبالمواساة أحق. وإذ كان الرجل مشتغلا بالعبادة غير متفرغ لطلب المعيشة، فالذي له إيمان بحاله، وإشراف على وقته، يجب عليه أن يقوم بشأنه، بقدر ما يمكنه، مما يكون له عون على طاعته، مما يشوش قلبه، من حديث عياله، فإن كان اشتغال الرجل بشيء من مراعاة القلب فحقه آكد، وتفقده أوجب، { ذلك خير للذين يريدون وجه الله } ، والمريد هو الذي يؤثر حق الله على حظ نفسه. فإيثار الإخوان، لمن يريد وجه الله، أتم من مراعاة حال نفسه، فهمه بالإحسان لذوي القربى والمساكين يتقدم على نظره لنفسه وعيلته، وما يهمه من نصبيه. ه. وقال في قوله: { يريدون وجه الله }: لا تستخدم الفقير بما تريده به من رفق، بل أفضل الصدقة على ذي رحم كاشح، أي: قاطع حتى يكون إعطاؤه لله مجردا عن كل نصيب لك. فهؤلاء هم الذين يتضاعف أجرهم بمجاهدتهم لنفوسهم، حيث يخالفونها، وفوزهم بالعوض من قبل الله. ثم الزكاة هي التطهير، فتطهير المال معلوم ببيان الشريعة، وزكاة البدن، وزكاة القلب، وزكاة السر، كل ذلك يجب القيام به. ه. قلت: فزكاة البدن: إتعابه في القيام بوظائف العبودية الظاهرة، وزكاة القلب: تطهيره من الرذائل وتحليته بالفضائل، وزكاة السر: صيانته من الميل إلى شيء من السوى. والله تعالى أعلم. ثم برهن على وحدانيته، فقال: { الله الذي خلقكم... }

الروم 30:40

قلت: الله: مبتدأ، و الذي خلقكم خبر. يقول الحق جل جلاله: { الله الذي خلقكم } أظهركم { ثم رزقكم } ما تقوم به أبدانكم، { ثم يميتكم } عند انقضاء آجالكم، { ثم يحييكم } عند بعثكم ليجازيكم على فعلكم، أي: هو المختص بالخلق والرزق، والإماتة، والإحياء. { هل من شركائكم } أصنامكم { من يفعل من ذلكم من شيء } أي: الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، { هل من شركائكم } أصنامكم { من يفعل من ذلكم من شيء } أي: الخلق وارزق والإماتة والإحياء { من شيء } أي: شيئا من تلك الأفعال؟ فلم يجيبوا، عجزا، فقال استبعادا وتنزيها: { سبحانه وتعالى عما يشركون }.و " من " الأولى، والثانية، والثالثة: زوائد لتأكيد عجز شركائهم، وتجهيل عبدتهم. الإشارة: ذكر الحق تعالى أربعة أشياء متناسقة أنه هو فاعلها، فأقر الناس بثلاثة، وشكوا في الرزق، وقالوا: لا يكون إلا بالسبب، والسبب إنما هو ستر لسر الربوبية. فإذا تحقق وجوده في حق العامة ارتفع حق الخاصة، فيرزقهم بلا سبب، لقوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 2، 3]. قال القشيري: حين قذفك في بطن أمك قد كنت غنيا عن الأكل والشراب بقدرته أو مفتقرا إليه، فأجرى رزقه عليك مع الطمث، على ما قالوا، وإذا أخرجك من بطن أمك رزقك على الوجه المعهود في الوقت المعلوم، فيسر لك أسباب الشرب والأكل من لبن الأم، ثم من فنون الطعام، ثم أرزاق القلوب والسرائر، من الإيمان والعرفان، وأرزاق التوفيق من الطاعات والعبادات، وأرزاق اللسان من الأذكار، وغير ذلك مما جرى ذكره. { ثم يميتكم } بسقوط شهواتكم، ويميتكم عن شواهدكم، { ثم يحييكم } بحياة قلوبكم، ثم بأن يحييكم بربكم. ويقال: من الأرزاق ما هو وجود الأرفاق، ومنها ما شهود الرزاق، ويقال: لا مكنة لك في تبديل خلقك، فكذلك لا قدرة لك على تغيير رزقك. فالموسع عليه: رزقه بفضل ربه، لا بمناقب نفسه. والمقتر عليه رزقه بحكم ربه لا بمعايب نفسه. ه. وبعضه بالمعنى. وقد يضيق رزقه على العباد لما يظهر فيهم من الفساد، كما قال تعالى: { ظهر الفساد في... }

الروم 30:41

يقول الحق جل جلاله: { ظهر الفساد في البر والبحر } ، أما الفساد في البر، فكالقحط،وقلة الأمطار، وعدم الريع في الزراعات والربح في التجارات، ووقوع الموتان في الناس والدواب، ومحق البركات من كل شيء. وأما في البحر فبكثرة الغرق، وانقطاع صيده. { بما } وذلك بسبب ما { كسبت أيدي الناس } من الكفر والمعاصي، ولو استقاموا على الطاعة لدفع الله عنهم هذه الآفات. أظهر فيهم ذلك { ليذيقهم بعض الذي عملوا } أي: ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة، عن " قنبل ويعقوب ": بنون التكلم. { لعلهم يرجعون } عما هم عليه من المعاصي. { قل } لكفار قومك { سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } لتعاينوا ما فعلنا بهم بسبب كفرهم ومعاصيهم لأنه { كان أكثرهم مشركين } فدمرناهم، وخربنا ديارهم، فانظروا: كيف كان عاقبتهم، لعلكم ترجعون عن غيكم. الإشارة: قال القشيري: الإشارة في البر إلى النفس، وفي البحر إلى القلب، وفساد البر بأكل الحرام وارتكاب المحظورات، وفساد البحر من الغفلة والأوصاف الذميمة، مثل سوء العزم، والحسد والحقد، وإرادة الفسوق، وغير ذلك. وعقد الإصرار على المخالفات من أعظم فساد القلب، كما أن العزم على الخيرات، قبل فعلها، من أعظم الخيرات. ومن جملة الفساد: التأويلات بغير حق، والانحطاط إلى الرخص من غير قيام بحق، والإغراق في الدعاوى من غير استحياء. ه. قال الورتجبي: إن الله غلب الإنسانية على الكون طاعة ومعصية، فإذا رزق الإنسان الطاعة صلح الأكوان ببركتها، وإذا رزق المعصية فسد الحدثان بشؤم معصيته لأن طاعته ومعصيته من تواثير لطفه وقهره، علا بنعت الاستيلاء على الوجود، فإذا فسادها يؤثر في بر النفوس وبحار القلوب، ففساد بر النفوس: فترتها عن العبودية، وفساد بحر القلب: احتجابه عن مشاهدة أنوارالربوبية. ه. قلت: وقد يقال: ظهر الفساد في بر الشريعة بذهاب حملتها، ومن يحفظها، ويذب عنها، وفي بحر الحقيقة بقلة صدق من يطلبها، وغربة أهلها، واختفائها حتى اندرست أعلامها، وخفي آثارها، والبركة لا تنقطع. وذلك بسبب ما كسبت أيدي الناس من إيثار الدنيا على الله ليذيقهم وبال القطيعة، لعلهم يرجعون إليه، إما بملاطفة الإحسان، أو بسلاسل الامتحان. قال في لطائف المنن: سأل بعض العارفين عن أولياء العدد، هل ينقصون؟ فقال: لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أنبتت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص أمداداهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم، مع وجود بقائهم. فإذا كان أهل الزمان معرضين عن الله، مؤثرين لما سوى الله لا تنجح فيهم الموعظة، ولا تميلهم التذكرة، لم يكونوا أهلا لظهور أولياء الله تعالى فيهم، ولذلك قالوا: أولياء لله عرائس ولا يرى العرائس المجرمون. ه. قال القشيري: قل سيروا بالاعتبار، واطلبوا الحق بنعت الافتكار، وانظروا: كيف كان حال من تقدمكم من الأشكال والأمثال؟ وقيسوا عليها حكمكم في جميع الأحوال، كان أكثرهم مشركين: كان أكثرهم عددا، ولكن أقل في التحقيق وزنا وقدرا. ه. ثم أمر بالتأهب ليوم المعاد وبه يندفع عن الخلق الفساد، فقال: { فأقم وجهك للدين القيم... }

الروم 30:42

يقول الحق جل جلاله: { ظهر الفساد في البر والبحر } ، أما الفساد في البر، فكالقحط،وقلة الأمطار، وعدم الريع في الزراعات والربح في التجارات، ووقوع الموتان في الناس والدواب، ومحق البركات من كل شيء. وأما في البحر فبكثرة الغرق، وانقطاع صيده. { بما } وذلك بسبب ما { كسبت أيدي الناس } من الكفر والمعاصي، ولو استقاموا على الطاعة لدفع الله عنهم هذه الآفات. أظهر فيهم ذلك { ليذيقهم بعض الذي عملوا } أي: ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة، عن " قنبل ويعقوب ": بنون التكلم. { لعلهم يرجعون } عما هم عليه من المعاصي. { قل } لكفار قومك { سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } لتعاينوا ما فعلنا بهم بسبب كفرهم ومعاصيهم لأنه { كان أكثرهم مشركين } فدمرناهم، وخربنا ديارهم، فانظروا: كيف كان عاقبتهم، لعلكم ترجعون عن غيكم. الإشارة: قال القشيري: الإشارة في البر إلى النفس، وفي البحر إلى القلب، وفساد البر بأكل الحرام وارتكاب المحظورات، وفساد البحر من الغفلة والأوصاف الذميمة، مثل سوء العزم، والحسد والحقد، وإرادة الفسوق، وغير ذلك. وعقد الإصرار على المخالفات من أعظم فساد القلب، كما أن العزم على الخيرات، قبل فعلها، من أعظم الخيرات. ومن جملة الفساد: التأويلات بغير حق، والانحطاط إلى الرخص من غير قيام بحق، والإغراق في الدعاوى من غير استحياء. ه. قال الورتجبي: إن الله غلب الإنسانية على الكون طاعة ومعصية، فإذا رزق الإنسان الطاعة صلح الأكوان ببركتها، وإذا رزق المعصية فسد الحدثان بشؤم معصيته لأن طاعته ومعصيته من تواثير لطفه وقهره، علا بنعت الاستيلاء على الوجود، فإذا فسادها يؤثر في بر النفوس وبحار القلوب، ففساد بر النفوس: فترتها عن العبودية، وفساد بحر القلب: احتجابه عن مشاهدة أنوارالربوبية. ه. قلت: وقد يقال: ظهر الفساد في بر الشريعة بذهاب حملتها، ومن يحفظها، ويذب عنها، وفي بحر الحقيقة بقلة صدق من يطلبها، وغربة أهلها، واختفائها حتى اندرست أعلامها، وخفي آثارها، والبركة لا تنقطع. وذلك بسبب ما كسبت أيدي الناس من إيثار الدنيا على الله ليذيقهم وبال القطيعة، لعلهم يرجعون إليه، إما بملاطفة الإحسان، أو بسلاسل الامتحان. قال في لطائف المنن: سأل بعض العارفين عن أولياء العدد، هل ينقصون؟ فقال: لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أنبتت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص أمداداهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم، مع وجود بقائهم. فإذا كان أهل الزمان معرضين عن الله، مؤثرين لما سوى الله لا تنجح فيهم الموعظة، ولا تميلهم التذكرة، لم يكونوا أهلا لظهور أولياء الله تعالى فيهم، ولذلك قالوا: أولياء لله عرائس ولا يرى العرائس المجرمون. ه. قال القشيري: قل سيروا بالاعتبار، واطلبوا الحق بنعت الافتكار، وانظروا: كيف كان حال من تقدمكم من الأشكال والأمثال؟ وقيسوا عليها حكمكم في جميع الأحوال، كان أكثرهم مشركين: كان أكثرهم عددا، ولكن أقل في التحقيق وزنا وقدرا. ه. ثم أمر بالتأهب ليوم المعاد وبه يندفع عن الخلق الفساد، فقال: { فأقم وجهك للدين القيم... }

الروم 30:43

يقول الحق جل جلاله: { فأقم وجهك } أي: قومه ووجهه { للدين القيم } البليغ في الاستقامة، الذي لا يتأتى فيه عوج ولا خلل. وفيه، من البديع، جناس الاشتقاق. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمته تبع، أو: لكل سامع. { من قبل أن يأتي يوم } وهو البعث، { لا مرد له } أي: لا يقدر أحد على رده، { من الله }: متعلق بيأتي، اي: من قبل ان يأتي من الله يوم لا يرده أحد، أو بمرد لأنه مصدر، أي: لا مرد له من جهة الله، بعد أن يجيء لتعلق الإرادة به حينئذ. { يومئذ يصدعون } يتصدعون، فأدغم التاء في الصاد. وفي الصحاح: الصدع: الشق، يقال صدعته فانصدع، أي: انشق. وتصدع القوم: تفرقوا. ه. أي: يفترقون فريق في الجنة وفريق في السعير. ثم أشار إلى غناه عنهم، فقال: { من كفر فعليه كفره } وبال كفره، لا يحمله عنه غيره. { ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } أي: يسوون لأنفسهم في قبورهم، أو: في الجنة ما يسوي لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مضجعه. وتقديم الظرف في الموضعين للاختصاص، أي: فلا يجاوز عمل أحد لغيره. ثم علل ما أمر به من التأهب، فقال: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصاحات } ، أظهر في موضع الإضمار، أي: ليجزيهم، ليدل عى أنه لا ينال هذا الجزاء الجميل إلا المؤمن، لصلاح عمله. أثابه ذلك { من فضله } أي: بمحض تفضله، إذ لا يجب عليه شيء، { إنه لا يحب الكافرين } ، بل يبغضهم ويمقتهم، وفيه إيماء إلى أنه يحب المؤمنين، وهو كذلك، ولا سيما المتوجهين. الإشارة: أمر الحق تعالى بالتوجه إليه، والتمسك بالطريق التي توصل إليه، قبل قيام الساعة لأن هذه الدار هي مزرعة لتلك الدار، فمن سار إليه هنا وعرفه عرفه في الآخرة، ومن قعد هنا مع هواه، حتى مات جاهلا به، بعث كذلك، كما هو معلوم. ولا يمكن التوجه والظفر بالطريق الموصلة إليه تعالى إلا بشيخ كامل سلك الطريق وعرفها. ومن رام الوصول بنفسه، أو بعلمه، أو بعقله انقطع لا محالة. قال القشيري: { فأقم وجهك للدين القيم }: أخلص قصدك، وصدق عزمك، بالموافقة للدين القيم، بالاتباع دون الاستبداد بالأمر على وجه الابتداع. ومن لم يتأدب بمن هو إمام وقته، ولم يتلقف الأذكار ممن هو لسان وقته، كان خسرانه أتم من ربحه، ونقصانه أعم من نفعه. ه. ثم ذكر دلائل القدرة على البعث وغيره، فقال: { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات... }

الروم 30:44

يقول الحق جل جلاله: { فأقم وجهك } أي: قومه ووجهه { للدين القيم } البليغ في الاستقامة، الذي لا يتأتى فيه عوج ولا خلل. وفيه، من البديع، جناس الاشتقاق. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمته تبع، أو: لكل سامع. { من قبل أن يأتي يوم } وهو البعث، { لا مرد له } أي: لا يقدر أحد على رده، { من الله }: متعلق بيأتي، اي: من قبل ان يأتي من الله يوم لا يرده أحد، أو بمرد لأنه مصدر، أي: لا مرد له من جهة الله، بعد أن يجيء لتعلق الإرادة به حينئذ. { يومئذ يصدعون } يتصدعون، فأدغم التاء في الصاد. وفي الصحاح: الصدع: الشق، يقال صدعته فانصدع، أي: انشق. وتصدع القوم: تفرقوا. ه. أي: يفترقون فريق في الجنة وفريق في السعير. ثم أشار إلى غناه عنهم، فقال: { من كفر فعليه كفره } وبال كفره، لا يحمله عنه غيره. { ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } أي: يسوون لأنفسهم في قبورهم، أو: في الجنة ما يسوي لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مضجعه. وتقديم الظرف في الموضعين للاختصاص، أي: فلا يجاوز عمل أحد لغيره. ثم علل ما أمر به من التأهب، فقال: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصاحات } ، أظهر في موضع الإضمار، أي: ليجزيهم، ليدل عى أنه لا ينال هذا الجزاء الجميل إلا المؤمن، لصلاح عمله. أثابه ذلك { من فضله } أي: بمحض تفضله، إذ لا يجب عليه شيء، { إنه لا يحب الكافرين } ، بل يبغضهم ويمقتهم، وفيه إيماء إلى أنه يحب المؤمنين، وهو كذلك، ولا سيما المتوجهين. الإشارة: أمر الحق تعالى بالتوجه إليه، والتمسك بالطريق التي توصل إليه، قبل قيام الساعة لأن هذه الدار هي مزرعة لتلك الدار، فمن سار إليه هنا وعرفه عرفه في الآخرة، ومن قعد هنا مع هواه، حتى مات جاهلا به، بعث كذلك، كما هو معلوم. ولا يمكن التوجه والظفر بالطريق الموصلة إليه تعالى إلا بشيخ كامل سلك الطريق وعرفها. ومن رام الوصول بنفسه، أو بعلمه، أو بعقله انقطع لا محالة. قال القشيري: { فأقم وجهك للدين القيم }: أخلص قصدك، وصدق عزمك، بالموافقة للدين القيم، بالاتباع دون الاستبداد بالأمر على وجه الابتداع. ومن لم يتأدب بمن هو إمام وقته، ولم يتلقف الأذكار ممن هو لسان وقته، كان خسرانه أتم من ربحه، ونقصانه أعم من نفعه. ه. ثم ذكر دلائل القدرة على البعث وغيره، فقال: { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات... }

الروم 30:45

يقول الحق جل جلاله: { فأقم وجهك } أي: قومه ووجهه { للدين القيم } البليغ في الاستقامة، الذي لا يتأتى فيه عوج ولا خلل. وفيه، من البديع، جناس الاشتقاق. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمته تبع، أو: لكل سامع. { من قبل أن يأتي يوم } وهو البعث، { لا مرد له } أي: لا يقدر أحد على رده، { من الله }: متعلق بيأتي، اي: من قبل ان يأتي من الله يوم لا يرده أحد، أو بمرد لأنه مصدر، أي: لا مرد له من جهة الله، بعد أن يجيء لتعلق الإرادة به حينئذ. { يومئذ يصدعون } يتصدعون، فأدغم التاء في الصاد. وفي الصحاح: الصدع: الشق، يقال صدعته فانصدع، أي: انشق. وتصدع القوم: تفرقوا. ه. أي: يفترقون فريق في الجنة وفريق في السعير. ثم أشار إلى غناه عنهم، فقال: { من كفر فعليه كفره } وبال كفره، لا يحمله عنه غيره. { ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } أي: يسوون لأنفسهم في قبورهم، أو: في الجنة ما يسوي لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مضجعه. وتقديم الظرف في الموضعين للاختصاص، أي: فلا يجاوز عمل أحد لغيره. ثم علل ما أمر به من التأهب، فقال: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصاحات } ، أظهر في موضع الإضمار، أي: ليجزيهم، ليدل عى أنه لا ينال هذا الجزاء الجميل إلا المؤمن، لصلاح عمله. أثابه ذلك { من فضله } أي: بمحض تفضله، إذ لا يجب عليه شيء، { إنه لا يحب الكافرين } ، بل يبغضهم ويمقتهم، وفيه إيماء إلى أنه يحب المؤمنين، وهو كذلك، ولا سيما المتوجهين. الإشارة: أمر الحق تعالى بالتوجه إليه، والتمسك بالطريق التي توصل إليه، قبل قيام الساعة لأن هذه الدار هي مزرعة لتلك الدار، فمن سار إليه هنا وعرفه عرفه في الآخرة، ومن قعد هنا مع هواه، حتى مات جاهلا به، بعث كذلك، كما هو معلوم. ولا يمكن التوجه والظفر بالطريق الموصلة إليه تعالى إلا بشيخ كامل سلك الطريق وعرفها. ومن رام الوصول بنفسه، أو بعلمه، أو بعقله انقطع لا محالة. قال القشيري: { فأقم وجهك للدين القيم }: أخلص قصدك، وصدق عزمك، بالموافقة للدين القيم، بالاتباع دون الاستبداد بالأمر على وجه الابتداع. ومن لم يتأدب بمن هو إمام وقته، ولم يتلقف الأذكار ممن هو لسان وقته، كان خسرانه أتم من ربحه، ونقصانه أعم من نفعه. ه. ثم ذكر دلائل القدرة على البعث وغيره، فقال: { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات... }

الروم 30:46

قلت: وليذيقكم: عطف على مبشرات على المعنى، كأنه قيل: لتبشركم وليذيقكم، أو: على محذوف، أي: ليغيثكم وليذيقكم. يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على كمال قدرته: { أن يرسل الرياح } ، وهي الجنوب، والصبا، والشمال والدبور، فالثلاث: رياح الرحمة، والدبور: ريح العذاب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا " وقال: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " ، وهي الريح العقيم. وقرأ ابن كثير والأخوان: بالإفراد، على إرادة الجنس. ثم ذكر فوائد إرسالها بقوله: { مبشرات } أي: أرسلها بالبشارة بالغيب { وليذيقكم من رحمته } ولإذاقة الرحمة، وهي نزول المطر، وحصول الخصب الذي يتبعه، والروح الذي مع هبوب الريح، وزكاء الأرض، أي: ربوها وزيادتها بالنبات، وغير ذلك من منافع الرياح والأمطار. قال الحسن: لو أمسك الله عن أهل الأرض الريح ساعة لماتوا غما. { ولتجري الفلك } في البحر عند هبوبها { بأمره } بتدبيره، أو بتكوينه، لقوله: إنمآ أمره إذآ أراد شيئا... [يس: 82] الآية. قيل: إنما زاد بأمره لأنها قد تهب غير مواتية، فتغرق، وهي عند أمره أيضا، فهي على حسب أمره، ولأن الإسناد وقع للفلك مجازا، فأخبر أنه بأمره، { ولتبتغوا من فضله } ، يريد به تجارة البحر، { ولعلكم تشكرون } هذه النعم فيزيدكم من فضله. الإشارة: ومن آيات فتحه على أوليائه: أن يرسل رياح الهداية أولا، ثم رياح التأييد، ثم رياح الواردات، تحمل هدايا التعرفات، مبشرات بالفتح الكبير، والتمكين في شهود العلي الكبير، وليذيقكم من رحمته، وهي حلاوة معرفته، ولتجري سفن الأفكار في ميادين بحار توحيده، ولتبتغوا من فضله، هو الترقي في الكشوفات والعلوم والأسرار، أبدا سرمدا، ولعلكم تشكرون بالقيام برسوم الشريعة وآداب العبودية. قال القشيري: يرسل رياح الرجاء على قلوب العباد، فتكنس قلوبهم من غبار الحسد وغثاء النفس، ثم يرسل عليها أمطار التوفيق، فتحملهم إلى بساط الجهد، وتكرمهم بقوى النشاط. ويرسل رياح البسط على أرواح الأولياء فتطهرها من وحشة القبض، وتنشر فيه لذاذات الوصال، ويرسل رياح التوحيد فتهب على أسرار الأصفياء، فتطهرها من آثار الأغيار، وتبشرها بدوام الوصال، فذلك ارتياح به،ولكن بعد اجتناح عنك. ه. أي: بعد ذهاب عنك وزوال. والله تعالى أعلم. ثم سلى نبيه بمن قبله، فقال: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم... }

الروم 30:47

قلت: حقا: خبر " كان " ، ونصر: اسمها. أو: حقا: خبر " كان " ، واسمها: ضمير الانتقام، فيوقف عليه، وعلينا نصر: مبتدأ وخبر. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءهم بالبينات } بالمعجزات البينات الواضحات، فكذبوهم { فانتقمنا من الذين أجرموا } بالتدمير، { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } أي: وكان نصر المؤمنين، بإنجائهم من العذاب، حقا واجبا علينا بإنجاز وعدنا إحسانا. أو: وكان الانتقام من المجرمين حقا لا شك فيه، ثم علينا، من جهة الإحسان، نصر المؤمنين. قال البيضاوي: فيه إشعار بأن الانتقام لهم - أي: من عدوهم - إظهار لكرامتهم، حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم. وعنه. صلى الله عليه وسلم: " ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه، إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم " ، ثم تلا الآية. أي: { وكان حقا علينا.. } إلخ. الإشارة: هكذا جرت سنة الله تعالى، مع خواصه، أن ينتقم ممن آذاهم، ولو بعد حين. وقد يكون الانتقام باطنا، بنقص الإيمان وقساوة القلب، وهو أقبح. قال القشيري: فانتقمنا من الذين أجرموا، وأخذناهم من حيث لا يحتسبوا، وشوشنا عليهم ما أملوا ونقصنا عليهم ما استطابوا وتنعموا. { وكان حقا علينا نصر المؤمنين }. وطئهم أعداؤهم بأعقابهم فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى رقيناهم فوق رقابهم، وخربنا أوطانهم، وهدمنا بنيانهم، وأخمدنا نيرانهم، وعطلنا عليهم ديارهم، ومحونا، بقهر التدمير، آثارهم، فظلت شموسهم كاسفة، ومكيدة قهرنا لهم، بأجمعهم، خاسفة. ه. ثم برهن على ذلك، فقال: { الله الذي يرسل... }

الروم 30:48

يقول الحق جل جلاله: { الله الذي يرسل الرياح } الأربع. وقرأ المكي: بالإفراد. { فتثير } أي: تزعج { سحابا فيبسطه في السماء } أي: يجعله منبسطا، متصلا بعضه ببعض في سمت السماء، كقوله: وفرعها في السمآء [إبراهيم: 24]، أي: جهته. فيبسطها في الجو { كيف يشاء } سائرا أو واقفا، مطبقا وغير مطبق. من ناحية الشمال أو الجنوب، أو الدبور، أو الصبا، { ويجعله كسفا } أي: قطعا متفرقة. والحاصل: أنه تارة يبسطه متصلا مطبقا، وتارة يجعله قطعا متفرقة، على مشيئته وحكمته. { فترى الودق } المطر { يخرج من خلاله } وسطه. { فإذا أصاب به } بالودق { من يشاء من عباده } ، يريد إصابة بلادهم وأراضيهم { إذا هم يستبشرون } يفرحون بالخصب، { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من قبله لمبلسين } آيسين، وكرر " من قبله " للتوكيد، وفائدته: الإعلام بسرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار، أو: على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم يأسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. { فانظر إلى آثار رحمة الله } أي: المطر { كيف يحيي الأرض } بالنبات وأنواع الثمار { بعد موتها } يبسها { إن ذلك } أي: القادر عليه { لمحيي الموتى } فكما أحيا الأرض بعد يبسها يحيي الأجساد بعد رميمها، { وهو على كل شيء قدير } وهذا من جمل مقدوراته تعالى. الإشارة: الله الذي يرسل رياح الواردات الإلهية، فتنزعج سحاب الآثارعن عين الذات العلية، فتبقى شمس العرفان، ليس دونها سحاب، فيبسطه في سماء القلوب كيف يشاء، فيقع الاحتجاب لبعضها، ويصرفه عمن يشاء فيقع التجلي والظهور، ويجعله كسفا لأهل الاستشراف، فتارة ينجلي عنهم سحاب الآثار، فيشاهدون الأنوار، وتارة تغطيهم سحب الآثار، فيشاهدون الأغيار، فترى مطر خمرة الفناء تخرج من خلاله، فإذا أصاب به من يشاء من عباده، إذا هم يستبشرون بأنوار معرفته وأسرار ذاته. وقد كانوا قبل ذلك مبلسين، آيسين، حين كانت نفوسهم غالبة عليهم. فانظر كيف أحيا أرض قلوبهم بعد موتها بالجهل والغفلة. وهذا مثال من كان منهمكا ثم سقط على شيخ ذي خمرة أزلية، فسقاه حتى حيي بمعرفة الله. قال القشيري: الله الذي يرسل رياح عطفه وجوده، مبشرات بجوده ووصله، ثم يمطر جود غيثه على أسراره، ويطوي بساط الحشمة عن مناجاة قربه، وبضرب قباب الهيبة بمشاهد كشفه، وينشر عليهم أزهار أنسه، ثم يتجلى لهم بحقائق قدسه، ويسقيهم بيده شراب حبه. وبعد ما محاهم عن أوصافهم أصحاهم، لا بهم، ولكن بنفسه. والعبارات عن ذلك خرس، والإشارات، دونه، طمس. وقال في قوله تعالى: { فانظر إلى آثار رحمة الله... } الآية: يحيي الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجيء أمطارها، ليخرج زرعها وثمارها، ويحي النفوس بعد تفريقها، ويوفقه للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطان الوفاق بصدق إقدامهم وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم وتحيي القلوب بعد غفلتها بأنواع المحاضرات فتعود إلى استدامة الذكر بحسن المراعاة ويهتدي بأنوار أهلها أهل العصر من أهل الإرادات ويحيي الأرواح بعد حجبتها بأنوار المشاهدات فتطلع شموسها من برج السعادة ويتصل بمشام أسرار الكافة نسيم ما يفيض عليهم من الزيادات فلا يبقى صاحب نفس إلا حظي منه بنصيب ويحيي الأسرار بأنوار المواجهات. وما كان لها إلا وقفة في بعض الحالات فتنتفي بالكلية آثار الغيرية ولا يبقى في الديار ديار ولا من سكانها آثار وسطوات الحقائق لا تثبت لها ذرة من صفات الخلائق هنالك الولاية لله الحق.. انتهى المراد منه مع زيادة بيان. ثم ذكر الجوائح، وما ينشأ من أهل الغفلة عند ظهورها، فقال: { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه... }

الروم 30:49

يقول الحق جل جلاله: { الله الذي يرسل الرياح } الأربع. وقرأ المكي: بالإفراد. { فتثير } أي: تزعج { سحابا فيبسطه في السماء } أي: يجعله منبسطا، متصلا بعضه ببعض في سمت السماء، كقوله: وفرعها في السمآء [إبراهيم: 24]، أي: جهته. فيبسطها في الجو { كيف يشاء } سائرا أو واقفا، مطبقا وغير مطبق. من ناحية الشمال أو الجنوب، أو الدبور، أو الصبا، { ويجعله كسفا } أي: قطعا متفرقة. والحاصل: أنه تارة يبسطه متصلا مطبقا، وتارة يجعله قطعا متفرقة، على مشيئته وحكمته. { فترى الودق } المطر { يخرج من خلاله } وسطه. { فإذا أصاب به } بالودق { من يشاء من عباده } ، يريد إصابة بلادهم وأراضيهم { إذا هم يستبشرون } يفرحون بالخصب، { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من قبله لمبلسين } آيسين، وكرر " من قبله " للتوكيد، وفائدته: الإعلام بسرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار، أو: على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم يأسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. { فانظر إلى آثار رحمة الله } أي: المطر { كيف يحيي الأرض } بالنبات وأنواع الثمار { بعد موتها } يبسها { إن ذلك } أي: القادر عليه { لمحيي الموتى } فكما أحيا الأرض بعد يبسها يحيي الأجساد بعد رميمها، { وهو على كل شيء قدير } وهذا من جمل مقدوراته تعالى. الإشارة: الله الذي يرسل رياح الواردات الإلهية، فتنزعج سحاب الآثارعن عين الذات العلية، فتبقى شمس العرفان، ليس دونها سحاب، فيبسطه في سماء القلوب كيف يشاء، فيقع الاحتجاب لبعضها، ويصرفه عمن يشاء فيقع التجلي والظهور، ويجعله كسفا لأهل الاستشراف، فتارة ينجلي عنهم سحاب الآثار، فيشاهدون الأنوار، وتارة تغطيهم سحب الآثار، فيشاهدون الأغيار، فترى مطر خمرة الفناء تخرج من خلاله، فإذا أصاب به من يشاء من عباده، إذا هم يستبشرون بأنوار معرفته وأسرار ذاته. وقد كانوا قبل ذلك مبلسين، آيسين، حين كانت نفوسهم غالبة عليهم. فانظر كيف أحيا أرض قلوبهم بعد موتها بالجهل والغفلة. وهذا مثال من كان منهمكا ثم سقط على شيخ ذي خمرة أزلية، فسقاه حتى حيي بمعرفة الله. قال القشيري: الله الذي يرسل رياح عطفه وجوده، مبشرات بجوده ووصله، ثم يمطر جود غيثه على أسراره، ويطوي بساط الحشمة عن مناجاة قربه، وبضرب قباب الهيبة بمشاهد كشفه، وينشر عليهم أزهار أنسه، ثم يتجلى لهم بحقائق قدسه، ويسقيهم بيده شراب حبه. وبعد ما محاهم عن أوصافهم أصحاهم، لا بهم، ولكن بنفسه. والعبارات عن ذلك خرس، والإشارات، دونه، طمس. وقال في قوله تعالى: { فانظر إلى آثار رحمة الله... } الآية: يحيي الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجيء أمطارها، ليخرج زرعها وثمارها، ويحي النفوس بعد تفريقها، ويوفقه للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطان الوفاق بصدق إقدامهم وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم وتحيي القلوب بعد غفلتها بأنواع المحاضرات فتعود إلى استدامة الذكر بحسن المراعاة ويهتدي بأنوار أهلها أهل العصر من أهل الإرادات ويحيي الأرواح بعد حجبتها بأنوار المشاهدات فتطلع شموسها من برج السعادة ويتصل بمشام أسرار الكافة نسيم ما يفيض عليهم من الزيادات فلا يبقى صاحب نفس إلا حظي منه بنصيب ويحيي الأسرار بأنوار المواجهات. وما كان لها إلا وقفة في بعض الحالات فتنتفي بالكلية آثار الغيرية ولا يبقى في الديار ديار ولا من سكانها آثار وسطوات الحقائق لا تثبت لها ذرة من صفات الخلائق هنالك الولاية لله الحق.. انتهى المراد منه مع زيادة بيان. ثم ذكر الجوائح، وما ينشأ من أهل الغفلة عند ظهورها، فقال: { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه... }

الروم 30:50

يقول الحق جل جلاله: { الله الذي يرسل الرياح } الأربع. وقرأ المكي: بالإفراد. { فتثير } أي: تزعج { سحابا فيبسطه في السماء } أي: يجعله منبسطا، متصلا بعضه ببعض في سمت السماء، كقوله: وفرعها في السمآء [إبراهيم: 24]، أي: جهته. فيبسطها في الجو { كيف يشاء } سائرا أو واقفا، مطبقا وغير مطبق. من ناحية الشمال أو الجنوب، أو الدبور، أو الصبا، { ويجعله كسفا } أي: قطعا متفرقة. والحاصل: أنه تارة يبسطه متصلا مطبقا، وتارة يجعله قطعا متفرقة، على مشيئته وحكمته. { فترى الودق } المطر { يخرج من خلاله } وسطه. { فإذا أصاب به } بالودق { من يشاء من عباده } ، يريد إصابة بلادهم وأراضيهم { إذا هم يستبشرون } يفرحون بالخصب، { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من قبله لمبلسين } آيسين، وكرر " من قبله " للتوكيد، وفائدته: الإعلام بسرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار، أو: على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم يأسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. { فانظر إلى آثار رحمة الله } أي: المطر { كيف يحيي الأرض } بالنبات وأنواع الثمار { بعد موتها } يبسها { إن ذلك } أي: القادر عليه { لمحيي الموتى } فكما أحيا الأرض بعد يبسها يحيي الأجساد بعد رميمها، { وهو على كل شيء قدير } وهذا من جمل مقدوراته تعالى. الإشارة: الله الذي يرسل رياح الواردات الإلهية، فتنزعج سحاب الآثارعن عين الذات العلية، فتبقى شمس العرفان، ليس دونها سحاب، فيبسطه في سماء القلوب كيف يشاء، فيقع الاحتجاب لبعضها، ويصرفه عمن يشاء فيقع التجلي والظهور، ويجعله كسفا لأهل الاستشراف، فتارة ينجلي عنهم سحاب الآثار، فيشاهدون الأنوار، وتارة تغطيهم سحب الآثار، فيشاهدون الأغيار، فترى مطر خمرة الفناء تخرج من خلاله، فإذا أصاب به من يشاء من عباده، إذا هم يستبشرون بأنوار معرفته وأسرار ذاته. وقد كانوا قبل ذلك مبلسين، آيسين، حين كانت نفوسهم غالبة عليهم. فانظر كيف أحيا أرض قلوبهم بعد موتها بالجهل والغفلة. وهذا مثال من كان منهمكا ثم سقط على شيخ ذي خمرة أزلية، فسقاه حتى حيي بمعرفة الله. قال القشيري: الله الذي يرسل رياح عطفه وجوده، مبشرات بجوده ووصله، ثم يمطر جود غيثه على أسراره، ويطوي بساط الحشمة عن مناجاة قربه، وبضرب قباب الهيبة بمشاهد كشفه، وينشر عليهم أزهار أنسه، ثم يتجلى لهم بحقائق قدسه، ويسقيهم بيده شراب حبه. وبعد ما محاهم عن أوصافهم أصحاهم، لا بهم، ولكن بنفسه. والعبارات عن ذلك خرس، والإشارات، دونه، طمس. وقال في قوله تعالى: { فانظر إلى آثار رحمة الله... } الآية: يحيي الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجيء أمطارها، ليخرج زرعها وثمارها، ويحي النفوس بعد تفريقها، ويوفقه للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطان الوفاق بصدق إقدامهم وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم وتحيي القلوب بعد غفلتها بأنواع المحاضرات فتعود إلى استدامة الذكر بحسن المراعاة ويهتدي بأنوار أهلها أهل العصر من أهل الإرادات ويحيي الأرواح بعد حجبتها بأنوار المشاهدات فتطلع شموسها من برج السعادة ويتصل بمشام أسرار الكافة نسيم ما يفيض عليهم من الزيادات فلا يبقى صاحب نفس إلا حظي منه بنصيب ويحيي الأسرار بأنوار المواجهات. وما كان لها إلا وقفة في بعض الحالات فتنتفي بالكلية آثار الغيرية ولا يبقى في الديار ديار ولا من سكانها آثار وسطوات الحقائق لا تثبت لها ذرة من صفات الخلائق هنالك الولاية لله الحق.. انتهى المراد منه مع زيادة بيان. ثم ذكر الجوائح، وما ينشأ من أهل الغفلة عند ظهورها، فقال: { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه... }

الروم 30:51

قلت: اجتمع القسم والشرط، فذكر جواب القسم وأغنى عن جواب الشرط. والضمير في رأوه: يعود على النبات المفهوم مما تقدم من أحياء الأرض، أو: على السحاب. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لئن أرسلنا ريحا } عاصفة على ما نبت في الأرض من الزروع وسائر الأشجار، الذي هو أثر رحمة الله، { فرأوه } أي: ما نبت في الأرض، { مصفرا } يابسا { لظلوا } أي: ليظلون { من بعده } أي من بعد اصفراره { يكفرون } ، ويقولون: ما رأينا خيرا قط، فينسون النعم السابقة بالنقم اللاحقة. وهذه صفة أهل الغفلة، وأما أهل اليقظة فيشكرون في أوقات النعم، ويصبرون ويرضون في أوقات النقم، وينتظرون الفرح بعد الشدة، واليسر بعد العسر، غير قانطين ولا ضجرين. أو: ولئن أرسلنا ريحا لتعذيبهم، فرأوا سحابة صفراء، لأن اصفراره علامة على أنه لا مطر فيه، لظلوا، أي: للجوا من بعد ذلك على كفرهم وطغيانهم، لانهماكهم. قال البيضاوي: وهذه الآية ناعية على الكفار، لقلة تثبيتهم، وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم، لعدم تفكرهم، وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله، ويلتجئوا إليه بالاستغفار، إذا احتبس القطر عنهم، ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر واستدامة الطاعة، إذا أصابهم برحمته ولم يبطروا بالاستبشار، وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولم يكفروا نعمه. ه. قال النسفي: ذمهم الله تعالى بأنهم، إذا حبس عنهم المطر، قنطوا من رحمته، وضربوا أذقانهم على صدورهم، مبلسين، فإذا أصابهم برحمته، ورزقهم المطر، استبشروا، فإذا أرسل الله ريحا فضرب زروعهم بالصفار ضجوا، وكفروا بنعمه، وهم في جميع هذه الأحوال على صفة مذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله. فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها صفة مذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله، فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها، ففرحوا وبطروا، وأن يصبروا على بلائه، فكفروا. ه. وهذه حال من مات قلبه، قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى } أي: موتى القلوب، وهؤلاء في حكم الموتى فلا تطمع أن يقبلوا منك، { ولا تسمع الصم الدعاء } أي: لا تقدر أن تسمع من كان كالأصم دعاءك إلى الله، او: لا يقدرون أن يسمعوا منك، { إذا ولوا مدبرين } ، فإن قلت: الأصم لا يسمع مقبلا أو مدبرا، فما فائدة التخصيص؟ قلت: هو إذا كان مقبلا يفهم بالرمز والإشارة، فإذا ولى فلا يفهم، ولا يسمع، فيتعذر إسماعه بالكلية. قاله النسفي. { وما أنت بهاد العمي } أي: عمي القلوب. وقرأ حمزة: " ومات أنت تهدي العمي " ، { عن ضلالتهم } أي: لا تقدر أن تهدي الأعمى عن طريقه إذا ضل عنه، بالإشارة إليه، { إن } ما { تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } منقادون لأوامر الله ونواهيه. الإشارة: من أصول طريقة التصوف: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فالرجوع في السراء: بالحمد والشكر، وفي الضراء: بالرضا والصبر. قال القشيري: { فإنك لا تسمع الموتى.. } إلخ: من فقد الحياة الأصلية لم يعش بالرقى والتمائم وإذا كان في السريرة طرش عن سماء الحقائق، فسمع الظواهر لا يفيد إلا تأكيد الحجة، وكما لم يسمع الصم الدعاء، فكذلك لا يمكنه أن يهدي العمي عن ضلالتهم. ه. ولما ذكر شيئا من دلائل الأكوان، ذكر شيئا من دلائل الأنفس، فقال: { الله الذي خلقكم... }

الروم 30:52

قلت: اجتمع القسم والشرط، فذكر جواب القسم وأغنى عن جواب الشرط. والضمير في رأوه: يعود على النبات المفهوم مما تقدم من أحياء الأرض، أو: على السحاب. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لئن أرسلنا ريحا } عاصفة على ما نبت في الأرض من الزروع وسائر الأشجار، الذي هو أثر رحمة الله، { فرأوه } أي: ما نبت في الأرض، { مصفرا } يابسا { لظلوا } أي: ليظلون { من بعده } أي من بعد اصفراره { يكفرون } ، ويقولون: ما رأينا خيرا قط، فينسون النعم السابقة بالنقم اللاحقة. وهذه صفة أهل الغفلة، وأما أهل اليقظة فيشكرون في أوقات النعم، ويصبرون ويرضون في أوقات النقم، وينتظرون الفرح بعد الشدة، واليسر بعد العسر، غير قانطين ولا ضجرين. أو: ولئن أرسلنا ريحا لتعذيبهم، فرأوا سحابة صفراء، لأن اصفراره علامة على أنه لا مطر فيه، لظلوا، أي: للجوا من بعد ذلك على كفرهم وطغيانهم، لانهماكهم. قال البيضاوي: وهذه الآية ناعية على الكفار، لقلة تثبيتهم، وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم، لعدم تفكرهم، وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله، ويلتجئوا إليه بالاستغفار، إذا احتبس القطر عنهم، ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر واستدامة الطاعة، إذا أصابهم برحمته ولم يبطروا بالاستبشار، وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولم يكفروا نعمه. ه. قال النسفي: ذمهم الله تعالى بأنهم، إذا حبس عنهم المطر، قنطوا من رحمته، وضربوا أذقانهم على صدورهم، مبلسين، فإذا أصابهم برحمته، ورزقهم المطر، استبشروا، فإذا أرسل الله ريحا فضرب زروعهم بالصفار ضجوا، وكفروا بنعمه، وهم في جميع هذه الأحوال على صفة مذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله. فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها صفة مذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله، فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها، ففرحوا وبطروا، وأن يصبروا على بلائه، فكفروا. ه. وهذه حال من مات قلبه، قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى } أي: موتى القلوب، وهؤلاء في حكم الموتى فلا تطمع أن يقبلوا منك، { ولا تسمع الصم الدعاء } أي: لا تقدر أن تسمع من كان كالأصم دعاءك إلى الله، او: لا يقدرون أن يسمعوا منك، { إذا ولوا مدبرين } ، فإن قلت: الأصم لا يسمع مقبلا أو مدبرا، فما فائدة التخصيص؟ قلت: هو إذا كان مقبلا يفهم بالرمز والإشارة، فإذا ولى فلا يفهم، ولا يسمع، فيتعذر إسماعه بالكلية. قاله النسفي. { وما أنت بهاد العمي } أي: عمي القلوب. وقرأ حمزة: " ومات أنت تهدي العمي " ، { عن ضلالتهم } أي: لا تقدر أن تهدي الأعمى عن طريقه إذا ضل عنه، بالإشارة إليه، { إن } ما { تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } منقادون لأوامر الله ونواهيه. الإشارة: من أصول طريقة التصوف: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فالرجوع في السراء: بالحمد والشكر، وفي الضراء: بالرضا والصبر. قال القشيري: { فإنك لا تسمع الموتى.. } إلخ: من فقد الحياة الأصلية لم يعش بالرقى والتمائم وإذا كان في السريرة طرش عن سماء الحقائق، فسمع الظواهر لا يفيد إلا تأكيد الحجة، وكما لم يسمع الصم الدعاء، فكذلك لا يمكنه أن يهدي العمي عن ضلالتهم. ه. ولما ذكر شيئا من دلائل الأكوان، ذكر شيئا من دلائل الأنفس، فقال: { الله الذي خلقكم... }

الروم 30:53

قلت: اجتمع القسم والشرط، فذكر جواب القسم وأغنى عن جواب الشرط. والضمير في رأوه: يعود على النبات المفهوم مما تقدم من أحياء الأرض، أو: على السحاب. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لئن أرسلنا ريحا } عاصفة على ما نبت في الأرض من الزروع وسائر الأشجار، الذي هو أثر رحمة الله، { فرأوه } أي: ما نبت في الأرض، { مصفرا } يابسا { لظلوا } أي: ليظلون { من بعده } أي من بعد اصفراره { يكفرون } ، ويقولون: ما رأينا خيرا قط، فينسون النعم السابقة بالنقم اللاحقة. وهذه صفة أهل الغفلة، وأما أهل اليقظة فيشكرون في أوقات النعم، ويصبرون ويرضون في أوقات النقم، وينتظرون الفرح بعد الشدة، واليسر بعد العسر، غير قانطين ولا ضجرين. أو: ولئن أرسلنا ريحا لتعذيبهم، فرأوا سحابة صفراء، لأن اصفراره علامة على أنه لا مطر فيه، لظلوا، أي: للجوا من بعد ذلك على كفرهم وطغيانهم، لانهماكهم. قال البيضاوي: وهذه الآية ناعية على الكفار، لقلة تثبيتهم، وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم، لعدم تفكرهم، وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله، ويلتجئوا إليه بالاستغفار، إذا احتبس القطر عنهم، ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر واستدامة الطاعة، إذا أصابهم برحمته ولم يبطروا بالاستبشار، وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولم يكفروا نعمه. ه. قال النسفي: ذمهم الله تعالى بأنهم، إذا حبس عنهم المطر، قنطوا من رحمته، وضربوا أذقانهم على صدورهم، مبلسين، فإذا أصابهم برحمته، ورزقهم المطر، استبشروا، فإذا أرسل الله ريحا فضرب زروعهم بالصفار ضجوا، وكفروا بنعمه، وهم في جميع هذه الأحوال على صفة مذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله. فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها صفة مذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله، فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها، ففرحوا وبطروا، وأن يصبروا على بلائه، فكفروا. ه. وهذه حال من مات قلبه، قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى } أي: موتى القلوب، وهؤلاء في حكم الموتى فلا تطمع أن يقبلوا منك، { ولا تسمع الصم الدعاء } أي: لا تقدر أن تسمع من كان كالأصم دعاءك إلى الله، او: لا يقدرون أن يسمعوا منك، { إذا ولوا مدبرين } ، فإن قلت: الأصم لا يسمع مقبلا أو مدبرا، فما فائدة التخصيص؟ قلت: هو إذا كان مقبلا يفهم بالرمز والإشارة، فإذا ولى فلا يفهم، ولا يسمع، فيتعذر إسماعه بالكلية. قاله النسفي. { وما أنت بهاد العمي } أي: عمي القلوب. وقرأ حمزة: " ومات أنت تهدي العمي " ، { عن ضلالتهم } أي: لا تقدر أن تهدي الأعمى عن طريقه إذا ضل عنه، بالإشارة إليه، { إن } ما { تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } منقادون لأوامر الله ونواهيه. الإشارة: من أصول طريقة التصوف: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فالرجوع في السراء: بالحمد والشكر، وفي الضراء: بالرضا والصبر. قال القشيري: { فإنك لا تسمع الموتى.. } إلخ: من فقد الحياة الأصلية لم يعش بالرقى والتمائم وإذا كان في السريرة طرش عن سماء الحقائق، فسمع الظواهر لا يفيد إلا تأكيد الحجة، وكما لم يسمع الصم الدعاء، فكذلك لا يمكنه أن يهدي العمي عن ضلالتهم. ه. ولما ذكر شيئا من دلائل الأكوان، ذكر شيئا من دلائل الأنفس، فقال: { الله الذي خلقكم... }

الروم 30:54

قلت: " الله ": مبتدأ، والموصول: خبره. يقول الحق جل جلاله: { الله } الذي يستحق ان يعبد وحده هو { الذي خلقكم من ضعف } أي: ابتدأكم ضعفاء، وجعل الضعف أساس أمركم، أو: خلقكم من أصل ضعيف، وهو النطفة كقوله: ألم نخلقكم من مآء مهين [المرسلات: 20]، { ثم جعل من بعد ضعف قوة } ، يعني: حال الشباب إلى بلوغ الأشد، { ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة } ، يعني: حال الشيخوخة والهرم. وقد ورد في الشيب ما يسلي عن روعة هجومه فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " من شاب شيبة الإسلام كانت له نورا يوم القيامة " ، ولما رأى إبراهيم عليه السلام الشيب في لحيته قال: يارب، ما هذا؟ قال: هذا وقار. وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: " يا داود، إني لأنظر الشيخ الكبير، مساء وصباحا، فأقول له: عبدي، كبر سنك، ورق جلدك، ووهن عظمك، وحان قدومك علي، فاستحي مني، فإني أستحيي أن أعذب شيبة بالنار ". ومن المستملحات، مما يسلي عن روع الشيب، ما أنشد القائل: لا يروعك الشيب يا بنت عبد الله، فالشيب حلة ووقار إنما تحسن الرياض إذا م ا ضحكت في خلالها الأزهار ثم قال تعالى: { يخلق ما يشاء } من ضعف وقوة، وشباب وشيبة، { وهو العليم } بأحوالهم، { القدير } على تدبيرهم فيصيرهم إلى ذلك. والترديد في الأحوال أبين دليل على وجود الصانع العليم القدير. وفي " الضعف ": لغتان الفتح والضم. وهو أقوى سندا في القراءة، كما روي ابن عمر. قال: قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ضعف " فأقرأني: " من ضعف ". الإشارة: إذا كثف الحجاب على الروح، وكثرت همومها، أسرع لها الضعف والهرم، وإذا رق حجابها وقلت همومها قويت ونشطت بعد هرمها، ولا شك أن توالي الهموم والأحزان يهرم، وتوالي البسط والفرح ينشط، ويرد الشباب من غير إبانه والعارفون: فرحهم بالله دائم، وبسطهم لازم إذ لا تنزل بساحتهم الهموم والأحزان وإنما تنزل بمن فقد الشهود والعيان، كما قال في الحكم. قال القشيري: { خلقكم من ضعف } ، أي: ضعف عن حال الخاصة، ثم جعل من بعد ضعف قوة بالوصول إلى شهود الوجود القديم، ثم من بعد قوة ضعفا بالرجوع إلى المسكنة أي: في حال البقاء، قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين " ه. ثم ذكر أهوال البعث، فقال: { ويوم تقوم الساعة يقسم... }

الروم 30:55

قلت: " لبثوا ": جواب القسم على المعنى، وإلا لقيل: ما لبثنا. يقول الحق جل جلاله: { ويوم تقوم الساعة } ، أي: القيامة. وسميت بذلك لأنها تقوم آخر ساعة من ساعات الدنيا، ولأنها تقوم في ساعة واحدة، وصارت علما لها بالغلبة، كالنجم للثريا فإذا قامت { يقسم المجرمون } يحلف الكافرون: { ما لبثوا } في قبورهم، أو: في الدنيا، { غير ساعة } ، استقلوا مدة لبثهم في القبور، أو: الدنيا، لشدة هول المطلع، أو: لطول مقامهم في أهوالها، أو: ينسون ما لبثوا، أو: يكذبون. { كذلك كانوا يؤفكون } ، أي: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الصدق والتصديق، أو: عن الحق حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه، ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. { وقال الذين أوثوا العلم والإيمان } ، أي: حصلوا العلم بالله والإيمان بالبعث وهم الملائكة والأنبياء، والمؤمنون: { لقد لبثتم في كتاب الله } في علم الله المثبت في اللوح، أو: في حكم الله وقضائه، أو: القرآن، وهو قوله تعالى: " ومن ورائهم برزخ.. " إلخ، أي: لقد مكثتم مدة البرزخ { إلى يوم البعث } ، ردوا عليهم ما قالوه، وحلفوهم عليه، وأطلعوهم على حقيقة الأمر، ثم وبخوهم على إنكار البعث بقولهم: { فهذا يوم البعث } الذي كنتم تنكرونه، { ولكنكم كنتم لا تعلمون } في الدنيا أنه حق لتفريطكم في طلب الحق، واتباعه. والفاء جواب شرط مقدر، ينساق إليه الكلام، أي: إن كنتم منكرين للبعث فهذا يومه. { فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا } كفروا { معذرتهم }: اعتذارهم، والمعذرة: تأنيثها مجازي، فيجوز التذكير والتأنيث، { ولا هم يستعتبون } أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم بالتوبة، ولا يدعون إلى استرضائه، يقال: استعتبني فلان فأعتبته، أي: استرضاني فأرضيته. الإشارة: كل من قصر في هذه الدار، وصرف أيام عمره في البطالة، يقصر عليه الزمان عند موته، ويرجع عنده كأنه يوم واحد فحينئذ يستعتب فلا يعتب، ويطلب الرجعى فلا يجاب، فلا تسأل عن حسرته وخسارته، والعياذ بالله، وهذا كله مبين في القرآن. كما قال تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن... }

الروم 30:56

قلت: " لبثوا ": جواب القسم على المعنى، وإلا لقيل: ما لبثنا. يقول الحق جل جلاله: { ويوم تقوم الساعة } ، أي: القيامة. وسميت بذلك لأنها تقوم آخر ساعة من ساعات الدنيا، ولأنها تقوم في ساعة واحدة، وصارت علما لها بالغلبة، كالنجم للثريا فإذا قامت { يقسم المجرمون } يحلف الكافرون: { ما لبثوا } في قبورهم، أو: في الدنيا، { غير ساعة } ، استقلوا مدة لبثهم في القبور، أو: الدنيا، لشدة هول المطلع، أو: لطول مقامهم في أهوالها، أو: ينسون ما لبثوا، أو: يكذبون. { كذلك كانوا يؤفكون } ، أي: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الصدق والتصديق، أو: عن الحق حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه، ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. { وقال الذين أوثوا العلم والإيمان } ، أي: حصلوا العلم بالله والإيمان بالبعث وهم الملائكة والأنبياء، والمؤمنون: { لقد لبثتم في كتاب الله } في علم الله المثبت في اللوح، أو: في حكم الله وقضائه، أو: القرآن، وهو قوله تعالى: " ومن ورائهم برزخ.. " إلخ، أي: لقد مكثتم مدة البرزخ { إلى يوم البعث } ، ردوا عليهم ما قالوه، وحلفوهم عليه، وأطلعوهم على حقيقة الأمر، ثم وبخوهم على إنكار البعث بقولهم: { فهذا يوم البعث } الذي كنتم تنكرونه، { ولكنكم كنتم لا تعلمون } في الدنيا أنه حق لتفريطكم في طلب الحق، واتباعه. والفاء جواب شرط مقدر، ينساق إليه الكلام، أي: إن كنتم منكرين للبعث فهذا يومه. { فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا } كفروا { معذرتهم }: اعتذارهم، والمعذرة: تأنيثها مجازي، فيجوز التذكير والتأنيث، { ولا هم يستعتبون } أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم بالتوبة، ولا يدعون إلى استرضائه، يقال: استعتبني فلان فأعتبته، أي: استرضاني فأرضيته. الإشارة: كل من قصر في هذه الدار، وصرف أيام عمره في البطالة، يقصر عليه الزمان عند موته، ويرجع عنده كأنه يوم واحد فحينئذ يستعتب فلا يعتب، ويطلب الرجعى فلا يجاب، فلا تسأل عن حسرته وخسارته، والعياذ بالله، وهذا كله مبين في القرآن. كما قال تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن... }

الروم 30:57

قلت: " لبثوا ": جواب القسم على المعنى، وإلا لقيل: ما لبثنا. يقول الحق جل جلاله: { ويوم تقوم الساعة } ، أي: القيامة. وسميت بذلك لأنها تقوم آخر ساعة من ساعات الدنيا، ولأنها تقوم في ساعة واحدة، وصارت علما لها بالغلبة، كالنجم للثريا فإذا قامت { يقسم المجرمون } يحلف الكافرون: { ما لبثوا } في قبورهم، أو: في الدنيا، { غير ساعة } ، استقلوا مدة لبثهم في القبور، أو: الدنيا، لشدة هول المطلع، أو: لطول مقامهم في أهوالها، أو: ينسون ما لبثوا، أو: يكذبون. { كذلك كانوا يؤفكون } ، أي: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الصدق والتصديق، أو: عن الحق حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه، ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. { وقال الذين أوثوا العلم والإيمان } ، أي: حصلوا العلم بالله والإيمان بالبعث وهم الملائكة والأنبياء، والمؤمنون: { لقد لبثتم في كتاب الله } في علم الله المثبت في اللوح، أو: في حكم الله وقضائه، أو: القرآن، وهو قوله تعالى: " ومن ورائهم برزخ.. " إلخ، أي: لقد مكثتم مدة البرزخ { إلى يوم البعث } ، ردوا عليهم ما قالوه، وحلفوهم عليه، وأطلعوهم على حقيقة الأمر، ثم وبخوهم على إنكار البعث بقولهم: { فهذا يوم البعث } الذي كنتم تنكرونه، { ولكنكم كنتم لا تعلمون } في الدنيا أنه حق لتفريطكم في طلب الحق، واتباعه. والفاء جواب شرط مقدر، ينساق إليه الكلام، أي: إن كنتم منكرين للبعث فهذا يومه. { فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا } كفروا { معذرتهم }: اعتذارهم، والمعذرة: تأنيثها مجازي، فيجوز التذكير والتأنيث، { ولا هم يستعتبون } أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم بالتوبة، ولا يدعون إلى استرضائه، يقال: استعتبني فلان فأعتبته، أي: استرضاني فأرضيته. الإشارة: كل من قصر في هذه الدار، وصرف أيام عمره في البطالة، يقصر عليه الزمان عند موته، ويرجع عنده كأنه يوم واحد فحينئذ يستعتب فلا يعتب، ويطلب الرجعى فلا يجاب، فلا تسأل عن حسرته وخسارته، والعياذ بالله، وهذا كله مبين في القرآن. كما قال تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن... }

الروم 30:58

يقول الحق جل جلاله: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } أي: بينا لهم فيه من كل مثل، ينبؤهم عن التوحيد والمعاد، وصدق الرسل، وغير ذلك، مما يحتاجون إلى بيانه، { ولئن جئتهم بآية } من الآيات الدالة على صدقك، أو: القرآن. { ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } مزورون. وإسناد الإبطال إلى الجميع، مع أن المجيء بالحق واحد مراعاة لمن شايعه معه من المؤمنين، أو: ولقد وصفنا كل صفة، كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن كقصة المبعوثين يقوم القيامة. وما يقولون، وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم، إذا جئتهم بآية من آيات القرآن، قالوا: جئتنا بزور باطل. { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } ، أي: مثل ذلك الطبع - وهو الختم - يطبع الله على قلوب الجهلة الذين علم الله منهم اختيار الضلال حتى سموا المحققين مبطلين، وهم أغرق خلق الله في تلك الصفة. { فاصبر } على أذاهم وعدواتهم، { إن وعد الله } بنصرتك، وإظهار دين الإسلام على كل دين، { حق } لابد من إنجازه والوفاء به، { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } لا يحملنك هؤلاء الذين لا يوقنون بالآخرة على الخفة والعجلة في الرد عليهم، أو: لا يحملنك على الخفة والقلق فزعا مما يقولون فإنهم ضلال، شاكون، لا يستغرب منهم ذلك. وقرأ يعقوب: بسكون النون على أنه نون التوكيد الخفيفة. الإشارة: فقد بين الله في القرآن ما يحتاج السائرون إليه، من علم الشريعة والطريقة والحقيقة، لمن خاض بحر معانيه وأسراره. ولئن جئتهم بآية، من غوامض أسراره ليقول أهل الجمود. هذا إلحاد وباطل. فاصبر إن وعد الله بالنصر لأوليائه حق، ولا يحملنك علىالعجلة من لا يقين عنده. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الروم 30:59

يقول الحق جل جلاله: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } أي: بينا لهم فيه من كل مثل، ينبؤهم عن التوحيد والمعاد، وصدق الرسل، وغير ذلك، مما يحتاجون إلى بيانه، { ولئن جئتهم بآية } من الآيات الدالة على صدقك، أو: القرآن. { ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } مزورون. وإسناد الإبطال إلى الجميع، مع أن المجيء بالحق واحد مراعاة لمن شايعه معه من المؤمنين، أو: ولقد وصفنا كل صفة، كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن كقصة المبعوثين يقوم القيامة. وما يقولون، وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم، إذا جئتهم بآية من آيات القرآن، قالوا: جئتنا بزور باطل. { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } ، أي: مثل ذلك الطبع - وهو الختم - يطبع الله على قلوب الجهلة الذين علم الله منهم اختيار الضلال حتى سموا المحققين مبطلين، وهم أغرق خلق الله في تلك الصفة. { فاصبر } على أذاهم وعدواتهم، { إن وعد الله } بنصرتك، وإظهار دين الإسلام على كل دين، { حق } لابد من إنجازه والوفاء به، { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } لا يحملنك هؤلاء الذين لا يوقنون بالآخرة على الخفة والعجلة في الرد عليهم، أو: لا يحملنك على الخفة والقلق فزعا مما يقولون فإنهم ضلال، شاكون، لا يستغرب منهم ذلك. وقرأ يعقوب: بسكون النون على أنه نون التوكيد الخفيفة. الإشارة: فقد بين الله في القرآن ما يحتاج السائرون إليه، من علم الشريعة والطريقة والحقيقة، لمن خاض بحر معانيه وأسراره. ولئن جئتهم بآية، من غوامض أسراره ليقول أهل الجمود. هذا إلحاد وباطل. فاصبر إن وعد الله بالنصر لأوليائه حق، ولا يحملنك علىالعجلة من لا يقين عنده. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الروم 30:60

يقول الحق جل جلاله: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } أي: بينا لهم فيه من كل مثل، ينبؤهم عن التوحيد والمعاد، وصدق الرسل، وغير ذلك، مما يحتاجون إلى بيانه، { ولئن جئتهم بآية } من الآيات الدالة على صدقك، أو: القرآن. { ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } مزورون. وإسناد الإبطال إلى الجميع، مع أن المجيء بالحق واحد مراعاة لمن شايعه معه من المؤمنين، أو: ولقد وصفنا كل صفة، كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن كقصة المبعوثين يقوم القيامة. وما يقولون، وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم، إذا جئتهم بآية من آيات القرآن، قالوا: جئتنا بزور باطل. { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } ، أي: مثل ذلك الطبع - وهو الختم - يطبع الله على قلوب الجهلة الذين علم الله منهم اختيار الضلال حتى سموا المحققين مبطلين، وهم أغرق خلق الله في تلك الصفة. { فاصبر } على أذاهم وعدواتهم، { إن وعد الله } بنصرتك، وإظهار دين الإسلام على كل دين، { حق } لابد من إنجازه والوفاء به، { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } لا يحملنك هؤلاء الذين لا يوقنون بالآخرة على الخفة والعجلة في الرد عليهم، أو: لا يحملنك على الخفة والقلق فزعا مما يقولون فإنهم ضلال، شاكون، لا يستغرب منهم ذلك. وقرأ يعقوب: بسكون النون على أنه نون التوكيد الخفيفة. الإشارة: فقد بين الله في القرآن ما يحتاج السائرون إليه، من علم الشريعة والطريقة والحقيقة، لمن خاض بحر معانيه وأسراره. ولئن جئتهم بآية، من غوامض أسراره ليقول أهل الجمود. هذا إلحاد وباطل. فاصبر إن وعد الله بالنصر لأوليائه حق، ولا يحملنك علىالعجلة من لا يقين عنده. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.