Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — لقمان 31:1 – الأحزاب 33:53

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. لقمان 31:1
  2. لقمان 31:2
  3. لقمان 31:3
  4. لقمان 31:4
  5. لقمان 31:5
  6. لقمان 31:6
  7. لقمان 31:7
  8. لقمان 31:8
  9. لقمان 31:9
  10. لقمان 31:10
  11. لقمان 31:11
  12. لقمان 31:12
  13. لقمان 31:13
  14. لقمان 31:14
  15. لقمان 31:15
  16. لقمان 31:16
  17. لقمان 31:17
  18. لقمان 31:18
  19. لقمان 31:19
  20. لقمان 31:20
  21. لقمان 31:21
  22. لقمان 31:22
  23. لقمان 31:23
  24. لقمان 31:24
  25. لقمان 31:25
  26. لقمان 31:26
  27. لقمان 31:27
  28. لقمان 31:28
  29. لقمان 31:29
  30. لقمان 31:30
  31. لقمان 31:31
  32. لقمان 31:32
  33. لقمان 31:33
  34. لقمان 31:34
  35. السجدة 32:1
  36. السجدة 32:2
  37. السجدة 32:3
  38. السجدة 32:4
  39. السجدة 32:5
  40. السجدة 32:6
  41. السجدة 32:7
  42. السجدة 32:8
  43. السجدة 32:9
  44. السجدة 32:10
  45. السجدة 32:11
  46. السجدة 32:12
  47. السجدة 32:13
  48. السجدة 32:14
  49. السجدة 32:15
  50. السجدة 32:16
  51. السجدة 32:17
  52. السجدة 32:18
  53. السجدة 32:19
  54. السجدة 32:20
  55. السجدة 32:21
  56. السجدة 32:22
  57. السجدة 32:23
  58. السجدة 32:24
  59. السجدة 32:25
  60. السجدة 32:26
  61. السجدة 32:27
  62. السجدة 32:28
  63. السجدة 32:29
  64. السجدة 32:30
  65. الأحزاب 33:1
  66. الأحزاب 33:2
  67. الأحزاب 33:3
  68. الأحزاب 33:4
  69. الأحزاب 33:5
  70. الأحزاب 33:6
  71. الأحزاب 33:7
  72. الأحزاب 33:8
  73. الأحزاب 33:9
  74. الأحزاب 33:10
  75. الأحزاب 33:11
  76. الأحزاب 33:12
  77. الأحزاب 33:13
  78. الأحزاب 33:14
  79. الأحزاب 33:15
  80. الأحزاب 33:16
  81. الأحزاب 33:17
  82. الأحزاب 33:18
  83. الأحزاب 33:19
  84. الأحزاب 33:20
  85. الأحزاب 33:21
  86. الأحزاب 33:22
  87. الأحزاب 33:23
  88. الأحزاب 33:24
  89. الأحزاب 33:25
  90. الأحزاب 33:26
  91. الأحزاب 33:27
  92. الأحزاب 33:28
  93. الأحزاب 33:29
  94. الأحزاب 33:30
  95. الأحزاب 33:31
  96. الأحزاب 33:32
  97. الأحزاب 33:33
  98. الأحزاب 33:34
  99. الأحزاب 33:35
  100. الأحزاب 33:36
  101. الأحزاب 33:37
  102. الأحزاب 33:38
  103. الأحزاب 33:39
  104. الأحزاب 33:40
  105. الأحزاب 33:41
  106. الأحزاب 33:42
  107. الأحزاب 33:43
  108. الأحزاب 33:44
  109. الأحزاب 33:45
  110. الأحزاب 33:46
  111. الأحزاب 33:47
  112. الأحزاب 33:48
  113. الأحزاب 33:49
  114. الأحزاب 33:50
  115. الأحزاب 33:51
  116. الأحزاب 33:52
  117. الأحزاب 33:53

لقمان 31:1

قلت: { هدى ورحمة }: حالان من الآيات، والعامل: معنى الإشارة. ورفعمها حمزة على الخبر لتلك بعد خبر، أو: خبر عن محذوف، أي: هو، أو: هي هدى. والموصول: نعت للمحسنين تفسير لإحسانهم، وهم: مبتدأ، ويوقنون: خبر. وتكريره الضمير للتوكيد، ولما حيل بينه وبين خبره. يقول الحق جل جلاله: { الم } أيها المصطفى المقرب، { تلك } الآيات التي تتلوها هي { آيات الكتاب الحكيم } أي: ذي الحكمة البالغة، أو: الذي أحكمت آياته وأتقنت، أو: المحكم الذي لا ينسخه كتاب. أو: المصون من التغيير والتبديل. حال كونه { هدى ورحمة } هاديا لظواهرهم بتبيين الشرائع، ورحمة لقلوبهم بتبين حقائق الإيمان، ولأرواحهم بإظهار حقائق الإحسان. وقد تقدم هذا البيان في قوله: إذا ما اتقوا وآمنوا [المائدة: 93] الآية. ولذلك خصه بقوله: { للمحسنين } ، فإنما يكون هدى ورحمة لأهل الإحسان لأنهم هم الذين يغوصون على أسراره ومعانيه. وهم { الذين يقيمون الصلاة } يتقنونها، { ويؤتون الزكاة } على الوجه المشروع، ويدفعونها لمن يستحقها، لا جزاء ولا شكورا، ولا لجلب نفع أو دفع شر، { وهم بالآخرة هم يوقنون } ، كأنها نصب أعينهم. وخص بالذكر هذه الثلاثة لفضلها فإن الصلاة عماد الدين، والزكاة قرينتها لأن الأولى عبادة بدنية، والثانية مالية، والآخرة هي دار الجزاء، فلولا وقوعها لكان وجود هذا الخلق عبثا، وتعالى الله عنه علوا كبيرا. ثم مدح المتصف بتلك الخصال فقال: { أولئك على هدى من ربهم } أي: راكبون على متن الهداية، متمكنون منها، { وأولئك هم المفلحون } ، الفائزون بكل مطلوب. الإشارة: قال القشيري: { الم } ، الألف إشارة إلى آلائه، واللام إلى لطفه، والميم إلى مجده وسنائه، فبآلائه دفع الجحد عن قلوب أوليائه، وبلطف عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه هو مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه. ه. ثم وصف كتابه بأنه هاد للسائرين، رحمة للواصلين إذ لاتكمل الرحمة إلا بشهود الحبيب، يكلمك ويناجيك، وهذه حالة أهل مقام الإحسان. قال القشيري: وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد الله: دانيهم وقاصيهم، مطيعهم وعاصيهم. ثم قال: { الذين يقيمون الصلاة } يأتون بشرائطها في الظاهر - ثم ذكرها -، وفي الباطن يأتون بشروطها من طهارة السر عن العلائق، وستر عورة الباطن، بتنقيته من العيوب لأن ما كان فيه فالله يراه. فإذا أردت أن لا يرى الله عيوبك فاحذرها حتى لا تكون. والوقوف على مكان طاهر: هو وقوف القلب على الحد الذي أذن فيه، مما لا يكون فيه دعوى بلا تحقيق، بل رحم الله من وقف عند حده بالمعرفة بالوقت، فيعلم وقت التذلل والاستكانة ويميز بينه وبين وقت السرور والبسط، ويستقبل القبلة بنفسه، ويعلق قلبه بالله، من غير تخصيص بقطر أو مكان { أولئك على هدى من ربهم } وهم الذين اهتدوا في الدنيا، وسلموا ونجوا في العقبى. ه. ثم شفع بضلهم فقال: { ومن الناس من يشتري... }

لقمان 31:2

قلت: { هدى ورحمة }: حالان من الآيات، والعامل: معنى الإشارة. ورفعمها حمزة على الخبر لتلك بعد خبر، أو: خبر عن محذوف، أي: هو، أو: هي هدى. والموصول: نعت للمحسنين تفسير لإحسانهم، وهم: مبتدأ، ويوقنون: خبر. وتكريره الضمير للتوكيد، ولما حيل بينه وبين خبره. يقول الحق جل جلاله: { الم } أيها المصطفى المقرب، { تلك } الآيات التي تتلوها هي { آيات الكتاب الحكيم } أي: ذي الحكمة البالغة، أو: الذي أحكمت آياته وأتقنت، أو: المحكم الذي لا ينسخه كتاب. أو: المصون من التغيير والتبديل. حال كونه { هدى ورحمة } هاديا لظواهرهم بتبيين الشرائع، ورحمة لقلوبهم بتبين حقائق الإيمان، ولأرواحهم بإظهار حقائق الإحسان. وقد تقدم هذا البيان في قوله: إذا ما اتقوا وآمنوا [المائدة: 93] الآية. ولذلك خصه بقوله: { للمحسنين } ، فإنما يكون هدى ورحمة لأهل الإحسان لأنهم هم الذين يغوصون على أسراره ومعانيه. وهم { الذين يقيمون الصلاة } يتقنونها، { ويؤتون الزكاة } على الوجه المشروع، ويدفعونها لمن يستحقها، لا جزاء ولا شكورا، ولا لجلب نفع أو دفع شر، { وهم بالآخرة هم يوقنون } ، كأنها نصب أعينهم. وخص بالذكر هذه الثلاثة لفضلها فإن الصلاة عماد الدين، والزكاة قرينتها لأن الأولى عبادة بدنية، والثانية مالية، والآخرة هي دار الجزاء، فلولا وقوعها لكان وجود هذا الخلق عبثا، وتعالى الله عنه علوا كبيرا. ثم مدح المتصف بتلك الخصال فقال: { أولئك على هدى من ربهم } أي: راكبون على متن الهداية، متمكنون منها، { وأولئك هم المفلحون } ، الفائزون بكل مطلوب. الإشارة: قال القشيري: { الم } ، الألف إشارة إلى آلائه، واللام إلى لطفه، والميم إلى مجده وسنائه، فبآلائه دفع الجحد عن قلوب أوليائه، وبلطف عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه هو مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه. ه. ثم وصف كتابه بأنه هاد للسائرين، رحمة للواصلين إذ لاتكمل الرحمة إلا بشهود الحبيب، يكلمك ويناجيك، وهذه حالة أهل مقام الإحسان. قال القشيري: وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد الله: دانيهم وقاصيهم، مطيعهم وعاصيهم. ثم قال: { الذين يقيمون الصلاة } يأتون بشرائطها في الظاهر - ثم ذكرها -، وفي الباطن يأتون بشروطها من طهارة السر عن العلائق، وستر عورة الباطن، بتنقيته من العيوب لأن ما كان فيه فالله يراه. فإذا أردت أن لا يرى الله عيوبك فاحذرها حتى لا تكون. والوقوف على مكان طاهر: هو وقوف القلب على الحد الذي أذن فيه، مما لا يكون فيه دعوى بلا تحقيق، بل رحم الله من وقف عند حده بالمعرفة بالوقت، فيعلم وقت التذلل والاستكانة ويميز بينه وبين وقت السرور والبسط، ويستقبل القبلة بنفسه، ويعلق قلبه بالله، من غير تخصيص بقطر أو مكان { أولئك على هدى من ربهم } وهم الذين اهتدوا في الدنيا، وسلموا ونجوا في العقبى. ه. ثم شفع بضلهم فقال: { ومن الناس من يشتري... }

لقمان 31:3

قلت: { هدى ورحمة }: حالان من الآيات، والعامل: معنى الإشارة. ورفعمها حمزة على الخبر لتلك بعد خبر، أو: خبر عن محذوف، أي: هو، أو: هي هدى. والموصول: نعت للمحسنين تفسير لإحسانهم، وهم: مبتدأ، ويوقنون: خبر. وتكريره الضمير للتوكيد، ولما حيل بينه وبين خبره. يقول الحق جل جلاله: { الم } أيها المصطفى المقرب، { تلك } الآيات التي تتلوها هي { آيات الكتاب الحكيم } أي: ذي الحكمة البالغة، أو: الذي أحكمت آياته وأتقنت، أو: المحكم الذي لا ينسخه كتاب. أو: المصون من التغيير والتبديل. حال كونه { هدى ورحمة } هاديا لظواهرهم بتبيين الشرائع، ورحمة لقلوبهم بتبين حقائق الإيمان، ولأرواحهم بإظهار حقائق الإحسان. وقد تقدم هذا البيان في قوله: إذا ما اتقوا وآمنوا [المائدة: 93] الآية. ولذلك خصه بقوله: { للمحسنين } ، فإنما يكون هدى ورحمة لأهل الإحسان لأنهم هم الذين يغوصون على أسراره ومعانيه. وهم { الذين يقيمون الصلاة } يتقنونها، { ويؤتون الزكاة } على الوجه المشروع، ويدفعونها لمن يستحقها، لا جزاء ولا شكورا، ولا لجلب نفع أو دفع شر، { وهم بالآخرة هم يوقنون } ، كأنها نصب أعينهم. وخص بالذكر هذه الثلاثة لفضلها فإن الصلاة عماد الدين، والزكاة قرينتها لأن الأولى عبادة بدنية، والثانية مالية، والآخرة هي دار الجزاء، فلولا وقوعها لكان وجود هذا الخلق عبثا، وتعالى الله عنه علوا كبيرا. ثم مدح المتصف بتلك الخصال فقال: { أولئك على هدى من ربهم } أي: راكبون على متن الهداية، متمكنون منها، { وأولئك هم المفلحون } ، الفائزون بكل مطلوب. الإشارة: قال القشيري: { الم } ، الألف إشارة إلى آلائه، واللام إلى لطفه، والميم إلى مجده وسنائه، فبآلائه دفع الجحد عن قلوب أوليائه، وبلطف عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه هو مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه. ه. ثم وصف كتابه بأنه هاد للسائرين، رحمة للواصلين إذ لاتكمل الرحمة إلا بشهود الحبيب، يكلمك ويناجيك، وهذه حالة أهل مقام الإحسان. قال القشيري: وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد الله: دانيهم وقاصيهم، مطيعهم وعاصيهم. ثم قال: { الذين يقيمون الصلاة } يأتون بشرائطها في الظاهر - ثم ذكرها -، وفي الباطن يأتون بشروطها من طهارة السر عن العلائق، وستر عورة الباطن، بتنقيته من العيوب لأن ما كان فيه فالله يراه. فإذا أردت أن لا يرى الله عيوبك فاحذرها حتى لا تكون. والوقوف على مكان طاهر: هو وقوف القلب على الحد الذي أذن فيه، مما لا يكون فيه دعوى بلا تحقيق، بل رحم الله من وقف عند حده بالمعرفة بالوقت، فيعلم وقت التذلل والاستكانة ويميز بينه وبين وقت السرور والبسط، ويستقبل القبلة بنفسه، ويعلق قلبه بالله، من غير تخصيص بقطر أو مكان { أولئك على هدى من ربهم } وهم الذين اهتدوا في الدنيا، وسلموا ونجوا في العقبى. ه. ثم شفع بضلهم فقال: { ومن الناس من يشتري... }

لقمان 31:4

قلت: { هدى ورحمة }: حالان من الآيات، والعامل: معنى الإشارة. ورفعمها حمزة على الخبر لتلك بعد خبر، أو: خبر عن محذوف، أي: هو، أو: هي هدى. والموصول: نعت للمحسنين تفسير لإحسانهم، وهم: مبتدأ، ويوقنون: خبر. وتكريره الضمير للتوكيد، ولما حيل بينه وبين خبره. يقول الحق جل جلاله: { الم } أيها المصطفى المقرب، { تلك } الآيات التي تتلوها هي { آيات الكتاب الحكيم } أي: ذي الحكمة البالغة، أو: الذي أحكمت آياته وأتقنت، أو: المحكم الذي لا ينسخه كتاب. أو: المصون من التغيير والتبديل. حال كونه { هدى ورحمة } هاديا لظواهرهم بتبيين الشرائع، ورحمة لقلوبهم بتبين حقائق الإيمان، ولأرواحهم بإظهار حقائق الإحسان. وقد تقدم هذا البيان في قوله: إذا ما اتقوا وآمنوا [المائدة: 93] الآية. ولذلك خصه بقوله: { للمحسنين } ، فإنما يكون هدى ورحمة لأهل الإحسان لأنهم هم الذين يغوصون على أسراره ومعانيه. وهم { الذين يقيمون الصلاة } يتقنونها، { ويؤتون الزكاة } على الوجه المشروع، ويدفعونها لمن يستحقها، لا جزاء ولا شكورا، ولا لجلب نفع أو دفع شر، { وهم بالآخرة هم يوقنون } ، كأنها نصب أعينهم. وخص بالذكر هذه الثلاثة لفضلها فإن الصلاة عماد الدين، والزكاة قرينتها لأن الأولى عبادة بدنية، والثانية مالية، والآخرة هي دار الجزاء، فلولا وقوعها لكان وجود هذا الخلق عبثا، وتعالى الله عنه علوا كبيرا. ثم مدح المتصف بتلك الخصال فقال: { أولئك على هدى من ربهم } أي: راكبون على متن الهداية، متمكنون منها، { وأولئك هم المفلحون } ، الفائزون بكل مطلوب. الإشارة: قال القشيري: { الم } ، الألف إشارة إلى آلائه، واللام إلى لطفه، والميم إلى مجده وسنائه، فبآلائه دفع الجحد عن قلوب أوليائه، وبلطف عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه هو مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه. ه. ثم وصف كتابه بأنه هاد للسائرين، رحمة للواصلين إذ لاتكمل الرحمة إلا بشهود الحبيب، يكلمك ويناجيك، وهذه حالة أهل مقام الإحسان. قال القشيري: وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد الله: دانيهم وقاصيهم، مطيعهم وعاصيهم. ثم قال: { الذين يقيمون الصلاة } يأتون بشرائطها في الظاهر - ثم ذكرها -، وفي الباطن يأتون بشروطها من طهارة السر عن العلائق، وستر عورة الباطن، بتنقيته من العيوب لأن ما كان فيه فالله يراه. فإذا أردت أن لا يرى الله عيوبك فاحذرها حتى لا تكون. والوقوف على مكان طاهر: هو وقوف القلب على الحد الذي أذن فيه، مما لا يكون فيه دعوى بلا تحقيق، بل رحم الله من وقف عند حده بالمعرفة بالوقت، فيعلم وقت التذلل والاستكانة ويميز بينه وبين وقت السرور والبسط، ويستقبل القبلة بنفسه، ويعلق قلبه بالله، من غير تخصيص بقطر أو مكان { أولئك على هدى من ربهم } وهم الذين اهتدوا في الدنيا، وسلموا ونجوا في العقبى. ه. ثم شفع بضلهم فقال: { ومن الناس من يشتري... }

لقمان 31:5

قلت: { هدى ورحمة }: حالان من الآيات، والعامل: معنى الإشارة. ورفعمها حمزة على الخبر لتلك بعد خبر، أو: خبر عن محذوف، أي: هو، أو: هي هدى. والموصول: نعت للمحسنين تفسير لإحسانهم، وهم: مبتدأ، ويوقنون: خبر. وتكريره الضمير للتوكيد، ولما حيل بينه وبين خبره. يقول الحق جل جلاله: { الم } أيها المصطفى المقرب، { تلك } الآيات التي تتلوها هي { آيات الكتاب الحكيم } أي: ذي الحكمة البالغة، أو: الذي أحكمت آياته وأتقنت، أو: المحكم الذي لا ينسخه كتاب. أو: المصون من التغيير والتبديل. حال كونه { هدى ورحمة } هاديا لظواهرهم بتبيين الشرائع، ورحمة لقلوبهم بتبين حقائق الإيمان، ولأرواحهم بإظهار حقائق الإحسان. وقد تقدم هذا البيان في قوله: إذا ما اتقوا وآمنوا [المائدة: 93] الآية. ولذلك خصه بقوله: { للمحسنين } ، فإنما يكون هدى ورحمة لأهل الإحسان لأنهم هم الذين يغوصون على أسراره ومعانيه. وهم { الذين يقيمون الصلاة } يتقنونها، { ويؤتون الزكاة } على الوجه المشروع، ويدفعونها لمن يستحقها، لا جزاء ولا شكورا، ولا لجلب نفع أو دفع شر، { وهم بالآخرة هم يوقنون } ، كأنها نصب أعينهم. وخص بالذكر هذه الثلاثة لفضلها فإن الصلاة عماد الدين، والزكاة قرينتها لأن الأولى عبادة بدنية، والثانية مالية، والآخرة هي دار الجزاء، فلولا وقوعها لكان وجود هذا الخلق عبثا، وتعالى الله عنه علوا كبيرا. ثم مدح المتصف بتلك الخصال فقال: { أولئك على هدى من ربهم } أي: راكبون على متن الهداية، متمكنون منها، { وأولئك هم المفلحون } ، الفائزون بكل مطلوب. الإشارة: قال القشيري: { الم } ، الألف إشارة إلى آلائه، واللام إلى لطفه، والميم إلى مجده وسنائه، فبآلائه دفع الجحد عن قلوب أوليائه، وبلطف عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه هو مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه. ه. ثم وصف كتابه بأنه هاد للسائرين، رحمة للواصلين إذ لاتكمل الرحمة إلا بشهود الحبيب، يكلمك ويناجيك، وهذه حالة أهل مقام الإحسان. قال القشيري: وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد الله: دانيهم وقاصيهم، مطيعهم وعاصيهم. ثم قال: { الذين يقيمون الصلاة } يأتون بشرائطها في الظاهر - ثم ذكرها -، وفي الباطن يأتون بشروطها من طهارة السر عن العلائق، وستر عورة الباطن، بتنقيته من العيوب لأن ما كان فيه فالله يراه. فإذا أردت أن لا يرى الله عيوبك فاحذرها حتى لا تكون. والوقوف على مكان طاهر: هو وقوف القلب على الحد الذي أذن فيه، مما لا يكون فيه دعوى بلا تحقيق، بل رحم الله من وقف عند حده بالمعرفة بالوقت، فيعلم وقت التذلل والاستكانة ويميز بينه وبين وقت السرور والبسط، ويستقبل القبلة بنفسه، ويعلق قلبه بالله، من غير تخصيص بقطر أو مكان { أولئك على هدى من ربهم } وهم الذين اهتدوا في الدنيا، وسلموا ونجوا في العقبى. ه. ثم شفع بضلهم فقال: { ومن الناس من يشتري... }

لقمان 31:6

يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } أي: ما يلهى به عما يقرب إلى الله كالأحاديث التي لا أصل لها، والخرافات التي لا حقيقة لها، والمضاحك، وفضول الكلام. قيل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يخرج إلى فارس للتجارة، فيشتري أخبار الأعاجم، ثم يحدث قريشا بها، ويقول: إن محمدا يحدثكم بأخبار عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم، وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ولا يسمعون القرآن. وقيل: كان يشتري القيان، ويحملهن على معاشرة من أراد الإسلام ليصده عنه. والإشتراء من الشراء، كما تقدم عن النضر، ومن البدل، كقوله: اشتروا الكفر بالإيمان [آل عمران: 177]. استبدلوه واختاروه، أي: يختار حديث الباطل على حديث الحق. وإضافة اللهو إلى الحديث، للتبيين بمعنى " من " لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فيبين بالحديث، والمراد بالحديث: الحديث المكروه، كما جاء في الحديث: " الحديث في المسجد يأكل الحسنات، كما تأكل البهيمة الحشيش " ، أو: للتبعيض، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي فيه اللهو. وقال مجاهد: يعني: شراء المغنيات والمغنيين، أي: يشتري ذات لهو، أو ذا لهو الحديث. وقال أبو أمامة: قال عليه الصلاة والسلام: " لا يحل تعليم المغنيات، ولا بيعهن، وأثمانهن حرام " وفي مثل هذا نزلت هذه الآية، ثم قال: " وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يسكت ". قلت: هذا مقيد بشعر الهوى لأهل الهوى، وأما أهل الحق الذين يسمعون من الحق، فلا يتوجه الحديث لهم، وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. ثم قال أبو أمامة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى بعثني هدى ورحمة للعالمين، وأمرني ربي بمحو المعازف والمزامير والأوثان، والصلب وأمر الجاهلية، وحلف ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة خمر متعمدا إلا سقيته مثلها من الصديد يوم القيامة، مغفورا له أو معذبا، ولا سقاها غيره إلا فعلت به مثل ذلك، لا يتركها عبد من مخافتي إلا سقيته من حياض القدس يوم القيامة " انظر الثعلبي. ثم قال تعالى: { ليضل عن سبيل الله } أي: فعل ذلك ليضل هو عن طريق الله ودينه، أو ليضل غيره عنه، أو عن القرآن، { بغير علم } أي: جهلا منه بما عليه من الوزر. { ويتخذها } أي: السبيل { هزوا } وسخرية. فمن رفع: استأنف، ومن نصب، عطفها على ليضل، { أولئك لهم عذاب مهين } يهينهم ويخزيهم، و " من " ، لإبهامه، يقع على الواحد والجمع، والمراد: النضر ومن تبعه. { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا } أعرض عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن الإصغاء إلى القرآن، { كأن لم يسمعها } كأنه لم يسمعها، ولا ذكرت على سمعه. شبه حاله بحال من لم يسمعها قط، { كأن في أذنيه وقرا } ثقلا وصمما، { فبشره بعذاب أليم } أخبره بأن العذاب يوجعه لا محالة. وذكر البشارة على سبيل التهكم. وهذا في مقابلة مدح المحسنين المقيمين المزكين. فكما قال في المحسنين: { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } ، قال في هؤلاء: { أولئك لهم عذاب مهين } ، بعد أن وصفهم بالضلال والإضلال، في مقابلة المحسنين بالهداية والفلاح. والله تعالى أعلم. الإشارة: لهو الحديث هو كل ما يشغل عن الله، ويصد عن حضرة الله، كائنا ما كان، سواء كان غناء أو غيره، وإذا كان الغناء يهيج لذكر الله، ويحرك الروح إلى حضرة الله، كان حقا، وإذا كان يحرك إلى الهوى النفساني كان باطلا. والحاصل: أن السماع عند الصوفية ركن من أركان الطريقة، بشروط الثلاثة: الزمان والمكان والإخوان. وقد ألف الغزالي تأليفا في تكفير من أطلق تحريم السماع. وقال في الإحياء، في جملة من احتج به المحرم للسماع: احتج بقوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ، وقد قال ابن مسعود والنخعي والحسن: إنه الغناء. وأجاب ما حاصله: أنه إنما يحرم إذا كان استبدالا بالدين، وليس كل غناء بدلا عن الدين، مشترى به، ومضلا عن سبيل الله، ولو قرأ القرآن ليضل عن سبيل الله كان حراما. كما حكي عن بعض المنافقين أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا بسورة عبس، لما فيها من العتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم عمر بقتله. فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم. ه. وأما إن لم يكن شيء من ذلك، فلا يحرم. وقال في القوت، في كتاب المحبة: ولم يزل الحجازيون، عندنا بمكة، يسمعون السماع في أفضل أيام السنة، وهي الأيام المعدودات، التي أمر الله عز وجل عباده فيها بذكره، أيام التشريق، من وقت عطاء بن أبي رباح، إلى وقتنا هذا، ما أنكره عالم، وكان لعطاء جاريتان تلحنان، فكان إخوانه يستمعون إليهما، ولم يزل أهل المدينة مواطئين لأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا. وأدركنا أبا مروان القاضي، له جوار يسمعن التلحين، قد أعدهن للطوافين. فكان يجمعهن لهم، ويأمرهن بالإنشاد، وكان فاضلا. وسئل شيخنا أبو الحسن بن سالم، فقيل له: إنك تنكر السماع، وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون؟ فقال: كيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني. ه. وقال ابن ليون التجيبي في الإنالة: روي عن مصعب بن الزبير، قال حضرت مجلس مالك، فسأله أبو مصعب عن السماع، فقال: ما أدري، إلا أن أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك، ولا يقعدون عنه، ولا ينكره إلا غبي جاهل، أو ناسك عراقي غليظ الطبع. قال التجيبي: وعن أنس كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نزل عليه جبريل، فقال: يا رسول الله فقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وهو نصف يوم، ففرح فقال: أفيكم من ينشدنا؟ فقال بدوي: نعم، يارسول الله، فقال: هات، هات، فأنشد البدوي يقول: قد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب له ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وتريا قي فتواجد عليه السلام، وتواجد أصحابه معه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فلما خرجوا أوى كل واحد إلى مكانه، فقال معاوية: ما أحسن لعبكم يا رسول الله! فقال: " مه، مه، يا معاوية، ليس بكريم من لم يهتز عند ذكر الحبيب " ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة. وذكر المقدسي هكذا، والسهروردي في عوارفه، وتكلم الناس في هذا الحديث. وقد تخلف الحسن البصري ذات يوم عن أصحابه، وسئل عن تخلفه، فقال: كان في جيراننا سماع. وقال الشبلي: السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة. فمن عرف الإشارة حل له سماع العبرة وإلا فقد استدعى الفتنة. ه. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: { وإذا تتلى عليه... } إلخ، هذا مثال لمن يقبل الوعظ لقسوة قلبه وحكم المشيئة يبعده، فلا يزيده كثرة الوعظ إلا نفورا، فسماعه كلا سماع، ومعالجته عنى وضياع، كما قال القائل: إذا أنا عاتبت الملول فإنما أخط بأفلك على الماء أحرفا ثم بين فلاح المحسنين، فقال: { إن الذين آمنوا... }.

لقمان 31:7

يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } أي: ما يلهى به عما يقرب إلى الله كالأحاديث التي لا أصل لها، والخرافات التي لا حقيقة لها، والمضاحك، وفضول الكلام. قيل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يخرج إلى فارس للتجارة، فيشتري أخبار الأعاجم، ثم يحدث قريشا بها، ويقول: إن محمدا يحدثكم بأخبار عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم، وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ولا يسمعون القرآن. وقيل: كان يشتري القيان، ويحملهن على معاشرة من أراد الإسلام ليصده عنه. والإشتراء من الشراء، كما تقدم عن النضر، ومن البدل، كقوله: اشتروا الكفر بالإيمان [آل عمران: 177]. استبدلوه واختاروه، أي: يختار حديث الباطل على حديث الحق. وإضافة اللهو إلى الحديث، للتبيين بمعنى " من " لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فيبين بالحديث، والمراد بالحديث: الحديث المكروه، كما جاء في الحديث: " الحديث في المسجد يأكل الحسنات، كما تأكل البهيمة الحشيش " ، أو: للتبعيض، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي فيه اللهو. وقال مجاهد: يعني: شراء المغنيات والمغنيين، أي: يشتري ذات لهو، أو ذا لهو الحديث. وقال أبو أمامة: قال عليه الصلاة والسلام: " لا يحل تعليم المغنيات، ولا بيعهن، وأثمانهن حرام " وفي مثل هذا نزلت هذه الآية، ثم قال: " وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يسكت ". قلت: هذا مقيد بشعر الهوى لأهل الهوى، وأما أهل الحق الذين يسمعون من الحق، فلا يتوجه الحديث لهم، وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. ثم قال أبو أمامة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى بعثني هدى ورحمة للعالمين، وأمرني ربي بمحو المعازف والمزامير والأوثان، والصلب وأمر الجاهلية، وحلف ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة خمر متعمدا إلا سقيته مثلها من الصديد يوم القيامة، مغفورا له أو معذبا، ولا سقاها غيره إلا فعلت به مثل ذلك، لا يتركها عبد من مخافتي إلا سقيته من حياض القدس يوم القيامة " انظر الثعلبي. ثم قال تعالى: { ليضل عن سبيل الله } أي: فعل ذلك ليضل هو عن طريق الله ودينه، أو ليضل غيره عنه، أو عن القرآن، { بغير علم } أي: جهلا منه بما عليه من الوزر. { ويتخذها } أي: السبيل { هزوا } وسخرية. فمن رفع: استأنف، ومن نصب، عطفها على ليضل، { أولئك لهم عذاب مهين } يهينهم ويخزيهم، و " من " ، لإبهامه، يقع على الواحد والجمع، والمراد: النضر ومن تبعه. { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا } أعرض عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن الإصغاء إلى القرآن، { كأن لم يسمعها } كأنه لم يسمعها، ولا ذكرت على سمعه. شبه حاله بحال من لم يسمعها قط، { كأن في أذنيه وقرا } ثقلا وصمما، { فبشره بعذاب أليم } أخبره بأن العذاب يوجعه لا محالة. وذكر البشارة على سبيل التهكم. وهذا في مقابلة مدح المحسنين المقيمين المزكين. فكما قال في المحسنين: { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } ، قال في هؤلاء: { أولئك لهم عذاب مهين } ، بعد أن وصفهم بالضلال والإضلال، في مقابلة المحسنين بالهداية والفلاح. والله تعالى أعلم. الإشارة: لهو الحديث هو كل ما يشغل عن الله، ويصد عن حضرة الله، كائنا ما كان، سواء كان غناء أو غيره، وإذا كان الغناء يهيج لذكر الله، ويحرك الروح إلى حضرة الله، كان حقا، وإذا كان يحرك إلى الهوى النفساني كان باطلا. والحاصل: أن السماع عند الصوفية ركن من أركان الطريقة، بشروط الثلاثة: الزمان والمكان والإخوان. وقد ألف الغزالي تأليفا في تكفير من أطلق تحريم السماع. وقال في الإحياء، في جملة من احتج به المحرم للسماع: احتج بقوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ، وقد قال ابن مسعود والنخعي والحسن: إنه الغناء. وأجاب ما حاصله: أنه إنما يحرم إذا كان استبدالا بالدين، وليس كل غناء بدلا عن الدين، مشترى به، ومضلا عن سبيل الله، ولو قرأ القرآن ليضل عن سبيل الله كان حراما. كما حكي عن بعض المنافقين أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا بسورة عبس، لما فيها من العتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم عمر بقتله. فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم. ه. وأما إن لم يكن شيء من ذلك، فلا يحرم. وقال في القوت، في كتاب المحبة: ولم يزل الحجازيون، عندنا بمكة، يسمعون السماع في أفضل أيام السنة، وهي الأيام المعدودات، التي أمر الله عز وجل عباده فيها بذكره، أيام التشريق، من وقت عطاء بن أبي رباح، إلى وقتنا هذا، ما أنكره عالم، وكان لعطاء جاريتان تلحنان، فكان إخوانه يستمعون إليهما، ولم يزل أهل المدينة مواطئين لأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا. وأدركنا أبا مروان القاضي، له جوار يسمعن التلحين، قد أعدهن للطوافين. فكان يجمعهن لهم، ويأمرهن بالإنشاد، وكان فاضلا. وسئل شيخنا أبو الحسن بن سالم، فقيل له: إنك تنكر السماع، وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون؟ فقال: كيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني. ه. وقال ابن ليون التجيبي في الإنالة: روي عن مصعب بن الزبير، قال حضرت مجلس مالك، فسأله أبو مصعب عن السماع، فقال: ما أدري، إلا أن أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك، ولا يقعدون عنه، ولا ينكره إلا غبي جاهل، أو ناسك عراقي غليظ الطبع. قال التجيبي: وعن أنس كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نزل عليه جبريل، فقال: يا رسول الله فقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وهو نصف يوم، ففرح فقال: أفيكم من ينشدنا؟ فقال بدوي: نعم، يارسول الله، فقال: هات، هات، فأنشد البدوي يقول: قد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب له ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وتريا قي فتواجد عليه السلام، وتواجد أصحابه معه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فلما خرجوا أوى كل واحد إلى مكانه، فقال معاوية: ما أحسن لعبكم يا رسول الله! فقال: " مه، مه، يا معاوية، ليس بكريم من لم يهتز عند ذكر الحبيب " ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة. وذكر المقدسي هكذا، والسهروردي في عوارفه، وتكلم الناس في هذا الحديث. وقد تخلف الحسن البصري ذات يوم عن أصحابه، وسئل عن تخلفه، فقال: كان في جيراننا سماع. وقال الشبلي: السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة. فمن عرف الإشارة حل له سماع العبرة وإلا فقد استدعى الفتنة. ه. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: { وإذا تتلى عليه... } إلخ، هذا مثال لمن يقبل الوعظ لقسوة قلبه وحكم المشيئة يبعده، فلا يزيده كثرة الوعظ إلا نفورا، فسماعه كلا سماع، ومعالجته عنى وضياع، كما قال القائل: إذا أنا عاتبت الملول فإنما أخط بأفلك على الماء أحرفا ثم بين فلاح المحسنين، فقال: { إن الذين آمنوا... }.

لقمان 31:8

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحت لهم جنات النعيم } ، قيل: معكوس، أي: لهم نعيم الجنات، أو: لهم بساتين، أو: ديار النعيم. { خالدين فيها }: حال من ضمير " لهم ". والعامل: الاستقرار. { وعد الله حقا } أي: وعدهم ذلك وعدا، وثبت لهم حقا مهما، مصدران مؤكدان، الأول لنفسه، والثاني لغيره، إذ قوله: { لهم جنات النعيم } في معنى: وعدهم الله جنات النعيم: { وحقا }: يدل على معنى الثبات المفهوم من إنجاز الوعد. { وهو العزيز } الغالب، الذي لا يعارض في حكمه، فينفذ وعده لا محالة. { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما استدعته حكمته. الإشارة: إن الذين آمنوا في البواطن، وحققوا ذلك بالعمل الصالح في الظواهر، لهم جنات المعارف معجلة، وجنات الزخارف مؤجلة، وعدا حقا وقولا صدقا، فما كمن في السرائر ظهر في شهادة الظواهر، وإلا كان دعوى ونفاقا، والعياذ بالله. ثم ذكر شواهد قدرته على انجاز وعده، فقال: { خلق السماوات بغير... }

لقمان 31:9

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحت لهم جنات النعيم } ، قيل: معكوس، أي: لهم نعيم الجنات، أو: لهم بساتين، أو: ديار النعيم. { خالدين فيها }: حال من ضمير " لهم ". والعامل: الاستقرار. { وعد الله حقا } أي: وعدهم ذلك وعدا، وثبت لهم حقا مهما، مصدران مؤكدان، الأول لنفسه، والثاني لغيره، إذ قوله: { لهم جنات النعيم } في معنى: وعدهم الله جنات النعيم: { وحقا }: يدل على معنى الثبات المفهوم من إنجاز الوعد. { وهو العزيز } الغالب، الذي لا يعارض في حكمه، فينفذ وعده لا محالة. { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما استدعته حكمته. الإشارة: إن الذين آمنوا في البواطن، وحققوا ذلك بالعمل الصالح في الظواهر، لهم جنات المعارف معجلة، وجنات الزخارف مؤجلة، وعدا حقا وقولا صدقا، فما كمن في السرائر ظهر في شهادة الظواهر، وإلا كان دعوى ونفاقا، والعياذ بالله. ثم ذكر شواهد قدرته على انجاز وعده، فقال: { خلق السماوات بغير... }

لقمان 31:10

قلت: " بغير عمد ": يتعلق بحال محذوفه، أي: ممسكة أو مرفوعة بغير عمد، وعمد: اسم جمع على المشهور، وقيل: جمع عماد أو عامد. وجملة ترونها: إما استئنافية، لا محل لها، أو صفة لعمد. يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات } ورفعها { بغير عمد ترونها } ، الضمير: إما للسموات، أي: خلقها، ظاهرة ترونها، أو لعمد، أي: بغير عمد مرئية بل بعمد خفية، وهي إمساكها بقدرته تعالى. { وألقى في الأرض رواسي } أي: جبالا ثوابت، كراهة { أن تميد بكم } أي: لئلا تضطرب بكم، { وبث }: نشر { فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } صنف من أصناف النبات، { كريم }: حسن بهيج، أو كثير المنفعة. وكأنه استدل بذلك على عزته، التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هي كمال العلم، فهي مقررة لقوله: العزيز الحكيم. ثم أمر بالتفكر في هذه المصنوعات استدلالا على توحيده بقوله: { هذا خلق الله } أي: هذا الذي تعاينونه من جملة مخلوقاته، { فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ، يعني: آلهتهم. بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلق الله، فأروني ماذا خلق آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة؟ { بل الظالمون في ضلال مبين } ، أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالظلم والتورط في ضلال ليس بعده ضلال. الإشارة: خلق سموات الأرواح - وهو عالم الملكوت - مرفوعا غنيا عن الاحتياج إلى شيء، وألقى في أرض النفوس - وهو عالم الأشباح - من العقول الراسخة، لئلا تميل إلى جهة الانحراف، إما إلى الحقيقة المحضة، أو الشريعة. ونشر في أرض النفوس دواب الخواطر والوساوس، وأنبتنا فيها من علوم الحكمة والقدرة، من كل صنف بهيج قال القشيري: { وألقى في الأرض رواسي } في الظاهر: الجبال، وفي الحقيقة: الأبدال، الذين هم أوتاد، بهم يقيهم، وبهم يصرف عن قريبهم وقاصيهم، { وأنزلنا من السماء ماء.. } المطر من سماء الظاهر في رياض الخضرة، ومن سماء الباطن في رياض أهل الدنو والحضرة. هذا خلق الله العزيز في كبريائه، فأروني ماذا خلق الذين عبدتم من دونه في أرضه وسمائه؟ ه. ثم ذكر قصة لقمان الذي وقع السؤال عنه فنزلت السورة، فقال: { ولقد آتينا لقمان الحكمة... }

لقمان 31:11

قلت: " بغير عمد ": يتعلق بحال محذوفه، أي: ممسكة أو مرفوعة بغير عمد، وعمد: اسم جمع على المشهور، وقيل: جمع عماد أو عامد. وجملة ترونها: إما استئنافية، لا محل لها، أو صفة لعمد. يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات } ورفعها { بغير عمد ترونها } ، الضمير: إما للسموات، أي: خلقها، ظاهرة ترونها، أو لعمد، أي: بغير عمد مرئية بل بعمد خفية، وهي إمساكها بقدرته تعالى. { وألقى في الأرض رواسي } أي: جبالا ثوابت، كراهة { أن تميد بكم } أي: لئلا تضطرب بكم، { وبث }: نشر { فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } صنف من أصناف النبات، { كريم }: حسن بهيج، أو كثير المنفعة. وكأنه استدل بذلك على عزته، التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هي كمال العلم، فهي مقررة لقوله: العزيز الحكيم. ثم أمر بالتفكر في هذه المصنوعات استدلالا على توحيده بقوله: { هذا خلق الله } أي: هذا الذي تعاينونه من جملة مخلوقاته، { فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ، يعني: آلهتهم. بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلق الله، فأروني ماذا خلق آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة؟ { بل الظالمون في ضلال مبين } ، أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالظلم والتورط في ضلال ليس بعده ضلال. الإشارة: خلق سموات الأرواح - وهو عالم الملكوت - مرفوعا غنيا عن الاحتياج إلى شيء، وألقى في أرض النفوس - وهو عالم الأشباح - من العقول الراسخة، لئلا تميل إلى جهة الانحراف، إما إلى الحقيقة المحضة، أو الشريعة. ونشر في أرض النفوس دواب الخواطر والوساوس، وأنبتنا فيها من علوم الحكمة والقدرة، من كل صنف بهيج قال القشيري: { وألقى في الأرض رواسي } في الظاهر: الجبال، وفي الحقيقة: الأبدال، الذين هم أوتاد، بهم يقيهم، وبهم يصرف عن قريبهم وقاصيهم، { وأنزلنا من السماء ماء.. } المطر من سماء الظاهر في رياض الخضرة، ومن سماء الباطن في رياض أهل الدنو والحضرة. هذا خلق الله العزيز في كبريائه، فأروني ماذا خلق الذين عبدتم من دونه في أرضه وسمائه؟ ه. ثم ذكر قصة لقمان الذي وقع السؤال عنه فنزلت السورة، فقال: { ولقد آتينا لقمان الحكمة... }

لقمان 31:12

قلت: يا بني فيه ثلاث قراءات كسر الياء، وفتحها مشددة، وإسكانها. وقد تتبعنا توجيهاتها في كتابنا " الدرر الناثرة في توجيه القراءات المتواترة ". يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا لقمان الحكمة } وهو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب، أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر، وقيل: أخو شداد بن عاد، أعطى شداد القوة، وأعطى لقمان الحكمة، وعاش ألف سنة، وقيل: أكثر، وسيأتي. وأدرك داود عليه السلام، وأخذ منه العلم. وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له في ذلك؟ فقال: ألا أكتفي إذا كفيت. وقيل: كان خياطا، وقيل: نجارا، وقيل: راعيا. وقيل: كان قاضيا في بني إسرائيل. وقال عكرمة والشعبي: كان نبيا، والجمهور على أنه كان حكيما فقط. وقد خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة، وهي الإصابة في القول والعمل. وقيل: تتلمذ لألف نبي وتتلمذ له ألف نبي. قاله النسفي. قال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمن عليه بالحكمة. كان قائما فجاءه نداء: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض، تحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت، فقال: إن خيرني ربي قبلت العافية، وإن عزم علي فسمعا وطاعة، فإني أعلم إن فعل ذلك بي عصمني وأعانني. قالت الملائكة بصوت ولا يراهم: لم يا لقمان؟ فقال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، إن يعن، فالبحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا، خير من أن يكون شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة تفته الدنيا، ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطى الحكمة، فانتبه وتكلم بها " ه. قال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود، عظيم الشفتين، مشقق القدمين. زاد في اللباب: وكانت زوجته من أجمل أهل زمانها. قيل: لم يزل لقمان، ومن زمن داود مظهرا للحكمة والزهد، إلى أيام يونس بن متى. وكان قد عمر عمر سبعة أنسر، فكان آخر نسوره " لبذ ". روي أنه أخذ نسرا صغيرا فرباه، وكان يصرفه في حوائجه، فعاش ذلك النسر ألف سنة ومات، ثم أخذ نسرا آخر، فعاش خمسمائة سنة، ثم أخذ آخر، فعاش مثل ذلك، إلى السابع، عاش خمسمائة سنة، واسمه لبذ، فقال له لقمان يوما: يا لبذ انهض إلى كذا، فأراد النهوض فلم يستطع، وإذا بوتر لقمان قد اختلج، وكان لم يألم قط، فنادى بأهله وعشيرته، وعلم أن أجله قد قرب، وقال: إن أجلي قد حضر بموت هذا النسر، كما أعلمني ربي، فإذا مت فلا تدفنوني في الكهوف والمقابر، كما [تدفنون] الجبابرة، ولكن ادفنوني في ضريح الارض، فدفنوه كما أوصاهم، فقال ابن ثعلبة: رأيت الفتى ينسى من الموت حتفه حذورا لريب الدهر، والدهر آكله فلو عاش ما عاشت بلقمان أنسر لصرف المنايا، بعد ذلك، حافله قال البيضاوي: والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها. ومن حكمته أنه صحب داود شهورا، وكان يسرد الدرع، فلم يسأله عنها، فلما أتمها لبسها، فقال: نعم لبوس الحرب أنت، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، وأن داود قال له يوما: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت في يدي غيري. وأنه أمر لقمان بأن يذبح شاة ويأتيه بأطيب مضغتين منها، فأتى باللسان والقلب، ثم بعد أيام أمر بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتى بهما أيضا فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب شيء إذا طابا وأخبث شيء إذا خبثا. والذي عند الثعلبي: أن الآمر له بإتيان المضغتين سيده، لا داود عليه السلام قيل له: بم نلت هذه الحكم، وقد كنت راعيا؟ فقال بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني. ه. قال صلى الله عليه وسلم: " أول ما رؤى من حكمة لقمان: أن مولاه أطال الجلوس في المخرج، فناداه لقمان: إن الجلوس على الحاجة ينخلع منه الكبد، ويورث الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هوينا، وقم هوينا " وروي أنه قدم من سفر، فقيل له: مات أبوك، فقال: الحمد لله، ملكت أمري، فقيل له: ماتت امرأتك، فقال: الحمد لله جدد فراشي، فقيل له: ماتت أختك، فقال: سترت عورتي، فقيل له: مات أخوك، فقال: انقطع ظهري. ه. و " أن " - في قوله: { أن أشكر }: مفسرة لأن إيتاء الحكمة في معنى القول، أي: وقلنا له اشكر الله على ما أعطاك من الحكمة، وفيه تنبيه على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما، وعبادة الله والشكر له، حيث فسر الحكمة بالحث على الشكر. وقيل: لا يكون الرجل حكيما حتى يكون حليما في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته. وقال الجنيد: الشكر: ألا يعصى الله بنعمه. وقال أيضا: ألا ترى مع الله شريكا في نعمه. وقيل: هو الإقرار بالعجز عن الشكر. والحاصل: أن شكر القلب: المعرفة، وشكر اللسان: الحمد، وشكر الأركان: الطاعة. ورؤية العجز في الكل دليل القبول. { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } لأن منفعته تعود عليه، لأنه يريد المزيد، { ومن كفر فإن الله غني } غير محتاج إلى شكر أحد، { حميد } حقيق بأن يحمد، وإن لم يحمده أحد. { و } اذكر { اذ قال لقمان لابنه } ، واسمه: أنعم، أو أشكم، أو ناران، { وهو يعظه يا بني } ، تصغير ابن، لا تشرك بالله { إن الشرك لظلم عظيم } لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا منه، ومن لا نعمة منه أصلا. وبالله التوفيق. الإشارة: قال القشيري: الحكمة: الإصابة في الفعل والعقد والنطق. ويقال: الحكمة: متابعة الطريق، من حيث توفيق الحق، لا من حيث همة النفس. ويقال: الحكمة: ألا يكون تحت سلطان الهوى. ويقال: هي معرفة قدر نفسك حتى لا تمد رجليك خارجا عن كسائك. ويقال: ألا تستعصي على من تعلم أنك لا تقاومه. وحقيقة الشكر: انفتاح عين القلب لشهود ملاطفات الحق. ويقال: الشكر: تحققك بعجزك عن شكره. ويقال: ما به يحصل كمال استلذاذ النعمة. ويقال: هو فضلة تظهر على اللسان من امتلاء القلب من السرور، فينطق بمدح المشكور. ويقال: الشكر: نعت كل غني، كما أن الكفران وصف كل لئيم. ويقال: الشكر: قرع باب الزيادة. ه. قلت: والأحسن: أنه فرح القلب بإقبال المنعم، فيسري ذلك في الجوارح. ثم قال في قوله: { لا تشرك بالله }: الشرك على ضربين: جلي وخفي، فالجلي عبادة الأصنام، والخفي: حسبان شيء من الحدثان من الأنام - أي: أن تظن شيئا مما يحدث في الوجود أنه من الأنام - ويقال: الشرك: إثبات غين مع شهود العين، ويقال: الشرك ظلم على القلب، والمعاصي ظلم على النفس، فظلم النفس معرض للغفران، وظلم القلب لا سبيل للغفران إليه. ه. ثم أمر ببر الوالدين الذي تقدم السؤال عنه في سبب نزول السورة، فقال: { ووصينا الإنسان بوالديه... }

لقمان 31:13

قلت: يا بني فيه ثلاث قراءات كسر الياء، وفتحها مشددة، وإسكانها. وقد تتبعنا توجيهاتها في كتابنا " الدرر الناثرة في توجيه القراءات المتواترة ". يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا لقمان الحكمة } وهو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب، أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر، وقيل: أخو شداد بن عاد، أعطى شداد القوة، وأعطى لقمان الحكمة، وعاش ألف سنة، وقيل: أكثر، وسيأتي. وأدرك داود عليه السلام، وأخذ منه العلم. وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له في ذلك؟ فقال: ألا أكتفي إذا كفيت. وقيل: كان خياطا، وقيل: نجارا، وقيل: راعيا. وقيل: كان قاضيا في بني إسرائيل. وقال عكرمة والشعبي: كان نبيا، والجمهور على أنه كان حكيما فقط. وقد خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة، وهي الإصابة في القول والعمل. وقيل: تتلمذ لألف نبي وتتلمذ له ألف نبي. قاله النسفي. قال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمن عليه بالحكمة. كان قائما فجاءه نداء: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض، تحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت، فقال: إن خيرني ربي قبلت العافية، وإن عزم علي فسمعا وطاعة، فإني أعلم إن فعل ذلك بي عصمني وأعانني. قالت الملائكة بصوت ولا يراهم: لم يا لقمان؟ فقال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، إن يعن، فالبحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا، خير من أن يكون شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة تفته الدنيا، ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطى الحكمة، فانتبه وتكلم بها " ه. قال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود، عظيم الشفتين، مشقق القدمين. زاد في اللباب: وكانت زوجته من أجمل أهل زمانها. قيل: لم يزل لقمان، ومن زمن داود مظهرا للحكمة والزهد، إلى أيام يونس بن متى. وكان قد عمر عمر سبعة أنسر، فكان آخر نسوره " لبذ ". روي أنه أخذ نسرا صغيرا فرباه، وكان يصرفه في حوائجه، فعاش ذلك النسر ألف سنة ومات، ثم أخذ نسرا آخر، فعاش خمسمائة سنة، ثم أخذ آخر، فعاش مثل ذلك، إلى السابع، عاش خمسمائة سنة، واسمه لبذ، فقال له لقمان يوما: يا لبذ انهض إلى كذا، فأراد النهوض فلم يستطع، وإذا بوتر لقمان قد اختلج، وكان لم يألم قط، فنادى بأهله وعشيرته، وعلم أن أجله قد قرب، وقال: إن أجلي قد حضر بموت هذا النسر، كما أعلمني ربي، فإذا مت فلا تدفنوني في الكهوف والمقابر، كما [تدفنون] الجبابرة، ولكن ادفنوني في ضريح الارض، فدفنوه كما أوصاهم، فقال ابن ثعلبة: رأيت الفتى ينسى من الموت حتفه حذورا لريب الدهر، والدهر آكله فلو عاش ما عاشت بلقمان أنسر لصرف المنايا، بعد ذلك، حافله قال البيضاوي: والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها. ومن حكمته أنه صحب داود شهورا، وكان يسرد الدرع، فلم يسأله عنها، فلما أتمها لبسها، فقال: نعم لبوس الحرب أنت، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، وأن داود قال له يوما: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت في يدي غيري. وأنه أمر لقمان بأن يذبح شاة ويأتيه بأطيب مضغتين منها، فأتى باللسان والقلب، ثم بعد أيام أمر بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتى بهما أيضا فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب شيء إذا طابا وأخبث شيء إذا خبثا. والذي عند الثعلبي: أن الآمر له بإتيان المضغتين سيده، لا داود عليه السلام قيل له: بم نلت هذه الحكم، وقد كنت راعيا؟ فقال بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني. ه. قال صلى الله عليه وسلم: " أول ما رؤى من حكمة لقمان: أن مولاه أطال الجلوس في المخرج، فناداه لقمان: إن الجلوس على الحاجة ينخلع منه الكبد، ويورث الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هوينا، وقم هوينا " وروي أنه قدم من سفر، فقيل له: مات أبوك، فقال: الحمد لله، ملكت أمري، فقيل له: ماتت امرأتك، فقال: الحمد لله جدد فراشي، فقيل له: ماتت أختك، فقال: سترت عورتي، فقيل له: مات أخوك، فقال: انقطع ظهري. ه. و " أن " - في قوله: { أن أشكر }: مفسرة لأن إيتاء الحكمة في معنى القول، أي: وقلنا له اشكر الله على ما أعطاك من الحكمة، وفيه تنبيه على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما، وعبادة الله والشكر له، حيث فسر الحكمة بالحث على الشكر. وقيل: لا يكون الرجل حكيما حتى يكون حليما في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته. وقال الجنيد: الشكر: ألا يعصى الله بنعمه. وقال أيضا: ألا ترى مع الله شريكا في نعمه. وقيل: هو الإقرار بالعجز عن الشكر. والحاصل: أن شكر القلب: المعرفة، وشكر اللسان: الحمد، وشكر الأركان: الطاعة. ورؤية العجز في الكل دليل القبول. { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } لأن منفعته تعود عليه، لأنه يريد المزيد، { ومن كفر فإن الله غني } غير محتاج إلى شكر أحد، { حميد } حقيق بأن يحمد، وإن لم يحمده أحد. { و } اذكر { اذ قال لقمان لابنه } ، واسمه: أنعم، أو أشكم، أو ناران، { وهو يعظه يا بني } ، تصغير ابن، لا تشرك بالله { إن الشرك لظلم عظيم } لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا منه، ومن لا نعمة منه أصلا. وبالله التوفيق. الإشارة: قال القشيري: الحكمة: الإصابة في الفعل والعقد والنطق. ويقال: الحكمة: متابعة الطريق، من حيث توفيق الحق، لا من حيث همة النفس. ويقال: الحكمة: ألا يكون تحت سلطان الهوى. ويقال: هي معرفة قدر نفسك حتى لا تمد رجليك خارجا عن كسائك. ويقال: ألا تستعصي على من تعلم أنك لا تقاومه. وحقيقة الشكر: انفتاح عين القلب لشهود ملاطفات الحق. ويقال: الشكر: تحققك بعجزك عن شكره. ويقال: ما به يحصل كمال استلذاذ النعمة. ويقال: هو فضلة تظهر على اللسان من امتلاء القلب من السرور، فينطق بمدح المشكور. ويقال: الشكر: نعت كل غني، كما أن الكفران وصف كل لئيم. ويقال: الشكر: قرع باب الزيادة. ه. قلت: والأحسن: أنه فرح القلب بإقبال المنعم، فيسري ذلك في الجوارح. ثم قال في قوله: { لا تشرك بالله }: الشرك على ضربين: جلي وخفي، فالجلي عبادة الأصنام، والخفي: حسبان شيء من الحدثان من الأنام - أي: أن تظن شيئا مما يحدث في الوجود أنه من الأنام - ويقال: الشرك: إثبات غين مع شهود العين، ويقال: الشرك ظلم على القلب، والمعاصي ظلم على النفس، فظلم النفس معرض للغفران، وظلم القلب لا سبيل للغفران إليه. ه. ثم أمر ببر الوالدين الذي تقدم السؤال عنه في سبب نزول السورة، فقال: { ووصينا الإنسان بوالديه... }

لقمان 31:14

قلت: الجملتان معترضتان بين أجزاء توصية لقمان لابنه. ووهنا: حال من أمه، أي: حملته حال كونها ذات وهن، أو من الضمير المنصوب، أي: حملته نطفة، ثم علقة... إلخ، أو مصدر، أي: تهن وهنا. يقول الحق جل جلاله: { ووصينا الإنسان بوالديه } أن يبرهما ويطيعهما، ثم ذكر الحامل على البر فقال: { حملته أمه وهنا على وهن } أي: تضعف ضعفا فوق ضعف، أي: يتزايد ضعفها ويتضاعف لأن الحمل، كلما ازداد وعظم، ازدادت ثقلا. { وفصاله في عامين } أي: فطامه لتمام عامين. وهذا أيضا مما يهيج الولد على بر والديه، فيتذكر مرقده في بطن أمه، وتعبها معه في مدة حملة، ثم ما قاست من وجع الطلق عند خروجه، ثم ما عالجته في أيام رضاعه من تربيته، وغسل ثيابه، وسهر الليل في بكائه، إلى غير ذلك. { أن اشكر لي ولوالديك } ، هو تفسير لوصينا، أو على حذف الجار، أي: وصيناه بشكرنا وبشكر والديه. وقوله: { حملته أمه.. } إلخ: اعتراض بين المفسر والمفسر، لأنه لما وصى بالوالدين، ذكر ما تكابده وتعاينه من المشاق في حمله وفصاله، هذه المدة الطويلة تذكيرا لحقها، مفردا. وعن ابن عيينة: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين، في أدبار الصلوات الخمس، فقد شكرهما. ه. وقال القشيري: والإجماع على أن شكر الوالدين بدوام طاعتهما. ثم قال: فشكر الحق بالتعظيم والتكبير، وشكر الوالدين بالإشفاق والتوقير. ه. ثم قال تعالى: { إلي المصير } فأحاسبك على شكرك، أو كفرك. { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم } ، أراد بنفي العلم به نفيه من أصله، أي: أن تشرك بي ما ليس بشيء. أو: ما ليس لك به علم باستحقاقه الإشراك مع الله، بل تقليدا لهما، { فلا تطعهما } في ذلك الشرك. { وصاحبهما في الدنيا معروفا } أي: صحابا معروفا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم، وهو الخلق الجميل، بحلم، واحتفال، وبر، وصلة. وقد تقدم تفسيره في الإسراء. { واتبع سبيل من أناب إلي } أي: اتبع طريق من رجع إلي بالتوحيد والإخلاص، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ولاتتبع سبيلهما، وإن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا، وقال ابن عطاء: اتبع سبيل من ترى عليه أنوار خدمتي. ه. { ثم إلي مرجعكم } أي: مرجعك ومرجعهما، { فأنبئكم بما كنتم تعملون } فأجازيك على إيمانك وبرك وأجازيهما على كفرهما. واعترض بهاتين الآيتين، على سبيل الاستطراد تأكيدا لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك، يعني: إنما وصيناه بوالديه، وأمرناه ألا يطيعهما في الشرك، وإن جاهدا كل الجهد لقبح الشرك. وتقدم أن الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وأنه مضت لأمه ثلاث ليال لم تطعم فيها شيئا، فشكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقيل: من أناب: أبو بكر لأن سعدا أسلم بدعوته. والله تعالى أعلم. الإشارة: بر الوالدين واجب، لاسيما في حق الخصوص، فيطيعهما في كل شيء، إلا إذا منعاه من صحبة شيخ التربية، الذي يطهر من الشرك الخفي، الذي لا ينجو منه أحد، فإن الآية تشمله بطريق العموم والإشارة. أي: وإن جاهداك على أن تشرك بي متابعة هواك وحظوظك ومحبتهن، فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفا، واتبع سبيل من أناب إلي، هو شيخ التربية في علم الإشارة. وقد تقدم قول الجنيد: أمرني أبي بشيء، وأمرني السري بشيء، فقدمت أمر السري، فرأيت سرا كبيرا. وكان شيخ شيوخنا الولي الشهير، سيدي يوسف الفاسي، يأتيه شاب من أولاد كبراء فاس، وكان أبوه ينهاه ويزجره عن صحبته، وربما بلغ لمجلس الشيخ فيؤذيه، فكان الشيخ يقول للشاب: أطع أباك في كل شيء إلا في الإتيان إلينا. ه. وكان بعض المشايخ يقول: ائتوني ولو بسخط الوالدين، إذ لا يضره ذلك، حيث قصد إصلاح نفسه ودواءها. وقال الشيخ السنوسي، في شرح عقائد الجزائري، ما نصه: وحاصل الأمر في النفس: أنها شبيهة، في حالها، بحال الكافر الحربي، الذي يريد أن تكون كلمة الكفر هي العليا، وكلمة التوحيد السفلى، وكذلك النفس تريد أن تكون كلمة باطلها من الدعاوى للحظوظ العاجلة، المشغلة عن إخلاص العبودية لمولانا جل وعلا، وعن القيام بوظائف تكاليفه، على الوجه الذي أمر به، هي العليا، النافذ أمرها ونهيها في مدن الأجسام وما تعلق بها، بعد أن نزلت ساحة الأبدان، واتصلت اتصالا عظيما لا انفكاك له إلا بالموت، فوجب، لذلك، على كل مؤمن يعظم حرمات الله تعالى أن ينهض كل النهوض، بغاية قواه العلمية والعملية، لجهادها وقتالها. وفي مثل هذا القتال الذي نزل العدو فيه بساحة الأبدان، وهو فرض عين على كل مؤمن، يسقط فيه استئذان الأبوين وغيرهما. ه. فأنت ترى كيف جعل قيام النفس على العبد، وحجابها له عن ربه، كعدو يجب جهاده ولو خالف الوالدين، وهو كذلك إذ طاعة الوالدين لا تكون في ترك فرض، ولا في ارتكاب معصية، ومن جملة المعاصي، عند الخواص، رؤية النفس والوقوف معها، وفي ذلك يقول الشاعر: فقلت: وما ذنبي؟ فقالت مجيبة : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب وتطهير النفس فرض عين، ولا طاعة للوالدين في فرض العين. وقوله تعالى: وصاحبهما في الدنيا معروفا قال الورتجبي: المعروف، ها هنا، أن تعرفهما مكان الخطأ والغلط في الدين عند جهالتهما بالله. { واتبع سبيل من أناب إلي } ، نهاه عن متابعة المخلطين، وحثه على متابعة المنيبين. ه. وبالله التوفيق. ثم قال لقمان في وصيته: { يبني إنهآ إن تك مثقال حبة... }

لقمان 31:15

قلت: الجملتان معترضتان بين أجزاء توصية لقمان لابنه. ووهنا: حال من أمه، أي: حملته حال كونها ذات وهن، أو من الضمير المنصوب، أي: حملته نطفة، ثم علقة... إلخ، أو مصدر، أي: تهن وهنا. يقول الحق جل جلاله: { ووصينا الإنسان بوالديه } أن يبرهما ويطيعهما، ثم ذكر الحامل على البر فقال: { حملته أمه وهنا على وهن } أي: تضعف ضعفا فوق ضعف، أي: يتزايد ضعفها ويتضاعف لأن الحمل، كلما ازداد وعظم، ازدادت ثقلا. { وفصاله في عامين } أي: فطامه لتمام عامين. وهذا أيضا مما يهيج الولد على بر والديه، فيتذكر مرقده في بطن أمه، وتعبها معه في مدة حملة، ثم ما قاست من وجع الطلق عند خروجه، ثم ما عالجته في أيام رضاعه من تربيته، وغسل ثيابه، وسهر الليل في بكائه، إلى غير ذلك. { أن اشكر لي ولوالديك } ، هو تفسير لوصينا، أو على حذف الجار، أي: وصيناه بشكرنا وبشكر والديه. وقوله: { حملته أمه.. } إلخ: اعتراض بين المفسر والمفسر، لأنه لما وصى بالوالدين، ذكر ما تكابده وتعاينه من المشاق في حمله وفصاله، هذه المدة الطويلة تذكيرا لحقها، مفردا. وعن ابن عيينة: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين، في أدبار الصلوات الخمس، فقد شكرهما. ه. وقال القشيري: والإجماع على أن شكر الوالدين بدوام طاعتهما. ثم قال: فشكر الحق بالتعظيم والتكبير، وشكر الوالدين بالإشفاق والتوقير. ه. ثم قال تعالى: { إلي المصير } فأحاسبك على شكرك، أو كفرك. { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم } ، أراد بنفي العلم به نفيه من أصله، أي: أن تشرك بي ما ليس بشيء. أو: ما ليس لك به علم باستحقاقه الإشراك مع الله، بل تقليدا لهما، { فلا تطعهما } في ذلك الشرك. { وصاحبهما في الدنيا معروفا } أي: صحابا معروفا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم، وهو الخلق الجميل، بحلم، واحتفال، وبر، وصلة. وقد تقدم تفسيره في الإسراء. { واتبع سبيل من أناب إلي } أي: اتبع طريق من رجع إلي بالتوحيد والإخلاص، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ولاتتبع سبيلهما، وإن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا، وقال ابن عطاء: اتبع سبيل من ترى عليه أنوار خدمتي. ه. { ثم إلي مرجعكم } أي: مرجعك ومرجعهما، { فأنبئكم بما كنتم تعملون } فأجازيك على إيمانك وبرك وأجازيهما على كفرهما. واعترض بهاتين الآيتين، على سبيل الاستطراد تأكيدا لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك، يعني: إنما وصيناه بوالديه، وأمرناه ألا يطيعهما في الشرك، وإن جاهدا كل الجهد لقبح الشرك. وتقدم أن الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وأنه مضت لأمه ثلاث ليال لم تطعم فيها شيئا، فشكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقيل: من أناب: أبو بكر لأن سعدا أسلم بدعوته. والله تعالى أعلم. الإشارة: بر الوالدين واجب، لاسيما في حق الخصوص، فيطيعهما في كل شيء، إلا إذا منعاه من صحبة شيخ التربية، الذي يطهر من الشرك الخفي، الذي لا ينجو منه أحد، فإن الآية تشمله بطريق العموم والإشارة. أي: وإن جاهداك على أن تشرك بي متابعة هواك وحظوظك ومحبتهن، فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفا، واتبع سبيل من أناب إلي، هو شيخ التربية في علم الإشارة. وقد تقدم قول الجنيد: أمرني أبي بشيء، وأمرني السري بشيء، فقدمت أمر السري، فرأيت سرا كبيرا. وكان شيخ شيوخنا الولي الشهير، سيدي يوسف الفاسي، يأتيه شاب من أولاد كبراء فاس، وكان أبوه ينهاه ويزجره عن صحبته، وربما بلغ لمجلس الشيخ فيؤذيه، فكان الشيخ يقول للشاب: أطع أباك في كل شيء إلا في الإتيان إلينا. ه. وكان بعض المشايخ يقول: ائتوني ولو بسخط الوالدين، إذ لا يضره ذلك، حيث قصد إصلاح نفسه ودواءها. وقال الشيخ السنوسي، في شرح عقائد الجزائري، ما نصه: وحاصل الأمر في النفس: أنها شبيهة، في حالها، بحال الكافر الحربي، الذي يريد أن تكون كلمة الكفر هي العليا، وكلمة التوحيد السفلى، وكذلك النفس تريد أن تكون كلمة باطلها من الدعاوى للحظوظ العاجلة، المشغلة عن إخلاص العبودية لمولانا جل وعلا، وعن القيام بوظائف تكاليفه، على الوجه الذي أمر به، هي العليا، النافذ أمرها ونهيها في مدن الأجسام وما تعلق بها، بعد أن نزلت ساحة الأبدان، واتصلت اتصالا عظيما لا انفكاك له إلا بالموت، فوجب، لذلك، على كل مؤمن يعظم حرمات الله تعالى أن ينهض كل النهوض، بغاية قواه العلمية والعملية، لجهادها وقتالها. وفي مثل هذا القتال الذي نزل العدو فيه بساحة الأبدان، وهو فرض عين على كل مؤمن، يسقط فيه استئذان الأبوين وغيرهما. ه. فأنت ترى كيف جعل قيام النفس على العبد، وحجابها له عن ربه، كعدو يجب جهاده ولو خالف الوالدين، وهو كذلك إذ طاعة الوالدين لا تكون في ترك فرض، ولا في ارتكاب معصية، ومن جملة المعاصي، عند الخواص، رؤية النفس والوقوف معها، وفي ذلك يقول الشاعر: فقلت: وما ذنبي؟ فقالت مجيبة : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب وتطهير النفس فرض عين، ولا طاعة للوالدين في فرض العين. وقوله تعالى: وصاحبهما في الدنيا معروفا قال الورتجبي: المعروف، ها هنا، أن تعرفهما مكان الخطأ والغلط في الدين عند جهالتهما بالله. { واتبع سبيل من أناب إلي } ، نهاه عن متابعة المخلطين، وحثه على متابعة المنيبين. ه. وبالله التوفيق. ثم قال لقمان في وصيته: { يبني إنهآ إن تك مثقال حبة... }

لقمان 31:16

قلت: الضمير في إنها: للقصة، ومن قرأ " مثقال ": بالرفع ففاعل كان التامة ومن قرأ بالنصب فخبرها، والضمير: للخطيئة أو الهيئة. وأنث " المثقال " لإضافته إلى الحبة. يقول الحق جل جلاله: وقال لقمان لابنه، حين قال له: يا أبت: إن عملت بالخطيئة، حين لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فقال: { يا بني إنها } ، أي: القصة أو الخطيئة { إن تك مثقال حبة من خردل } أي: إن تك المعصية في الصغر والحقارة، مثال حبة من خردل، أو: إن تقع مثقال حبة من المعاصي { فتكن في صخرة } ، أي: فتكن، مع صغرها، في أخفى مكان، أو في جبل. وقال ابن عباس: هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. ه. قال السدي: خلق الله تعالى الأرض على حوت، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة - أي: صخرة - والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة. وهي الصخرة التي ذكر لقمان. ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح. ه. أي: إن تقع المعصية في أخفى مكان { يأت بها الله } يوم القيامة فيحاسب عليها عاملها. { إن الله لطيف }: يتوصل علمه إلى كل خفي، { خبير }: عالم بكنهه، أو: لطيف باستخراجها خبير بمستقرها. { يا بني أقم الصلاة }: أتقنها، وحافظ عليها تكميلا لنفسك، { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } تكميلا لغيرك، { واصبر على ما أصابك } في ذات الله تعالى، إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر فإن فعل ذلك تعرض للأذى، أو: على ما أصابك من الشدائد والمحن فإنها تورث المنح والمنن. { إن ذلك } الذي وصيتك به، { من عزم الأمور } أي: مما عزمه الله من الأمور، أي: قطعه قطع إيجاب وإلزام، أي: أمر به أمرا حتما. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها ومفروضاتها. وفيه دليل على أن هذه الطاعات كانت مأمورا بها في سائر الأمم. { ولا تصعر خدك للناس } أي: تمله عنهم، ولا تولهم صفحة خدك، كما يفعله المتكبرون. والتصعير: داء يصيب العير، فيلوى عنقه منه. والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولهم شق وجهك وصفحته { ولا تمش في الأرض مرحا } خيلاء متبخترا، فهو مصدر في موضع الحال، أي: مرحا، أو تمرح مرحا، أو: لأجل المرح، { إن الله لا يحب كل مختال فخور } ، علة النهي. والمختال هو المرح الذي يمشي خيلاء، والفخور هو المصعر خده تكبرا. وتأخير الفخور، مع تقدمه لرؤوس الآي. { واقصد في مشيك } توسط فيه بين الدبيب والإسراع، فلا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثوب الشطارين، قال عليه الصلاة والسلام: " إن سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " وأما قول عائشة رضي الله عنها: كان إذا مشى أسرع فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب التماوت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، ولكن مشيا بين ذلك. وقيل: { واقصد في مشيك }: انظر موضع قدميك، أو: اقصد: توسط بين العلو والتقصير. { واغضض من صوتك } وانقص منه، أي: اخفض صوتك. كانت العرب تفخر بمجاهرة الصوت، فنهى الله عن خلق الجاهلية، فذكره لوصية لقمان، وأنه لو كان شيء يهاب، لرفع صوته لكان الحمار، فجعلهم في المثل سواء. وهو قوله: { إن أنكر الأصوات } أوحشها وأقبحها { لصوت الحمير } لأن أوله زفير، وآخره شهيق، كصوت أهل النار. وعن الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار، فإنه يصيح لرؤية الشيطان، وقد سماه الله منكرا، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير تنبيه على أن رفع الصوت في غاية البشاعة، ويؤيده: ما روي أنه: عليه الصلاة والسلام - كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت. وقال بعضهم: رفع الصوت محمود في مواطن منها: الأذان والتلبية. وقال في الحاشية الفاسية: بل ينبغي الاقتصاد في ذلك، كما قال عمر بن عبد العزيز: أذن أذانا سنيا، وإلا اعتزلنا. ه. وقال عليه الصلاة والسلام: " اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " وإنما وحد صوت الحمير ولم يجمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من هذا الجنس حتى يجمع، بل المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. الإشارة: قد اشتملت وصية لقمان على خصال صوفية، تدل على كمال صاحبها، منها: استحضار مراقبة الحق ومشاهدته، في السر والعلانية، في الجلاء والخفاء. وهو قوله: { يا بني إنها تلك مثقال حبة... } إلخ. ومنها: القيام بوظائف العبودية، بدنية ولسانية، وهو قوله: { يا بني أقم الصلاة... } إلخ، ويقاس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سائر عبادات اللسان، ومنها الصبر على النوائب، سواء كانت من جهة الخلق، أو من قهرية الحق، وهو ركن في الطريق. وتقدم تفصيله في آخر النحل. ومنها: التواضع والليونة، وهما مصيدة الشرف، ومن شأن أهل السياسة. ومن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره. وهو قوله: { ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا }. ومنها: السكينة والوقار والرزانة، وهي نتيجة عمارة القلب بالهيبة والإجلال. وهو قوله: { واقصد في مشيك }. ومنها: خفض الصوت في سائر الكلام، وهو من علامة وجدان هيبة الحضرة، والقرب من الحق، قال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه:108]، وهو من آكد الآداب مع الأشياخ والفقراء. قال القشيري: قوله تعالى: { وأمر بالمعروف... } ، الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغه أن تمنع نفسك عما تنهى عنه، واشتغالك، واتصاف نفسك، بما تأمر به غيرك، ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره. والمعروف الذي يجب الأمر به: ما يوصل العبد إلى مولاه، والمنكر الذي يجب النهي عنه: ما يشغل العبد عن الله. ثم قال: وقوله تعالى: { واصبر على ما أصباك }: تنبيه على أن من قام لله بحق امتحن في الله، فسبيله أن يصبر في الله، فإن من صبر لله لم يخسر على الله. ثم قال: قوله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس } لا تتكبر عليهم، وطالعهم من حيث النسبة، وتحقق بأنك بمشهد من مولاك. ومن علم أن مولاه ينظر إليه لا يتكبر ولا يتطاول، بل يتخاضع ويتضاءل. قوله تعالى: { واقصد في مشيك.. } الآية، أي: كن فانيا عن شواهدك، مصطلما عن صولتك، مأخوذا عن حولك وقوتك، متشبها بما استولى عليك من كشوفات سرك. وانظر من الذي يسمع صوتك حين تستفيق من خمار غفلتك، { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }: في الإشارة: أنه الذي يتكلم بلسان المعرفة بغير إذن من الحق. وقالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه. ه. أي يتكلم على الناس، قبل أن يأذن له شيخه في التذكير. وبالله التوفيق. ثم ذكر بالنعم، فقال: { ألم تروا أن الله سخر... }

لقمان 31:17

قلت: الضمير في إنها: للقصة، ومن قرأ " مثقال ": بالرفع ففاعل كان التامة ومن قرأ بالنصب فخبرها، والضمير: للخطيئة أو الهيئة. وأنث " المثقال " لإضافته إلى الحبة. يقول الحق جل جلاله: وقال لقمان لابنه، حين قال له: يا أبت: إن عملت بالخطيئة، حين لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فقال: { يا بني إنها } ، أي: القصة أو الخطيئة { إن تك مثقال حبة من خردل } أي: إن تك المعصية في الصغر والحقارة، مثال حبة من خردل، أو: إن تقع مثقال حبة من المعاصي { فتكن في صخرة } ، أي: فتكن، مع صغرها، في أخفى مكان، أو في جبل. وقال ابن عباس: هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. ه. قال السدي: خلق الله تعالى الأرض على حوت، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة - أي: صخرة - والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة. وهي الصخرة التي ذكر لقمان. ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح. ه. أي: إن تقع المعصية في أخفى مكان { يأت بها الله } يوم القيامة فيحاسب عليها عاملها. { إن الله لطيف }: يتوصل علمه إلى كل خفي، { خبير }: عالم بكنهه، أو: لطيف باستخراجها خبير بمستقرها. { يا بني أقم الصلاة }: أتقنها، وحافظ عليها تكميلا لنفسك، { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } تكميلا لغيرك، { واصبر على ما أصابك } في ذات الله تعالى، إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر فإن فعل ذلك تعرض للأذى، أو: على ما أصابك من الشدائد والمحن فإنها تورث المنح والمنن. { إن ذلك } الذي وصيتك به، { من عزم الأمور } أي: مما عزمه الله من الأمور، أي: قطعه قطع إيجاب وإلزام، أي: أمر به أمرا حتما. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها ومفروضاتها. وفيه دليل على أن هذه الطاعات كانت مأمورا بها في سائر الأمم. { ولا تصعر خدك للناس } أي: تمله عنهم، ولا تولهم صفحة خدك، كما يفعله المتكبرون. والتصعير: داء يصيب العير، فيلوى عنقه منه. والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولهم شق وجهك وصفحته { ولا تمش في الأرض مرحا } خيلاء متبخترا، فهو مصدر في موضع الحال، أي: مرحا، أو تمرح مرحا، أو: لأجل المرح، { إن الله لا يحب كل مختال فخور } ، علة النهي. والمختال هو المرح الذي يمشي خيلاء، والفخور هو المصعر خده تكبرا. وتأخير الفخور، مع تقدمه لرؤوس الآي. { واقصد في مشيك } توسط فيه بين الدبيب والإسراع، فلا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثوب الشطارين، قال عليه الصلاة والسلام: " إن سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " وأما قول عائشة رضي الله عنها: كان إذا مشى أسرع فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب التماوت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، ولكن مشيا بين ذلك. وقيل: { واقصد في مشيك }: انظر موضع قدميك، أو: اقصد: توسط بين العلو والتقصير. { واغضض من صوتك } وانقص منه، أي: اخفض صوتك. كانت العرب تفخر بمجاهرة الصوت، فنهى الله عن خلق الجاهلية، فذكره لوصية لقمان، وأنه لو كان شيء يهاب، لرفع صوته لكان الحمار، فجعلهم في المثل سواء. وهو قوله: { إن أنكر الأصوات } أوحشها وأقبحها { لصوت الحمير } لأن أوله زفير، وآخره شهيق، كصوت أهل النار. وعن الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار، فإنه يصيح لرؤية الشيطان، وقد سماه الله منكرا، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير تنبيه على أن رفع الصوت في غاية البشاعة، ويؤيده: ما روي أنه: عليه الصلاة والسلام - كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت. وقال بعضهم: رفع الصوت محمود في مواطن منها: الأذان والتلبية. وقال في الحاشية الفاسية: بل ينبغي الاقتصاد في ذلك، كما قال عمر بن عبد العزيز: أذن أذانا سنيا، وإلا اعتزلنا. ه. وقال عليه الصلاة والسلام: " اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " وإنما وحد صوت الحمير ولم يجمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من هذا الجنس حتى يجمع، بل المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. الإشارة: قد اشتملت وصية لقمان على خصال صوفية، تدل على كمال صاحبها، منها: استحضار مراقبة الحق ومشاهدته، في السر والعلانية، في الجلاء والخفاء. وهو قوله: { يا بني إنها تلك مثقال حبة... } إلخ. ومنها: القيام بوظائف العبودية، بدنية ولسانية، وهو قوله: { يا بني أقم الصلاة... } إلخ، ويقاس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سائر عبادات اللسان، ومنها الصبر على النوائب، سواء كانت من جهة الخلق، أو من قهرية الحق، وهو ركن في الطريق. وتقدم تفصيله في آخر النحل. ومنها: التواضع والليونة، وهما مصيدة الشرف، ومن شأن أهل السياسة. ومن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره. وهو قوله: { ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا }. ومنها: السكينة والوقار والرزانة، وهي نتيجة عمارة القلب بالهيبة والإجلال. وهو قوله: { واقصد في مشيك }. ومنها: خفض الصوت في سائر الكلام، وهو من علامة وجدان هيبة الحضرة، والقرب من الحق، قال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه:108]، وهو من آكد الآداب مع الأشياخ والفقراء. قال القشيري: قوله تعالى: { وأمر بالمعروف... } ، الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغه أن تمنع نفسك عما تنهى عنه، واشتغالك، واتصاف نفسك، بما تأمر به غيرك، ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره. والمعروف الذي يجب الأمر به: ما يوصل العبد إلى مولاه، والمنكر الذي يجب النهي عنه: ما يشغل العبد عن الله. ثم قال: وقوله تعالى: { واصبر على ما أصباك }: تنبيه على أن من قام لله بحق امتحن في الله، فسبيله أن يصبر في الله، فإن من صبر لله لم يخسر على الله. ثم قال: قوله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس } لا تتكبر عليهم، وطالعهم من حيث النسبة، وتحقق بأنك بمشهد من مولاك. ومن علم أن مولاه ينظر إليه لا يتكبر ولا يتطاول، بل يتخاضع ويتضاءل. قوله تعالى: { واقصد في مشيك.. } الآية، أي: كن فانيا عن شواهدك، مصطلما عن صولتك، مأخوذا عن حولك وقوتك، متشبها بما استولى عليك من كشوفات سرك. وانظر من الذي يسمع صوتك حين تستفيق من خمار غفلتك، { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }: في الإشارة: أنه الذي يتكلم بلسان المعرفة بغير إذن من الحق. وقالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه. ه. أي يتكلم على الناس، قبل أن يأذن له شيخه في التذكير. وبالله التوفيق. ثم ذكر بالنعم، فقال: { ألم تروا أن الله سخر... }

لقمان 31:18

قلت: الضمير في إنها: للقصة، ومن قرأ " مثقال ": بالرفع ففاعل كان التامة ومن قرأ بالنصب فخبرها، والضمير: للخطيئة أو الهيئة. وأنث " المثقال " لإضافته إلى الحبة. يقول الحق جل جلاله: وقال لقمان لابنه، حين قال له: يا أبت: إن عملت بالخطيئة، حين لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فقال: { يا بني إنها } ، أي: القصة أو الخطيئة { إن تك مثقال حبة من خردل } أي: إن تك المعصية في الصغر والحقارة، مثال حبة من خردل، أو: إن تقع مثقال حبة من المعاصي { فتكن في صخرة } ، أي: فتكن، مع صغرها، في أخفى مكان، أو في جبل. وقال ابن عباس: هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. ه. قال السدي: خلق الله تعالى الأرض على حوت، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة - أي: صخرة - والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة. وهي الصخرة التي ذكر لقمان. ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح. ه. أي: إن تقع المعصية في أخفى مكان { يأت بها الله } يوم القيامة فيحاسب عليها عاملها. { إن الله لطيف }: يتوصل علمه إلى كل خفي، { خبير }: عالم بكنهه، أو: لطيف باستخراجها خبير بمستقرها. { يا بني أقم الصلاة }: أتقنها، وحافظ عليها تكميلا لنفسك، { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } تكميلا لغيرك، { واصبر على ما أصابك } في ذات الله تعالى، إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر فإن فعل ذلك تعرض للأذى، أو: على ما أصابك من الشدائد والمحن فإنها تورث المنح والمنن. { إن ذلك } الذي وصيتك به، { من عزم الأمور } أي: مما عزمه الله من الأمور، أي: قطعه قطع إيجاب وإلزام، أي: أمر به أمرا حتما. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها ومفروضاتها. وفيه دليل على أن هذه الطاعات كانت مأمورا بها في سائر الأمم. { ولا تصعر خدك للناس } أي: تمله عنهم، ولا تولهم صفحة خدك، كما يفعله المتكبرون. والتصعير: داء يصيب العير، فيلوى عنقه منه. والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولهم شق وجهك وصفحته { ولا تمش في الأرض مرحا } خيلاء متبخترا، فهو مصدر في موضع الحال، أي: مرحا، أو تمرح مرحا، أو: لأجل المرح، { إن الله لا يحب كل مختال فخور } ، علة النهي. والمختال هو المرح الذي يمشي خيلاء، والفخور هو المصعر خده تكبرا. وتأخير الفخور، مع تقدمه لرؤوس الآي. { واقصد في مشيك } توسط فيه بين الدبيب والإسراع، فلا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثوب الشطارين، قال عليه الصلاة والسلام: " إن سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " وأما قول عائشة رضي الله عنها: كان إذا مشى أسرع فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب التماوت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، ولكن مشيا بين ذلك. وقيل: { واقصد في مشيك }: انظر موضع قدميك، أو: اقصد: توسط بين العلو والتقصير. { واغضض من صوتك } وانقص منه، أي: اخفض صوتك. كانت العرب تفخر بمجاهرة الصوت، فنهى الله عن خلق الجاهلية، فذكره لوصية لقمان، وأنه لو كان شيء يهاب، لرفع صوته لكان الحمار، فجعلهم في المثل سواء. وهو قوله: { إن أنكر الأصوات } أوحشها وأقبحها { لصوت الحمير } لأن أوله زفير، وآخره شهيق، كصوت أهل النار. وعن الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار، فإنه يصيح لرؤية الشيطان، وقد سماه الله منكرا، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير تنبيه على أن رفع الصوت في غاية البشاعة، ويؤيده: ما روي أنه: عليه الصلاة والسلام - كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت. وقال بعضهم: رفع الصوت محمود في مواطن منها: الأذان والتلبية. وقال في الحاشية الفاسية: بل ينبغي الاقتصاد في ذلك، كما قال عمر بن عبد العزيز: أذن أذانا سنيا، وإلا اعتزلنا. ه. وقال عليه الصلاة والسلام: " اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " وإنما وحد صوت الحمير ولم يجمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من هذا الجنس حتى يجمع، بل المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. الإشارة: قد اشتملت وصية لقمان على خصال صوفية، تدل على كمال صاحبها، منها: استحضار مراقبة الحق ومشاهدته، في السر والعلانية، في الجلاء والخفاء. وهو قوله: { يا بني إنها تلك مثقال حبة... } إلخ. ومنها: القيام بوظائف العبودية، بدنية ولسانية، وهو قوله: { يا بني أقم الصلاة... } إلخ، ويقاس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سائر عبادات اللسان، ومنها الصبر على النوائب، سواء كانت من جهة الخلق، أو من قهرية الحق، وهو ركن في الطريق. وتقدم تفصيله في آخر النحل. ومنها: التواضع والليونة، وهما مصيدة الشرف، ومن شأن أهل السياسة. ومن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره. وهو قوله: { ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا }. ومنها: السكينة والوقار والرزانة، وهي نتيجة عمارة القلب بالهيبة والإجلال. وهو قوله: { واقصد في مشيك }. ومنها: خفض الصوت في سائر الكلام، وهو من علامة وجدان هيبة الحضرة، والقرب من الحق، قال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه:108]، وهو من آكد الآداب مع الأشياخ والفقراء. قال القشيري: قوله تعالى: { وأمر بالمعروف... } ، الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغه أن تمنع نفسك عما تنهى عنه، واشتغالك، واتصاف نفسك، بما تأمر به غيرك، ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره. والمعروف الذي يجب الأمر به: ما يوصل العبد إلى مولاه، والمنكر الذي يجب النهي عنه: ما يشغل العبد عن الله. ثم قال: وقوله تعالى: { واصبر على ما أصباك }: تنبيه على أن من قام لله بحق امتحن في الله، فسبيله أن يصبر في الله، فإن من صبر لله لم يخسر على الله. ثم قال: قوله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس } لا تتكبر عليهم، وطالعهم من حيث النسبة، وتحقق بأنك بمشهد من مولاك. ومن علم أن مولاه ينظر إليه لا يتكبر ولا يتطاول، بل يتخاضع ويتضاءل. قوله تعالى: { واقصد في مشيك.. } الآية، أي: كن فانيا عن شواهدك، مصطلما عن صولتك، مأخوذا عن حولك وقوتك، متشبها بما استولى عليك من كشوفات سرك. وانظر من الذي يسمع صوتك حين تستفيق من خمار غفلتك، { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }: في الإشارة: أنه الذي يتكلم بلسان المعرفة بغير إذن من الحق. وقالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه. ه. أي يتكلم على الناس، قبل أن يأذن له شيخه في التذكير. وبالله التوفيق. ثم ذكر بالنعم، فقال: { ألم تروا أن الله سخر... }

لقمان 31:19

قلت: الضمير في إنها: للقصة، ومن قرأ " مثقال ": بالرفع ففاعل كان التامة ومن قرأ بالنصب فخبرها، والضمير: للخطيئة أو الهيئة. وأنث " المثقال " لإضافته إلى الحبة. يقول الحق جل جلاله: وقال لقمان لابنه، حين قال له: يا أبت: إن عملت بالخطيئة، حين لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فقال: { يا بني إنها } ، أي: القصة أو الخطيئة { إن تك مثقال حبة من خردل } أي: إن تك المعصية في الصغر والحقارة، مثال حبة من خردل، أو: إن تقع مثقال حبة من المعاصي { فتكن في صخرة } ، أي: فتكن، مع صغرها، في أخفى مكان، أو في جبل. وقال ابن عباس: هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. ه. قال السدي: خلق الله تعالى الأرض على حوت، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة - أي: صخرة - والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة. وهي الصخرة التي ذكر لقمان. ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح. ه. أي: إن تقع المعصية في أخفى مكان { يأت بها الله } يوم القيامة فيحاسب عليها عاملها. { إن الله لطيف }: يتوصل علمه إلى كل خفي، { خبير }: عالم بكنهه، أو: لطيف باستخراجها خبير بمستقرها. { يا بني أقم الصلاة }: أتقنها، وحافظ عليها تكميلا لنفسك، { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } تكميلا لغيرك، { واصبر على ما أصابك } في ذات الله تعالى، إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر فإن فعل ذلك تعرض للأذى، أو: على ما أصابك من الشدائد والمحن فإنها تورث المنح والمنن. { إن ذلك } الذي وصيتك به، { من عزم الأمور } أي: مما عزمه الله من الأمور، أي: قطعه قطع إيجاب وإلزام، أي: أمر به أمرا حتما. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها ومفروضاتها. وفيه دليل على أن هذه الطاعات كانت مأمورا بها في سائر الأمم. { ولا تصعر خدك للناس } أي: تمله عنهم، ولا تولهم صفحة خدك، كما يفعله المتكبرون. والتصعير: داء يصيب العير، فيلوى عنقه منه. والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولهم شق وجهك وصفحته { ولا تمش في الأرض مرحا } خيلاء متبخترا، فهو مصدر في موضع الحال، أي: مرحا، أو تمرح مرحا، أو: لأجل المرح، { إن الله لا يحب كل مختال فخور } ، علة النهي. والمختال هو المرح الذي يمشي خيلاء، والفخور هو المصعر خده تكبرا. وتأخير الفخور، مع تقدمه لرؤوس الآي. { واقصد في مشيك } توسط فيه بين الدبيب والإسراع، فلا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثوب الشطارين، قال عليه الصلاة والسلام: " إن سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " وأما قول عائشة رضي الله عنها: كان إذا مشى أسرع فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب التماوت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، ولكن مشيا بين ذلك. وقيل: { واقصد في مشيك }: انظر موضع قدميك، أو: اقصد: توسط بين العلو والتقصير. { واغضض من صوتك } وانقص منه، أي: اخفض صوتك. كانت العرب تفخر بمجاهرة الصوت، فنهى الله عن خلق الجاهلية، فذكره لوصية لقمان، وأنه لو كان شيء يهاب، لرفع صوته لكان الحمار، فجعلهم في المثل سواء. وهو قوله: { إن أنكر الأصوات } أوحشها وأقبحها { لصوت الحمير } لأن أوله زفير، وآخره شهيق، كصوت أهل النار. وعن الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار، فإنه يصيح لرؤية الشيطان، وقد سماه الله منكرا، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير تنبيه على أن رفع الصوت في غاية البشاعة، ويؤيده: ما روي أنه: عليه الصلاة والسلام - كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت. وقال بعضهم: رفع الصوت محمود في مواطن منها: الأذان والتلبية. وقال في الحاشية الفاسية: بل ينبغي الاقتصاد في ذلك، كما قال عمر بن عبد العزيز: أذن أذانا سنيا، وإلا اعتزلنا. ه. وقال عليه الصلاة والسلام: " اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " وإنما وحد صوت الحمير ولم يجمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من هذا الجنس حتى يجمع، بل المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. الإشارة: قد اشتملت وصية لقمان على خصال صوفية، تدل على كمال صاحبها، منها: استحضار مراقبة الحق ومشاهدته، في السر والعلانية، في الجلاء والخفاء. وهو قوله: { يا بني إنها تلك مثقال حبة... } إلخ. ومنها: القيام بوظائف العبودية، بدنية ولسانية، وهو قوله: { يا بني أقم الصلاة... } إلخ، ويقاس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سائر عبادات اللسان، ومنها الصبر على النوائب، سواء كانت من جهة الخلق، أو من قهرية الحق، وهو ركن في الطريق. وتقدم تفصيله في آخر النحل. ومنها: التواضع والليونة، وهما مصيدة الشرف، ومن شأن أهل السياسة. ومن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره. وهو قوله: { ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا }. ومنها: السكينة والوقار والرزانة، وهي نتيجة عمارة القلب بالهيبة والإجلال. وهو قوله: { واقصد في مشيك }. ومنها: خفض الصوت في سائر الكلام، وهو من علامة وجدان هيبة الحضرة، والقرب من الحق، قال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه:108]، وهو من آكد الآداب مع الأشياخ والفقراء. قال القشيري: قوله تعالى: { وأمر بالمعروف... } ، الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغه أن تمنع نفسك عما تنهى عنه، واشتغالك، واتصاف نفسك، بما تأمر به غيرك، ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره. والمعروف الذي يجب الأمر به: ما يوصل العبد إلى مولاه، والمنكر الذي يجب النهي عنه: ما يشغل العبد عن الله. ثم قال: وقوله تعالى: { واصبر على ما أصباك }: تنبيه على أن من قام لله بحق امتحن في الله، فسبيله أن يصبر في الله، فإن من صبر لله لم يخسر على الله. ثم قال: قوله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس } لا تتكبر عليهم، وطالعهم من حيث النسبة، وتحقق بأنك بمشهد من مولاك. ومن علم أن مولاه ينظر إليه لا يتكبر ولا يتطاول، بل يتخاضع ويتضاءل. قوله تعالى: { واقصد في مشيك.. } الآية، أي: كن فانيا عن شواهدك، مصطلما عن صولتك، مأخوذا عن حولك وقوتك، متشبها بما استولى عليك من كشوفات سرك. وانظر من الذي يسمع صوتك حين تستفيق من خمار غفلتك، { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }: في الإشارة: أنه الذي يتكلم بلسان المعرفة بغير إذن من الحق. وقالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه. ه. أي يتكلم على الناس، قبل أن يأذن له شيخه في التذكير. وبالله التوفيق. ثم ذكر بالنعم، فقال: { ألم تروا أن الله سخر... }

لقمان 31:20

يقول الحق جل جلاله: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض } ، يعني: الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والمطر، وغير ذلك، { وما في الأرض } ، يعني: البحار والأنهار، والأشجار، والثمار، والدواب، والمعادن، وغير ذلك، { وأسبغ }: أتم { عليكم نعمه } ، بالجمع، والإفراد إرادة الجنس. والنعمة: ما يسر به الإنسان ويتلذذ به، حال كونها { ظاهرة } ما تدرك بالحس، { وباطنة } ما تدرك بالعلم والوجدان. فقيل: الظاهرة. السمع، والبصر، واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة: القلب، والعقل، والفهم، وما أشبه ذلك. أو: الظاهرة: الصحة والعافية، والكفاية والباطنة: الإيمان، واليقين، والعلم والمعرفة بالله، وسيأتي في الإشارة بقيتها. روي أن موسى عليه السلام قال: دلني على أخفى نعمتك على عبادك، فقال: أخفى نعمتي عليهم: النفس. ه. قلت: إذ بمجاهدتها تحصل السعادة العظمى، ولا وصول إليه إلا بمجاهدتها والغيبة عنها. وفي هذا المعنى كان شيخ شيخنا يقول: جزاها الله عنا خيرا ما ربحنا إلا منها. ه. وقيل: الظاهرة: تحسين الخلق، والباطنة: حسن الخلق. وقال ابن عباس: الظاهرة: ما سوى من خلقك، والباطنة: ما ستر من عيوبك. { ومن الناس من يجادل في الله } بعد هذه النعم المتواترة، أي: في توحيده وصفاته ودينه، { بغير علم } مستفاد من دليل ولا برهان، { ولا هدى } اي: هداية رسول، { ولا كتاب منير } أنزله الله، بل بمجرد التقليد الردي. نزلت في النضر بن الحارث. وقد تقدمت في الحج. { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } على رسوله من التوحيد، والشرائع، { قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا } من عبادة الأصنام. وهو دليل منع التقليد في الأصول. قاله البيضاوي قلت: والمشهور أن إيمان المقلد صحيح. وأما من قلد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم ينظر، فهو مؤمن، اتفاقا. قال تعالى: { أو لو } أيتبعونهم، ولو { كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } ، يحتمل أن يكون الضمير لهم، أي: أيقلدونهم، ولو كان يدعوهم بذلك التقليد إلى العذاب، أو: لآبائهم، أي: أيتبعون آباءهم، ولو كان الشيطان في زمانهم يدعوهم إلى عذاب السعير. الإشارة: الأكوان كلها خلقت لك أيها الإنسان، وأنت خلقت للحضرة، فاعرف قدرك، ولاتتعد طورك، واشكر النعم لتي أسبغ عليك ظاهرة وباطنة. الظاهرة: استقامة الظواهر في عمل الشرائع، والباطنة: تصفية البواطن لتتهيأ لأنوار الحقائق، أو: الظاهرة: المنن، والباطنة: المحن. قال القشيري: قد تكلموا في الظاهرة والباطنة وأكثروا. فالظاهرة: وجود النعمة، والباطنة: شهود المنعم، أو: الظاهرة: الدنيوية، والباطنة: الدينية. أو: الخلق والخلق، أو: نفس بلا زلة، وقلب بلا غفلة، أو: عطاء ورضى. أو: الظاهرة: في الأموال ونمائها، والباطنة: في الأحوال وصفائها، أو: الظاهرة: النعمة، والباطنة: العصمة، أو: الظاهرة: توفيق الطاعات، والباطنة: قبولها، أو: الظاهرة: صحبة العارفين، والباطنة: حفظ حرمتهم وتعظيمهم. أو: الظاهرة: الزهد في الدنيا، والباطنة: الاكتفاء بالله من الدنيا والعقبى. أو: الظاهرة: الزهد، والباطنة: الوجد. أو: الظاهرة: توفيق المجاهدة، والباطنة: تحقيق المشاهدة، أو: الظاهرة: وظائف النفس، والباطنة: لطائف القلب، أو: الظاهرة: اشتغالك بنفسك عن الخلق، والباطنة: اشتغالك بربك عن نفسك، أو: الظاهرة: طلبه، والباطنة: وجوده، أو: الظاهرة: أن تصل إليه، والباطنة: أن تبقى معه. ه. ببعض المعنى. ثم قال القشيري: { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله... } الآية: لم يتخطوا أمثالهم، ولم يهتدوا إلى تحول أحوالهم. ه. يعني: قلدوا أسلافكم في الإقامة مع الرسوم والأشكال، والانهماك في الحظوظ، فعاقبهم ذلك عن السير والوصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأما من خالف امتثاله وأشكاله وانقاد بكليته إلى مولاه فقد استمسك بالعروة الوثقى، كما قال تعالى: { ومن يسلم وجهه... }

لقمان 31:21

يقول الحق جل جلاله: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض } ، يعني: الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والمطر، وغير ذلك، { وما في الأرض } ، يعني: البحار والأنهار، والأشجار، والثمار، والدواب، والمعادن، وغير ذلك، { وأسبغ }: أتم { عليكم نعمه } ، بالجمع، والإفراد إرادة الجنس. والنعمة: ما يسر به الإنسان ويتلذذ به، حال كونها { ظاهرة } ما تدرك بالحس، { وباطنة } ما تدرك بالعلم والوجدان. فقيل: الظاهرة. السمع، والبصر، واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة: القلب، والعقل، والفهم، وما أشبه ذلك. أو: الظاهرة: الصحة والعافية، والكفاية والباطنة: الإيمان، واليقين، والعلم والمعرفة بالله، وسيأتي في الإشارة بقيتها. روي أن موسى عليه السلام قال: دلني على أخفى نعمتك على عبادك، فقال: أخفى نعمتي عليهم: النفس. ه. قلت: إذ بمجاهدتها تحصل السعادة العظمى، ولا وصول إليه إلا بمجاهدتها والغيبة عنها. وفي هذا المعنى كان شيخ شيخنا يقول: جزاها الله عنا خيرا ما ربحنا إلا منها. ه. وقيل: الظاهرة: تحسين الخلق، والباطنة: حسن الخلق. وقال ابن عباس: الظاهرة: ما سوى من خلقك، والباطنة: ما ستر من عيوبك. { ومن الناس من يجادل في الله } بعد هذه النعم المتواترة، أي: في توحيده وصفاته ودينه، { بغير علم } مستفاد من دليل ولا برهان، { ولا هدى } اي: هداية رسول، { ولا كتاب منير } أنزله الله، بل بمجرد التقليد الردي. نزلت في النضر بن الحارث. وقد تقدمت في الحج. { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } على رسوله من التوحيد، والشرائع، { قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا } من عبادة الأصنام. وهو دليل منع التقليد في الأصول. قاله البيضاوي قلت: والمشهور أن إيمان المقلد صحيح. وأما من قلد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم ينظر، فهو مؤمن، اتفاقا. قال تعالى: { أو لو } أيتبعونهم، ولو { كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } ، يحتمل أن يكون الضمير لهم، أي: أيقلدونهم، ولو كان يدعوهم بذلك التقليد إلى العذاب، أو: لآبائهم، أي: أيتبعون آباءهم، ولو كان الشيطان في زمانهم يدعوهم إلى عذاب السعير. الإشارة: الأكوان كلها خلقت لك أيها الإنسان، وأنت خلقت للحضرة، فاعرف قدرك، ولاتتعد طورك، واشكر النعم لتي أسبغ عليك ظاهرة وباطنة. الظاهرة: استقامة الظواهر في عمل الشرائع، والباطنة: تصفية البواطن لتتهيأ لأنوار الحقائق، أو: الظاهرة: المنن، والباطنة: المحن. قال القشيري: قد تكلموا في الظاهرة والباطنة وأكثروا. فالظاهرة: وجود النعمة، والباطنة: شهود المنعم، أو: الظاهرة: الدنيوية، والباطنة: الدينية. أو: الخلق والخلق، أو: نفس بلا زلة، وقلب بلا غفلة، أو: عطاء ورضى. أو: الظاهرة: في الأموال ونمائها، والباطنة: في الأحوال وصفائها، أو: الظاهرة: النعمة، والباطنة: العصمة، أو: الظاهرة: توفيق الطاعات، والباطنة: قبولها، أو: الظاهرة: صحبة العارفين، والباطنة: حفظ حرمتهم وتعظيمهم. أو: الظاهرة: الزهد في الدنيا، والباطنة: الاكتفاء بالله من الدنيا والعقبى. أو: الظاهرة: الزهد، والباطنة: الوجد. أو: الظاهرة: توفيق المجاهدة، والباطنة: تحقيق المشاهدة، أو: الظاهرة: وظائف النفس، والباطنة: لطائف القلب، أو: الظاهرة: اشتغالك بنفسك عن الخلق، والباطنة: اشتغالك بربك عن نفسك، أو: الظاهرة: طلبه، والباطنة: وجوده، أو: الظاهرة: أن تصل إليه، والباطنة: أن تبقى معه. ه. ببعض المعنى. ثم قال القشيري: { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله... } الآية: لم يتخطوا أمثالهم، ولم يهتدوا إلى تحول أحوالهم. ه. يعني: قلدوا أسلافكم في الإقامة مع الرسوم والأشكال، والانهماك في الحظوظ، فعاقبهم ذلك عن السير والوصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأما من خالف امتثاله وأشكاله وانقاد بكليته إلى مولاه فقد استمسك بالعروة الوثقى، كما قال تعالى: { ومن يسلم وجهه... }

لقمان 31:22

قلت: قال في الحاشية: لما ذكر حال الكافر المجادل ذكر حال المسلم، وعداه هنا بإلى، وفي قوله: بلى من أسلم وجهه لله [البقرة: 112]، باللام لأنه لما كان المجادل غير معين، ولم يخص له واحدا بعينه، عقبه بحال من حصل منه مطلق الاستسلام، ومدحه يتناول مدح من اتصف بأخص الاستسلام. أو: في الآية الأخرى أتى به خاصا، لما رتب عليه من الثواب الجزيل بقوله: { فله أجره... } إلخ، الذي لم يذكر هنا إلا بعضه، فإن اللام تقتضي الاختصاص والقصد إلى الشيء، و " إلى ": لا تقتضي ذلك. انظر ابن عرفة. وقال النسفي: عداه هنا بإلى وهناك باللام لأن معناه، مع اللام: أنه جعل وجهه - وهو ذاته ونفسه - سالما لله، أي: خالصا له، ومعناه، مع " إلى ": أنه سلم نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل، إذا دفع إليه. والمراد: التوكل عليه والتفويض إليه. ه. أي: فهو أبلغ من اللام، ومثله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ومن يسلم وجهه إلى الله } أي: ينقد إليه بكليته، وينقطع إليه بجميع شراشره، بأن فوض أمره إليه، وأقبل بكليته عليه، { وهو محسن } في أعماله. قال القشيري: من أسلم نفسه، وأخلص في الله قصده، فقد استمسك بالعروة الوثقى. ه. فالاستسلام قد يكون بغير إخلاص، فلذلك قال: { وهو محسن }. قاله المحشي. وقلت: وفيه نظر فإن الحق تعالى إنما عبر بالإسلام لا بالاستسلام، وإنما المعنى: أسلم وجهه في الباطن، وهو محسن بالعمل في الظاهر، { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ، أي: تعلق بأوثق ما يتعلق به فالعروة: ما يستمسك به. والوثقى: تأنيث الأوثق. مثل حال المسلم المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل، فاحتاط لنفسه، بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين، مأمون انقطاعه. قال الهروي: أي: تمسك بالعقد الوثيق. وقال الأزهري: أصله: من عروة الكلأ، وهو: ماله أصل ثابت في الأرض، من الشيح وغيره من الشجر المستأصل في الأرض. ضربت مثلا لكل ما يعتصم به ويلجأ إليه. ه. وهو إشارة لكون التوحيد سببا وأصلا، والآخذ به، متصلا بالله، لا يخشى انقطاعا ولا هلاكا، بخلاف الشرك، فإنه على الضد، كما يرشد إليه قوله تعالى: ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة... [إبراهيم: 26] الآية. وقوله تعالى: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء [الحج: 31] الآية. { وإلى الله عاقبة الامور } أي: صائرة إليه فيجازى عليها. { ومن كفر } ولم يسلم وجهه لله، { فلا يحزنك كفره } فلا يهمك شأنه، فسيقدم علينا ونجازيه، { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } ، أي: فنعاقبهم على أعمالهم، { إن الله عليم بذات الصور } ، أي: عالم بحقائق الصدور، وما فيها، فيجازى على حسبها، فضلا عما في الظواهر، { نمتعهم قليلا } ، أي: نمتعهم زمانا قليلا بدنياهم، { ثم نضطرهم } ، نلجئهم { إلى عذاب غليظ } شديد. شبه إلزامهم التعذيب، وإرهاقهم إليه، باضطرار المضطر إلى الشيء. والغلظ: مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد: الشدة والثقل على المعذب. عائذا بالله من موجبات غضبه. الإشارة: ومن ينقد بكليته إلى مولاه، وغاب عن كل ما سواه، وهو من أهل مقام الإحسان، بأن أشرقت عليه شمس العيان، فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها أبدا. ومن أمارات الانقياد: ترك التدبير والاختيار، والرضا والتسليم لكل ما يبرز من عنصر الاقتدار، وترك الشكوى بأحكام الواحد القهار. { وإلى الله عاقبة الأمور } فيوصل من يشاء برحمته، ويقطع من يشاء بعدله. ومن يجحد طريق الخصوص من أهل زمانه فلا يحزنك، أيها العارف، فعله، إلينا إيابهم، وعلينا حسابهم، فسنمتعهم بحظوظهم، والوقوف مع عوائدهم، زمانا قليلا، ثم نضطرهم إلى غم الحجاب وسوء الحساب. والعياذ بالله. ثم برهن على توحيد من يجب الاستسلام له، فقال: { ولئن سألتهم من خلق السماوات... }

لقمان 31:23

قلت: قال في الحاشية: لما ذكر حال الكافر المجادل ذكر حال المسلم، وعداه هنا بإلى، وفي قوله: بلى من أسلم وجهه لله [البقرة: 112]، باللام لأنه لما كان المجادل غير معين، ولم يخص له واحدا بعينه، عقبه بحال من حصل منه مطلق الاستسلام، ومدحه يتناول مدح من اتصف بأخص الاستسلام. أو: في الآية الأخرى أتى به خاصا، لما رتب عليه من الثواب الجزيل بقوله: { فله أجره... } إلخ، الذي لم يذكر هنا إلا بعضه، فإن اللام تقتضي الاختصاص والقصد إلى الشيء، و " إلى ": لا تقتضي ذلك. انظر ابن عرفة. وقال النسفي: عداه هنا بإلى وهناك باللام لأن معناه، مع اللام: أنه جعل وجهه - وهو ذاته ونفسه - سالما لله، أي: خالصا له، ومعناه، مع " إلى ": أنه سلم نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل، إذا دفع إليه. والمراد: التوكل عليه والتفويض إليه. ه. أي: فهو أبلغ من اللام، ومثله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ومن يسلم وجهه إلى الله } أي: ينقد إليه بكليته، وينقطع إليه بجميع شراشره، بأن فوض أمره إليه، وأقبل بكليته عليه، { وهو محسن } في أعماله. قال القشيري: من أسلم نفسه، وأخلص في الله قصده، فقد استمسك بالعروة الوثقى. ه. فالاستسلام قد يكون بغير إخلاص، فلذلك قال: { وهو محسن }. قاله المحشي. وقلت: وفيه نظر فإن الحق تعالى إنما عبر بالإسلام لا بالاستسلام، وإنما المعنى: أسلم وجهه في الباطن، وهو محسن بالعمل في الظاهر، { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ، أي: تعلق بأوثق ما يتعلق به فالعروة: ما يستمسك به. والوثقى: تأنيث الأوثق. مثل حال المسلم المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل، فاحتاط لنفسه، بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين، مأمون انقطاعه. قال الهروي: أي: تمسك بالعقد الوثيق. وقال الأزهري: أصله: من عروة الكلأ، وهو: ماله أصل ثابت في الأرض، من الشيح وغيره من الشجر المستأصل في الأرض. ضربت مثلا لكل ما يعتصم به ويلجأ إليه. ه. وهو إشارة لكون التوحيد سببا وأصلا، والآخذ به، متصلا بالله، لا يخشى انقطاعا ولا هلاكا، بخلاف الشرك، فإنه على الضد، كما يرشد إليه قوله تعالى: ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة... [إبراهيم: 26] الآية. وقوله تعالى: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء [الحج: 31] الآية. { وإلى الله عاقبة الامور } أي: صائرة إليه فيجازى عليها. { ومن كفر } ولم يسلم وجهه لله، { فلا يحزنك كفره } فلا يهمك شأنه، فسيقدم علينا ونجازيه، { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } ، أي: فنعاقبهم على أعمالهم، { إن الله عليم بذات الصور } ، أي: عالم بحقائق الصدور، وما فيها، فيجازى على حسبها، فضلا عما في الظواهر، { نمتعهم قليلا } ، أي: نمتعهم زمانا قليلا بدنياهم، { ثم نضطرهم } ، نلجئهم { إلى عذاب غليظ } شديد. شبه إلزامهم التعذيب، وإرهاقهم إليه، باضطرار المضطر إلى الشيء. والغلظ: مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد: الشدة والثقل على المعذب. عائذا بالله من موجبات غضبه. الإشارة: ومن ينقد بكليته إلى مولاه، وغاب عن كل ما سواه، وهو من أهل مقام الإحسان، بأن أشرقت عليه شمس العيان، فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها أبدا. ومن أمارات الانقياد: ترك التدبير والاختيار، والرضا والتسليم لكل ما يبرز من عنصر الاقتدار، وترك الشكوى بأحكام الواحد القهار. { وإلى الله عاقبة الأمور } فيوصل من يشاء برحمته، ويقطع من يشاء بعدله. ومن يجحد طريق الخصوص من أهل زمانه فلا يحزنك، أيها العارف، فعله، إلينا إيابهم، وعلينا حسابهم، فسنمتعهم بحظوظهم، والوقوف مع عوائدهم، زمانا قليلا، ثم نضطرهم إلى غم الحجاب وسوء الحساب. والعياذ بالله. ثم برهن على توحيد من يجب الاستسلام له، فقال: { ولئن سألتهم من خلق السماوات... }

لقمان 31:24

قلت: قال في الحاشية: لما ذكر حال الكافر المجادل ذكر حال المسلم، وعداه هنا بإلى، وفي قوله: بلى من أسلم وجهه لله [البقرة: 112]، باللام لأنه لما كان المجادل غير معين، ولم يخص له واحدا بعينه، عقبه بحال من حصل منه مطلق الاستسلام، ومدحه يتناول مدح من اتصف بأخص الاستسلام. أو: في الآية الأخرى أتى به خاصا، لما رتب عليه من الثواب الجزيل بقوله: { فله أجره... } إلخ، الذي لم يذكر هنا إلا بعضه، فإن اللام تقتضي الاختصاص والقصد إلى الشيء، و " إلى ": لا تقتضي ذلك. انظر ابن عرفة. وقال النسفي: عداه هنا بإلى وهناك باللام لأن معناه، مع اللام: أنه جعل وجهه - وهو ذاته ونفسه - سالما لله، أي: خالصا له، ومعناه، مع " إلى ": أنه سلم نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل، إذا دفع إليه. والمراد: التوكل عليه والتفويض إليه. ه. أي: فهو أبلغ من اللام، ومثله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ومن يسلم وجهه إلى الله } أي: ينقد إليه بكليته، وينقطع إليه بجميع شراشره، بأن فوض أمره إليه، وأقبل بكليته عليه، { وهو محسن } في أعماله. قال القشيري: من أسلم نفسه، وأخلص في الله قصده، فقد استمسك بالعروة الوثقى. ه. فالاستسلام قد يكون بغير إخلاص، فلذلك قال: { وهو محسن }. قاله المحشي. وقلت: وفيه نظر فإن الحق تعالى إنما عبر بالإسلام لا بالاستسلام، وإنما المعنى: أسلم وجهه في الباطن، وهو محسن بالعمل في الظاهر، { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ، أي: تعلق بأوثق ما يتعلق به فالعروة: ما يستمسك به. والوثقى: تأنيث الأوثق. مثل حال المسلم المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل، فاحتاط لنفسه، بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين، مأمون انقطاعه. قال الهروي: أي: تمسك بالعقد الوثيق. وقال الأزهري: أصله: من عروة الكلأ، وهو: ماله أصل ثابت في الأرض، من الشيح وغيره من الشجر المستأصل في الأرض. ضربت مثلا لكل ما يعتصم به ويلجأ إليه. ه. وهو إشارة لكون التوحيد سببا وأصلا، والآخذ به، متصلا بالله، لا يخشى انقطاعا ولا هلاكا، بخلاف الشرك، فإنه على الضد، كما يرشد إليه قوله تعالى: ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة... [إبراهيم: 26] الآية. وقوله تعالى: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء [الحج: 31] الآية. { وإلى الله عاقبة الامور } أي: صائرة إليه فيجازى عليها. { ومن كفر } ولم يسلم وجهه لله، { فلا يحزنك كفره } فلا يهمك شأنه، فسيقدم علينا ونجازيه، { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } ، أي: فنعاقبهم على أعمالهم، { إن الله عليم بذات الصور } ، أي: عالم بحقائق الصدور، وما فيها، فيجازى على حسبها، فضلا عما في الظواهر، { نمتعهم قليلا } ، أي: نمتعهم زمانا قليلا بدنياهم، { ثم نضطرهم } ، نلجئهم { إلى عذاب غليظ } شديد. شبه إلزامهم التعذيب، وإرهاقهم إليه، باضطرار المضطر إلى الشيء. والغلظ: مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد: الشدة والثقل على المعذب. عائذا بالله من موجبات غضبه. الإشارة: ومن ينقد بكليته إلى مولاه، وغاب عن كل ما سواه، وهو من أهل مقام الإحسان، بأن أشرقت عليه شمس العيان، فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها أبدا. ومن أمارات الانقياد: ترك التدبير والاختيار، والرضا والتسليم لكل ما يبرز من عنصر الاقتدار، وترك الشكوى بأحكام الواحد القهار. { وإلى الله عاقبة الأمور } فيوصل من يشاء برحمته، ويقطع من يشاء بعدله. ومن يجحد طريق الخصوص من أهل زمانه فلا يحزنك، أيها العارف، فعله، إلينا إيابهم، وعلينا حسابهم، فسنمتعهم بحظوظهم، والوقوف مع عوائدهم، زمانا قليلا، ثم نضطرهم إلى غم الحجاب وسوء الحساب. والعياذ بالله. ثم برهن على توحيد من يجب الاستسلام له، فقال: { ولئن سألتهم من خلق السماوات... }

لقمان 31:25

يقول الحق جل جلاله: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره، فيضطرون إلى الإقرار بذلك، { قل الحمد لله } على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم من شرك الأصنام، { بل أكثرهم لا يعلمون } إن ذلك يلزمهم إذا نبهوا عليه، ولم ينتبهوا، فالإضراب عن كلام محذوف، أي: فيجب عليهم أن يعبدوا الله وحده، لما اعترفوا، ولكنهم لا يعلمون، { لله ما في السماوات والأرض } ملكا وعبيدا، { إن الله هو الغني الحميد } ، أي: الغني عن حمد الحامدين، المستحق للحمد وإن لم يحمدوه. الإشارة: قد اتفقت الملل على وجود الصانع. ثم وقفت العقول في مقام الحيرة والاستدلال، وامتدت الأرواح والأسرار بأعناقها إلى معرفة الذات وشهودها، فمن وجدت عارفا كاملا سلك بها الطريق، حتى أوقعها على عين التحقيق، فأشرفت على البحر الزاخر، فغرقت في بحر الذات وتيار الصفات، ثم رجعت إلى بر الشريعة لتدل غيرها على الوصول. وقل الحمد لله أن وجدت من يعرفك بالله، وأكثر الخلق حائدون عن العلم بالله. ثم إن العلم بالله وبصفاته واسمائه لا نهاية له، كما قال تعالى: { ولو أنما في الأرض... }

لقمان 31:26

يقول الحق جل جلاله: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره، فيضطرون إلى الإقرار بذلك، { قل الحمد لله } على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم من شرك الأصنام، { بل أكثرهم لا يعلمون } إن ذلك يلزمهم إذا نبهوا عليه، ولم ينتبهوا، فالإضراب عن كلام محذوف، أي: فيجب عليهم أن يعبدوا الله وحده، لما اعترفوا، ولكنهم لا يعلمون، { لله ما في السماوات والأرض } ملكا وعبيدا، { إن الله هو الغني الحميد } ، أي: الغني عن حمد الحامدين، المستحق للحمد وإن لم يحمدوه. الإشارة: قد اتفقت الملل على وجود الصانع. ثم وقفت العقول في مقام الحيرة والاستدلال، وامتدت الأرواح والأسرار بأعناقها إلى معرفة الذات وشهودها، فمن وجدت عارفا كاملا سلك بها الطريق، حتى أوقعها على عين التحقيق، فأشرفت على البحر الزاخر، فغرقت في بحر الذات وتيار الصفات، ثم رجعت إلى بر الشريعة لتدل غيرها على الوصول. وقل الحمد لله أن وجدت من يعرفك بالله، وأكثر الخلق حائدون عن العلم بالله. ثم إن العلم بالله وبصفاته واسمائه لا نهاية له، كما قال تعالى: { ولو أنما في الأرض... }

لقمان 31:27

قلت: ولو أنما في الأرض: مذهب الكوفيين وجماعة: أن ما بعد " لو ": فاعل بفعل محذوف، أي: ولو ثبت كون ما في الأرض.. إلخ. ومذهب سيبويه: أنه مبتدأ، أي: ولو كون ما في الأرض واقع، والبحر: مبتدأ، ويمده: خبره، أي: يمد ما ذكر من الأقلام. ومن بعده سبعة أبحر: مبتدأ وخبر. وحذف التمييز، أي: مدادا، يدل عليه يمده، أو سبعة: فاعل يمده، أي: يصب فيه سبعة أبحر، والجملة: حال، أي: ولو أن الأشجار أقلام، في حال كون البحر ممدودا، ما نفدت... إلخ. وجملة يمده: خبر البحر. ومن قرأ بالنصب فعطف على اسم " إن " ، وهو ما. يقول الحق جل جلاله: { ولو أن ما في الأرض من شجرة } من الأشجار { أقلام } ، والبحر يمد تلك الأقلام، يصب في ذلك البحر { سبعة أبحر } ، وتلك الأقلام كلها تكتب كلمات الله الدالة على عظمته وكمالاته، { ما نفدت } كلماته، ونفدت الأقلام، وجفت تلك الأبحر، وهذا كقوله: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي [الكهف: 109] مع زيادة المبالغة بذكر السبعة أبحر، يقال: مد الدواة وأمدها: جعل فيها مدادا، فجعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، والأبحر السبعة مدادها، وفروع الأشجار كلها أقلام تكتب كلماته تعالى، فلو قدر ذلك لتكسرت الأقلام وجفت الأبحر، قبل ان تنفد كلماته تعالى لأنها تابعة لعلمه، وعلمه لا نهاية له. وإنما وحد الشجرة لأن المراد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة، حتى ما يبقى من جنس الشجر، ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما. وأوتر الكلمات، وهي من حيز جمع القلة، على الكلم، الذي هو جمع الكثرة لأن المعنى: أن كلماته لا يفي بها الأقلام فكيف بكلامه الكثير؟. { إن الله عزيز } لا يعجزه شيء، { حكيم } لا يخرج عن علمه وحكمته شيء، فلا تنفد كلماته وحكمته. والآية جواب اليهود، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن قلنا: الآية مدنية، أو: أمروا وفد قريش أن يسألوه عن قوله: ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء:85]، فقالوا: هل عنيتنا أم قومك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " كلا قد عنيت " فقالوا: أليس فيما قد أوتيت أنا قد أوتينا التوراة، فيها علم كل شيء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " هي في علم الله قليل " ، فأنزل الله: { ولو أنما... } إلخ. ولما ذكر شأن كلامه وعلمه ذكر شأن قدرته، فقال: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ، أي: إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة. فحذف، للعلم به، أي: القليل والكثير في قدرة الله تعالى سواء، فلا يشغله شأن عن شأن، وقدرته عامة التعلق، تنفذ أسرع من لمح البصر. قال الغزالي في الإحياء: ومن غريب حكم الآخرة أن الرجل يدعى به إلى الله تعالى، فيحاسب ويوبخ، وتوزن له حسناته وسيئاته، وهو في ذلك كله يظن أن الله لم يحاسب إلا هو، ولعل آلاف آلاف ألف مثله في لحظة واحدة. وكل منهم يظن ظنه، لا يرى بعضهم بعضا، ولا يسمعه، وهو قوله تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة }. ه. { إن الله سميع } لقول من ينكر البعث من المشركين، { بصير } بأعمالهم، فيجازيهم. الإشارة: أوصاف الباري سبحانه كلها كاملة، غير محصورة ولا متناهية من علم، وقدرة، وإرادة، وكلام، وغيرها. وأوصاف العبد كلها قصيرة متناهية، وقد يمد الحق عبده بصفة من صفاته التي لا تتناهى، فإذا أمده بصفة الكلام تكلم بكلام تعجز عنه العقول، لا يقدر على إمساكه، فلو بقي يتكلم عمره كله ما نفد كلامه، حتى يسكته الحق تعالى. وقد كان بعض السادات يقول لأصحابه، حين يتكلم عليهم: إني لأستفيد من نفسي كما تستفيدون أنتم مني، وذلك حين الفيض الإلهي. وإذا أمده بصفة القدرة، قدر على كل شيء، وإذا أمده صفة السمع سمع كل شيء، وإذا أمده بصفة البصر، أبصر كل موجود... وهكذا. وهذه الأوصاف كامنة في العبد من حيث معناه، احتجبت بظهور أضدادها صونا لسر الربوبية. والله تعالى أعلم. ثم برهن على كمال أوصافه، فقال: { ألم تر أن الله يولج الليل... }

لقمان 31:28

قلت: ولو أنما في الأرض: مذهب الكوفيين وجماعة: أن ما بعد " لو ": فاعل بفعل محذوف، أي: ولو ثبت كون ما في الأرض.. إلخ. ومذهب سيبويه: أنه مبتدأ، أي: ولو كون ما في الأرض واقع، والبحر: مبتدأ، ويمده: خبره، أي: يمد ما ذكر من الأقلام. ومن بعده سبعة أبحر: مبتدأ وخبر. وحذف التمييز، أي: مدادا، يدل عليه يمده، أو سبعة: فاعل يمده، أي: يصب فيه سبعة أبحر، والجملة: حال، أي: ولو أن الأشجار أقلام، في حال كون البحر ممدودا، ما نفدت... إلخ. وجملة يمده: خبر البحر. ومن قرأ بالنصب فعطف على اسم " إن " ، وهو ما. يقول الحق جل جلاله: { ولو أن ما في الأرض من شجرة } من الأشجار { أقلام } ، والبحر يمد تلك الأقلام، يصب في ذلك البحر { سبعة أبحر } ، وتلك الأقلام كلها تكتب كلمات الله الدالة على عظمته وكمالاته، { ما نفدت } كلماته، ونفدت الأقلام، وجفت تلك الأبحر، وهذا كقوله: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي [الكهف: 109] مع زيادة المبالغة بذكر السبعة أبحر، يقال: مد الدواة وأمدها: جعل فيها مدادا، فجعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، والأبحر السبعة مدادها، وفروع الأشجار كلها أقلام تكتب كلماته تعالى، فلو قدر ذلك لتكسرت الأقلام وجفت الأبحر، قبل ان تنفد كلماته تعالى لأنها تابعة لعلمه، وعلمه لا نهاية له. وإنما وحد الشجرة لأن المراد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة، حتى ما يبقى من جنس الشجر، ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما. وأوتر الكلمات، وهي من حيز جمع القلة، على الكلم، الذي هو جمع الكثرة لأن المعنى: أن كلماته لا يفي بها الأقلام فكيف بكلامه الكثير؟. { إن الله عزيز } لا يعجزه شيء، { حكيم } لا يخرج عن علمه وحكمته شيء، فلا تنفد كلماته وحكمته. والآية جواب اليهود، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن قلنا: الآية مدنية، أو: أمروا وفد قريش أن يسألوه عن قوله: ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء:85]، فقالوا: هل عنيتنا أم قومك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " كلا قد عنيت " فقالوا: أليس فيما قد أوتيت أنا قد أوتينا التوراة، فيها علم كل شيء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " هي في علم الله قليل " ، فأنزل الله: { ولو أنما... } إلخ. ولما ذكر شأن كلامه وعلمه ذكر شأن قدرته، فقال: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ، أي: إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة. فحذف، للعلم به، أي: القليل والكثير في قدرة الله تعالى سواء، فلا يشغله شأن عن شأن، وقدرته عامة التعلق، تنفذ أسرع من لمح البصر. قال الغزالي في الإحياء: ومن غريب حكم الآخرة أن الرجل يدعى به إلى الله تعالى، فيحاسب ويوبخ، وتوزن له حسناته وسيئاته، وهو في ذلك كله يظن أن الله لم يحاسب إلا هو، ولعل آلاف آلاف ألف مثله في لحظة واحدة. وكل منهم يظن ظنه، لا يرى بعضهم بعضا، ولا يسمعه، وهو قوله تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة }. ه. { إن الله سميع } لقول من ينكر البعث من المشركين، { بصير } بأعمالهم، فيجازيهم. الإشارة: أوصاف الباري سبحانه كلها كاملة، غير محصورة ولا متناهية من علم، وقدرة، وإرادة، وكلام، وغيرها. وأوصاف العبد كلها قصيرة متناهية، وقد يمد الحق عبده بصفة من صفاته التي لا تتناهى، فإذا أمده بصفة الكلام تكلم بكلام تعجز عنه العقول، لا يقدر على إمساكه، فلو بقي يتكلم عمره كله ما نفد كلامه، حتى يسكته الحق تعالى. وقد كان بعض السادات يقول لأصحابه، حين يتكلم عليهم: إني لأستفيد من نفسي كما تستفيدون أنتم مني، وذلك حين الفيض الإلهي. وإذا أمده بصفة القدرة، قدر على كل شيء، وإذا أمده صفة السمع سمع كل شيء، وإذا أمده بصفة البصر، أبصر كل موجود... وهكذا. وهذه الأوصاف كامنة في العبد من حيث معناه، احتجبت بظهور أضدادها صونا لسر الربوبية. والله تعالى أعلم. ثم برهن على كمال أوصافه، فقال: { ألم تر أن الله يولج الليل... }

لقمان 31:29

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار } يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار، إذا أقبل الليل، { ويولج النهار في الليل } يدخل ضوء النهار في ظلمة الليل، إذا أقبل النهار. أو: بإدخال جزء أحدهما في الآخر بزيادة الليل أو النهار. { وسخر الشمس والقمر } لمنافع العباد، { كل } ، أي: كل واحد من الشمس والقمر { يجري } في فلكه، ويقطعه، { إلى أجل مسمى } إلى يوم القيامة: أو: إلى وقت معلوم للشمس، وهو تمام السنة، والقمر إلى آخر الشهر. { وإن الله بما تعملون خبير } عالم بكنهه، لا يخفى عليه شيء. فدل، بتعاقب الليل والنهار، أو بزيادتهما ونقصانهما، وجري النيرين في فلكهما، على تقدير وحساب معلوم، وبإحاطته جميع أعمال الخلق، على عظيم قدرته، وكمال علمه وحكمته. { ذلك } شاهد { بأن الله هو الحق } ، وما سواه باطل، { وأن ما تدعون من دونه الباطل } المعدوم في حد ذاته، لا حقيقة لوجوده. أو: ذلك الذي وصف بما وصف به، من عجائب قدرته وباهر حكمته، التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله؟ إنما هو بسبب أنه الحق الثابت الإلهية، وأن من دونه باطل ألوهيته، { وأن الله هو العلي الكبير } ، أي: العلي الشأن، الكبير السلطان. { ألم تر أن الفلك } السفن { تجري في البحر بنعمة الله } بإحسانه ورحمته، أو: بالريح، لأن الريح من نعم الله. أو: ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والمتاع، فالباء، حينئذ، للأرزاق، وهو استشهاد آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته، وشمول إنعامه. { ليريكم من آياته } من عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموه، { إن في ذلك لآيات } دالة على وحدانيته وكمال صفاته { لكل صبار } في بلائه، { شكور } لنعمائه. وهما من صفة المؤمن. فالإيمان نصفان، نصف شكر ونصب صبر، فلا يعتبر بعجائب قدرته إلا من كان هكذا. { وإذا غشيهم } ، أي: الكفار، أي: علاهم وغطاهم { موج كالظلل } ، أي: كشيء يظل من جبل، أو سحاب، أو غيرهما، فالموج الكبير يرتفع فيعود كالظلل جمع ظلة، وهو ما أظلك من جبل أو سقف. فإذا غشيهم ذلك { دعوا الله مخلصين له الدين } ، لا يدعون معه غيره، لزوال ما ينازع الفطرة بالقهرية. { فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } مقيم على الطريق القصد، باق على الإيمان، الذي هو التوحيد، الذي كان منه في حال الشدة، لم يعد إلى الكفر، أو: متوسط في الظلم والكفر، انزجر بعض الانزجار. ولم يغل في الكفر والعدوان. أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، يعني: أن ذلك الإخلاص لحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط، إلا النادر، { وما يجحد بآياتنا } أي: بحقيقتها { إلا كل ختار } غدار. والختر: أقبح الغدر، { كفور } لنعم ربه. وهذه الكلمات متقابلة لفظا ومعنى، فختار: مقابل صبار، وكفور: مقابل شكور لأن من غدر لم يصبر، ومن كفر لم يشكر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألم تر أن الله يولج ليل القبض في نهار البسط، ونهار البسط في ليل القبض، فهما يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار، فإذا تأدب مع كل واحد منهما زاد بهما معا، وإلا نقص بهما، أو بأحدهما. فآداب القبض: الصبر والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. وآداب البسط: الحمد، والشكر، والإمساك عن الفضول في كل شيء. وسخر شمس العيان وقمر الإيمان، كل يجري إلى أجل مسمى فقمر الإيمان يجري إلى طلوع شمس العرفان، وشمس العرفان إلى ما لا نهاية له من الأزمان. ذلك بأن الله هو الحق، وما سواه باطل. فإذا جاء الحق، بطلوع شمس العيان، زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. وإنما أثبته الوهم والجهل. ألم تر أن سفن الأفكار تجري في بحار التوحيد، لترى عجائب الأنوار وغرائب الأسرار، من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت؟ إن في ذلك لآيات لكل صبار على مجاهدة النفس، شكور على نعمة الظفر بحضرة القدوس. وإذا غشيهم،، في حال استشرافهم على بحر الحقيقة، موج من أنوار ملكوته، فكادت تدهشهم، تضرعوا والتجأوا إلى سفينة الشريعة، حتى يتمكنوا فلما نجاهم إلى بر الشريعة، فمنهم مقتصد معتدل بين جذب وسلوك، بين حقيقة وشريعة، ومنهم: غالب عليه السكر والجذب، ومنهم: غالب عليه الصحو والسلوك. وكلهم أولياء الله، ما ينكرهم ويجحدهم إلا كل ختار جاحد. قال القشيري: { وإذا غشيهم موج كالظلل } إذا تلاطمت عليهم أمواج بحارالتقدير، تمنوا أن تلفظهم تلك البحار إلى سواحل السلامة، فإذا جاء الحق بتحقيق مناهم عادوا إلى رأس خطاياهم. فكم قد جهلتم، ثم عدنا بحلمنا، أحباءنا: كم تجهلون ونحلم! ثم ختم بالوعظ والتذكير، فقال: { يأيها الناس اتقوا... }.

لقمان 31:30

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار } يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار، إذا أقبل الليل، { ويولج النهار في الليل } يدخل ضوء النهار في ظلمة الليل، إذا أقبل النهار. أو: بإدخال جزء أحدهما في الآخر بزيادة الليل أو النهار. { وسخر الشمس والقمر } لمنافع العباد، { كل } ، أي: كل واحد من الشمس والقمر { يجري } في فلكه، ويقطعه، { إلى أجل مسمى } إلى يوم القيامة: أو: إلى وقت معلوم للشمس، وهو تمام السنة، والقمر إلى آخر الشهر. { وإن الله بما تعملون خبير } عالم بكنهه، لا يخفى عليه شيء. فدل، بتعاقب الليل والنهار، أو بزيادتهما ونقصانهما، وجري النيرين في فلكهما، على تقدير وحساب معلوم، وبإحاطته جميع أعمال الخلق، على عظيم قدرته، وكمال علمه وحكمته. { ذلك } شاهد { بأن الله هو الحق } ، وما سواه باطل، { وأن ما تدعون من دونه الباطل } المعدوم في حد ذاته، لا حقيقة لوجوده. أو: ذلك الذي وصف بما وصف به، من عجائب قدرته وباهر حكمته، التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله؟ إنما هو بسبب أنه الحق الثابت الإلهية، وأن من دونه باطل ألوهيته، { وأن الله هو العلي الكبير } ، أي: العلي الشأن، الكبير السلطان. { ألم تر أن الفلك } السفن { تجري في البحر بنعمة الله } بإحسانه ورحمته، أو: بالريح، لأن الريح من نعم الله. أو: ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والمتاع، فالباء، حينئذ، للأرزاق، وهو استشهاد آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته، وشمول إنعامه. { ليريكم من آياته } من عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموه، { إن في ذلك لآيات } دالة على وحدانيته وكمال صفاته { لكل صبار } في بلائه، { شكور } لنعمائه. وهما من صفة المؤمن. فالإيمان نصفان، نصف شكر ونصب صبر، فلا يعتبر بعجائب قدرته إلا من كان هكذا. { وإذا غشيهم } ، أي: الكفار، أي: علاهم وغطاهم { موج كالظلل } ، أي: كشيء يظل من جبل، أو سحاب، أو غيرهما، فالموج الكبير يرتفع فيعود كالظلل جمع ظلة، وهو ما أظلك من جبل أو سقف. فإذا غشيهم ذلك { دعوا الله مخلصين له الدين } ، لا يدعون معه غيره، لزوال ما ينازع الفطرة بالقهرية. { فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } مقيم على الطريق القصد، باق على الإيمان، الذي هو التوحيد، الذي كان منه في حال الشدة، لم يعد إلى الكفر، أو: متوسط في الظلم والكفر، انزجر بعض الانزجار. ولم يغل في الكفر والعدوان. أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، يعني: أن ذلك الإخلاص لحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط، إلا النادر، { وما يجحد بآياتنا } أي: بحقيقتها { إلا كل ختار } غدار. والختر: أقبح الغدر، { كفور } لنعم ربه. وهذه الكلمات متقابلة لفظا ومعنى، فختار: مقابل صبار، وكفور: مقابل شكور لأن من غدر لم يصبر، ومن كفر لم يشكر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألم تر أن الله يولج ليل القبض في نهار البسط، ونهار البسط في ليل القبض، فهما يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار، فإذا تأدب مع كل واحد منهما زاد بهما معا، وإلا نقص بهما، أو بأحدهما. فآداب القبض: الصبر والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. وآداب البسط: الحمد، والشكر، والإمساك عن الفضول في كل شيء. وسخر شمس العيان وقمر الإيمان، كل يجري إلى أجل مسمى فقمر الإيمان يجري إلى طلوع شمس العرفان، وشمس العرفان إلى ما لا نهاية له من الأزمان. ذلك بأن الله هو الحق، وما سواه باطل. فإذا جاء الحق، بطلوع شمس العيان، زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. وإنما أثبته الوهم والجهل. ألم تر أن سفن الأفكار تجري في بحار التوحيد، لترى عجائب الأنوار وغرائب الأسرار، من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت؟ إن في ذلك لآيات لكل صبار على مجاهدة النفس، شكور على نعمة الظفر بحضرة القدوس. وإذا غشيهم،، في حال استشرافهم على بحر الحقيقة، موج من أنوار ملكوته، فكادت تدهشهم، تضرعوا والتجأوا إلى سفينة الشريعة، حتى يتمكنوا فلما نجاهم إلى بر الشريعة، فمنهم مقتصد معتدل بين جذب وسلوك، بين حقيقة وشريعة، ومنهم: غالب عليه السكر والجذب، ومنهم: غالب عليه الصحو والسلوك. وكلهم أولياء الله، ما ينكرهم ويجحدهم إلا كل ختار جاحد. قال القشيري: { وإذا غشيهم موج كالظلل } إذا تلاطمت عليهم أمواج بحارالتقدير، تمنوا أن تلفظهم تلك البحار إلى سواحل السلامة، فإذا جاء الحق بتحقيق مناهم عادوا إلى رأس خطاياهم. فكم قد جهلتم، ثم عدنا بحلمنا، أحباءنا: كم تجهلون ونحلم! ثم ختم بالوعظ والتذكير، فقال: { يأيها الناس اتقوا... }.

لقمان 31:31

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار } يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار، إذا أقبل الليل، { ويولج النهار في الليل } يدخل ضوء النهار في ظلمة الليل، إذا أقبل النهار. أو: بإدخال جزء أحدهما في الآخر بزيادة الليل أو النهار. { وسخر الشمس والقمر } لمنافع العباد، { كل } ، أي: كل واحد من الشمس والقمر { يجري } في فلكه، ويقطعه، { إلى أجل مسمى } إلى يوم القيامة: أو: إلى وقت معلوم للشمس، وهو تمام السنة، والقمر إلى آخر الشهر. { وإن الله بما تعملون خبير } عالم بكنهه، لا يخفى عليه شيء. فدل، بتعاقب الليل والنهار، أو بزيادتهما ونقصانهما، وجري النيرين في فلكهما، على تقدير وحساب معلوم، وبإحاطته جميع أعمال الخلق، على عظيم قدرته، وكمال علمه وحكمته. { ذلك } شاهد { بأن الله هو الحق } ، وما سواه باطل، { وأن ما تدعون من دونه الباطل } المعدوم في حد ذاته، لا حقيقة لوجوده. أو: ذلك الذي وصف بما وصف به، من عجائب قدرته وباهر حكمته، التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله؟ إنما هو بسبب أنه الحق الثابت الإلهية، وأن من دونه باطل ألوهيته، { وأن الله هو العلي الكبير } ، أي: العلي الشأن، الكبير السلطان. { ألم تر أن الفلك } السفن { تجري في البحر بنعمة الله } بإحسانه ورحمته، أو: بالريح، لأن الريح من نعم الله. أو: ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والمتاع، فالباء، حينئذ، للأرزاق، وهو استشهاد آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته، وشمول إنعامه. { ليريكم من آياته } من عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموه، { إن في ذلك لآيات } دالة على وحدانيته وكمال صفاته { لكل صبار } في بلائه، { شكور } لنعمائه. وهما من صفة المؤمن. فالإيمان نصفان، نصف شكر ونصب صبر، فلا يعتبر بعجائب قدرته إلا من كان هكذا. { وإذا غشيهم } ، أي: الكفار، أي: علاهم وغطاهم { موج كالظلل } ، أي: كشيء يظل من جبل، أو سحاب، أو غيرهما، فالموج الكبير يرتفع فيعود كالظلل جمع ظلة، وهو ما أظلك من جبل أو سقف. فإذا غشيهم ذلك { دعوا الله مخلصين له الدين } ، لا يدعون معه غيره، لزوال ما ينازع الفطرة بالقهرية. { فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } مقيم على الطريق القصد، باق على الإيمان، الذي هو التوحيد، الذي كان منه في حال الشدة، لم يعد إلى الكفر، أو: متوسط في الظلم والكفر، انزجر بعض الانزجار. ولم يغل في الكفر والعدوان. أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، يعني: أن ذلك الإخلاص لحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط، إلا النادر، { وما يجحد بآياتنا } أي: بحقيقتها { إلا كل ختار } غدار. والختر: أقبح الغدر، { كفور } لنعم ربه. وهذه الكلمات متقابلة لفظا ومعنى، فختار: مقابل صبار، وكفور: مقابل شكور لأن من غدر لم يصبر، ومن كفر لم يشكر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألم تر أن الله يولج ليل القبض في نهار البسط، ونهار البسط في ليل القبض، فهما يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار، فإذا تأدب مع كل واحد منهما زاد بهما معا، وإلا نقص بهما، أو بأحدهما. فآداب القبض: الصبر والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. وآداب البسط: الحمد، والشكر، والإمساك عن الفضول في كل شيء. وسخر شمس العيان وقمر الإيمان، كل يجري إلى أجل مسمى فقمر الإيمان يجري إلى طلوع شمس العرفان، وشمس العرفان إلى ما لا نهاية له من الأزمان. ذلك بأن الله هو الحق، وما سواه باطل. فإذا جاء الحق، بطلوع شمس العيان، زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. وإنما أثبته الوهم والجهل. ألم تر أن سفن الأفكار تجري في بحار التوحيد، لترى عجائب الأنوار وغرائب الأسرار، من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت؟ إن في ذلك لآيات لكل صبار على مجاهدة النفس، شكور على نعمة الظفر بحضرة القدوس. وإذا غشيهم،، في حال استشرافهم على بحر الحقيقة، موج من أنوار ملكوته، فكادت تدهشهم، تضرعوا والتجأوا إلى سفينة الشريعة، حتى يتمكنوا فلما نجاهم إلى بر الشريعة، فمنهم مقتصد معتدل بين جذب وسلوك، بين حقيقة وشريعة، ومنهم: غالب عليه السكر والجذب، ومنهم: غالب عليه الصحو والسلوك. وكلهم أولياء الله، ما ينكرهم ويجحدهم إلا كل ختار جاحد. قال القشيري: { وإذا غشيهم موج كالظلل } إذا تلاطمت عليهم أمواج بحارالتقدير، تمنوا أن تلفظهم تلك البحار إلى سواحل السلامة، فإذا جاء الحق بتحقيق مناهم عادوا إلى رأس خطاياهم. فكم قد جهلتم، ثم عدنا بحلمنا، أحباءنا: كم تجهلون ونحلم! ثم ختم بالوعظ والتذكير، فقال: { يأيها الناس اتقوا... }.

لقمان 31:32

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار } يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار، إذا أقبل الليل، { ويولج النهار في الليل } يدخل ضوء النهار في ظلمة الليل، إذا أقبل النهار. أو: بإدخال جزء أحدهما في الآخر بزيادة الليل أو النهار. { وسخر الشمس والقمر } لمنافع العباد، { كل } ، أي: كل واحد من الشمس والقمر { يجري } في فلكه، ويقطعه، { إلى أجل مسمى } إلى يوم القيامة: أو: إلى وقت معلوم للشمس، وهو تمام السنة، والقمر إلى آخر الشهر. { وإن الله بما تعملون خبير } عالم بكنهه، لا يخفى عليه شيء. فدل، بتعاقب الليل والنهار، أو بزيادتهما ونقصانهما، وجري النيرين في فلكهما، على تقدير وحساب معلوم، وبإحاطته جميع أعمال الخلق، على عظيم قدرته، وكمال علمه وحكمته. { ذلك } شاهد { بأن الله هو الحق } ، وما سواه باطل، { وأن ما تدعون من دونه الباطل } المعدوم في حد ذاته، لا حقيقة لوجوده. أو: ذلك الذي وصف بما وصف به، من عجائب قدرته وباهر حكمته، التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله؟ إنما هو بسبب أنه الحق الثابت الإلهية، وأن من دونه باطل ألوهيته، { وأن الله هو العلي الكبير } ، أي: العلي الشأن، الكبير السلطان. { ألم تر أن الفلك } السفن { تجري في البحر بنعمة الله } بإحسانه ورحمته، أو: بالريح، لأن الريح من نعم الله. أو: ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والمتاع، فالباء، حينئذ، للأرزاق، وهو استشهاد آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته، وشمول إنعامه. { ليريكم من آياته } من عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموه، { إن في ذلك لآيات } دالة على وحدانيته وكمال صفاته { لكل صبار } في بلائه، { شكور } لنعمائه. وهما من صفة المؤمن. فالإيمان نصفان، نصف شكر ونصب صبر، فلا يعتبر بعجائب قدرته إلا من كان هكذا. { وإذا غشيهم } ، أي: الكفار، أي: علاهم وغطاهم { موج كالظلل } ، أي: كشيء يظل من جبل، أو سحاب، أو غيرهما، فالموج الكبير يرتفع فيعود كالظلل جمع ظلة، وهو ما أظلك من جبل أو سقف. فإذا غشيهم ذلك { دعوا الله مخلصين له الدين } ، لا يدعون معه غيره، لزوال ما ينازع الفطرة بالقهرية. { فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } مقيم على الطريق القصد، باق على الإيمان، الذي هو التوحيد، الذي كان منه في حال الشدة، لم يعد إلى الكفر، أو: متوسط في الظلم والكفر، انزجر بعض الانزجار. ولم يغل في الكفر والعدوان. أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، يعني: أن ذلك الإخلاص لحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط، إلا النادر، { وما يجحد بآياتنا } أي: بحقيقتها { إلا كل ختار } غدار. والختر: أقبح الغدر، { كفور } لنعم ربه. وهذه الكلمات متقابلة لفظا ومعنى، فختار: مقابل صبار، وكفور: مقابل شكور لأن من غدر لم يصبر، ومن كفر لم يشكر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألم تر أن الله يولج ليل القبض في نهار البسط، ونهار البسط في ليل القبض، فهما يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار، فإذا تأدب مع كل واحد منهما زاد بهما معا، وإلا نقص بهما، أو بأحدهما. فآداب القبض: الصبر والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. وآداب البسط: الحمد، والشكر، والإمساك عن الفضول في كل شيء. وسخر شمس العيان وقمر الإيمان، كل يجري إلى أجل مسمى فقمر الإيمان يجري إلى طلوع شمس العرفان، وشمس العرفان إلى ما لا نهاية له من الأزمان. ذلك بأن الله هو الحق، وما سواه باطل. فإذا جاء الحق، بطلوع شمس العيان، زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. وإنما أثبته الوهم والجهل. ألم تر أن سفن الأفكار تجري في بحار التوحيد، لترى عجائب الأنوار وغرائب الأسرار، من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت؟ إن في ذلك لآيات لكل صبار على مجاهدة النفس، شكور على نعمة الظفر بحضرة القدوس. وإذا غشيهم،، في حال استشرافهم على بحر الحقيقة، موج من أنوار ملكوته، فكادت تدهشهم، تضرعوا والتجأوا إلى سفينة الشريعة، حتى يتمكنوا فلما نجاهم إلى بر الشريعة، فمنهم مقتصد معتدل بين جذب وسلوك، بين حقيقة وشريعة، ومنهم: غالب عليه السكر والجذب، ومنهم: غالب عليه الصحو والسلوك. وكلهم أولياء الله، ما ينكرهم ويجحدهم إلا كل ختار جاحد. قال القشيري: { وإذا غشيهم موج كالظلل } إذا تلاطمت عليهم أمواج بحارالتقدير، تمنوا أن تلفظهم تلك البحار إلى سواحل السلامة، فإذا جاء الحق بتحقيق مناهم عادوا إلى رأس خطاياهم. فكم قد جهلتم، ثم عدنا بحلمنا، أحباءنا: كم تجهلون ونحلم! ثم ختم بالوعظ والتذكير، فقال: { يأيها الناس اتقوا... }.

لقمان 31:33

قلت: بأي أرض قال في المصباح: الأفصح: استعمال " أي " في الشرط والاستفهام بلفظ واحد، للمذكر والمؤنث، وعليه قوله تعالى: فأي آيات الله تنكرون [غافر: 81]، وقد تطابق في التذكير والتأنيث، نحو أي رجل، وأي وأية امرأة. وفي الشاذ: بأية أرض تموت. ه. يقول الحق جل جلاله: { أيها الناس اتقوا ربكم } اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، بطاعته وترك معصيته. { واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده } شيئا، لا يقضى عنه شيئا، ولا يدفع عنه شيئا. والأصل: لا يجزى فيه، فحذف. { ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } ، وتغيير النظم في حق الولد، بأن أكده بالجملة الاسمية وبزيادة لفظ هو، وبالتعبير بالمولود للدلالة على حسم أطماعهم في أن ينفعوا آبائهم الذين ماتوا على الكفر بالشفاعة في الآخرة. ومعنى التأكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل منه، فضلا عن أن يشفع لأجداده، لأن الولد يقع على الولد وولد الولد، بخلاف المولود لأنه لما ولد منك. كذا في الكشاف. قلت: وهذا في حق الكفار، وأما المؤمنون فينفع الولد والده، والوالد ولده بالشفاعة، كما ورد في قارئ القرآن والعالم، وكل من له جاه عند الله، كما تقدم في سورة مريم. ثم قال تعالى: { إن وعد الله } بالبعث والحساب والجزاء، { حق } لا يمكن خلفه، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } بزخارفها الغرارة فإن نعمها دانية، ولذاتها فانية، فلا تشغلكم عن التأهب للقاء، بالزهد فيها، والتفرغ لما يرضي الله، من توحيده وطاعته، { ولا يغرنكم بالله } ، أي: لا يعرضنكم لخطر الغرة بالله وبحلمه، أو: لا يوقعنكم في الجهل بالله والغرة به، { الغرور } أي: الشيطان، أو: الدنيا، أو: الأمل. وفي الحديث: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني " وفي الحديث أيضا: " كفى بخشية الله علما، وبالاغترار به جهلا ". { إن الله عنده علم الساعة } أي: وقت قيامها، فلا يعلمه غيره، فتأهبوا لها، قبل أن تأتيكم بغتة. { وينزل الغيث }: عطف على ما يقتضيه الظرف من الفعل، أي: إن الله يثبت عنده علم الساعة، وينزل الغيث في وقته، من غير تقديم ولا تأخير، وفي محله، على ما سبق في التقدير، ويعلم كم قطرة ينزلها، وفي أي بقعة يمطرها. { ويعلم ما في الأرحام } أذكر أم أنثى، أتام أم ناقص، وشقي أو سعيد، وحسن أو قبيح. { وما تدري نفس ماذا تكسب غدا } من خير أو شر، ووفاق وشقاق، فربما كان عازمة على الخير فعملت شرا، أو على شر فعملت خيرا. { وما تدري نفس بأي أرض تموت } أي: أين تموت، فربما أقامت بأرض، وضربت أوتادها، وقالت: لا أبرحها، فترمي بها مرامي القدر حتى تموت بمكان لم يخطر ببالها. روي أن ملك الموت مر على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، فقال الرجل: من هذا؟ فقال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني، فسأل سليمان أن يحمله الريح ويلقيه ببلاد لهند، ففعل، ثم قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجبا منه، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند، وهو عندك. ه. وجعل العلم لله والدراية للعبد، لما في الدراية من معنى التكسب والحيلة، فهذه الأمور الخمسة قد اختص الله بعلمها. وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث والموت فإنه يقول بالقياس والنظر في المطالع، وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا، على أنه مجرد الظن، والظن غير العلم. وعن ابن عباس: من ادعى علم هذه الخمسة فقد كذب. وجاءه يهودي منجم، فقال: إن شئت أنبأتك أنه يحم ابنك ويموت بعد عشرة أيام، وأنت لا تموت حتى تعمى، وأنا لا يحول علي الحول حتى أموت. قال له: أين موتك؟ قال: لا أدري، فقال ابن عباس: صدق الله: { وما تدري نفس بأي أرض تموت }. ورأى المنصور في منامه ملك الموت، وسأله عن مدة عمره، فأشار بأصابعه الخمس، فعبرها المعبرون بخمس سنين، وبخمسة أشهر وبخمسة أيام. فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: هو إشارة إلى هذه الآية، فإن هذه العلوم الخمسة لا يعلمها إلا الله. ه. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته: قيل: إن الله تعالى يعلم الأشياء بالوسم والرسم، والرسم يتغير، والوسم لا يتغير، فقد أخفى الله تعالى الساعة، ولم يخف أمارتها، كما جاء عن صاحب الشرع. وكذا قد يطلع أولياءه على بعض غيبه، ولكن لا من كل وجوهه، فقد يعلم نزول المطر من غير تعين وقته واللحظة التي ينزل فيها ومقداره، وبالجملة فعلم ما يكون من الخواص، جملة لا تفصيلي، وجزئي لا كلي، ومقيد لا مطلق، وعرضي لا ذاتي، بخلاف علمه تعالى. ه. قال المحلي: روى البخاري عن ابن عمر حديث مفاتح الغيب الخمس: { إن الله عنده علم الساعة... } إلى آخر السورة.. ونقل ابن حجر عن ابن أبي جمرة، بعد كلام، ما نصه: والحكمة في جعلها خمسة: الإشارة إلى حصر العوالم فيها، ففي قوله: { ما تغيض الأرحام }: الإشارة إلى ما يزيد في الإنسان وما ينقص. وخص الرحم بالذكر، لكون الأكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك فنفى أن يعرفها أحد بحقيقتها، فغيرها بطريق الأولى. وفي قوله: لا يعلم متى يأتي المطر: إشارة إلى أمور العالم العلوي، وخص المطر مع أن له أسبابا قد تدل على وقوعه، لكنه من غير تحقيق. وفي قوله: " لا تدري نفس بأي أرض تموت ": إشارة إلى أمور العالم السفلي، مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده، ولكن ليس ذلك حقيقة، وإن مات ببلده لا يعلم بأي بقعة يدفن فيها، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه، بل قبر أعده هو له. وفي قوله: " ولا يعلم ما في غد إلا الله ": إشارة إلى أنواع الزمان، وما فيها من الحوادث، وعبر بلفظ غد لكون حقيقته أقرب الأزمنة إليه، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه، مع إمكان الأمارة والعلامة، فما بعد عنه أولى. وفي قوله: " متى تقوم الساعة إلا الله " إشارة إلى علوم الآخرة، فإن يوم القيامة أولها، وإذا انتفى علم الأقرب انتقى علم ما بعد، فجمعت الآية أنواع الغيوب، وأزالت جميع الدعاوى الفاسدة. وقد بين في قوله تعالى، في الآية الأخرى، وهي قوله: فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى [الجن:26، 27] الآية، أن الإطلاع على شيء من هذه الأمور لا يكون إلا بتوقيف. ه ملخصا. والحاصل: أن العوالم التي اختص الله بها خمسة: عالم القيامة وما يقع فيه، والعالم العلوي وما ينشأ منه، وعالم الأرض وما يقع فيه، وعالم الإنسان وما يجري عليه، وعالم الزمان وما يقع فيه. { إن الله عليم خبير } عليم بالغيوب، خبير بما كان وبما يكون. وعن الزهري: أكثروا من قراءة سورة لقمان فإن فيها أعاجيب ه. الإشارة: يا أيها الناس المتوجهون إلى الله، إن وعد الله بالفتح، لمن أنهض همته إليه، حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا بأشغالها، عن النهوض إليها، ولا يغرنكم بكرم الله الشيطان الغرور، فيغركم بكرم الله، ويصرفكم عن المجاهدة والمكابدة إذ لا طريق إلى الوصول إلا منهما، إن الله عنده علم الساعة التي يفتح عليها العبد فيها، وينزل غيث المواهب والواردات، ويعلم ما في أرحام الإرادة، من تربية المعرفة واليقين، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا من زيادة الإيمان ونقصانه، وما تلقاه من المقادير الغيبية، فيجب عليها التفويض والاستسلام، وانتظار ما يفعل الله بها في كل غد، وما تدري نفس بأي أرض من العبودية تموت فيها، إن الله عليم خبير. قال القشيري: في قوله: { يا أيها الناس اتقوا ربكم }: خوفهم، تارة، بأفعاله، فيقول: اتقوا الله [البقرة: 48 وغيرها]، وتارة بصفاته، فيقول: ألم يعلم بأن الله يرى [العلق: 14]، وتارة بذاته، فيقول: ويحذركم الله نفسه [آل عمرآن: 28]. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

لقمان 31:34

قلت: بأي أرض قال في المصباح: الأفصح: استعمال " أي " في الشرط والاستفهام بلفظ واحد، للمذكر والمؤنث، وعليه قوله تعالى: فأي آيات الله تنكرون [غافر: 81]، وقد تطابق في التذكير والتأنيث، نحو أي رجل، وأي وأية امرأة. وفي الشاذ: بأية أرض تموت. ه. يقول الحق جل جلاله: { أيها الناس اتقوا ربكم } اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، بطاعته وترك معصيته. { واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده } شيئا، لا يقضى عنه شيئا، ولا يدفع عنه شيئا. والأصل: لا يجزى فيه، فحذف. { ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } ، وتغيير النظم في حق الولد، بأن أكده بالجملة الاسمية وبزيادة لفظ هو، وبالتعبير بالمولود للدلالة على حسم أطماعهم في أن ينفعوا آبائهم الذين ماتوا على الكفر بالشفاعة في الآخرة. ومعنى التأكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل منه، فضلا عن أن يشفع لأجداده، لأن الولد يقع على الولد وولد الولد، بخلاف المولود لأنه لما ولد منك. كذا في الكشاف. قلت: وهذا في حق الكفار، وأما المؤمنون فينفع الولد والده، والوالد ولده بالشفاعة، كما ورد في قارئ القرآن والعالم، وكل من له جاه عند الله، كما تقدم في سورة مريم. ثم قال تعالى: { إن وعد الله } بالبعث والحساب والجزاء، { حق } لا يمكن خلفه، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } بزخارفها الغرارة فإن نعمها دانية، ولذاتها فانية، فلا تشغلكم عن التأهب للقاء، بالزهد فيها، والتفرغ لما يرضي الله، من توحيده وطاعته، { ولا يغرنكم بالله } ، أي: لا يعرضنكم لخطر الغرة بالله وبحلمه، أو: لا يوقعنكم في الجهل بالله والغرة به، { الغرور } أي: الشيطان، أو: الدنيا، أو: الأمل. وفي الحديث: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني " وفي الحديث أيضا: " كفى بخشية الله علما، وبالاغترار به جهلا ". { إن الله عنده علم الساعة } أي: وقت قيامها، فلا يعلمه غيره، فتأهبوا لها، قبل أن تأتيكم بغتة. { وينزل الغيث }: عطف على ما يقتضيه الظرف من الفعل، أي: إن الله يثبت عنده علم الساعة، وينزل الغيث في وقته، من غير تقديم ولا تأخير، وفي محله، على ما سبق في التقدير، ويعلم كم قطرة ينزلها، وفي أي بقعة يمطرها. { ويعلم ما في الأرحام } أذكر أم أنثى، أتام أم ناقص، وشقي أو سعيد، وحسن أو قبيح. { وما تدري نفس ماذا تكسب غدا } من خير أو شر، ووفاق وشقاق، فربما كان عازمة على الخير فعملت شرا، أو على شر فعملت خيرا. { وما تدري نفس بأي أرض تموت } أي: أين تموت، فربما أقامت بأرض، وضربت أوتادها، وقالت: لا أبرحها، فترمي بها مرامي القدر حتى تموت بمكان لم يخطر ببالها. روي أن ملك الموت مر على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، فقال الرجل: من هذا؟ فقال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني، فسأل سليمان أن يحمله الريح ويلقيه ببلاد لهند، ففعل، ثم قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجبا منه، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند، وهو عندك. ه. وجعل العلم لله والدراية للعبد، لما في الدراية من معنى التكسب والحيلة، فهذه الأمور الخمسة قد اختص الله بعلمها. وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث والموت فإنه يقول بالقياس والنظر في المطالع، وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا، على أنه مجرد الظن، والظن غير العلم. وعن ابن عباس: من ادعى علم هذه الخمسة فقد كذب. وجاءه يهودي منجم، فقال: إن شئت أنبأتك أنه يحم ابنك ويموت بعد عشرة أيام، وأنت لا تموت حتى تعمى، وأنا لا يحول علي الحول حتى أموت. قال له: أين موتك؟ قال: لا أدري، فقال ابن عباس: صدق الله: { وما تدري نفس بأي أرض تموت }. ورأى المنصور في منامه ملك الموت، وسأله عن مدة عمره، فأشار بأصابعه الخمس، فعبرها المعبرون بخمس سنين، وبخمسة أشهر وبخمسة أيام. فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: هو إشارة إلى هذه الآية، فإن هذه العلوم الخمسة لا يعلمها إلا الله. ه. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته: قيل: إن الله تعالى يعلم الأشياء بالوسم والرسم، والرسم يتغير، والوسم لا يتغير، فقد أخفى الله تعالى الساعة، ولم يخف أمارتها، كما جاء عن صاحب الشرع. وكذا قد يطلع أولياءه على بعض غيبه، ولكن لا من كل وجوهه، فقد يعلم نزول المطر من غير تعين وقته واللحظة التي ينزل فيها ومقداره، وبالجملة فعلم ما يكون من الخواص، جملة لا تفصيلي، وجزئي لا كلي، ومقيد لا مطلق، وعرضي لا ذاتي، بخلاف علمه تعالى. ه. قال المحلي: روى البخاري عن ابن عمر حديث مفاتح الغيب الخمس: { إن الله عنده علم الساعة... } إلى آخر السورة.. ونقل ابن حجر عن ابن أبي جمرة، بعد كلام، ما نصه: والحكمة في جعلها خمسة: الإشارة إلى حصر العوالم فيها، ففي قوله: { ما تغيض الأرحام }: الإشارة إلى ما يزيد في الإنسان وما ينقص. وخص الرحم بالذكر، لكون الأكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك فنفى أن يعرفها أحد بحقيقتها، فغيرها بطريق الأولى. وفي قوله: لا يعلم متى يأتي المطر: إشارة إلى أمور العالم العلوي، وخص المطر مع أن له أسبابا قد تدل على وقوعه، لكنه من غير تحقيق. وفي قوله: " لا تدري نفس بأي أرض تموت ": إشارة إلى أمور العالم السفلي، مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده، ولكن ليس ذلك حقيقة، وإن مات ببلده لا يعلم بأي بقعة يدفن فيها، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه، بل قبر أعده هو له. وفي قوله: " ولا يعلم ما في غد إلا الله ": إشارة إلى أنواع الزمان، وما فيها من الحوادث، وعبر بلفظ غد لكون حقيقته أقرب الأزمنة إليه، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه، مع إمكان الأمارة والعلامة، فما بعد عنه أولى. وفي قوله: " متى تقوم الساعة إلا الله " إشارة إلى علوم الآخرة، فإن يوم القيامة أولها، وإذا انتفى علم الأقرب انتقى علم ما بعد، فجمعت الآية أنواع الغيوب، وأزالت جميع الدعاوى الفاسدة. وقد بين في قوله تعالى، في الآية الأخرى، وهي قوله: فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى [الجن:26، 27] الآية، أن الإطلاع على شيء من هذه الأمور لا يكون إلا بتوقيف. ه ملخصا. والحاصل: أن العوالم التي اختص الله بها خمسة: عالم القيامة وما يقع فيه، والعالم العلوي وما ينشأ منه، وعالم الأرض وما يقع فيه، وعالم الإنسان وما يجري عليه، وعالم الزمان وما يقع فيه. { إن الله عليم خبير } عليم بالغيوب، خبير بما كان وبما يكون. وعن الزهري: أكثروا من قراءة سورة لقمان فإن فيها أعاجيب ه. الإشارة: يا أيها الناس المتوجهون إلى الله، إن وعد الله بالفتح، لمن أنهض همته إليه، حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا بأشغالها، عن النهوض إليها، ولا يغرنكم بكرم الله الشيطان الغرور، فيغركم بكرم الله، ويصرفكم عن المجاهدة والمكابدة إذ لا طريق إلى الوصول إلا منهما، إن الله عنده علم الساعة التي يفتح عليها العبد فيها، وينزل غيث المواهب والواردات، ويعلم ما في أرحام الإرادة، من تربية المعرفة واليقين، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا من زيادة الإيمان ونقصانه، وما تلقاه من المقادير الغيبية، فيجب عليها التفويض والاستسلام، وانتظار ما يفعل الله بها في كل غد، وما تدري نفس بأي أرض من العبودية تموت فيها، إن الله عليم خبير. قال القشيري: في قوله: { يا أيها الناس اتقوا ربكم }: خوفهم، تارة، بأفعاله، فيقول: اتقوا الله [البقرة: 48 وغيرها]، وتارة بصفاته، فيقول: ألم يعلم بأن الله يرى [العلق: 14]، وتارة بذاته، فيقول: ويحذركم الله نفسه [آل عمرآن: 28]. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

السجدة 32:1

قلت: تنزيل: إما خبر عن الم، إن جعل اسما للسورة، أو: خبر عن محذوف، أي: هذا تنزيل. أو: مبتدأ، خبره: لا ريب فيه. وعلى الأول لا ريب: خبر بعد خبر، ومن رب العالمين: خبر ثالث. أو: خبر عن " تنزيل " ، ولا ريب فيه: معترض. والضمير في فيه: راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أي: كونه منزلا من رب العالمين، و " أم ": منقطعة بمعنى: " بل ". يقول الحق جل جلاله: { الم } أيها المصطفى المقرب، هذا الذي تتلوه هو { تنزيل الكتاب لا ريب فيه } ، لأنه معجز للبشر، ومثله أبعد شيء عن الريب، وهو { من رب العالمين } لا محالة. { أم يقولون افتراه } ، أي: اختلقه محمد من عنده، وهو إنكار لقولهم، وتعجيب منه لظهور أمره في عجزهم عن الإتيان بسورة منه. قال تعالى: { بل هو الحق } الثابت { من ربك } ، ولم تفتره، كما زعموا تعنتا وجهلا، أنزله عليك { لتنذر قوما } أي: العرب، { ما أتاهم من نذير من قبلك } ، بل طالت عليهم الفترة من زمن إسماعيل وعيسى - عليهما السلام - { لعلهم يهتدون } إلى الصواب من الدين. والترجي مصروف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان لعله يتذكر [طه: 44] مصروفا إلى موسى وهارون. الإشارة: الم الألف: ألف المحبون قربى، فلا يصبرون عني. اللام: لمع نوري لقلوب السائرين، فزاد شوقهم إلي. الميم: ملك الواصلون ملكي وملكوتي، فلا يغيبون عني. تنزيل الكتاب، إذا طال أمد لقاء الأحباب، فأعز شيء على المحبين كتاب الأحباب. أنزلت على أحبابي كتابي، وحملت إليهم بالرسل خطابي، ولا عليهم إن قرع أسماعهم عتابي، فإنهم مني في أمان من عذابي. { أم يقولون افتراه } ، إنكار الأعداء على المحبين سنة لازمة. فإن ألبس الحق على الأعداء فلا يضركم، ولا عليكم، فإن صحبة الحبيب للحبيب ألد ما تكون عند فقد الرقيب. قاله القشيري. ثم ذكر المقصود بالذات وهو الاستدلال على البعث، فقال: { الله الذي خلق... }

السجدة 32:2

قلت: تنزيل: إما خبر عن الم، إن جعل اسما للسورة، أو: خبر عن محذوف، أي: هذا تنزيل. أو: مبتدأ، خبره: لا ريب فيه. وعلى الأول لا ريب: خبر بعد خبر، ومن رب العالمين: خبر ثالث. أو: خبر عن " تنزيل " ، ولا ريب فيه: معترض. والضمير في فيه: راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أي: كونه منزلا من رب العالمين، و " أم ": منقطعة بمعنى: " بل ". يقول الحق جل جلاله: { الم } أيها المصطفى المقرب، هذا الذي تتلوه هو { تنزيل الكتاب لا ريب فيه } ، لأنه معجز للبشر، ومثله أبعد شيء عن الريب، وهو { من رب العالمين } لا محالة. { أم يقولون افتراه } ، أي: اختلقه محمد من عنده، وهو إنكار لقولهم، وتعجيب منه لظهور أمره في عجزهم عن الإتيان بسورة منه. قال تعالى: { بل هو الحق } الثابت { من ربك } ، ولم تفتره، كما زعموا تعنتا وجهلا، أنزله عليك { لتنذر قوما } أي: العرب، { ما أتاهم من نذير من قبلك } ، بل طالت عليهم الفترة من زمن إسماعيل وعيسى - عليهما السلام - { لعلهم يهتدون } إلى الصواب من الدين. والترجي مصروف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان لعله يتذكر [طه: 44] مصروفا إلى موسى وهارون. الإشارة: الم الألف: ألف المحبون قربى، فلا يصبرون عني. اللام: لمع نوري لقلوب السائرين، فزاد شوقهم إلي. الميم: ملك الواصلون ملكي وملكوتي، فلا يغيبون عني. تنزيل الكتاب، إذا طال أمد لقاء الأحباب، فأعز شيء على المحبين كتاب الأحباب. أنزلت على أحبابي كتابي، وحملت إليهم بالرسل خطابي، ولا عليهم إن قرع أسماعهم عتابي، فإنهم مني في أمان من عذابي. { أم يقولون افتراه } ، إنكار الأعداء على المحبين سنة لازمة. فإن ألبس الحق على الأعداء فلا يضركم، ولا عليكم، فإن صحبة الحبيب للحبيب ألد ما تكون عند فقد الرقيب. قاله القشيري. ثم ذكر المقصود بالذات وهو الاستدلال على البعث، فقال: { الله الذي خلق... }

السجدة 32:3

قلت: تنزيل: إما خبر عن الم، إن جعل اسما للسورة، أو: خبر عن محذوف، أي: هذا تنزيل. أو: مبتدأ، خبره: لا ريب فيه. وعلى الأول لا ريب: خبر بعد خبر، ومن رب العالمين: خبر ثالث. أو: خبر عن " تنزيل " ، ولا ريب فيه: معترض. والضمير في فيه: راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أي: كونه منزلا من رب العالمين، و " أم ": منقطعة بمعنى: " بل ". يقول الحق جل جلاله: { الم } أيها المصطفى المقرب، هذا الذي تتلوه هو { تنزيل الكتاب لا ريب فيه } ، لأنه معجز للبشر، ومثله أبعد شيء عن الريب، وهو { من رب العالمين } لا محالة. { أم يقولون افتراه } ، أي: اختلقه محمد من عنده، وهو إنكار لقولهم، وتعجيب منه لظهور أمره في عجزهم عن الإتيان بسورة منه. قال تعالى: { بل هو الحق } الثابت { من ربك } ، ولم تفتره، كما زعموا تعنتا وجهلا، أنزله عليك { لتنذر قوما } أي: العرب، { ما أتاهم من نذير من قبلك } ، بل طالت عليهم الفترة من زمن إسماعيل وعيسى - عليهما السلام - { لعلهم يهتدون } إلى الصواب من الدين. والترجي مصروف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان لعله يتذكر [طه: 44] مصروفا إلى موسى وهارون. الإشارة: الم الألف: ألف المحبون قربى، فلا يصبرون عني. اللام: لمع نوري لقلوب السائرين، فزاد شوقهم إلي. الميم: ملك الواصلون ملكي وملكوتي، فلا يغيبون عني. تنزيل الكتاب، إذا طال أمد لقاء الأحباب، فأعز شيء على المحبين كتاب الأحباب. أنزلت على أحبابي كتابي، وحملت إليهم بالرسل خطابي، ولا عليهم إن قرع أسماعهم عتابي، فإنهم مني في أمان من عذابي. { أم يقولون افتراه } ، إنكار الأعداء على المحبين سنة لازمة. فإن ألبس الحق على الأعداء فلا يضركم، ولا عليكم، فإن صحبة الحبيب للحبيب ألد ما تكون عند فقد الرقيب. قاله القشيري. ثم ذكر المقصود بالذات وهو الاستدلال على البعث، فقال: { الله الذي خلق... }

السجدة 32:4

يقول الحق جل جلاله: { الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في } مقدار { ستة أيام ثم استوى على العرش } أي: استولى بقهرية ذاته. وسئل مالك عنه، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عن هذا بدعة. ه. ولم تتكلم الصحابة على الاستواء، بل أمسكوا عنه، ولذلك قال مالك: السؤال عنه بدعة. وسيأتي شيء في الإشارة. { ما لكم من دونه } من دون الله { من ولي ولا شفيع } أي: إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا، أي: ناصرا ينصركم، ولا شفيعا يشفع لكم، { أفلا تتذكرون } تتعظون بمواعظ الله. { يدبر الأمر } أي: أمر الدنيا. وما يكون من شؤونه تعالى في ملكه، فهو كقوله: كل يوم هو في شأن [الرحمن:29]، أي: يبديه لا يبتديه. وهو إشارة إلى القضاء التفصيلي، الجزئي، لا الكلي، فإنه كان دفعة. يكون ذلك التدبير { من السماء إلى الأرض } ، فيدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية، نازلة آثارها إلى الأرض. { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } من أيام الدنيا. قال الأقليشي: جاء في حديث: " إن بعد ما بين السماء والأرض، وما بين سماء إلى سماء، مسيرة خمسمائة سنة " وفي حديث آخر: " إن بين ذلك نيفا وسبعين سنة " ، وإنما وقع الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى سير الملائكة. وإن سرعة بعضها أكثر من سرعة بعض. كما يقول القائل: من موضع كذا إلى كذا مسيرة شهر للفارس وشهرين للراجل، وعليه يخرج قوله تعالى: { يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة }. وقال في آية أخرى: خمسين ألف سنة [المعارج:4]. وهكذا الوجود من علوه إلى سفله، من الملائكة من يقطعه في مدة ما، ويقطعه غيره في أكثر منها أو أقل. ه. وقيل: المعنى: أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر، فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، أو خمسين ألف سنة. فقد قيل: إن مواقف يوم القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة. وقد حكى هذا ابن عطية، فقال: يدبر الأمر في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة. ويوم القيامة: مقداره ألف سنة من عدنا. وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة لهوله، حسبما في سورة المعارج. ه. قلت: والتحقيق، في الفرق بين الآيتين، أن الحق تعالى، حيث لم يختص بمكان دون مكان، وكانت الأمكنة في حقه تعالى كلها واحدة، وهو موجود معها وفيها بعلمه وأسرار ذاته، كان العروج إنما هو إليه على كل حال، بعدت المسافة أو قربت. لكن لما علق العروج بتدبير الأمور وتنفيذها، قرب المسافة ليعلم العبد أن القضاء نافذ فيه بسرعة. ولما علق عروج الملائكة والروح إلى مطلق الذات المقدسة بعد المسافة زيادة في علو شأنه ورفعة قدره. وكل هذا العروج في دار الدنيا. على قول من علق في يوم بتعرج في سورة المعارج. فتأمله. { ذلك عالم الغيب والشهادة } ، أي: ذلك الموصوف بتلك الصفات العظام هو عالم ما غاب عن الأبصار من عجائب أسرار عالم الملكوت، وما شوهد في عالم الحس من عجائب عالم الملك. { العزيز } الغالب أمره وتدبيره، { الرحيم } البالغ لطفه وتيسيره. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى تجلى بهذه الكائنات، قطعة من نور ذاته، على ترتيب وتمهيل. فتجلى بالعرش، ثم بالماء، فكان عرشه على الماء، ثم بالكرسي، ثم بالأرض، ثم بالسموات، ولما أكمل أمر مملكته تجلى بنور صمداني رحماني من بحر جبروته، استوى به على عرشه لتدبير ملكه، ثم تجلى بآدم على صورة ذلك التجلي. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم على صورته " وفي رواية: " على صورة الرحمن " وبذلك التجلي يتجلى يوم القيامة لفصل عباده، ولرؤيته - باعتبار العامة -، وهذا التجلي كله، من جهة معناه، متصل بسائر التجليات، جزئي من جهة تشكيله للمعنى الكلي، والفرق بينه وبين التجليات الظاهرة للحس: أن التجلي المستولي غير مرتد برداء الحس إذ لا عبودية فيه، ولا قهرية تلحقه. ولأنه لم يظهر للعيان حتى يحتاج إلى رداء، لأن كنزه ما زال مدفونا، حيث ارتفع فوق تجليات الأكوان. فتأمل، وسلم، إن لم تفهم، ولا تبادر بالإنكار حتى تصحب الرجال، فيخوضون بك بحر الأحدية الحقيقية، فتفهم أسرار التوحيد. وبالله التوفيق. ثم كمل ما بقي من أوصافه، فقال: { الذي أحسن... }

السجدة 32:5

يقول الحق جل جلاله: { الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في } مقدار { ستة أيام ثم استوى على العرش } أي: استولى بقهرية ذاته. وسئل مالك عنه، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عن هذا بدعة. ه. ولم تتكلم الصحابة على الاستواء، بل أمسكوا عنه، ولذلك قال مالك: السؤال عنه بدعة. وسيأتي شيء في الإشارة. { ما لكم من دونه } من دون الله { من ولي ولا شفيع } أي: إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا، أي: ناصرا ينصركم، ولا شفيعا يشفع لكم، { أفلا تتذكرون } تتعظون بمواعظ الله. { يدبر الأمر } أي: أمر الدنيا. وما يكون من شؤونه تعالى في ملكه، فهو كقوله: كل يوم هو في شأن [الرحمن:29]، أي: يبديه لا يبتديه. وهو إشارة إلى القضاء التفصيلي، الجزئي، لا الكلي، فإنه كان دفعة. يكون ذلك التدبير { من السماء إلى الأرض } ، فيدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية، نازلة آثارها إلى الأرض. { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } من أيام الدنيا. قال الأقليشي: جاء في حديث: " إن بعد ما بين السماء والأرض، وما بين سماء إلى سماء، مسيرة خمسمائة سنة " وفي حديث آخر: " إن بين ذلك نيفا وسبعين سنة " ، وإنما وقع الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى سير الملائكة. وإن سرعة بعضها أكثر من سرعة بعض. كما يقول القائل: من موضع كذا إلى كذا مسيرة شهر للفارس وشهرين للراجل، وعليه يخرج قوله تعالى: { يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة }. وقال في آية أخرى: خمسين ألف سنة [المعارج:4]. وهكذا الوجود من علوه إلى سفله، من الملائكة من يقطعه في مدة ما، ويقطعه غيره في أكثر منها أو أقل. ه. وقيل: المعنى: أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر، فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، أو خمسين ألف سنة. فقد قيل: إن مواقف يوم القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة. وقد حكى هذا ابن عطية، فقال: يدبر الأمر في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة. ويوم القيامة: مقداره ألف سنة من عدنا. وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة لهوله، حسبما في سورة المعارج. ه. قلت: والتحقيق، في الفرق بين الآيتين، أن الحق تعالى، حيث لم يختص بمكان دون مكان، وكانت الأمكنة في حقه تعالى كلها واحدة، وهو موجود معها وفيها بعلمه وأسرار ذاته، كان العروج إنما هو إليه على كل حال، بعدت المسافة أو قربت. لكن لما علق العروج بتدبير الأمور وتنفيذها، قرب المسافة ليعلم العبد أن القضاء نافذ فيه بسرعة. ولما علق عروج الملائكة والروح إلى مطلق الذات المقدسة بعد المسافة زيادة في علو شأنه ورفعة قدره. وكل هذا العروج في دار الدنيا. على قول من علق في يوم بتعرج في سورة المعارج. فتأمله. { ذلك عالم الغيب والشهادة } ، أي: ذلك الموصوف بتلك الصفات العظام هو عالم ما غاب عن الأبصار من عجائب أسرار عالم الملكوت، وما شوهد في عالم الحس من عجائب عالم الملك. { العزيز } الغالب أمره وتدبيره، { الرحيم } البالغ لطفه وتيسيره. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى تجلى بهذه الكائنات، قطعة من نور ذاته، على ترتيب وتمهيل. فتجلى بالعرش، ثم بالماء، فكان عرشه على الماء، ثم بالكرسي، ثم بالأرض، ثم بالسموات، ولما أكمل أمر مملكته تجلى بنور صمداني رحماني من بحر جبروته، استوى به على عرشه لتدبير ملكه، ثم تجلى بآدم على صورة ذلك التجلي. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم على صورته " وفي رواية: " على صورة الرحمن " وبذلك التجلي يتجلى يوم القيامة لفصل عباده، ولرؤيته - باعتبار العامة -، وهذا التجلي كله، من جهة معناه، متصل بسائر التجليات، جزئي من جهة تشكيله للمعنى الكلي، والفرق بينه وبين التجليات الظاهرة للحس: أن التجلي المستولي غير مرتد برداء الحس إذ لا عبودية فيه، ولا قهرية تلحقه. ولأنه لم يظهر للعيان حتى يحتاج إلى رداء، لأن كنزه ما زال مدفونا، حيث ارتفع فوق تجليات الأكوان. فتأمل، وسلم، إن لم تفهم، ولا تبادر بالإنكار حتى تصحب الرجال، فيخوضون بك بحر الأحدية الحقيقية، فتفهم أسرار التوحيد. وبالله التوفيق. ثم كمل ما بقي من أوصافه، فقال: { الذي أحسن... }

السجدة 32:6

يقول الحق جل جلاله: { الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في } مقدار { ستة أيام ثم استوى على العرش } أي: استولى بقهرية ذاته. وسئل مالك عنه، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عن هذا بدعة. ه. ولم تتكلم الصحابة على الاستواء، بل أمسكوا عنه، ولذلك قال مالك: السؤال عنه بدعة. وسيأتي شيء في الإشارة. { ما لكم من دونه } من دون الله { من ولي ولا شفيع } أي: إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا، أي: ناصرا ينصركم، ولا شفيعا يشفع لكم، { أفلا تتذكرون } تتعظون بمواعظ الله. { يدبر الأمر } أي: أمر الدنيا. وما يكون من شؤونه تعالى في ملكه، فهو كقوله: كل يوم هو في شأن [الرحمن:29]، أي: يبديه لا يبتديه. وهو إشارة إلى القضاء التفصيلي، الجزئي، لا الكلي، فإنه كان دفعة. يكون ذلك التدبير { من السماء إلى الأرض } ، فيدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية، نازلة آثارها إلى الأرض. { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } من أيام الدنيا. قال الأقليشي: جاء في حديث: " إن بعد ما بين السماء والأرض، وما بين سماء إلى سماء، مسيرة خمسمائة سنة " وفي حديث آخر: " إن بين ذلك نيفا وسبعين سنة " ، وإنما وقع الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى سير الملائكة. وإن سرعة بعضها أكثر من سرعة بعض. كما يقول القائل: من موضع كذا إلى كذا مسيرة شهر للفارس وشهرين للراجل، وعليه يخرج قوله تعالى: { يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة }. وقال في آية أخرى: خمسين ألف سنة [المعارج:4]. وهكذا الوجود من علوه إلى سفله، من الملائكة من يقطعه في مدة ما، ويقطعه غيره في أكثر منها أو أقل. ه. وقيل: المعنى: أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر، فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، أو خمسين ألف سنة. فقد قيل: إن مواقف يوم القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة. وقد حكى هذا ابن عطية، فقال: يدبر الأمر في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة. ويوم القيامة: مقداره ألف سنة من عدنا. وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة لهوله، حسبما في سورة المعارج. ه. قلت: والتحقيق، في الفرق بين الآيتين، أن الحق تعالى، حيث لم يختص بمكان دون مكان، وكانت الأمكنة في حقه تعالى كلها واحدة، وهو موجود معها وفيها بعلمه وأسرار ذاته، كان العروج إنما هو إليه على كل حال، بعدت المسافة أو قربت. لكن لما علق العروج بتدبير الأمور وتنفيذها، قرب المسافة ليعلم العبد أن القضاء نافذ فيه بسرعة. ولما علق عروج الملائكة والروح إلى مطلق الذات المقدسة بعد المسافة زيادة في علو شأنه ورفعة قدره. وكل هذا العروج في دار الدنيا. على قول من علق في يوم بتعرج في سورة المعارج. فتأمله. { ذلك عالم الغيب والشهادة } ، أي: ذلك الموصوف بتلك الصفات العظام هو عالم ما غاب عن الأبصار من عجائب أسرار عالم الملكوت، وما شوهد في عالم الحس من عجائب عالم الملك. { العزيز } الغالب أمره وتدبيره، { الرحيم } البالغ لطفه وتيسيره. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى تجلى بهذه الكائنات، قطعة من نور ذاته، على ترتيب وتمهيل. فتجلى بالعرش، ثم بالماء، فكان عرشه على الماء، ثم بالكرسي، ثم بالأرض، ثم بالسموات، ولما أكمل أمر مملكته تجلى بنور صمداني رحماني من بحر جبروته، استوى به على عرشه لتدبير ملكه، ثم تجلى بآدم على صورة ذلك التجلي. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم على صورته " وفي رواية: " على صورة الرحمن " وبذلك التجلي يتجلى يوم القيامة لفصل عباده، ولرؤيته - باعتبار العامة -، وهذا التجلي كله، من جهة معناه، متصل بسائر التجليات، جزئي من جهة تشكيله للمعنى الكلي، والفرق بينه وبين التجليات الظاهرة للحس: أن التجلي المستولي غير مرتد برداء الحس إذ لا عبودية فيه، ولا قهرية تلحقه. ولأنه لم يظهر للعيان حتى يحتاج إلى رداء، لأن كنزه ما زال مدفونا، حيث ارتفع فوق تجليات الأكوان. فتأمل، وسلم، إن لم تفهم، ولا تبادر بالإنكار حتى تصحب الرجال، فيخوضون بك بحر الأحدية الحقيقية، فتفهم أسرار التوحيد. وبالله التوفيق. ثم كمل ما بقي من أوصافه، فقال: { الذي أحسن... }

السجدة 32:7

قلت: الذي: صفة للعزيز، أو: خبر عن مضمر. ومن قرأ { خلقه } بالفتح فصفة لكل، ومن سكنه، فبدل منه، أي: أحسن خلق كل شيء. يقول الحق جل جلاله في وصف ذاته: { الذي أحسن كل شيء خلقه } أي: أبدع خلق كل شيء، أتقنه على وفق حكمته. أو: أتقن كل شيء من مخلوقاته، فجعلهم في أحسن صورة. ثم { بدأ خلق الإنسان } آدم { من طين ثم جعل نسله } ذريته { من سلالة } أي: نطفة مسلولة من سائر البدن، { من ماء } أي: مني، وهو بدل من سلالة، { مهين } ضعيف حقير. { ثم سواه } أي: سوى صورته في أحسن تقويم، { ونفخ فيه من روحه } ، أضافه إلى نفسه، تشريفا، إشارة إلى أنه خلق عجيب، وأن له شأنا ومناسبة إلى حضرة الربوبية، ولذلك قيل: من عرف نفسه عرف ربه. وقد تقدم في سورة الإسراء، في الكلام على الروح، وجه المعرفة منه. { وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة } لتسمعوا كلامه، وتبصروا آثار قدرته وعجائب حكمته، وتعقلوا، فتعرفوا صانعكم ومدبر أمركم. { قليلا ما تشكرون } أي: تشكرون شكرا قليلا على هذه النعم لقلة التدبر فيها. { وقالوا } منكرين للبعث: { أئذا ضللنا في الأرض } ، أي: صرنا ترابا، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميز منه، كما يضل الماء في اللبن. أو: غبنا في الأرض بالدفن فيها، يقال: ضلل كضرب، وضلل كفرح. وانتصب الظرف في أإذا بقوله: { أئنا لفي خلق جديد }. أي: أنبعث، ونجدد، إذا ضللنا في الأرض؟ والقائل لهذه المقالة أبي بن خلف، وأسند إليهم لرضاهم بذلك، { بل هم بلقاء ربهم كافرون } جاحدون. لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة، لا بالبعث وحده. وقال المحشي: أي: ليس لهم جحود قدرته تعالى على الإعادة لأنهم يعترفون بقدرته، ولكنهم اعتقدوا ألا حساب عليهم، وأنهم لا يلقون الله تعالى، ولا يصيرون إلى جزائه. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما أظهر الحق تعالى: من تجلياته الكونية فهي في غاية الإبداع والاتفاق في أصل نشأتها، كما قال صاحب العينية: وكل قبيح، إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان، ولا ثم باشع وأكملها وأعظمها: خلقة الإنسان، الذي خلق على صورة الرحمن، حيث جعل فيه أوصافه من قدرة، وإرادة، وعلم، وحياة، وسمع، وبصر، وكلام، وهيأه لحضرة القدس ومحل الأنس، وسخر له جميع الكائنات، وهيأه لحمل الأمانة، إلى غير ذلك مما خص به عبده المؤمن. وأما الكافر فهو في أسفل سافلين. قال الورتجبي: ذكر حسن الأشياء، ولم يذكر هنا حسن الإنسان غيرة، لأنه موضع محبته، واختياره الأزلي، كقول القائل: وكم أبصرت من حسن، ولكن عليك، من الورى، وقع اختياري قال الواسطي: الجسم يستحسن المستحسنات، والروح واحدية فردانية، لا تستحسن شيئا. وقال ابن عطاء في قوله: { ثم سواه... }: قومه بفنون الآداب، ونفخ فيه من روحه الخاص، الذي، به، فضله على سائر الأرواح، لما كان له عنده من محل التمكين، وما كان فيه من تدبير الخلافة، ومشافهة الخطاب - بعد أن قال الورتجبي -: أخص الخصائص هو ما سقط من حسن تجلي ذاته في صورته، كما ذكر بقوله: { ونفخ فيه من روحه }. ه. ثم ذكر أمر اللقاء الذي أنكروه فقال: { قل يتوفاكم ملك الموت... }

السجدة 32:8

قلت: الذي: صفة للعزيز، أو: خبر عن مضمر. ومن قرأ { خلقه } بالفتح فصفة لكل، ومن سكنه، فبدل منه، أي: أحسن خلق كل شيء. يقول الحق جل جلاله في وصف ذاته: { الذي أحسن كل شيء خلقه } أي: أبدع خلق كل شيء، أتقنه على وفق حكمته. أو: أتقن كل شيء من مخلوقاته، فجعلهم في أحسن صورة. ثم { بدأ خلق الإنسان } آدم { من طين ثم جعل نسله } ذريته { من سلالة } أي: نطفة مسلولة من سائر البدن، { من ماء } أي: مني، وهو بدل من سلالة، { مهين } ضعيف حقير. { ثم سواه } أي: سوى صورته في أحسن تقويم، { ونفخ فيه من روحه } ، أضافه إلى نفسه، تشريفا، إشارة إلى أنه خلق عجيب، وأن له شأنا ومناسبة إلى حضرة الربوبية، ولذلك قيل: من عرف نفسه عرف ربه. وقد تقدم في سورة الإسراء، في الكلام على الروح، وجه المعرفة منه. { وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة } لتسمعوا كلامه، وتبصروا آثار قدرته وعجائب حكمته، وتعقلوا، فتعرفوا صانعكم ومدبر أمركم. { قليلا ما تشكرون } أي: تشكرون شكرا قليلا على هذه النعم لقلة التدبر فيها. { وقالوا } منكرين للبعث: { أئذا ضللنا في الأرض } ، أي: صرنا ترابا، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميز منه، كما يضل الماء في اللبن. أو: غبنا في الأرض بالدفن فيها، يقال: ضلل كضرب، وضلل كفرح. وانتصب الظرف في أإذا بقوله: { أئنا لفي خلق جديد }. أي: أنبعث، ونجدد، إذا ضللنا في الأرض؟ والقائل لهذه المقالة أبي بن خلف، وأسند إليهم لرضاهم بذلك، { بل هم بلقاء ربهم كافرون } جاحدون. لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة، لا بالبعث وحده. وقال المحشي: أي: ليس لهم جحود قدرته تعالى على الإعادة لأنهم يعترفون بقدرته، ولكنهم اعتقدوا ألا حساب عليهم، وأنهم لا يلقون الله تعالى، ولا يصيرون إلى جزائه. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما أظهر الحق تعالى: من تجلياته الكونية فهي في غاية الإبداع والاتفاق في أصل نشأتها، كما قال صاحب العينية: وكل قبيح، إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان، ولا ثم باشع وأكملها وأعظمها: خلقة الإنسان، الذي خلق على صورة الرحمن، حيث جعل فيه أوصافه من قدرة، وإرادة، وعلم، وحياة، وسمع، وبصر، وكلام، وهيأه لحضرة القدس ومحل الأنس، وسخر له جميع الكائنات، وهيأه لحمل الأمانة، إلى غير ذلك مما خص به عبده المؤمن. وأما الكافر فهو في أسفل سافلين. قال الورتجبي: ذكر حسن الأشياء، ولم يذكر هنا حسن الإنسان غيرة، لأنه موضع محبته، واختياره الأزلي، كقول القائل: وكم أبصرت من حسن، ولكن عليك، من الورى، وقع اختياري قال الواسطي: الجسم يستحسن المستحسنات، والروح واحدية فردانية، لا تستحسن شيئا. وقال ابن عطاء في قوله: { ثم سواه... }: قومه بفنون الآداب، ونفخ فيه من روحه الخاص، الذي، به، فضله على سائر الأرواح، لما كان له عنده من محل التمكين، وما كان فيه من تدبير الخلافة، ومشافهة الخطاب - بعد أن قال الورتجبي -: أخص الخصائص هو ما سقط من حسن تجلي ذاته في صورته، كما ذكر بقوله: { ونفخ فيه من روحه }. ه. ثم ذكر أمر اللقاء الذي أنكروه فقال: { قل يتوفاكم ملك الموت... }

السجدة 32:9

قلت: الذي: صفة للعزيز، أو: خبر عن مضمر. ومن قرأ { خلقه } بالفتح فصفة لكل، ومن سكنه، فبدل منه، أي: أحسن خلق كل شيء. يقول الحق جل جلاله في وصف ذاته: { الذي أحسن كل شيء خلقه } أي: أبدع خلق كل شيء، أتقنه على وفق حكمته. أو: أتقن كل شيء من مخلوقاته، فجعلهم في أحسن صورة. ثم { بدأ خلق الإنسان } آدم { من طين ثم جعل نسله } ذريته { من سلالة } أي: نطفة مسلولة من سائر البدن، { من ماء } أي: مني، وهو بدل من سلالة، { مهين } ضعيف حقير. { ثم سواه } أي: سوى صورته في أحسن تقويم، { ونفخ فيه من روحه } ، أضافه إلى نفسه، تشريفا، إشارة إلى أنه خلق عجيب، وأن له شأنا ومناسبة إلى حضرة الربوبية، ولذلك قيل: من عرف نفسه عرف ربه. وقد تقدم في سورة الإسراء، في الكلام على الروح، وجه المعرفة منه. { وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة } لتسمعوا كلامه، وتبصروا آثار قدرته وعجائب حكمته، وتعقلوا، فتعرفوا صانعكم ومدبر أمركم. { قليلا ما تشكرون } أي: تشكرون شكرا قليلا على هذه النعم لقلة التدبر فيها. { وقالوا } منكرين للبعث: { أئذا ضللنا في الأرض } ، أي: صرنا ترابا، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميز منه، كما يضل الماء في اللبن. أو: غبنا في الأرض بالدفن فيها، يقال: ضلل كضرب، وضلل كفرح. وانتصب الظرف في أإذا بقوله: { أئنا لفي خلق جديد }. أي: أنبعث، ونجدد، إذا ضللنا في الأرض؟ والقائل لهذه المقالة أبي بن خلف، وأسند إليهم لرضاهم بذلك، { بل هم بلقاء ربهم كافرون } جاحدون. لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة، لا بالبعث وحده. وقال المحشي: أي: ليس لهم جحود قدرته تعالى على الإعادة لأنهم يعترفون بقدرته، ولكنهم اعتقدوا ألا حساب عليهم، وأنهم لا يلقون الله تعالى، ولا يصيرون إلى جزائه. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما أظهر الحق تعالى: من تجلياته الكونية فهي في غاية الإبداع والاتفاق في أصل نشأتها، كما قال صاحب العينية: وكل قبيح، إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان، ولا ثم باشع وأكملها وأعظمها: خلقة الإنسان، الذي خلق على صورة الرحمن، حيث جعل فيه أوصافه من قدرة، وإرادة، وعلم، وحياة، وسمع، وبصر، وكلام، وهيأه لحضرة القدس ومحل الأنس، وسخر له جميع الكائنات، وهيأه لحمل الأمانة، إلى غير ذلك مما خص به عبده المؤمن. وأما الكافر فهو في أسفل سافلين. قال الورتجبي: ذكر حسن الأشياء، ولم يذكر هنا حسن الإنسان غيرة، لأنه موضع محبته، واختياره الأزلي، كقول القائل: وكم أبصرت من حسن، ولكن عليك، من الورى، وقع اختياري قال الواسطي: الجسم يستحسن المستحسنات، والروح واحدية فردانية، لا تستحسن شيئا. وقال ابن عطاء في قوله: { ثم سواه... }: قومه بفنون الآداب، ونفخ فيه من روحه الخاص، الذي، به، فضله على سائر الأرواح، لما كان له عنده من محل التمكين، وما كان فيه من تدبير الخلافة، ومشافهة الخطاب - بعد أن قال الورتجبي -: أخص الخصائص هو ما سقط من حسن تجلي ذاته في صورته، كما ذكر بقوله: { ونفخ فيه من روحه }. ه. ثم ذكر أمر اللقاء الذي أنكروه فقال: { قل يتوفاكم ملك الموت... }

السجدة 32:10

قلت: الذي: صفة للعزيز، أو: خبر عن مضمر. ومن قرأ { خلقه } بالفتح فصفة لكل، ومن سكنه، فبدل منه، أي: أحسن خلق كل شيء. يقول الحق جل جلاله في وصف ذاته: { الذي أحسن كل شيء خلقه } أي: أبدع خلق كل شيء، أتقنه على وفق حكمته. أو: أتقن كل شيء من مخلوقاته، فجعلهم في أحسن صورة. ثم { بدأ خلق الإنسان } آدم { من طين ثم جعل نسله } ذريته { من سلالة } أي: نطفة مسلولة من سائر البدن، { من ماء } أي: مني، وهو بدل من سلالة، { مهين } ضعيف حقير. { ثم سواه } أي: سوى صورته في أحسن تقويم، { ونفخ فيه من روحه } ، أضافه إلى نفسه، تشريفا، إشارة إلى أنه خلق عجيب، وأن له شأنا ومناسبة إلى حضرة الربوبية، ولذلك قيل: من عرف نفسه عرف ربه. وقد تقدم في سورة الإسراء، في الكلام على الروح، وجه المعرفة منه. { وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة } لتسمعوا كلامه، وتبصروا آثار قدرته وعجائب حكمته، وتعقلوا، فتعرفوا صانعكم ومدبر أمركم. { قليلا ما تشكرون } أي: تشكرون شكرا قليلا على هذه النعم لقلة التدبر فيها. { وقالوا } منكرين للبعث: { أئذا ضللنا في الأرض } ، أي: صرنا ترابا، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميز منه، كما يضل الماء في اللبن. أو: غبنا في الأرض بالدفن فيها، يقال: ضلل كضرب، وضلل كفرح. وانتصب الظرف في أإذا بقوله: { أئنا لفي خلق جديد }. أي: أنبعث، ونجدد، إذا ضللنا في الأرض؟ والقائل لهذه المقالة أبي بن خلف، وأسند إليهم لرضاهم بذلك، { بل هم بلقاء ربهم كافرون } جاحدون. لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة، لا بالبعث وحده. وقال المحشي: أي: ليس لهم جحود قدرته تعالى على الإعادة لأنهم يعترفون بقدرته، ولكنهم اعتقدوا ألا حساب عليهم، وأنهم لا يلقون الله تعالى، ولا يصيرون إلى جزائه. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما أظهر الحق تعالى: من تجلياته الكونية فهي في غاية الإبداع والاتفاق في أصل نشأتها، كما قال صاحب العينية: وكل قبيح، إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان، ولا ثم باشع وأكملها وأعظمها: خلقة الإنسان، الذي خلق على صورة الرحمن، حيث جعل فيه أوصافه من قدرة، وإرادة، وعلم، وحياة، وسمع، وبصر، وكلام، وهيأه لحضرة القدس ومحل الأنس، وسخر له جميع الكائنات، وهيأه لحمل الأمانة، إلى غير ذلك مما خص به عبده المؤمن. وأما الكافر فهو في أسفل سافلين. قال الورتجبي: ذكر حسن الأشياء، ولم يذكر هنا حسن الإنسان غيرة، لأنه موضع محبته، واختياره الأزلي، كقول القائل: وكم أبصرت من حسن، ولكن عليك، من الورى، وقع اختياري قال الواسطي: الجسم يستحسن المستحسنات، والروح واحدية فردانية، لا تستحسن شيئا. وقال ابن عطاء في قوله: { ثم سواه... }: قومه بفنون الآداب، ونفخ فيه من روحه الخاص، الذي، به، فضله على سائر الأرواح، لما كان له عنده من محل التمكين، وما كان فيه من تدبير الخلافة، ومشافهة الخطاب - بعد أن قال الورتجبي -: أخص الخصائص هو ما سقط من حسن تجلي ذاته في صورته، كما ذكر بقوله: { ونفخ فيه من روحه }. ه. ثم ذكر أمر اللقاء الذي أنكروه فقال: { قل يتوفاكم ملك الموت... }

السجدة 32:11

يقول الحق جل جلاله: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } بقبض أرواحكم فتموتون،، { ثم إلى ربكم ترجعون } بالبعث للحساب والعقاب. وهذا معنى لقاء الله الذي أنكروه. والتوفي: استيفاء الروح، أي: أخذها، من قولك: توفيت حقي من فلان، إذا أخذته وافيا من غير نقصان. وعن مجاهد: زويت الأرض لملك الموت، وجعلت مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. وعن مقاتل والكلبي: بلغنا أن اسم ملك الموت " عزرائيل " وله أربعة أجنحة: جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والخلق بين رجليه ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض، وله الدنيا مثل راحة اليد، فهو يقبض أنفس الخلائق بمشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وعن معاذ بن جبل: أن لملك الموت حربة، تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الموتى، فما من أهل بيت إلا وهو يتصفحهم كل يوم مرتين - وفي حديث آخر، خمس مرات، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضربه بتلك الحربة. وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. فإن قيل: ما الجمع بين قوله: توفته رسلنا [الأنعام: 61] و توفاهم الملائكة [النساء: 97] و { قل يتوفاكم ملك الموت } وقوله: الله يتوفى الأنفس [الزمر: 42]؟ فالجواب: أن توفي الملائكة، القبض والنزع، وتوفي ملك الموت الدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها، ثم يذهبون بها إلى عليين، وقبض الحق تعالى: خلق الموت فيه: والحاصل: أن قبض الملك: المباشرة، وقبض الحق: الإخراج حقيقة. قال الورتجبي: قال الحسن: ملك الموت هو الموكل بأرواح بني آدم، وملك الفناء موكل بأرواح البهائم. فانظر فيه. وأما حديث ملكي الموت والحياة، فقال العراقي: لم أجد له أصلا. ويعني بملك الحياة: كون الأرواح أنفاس ملك الحياة كما في الإحياء. ومذهب أهل السنة قاطبة: أن ملك الموت هو الذي يقبض جميع الأرواح، من بني آدم والبهائم وسائر الحيوانات. وبه قال مالك وأشهب. وذهب قوم إلى أن أرواح البهائم وسائر الحيوانات إنما تقبض أرواحها أعوان ملك الموت. وذهب قوم إلى أن الموت في حق غير بني آدم، إنما هو عدم محض، كيبس الشجر وجفاف الثياب، فلا قبض لأرواحها وهو أعم من كونها تبعث أو: لا بأن تعاد عن عدم بخلاف المكلف فإن روحه لا تعدم، خلافا للملاحدة، فإنهم جعلوا الموت كله عدما محضا، كجفاف العود الأخضر، وهو كفر. هذا وقد اختلف في كون الموت ضد الحياة، فيكون معنى وجوديا، أو هو عدم الحياة، فيكون عدما، وعلى كلا القولين فالأرواح باقية بعد مفارقة الأبدان، منعمة أو معذبة. { ولو ترى } يا محمد { إذ المجرمون } وهو الذين قالوا: { أئذا ضللنا في الأرض... } إلخ، و " لو " و " إذ " للماضي، وإنما جاز هنا لأن المترقب محقق الوقوع، و " ترى " هنا، تامة لا مفعول لها، أي: لو وقعت منك رؤية { إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } أي: وقت كون المجرمين ناكسي رؤوسهم من الذل والحياء والندم، { عند ربهم } عند حساب ربهم، قائلين: { ربنا أبصرنا وسمعنا } أي: صدقنا الآن وعدك ووعيدك، وأبصرنا ما حدثتنا به الرسل، وسمعنا منك تصديق رسلك، { فارجعنا } إلى الدنيا { نعمل صالحا } من الإيمان والطاعة، { إنا موقنون } بالبعث والحساب الآن. وجواب " لو ": محذوف، أي: لرأيت أمرا فظيعا. { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: ما تهتدي به إلى الإيمان والطاعة، أي: لو شئنا لأعطيناه في الدنيا، كل نفس ما عندنا من اللطف الذي، لو كان منهم اختيار ذلك، لاهتدوا. لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره. وهو حجة على المعتزلة فإن عندهم: قد شاء الله أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها، لكنها لم تهتد وأولوا الآية بمشيئة الجبر، وهو فاسد. قال تعالى: { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ، أي: ولكن وجب القول مني لأعمرن جهنم من الجنة والناس، الذين علمت منهم أنهم يختارون الكفر والتكذيب. وفي تخصيص الجن والإنس: إشارة إلى أنه عصم الملائكة من عمل يستوجبون به جهنم. وفي الآية ما يقتضي تخصيص أهل النار بالجن والإنس، فيرد ما يذكر أنه كان قبل آدم أمم كفروا، ولا يصح ذلك، إلا أن يكونوا من الجن. { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } أي: باشروا وبال ترككم العمل للقاء يومكم هذا، وهو الإيمان به. { إنا نسيناكم }: تركناكم في العذاب، { وذوقوا عذاب الخلد } أي: العذاب الدائم الذي لا انقطاع له { بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي. ثم ذكر ضدهم بقوله: { إنما يؤمن بآياتنا } القرآن { الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا } سجدوا لله تواضعا وخشوعا، وشكروا على ما رزقهم من الإسلام، { وسبحوا بحمد ربهم } أي: نزهوا الله عما لا يليق به، وأثنوا عليه حامدين له، { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان والسجود له. جعلنا الله منهم بمنه، آمين. الإشارة: أهل الفرق من أهل الحجاب، يتوفاهم ملك الموت، وأهل الجمع مع الله من أهل العيان يتولى قبض أرواحهم ذو الجلال الإكرام كما قيل في الأخفياء من الأولياء الذين اختص الله تعالى بعلمهم - أنه يتولى قبض أرواحهم بيده، فتطيب أجسادهم به فلا يعدوا عليها الثرى حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم، بالرجوع إليه من الفناء، فيكون بقلوبهم بقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. وقد ورد في الخبر " من واظب على قراءة آية الكرسي، دبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال الإكرام " يعني: من تدبر معناها. والمراد بذلك خطفتها بالتجلي، واستغراقها في الشهود، وغيبتها عن الغير في ذلك الوقت الهائل، فيغيب عن الواسطة في شهود الموسوط، مع وجود الواسطة لعموم الآية. والله تعالى أعلم. قال القشيري: لولا غفلة القلوب لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت لأن ملك الموت لا أثر منه في أحد، وما يحصل في التوفي فمن خصائص قدرة الحق، ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الرب، فخاطبهم على قدر أفهامهم، وعلق بالأغيار قلوبهم. وكل يخاطبه بما يحتمل على قدر قوته وضعفه. ه. وقال في قوله: { ولو ترى إذ المجرمون.... } الآية: ملكتهم الدهشة وغلبتهم الحجة، فاعترفوا، حين لا عذر، واعترفوا، حين لا اعتراف. ه. قوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها.. }. قال القشيري: لو شاء سهل سبيل الاستدلال، وأدام التوفيق لكل أحد، ولكن تعلقت المشيئة بإغواء قوم، وأردنا أن يكون للنار قطان، كما يكون للجنة سكان، لما علمنا يوم خلقناهما أنه ينزلهما قوم وقوم. فمن المحال أن نريد ارتفاع معلومنا، إذ لو لم يقع، ولم يحصل لم يكن علما. فإذا لا أكون إلها. ومن المحال أن أريد ذلك. ويقال: من يتسلط عليه من يحبه لم يجد في ملكه ما يكرهه. يا مسكين أفنيت عمرك في النكد والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء، غيرت صفتك، وأكثرت مجاهدتك، فما تفعل فيما مضى، كيف تبدله؟ وما تصنع في مشيئتي، وبأي وسع تردها؟ وأنشدوا: شكا إليك ما وجد من خانه فيك الجلد حيران، لو شئت، اهتدى ظمآن، لو شئت، ورد. ه. قوله تعالى: { إنما يؤمن... } الآية، خروا سجدا بظواهرهم في التراب، وبسرائرهم، بالخضوع لهيبة الكريم الوهاب، فسجود الجبهة وسيلة لسجود القلب، فإذا سجدت الجبهة وتكبر القلب على عباد الله، كانت وسيلة بلا غاية. وبالله التوفيق. ثم وصف أهل الخضوع وما أكرمهم به، فقال: { تتجافى جنوبهم... }

السجدة 32:12

يقول الحق جل جلاله: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } بقبض أرواحكم فتموتون،، { ثم إلى ربكم ترجعون } بالبعث للحساب والعقاب. وهذا معنى لقاء الله الذي أنكروه. والتوفي: استيفاء الروح، أي: أخذها، من قولك: توفيت حقي من فلان، إذا أخذته وافيا من غير نقصان. وعن مجاهد: زويت الأرض لملك الموت، وجعلت مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. وعن مقاتل والكلبي: بلغنا أن اسم ملك الموت " عزرائيل " وله أربعة أجنحة: جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والخلق بين رجليه ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض، وله الدنيا مثل راحة اليد، فهو يقبض أنفس الخلائق بمشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وعن معاذ بن جبل: أن لملك الموت حربة، تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الموتى، فما من أهل بيت إلا وهو يتصفحهم كل يوم مرتين - وفي حديث آخر، خمس مرات، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضربه بتلك الحربة. وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. فإن قيل: ما الجمع بين قوله: توفته رسلنا [الأنعام: 61] و توفاهم الملائكة [النساء: 97] و { قل يتوفاكم ملك الموت } وقوله: الله يتوفى الأنفس [الزمر: 42]؟ فالجواب: أن توفي الملائكة، القبض والنزع، وتوفي ملك الموت الدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها، ثم يذهبون بها إلى عليين، وقبض الحق تعالى: خلق الموت فيه: والحاصل: أن قبض الملك: المباشرة، وقبض الحق: الإخراج حقيقة. قال الورتجبي: قال الحسن: ملك الموت هو الموكل بأرواح بني آدم، وملك الفناء موكل بأرواح البهائم. فانظر فيه. وأما حديث ملكي الموت والحياة، فقال العراقي: لم أجد له أصلا. ويعني بملك الحياة: كون الأرواح أنفاس ملك الحياة كما في الإحياء. ومذهب أهل السنة قاطبة: أن ملك الموت هو الذي يقبض جميع الأرواح، من بني آدم والبهائم وسائر الحيوانات. وبه قال مالك وأشهب. وذهب قوم إلى أن أرواح البهائم وسائر الحيوانات إنما تقبض أرواحها أعوان ملك الموت. وذهب قوم إلى أن الموت في حق غير بني آدم، إنما هو عدم محض، كيبس الشجر وجفاف الثياب، فلا قبض لأرواحها وهو أعم من كونها تبعث أو: لا بأن تعاد عن عدم بخلاف المكلف فإن روحه لا تعدم، خلافا للملاحدة، فإنهم جعلوا الموت كله عدما محضا، كجفاف العود الأخضر، وهو كفر. هذا وقد اختلف في كون الموت ضد الحياة، فيكون معنى وجوديا، أو هو عدم الحياة، فيكون عدما، وعلى كلا القولين فالأرواح باقية بعد مفارقة الأبدان، منعمة أو معذبة. { ولو ترى } يا محمد { إذ المجرمون } وهو الذين قالوا: { أئذا ضللنا في الأرض... } إلخ، و " لو " و " إذ " للماضي، وإنما جاز هنا لأن المترقب محقق الوقوع، و " ترى " هنا، تامة لا مفعول لها، أي: لو وقعت منك رؤية { إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } أي: وقت كون المجرمين ناكسي رؤوسهم من الذل والحياء والندم، { عند ربهم } عند حساب ربهم، قائلين: { ربنا أبصرنا وسمعنا } أي: صدقنا الآن وعدك ووعيدك، وأبصرنا ما حدثتنا به الرسل، وسمعنا منك تصديق رسلك، { فارجعنا } إلى الدنيا { نعمل صالحا } من الإيمان والطاعة، { إنا موقنون } بالبعث والحساب الآن. وجواب " لو ": محذوف، أي: لرأيت أمرا فظيعا. { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: ما تهتدي به إلى الإيمان والطاعة، أي: لو شئنا لأعطيناه في الدنيا، كل نفس ما عندنا من اللطف الذي، لو كان منهم اختيار ذلك، لاهتدوا. لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره. وهو حجة على المعتزلة فإن عندهم: قد شاء الله أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها، لكنها لم تهتد وأولوا الآية بمشيئة الجبر، وهو فاسد. قال تعالى: { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ، أي: ولكن وجب القول مني لأعمرن جهنم من الجنة والناس، الذين علمت منهم أنهم يختارون الكفر والتكذيب. وفي تخصيص الجن والإنس: إشارة إلى أنه عصم الملائكة من عمل يستوجبون به جهنم. وفي الآية ما يقتضي تخصيص أهل النار بالجن والإنس، فيرد ما يذكر أنه كان قبل آدم أمم كفروا، ولا يصح ذلك، إلا أن يكونوا من الجن. { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } أي: باشروا وبال ترككم العمل للقاء يومكم هذا، وهو الإيمان به. { إنا نسيناكم }: تركناكم في العذاب، { وذوقوا عذاب الخلد } أي: العذاب الدائم الذي لا انقطاع له { بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي. ثم ذكر ضدهم بقوله: { إنما يؤمن بآياتنا } القرآن { الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا } سجدوا لله تواضعا وخشوعا، وشكروا على ما رزقهم من الإسلام، { وسبحوا بحمد ربهم } أي: نزهوا الله عما لا يليق به، وأثنوا عليه حامدين له، { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان والسجود له. جعلنا الله منهم بمنه، آمين. الإشارة: أهل الفرق من أهل الحجاب، يتوفاهم ملك الموت، وأهل الجمع مع الله من أهل العيان يتولى قبض أرواحهم ذو الجلال الإكرام كما قيل في الأخفياء من الأولياء الذين اختص الله تعالى بعلمهم - أنه يتولى قبض أرواحهم بيده، فتطيب أجسادهم به فلا يعدوا عليها الثرى حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم، بالرجوع إليه من الفناء، فيكون بقلوبهم بقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. وقد ورد في الخبر " من واظب على قراءة آية الكرسي، دبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال الإكرام " يعني: من تدبر معناها. والمراد بذلك خطفتها بالتجلي، واستغراقها في الشهود، وغيبتها عن الغير في ذلك الوقت الهائل، فيغيب عن الواسطة في شهود الموسوط، مع وجود الواسطة لعموم الآية. والله تعالى أعلم. قال القشيري: لولا غفلة القلوب لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت لأن ملك الموت لا أثر منه في أحد، وما يحصل في التوفي فمن خصائص قدرة الحق، ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الرب، فخاطبهم على قدر أفهامهم، وعلق بالأغيار قلوبهم. وكل يخاطبه بما يحتمل على قدر قوته وضعفه. ه. وقال في قوله: { ولو ترى إذ المجرمون.... } الآية: ملكتهم الدهشة وغلبتهم الحجة، فاعترفوا، حين لا عذر، واعترفوا، حين لا اعتراف. ه. قوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها.. }. قال القشيري: لو شاء سهل سبيل الاستدلال، وأدام التوفيق لكل أحد، ولكن تعلقت المشيئة بإغواء قوم، وأردنا أن يكون للنار قطان، كما يكون للجنة سكان، لما علمنا يوم خلقناهما أنه ينزلهما قوم وقوم. فمن المحال أن نريد ارتفاع معلومنا، إذ لو لم يقع، ولم يحصل لم يكن علما. فإذا لا أكون إلها. ومن المحال أن أريد ذلك. ويقال: من يتسلط عليه من يحبه لم يجد في ملكه ما يكرهه. يا مسكين أفنيت عمرك في النكد والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء، غيرت صفتك، وأكثرت مجاهدتك، فما تفعل فيما مضى، كيف تبدله؟ وما تصنع في مشيئتي، وبأي وسع تردها؟ وأنشدوا: شكا إليك ما وجد من خانه فيك الجلد حيران، لو شئت، اهتدى ظمآن، لو شئت، ورد. ه. قوله تعالى: { إنما يؤمن... } الآية، خروا سجدا بظواهرهم في التراب، وبسرائرهم، بالخضوع لهيبة الكريم الوهاب، فسجود الجبهة وسيلة لسجود القلب، فإذا سجدت الجبهة وتكبر القلب على عباد الله، كانت وسيلة بلا غاية. وبالله التوفيق. ثم وصف أهل الخضوع وما أكرمهم به، فقال: { تتجافى جنوبهم... }

السجدة 32:13

يقول الحق جل جلاله: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } بقبض أرواحكم فتموتون،، { ثم إلى ربكم ترجعون } بالبعث للحساب والعقاب. وهذا معنى لقاء الله الذي أنكروه. والتوفي: استيفاء الروح، أي: أخذها، من قولك: توفيت حقي من فلان، إذا أخذته وافيا من غير نقصان. وعن مجاهد: زويت الأرض لملك الموت، وجعلت مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. وعن مقاتل والكلبي: بلغنا أن اسم ملك الموت " عزرائيل " وله أربعة أجنحة: جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والخلق بين رجليه ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض، وله الدنيا مثل راحة اليد، فهو يقبض أنفس الخلائق بمشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وعن معاذ بن جبل: أن لملك الموت حربة، تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الموتى، فما من أهل بيت إلا وهو يتصفحهم كل يوم مرتين - وفي حديث آخر، خمس مرات، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضربه بتلك الحربة. وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. فإن قيل: ما الجمع بين قوله: توفته رسلنا [الأنعام: 61] و توفاهم الملائكة [النساء: 97] و { قل يتوفاكم ملك الموت } وقوله: الله يتوفى الأنفس [الزمر: 42]؟ فالجواب: أن توفي الملائكة، القبض والنزع، وتوفي ملك الموت الدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها، ثم يذهبون بها إلى عليين، وقبض الحق تعالى: خلق الموت فيه: والحاصل: أن قبض الملك: المباشرة، وقبض الحق: الإخراج حقيقة. قال الورتجبي: قال الحسن: ملك الموت هو الموكل بأرواح بني آدم، وملك الفناء موكل بأرواح البهائم. فانظر فيه. وأما حديث ملكي الموت والحياة، فقال العراقي: لم أجد له أصلا. ويعني بملك الحياة: كون الأرواح أنفاس ملك الحياة كما في الإحياء. ومذهب أهل السنة قاطبة: أن ملك الموت هو الذي يقبض جميع الأرواح، من بني آدم والبهائم وسائر الحيوانات. وبه قال مالك وأشهب. وذهب قوم إلى أن أرواح البهائم وسائر الحيوانات إنما تقبض أرواحها أعوان ملك الموت. وذهب قوم إلى أن الموت في حق غير بني آدم، إنما هو عدم محض، كيبس الشجر وجفاف الثياب، فلا قبض لأرواحها وهو أعم من كونها تبعث أو: لا بأن تعاد عن عدم بخلاف المكلف فإن روحه لا تعدم، خلافا للملاحدة، فإنهم جعلوا الموت كله عدما محضا، كجفاف العود الأخضر، وهو كفر. هذا وقد اختلف في كون الموت ضد الحياة، فيكون معنى وجوديا، أو هو عدم الحياة، فيكون عدما، وعلى كلا القولين فالأرواح باقية بعد مفارقة الأبدان، منعمة أو معذبة. { ولو ترى } يا محمد { إذ المجرمون } وهو الذين قالوا: { أئذا ضللنا في الأرض... } إلخ، و " لو " و " إذ " للماضي، وإنما جاز هنا لأن المترقب محقق الوقوع، و " ترى " هنا، تامة لا مفعول لها، أي: لو وقعت منك رؤية { إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } أي: وقت كون المجرمين ناكسي رؤوسهم من الذل والحياء والندم، { عند ربهم } عند حساب ربهم، قائلين: { ربنا أبصرنا وسمعنا } أي: صدقنا الآن وعدك ووعيدك، وأبصرنا ما حدثتنا به الرسل، وسمعنا منك تصديق رسلك، { فارجعنا } إلى الدنيا { نعمل صالحا } من الإيمان والطاعة، { إنا موقنون } بالبعث والحساب الآن. وجواب " لو ": محذوف، أي: لرأيت أمرا فظيعا. { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: ما تهتدي به إلى الإيمان والطاعة، أي: لو شئنا لأعطيناه في الدنيا، كل نفس ما عندنا من اللطف الذي، لو كان منهم اختيار ذلك، لاهتدوا. لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره. وهو حجة على المعتزلة فإن عندهم: قد شاء الله أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها، لكنها لم تهتد وأولوا الآية بمشيئة الجبر، وهو فاسد. قال تعالى: { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ، أي: ولكن وجب القول مني لأعمرن جهنم من الجنة والناس، الذين علمت منهم أنهم يختارون الكفر والتكذيب. وفي تخصيص الجن والإنس: إشارة إلى أنه عصم الملائكة من عمل يستوجبون به جهنم. وفي الآية ما يقتضي تخصيص أهل النار بالجن والإنس، فيرد ما يذكر أنه كان قبل آدم أمم كفروا، ولا يصح ذلك، إلا أن يكونوا من الجن. { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } أي: باشروا وبال ترككم العمل للقاء يومكم هذا، وهو الإيمان به. { إنا نسيناكم }: تركناكم في العذاب، { وذوقوا عذاب الخلد } أي: العذاب الدائم الذي لا انقطاع له { بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي. ثم ذكر ضدهم بقوله: { إنما يؤمن بآياتنا } القرآن { الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا } سجدوا لله تواضعا وخشوعا، وشكروا على ما رزقهم من الإسلام، { وسبحوا بحمد ربهم } أي: نزهوا الله عما لا يليق به، وأثنوا عليه حامدين له، { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان والسجود له. جعلنا الله منهم بمنه، آمين. الإشارة: أهل الفرق من أهل الحجاب، يتوفاهم ملك الموت، وأهل الجمع مع الله من أهل العيان يتولى قبض أرواحهم ذو الجلال الإكرام كما قيل في الأخفياء من الأولياء الذين اختص الله تعالى بعلمهم - أنه يتولى قبض أرواحهم بيده، فتطيب أجسادهم به فلا يعدوا عليها الثرى حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم، بالرجوع إليه من الفناء، فيكون بقلوبهم بقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. وقد ورد في الخبر " من واظب على قراءة آية الكرسي، دبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال الإكرام " يعني: من تدبر معناها. والمراد بذلك خطفتها بالتجلي، واستغراقها في الشهود، وغيبتها عن الغير في ذلك الوقت الهائل، فيغيب عن الواسطة في شهود الموسوط، مع وجود الواسطة لعموم الآية. والله تعالى أعلم. قال القشيري: لولا غفلة القلوب لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت لأن ملك الموت لا أثر منه في أحد، وما يحصل في التوفي فمن خصائص قدرة الحق، ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الرب، فخاطبهم على قدر أفهامهم، وعلق بالأغيار قلوبهم. وكل يخاطبه بما يحتمل على قدر قوته وضعفه. ه. وقال في قوله: { ولو ترى إذ المجرمون.... } الآية: ملكتهم الدهشة وغلبتهم الحجة، فاعترفوا، حين لا عذر، واعترفوا، حين لا اعتراف. ه. قوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها.. }. قال القشيري: لو شاء سهل سبيل الاستدلال، وأدام التوفيق لكل أحد، ولكن تعلقت المشيئة بإغواء قوم، وأردنا أن يكون للنار قطان، كما يكون للجنة سكان، لما علمنا يوم خلقناهما أنه ينزلهما قوم وقوم. فمن المحال أن نريد ارتفاع معلومنا، إذ لو لم يقع، ولم يحصل لم يكن علما. فإذا لا أكون إلها. ومن المحال أن أريد ذلك. ويقال: من يتسلط عليه من يحبه لم يجد في ملكه ما يكرهه. يا مسكين أفنيت عمرك في النكد والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء، غيرت صفتك، وأكثرت مجاهدتك، فما تفعل فيما مضى، كيف تبدله؟ وما تصنع في مشيئتي، وبأي وسع تردها؟ وأنشدوا: شكا إليك ما وجد من خانه فيك الجلد حيران، لو شئت، اهتدى ظمآن، لو شئت، ورد. ه. قوله تعالى: { إنما يؤمن... } الآية، خروا سجدا بظواهرهم في التراب، وبسرائرهم، بالخضوع لهيبة الكريم الوهاب، فسجود الجبهة وسيلة لسجود القلب، فإذا سجدت الجبهة وتكبر القلب على عباد الله، كانت وسيلة بلا غاية. وبالله التوفيق. ثم وصف أهل الخضوع وما أكرمهم به، فقال: { تتجافى جنوبهم... }

السجدة 32:14

يقول الحق جل جلاله: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } بقبض أرواحكم فتموتون،، { ثم إلى ربكم ترجعون } بالبعث للحساب والعقاب. وهذا معنى لقاء الله الذي أنكروه. والتوفي: استيفاء الروح، أي: أخذها، من قولك: توفيت حقي من فلان، إذا أخذته وافيا من غير نقصان. وعن مجاهد: زويت الأرض لملك الموت، وجعلت مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. وعن مقاتل والكلبي: بلغنا أن اسم ملك الموت " عزرائيل " وله أربعة أجنحة: جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والخلق بين رجليه ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض، وله الدنيا مثل راحة اليد، فهو يقبض أنفس الخلائق بمشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وعن معاذ بن جبل: أن لملك الموت حربة، تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الموتى، فما من أهل بيت إلا وهو يتصفحهم كل يوم مرتين - وفي حديث آخر، خمس مرات، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضربه بتلك الحربة. وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. فإن قيل: ما الجمع بين قوله: توفته رسلنا [الأنعام: 61] و توفاهم الملائكة [النساء: 97] و { قل يتوفاكم ملك الموت } وقوله: الله يتوفى الأنفس [الزمر: 42]؟ فالجواب: أن توفي الملائكة، القبض والنزع، وتوفي ملك الموت الدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها، ثم يذهبون بها إلى عليين، وقبض الحق تعالى: خلق الموت فيه: والحاصل: أن قبض الملك: المباشرة، وقبض الحق: الإخراج حقيقة. قال الورتجبي: قال الحسن: ملك الموت هو الموكل بأرواح بني آدم، وملك الفناء موكل بأرواح البهائم. فانظر فيه. وأما حديث ملكي الموت والحياة، فقال العراقي: لم أجد له أصلا. ويعني بملك الحياة: كون الأرواح أنفاس ملك الحياة كما في الإحياء. ومذهب أهل السنة قاطبة: أن ملك الموت هو الذي يقبض جميع الأرواح، من بني آدم والبهائم وسائر الحيوانات. وبه قال مالك وأشهب. وذهب قوم إلى أن أرواح البهائم وسائر الحيوانات إنما تقبض أرواحها أعوان ملك الموت. وذهب قوم إلى أن الموت في حق غير بني آدم، إنما هو عدم محض، كيبس الشجر وجفاف الثياب، فلا قبض لأرواحها وهو أعم من كونها تبعث أو: لا بأن تعاد عن عدم بخلاف المكلف فإن روحه لا تعدم، خلافا للملاحدة، فإنهم جعلوا الموت كله عدما محضا، كجفاف العود الأخضر، وهو كفر. هذا وقد اختلف في كون الموت ضد الحياة، فيكون معنى وجوديا، أو هو عدم الحياة، فيكون عدما، وعلى كلا القولين فالأرواح باقية بعد مفارقة الأبدان، منعمة أو معذبة. { ولو ترى } يا محمد { إذ المجرمون } وهو الذين قالوا: { أئذا ضللنا في الأرض... } إلخ، و " لو " و " إذ " للماضي، وإنما جاز هنا لأن المترقب محقق الوقوع، و " ترى " هنا، تامة لا مفعول لها، أي: لو وقعت منك رؤية { إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } أي: وقت كون المجرمين ناكسي رؤوسهم من الذل والحياء والندم، { عند ربهم } عند حساب ربهم، قائلين: { ربنا أبصرنا وسمعنا } أي: صدقنا الآن وعدك ووعيدك، وأبصرنا ما حدثتنا به الرسل، وسمعنا منك تصديق رسلك، { فارجعنا } إلى الدنيا { نعمل صالحا } من الإيمان والطاعة، { إنا موقنون } بالبعث والحساب الآن. وجواب " لو ": محذوف، أي: لرأيت أمرا فظيعا. { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: ما تهتدي به إلى الإيمان والطاعة، أي: لو شئنا لأعطيناه في الدنيا، كل نفس ما عندنا من اللطف الذي، لو كان منهم اختيار ذلك، لاهتدوا. لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره. وهو حجة على المعتزلة فإن عندهم: قد شاء الله أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها، لكنها لم تهتد وأولوا الآية بمشيئة الجبر، وهو فاسد. قال تعالى: { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ، أي: ولكن وجب القول مني لأعمرن جهنم من الجنة والناس، الذين علمت منهم أنهم يختارون الكفر والتكذيب. وفي تخصيص الجن والإنس: إشارة إلى أنه عصم الملائكة من عمل يستوجبون به جهنم. وفي الآية ما يقتضي تخصيص أهل النار بالجن والإنس، فيرد ما يذكر أنه كان قبل آدم أمم كفروا، ولا يصح ذلك، إلا أن يكونوا من الجن. { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } أي: باشروا وبال ترككم العمل للقاء يومكم هذا، وهو الإيمان به. { إنا نسيناكم }: تركناكم في العذاب، { وذوقوا عذاب الخلد } أي: العذاب الدائم الذي لا انقطاع له { بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي. ثم ذكر ضدهم بقوله: { إنما يؤمن بآياتنا } القرآن { الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا } سجدوا لله تواضعا وخشوعا، وشكروا على ما رزقهم من الإسلام، { وسبحوا بحمد ربهم } أي: نزهوا الله عما لا يليق به، وأثنوا عليه حامدين له، { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان والسجود له. جعلنا الله منهم بمنه، آمين. الإشارة: أهل الفرق من أهل الحجاب، يتوفاهم ملك الموت، وأهل الجمع مع الله من أهل العيان يتولى قبض أرواحهم ذو الجلال الإكرام كما قيل في الأخفياء من الأولياء الذين اختص الله تعالى بعلمهم - أنه يتولى قبض أرواحهم بيده، فتطيب أجسادهم به فلا يعدوا عليها الثرى حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم، بالرجوع إليه من الفناء، فيكون بقلوبهم بقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. وقد ورد في الخبر " من واظب على قراءة آية الكرسي، دبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال الإكرام " يعني: من تدبر معناها. والمراد بذلك خطفتها بالتجلي، واستغراقها في الشهود، وغيبتها عن الغير في ذلك الوقت الهائل، فيغيب عن الواسطة في شهود الموسوط، مع وجود الواسطة لعموم الآية. والله تعالى أعلم. قال القشيري: لولا غفلة القلوب لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت لأن ملك الموت لا أثر منه في أحد، وما يحصل في التوفي فمن خصائص قدرة الحق، ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الرب، فخاطبهم على قدر أفهامهم، وعلق بالأغيار قلوبهم. وكل يخاطبه بما يحتمل على قدر قوته وضعفه. ه. وقال في قوله: { ولو ترى إذ المجرمون.... } الآية: ملكتهم الدهشة وغلبتهم الحجة، فاعترفوا، حين لا عذر، واعترفوا، حين لا اعتراف. ه. قوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها.. }. قال القشيري: لو شاء سهل سبيل الاستدلال، وأدام التوفيق لكل أحد، ولكن تعلقت المشيئة بإغواء قوم، وأردنا أن يكون للنار قطان، كما يكون للجنة سكان، لما علمنا يوم خلقناهما أنه ينزلهما قوم وقوم. فمن المحال أن نريد ارتفاع معلومنا، إذ لو لم يقع، ولم يحصل لم يكن علما. فإذا لا أكون إلها. ومن المحال أن أريد ذلك. ويقال: من يتسلط عليه من يحبه لم يجد في ملكه ما يكرهه. يا مسكين أفنيت عمرك في النكد والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء، غيرت صفتك، وأكثرت مجاهدتك، فما تفعل فيما مضى، كيف تبدله؟ وما تصنع في مشيئتي، وبأي وسع تردها؟ وأنشدوا: شكا إليك ما وجد من خانه فيك الجلد حيران، لو شئت، اهتدى ظمآن، لو شئت، ورد. ه. قوله تعالى: { إنما يؤمن... } الآية، خروا سجدا بظواهرهم في التراب، وبسرائرهم، بالخضوع لهيبة الكريم الوهاب، فسجود الجبهة وسيلة لسجود القلب، فإذا سجدت الجبهة وتكبر القلب على عباد الله، كانت وسيلة بلا غاية. وبالله التوفيق. ثم وصف أهل الخضوع وما أكرمهم به، فقال: { تتجافى جنوبهم... }

السجدة 32:15

يقول الحق جل جلاله: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } بقبض أرواحكم فتموتون،، { ثم إلى ربكم ترجعون } بالبعث للحساب والعقاب. وهذا معنى لقاء الله الذي أنكروه. والتوفي: استيفاء الروح، أي: أخذها، من قولك: توفيت حقي من فلان، إذا أخذته وافيا من غير نقصان. وعن مجاهد: زويت الأرض لملك الموت، وجعلت مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. وعن مقاتل والكلبي: بلغنا أن اسم ملك الموت " عزرائيل " وله أربعة أجنحة: جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والخلق بين رجليه ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض، وله الدنيا مثل راحة اليد، فهو يقبض أنفس الخلائق بمشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وعن معاذ بن جبل: أن لملك الموت حربة، تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الموتى، فما من أهل بيت إلا وهو يتصفحهم كل يوم مرتين - وفي حديث آخر، خمس مرات، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضربه بتلك الحربة. وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. فإن قيل: ما الجمع بين قوله: توفته رسلنا [الأنعام: 61] و توفاهم الملائكة [النساء: 97] و { قل يتوفاكم ملك الموت } وقوله: الله يتوفى الأنفس [الزمر: 42]؟ فالجواب: أن توفي الملائكة، القبض والنزع، وتوفي ملك الموت الدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها، ثم يذهبون بها إلى عليين، وقبض الحق تعالى: خلق الموت فيه: والحاصل: أن قبض الملك: المباشرة، وقبض الحق: الإخراج حقيقة. قال الورتجبي: قال الحسن: ملك الموت هو الموكل بأرواح بني آدم، وملك الفناء موكل بأرواح البهائم. فانظر فيه. وأما حديث ملكي الموت والحياة، فقال العراقي: لم أجد له أصلا. ويعني بملك الحياة: كون الأرواح أنفاس ملك الحياة كما في الإحياء. ومذهب أهل السنة قاطبة: أن ملك الموت هو الذي يقبض جميع الأرواح، من بني آدم والبهائم وسائر الحيوانات. وبه قال مالك وأشهب. وذهب قوم إلى أن أرواح البهائم وسائر الحيوانات إنما تقبض أرواحها أعوان ملك الموت. وذهب قوم إلى أن الموت في حق غير بني آدم، إنما هو عدم محض، كيبس الشجر وجفاف الثياب، فلا قبض لأرواحها وهو أعم من كونها تبعث أو: لا بأن تعاد عن عدم بخلاف المكلف فإن روحه لا تعدم، خلافا للملاحدة، فإنهم جعلوا الموت كله عدما محضا، كجفاف العود الأخضر، وهو كفر. هذا وقد اختلف في كون الموت ضد الحياة، فيكون معنى وجوديا، أو هو عدم الحياة، فيكون عدما، وعلى كلا القولين فالأرواح باقية بعد مفارقة الأبدان، منعمة أو معذبة. { ولو ترى } يا محمد { إذ المجرمون } وهو الذين قالوا: { أئذا ضللنا في الأرض... } إلخ، و " لو " و " إذ " للماضي، وإنما جاز هنا لأن المترقب محقق الوقوع، و " ترى " هنا، تامة لا مفعول لها، أي: لو وقعت منك رؤية { إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } أي: وقت كون المجرمين ناكسي رؤوسهم من الذل والحياء والندم، { عند ربهم } عند حساب ربهم، قائلين: { ربنا أبصرنا وسمعنا } أي: صدقنا الآن وعدك ووعيدك، وأبصرنا ما حدثتنا به الرسل، وسمعنا منك تصديق رسلك، { فارجعنا } إلى الدنيا { نعمل صالحا } من الإيمان والطاعة، { إنا موقنون } بالبعث والحساب الآن. وجواب " لو ": محذوف، أي: لرأيت أمرا فظيعا. { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: ما تهتدي به إلى الإيمان والطاعة، أي: لو شئنا لأعطيناه في الدنيا، كل نفس ما عندنا من اللطف الذي، لو كان منهم اختيار ذلك، لاهتدوا. لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره. وهو حجة على المعتزلة فإن عندهم: قد شاء الله أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها، لكنها لم تهتد وأولوا الآية بمشيئة الجبر، وهو فاسد. قال تعالى: { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ، أي: ولكن وجب القول مني لأعمرن جهنم من الجنة والناس، الذين علمت منهم أنهم يختارون الكفر والتكذيب. وفي تخصيص الجن والإنس: إشارة إلى أنه عصم الملائكة من عمل يستوجبون به جهنم. وفي الآية ما يقتضي تخصيص أهل النار بالجن والإنس، فيرد ما يذكر أنه كان قبل آدم أمم كفروا، ولا يصح ذلك، إلا أن يكونوا من الجن. { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } أي: باشروا وبال ترككم العمل للقاء يومكم هذا، وهو الإيمان به. { إنا نسيناكم }: تركناكم في العذاب، { وذوقوا عذاب الخلد } أي: العذاب الدائم الذي لا انقطاع له { بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي. ثم ذكر ضدهم بقوله: { إنما يؤمن بآياتنا } القرآن { الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا } سجدوا لله تواضعا وخشوعا، وشكروا على ما رزقهم من الإسلام، { وسبحوا بحمد ربهم } أي: نزهوا الله عما لا يليق به، وأثنوا عليه حامدين له، { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان والسجود له. جعلنا الله منهم بمنه، آمين. الإشارة: أهل الفرق من أهل الحجاب، يتوفاهم ملك الموت، وأهل الجمع مع الله من أهل العيان يتولى قبض أرواحهم ذو الجلال الإكرام كما قيل في الأخفياء من الأولياء الذين اختص الله تعالى بعلمهم - أنه يتولى قبض أرواحهم بيده، فتطيب أجسادهم به فلا يعدوا عليها الثرى حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم، بالرجوع إليه من الفناء، فيكون بقلوبهم بقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. وقد ورد في الخبر " من واظب على قراءة آية الكرسي، دبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال الإكرام " يعني: من تدبر معناها. والمراد بذلك خطفتها بالتجلي، واستغراقها في الشهود، وغيبتها عن الغير في ذلك الوقت الهائل، فيغيب عن الواسطة في شهود الموسوط، مع وجود الواسطة لعموم الآية. والله تعالى أعلم. قال القشيري: لولا غفلة القلوب لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت لأن ملك الموت لا أثر منه في أحد، وما يحصل في التوفي فمن خصائص قدرة الحق، ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الرب، فخاطبهم على قدر أفهامهم، وعلق بالأغيار قلوبهم. وكل يخاطبه بما يحتمل على قدر قوته وضعفه. ه. وقال في قوله: { ولو ترى إذ المجرمون.... } الآية: ملكتهم الدهشة وغلبتهم الحجة، فاعترفوا، حين لا عذر، واعترفوا، حين لا اعتراف. ه. قوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها.. }. قال القشيري: لو شاء سهل سبيل الاستدلال، وأدام التوفيق لكل أحد، ولكن تعلقت المشيئة بإغواء قوم، وأردنا أن يكون للنار قطان، كما يكون للجنة سكان، لما علمنا يوم خلقناهما أنه ينزلهما قوم وقوم. فمن المحال أن نريد ارتفاع معلومنا، إذ لو لم يقع، ولم يحصل لم يكن علما. فإذا لا أكون إلها. ومن المحال أن أريد ذلك. ويقال: من يتسلط عليه من يحبه لم يجد في ملكه ما يكرهه. يا مسكين أفنيت عمرك في النكد والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء، غيرت صفتك، وأكثرت مجاهدتك، فما تفعل فيما مضى، كيف تبدله؟ وما تصنع في مشيئتي، وبأي وسع تردها؟ وأنشدوا: شكا إليك ما وجد من خانه فيك الجلد حيران، لو شئت، اهتدى ظمآن، لو شئت، ورد. ه. قوله تعالى: { إنما يؤمن... } الآية، خروا سجدا بظواهرهم في التراب، وبسرائرهم، بالخضوع لهيبة الكريم الوهاب، فسجود الجبهة وسيلة لسجود القلب، فإذا سجدت الجبهة وتكبر القلب على عباد الله، كانت وسيلة بلا غاية. وبالله التوفيق. ثم وصف أهل الخضوع وما أكرمهم به، فقال: { تتجافى جنوبهم... }

السجدة 32:16

يقول الحق جل جلاله: { تتجافى } أي ترتفع وتتنحى { جنوبهم عن المضاجع } عن الفرش ومواضع النوم للصلاة والذكر. قال سهل: وهب لقوم هبة، وهو أن أذن لهم في مناجاته، وجعلهم من أهل وسيلته ثم مدحهم عليه فقال: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ، { يدعون } أي: داعين { ربهم خوفا } ، أي: لأجل خوفهم من سخطه { وطمعا } في رحمته، وهم المجتهدون أو المتفكرون في الليل. وسيأتي في الإشارة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها: " هو قيام العبد من الليل ". وعن ابن عطاء: أبت جنوبهم أن تسكن على بساط الغفلة، وطلبت بساط القربة، وعن أنس: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الأخيرة، فنزلت فيهم. وقال ابن عمر رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: " من عقب - أي: أحيا - ما بين المغرب والعشاء بني له في الجنة قصران مسيرة عام، وفيهما من الشجر ما لو نزلهما أهل المشرق والمغرب لأوسعهم فاكهة. وهي صلاة الأوابين وغفلة الغافلين. وإن من الدعاء المستجاب الذي لا يرد: الدعاء بين المغرب والعشاء " ه. وقيل: هم الذين يصلون العتمة، ولا ينامون عنها. { ومما رزقناهم ينفقون } في طاعة الله، يعني: أنهم جمعوا بين قيام الليل وسخاوة النفس. { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } أي: لا يعلم أحد ما أعد الله لهم من الكرامة، مما تقر به العين من نعيم الأشباح ونعيم الأرواح. وقرأ حمزة ويعقوب: " أخفى " على المضارع. { جزاء بما كانوا يعملون } ، وعن الحسن: في القوم أعمالهم في الدنيا فأخفى الله لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل ليكون الجزاء وفاقا. قاله النسفي. وفي حديث أسماء، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا جمع الله الأولين والآخرين، يوم القيامة، جاء مناد ينادي بصوت يسمعه الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع، اليوم، من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون، وهم قليل. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون، وهم قليل، يسرحون جميعا إلى الجنة. ثم يحاسب سائر الناس " وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: " يقول الله - عز وجل -: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " قال أبو هريرة: واقرؤوا، إن شئتم: { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين }. وقال في " البدور السافرة ": أخرج الترمذي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن في الجنة مائة درجة، لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم " ه. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الرحمن بن زياد أنه سمع عتبة بن عبيد، الضبي، يذكر عمن حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن في الجنة مائة درجة، بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أول درجة منها دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها، من فضة، والدرجة الثانية: دورها وبيوتها وسررها ومغاليقها من ذهب، والدرجة الثالثة: دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد. وسبع وتسعون درجة، لا يعلم ما هي إلا الله تعالى " ه. وقيل: المراد بقرة الأعين: النظر إلى وجه الله العظيم. قلت: قرة عين كل واحد: ما كان بغيته وهمته في الدنيا، فمن كانت همته القصور والحور، أعطاه ما تقر به عينه من ذلك، ومن كانت بغيته وهمته النظرة، أعطاه ما تقر به عينه من ذلك، على الدوام. قال أبو سليمان: شتان بين من همه القصور والحور، ومن همه الحضور ورفع الستور. جعلنا الله من خواصهم. آمين. الإشارة: قوم تتجافى جنوبهم عن المضاجع الحسية إلى العبادة الحسية، وهم العباد والزهاد من الصالحين، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من نعيم القصور، والحور، والولدان، وغير ذلك. وقوم تتجافى قلوبهم عن مضاجع نوم الغفلة إلى حال الانتباه واليقظة، وعن مضاجع الرغبة إلى حال العفة والحرية، ثم عن مضاجع الفرق، إلى حال الجمع، ثم من الجمع إلى جمع الجمع. فهؤلاء على صلاتهم دائمون، وفي حال نومهم عابدون، وعلى كل حال إلى ربهم سائرون، وفي معاريج بحر عرفانهم سائحون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهؤلاء من دوام النظرة، والعكوف في الحضرة، واتصال الحبرة. فعبادة هؤلاء قلبية، سرية خفية عن الكرام الكاتبين، بين فكرة وشهود، وعبرة واستبصار، الذرة منها تعدل أمثال الجبال من أعمال الجوارح، وقد ورد: تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة. هذا تفكر الاعتبار، وأما تفكر الشهود والاستبصار، فكل ساعة، أفضل من ألف سنة، كما قال الشاعر: كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه أي: سنة، ومع هذا لا يخلون أوقاتهم من العبادة الحسية، شكرا، وقياما بآداب العبودية، وهي في حقهم كمال، كما قال الجنيد: عبادة العارفين تاج على الرؤوس. ه. وفي مثل هؤلاء ورد الخبر: " إن أهل الجنة بينما هم في نعيمهم، إذ سطع عليهم نور من فوق، أضاءت منه منازلهم، كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، فنظروا إلى رجال من فوقهم، أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء، وقد فضلوا عليهم في الأنوار والنعم، كما فضل القمر على سائر النجم، فينظرون إليهم، يطيرون على نجب، تسرح بهم في الهواء، يزورون ذا الجلال الإكرام، فينادون هؤلاء: يا أخواننا، ما أنصفتمونا، كنا نصلي كما تصلون، ونصوم كما تصومون، فما هذا الذي فضلتمونا به؟ فإذا النداء من قبل الله تعالى: كانوا يجوعون حين تشبعون، ويعطشون حين تروون، ويعرون حين تكسون، ويذكرون حين تسكتون، ويبكون حين تضحكون، ويقومون حين تنامون، ويخافون حين تأمنون، فلذلك فضلوا عليكم اليوم " فذلك قوله تعالى: " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ". ه. قال القشيري: تتجافى جنوبهم عن المضاجع، في الظاهر، عن الفراش، قياما بحق العبادة والجهد والتهجد، وفي الباطن: بتباعد قلوبهم عن مضاجعات الأحوال، ورؤية قدر النفس، وتوهم المقام لأن ذلك بجملته، حجاب عن الحقيقة، وهو للعبد سم قاتل، فلا يساكنون أعمالهم، ولا يلاحظون أحوالهم، ويفارقون مآلفهم، ويهجرون معارفهم. والليل زمان الأحباب، قال الله تعالى: لتسكنوا فيه [القصص:73] يعني: عن كل شغل وحديث سوى حديث معبودكم ومحبوبكم، والنهار زمان أهل الدنيا. قال الله تعالى: وجعلنا النهار معاشا [النبأ:11].. انظر بقية كلامه. ثم بين أن من كان في نور الطاعة والاحسان ليس كمن كان في ظلمة الكفر والعصيان، فقال: { أفمن كان مؤمنا كمن... }

السجدة 32:17

يقول الحق جل جلاله: { تتجافى } أي ترتفع وتتنحى { جنوبهم عن المضاجع } عن الفرش ومواضع النوم للصلاة والذكر. قال سهل: وهب لقوم هبة، وهو أن أذن لهم في مناجاته، وجعلهم من أهل وسيلته ثم مدحهم عليه فقال: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ، { يدعون } أي: داعين { ربهم خوفا } ، أي: لأجل خوفهم من سخطه { وطمعا } في رحمته، وهم المجتهدون أو المتفكرون في الليل. وسيأتي في الإشارة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها: " هو قيام العبد من الليل ". وعن ابن عطاء: أبت جنوبهم أن تسكن على بساط الغفلة، وطلبت بساط القربة، وعن أنس: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الأخيرة، فنزلت فيهم. وقال ابن عمر رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: " من عقب - أي: أحيا - ما بين المغرب والعشاء بني له في الجنة قصران مسيرة عام، وفيهما من الشجر ما لو نزلهما أهل المشرق والمغرب لأوسعهم فاكهة. وهي صلاة الأوابين وغفلة الغافلين. وإن من الدعاء المستجاب الذي لا يرد: الدعاء بين المغرب والعشاء " ه. وقيل: هم الذين يصلون العتمة، ولا ينامون عنها. { ومما رزقناهم ينفقون } في طاعة الله، يعني: أنهم جمعوا بين قيام الليل وسخاوة النفس. { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } أي: لا يعلم أحد ما أعد الله لهم من الكرامة، مما تقر به العين من نعيم الأشباح ونعيم الأرواح. وقرأ حمزة ويعقوب: " أخفى " على المضارع. { جزاء بما كانوا يعملون } ، وعن الحسن: في القوم أعمالهم في الدنيا فأخفى الله لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل ليكون الجزاء وفاقا. قاله النسفي. وفي حديث أسماء، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا جمع الله الأولين والآخرين، يوم القيامة، جاء مناد ينادي بصوت يسمعه الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع، اليوم، من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون، وهم قليل. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون، وهم قليل، يسرحون جميعا إلى الجنة. ثم يحاسب سائر الناس " وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: " يقول الله - عز وجل -: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " قال أبو هريرة: واقرؤوا، إن شئتم: { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين }. وقال في " البدور السافرة ": أخرج الترمذي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن في الجنة مائة درجة، لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم " ه. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الرحمن بن زياد أنه سمع عتبة بن عبيد، الضبي، يذكر عمن حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن في الجنة مائة درجة، بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أول درجة منها دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها، من فضة، والدرجة الثانية: دورها وبيوتها وسررها ومغاليقها من ذهب، والدرجة الثالثة: دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد. وسبع وتسعون درجة، لا يعلم ما هي إلا الله تعالى " ه. وقيل: المراد بقرة الأعين: النظر إلى وجه الله العظيم. قلت: قرة عين كل واحد: ما كان بغيته وهمته في الدنيا، فمن كانت همته القصور والحور، أعطاه ما تقر به عينه من ذلك، ومن كانت بغيته وهمته النظرة، أعطاه ما تقر به عينه من ذلك، على الدوام. قال أبو سليمان: شتان بين من همه القصور والحور، ومن همه الحضور ورفع الستور. جعلنا الله من خواصهم. آمين. الإشارة: قوم تتجافى جنوبهم عن المضاجع الحسية إلى العبادة الحسية، وهم العباد والزهاد من الصالحين، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من نعيم القصور، والحور، والولدان، وغير ذلك. وقوم تتجافى قلوبهم عن مضاجع نوم الغفلة إلى حال الانتباه واليقظة، وعن مضاجع الرغبة إلى حال العفة والحرية، ثم عن مضاجع الفرق، إلى حال الجمع، ثم من الجمع إلى جمع الجمع. فهؤلاء على صلاتهم دائمون، وفي حال نومهم عابدون، وعلى كل حال إلى ربهم سائرون، وفي معاريج بحر عرفانهم سائحون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهؤلاء من دوام النظرة، والعكوف في الحضرة، واتصال الحبرة. فعبادة هؤلاء قلبية، سرية خفية عن الكرام الكاتبين، بين فكرة وشهود، وعبرة واستبصار، الذرة منها تعدل أمثال الجبال من أعمال الجوارح، وقد ورد: تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة. هذا تفكر الاعتبار، وأما تفكر الشهود والاستبصار، فكل ساعة، أفضل من ألف سنة، كما قال الشاعر: كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه أي: سنة، ومع هذا لا يخلون أوقاتهم من العبادة الحسية، شكرا، وقياما بآداب العبودية، وهي في حقهم كمال، كما قال الجنيد: عبادة العارفين تاج على الرؤوس. ه. وفي مثل هؤلاء ورد الخبر: " إن أهل الجنة بينما هم في نعيمهم، إذ سطع عليهم نور من فوق، أضاءت منه منازلهم، كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، فنظروا إلى رجال من فوقهم، أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء، وقد فضلوا عليهم في الأنوار والنعم، كما فضل القمر على سائر النجم، فينظرون إليهم، يطيرون على نجب، تسرح بهم في الهواء، يزورون ذا الجلال الإكرام، فينادون هؤلاء: يا أخواننا، ما أنصفتمونا، كنا نصلي كما تصلون، ونصوم كما تصومون، فما هذا الذي فضلتمونا به؟ فإذا النداء من قبل الله تعالى: كانوا يجوعون حين تشبعون، ويعطشون حين تروون، ويعرون حين تكسون، ويذكرون حين تسكتون، ويبكون حين تضحكون، ويقومون حين تنامون، ويخافون حين تأمنون، فلذلك فضلوا عليكم اليوم " فذلك قوله تعالى: " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ". ه. قال القشيري: تتجافى جنوبهم عن المضاجع، في الظاهر، عن الفراش، قياما بحق العبادة والجهد والتهجد، وفي الباطن: بتباعد قلوبهم عن مضاجعات الأحوال، ورؤية قدر النفس، وتوهم المقام لأن ذلك بجملته، حجاب عن الحقيقة، وهو للعبد سم قاتل، فلا يساكنون أعمالهم، ولا يلاحظون أحوالهم، ويفارقون مآلفهم، ويهجرون معارفهم. والليل زمان الأحباب، قال الله تعالى: لتسكنوا فيه [القصص:73] يعني: عن كل شغل وحديث سوى حديث معبودكم ومحبوبكم، والنهار زمان أهل الدنيا. قال الله تعالى: وجعلنا النهار معاشا [النبأ:11].. انظر بقية كلامه. ثم بين أن من كان في نور الطاعة والاحسان ليس كمن كان في ظلمة الكفر والعصيان، فقال: { أفمن كان مؤمنا كمن... }

السجدة 32:18

يقول الحق جل جلاله: { أفمن كان مؤمنا } بالله ورسله { كمن كان فاسقا } خارجا عن الإيمان { لا يستوون } أبدا عند الله تعالى. وأفرد أولا مراعاة للفظ " من " ، وجمع ثانيا مراعاة لمعناها. ثم فصل حالهم بقوله: { أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى } أي: المسكن الحقيقي، وأما الدنيا، فإنها منزل انتقال وارتحال، لا محالة، وقيل: المأوى: جنة من الجنان. قال ابن عطية سميت جنة المأوى لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها. ه. أي: في الدنيا لأنها في حواصل طير خضر، كما ورد في الشهداء، وأما الصديقون فإنها تشكل على صور أجسادها، تسرح حيث شاءت. { نزلا بما كانوا يعملون } أي: عطاء معجلا بأعمالهم. والنزل: ما يقدم للنازل، ثم صار عاما. { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار } أي: هي ملجأهم ومنزلهم، { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ، فلا خروج منها، ولا موت، { وقيل } لهم: { ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } ، هذا دليل على أن المراد بالفاسق: الكافر إذ التكذيب يقابل الإيمان. قال ابن جزي: فإن قيل: لم وصف، هنا، العذاب، وأعاد عليه الضمير، ووصف، في سبأ، النار وأعاد عليها الضمير، فقال: عذاب النار التي كنتم بها تكذبون [سبأ:42]؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه خص العذاب في السجدة بالوصف اعتناء به لما تكرر ذكره في قوله: { لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر.. } ، الثاني: أنه تقدم في السجدة ذكر النار، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ المضمر، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر، فكما لا يوصف المضمر لم يوصف ما قام مقامه، وهو النار، فوصف العذاب، ولم يصف النار، الثالث - وهو الأقوى: أنه امتنع في السجدة وصف النار، فوصف العذاب، وإنما امتنع وصفها لتقدم ذكرها، فإنك إذا ذكرت شيئا ثم كررت ذكره لم يجز وصفه، كقولك: رأيت رجلا فأكرمت الرجل. فلا يجوز وصفه لما يوهم أنه غيره. ه. الإشارة: أفمن كان مصدقا بطريق الخصوص، داخلا فيها، شاربا من خمرتها، كمن كان فاسقا خارجا عنها، مشتغلا بنفسه، غريقا في هواه، لا يستوون أبدا. أما الذين آمنوا بها، وصدقوا أهلها، ودخلوا في تربيتهم، فلهم جنات المعارف، هي مأواهم ومعشش قلوبهم، إليها يأوون، وفيها يسكنون، وأما الذين فسقوا وخرجوا عن تربيتهم، فمأواهم نار القطيعة، وعذاب الحرص، وغم الحجاب، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها إذ لا خروج منها إلا بصحبة أهلها. وقيل لهم: ذوقوا وبال الإنكار، وحرمان الخصوصية، التي كنتم بها تكذبون. قال القشيري: هذا ما يلقون يوم القيامة، ثم ذكر ما يعجل لهم في الدنيا، فقال: { ولنذيقنهم من العذاب... }

السجدة 32:19

يقول الحق جل جلاله: { أفمن كان مؤمنا } بالله ورسله { كمن كان فاسقا } خارجا عن الإيمان { لا يستوون } أبدا عند الله تعالى. وأفرد أولا مراعاة للفظ " من " ، وجمع ثانيا مراعاة لمعناها. ثم فصل حالهم بقوله: { أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى } أي: المسكن الحقيقي، وأما الدنيا، فإنها منزل انتقال وارتحال، لا محالة، وقيل: المأوى: جنة من الجنان. قال ابن عطية سميت جنة المأوى لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها. ه. أي: في الدنيا لأنها في حواصل طير خضر، كما ورد في الشهداء، وأما الصديقون فإنها تشكل على صور أجسادها، تسرح حيث شاءت. { نزلا بما كانوا يعملون } أي: عطاء معجلا بأعمالهم. والنزل: ما يقدم للنازل، ثم صار عاما. { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار } أي: هي ملجأهم ومنزلهم، { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ، فلا خروج منها، ولا موت، { وقيل } لهم: { ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } ، هذا دليل على أن المراد بالفاسق: الكافر إذ التكذيب يقابل الإيمان. قال ابن جزي: فإن قيل: لم وصف، هنا، العذاب، وأعاد عليه الضمير، ووصف، في سبأ، النار وأعاد عليها الضمير، فقال: عذاب النار التي كنتم بها تكذبون [سبأ:42]؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه خص العذاب في السجدة بالوصف اعتناء به لما تكرر ذكره في قوله: { لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر.. } ، الثاني: أنه تقدم في السجدة ذكر النار، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ المضمر، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر، فكما لا يوصف المضمر لم يوصف ما قام مقامه، وهو النار، فوصف العذاب، ولم يصف النار، الثالث - وهو الأقوى: أنه امتنع في السجدة وصف النار، فوصف العذاب، وإنما امتنع وصفها لتقدم ذكرها، فإنك إذا ذكرت شيئا ثم كررت ذكره لم يجز وصفه، كقولك: رأيت رجلا فأكرمت الرجل. فلا يجوز وصفه لما يوهم أنه غيره. ه. الإشارة: أفمن كان مصدقا بطريق الخصوص، داخلا فيها، شاربا من خمرتها، كمن كان فاسقا خارجا عنها، مشتغلا بنفسه، غريقا في هواه، لا يستوون أبدا. أما الذين آمنوا بها، وصدقوا أهلها، ودخلوا في تربيتهم، فلهم جنات المعارف، هي مأواهم ومعشش قلوبهم، إليها يأوون، وفيها يسكنون، وأما الذين فسقوا وخرجوا عن تربيتهم، فمأواهم نار القطيعة، وعذاب الحرص، وغم الحجاب، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها إذ لا خروج منها إلا بصحبة أهلها. وقيل لهم: ذوقوا وبال الإنكار، وحرمان الخصوصية، التي كنتم بها تكذبون. قال القشيري: هذا ما يلقون يوم القيامة، ثم ذكر ما يعجل لهم في الدنيا، فقال: { ولنذيقنهم من العذاب... }

السجدة 32:20

يقول الحق جل جلاله: { أفمن كان مؤمنا } بالله ورسله { كمن كان فاسقا } خارجا عن الإيمان { لا يستوون } أبدا عند الله تعالى. وأفرد أولا مراعاة للفظ " من " ، وجمع ثانيا مراعاة لمعناها. ثم فصل حالهم بقوله: { أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى } أي: المسكن الحقيقي، وأما الدنيا، فإنها منزل انتقال وارتحال، لا محالة، وقيل: المأوى: جنة من الجنان. قال ابن عطية سميت جنة المأوى لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها. ه. أي: في الدنيا لأنها في حواصل طير خضر، كما ورد في الشهداء، وأما الصديقون فإنها تشكل على صور أجسادها، تسرح حيث شاءت. { نزلا بما كانوا يعملون } أي: عطاء معجلا بأعمالهم. والنزل: ما يقدم للنازل، ثم صار عاما. { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار } أي: هي ملجأهم ومنزلهم، { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ، فلا خروج منها، ولا موت، { وقيل } لهم: { ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } ، هذا دليل على أن المراد بالفاسق: الكافر إذ التكذيب يقابل الإيمان. قال ابن جزي: فإن قيل: لم وصف، هنا، العذاب، وأعاد عليه الضمير، ووصف، في سبأ، النار وأعاد عليها الضمير، فقال: عذاب النار التي كنتم بها تكذبون [سبأ:42]؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه خص العذاب في السجدة بالوصف اعتناء به لما تكرر ذكره في قوله: { لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر.. } ، الثاني: أنه تقدم في السجدة ذكر النار، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ المضمر، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر، فكما لا يوصف المضمر لم يوصف ما قام مقامه، وهو النار، فوصف العذاب، ولم يصف النار، الثالث - وهو الأقوى: أنه امتنع في السجدة وصف النار، فوصف العذاب، وإنما امتنع وصفها لتقدم ذكرها، فإنك إذا ذكرت شيئا ثم كررت ذكره لم يجز وصفه، كقولك: رأيت رجلا فأكرمت الرجل. فلا يجوز وصفه لما يوهم أنه غيره. ه. الإشارة: أفمن كان مصدقا بطريق الخصوص، داخلا فيها، شاربا من خمرتها، كمن كان فاسقا خارجا عنها، مشتغلا بنفسه، غريقا في هواه، لا يستوون أبدا. أما الذين آمنوا بها، وصدقوا أهلها، ودخلوا في تربيتهم، فلهم جنات المعارف، هي مأواهم ومعشش قلوبهم، إليها يأوون، وفيها يسكنون، وأما الذين فسقوا وخرجوا عن تربيتهم، فمأواهم نار القطيعة، وعذاب الحرص، وغم الحجاب، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها إذ لا خروج منها إلا بصحبة أهلها. وقيل لهم: ذوقوا وبال الإنكار، وحرمان الخصوصية، التي كنتم بها تكذبون. قال القشيري: هذا ما يلقون يوم القيامة، ثم ذكر ما يعجل لهم في الدنيا، فقال: { ولنذيقنهم من العذاب... }

السجدة 32:21

يقول الحق جل جلاله: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } أي: عذاب الدنيا من القتل، والأسر في بدر، أو ما محنوا به من السنة، سبع سنين. { دون العذاب الأكبر } أي: قبل عذاب الآخرة، الذي هو أكبر، وهو الخلود في النار. وعن الداراني: العذاب الأدنى: الخذلان، والعذاب الأكبر: الخلود في النيران. وقيل: الأدنى: عذاب القبر، والأكبر: النار. { لعلهم يرجعون } يتوبون عن الكفر. { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن ذكر } أي: وعظ { بآيات ربه } القرآن، { ثم أعرض عنها } اي: تولى عنها، ولم يتدبر في معناها. و " ثم " للاستبعاد فإن الإعراض عن مثل هذه في ظهورها، وإنارتها، وإرشادها إلى سواء السبيل، والفوز بالسعادة العظمى، بعد التذكر بها، مستبعد في العقل، كما تقول لصاحبك: وجدت تلك الفرصة ثم لم تنتهزها - استبعادا لتركه الانتهاز. { إنا من المجرمين منتقمون } ، ولم يقل: " منه " ، تسجيلا عليه بإعراضه بالإجرام، ولأنه إذا جعله أظلم من كل ظالم، ثم توعد المجرمين، عامة، بالانتقام، دل على إصابة الأظلم أوفر نصيب الانتقام، ولو قال بالضمير لم يفد هذه الفائدة. الإشارة: ولنذيقن أهل الغفلة والحجاب، من العذاب الأدنى، وهو الحرص والطمع والجزع والهلع، قبل العذاب الأكبر، وهو غم الحاجب وسوء الحساب. قال القشيري: قوم: الأدنى لهم: محن الدنيا، والأكبر: عقوبة العقبى. وقوم: الأدنى لهم: فترة تداخلهم في عبادتهم والأكبر: قسوة تصيبهم في قلوبهم. وقوم: الأدنى لهم: وقفة مع سلوكهم تمسهم. والأكبر: حجبة عن مشاهدتهم بسرهم - قلت: الأول في حق العوام، والثاني: في حق الخواص، وهم العباد والزهاد. والثالث: في حق أهل التربية من الواصلين - ثم قال: ويقال: الأدنى: الخذلان في الزلة، والأكبر: الهجران في الوصلة. ويقال: الأدنى: تكدر مشاربهم، بعد صفوها، والأكبر: تطاول أيام الحجب، من غير تبيين آخرها. وأنشدوا: تطاول بعدنا، يا قوم، حتى لقد نسجت عليه العنكبوت ه. ببعض المعنى. أذقناهم ذلك لعلهم يرجعون إلى الله، في الدنيا بالتوبة واليقظة. فإن جاء من يذكرهم بالله من الداعين إلى الله، ثم أعرضوا عنه، فلا أحد أظلم منهم، ولا أعظم جرما. إنا من المجرمين منتقمون. ولما قرر الأصول الثلاثة، الرسالة، وبدء الخلق، والمعاد، عاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة، فقال: { ولقد آتينا موسى الكتاب... }

السجدة 32:22

يقول الحق جل جلاله: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } أي: عذاب الدنيا من القتل، والأسر في بدر، أو ما محنوا به من السنة، سبع سنين. { دون العذاب الأكبر } أي: قبل عذاب الآخرة، الذي هو أكبر، وهو الخلود في النار. وعن الداراني: العذاب الأدنى: الخذلان، والعذاب الأكبر: الخلود في النيران. وقيل: الأدنى: عذاب القبر، والأكبر: النار. { لعلهم يرجعون } يتوبون عن الكفر. { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن ذكر } أي: وعظ { بآيات ربه } القرآن، { ثم أعرض عنها } اي: تولى عنها، ولم يتدبر في معناها. و " ثم " للاستبعاد فإن الإعراض عن مثل هذه في ظهورها، وإنارتها، وإرشادها إلى سواء السبيل، والفوز بالسعادة العظمى، بعد التذكر بها، مستبعد في العقل، كما تقول لصاحبك: وجدت تلك الفرصة ثم لم تنتهزها - استبعادا لتركه الانتهاز. { إنا من المجرمين منتقمون } ، ولم يقل: " منه " ، تسجيلا عليه بإعراضه بالإجرام، ولأنه إذا جعله أظلم من كل ظالم، ثم توعد المجرمين، عامة، بالانتقام، دل على إصابة الأظلم أوفر نصيب الانتقام، ولو قال بالضمير لم يفد هذه الفائدة. الإشارة: ولنذيقن أهل الغفلة والحجاب، من العذاب الأدنى، وهو الحرص والطمع والجزع والهلع، قبل العذاب الأكبر، وهو غم الحاجب وسوء الحساب. قال القشيري: قوم: الأدنى لهم: محن الدنيا، والأكبر: عقوبة العقبى. وقوم: الأدنى لهم: فترة تداخلهم في عبادتهم والأكبر: قسوة تصيبهم في قلوبهم. وقوم: الأدنى لهم: وقفة مع سلوكهم تمسهم. والأكبر: حجبة عن مشاهدتهم بسرهم - قلت: الأول في حق العوام، والثاني: في حق الخواص، وهم العباد والزهاد. والثالث: في حق أهل التربية من الواصلين - ثم قال: ويقال: الأدنى: الخذلان في الزلة، والأكبر: الهجران في الوصلة. ويقال: الأدنى: تكدر مشاربهم، بعد صفوها، والأكبر: تطاول أيام الحجب، من غير تبيين آخرها. وأنشدوا: تطاول بعدنا، يا قوم، حتى لقد نسجت عليه العنكبوت ه. ببعض المعنى. أذقناهم ذلك لعلهم يرجعون إلى الله، في الدنيا بالتوبة واليقظة. فإن جاء من يذكرهم بالله من الداعين إلى الله، ثم أعرضوا عنه، فلا أحد أظلم منهم، ولا أعظم جرما. إنا من المجرمين منتقمون. ولما قرر الأصول الثلاثة، الرسالة، وبدء الخلق، والمعاد، عاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة، فقال: { ولقد آتينا موسى الكتاب... }

السجدة 32:23

يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى الكتاب } التوراة { فلا تكن في مرية } شك { من لقائه } من لقاء موسى الكتاب، أو: من لقائك موسى ليلة المعراج، أو: يوم القيامة، أو: من لقاء موسى ربه في الآخرة، كذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } وجعلنا الكتاب المنزل على موسى عليه السلام هدى لقومه { وجعلنا منهم أئمة يهدون } الناس، ويدعون إلى الله وإلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه، { بأمرنا } إياهم بذلك، أو بتوفيقنا وهدايتنا لمن أردنا هدايته على أيديهم، { لما صبروا } على مشاق تعليم العلم والعمل به. أو: على طاعة الله وترك معصيته. وقرأ الأخوان: بكسر اللام، أي: لصبرهم عن الدنيا والزهد فيها. وفيه دليل على أن الصبر ثمرته إمامة الناس والتقدم في الخير. { وكانوا بآياتنا } التوراة { يوقنون } يعلمون علما لا يخالجه شك ولا وهم لإمعانهم النظر فيها، أو هبة من الله تعالى: { إن ربك هو يفصل } يقضي { بينهم يوم القيامة } أي: بين الأنبياء وأممهم، أو: بين المؤمنين والمشركين، { فيما كانوا فيه يختلفون } من الدين، فيظنه المحق من المبطل. الإشارة: أئمة الهدى على قسمين: أئمة يهدون إلى شرائع الدين، وأئمة يهدون إلى التعرف بذات رب العالمين، أئمة يهدون إلى معرفة البرهان وأئمة يهدون إلى معرفة العيان. الأولون: من عامة أهل اليمين، والآخرون: من خاصة المقربين. الأولون صبروا على حبس النفس على ذل التعلم، والآخرون صبروا على حبس النفس على الحضور مع الحق على الدوام. صبروا على مجاهدة النفوس، حتى وردوا حضرة القدوس. قال القشيري، في شأن القسم الثاني: لما صبروا على طلبنا سعدوا بوجودنا، وتعدى ما نالوا من أفضالنا إلى متبعيهم وانبسط شعاع شموسهم على جميع أهليهم، فهم للخلق هداة، وفي الدين عيون، وللمسترشدين نجوم. ه. وفي الإحياء: للإيمان ركنان: أحدهما اليقين، والآخر: الصبر: والمراد باليقين: المعارف القطعية، الحاصلة بهداية الله عبده إلى أصول الدين، والمراد بالصبر، العمل بمقتضى اليقين إذ النفس تعرف أن المعصية ضارة والطاعة نافعة. ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر. فيكون الصبر نصف الإيمان لهذا الاعتبار. ه. وقوله تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم.. } قال القشيري: يحكم بينهم، فيبين المقبول من المردود، والمهجور من الموصول، والرضي من الغوي، والعدو من الولي. فكم من بهجة دامت هناك! وكم من مهجة ذابت كذلك. ه. ثم ذكرهم بمن سلف قبلهم، فقال: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم... }

السجدة 32:24

يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى الكتاب } التوراة { فلا تكن في مرية } شك { من لقائه } من لقاء موسى الكتاب، أو: من لقائك موسى ليلة المعراج، أو: يوم القيامة، أو: من لقاء موسى ربه في الآخرة، كذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } وجعلنا الكتاب المنزل على موسى عليه السلام هدى لقومه { وجعلنا منهم أئمة يهدون } الناس، ويدعون إلى الله وإلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه، { بأمرنا } إياهم بذلك، أو بتوفيقنا وهدايتنا لمن أردنا هدايته على أيديهم، { لما صبروا } على مشاق تعليم العلم والعمل به. أو: على طاعة الله وترك معصيته. وقرأ الأخوان: بكسر اللام، أي: لصبرهم عن الدنيا والزهد فيها. وفيه دليل على أن الصبر ثمرته إمامة الناس والتقدم في الخير. { وكانوا بآياتنا } التوراة { يوقنون } يعلمون علما لا يخالجه شك ولا وهم لإمعانهم النظر فيها، أو هبة من الله تعالى: { إن ربك هو يفصل } يقضي { بينهم يوم القيامة } أي: بين الأنبياء وأممهم، أو: بين المؤمنين والمشركين، { فيما كانوا فيه يختلفون } من الدين، فيظنه المحق من المبطل. الإشارة: أئمة الهدى على قسمين: أئمة يهدون إلى شرائع الدين، وأئمة يهدون إلى التعرف بذات رب العالمين، أئمة يهدون إلى معرفة البرهان وأئمة يهدون إلى معرفة العيان. الأولون: من عامة أهل اليمين، والآخرون: من خاصة المقربين. الأولون صبروا على حبس النفس على ذل التعلم، والآخرون صبروا على حبس النفس على الحضور مع الحق على الدوام. صبروا على مجاهدة النفوس، حتى وردوا حضرة القدوس. قال القشيري، في شأن القسم الثاني: لما صبروا على طلبنا سعدوا بوجودنا، وتعدى ما نالوا من أفضالنا إلى متبعيهم وانبسط شعاع شموسهم على جميع أهليهم، فهم للخلق هداة، وفي الدين عيون، وللمسترشدين نجوم. ه. وفي الإحياء: للإيمان ركنان: أحدهما اليقين، والآخر: الصبر: والمراد باليقين: المعارف القطعية، الحاصلة بهداية الله عبده إلى أصول الدين، والمراد بالصبر، العمل بمقتضى اليقين إذ النفس تعرف أن المعصية ضارة والطاعة نافعة. ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر. فيكون الصبر نصف الإيمان لهذا الاعتبار. ه. وقوله تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم.. } قال القشيري: يحكم بينهم، فيبين المقبول من المردود، والمهجور من الموصول، والرضي من الغوي، والعدو من الولي. فكم من بهجة دامت هناك! وكم من مهجة ذابت كذلك. ه. ثم ذكرهم بمن سلف قبلهم، فقال: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم... }

السجدة 32:25

يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى الكتاب } التوراة { فلا تكن في مرية } شك { من لقائه } من لقاء موسى الكتاب، أو: من لقائك موسى ليلة المعراج، أو: يوم القيامة، أو: من لقاء موسى ربه في الآخرة، كذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } وجعلنا الكتاب المنزل على موسى عليه السلام هدى لقومه { وجعلنا منهم أئمة يهدون } الناس، ويدعون إلى الله وإلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه، { بأمرنا } إياهم بذلك، أو بتوفيقنا وهدايتنا لمن أردنا هدايته على أيديهم، { لما صبروا } على مشاق تعليم العلم والعمل به. أو: على طاعة الله وترك معصيته. وقرأ الأخوان: بكسر اللام، أي: لصبرهم عن الدنيا والزهد فيها. وفيه دليل على أن الصبر ثمرته إمامة الناس والتقدم في الخير. { وكانوا بآياتنا } التوراة { يوقنون } يعلمون علما لا يخالجه شك ولا وهم لإمعانهم النظر فيها، أو هبة من الله تعالى: { إن ربك هو يفصل } يقضي { بينهم يوم القيامة } أي: بين الأنبياء وأممهم، أو: بين المؤمنين والمشركين، { فيما كانوا فيه يختلفون } من الدين، فيظنه المحق من المبطل. الإشارة: أئمة الهدى على قسمين: أئمة يهدون إلى شرائع الدين، وأئمة يهدون إلى التعرف بذات رب العالمين، أئمة يهدون إلى معرفة البرهان وأئمة يهدون إلى معرفة العيان. الأولون: من عامة أهل اليمين، والآخرون: من خاصة المقربين. الأولون صبروا على حبس النفس على ذل التعلم، والآخرون صبروا على حبس النفس على الحضور مع الحق على الدوام. صبروا على مجاهدة النفوس، حتى وردوا حضرة القدوس. قال القشيري، في شأن القسم الثاني: لما صبروا على طلبنا سعدوا بوجودنا، وتعدى ما نالوا من أفضالنا إلى متبعيهم وانبسط شعاع شموسهم على جميع أهليهم، فهم للخلق هداة، وفي الدين عيون، وللمسترشدين نجوم. ه. وفي الإحياء: للإيمان ركنان: أحدهما اليقين، والآخر: الصبر: والمراد باليقين: المعارف القطعية، الحاصلة بهداية الله عبده إلى أصول الدين، والمراد بالصبر، العمل بمقتضى اليقين إذ النفس تعرف أن المعصية ضارة والطاعة نافعة. ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر. فيكون الصبر نصف الإيمان لهذا الاعتبار. ه. وقوله تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم.. } قال القشيري: يحكم بينهم، فيبين المقبول من المردود، والمهجور من الموصول، والرضي من الغوي، والعدو من الولي. فكم من بهجة دامت هناك! وكم من مهجة ذابت كذلك. ه. ثم ذكرهم بمن سلف قبلهم، فقال: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم... }

السجدة 32:26

قلت: فاعل " يهد ": هو الله، بدليل قراءة زيد عن يعقوب " نهد " بالنون، ولا يجوز أن يكون الفاعل، " كم " لأن الاستفهام له صدر الكلام، فلا يعمل فيه بما قبله. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يهد لهم } أي: يبين لهم الله تعالى ما يعتبرون به، فينظروا { كم أهلكنا من قبلهم من القرون } كعاد وثمود، وقوم لوط، { يمشون } يعني: قريشا، { في مساكنهم } حين يمرون على ديارهم، ومنازلهم، خاوية، في متاجرهم إلى الشام، { إن في ذلك لآيات } دالة على قدرتنا، وقهريتنا { أفلا يسمعون } المواعظ، فيتعظون بها؟. الإشارة: قال القشيري: لم يعتبروا بمنازل أقوام كانوا في حبرة، فصاروا في عبرة كانوا في سرور، فآلوا إلى ثبور، فجميع ديارهم وتراثهم صارت لأغيارهم، وصنوف أموالهم عادت إلى أشكالهم، سكنوا في ظلالهم، ولم يعتبروا بمن مضى من أمثالهم، وفي مثلهم قيل: نعم، كانت على قو م زمانا، ثم فاتت، هكذا النعمة والإح سان قد كانت وكانت. ثم ذكرهم بآثار قدرته، فقال: { أولم يروا أنا نسوق... }.

السجدة 32:27

يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا أنا نسوق الماء }: المطر { إلى أرض الجرز } أي: التي جرز نباتها، أي: قطع، ولم يبق منه شيء إما لعدم الماء، أو لأنه رعي. يقال: جرزت الجراد الزرع إذ استأصلته، وفي القاموس: وأرض جرز: لا تنبت، أو أكل نباتها، أو لم يصبها مطر. ثم قال: وأرض جارزة: يابسة غليظة، وفيه أربع لغات: جرز وجرز وجرز وجرز. ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جرز، بدليل قوله: { فنخرج به } أي: بالماء، { زرعا تأكل منه } أي: الزرع، { أنعامهم } كالتبن والورق، { وأنفسهم } كالحب والتمر، المراد بالزرع: كل ما يزرع ويستنبت، أفلا يبصرون، فيستدولون به على قدرته على إحياء الموتى؟. { ويقولون متى هذا الفتح } أي: النصر، أو الفصل بالحكومة من قوله ربنا افتح بيننا [الأعراف: 89]. وكان المسلمون يقولون: إن الله سيفتح لنا على المشركين، أو يفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون، قالوا: متى هذا الفتح؟ أي: في أي وقت يكون { إن كنتم صادقين } في أنه كائن؟. { قل يوم الفتح } أي: يوم القيامة هو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم. أو: يوم نصرهم عليهم. أو: يوم بدر، أو يوم فتح مكة، { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم } لفوات محله، الذي هو الإيمان بالغيب، { ولا هم ينظرون } يمهلون، وهذا الكلام لم ينطبق جوابا عن سؤالهم ظاهرا، ولكن لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم، على وجه التكذيب والاستهزاء، أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم من سؤالهم، فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم، فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم عند درك العذاب فلم تمهلوا. ومن فسره بيوم بدر أو بيوم الفتح، فهو يريد المقتولين منهم فإنهم لا ينفعهم إيمانهم في حال الفعل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند درك الغرق. { فأعرض عنهم وانتظر } النصر وهلاكهم، { إنهم منتظرون } الغلبة عليكم وهلاككم. قال عليه الصلاة والسلام: " من قرأ { الم تنزيل } في بيته، لم يدخل الشيطان به ثلاثة أيام ". الإشارة: أولم يروا أنا نسوق الماء الذي تحيا به القلوب على يد المشايخ، إلى القلوب الميتة بالجهل والغفلة، فنخرج به ثمار الهداية إلى الجوارح، تأكل منه، من لذة حلاوته، جوارحهم وقلوبهم أفلا يبصرون؟. ويقول أهل الإنكار لوجود هذا الماء: متى هذا الفتح، إن كنتم صادقين في أنه موجود؟ قل: يوم الفتح الكبير - وهو يوم يرفع الله أولياءه في أعلى عليين - لا ينفع الذين كفروا بالخصوصية، في دار الدنيا، إيمانهم في الالتحاق بهم، ولا هم يمهلون حتى يعلموا مثل عملهم، فأعرض عنهم اليوم، واشتغل بالله، وانتظر هذا اليوم، إنهم منتظرون لذلك. قال القشيري: " أو لم يروا.. " الآية. الإشارة فيه: نسقي حدائق وصلهم، بعد جفاف عودها، فيعود عودها مورقا بعد ذبوله، حاكيا حاله حال حصوله، ويقولون متى هذا الفتح.. استبعدوا يوم التلاق، وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه. قوله تعالى: { فأعرض عنهم.. } أي: باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا، وانتظر زوائد وصلنا وعوائد لطفنا، إنهم منتظرون هواجم مقتنا وخفايا مكرنا. وعن قريب وجد كل منتظره محتضرا ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد، عين الوصول إلى التحقيق، وعلى آله المبينين سواء الطريق، وسلم.

السجدة 32:28

يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا أنا نسوق الماء }: المطر { إلى أرض الجرز } أي: التي جرز نباتها، أي: قطع، ولم يبق منه شيء إما لعدم الماء، أو لأنه رعي. يقال: جرزت الجراد الزرع إذ استأصلته، وفي القاموس: وأرض جرز: لا تنبت، أو أكل نباتها، أو لم يصبها مطر. ثم قال: وأرض جارزة: يابسة غليظة، وفيه أربع لغات: جرز وجرز وجرز وجرز. ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جرز، بدليل قوله: { فنخرج به } أي: بالماء، { زرعا تأكل منه } أي: الزرع، { أنعامهم } كالتبن والورق، { وأنفسهم } كالحب والتمر، المراد بالزرع: كل ما يزرع ويستنبت، أفلا يبصرون، فيستدولون به على قدرته على إحياء الموتى؟. { ويقولون متى هذا الفتح } أي: النصر، أو الفصل بالحكومة من قوله ربنا افتح بيننا [الأعراف: 89]. وكان المسلمون يقولون: إن الله سيفتح لنا على المشركين، أو يفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون، قالوا: متى هذا الفتح؟ أي: في أي وقت يكون { إن كنتم صادقين } في أنه كائن؟. { قل يوم الفتح } أي: يوم القيامة هو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم. أو: يوم نصرهم عليهم. أو: يوم بدر، أو يوم فتح مكة، { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم } لفوات محله، الذي هو الإيمان بالغيب، { ولا هم ينظرون } يمهلون، وهذا الكلام لم ينطبق جوابا عن سؤالهم ظاهرا، ولكن لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم، على وجه التكذيب والاستهزاء، أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم من سؤالهم، فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم، فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم عند درك العذاب فلم تمهلوا. ومن فسره بيوم بدر أو بيوم الفتح، فهو يريد المقتولين منهم فإنهم لا ينفعهم إيمانهم في حال الفعل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند درك الغرق. { فأعرض عنهم وانتظر } النصر وهلاكهم، { إنهم منتظرون } الغلبة عليكم وهلاككم. قال عليه الصلاة والسلام: " من قرأ { الم تنزيل } في بيته، لم يدخل الشيطان به ثلاثة أيام ". الإشارة: أولم يروا أنا نسوق الماء الذي تحيا به القلوب على يد المشايخ، إلى القلوب الميتة بالجهل والغفلة، فنخرج به ثمار الهداية إلى الجوارح، تأكل منه، من لذة حلاوته، جوارحهم وقلوبهم أفلا يبصرون؟. ويقول أهل الإنكار لوجود هذا الماء: متى هذا الفتح، إن كنتم صادقين في أنه موجود؟ قل: يوم الفتح الكبير - وهو يوم يرفع الله أولياءه في أعلى عليين - لا ينفع الذين كفروا بالخصوصية، في دار الدنيا، إيمانهم في الالتحاق بهم، ولا هم يمهلون حتى يعلموا مثل عملهم، فأعرض عنهم اليوم، واشتغل بالله، وانتظر هذا اليوم، إنهم منتظرون لذلك. قال القشيري: " أو لم يروا.. " الآية. الإشارة فيه: نسقي حدائق وصلهم، بعد جفاف عودها، فيعود عودها مورقا بعد ذبوله، حاكيا حاله حال حصوله، ويقولون متى هذا الفتح.. استبعدوا يوم التلاق، وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه. قوله تعالى: { فأعرض عنهم.. } أي: باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا، وانتظر زوائد وصلنا وعوائد لطفنا، إنهم منتظرون هواجم مقتنا وخفايا مكرنا. وعن قريب وجد كل منتظره محتضرا ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد، عين الوصول إلى التحقيق، وعلى آله المبينين سواء الطريق، وسلم.

السجدة 32:29

يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا أنا نسوق الماء }: المطر { إلى أرض الجرز } أي: التي جرز نباتها، أي: قطع، ولم يبق منه شيء إما لعدم الماء، أو لأنه رعي. يقال: جرزت الجراد الزرع إذ استأصلته، وفي القاموس: وأرض جرز: لا تنبت، أو أكل نباتها، أو لم يصبها مطر. ثم قال: وأرض جارزة: يابسة غليظة، وفيه أربع لغات: جرز وجرز وجرز وجرز. ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جرز، بدليل قوله: { فنخرج به } أي: بالماء، { زرعا تأكل منه } أي: الزرع، { أنعامهم } كالتبن والورق، { وأنفسهم } كالحب والتمر، المراد بالزرع: كل ما يزرع ويستنبت، أفلا يبصرون، فيستدولون به على قدرته على إحياء الموتى؟. { ويقولون متى هذا الفتح } أي: النصر، أو الفصل بالحكومة من قوله ربنا افتح بيننا [الأعراف: 89]. وكان المسلمون يقولون: إن الله سيفتح لنا على المشركين، أو يفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون، قالوا: متى هذا الفتح؟ أي: في أي وقت يكون { إن كنتم صادقين } في أنه كائن؟. { قل يوم الفتح } أي: يوم القيامة هو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم. أو: يوم نصرهم عليهم. أو: يوم بدر، أو يوم فتح مكة، { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم } لفوات محله، الذي هو الإيمان بالغيب، { ولا هم ينظرون } يمهلون، وهذا الكلام لم ينطبق جوابا عن سؤالهم ظاهرا، ولكن لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم، على وجه التكذيب والاستهزاء، أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم من سؤالهم، فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم، فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم عند درك العذاب فلم تمهلوا. ومن فسره بيوم بدر أو بيوم الفتح، فهو يريد المقتولين منهم فإنهم لا ينفعهم إيمانهم في حال الفعل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند درك الغرق. { فأعرض عنهم وانتظر } النصر وهلاكهم، { إنهم منتظرون } الغلبة عليكم وهلاككم. قال عليه الصلاة والسلام: " من قرأ { الم تنزيل } في بيته، لم يدخل الشيطان به ثلاثة أيام ". الإشارة: أولم يروا أنا نسوق الماء الذي تحيا به القلوب على يد المشايخ، إلى القلوب الميتة بالجهل والغفلة، فنخرج به ثمار الهداية إلى الجوارح، تأكل منه، من لذة حلاوته، جوارحهم وقلوبهم أفلا يبصرون؟. ويقول أهل الإنكار لوجود هذا الماء: متى هذا الفتح، إن كنتم صادقين في أنه موجود؟ قل: يوم الفتح الكبير - وهو يوم يرفع الله أولياءه في أعلى عليين - لا ينفع الذين كفروا بالخصوصية، في دار الدنيا، إيمانهم في الالتحاق بهم، ولا هم يمهلون حتى يعلموا مثل عملهم، فأعرض عنهم اليوم، واشتغل بالله، وانتظر هذا اليوم، إنهم منتظرون لذلك. قال القشيري: " أو لم يروا.. " الآية. الإشارة فيه: نسقي حدائق وصلهم، بعد جفاف عودها، فيعود عودها مورقا بعد ذبوله، حاكيا حاله حال حصوله، ويقولون متى هذا الفتح.. استبعدوا يوم التلاق، وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه. قوله تعالى: { فأعرض عنهم.. } أي: باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا، وانتظر زوائد وصلنا وعوائد لطفنا، إنهم منتظرون هواجم مقتنا وخفايا مكرنا. وعن قريب وجد كل منتظره محتضرا ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد، عين الوصول إلى التحقيق، وعلى آله المبينين سواء الطريق، وسلم.

السجدة 32:30

يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا أنا نسوق الماء }: المطر { إلى أرض الجرز } أي: التي جرز نباتها، أي: قطع، ولم يبق منه شيء إما لعدم الماء، أو لأنه رعي. يقال: جرزت الجراد الزرع إذ استأصلته، وفي القاموس: وأرض جرز: لا تنبت، أو أكل نباتها، أو لم يصبها مطر. ثم قال: وأرض جارزة: يابسة غليظة، وفيه أربع لغات: جرز وجرز وجرز وجرز. ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جرز، بدليل قوله: { فنخرج به } أي: بالماء، { زرعا تأكل منه } أي: الزرع، { أنعامهم } كالتبن والورق، { وأنفسهم } كالحب والتمر، المراد بالزرع: كل ما يزرع ويستنبت، أفلا يبصرون، فيستدولون به على قدرته على إحياء الموتى؟. { ويقولون متى هذا الفتح } أي: النصر، أو الفصل بالحكومة من قوله ربنا افتح بيننا [الأعراف: 89]. وكان المسلمون يقولون: إن الله سيفتح لنا على المشركين، أو يفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون، قالوا: متى هذا الفتح؟ أي: في أي وقت يكون { إن كنتم صادقين } في أنه كائن؟. { قل يوم الفتح } أي: يوم القيامة هو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم. أو: يوم نصرهم عليهم. أو: يوم بدر، أو يوم فتح مكة، { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم } لفوات محله، الذي هو الإيمان بالغيب، { ولا هم ينظرون } يمهلون، وهذا الكلام لم ينطبق جوابا عن سؤالهم ظاهرا، ولكن لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم، على وجه التكذيب والاستهزاء، أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم من سؤالهم، فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزئوا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم، فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم عند درك العذاب فلم تمهلوا. ومن فسره بيوم بدر أو بيوم الفتح، فهو يريد المقتولين منهم فإنهم لا ينفعهم إيمانهم في حال الفعل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند درك الغرق. { فأعرض عنهم وانتظر } النصر وهلاكهم، { إنهم منتظرون } الغلبة عليكم وهلاككم. قال عليه الصلاة والسلام: " من قرأ { الم تنزيل } في بيته، لم يدخل الشيطان به ثلاثة أيام ". الإشارة: أولم يروا أنا نسوق الماء الذي تحيا به القلوب على يد المشايخ، إلى القلوب الميتة بالجهل والغفلة، فنخرج به ثمار الهداية إلى الجوارح، تأكل منه، من لذة حلاوته، جوارحهم وقلوبهم أفلا يبصرون؟. ويقول أهل الإنكار لوجود هذا الماء: متى هذا الفتح، إن كنتم صادقين في أنه موجود؟ قل: يوم الفتح الكبير - وهو يوم يرفع الله أولياءه في أعلى عليين - لا ينفع الذين كفروا بالخصوصية، في دار الدنيا، إيمانهم في الالتحاق بهم، ولا هم يمهلون حتى يعلموا مثل عملهم، فأعرض عنهم اليوم، واشتغل بالله، وانتظر هذا اليوم، إنهم منتظرون لذلك. قال القشيري: " أو لم يروا.. " الآية. الإشارة فيه: نسقي حدائق وصلهم، بعد جفاف عودها، فيعود عودها مورقا بعد ذبوله، حاكيا حاله حال حصوله، ويقولون متى هذا الفتح.. استبعدوا يوم التلاق، وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه. قوله تعالى: { فأعرض عنهم.. } أي: باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا، وانتظر زوائد وصلنا وعوائد لطفنا، إنهم منتظرون هواجم مقتنا وخفايا مكرنا. وعن قريب وجد كل منتظره محتضرا ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد، عين الوصول إلى التحقيق، وعلى آله المبينين سواء الطريق، وسلم.

الأحزاب 33:1

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي } أي: المشرف حالا، المفخم قدرا، العلي رتبة لأن النبوة مشتقة من النبوة، وهو الارتفاع. أو: يا أيها المخبر عنا، المأمون على وحينا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا. وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: " يا آدم، يا موسى " تشريفا وتنويها بفضله، وتصريحه باسمه في قوله: محمد رسول الله [الفتح: 29]، ونحوه، ليعلم الناس بأنه رسول الله. { اتق الله } أي: اثبت على تقوى الله، { ولا تطع الكافرين والمنافقين } لا تساعدهم على شيء، واحترس منهم فإنهم أعداء لله وللمؤمنين. روي أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، نزلوا المدينة على ابن أبي، رأس المنافقين، بعد أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات، والعزى، ومناة، وقل: إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر: ائذن لنا، يا رسول الله، في قتلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " إني قد أعطيتهم الأمان " فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فخرجوا من المدينة، فنزلت. أي: اتق الله في نقض العهد، ولا تطع الكافرين من أهل مكة، كأبي سفيان وأصحابه، والمنافقين من أهل المدينة، فيما طلبوا، { إن الله كان عليما } بخبث أعمالهم، { حكيما } بتأخير الأمر بقتالهم. { واتبع ما يوحى إليك من ربك } في الثبات على التقوى، وترك طاعة الكافرين والمنافقين. أو: كل ما يوحى إليك من ربك، { إن الله كان بما تعملون خبيرا } أي: لم يزل عالما بأعمالهم وأعمالكم. وقيل: إنما جمع لأن المراد بقوله: " اتبع ": هو وأصحابه، وقرأ بالغيب، أبو عمرو، أي: بما يعمل الكافرون والمنافقون، من كيدهم لكم ومكرهم. { وتوكل على الله } أسند أمرك إليه، وكله إلى تدبيره. { وكفى بالله وكيلا } حافظا موكولا إليه كل أمر. وقال الزجاج: لفظه، وإن كان لفظ الخبر، فالمعنى: اكتف بالله وكيلا. الإشارة: أمر بتقوى الله، وبالغيبة عما يشغل عن الله، وبالتوكل على الله، فالتقوى أساس الطريق، والغيبة عن الشاغل: سبب الوصول إلى عين التحقيق، والتوكل زاد رفيق. قال القشيري بعد كلام: يا أيها المرقى إلى أعلى المراتب، المتلقى بأسنى القرب والمناقب اتق الله أن تلاحظ غيرا معنا، أو تساكن شيئا دوننا، أو تثبت شيئا سوانا، { ولا تطع الكافرين } إشفاقا منك عليهم، وطمعا في إيمانهم، بموافقتهم في شيء مما أرادوه منك. والتقوى رقيب على الأولياء، تمنعهم، في أنفاسهم وسكناتهم وحركاتهم، أن ينظروا إلى غيره، أو يثبتوا معه سواه، إلا منصوبا بقدرته، مصرفا بمشيئته، نافذا فيه حكم قضيته. التقوى لجام يمنعك عما لا يجوز، زمام يقودك إلى ما تحب، سوط يسوقك إلى ما أمر به، حرز يعصمك من توصل عقابه إليك، عوذة تشفيك من داء الخطايا. التقوى وسيلة إلى ساحة كرمه، ذريعة يتوصل بها إلى عفوه وجوده. { واتبع ما يوحى إليك... } لا تبتدع، واقتد بما نأمرك، ولا تقتد، باختيارك، غير ما نختار لك، ولا تعرج - أي: تقم - في أوطان الكسل، ولا تجنج إلى ناحية التواني، وكن لنا لا لك، وقم بنا لا بك. " وتوكل " انسلخ عن إهابك لنا، واصدق في إيابك إلينا، وتشاغلك عن حسبانك معنا، واحذر ذهابك عنا، ولا تقصر في خطابك معنا. ويقال: التوكل: تخلق، ثم تخلق، ثم توثق، ثم تملق، تحقق في العقيدة، وتخلق بإقامة الشريعة، وتوثق بالمقسوم من القضية، وتملق بين يديه بحسن العبودية. ويقال: التوكل: استواء القلب في العدم والوجود. ه. والتقوى محلها القلب، ولا يحصل منتهاها إلأا بانفراد القلب إلى مولاه كما أبان ذلك بقوله: { ما جعل الله لرجل من قلبين... }

الأحزاب 33:2

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي } أي: المشرف حالا، المفخم قدرا، العلي رتبة لأن النبوة مشتقة من النبوة، وهو الارتفاع. أو: يا أيها المخبر عنا، المأمون على وحينا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا. وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: " يا آدم، يا موسى " تشريفا وتنويها بفضله، وتصريحه باسمه في قوله: محمد رسول الله [الفتح: 29]، ونحوه، ليعلم الناس بأنه رسول الله. { اتق الله } أي: اثبت على تقوى الله، { ولا تطع الكافرين والمنافقين } لا تساعدهم على شيء، واحترس منهم فإنهم أعداء لله وللمؤمنين. روي أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، نزلوا المدينة على ابن أبي، رأس المنافقين، بعد أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات، والعزى، ومناة، وقل: إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر: ائذن لنا، يا رسول الله، في قتلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " إني قد أعطيتهم الأمان " فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فخرجوا من المدينة، فنزلت. أي: اتق الله في نقض العهد، ولا تطع الكافرين من أهل مكة، كأبي سفيان وأصحابه، والمنافقين من أهل المدينة، فيما طلبوا، { إن الله كان عليما } بخبث أعمالهم، { حكيما } بتأخير الأمر بقتالهم. { واتبع ما يوحى إليك من ربك } في الثبات على التقوى، وترك طاعة الكافرين والمنافقين. أو: كل ما يوحى إليك من ربك، { إن الله كان بما تعملون خبيرا } أي: لم يزل عالما بأعمالهم وأعمالكم. وقيل: إنما جمع لأن المراد بقوله: " اتبع ": هو وأصحابه، وقرأ بالغيب، أبو عمرو، أي: بما يعمل الكافرون والمنافقون، من كيدهم لكم ومكرهم. { وتوكل على الله } أسند أمرك إليه، وكله إلى تدبيره. { وكفى بالله وكيلا } حافظا موكولا إليه كل أمر. وقال الزجاج: لفظه، وإن كان لفظ الخبر، فالمعنى: اكتف بالله وكيلا. الإشارة: أمر بتقوى الله، وبالغيبة عما يشغل عن الله، وبالتوكل على الله، فالتقوى أساس الطريق، والغيبة عن الشاغل: سبب الوصول إلى عين التحقيق، والتوكل زاد رفيق. قال القشيري بعد كلام: يا أيها المرقى إلى أعلى المراتب، المتلقى بأسنى القرب والمناقب اتق الله أن تلاحظ غيرا معنا، أو تساكن شيئا دوننا، أو تثبت شيئا سوانا، { ولا تطع الكافرين } إشفاقا منك عليهم، وطمعا في إيمانهم، بموافقتهم في شيء مما أرادوه منك. والتقوى رقيب على الأولياء، تمنعهم، في أنفاسهم وسكناتهم وحركاتهم، أن ينظروا إلى غيره، أو يثبتوا معه سواه، إلا منصوبا بقدرته، مصرفا بمشيئته، نافذا فيه حكم قضيته. التقوى لجام يمنعك عما لا يجوز، زمام يقودك إلى ما تحب، سوط يسوقك إلى ما أمر به، حرز يعصمك من توصل عقابه إليك، عوذة تشفيك من داء الخطايا. التقوى وسيلة إلى ساحة كرمه، ذريعة يتوصل بها إلى عفوه وجوده. { واتبع ما يوحى إليك... } لا تبتدع، واقتد بما نأمرك، ولا تقتد، باختيارك، غير ما نختار لك، ولا تعرج - أي: تقم - في أوطان الكسل، ولا تجنج إلى ناحية التواني، وكن لنا لا لك، وقم بنا لا بك. " وتوكل " انسلخ عن إهابك لنا، واصدق في إيابك إلينا، وتشاغلك عن حسبانك معنا، واحذر ذهابك عنا، ولا تقصر في خطابك معنا. ويقال: التوكل: تخلق، ثم تخلق، ثم توثق، ثم تملق، تحقق في العقيدة، وتخلق بإقامة الشريعة، وتوثق بالمقسوم من القضية، وتملق بين يديه بحسن العبودية. ويقال: التوكل: استواء القلب في العدم والوجود. ه. والتقوى محلها القلب، ولا يحصل منتهاها إلأا بانفراد القلب إلى مولاه كما أبان ذلك بقوله: { ما جعل الله لرجل من قلبين... }

الأحزاب 33:3

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي } أي: المشرف حالا، المفخم قدرا، العلي رتبة لأن النبوة مشتقة من النبوة، وهو الارتفاع. أو: يا أيها المخبر عنا، المأمون على وحينا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا. وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: " يا آدم، يا موسى " تشريفا وتنويها بفضله، وتصريحه باسمه في قوله: محمد رسول الله [الفتح: 29]، ونحوه، ليعلم الناس بأنه رسول الله. { اتق الله } أي: اثبت على تقوى الله، { ولا تطع الكافرين والمنافقين } لا تساعدهم على شيء، واحترس منهم فإنهم أعداء لله وللمؤمنين. روي أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، نزلوا المدينة على ابن أبي، رأس المنافقين، بعد أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات، والعزى، ومناة، وقل: إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر: ائذن لنا، يا رسول الله، في قتلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " إني قد أعطيتهم الأمان " فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فخرجوا من المدينة، فنزلت. أي: اتق الله في نقض العهد، ولا تطع الكافرين من أهل مكة، كأبي سفيان وأصحابه، والمنافقين من أهل المدينة، فيما طلبوا، { إن الله كان عليما } بخبث أعمالهم، { حكيما } بتأخير الأمر بقتالهم. { واتبع ما يوحى إليك من ربك } في الثبات على التقوى، وترك طاعة الكافرين والمنافقين. أو: كل ما يوحى إليك من ربك، { إن الله كان بما تعملون خبيرا } أي: لم يزل عالما بأعمالهم وأعمالكم. وقيل: إنما جمع لأن المراد بقوله: " اتبع ": هو وأصحابه، وقرأ بالغيب، أبو عمرو، أي: بما يعمل الكافرون والمنافقون، من كيدهم لكم ومكرهم. { وتوكل على الله } أسند أمرك إليه، وكله إلى تدبيره. { وكفى بالله وكيلا } حافظا موكولا إليه كل أمر. وقال الزجاج: لفظه، وإن كان لفظ الخبر، فالمعنى: اكتف بالله وكيلا. الإشارة: أمر بتقوى الله، وبالغيبة عما يشغل عن الله، وبالتوكل على الله، فالتقوى أساس الطريق، والغيبة عن الشاغل: سبب الوصول إلى عين التحقيق، والتوكل زاد رفيق. قال القشيري بعد كلام: يا أيها المرقى إلى أعلى المراتب، المتلقى بأسنى القرب والمناقب اتق الله أن تلاحظ غيرا معنا، أو تساكن شيئا دوننا، أو تثبت شيئا سوانا، { ولا تطع الكافرين } إشفاقا منك عليهم، وطمعا في إيمانهم، بموافقتهم في شيء مما أرادوه منك. والتقوى رقيب على الأولياء، تمنعهم، في أنفاسهم وسكناتهم وحركاتهم، أن ينظروا إلى غيره، أو يثبتوا معه سواه، إلا منصوبا بقدرته، مصرفا بمشيئته، نافذا فيه حكم قضيته. التقوى لجام يمنعك عما لا يجوز، زمام يقودك إلى ما تحب، سوط يسوقك إلى ما أمر به، حرز يعصمك من توصل عقابه إليك، عوذة تشفيك من داء الخطايا. التقوى وسيلة إلى ساحة كرمه، ذريعة يتوصل بها إلى عفوه وجوده. { واتبع ما يوحى إليك... } لا تبتدع، واقتد بما نأمرك، ولا تقتد، باختيارك، غير ما نختار لك، ولا تعرج - أي: تقم - في أوطان الكسل، ولا تجنج إلى ناحية التواني، وكن لنا لا لك، وقم بنا لا بك. " وتوكل " انسلخ عن إهابك لنا، واصدق في إيابك إلينا، وتشاغلك عن حسبانك معنا، واحذر ذهابك عنا، ولا تقصر في خطابك معنا. ويقال: التوكل: تخلق، ثم تخلق، ثم توثق، ثم تملق، تحقق في العقيدة، وتخلق بإقامة الشريعة، وتوثق بالمقسوم من القضية، وتملق بين يديه بحسن العبودية. ويقال: التوكل: استواء القلب في العدم والوجود. ه. والتقوى محلها القلب، ولا يحصل منتهاها إلأا بانفراد القلب إلى مولاه كما أبان ذلك بقوله: { ما جعل الله لرجل من قلبين... }

الأحزاب 33:4

يقول الحق جل جلاله: { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } فيؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر، أو: يتقي بأحدهما ويعصي بالآخر، أو: يقبل على الله بأحدهما ويقبل على الدنيا بالآخر، بل ما للعبد إلا قلب واحد، إن أقبل به على الله أدبر عمن سواه، وإن أقبل به على الدنيا، أدبر عن الله. قيل: الآية مثل المنافقين، أي: إنه لا يجتمع الكفر والإيمان، وقيل: لا تستقر التقوى ونقض العهد في قلب واحد. وقال ابن عطية: يظهر من الآية، بجملتها، أنها نفي لأشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت، وإعلام بحقيقة الأمر فيها، فمنها: أن العرب كانت تقول: الإنسان له قلب يأمره وقلب ينهاه، وكان تضاد الخواطر يحملها على ذلك.. الخ كلامه. قال النسفي: والمعنى: أنه تعالى لم يجعل للإنسان قلبين لأنه لا يخلو: إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، فأحدهما فضلة، غير محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذلك، فيؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها، عالما ظانا، موقنا شاكا في حالة واحدة. ه. وكانت العرب تعتقد أيضا أن المرأة المظاهر منها: أما، فرد ذلك بقوله: { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } أي: ما جمع الزوجية والأمومة في امرأة واحدة لتضاد أحكامهما لأن الأم مخدومة، والمرأة خادمة. وكانت تعتقد أن الدعي ابن، فرد عليهم بقوله: { وما جعل أدعياكم أبناءكم } أي: لم يجعل المتبنى من أولاد الناس ابنا لمن تبناه لأن البنوة أصالة في النسب، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية، لا غير، ولا يجتمع في شيء واحد أن يكون أصيلا وغير أصيل. ونزل هذا في " زيد بن حارثة " ، وهو رجل من كلب، سبي صغيرا، فاشتراه حكيم بن حزام، لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له، فطلبه أبوه وعمه، وجاءا بفدائه، فخير، فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وتبناه. وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب وكانت تحت زيد - على ما يأتي - قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى عنه، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، قلب معكم، وقلب مع أصحابه. وقيل: كان " أبو معمر " أحفظ العرب، فقيل: ذو القلبين، فأكذب الله قولهم. والتنكير في رجل، وإدخال " من " الاستغراقية على " قلبين " ، وذكر الجوف للتأكيد. و " اللائي ": جمع " التي ". وفيها قراءات: " اللاء " بالهمزة مع المد والقصر، وبالتسهيل، وبالياء، بدلا من الهمز. وأصل { تظاهرون }: تتظاهرون، فأدغم. وقرأ عاصم بالتخفيف من: ظاهر. ومعنى الظهار: أن تقول للزوجة: أنت علي كظهر أمي. مأخوذ من الظهر، وتعديته بمن لتضمنه معنى التجنب لأنه كان طلاقا في الجاهلية. وهو في الإسلام يقتضي الحرمة حتى يكفر، كما يأتي في المجادلة. والأدعياء: جمع دعي، فقيل: بمعنى مفعول، وهو الذي يدعى ولدا، وجمعه على أفعلاء: شاذ لأن بابه ما كان منه بمعنى فاعل كتقي وأتقياء، وشقي وأشقياء. ولا يكون في ذلك نحو رمي وسمي، على الشذوذ. وكأنه شبهه بفعيل بمعنى فاعل، فجمع جمعه. { ذلكم قولكم بأفواهكم } إذ إن قولكم للزوجة: أما، والدعي: هو ابن، قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له، إذ الابن يكون بالولادة، وكذا الأم. { والله يقول الحق } ما له حقيقة عينية، مطابقة له ظاهرا وباطنا { وهو يهدي السبيل } سبيل الحق. ثم بين ذلك الحق، وهدى إلى سبيله، فقال: { أدعوهم لآبائهم } انسبوهم إليهم. { هو } ، أي: الدعاء { أقسط } أعدل { عند الله }. بين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في العدل. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه ولد الرجل ضمه إليه، وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده، من ميراثه. وكان ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان. { فإن لم تعلموا آباءهم } أي: فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم، { فإخوانكم في الدين ومواليكم } أي: فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم فيه. فقولوا: هذا أخي، وهذا مولاي، ويا أخي، ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه، { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } أي: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك، مخطئين جاهلين، قبل ورود النهي، أو بعده، نسيانا. { ولكن ما تعمدت قلوبكم } أي: ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهي. أو: لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم: يا بني، على سبيل الخطأ، أو: الشفقة، ولكن إذا قلتموه متعمدين على وجه الانتساب. { وكان الله غفورا رحيما } لا يؤاخذكم بالخطأ، ويقبل التوبة من المعتمد. الإشارة: العبد إنما له قلب واحد، إذا أقبل به على مولاه أدبر عن ما سواه، وملأه الله تعالى بأنواع المعارف والأسرار، وأشرقت عليه الأنوار، ودخل حضرة الحليم الغفار، وإذا أقبل به على الدنيا أدبر عن الله، وحشي بالأغيار والأكدار، وأظلمت عليه الأسرار، وطبع فيه صور الكائنات، فحجب عن المكون. وكان مأوى للخواطر والوساوس، فلم يسو عند الله جناح بعوضة. قال القشيري: القلب إذا اشتغل بشيء اشتغل عما سواه، فالمشتغل بما من العدم منفصل عمن له القدم، والمتصل بقلبه بمن نعته القدم مشتغل عما من العدم، والليل والنهار لا يجتمعان، والغيب والغير لا يلتقيان. ه. وقوله تعالى: { وما جعل أزواجكم... } الآية، يمكن أن تكون الإشارة فيها إلى أن من ظاهر الدنيا، وتباعد عنها لا يحل له أن يرجع، ويتخذها أما في المحبة والخدمة. وقوله تعالى: { وما جعل أدعياءكم أبناءكم.. }: تشير إلى أنه لا يحل أن يدعي الفقير حالا، أو مقاما، ما لم يتحقق به، وليس هو له، أو: ينسب حكمة أو علما رفيعا لنفسه، وهو لغيره، { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله }. وقوله: { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين.. }: إخوان الدين أولى، وإخوان الطريق أحب وأصفى. قال القشيري: وقرابة الدين، في الشكلية، أولى من قرابة النسب، وأنشدوا. وقالوا: قريب من أب وعمومة فقلت: وإخوان الصفاء الأقارب مناسبهم شكلا وعلما وألفة وإن باعدتنا في الأصول التناسب ثم ذكر أبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأمومة أزواجه لجميع أمته، فقال: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم... }.

الأحزاب 33:5

يقول الحق جل جلاله: { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } فيؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر، أو: يتقي بأحدهما ويعصي بالآخر، أو: يقبل على الله بأحدهما ويقبل على الدنيا بالآخر، بل ما للعبد إلا قلب واحد، إن أقبل به على الله أدبر عمن سواه، وإن أقبل به على الدنيا، أدبر عن الله. قيل: الآية مثل المنافقين، أي: إنه لا يجتمع الكفر والإيمان، وقيل: لا تستقر التقوى ونقض العهد في قلب واحد. وقال ابن عطية: يظهر من الآية، بجملتها، أنها نفي لأشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت، وإعلام بحقيقة الأمر فيها، فمنها: أن العرب كانت تقول: الإنسان له قلب يأمره وقلب ينهاه، وكان تضاد الخواطر يحملها على ذلك.. الخ كلامه. قال النسفي: والمعنى: أنه تعالى لم يجعل للإنسان قلبين لأنه لا يخلو: إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، فأحدهما فضلة، غير محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذلك، فيؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها، عالما ظانا، موقنا شاكا في حالة واحدة. ه. وكانت العرب تعتقد أيضا أن المرأة المظاهر منها: أما، فرد ذلك بقوله: { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } أي: ما جمع الزوجية والأمومة في امرأة واحدة لتضاد أحكامهما لأن الأم مخدومة، والمرأة خادمة. وكانت تعتقد أن الدعي ابن، فرد عليهم بقوله: { وما جعل أدعياكم أبناءكم } أي: لم يجعل المتبنى من أولاد الناس ابنا لمن تبناه لأن البنوة أصالة في النسب، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية، لا غير، ولا يجتمع في شيء واحد أن يكون أصيلا وغير أصيل. ونزل هذا في " زيد بن حارثة " ، وهو رجل من كلب، سبي صغيرا، فاشتراه حكيم بن حزام، لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له، فطلبه أبوه وعمه، وجاءا بفدائه، فخير، فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وتبناه. وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب وكانت تحت زيد - على ما يأتي - قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى عنه، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، قلب معكم، وقلب مع أصحابه. وقيل: كان " أبو معمر " أحفظ العرب، فقيل: ذو القلبين، فأكذب الله قولهم. والتنكير في رجل، وإدخال " من " الاستغراقية على " قلبين " ، وذكر الجوف للتأكيد. و " اللائي ": جمع " التي ". وفيها قراءات: " اللاء " بالهمزة مع المد والقصر، وبالتسهيل، وبالياء، بدلا من الهمز. وأصل { تظاهرون }: تتظاهرون، فأدغم. وقرأ عاصم بالتخفيف من: ظاهر. ومعنى الظهار: أن تقول للزوجة: أنت علي كظهر أمي. مأخوذ من الظهر، وتعديته بمن لتضمنه معنى التجنب لأنه كان طلاقا في الجاهلية. وهو في الإسلام يقتضي الحرمة حتى يكفر، كما يأتي في المجادلة. والأدعياء: جمع دعي، فقيل: بمعنى مفعول، وهو الذي يدعى ولدا، وجمعه على أفعلاء: شاذ لأن بابه ما كان منه بمعنى فاعل كتقي وأتقياء، وشقي وأشقياء. ولا يكون في ذلك نحو رمي وسمي، على الشذوذ. وكأنه شبهه بفعيل بمعنى فاعل، فجمع جمعه. { ذلكم قولكم بأفواهكم } إذ إن قولكم للزوجة: أما، والدعي: هو ابن، قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له، إذ الابن يكون بالولادة، وكذا الأم. { والله يقول الحق } ما له حقيقة عينية، مطابقة له ظاهرا وباطنا { وهو يهدي السبيل } سبيل الحق. ثم بين ذلك الحق، وهدى إلى سبيله، فقال: { أدعوهم لآبائهم } انسبوهم إليهم. { هو } ، أي: الدعاء { أقسط } أعدل { عند الله }. بين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في العدل. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه ولد الرجل ضمه إليه، وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده، من ميراثه. وكان ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان. { فإن لم تعلموا آباءهم } أي: فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم، { فإخوانكم في الدين ومواليكم } أي: فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم فيه. فقولوا: هذا أخي، وهذا مولاي، ويا أخي، ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه، { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } أي: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك، مخطئين جاهلين، قبل ورود النهي، أو بعده، نسيانا. { ولكن ما تعمدت قلوبكم } أي: ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهي. أو: لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم: يا بني، على سبيل الخطأ، أو: الشفقة، ولكن إذا قلتموه متعمدين على وجه الانتساب. { وكان الله غفورا رحيما } لا يؤاخذكم بالخطأ، ويقبل التوبة من المعتمد. الإشارة: العبد إنما له قلب واحد، إذا أقبل به على مولاه أدبر عن ما سواه، وملأه الله تعالى بأنواع المعارف والأسرار، وأشرقت عليه الأنوار، ودخل حضرة الحليم الغفار، وإذا أقبل به على الدنيا أدبر عن الله، وحشي بالأغيار والأكدار، وأظلمت عليه الأسرار، وطبع فيه صور الكائنات، فحجب عن المكون. وكان مأوى للخواطر والوساوس، فلم يسو عند الله جناح بعوضة. قال القشيري: القلب إذا اشتغل بشيء اشتغل عما سواه، فالمشتغل بما من العدم منفصل عمن له القدم، والمتصل بقلبه بمن نعته القدم مشتغل عما من العدم، والليل والنهار لا يجتمعان، والغيب والغير لا يلتقيان. ه. وقوله تعالى: { وما جعل أزواجكم... } الآية، يمكن أن تكون الإشارة فيها إلى أن من ظاهر الدنيا، وتباعد عنها لا يحل له أن يرجع، ويتخذها أما في المحبة والخدمة. وقوله تعالى: { وما جعل أدعياءكم أبناءكم.. }: تشير إلى أنه لا يحل أن يدعي الفقير حالا، أو مقاما، ما لم يتحقق به، وليس هو له، أو: ينسب حكمة أو علما رفيعا لنفسه، وهو لغيره، { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله }. وقوله: { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين.. }: إخوان الدين أولى، وإخوان الطريق أحب وأصفى. قال القشيري: وقرابة الدين، في الشكلية، أولى من قرابة النسب، وأنشدوا. وقالوا: قريب من أب وعمومة فقلت: وإخوان الصفاء الأقارب مناسبهم شكلا وعلما وألفة وإن باعدتنا في الأصول التناسب ثم ذكر أبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأمومة أزواجه لجميع أمته، فقال: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم... }.

الأحزاب 33:6

يقول الحق جل جلاله: { النبي أولى بالمؤمنين } أي: أحق بهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ عليهم { من أنفسهم } ، فإنه لا يأمرهم، ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم، فيجب عليهم أن يبذلوها دونه. ويجعلوها فداء منه. وقال ابن عباس وعطاء: يعني: " إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء، كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أولى. أو: هو أولى بهم، أي: أرأف، وأعطف عليهم، وأنفع لهم، كقوله: بالمؤمنين رءوف رحيم [التوبة: 128] وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والاخرة، اقرؤوا إن شئتم: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن هلك، وترك مالا فلورثته ما كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني، فإني أنا مولاه ". وفي قراءة ابن مسعود " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ". وقال مجاهد: كل نبي أبو أمته، ولذلك صار المؤمنون إخوة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبوهم في الدين، وأزواجه أمهاتهم، في تحريم نكاحهن ووجوب تعظيمهن، وهن فيما وراء ذلك - كالإرث وغيره - كالأجنبيات، ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن. { وأولوا الأرحام } أي: ذوو القرابات { بعضهم أولى ببعض } في المواريث. وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة، لا بالقرابة، ثم نسخ، وجعل التوارث بالقرابة. ذلك { في كتاب الله } أي: في حكم الله وقضائه، أو: في اللوح المحفوظ، أو: فيما فرض الله، فهم أولى بالميراث، { من المؤمنين } بحق الولاية في الدين، { و } من { المهاجرين } بحق الهجرة. وهذا هو الناسخ. قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، ولا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئا. فنزلت. وقال الكلبي: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين الناس، فكان يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الآخر، دون عصبته، حتى نزلت: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } في حكمه، { من المؤمنين والمهاجرين } ، ويجوز أن يكون { من المؤمنين }: بيانا لأولي الأرحام، أي: وأولو الأرحام، من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من الأجانب، { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } أي: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا، وهو أن توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشيء، فيكون له ذلك بالوصية، لا بالميراث فالاستثناء منقطع. وعدى " تفعلوا " بإلى، لأنه في معنى تسندوا، والمراد بالأولياء: المؤمنون، والمهاجرون: المتقدمون الذين نسخ ميراثهم. { كان ذلك } أي: التوارث بالأرحام { في الكتاب مسطورا } أي: اللوح المحفوظ، أو: القرآن. وقيل: في التوراة. الإشارة: متابعته عليه الصلاة والسلام، والاقتباس من أنواره، والاهتداء بهديه، وإيثار محبته، وأمره على غيره لا ينقطع عن المريد أبدا، بداية ونهاية إذ هو الواسطة العظمى، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأرواحهم وأسرارهم. فكل مدد واصل إلى العبد فهو منه صلى الله عليه وسلم، وعلى يده، وكل ما تأمر به الأشياخ من فعل وترك في تربية المريدين، فهو جزء من الذي جاء به. وهم في ذلك بحسب النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم خلفاء عنه. وكل كرامة تظهر فهي معجزة له صلى الله عليه وسلم، وكل كشف ومشاهدة فمن نوره صلى الله عليه وسلم، قال ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه: اعلم أن كل ولي لله تعالى إنما يأخذ ما يأخذ بواسطة روحانية النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من يعرف ذلك، ومنهم من لا يعرفه، ويقول: قال لي الله، وليس إلا تلك الروحانية. ه. وهو موافق لما أشار إليه الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه، حيث قال: الولي إنما يكاشف بالمثال، كما يرى مثلا البدر في الماء بواسطته، وكذلك الحقائق الغيبية، والأمور الإشهادية مجلوة وظاهرة في بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وله عيانا لا مثالا. والولي لقربه منه ومناسبته له لهديه بهديه، ومتابعته له يكاشف بمثال ذلك فيه، فظهر الفرق وثبتت مزية النبي صلى الله عليه وسلم، وانتفى اللبس بين النبوة والولاية. قاله شيخ شيوخنا سيدي " عبد الرحمن العارف ". قال القشيري: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } الإشارة: تقديم سنته على هواك، والوقوف عند إشارته دون ما يتعلق به مناك، وإيثار من تتوسل به نسبا وسببا على أعزتك ومن والاك، { وأولوا الأرحام.. } الآية: ليكن الأجانب منك على جانب، ولتكن صلتك للأقارب وصلة الرحم ليس لمقاربة الدار وتعاقب المزار، وليكن بموافقة القلوب، والمساعدة في حالتي المكروه والمحبوب. أرواحنا في مكان واحد، وإن كانت أشباحنا بشام أو خراسان. ه ولما كان كل نبي أبا لأمته أخذ عليهم العهد في إرشادهم ونصحهم كما ينصح الأب إبنه، فقال: { وإذ أخذنا من النبيين... }.

الأحزاب 33:7

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ أخذنا } حين أخذنا { من النبيين ميثاقهم } بتبليغ الرسالة، والدعاء إلى الدين القيم، وإرشاد العباد ونصحهم. وقيل: أخذه عليهم في عالم الذر. قال أبي بن كعب: لما أخرج الله الذرية، كانت الأنبياء فيهم مثل السرج، عليهم النور، فخصوا بميثاق وأخذ الرسالة والنبوة، وقال القشيري: أخذ الميثاق الأول وقت استخراج الذرية من صلب آدم، عند بعثة كل رسول، ونبوة كل نبي، أخذ ميثاقه، وذلك على لسان جبريل عليه السلام، ومن اختصه بإسماعه كلامه بلا واسطة ملك كنبينا ليلة المعراج، وموسى - عليهما السلام - فأخذ الميثاق منهم بلا واسطة، وكان لنبينا - عليه الصلاة والسلام - زيادة حال بأن كان مع سماع الخطاب كشف الرؤية. ثم أخذ المواثيق من العباد بقلوبهم وأسرارهم. ه. قال في الحاشية: والذي يظهر: أن أخذ الميثاق منهم مباشرة لا بوحي، وذلك في الغيب، ولذلك قدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه النور الأول قبل آدم، ثم انتقل إلى ظهره، وحينئذ، فأخذ الميثاق هنا غيبي، ولذلك قدمه. وفي قوله: شرع لكم من الدين... [الشورى: 13] في عالم الظهور، فلذلك قدم نوحا، وثنى بنبينا لأن نوحا أول أولي العزم، ونبينا خاتمهم. والله أعلم. ه. والحاصل: أن أخذ الميثاق كان مرتين في عالم الغيب وفي عالم الشهادة. وهل المراد به هنا الأول أو الثاني؟ قولان. { ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } ، قال النسفي: وقدم رسول الله صلى اله عليه وسلم على نوح ومن بعده لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء لأنهم أولو العزم، وأصحاب الشرائع، فلما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء قدم عليهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه. ه { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } وثيقا. وأعاد ذكر الميثاق لانضمام الوصف إليه. وإنما فعلنا ذلك { ليسأل } الله { الصادقين } أي: الأنبياء: { عن صدقهم } عما قالوه لقومهم، وهل بلغوا ما كلفهم به. وفيه تبكيت للكفار، كقوله: فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [الأعراف: 6]، أو: ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم: هل كان بإخلاص أم لا؟ لأن من قال للصادق: صدقت كان صادقا في قوله. أو: ليسأل الأنبياء: ما الذي أجابتهم أممهم؟ وهو كقوله: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم [المائدة: 109]، { وأعد للكافرين } بالرسل { عذابا أليما } ، وهو عطف على " أخذنا " ، لأن المعنى: أن الله تعالى أخذ على الأنبياء العهد بالدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذابا أليما. أو: على ما دل عليه: { ليسأل الصادقين } ، كأنه قال: فأثاب المؤمنين، وأعد للكافرين عذابا أليما. الإشارة: كما أخذ الله الميثاق على الأنبياء والرسل أخذ الميثاق على العلماء والأولياء. أما العلماء فعلى تبيين الشرائع وتغيير المناكر، وألا تأخذهم في الله لومة لأئم، وأما أخذه على الأولياء فعلى تذكير العباد وإرشادهم إلى معرفة الله، وتربية من تعلق بهم، وسياسة الخلق، ودلالتهم على الحق، فمن قصر من الفريقين استحق العتاب. قال القشيري: فلكل من الأولياء والأكابر حال، على ما يؤهلهم له قال صلى الله عليه وسلم: " لقد كان في الأمم محدثون، وإن يكن في أمتي فعمر " ،وغير عمر مشارك لعمر في خواص كثيرة، وذلك سر بينهم وبين ربهم. ثم قال: قوله تعالى: { ليسأل الصادقين عن صدقهم } سؤال تشريف لا تعنيف، وإيجاب لا عتاب، والصدق: ألا يكون في أحوالك شوب، ولا في اعتقادك ريب، ولا في عملك عيب، ويقال: من أمارات الصدق في المعاملة. وجود الإخلاص من غير ملاحظة، وفي الأحوال: تصفيتها [من غير مداخلة الحجاب]، وفي القول: سلامته من المعاريض، فيما بينك وبين نفسك. وفيما بينك وبين الناس: تباعد في التلبيس والتدليس، وفيما بينك وبين الله: إدامة التبري من الحول والقوة، ومواصلة الاستقامة، وحفظ العهود معه على الدوام. في التوكل: عدم الانزعاج عند الفقد، وزوال البشر بالوجد، وفي الأمر بالمعروف: التحرز من تخلل المداهنة، قليلها وكثيرها، وألا يترك ذلك لفزع ولا طمع، ولكن تشرب مما تسقي، وتتصف بما تأمر، وتنتهي عما تزجر. ويقال: الصدق: أن يهتدي إليك كل أحد، ويكون عليك، فيما تقول وتضمر، اعتماد. ويقال: الصدق: ألا تجنح إلى التأويلات. انتهى كلام القشيري. ثم شرع في غزة الأحزاب التي هي المقصودة من السورة، فقال: { يأيها الذين آمنوا... }

الأحزاب 33:8

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ أخذنا } حين أخذنا { من النبيين ميثاقهم } بتبليغ الرسالة، والدعاء إلى الدين القيم، وإرشاد العباد ونصحهم. وقيل: أخذه عليهم في عالم الذر. قال أبي بن كعب: لما أخرج الله الذرية، كانت الأنبياء فيهم مثل السرج، عليهم النور، فخصوا بميثاق وأخذ الرسالة والنبوة، وقال القشيري: أخذ الميثاق الأول وقت استخراج الذرية من صلب آدم، عند بعثة كل رسول، ونبوة كل نبي، أخذ ميثاقه، وذلك على لسان جبريل عليه السلام، ومن اختصه بإسماعه كلامه بلا واسطة ملك كنبينا ليلة المعراج، وموسى - عليهما السلام - فأخذ الميثاق منهم بلا واسطة، وكان لنبينا - عليه الصلاة والسلام - زيادة حال بأن كان مع سماع الخطاب كشف الرؤية. ثم أخذ المواثيق من العباد بقلوبهم وأسرارهم. ه. قال في الحاشية: والذي يظهر: أن أخذ الميثاق منهم مباشرة لا بوحي، وذلك في الغيب، ولذلك قدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه النور الأول قبل آدم، ثم انتقل إلى ظهره، وحينئذ، فأخذ الميثاق هنا غيبي، ولذلك قدمه. وفي قوله: شرع لكم من الدين... [الشورى: 13] في عالم الظهور، فلذلك قدم نوحا، وثنى بنبينا لأن نوحا أول أولي العزم، ونبينا خاتمهم. والله أعلم. ه. والحاصل: أن أخذ الميثاق كان مرتين في عالم الغيب وفي عالم الشهادة. وهل المراد به هنا الأول أو الثاني؟ قولان. { ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } ، قال النسفي: وقدم رسول الله صلى اله عليه وسلم على نوح ومن بعده لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء لأنهم أولو العزم، وأصحاب الشرائع، فلما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء قدم عليهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه. ه { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } وثيقا. وأعاد ذكر الميثاق لانضمام الوصف إليه. وإنما فعلنا ذلك { ليسأل } الله { الصادقين } أي: الأنبياء: { عن صدقهم } عما قالوه لقومهم، وهل بلغوا ما كلفهم به. وفيه تبكيت للكفار، كقوله: فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [الأعراف: 6]، أو: ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم: هل كان بإخلاص أم لا؟ لأن من قال للصادق: صدقت كان صادقا في قوله. أو: ليسأل الأنبياء: ما الذي أجابتهم أممهم؟ وهو كقوله: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم [المائدة: 109]، { وأعد للكافرين } بالرسل { عذابا أليما } ، وهو عطف على " أخذنا " ، لأن المعنى: أن الله تعالى أخذ على الأنبياء العهد بالدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذابا أليما. أو: على ما دل عليه: { ليسأل الصادقين } ، كأنه قال: فأثاب المؤمنين، وأعد للكافرين عذابا أليما. الإشارة: كما أخذ الله الميثاق على الأنبياء والرسل أخذ الميثاق على العلماء والأولياء. أما العلماء فعلى تبيين الشرائع وتغيير المناكر، وألا تأخذهم في الله لومة لأئم، وأما أخذه على الأولياء فعلى تذكير العباد وإرشادهم إلى معرفة الله، وتربية من تعلق بهم، وسياسة الخلق، ودلالتهم على الحق، فمن قصر من الفريقين استحق العتاب. قال القشيري: فلكل من الأولياء والأكابر حال، على ما يؤهلهم له قال صلى الله عليه وسلم: " لقد كان في الأمم محدثون، وإن يكن في أمتي فعمر " ،وغير عمر مشارك لعمر في خواص كثيرة، وذلك سر بينهم وبين ربهم. ثم قال: قوله تعالى: { ليسأل الصادقين عن صدقهم } سؤال تشريف لا تعنيف، وإيجاب لا عتاب، والصدق: ألا يكون في أحوالك شوب، ولا في اعتقادك ريب، ولا في عملك عيب، ويقال: من أمارات الصدق في المعاملة. وجود الإخلاص من غير ملاحظة، وفي الأحوال: تصفيتها [من غير مداخلة الحجاب]، وفي القول: سلامته من المعاريض، فيما بينك وبين نفسك. وفيما بينك وبين الناس: تباعد في التلبيس والتدليس، وفيما بينك وبين الله: إدامة التبري من الحول والقوة، ومواصلة الاستقامة، وحفظ العهود معه على الدوام. في التوكل: عدم الانزعاج عند الفقد، وزوال البشر بالوجد، وفي الأمر بالمعروف: التحرز من تخلل المداهنة، قليلها وكثيرها، وألا يترك ذلك لفزع ولا طمع، ولكن تشرب مما تسقي، وتتصف بما تأمر، وتنتهي عما تزجر. ويقال: الصدق: أن يهتدي إليك كل أحد، ويكون عليك، فيما تقول وتضمر، اعتماد. ويقال: الصدق: ألا تجنح إلى التأويلات. انتهى كلام القشيري. ثم شرع في غزة الأحزاب التي هي المقصودة من السورة، فقال: { يأيها الذين آمنوا... }

الأحزاب 33:9

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم } ، أي: ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق، وكان بعد حرب أحد بسنة. { إذ جاءتكم جنود } أي: الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة والنضير، وهو السبب في إيتانهم، { فأرسلنا عليهم ريحا } أي: الصبا، قال عليه الصلاة والسلام: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " قيل: كانت هذه الريح معجزة لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبا منها، ولم يكن بينهم إلا عرض الخندق، وكانوا في عافية منها. { و } لا شعور لهم بها. وأرسلنا عليهم { جنودا لم تروها } وهو الملائكة، وكانوا ألفا، فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور. وكان سبب غزوة الأحزاب: أن نفرا من اليهود، منهم ابن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، في نفر من بني النضير، لما أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من بلدهم، قدموا مكة فحرضوا قريشا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرجوا إلى غطفان، وأشجع، وفزارة، وقبائل من العرب، يحرضونهم على ذلك، على أن يعطوهم نصف تمر خيبر كل سنة. فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن، والحارث بن عوف في مرة، وسعد بن رخيلة في أشجع، وعامر بن الطفيل في هوازن. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهم، ضرب الخندق على المدينة، برأي سلمان. وكان أول مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يؤمئذ حر. وقال: يا رسول الله: إنا كنا بفارس، إذا حوصرنا: خندقنا علينا، فحفر الخندق، وباشر الحفر معهم بيده صلى الله عليه وسلم. فنزلت قريش بمجتمع الأسيال من الجرف والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم. ونزلت عطفان وأهل نجد بذنب نقمي، إلى جانب أحد. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام. واشتد الخوف، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام المشركون، بضعا وعشرين ليلة، ولم يكن حرب غير الرمي بالنبل والحصى. فلما اشتد البلاء بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما، وكتبوا الكتاب ولم يقع الإشهاد، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقال سعد بن معاذ: أشيء أمرك الله به، لا بد من العمل به، أم شيء تحبه فتصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: " لا، بل شيء أصنعه لكم، أردت أن أكسر عنكم شوكتهم " فقال سعد: يا رسول الله لقد كنا مع القوم على شرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطعمون أن يأكلوا منها تمرة، إلا قرى، أو شراء، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا! لا نعطيهم إلا السيف. فقال عليه الصلاة والسلام: " فأنت وذاك " ، فمحا سعد ما في الكتاب، وقال: ليجهدوا علينا. ثم إن الله تعالى بعث عليهم ريحا باردة، في ليلة شاتية، فأحصرتهم، وأحثت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأكفأت القدور، وأطفأت النيران، وجالت الخيل بعضها في بعض. وأرسل الله تعالى عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل خباء يقول: يا بني فلان، علموا، فإذا اجتمعوا إليه قال: النجا، النجا، أوتيتم. فانهزموا من غير قتال. { وكان الله بما تعملون بصيرا } ، أي: بصيرا بعملكم، من حفر الخندق، ومعاونة النبي صلى الله عليه وسلم، والثبات معه، فيجازيكم عليه، وقرأ أبو عمرو: بالغيب، أي: بما يعمل الكفار من البغي، والسعي في إطفاء نور الله، { إذ جاؤوكم } هو بدل من: إذ جاءتكم، { من فوقكم } من أعلى الوادي، من قبل المشرق. وهم بنو غطفان. { ومن أسفل منكم } من أسفل الوادي من قبل المغرب، وهو قريش. { وإذ زاغت الأبصار } مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا. أو: مالت إلى عدوها، لشدة الخوف، { وبلغت القلوب الحناجر } رعبا. والحنجرة: رأس الغلصمة، وهي منتهى الحلقوم، الذي هو مدخل الطعام والشراب. قالوا: إذا انتفخت الرئة، من شدة الفزع والغضب، ربت، وارتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة. وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب، وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة. روي أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: " نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ". { وتظنون بالله الظنونا } الأنواع من الظن. والمؤمنون أصناف منهم الأقوياء، ومنهم الضعفاء، ومنهم المنافقون. فظن الأقوياء، المخلصون، الثبت القلوب أن ينجز الله وعده في إعلاء دينه، ويمتحنهم، فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأما الآخرون فظنوا ما حكى عنهم، وهو الذين زاغت أبصارهم، وبلغت قلوبهم الحناجر، دون الأقوياء رضي الله عنهم، وقرأ أبو عمرو وحمزة: { الظنون } بغير ألف، وهو القياس. وبالألف فيهما: نافع، والشامي، وشعبة إجراء للوصل مجرى الوقف. والمكي، وعلي، وحفص: بالألف في الوقف. ومثله: الرسولا [الأحزاب: 66] و السبيلا [الأحزاب: 67]، زادوها في الفاصلة، كما زادوها في القافية، كقوله: " أقلي اللوم، عاذل والعتابا " وهو في الإمام: بالألف. { هنالك ابتلي المؤمنون } أي: اختبروا، فظهر المخلص من المنافق، والثابت من المزلزل، { وزلزلوا زلزالا شديدا } وحركوا بالخوف، تحريكا شديدا. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص اذكروا نعمة الله عليكم بالتأييد والنصر، فحين توجهتم إلي، ودخلتم في طريق ولايتي، رفضتكم الناس، ونكرتكم، ورمتكم عن قوس واحدة، فجاءتكم جنود الخواطر والوساوس من كل جانب، حتى هممتم بالرجوع أو الوقوف. وإذ زاغت الأبصار: مالت عن قصدها بالاهتمام بالرجوع، وبلغت القلوب الحناجر، ممن كان ضعيف الإرادة واليقين، وتظنون بالله الظنونا، فمنهم من يظن الامتكان بعد الامتحان، فيفرحون بالبلاء، ومنهم من يظن أنه عقوبة... إلى غير ذلك، هنالك ابتلي المؤمنون المتوجهون ليظهر الصادق، في الطلب، من الكاذب فيه، فعند الامتحان يعز المرء أو يهان، ويظهر الخوافون من الشجعان، وزلزلوا زلزالا شديدا ليتخلصوا ويتمحصوا، كما يتخلص الذهب والفضة من الناس، ومن عرف ما قصد هان عليه ما ترك. قال القشيري: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم.. } يعني: بمقابلتها بالشكر، وتذكر ما سلف من الذي دفع عنك، يهون عليك مقاساة البلاء في الحال. وبذكرك لما أولاك في الماضي يقرب من الثقة بوصول ما تؤمله في الاستقبال. فمن جملة ما ذكرهم قوله: { إذ جاءتكم جنود.. } الآية: كم بلاء صرفه عن العبد وهو لا يشعر، وكم شغل كنت بصدده، فصده عنك ولم تعلم، وكم أمر صرفه، والعبد يضج، وهو - سبحانه - يعلم أن في تيسيره هلاكه، فيمنعه منه رحمة عليه، والعبد يتهمه ويضيق به صدره. ه. ثم ذكر سبحانه نتيجة الابتلاء فقال: { وإذ يقول المنافقون... }

الأحزاب 33:10

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم } ، أي: ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق، وكان بعد حرب أحد بسنة. { إذ جاءتكم جنود } أي: الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة والنضير، وهو السبب في إيتانهم، { فأرسلنا عليهم ريحا } أي: الصبا، قال عليه الصلاة والسلام: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " قيل: كانت هذه الريح معجزة لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبا منها، ولم يكن بينهم إلا عرض الخندق، وكانوا في عافية منها. { و } لا شعور لهم بها. وأرسلنا عليهم { جنودا لم تروها } وهو الملائكة، وكانوا ألفا، فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور. وكان سبب غزوة الأحزاب: أن نفرا من اليهود، منهم ابن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، في نفر من بني النضير، لما أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من بلدهم، قدموا مكة فحرضوا قريشا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرجوا إلى غطفان، وأشجع، وفزارة، وقبائل من العرب، يحرضونهم على ذلك، على أن يعطوهم نصف تمر خيبر كل سنة. فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن، والحارث بن عوف في مرة، وسعد بن رخيلة في أشجع، وعامر بن الطفيل في هوازن. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهم، ضرب الخندق على المدينة، برأي سلمان. وكان أول مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يؤمئذ حر. وقال: يا رسول الله: إنا كنا بفارس، إذا حوصرنا: خندقنا علينا، فحفر الخندق، وباشر الحفر معهم بيده صلى الله عليه وسلم. فنزلت قريش بمجتمع الأسيال من الجرف والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم. ونزلت عطفان وأهل نجد بذنب نقمي، إلى جانب أحد. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام. واشتد الخوف، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام المشركون، بضعا وعشرين ليلة، ولم يكن حرب غير الرمي بالنبل والحصى. فلما اشتد البلاء بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما، وكتبوا الكتاب ولم يقع الإشهاد، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقال سعد بن معاذ: أشيء أمرك الله به، لا بد من العمل به، أم شيء تحبه فتصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: " لا، بل شيء أصنعه لكم، أردت أن أكسر عنكم شوكتهم " فقال سعد: يا رسول الله لقد كنا مع القوم على شرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطعمون أن يأكلوا منها تمرة، إلا قرى، أو شراء، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا! لا نعطيهم إلا السيف. فقال عليه الصلاة والسلام: " فأنت وذاك " ، فمحا سعد ما في الكتاب، وقال: ليجهدوا علينا. ثم إن الله تعالى بعث عليهم ريحا باردة، في ليلة شاتية، فأحصرتهم، وأحثت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأكفأت القدور، وأطفأت النيران، وجالت الخيل بعضها في بعض. وأرسل الله تعالى عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل خباء يقول: يا بني فلان، علموا، فإذا اجتمعوا إليه قال: النجا، النجا، أوتيتم. فانهزموا من غير قتال. { وكان الله بما تعملون بصيرا } ، أي: بصيرا بعملكم، من حفر الخندق، ومعاونة النبي صلى الله عليه وسلم، والثبات معه، فيجازيكم عليه، وقرأ أبو عمرو: بالغيب، أي: بما يعمل الكفار من البغي، والسعي في إطفاء نور الله، { إذ جاؤوكم } هو بدل من: إذ جاءتكم، { من فوقكم } من أعلى الوادي، من قبل المشرق. وهم بنو غطفان. { ومن أسفل منكم } من أسفل الوادي من قبل المغرب، وهو قريش. { وإذ زاغت الأبصار } مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا. أو: مالت إلى عدوها، لشدة الخوف، { وبلغت القلوب الحناجر } رعبا. والحنجرة: رأس الغلصمة، وهي منتهى الحلقوم، الذي هو مدخل الطعام والشراب. قالوا: إذا انتفخت الرئة، من شدة الفزع والغضب، ربت، وارتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة. وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب، وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة. روي أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: " نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ". { وتظنون بالله الظنونا } الأنواع من الظن. والمؤمنون أصناف منهم الأقوياء، ومنهم الضعفاء، ومنهم المنافقون. فظن الأقوياء، المخلصون، الثبت القلوب أن ينجز الله وعده في إعلاء دينه، ويمتحنهم، فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأما الآخرون فظنوا ما حكى عنهم، وهو الذين زاغت أبصارهم، وبلغت قلوبهم الحناجر، دون الأقوياء رضي الله عنهم، وقرأ أبو عمرو وحمزة: { الظنون } بغير ألف، وهو القياس. وبالألف فيهما: نافع، والشامي، وشعبة إجراء للوصل مجرى الوقف. والمكي، وعلي، وحفص: بالألف في الوقف. ومثله: الرسولا [الأحزاب: 66] و السبيلا [الأحزاب: 67]، زادوها في الفاصلة، كما زادوها في القافية، كقوله: " أقلي اللوم، عاذل والعتابا " وهو في الإمام: بالألف. { هنالك ابتلي المؤمنون } أي: اختبروا، فظهر المخلص من المنافق، والثابت من المزلزل، { وزلزلوا زلزالا شديدا } وحركوا بالخوف، تحريكا شديدا. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص اذكروا نعمة الله عليكم بالتأييد والنصر، فحين توجهتم إلي، ودخلتم في طريق ولايتي، رفضتكم الناس، ونكرتكم، ورمتكم عن قوس واحدة، فجاءتكم جنود الخواطر والوساوس من كل جانب، حتى هممتم بالرجوع أو الوقوف. وإذ زاغت الأبصار: مالت عن قصدها بالاهتمام بالرجوع، وبلغت القلوب الحناجر، ممن كان ضعيف الإرادة واليقين، وتظنون بالله الظنونا، فمنهم من يظن الامتكان بعد الامتحان، فيفرحون بالبلاء، ومنهم من يظن أنه عقوبة... إلى غير ذلك، هنالك ابتلي المؤمنون المتوجهون ليظهر الصادق، في الطلب، من الكاذب فيه، فعند الامتحان يعز المرء أو يهان، ويظهر الخوافون من الشجعان، وزلزلوا زلزالا شديدا ليتخلصوا ويتمحصوا، كما يتخلص الذهب والفضة من الناس، ومن عرف ما قصد هان عليه ما ترك. قال القشيري: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم.. } يعني: بمقابلتها بالشكر، وتذكر ما سلف من الذي دفع عنك، يهون عليك مقاساة البلاء في الحال. وبذكرك لما أولاك في الماضي يقرب من الثقة بوصول ما تؤمله في الاستقبال. فمن جملة ما ذكرهم قوله: { إذ جاءتكم جنود.. } الآية: كم بلاء صرفه عن العبد وهو لا يشعر، وكم شغل كنت بصدده، فصده عنك ولم تعلم، وكم أمر صرفه، والعبد يضج، وهو - سبحانه - يعلم أن في تيسيره هلاكه، فيمنعه منه رحمة عليه، والعبد يتهمه ويضيق به صدره. ه. ثم ذكر سبحانه نتيجة الابتلاء فقال: { وإذ يقول المنافقون... }

الأحزاب 33:11

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم } ، أي: ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق، وكان بعد حرب أحد بسنة. { إذ جاءتكم جنود } أي: الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة والنضير، وهو السبب في إيتانهم، { فأرسلنا عليهم ريحا } أي: الصبا، قال عليه الصلاة والسلام: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " قيل: كانت هذه الريح معجزة لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبا منها، ولم يكن بينهم إلا عرض الخندق، وكانوا في عافية منها. { و } لا شعور لهم بها. وأرسلنا عليهم { جنودا لم تروها } وهو الملائكة، وكانوا ألفا، فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور. وكان سبب غزوة الأحزاب: أن نفرا من اليهود، منهم ابن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، في نفر من بني النضير، لما أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من بلدهم، قدموا مكة فحرضوا قريشا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرجوا إلى غطفان، وأشجع، وفزارة، وقبائل من العرب، يحرضونهم على ذلك، على أن يعطوهم نصف تمر خيبر كل سنة. فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن، والحارث بن عوف في مرة، وسعد بن رخيلة في أشجع، وعامر بن الطفيل في هوازن. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهم، ضرب الخندق على المدينة، برأي سلمان. وكان أول مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يؤمئذ حر. وقال: يا رسول الله: إنا كنا بفارس، إذا حوصرنا: خندقنا علينا، فحفر الخندق، وباشر الحفر معهم بيده صلى الله عليه وسلم. فنزلت قريش بمجتمع الأسيال من الجرف والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم. ونزلت عطفان وأهل نجد بذنب نقمي، إلى جانب أحد. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام. واشتد الخوف، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام المشركون، بضعا وعشرين ليلة، ولم يكن حرب غير الرمي بالنبل والحصى. فلما اشتد البلاء بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما، وكتبوا الكتاب ولم يقع الإشهاد، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقال سعد بن معاذ: أشيء أمرك الله به، لا بد من العمل به، أم شيء تحبه فتصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: " لا، بل شيء أصنعه لكم، أردت أن أكسر عنكم شوكتهم " فقال سعد: يا رسول الله لقد كنا مع القوم على شرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطعمون أن يأكلوا منها تمرة، إلا قرى، أو شراء، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا! لا نعطيهم إلا السيف. فقال عليه الصلاة والسلام: " فأنت وذاك " ، فمحا سعد ما في الكتاب، وقال: ليجهدوا علينا. ثم إن الله تعالى بعث عليهم ريحا باردة، في ليلة شاتية، فأحصرتهم، وأحثت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأكفأت القدور، وأطفأت النيران، وجالت الخيل بعضها في بعض. وأرسل الله تعالى عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل خباء يقول: يا بني فلان، علموا، فإذا اجتمعوا إليه قال: النجا، النجا، أوتيتم. فانهزموا من غير قتال. { وكان الله بما تعملون بصيرا } ، أي: بصيرا بعملكم، من حفر الخندق، ومعاونة النبي صلى الله عليه وسلم، والثبات معه، فيجازيكم عليه، وقرأ أبو عمرو: بالغيب، أي: بما يعمل الكفار من البغي، والسعي في إطفاء نور الله، { إذ جاؤوكم } هو بدل من: إذ جاءتكم، { من فوقكم } من أعلى الوادي، من قبل المشرق. وهم بنو غطفان. { ومن أسفل منكم } من أسفل الوادي من قبل المغرب، وهو قريش. { وإذ زاغت الأبصار } مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا. أو: مالت إلى عدوها، لشدة الخوف، { وبلغت القلوب الحناجر } رعبا. والحنجرة: رأس الغلصمة، وهي منتهى الحلقوم، الذي هو مدخل الطعام والشراب. قالوا: إذا انتفخت الرئة، من شدة الفزع والغضب، ربت، وارتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة. وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب، وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة. روي أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: " نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ". { وتظنون بالله الظنونا } الأنواع من الظن. والمؤمنون أصناف منهم الأقوياء، ومنهم الضعفاء، ومنهم المنافقون. فظن الأقوياء، المخلصون، الثبت القلوب أن ينجز الله وعده في إعلاء دينه، ويمتحنهم، فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأما الآخرون فظنوا ما حكى عنهم، وهو الذين زاغت أبصارهم، وبلغت قلوبهم الحناجر، دون الأقوياء رضي الله عنهم، وقرأ أبو عمرو وحمزة: { الظنون } بغير ألف، وهو القياس. وبالألف فيهما: نافع، والشامي، وشعبة إجراء للوصل مجرى الوقف. والمكي، وعلي، وحفص: بالألف في الوقف. ومثله: الرسولا [الأحزاب: 66] و السبيلا [الأحزاب: 67]، زادوها في الفاصلة، كما زادوها في القافية، كقوله: " أقلي اللوم، عاذل والعتابا " وهو في الإمام: بالألف. { هنالك ابتلي المؤمنون } أي: اختبروا، فظهر المخلص من المنافق، والثابت من المزلزل، { وزلزلوا زلزالا شديدا } وحركوا بالخوف، تحريكا شديدا. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص اذكروا نعمة الله عليكم بالتأييد والنصر، فحين توجهتم إلي، ودخلتم في طريق ولايتي، رفضتكم الناس، ونكرتكم، ورمتكم عن قوس واحدة، فجاءتكم جنود الخواطر والوساوس من كل جانب، حتى هممتم بالرجوع أو الوقوف. وإذ زاغت الأبصار: مالت عن قصدها بالاهتمام بالرجوع، وبلغت القلوب الحناجر، ممن كان ضعيف الإرادة واليقين، وتظنون بالله الظنونا، فمنهم من يظن الامتكان بعد الامتحان، فيفرحون بالبلاء، ومنهم من يظن أنه عقوبة... إلى غير ذلك، هنالك ابتلي المؤمنون المتوجهون ليظهر الصادق، في الطلب، من الكاذب فيه، فعند الامتحان يعز المرء أو يهان، ويظهر الخوافون من الشجعان، وزلزلوا زلزالا شديدا ليتخلصوا ويتمحصوا، كما يتخلص الذهب والفضة من الناس، ومن عرف ما قصد هان عليه ما ترك. قال القشيري: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم.. } يعني: بمقابلتها بالشكر، وتذكر ما سلف من الذي دفع عنك، يهون عليك مقاساة البلاء في الحال. وبذكرك لما أولاك في الماضي يقرب من الثقة بوصول ما تؤمله في الاستقبال. فمن جملة ما ذكرهم قوله: { إذ جاءتكم جنود.. } الآية: كم بلاء صرفه عن العبد وهو لا يشعر، وكم شغل كنت بصدده، فصده عنك ولم تعلم، وكم أمر صرفه، والعبد يضج، وهو - سبحانه - يعلم أن في تيسيره هلاكه، فيمنعه منه رحمة عليه، والعبد يتهمه ويضيق به صدره. ه. ثم ذكر سبحانه نتيجة الابتلاء فقال: { وإذ يقول المنافقون... }

الأحزاب 33:12

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } عطف تفسير إذ هو وصف المنافقين، كقول الشاعر: إلى الملك القرم، وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم فابن الهمام هو القرم، والقرم - بالراء -: السيد. وقيل: { الذين في قلوبهم مرض } ، هم الذين لا بصيرة بهم في الدين من المسلمين، كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبه عليهم، قالوا، عند شدة الخوف: { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا }. روي أن معتب بن قشير، المنافق حين رأى الأحزاب قال: إن محمدا يعدنا فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز، خوفا، ما هذا إلا وعد غرور. ه. { وإذ قالت طائفة منهم } من المنافقين، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه: { يا أهل يثرب } ، وهم أهل المدينة، { لا مقام لكم } أي: لا قرار لكم هنا، ولا مكان تقيمون فيه - وقرأ حفص: بضم الميم - اسم مكان، أو مصدر، { فارجعوا } من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاربين، أو: إلى الكفر، فيمكنكم المقام بها، أو: لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى الشرك وأظهروا الإسلام لتسلموا، { ويستأذن فريق منهم النبي } أي: بنو حارثة، { يقولون إن بيوتنا عورة }: ذات عورة، أي: خالية غير حصينة، وهي مما يلي العدو. وأصلها: الخلل. وقرأ ابن عباس بكسر الواو: عورة، يعني: قصيرة الجدران، فيها خلل. تقول العرب: دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة، وعور المكان: إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق، ويجوز أن يكون عورة: تخفيف عورة. اعتذروا أن بيوتهم عرضة للعدو والسارق لأنها غير محصنة، فاستأذنوا ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله تعالى بقوله: { وما هي بعورة } ، بل هي حصينة، { إن يريدون إلا فرارا } من القتل. { ولو دخلت عليهم } مدينتهم، أو: بيوتهم. من قولك: دخلت على فلان داره. { من أقطارها } ، من جوانبها، أي: ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة - التي يفرون خوفا منها - مدينتهم، أو بيوتهم، من نواحيها كلها ناهبين سارقين، { ثم سئلوا } عند ذلك الفزع، { الفتنة } أي: الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، أو: القتال في العصبية، وهو أحسن لأنهم مسلمون، { لأتوها } لجاؤوها وفعلوا. ومن قرأ بالمد فمعناه: لأعطوها من أنفسهم، { وما تلبثوا بها } بإجابتها وإعطائها، أي: ما احتبسوا عنها { إلا يسيرا } ، أو: ما لبثوا بالمدينة، بعد ارتدادهم، إلا زمانا يسيرا، ثم يهلكهم الله لأن المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها، والمعنى أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملأوهم رعبا، وهؤلاء الأحزاب كما هم لو سألوهم أن يقاتلوا فتنة وعصبية لأجابوهم، وما تعللوا بشيء، وما ذلك إلا لضعف إيمانهم، والعياذ بالله. الإشارة: وإذ قالت طائفة من شيوخ التربية لأهل الفناء: لا مقام تقفون معه إذ قد قطعتم المقامات، حين تحققتم بمقام الفناء، فارجعوا إلى البقاء لتقوموا بآداب العبودية، وتنزلون في المقامات ثم ترحلون عنها، كما تنزل الشمس في بروجها، فكل وقت يبرز فيه ما يقتضي النزول إلى مقامه. فتارة يبرز ما يقتضي التوبة، وتارة ما يقتضي الخوف والهيبة، أي: خوف القطيعة، وتارة ما يقتضي الرجاء والبسط، وتارة ما يقتضي الشكر، وتارة الصبر، وتارة ما يقتضي الرضا والتسليم، وتارة ما يهيج المحبة أو المراقبة أو المشاهدة. وهكذا ينزل في المقامات ويرحل عنها، ولا يقيم في شيء منها. ويستأذن بعض المريدين في الرجوع إلى مقامات الإيمان أو الإسلام، أو شيء من أمور البدايات، يقولون: إن بيوت تلك المقامات لم نتقنها، بل فيها عورة وخلل، وما هي بعورة، ما يريدون إلا فرارا من ثقل أعباء الحضرة. ولو دخلت بيوت قلوبهم من أقطارها، ثم سئلوا الرجوع إلى الدنيا لأتوها لأنها قريبة عهد بتركها، وما تلبثوا بها إلا زمانا يسيرا، بل يبغتهم الموت، ويندمون، قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى. وقد كانوا عاهدوا الله ألا يرجعوا إليها، كما قال تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل... }

الأحزاب 33:13

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } عطف تفسير إذ هو وصف المنافقين، كقول الشاعر: إلى الملك القرم، وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم فابن الهمام هو القرم، والقرم - بالراء -: السيد. وقيل: { الذين في قلوبهم مرض } ، هم الذين لا بصيرة بهم في الدين من المسلمين، كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبه عليهم، قالوا، عند شدة الخوف: { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا }. روي أن معتب بن قشير، المنافق حين رأى الأحزاب قال: إن محمدا يعدنا فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز، خوفا، ما هذا إلا وعد غرور. ه. { وإذ قالت طائفة منهم } من المنافقين، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه: { يا أهل يثرب } ، وهم أهل المدينة، { لا مقام لكم } أي: لا قرار لكم هنا، ولا مكان تقيمون فيه - وقرأ حفص: بضم الميم - اسم مكان، أو مصدر، { فارجعوا } من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاربين، أو: إلى الكفر، فيمكنكم المقام بها، أو: لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى الشرك وأظهروا الإسلام لتسلموا، { ويستأذن فريق منهم النبي } أي: بنو حارثة، { يقولون إن بيوتنا عورة }: ذات عورة، أي: خالية غير حصينة، وهي مما يلي العدو. وأصلها: الخلل. وقرأ ابن عباس بكسر الواو: عورة، يعني: قصيرة الجدران، فيها خلل. تقول العرب: دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة، وعور المكان: إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق، ويجوز أن يكون عورة: تخفيف عورة. اعتذروا أن بيوتهم عرضة للعدو والسارق لأنها غير محصنة، فاستأذنوا ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله تعالى بقوله: { وما هي بعورة } ، بل هي حصينة، { إن يريدون إلا فرارا } من القتل. { ولو دخلت عليهم } مدينتهم، أو: بيوتهم. من قولك: دخلت على فلان داره. { من أقطارها } ، من جوانبها، أي: ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة - التي يفرون خوفا منها - مدينتهم، أو بيوتهم، من نواحيها كلها ناهبين سارقين، { ثم سئلوا } عند ذلك الفزع، { الفتنة } أي: الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، أو: القتال في العصبية، وهو أحسن لأنهم مسلمون، { لأتوها } لجاؤوها وفعلوا. ومن قرأ بالمد فمعناه: لأعطوها من أنفسهم، { وما تلبثوا بها } بإجابتها وإعطائها، أي: ما احتبسوا عنها { إلا يسيرا } ، أو: ما لبثوا بالمدينة، بعد ارتدادهم، إلا زمانا يسيرا، ثم يهلكهم الله لأن المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها، والمعنى أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملأوهم رعبا، وهؤلاء الأحزاب كما هم لو سألوهم أن يقاتلوا فتنة وعصبية لأجابوهم، وما تعللوا بشيء، وما ذلك إلا لضعف إيمانهم، والعياذ بالله. الإشارة: وإذ قالت طائفة من شيوخ التربية لأهل الفناء: لا مقام تقفون معه إذ قد قطعتم المقامات، حين تحققتم بمقام الفناء، فارجعوا إلى البقاء لتقوموا بآداب العبودية، وتنزلون في المقامات ثم ترحلون عنها، كما تنزل الشمس في بروجها، فكل وقت يبرز فيه ما يقتضي النزول إلى مقامه. فتارة يبرز ما يقتضي التوبة، وتارة ما يقتضي الخوف والهيبة، أي: خوف القطيعة، وتارة ما يقتضي الرجاء والبسط، وتارة ما يقتضي الشكر، وتارة الصبر، وتارة ما يقتضي الرضا والتسليم، وتارة ما يهيج المحبة أو المراقبة أو المشاهدة. وهكذا ينزل في المقامات ويرحل عنها، ولا يقيم في شيء منها. ويستأذن بعض المريدين في الرجوع إلى مقامات الإيمان أو الإسلام، أو شيء من أمور البدايات، يقولون: إن بيوت تلك المقامات لم نتقنها، بل فيها عورة وخلل، وما هي بعورة، ما يريدون إلا فرارا من ثقل أعباء الحضرة. ولو دخلت بيوت قلوبهم من أقطارها، ثم سئلوا الرجوع إلى الدنيا لأتوها لأنها قريبة عهد بتركها، وما تلبثوا بها إلا زمانا يسيرا، بل يبغتهم الموت، ويندمون، قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى. وقد كانوا عاهدوا الله ألا يرجعوا إليها، كما قال تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل... }

الأحزاب 33:14

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } عطف تفسير إذ هو وصف المنافقين، كقول الشاعر: إلى الملك القرم، وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم فابن الهمام هو القرم، والقرم - بالراء -: السيد. وقيل: { الذين في قلوبهم مرض } ، هم الذين لا بصيرة بهم في الدين من المسلمين، كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبه عليهم، قالوا، عند شدة الخوف: { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا }. روي أن معتب بن قشير، المنافق حين رأى الأحزاب قال: إن محمدا يعدنا فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز، خوفا، ما هذا إلا وعد غرور. ه. { وإذ قالت طائفة منهم } من المنافقين، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه: { يا أهل يثرب } ، وهم أهل المدينة، { لا مقام لكم } أي: لا قرار لكم هنا، ولا مكان تقيمون فيه - وقرأ حفص: بضم الميم - اسم مكان، أو مصدر، { فارجعوا } من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاربين، أو: إلى الكفر، فيمكنكم المقام بها، أو: لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى الشرك وأظهروا الإسلام لتسلموا، { ويستأذن فريق منهم النبي } أي: بنو حارثة، { يقولون إن بيوتنا عورة }: ذات عورة، أي: خالية غير حصينة، وهي مما يلي العدو. وأصلها: الخلل. وقرأ ابن عباس بكسر الواو: عورة، يعني: قصيرة الجدران، فيها خلل. تقول العرب: دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة، وعور المكان: إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق، ويجوز أن يكون عورة: تخفيف عورة. اعتذروا أن بيوتهم عرضة للعدو والسارق لأنها غير محصنة، فاستأذنوا ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله تعالى بقوله: { وما هي بعورة } ، بل هي حصينة، { إن يريدون إلا فرارا } من القتل. { ولو دخلت عليهم } مدينتهم، أو: بيوتهم. من قولك: دخلت على فلان داره. { من أقطارها } ، من جوانبها، أي: ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة - التي يفرون خوفا منها - مدينتهم، أو بيوتهم، من نواحيها كلها ناهبين سارقين، { ثم سئلوا } عند ذلك الفزع، { الفتنة } أي: الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، أو: القتال في العصبية، وهو أحسن لأنهم مسلمون، { لأتوها } لجاؤوها وفعلوا. ومن قرأ بالمد فمعناه: لأعطوها من أنفسهم، { وما تلبثوا بها } بإجابتها وإعطائها، أي: ما احتبسوا عنها { إلا يسيرا } ، أو: ما لبثوا بالمدينة، بعد ارتدادهم، إلا زمانا يسيرا، ثم يهلكهم الله لأن المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها، والمعنى أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملأوهم رعبا، وهؤلاء الأحزاب كما هم لو سألوهم أن يقاتلوا فتنة وعصبية لأجابوهم، وما تعللوا بشيء، وما ذلك إلا لضعف إيمانهم، والعياذ بالله. الإشارة: وإذ قالت طائفة من شيوخ التربية لأهل الفناء: لا مقام تقفون معه إذ قد قطعتم المقامات، حين تحققتم بمقام الفناء، فارجعوا إلى البقاء لتقوموا بآداب العبودية، وتنزلون في المقامات ثم ترحلون عنها، كما تنزل الشمس في بروجها، فكل وقت يبرز فيه ما يقتضي النزول إلى مقامه. فتارة يبرز ما يقتضي التوبة، وتارة ما يقتضي الخوف والهيبة، أي: خوف القطيعة، وتارة ما يقتضي الرجاء والبسط، وتارة ما يقتضي الشكر، وتارة الصبر، وتارة ما يقتضي الرضا والتسليم، وتارة ما يهيج المحبة أو المراقبة أو المشاهدة. وهكذا ينزل في المقامات ويرحل عنها، ولا يقيم في شيء منها. ويستأذن بعض المريدين في الرجوع إلى مقامات الإيمان أو الإسلام، أو شيء من أمور البدايات، يقولون: إن بيوت تلك المقامات لم نتقنها، بل فيها عورة وخلل، وما هي بعورة، ما يريدون إلا فرارا من ثقل أعباء الحضرة. ولو دخلت بيوت قلوبهم من أقطارها، ثم سئلوا الرجوع إلى الدنيا لأتوها لأنها قريبة عهد بتركها، وما تلبثوا بها إلا زمانا يسيرا، بل يبغتهم الموت، ويندمون، قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى. وقد كانوا عاهدوا الله ألا يرجعوا إليها، كما قال تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل... }

الأحزاب 33:15

يقول الحق جل جلاله: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } أي: قبل غزوة الخندق، وهو يوم أحد. والضمير في " كانوا " لبني حارثة، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، حين فشلوا، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله، وقالوا: { لا يولون الأدبار } منهزمين أبدا، { وكان عهد الله مسؤولا } عن الوفاء له، مجازى عليه، أو: مطلوبا مقتضى حتى يوفى به. { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } ، فإنه لا بد لكل شخص من حتف أنفه، أو: قتل في وقت معين سبق القضاء وجرى به القلم، { وإذا لا تمتعون إلا قليلا } أي: إن حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار، وإن لم يحضر، وفررتم، لن تمتعوا في الدنيا إلا زمانا قليلا، وهو مدة أعماركم، وهو قليل بالنسبة إلى ما بعد الموت الذي لا انقضاء له. { قل من ذا الذي يعصمكم من الله } أي: يمنعكم مما أراد الله إنزاله بكم { إن أراد بكم سوءا } في أنفسكم، من قتل أو غيره، { أو أراد بكم رحمة } أي: أراد بكم إطالة عمر في عافية وسلامة. أو: من يمنع الله من أن يرحمكم، إن أراد بكم رحمة، فحذف سوءا، أو يصيبكم بسوء، إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } ينفعهم، { ولا نصيرا } يدفع العذاب عنهم. الإشارة: ولقد كان عاهد الله من دخل في طريق القوم، ألا يولي الأدبار، ويرجع إلى الدنيا والاشتغال بها حتى يتفتر عن السير، وكان عهد الله مسؤولا، فيسأله الحق تعالى عن سبب رجوعه عن الإرادة، ولماذا حرم نفسه من لذيذ المشاهدة؟ قل - لمن رجع، ولم يقدر على مجاهدة نفسه: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت لنفوسكم، أو القتل بمجاهدتها وتجميلها بعكس مرادها، وتحميلها ما يثقل عليها، وإذا لا تمتعون إلا قليلا، ثم ترحلون إلى الله، في غم الحجاب وسوء الحساب. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله، إن أراد بكم سوءا؟ وهو البعد والطرد، أو: من يمنعكم من رحمته، إن أراد بكم رحمة، وهي التقريب إلى حضرته، فلا أحد يعصمكم من إبعاده، ولا أحد يمنعكم من إحسانه إذ لا ولي ولا ناصر سواه. اللهم انصرنا بنصرك المبين، وارحمنا برحمتك الخاصة، حتى تقربنا إلى حضرتك، بفضل منك وجودك، يا أرحم الراحمين. ثم ذكر نعوت أهل البعد فقال: { قد يعلم الله المعوقين... }

الأحزاب 33:16

يقول الحق جل جلاله: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } أي: قبل غزوة الخندق، وهو يوم أحد. والضمير في " كانوا " لبني حارثة، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، حين فشلوا، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله، وقالوا: { لا يولون الأدبار } منهزمين أبدا، { وكان عهد الله مسؤولا } عن الوفاء له، مجازى عليه، أو: مطلوبا مقتضى حتى يوفى به. { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } ، فإنه لا بد لكل شخص من حتف أنفه، أو: قتل في وقت معين سبق القضاء وجرى به القلم، { وإذا لا تمتعون إلا قليلا } أي: إن حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار، وإن لم يحضر، وفررتم، لن تمتعوا في الدنيا إلا زمانا قليلا، وهو مدة أعماركم، وهو قليل بالنسبة إلى ما بعد الموت الذي لا انقضاء له. { قل من ذا الذي يعصمكم من الله } أي: يمنعكم مما أراد الله إنزاله بكم { إن أراد بكم سوءا } في أنفسكم، من قتل أو غيره، { أو أراد بكم رحمة } أي: أراد بكم إطالة عمر في عافية وسلامة. أو: من يمنع الله من أن يرحمكم، إن أراد بكم رحمة، فحذف سوءا، أو يصيبكم بسوء، إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } ينفعهم، { ولا نصيرا } يدفع العذاب عنهم. الإشارة: ولقد كان عاهد الله من دخل في طريق القوم، ألا يولي الأدبار، ويرجع إلى الدنيا والاشتغال بها حتى يتفتر عن السير، وكان عهد الله مسؤولا، فيسأله الحق تعالى عن سبب رجوعه عن الإرادة، ولماذا حرم نفسه من لذيذ المشاهدة؟ قل - لمن رجع، ولم يقدر على مجاهدة نفسه: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت لنفوسكم، أو القتل بمجاهدتها وتجميلها بعكس مرادها، وتحميلها ما يثقل عليها، وإذا لا تمتعون إلا قليلا، ثم ترحلون إلى الله، في غم الحجاب وسوء الحساب. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله، إن أراد بكم سوءا؟ وهو البعد والطرد، أو: من يمنعكم من رحمته، إن أراد بكم رحمة، وهي التقريب إلى حضرته، فلا أحد يعصمكم من إبعاده، ولا أحد يمنعكم من إحسانه إذ لا ولي ولا ناصر سواه. اللهم انصرنا بنصرك المبين، وارحمنا برحمتك الخاصة، حتى تقربنا إلى حضرتك، بفضل منك وجودك، يا أرحم الراحمين. ثم ذكر نعوت أهل البعد فقال: { قد يعلم الله المعوقين... }

الأحزاب 33:17

يقول الحق جل جلاله: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } أي: قبل غزوة الخندق، وهو يوم أحد. والضمير في " كانوا " لبني حارثة، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، حين فشلوا، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله، وقالوا: { لا يولون الأدبار } منهزمين أبدا، { وكان عهد الله مسؤولا } عن الوفاء له، مجازى عليه، أو: مطلوبا مقتضى حتى يوفى به. { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } ، فإنه لا بد لكل شخص من حتف أنفه، أو: قتل في وقت معين سبق القضاء وجرى به القلم، { وإذا لا تمتعون إلا قليلا } أي: إن حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار، وإن لم يحضر، وفررتم، لن تمتعوا في الدنيا إلا زمانا قليلا، وهو مدة أعماركم، وهو قليل بالنسبة إلى ما بعد الموت الذي لا انقضاء له. { قل من ذا الذي يعصمكم من الله } أي: يمنعكم مما أراد الله إنزاله بكم { إن أراد بكم سوءا } في أنفسكم، من قتل أو غيره، { أو أراد بكم رحمة } أي: أراد بكم إطالة عمر في عافية وسلامة. أو: من يمنع الله من أن يرحمكم، إن أراد بكم رحمة، فحذف سوءا، أو يصيبكم بسوء، إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } ينفعهم، { ولا نصيرا } يدفع العذاب عنهم. الإشارة: ولقد كان عاهد الله من دخل في طريق القوم، ألا يولي الأدبار، ويرجع إلى الدنيا والاشتغال بها حتى يتفتر عن السير، وكان عهد الله مسؤولا، فيسأله الحق تعالى عن سبب رجوعه عن الإرادة، ولماذا حرم نفسه من لذيذ المشاهدة؟ قل - لمن رجع، ولم يقدر على مجاهدة نفسه: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت لنفوسكم، أو القتل بمجاهدتها وتجميلها بعكس مرادها، وتحميلها ما يثقل عليها، وإذا لا تمتعون إلا قليلا، ثم ترحلون إلى الله، في غم الحجاب وسوء الحساب. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله، إن أراد بكم سوءا؟ وهو البعد والطرد، أو: من يمنعكم من رحمته، إن أراد بكم رحمة، وهي التقريب إلى حضرته، فلا أحد يعصمكم من إبعاده، ولا أحد يمنعكم من إحسانه إذ لا ولي ولا ناصر سواه. اللهم انصرنا بنصرك المبين، وارحمنا برحمتك الخاصة، حتى تقربنا إلى حضرتك، بفضل منك وجودك، يا أرحم الراحمين. ثم ذكر نعوت أهل البعد فقال: { قد يعلم الله المعوقين... }

الأحزاب 33:18

يقول الحق جل جلاله: { قد يعلم الله المعوقين منكم } أي: يعلم من يعوق عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنع، وهم المنافقون والمثبطون للناس عن الخروج إلى الغزو، { والقائلين لإخوانهم } في الظاهر من ساكني المدينة من المسلمين: { هلم إلينا } تعالوا إلينا، ودعوا محمدا. ولغة أهل الحجاز في " هلم ": أنهم يسوون فيه بين الواحد والجماعة. وأما بنو تميم فيقولون: هلم يا رجل، وهلموا يا رجال.. وهكذا. { ولا يأتون البأس } الحرب { إلا قليلا } إلا إتيانا قليلا، أو يحضرون ساعة، رياء، ويقفون قليلا، مقدار ما يرى شهودهم ثم ينصرفون. { أشحة عليكم } جمع شحيح، وهو البخيل، نصب على الحال من ضمير { يأتون } أي: لا يأتون الحرب بخلا عليكم بالمعاونة أو بالنفقة في سبيل الله، أو: في الظفر والغنيمة، أي: عند الظفر وقسم الغنيمة. { فإذا جاء الخوف } من قبل العدو، أو: منه صلى الله عليه وسلم، { رأيتهم ينظرون إليك } في تلك الحالة، { تدور أعينهم } يمينا وشمالا { كالذي يغشى عليه من الموت } كما ينظر المغشي عليه معالجة سكرات الموت حذرا وخوفا ولواذا بك. { فإذا ذهب الخوف } أي: زال ذلك الخوف وأمنوا، وحيزت الغنائم { سلقوكم بألسنة حداد } خاطبوكم مخاطبة شديدة، وآذوكم بالكلام، يقال: خطيب سلق: فصيح، ورجل مسلق وسلاق: مبالغ في الكلام. يعني: بسطوا ألسنتهم فيكم، وقت قسم الغنيمة، ويقولون: أعطنا فإنا قد شهدنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم. { أشحة على الخير } أي: خاطبوكم أشحة على المال والغنيمة. فهو حال من فاعل سلقوكم، فهم أشح القوم عند القسم، وأجبنهم عند الحرب، { أولئك لم يؤمنوا } في الحقيقة، بل بالألسنة فقط، { فأحبط الله أعمالهم } أبطلها، بإضمار الكفر مع ما أظهروا من الأعمال الخبيثة، { وكان ذلك } الإحباط { على الله يسيرا } هينا. الإشارة: هذه صفة منافقي الصوفية، يدخلون معهم على تذبذب، فإذا رأوا قوما توجهوا لخرق عوائدهم وتخريب ظواهرهم، أو: أرادوا الخروج عن دنياهم، عوقوهم عن ذلك، وثبطوهم، وكذلك إذا تواجهوا في سفر لشقة بعيدة ليستتروا بهم، وقالوا لأخوانهم في الطريق: هلم إلينا، ولا يأتون مكان حرب أنفسهم إلا قليلا. أشحة بأنفسهم عليكم، فإذا جاء الخوف، وتجلى لهم الحق تعالى باسمه الجليل بأن نزلت بالفقراء محنة، رأيتهم ينظرون إليك، تدور أعينهم، نظر المغشي عليه من الموت، فإذا ذهب الخوف، وجاء النصر والعز سلقوكم بألسنة حداد، وقالوا: إنا كنا معكم، أولئك لا نصيب لهم مما للقوم من الخصوصية. والله تعالى أعلم. ثم تمم وصفهم فقال: { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا... }

الأحزاب 33:19

يقول الحق جل جلاله: { قد يعلم الله المعوقين منكم } أي: يعلم من يعوق عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنع، وهم المنافقون والمثبطون للناس عن الخروج إلى الغزو، { والقائلين لإخوانهم } في الظاهر من ساكني المدينة من المسلمين: { هلم إلينا } تعالوا إلينا، ودعوا محمدا. ولغة أهل الحجاز في " هلم ": أنهم يسوون فيه بين الواحد والجماعة. وأما بنو تميم فيقولون: هلم يا رجل، وهلموا يا رجال.. وهكذا. { ولا يأتون البأس } الحرب { إلا قليلا } إلا إتيانا قليلا، أو يحضرون ساعة، رياء، ويقفون قليلا، مقدار ما يرى شهودهم ثم ينصرفون. { أشحة عليكم } جمع شحيح، وهو البخيل، نصب على الحال من ضمير { يأتون } أي: لا يأتون الحرب بخلا عليكم بالمعاونة أو بالنفقة في سبيل الله، أو: في الظفر والغنيمة، أي: عند الظفر وقسم الغنيمة. { فإذا جاء الخوف } من قبل العدو، أو: منه صلى الله عليه وسلم، { رأيتهم ينظرون إليك } في تلك الحالة، { تدور أعينهم } يمينا وشمالا { كالذي يغشى عليه من الموت } كما ينظر المغشي عليه معالجة سكرات الموت حذرا وخوفا ولواذا بك. { فإذا ذهب الخوف } أي: زال ذلك الخوف وأمنوا، وحيزت الغنائم { سلقوكم بألسنة حداد } خاطبوكم مخاطبة شديدة، وآذوكم بالكلام، يقال: خطيب سلق: فصيح، ورجل مسلق وسلاق: مبالغ في الكلام. يعني: بسطوا ألسنتهم فيكم، وقت قسم الغنيمة، ويقولون: أعطنا فإنا قد شهدنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم. { أشحة على الخير } أي: خاطبوكم أشحة على المال والغنيمة. فهو حال من فاعل سلقوكم، فهم أشح القوم عند القسم، وأجبنهم عند الحرب، { أولئك لم يؤمنوا } في الحقيقة، بل بالألسنة فقط، { فأحبط الله أعمالهم } أبطلها، بإضمار الكفر مع ما أظهروا من الأعمال الخبيثة، { وكان ذلك } الإحباط { على الله يسيرا } هينا. الإشارة: هذه صفة منافقي الصوفية، يدخلون معهم على تذبذب، فإذا رأوا قوما توجهوا لخرق عوائدهم وتخريب ظواهرهم، أو: أرادوا الخروج عن دنياهم، عوقوهم عن ذلك، وثبطوهم، وكذلك إذا تواجهوا في سفر لشقة بعيدة ليستتروا بهم، وقالوا لأخوانهم في الطريق: هلم إلينا، ولا يأتون مكان حرب أنفسهم إلا قليلا. أشحة بأنفسهم عليكم، فإذا جاء الخوف، وتجلى لهم الحق تعالى باسمه الجليل بأن نزلت بالفقراء محنة، رأيتهم ينظرون إليك، تدور أعينهم، نظر المغشي عليه من الموت، فإذا ذهب الخوف، وجاء النصر والعز سلقوكم بألسنة حداد، وقالوا: إنا كنا معكم، أولئك لا نصيب لهم مما للقوم من الخصوصية. والله تعالى أعلم. ثم تمم وصفهم فقال: { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا... }

الأحزاب 33:20

يقول الحق جل جلاله: { يحسبون } أي: هؤلاء المنافقون { الأحزاب } ، يعني: قريشا وغطفان، الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: اجتمعوا، أنهم { لم يذهبوا } ولم ينصرفوا لشدة جبنهم، مع أنهم انصرفوا. { وإن يأت الأحزاب } كرة ثانية { يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } ، والبادون: جمع باد، أي: يتمنى المنافقون - لجبنهم - أنهم خارجون من المدينة إلى البادية، حاصلون بين الأعراب ليأمنوا على أنفسهم، ويعتزلوا مما فيه الخوف من الحرب، { يسألون } كل قادم منهم من جانب المدينة. وقرئ { يساءلون } ، بالشد. أي: يتساءلون، بعضهم بعضا { عن أنبائكم } عن أخباركم وعما جرى عليكم، { ولو كانوا } أي: هؤلاء المنافقون { فيكم } أي: حاضرون في عسكركم، وضر قتال، { ما قاتلوا إلا قليلا } رياء وسمعة، ولو كان لله لكان كثيرا إذ لا يقل عمل لله. الإشارة: الجبان يخاف والناس آمنون، والشجاع يأمن والناس خائفون، ولا ينال من طريق القوم شيئا جبان ولا مستحي ولا متكبر. فمن أوصاف الضعفاء: أنهم، إذا نزلت بالقوم شدة أو محنة - كما امتحن الجنيد وأصحابه - يتمنون أنهم خارجون عنهم، وربما خرجوا بالفعل، وإن ذهبت شوكتهم يحسبون أنهم لم يذهبوا لشدة جزعهم. ومن أوصافهم: أنهم يكثر سؤالهم عن أخبار القوم، والبحث عما جرى بهم خوفا وجزعا، ولو مضوا معهم لم يغنوا شيئا. والله تعالى أعلم. ثم ذكرهم من أهل القوة، فقال: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة... }

الأحزاب 33:21

يقول الحق جل جلاله: { لقد كان لكم في رسول الله } محمد صلى الله عليه وسلم { أسوة حسنة } خصلة حسنة، من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد، ومباشرة القتال. أو: في نفسه قدوة يحسن التأسي به. كما تقول: في البيضة عشرون رطلا من حديد، أي: هي في نفسها عشرون. وفيه لغتان: الضم والكسر، كالعدوة والعدوة، والرشوة والرشوة. وهي { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } أي: يخاف الله ويخاف اليوم الآخر، أو: لأجل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر. و " لمن ": قيل: بدل من ضمير " لكم " ، وفيه ضعف إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما يدل على الإحاطة. وقيل: يتعلق بحسنة، أي: أسوة حسنة كائنة لمن آمن، { وذكر الله كثيرا } أي: في الخوف والرجاء، والشدة والرخاء، فإن المؤتسي بالرسول يكون كذلك. { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } قد أقبلوا عليهم ليستأصلوهم، وقد وعدهم الله أن يسلط عليهم المحن، ويزلزلوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم.. [البقرة:214] إلى قوله: نصر الله قريب [البقرة: 214]، فلما جاء الأحزاب واضطربوا { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } ، وعلموا أن الجنة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " إن الأحزاب سائرون إليكم، في آخر تسع ليال، أو عشر " ، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد، قالوا ذلك. و { هذا }: إشارة إلى الخطب والبلاء، أي: هذا الخطب الذي وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، { وما زادهم } ، ما رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم، { إلا إيمانا } بالله وبمواعيده { وتسليما } لقضائه وأقداره. { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } أي: صدقوا فيما عاهدوه، فحذف الجار، وأوصل المفعول إلى " ما " وذلك أن رجالا من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا، وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة، وسعيد بن زيد، وحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر، وغيرهم. { فمنهم من قضى نحبه } نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر. والنحب: النذر، واستعير للموت لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي: نذره. وقال في الصحاح: النحب: النذر، ثم قال: والنحب: المدة والوقت. يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات. ه. فهو لفظ مشترك بين النذر والموت. وصحح ابن عطية أن النحب الذي في الآية ليس من شرطه الموت. بل معناه: قضى نذره الذي عاهد الله عليه من نصرة الدين، سواء قتل أو بقي حيا. بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في طلحة: " هذا ممن قضى نحبه " ه. { ومنهم من ينتظر } أي: الموت على الشهادة كعثمان وطلحة، { وما بدلوا } العهد { تبديلا } ولا غيروه، لا المستشهد، ولا من ينتظر الشهادة. وفيه تعريض بمن بدل من أهل النفاق، كقوله تعالى فيما مر: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار... [الأحزاب: 15]. { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } بوفائهم بالعهد، { ويعذب المنافقين إن شاء } إذا لم يتوبوا، { أو يتوب عليهم } إن تابوا { إن الله كان غفورا } بقبول التوبة، { رحيما } بعفو الحوبة. الإشارة: قد تقدم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - والاهتداء بهديه، وأنه منهاج الأكابر. وقوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب... } الآية. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيمانا وتسليما، ويقينا وطمأنينة، وتحققوا بصحة الطريق إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين، وسنة الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [العنكبوت:2] الآية. وتقدم في إشارتها ما يتعلق بهذا المعنى. قال بعضهم: نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قوي نورنا. وقال القشيري: كما أن المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثقة، وعلى الأعداء جرأة، ولحكم الله استسلاما. وفي الله قوة. ثم قال: قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا... } الآية، شكر صنيعهم في المراس، ومدح يقينهم عند شهود الناس، وسماهم رجالا إثباتا لهم بالخصوصية في الرتبة، وتمييزا لهم من بين أشكالهم بعلو الحال، فمنهم من خرج من دنياه على صدقه، ومنهم من ينتظر حكم الله في الحياة والممات، وحقيقة الصدق: حفظ العهد وترك مجاوزة الحد. ويقال: استواء السر والجهر. ويقال: هو الثبات عندما يكون الأمر جدا. قوله تعالى: {... ليجزي الله الصادقين بصدقهم.. } في الدنيا بالتمكين، والنصرة على العدو، وإعلاء الرتبة، وفي الآخرة بجزيل الثواب، وجميل المآب، والخلود في النعيم المقيم، والتقدم على الأشكال بالتكريم والتعظيم. وقوله: { ويعذب المنافقين إن شاء } يقال: إذا لم يجزم بعقوبة المنافق، وتعلق القول فيه على الرجاء، فبالحري ألا يخيب المؤمن في رجائه. انتهى كلام القشيري. ثم ذكر رجوع الأحزاب، فقال: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم... }

الأحزاب 33:22

يقول الحق جل جلاله: { لقد كان لكم في رسول الله } محمد صلى الله عليه وسلم { أسوة حسنة } خصلة حسنة، من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد، ومباشرة القتال. أو: في نفسه قدوة يحسن التأسي به. كما تقول: في البيضة عشرون رطلا من حديد، أي: هي في نفسها عشرون. وفيه لغتان: الضم والكسر، كالعدوة والعدوة، والرشوة والرشوة. وهي { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } أي: يخاف الله ويخاف اليوم الآخر، أو: لأجل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر. و " لمن ": قيل: بدل من ضمير " لكم " ، وفيه ضعف إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما يدل على الإحاطة. وقيل: يتعلق بحسنة، أي: أسوة حسنة كائنة لمن آمن، { وذكر الله كثيرا } أي: في الخوف والرجاء، والشدة والرخاء، فإن المؤتسي بالرسول يكون كذلك. { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } قد أقبلوا عليهم ليستأصلوهم، وقد وعدهم الله أن يسلط عليهم المحن، ويزلزلوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم.. [البقرة:214] إلى قوله: نصر الله قريب [البقرة: 214]، فلما جاء الأحزاب واضطربوا { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } ، وعلموا أن الجنة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " إن الأحزاب سائرون إليكم، في آخر تسع ليال، أو عشر " ، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد، قالوا ذلك. و { هذا }: إشارة إلى الخطب والبلاء، أي: هذا الخطب الذي وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، { وما زادهم } ، ما رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم، { إلا إيمانا } بالله وبمواعيده { وتسليما } لقضائه وأقداره. { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } أي: صدقوا فيما عاهدوه، فحذف الجار، وأوصل المفعول إلى " ما " وذلك أن رجالا من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا، وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة، وسعيد بن زيد، وحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر، وغيرهم. { فمنهم من قضى نحبه } نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر. والنحب: النذر، واستعير للموت لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي: نذره. وقال في الصحاح: النحب: النذر، ثم قال: والنحب: المدة والوقت. يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات. ه. فهو لفظ مشترك بين النذر والموت. وصحح ابن عطية أن النحب الذي في الآية ليس من شرطه الموت. بل معناه: قضى نذره الذي عاهد الله عليه من نصرة الدين، سواء قتل أو بقي حيا. بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في طلحة: " هذا ممن قضى نحبه " ه. { ومنهم من ينتظر } أي: الموت على الشهادة كعثمان وطلحة، { وما بدلوا } العهد { تبديلا } ولا غيروه، لا المستشهد، ولا من ينتظر الشهادة. وفيه تعريض بمن بدل من أهل النفاق، كقوله تعالى فيما مر: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار... [الأحزاب: 15]. { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } بوفائهم بالعهد، { ويعذب المنافقين إن شاء } إذا لم يتوبوا، { أو يتوب عليهم } إن تابوا { إن الله كان غفورا } بقبول التوبة، { رحيما } بعفو الحوبة. الإشارة: قد تقدم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - والاهتداء بهديه، وأنه منهاج الأكابر. وقوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب... } الآية. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيمانا وتسليما، ويقينا وطمأنينة، وتحققوا بصحة الطريق إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين، وسنة الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [العنكبوت:2] الآية. وتقدم في إشارتها ما يتعلق بهذا المعنى. قال بعضهم: نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قوي نورنا. وقال القشيري: كما أن المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثقة، وعلى الأعداء جرأة، ولحكم الله استسلاما. وفي الله قوة. ثم قال: قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا... } الآية، شكر صنيعهم في المراس، ومدح يقينهم عند شهود الناس، وسماهم رجالا إثباتا لهم بالخصوصية في الرتبة، وتمييزا لهم من بين أشكالهم بعلو الحال، فمنهم من خرج من دنياه على صدقه، ومنهم من ينتظر حكم الله في الحياة والممات، وحقيقة الصدق: حفظ العهد وترك مجاوزة الحد. ويقال: استواء السر والجهر. ويقال: هو الثبات عندما يكون الأمر جدا. قوله تعالى: {... ليجزي الله الصادقين بصدقهم.. } في الدنيا بالتمكين، والنصرة على العدو، وإعلاء الرتبة، وفي الآخرة بجزيل الثواب، وجميل المآب، والخلود في النعيم المقيم، والتقدم على الأشكال بالتكريم والتعظيم. وقوله: { ويعذب المنافقين إن شاء } يقال: إذا لم يجزم بعقوبة المنافق، وتعلق القول فيه على الرجاء، فبالحري ألا يخيب المؤمن في رجائه. انتهى كلام القشيري. ثم ذكر رجوع الأحزاب، فقال: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم... }

الأحزاب 33:23

يقول الحق جل جلاله: { لقد كان لكم في رسول الله } محمد صلى الله عليه وسلم { أسوة حسنة } خصلة حسنة، من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد، ومباشرة القتال. أو: في نفسه قدوة يحسن التأسي به. كما تقول: في البيضة عشرون رطلا من حديد، أي: هي في نفسها عشرون. وفيه لغتان: الضم والكسر، كالعدوة والعدوة، والرشوة والرشوة. وهي { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } أي: يخاف الله ويخاف اليوم الآخر، أو: لأجل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر. و " لمن ": قيل: بدل من ضمير " لكم " ، وفيه ضعف إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما يدل على الإحاطة. وقيل: يتعلق بحسنة، أي: أسوة حسنة كائنة لمن آمن، { وذكر الله كثيرا } أي: في الخوف والرجاء، والشدة والرخاء، فإن المؤتسي بالرسول يكون كذلك. { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } قد أقبلوا عليهم ليستأصلوهم، وقد وعدهم الله أن يسلط عليهم المحن، ويزلزلوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم.. [البقرة:214] إلى قوله: نصر الله قريب [البقرة: 214]، فلما جاء الأحزاب واضطربوا { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } ، وعلموا أن الجنة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " إن الأحزاب سائرون إليكم، في آخر تسع ليال، أو عشر " ، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد، قالوا ذلك. و { هذا }: إشارة إلى الخطب والبلاء، أي: هذا الخطب الذي وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، { وما زادهم } ، ما رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم، { إلا إيمانا } بالله وبمواعيده { وتسليما } لقضائه وأقداره. { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } أي: صدقوا فيما عاهدوه، فحذف الجار، وأوصل المفعول إلى " ما " وذلك أن رجالا من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا، وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة، وسعيد بن زيد، وحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر، وغيرهم. { فمنهم من قضى نحبه } نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر. والنحب: النذر، واستعير للموت لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي: نذره. وقال في الصحاح: النحب: النذر، ثم قال: والنحب: المدة والوقت. يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات. ه. فهو لفظ مشترك بين النذر والموت. وصحح ابن عطية أن النحب الذي في الآية ليس من شرطه الموت. بل معناه: قضى نذره الذي عاهد الله عليه من نصرة الدين، سواء قتل أو بقي حيا. بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في طلحة: " هذا ممن قضى نحبه " ه. { ومنهم من ينتظر } أي: الموت على الشهادة كعثمان وطلحة، { وما بدلوا } العهد { تبديلا } ولا غيروه، لا المستشهد، ولا من ينتظر الشهادة. وفيه تعريض بمن بدل من أهل النفاق، كقوله تعالى فيما مر: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار... [الأحزاب: 15]. { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } بوفائهم بالعهد، { ويعذب المنافقين إن شاء } إذا لم يتوبوا، { أو يتوب عليهم } إن تابوا { إن الله كان غفورا } بقبول التوبة، { رحيما } بعفو الحوبة. الإشارة: قد تقدم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - والاهتداء بهديه، وأنه منهاج الأكابر. وقوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب... } الآية. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيمانا وتسليما، ويقينا وطمأنينة، وتحققوا بصحة الطريق إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين، وسنة الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [العنكبوت:2] الآية. وتقدم في إشارتها ما يتعلق بهذا المعنى. قال بعضهم: نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قوي نورنا. وقال القشيري: كما أن المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثقة، وعلى الأعداء جرأة، ولحكم الله استسلاما. وفي الله قوة. ثم قال: قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا... } الآية، شكر صنيعهم في المراس، ومدح يقينهم عند شهود الناس، وسماهم رجالا إثباتا لهم بالخصوصية في الرتبة، وتمييزا لهم من بين أشكالهم بعلو الحال، فمنهم من خرج من دنياه على صدقه، ومنهم من ينتظر حكم الله في الحياة والممات، وحقيقة الصدق: حفظ العهد وترك مجاوزة الحد. ويقال: استواء السر والجهر. ويقال: هو الثبات عندما يكون الأمر جدا. قوله تعالى: {... ليجزي الله الصادقين بصدقهم.. } في الدنيا بالتمكين، والنصرة على العدو، وإعلاء الرتبة، وفي الآخرة بجزيل الثواب، وجميل المآب، والخلود في النعيم المقيم، والتقدم على الأشكال بالتكريم والتعظيم. وقوله: { ويعذب المنافقين إن شاء } يقال: إذا لم يجزم بعقوبة المنافق، وتعلق القول فيه على الرجاء، فبالحري ألا يخيب المؤمن في رجائه. انتهى كلام القشيري. ثم ذكر رجوع الأحزاب، فقال: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم... }

الأحزاب 33:24

يقول الحق جل جلاله: { لقد كان لكم في رسول الله } محمد صلى الله عليه وسلم { أسوة حسنة } خصلة حسنة، من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد، ومباشرة القتال. أو: في نفسه قدوة يحسن التأسي به. كما تقول: في البيضة عشرون رطلا من حديد، أي: هي في نفسها عشرون. وفيه لغتان: الضم والكسر، كالعدوة والعدوة، والرشوة والرشوة. وهي { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } أي: يخاف الله ويخاف اليوم الآخر، أو: لأجل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر. و " لمن ": قيل: بدل من ضمير " لكم " ، وفيه ضعف إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما يدل على الإحاطة. وقيل: يتعلق بحسنة، أي: أسوة حسنة كائنة لمن آمن، { وذكر الله كثيرا } أي: في الخوف والرجاء، والشدة والرخاء، فإن المؤتسي بالرسول يكون كذلك. { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } قد أقبلوا عليهم ليستأصلوهم، وقد وعدهم الله أن يسلط عليهم المحن، ويزلزلوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم.. [البقرة:214] إلى قوله: نصر الله قريب [البقرة: 214]، فلما جاء الأحزاب واضطربوا { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } ، وعلموا أن الجنة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " إن الأحزاب سائرون إليكم، في آخر تسع ليال، أو عشر " ، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد، قالوا ذلك. و { هذا }: إشارة إلى الخطب والبلاء، أي: هذا الخطب الذي وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، { وما زادهم } ، ما رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم، { إلا إيمانا } بالله وبمواعيده { وتسليما } لقضائه وأقداره. { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } أي: صدقوا فيما عاهدوه، فحذف الجار، وأوصل المفعول إلى " ما " وذلك أن رجالا من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا، وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة، وسعيد بن زيد، وحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر، وغيرهم. { فمنهم من قضى نحبه } نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر. والنحب: النذر، واستعير للموت لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي: نذره. وقال في الصحاح: النحب: النذر، ثم قال: والنحب: المدة والوقت. يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات. ه. فهو لفظ مشترك بين النذر والموت. وصحح ابن عطية أن النحب الذي في الآية ليس من شرطه الموت. بل معناه: قضى نذره الذي عاهد الله عليه من نصرة الدين، سواء قتل أو بقي حيا. بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في طلحة: " هذا ممن قضى نحبه " ه. { ومنهم من ينتظر } أي: الموت على الشهادة كعثمان وطلحة، { وما بدلوا } العهد { تبديلا } ولا غيروه، لا المستشهد، ولا من ينتظر الشهادة. وفيه تعريض بمن بدل من أهل النفاق، كقوله تعالى فيما مر: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار... [الأحزاب: 15]. { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } بوفائهم بالعهد، { ويعذب المنافقين إن شاء } إذا لم يتوبوا، { أو يتوب عليهم } إن تابوا { إن الله كان غفورا } بقبول التوبة، { رحيما } بعفو الحوبة. الإشارة: قد تقدم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - والاهتداء بهديه، وأنه منهاج الأكابر. وقوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب... } الآية. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيمانا وتسليما، ويقينا وطمأنينة، وتحققوا بصحة الطريق إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين، وسنة الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [العنكبوت:2] الآية. وتقدم في إشارتها ما يتعلق بهذا المعنى. قال بعضهم: نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قوي نورنا. وقال القشيري: كما أن المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثقة، وعلى الأعداء جرأة، ولحكم الله استسلاما. وفي الله قوة. ثم قال: قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا... } الآية، شكر صنيعهم في المراس، ومدح يقينهم عند شهود الناس، وسماهم رجالا إثباتا لهم بالخصوصية في الرتبة، وتمييزا لهم من بين أشكالهم بعلو الحال، فمنهم من خرج من دنياه على صدقه، ومنهم من ينتظر حكم الله في الحياة والممات، وحقيقة الصدق: حفظ العهد وترك مجاوزة الحد. ويقال: استواء السر والجهر. ويقال: هو الثبات عندما يكون الأمر جدا. قوله تعالى: {... ليجزي الله الصادقين بصدقهم.. } في الدنيا بالتمكين، والنصرة على العدو، وإعلاء الرتبة، وفي الآخرة بجزيل الثواب، وجميل المآب، والخلود في النعيم المقيم، والتقدم على الأشكال بالتكريم والتعظيم. وقوله: { ويعذب المنافقين إن شاء } يقال: إذا لم يجزم بعقوبة المنافق، وتعلق القول فيه على الرجاء، فبالحري ألا يخيب المؤمن في رجائه. انتهى كلام القشيري. ثم ذكر رجوع الأحزاب، فقال: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم... }

الأحزاب 33:25

يقول الحق جل جلاله: { ورد الله الذين كفروا } أي: الأحزاب { بغيظهم } ملتبسين بغيظهم، فهو حال كقوله: تنبت بالدهن [المؤمنون: 20] أي: ردهم غائظين { لم ينالوا خيرا } ظفرا، أي: لم يظفروا بالمسلمين. وسماه " خيرا " بزعمهم، وهو أيضا حال، أي: غير ظافرين، { وكفى الله المؤمنين القتال } بالريح، والملائكة، { وكان الله قويا عزيزا } قادرا غالبا، فقهرهم بقدرته وغلبهم بقهريته. { وأنزل الذين ظاهروهم }: عاونوا الأحزاب وجاؤوا بهم { من أهل الكتاب } ، يعني بني قريظة، أنزلهم { من صياصيهم } من حصونهم. والصيصة: ما يتحصن به. قال الهروي: وكل ما يتحصن به فهو صيصة، ويقال لقرون البقر والظبي: صياصي لأنها تتحصن بها، وفي وصف أصحاب الدجال: " شواربهم كالصياصي " ، لطولها، وفتلها، فصارت كالقرون. ه. روي أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب، ورجع المسلمون إلى المدينة - على فرسه الحيزوم، والغبار على وجه الفرس والسرج، فقال: ما هذا جبريل؟ فقال: من متابعة قريش. ثم قال: إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، وأنا عائد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وهم لكم طعمة. وفي رواية: لما رجع - عليه الصلاة والسلام - ودخل مغتسله، جاءه جبريل بعمامة من استبرق، على بغلة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعت الملائكة السلاح، وما رجعت إلا من طلب القوم، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة. فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس: أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. فخرج إليهم، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنزلون على حكمي؟ فأبوا، فقال: تنزلون على حكم سعد بن معاذ؟ فرضوا به. فقال سعد: نحكم فيهم: أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم. فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " لقد حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة ". ثم استنزلهم، وخندق في سوق المدينة خندقا، وقدمهم، فضرب أعناقهم. وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة. وقيل: كانوا ستمائة مقاتل، وسبعمائة أسير، فقتل المقاتلة، وقسم الأسارى، وهم الذراري والنساء. وكان علي والزبير رضي الله عنهما يضربان أعناق بني قريظة. والنبي صلى الله عليه وسلم جالس هناك. والقصة مطولة في كتب السير. { وقذف في قلوبهم الرعب } الخوف. وفيه السكون والضم، { فريقا تقتلون } وهم الرجال { وتأسرون فريقا } وهم النساء والذراري. قالت عائشة رضي الله عنها: لم يقتل صلى الله عليه وسلم من نساء بني قريظة امرأة إلا واحدة، قتلها بخلاد بن سويد، كانت شدخت رأسه بحجر من فوق الحصن. { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم } كالمواشي والنقود والأمتعة. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، وقال لهم: " إنكم في منازلكم " { و } أورثكم { أرضا لم تطؤوها } بعد، قيل: خيبر، ولم يكونوا نالوها، أو: مكة، أو: فارس والروم، أو: كل أرض لم تفتح إلى يوم القيامة، فمكنهم الله من ذلك كله، وفتح عليهم مشارق الأرض ومغاربها. { وكان الله على كل شيء قديرا } فيقدر على جميع ذلك. الإشارة: هذه عادة الله مع خواصه، أن يخوفهم ثم يؤمنهم، ويذلهم ثم يعزهم، ويفقرهم ثم يغنيهم، ويجعل دائرة السوء على من ناوأهم، ويكفيهم أمرهم من غير محاربة ولا قتال، { وكفى الله المؤمنين القتال... } الآية. ثم يكون لهم التصرف في الوجود بأسره، أمرهم بأمر الله، وحكمهم بحكمه، والله غالب على أمره. ولما نصر الله رسوله، وفرق الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس أموال اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء والخول ونحن على ما تراه من الفاقه والضيق، وآلمن قلبه - عليه الصلاة والسلام - لمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن به بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم. فأنزل الله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك... }

الأحزاب 33:26

يقول الحق جل جلاله: { ورد الله الذين كفروا } أي: الأحزاب { بغيظهم } ملتبسين بغيظهم، فهو حال كقوله: تنبت بالدهن [المؤمنون: 20] أي: ردهم غائظين { لم ينالوا خيرا } ظفرا، أي: لم يظفروا بالمسلمين. وسماه " خيرا " بزعمهم، وهو أيضا حال، أي: غير ظافرين، { وكفى الله المؤمنين القتال } بالريح، والملائكة، { وكان الله قويا عزيزا } قادرا غالبا، فقهرهم بقدرته وغلبهم بقهريته. { وأنزل الذين ظاهروهم }: عاونوا الأحزاب وجاؤوا بهم { من أهل الكتاب } ، يعني بني قريظة، أنزلهم { من صياصيهم } من حصونهم. والصيصة: ما يتحصن به. قال الهروي: وكل ما يتحصن به فهو صيصة، ويقال لقرون البقر والظبي: صياصي لأنها تتحصن بها، وفي وصف أصحاب الدجال: " شواربهم كالصياصي " ، لطولها، وفتلها، فصارت كالقرون. ه. روي أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب، ورجع المسلمون إلى المدينة - على فرسه الحيزوم، والغبار على وجه الفرس والسرج، فقال: ما هذا جبريل؟ فقال: من متابعة قريش. ثم قال: إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، وأنا عائد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وهم لكم طعمة. وفي رواية: لما رجع - عليه الصلاة والسلام - ودخل مغتسله، جاءه جبريل بعمامة من استبرق، على بغلة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعت الملائكة السلاح، وما رجعت إلا من طلب القوم، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة. فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس: أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. فخرج إليهم، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنزلون على حكمي؟ فأبوا، فقال: تنزلون على حكم سعد بن معاذ؟ فرضوا به. فقال سعد: نحكم فيهم: أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم. فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " لقد حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة ". ثم استنزلهم، وخندق في سوق المدينة خندقا، وقدمهم، فضرب أعناقهم. وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة. وقيل: كانوا ستمائة مقاتل، وسبعمائة أسير، فقتل المقاتلة، وقسم الأسارى، وهم الذراري والنساء. وكان علي والزبير رضي الله عنهما يضربان أعناق بني قريظة. والنبي صلى الله عليه وسلم جالس هناك. والقصة مطولة في كتب السير. { وقذف في قلوبهم الرعب } الخوف. وفيه السكون والضم، { فريقا تقتلون } وهم الرجال { وتأسرون فريقا } وهم النساء والذراري. قالت عائشة رضي الله عنها: لم يقتل صلى الله عليه وسلم من نساء بني قريظة امرأة إلا واحدة، قتلها بخلاد بن سويد، كانت شدخت رأسه بحجر من فوق الحصن. { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم } كالمواشي والنقود والأمتعة. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، وقال لهم: " إنكم في منازلكم " { و } أورثكم { أرضا لم تطؤوها } بعد، قيل: خيبر، ولم يكونوا نالوها، أو: مكة، أو: فارس والروم، أو: كل أرض لم تفتح إلى يوم القيامة، فمكنهم الله من ذلك كله، وفتح عليهم مشارق الأرض ومغاربها. { وكان الله على كل شيء قديرا } فيقدر على جميع ذلك. الإشارة: هذه عادة الله مع خواصه، أن يخوفهم ثم يؤمنهم، ويذلهم ثم يعزهم، ويفقرهم ثم يغنيهم، ويجعل دائرة السوء على من ناوأهم، ويكفيهم أمرهم من غير محاربة ولا قتال، { وكفى الله المؤمنين القتال... } الآية. ثم يكون لهم التصرف في الوجود بأسره، أمرهم بأمر الله، وحكمهم بحكمه، والله غالب على أمره. ولما نصر الله رسوله، وفرق الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس أموال اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء والخول ونحن على ما تراه من الفاقه والضيق، وآلمن قلبه - عليه الصلاة والسلام - لمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن به بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم. فأنزل الله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك... }

الأحزاب 33:27

يقول الحق جل جلاله: { ورد الله الذين كفروا } أي: الأحزاب { بغيظهم } ملتبسين بغيظهم، فهو حال كقوله: تنبت بالدهن [المؤمنون: 20] أي: ردهم غائظين { لم ينالوا خيرا } ظفرا، أي: لم يظفروا بالمسلمين. وسماه " خيرا " بزعمهم، وهو أيضا حال، أي: غير ظافرين، { وكفى الله المؤمنين القتال } بالريح، والملائكة، { وكان الله قويا عزيزا } قادرا غالبا، فقهرهم بقدرته وغلبهم بقهريته. { وأنزل الذين ظاهروهم }: عاونوا الأحزاب وجاؤوا بهم { من أهل الكتاب } ، يعني بني قريظة، أنزلهم { من صياصيهم } من حصونهم. والصيصة: ما يتحصن به. قال الهروي: وكل ما يتحصن به فهو صيصة، ويقال لقرون البقر والظبي: صياصي لأنها تتحصن بها، وفي وصف أصحاب الدجال: " شواربهم كالصياصي " ، لطولها، وفتلها، فصارت كالقرون. ه. روي أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب، ورجع المسلمون إلى المدينة - على فرسه الحيزوم، والغبار على وجه الفرس والسرج، فقال: ما هذا جبريل؟ فقال: من متابعة قريش. ثم قال: إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، وأنا عائد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وهم لكم طعمة. وفي رواية: لما رجع - عليه الصلاة والسلام - ودخل مغتسله، جاءه جبريل بعمامة من استبرق، على بغلة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعت الملائكة السلاح، وما رجعت إلا من طلب القوم، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة. فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس: أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. فخرج إليهم، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنزلون على حكمي؟ فأبوا، فقال: تنزلون على حكم سعد بن معاذ؟ فرضوا به. فقال سعد: نحكم فيهم: أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم. فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " لقد حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة ". ثم استنزلهم، وخندق في سوق المدينة خندقا، وقدمهم، فضرب أعناقهم. وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة. وقيل: كانوا ستمائة مقاتل، وسبعمائة أسير، فقتل المقاتلة، وقسم الأسارى، وهم الذراري والنساء. وكان علي والزبير رضي الله عنهما يضربان أعناق بني قريظة. والنبي صلى الله عليه وسلم جالس هناك. والقصة مطولة في كتب السير. { وقذف في قلوبهم الرعب } الخوف. وفيه السكون والضم، { فريقا تقتلون } وهم الرجال { وتأسرون فريقا } وهم النساء والذراري. قالت عائشة رضي الله عنها: لم يقتل صلى الله عليه وسلم من نساء بني قريظة امرأة إلا واحدة، قتلها بخلاد بن سويد، كانت شدخت رأسه بحجر من فوق الحصن. { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم } كالمواشي والنقود والأمتعة. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، وقال لهم: " إنكم في منازلكم " { و } أورثكم { أرضا لم تطؤوها } بعد، قيل: خيبر، ولم يكونوا نالوها، أو: مكة، أو: فارس والروم، أو: كل أرض لم تفتح إلى يوم القيامة، فمكنهم الله من ذلك كله، وفتح عليهم مشارق الأرض ومغاربها. { وكان الله على كل شيء قديرا } فيقدر على جميع ذلك. الإشارة: هذه عادة الله مع خواصه، أن يخوفهم ثم يؤمنهم، ويذلهم ثم يعزهم، ويفقرهم ثم يغنيهم، ويجعل دائرة السوء على من ناوأهم، ويكفيهم أمرهم من غير محاربة ولا قتال، { وكفى الله المؤمنين القتال... } الآية. ثم يكون لهم التصرف في الوجود بأسره، أمرهم بأمر الله، وحكمهم بحكمه، والله غالب على أمره. ولما نصر الله رسوله، وفرق الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس أموال اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء والخول ونحن على ما تراه من الفاقه والضيق، وآلمن قلبه - عليه الصلاة والسلام - لمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن به بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم. فأنزل الله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك... }

الأحزاب 33:28

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي قل لأزواجك } وكن تسعا خمسا من قريش: عائشة بنت الصديق، وحفصة بنت الفاروق، وأم حبيبة بنت سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وصفية بنت حيي الخيبرية، من بني إسرائيل، من ذرية هارون عليه السلام، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. أي: فقل لهن { إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } أي: التوسعة في الدنيا وكثرة الأموال والحلل، { فتعالين } أي: أقبلن بإرادتكن واختياركن. وأصل " تعال " أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان الأدنى، ثم كثر استعماله في كل أمر مطلوب. { أمتعكن } أي: أعطكن متعة الطلاق. وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا المفوضة قبل الوطء مع أخواتها، كما في كتب الفقه. { وأسرحكن } أطلقكن { سراحا جميلا } لا ضرر فيه. وقيل: سبب نزولها: أنهن سألنه زيادة النفقة، وقيل: آذينه بغيرة بعضهن من بعض، فاغتم عليه الصلاة والسلام لذلك. وقيل: هجرهن شهرا، فنزلت، وهي آية التخيير. فبدأ بعائشة رضي الله عنها وكانت أحبهن إليه، فخيرها، وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجهه صلى الله عليه وسلم، ثم اختارت جميعهن اختيارها. وروي أنه قال لعائشة: " إني ذاكر لك أمرا، ولا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " ثم قرأ عليها الآية، فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وحكم التخيير في الطلاق: أنه إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت نفسي، أن تقع تطليقة واحدة بائنة، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء. قاله النسفي. وقال ابن جزي: وإذا اختارت المرأة الطلاق فمذهب مالك: أنه ثلاث، وقيل: طلقة بائنة. وقيل: رجعية. ووصف السراح بالجميل يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث، أو: يريد الثلاث، وجماله: حسن المرعى، والثناء، وحفظ العهد. ه. { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن } " من ": للبيان، { أجرا عظيما } فاخترن رضي الله عنهن ما هو مناسب لحاله عليه الصلاة والسلام حين خير بين أن يكون نبيا عبدا، أو نبيا ملكا، فاختار أن يكون نبيا عبدا، لا ملكا. فاخترن العبودية، التي اختارها عليه الصلاة والسلام. الإشارة: ينبغي لمن قلده الله نساء متعددة أن يخيرهن، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا يخلو من حال الغيرة، فإذا خيرهن فينبغي أن يغيب عن تشغيبهن، ولم يصغ بأذنه إلى حديثهن، ولا ينبغي أن يغتم من أجل الغيرة، فإنها طبع لازم للبشر، وليقدر في نفسه: أنه إذا تزوجت زوجته غيره، وهي في عصمته، هل يقدر على ذلك أم لا، فالأمر واحد. والله أعلم. قال القشيري: لم يرد أن يكون قلب واحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شغل، أو يعود إلى واحد منهم أذى، أو تعب من الدنيا، فخير صلى الله عليه وسلم بأمر ربه نساءه، ووفق الله عائشة، حتى أخبرت عن صدق قلبها، وكمال دينها ويقينها، وما هو المنتظر من أصلها ونيتها. والباقيات جرين على منهاجها، ونسجن على منوالها. ه. ثم هددهن وبشرهن فقال: { ينسآء النبي من يأت منكن... }

الأحزاب 33:29

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي قل لأزواجك } وكن تسعا خمسا من قريش: عائشة بنت الصديق، وحفصة بنت الفاروق، وأم حبيبة بنت سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وصفية بنت حيي الخيبرية، من بني إسرائيل، من ذرية هارون عليه السلام، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. أي: فقل لهن { إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } أي: التوسعة في الدنيا وكثرة الأموال والحلل، { فتعالين } أي: أقبلن بإرادتكن واختياركن. وأصل " تعال " أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان الأدنى، ثم كثر استعماله في كل أمر مطلوب. { أمتعكن } أي: أعطكن متعة الطلاق. وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا المفوضة قبل الوطء مع أخواتها، كما في كتب الفقه. { وأسرحكن } أطلقكن { سراحا جميلا } لا ضرر فيه. وقيل: سبب نزولها: أنهن سألنه زيادة النفقة، وقيل: آذينه بغيرة بعضهن من بعض، فاغتم عليه الصلاة والسلام لذلك. وقيل: هجرهن شهرا، فنزلت، وهي آية التخيير. فبدأ بعائشة رضي الله عنها وكانت أحبهن إليه، فخيرها، وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجهه صلى الله عليه وسلم، ثم اختارت جميعهن اختيارها. وروي أنه قال لعائشة: " إني ذاكر لك أمرا، ولا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " ثم قرأ عليها الآية، فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وحكم التخيير في الطلاق: أنه إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت نفسي، أن تقع تطليقة واحدة بائنة، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء. قاله النسفي. وقال ابن جزي: وإذا اختارت المرأة الطلاق فمذهب مالك: أنه ثلاث، وقيل: طلقة بائنة. وقيل: رجعية. ووصف السراح بالجميل يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث، أو: يريد الثلاث، وجماله: حسن المرعى، والثناء، وحفظ العهد. ه. { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن } " من ": للبيان، { أجرا عظيما } فاخترن رضي الله عنهن ما هو مناسب لحاله عليه الصلاة والسلام حين خير بين أن يكون نبيا عبدا، أو نبيا ملكا، فاختار أن يكون نبيا عبدا، لا ملكا. فاخترن العبودية، التي اختارها عليه الصلاة والسلام. الإشارة: ينبغي لمن قلده الله نساء متعددة أن يخيرهن، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا يخلو من حال الغيرة، فإذا خيرهن فينبغي أن يغيب عن تشغيبهن، ولم يصغ بأذنه إلى حديثهن، ولا ينبغي أن يغتم من أجل الغيرة، فإنها طبع لازم للبشر، وليقدر في نفسه: أنه إذا تزوجت زوجته غيره، وهي في عصمته، هل يقدر على ذلك أم لا، فالأمر واحد. والله أعلم. قال القشيري: لم يرد أن يكون قلب واحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شغل، أو يعود إلى واحد منهم أذى، أو تعب من الدنيا، فخير صلى الله عليه وسلم بأمر ربه نساءه، ووفق الله عائشة، حتى أخبرت عن صدق قلبها، وكمال دينها ويقينها، وما هو المنتظر من أصلها ونيتها. والباقيات جرين على منهاجها، ونسجن على منوالها. ه. ثم هددهن وبشرهن فقال: { ينسآء النبي من يأت منكن... }

الأحزاب 33:30

يقول الحق جل جلاله: { يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة } بسيئة بليغة في القبح { مبينة } ظاهر فحشها، من: بين، بمعنى: تبين. وقرأ المكي وشعبة بفتح الياء، وهي عصيانهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشوزهن. قال في المقدمات: كل فاحشة نعتت في القرآن بالبينة فهي بالنطق، والتي لم تنعت بها زنى. ه. { يضاعف لها العذاب ضعفين } أي: ضعفي عذاب غيرهن من النساء لأن الذنب منهن أقبح فإن قبح الذنب يتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه، ولذلك قيل: ليست المعصية في القرب كالمعصية في البعد. وليس لأحد من النساء مثل فضل النساء النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد منه للعاصي الجاهل لأن المعصية من العالم أقبح، وفي الحديث: " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه " لقوة الجرأة في العالم دون غيره. ولهذا أيضا فضل حد الأحرار على العبيد، ولم يرجح الكافر. { وكان ذلك } أي: تضعيف العذاب عليهن { على الله يسيرا } هينا. { ومن يقنت منكن } أي: يدم على الطاعة { لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين } أي: مثل ثوابي غيرها، مرة على الطاعة، ومرة على طلبهن رضا النبي صلى الله عليه وسلم، بالقناعة، وحسن المعاشرة. وقرأ حمزة والكسائي بالغيب على لفظ " من " ، { وأعتدنا لها رزقا كريما } جليل القدر، وهو الجنة. الإشارة: من شأن الملك أن يعاتب الوزراء بما لا يعاتب غيرهم، ويهددهم بما لا يهدد به غيرهم، ويعطيهم من التقريب والكرامة ما لا يعطي غيرهم، فإن هفوا وزلوا عاتبهم، ثم يردهم إلى مقامهم، وربما سمح وأغضى. والغالب: أن الحق تعالى يعجل عتاب خواصه، في الدنيا قبل الآخرة، بمصائب وأهوال، تصفية وتطهيرا، ولا يبعدهم من حضرته بما اقترفوا. قال القشيري: زيادة العقوبة على الجرم من أمارات الفضيلة، كحد الحر والعبد، وتقليل ذلك من أمارات النقص، ولما كانت منزلتهن في الشرف تزيد وتربو على منزلة جميع النساء، تضاعفت عقوبتهن على أجرامهن، وتضاعف ثوابهن على طاعتهن، فقال: { ومن يقنت منكن لله... } وقال: { لستن كأحد من النساء... } الآية ه. والله تعالى أعلم. ثم وصاهن بما يليق بجنابهن المعظم فقال: { ينسآء النبي لستن كأحد... }

الأحزاب 33:31

يقول الحق جل جلاله: { يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة } بسيئة بليغة في القبح { مبينة } ظاهر فحشها، من: بين، بمعنى: تبين. وقرأ المكي وشعبة بفتح الياء، وهي عصيانهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشوزهن. قال في المقدمات: كل فاحشة نعتت في القرآن بالبينة فهي بالنطق، والتي لم تنعت بها زنى. ه. { يضاعف لها العذاب ضعفين } أي: ضعفي عذاب غيرهن من النساء لأن الذنب منهن أقبح فإن قبح الذنب يتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه، ولذلك قيل: ليست المعصية في القرب كالمعصية في البعد. وليس لأحد من النساء مثل فضل النساء النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد منه للعاصي الجاهل لأن المعصية من العالم أقبح، وفي الحديث: " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه " لقوة الجرأة في العالم دون غيره. ولهذا أيضا فضل حد الأحرار على العبيد، ولم يرجح الكافر. { وكان ذلك } أي: تضعيف العذاب عليهن { على الله يسيرا } هينا. { ومن يقنت منكن } أي: يدم على الطاعة { لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين } أي: مثل ثوابي غيرها، مرة على الطاعة، ومرة على طلبهن رضا النبي صلى الله عليه وسلم، بالقناعة، وحسن المعاشرة. وقرأ حمزة والكسائي بالغيب على لفظ " من " ، { وأعتدنا لها رزقا كريما } جليل القدر، وهو الجنة. الإشارة: من شأن الملك أن يعاتب الوزراء بما لا يعاتب غيرهم، ويهددهم بما لا يهدد به غيرهم، ويعطيهم من التقريب والكرامة ما لا يعطي غيرهم، فإن هفوا وزلوا عاتبهم، ثم يردهم إلى مقامهم، وربما سمح وأغضى. والغالب: أن الحق تعالى يعجل عتاب خواصه، في الدنيا قبل الآخرة، بمصائب وأهوال، تصفية وتطهيرا، ولا يبعدهم من حضرته بما اقترفوا. قال القشيري: زيادة العقوبة على الجرم من أمارات الفضيلة، كحد الحر والعبد، وتقليل ذلك من أمارات النقص، ولما كانت منزلتهن في الشرف تزيد وتربو على منزلة جميع النساء، تضاعفت عقوبتهن على أجرامهن، وتضاعف ثوابهن على طاعتهن، فقال: { ومن يقنت منكن لله... } وقال: { لستن كأحد من النساء... } الآية ه. والله تعالى أعلم. ثم وصاهن بما يليق بجنابهن المعظم فقال: { ينسآء النبي لستن كأحد... }

الأحزاب 33:32

يقول الحق جل جلاله: { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء } أي: لستن كجماعة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء، جماعة جماعة، لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل، فكما أنه عليه الصلاة والسلام ليس كأحد من الرجال، كما قال: " إني لست كأحدكم... " كذلك زوجاته التي شرفن به. وأصل " أحد ": وحد، بمعنى: واحد، فوضع في النفي العام، مستويا فيه المذكر والمؤنث، والواحد وما وراءه، أي: لستن في الشرف كأحد من النساء، { إن اتقيتن } مخالفة الله ورضا رسوله، { فلا تخضعن بالقول } أي: إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب، فلا تجئن بقولكن خاضعا، أي: لينا خنثا مثل قول المريبات، { فيطمع الذي في قلبه مرض } ريبة، وفجور، وهو جواب النهي، { وقلن قولا معروفا } حسنا مع كونه خشينا. { وقرن في بيوتكن } أي: استكن فيه، والزمن بيوتكن من غير خروج. وقرأ نافع وعاصم بالفتح، وهو من: قرر يقرر، لغة في قر بالمكان، وأصله: اقررن، فحذفت الراء، تخفيفا، وألقيت فتحتها على ما قبلها. وقيل: من: قار يقار: إذا اجتمع. والباقون بالكسر، من: قر بالمكان يقر بالكسر، وأصله: اقررن، فنقلت كسرة الراء إلى القاف، وحذفت الراء. وقيل: من: وقر يقر وقارا. { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } أي: لا تتبخترن في المشي تبختر أهل الجاهلية، فالتبرج: التبختر في المشي وإظهار الزينة، أي: ولا تبرجن تبرجا مثل { تبرج الجاهلية الأولى } أي: القديمة، وهو الزمان الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام، فكانت المرأة تتخذ فيه الدرع من اللؤلؤ، وتعرض نفسها على الرجال، زمان نمرود الجبار، والناس كلهم كفار. أو: ما بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة. وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم حسان، فتريده المرأة على نفسها. أو: زمن داود وسليمان عليهما السلام، وكان للمرأة قميص من الدر، غير مخيط الجانبين، فتظهر صورتها فيه. والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام أو: الجاهلية الأولى: جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى: جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة } خصهما بالذكر تفضيلا لهما لأن من واظب عليهما جرتاه إلى غيرهما. { وأطعن الله ورسوله } في سائر ما أمركن به، ونهاكن عنه. { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } أي: يا أهل البيت، أو: أخص أهل البيت. وفيه دليل على أن نساءه من أهل بيته. قال البيضاوي: وتخصيص أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام خرج ذات غدوة عليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاءت فاطمة، فأدخلها، ثم جاء علي، فأدخله فيه، ثم جاء الحسن والحسين، فأدخلهما فيه، فقال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت... " والاحتجاج بذلك على عصمتهم، وكون اجتماعهم حجة، ضعيف لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت، لا أنه ليس غيرهم. ه. وإنما قال: { عنكم } لأنه أريد الرجال والنساء. والرجس: كل ما يدنس، من ذنب، أو عيب، أو غير ذلك، وقيل: الشيطان. { ويطهركم تطهيرا } من نجاسات الآثام والعيوب، وهو كالتعليل لما قبله، فإنما أمرهن، ونهاهن، ووعظهن لئلا يقارف أهل البيت ما يدنس، من المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار للذنب الرجس، وللتقوى الطهر لأن عرض المقترف للمستقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس وأما من تحصن منها فعرضه مصون، نقي كالثوب الطاهر. وفيه تنفير لأولي الألباب عن كل ما يدنس القلوب من الأكدار، وترغيب لهم في كل ما يطهر القلوب والأسرار، من الطاعات والأذكار. { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله } القرآن { والحكمة } السنة، أو: بيان معاني القرآن، أو: ما يتلى عليكن من الكتاب الجامع بين الأمرين. { إن الله كان لطيفا } عالما بغوامض الأشياء، { خبيرا } عالما بحقائقها، أو: هو عالم بأقوالكن وأفعالكن، فاحذرن مخالفة أمره ونهيه، ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم. الإشارة: علق الحق تعالى شرف نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيلهن على سبعة أمور، ويقاس عليهن غيرهن من سائر النساء، فمن فعل هذه الأمور حاز شرف الدنيا والآخرة. الأول: تقوى الله في السر والعلانية، وهي أساس الشرف. الثاني: التحصن مما يوجب ميل الرجال إليهن من التخنث في الكلام وغيره. الثالث: لزوم البيوت والقرار بها. وقد مدح الله نساء الجنة بذلك فقال: حور مقصورات في الخيام [الرحمن: 72]. الرابع: عدم التبرج، وهو إظهار الزينة حيث يحضر الرجال. الخامس: إقامة الصلاة وإتقانها وإيتاء الصدقة. السادس: طاعة الله ورسوله، ويدخل فيه طاعة الزوج. السابع: لزوم ذكر الله، وتلاوة كتابه لمن تحسن ذلك في بيتها. فمن فعلت من النساء هذه الأمور أذهب الله عنها دنس المعاصي والعيوب، وطهرها تطهيرا، وأبدلها بمحاسن الأخلاق والشيم الكريمة. والله تعالى أعلم. ولما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل، قال نساء المؤمنين ما نزل فينا فأنزل الله تعالى: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات... }

الأحزاب 33:33

يقول الحق جل جلاله: { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء } أي: لستن كجماعة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء، جماعة جماعة، لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل، فكما أنه عليه الصلاة والسلام ليس كأحد من الرجال، كما قال: " إني لست كأحدكم... " كذلك زوجاته التي شرفن به. وأصل " أحد ": وحد، بمعنى: واحد، فوضع في النفي العام، مستويا فيه المذكر والمؤنث، والواحد وما وراءه، أي: لستن في الشرف كأحد من النساء، { إن اتقيتن } مخالفة الله ورضا رسوله، { فلا تخضعن بالقول } أي: إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب، فلا تجئن بقولكن خاضعا، أي: لينا خنثا مثل قول المريبات، { فيطمع الذي في قلبه مرض } ريبة، وفجور، وهو جواب النهي، { وقلن قولا معروفا } حسنا مع كونه خشينا. { وقرن في بيوتكن } أي: استكن فيه، والزمن بيوتكن من غير خروج. وقرأ نافع وعاصم بالفتح، وهو من: قرر يقرر، لغة في قر بالمكان، وأصله: اقررن، فحذفت الراء، تخفيفا، وألقيت فتحتها على ما قبلها. وقيل: من: قار يقار: إذا اجتمع. والباقون بالكسر، من: قر بالمكان يقر بالكسر، وأصله: اقررن، فنقلت كسرة الراء إلى القاف، وحذفت الراء. وقيل: من: وقر يقر وقارا. { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } أي: لا تتبخترن في المشي تبختر أهل الجاهلية، فالتبرج: التبختر في المشي وإظهار الزينة، أي: ولا تبرجن تبرجا مثل { تبرج الجاهلية الأولى } أي: القديمة، وهو الزمان الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام، فكانت المرأة تتخذ فيه الدرع من اللؤلؤ، وتعرض نفسها على الرجال، زمان نمرود الجبار، والناس كلهم كفار. أو: ما بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة. وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم حسان، فتريده المرأة على نفسها. أو: زمن داود وسليمان عليهما السلام، وكان للمرأة قميص من الدر، غير مخيط الجانبين، فتظهر صورتها فيه. والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام أو: الجاهلية الأولى: جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى: جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة } خصهما بالذكر تفضيلا لهما لأن من واظب عليهما جرتاه إلى غيرهما. { وأطعن الله ورسوله } في سائر ما أمركن به، ونهاكن عنه. { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } أي: يا أهل البيت، أو: أخص أهل البيت. وفيه دليل على أن نساءه من أهل بيته. قال البيضاوي: وتخصيص أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام خرج ذات غدوة عليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاءت فاطمة، فأدخلها، ثم جاء علي، فأدخله فيه، ثم جاء الحسن والحسين، فأدخلهما فيه، فقال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت... " والاحتجاج بذلك على عصمتهم، وكون اجتماعهم حجة، ضعيف لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت، لا أنه ليس غيرهم. ه. وإنما قال: { عنكم } لأنه أريد الرجال والنساء. والرجس: كل ما يدنس، من ذنب، أو عيب، أو غير ذلك، وقيل: الشيطان. { ويطهركم تطهيرا } من نجاسات الآثام والعيوب، وهو كالتعليل لما قبله، فإنما أمرهن، ونهاهن، ووعظهن لئلا يقارف أهل البيت ما يدنس، من المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار للذنب الرجس، وللتقوى الطهر لأن عرض المقترف للمستقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس وأما من تحصن منها فعرضه مصون، نقي كالثوب الطاهر. وفيه تنفير لأولي الألباب عن كل ما يدنس القلوب من الأكدار، وترغيب لهم في كل ما يطهر القلوب والأسرار، من الطاعات والأذكار. { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله } القرآن { والحكمة } السنة، أو: بيان معاني القرآن، أو: ما يتلى عليكن من الكتاب الجامع بين الأمرين. { إن الله كان لطيفا } عالما بغوامض الأشياء، { خبيرا } عالما بحقائقها، أو: هو عالم بأقوالكن وأفعالكن، فاحذرن مخالفة أمره ونهيه، ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم. الإشارة: علق الحق تعالى شرف نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيلهن على سبعة أمور، ويقاس عليهن غيرهن من سائر النساء، فمن فعل هذه الأمور حاز شرف الدنيا والآخرة. الأول: تقوى الله في السر والعلانية، وهي أساس الشرف. الثاني: التحصن مما يوجب ميل الرجال إليهن من التخنث في الكلام وغيره. الثالث: لزوم البيوت والقرار بها. وقد مدح الله نساء الجنة بذلك فقال: حور مقصورات في الخيام [الرحمن: 72]. الرابع: عدم التبرج، وهو إظهار الزينة حيث يحضر الرجال. الخامس: إقامة الصلاة وإتقانها وإيتاء الصدقة. السادس: طاعة الله ورسوله، ويدخل فيه طاعة الزوج. السابع: لزوم ذكر الله، وتلاوة كتابه لمن تحسن ذلك في بيتها. فمن فعلت من النساء هذه الأمور أذهب الله عنها دنس المعاصي والعيوب، وطهرها تطهيرا، وأبدلها بمحاسن الأخلاق والشيم الكريمة. والله تعالى أعلم. ولما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل، قال نساء المؤمنين ما نزل فينا فأنزل الله تعالى: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات... }

الأحزاب 33:34

يقول الحق جل جلاله: { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء } أي: لستن كجماعة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء، جماعة جماعة، لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل، فكما أنه عليه الصلاة والسلام ليس كأحد من الرجال، كما قال: " إني لست كأحدكم... " كذلك زوجاته التي شرفن به. وأصل " أحد ": وحد، بمعنى: واحد، فوضع في النفي العام، مستويا فيه المذكر والمؤنث، والواحد وما وراءه، أي: لستن في الشرف كأحد من النساء، { إن اتقيتن } مخالفة الله ورضا رسوله، { فلا تخضعن بالقول } أي: إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب، فلا تجئن بقولكن خاضعا، أي: لينا خنثا مثل قول المريبات، { فيطمع الذي في قلبه مرض } ريبة، وفجور، وهو جواب النهي، { وقلن قولا معروفا } حسنا مع كونه خشينا. { وقرن في بيوتكن } أي: استكن فيه، والزمن بيوتكن من غير خروج. وقرأ نافع وعاصم بالفتح، وهو من: قرر يقرر، لغة في قر بالمكان، وأصله: اقررن، فحذفت الراء، تخفيفا، وألقيت فتحتها على ما قبلها. وقيل: من: قار يقار: إذا اجتمع. والباقون بالكسر، من: قر بالمكان يقر بالكسر، وأصله: اقررن، فنقلت كسرة الراء إلى القاف، وحذفت الراء. وقيل: من: وقر يقر وقارا. { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } أي: لا تتبخترن في المشي تبختر أهل الجاهلية، فالتبرج: التبختر في المشي وإظهار الزينة، أي: ولا تبرجن تبرجا مثل { تبرج الجاهلية الأولى } أي: القديمة، وهو الزمان الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام، فكانت المرأة تتخذ فيه الدرع من اللؤلؤ، وتعرض نفسها على الرجال، زمان نمرود الجبار، والناس كلهم كفار. أو: ما بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة. وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم حسان، فتريده المرأة على نفسها. أو: زمن داود وسليمان عليهما السلام، وكان للمرأة قميص من الدر، غير مخيط الجانبين، فتظهر صورتها فيه. والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام أو: الجاهلية الأولى: جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى: جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة } خصهما بالذكر تفضيلا لهما لأن من واظب عليهما جرتاه إلى غيرهما. { وأطعن الله ورسوله } في سائر ما أمركن به، ونهاكن عنه. { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } أي: يا أهل البيت، أو: أخص أهل البيت. وفيه دليل على أن نساءه من أهل بيته. قال البيضاوي: وتخصيص أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام خرج ذات غدوة عليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاءت فاطمة، فأدخلها، ثم جاء علي، فأدخله فيه، ثم جاء الحسن والحسين، فأدخلهما فيه، فقال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت... " والاحتجاج بذلك على عصمتهم، وكون اجتماعهم حجة، ضعيف لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت، لا أنه ليس غيرهم. ه. وإنما قال: { عنكم } لأنه أريد الرجال والنساء. والرجس: كل ما يدنس، من ذنب، أو عيب، أو غير ذلك، وقيل: الشيطان. { ويطهركم تطهيرا } من نجاسات الآثام والعيوب، وهو كالتعليل لما قبله، فإنما أمرهن، ونهاهن، ووعظهن لئلا يقارف أهل البيت ما يدنس، من المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار للذنب الرجس، وللتقوى الطهر لأن عرض المقترف للمستقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس وأما من تحصن منها فعرضه مصون، نقي كالثوب الطاهر. وفيه تنفير لأولي الألباب عن كل ما يدنس القلوب من الأكدار، وترغيب لهم في كل ما يطهر القلوب والأسرار، من الطاعات والأذكار. { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله } القرآن { والحكمة } السنة، أو: بيان معاني القرآن، أو: ما يتلى عليكن من الكتاب الجامع بين الأمرين. { إن الله كان لطيفا } عالما بغوامض الأشياء، { خبيرا } عالما بحقائقها، أو: هو عالم بأقوالكن وأفعالكن، فاحذرن مخالفة أمره ونهيه، ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم. الإشارة: علق الحق تعالى شرف نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيلهن على سبعة أمور، ويقاس عليهن غيرهن من سائر النساء، فمن فعل هذه الأمور حاز شرف الدنيا والآخرة. الأول: تقوى الله في السر والعلانية، وهي أساس الشرف. الثاني: التحصن مما يوجب ميل الرجال إليهن من التخنث في الكلام وغيره. الثالث: لزوم البيوت والقرار بها. وقد مدح الله نساء الجنة بذلك فقال: حور مقصورات في الخيام [الرحمن: 72]. الرابع: عدم التبرج، وهو إظهار الزينة حيث يحضر الرجال. الخامس: إقامة الصلاة وإتقانها وإيتاء الصدقة. السادس: طاعة الله ورسوله، ويدخل فيه طاعة الزوج. السابع: لزوم ذكر الله، وتلاوة كتابه لمن تحسن ذلك في بيتها. فمن فعلت من النساء هذه الأمور أذهب الله عنها دنس المعاصي والعيوب، وطهرها تطهيرا، وأبدلها بمحاسن الأخلاق والشيم الكريمة. والله تعالى أعلم. ولما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل، قال نساء المؤمنين ما نزل فينا فأنزل الله تعالى: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات... }

الأحزاب 33:35

يقول الحق جل جلاله: { إن المسلمين والمسلمات } أي: الداخلين في الإسلام، المنقادين لأحكام الله قولا وفعلا، فالمسلم: هو الداخل في السلم بعد الحرب، المنقاد الذي لا يعاند، أو: المفوض أمره إلى الله، المتوكل عليه، من: أسلم وجهه إلى الله، { والمؤمنين والمؤمنات } المصدقين بالله ورسوله، وبما يجب أن يصدق به، { والقانتين والقانتات } المداومين على الطاعة، { والصادقين والصادقات } في النيات، والأقوال، والأفعال، { والصابرين والصابرات } على الطاعات وترك السيئات، { والخاشعين والخاشعات } المتواضعين لله بالقلوب والجوارح، أو: الخائفين: { والمتصدقين والمتصدقات } فرضا ونفلا، { والصائمين والصائمات } فرضا ونفلا. وقيل: من تصدق في أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين، ومن صام البيض من كل شهر، فهو من الصائمين، { والحافظين فروجهم والحافظات } عما لا يحل، { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات } بقلوبهم وألسنتهم، بالتسبيح، والتهليل، والتكبير، وتلاوة القرآن، وغير ذلك من الأذكار، والاشتغال بالعلم لله، ومطالعة الكتب من الذكر. وحذف " كثيرا " في حق الذاكرات لدلالة ما تقدم عليه. وقال عطاء: من فوض أمره إلى الله فهو داخل في قوله: { إن المسلمين والمسلمات } ، ومن أقر بأن الله ربه، وأن محمدا رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه، فهو من المؤمنين والمؤمنات، ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة، فهو داخل في قوله: { والصادقين والصادقات } ، ومن صلى فلم يعرف من عن يمينه وعن شماله، فهو داخل في قوله: { والخاشعين والخاشعات } ، ومن صبر على الطاعة وعن المعصية، وعلى الذرية، فهو من { الصابرين والصابرات } ، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم، فهو من المتصدقين والمتصدقات، ومن صام في كل شهر أيام البيض، الثالث عشر وما بعده، فهو من الصائمين والصائمات، ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو من الحافظين فروجهم والحافظات، ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات. قال ابن عباس: جاء إسرافيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عدد ما علم، وزنة ما علم، وملء ما علم. من قالهن كتبت له ست خصال كتب من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، وكان أفضل ممن ذكره في الليل والنهار، وكان له عرش في الجنة، وتحاتت عنه ذنوبه، كما تحات ورق الشجر اليابس، وينظر الله إليه، ومن نظر إليه لم يعذبه. وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضجعا. ه. من الثعلبي. وسئل ابن الصلاح عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيرا؟ فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة صباحا ومساء، وفي الأوقات والأحوال المختلفة، ليلا ونهارا، كان من الذاكرين كثيرا. ه. قلت: وقد تتبعت ذلك في تأليف مختصر سميته: " الأنوار السنية في الأذكار النبوية ". هذا وعطف الإناث على الذكور لاختلاف الجنسين. وهو ضروري كقوله: ثيبات وأبكارا [التحريم: 5]. وعطف الزوجين على الزوجين لتغاير الوصفين، وليس بضروري، ولو قال: " إن المسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات " بغير واو لجاز، كقوله: { مسلمات مؤمنات قانتات... } الخ، وهو من عطف الصفة، ومعناه: إن الجامعين والجامعات لهذه الصفات. { أعد الله لهم مغفرة } لما اقترفوا من السيئات، { وأجرا عظيما } على طاعتهم. قال البيضاوي: والآية وعد لهن، ولأمثالهن، على الطاعة والتدرع بهذه الخصال. روي أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: ذكر الرجال في القرآن بخير فما فينا خير، فنزلت. ه. الإشارة: اعلم أن اصطلاح الصوفية أن ما يتعلق بعمل الجوارح الظاهرة يسمى إسلاما، وما يتعلق بعمل القلوب الباطنية يسمى إيمانا، وما يتعلق بعمل الأرواح والأسرار يسمى إحسانا. قال في البغية: فالإسلام يشتمل على وظائف الظاهر، وهي الغالبة عليه، ذلك من عالم الشهادة، والإيمان يشتمل على وظائف الظاهر، وهي الغالبة عليه، وذلك من عالم الغيب، وهي الأعمال الغيبية، ولما انفتح لها باب من الأعمال الظاهرة للعبادة، وأشرقت عليها من ذلك أنوار، وتعلقت همتها بعالم الغيب، مالت إلى الوفاء بالأعمال الباطنية، ثم لما تمكنت في الأعمال الباطنة، واطلعت على عالمها، وأشرفت على طهارتها، وتعلقت همتها بعالم الملكوت، مالت إلى الوفاء بالأسرار الإحسانية، ومن هناك تدرك غاية طهارتها وتصفيتها، والاطلاع على معارف الحقائق الإلهية. ثم قال: فإذا تبين هذا، فالإسلام له معنى يخصه، وهو انقياد الظاهر بما تكلف به من وظائف الدين، مع ما لا بد منه من التصديق. والإيمان له معنى يخصه، وهو تصديق القلب بجميع ما تضمنه الدين من الأخبار الغيبية، مع ما لا بد منه من شعبه. والإحسان له معنى يخصه، وهو تحسين جميع وظائف الدين الإسلامية والإيمانية، بالإتيان بها على أكمل شروطها، وأتم وظائفها، خالصة من جميع شوائب عللها، سالمة من طوارق آفاتها. ه. قلت: ولا يكفي في مقام الإحسان تحسين الوظائف فقط، بل لا بد فيه من كشف حجاب الكائنات، حتى يفضي إلى شهود المكون، فيعبد الله على العيان. كما في الحديث: " أن تعبد الله كأنك تراه " فإذا تقرر هذا فالآية مشتملة على تدريج السلوك فأول مقامات المريد: الإسلام، ثم الإيمان، كما في الآية، ثم يكون من القانتين المداومين على الطاعة، ثم يكون من الصادقين في أقواله، وأفعاله، وأحواله، صادقا في طلب مولاه، غائبا عن كل ما سواه، ثم من الصابرين على مجاهدة النفس، ومقاساة الأحوال، وقطع المقامات والمفاوز. وقال القشيري: من الصابرين على الخصال الحميدة وعن الخصال الذميمة، وعند جريان مفاجآت القضية. ه. ثم من الخاشعين الخاضعين لهيبة الجلال، مشاهدا لكمال أنوار الجمال. قال القشيري: الخشوع: إطراق السريرة عند بواده الحقيقة. ه. ثم يتحقق بأوصاف الكمال كالسخاء والكرم، فيبذل ما عنده في مرضاة ربه، فيكون من المتصدقين بأموالهم وأنفسهم، حتى لا يكون لأحد معهم خصومة فيما أخذوا منهم وقالوا فيهم، ثم يصوم عن شهود السوى، ثم يحفظ فرجه عن وقاع الشهوة والهوى، فلا ينزل إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، إلا بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. ثم يكون من المستهترين بذكر الله، أعني ذكر الروح والسر، وهو مقام الإحسان، الذي هو محل العيان، فيكون ذاكرا بالله، مذكورا في حضرة الله، مشهورا في ملكوت الله. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم ذكر قصة تزويجه عليه الصلاة والسلام زينب مناسبا للحافظين فروجهم فقال: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة... }

الأحزاب 33:36

{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه... }. يقول الحق جل جلاله: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } أي: ما صح لرجل مؤمن، ولا امرأة مؤمنة، { إذا قضى الله ورسوله أمرا } من الأمور { أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أي: أن يختاروا من أحدهم شيئا، بل الواجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. نزلت في زينب بنت جحش، وأخيها عبد الله بن جحش. وكانت زينب بنت أميمة بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه وسلم، فخطبها عليه الصلاة والسلام لمولاه زيد بن حارثة، فلما خطبها، ظنت أنه يخطبها لنفسه، فرضيت، فلما علمت أنه خطبها لزيد كرهت وأبت، وقالت: أنا أم نساء قريش، وابنة عمتك، فلم أكن أرضه لنفسي، وكذلك قال أخوها. وكانت بيضاء جميلة، وكان فيها بذاذة، فأنزل الله الآية، فأعلمهم أنه لا اختيار لهم على ما قضى الله ورسوله. فلما نزلت الآية إلى قوله: { مبينا } قالت: رضيت يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها، فأنكحها صلى الله عليه وسلم زيدا، فدخل بها، وساق إليها النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دنانير، وستين درهما، وملحفة، ودرعا، وإزارا، وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت من أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقبلها، وقال: زوجتها من زيد، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت. والأول أصح. وإنما جمع الضمير في " لهم " ، وكان من حقه أن يوحد لأن المذكورين وقعا نكرة في سياق النفي، فعما كل مؤمن ومؤمنة، فرجع الضمير إلى المعنى، لا إلى اللفظ. والخيرة: ما يتخير، وفيه لغتان: سكون الياء، وفتحها، وتؤنث وتذكر باعتبار الفعل لمجاز تأنيثها. { ومن يعص الله ورسوله } فيما اختار وقضى { فقد ضل ضلالا مبينا } بين الانحراف عن الصواب. فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل، مع قبول الأمر، واعتقاد الوجوب، فهو ضلال فسق. ثم إن زينب مكثت عند زيد زمانا، فأتى عليه الصلاة والسلام ذات مرة دار زيد، لحاجة، فأبصرها في درع وخمار، فوقعت في نفسه، وذلك لما سبق في علم الله من كونها له. فقال: " سبحان مقلب القلوب " ،وكانت نفسه قبل ذلك تنفر منها، لا تريدها، فانصرف، وسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد، ففطن، وألقي في نفسه كراهيتها والرغبة عنها في الوقت، وقال: يا رسول الله إني أريد فراق صاحبتي؟ فقال: " ما لك، أرابك منها شيء؟ " فقال: لا والله، ما رأيت منها إلا خيرا، إلا أنها تتعظم علي، لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك زوجك واتق الله ". وهذا معنى قوله: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } بالإسلام الذي هو من أجل النعم { وأنعمت عليه } بالإعتاق والتبني، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو زيد بن حارثة: { أمسك عليك زوجك } زينب، { واتق الله } فلا تطلقها، وهو نهي تنزيه، أو: اتق الله، فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج، { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } أي: تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد، وقد أبداه الله وأظهره، وقيل: الذي أخفاه في نفسه: تعلق قلبه بها، ومودة مفارقة زيد إياها. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والصواب أن المعنى: وتخفي في نفسك ما اطلعت عليه من مفارقة زيد لها، وتزوجك إياها بعده، فإن هذا هو الذي أبداه سبحانه وأظهره بعد ذلك. وأما قوله: { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } فإنما يعني به الحياء من الناس في أن يقابلهم بما يسوؤهم، وهو إخبار زيد بما أطلعه الله عليه من صيرورة زوجته زينب له، بعد مفارقة زيد لها، لأنه لم يؤمر بإفشاء ذلك، وإلا لبلغ من غير روية ولا حشمة، سالكا في ذلك سنة من خلا قبله من الأنبياء، الذين لا يخشون في التبليغ أحدا إلا الله. وقال القشيري: أي: تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة في قصة زيد [والفتنة التي يقعون فيها هي ظنهم أنه عليه الصلاة والسلام عشقها، وأمره بطلاقها] وكانت تلك الخشية إشفاقا منه عليهم، ورحمة لهم ألا يطيقوا سماع هذه الحالة، بأن يخطر ببالهم ما ليس في وسعهم. وأما قوله: { أمسك عليك... } الآية مع علمه بما يؤول إليه الأمر في العاقبة، بما أطلعه الله عليه من فراقه لها فإقامة الشريعة. ه. ملخصا. وفي الوجيز: { وتخشى الناس } أي: تكره مقالة الناس لو قلت طلقها، فيقال: أمر رجلا فطلق امرأته ثم تزوجها. وقد نقل في نوادر الأصول عن علي بن الحسين: أن الله أعلم نبيه أنها تكون من أزواجه، فأخفى ذلك. فلما جاء زيد يشكوها قال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال: فعلي بن حسين جاء بها من خزانة العلم، جوهرا من الجواهر، ودرا من الدرر، وأنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه، ثم قال بعد ذلك لزيد: أمسك. . رعاية لما يقال، وتركا لتدبير الله، مع كونه أحق بالرعاية، وكيف، وفي ذلك تشريع لئلا يكون على المؤمنين حرج وضيق فيما فرض الله له فيما أعلمه. ثم قال: والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام لم يلم بخطيئة، بدليل أنه لم يؤمر بتوبة ولا استغفار، وإنما أخبره بما أضمر في نفسك، خشية افتتان الغير، والله أحق أن يخشى، بأن يبتهل إليه ليزيل عنهم ما يخشى فيهم. قال ابن عرفة: الصواب: أن ما أخفاه في نفسه هو: أن الله أخبره أن سيتزوجها. وما قاله ابن عطية لا يحل أن يقال، لأنه تنقيص لم يرد في حديث صحيح. وإنما ذكره المفسرون. ه. قلت: إنما يكون تنقيصا إذا كان ذلك الواقع في القلب ثابتا، وأما إن كان خاطرا مارا فلا نقص إذ ليس في طوق البشر لأنه من أوصاف العبودية، بل الكمال في دفعه بعد هجومه. ثم قال ابن عرفة، على قوله: { وتخشى الناس } هو تمهيد لعذره، وإن كان لمجرد أمر الله له بذلك، ولا ينبغي حمله على أنه خاف الناس فقط. بل المراد: عتابه على خلط خوفه من الله بخوفه من الناس، وأمره ألا يخاف إلا من الله فقط، خوفا غير مشوب بشيء. ه. قلت: إذا فسرنا الخشية بالحياء لا يحتاج إلى هذا التعسف، مع أن الخوف من الخلق مذموم، وحده أو مع خوف الله، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك، أي: تستحي من الناس أن يقولوا: نكح امرأة ابنه، وكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياء من العذراء في خدرها. والحياء ممدوح عند الخاص والعام. وأما قوله تعالى: { والله أحق أن تخشاه } فتنبيه على أن الحياء في بعض المواضع تركه أولى، فهو ترقية له، وتربية لوقت آخر. أو: وتخشى أن يفتتن الناس بذلك، والله أرحم بهم من غيره، فالله أحق أن تخشى، فتبتهل إليه في زوال ذلك عنهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية الأولى حث على التفويض وترك الاختيار، مع ما أمر به الواحد القهار. وفي الحكم: " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر الله ". فالواجب على العبد أن يكون في الباطن مستسلما لقهره، وفي الظاهر متمثلا لأمره، تابعا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولما يوجب رضاه ومحبته. وفي الآية الثانية تنبيه على أن خواص الخواص يعاتبون على ما لا يعاتب عليه الخواص. والخواص، يعاتبون على ما لا يعاتب عليه العوام، فكلما علا المقام، واشتد القرب، اشتدت المطالبة بالأدب، ووقع العتاب على أدنى ما يخل بشيء من الأدب، على عادة الوزراء مع الملك. وذلك أمر معلوم، مذوق عند أهل القلوب. وبالله التوفيق. ثم ذكر تزوجه عليه الصلاة والسلام لزينب بعد مفارقة زيد، فقال: { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا }. يقول الحق جل جلاله: { فلما قضى زيد منها وطرا } حاجة، بحيث ملها ولم تبق له فيها حاجة. والوطر: الحاجة، فإذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة، يقال: قضى منه وطرا، أي: فلما قضى حاجته منها، وطلقها، وانقضت عدتها، { زوجناكها }. روي أنها لما اعتدت قال عليه الصلاة والسلام لزيد: " ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، أيت زينب فاخطبها لي " قال زيد: فأتيتها ووليتها ظهري، إعظاما لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت: يا زينب إن النبي صلى الله عليه وسلم يخطبك، ففرحت، وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، فنزل القرآن: { فلما قضى زيد... } الآية، فتزوجها عليه الصلاة والسلام، ودخل بها حينئذ، وما أولم على امرأة ما أولم عليها، ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار. وقيل: زوجه الله تعالى إياها بلا واسطة عقد، ويؤيده: أنها كانت تقول لسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله زوجني من فوق سبع سماوات، وأنتن زوجكن أولياؤكن. وكانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل عليك بهن: جدي وجدك واحد، وإياي أنكحك الله من السماء، وإن السفير لي جبريل. ثم علل تزويجه إياها، فقال: { لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم } الذين يتبنونهم { إذا قضوا منهن وطرا } قال الحسن: ظنت العرب أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى الفرق بينهما، وأن حلائل الأدعياء غير محرمة. وليست كحلائل أبناء الصلب. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد، إلا ما خصه الدليل. ه. { وكان أمر الله } الذي يريد أن يكونه { مفعولا } مكونا لا محالة، كما كان تزويج زينب. { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } أي: حل له، أو: قسم له، من قولهم: فرض له في الديوان كذا، وفروض العساكر، لأرزاقهم. أي: لا حرج على النبي فيما حل له وأمر به، كتزويج زينب، أو: قسم له من عدد النساء بلا حد، { سنة الله } مصدر مؤكد لما قبله من قوله: { ما كان على النبي من حرج } أي: سن ذلك سنة في الأنبياء الماضين، وهو: ألا حرج عليهم في الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره. وكانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة، وثلاثمائة سرية. { في الذين خلوا من قبل } في الأنبياء الذين مضوا من قبله، { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي: قضاء مقضيا، وحكما مثبوتا مبرما، لا مرد له. { الذين يبلغون رسالات الله } هو صفة ل { الذين خلوا من قبل } ، أو: بدل منه، أو: مدح لهم منصوب، أو: مرفوع، أي: هم الذين، أو: أعني الذين يبلغون رسالات الله، { ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } ونبينا صلى الله عليه وسلم من جملتهم ومن أشرافهم، { وكفى بالله حسيبا } للمخاوف، أو: محاسبا، فينبغي ألا يخشى إلا منه تعالى. الإشارة: إذا تمكن العبد مع مولاه وتحققت محبته فيه، كانت حوائجه مقضية، وهمته كلها نافذة، إذا اهتم بشيء، أو خطر على قلبه شيء، مكنه الله منه، وسارع في قضائه، كما فعل مع حبيبه، حين خطر بباله تزوج زينب، أعلمه أنه زوجه إياها. وأهل مقام الفناء جلهم في هذا المقام، إذا اهتموا بشيء كان، إذا ساعدتهم المقادير، وإلا فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، ولذلك قال هنا: { وكان أمر الله مفعولا } ، { وكان أمر الله قدرا مقدورا }. وصفة أهل الهمم القاطعة: أنهم لا يخافون إلا الله، ولا يخشون أحدا سواه، لا يخافون في الله لومة لائم، ذكرهم لله دائم، وقلبهم في الحضرة هائم. وبالله التوفيق. ثم رد على من قال إنه عليه الصلاة والسلام تزوج امرأة ابنه فقال: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم... }

الأحزاب 33:37

{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه... }. يقول الحق جل جلاله: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } أي: ما صح لرجل مؤمن، ولا امرأة مؤمنة، { إذا قضى الله ورسوله أمرا } من الأمور { أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أي: أن يختاروا من أحدهم شيئا، بل الواجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. نزلت في زينب بنت جحش، وأخيها عبد الله بن جحش. وكانت زينب بنت أميمة بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه وسلم، فخطبها عليه الصلاة والسلام لمولاه زيد بن حارثة، فلما خطبها، ظنت أنه يخطبها لنفسه، فرضيت، فلما علمت أنه خطبها لزيد كرهت وأبت، وقالت: أنا أم نساء قريش، وابنة عمتك، فلم أكن أرضه لنفسي، وكذلك قال أخوها. وكانت بيضاء جميلة، وكان فيها بذاذة، فأنزل الله الآية، فأعلمهم أنه لا اختيار لهم على ما قضى الله ورسوله. فلما نزلت الآية إلى قوله: { مبينا } قالت: رضيت يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها، فأنكحها صلى الله عليه وسلم زيدا، فدخل بها، وساق إليها النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دنانير، وستين درهما، وملحفة، ودرعا، وإزارا، وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت من أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقبلها، وقال: زوجتها من زيد، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت. والأول أصح. وإنما جمع الضمير في " لهم " ، وكان من حقه أن يوحد لأن المذكورين وقعا نكرة في سياق النفي، فعما كل مؤمن ومؤمنة، فرجع الضمير إلى المعنى، لا إلى اللفظ. والخيرة: ما يتخير، وفيه لغتان: سكون الياء، وفتحها، وتؤنث وتذكر باعتبار الفعل لمجاز تأنيثها. { ومن يعص الله ورسوله } فيما اختار وقضى { فقد ضل ضلالا مبينا } بين الانحراف عن الصواب. فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل، مع قبول الأمر، واعتقاد الوجوب، فهو ضلال فسق. ثم إن زينب مكثت عند زيد زمانا، فأتى عليه الصلاة والسلام ذات مرة دار زيد، لحاجة، فأبصرها في درع وخمار، فوقعت في نفسه، وذلك لما سبق في علم الله من كونها له. فقال: " سبحان مقلب القلوب " ،وكانت نفسه قبل ذلك تنفر منها، لا تريدها، فانصرف، وسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد، ففطن، وألقي في نفسه كراهيتها والرغبة عنها في الوقت، وقال: يا رسول الله إني أريد فراق صاحبتي؟ فقال: " ما لك، أرابك منها شيء؟ " فقال: لا والله، ما رأيت منها إلا خيرا، إلا أنها تتعظم علي، لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك زوجك واتق الله ". وهذا معنى قوله: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } بالإسلام الذي هو من أجل النعم { وأنعمت عليه } بالإعتاق والتبني، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو زيد بن حارثة: { أمسك عليك زوجك } زينب، { واتق الله } فلا تطلقها، وهو نهي تنزيه، أو: اتق الله، فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج، { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } أي: تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد، وقد أبداه الله وأظهره، وقيل: الذي أخفاه في نفسه: تعلق قلبه بها، ومودة مفارقة زيد إياها. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والصواب أن المعنى: وتخفي في نفسك ما اطلعت عليه من مفارقة زيد لها، وتزوجك إياها بعده، فإن هذا هو الذي أبداه سبحانه وأظهره بعد ذلك. وأما قوله: { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } فإنما يعني به الحياء من الناس في أن يقابلهم بما يسوؤهم، وهو إخبار زيد بما أطلعه الله عليه من صيرورة زوجته زينب له، بعد مفارقة زيد لها، لأنه لم يؤمر بإفشاء ذلك، وإلا لبلغ من غير روية ولا حشمة، سالكا في ذلك سنة من خلا قبله من الأنبياء، الذين لا يخشون في التبليغ أحدا إلا الله. وقال القشيري: أي: تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة في قصة زيد [والفتنة التي يقعون فيها هي ظنهم أنه عليه الصلاة والسلام عشقها، وأمره بطلاقها] وكانت تلك الخشية إشفاقا منه عليهم، ورحمة لهم ألا يطيقوا سماع هذه الحالة، بأن يخطر ببالهم ما ليس في وسعهم. وأما قوله: { أمسك عليك... } الآية مع علمه بما يؤول إليه الأمر في العاقبة، بما أطلعه الله عليه من فراقه لها فإقامة الشريعة. ه. ملخصا. وفي الوجيز: { وتخشى الناس } أي: تكره مقالة الناس لو قلت طلقها، فيقال: أمر رجلا فطلق امرأته ثم تزوجها. وقد نقل في نوادر الأصول عن علي بن الحسين: أن الله أعلم نبيه أنها تكون من أزواجه، فأخفى ذلك. فلما جاء زيد يشكوها قال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال: فعلي بن حسين جاء بها من خزانة العلم، جوهرا من الجواهر، ودرا من الدرر، وأنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه، ثم قال بعد ذلك لزيد: أمسك. . رعاية لما يقال، وتركا لتدبير الله، مع كونه أحق بالرعاية، وكيف، وفي ذلك تشريع لئلا يكون على المؤمنين حرج وضيق فيما فرض الله له فيما أعلمه. ثم قال: والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام لم يلم بخطيئة، بدليل أنه لم يؤمر بتوبة ولا استغفار، وإنما أخبره بما أضمر في نفسك، خشية افتتان الغير، والله أحق أن يخشى، بأن يبتهل إليه ليزيل عنهم ما يخشى فيهم. قال ابن عرفة: الصواب: أن ما أخفاه في نفسه هو: أن الله أخبره أن سيتزوجها. وما قاله ابن عطية لا يحل أن يقال، لأنه تنقيص لم يرد في حديث صحيح. وإنما ذكره المفسرون. ه. قلت: إنما يكون تنقيصا إذا كان ذلك الواقع في القلب ثابتا، وأما إن كان خاطرا مارا فلا نقص إذ ليس في طوق البشر لأنه من أوصاف العبودية، بل الكمال في دفعه بعد هجومه. ثم قال ابن عرفة، على قوله: { وتخشى الناس } هو تمهيد لعذره، وإن كان لمجرد أمر الله له بذلك، ولا ينبغي حمله على أنه خاف الناس فقط. بل المراد: عتابه على خلط خوفه من الله بخوفه من الناس، وأمره ألا يخاف إلا من الله فقط، خوفا غير مشوب بشيء. ه. قلت: إذا فسرنا الخشية بالحياء لا يحتاج إلى هذا التعسف، مع أن الخوف من الخلق مذموم، وحده أو مع خوف الله، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك، أي: تستحي من الناس أن يقولوا: نكح امرأة ابنه، وكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياء من العذراء في خدرها. والحياء ممدوح عند الخاص والعام. وأما قوله تعالى: { والله أحق أن تخشاه } فتنبيه على أن الحياء في بعض المواضع تركه أولى، فهو ترقية له، وتربية لوقت آخر. أو: وتخشى أن يفتتن الناس بذلك، والله أرحم بهم من غيره، فالله أحق أن تخشى، فتبتهل إليه في زوال ذلك عنهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية الأولى حث على التفويض وترك الاختيار، مع ما أمر به الواحد القهار. وفي الحكم: " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر الله ". فالواجب على العبد أن يكون في الباطن مستسلما لقهره، وفي الظاهر متمثلا لأمره، تابعا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولما يوجب رضاه ومحبته. وفي الآية الثانية تنبيه على أن خواص الخواص يعاتبون على ما لا يعاتب عليه الخواص. والخواص، يعاتبون على ما لا يعاتب عليه العوام، فكلما علا المقام، واشتد القرب، اشتدت المطالبة بالأدب، ووقع العتاب على أدنى ما يخل بشيء من الأدب، على عادة الوزراء مع الملك. وذلك أمر معلوم، مذوق عند أهل القلوب. وبالله التوفيق. ثم ذكر تزوجه عليه الصلاة والسلام لزينب بعد مفارقة زيد، فقال: { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا }. يقول الحق جل جلاله: { فلما قضى زيد منها وطرا } حاجة، بحيث ملها ولم تبق له فيها حاجة. والوطر: الحاجة، فإذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة، يقال: قضى منه وطرا، أي: فلما قضى حاجته منها، وطلقها، وانقضت عدتها، { زوجناكها }. روي أنها لما اعتدت قال عليه الصلاة والسلام لزيد: " ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، أيت زينب فاخطبها لي " قال زيد: فأتيتها ووليتها ظهري، إعظاما لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت: يا زينب إن النبي صلى الله عليه وسلم يخطبك، ففرحت، وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، فنزل القرآن: { فلما قضى زيد... } الآية، فتزوجها عليه الصلاة والسلام، ودخل بها حينئذ، وما أولم على امرأة ما أولم عليها، ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار. وقيل: زوجه الله تعالى إياها بلا واسطة عقد، ويؤيده: أنها كانت تقول لسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله زوجني من فوق سبع سماوات، وأنتن زوجكن أولياؤكن. وكانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل عليك بهن: جدي وجدك واحد، وإياي أنكحك الله من السماء، وإن السفير لي جبريل. ثم علل تزويجه إياها، فقال: { لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم } الذين يتبنونهم { إذا قضوا منهن وطرا } قال الحسن: ظنت العرب أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى الفرق بينهما، وأن حلائل الأدعياء غير محرمة. وليست كحلائل أبناء الصلب. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد، إلا ما خصه الدليل. ه. { وكان أمر الله } الذي يريد أن يكونه { مفعولا } مكونا لا محالة، كما كان تزويج زينب. { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } أي: حل له، أو: قسم له، من قولهم: فرض له في الديوان كذا، وفروض العساكر، لأرزاقهم. أي: لا حرج على النبي فيما حل له وأمر به، كتزويج زينب، أو: قسم له من عدد النساء بلا حد، { سنة الله } مصدر مؤكد لما قبله من قوله: { ما كان على النبي من حرج } أي: سن ذلك سنة في الأنبياء الماضين، وهو: ألا حرج عليهم في الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره. وكانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة، وثلاثمائة سرية. { في الذين خلوا من قبل } في الأنبياء الذين مضوا من قبله، { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي: قضاء مقضيا، وحكما مثبوتا مبرما، لا مرد له. { الذين يبلغون رسالات الله } هو صفة ل { الذين خلوا من قبل } ، أو: بدل منه، أو: مدح لهم منصوب، أو: مرفوع، أي: هم الذين، أو: أعني الذين يبلغون رسالات الله، { ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } ونبينا صلى الله عليه وسلم من جملتهم ومن أشرافهم، { وكفى بالله حسيبا } للمخاوف، أو: محاسبا، فينبغي ألا يخشى إلا منه تعالى. الإشارة: إذا تمكن العبد مع مولاه وتحققت محبته فيه، كانت حوائجه مقضية، وهمته كلها نافذة، إذا اهتم بشيء، أو خطر على قلبه شيء، مكنه الله منه، وسارع في قضائه، كما فعل مع حبيبه، حين خطر بباله تزوج زينب، أعلمه أنه زوجه إياها. وأهل مقام الفناء جلهم في هذا المقام، إذا اهتموا بشيء كان، إذا ساعدتهم المقادير، وإلا فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، ولذلك قال هنا: { وكان أمر الله مفعولا } ، { وكان أمر الله قدرا مقدورا }. وصفة أهل الهمم القاطعة: أنهم لا يخافون إلا الله، ولا يخشون أحدا سواه، لا يخافون في الله لومة لائم، ذكرهم لله دائم، وقلبهم في الحضرة هائم. وبالله التوفيق. ثم رد على من قال إنه عليه الصلاة والسلام تزوج امرأة ابنه فقال: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم... }

الأحزاب 33:38

{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه... }. يقول الحق جل جلاله: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } أي: ما صح لرجل مؤمن، ولا امرأة مؤمنة، { إذا قضى الله ورسوله أمرا } من الأمور { أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أي: أن يختاروا من أحدهم شيئا، بل الواجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. نزلت في زينب بنت جحش، وأخيها عبد الله بن جحش. وكانت زينب بنت أميمة بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه وسلم، فخطبها عليه الصلاة والسلام لمولاه زيد بن حارثة، فلما خطبها، ظنت أنه يخطبها لنفسه، فرضيت، فلما علمت أنه خطبها لزيد كرهت وأبت، وقالت: أنا أم نساء قريش، وابنة عمتك، فلم أكن أرضه لنفسي، وكذلك قال أخوها. وكانت بيضاء جميلة، وكان فيها بذاذة، فأنزل الله الآية، فأعلمهم أنه لا اختيار لهم على ما قضى الله ورسوله. فلما نزلت الآية إلى قوله: { مبينا } قالت: رضيت يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها، فأنكحها صلى الله عليه وسلم زيدا، فدخل بها، وساق إليها النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دنانير، وستين درهما، وملحفة، ودرعا، وإزارا، وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت من أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقبلها، وقال: زوجتها من زيد، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت. والأول أصح. وإنما جمع الضمير في " لهم " ، وكان من حقه أن يوحد لأن المذكورين وقعا نكرة في سياق النفي، فعما كل مؤمن ومؤمنة، فرجع الضمير إلى المعنى، لا إلى اللفظ. والخيرة: ما يتخير، وفيه لغتان: سكون الياء، وفتحها، وتؤنث وتذكر باعتبار الفعل لمجاز تأنيثها. { ومن يعص الله ورسوله } فيما اختار وقضى { فقد ضل ضلالا مبينا } بين الانحراف عن الصواب. فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل، مع قبول الأمر، واعتقاد الوجوب، فهو ضلال فسق. ثم إن زينب مكثت عند زيد زمانا، فأتى عليه الصلاة والسلام ذات مرة دار زيد، لحاجة، فأبصرها في درع وخمار، فوقعت في نفسه، وذلك لما سبق في علم الله من كونها له. فقال: " سبحان مقلب القلوب " ،وكانت نفسه قبل ذلك تنفر منها، لا تريدها، فانصرف، وسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد، ففطن، وألقي في نفسه كراهيتها والرغبة عنها في الوقت، وقال: يا رسول الله إني أريد فراق صاحبتي؟ فقال: " ما لك، أرابك منها شيء؟ " فقال: لا والله، ما رأيت منها إلا خيرا، إلا أنها تتعظم علي، لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك زوجك واتق الله ". وهذا معنى قوله: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } بالإسلام الذي هو من أجل النعم { وأنعمت عليه } بالإعتاق والتبني، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو زيد بن حارثة: { أمسك عليك زوجك } زينب، { واتق الله } فلا تطلقها، وهو نهي تنزيه، أو: اتق الله، فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج، { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } أي: تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد، وقد أبداه الله وأظهره، وقيل: الذي أخفاه في نفسه: تعلق قلبه بها، ومودة مفارقة زيد إياها. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والصواب أن المعنى: وتخفي في نفسك ما اطلعت عليه من مفارقة زيد لها، وتزوجك إياها بعده، فإن هذا هو الذي أبداه سبحانه وأظهره بعد ذلك. وأما قوله: { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } فإنما يعني به الحياء من الناس في أن يقابلهم بما يسوؤهم، وهو إخبار زيد بما أطلعه الله عليه من صيرورة زوجته زينب له، بعد مفارقة زيد لها، لأنه لم يؤمر بإفشاء ذلك، وإلا لبلغ من غير روية ولا حشمة، سالكا في ذلك سنة من خلا قبله من الأنبياء، الذين لا يخشون في التبليغ أحدا إلا الله. وقال القشيري: أي: تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة في قصة زيد [والفتنة التي يقعون فيها هي ظنهم أنه عليه الصلاة والسلام عشقها، وأمره بطلاقها] وكانت تلك الخشية إشفاقا منه عليهم، ورحمة لهم ألا يطيقوا سماع هذه الحالة، بأن يخطر ببالهم ما ليس في وسعهم. وأما قوله: { أمسك عليك... } الآية مع علمه بما يؤول إليه الأمر في العاقبة، بما أطلعه الله عليه من فراقه لها فإقامة الشريعة. ه. ملخصا. وفي الوجيز: { وتخشى الناس } أي: تكره مقالة الناس لو قلت طلقها، فيقال: أمر رجلا فطلق امرأته ثم تزوجها. وقد نقل في نوادر الأصول عن علي بن الحسين: أن الله أعلم نبيه أنها تكون من أزواجه، فأخفى ذلك. فلما جاء زيد يشكوها قال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال: فعلي بن حسين جاء بها من خزانة العلم، جوهرا من الجواهر، ودرا من الدرر، وأنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه، ثم قال بعد ذلك لزيد: أمسك. . رعاية لما يقال، وتركا لتدبير الله، مع كونه أحق بالرعاية، وكيف، وفي ذلك تشريع لئلا يكون على المؤمنين حرج وضيق فيما فرض الله له فيما أعلمه. ثم قال: والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام لم يلم بخطيئة، بدليل أنه لم يؤمر بتوبة ولا استغفار، وإنما أخبره بما أضمر في نفسك، خشية افتتان الغير، والله أحق أن يخشى، بأن يبتهل إليه ليزيل عنهم ما يخشى فيهم. قال ابن عرفة: الصواب: أن ما أخفاه في نفسه هو: أن الله أخبره أن سيتزوجها. وما قاله ابن عطية لا يحل أن يقال، لأنه تنقيص لم يرد في حديث صحيح. وإنما ذكره المفسرون. ه. قلت: إنما يكون تنقيصا إذا كان ذلك الواقع في القلب ثابتا، وأما إن كان خاطرا مارا فلا نقص إذ ليس في طوق البشر لأنه من أوصاف العبودية، بل الكمال في دفعه بعد هجومه. ثم قال ابن عرفة، على قوله: { وتخشى الناس } هو تمهيد لعذره، وإن كان لمجرد أمر الله له بذلك، ولا ينبغي حمله على أنه خاف الناس فقط. بل المراد: عتابه على خلط خوفه من الله بخوفه من الناس، وأمره ألا يخاف إلا من الله فقط، خوفا غير مشوب بشيء. ه. قلت: إذا فسرنا الخشية بالحياء لا يحتاج إلى هذا التعسف، مع أن الخوف من الخلق مذموم، وحده أو مع خوف الله، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك، أي: تستحي من الناس أن يقولوا: نكح امرأة ابنه، وكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياء من العذراء في خدرها. والحياء ممدوح عند الخاص والعام. وأما قوله تعالى: { والله أحق أن تخشاه } فتنبيه على أن الحياء في بعض المواضع تركه أولى، فهو ترقية له، وتربية لوقت آخر. أو: وتخشى أن يفتتن الناس بذلك، والله أرحم بهم من غيره، فالله أحق أن تخشى، فتبتهل إليه في زوال ذلك عنهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية الأولى حث على التفويض وترك الاختيار، مع ما أمر به الواحد القهار. وفي الحكم: " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر الله ". فالواجب على العبد أن يكون في الباطن مستسلما لقهره، وفي الظاهر متمثلا لأمره، تابعا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولما يوجب رضاه ومحبته. وفي الآية الثانية تنبيه على أن خواص الخواص يعاتبون على ما لا يعاتب عليه الخواص. والخواص، يعاتبون على ما لا يعاتب عليه العوام، فكلما علا المقام، واشتد القرب، اشتدت المطالبة بالأدب، ووقع العتاب على أدنى ما يخل بشيء من الأدب، على عادة الوزراء مع الملك. وذلك أمر معلوم، مذوق عند أهل القلوب. وبالله التوفيق. ثم ذكر تزوجه عليه الصلاة والسلام لزينب بعد مفارقة زيد، فقال: { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا }. يقول الحق جل جلاله: { فلما قضى زيد منها وطرا } حاجة، بحيث ملها ولم تبق له فيها حاجة. والوطر: الحاجة، فإذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة، يقال: قضى منه وطرا، أي: فلما قضى حاجته منها، وطلقها، وانقضت عدتها، { زوجناكها }. روي أنها لما اعتدت قال عليه الصلاة والسلام لزيد: " ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، أيت زينب فاخطبها لي " قال زيد: فأتيتها ووليتها ظهري، إعظاما لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت: يا زينب إن النبي صلى الله عليه وسلم يخطبك، ففرحت، وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، فنزل القرآن: { فلما قضى زيد... } الآية، فتزوجها عليه الصلاة والسلام، ودخل بها حينئذ، وما أولم على امرأة ما أولم عليها، ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار. وقيل: زوجه الله تعالى إياها بلا واسطة عقد، ويؤيده: أنها كانت تقول لسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله زوجني من فوق سبع سماوات، وأنتن زوجكن أولياؤكن. وكانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل عليك بهن: جدي وجدك واحد، وإياي أنكحك الله من السماء، وإن السفير لي جبريل. ثم علل تزويجه إياها، فقال: { لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم } الذين يتبنونهم { إذا قضوا منهن وطرا } قال الحسن: ظنت العرب أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى الفرق بينهما، وأن حلائل الأدعياء غير محرمة. وليست كحلائل أبناء الصلب. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد، إلا ما خصه الدليل. ه. { وكان أمر الله } الذي يريد أن يكونه { مفعولا } مكونا لا محالة، كما كان تزويج زينب. { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } أي: حل له، أو: قسم له، من قولهم: فرض له في الديوان كذا، وفروض العساكر، لأرزاقهم. أي: لا حرج على النبي فيما حل له وأمر به، كتزويج زينب، أو: قسم له من عدد النساء بلا حد، { سنة الله } مصدر مؤكد لما قبله من قوله: { ما كان على النبي من حرج } أي: سن ذلك سنة في الأنبياء الماضين، وهو: ألا حرج عليهم في الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره. وكانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة، وثلاثمائة سرية. { في الذين خلوا من قبل } في الأنبياء الذين مضوا من قبله، { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي: قضاء مقضيا، وحكما مثبوتا مبرما، لا مرد له. { الذين يبلغون رسالات الله } هو صفة ل { الذين خلوا من قبل } ، أو: بدل منه، أو: مدح لهم منصوب، أو: مرفوع، أي: هم الذين، أو: أعني الذين يبلغون رسالات الله، { ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } ونبينا صلى الله عليه وسلم من جملتهم ومن أشرافهم، { وكفى بالله حسيبا } للمخاوف، أو: محاسبا، فينبغي ألا يخشى إلا منه تعالى. الإشارة: إذا تمكن العبد مع مولاه وتحققت محبته فيه، كانت حوائجه مقضية، وهمته كلها نافذة، إذا اهتم بشيء، أو خطر على قلبه شيء، مكنه الله منه، وسارع في قضائه، كما فعل مع حبيبه، حين خطر بباله تزوج زينب، أعلمه أنه زوجه إياها. وأهل مقام الفناء جلهم في هذا المقام، إذا اهتموا بشيء كان، إذا ساعدتهم المقادير، وإلا فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، ولذلك قال هنا: { وكان أمر الله مفعولا } ، { وكان أمر الله قدرا مقدورا }. وصفة أهل الهمم القاطعة: أنهم لا يخافون إلا الله، ولا يخشون أحدا سواه، لا يخافون في الله لومة لائم، ذكرهم لله دائم، وقلبهم في الحضرة هائم. وبالله التوفيق. ثم رد على من قال إنه عليه الصلاة والسلام تزوج امرأة ابنه فقال: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم... }

الأحزاب 33:39

{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه... }. يقول الحق جل جلاله: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } أي: ما صح لرجل مؤمن، ولا امرأة مؤمنة، { إذا قضى الله ورسوله أمرا } من الأمور { أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أي: أن يختاروا من أحدهم شيئا، بل الواجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. نزلت في زينب بنت جحش، وأخيها عبد الله بن جحش. وكانت زينب بنت أميمة بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه وسلم، فخطبها عليه الصلاة والسلام لمولاه زيد بن حارثة، فلما خطبها، ظنت أنه يخطبها لنفسه، فرضيت، فلما علمت أنه خطبها لزيد كرهت وأبت، وقالت: أنا أم نساء قريش، وابنة عمتك، فلم أكن أرضه لنفسي، وكذلك قال أخوها. وكانت بيضاء جميلة، وكان فيها بذاذة، فأنزل الله الآية، فأعلمهم أنه لا اختيار لهم على ما قضى الله ورسوله. فلما نزلت الآية إلى قوله: { مبينا } قالت: رضيت يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها، فأنكحها صلى الله عليه وسلم زيدا، فدخل بها، وساق إليها النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دنانير، وستين درهما، وملحفة، ودرعا، وإزارا، وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت من أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقبلها، وقال: زوجتها من زيد، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت. والأول أصح. وإنما جمع الضمير في " لهم " ، وكان من حقه أن يوحد لأن المذكورين وقعا نكرة في سياق النفي، فعما كل مؤمن ومؤمنة، فرجع الضمير إلى المعنى، لا إلى اللفظ. والخيرة: ما يتخير، وفيه لغتان: سكون الياء، وفتحها، وتؤنث وتذكر باعتبار الفعل لمجاز تأنيثها. { ومن يعص الله ورسوله } فيما اختار وقضى { فقد ضل ضلالا مبينا } بين الانحراف عن الصواب. فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل، مع قبول الأمر، واعتقاد الوجوب، فهو ضلال فسق. ثم إن زينب مكثت عند زيد زمانا، فأتى عليه الصلاة والسلام ذات مرة دار زيد، لحاجة، فأبصرها في درع وخمار، فوقعت في نفسه، وذلك لما سبق في علم الله من كونها له. فقال: " سبحان مقلب القلوب " ،وكانت نفسه قبل ذلك تنفر منها، لا تريدها، فانصرف، وسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد، ففطن، وألقي في نفسه كراهيتها والرغبة عنها في الوقت، وقال: يا رسول الله إني أريد فراق صاحبتي؟ فقال: " ما لك، أرابك منها شيء؟ " فقال: لا والله، ما رأيت منها إلا خيرا، إلا أنها تتعظم علي، لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك زوجك واتق الله ". وهذا معنى قوله: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } بالإسلام الذي هو من أجل النعم { وأنعمت عليه } بالإعتاق والتبني، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو زيد بن حارثة: { أمسك عليك زوجك } زينب، { واتق الله } فلا تطلقها، وهو نهي تنزيه، أو: اتق الله، فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج، { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } أي: تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد، وقد أبداه الله وأظهره، وقيل: الذي أخفاه في نفسه: تعلق قلبه بها، ومودة مفارقة زيد إياها. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والصواب أن المعنى: وتخفي في نفسك ما اطلعت عليه من مفارقة زيد لها، وتزوجك إياها بعده، فإن هذا هو الذي أبداه سبحانه وأظهره بعد ذلك. وأما قوله: { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } فإنما يعني به الحياء من الناس في أن يقابلهم بما يسوؤهم، وهو إخبار زيد بما أطلعه الله عليه من صيرورة زوجته زينب له، بعد مفارقة زيد لها، لأنه لم يؤمر بإفشاء ذلك، وإلا لبلغ من غير روية ولا حشمة، سالكا في ذلك سنة من خلا قبله من الأنبياء، الذين لا يخشون في التبليغ أحدا إلا الله. وقال القشيري: أي: تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة في قصة زيد [والفتنة التي يقعون فيها هي ظنهم أنه عليه الصلاة والسلام عشقها، وأمره بطلاقها] وكانت تلك الخشية إشفاقا منه عليهم، ورحمة لهم ألا يطيقوا سماع هذه الحالة، بأن يخطر ببالهم ما ليس في وسعهم. وأما قوله: { أمسك عليك... } الآية مع علمه بما يؤول إليه الأمر في العاقبة، بما أطلعه الله عليه من فراقه لها فإقامة الشريعة. ه. ملخصا. وفي الوجيز: { وتخشى الناس } أي: تكره مقالة الناس لو قلت طلقها، فيقال: أمر رجلا فطلق امرأته ثم تزوجها. وقد نقل في نوادر الأصول عن علي بن الحسين: أن الله أعلم نبيه أنها تكون من أزواجه، فأخفى ذلك. فلما جاء زيد يشكوها قال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال: فعلي بن حسين جاء بها من خزانة العلم، جوهرا من الجواهر، ودرا من الدرر، وأنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه، ثم قال بعد ذلك لزيد: أمسك. . رعاية لما يقال، وتركا لتدبير الله، مع كونه أحق بالرعاية، وكيف، وفي ذلك تشريع لئلا يكون على المؤمنين حرج وضيق فيما فرض الله له فيما أعلمه. ثم قال: والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام لم يلم بخطيئة، بدليل أنه لم يؤمر بتوبة ولا استغفار، وإنما أخبره بما أضمر في نفسك، خشية افتتان الغير، والله أحق أن يخشى، بأن يبتهل إليه ليزيل عنهم ما يخشى فيهم. قال ابن عرفة: الصواب: أن ما أخفاه في نفسه هو: أن الله أخبره أن سيتزوجها. وما قاله ابن عطية لا يحل أن يقال، لأنه تنقيص لم يرد في حديث صحيح. وإنما ذكره المفسرون. ه. قلت: إنما يكون تنقيصا إذا كان ذلك الواقع في القلب ثابتا، وأما إن كان خاطرا مارا فلا نقص إذ ليس في طوق البشر لأنه من أوصاف العبودية، بل الكمال في دفعه بعد هجومه. ثم قال ابن عرفة، على قوله: { وتخشى الناس } هو تمهيد لعذره، وإن كان لمجرد أمر الله له بذلك، ولا ينبغي حمله على أنه خاف الناس فقط. بل المراد: عتابه على خلط خوفه من الله بخوفه من الناس، وأمره ألا يخاف إلا من الله فقط، خوفا غير مشوب بشيء. ه. قلت: إذا فسرنا الخشية بالحياء لا يحتاج إلى هذا التعسف، مع أن الخوف من الخلق مذموم، وحده أو مع خوف الله، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك، أي: تستحي من الناس أن يقولوا: نكح امرأة ابنه، وكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياء من العذراء في خدرها. والحياء ممدوح عند الخاص والعام. وأما قوله تعالى: { والله أحق أن تخشاه } فتنبيه على أن الحياء في بعض المواضع تركه أولى، فهو ترقية له، وتربية لوقت آخر. أو: وتخشى أن يفتتن الناس بذلك، والله أرحم بهم من غيره، فالله أحق أن تخشى، فتبتهل إليه في زوال ذلك عنهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية الأولى حث على التفويض وترك الاختيار، مع ما أمر به الواحد القهار. وفي الحكم: " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر الله ". فالواجب على العبد أن يكون في الباطن مستسلما لقهره، وفي الظاهر متمثلا لأمره، تابعا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولما يوجب رضاه ومحبته. وفي الآية الثانية تنبيه على أن خواص الخواص يعاتبون على ما لا يعاتب عليه الخواص. والخواص، يعاتبون على ما لا يعاتب عليه العوام، فكلما علا المقام، واشتد القرب، اشتدت المطالبة بالأدب، ووقع العتاب على أدنى ما يخل بشيء من الأدب، على عادة الوزراء مع الملك. وذلك أمر معلوم، مذوق عند أهل القلوب. وبالله التوفيق. ثم ذكر تزوجه عليه الصلاة والسلام لزينب بعد مفارقة زيد، فقال: { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا }. يقول الحق جل جلاله: { فلما قضى زيد منها وطرا } حاجة، بحيث ملها ولم تبق له فيها حاجة. والوطر: الحاجة، فإذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة، يقال: قضى منه وطرا، أي: فلما قضى حاجته منها، وطلقها، وانقضت عدتها، { زوجناكها }. روي أنها لما اعتدت قال عليه الصلاة والسلام لزيد: " ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، أيت زينب فاخطبها لي " قال زيد: فأتيتها ووليتها ظهري، إعظاما لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت: يا زينب إن النبي صلى الله عليه وسلم يخطبك، ففرحت، وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، فنزل القرآن: { فلما قضى زيد... } الآية، فتزوجها عليه الصلاة والسلام، ودخل بها حينئذ، وما أولم على امرأة ما أولم عليها، ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار. وقيل: زوجه الله تعالى إياها بلا واسطة عقد، ويؤيده: أنها كانت تقول لسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله زوجني من فوق سبع سماوات، وأنتن زوجكن أولياؤكن. وكانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل عليك بهن: جدي وجدك واحد، وإياي أنكحك الله من السماء، وإن السفير لي جبريل. ثم علل تزويجه إياها، فقال: { لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم } الذين يتبنونهم { إذا قضوا منهن وطرا } قال الحسن: ظنت العرب أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى الفرق بينهما، وأن حلائل الأدعياء غير محرمة. وليست كحلائل أبناء الصلب. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد، إلا ما خصه الدليل. ه. { وكان أمر الله } الذي يريد أن يكونه { مفعولا } مكونا لا محالة، كما كان تزويج زينب. { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } أي: حل له، أو: قسم له، من قولهم: فرض له في الديوان كذا، وفروض العساكر، لأرزاقهم. أي: لا حرج على النبي فيما حل له وأمر به، كتزويج زينب، أو: قسم له من عدد النساء بلا حد، { سنة الله } مصدر مؤكد لما قبله من قوله: { ما كان على النبي من حرج } أي: سن ذلك سنة في الأنبياء الماضين، وهو: ألا حرج عليهم في الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره. وكانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة، وثلاثمائة سرية. { في الذين خلوا من قبل } في الأنبياء الذين مضوا من قبله، { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي: قضاء مقضيا، وحكما مثبوتا مبرما، لا مرد له. { الذين يبلغون رسالات الله } هو صفة ل { الذين خلوا من قبل } ، أو: بدل منه، أو: مدح لهم منصوب، أو: مرفوع، أي: هم الذين، أو: أعني الذين يبلغون رسالات الله، { ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } ونبينا صلى الله عليه وسلم من جملتهم ومن أشرافهم، { وكفى بالله حسيبا } للمخاوف، أو: محاسبا، فينبغي ألا يخشى إلا منه تعالى. الإشارة: إذا تمكن العبد مع مولاه وتحققت محبته فيه، كانت حوائجه مقضية، وهمته كلها نافذة، إذا اهتم بشيء، أو خطر على قلبه شيء، مكنه الله منه، وسارع في قضائه، كما فعل مع حبيبه، حين خطر بباله تزوج زينب، أعلمه أنه زوجه إياها. وأهل مقام الفناء جلهم في هذا المقام، إذا اهتموا بشيء كان، إذا ساعدتهم المقادير، وإلا فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، ولذلك قال هنا: { وكان أمر الله مفعولا } ، { وكان أمر الله قدرا مقدورا }. وصفة أهل الهمم القاطعة: أنهم لا يخافون إلا الله، ولا يخشون أحدا سواه، لا يخافون في الله لومة لائم، ذكرهم لله دائم، وقلبهم في الحضرة هائم. وبالله التوفيق. ثم رد على من قال إنه عليه الصلاة والسلام تزوج امرأة ابنه فقال: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم... }

الأحزاب 33:40

يقول الحق جل جلاله: { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } أي: لم يكن أبا رجل منكم حقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح، والمراد: من رجالكم البالغين، وأما أولاده: القاسم، والطيب، والطاهر، فماتوا قبل أن يكونوا رجالا، وأما الحسن والحسين، فأحفاد، لا أولاد. { ولكن } كان { رسول الله } وكل رسول أبو أمته، فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء. وزيد واحد من رجالكم، الذين ليسوا بأولاد حقيقة، فكان حكمه حكمهم. والتبني من باب الاختصاص والتقريب، لا غير. { و } كان أيضا صلى الله عليه وسلم { خاتم النبيين } أي: آخرهم الذي ختمهم، أو: ختموا به على قراءة عاصم. بفتح التاء، بمعنى: الطابع، كأنه طبع وختم على مقامات النبوة، كما يختم على الكتاب لئلا يلحقه شيء. فلا نبي بعده. وعيسى ممن نبىء قبله، وحين ينزل ينزل عاملا على شريعته صلى الله عليه وسلم، كأنه بعض أمته. ومن قرأ بكسر التاء، فمعناه: فاعل الختم، كما قال عليه الصلاة والسلام : " أنا خاتم النبيين فلا نبي بعدي " ويصح أن يكون بمعنى الطابع أيضا إذ فيه لغات خاتم بالفتح والكسر وخاتام، وخيتام. { وكان الله بكل شيء عليما } فيعلم من يليق بأن يختم به النبوة، وكيف ينبغي شأنه. الإشارة: كان صلى الله عليه وسلم أبا الأرواح حقيقة إذ الوجود كله ممتد من نوره، وأبا الأشباح باعتبار أنه السابق نوره. فأول ما ظهر نوره عليه الصلاة والسلام ومنه امتدت الكائنات، فهو بذرة الوجود. وسيأتي في قوله: فأنا أول العابدين [الزخرف: 81] تتميم ذلك إن شاء الله. ولم يكن أبا باعتبار تولد الصلب، وهو الذي نفاه الله تعالى عنه. ثم حض على الذكر إذ هو سبب التهذيب والتأديب فيزجر صاحبه عن الخوض فيما لا يعنيه فقال: { يأيها الذين... }

الأحزاب 33:41

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } قياما، وقعودا، وعلى جنوبكم، قال ابن عباس: لم يعذر أحد في ترك ذكر الله عز وجل إلا من غلب على عقله. وقال: الذكر الكثير: ألا تنساه أبدا. وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون " والذكر أنواع: تهليل، وتحميد، وتقديس، واستغفار، وتلاوة، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد: ذكر القلوب، فإن الذكر الذي يمكن استدامته، هو ذكر القلب، وهو استدامة الإيمان والتوحيد. وأما ذكر اللسان فإن إدامته كالمتعذر. قاله القشيري. { وسبحوه } أي: نزهوه، أو: قولوا: سبحان الله وبحمده، { بكرة } أول النهار { وأصيلا } آخر النهار. وخصا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما. وعن قتادة: قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أو: الفعلان أي: { اذكروا } و { سبحوه } موجهان إلى البكرة والأصيل، كقولك: صم وصل يوم الجمعة. والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختص من بين أنواعه إبانة لفضله لأن معناه: تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات. ويجوز أن يراد بالذكر وإكثاره: تكثير الطاعات والعبادات، فإنها من جملة الذكر، ثم خص من الذكر التسبيح بكرة، وهي صلاة الفجر، وأصيلا، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أو: صلاة الفجر والعشاءين. { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره، حنوا عليه، كحنو المرأة على ولدها. ثم كثر، حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: صلى الله عليك، أي: ترحم عليك وترأف. فإن قلت: صلاة الله غير صلاة الملائكة، فكيف اشتركا في العطف؟ قلت: لاشتراكهما في قدر مشترك، وهو إرادة وصول الخير إليهم، إلا أنه منه تعالى برحمته، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار. وذكر السدي: أن بني إسرائيل قالت لموسى عليه السلام: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إني أصلي، وإن صلاتي رحمتي، وقد وسعت كل شيء. وفي حديث المعراج: " قلت: إلهي لما لحقني استيحاش قبل قدومي عليك، سمعت مناديا ينادي بلغة، تشبه لغة أبي بكر، فقال: قف، إن ربك يصلي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام، وإن ربي لغني عن أن يصلي؟ فقال تعالى: أنا الغني عن أن أصلي لأحد، وإنما أقول: سبحاني، سبقت رحمتي غضبي. اقرأ يا محمد: { هو الذي يصلي عليكم... } الآية، فصلاتي رحمة لك ولأمتك. ثم قال: وأما أمر صاحبك، فخلقت خلقا على صورته، يناديك بلغته، ليزول عنك الاستيحاش، لئلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك ". والمراد بصلاة الملائكة: قولهم: اللهم صل على المؤمنين. جعلوا لكون دعائهم بالرحمة مستجابا كأنهم فاعلون الرحمة. والمعنى: هو الذي يترحم عليكم ويترأف، حيث يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار ذكره، ويأمر ملائكته يترحمون عليكم، ويستغفرون لكم، ليقربكم، ويخصكم بخصائص ليست لغيركم. بدليل: { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، ثم من ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة، ثم من ظلمات الحجاب إلى نور العيان. وقيل: يصلي عليكم: يشيع لكم الذكر الجميل في عباده. { وكان } الله { بالمؤمنين رحيما } قد اعتنى بصلاح أمرهم، وإثابة أجرهم، واستعمل في خدمتهم ملائكته المقربين، وهو دليل على أن المراد بالصلاة: الرحمة، حيث صرح بكونه رحيما بهم. قال أنس: لما نزل قوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي } قال أبو بكر: يا رسول الله ما خصك الله بشريف إلا وقد اشتركنا فيه، فأنزل قوله: { هو الذي يصلي عليكم... } الخ. { تحيتهم } أي: تحية الله لهم، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، { يوم يلقونه } عند الموت. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يقرئك السلام. أو: يوم الخروج من القبور، تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم. أو: يوم يرونه في الجنة، { سلام } يقول الله تبارك وتعالى: " السلام عليكم يا عبادي، هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقول لهم: أعطيكم أفضل من ذلك، أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا " كما في البخاري. وفي رواية غيره: يقول تعالى: " السلام عليكم، مرحبا بعبادي الذين أرضوني باتباع أمري " هو إشارة إلى قوله: سلام عليكم طبتم [الزمر: 73]. { وأعد لهم أجرا كريما } يعني الجنة وما فيها. الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: { اذكروا الله ذكرا كثيرا } الإشارة فيه: أحبوا الله لقوله عليه الصلاة والسلام " من أحب شيئا أكثر من ذكره " فيحب أن يقول: الله، ولا ينس الله بعد ذكر الله. ه. قلت: لأن ذكر الله عنوان محبته، ومنار وصلته، وهو الباب الأعظم في الدخول إلى حضرته، ولله در القائل: الذكر عمدة لكل سالك تنورت بنوره المسالك هو المطية التي لا تنتكب ما بعدها في سرعة الخطا نجب به القلوب تطمئن في اليقين ما بعده على الوصال من معين به بلوغ السالكين للمنى به بقاء المرء من بعد الفنا به إليك كل صعب يسهل به البعيد عن قريب يحصل فهو أقوى سبب لديك وكله إليك، لا عليك فكل طاعة أتى الفتى بها هو أساسها، كذاك سقفها ووحده يفوق كل طاعه كما أتى عن صاحب الشفاعه كفى بفضله لدا البيان ذهابه بالسهو والنسيان إذا ذكرت من له الغنى العظيم لديك يصغر الفقير يا نديم عليه دم حتى إذا تجوهرا بسره الفؤاد كل ما ترى ترى به المذكور دون ستر وقد علا الإدراك درك الفكر به الحبيب في الورى تجلى به السوى عن الحجا تولى به تمكن المريد في الفنا حتى يصير قائلا أنا أنا به رجوعه إلى العبادة به التصرف الذي في العاده تالله لو جئت بكل قول ما جئتكم بما له من فضل اه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبق المفردون، قيل: من المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيردون يوم القيامة خفافا " وسئل صلى الله عليه وسلم: أي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " قيل: فأي الصالحين أعظم أجرا؟ قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجل " رواه أحمد والطبراني. وقوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم... } الآية. قال الورتجبي: صلوات الله: اختياره العبد في الأزل لمعرفته ومحبته، فإذا خصه بذلك جعل زلاته مغفورة، وجعل خواص ملائكته مستغفرين له، لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه عن اشتغاله بالله ومحبته، وبتلك الصلاة يخرجهم من ظلمات الطبع إلى نور المشاهدة، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته الكافية القدسية. ألا ترى إلى قوله: { وكان بالمؤمنين رحيما } أي: قبل وجودهم، حيث أوجدهم، وهداهم إلى نفسه، بلا سبب ولا علة. ثم قال عن ابن عطاء: أعظم عطية للمؤمن في الجنة: سلام الله عليهم من غير واسطة. ه. وقوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلام } قال القشيري: التحية إذا قرنت بالرؤية، واللقاء إذا قرن بالتحية، لا يكون إلا بمعنى رؤية البصر، والتحية: خطاب يفاتح بها الملوك، أخبر عن علو شأنهم، فهذا السلام يدل على علو رتبتهم. ه. ثم حض على الذكر إذ هو سبب التهذيب والتأديب فيزجر صاحبه عن الخوض فيما لا يعنيه فقال: { يأيها النبي... }

الأحزاب 33:42

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } قياما، وقعودا، وعلى جنوبكم، قال ابن عباس: لم يعذر أحد في ترك ذكر الله عز وجل إلا من غلب على عقله. وقال: الذكر الكثير: ألا تنساه أبدا. وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون " والذكر أنواع: تهليل، وتحميد، وتقديس، واستغفار، وتلاوة، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد: ذكر القلوب، فإن الذكر الذي يمكن استدامته، هو ذكر القلب، وهو استدامة الإيمان والتوحيد. وأما ذكر اللسان فإن إدامته كالمتعذر. قاله القشيري. { وسبحوه } أي: نزهوه، أو: قولوا: سبحان الله وبحمده، { بكرة } أول النهار { وأصيلا } آخر النهار. وخصا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما. وعن قتادة: قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أو: الفعلان أي: { اذكروا } و { سبحوه } موجهان إلى البكرة والأصيل، كقولك: صم وصل يوم الجمعة. والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختص من بين أنواعه إبانة لفضله لأن معناه: تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات. ويجوز أن يراد بالذكر وإكثاره: تكثير الطاعات والعبادات، فإنها من جملة الذكر، ثم خص من الذكر التسبيح بكرة، وهي صلاة الفجر، وأصيلا، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أو: صلاة الفجر والعشاءين. { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره، حنوا عليه، كحنو المرأة على ولدها. ثم كثر، حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: صلى الله عليك، أي: ترحم عليك وترأف. فإن قلت: صلاة الله غير صلاة الملائكة، فكيف اشتركا في العطف؟ قلت: لاشتراكهما في قدر مشترك، وهو إرادة وصول الخير إليهم، إلا أنه منه تعالى برحمته، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار. وذكر السدي: أن بني إسرائيل قالت لموسى عليه السلام: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إني أصلي، وإن صلاتي رحمتي، وقد وسعت كل شيء. وفي حديث المعراج: " قلت: إلهي لما لحقني استيحاش قبل قدومي عليك، سمعت مناديا ينادي بلغة، تشبه لغة أبي بكر، فقال: قف، إن ربك يصلي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام، وإن ربي لغني عن أن يصلي؟ فقال تعالى: أنا الغني عن أن أصلي لأحد، وإنما أقول: سبحاني، سبقت رحمتي غضبي. اقرأ يا محمد: { هو الذي يصلي عليكم... } الآية، فصلاتي رحمة لك ولأمتك. ثم قال: وأما أمر صاحبك، فخلقت خلقا على صورته، يناديك بلغته، ليزول عنك الاستيحاش، لئلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك ". والمراد بصلاة الملائكة: قولهم: اللهم صل على المؤمنين. جعلوا لكون دعائهم بالرحمة مستجابا كأنهم فاعلون الرحمة. والمعنى: هو الذي يترحم عليكم ويترأف، حيث يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار ذكره، ويأمر ملائكته يترحمون عليكم، ويستغفرون لكم، ليقربكم، ويخصكم بخصائص ليست لغيركم. بدليل: { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، ثم من ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة، ثم من ظلمات الحجاب إلى نور العيان. وقيل: يصلي عليكم: يشيع لكم الذكر الجميل في عباده. { وكان } الله { بالمؤمنين رحيما } قد اعتنى بصلاح أمرهم، وإثابة أجرهم، واستعمل في خدمتهم ملائكته المقربين، وهو دليل على أن المراد بالصلاة: الرحمة، حيث صرح بكونه رحيما بهم. قال أنس: لما نزل قوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي } قال أبو بكر: يا رسول الله ما خصك الله بشريف إلا وقد اشتركنا فيه، فأنزل قوله: { هو الذي يصلي عليكم... } الخ. { تحيتهم } أي: تحية الله لهم، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، { يوم يلقونه } عند الموت. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يقرئك السلام. أو: يوم الخروج من القبور، تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم. أو: يوم يرونه في الجنة، { سلام } يقول الله تبارك وتعالى: " السلام عليكم يا عبادي، هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقول لهم: أعطيكم أفضل من ذلك، أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا " كما في البخاري. وفي رواية غيره: يقول تعالى: " السلام عليكم، مرحبا بعبادي الذين أرضوني باتباع أمري " هو إشارة إلى قوله: سلام عليكم طبتم [الزمر: 73]. { وأعد لهم أجرا كريما } يعني الجنة وما فيها. الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: { اذكروا الله ذكرا كثيرا } الإشارة فيه: أحبوا الله لقوله عليه الصلاة والسلام " من أحب شيئا أكثر من ذكره " فيحب أن يقول: الله، ولا ينس الله بعد ذكر الله. ه. قلت: لأن ذكر الله عنوان محبته، ومنار وصلته، وهو الباب الأعظم في الدخول إلى حضرته، ولله در القائل: الذكر عمدة لكل سالك تنورت بنوره المسالك هو المطية التي لا تنتكب ما بعدها في سرعة الخطا نجب به القلوب تطمئن في اليقين ما بعده على الوصال من معين به بلوغ السالكين للمنى به بقاء المرء من بعد الفنا به إليك كل صعب يسهل به البعيد عن قريب يحصل فهو أقوى سبب لديك وكله إليك، لا عليك فكل طاعة أتى الفتى بها هو أساسها، كذاك سقفها ووحده يفوق كل طاعه كما أتى عن صاحب الشفاعه كفى بفضله لدا البيان ذهابه بالسهو والنسيان إذا ذكرت من له الغنى العظيم لديك يصغر الفقير يا نديم عليه دم حتى إذا تجوهرا بسره الفؤاد كل ما ترى ترى به المذكور دون ستر وقد علا الإدراك درك الفكر به الحبيب في الورى تجلى به السوى عن الحجا تولى به تمكن المريد في الفنا حتى يصير قائلا أنا أنا به رجوعه إلى العبادة به التصرف الذي في العاده تالله لو جئت بكل قول ما جئتكم بما له من فضل اه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبق المفردون، قيل: من المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيردون يوم القيامة خفافا " وسئل صلى الله عليه وسلم: أي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " قيل: فأي الصالحين أعظم أجرا؟ قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجل " رواه أحمد والطبراني. وقوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم... } الآية. قال الورتجبي: صلوات الله: اختياره العبد في الأزل لمعرفته ومحبته، فإذا خصه بذلك جعل زلاته مغفورة، وجعل خواص ملائكته مستغفرين له، لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه عن اشتغاله بالله ومحبته، وبتلك الصلاة يخرجهم من ظلمات الطبع إلى نور المشاهدة، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته الكافية القدسية. ألا ترى إلى قوله: { وكان بالمؤمنين رحيما } أي: قبل وجودهم، حيث أوجدهم، وهداهم إلى نفسه، بلا سبب ولا علة. ثم قال عن ابن عطاء: أعظم عطية للمؤمن في الجنة: سلام الله عليهم من غير واسطة. ه. وقوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلام } قال القشيري: التحية إذا قرنت بالرؤية، واللقاء إذا قرن بالتحية، لا يكون إلا بمعنى رؤية البصر، والتحية: خطاب يفاتح بها الملوك، أخبر عن علو شأنهم، فهذا السلام يدل على علو رتبتهم. ه. ثم حض على الذكر إذ هو سبب التهذيب والتأديب فيزجر صاحبه عن الخوض فيما لا يعنيه فقال: { يأيها النبي... }

الأحزاب 33:43

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } قياما، وقعودا، وعلى جنوبكم، قال ابن عباس: لم يعذر أحد في ترك ذكر الله عز وجل إلا من غلب على عقله. وقال: الذكر الكثير: ألا تنساه أبدا. وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون " والذكر أنواع: تهليل، وتحميد، وتقديس، واستغفار، وتلاوة، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد: ذكر القلوب، فإن الذكر الذي يمكن استدامته، هو ذكر القلب، وهو استدامة الإيمان والتوحيد. وأما ذكر اللسان فإن إدامته كالمتعذر. قاله القشيري. { وسبحوه } أي: نزهوه، أو: قولوا: سبحان الله وبحمده، { بكرة } أول النهار { وأصيلا } آخر النهار. وخصا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما. وعن قتادة: قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أو: الفعلان أي: { اذكروا } و { سبحوه } موجهان إلى البكرة والأصيل، كقولك: صم وصل يوم الجمعة. والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختص من بين أنواعه إبانة لفضله لأن معناه: تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات. ويجوز أن يراد بالذكر وإكثاره: تكثير الطاعات والعبادات، فإنها من جملة الذكر، ثم خص من الذكر التسبيح بكرة، وهي صلاة الفجر، وأصيلا، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أو: صلاة الفجر والعشاءين. { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره، حنوا عليه، كحنو المرأة على ولدها. ثم كثر، حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: صلى الله عليك، أي: ترحم عليك وترأف. فإن قلت: صلاة الله غير صلاة الملائكة، فكيف اشتركا في العطف؟ قلت: لاشتراكهما في قدر مشترك، وهو إرادة وصول الخير إليهم، إلا أنه منه تعالى برحمته، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار. وذكر السدي: أن بني إسرائيل قالت لموسى عليه السلام: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إني أصلي، وإن صلاتي رحمتي، وقد وسعت كل شيء. وفي حديث المعراج: " قلت: إلهي لما لحقني استيحاش قبل قدومي عليك، سمعت مناديا ينادي بلغة، تشبه لغة أبي بكر، فقال: قف، إن ربك يصلي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام، وإن ربي لغني عن أن يصلي؟ فقال تعالى: أنا الغني عن أن أصلي لأحد، وإنما أقول: سبحاني، سبقت رحمتي غضبي. اقرأ يا محمد: { هو الذي يصلي عليكم... } الآية، فصلاتي رحمة لك ولأمتك. ثم قال: وأما أمر صاحبك، فخلقت خلقا على صورته، يناديك بلغته، ليزول عنك الاستيحاش، لئلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك ". والمراد بصلاة الملائكة: قولهم: اللهم صل على المؤمنين. جعلوا لكون دعائهم بالرحمة مستجابا كأنهم فاعلون الرحمة. والمعنى: هو الذي يترحم عليكم ويترأف، حيث يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار ذكره، ويأمر ملائكته يترحمون عليكم، ويستغفرون لكم، ليقربكم، ويخصكم بخصائص ليست لغيركم. بدليل: { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، ثم من ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة، ثم من ظلمات الحجاب إلى نور العيان. وقيل: يصلي عليكم: يشيع لكم الذكر الجميل في عباده. { وكان } الله { بالمؤمنين رحيما } قد اعتنى بصلاح أمرهم، وإثابة أجرهم، واستعمل في خدمتهم ملائكته المقربين، وهو دليل على أن المراد بالصلاة: الرحمة، حيث صرح بكونه رحيما بهم. قال أنس: لما نزل قوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي } قال أبو بكر: يا رسول الله ما خصك الله بشريف إلا وقد اشتركنا فيه، فأنزل قوله: { هو الذي يصلي عليكم... } الخ. { تحيتهم } أي: تحية الله لهم، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، { يوم يلقونه } عند الموت. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يقرئك السلام. أو: يوم الخروج من القبور، تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم. أو: يوم يرونه في الجنة، { سلام } يقول الله تبارك وتعالى: " السلام عليكم يا عبادي، هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقول لهم: أعطيكم أفضل من ذلك، أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا " كما في البخاري. وفي رواية غيره: يقول تعالى: " السلام عليكم، مرحبا بعبادي الذين أرضوني باتباع أمري " هو إشارة إلى قوله: سلام عليكم طبتم [الزمر: 73]. { وأعد لهم أجرا كريما } يعني الجنة وما فيها. الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: { اذكروا الله ذكرا كثيرا } الإشارة فيه: أحبوا الله لقوله عليه الصلاة والسلام " من أحب شيئا أكثر من ذكره " فيحب أن يقول: الله، ولا ينس الله بعد ذكر الله. ه. قلت: لأن ذكر الله عنوان محبته، ومنار وصلته، وهو الباب الأعظم في الدخول إلى حضرته، ولله در القائل: الذكر عمدة لكل سالك تنورت بنوره المسالك هو المطية التي لا تنتكب ما بعدها في سرعة الخطا نجب به القلوب تطمئن في اليقين ما بعده على الوصال من معين به بلوغ السالكين للمنى به بقاء المرء من بعد الفنا به إليك كل صعب يسهل به البعيد عن قريب يحصل فهو أقوى سبب لديك وكله إليك، لا عليك فكل طاعة أتى الفتى بها هو أساسها، كذاك سقفها ووحده يفوق كل طاعه كما أتى عن صاحب الشفاعه كفى بفضله لدا البيان ذهابه بالسهو والنسيان إذا ذكرت من له الغنى العظيم لديك يصغر الفقير يا نديم عليه دم حتى إذا تجوهرا بسره الفؤاد كل ما ترى ترى به المذكور دون ستر وقد علا الإدراك درك الفكر به الحبيب في الورى تجلى به السوى عن الحجا تولى به تمكن المريد في الفنا حتى يصير قائلا أنا أنا به رجوعه إلى العبادة به التصرف الذي في العاده تالله لو جئت بكل قول ما جئتكم بما له من فضل اه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبق المفردون، قيل: من المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيردون يوم القيامة خفافا " وسئل صلى الله عليه وسلم: أي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " قيل: فأي الصالحين أعظم أجرا؟ قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجل " رواه أحمد والطبراني. وقوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم... } الآية. قال الورتجبي: صلوات الله: اختياره العبد في الأزل لمعرفته ومحبته، فإذا خصه بذلك جعل زلاته مغفورة، وجعل خواص ملائكته مستغفرين له، لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه عن اشتغاله بالله ومحبته، وبتلك الصلاة يخرجهم من ظلمات الطبع إلى نور المشاهدة، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته الكافية القدسية. ألا ترى إلى قوله: { وكان بالمؤمنين رحيما } أي: قبل وجودهم، حيث أوجدهم، وهداهم إلى نفسه، بلا سبب ولا علة. ثم قال عن ابن عطاء: أعظم عطية للمؤمن في الجنة: سلام الله عليهم من غير واسطة. ه. وقوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلام } قال القشيري: التحية إذا قرنت بالرؤية، واللقاء إذا قرن بالتحية، لا يكون إلا بمعنى رؤية البصر، والتحية: خطاب يفاتح بها الملوك، أخبر عن علو شأنهم، فهذا السلام يدل على علو رتبتهم. ه. ثم حض على الذكر إذ هو سبب التهذيب والتأديب فيزجر صاحبه عن الخوض فيما لا يعنيه فقال: { يأيها النبي... }

الأحزاب 33:44

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } قياما، وقعودا، وعلى جنوبكم، قال ابن عباس: لم يعذر أحد في ترك ذكر الله عز وجل إلا من غلب على عقله. وقال: الذكر الكثير: ألا تنساه أبدا. وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون " والذكر أنواع: تهليل، وتحميد، وتقديس، واستغفار، وتلاوة، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد: ذكر القلوب، فإن الذكر الذي يمكن استدامته، هو ذكر القلب، وهو استدامة الإيمان والتوحيد. وأما ذكر اللسان فإن إدامته كالمتعذر. قاله القشيري. { وسبحوه } أي: نزهوه، أو: قولوا: سبحان الله وبحمده، { بكرة } أول النهار { وأصيلا } آخر النهار. وخصا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما. وعن قتادة: قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أو: الفعلان أي: { اذكروا } و { سبحوه } موجهان إلى البكرة والأصيل، كقولك: صم وصل يوم الجمعة. والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختص من بين أنواعه إبانة لفضله لأن معناه: تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات. ويجوز أن يراد بالذكر وإكثاره: تكثير الطاعات والعبادات، فإنها من جملة الذكر، ثم خص من الذكر التسبيح بكرة، وهي صلاة الفجر، وأصيلا، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أو: صلاة الفجر والعشاءين. { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره، حنوا عليه، كحنو المرأة على ولدها. ثم كثر، حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: صلى الله عليك، أي: ترحم عليك وترأف. فإن قلت: صلاة الله غير صلاة الملائكة، فكيف اشتركا في العطف؟ قلت: لاشتراكهما في قدر مشترك، وهو إرادة وصول الخير إليهم، إلا أنه منه تعالى برحمته، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار. وذكر السدي: أن بني إسرائيل قالت لموسى عليه السلام: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إني أصلي، وإن صلاتي رحمتي، وقد وسعت كل شيء. وفي حديث المعراج: " قلت: إلهي لما لحقني استيحاش قبل قدومي عليك، سمعت مناديا ينادي بلغة، تشبه لغة أبي بكر، فقال: قف، إن ربك يصلي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام، وإن ربي لغني عن أن يصلي؟ فقال تعالى: أنا الغني عن أن أصلي لأحد، وإنما أقول: سبحاني، سبقت رحمتي غضبي. اقرأ يا محمد: { هو الذي يصلي عليكم... } الآية، فصلاتي رحمة لك ولأمتك. ثم قال: وأما أمر صاحبك، فخلقت خلقا على صورته، يناديك بلغته، ليزول عنك الاستيحاش، لئلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك ". والمراد بصلاة الملائكة: قولهم: اللهم صل على المؤمنين. جعلوا لكون دعائهم بالرحمة مستجابا كأنهم فاعلون الرحمة. والمعنى: هو الذي يترحم عليكم ويترأف، حيث يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار ذكره، ويأمر ملائكته يترحمون عليكم، ويستغفرون لكم، ليقربكم، ويخصكم بخصائص ليست لغيركم. بدليل: { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، ثم من ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة، ثم من ظلمات الحجاب إلى نور العيان. وقيل: يصلي عليكم: يشيع لكم الذكر الجميل في عباده. { وكان } الله { بالمؤمنين رحيما } قد اعتنى بصلاح أمرهم، وإثابة أجرهم، واستعمل في خدمتهم ملائكته المقربين، وهو دليل على أن المراد بالصلاة: الرحمة، حيث صرح بكونه رحيما بهم. قال أنس: لما نزل قوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي } قال أبو بكر: يا رسول الله ما خصك الله بشريف إلا وقد اشتركنا فيه، فأنزل قوله: { هو الذي يصلي عليكم... } الخ. { تحيتهم } أي: تحية الله لهم، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، { يوم يلقونه } عند الموت. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يقرئك السلام. أو: يوم الخروج من القبور، تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم. أو: يوم يرونه في الجنة، { سلام } يقول الله تبارك وتعالى: " السلام عليكم يا عبادي، هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقول لهم: أعطيكم أفضل من ذلك، أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا " كما في البخاري. وفي رواية غيره: يقول تعالى: " السلام عليكم، مرحبا بعبادي الذين أرضوني باتباع أمري " هو إشارة إلى قوله: سلام عليكم طبتم [الزمر: 73]. { وأعد لهم أجرا كريما } يعني الجنة وما فيها. الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: { اذكروا الله ذكرا كثيرا } الإشارة فيه: أحبوا الله لقوله عليه الصلاة والسلام " من أحب شيئا أكثر من ذكره " فيحب أن يقول: الله، ولا ينس الله بعد ذكر الله. ه. قلت: لأن ذكر الله عنوان محبته، ومنار وصلته، وهو الباب الأعظم في الدخول إلى حضرته، ولله در القائل: الذكر عمدة لكل سالك تنورت بنوره المسالك هو المطية التي لا تنتكب ما بعدها في سرعة الخطا نجب به القلوب تطمئن في اليقين ما بعده على الوصال من معين به بلوغ السالكين للمنى به بقاء المرء من بعد الفنا به إليك كل صعب يسهل به البعيد عن قريب يحصل فهو أقوى سبب لديك وكله إليك، لا عليك فكل طاعة أتى الفتى بها هو أساسها، كذاك سقفها ووحده يفوق كل طاعه كما أتى عن صاحب الشفاعه كفى بفضله لدا البيان ذهابه بالسهو والنسيان إذا ذكرت من له الغنى العظيم لديك يصغر الفقير يا نديم عليه دم حتى إذا تجوهرا بسره الفؤاد كل ما ترى ترى به المذكور دون ستر وقد علا الإدراك درك الفكر به الحبيب في الورى تجلى به السوى عن الحجا تولى به تمكن المريد في الفنا حتى يصير قائلا أنا أنا به رجوعه إلى العبادة به التصرف الذي في العاده تالله لو جئت بكل قول ما جئتكم بما له من فضل اه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبق المفردون، قيل: من المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيردون يوم القيامة خفافا " وسئل صلى الله عليه وسلم: أي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " قيل: فأي الصالحين أعظم أجرا؟ قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجل " رواه أحمد والطبراني. وقوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم... } الآية. قال الورتجبي: صلوات الله: اختياره العبد في الأزل لمعرفته ومحبته، فإذا خصه بذلك جعل زلاته مغفورة، وجعل خواص ملائكته مستغفرين له، لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه عن اشتغاله بالله ومحبته، وبتلك الصلاة يخرجهم من ظلمات الطبع إلى نور المشاهدة، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته الكافية القدسية. ألا ترى إلى قوله: { وكان بالمؤمنين رحيما } أي: قبل وجودهم، حيث أوجدهم، وهداهم إلى نفسه، بلا سبب ولا علة. ثم قال عن ابن عطاء: أعظم عطية للمؤمن في الجنة: سلام الله عليهم من غير واسطة. ه. وقوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلام } قال القشيري: التحية إذا قرنت بالرؤية، واللقاء إذا قرن بالتحية، لا يكون إلا بمعنى رؤية البصر، والتحية: خطاب يفاتح بها الملوك، أخبر عن علو شأنهم، فهذا السلام يدل على علو رتبتهم. ه. ثم حض على الذكر إذ هو سبب التهذيب والتأديب فيزجر صاحبه عن الخوض فيما لا يعنيه فقال: { يأيها النبي... }

الأحزاب 33:45

قلت: " شاهدا ": حال مقدرة، كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا } على من بعثت إليهم، على تصديقهم وتكذيبهم، أي: مقبولا قولك عند الله، لهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم، { ومبشرا } للمؤمنين بالنعيم المقيم، { ونذيرا } للكافرين بالعذاب الأليم، { وداعيا إلى الله } إلى الإقرار بربوبيته، وتوحيده، وما يجب الإيمان به، من صفاته، ووعده، ووعيده، { بإذنه } بأمره، أو: بتيسيره. وقيد به الدعوى إيذانا بأنه أمر صعب، لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه، { وسراجا منيرا } يستضاء به في ظلمة الجهالة، وتقتبس من نوره أنوار الهداية، قد جلى به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير، ويهتدى به. وقيل: المراد به القرآن، فيكون التقدير: وذا سراج. ووصف بالإنارة لأن من السرج من لا يضيء جدا إذا قل سليطه، أي: زيته ورقت فتيلته. أو: شاهدا بوحدانيتنا، ومبشرا برحمتنا، ونذيرا بنقمتنا، وداعيا إلى عبادتنا، وسراجا تنير الطريق إلى حضرتنا. { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } ثوابا عظيما، يربو على ثواب سائر الأمم. وفي الحديث: " مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمن استأجر عمالا إلى آخر اليوم، فعملت اليهود إلى الظهر، ثم عجزوا، ثم عملت النصارى إلى العصر، فعجزوا، ثم عملتم إلى آخر النهار، فاستحققتم أجر الفريقين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا، وأقل أجرا، فقال لهم الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء " وفي رواية: " أنهم عملوا إلى الظهر، أو العصر. وقالوا: لا حاجة لنا بأجرك، فبطل أجر الفريقين " وهذا في حق من أدرك الإسلام منهم ولم يؤمن. والحديث في الصحيح. نقلته بالمعنى. قال البيضاوي: ولعله معطوف على محذوف، أي: فراقب أمتك وبشرهم. ه. { ولا تطع الكافرين والمنافقين } أي: دم على مخالفتهم، وهو تهييج وتنفير عن حالهم، { ودع أذاهم } أي: لا تلتفت إليه، ولا تحتفل بشأنه. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، أي: اجعل إيذائهم إياك في جانب، وأنت في جانب، ولا تبال بهم، ولا تخف من إيذائهم. أو: إلى المفعول، أي: دع إيذاءك إياهم مجازاة ومؤاخذة على كفرهم. ولذلك قيل: إنه منسوخ. { وتوكل على الله } فإنه يكفيكهم، { وكفى بالله وكيلا } موكولا عليه، ومفوضا إليه الأمر في الأحوال كلها، ولعله تعالى لما وصفه بخمسة أوصاف، قابل كلا منها بخطاب مناسب له، فقابل الشاهد بقوله: { وبشر المؤمنين } لأنه يكون شاهدا عل أمته، وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير، وقابل المبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين لأنه إذا أعرض عنهم أقبل بكليته على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة، وقابل النذير بدع أذاهم لأنه إذا ترك أذاهم في العاجل، والأذى له، لا بد له من عقاب عاجل أو آجل، كانوا منذرين به في المستقبل. وقابل الداعي إلى الله بأمره بالتوكل عليه لأن من توكل على الله يسر عليه كل عسير، فتسهل الدعوة، ويتيسر أمرها، وقابل السراج المنير بالاكتفاء به وكيلا لأن من أناره الله وجعله برهانا على جميع خلقه كان حقيقا بأن يكتفي به عن جميع خلقه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: إنا أرسلناك بالحقيقة شاهدا، أنت شاهدنا، شاهدناك وشهدت علينا، فألبستك أنوار ربوبيتي، فمن شهدك بالحقيقة فقد شهدنا. قلت: لأن نوره صلى الله عليه وسلم أول نور ظهر من نور الحق، فمن شهده شهد الحق. ثم قال: ومن نظر إليك فقد نظر إلينا. قال صلى الله عليه وسلم: " فقد عرف الحق، ومن رآني فقد رأى الحق " ثم قال: { وسراجا منيرا } أسرجت نورك من نوري، فتنور بنوري عيون عبادي المؤمنين، فيأتون إلي بنورك. ثم أمره بأن يبشر المؤمنين بأنهم يصلون إلى مشاهدته، بلا حجاب ولا عتاب. ه. قال القشيري: يا أيها المشرف من قبلنا إنا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا، ومبشرا، تبشر عبادنا بنا، وتحذرهم مخالفة أمرنا، وتعلمهم مواضع الخوف منا، وداعيا الخلق إلينا بنا، وسراجا منيرا يستضيئون بك، وشمسا ينبسط شعاعك على جميع من صدقك وآمن بك، ولا يصل إلينا إلا من اتبعك وخدمك وقدمك، { وبشر المؤمنين } بفضلنا عليهم، ونيلهم طولنا عليهم، وإحساننا إليهم. ومن لم تؤثر فيهم بركة إيمانهم بك فلا قدر لهم عندنا. ولا تطع من أعرضنا عنه وأضللناه، من أهل الكفر والنفاق، وأهل البدع والشقاق، وتوكل على الله بدوام الانقطاع إليه، وكفى بالله وكيلا. ه. ثم ذكر حكم المطلقة بعد الدخول وأنه لا عدة عليها مناسب لقوله { فلما قضي زيد... } إلخ فقال: { يأيها الذين... }

الأحزاب 33:46

قلت: " شاهدا ": حال مقدرة، كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا } على من بعثت إليهم، على تصديقهم وتكذيبهم، أي: مقبولا قولك عند الله، لهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم، { ومبشرا } للمؤمنين بالنعيم المقيم، { ونذيرا } للكافرين بالعذاب الأليم، { وداعيا إلى الله } إلى الإقرار بربوبيته، وتوحيده، وما يجب الإيمان به، من صفاته، ووعده، ووعيده، { بإذنه } بأمره، أو: بتيسيره. وقيد به الدعوى إيذانا بأنه أمر صعب، لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه، { وسراجا منيرا } يستضاء به في ظلمة الجهالة، وتقتبس من نوره أنوار الهداية، قد جلى به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير، ويهتدى به. وقيل: المراد به القرآن، فيكون التقدير: وذا سراج. ووصف بالإنارة لأن من السرج من لا يضيء جدا إذا قل سليطه، أي: زيته ورقت فتيلته. أو: شاهدا بوحدانيتنا، ومبشرا برحمتنا، ونذيرا بنقمتنا، وداعيا إلى عبادتنا، وسراجا تنير الطريق إلى حضرتنا. { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } ثوابا عظيما، يربو على ثواب سائر الأمم. وفي الحديث: " مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمن استأجر عمالا إلى آخر اليوم، فعملت اليهود إلى الظهر، ثم عجزوا، ثم عملت النصارى إلى العصر، فعجزوا، ثم عملتم إلى آخر النهار، فاستحققتم أجر الفريقين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا، وأقل أجرا، فقال لهم الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء " وفي رواية: " أنهم عملوا إلى الظهر، أو العصر. وقالوا: لا حاجة لنا بأجرك، فبطل أجر الفريقين " وهذا في حق من أدرك الإسلام منهم ولم يؤمن. والحديث في الصحيح. نقلته بالمعنى. قال البيضاوي: ولعله معطوف على محذوف، أي: فراقب أمتك وبشرهم. ه. { ولا تطع الكافرين والمنافقين } أي: دم على مخالفتهم، وهو تهييج وتنفير عن حالهم، { ودع أذاهم } أي: لا تلتفت إليه، ولا تحتفل بشأنه. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، أي: اجعل إيذائهم إياك في جانب، وأنت في جانب، ولا تبال بهم، ولا تخف من إيذائهم. أو: إلى المفعول، أي: دع إيذاءك إياهم مجازاة ومؤاخذة على كفرهم. ولذلك قيل: إنه منسوخ. { وتوكل على الله } فإنه يكفيكهم، { وكفى بالله وكيلا } موكولا عليه، ومفوضا إليه الأمر في الأحوال كلها، ولعله تعالى لما وصفه بخمسة أوصاف، قابل كلا منها بخطاب مناسب له، فقابل الشاهد بقوله: { وبشر المؤمنين } لأنه يكون شاهدا عل أمته، وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير، وقابل المبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين لأنه إذا أعرض عنهم أقبل بكليته على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة، وقابل النذير بدع أذاهم لأنه إذا ترك أذاهم في العاجل، والأذى له، لا بد له من عقاب عاجل أو آجل، كانوا منذرين به في المستقبل. وقابل الداعي إلى الله بأمره بالتوكل عليه لأن من توكل على الله يسر عليه كل عسير، فتسهل الدعوة، ويتيسر أمرها، وقابل السراج المنير بالاكتفاء به وكيلا لأن من أناره الله وجعله برهانا على جميع خلقه كان حقيقا بأن يكتفي به عن جميع خلقه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: إنا أرسلناك بالحقيقة شاهدا، أنت شاهدنا، شاهدناك وشهدت علينا، فألبستك أنوار ربوبيتي، فمن شهدك بالحقيقة فقد شهدنا. قلت: لأن نوره صلى الله عليه وسلم أول نور ظهر من نور الحق، فمن شهده شهد الحق. ثم قال: ومن نظر إليك فقد نظر إلينا. قال صلى الله عليه وسلم: " فقد عرف الحق، ومن رآني فقد رأى الحق " ثم قال: { وسراجا منيرا } أسرجت نورك من نوري، فتنور بنوري عيون عبادي المؤمنين، فيأتون إلي بنورك. ثم أمره بأن يبشر المؤمنين بأنهم يصلون إلى مشاهدته، بلا حجاب ولا عتاب. ه. قال القشيري: يا أيها المشرف من قبلنا إنا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا، ومبشرا، تبشر عبادنا بنا، وتحذرهم مخالفة أمرنا، وتعلمهم مواضع الخوف منا، وداعيا الخلق إلينا بنا، وسراجا منيرا يستضيئون بك، وشمسا ينبسط شعاعك على جميع من صدقك وآمن بك، ولا يصل إلينا إلا من اتبعك وخدمك وقدمك، { وبشر المؤمنين } بفضلنا عليهم، ونيلهم طولنا عليهم، وإحساننا إليهم. ومن لم تؤثر فيهم بركة إيمانهم بك فلا قدر لهم عندنا. ولا تطع من أعرضنا عنه وأضللناه، من أهل الكفر والنفاق، وأهل البدع والشقاق، وتوكل على الله بدوام الانقطاع إليه، وكفى بالله وكيلا. ه. ثم ذكر حكم المطلقة بعد الدخول وأنه لا عدة عليها مناسب لقوله { فلما قضي زيد... } إلخ فقال: { يأيها الذين... }

الأحزاب 33:47

قلت: " شاهدا ": حال مقدرة، كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا } على من بعثت إليهم، على تصديقهم وتكذيبهم، أي: مقبولا قولك عند الله، لهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم، { ومبشرا } للمؤمنين بالنعيم المقيم، { ونذيرا } للكافرين بالعذاب الأليم، { وداعيا إلى الله } إلى الإقرار بربوبيته، وتوحيده، وما يجب الإيمان به، من صفاته، ووعده، ووعيده، { بإذنه } بأمره، أو: بتيسيره. وقيد به الدعوى إيذانا بأنه أمر صعب، لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه، { وسراجا منيرا } يستضاء به في ظلمة الجهالة، وتقتبس من نوره أنوار الهداية، قد جلى به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير، ويهتدى به. وقيل: المراد به القرآن، فيكون التقدير: وذا سراج. ووصف بالإنارة لأن من السرج من لا يضيء جدا إذا قل سليطه، أي: زيته ورقت فتيلته. أو: شاهدا بوحدانيتنا، ومبشرا برحمتنا، ونذيرا بنقمتنا، وداعيا إلى عبادتنا، وسراجا تنير الطريق إلى حضرتنا. { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } ثوابا عظيما، يربو على ثواب سائر الأمم. وفي الحديث: " مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمن استأجر عمالا إلى آخر اليوم، فعملت اليهود إلى الظهر، ثم عجزوا، ثم عملت النصارى إلى العصر، فعجزوا، ثم عملتم إلى آخر النهار، فاستحققتم أجر الفريقين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا، وأقل أجرا، فقال لهم الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء " وفي رواية: " أنهم عملوا إلى الظهر، أو العصر. وقالوا: لا حاجة لنا بأجرك، فبطل أجر الفريقين " وهذا في حق من أدرك الإسلام منهم ولم يؤمن. والحديث في الصحيح. نقلته بالمعنى. قال البيضاوي: ولعله معطوف على محذوف، أي: فراقب أمتك وبشرهم. ه. { ولا تطع الكافرين والمنافقين } أي: دم على مخالفتهم، وهو تهييج وتنفير عن حالهم، { ودع أذاهم } أي: لا تلتفت إليه، ولا تحتفل بشأنه. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، أي: اجعل إيذائهم إياك في جانب، وأنت في جانب، ولا تبال بهم، ولا تخف من إيذائهم. أو: إلى المفعول، أي: دع إيذاءك إياهم مجازاة ومؤاخذة على كفرهم. ولذلك قيل: إنه منسوخ. { وتوكل على الله } فإنه يكفيكهم، { وكفى بالله وكيلا } موكولا عليه، ومفوضا إليه الأمر في الأحوال كلها، ولعله تعالى لما وصفه بخمسة أوصاف، قابل كلا منها بخطاب مناسب له، فقابل الشاهد بقوله: { وبشر المؤمنين } لأنه يكون شاهدا عل أمته، وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير، وقابل المبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين لأنه إذا أعرض عنهم أقبل بكليته على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة، وقابل النذير بدع أذاهم لأنه إذا ترك أذاهم في العاجل، والأذى له، لا بد له من عقاب عاجل أو آجل، كانوا منذرين به في المستقبل. وقابل الداعي إلى الله بأمره بالتوكل عليه لأن من توكل على الله يسر عليه كل عسير، فتسهل الدعوة، ويتيسر أمرها، وقابل السراج المنير بالاكتفاء به وكيلا لأن من أناره الله وجعله برهانا على جميع خلقه كان حقيقا بأن يكتفي به عن جميع خلقه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: إنا أرسلناك بالحقيقة شاهدا، أنت شاهدنا، شاهدناك وشهدت علينا، فألبستك أنوار ربوبيتي، فمن شهدك بالحقيقة فقد شهدنا. قلت: لأن نوره صلى الله عليه وسلم أول نور ظهر من نور الحق، فمن شهده شهد الحق. ثم قال: ومن نظر إليك فقد نظر إلينا. قال صلى الله عليه وسلم: " فقد عرف الحق، ومن رآني فقد رأى الحق " ثم قال: { وسراجا منيرا } أسرجت نورك من نوري، فتنور بنوري عيون عبادي المؤمنين، فيأتون إلي بنورك. ثم أمره بأن يبشر المؤمنين بأنهم يصلون إلى مشاهدته، بلا حجاب ولا عتاب. ه. قال القشيري: يا أيها المشرف من قبلنا إنا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا، ومبشرا، تبشر عبادنا بنا، وتحذرهم مخالفة أمرنا، وتعلمهم مواضع الخوف منا، وداعيا الخلق إلينا بنا، وسراجا منيرا يستضيئون بك، وشمسا ينبسط شعاعك على جميع من صدقك وآمن بك، ولا يصل إلينا إلا من اتبعك وخدمك وقدمك، { وبشر المؤمنين } بفضلنا عليهم، ونيلهم طولنا عليهم، وإحساننا إليهم. ومن لم تؤثر فيهم بركة إيمانهم بك فلا قدر لهم عندنا. ولا تطع من أعرضنا عنه وأضللناه، من أهل الكفر والنفاق، وأهل البدع والشقاق، وتوكل على الله بدوام الانقطاع إليه، وكفى بالله وكيلا. ه. ثم ذكر حكم المطلقة بعد الدخول وأنه لا عدة عليها مناسب لقوله { فلما قضي زيد... } إلخ فقال: { يأيها الذين... }

الأحزاب 33:48

قلت: " شاهدا ": حال مقدرة، كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا } على من بعثت إليهم، على تصديقهم وتكذيبهم، أي: مقبولا قولك عند الله، لهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم، { ومبشرا } للمؤمنين بالنعيم المقيم، { ونذيرا } للكافرين بالعذاب الأليم، { وداعيا إلى الله } إلى الإقرار بربوبيته، وتوحيده، وما يجب الإيمان به، من صفاته، ووعده، ووعيده، { بإذنه } بأمره، أو: بتيسيره. وقيد به الدعوى إيذانا بأنه أمر صعب، لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه، { وسراجا منيرا } يستضاء به في ظلمة الجهالة، وتقتبس من نوره أنوار الهداية، قد جلى به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير، ويهتدى به. وقيل: المراد به القرآن، فيكون التقدير: وذا سراج. ووصف بالإنارة لأن من السرج من لا يضيء جدا إذا قل سليطه، أي: زيته ورقت فتيلته. أو: شاهدا بوحدانيتنا، ومبشرا برحمتنا، ونذيرا بنقمتنا، وداعيا إلى عبادتنا، وسراجا تنير الطريق إلى حضرتنا. { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } ثوابا عظيما، يربو على ثواب سائر الأمم. وفي الحديث: " مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمن استأجر عمالا إلى آخر اليوم، فعملت اليهود إلى الظهر، ثم عجزوا، ثم عملت النصارى إلى العصر، فعجزوا، ثم عملتم إلى آخر النهار، فاستحققتم أجر الفريقين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا، وأقل أجرا، فقال لهم الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء " وفي رواية: " أنهم عملوا إلى الظهر، أو العصر. وقالوا: لا حاجة لنا بأجرك، فبطل أجر الفريقين " وهذا في حق من أدرك الإسلام منهم ولم يؤمن. والحديث في الصحيح. نقلته بالمعنى. قال البيضاوي: ولعله معطوف على محذوف، أي: فراقب أمتك وبشرهم. ه. { ولا تطع الكافرين والمنافقين } أي: دم على مخالفتهم، وهو تهييج وتنفير عن حالهم، { ودع أذاهم } أي: لا تلتفت إليه، ولا تحتفل بشأنه. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، أي: اجعل إيذائهم إياك في جانب، وأنت في جانب، ولا تبال بهم، ولا تخف من إيذائهم. أو: إلى المفعول، أي: دع إيذاءك إياهم مجازاة ومؤاخذة على كفرهم. ولذلك قيل: إنه منسوخ. { وتوكل على الله } فإنه يكفيكهم، { وكفى بالله وكيلا } موكولا عليه، ومفوضا إليه الأمر في الأحوال كلها، ولعله تعالى لما وصفه بخمسة أوصاف، قابل كلا منها بخطاب مناسب له، فقابل الشاهد بقوله: { وبشر المؤمنين } لأنه يكون شاهدا عل أمته، وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير، وقابل المبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين لأنه إذا أعرض عنهم أقبل بكليته على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة، وقابل النذير بدع أذاهم لأنه إذا ترك أذاهم في العاجل، والأذى له، لا بد له من عقاب عاجل أو آجل، كانوا منذرين به في المستقبل. وقابل الداعي إلى الله بأمره بالتوكل عليه لأن من توكل على الله يسر عليه كل عسير، فتسهل الدعوة، ويتيسر أمرها، وقابل السراج المنير بالاكتفاء به وكيلا لأن من أناره الله وجعله برهانا على جميع خلقه كان حقيقا بأن يكتفي به عن جميع خلقه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: إنا أرسلناك بالحقيقة شاهدا، أنت شاهدنا، شاهدناك وشهدت علينا، فألبستك أنوار ربوبيتي، فمن شهدك بالحقيقة فقد شهدنا. قلت: لأن نوره صلى الله عليه وسلم أول نور ظهر من نور الحق، فمن شهده شهد الحق. ثم قال: ومن نظر إليك فقد نظر إلينا. قال صلى الله عليه وسلم: " فقد عرف الحق، ومن رآني فقد رأى الحق " ثم قال: { وسراجا منيرا } أسرجت نورك من نوري، فتنور بنوري عيون عبادي المؤمنين، فيأتون إلي بنورك. ثم أمره بأن يبشر المؤمنين بأنهم يصلون إلى مشاهدته، بلا حجاب ولا عتاب. ه. قال القشيري: يا أيها المشرف من قبلنا إنا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا، ومبشرا، تبشر عبادنا بنا، وتحذرهم مخالفة أمرنا، وتعلمهم مواضع الخوف منا، وداعيا الخلق إلينا بنا، وسراجا منيرا يستضيئون بك، وشمسا ينبسط شعاعك على جميع من صدقك وآمن بك، ولا يصل إلينا إلا من اتبعك وخدمك وقدمك، { وبشر المؤمنين } بفضلنا عليهم، ونيلهم طولنا عليهم، وإحساننا إليهم. ومن لم تؤثر فيهم بركة إيمانهم بك فلا قدر لهم عندنا. ولا تطع من أعرضنا عنه وأضللناه، من أهل الكفر والنفاق، وأهل البدع والشقاق، وتوكل على الله بدوام الانقطاع إليه، وكفى بالله وكيلا. ه. ثم ذكر حكم المطلقة بعد الدخول وأنه لا عدة عليها مناسب لقوله { فلما قضي زيد... } إلخ فقال: { يأيها الذين... }

الأحزاب 33:49

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات } أي: تزوجتموهن. والنكاح في الأصل: الوطء، من: تناكحت الأشجار: إذا التصق بعضها ببعض. وتسمية العقد نكاحا مجاز لملابسته له، من حيث إنه طريق إليه، كتسمية الخمر إثما لأنها سببه، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد لأنه لو استعمل في الوطء لكان تصريحا به، ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة، والمماسة، والقربان، والتغشي، والإتيان، تعليما للأدب والحياء. وفي تخصيص المؤمنات، مع أن الكتابيات تساوي المؤمنات في هذا الحكم، إشارة إلى أن الأولى للمؤمن أن ينكح المؤمنة، تخييرا للنطفة. والمعنى: إذا تزوجتم النساء { ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } تجامعوهن. والخلوة الصحيحة كالمس، { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } أي: تستوفون عددها، وتعدونها عليهن، من: عددته الدراهم فاعتدها، كقوله: كلته الطعام فاكتاله. والإسناد إلى الرجال للدلالة على أن العدة تجب على النساء لحق الأزواج، كما يشعر به، { فما لكم } والإتيان ب " ثم " إزاحة ما عسى أن يتوهم أن تراخي الطلاق ربما يمكن الإصابة فتجب العدة. { فمتعوهن } بشيء من المال، وهذا في المفوض لها قبل الفرض، وأما المفروض لها، أو المسمى صداقها، فتأخذ نصف مهرها، ولا متعة لها على المشهور. { وسرحوهن سراحا جميلا } أي: لا تمسكوهن ضرارا، وأخرجوهن من بيوتكم إذ لا عدة لكم عليهن. قال القشيري: سراحا جميلا لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير، ولا تستردوا منهن شيئا، ولا تجمعوا عليهن سوء الحال والإضرار من جهة المال. ه. الإشارة: أيها المريدون إذا طلقتم نفوسكم، وغبتم عنها بخمرة قوية، من قبل أن تمسوهن بمجاهدة ولا مخالفة، فمتعوها بالشهود، وسرحوا فكرتها في ذات المعبود، سراحا جميلا، لا حجر فيه ولا حصر، فمن رزقه الله الغيبة عن نفسه، حتى غاب عن حظوظها وهواها، فقد كفاه الله قتالها، فيدخل الحضرة بلا مشقة ولا تعب، لكنه نادر، وعلى تقدير وجوده يكون ناقص التربية لأنه يكون كمن طويت له الطرق للحج، فلا يعرفها كما يعرفها من سافر فيها، وكابد مشقتها، وعرف منازلها ومياهها، ووعرها وسهلها، ومخوفها ومأمونها، وكلهم أولياء لله تعالى، لكن طريق التربية أن يكون المريد سلك الطريقة، وقاس شدائد نفسه، وعالجها ليعالج غيره بما يعالج نفسه، على يد شيخ عارف بالطريق. وبالله التوفيق. ثم وسع على نبيه في باب النكاح فقال تعالى: { يأيها النبي إنآ أحللنا... }

الأحزاب 33:50

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } مهورهن إذ المهر أجر البضع، ولذا قال الكرخي من الحنفية : إن النكاح بلفظ الإجارة جائز، والجواب أن التأبيد من شرط النكاح، والتأقيت من شرط الإجارة، وبينهما منافاة، وإيتاؤها: إعطاؤها عاجلا، أو فرضها في المفوض، وتسميته في المسمى. والمراد بالأزواج المحللة له عليه الصلاة والسلام : نساؤه اللاتي في عصمته حينئذ، كعائشة وغيرها، وكان قد أعطاهن مهورهن، أو: جميع النساء اللاتي يريد أن يتزوجهن، فأباح له جميع النساء. وهذا أوسع. { و } أحللنا لك { ما ملكت يمينك } من السراري { مما أفاء الله عليك } من الغنائم، وهي صفية، أعتقها وتزوجها. { وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك } يعني قرابتك، التي من جهة أبيك، ومن جهة أمك. وكان له عليه الصلاة والسلام أعمام وعمات، إخوة لأبيه، ولم يكن لأمه صلى الله عليه وسلم أخ ولا أخت، فإنما يعني بخاله وخالته: عشيرة أمه، وهم بنو زهرة، ولذلك كانوا يقولون: نحن أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا قلنا: المراد بقوله: { أحللنا لك أزواجك } من كان في عصمته، فهذا عطف عليهن، وإباحة لأن يتزوج قرابته، زيادة على من كان في عصمته، وإذا قلنا: المراد: جميع النساء، فهذا تحديد لهن، على وجه التشريف، بعد دخولهن في العموم. وقوله: { اللاتي هاجرن معك } قيد في حلية قرابته عليه الصلاة والسلام . قالت أم هانىء: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله هذه الآية، فلم أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. و " مع " هنا: ليست للاقتران، بل لوجود الهجرة فقط، كقوله: وأسلمت مع سليمان [النمل: 44]. { و } أحللنا لك { امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي } من غير مهر ولا عقد، فهو منصوب بفعل يفسره ما قبله، أو: عطف على ما سبقه، ولا يدفعه أن " التي " للاستقبال لأن المعنى بالإحلال: الإعلام بالحل، أي: أعلمناك حل امرأة مؤمنة وهبت لك نفسها، ولا تطلب مهرا إن اتفق، ولذلك نكرها. واختلف في اتفاق ذلك، والقائل به ذكر أربعا: ميمونة بنت الحارث، حين جاءها الخاطب، قالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجها. وزينب بنت خزيمة الأنصارية، أم المساكين، وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم، وأم شريك بنت جابر الأسدية، وقيل: أم شريك العامرية، قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها، ولم يثبت ذلك. ذكره ابن عبد البر. وخولة بنت حكيم السلمية. ذكر البخاري عن عائشة أنها قالت: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن. قال أبو نعيم: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها. قال السهيلي: فدل أنهن كن غير واحدة. والله أعلم. ه. وقال ابن عباس: هو بيان حكم في المستقبل، ولم يكن عنده أحد منهن بالهبة، فانظره. وقرأ الحسن بفتح " أن " ، على حذف لام التعليل. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه بغير " إن " أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها، أي: طلب نكاحها والرغبة فيها. وقيل: نكح واستنكح بمعنى واحد. والشرط الثاني تقييد للأول، كأنه قال: أحللنا لك امرأة إن وهبت نفسها، وأنت تريد أن تستنكحها، وإرادته هي: قبول الهبة. جعلنا ذلك { خالصة لك من دون المؤمنين } بل يجب عليهم المهر، تسمية أو فرضا. وفيه إيذان بأنه مما خص به عليه الصلاة والسلام لشرف نبوته، وتقرير لاستحقاقه الكرامة. قال ابن جزي: وانظر كيف رجع من الغيبة إلى الخطاب ليخص المخاطب وحده. وقيل: إن " خالصة " يرجع إلى كل ما تقدم من النساء المباحات له صلى الله عليه وسلم لأن سائر المؤمنين قصروا على أربع نسوة، وأبيح له عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك. ومذهب مالك: أن النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد، خلافا لأبي حنيفة. ه. قلت: إن قرنه ذكر الصداق جاز، كما في المختصر. و خالصة: مصدر مؤكد، أي: خلص إحلالها، أو: إحلال ما أحللنا لك على القيود المذكورة خلوصا لك. أو: حال من الضمير في وهبت، أو: صفة لمصدر محذوف، أي: هبة خالصة لك. { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم } أي: ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم، أو: ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من الحقوق، كالنفقة وحسن المعاشرة، أو: ما فرضنا عليهم من الاقتصار على الأربع، أو: ما أوجبنا عليهم من الإشهاد والولي، { وما ملكت أيمانهم } بالشراء وغيره من وجوه الملك، فقد علمنا ما فرضنا عليهم من الإنفاق والرفق، وألا يكلفوهن ما لا طاقة لهن به، مع حلية الوطء، ولو تعددن. وإنما وسعنا عليك في أمر النساء { لكيلا يكون عليك حرج } ضيق، وهو راجع لقوله: { خالصة لك من دون المؤمنين } والجملة من قوله: { قد علمنا ما فرضنا... } الخ: اعتراضية للدلالة على أن الفرق بينه وبين المؤمنين في نحو ذلك ليس لمجرد التوسيع عليه، بل لمعان تقتضي التوسيع عليه والتضييق عليهم تارة، والعكس أخرى، كنكاح الكتابية والأمة، فتحرمان عليه صلى الله عليه وسلم دون أمته. { وكان الله غفورا رحيما } بالتوسعة على عباده، أو: غفورا لما يعسر التجرد عنه، رحيما بالتوسعة في مظان الحرج. الإشارة: قد وسع الله على خواصه في باب النكاح، وأمدهم في ذلك بالقوة، وأعطاهم من الباءة ما لم يعط غيرهم، تشريفا وترغيبا في هذا الأمر، لإبقاء النسل الطيب، ولما فيه من التوسعة في المعرفة، وحسن الخلق، وتعلم السياسة، فدل ذلك أن كثرة النساء لا ينافي الزهد، ولا يقدح في كمال المعرفة، بل يزيد فيها. قال الإمام ابن منصور المقدسي، في شرح منازل السائرين في باب الزهد : ومتعلق الزهد ستة أشياء، لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها، وهي: المال، والرئاسة، والناس، والنفس، وكل ما دون الله. وليس المراد رفضها عن الملك، فقد كان داود وسليمان عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما، ولهما من الملك والنساء والملك ما لهما. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أزهد البشر على الإطلاق، وله تسع نسوة، وكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان رضوان الله عليهم من الزهاد، مع ما لهم من الأموال أي: والنساء فكان لعلي رضي الله عنه أربع حرائر، وسبعة عشر سرية، ولعبد الرحمن بن عوف والزبير أربع أربع، ولعثمان كذلك. وتزوج المغيرة بن شعبة تسعا وتسعين امرأة. ثم قال: وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما من الزهاد، مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحهن. ثم قال: ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن وغيره، قال: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا بإضاعة المال، وإنما الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك. انتهى المقصود منه. ثم وسع على نبيه في القسمة فقال: { ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك... }

الأحزاب 33:51

يقول الحق جل جلاله لرسوله صلى الله عليه وسلم: { ترجي من تشاء منهن } أي: تؤخرها في القسمة، { وتؤوي إليك من تشاء } أي: تضمها إليك، والمعنى: تترك مضاجعة من تشاء منهن وتضاجع من تشاء، فقد خيره الله في القسمة وعدمها. قال أبو رزين: لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقن، فقلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا، فكان ممن أرجى منهن: سودة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة، فكان يقيم لهن ما يشاء، وكان ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، فكان يقسم لهن بالسوية، لا يفضل بعضهن على بعض. فآوى أربعا وأرجى خمسا. وقيل: إنه كان صلى الله عليه وسلم يسوي بين الجميع في القسم، إلا سودة، فإنها وهبت ليلتها لعائشة، حين هم بطلاقها، وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرتك وفي نسائك. والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعدل في القسمة بين نسائه، أخذا منه بأفضل الأخلاق، مع أن الله خيره. وقيل: { ترجي من تشاء } أي: تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء. وقيل: تترك تزوج من شئت من أمتك، وتتزوج من شئت. { ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك } أي: ومن دعوت إلى فراشك، وطلبت صحبتها، ممن عزلت عن نفسك بالإرجاء، فلا ضيق في ذلك، أي: ليس إذا عزلتها من القسمة، أو من العصمة، لم يجز لك ردها إلى نفسك، بل افعل ما شئت، فلا حرج عليك. { ذلك } التفويض إلى مشيئتك { أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن } أي: هو أقرب إلى قرة أعينهن، وقلة حزنهن، ورضاهن جميعا لأنه إذا علمن أن هذا الحكم من عند الله اطمأنت نفوسهن، وذهب التغاير، وحصل الرضا، وقرت العيون. قلت: والذي يظهر أن من أرجاه صلى الله عليه وسلم من النساء إنما كان بوحي، ومن ضمه كذلك إذ لا يتصرف إلا بإذن من الله، فإذا علم النساء أن الإرجاء والإيواء كان بوحي من الله رضين بذلك، وقرت أعينهن، وزال تغايرهن، وأما مطلق التفويض إليه فقط، فلا يقطع الغيرة في العادة، فالإشارة تعود إلى حكم الإرجاء والإيواء فتأمله. و " كلهن ": تأكيد ضمير " يرضين ". { والله يعلم ما في قلوبكم } من أمر النساء، والميل إلى بعضهن، أو: يعلم ما في قلوبكم من الرضا بحكم الله والتفويض إليه، ففيه تهديد لمن لم يرض منهم بما دبر الله، وفوض إلى رسوله، { وكان الله عليما } بذات الصدور، { حليما } لا يعاجل بالعقوبة، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر. الإشارة: إذا تحقق فناء العبد وزواله، وتكملت ولايته، كان مفوضا إليه في الأمور، يفعل ما يشاء، ويترك ما يشاء، لم يبق عليه تحجير، ولم يتوجه إليه عتاب لأن العبد المملوك إذا تحققت محبة سيده له، كتب له عقد التحرير. وشاهده حديث: " إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب " ،وحديث البخاري: " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم " وسببه معلوم. وفي القوت عن زيد بن أرقم: إن الله عز وجل ليحب العبد، حتى يبلغ من حبه أن يقول له: اصنع ما شئت، فقد غفرت لك. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الولي مبلغا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ومصداقه من كتاب الله: قوله تعالى في حق سليمان عليه السلام: هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب [ص: 39]. وهذا وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. وقال أيضا رضي الله عنه في بعض أدعيته: وأدرج أسمائي تحت أسمائك، وصفاتي تحت صفاتك، وأفعالي تحت أفعالك، درج السلامة، وإسقاط الملامة، وتنزل الكرامة، وظهور الإمامة. ه. فإذا اندرجت أسماء العبد وصفاته وأفعاله تحت أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، لم يبق للعبد وجود أصلا، وكان الفعل كله بالله، ومن الله، وإلى الله. وهذا مقام عزيز، لا يناله إلا الأفراد من أهل الفناء في الله، والبقاء بالله، وقد غطى وصفهم بوصفه، ونعتهم بنعته، فغيبهم عن اسمهم ورسمهم، فهم بالله فيما يفعلون ويذرون. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { لا يحل لك النسآء من بعد... }

الأحزاب 33:52

يقول الحق جل جلاله: { لا يحل لك النساء من بعد } أي: من بعد التسع، اللاتي خيرتهن فاخترنك لأن التسع نصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن الأربع نصاب أمته. لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة قصره الله عليهن، وقيل: هي منسوخة كما يأتي. أو: لا يحل لك نساء الأجانب، وإنما لك نساء قرابتك، كبنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك، وبنات خالاتك، فيحل لك منهن ما شئت، ولو ثلاثمائة، أو أكثر. أو: لا يحل لك النساء من غير المسلمات، كالكتابيات والمشركات. { ولا أن تبدل بهن من أزواج } بالطلاق. والمعنى: ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجا، بكلهن أو بعضهن، كرامة لهن، وجزاء على ما اخترن ورضين. فقصر رسوله صلى الله عليه وسلم على التسع اللاتي مات عنهن. وقال أبو هريرة وابن زيد: كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بالأزواج، يعطي امرأة هذا أياما ويأخذ امرأته، فأنزل الله: { ولا أن تبدل بهن من أزواج } بأن تعطي بعض أزواجك وتأخذ بعض أزواجهم، { إلا ما ملكت يمينك } فلا بأس أن تبادل بجاريتك. و " من ": لتأكيد النفي ليفيد استغراق جنس الأزواج بالتحريم. { ولو أعجبك حسنهن } أي: حسن الأزواج المتبدلة. وقيل: هي أسماء بنت عميس، امرأة جعفر بن أبي طالب، فإنها ممن أعجبه حسنهن. وعن عائشة وأم سلمة، ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، يعني أن الآية نسخت إما بالسنة، أو: بقوله: { إنا أحللنا لك أزواجك } وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف. { إلا ما ملكت يمينك } استثناء من النساء لأنه يتناول الأزواج، وقيل: منقطع، أي: لكن ما ملكت يمينك، فيحل لك ما شئت، { وكان الله على كل شيء رقيبا } حافظا ومطلعا. وهو تحذير عن مجاوزة حدوده. والله تعالى أعلم. الإشارة: من نكح أبكار الحقائق العرفانية ودخل بأسرار العلوم اللدنية، لا يحل له أن ينكح ثيبات نساء العلوم الرسمية، ولا أن يتبدل بما عنده من المواهب الربانية، بغيرها من العلوم اللسانية، ولو أعجبك حسنها ورونقها على الفرض والتقدير إذ التنزل إليها بطالة عند المحققين، إلا ما كنت تملكه قبل علم الحقيقة، فلا بأس أن تنزل إلى تعليمه وإفادته، إن توسعت في علم الباطن، وصرت من الأغنياء الكبار، تنفق كيف تشاء، فلا يضرك حينئذ التنزل إلى علم الظاهر. وقد كان شيخ شيوخنا سيدي يوسف الفاسي رضي الله عنه عنده مجلسان: مجلس لأهل الظاهر، ومجلس لأهل الباطن. فإن كان في مجلس الظاهر، وجاء إليه أحد من الفقراء، يقول: اذهب حتى نأتي إلى مجلسكم، وإن كان في مجلس أهل الباطن، وجاء إليه أحد من أهل الظاهر، قال: اذهب حتى نأتي إليكم. وكان له هذا بعد الرسوخ في علم الحقيقة. وبالله التوفيق. ولما أولم عليه الصلاة والسلام على زينب جلس قوما في بيته يتحدثون فأنزل الله تعالى في شأنهم: { يأيها الذين آمنوا... }

الأحزاب 33:53

{ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن... }. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } وكانت تسعا، { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } أي: إلا وقت أن يؤذن لكم، أو: إلا مأذونا لكم، فجملة: { إلا أن يؤذن }: في موضع الحال، أو الظرف. و { غير ناظرين }: حال من { لا تدخلوا } ، وقع الاستثناء على الوقت الحال، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا { غير ناظرين } أي: منتظرين { إناه } أي: إدراكه ونضجه. قال ابن عزيز: إناه بلوغ وقته، يقال: أني يأنى، وآن يئين: إذا شهى، بمنزلة: حان يحين. ه. وقال الهروي: أي: غير ناظرين نضجه وبلوغ وقته، مكسور الهمزة مقصور، فإذا فتحت مددت، فقلت: الإناء، أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بتمر وسويق، وذبح شاة، وأمر أنسا أن يدعو الناس، فترادفوا أفواجا، يأكل كل فوج، فيخرج، ثم يدخل فوج، إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه. فقال: " أرفعوا طعامكم " وتفرق الناس، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون، فأطالوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا، فطاف بالحجرات، وسلم عليهن، ودعون له، ورجع، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون. وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متوليا خرجوا، فنزلت الآية، وهي آية الحجاب. قال أنس: فضرب بيني وبينه الحجاب. قال تعالى: { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا } تفرقوا، { ولا مستأنسين لحديث } أي: ولا تدخلوها حال كونكم مستأنسين لحديث، أو: غير ناظرين ولا مستأنسين، فهو منصوب، أو مجرور، عطف على " ناظرين " ، نهوا أن يطيلوا الجلوس في بيته صلى الله عليه وسلم مستأنسين بعضهم ببعض، لأجل حديث يتحدثون به، { إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم } من إخراجكم { والله لا يستحي من الحق } يعني أن إخراجكم حق، ما ينبغي أن يستحى منه، ولا يترك بيانه، حياء، أو: لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يشرع ذلك. { وإذا سألتموهن } أي: نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بدلالة البيوت عليهن لأن فيها نساءه، { متاعا } عارية أو حاجة، { فاسألوهن من وراء حجاب } ستر، { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } من خواطر الشيطان وعوارض الفتن. وكانت النساء قبل هذه الآية يبرزن للرجال، وكان عمر رضي الله عنه يحب ضرب الحجاب عليهن، ويود أن ينزل فيه، وقال: يا رسول الله: يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فنزلت. وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام، كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل يد عائشة، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء ومشايخ التربية ورثة الأنبياء، فإذا دعوا إلى طعام فلا يدخل أحد حتى يؤذن له، فإذا طعموا فلينتشروا، وإذا سأل أحد حاجته من أهل دار الشيخ فليسأل من وراء الباب، وليتنح عن مقابلة الباب لئلا يتكشف على عرض شيخه، فيسيء الأدب معه، وهو سبب الخسران. ثم نهى عن تزوج نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {.... وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما }. يقول الحق جل جلاله: { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } أي: ما صح لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كفر، { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } تعظيما لحرمته صلى الله عليه وسلم، ولبقاء عصمته عليهن، ولذلك وجبت نفقتهن بعده، لقوله: " ما بقي بعد نفقة أهلي صدقة " وكذا السكنى كما قد علم، وبه قال ابن العربي. وعطف ولا أن تنكحوا على أن تؤذوا من عطف الخاص على العام إذ تزوج نسائه من أعظم الإيذاء. { إن ذلكم } أي: الإيذاء أو التزوج { كان عند الله } ذنبا { عظيما }. { إن تبدوا شيئا } من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نكاح أزواجه، { أو تخفوه } في أنفسكم، { فإن الله كان بكل شيء عليما } فيعاقبكم عليه. روي أن رجلا من الصحابة قال: لئن قبض النبي صلى الله عليه وسلم لأنكحن عائشة، فنزلت، فحرمن. وفيه نزلت: { إن تبدوا شيئا } أي: من نكاح عائشة، { أو تخفوه... } إلخ. وكان عليه الصلاة والسلام ملك قتيبة بنت الأشعث بن قيس، ولم يبن بها، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، بعد ذلك، فهم به أبو بكر، وشق عليه، حتى قال له عمر: يا خليفة رسول الله، ليست من نسائه، ولم يخيرها، ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة، حين ارتدت مع قومها، فسكن أبو بكر. وقال الزهري: إن العالية بنت ظبيان، التي طلق النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت رجلا وولدت له قبل أن يحرم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. الإشارة: مذهب الصوفية تشديد الأدب مع الأشياخ، فإذا مات الشيخ، أو طلق امرأة بعد الدخول، فلا يتزوجها أحد من تلامذته أبدا، تعظيما وأدبا مع الشيخ. وأما تزوج بنت الشيخ فلا بأس، إن قدر على القيام بالأدب معها، والصبر على أذاها، وإلا فالبعد أحسن وأسلم، والله تعالى أعلم. قال القشيري: قوله تعالى: { إن تبدوا شيئا... } الآية: حفظ القلب مع الله تعالى، ومراعاة الأمر بينه وبين الله على الصحة في دوام الأوقات لا يقوى عليه إلا الخواص، من أهل الحضور. ه. ثم رخص للأقارب أن يدخلوا على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: { لا جناح عليهن في آبآئهن... }