البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأحزاب 33:54 – فاطر 35:45
المحتويات
- الأحزاب 33:54
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:56
- الأحزاب 33:57
- الأحزاب 33:58
- الأحزاب 33:59
- الأحزاب 33:60
- الأحزاب 33:61
- الأحزاب 33:62
- الأحزاب 33:63
- الأحزاب 33:64
- الأحزاب 33:65
- الأحزاب 33:66
- الأحزاب 33:67
- الأحزاب 33:68
- الأحزاب 33:69
- الأحزاب 33:70
- الأحزاب 33:71
- الأحزاب 33:72
- الأحزاب 33:73
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
الأحزاب 33:54
{ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن... }. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } وكانت تسعا، { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } أي: إلا وقت أن يؤذن لكم، أو: إلا مأذونا لكم، فجملة: { إلا أن يؤذن }: في موضع الحال، أو الظرف. و { غير ناظرين }: حال من { لا تدخلوا } ، وقع الاستثناء على الوقت الحال، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا { غير ناظرين } أي: منتظرين { إناه } أي: إدراكه ونضجه. قال ابن عزيز: إناه بلوغ وقته، يقال: أني يأنى، وآن يئين: إذا شهى، بمنزلة: حان يحين. ه. وقال الهروي: أي: غير ناظرين نضجه وبلوغ وقته، مكسور الهمزة مقصور، فإذا فتحت مددت، فقلت: الإناء، أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بتمر وسويق، وذبح شاة، وأمر أنسا أن يدعو الناس، فترادفوا أفواجا، يأكل كل فوج، فيخرج، ثم يدخل فوج، إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه. فقال:
" أرفعوا طعامكم "
وتفرق الناس، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون، فأطالوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا، فطاف بالحجرات، وسلم عليهن، ودعون له، ورجع، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون. وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متوليا خرجوا، فنزلت الآية، وهي آية الحجاب. قال أنس: فضرب بيني وبينه الحجاب. قال تعالى: { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا } تفرقوا، { ولا مستأنسين لحديث } أي: ولا تدخلوها حال كونكم مستأنسين لحديث، أو: غير ناظرين ولا مستأنسين، فهو منصوب، أو مجرور، عطف على " ناظرين " ، نهوا أن يطيلوا الجلوس في بيته صلى الله عليه وسلم مستأنسين بعضهم ببعض، لأجل حديث يتحدثون به، { إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم } من إخراجكم { والله لا يستحي من الحق } يعني أن إخراجكم حق، ما ينبغي أن يستحى منه، ولا يترك بيانه، حياء، أو: لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يشرع ذلك. { وإذا سألتموهن } أي: نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بدلالة البيوت عليهن لأن فيها نساءه، { متاعا } عارية أو حاجة، { فاسألوهن من وراء حجاب } ستر، { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } من خواطر الشيطان وعوارض الفتن. وكانت النساء قبل هذه الآية يبرزن للرجال، وكان عمر رضي الله عنه يحب ضرب الحجاب عليهن، ويود أن ينزل فيه، وقال: يا رسول الله: يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فنزلت.
وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام، كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل يد عائشة، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء ومشايخ التربية ورثة الأنبياء، فإذا دعوا إلى طعام فلا يدخل أحد حتى يؤذن له، فإذا طعموا فلينتشروا، وإذا سأل أحد حاجته من أهل دار الشيخ فليسأل من وراء الباب، وليتنح عن مقابلة الباب لئلا يتكشف على عرض شيخه، فيسيء الأدب معه، وهو سبب الخسران. ثم نهى عن تزوج نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {.... وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما }. يقول الحق جل جلاله: { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } أي: ما صح لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كفر، { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } تعظيما لحرمته صلى الله عليه وسلم، ولبقاء عصمته عليهن، ولذلك وجبت نفقتهن بعده، لقوله:
" ما بقي بعد نفقة أهلي صدقة "
وكذا السكنى كما قد علم، وبه قال ابن العربي. وعطف ولا أن تنكحوا على أن تؤذوا من عطف الخاص على العام إذ تزوج نسائه من أعظم الإيذاء. { إن ذلكم } أي: الإيذاء أو التزوج { كان عند الله } ذنبا { عظيما }. { إن تبدوا شيئا } من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نكاح أزواجه، { أو تخفوه } في أنفسكم، { فإن الله كان بكل شيء عليما } فيعاقبكم عليه. روي أن رجلا من الصحابة قال: لئن قبض النبي صلى الله عليه وسلم لأنكحن عائشة، فنزلت، فحرمن. وفيه نزلت: { إن تبدوا شيئا } أي: من نكاح عائشة، { أو تخفوه... } إلخ. وكان عليه الصلاة والسلام ملك قتيبة بنت الأشعث بن قيس، ولم يبن بها، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، بعد ذلك، فهم به أبو بكر، وشق عليه، حتى قال له عمر: يا خليفة رسول الله، ليست من نسائه، ولم يخيرها، ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة، حين ارتدت مع قومها، فسكن أبو بكر. وقال الزهري: إن العالية بنت ظبيان، التي طلق النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت رجلا وولدت له قبل أن يحرم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. الإشارة: مذهب الصوفية تشديد الأدب مع الأشياخ، فإذا مات الشيخ، أو طلق امرأة بعد الدخول، فلا يتزوجها أحد من تلامذته أبدا، تعظيما وأدبا مع الشيخ. وأما تزوج بنت الشيخ فلا بأس، إن قدر على القيام بالأدب معها، والصبر على أذاها، وإلا فالبعد أحسن وأسلم، والله تعالى أعلم. قال القشيري: قوله تعالى: { إن تبدوا شيئا... } الآية: حفظ القلب مع الله تعالى، ومراعاة الأمر بينه وبين الله على الصحة في دوام الأوقات لا يقوى عليه إلا الخواص، من أهل الحضور. ه. ثم رخص للأقارب أن يدخلوا على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: { لا جناح عليهن في آبآئهن... }
الأحزاب 33:55
يقول الحق جل جلاله: { لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن } أن يدخلوا عليهن بلا حجاب. قال ابن عباس: لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب، فنزلت: { لا جناح... } الخ، أي: لا إثم عليهن في أن لا يحتجبن من هؤلاء. ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقد جاء تسمية العم أبا في قوله تعالى:
نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق...
[البقرة: 133] وإسماعيل عم يعقوب، فسماه أبا. وذكر القاضي إسماعيل، عن الحسن والحسين: أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين. وقال ابن عباس: إن رؤيتهما لهن تحل، أي: لأنهما ولدا البعل. قال القاضي: وأحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية. وقال في سورة النور:
ولا يبدين زينتهن
[النور:31] إلى قوله:
... أو أبنآء بعولتهن
[النور: 31]، فذهب ابن عباس إلى ما في سورة النور، وذهب الحسن والحسين إلى ما في هذه السورة. ه. { ولا نسائهن } أي: نساء المؤمنات، فلا حجاب عليهن، { ولا ما ملكت أيمانهن } من العبيد والإماء. وقيل: من الإماء خاصة، وأما العبيد فهم كالأجانب. وهو المشهور، { واتقين الله } فيما أمرتن به من الحجاب، وما نزل فيه الوحي من الاستتار، واحتطن في ذلك. ونقل الكلام فيه من الغيبة إلى الخطاب لشدة التهديد، ولذا قال: { إن الله كان على كل شيء شهيدا } عالما يعلم خطرات القلوب وهواجسها، فيعاتب عليها. الإشارة: ما قيل في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يقال في نساء المشايخ والعلماء، فتحتجبن من جميع الخلق، إلا من محارمهن، ولا يمنعهن من إدخال محارمهن عليهن إلا جامد أو جاهل، ولا ينبغي لأحد أن يمنع زوجه من لقاء محرمها والدخول عليها إلا لفساد بين. وبالله التوفيق. ثم أمر بالصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وحض عليها بعد أن أمر بتعظيمه واحترامه فقال: { إن الله وملائكته يصلون... }
الأحزاب 33:56
يقول الحق جل جلاله: { إن الله وملائكته يصلون على النبي } يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه. وقال صاحب المغني: الصواب عندي: أن الصلاة لغة بمعنى واحد، وهو العطف، ثم العطف بالنسبة إلى الله تعالى: الرحمة، وإلى الملائكة: الاستغفار، وإلى الآدميين: دعاء. واختاره السهيلي قبله. والمراد بالرحمة منه تعالى غايتها، وهو إفاضة الخير والإحسان، لا رقة القلب، الذي هو معنى الرحمة حقيقة. { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه } أي: قولوا: اللهم صل على محمد أو: صلى الله على محمد. { وسلموا تسليما } أي: قولوا: اللهم سلم على محمد، أو: صل وسلم على محمد، أو: انقادوا لأمره وحكمه، انقيادا كليا. وعن كعب بن عجرة: قلنا: يا رسول الله، أما السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال:
" قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد "
ومعرفتهم السلام من التشهد. والصلاة على غير الأنبياء بالتبع جائزة. وأما بالاستقلال فمكروه، وهو من شعار الروافض. ه. قال الكواشي: روي أنه قيل يا رسول الله: أرأيت قول الله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي... } الآية؟ فقال: هذا من العلم المكنون، ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم، إن الله وكل بي ملكين، فلا أذكر عند عبد مسلم، فيصلي علي، إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين. ولا أذكر عند عبد مسلم، فلا يصلي علي إلا قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك. وقال الله جوابا لذينك الملكين: آمين. ه. والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة. فمنهم من أوجبها عند ذكره كلما ذكر، وعليه الجمهور، وهو الاحتياط للحديث المتقدم. ولقوله صلى الله عليه وسلم:
" من ذكرت عنده فلم يصل علي دخل النار "
ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، كتشميت العاطس وآية السجدة، ومنهم من أوجبها مرة في العمر. قالوا: وكذلك الخلاف في إظهار الشهادتين، وأما ذكرها في الصلاة فليست شرطا عند أبي حنيفة ومالك، خلافا للشافعي، والاحتياط: الإكثار منها بغير حصر، ولا يغفل عنها إلا من لا خير فيه. واختلف هل كانت الأمم الماضية متعبدة بالصلاة على أنبيائهم. قال القسطلاني: إنه لم ينقل إلينا ذلك، ولا يلزم من عدم النقل عدم الوقوع. ه. الإشارة: اعلم أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم سلم ومعراج الوصول إلى الله لأن تكثير الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم توجب محبته، ومحبته عليه الصلاة والسلام توجب محبة الله تعالى، ومحبته تعالى للعبد تجذبه إلى حضرته، بواسطة وبغيرها.
وأيضا: الرسول صلى الله عليه وسلم وزير مقرب، ومن رام دخول حضرة الملوك يخدم الوزير، ويتقرب إليه، حتى يدخله على الملك. فهو صلى الله عليه وسلم حجاب الله الأعظم، وبابه الأكرم، فمن رام الدخول من غير بابه طرد وأبعد، وفي ذلك يقول ابن وفا:
وأنت باب الله، أي امرىء وفاه من غيرك لا يدخل
وقال الشيخ الجزولي رضي الله عنه في دلائل الخيرات: وهي من أهم المهمات لمن يريد القرب من رب الأرباب. وقال شارحه: ووجه أهميتها من وجوه، منها: ما فيها من التوسل إلى الله سبحانه بحبيبه ومصطفاه. وقد قال تعالى:
وابتغوا إليه الوسيلة
[المائدة: 35]، ولا وسيلة إليه أقرب، ولا أعظم، من رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم. ومنها: أن الله تعالى أمر بها، وحضنا عليها، تشريفا له وتكريما، وتفضيلا لجلاله، ووعد من استعملها حسن المآب، وجزيل الثواب، فهي من أنجح الأعمال، وأرجح الأقوال، وأزكى الأحوال، وأحظى القربات، وأعم البركات، وبها يتوصل إلى رضا الرحمن، وتنال السعادة والرضوان، وتجاب الدعوات، ويرتقي إلى أرفع الدرجات. وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: يا موسى أتريد أن أكون أقرب إليك من كلامك إلى لسانك، ومن وسواس قلبك إلى قلبك، ومن روحك إلى بدنك، ومن نور بصرك إلى عينيك؟ قال: نعم يا رب، قال: فأكثر من الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم محبوب لله عز وجل، عظيم القدر عنده، وقد صلى عليه وهو وملائكته، فوجبت محبة المحبوب، والتقرب إلى الله تعالى بمحبته، وتعظيمه، والاشتغال بحقه، والصلاة عليه، والاقتداء بصلاته، وصلاة ملائكته، وصلاة ملائكته عليه. قلت: وهذا التشريف أتم وأعظم من تشريف آدم عليه السلام، بأمر الملائكة بالسجود له لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف. فتشريف يصدر عنه مع ملائكته أبلغ من تشريف تختص به الملائكة. ومنها: ما ورد في فضلها، ووعد عليها من جزيل الأجر وعظيم القدر، وفوز مستعملها برضا الله، وقضاء حوائج آخرته ودنياه. ومنها: ما فيها من شكر الواسطة في نعم الله علينا المأمور، بشكره، وما من نعمة لله علينا، سابقة ولا لا حقة من نعمة الإيجاد والإمداد، في الدنيا والآخرة، إلا وهو السبب في وصولها إلينا، وإجرائها علينا، فوجب حقه علينا، ووجب علينا في شكر نعمته ألا نفتر عن الصلاة عليه، مع دخول كل نفس وخروجه. ومنها: ما فيها من القيام برسم العبودية، بالرجوع لما يقتضي الأصل نفيه، فهو أبلغ في الامتثال، ومن أجل ذلك كانت فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على كل عمل. والذي يقتضي الأصل نفيه، هو كون العبد يتقرب إلى الله بالاشتغال بحق غيره لأن قولنا:
" اللهم صل على محمد "
هو الاشتغال بحق محمد صلى الله عليه وسلم، وأصل التعبدات: ألا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالاشتغال بحقه. ولكن لما كان الاشتغال بالصلاة على محمد بإذن من الله تعالى، كان الاشتغال بها أبلغ في امتثال الأمر، فهي بمثابة أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم، فكان شرفهم في امتثال أمر الله، وإهانة إبليس في مخالفة أمره سبحانه. ومنها: ما جرب من تأثيرها، والنفع بها في التنوير ورفع الهمة، حتى قيل: إنها تكفي عن الشيخ في الطريق، وتقوم مقامه، حسبما نقله الشيخ السنوسي، والشيخ زروق، وغيرهما. ومنها: ما فيها من سير الاعتدال، الجامع لكمال العبد وتكميله، ففي الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الله ورسوله، ولا كذلك عكسه، فلذلك كانت المثابرة على الأذكار والدوام عليها يحصل به الانحراف، وتكسب نورانية تحرق الأوصاف، وتثير وهجا وحرارة في الطباع، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تذهب وهج الطباع، وتقوي النفوس لأنها كالماء البارد، فكانت تقوم مقام شيخ التربية. انتهى كلامه. قلت: والحق الذي لا غبار عليه: إن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، والإكثار منها، تدل صاحبها على من يأخذ بيده، وتوصله إلى شيخ التربية، الذي هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كان صادق الطلب، وأما كونها تقوم مقام الشيخ في دخول مقام الفناء والبقاء، حتى تعتدل حقيقته وشريعته فلا إذ لا تنقطع رعونات النفوس إلا بآمر وناه من غيره، يكون عالما بدسائس النفوس وخدعها، وغاية ما توصل إليه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يظفر بالشيخ الفناء في الصفات، وينال مقام الصلاح الأكبر، ويظهر له كرامات وخوارق، ويكون من أرباب الأحوال، وإن وصل إلى مقام الفناء تكون شريعته أكبر من حقيقته. هذا ما ذقناه، وشهدناه، وسمعناه من أشياخنا، والطريق التي أدركناهم يستعملونها، وأخذناها منهم، أنهم يأمرون المريد إن رأوه أهلا للتربية أن يلتزم الاسم المفرد، ويفنى فيه، حتى تنهدم به عوالمه، فإذا تحقق فناؤه وغاب عن نفسه ورسمه، ردوه إلى مقام البقاء، وحينئذ يأمرونه بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتكون صلاته عليه كاملة، يصلي على روحه وسره بلا حجاب، ويشاهده في كل ساعة كما يشاهدونه. وبالله التوفيق. ثم ذكر أهل الغفلة والبعد فقال: { إن الذين يؤذون الله ورسوله... }
الأحزاب 33:57
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يؤذون الله ورسوله } بارتكابهم ما يكرهانه من الكفر والمعاصي والبدع. وقال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون. فقالت اليهود:
يد الله مغلولة [المائدة: 64]،
إن الله فقير
[آل عمران: 181] وقالت النصارى:
المسيح ابن الله
[التوبة: 30]،
إن الله ثالث ثلاثة
[المائدة: 73]. وقال المشركون: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. وقيل: يؤذونه: يلحدون في أسمائه وصفاته. ويؤذون رسول الله، حين شج وجهه، وكسرت رباعيته، وقيل له: هو ساحر وشاعر ومجنون. أو: بترك سنته ومخالفة شريعته. ويحتمل أن يكون المراد يؤذون رسول الله فقط بالتنقيص، أو بالتعرض لنسائه. وذكر اسم الله للتشريف. { لعنهم الله في الدنيا والآخرة } أي: أبعدهم من رحمته في الدارين { وأعد لهم عذابا مهينا } يهينهم ويخزيهم في النار. { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } بغير جناية يستحقون بها الإيذاء، { فقد احتملوا بهتانا } كذبا { وإثما مبينا } ظاهرا، وإنما أطلق في إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا بغير حق، وأما إيذاء المؤمنين فمنه ما يكون بحق، كالحد والتعزير، ومنه باطل. وقيل: نزلت في ناس من المنافقين، كانوا يؤذون عليا رضي الله عنه، ويسمعونه، وقيل: في زناة المدينة، كانوا يمشون في طرق المدينة، ويتبعون النساء إذا تبرزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيغمزون المرأة، فإن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا. وعن الفضيل: لا يحل أن تؤذي كلبا أو خنزيرا بغير حق، فكيف بالمؤمنين؟ ه. الإشارة: إذاية الله ورسوله هي إذاية أوليائه، ونقله الثعلبي عن أهل المعاني، فقال: فأراد الله تعالى المبالغة في النهي عن أذى أوليائه، فجعل أذاهم أذاه. ه. ويؤيده الحديث القدسي:
" من آذى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة "
،أو كما سبحانه. وإذاية المؤمنين كثيرة، تكون باللسان وبغيره، وقد قالوا: البر لا يؤذي الذر. ومن أركان التصوف: كف الأذى، وحمل الجفا، وشهود الصفا، ورمي الدنيا بالقفا. وبالله التوفيق. ثم أمر بتمييز الحرائر من الإماء في اللباس فقال: { يأيها النبي قل لأزواجك... }
الأحزاب 33:58
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يؤذون الله ورسوله } بارتكابهم ما يكرهانه من الكفر والمعاصي والبدع. وقال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون. فقالت اليهود:
يد الله مغلولة [المائدة: 64]،
إن الله فقير
[آل عمران: 181] وقالت النصارى:
المسيح ابن الله
[التوبة: 30]،
إن الله ثالث ثلاثة
[المائدة: 73]. وقال المشركون: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. وقيل: يؤذونه: يلحدون في أسمائه وصفاته. ويؤذون رسول الله، حين شج وجهه، وكسرت رباعيته، وقيل له: هو ساحر وشاعر ومجنون. أو: بترك سنته ومخالفة شريعته. ويحتمل أن يكون المراد يؤذون رسول الله فقط بالتنقيص، أو بالتعرض لنسائه. وذكر اسم الله للتشريف. { لعنهم الله في الدنيا والآخرة } أي: أبعدهم من رحمته في الدارين { وأعد لهم عذابا مهينا } يهينهم ويخزيهم في النار. { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } بغير جناية يستحقون بها الإيذاء، { فقد احتملوا بهتانا } كذبا { وإثما مبينا } ظاهرا، وإنما أطلق في إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا بغير حق، وأما إيذاء المؤمنين فمنه ما يكون بحق، كالحد والتعزير، ومنه باطل. وقيل: نزلت في ناس من المنافقين، كانوا يؤذون عليا رضي الله عنه، ويسمعونه، وقيل: في زناة المدينة، كانوا يمشون في طرق المدينة، ويتبعون النساء إذا تبرزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيغمزون المرأة، فإن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا. وعن الفضيل: لا يحل أن تؤذي كلبا أو خنزيرا بغير حق، فكيف بالمؤمنين؟ ه. الإشارة: إذاية الله ورسوله هي إذاية أوليائه، ونقله الثعلبي عن أهل المعاني، فقال: فأراد الله تعالى المبالغة في النهي عن أذى أوليائه، فجعل أذاهم أذاه. ه. ويؤيده الحديث القدسي:
" من آذى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة "
،أو كما سبحانه. وإذاية المؤمنين كثيرة، تكون باللسان وبغيره، وقد قالوا: البر لا يؤذي الذر. ومن أركان التصوف: كف الأذى، وحمل الجفا، وشهود الصفا، ورمي الدنيا بالقفا. وبالله التوفيق. ثم أمر بتمييز الحرائر من الإماء في اللباس فقال: { يأيها النبي قل لأزواجك... }
الأحزاب 33:59
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } أي: يرخين على وجوههن من جلابيبهن فيغطين بها وجوههن. والجلباب: كل ما يستر الكل، مثل الملحفة، والمعنى: قل للحرائر يرخين أرديتهن وملاحفهن ويغطين بها وجوههن ورؤوسهن، ليعلم أنهن حرائر فلا يؤذين. و { ذلك أدنى } أي: أقرب وأجدر، { أن يعرفن } من الإماء { فلا يؤذين } وذلك أن النساء في أول الإسلام كن على زيهن في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درج وخمار، لا فصل بين الحرة والأمة. وكان الفتيان يتعرضون للإماء، إذا خرجن بالليل لقضاء حاجتهن في النخيل والغيضات، وكن يخرجن مختلطات مع الحرائر، فربما تعرضوا للحرة، يحسبونها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلباس الجلابيب، وستر الرؤوس والوجوه، فلا يطمع فيهن طامع. قال ابن عباس رضي الله عنه: أمر الله تعالى نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة. قلت: وقد مر في سورة النور أن الوجه والكفين ليس بعورة، إلا لخوف الفتنة، وأما الإماء فلا تسترن شيئا إلا ما بين السرة والركبة، كالرجل. قال أنس: مرت جارية متقنعة بعمر بن الخطاب فعلاها بالدرة، وقال: يا لكاع أنت تشبهين بالحرائر، فألق القناع، { وكان الله غفورا } لما سلف منهن من التفريط، { رحيما } بتعليمهن آداب المكارم. الإشارة: ينبغي لنساء الخواص أن يتميزن من نساء العامة بزيادة الصون والتحفظ، وقلة الخروج، فإذا لزمهن الخروج، فليخرجن في لباس خشين، بحيث لا يعرفن، أو يخرجن ليلا. وثبت أن زوجة الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه لم تخرج من دارها إلا خرجتين خرجة حين زفت إلى زوجها، وخرجة إلى المقابر. نفعنا الله ببركاتهم. آمين. ثم هدد المنافقين حيث كانوا يؤذوان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال: { لئن لم ينته المنافقون... }
الأحزاب 33:60
قلت: { لنغرينك }: جواب القسم المغني عن جواب الشرط. و { ثم لا يجاورنك }: عطف عليه لأنه يصح أن يجاب به القسم لصحة قولك: لئن لم ينتهوا لا يجاورنك، ولما كان الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما أصيبوا به عطف بثم، لبعد حاله عن حال المعطوف عليه. و { ملعونين }: نصب على الشتم أو الحال، والاستثناء دخل على الظرف والحال معا، أي: لا يجاورنك إلا قليلا في اللعنة والبعد، ولا يصح نصبه بأخذوا لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله. يقول الحق جل جلاله: { لئن لم ينته المنافقون } عن نفاقهم وإيذائهم، { والذين في قلوبهم مرض } فجور، وهم الزناة من قوله: " فيطمع الذي في قلبه مرض ". { والمرجفون في المدينة } وهم أناس كانوا يرجفون بأخبار السوء في المدينة، من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: هزموا وقتلوا، وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال: رجف بكذا: إذا أخبر به على غير حقيقته لكونه خبرا مزلزلا غير ثابت، من: الرجفة، وهي الزلزلة، { لنغرينك بهم } لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم، أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء، أو: لنسلطنك عليهم، { ثم لا يجاورونك فيها } في المدينة { إلا } زمنا { قليلا }. والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يلقون من أخبار السوء، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوؤهم، بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء من المدينة، وألا يساكنوك فيها إلا زمنا قليلا، ريثما يرتحلون. فسمي ذلك إغراء، وهو التحريش، على سبيل المجاز. حال كونهم { ملعونين } أي: لا يجاورونك إلا ملعونين، مبعدين عن الرحمة { أينما ثقفوا } وجدوا { أخذوا وقتلوا تقتيلا } والتشديد للتكثير. { سنة الله } أي: سن الله ذلك سنة { في الذين خلوا من قبل } في المنافقين الذين كانوا ينافقون الأنبياء من قبل، ويسعون في وهنهم بالإرجاف ونحوه أن يقتلوا أينما وجدوا، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي: لا يبدل الله سنته ولا يقدر أحد أن يبدلها، بل يجريها مجرى واحدا في الأمم كلهم. قال ابن جزي: تضمنت الآية وعيد هؤلاء الأصناف إن لم ينتهوا، ولم ينفذ الوعيد فيهم. ففي ذلك دليل على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة. وقيل: إنهم انتهوا وستروا أمرهم فكف عنهم إنفاذ الوعيد. ه. الإشارة: منافقو الصوفية هم الذين ينتسبون إلى الصوفية، ويدعون محبة القوم، وهم يعترضون على الفقراء، ويرفعون الميزان عليهم، وهم الذين في قلوبهم مرض، أي: حيرة وضيق من غم الحجاب إذ لو ارتفع عنهم الحجاب لم يعترضوا على أحد، وهم المرجفون بأهل النسبة، إذ سمعوا شيئا يسوؤهم أفشوه، وأظهروا الفرح. لئن لم ينتهوا عن ذلك ليسلطن الله عليهم من يخرجهم من النسبة بالكلية، ثم لا يبقون فيها إلا قليلا، ممقوتين عند أهل التحقيق، أينما وجدوا، أخذوا بالفعل أو بالقول فيهم. وقد ألف بعض الفقهاء تأليفا في الرد على الفقراء، فسلط الله عليه من أهانه، ووسمه بالبلادة والجمود، ولا زال مهانا أينما ذكر، والعياذ بالله. ولما ذكر حال المنافقين ذكر حال المشركين لاشتراكهم في الكفر فقال: { يسألك الناس عن الساعة... }
الأحزاب 33:61
قلت: { لنغرينك }: جواب القسم المغني عن جواب الشرط. و { ثم لا يجاورنك }: عطف عليه لأنه يصح أن يجاب به القسم لصحة قولك: لئن لم ينتهوا لا يجاورنك، ولما كان الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما أصيبوا به عطف بثم، لبعد حاله عن حال المعطوف عليه. و { ملعونين }: نصب على الشتم أو الحال، والاستثناء دخل على الظرف والحال معا، أي: لا يجاورنك إلا قليلا في اللعنة والبعد، ولا يصح نصبه بأخذوا لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله. يقول الحق جل جلاله: { لئن لم ينته المنافقون } عن نفاقهم وإيذائهم، { والذين في قلوبهم مرض } فجور، وهم الزناة من قوله: " فيطمع الذي في قلبه مرض ". { والمرجفون في المدينة } وهم أناس كانوا يرجفون بأخبار السوء في المدينة، من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: هزموا وقتلوا، وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال: رجف بكذا: إذا أخبر به على غير حقيقته لكونه خبرا مزلزلا غير ثابت، من: الرجفة، وهي الزلزلة، { لنغرينك بهم } لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم، أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء، أو: لنسلطنك عليهم، { ثم لا يجاورونك فيها } في المدينة { إلا } زمنا { قليلا }. والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يلقون من أخبار السوء، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوؤهم، بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء من المدينة، وألا يساكنوك فيها إلا زمنا قليلا، ريثما يرتحلون. فسمي ذلك إغراء، وهو التحريش، على سبيل المجاز. حال كونهم { ملعونين } أي: لا يجاورونك إلا ملعونين، مبعدين عن الرحمة { أينما ثقفوا } وجدوا { أخذوا وقتلوا تقتيلا } والتشديد للتكثير. { سنة الله } أي: سن الله ذلك سنة { في الذين خلوا من قبل } في المنافقين الذين كانوا ينافقون الأنبياء من قبل، ويسعون في وهنهم بالإرجاف ونحوه أن يقتلوا أينما وجدوا، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي: لا يبدل الله سنته ولا يقدر أحد أن يبدلها، بل يجريها مجرى واحدا في الأمم كلهم. قال ابن جزي: تضمنت الآية وعيد هؤلاء الأصناف إن لم ينتهوا، ولم ينفذ الوعيد فيهم. ففي ذلك دليل على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة. وقيل: إنهم انتهوا وستروا أمرهم فكف عنهم إنفاذ الوعيد. ه. الإشارة: منافقو الصوفية هم الذين ينتسبون إلى الصوفية، ويدعون محبة القوم، وهم يعترضون على الفقراء، ويرفعون الميزان عليهم، وهم الذين في قلوبهم مرض، أي: حيرة وضيق من غم الحجاب إذ لو ارتفع عنهم الحجاب لم يعترضوا على أحد، وهم المرجفون بأهل النسبة، إذ سمعوا شيئا يسوؤهم أفشوه، وأظهروا الفرح. لئن لم ينتهوا عن ذلك ليسلطن الله عليهم من يخرجهم من النسبة بالكلية، ثم لا يبقون فيها إلا قليلا، ممقوتين عند أهل التحقيق، أينما وجدوا، أخذوا بالفعل أو بالقول فيهم. وقد ألف بعض الفقهاء تأليفا في الرد على الفقراء، فسلط الله عليه من أهانه، ووسمه بالبلادة والجمود، ولا زال مهانا أينما ذكر، والعياذ بالله. ولما ذكر حال المنافقين ذكر حال المشركين لاشتراكهم في الكفر فقال: { يسألك الناس عن الساعة... }
الأحزاب 33:62
قلت: { لنغرينك }: جواب القسم المغني عن جواب الشرط. و { ثم لا يجاورنك }: عطف عليه لأنه يصح أن يجاب به القسم لصحة قولك: لئن لم ينتهوا لا يجاورنك، ولما كان الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما أصيبوا به عطف بثم، لبعد حاله عن حال المعطوف عليه. و { ملعونين }: نصب على الشتم أو الحال، والاستثناء دخل على الظرف والحال معا، أي: لا يجاورنك إلا قليلا في اللعنة والبعد، ولا يصح نصبه بأخذوا لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله. يقول الحق جل جلاله: { لئن لم ينته المنافقون } عن نفاقهم وإيذائهم، { والذين في قلوبهم مرض } فجور، وهم الزناة من قوله: " فيطمع الذي في قلبه مرض ". { والمرجفون في المدينة } وهم أناس كانوا يرجفون بأخبار السوء في المدينة، من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: هزموا وقتلوا، وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال: رجف بكذا: إذا أخبر به على غير حقيقته لكونه خبرا مزلزلا غير ثابت، من: الرجفة، وهي الزلزلة، { لنغرينك بهم } لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم، أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء، أو: لنسلطنك عليهم، { ثم لا يجاورونك فيها } في المدينة { إلا } زمنا { قليلا }. والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يلقون من أخبار السوء، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوؤهم، بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء من المدينة، وألا يساكنوك فيها إلا زمنا قليلا، ريثما يرتحلون. فسمي ذلك إغراء، وهو التحريش، على سبيل المجاز. حال كونهم { ملعونين } أي: لا يجاورونك إلا ملعونين، مبعدين عن الرحمة { أينما ثقفوا } وجدوا { أخذوا وقتلوا تقتيلا } والتشديد للتكثير. { سنة الله } أي: سن الله ذلك سنة { في الذين خلوا من قبل } في المنافقين الذين كانوا ينافقون الأنبياء من قبل، ويسعون في وهنهم بالإرجاف ونحوه أن يقتلوا أينما وجدوا، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي: لا يبدل الله سنته ولا يقدر أحد أن يبدلها، بل يجريها مجرى واحدا في الأمم كلهم. قال ابن جزي: تضمنت الآية وعيد هؤلاء الأصناف إن لم ينتهوا، ولم ينفذ الوعيد فيهم. ففي ذلك دليل على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة. وقيل: إنهم انتهوا وستروا أمرهم فكف عنهم إنفاذ الوعيد. ه. الإشارة: منافقو الصوفية هم الذين ينتسبون إلى الصوفية، ويدعون محبة القوم، وهم يعترضون على الفقراء، ويرفعون الميزان عليهم، وهم الذين في قلوبهم مرض، أي: حيرة وضيق من غم الحجاب إذ لو ارتفع عنهم الحجاب لم يعترضوا على أحد، وهم المرجفون بأهل النسبة، إذ سمعوا شيئا يسوؤهم أفشوه، وأظهروا الفرح. لئن لم ينتهوا عن ذلك ليسلطن الله عليهم من يخرجهم من النسبة بالكلية، ثم لا يبقون فيها إلا قليلا، ممقوتين عند أهل التحقيق، أينما وجدوا، أخذوا بالفعل أو بالقول فيهم. وقد ألف بعض الفقهاء تأليفا في الرد على الفقراء، فسلط الله عليه من أهانه، ووسمه بالبلادة والجمود، ولا زال مهانا أينما ذكر، والعياذ بالله. ولما ذكر حال المنافقين ذكر حال المشركين لاشتراكهم في الكفر فقال: { يسألك الناس عن الساعة... }
الأحزاب 33:63
يقول الحق جل جلاله: { يسألك الناس عن الساعة } كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة، استعجالا واستهزاء، واليهود يسألون امتحانا لأن الله تعالى أخفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم بين لرسوله عليه الصلاة والسلام أنها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين فقال: { قل إنما علمها عند الله } لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا. { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } أي: شيئا قريبا، أو: في زمان قريب، فتنصب على الظرفية، ويجوز أن يكون التذكير لأن الساعة في معنى اليوم أو الزمان. { إن الله لعن الكافرين } أبعدهم عن رحمته، { وأعد لهم سعيرا } نارا شديدة التسعير، أي: الإيقاد، { خالدين فيها أبدا } وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و { خالدين }: حال مقدرة من ضمير " لهم ". { لا يجدون وليا } يحفظهم، { ولا نصيرا } يمنعهم ويدفع العذاب عنهم، وذلك { يوم تقلب } أو: واذكر { يوم تقلب وجوههم في النار } تطوف من جهة إلى جهة، كما ترى البضعة من اللحم تدور في القدر إذا غلت. وخصت الوجوه لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده. أو: يكون الوجه كناية عن الجملة. حال كونهم { يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } في الدنيا، فنتخلص من هذا العذاب، فندموا حيث لم ينفع الندم. { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } والمراد: رؤساء الكفر، الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب " ساداتنا " بالجمع، جمع: سادة، وسادة: جمع سيد، فهو جمع الجمع، { فأضلونا السبيلا } أي: أتلفونا عن طريق الرشد. يقال: ضل السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف للإطلاق. { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } أي: مثلي ما آتيتنا منه للضلال والإضلال، { والعنهم لعنا كثيرا } كثير العدد، تكثيرا لأعداد اللاعنين، أو: العنهم المرة بعد المرة. وقرأ عاصم بالباء، أي: لعنا هو أشد اللعن وأعظمه. وهو يدل على تعدد الأجزاء والأفراد. الإشارة: مذهب العباد والزهاد والصالحين: جعل الساعة نصب أعينهم، لا يغيبون عنها، فهم يجتهدون في التأهب لها ليلا ونهارا. ومذهب العارفين الموحدين: الغيبة عنها، بالاستغراق في شهود الحق، فلا يشغلهم الحق، دنيا ولا آخرة، ولا جنة ولا نار لما دخلوا جنة المعارف، غابوا عن كل شيء، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكون، وجعلوا الوجود وجودا واحدا إذ المتجلي هنا وثم واحد. وإذا كان كبراء الضلال يضاعف عذابهم، وكان كبراء الهداية يضاعف ثوابهم، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد، فمن دل على هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن اهتدى على يديه أحد جرى عليه أجره، وكان في ميزانه كل من تبعه كذلك، وفي ذلك يقول القائل:
والمرء في ميزانه اتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
ثم رجع عن النهي إلى النهي عن إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا... }.
الأحزاب 33:64
يقول الحق جل جلاله: { يسألك الناس عن الساعة } كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة، استعجالا واستهزاء، واليهود يسألون امتحانا لأن الله تعالى أخفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم بين لرسوله عليه الصلاة والسلام أنها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين فقال: { قل إنما علمها عند الله } لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا. { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } أي: شيئا قريبا، أو: في زمان قريب، فتنصب على الظرفية، ويجوز أن يكون التذكير لأن الساعة في معنى اليوم أو الزمان. { إن الله لعن الكافرين } أبعدهم عن رحمته، { وأعد لهم سعيرا } نارا شديدة التسعير، أي: الإيقاد، { خالدين فيها أبدا } وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و { خالدين }: حال مقدرة من ضمير " لهم ". { لا يجدون وليا } يحفظهم، { ولا نصيرا } يمنعهم ويدفع العذاب عنهم، وذلك { يوم تقلب } أو: واذكر { يوم تقلب وجوههم في النار } تطوف من جهة إلى جهة، كما ترى البضعة من اللحم تدور في القدر إذا غلت. وخصت الوجوه لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده. أو: يكون الوجه كناية عن الجملة. حال كونهم { يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } في الدنيا، فنتخلص من هذا العذاب، فندموا حيث لم ينفع الندم. { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } والمراد: رؤساء الكفر، الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب " ساداتنا " بالجمع، جمع: سادة، وسادة: جمع سيد، فهو جمع الجمع، { فأضلونا السبيلا } أي: أتلفونا عن طريق الرشد. يقال: ضل السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف للإطلاق. { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } أي: مثلي ما آتيتنا منه للضلال والإضلال، { والعنهم لعنا كثيرا } كثير العدد، تكثيرا لأعداد اللاعنين، أو: العنهم المرة بعد المرة. وقرأ عاصم بالباء، أي: لعنا هو أشد اللعن وأعظمه. وهو يدل على تعدد الأجزاء والأفراد. الإشارة: مذهب العباد والزهاد والصالحين: جعل الساعة نصب أعينهم، لا يغيبون عنها، فهم يجتهدون في التأهب لها ليلا ونهارا. ومذهب العارفين الموحدين: الغيبة عنها، بالاستغراق في شهود الحق، فلا يشغلهم الحق، دنيا ولا آخرة، ولا جنة ولا نار لما دخلوا جنة المعارف، غابوا عن كل شيء، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكون، وجعلوا الوجود وجودا واحدا إذ المتجلي هنا وثم واحد. وإذا كان كبراء الضلال يضاعف عذابهم، وكان كبراء الهداية يضاعف ثوابهم، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد، فمن دل على هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن اهتدى على يديه أحد جرى عليه أجره، وكان في ميزانه كل من تبعه كذلك، وفي ذلك يقول القائل:
والمرء في ميزانه اتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
ثم رجع عن النهي إلى النهي عن إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا... }.
الأحزاب 33:65
يقول الحق جل جلاله: { يسألك الناس عن الساعة } كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة، استعجالا واستهزاء، واليهود يسألون امتحانا لأن الله تعالى أخفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم بين لرسوله عليه الصلاة والسلام أنها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين فقال: { قل إنما علمها عند الله } لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا. { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } أي: شيئا قريبا، أو: في زمان قريب، فتنصب على الظرفية، ويجوز أن يكون التذكير لأن الساعة في معنى اليوم أو الزمان. { إن الله لعن الكافرين } أبعدهم عن رحمته، { وأعد لهم سعيرا } نارا شديدة التسعير، أي: الإيقاد، { خالدين فيها أبدا } وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و { خالدين }: حال مقدرة من ضمير " لهم ". { لا يجدون وليا } يحفظهم، { ولا نصيرا } يمنعهم ويدفع العذاب عنهم، وذلك { يوم تقلب } أو: واذكر { يوم تقلب وجوههم في النار } تطوف من جهة إلى جهة، كما ترى البضعة من اللحم تدور في القدر إذا غلت. وخصت الوجوه لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده. أو: يكون الوجه كناية عن الجملة. حال كونهم { يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } في الدنيا، فنتخلص من هذا العذاب، فندموا حيث لم ينفع الندم. { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } والمراد: رؤساء الكفر، الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب " ساداتنا " بالجمع، جمع: سادة، وسادة: جمع سيد، فهو جمع الجمع، { فأضلونا السبيلا } أي: أتلفونا عن طريق الرشد. يقال: ضل السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف للإطلاق. { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } أي: مثلي ما آتيتنا منه للضلال والإضلال، { والعنهم لعنا كثيرا } كثير العدد، تكثيرا لأعداد اللاعنين، أو: العنهم المرة بعد المرة. وقرأ عاصم بالباء، أي: لعنا هو أشد اللعن وأعظمه. وهو يدل على تعدد الأجزاء والأفراد. الإشارة: مذهب العباد والزهاد والصالحين: جعل الساعة نصب أعينهم، لا يغيبون عنها، فهم يجتهدون في التأهب لها ليلا ونهارا. ومذهب العارفين الموحدين: الغيبة عنها، بالاستغراق في شهود الحق، فلا يشغلهم الحق، دنيا ولا آخرة، ولا جنة ولا نار لما دخلوا جنة المعارف، غابوا عن كل شيء، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكون، وجعلوا الوجود وجودا واحدا إذ المتجلي هنا وثم واحد. وإذا كان كبراء الضلال يضاعف عذابهم، وكان كبراء الهداية يضاعف ثوابهم، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد، فمن دل على هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن اهتدى على يديه أحد جرى عليه أجره، وكان في ميزانه كل من تبعه كذلك، وفي ذلك يقول القائل:
والمرء في ميزانه اتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
ثم رجع عن النهي إلى النهي عن إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا... }.
الأحزاب 33:66
يقول الحق جل جلاله: { يسألك الناس عن الساعة } كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة، استعجالا واستهزاء، واليهود يسألون امتحانا لأن الله تعالى أخفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم بين لرسوله عليه الصلاة والسلام أنها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين فقال: { قل إنما علمها عند الله } لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا. { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } أي: شيئا قريبا، أو: في زمان قريب، فتنصب على الظرفية، ويجوز أن يكون التذكير لأن الساعة في معنى اليوم أو الزمان. { إن الله لعن الكافرين } أبعدهم عن رحمته، { وأعد لهم سعيرا } نارا شديدة التسعير، أي: الإيقاد، { خالدين فيها أبدا } وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و { خالدين }: حال مقدرة من ضمير " لهم ". { لا يجدون وليا } يحفظهم، { ولا نصيرا } يمنعهم ويدفع العذاب عنهم، وذلك { يوم تقلب } أو: واذكر { يوم تقلب وجوههم في النار } تطوف من جهة إلى جهة، كما ترى البضعة من اللحم تدور في القدر إذا غلت. وخصت الوجوه لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده. أو: يكون الوجه كناية عن الجملة. حال كونهم { يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } في الدنيا، فنتخلص من هذا العذاب، فندموا حيث لم ينفع الندم. { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } والمراد: رؤساء الكفر، الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب " ساداتنا " بالجمع، جمع: سادة، وسادة: جمع سيد، فهو جمع الجمع، { فأضلونا السبيلا } أي: أتلفونا عن طريق الرشد. يقال: ضل السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف للإطلاق. { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } أي: مثلي ما آتيتنا منه للضلال والإضلال، { والعنهم لعنا كثيرا } كثير العدد، تكثيرا لأعداد اللاعنين، أو: العنهم المرة بعد المرة. وقرأ عاصم بالباء، أي: لعنا هو أشد اللعن وأعظمه. وهو يدل على تعدد الأجزاء والأفراد. الإشارة: مذهب العباد والزهاد والصالحين: جعل الساعة نصب أعينهم، لا يغيبون عنها، فهم يجتهدون في التأهب لها ليلا ونهارا. ومذهب العارفين الموحدين: الغيبة عنها، بالاستغراق في شهود الحق، فلا يشغلهم الحق، دنيا ولا آخرة، ولا جنة ولا نار لما دخلوا جنة المعارف، غابوا عن كل شيء، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكون، وجعلوا الوجود وجودا واحدا إذ المتجلي هنا وثم واحد. وإذا كان كبراء الضلال يضاعف عذابهم، وكان كبراء الهداية يضاعف ثوابهم، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد، فمن دل على هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن اهتدى على يديه أحد جرى عليه أجره، وكان في ميزانه كل من تبعه كذلك، وفي ذلك يقول القائل:
والمرء في ميزانه اتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
ثم رجع عن النهي إلى النهي عن إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا... }.
الأحزاب 33:67
يقول الحق جل جلاله: { يسألك الناس عن الساعة } كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة، استعجالا واستهزاء، واليهود يسألون امتحانا لأن الله تعالى أخفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم بين لرسوله عليه الصلاة والسلام أنها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين فقال: { قل إنما علمها عند الله } لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا. { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } أي: شيئا قريبا، أو: في زمان قريب، فتنصب على الظرفية، ويجوز أن يكون التذكير لأن الساعة في معنى اليوم أو الزمان. { إن الله لعن الكافرين } أبعدهم عن رحمته، { وأعد لهم سعيرا } نارا شديدة التسعير، أي: الإيقاد، { خالدين فيها أبدا } وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و { خالدين }: حال مقدرة من ضمير " لهم ". { لا يجدون وليا } يحفظهم، { ولا نصيرا } يمنعهم ويدفع العذاب عنهم، وذلك { يوم تقلب } أو: واذكر { يوم تقلب وجوههم في النار } تطوف من جهة إلى جهة، كما ترى البضعة من اللحم تدور في القدر إذا غلت. وخصت الوجوه لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده. أو: يكون الوجه كناية عن الجملة. حال كونهم { يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } في الدنيا، فنتخلص من هذا العذاب، فندموا حيث لم ينفع الندم. { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } والمراد: رؤساء الكفر، الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب " ساداتنا " بالجمع، جمع: سادة، وسادة: جمع سيد، فهو جمع الجمع، { فأضلونا السبيلا } أي: أتلفونا عن طريق الرشد. يقال: ضل السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف للإطلاق. { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } أي: مثلي ما آتيتنا منه للضلال والإضلال، { والعنهم لعنا كثيرا } كثير العدد، تكثيرا لأعداد اللاعنين، أو: العنهم المرة بعد المرة. وقرأ عاصم بالباء، أي: لعنا هو أشد اللعن وأعظمه. وهو يدل على تعدد الأجزاء والأفراد. الإشارة: مذهب العباد والزهاد والصالحين: جعل الساعة نصب أعينهم، لا يغيبون عنها، فهم يجتهدون في التأهب لها ليلا ونهارا. ومذهب العارفين الموحدين: الغيبة عنها، بالاستغراق في شهود الحق، فلا يشغلهم الحق، دنيا ولا آخرة، ولا جنة ولا نار لما دخلوا جنة المعارف، غابوا عن كل شيء، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكون، وجعلوا الوجود وجودا واحدا إذ المتجلي هنا وثم واحد. وإذا كان كبراء الضلال يضاعف عذابهم، وكان كبراء الهداية يضاعف ثوابهم، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد، فمن دل على هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن اهتدى على يديه أحد جرى عليه أجره، وكان في ميزانه كل من تبعه كذلك، وفي ذلك يقول القائل:
والمرء في ميزانه اتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
ثم رجع عن النهي إلى النهي عن إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا... }.
الأحزاب 33:68
يقول الحق جل جلاله: { يسألك الناس عن الساعة } كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة، استعجالا واستهزاء، واليهود يسألون امتحانا لأن الله تعالى أخفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم بين لرسوله عليه الصلاة والسلام أنها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين فقال: { قل إنما علمها عند الله } لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا. { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } أي: شيئا قريبا، أو: في زمان قريب، فتنصب على الظرفية، ويجوز أن يكون التذكير لأن الساعة في معنى اليوم أو الزمان. { إن الله لعن الكافرين } أبعدهم عن رحمته، { وأعد لهم سعيرا } نارا شديدة التسعير، أي: الإيقاد، { خالدين فيها أبدا } وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و { خالدين }: حال مقدرة من ضمير " لهم ". { لا يجدون وليا } يحفظهم، { ولا نصيرا } يمنعهم ويدفع العذاب عنهم، وذلك { يوم تقلب } أو: واذكر { يوم تقلب وجوههم في النار } تطوف من جهة إلى جهة، كما ترى البضعة من اللحم تدور في القدر إذا غلت. وخصت الوجوه لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده. أو: يكون الوجه كناية عن الجملة. حال كونهم { يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } في الدنيا، فنتخلص من هذا العذاب، فندموا حيث لم ينفع الندم. { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } والمراد: رؤساء الكفر، الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب " ساداتنا " بالجمع، جمع: سادة، وسادة: جمع سيد، فهو جمع الجمع، { فأضلونا السبيلا } أي: أتلفونا عن طريق الرشد. يقال: ضل السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف للإطلاق. { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } أي: مثلي ما آتيتنا منه للضلال والإضلال، { والعنهم لعنا كثيرا } كثير العدد، تكثيرا لأعداد اللاعنين، أو: العنهم المرة بعد المرة. وقرأ عاصم بالباء، أي: لعنا هو أشد اللعن وأعظمه. وهو يدل على تعدد الأجزاء والأفراد. الإشارة: مذهب العباد والزهاد والصالحين: جعل الساعة نصب أعينهم، لا يغيبون عنها، فهم يجتهدون في التأهب لها ليلا ونهارا. ومذهب العارفين الموحدين: الغيبة عنها، بالاستغراق في شهود الحق، فلا يشغلهم الحق، دنيا ولا آخرة، ولا جنة ولا نار لما دخلوا جنة المعارف، غابوا عن كل شيء، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكون، وجعلوا الوجود وجودا واحدا إذ المتجلي هنا وثم واحد. وإذا كان كبراء الضلال يضاعف عذابهم، وكان كبراء الهداية يضاعف ثوابهم، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد، فمن دل على هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن اهتدى على يديه أحد جرى عليه أجره، وكان في ميزانه كل من تبعه كذلك، وفي ذلك يقول القائل:
والمرء في ميزانه اتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
ثم رجع عن النهي إلى النهي عن إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا... }.
الأحزاب 33:69
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى } من بني إسرائيل { فبرأه الله مما قالوا } وذلك أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عرايا، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى عليه السلام يستتر لشدة حيائه، فقالوا: ما يمنع موسى من الاغتسال معنا إلا أنه آدر والأدرة: انتفاخ الأنثيين أو: به عيب من برص أو غيره، فذهب يغتسل وحده، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فلج في أثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر! حتى نظروا إلى سوأته، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر من بعد ما نظروا إليه، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا، ثلاثا أو أربعا. وقيل: كان أذاهم: ادعاءهم عليه قتل أخيه. قال علي رضي الله عنه: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته. وكان أشد لنا حبا، وألين منك، فآذوه بذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته، حتى مرت به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بمماته، حتى تحققت بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأ الله موسى من ذلك، ثم دفنوه. فلم يطلع على قبره إلا الرخم من الطير، وإن الله جعله أصم أبكم، وقيل: إنه على سرير في كهف الجبل. وقيل: إن قارون استأجر امرأة مومسة، لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ، فعصمها الله، وبرأ موسى، وأهلك قارون. وقد تقدم. { وكان عند الله وجيها } ذا جاه ومنزلة رفيعة، مستجاب الدعوة. وقرأ ابن مسعود والأعمش " وكان عبدا لله وجيها ". { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } في ارتكاب ما يكرهه، فضلا عما يؤذي رسوله، { وقولوا قولا سديدا } صدقا وصوابا، أو: قاصدا إلى الحق. والسداد: القصد إلى الحق والقول بالعدل. والمراد: نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول. والحث على أن يسددوا قولهم في كل باب لأن حفظ اللسان، وسداد القول رأس كل خير، ولذلك قال: { يصلح لكم أعمالكم } أي: يوفقكم لصالح الأعمال، أو: يقبل طاعتكم، ويثيبكم عليها، { ويغفر لكم ذنوبكم } أي: يمحها. والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم، ومن مغفرة سيئاتكم. وهذه الآية مقررة للتي قبلها، فدلت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان، ليترادف عليها النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام، واتباع الأمر الوعد البليغ بتقوى الله الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. ثم وعدهم بالفوز العظيم بقوله: { ومن يطع الله ورسوله } في الأوامر والنواهي { فقد فاز فوزا عظيما } يعيش في الدنيا حميدا، وفي الآخرة سعيدا.
جعلنا الله منهم، آمين. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء بالتأسي بالأنبياء. روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب احبس علي ألسنة الناس، فقال له: هذا شيء لم أصنعه لنفسي، فكيف أفعله بك. وأوحى تبارك وتعالى إلى عزير: إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا في أفواه الماضغين، لم أثبتك عندي من المتواضعين. ه. واعلم أن تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم هو سبب السعادة والفوز الكبير، وتعظيم أولياء الله وخدمتهم هو سبب الوصول إلى الله العلي الكبير، وتقوى الله أساس الطريق، وحفظ اللسان وتحري القول السديد هو سبب الوصول إلى عين التحقيق. قال الشيخ زروق رضي الله عنه في بعض وصاياه بعد كلام : ولكن قد تصعب التقوى على النفس لاتساع أمرها، فتوجه لترك العظائم والقواعد المقدور عليها، تعن على ما بعدها، وأعظم ذلك معصية: الغيبة قولا وسماعا، فإنها خفيفة على النفوس لإلفها، مستسهلة لاعتيادها، مع أنها صاعقة الدين، وآفة المذنبين، من اتقاها أفلح في بقية أمره، ومن وقع فيها خسر فيما وراءها. قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم... } الآية، فجعل صلاح العمل متوقفا على سداد القول، وكذلك ورد: أن الجوارح تصبح تشتكي اللسان، وتقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. فلا تهمل يا أخي لسانك، وخصوصا في هذه الخصلة، فتورع فيها أكثر ما تورع في مأكلك ومشربك، فإذا فعلت طابت حياتك، وكفيت الشواغب، ظاهرا وباطنا. ه. فإذا تحققت بالتقوى، وحصنت لسانك بالقول السديد، كنت أهلا لحمل الأمانة، كما قال تعالى: { إنا عرضنا الأمانة... }
الأحزاب 33:70
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى } من بني إسرائيل { فبرأه الله مما قالوا } وذلك أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عرايا، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى عليه السلام يستتر لشدة حيائه، فقالوا: ما يمنع موسى من الاغتسال معنا إلا أنه آدر والأدرة: انتفاخ الأنثيين أو: به عيب من برص أو غيره، فذهب يغتسل وحده، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فلج في أثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر! حتى نظروا إلى سوأته، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر من بعد ما نظروا إليه، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا، ثلاثا أو أربعا. وقيل: كان أذاهم: ادعاءهم عليه قتل أخيه. قال علي رضي الله عنه: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته. وكان أشد لنا حبا، وألين منك، فآذوه بذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته، حتى مرت به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بمماته، حتى تحققت بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأ الله موسى من ذلك، ثم دفنوه. فلم يطلع على قبره إلا الرخم من الطير، وإن الله جعله أصم أبكم، وقيل: إنه على سرير في كهف الجبل. وقيل: إن قارون استأجر امرأة مومسة، لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ، فعصمها الله، وبرأ موسى، وأهلك قارون. وقد تقدم. { وكان عند الله وجيها } ذا جاه ومنزلة رفيعة، مستجاب الدعوة. وقرأ ابن مسعود والأعمش " وكان عبدا لله وجيها ". { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } في ارتكاب ما يكرهه، فضلا عما يؤذي رسوله، { وقولوا قولا سديدا } صدقا وصوابا، أو: قاصدا إلى الحق. والسداد: القصد إلى الحق والقول بالعدل. والمراد: نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول. والحث على أن يسددوا قولهم في كل باب لأن حفظ اللسان، وسداد القول رأس كل خير، ولذلك قال: { يصلح لكم أعمالكم } أي: يوفقكم لصالح الأعمال، أو: يقبل طاعتكم، ويثيبكم عليها، { ويغفر لكم ذنوبكم } أي: يمحها. والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم، ومن مغفرة سيئاتكم. وهذه الآية مقررة للتي قبلها، فدلت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان، ليترادف عليها النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام، واتباع الأمر الوعد البليغ بتقوى الله الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. ثم وعدهم بالفوز العظيم بقوله: { ومن يطع الله ورسوله } في الأوامر والنواهي { فقد فاز فوزا عظيما } يعيش في الدنيا حميدا، وفي الآخرة سعيدا.
جعلنا الله منهم، آمين. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء بالتأسي بالأنبياء. روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب احبس علي ألسنة الناس، فقال له: هذا شيء لم أصنعه لنفسي، فكيف أفعله بك. وأوحى تبارك وتعالى إلى عزير: إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا في أفواه الماضغين، لم أثبتك عندي من المتواضعين. ه. واعلم أن تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم هو سبب السعادة والفوز الكبير، وتعظيم أولياء الله وخدمتهم هو سبب الوصول إلى الله العلي الكبير، وتقوى الله أساس الطريق، وحفظ اللسان وتحري القول السديد هو سبب الوصول إلى عين التحقيق. قال الشيخ زروق رضي الله عنه في بعض وصاياه بعد كلام : ولكن قد تصعب التقوى على النفس لاتساع أمرها، فتوجه لترك العظائم والقواعد المقدور عليها، تعن على ما بعدها، وأعظم ذلك معصية: الغيبة قولا وسماعا، فإنها خفيفة على النفوس لإلفها، مستسهلة لاعتيادها، مع أنها صاعقة الدين، وآفة المذنبين، من اتقاها أفلح في بقية أمره، ومن وقع فيها خسر فيما وراءها. قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم... } الآية، فجعل صلاح العمل متوقفا على سداد القول، وكذلك ورد: أن الجوارح تصبح تشتكي اللسان، وتقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. فلا تهمل يا أخي لسانك، وخصوصا في هذه الخصلة، فتورع فيها أكثر ما تورع في مأكلك ومشربك، فإذا فعلت طابت حياتك، وكفيت الشواغب، ظاهرا وباطنا. ه. فإذا تحققت بالتقوى، وحصنت لسانك بالقول السديد، كنت أهلا لحمل الأمانة، كما قال تعالى: { إنا عرضنا الأمانة... }
الأحزاب 33:71
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى } من بني إسرائيل { فبرأه الله مما قالوا } وذلك أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عرايا، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى عليه السلام يستتر لشدة حيائه، فقالوا: ما يمنع موسى من الاغتسال معنا إلا أنه آدر والأدرة: انتفاخ الأنثيين أو: به عيب من برص أو غيره، فذهب يغتسل وحده، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فلج في أثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر! حتى نظروا إلى سوأته، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر من بعد ما نظروا إليه، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا، ثلاثا أو أربعا. وقيل: كان أذاهم: ادعاءهم عليه قتل أخيه. قال علي رضي الله عنه: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته. وكان أشد لنا حبا، وألين منك، فآذوه بذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته، حتى مرت به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بمماته، حتى تحققت بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأ الله موسى من ذلك، ثم دفنوه. فلم يطلع على قبره إلا الرخم من الطير، وإن الله جعله أصم أبكم، وقيل: إنه على سرير في كهف الجبل. وقيل: إن قارون استأجر امرأة مومسة، لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ، فعصمها الله، وبرأ موسى، وأهلك قارون. وقد تقدم. { وكان عند الله وجيها } ذا جاه ومنزلة رفيعة، مستجاب الدعوة. وقرأ ابن مسعود والأعمش " وكان عبدا لله وجيها ". { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } في ارتكاب ما يكرهه، فضلا عما يؤذي رسوله، { وقولوا قولا سديدا } صدقا وصوابا، أو: قاصدا إلى الحق. والسداد: القصد إلى الحق والقول بالعدل. والمراد: نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول. والحث على أن يسددوا قولهم في كل باب لأن حفظ اللسان، وسداد القول رأس كل خير، ولذلك قال: { يصلح لكم أعمالكم } أي: يوفقكم لصالح الأعمال، أو: يقبل طاعتكم، ويثيبكم عليها، { ويغفر لكم ذنوبكم } أي: يمحها. والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم، ومن مغفرة سيئاتكم. وهذه الآية مقررة للتي قبلها، فدلت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان، ليترادف عليها النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام، واتباع الأمر الوعد البليغ بتقوى الله الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. ثم وعدهم بالفوز العظيم بقوله: { ومن يطع الله ورسوله } في الأوامر والنواهي { فقد فاز فوزا عظيما } يعيش في الدنيا حميدا، وفي الآخرة سعيدا.
جعلنا الله منهم، آمين. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء بالتأسي بالأنبياء. روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب احبس علي ألسنة الناس، فقال له: هذا شيء لم أصنعه لنفسي، فكيف أفعله بك. وأوحى تبارك وتعالى إلى عزير: إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا في أفواه الماضغين، لم أثبتك عندي من المتواضعين. ه. واعلم أن تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم هو سبب السعادة والفوز الكبير، وتعظيم أولياء الله وخدمتهم هو سبب الوصول إلى الله العلي الكبير، وتقوى الله أساس الطريق، وحفظ اللسان وتحري القول السديد هو سبب الوصول إلى عين التحقيق. قال الشيخ زروق رضي الله عنه في بعض وصاياه بعد كلام : ولكن قد تصعب التقوى على النفس لاتساع أمرها، فتوجه لترك العظائم والقواعد المقدور عليها، تعن على ما بعدها، وأعظم ذلك معصية: الغيبة قولا وسماعا، فإنها خفيفة على النفوس لإلفها، مستسهلة لاعتيادها، مع أنها صاعقة الدين، وآفة المذنبين، من اتقاها أفلح في بقية أمره، ومن وقع فيها خسر فيما وراءها. قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم... } الآية، فجعل صلاح العمل متوقفا على سداد القول، وكذلك ورد: أن الجوارح تصبح تشتكي اللسان، وتقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. فلا تهمل يا أخي لسانك، وخصوصا في هذه الخصلة، فتورع فيها أكثر ما تورع في مأكلك ومشربك، فإذا فعلت طابت حياتك، وكفيت الشواغب، ظاهرا وباطنا. ه. فإذا تحققت بالتقوى، وحصنت لسانك بالقول السديد، كنت أهلا لحمل الأمانة، كما قال تعالى: { إنا عرضنا الأمانة... }
الأحزاب 33:72
يقول الحق جل جلاله: { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال } الأمانة هنا هي التوحيد في الباطن، والقيام بوظائف الدين في الظاهر، من الأوامر والنواهي، فالإيمان أمانة الباطن، والشريعة بأنواعها كلها أمانة الظاهر، فمن قام بهاتين الخصلتين كان أمينا، وإلا كان خائنا. والمعنى: إنا عرضنا هذه الأمانة على هذه الأجرام العظام، ولها الثواب العظيم، إن أحسنت القيام بها، والعقاب الأليم إن خانت، فأبت وأشفقت واستعفت منها، مخافة ألا تقدر عليها، فطلبت السلامة، ولا ثواب ولا عقاب. وهذا معنى قوله: { فأبين أن يحملنها وأشفقن منها } فيحتمل أن يكون الإباء بإدراك، خلقه الله فيها، وقيل: أحياها وأعقلها، كقوله:
ائتيا طوعا أو كرها
[فصلت: 11] ويحتمل أن يكون هذا العرض على أهلها من الملائكة والجن. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وقد يقال: الأمانة هي ما أخذ عليهم من عهد التوحيد في الغيب بعد الإشهاد لربوبيته، وينظر لذلك قوله:
" لن يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن "
وأما حملها على التكاليف فلا يختص بالآدمي لأن الجن أيضا مكلف، ومناسبة الآية لما قبلها: أن الوفاء بها من جملة التقوى المأمور بها. ه. وقيل: لم يقع عرض حقيقة، وإنما المقصود: تعظيم شأن الطاعة، وسماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء. والمعنى: أنها لعظمة شأنها لو عرضت على هذه الأجرام العظام، وكانت ذا شعور وإدراك، لأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، مع ضعف بنيته، ورخاوة قوته، لا جرم، فإن الراعي لها، والقائم بحقوقها، بخير الدارين. ه. قاله البيضاوي. والمراد بالإباية: الاستعفاء، لا الاستكبار، أي: أشفقن منها فعفا عنهن وأعفاهن. { وحملها الإنسان } أي: آدم. قيل: فما تم له يوم من تحملها حتى وقع في أمر الشجرة، وقيل: جنس الإنسان، وهذا يناسب حمل الأمانة على العهد الذي أخذ على الأرواح في عالم الغيب. { إنه كان ظلوما جهولا } حيث تعرض لهذا الخطر الكبير، ثم إن قام بها ورعاها حق رعايتها خرج من الظلم والجهل، وكان صالحا أمينا عدولا، وإن خانها ولم يقم بها، كان ظلوما جهولا، كل على قدر خيانته وظلمه، فالكفار خانوا أصل الأمانة، وهي الإيمان فكفروا، ومن دونهم خانوا بارتكاب المناهي أو ترك الطاعة، فبعضهم أشد، وبعضهم أهون، وكل واحد عقوبته على قدر خيانته. ثم علل عرضها، وهو: لتقوم الحجة على عباده، فقال: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } حيث لم يقوموا بها، وخانوا فيها، فتقوم الحجة عليهم، ولا يظلم ربك أحدا. وقال أبو حيان: اللام للصيرورة والعاقبة. وقال أبو البقاء: اللام متعلق بحملها، وحينئذ تكون للعاقبة قطعا. { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } حيث حملوا الأمانة، إلا أن العبد لا يخلو من تفريط، قال تعالى:
كلا لما يقض مآ أمره
[عبس: 23] وقال:
وما قدروا الله حق قدره
[الزمر: 67] ولذلك قال: { وكان الله غفورا رحيما } فالغفران لمن لحقه تفريط وتقصير، والرحمة لمن اجتهد قدر طاقته، كالأولياء وكبار الصالحين. والحاصل: أن العذاب لمن تحملها أولا، ولم يقم بحقها ثانيا. والغفران لمن تحملها وقام بحقها، والرحمة لمن تحملها ورعاها حق رعايتها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال هي شهود أسرار الربوبية في الباطن، والقيام بآداب العبودية في الظاهر، أو تقول: هي إشراق أسرار الحقائق في الباطن، والقيام بالشرائع في الظاهر، مع الاعتدال، بحيث لا تغلب الحقائق على الشرائع، ولا الشرائع على الحقائق، فلا يغلب السكر على الصحو، ولا الصحو على السكر. وهذا السر خاص بالآدمي لأنه اجتمع فيه الضدان اللطافة والكثافة، النور والظلمة، المعنى والحس، القدرة والحكمة، فهو سماوي أرضي، روحاني بشري، معنوي وحسي. ولذلك خصه الله تعالى من بين سائر الأكوان بقوله:
خلقت بيدي
[ص: 75] أي: بيد القدرة والحكمة، فكان جامعا للضدين، ملكيا ملكوتيا، حسه حكمة، ومعناه قدرة: وليست هذه المزية لغيره من الكائنات، فالملائكة والجن معناهم غالب على حسهم، فإذا أشرقت عليهم أنوار الحقائق غلب عليهم السكر والهيمان، والحيوانات والجمادات حسهم غالب على معناهم، فلا يظهر عليهم شيء من الأنوار والأسرار. وهذا السر الذي خص به الآدمي هو كامن فيه، من حيث هو، كان كافرا أو مؤمنا، كما كمن الزبد في اللبن، فلا يظهر إلا بعد الترتيب والضرب والمخض، وإلا بقي فيه كامنا، وكذلك الإنسان، السر فيه كامن، وهو نور الولاية الكبرى، فإذا آمن ووحد الله تعالى، واهتز بذكر الله، وضرب قلبه باسم الجلالة، ظهر سره، إن وجد شيخا يخرجه من سجن نفسه وأسر هواه. وله مثال آخر، وهو أن كمون السر فيه ككمون الحب في الغصون قبل ظهوره، فإذا نزل المطر، وضربت الرياح أغصان الأشجار، أزهرت الأغصان وأثمرت، وإليه أشار في المباحث الأصلية، حيث قال:
وهي من النفوس في كمون كما يكون الحب في الغصون حتى إذا أرعدت الرعود وانسكب الماء ولان العود وجال في أغصانها الرياح فعندها يرتقب اللقاح
ثم قال:
فهذه فواكه المعارف لم تشر بالتالد أو بالطارف ما نالها ذو العين والفلوس وإنما تباع بالنفوس
فلا يظهر هذا السر الكامن في الإنسان إلا بعد إرعاد الرعود فيه، وهي المجاهدة والمكابدة، وقتل النفوس، بخرق عوائدها، وبعد نزول أمطار النفحات الإلهية، والخمرة الأزلية، على يد الأشياخ، الذين أهلهم الله لسقي هذا الماء، وتجول في أغصان عوالمه رياح الواردات، وينحط مع أهل الفن، حتى يسري فيه أنوارهم، ويتأدب بآدابهم، فحينئذ ينتظر لقاح السر فيه، ويجني ثمار معارفه، وإلا بقي السر أبدا كامنا فيه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الأحزاب 33:73
يقول الحق جل جلاله: { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال } الأمانة هنا هي التوحيد في الباطن، والقيام بوظائف الدين في الظاهر، من الأوامر والنواهي، فالإيمان أمانة الباطن، والشريعة بأنواعها كلها أمانة الظاهر، فمن قام بهاتين الخصلتين كان أمينا، وإلا كان خائنا. والمعنى: إنا عرضنا هذه الأمانة على هذه الأجرام العظام، ولها الثواب العظيم، إن أحسنت القيام بها، والعقاب الأليم إن خانت، فأبت وأشفقت واستعفت منها، مخافة ألا تقدر عليها، فطلبت السلامة، ولا ثواب ولا عقاب. وهذا معنى قوله: { فأبين أن يحملنها وأشفقن منها } فيحتمل أن يكون الإباء بإدراك، خلقه الله فيها، وقيل: أحياها وأعقلها، كقوله:
ائتيا طوعا أو كرها
[فصلت: 11] ويحتمل أن يكون هذا العرض على أهلها من الملائكة والجن. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وقد يقال: الأمانة هي ما أخذ عليهم من عهد التوحيد في الغيب بعد الإشهاد لربوبيته، وينظر لذلك قوله:
" لن يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن "
وأما حملها على التكاليف فلا يختص بالآدمي لأن الجن أيضا مكلف، ومناسبة الآية لما قبلها: أن الوفاء بها من جملة التقوى المأمور بها. ه. وقيل: لم يقع عرض حقيقة، وإنما المقصود: تعظيم شأن الطاعة، وسماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء. والمعنى: أنها لعظمة شأنها لو عرضت على هذه الأجرام العظام، وكانت ذا شعور وإدراك، لأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، مع ضعف بنيته، ورخاوة قوته، لا جرم، فإن الراعي لها، والقائم بحقوقها، بخير الدارين. ه. قاله البيضاوي. والمراد بالإباية: الاستعفاء، لا الاستكبار، أي: أشفقن منها فعفا عنهن وأعفاهن. { وحملها الإنسان } أي: آدم. قيل: فما تم له يوم من تحملها حتى وقع في أمر الشجرة، وقيل: جنس الإنسان، وهذا يناسب حمل الأمانة على العهد الذي أخذ على الأرواح في عالم الغيب. { إنه كان ظلوما جهولا } حيث تعرض لهذا الخطر الكبير، ثم إن قام بها ورعاها حق رعايتها خرج من الظلم والجهل، وكان صالحا أمينا عدولا، وإن خانها ولم يقم بها، كان ظلوما جهولا، كل على قدر خيانته وظلمه، فالكفار خانوا أصل الأمانة، وهي الإيمان فكفروا، ومن دونهم خانوا بارتكاب المناهي أو ترك الطاعة، فبعضهم أشد، وبعضهم أهون، وكل واحد عقوبته على قدر خيانته. ثم علل عرضها، وهو: لتقوم الحجة على عباده، فقال: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } حيث لم يقوموا بها، وخانوا فيها، فتقوم الحجة عليهم، ولا يظلم ربك أحدا. وقال أبو حيان: اللام للصيرورة والعاقبة. وقال أبو البقاء: اللام متعلق بحملها، وحينئذ تكون للعاقبة قطعا. { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } حيث حملوا الأمانة، إلا أن العبد لا يخلو من تفريط، قال تعالى:
كلا لما يقض مآ أمره
[عبس: 23] وقال:
وما قدروا الله حق قدره
[الزمر: 67] ولذلك قال: { وكان الله غفورا رحيما } فالغفران لمن لحقه تفريط وتقصير، والرحمة لمن اجتهد قدر طاقته، كالأولياء وكبار الصالحين. والحاصل: أن العذاب لمن تحملها أولا، ولم يقم بحقها ثانيا. والغفران لمن تحملها وقام بحقها، والرحمة لمن تحملها ورعاها حق رعايتها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال هي شهود أسرار الربوبية في الباطن، والقيام بآداب العبودية في الظاهر، أو تقول: هي إشراق أسرار الحقائق في الباطن، والقيام بالشرائع في الظاهر، مع الاعتدال، بحيث لا تغلب الحقائق على الشرائع، ولا الشرائع على الحقائق، فلا يغلب السكر على الصحو، ولا الصحو على السكر. وهذا السر خاص بالآدمي لأنه اجتمع فيه الضدان اللطافة والكثافة، النور والظلمة، المعنى والحس، القدرة والحكمة، فهو سماوي أرضي، روحاني بشري، معنوي وحسي. ولذلك خصه الله تعالى من بين سائر الأكوان بقوله:
خلقت بيدي
[ص: 75] أي: بيد القدرة والحكمة، فكان جامعا للضدين، ملكيا ملكوتيا، حسه حكمة، ومعناه قدرة: وليست هذه المزية لغيره من الكائنات، فالملائكة والجن معناهم غالب على حسهم، فإذا أشرقت عليهم أنوار الحقائق غلب عليهم السكر والهيمان، والحيوانات والجمادات حسهم غالب على معناهم، فلا يظهر عليهم شيء من الأنوار والأسرار. وهذا السر الذي خص به الآدمي هو كامن فيه، من حيث هو، كان كافرا أو مؤمنا، كما كمن الزبد في اللبن، فلا يظهر إلا بعد الترتيب والضرب والمخض، وإلا بقي فيه كامنا، وكذلك الإنسان، السر فيه كامن، وهو نور الولاية الكبرى، فإذا آمن ووحد الله تعالى، واهتز بذكر الله، وضرب قلبه باسم الجلالة، ظهر سره، إن وجد شيخا يخرجه من سجن نفسه وأسر هواه. وله مثال آخر، وهو أن كمون السر فيه ككمون الحب في الغصون قبل ظهوره، فإذا نزل المطر، وضربت الرياح أغصان الأشجار، أزهرت الأغصان وأثمرت، وإليه أشار في المباحث الأصلية، حيث قال:
وهي من النفوس في كمون كما يكون الحب في الغصون حتى إذا أرعدت الرعود وانسكب الماء ولان العود وجال في أغصانها الرياح فعندها يرتقب اللقاح
ثم قال:
فهذه فواكه المعارف لم تشر بالتالد أو بالطارف ما نالها ذو العين والفلوس وإنما تباع بالنفوس
فلا يظهر هذا السر الكامن في الإنسان إلا بعد إرعاد الرعود فيه، وهي المجاهدة والمكابدة، وقتل النفوس، بخرق عوائدها، وبعد نزول أمطار النفحات الإلهية، والخمرة الأزلية، على يد الأشياخ، الذين أهلهم الله لسقي هذا الماء، وتجول في أغصان عوالمه رياح الواردات، وينحط مع أهل الفن، حتى يسري فيه أنوارهم، ويتأدب بآدابهم، فحينئذ ينتظر لقاح السر فيه، ويجني ثمار معارفه، وإلا بقي السر أبدا كامنا فيه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
سبأ 34:1
يقول الحق جل جلاله: { الحمد لله } إن أجري على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود، وإن أجرى على الاستغراق فله لكل المحامد الاستحقاق. واللام في لله للتمليك لأنه خالق ناطق الحمد أصلا، فكان بملكه مالك للحمد، وللتحميد أهلا، { الذي له ما في السماوات وما في الأرض } خلقا، وملكا، وقهرا، فكان حقيقيا بأن يحمد سرا وجهرا، { وله الحمد في الآخرة } كما له الحمد في الدنيا إذ النعم في الدارين هو موليها والمنعم بها. غير أن الحمد هنا واجب لأن الدنيا دار التكليف. وثم لا لأن الدار دار التعريف، لا دار التكليف. وإنما يحمد أهل الجنة سرورا بالنعيم، وتلذذا بما نالوا من الفوز العظيم، كقوله:
الحمد لله الذى صدقنا وعده...
[الزمر: 74] و
الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن...
[فاطر: 34] فأشار إلى استحقاقه الحمد في الدنيا بقوله: { الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } وأشار إلى استحقاقه في الآخرة بقوله: { وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم } بتدبير ما في السماوات والأرض، { الخبير } بضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض. { يعلم ما يلج } ما يدخل { في الأرض } من الأموات والدفائن، { وما يخرج منها } من النبات وجواهر المعادن، { وما ينزل من السماء } من الأمطار وأنواع البركات، { وما يعرج } يصعد { فيها } من الملائكة والدعوات، { وهو الرحيم } بإنزال ما يحتاجون إليه، { الغفور } بما يجترئون عليه. قاله النسفي. الإشارة: المستحق للحمد هو الذي بيده ما في سماوات الأرواح من الكشوفات وأنواع الترقيات، إلى ما لا نهاية له، من عظمة الذات، وبيده ما في أرض النفوس من القيام بالطاعات وآداب العبودية وتحسين الحالات، وما يلحق ذلك من المجاهدات والمكابدات، وبيده ما يتحفهم به في الآخرة، من التعريفات الجمالية، والفتوحات الربانية، والترقي في الكشوفات السرمدية. فله الحمد في هذه العوالم الثلاثة إذ كلها بيده، يخص بها من يشاء من عباده، مع غناه عن الكل، وإحاطته بالكل، ورحمته للكل. يعلم ما يلج في أرض النفوس من الهواجس والخواطر، وما يعرج منها من الصغائر والكبائر، أو من الطاعة والإحسان من ذوي البصائر، وما ينزل من سماء الملكوت من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من الطاعات والأذكار، وهو الرحيم بالتقريب والإقبال، الغفور لمساوئ الضمائر والأفعال. ثم رد على من أنكر الآخرة التي تقدم ذكرها فقال: { وقال الذين كفروا لا تأتينا... }
سبأ 34:2
يقول الحق جل جلاله: { الحمد لله } إن أجري على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود، وإن أجرى على الاستغراق فله لكل المحامد الاستحقاق. واللام في لله للتمليك لأنه خالق ناطق الحمد أصلا، فكان بملكه مالك للحمد، وللتحميد أهلا، { الذي له ما في السماوات وما في الأرض } خلقا، وملكا، وقهرا، فكان حقيقيا بأن يحمد سرا وجهرا، { وله الحمد في الآخرة } كما له الحمد في الدنيا إذ النعم في الدارين هو موليها والمنعم بها. غير أن الحمد هنا واجب لأن الدنيا دار التكليف. وثم لا لأن الدار دار التعريف، لا دار التكليف. وإنما يحمد أهل الجنة سرورا بالنعيم، وتلذذا بما نالوا من الفوز العظيم، كقوله:
الحمد لله الذى صدقنا وعده...
[الزمر: 74] و
الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن...
[فاطر: 34] فأشار إلى استحقاقه الحمد في الدنيا بقوله: { الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } وأشار إلى استحقاقه في الآخرة بقوله: { وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم } بتدبير ما في السماوات والأرض، { الخبير } بضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض. { يعلم ما يلج } ما يدخل { في الأرض } من الأموات والدفائن، { وما يخرج منها } من النبات وجواهر المعادن، { وما ينزل من السماء } من الأمطار وأنواع البركات، { وما يعرج } يصعد { فيها } من الملائكة والدعوات، { وهو الرحيم } بإنزال ما يحتاجون إليه، { الغفور } بما يجترئون عليه. قاله النسفي. الإشارة: المستحق للحمد هو الذي بيده ما في سماوات الأرواح من الكشوفات وأنواع الترقيات، إلى ما لا نهاية له، من عظمة الذات، وبيده ما في أرض النفوس من القيام بالطاعات وآداب العبودية وتحسين الحالات، وما يلحق ذلك من المجاهدات والمكابدات، وبيده ما يتحفهم به في الآخرة، من التعريفات الجمالية، والفتوحات الربانية، والترقي في الكشوفات السرمدية. فله الحمد في هذه العوالم الثلاثة إذ كلها بيده، يخص بها من يشاء من عباده، مع غناه عن الكل، وإحاطته بالكل، ورحمته للكل. يعلم ما يلج في أرض النفوس من الهواجس والخواطر، وما يعرج منها من الصغائر والكبائر، أو من الطاعة والإحسان من ذوي البصائر، وما ينزل من سماء الملكوت من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من الطاعات والأذكار، وهو الرحيم بالتقريب والإقبال، الغفور لمساوئ الضمائر والأفعال. ثم رد على من أنكر الآخرة التي تقدم ذكرها فقال: { وقال الذين كفروا لا تأتينا... }
سبأ 34:3
قلت: { ولا أصغر } و { لا أكبر }: عطف على { مثقال } ، أو: مبتدأ، وخبره: ما بعد الاستثناء. و { ليجزي }: متعلق بقوله: { لتأتينكم } ، وتجويز ابن جزي تعلقه بيعزب بعيد لأن الإحاطة بعلمه تعالى ذاتية، والذاتي لا يعلل، وإنما تعلل الأفعال لجوازها، ويصح تعلقه بما تعلق به { في كتاب } أي: أحصى في كتاب مبين للجزاء. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } أي: منكرو البعث. والناطق بهذه المقالة أبو سفيان بن حرب، ووافق عليها غيره، وقد أسلم هو. قالوا: { لا تأتينا الساعة } وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع. قبح الله رأيهم، وأخلى الأرض منهم. { قل } لهم: { بلى } أبطل مقالتهم الفاسدة ببلى، التي للإضراب، وأوجب ما بعدها، أي: ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه، مؤكدا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل، فقال: { وربي لتأتينكم }. ولما كان قيام الساعة من الغيوب المستقبلية الحقية أتبعه بقوله: { عالم الغيب } ، وقرأ حمزة والكسائي: " علام الغيب " ، بالمبالغة، يعلم ما غاب في عالم ملكه وملكوته، { لا يعزب عنه }: لا يغيب عن علمه { مثقال ذرة }: مقدار أصغر نملة { في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك } أي: من مثقال ذرة { ولا أكبر إلا في كتاب مبين } في اللوح المحفوظ، أو في علمه القديم، وكنى عنه بالكتاب لأن الكتاب يحصي ما فيه. قال الغزالي، في عقيدة أهل السنة: وأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرض إلى أعلى السماوات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو السماء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر، وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي، لم يزل موصوفا به في أزل الأزل. ه. ثم علل إتيان الساعة بقوله: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك لهم مغفرة } لما اقترفوا من العصيان، وما قصروا فيه من مدارج الإيمان، { ورزق كريم } لما صبروا عليه من مناهج الإحسان. { والذين سعوا في آياتنا معاجزين } بالإبطال وتعويق الناس عنها، { أولئك لهم عذاب من رجز أليم } أي: لهم عذاب من أقبح العذاب مؤلم. ورفع " أليم " مكي وحفص ويعقوب، نعت لعذاب، وغيرهم بالجر نعت لرجز. قال قتادة: الرجز: سوء العذاب. الإشارة: بقدر ما يربو الإيمان في القلب يعظم الإيمان بالبعث وما بعده، حتى يكون نصب عين المؤمن، لا يغيب عنه ساعة، فإذا دخل مقام العيان، استغرق في شهود الذات، فغاب عن الدارين، ولم يبق له إلا وجود واحد، يتلون بهيئة الدنيا والآخرة. وفي الحقيقة ما ثم إلا واحد أحد، الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن كما كان، ويكون في المآل كما هو الآن. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضدهم فقال: { ويرى الذين أوتوا العلم... }
سبأ 34:4
قلت: { ولا أصغر } و { لا أكبر }: عطف على { مثقال } ، أو: مبتدأ، وخبره: ما بعد الاستثناء. و { ليجزي }: متعلق بقوله: { لتأتينكم } ، وتجويز ابن جزي تعلقه بيعزب بعيد لأن الإحاطة بعلمه تعالى ذاتية، والذاتي لا يعلل، وإنما تعلل الأفعال لجوازها، ويصح تعلقه بما تعلق به { في كتاب } أي: أحصى في كتاب مبين للجزاء. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } أي: منكرو البعث. والناطق بهذه المقالة أبو سفيان بن حرب، ووافق عليها غيره، وقد أسلم هو. قالوا: { لا تأتينا الساعة } وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع. قبح الله رأيهم، وأخلى الأرض منهم. { قل } لهم: { بلى } أبطل مقالتهم الفاسدة ببلى، التي للإضراب، وأوجب ما بعدها، أي: ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه، مؤكدا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل، فقال: { وربي لتأتينكم }. ولما كان قيام الساعة من الغيوب المستقبلية الحقية أتبعه بقوله: { عالم الغيب } ، وقرأ حمزة والكسائي: " علام الغيب " ، بالمبالغة، يعلم ما غاب في عالم ملكه وملكوته، { لا يعزب عنه }: لا يغيب عن علمه { مثقال ذرة }: مقدار أصغر نملة { في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك } أي: من مثقال ذرة { ولا أكبر إلا في كتاب مبين } في اللوح المحفوظ، أو في علمه القديم، وكنى عنه بالكتاب لأن الكتاب يحصي ما فيه. قال الغزالي، في عقيدة أهل السنة: وأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرض إلى أعلى السماوات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو السماء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر، وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي، لم يزل موصوفا به في أزل الأزل. ه. ثم علل إتيان الساعة بقوله: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك لهم مغفرة } لما اقترفوا من العصيان، وما قصروا فيه من مدارج الإيمان، { ورزق كريم } لما صبروا عليه من مناهج الإحسان. { والذين سعوا في آياتنا معاجزين } بالإبطال وتعويق الناس عنها، { أولئك لهم عذاب من رجز أليم } أي: لهم عذاب من أقبح العذاب مؤلم. ورفع " أليم " مكي وحفص ويعقوب، نعت لعذاب، وغيرهم بالجر نعت لرجز. قال قتادة: الرجز: سوء العذاب. الإشارة: بقدر ما يربو الإيمان في القلب يعظم الإيمان بالبعث وما بعده، حتى يكون نصب عين المؤمن، لا يغيب عنه ساعة، فإذا دخل مقام العيان، استغرق في شهود الذات، فغاب عن الدارين، ولم يبق له إلا وجود واحد، يتلون بهيئة الدنيا والآخرة. وفي الحقيقة ما ثم إلا واحد أحد، الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن كما كان، ويكون في المآل كما هو الآن. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضدهم فقال: { ويرى الذين أوتوا العلم... }
سبأ 34:5
قلت: { ولا أصغر } و { لا أكبر }: عطف على { مثقال } ، أو: مبتدأ، وخبره: ما بعد الاستثناء. و { ليجزي }: متعلق بقوله: { لتأتينكم } ، وتجويز ابن جزي تعلقه بيعزب بعيد لأن الإحاطة بعلمه تعالى ذاتية، والذاتي لا يعلل، وإنما تعلل الأفعال لجوازها، ويصح تعلقه بما تعلق به { في كتاب } أي: أحصى في كتاب مبين للجزاء. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } أي: منكرو البعث. والناطق بهذه المقالة أبو سفيان بن حرب، ووافق عليها غيره، وقد أسلم هو. قالوا: { لا تأتينا الساعة } وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع. قبح الله رأيهم، وأخلى الأرض منهم. { قل } لهم: { بلى } أبطل مقالتهم الفاسدة ببلى، التي للإضراب، وأوجب ما بعدها، أي: ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه، مؤكدا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل، فقال: { وربي لتأتينكم }. ولما كان قيام الساعة من الغيوب المستقبلية الحقية أتبعه بقوله: { عالم الغيب } ، وقرأ حمزة والكسائي: " علام الغيب " ، بالمبالغة، يعلم ما غاب في عالم ملكه وملكوته، { لا يعزب عنه }: لا يغيب عن علمه { مثقال ذرة }: مقدار أصغر نملة { في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك } أي: من مثقال ذرة { ولا أكبر إلا في كتاب مبين } في اللوح المحفوظ، أو في علمه القديم، وكنى عنه بالكتاب لأن الكتاب يحصي ما فيه. قال الغزالي، في عقيدة أهل السنة: وأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرض إلى أعلى السماوات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو السماء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر، وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي، لم يزل موصوفا به في أزل الأزل. ه. ثم علل إتيان الساعة بقوله: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك لهم مغفرة } لما اقترفوا من العصيان، وما قصروا فيه من مدارج الإيمان، { ورزق كريم } لما صبروا عليه من مناهج الإحسان. { والذين سعوا في آياتنا معاجزين } بالإبطال وتعويق الناس عنها، { أولئك لهم عذاب من رجز أليم } أي: لهم عذاب من أقبح العذاب مؤلم. ورفع " أليم " مكي وحفص ويعقوب، نعت لعذاب، وغيرهم بالجر نعت لرجز. قال قتادة: الرجز: سوء العذاب. الإشارة: بقدر ما يربو الإيمان في القلب يعظم الإيمان بالبعث وما بعده، حتى يكون نصب عين المؤمن، لا يغيب عنه ساعة، فإذا دخل مقام العيان، استغرق في شهود الذات، فغاب عن الدارين، ولم يبق له إلا وجود واحد، يتلون بهيئة الدنيا والآخرة. وفي الحقيقة ما ثم إلا واحد أحد، الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن كما كان، ويكون في المآل كما هو الآن. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضدهم فقال: { ويرى الذين أوتوا العلم... }
سبأ 34:6
قلت: { ويرى }: مرفوع، استئناف، أو منصوب، عطف على { ليجزي }. و { الحق }: مفعول ثان ليرى العلمية. والمفعول الأول: { الذي أنزل } وهو ضمير فصل. يقول الحق جل جلاله: { ويرى الذين أوتوا العلم } من الصحابة، وممن شايعهم من علماء الأمة ومن ضاهاهم، أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، أي: يعلمون { الذي أنزل إليك من ربك } يعني القرآن { هو الحق } لا يرتابون في حقيته لما نطوى عليه من الإعجاز، وبموافقته للكتب السالفة، على يد من تحققت أميته. أو: ليجزي المؤمنين، وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق، علما لا يزاد عليه في الإيقان، لكونه محل العيان، كما علموه في الدنيا من طريق البرهان. { ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } وهو دين الله، من التوحيد، وما يتبعه من الاستقامة. الإشارة: أول ما يرتفع الحجاب عن العبد بينه وبين كلام سيده، فيسمع كلامه منه، لكن من وراء رداء الكبرياء، وهو رداء الحس والوهم، فيجد حلاوة الكلام ويتمتع بتلاوته، فيلزمه الخشوع والبكاء والرقة عند تلاوته. قال جعفر الصادق: " لقد تجلى الحق تعالى في كلامه ولكن لا تشعرون ". ثم يرتفع الحجاب بينه وبين الحق تعالى، فيسمع كلامه بلا واسطة ولا حجاب، فتغيب حلاوة الكلام في حلاوة شهود المتكلم، فينقلب البكاء سرورا، والقبض بسطا. وعن هذا المعنى عبر الصديق عند رؤيته قوما يبكون عند التلاوة، فقال: " كذلك كنا ولكن قست القلوب " فعبر عن حال التمكن والتصلب بالقسوة لأن القلب قبل تمكن صاحبه يكون سريع التأثر للواردات، فإذا تمكن واشتد لم يتأثر بشيء. وصراط العزيز الحميد هو طريق السلوك إلى حضرة ملك الملوك. وبالله التوفيق. ثم ذكر مقالة أخرى للكفرة فقال: { وقال الذين كفروا هل ندلكم... }
سبأ 34:7
قلت: { إذا }: العامل فيه محذوف، دل عليه: { لفي خلق جديد }. و { ممزق }: مصدر، أي: تجددون إذا مزقتم كل تمزيق، و { جديد }: فعيل بمعنى فاعل، عند البصريين. تقول: جد الثوب فهو جديد، أو بمعنى مفعول، كقتيل، من جد النساج الثوب: قطعه. ولا يجوز فتح { إنكم } للام في خبره. و { أفترى }: الهمزة للاستفهام، وحذفت همزة الوصل للآستغناء عنها. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } من منكري البعث: { هل ندلكم على رجل } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، وإنما نكروه مع أنه كان مشهورا علما في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم تجاهلا به وبأمره. وباب التجاهل في البلاغة معلوم، دال على سحرها، { ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } أي: يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب، إنكم تبعثون وتنشئون خلقا جديدا، بعد أن تكونوا رفاتا وترابا، وتمزق أجسادكم بالبلى، كل تمزيق، وتفرقون كل تفريق، { افترى على الله كذبا } أي: أهو مفتر على الله كذبا فيما ينسب إليه من ذلك؟ { أم به جنة } جنون توهمه ذلك، وتلقيه على لسانه. واستدلت المعتزلة بالآية على أن بين الصدق والكذب واسطة، وهو كل خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه، وأجيب: بأن الافتراء أخص من الكذب، لاختصاص الافتراء بالتعمد، والكذب أعم. وكأنه قيل: أتعمد الكذب أو لم يتعمد بل به جنون. قال تعالى: { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } أي: ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء، وهو منزه عنهما، بل هؤلاء الكفرة، المنكرون للبعث، واقعون في عذاب النار، وفيما يؤديهم إليه من الضلال البعيد عن الحق، بحيث لا يرجى لهم الخلاص منه، وهم لا يشعرون بذلك، وذلك أحق بالجنون. جعل وقوعهم في العذاب رسيلا لوقوعهم في الضلال، مبالغة في استحقاقهم له، كأنهما كائنان في وقت واحد لأن الضلال، لما كان العذاب من لوازمه، جعلا كأنهما مقترنان. ووصف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي لأن البعيد في صفة الضال إذا بعد عن الجادة. { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } أي: أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما أينما كانوا، وحيثما ساروا، وجدوهما أمامهم وخلفهم، محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما، وأن يخرجوا عما هم فيه، من ملكوت الله، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم في الأرض، أو يسقط عليهم { كسفا } قطعة، أو قطعا من السماء بتكذيبهم الآيات، وكفرهم بما جاء به الرسول، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. وقرأ حمزة والكسائي " يخسف " ، و " يسقط " بالياء لعود الضمير على الله في قوله: { أفترى على الله } ، وقرأ حفص: " كسفا " بالتحريك، جمعا.
{ إن في ذلك لآية } إن في النظر إلى السماء والأرض والتفكر فيهما، وما يدلان عليه من كمال قدرته تعالى لدلالة ظاهرة على البعث والإنشاء من بعد التفريق، { لكل عبد منيب } راجع بقلبه إلى ربه، مطيع له تعالى، إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، فيعتبر، ويعلم أن من قدر على إنشاء هذه الأجرام العظام، قادر على إحياء الأموات وبعثها، وحسابها وعقابها. الإشارة: يقول شيوخ التربية: بقدر ما يمزق الظاهر بالتخريب والإهمال يحيى الباطن ويعمر بنور الله، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن، فيقع الإنكار عليهم، ويقول الجهلة: هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم في الظاهر كل ممزق، يجدد الإيمان والإحسان في بواطنكم، أفترى على الله كذبا أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالنشأة الآخرة وهي حياة الروح بمعرفة الله في عذاب الحجاب والضلال، عن معرفة العيان بعيد، ما داموا على ذلك الاعتقاد، ثم يهددون بما يهدد به منكرو البعث. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان، احتجاجا على ما منح محمد عليه الصلاة والسلام من الرسالة والوحي، ردا لقولهم: { أفترى على الله كذبا } ، ودلالة على قدرته تعالى على البعث وغيره. فقال: { ولقد آتينا داوود منا فضلا... }
سبأ 34:8
قلت: { إذا }: العامل فيه محذوف، دل عليه: { لفي خلق جديد }. و { ممزق }: مصدر، أي: تجددون إذا مزقتم كل تمزيق، و { جديد }: فعيل بمعنى فاعل، عند البصريين. تقول: جد الثوب فهو جديد، أو بمعنى مفعول، كقتيل، من جد النساج الثوب: قطعه. ولا يجوز فتح { إنكم } للام في خبره. و { أفترى }: الهمزة للاستفهام، وحذفت همزة الوصل للآستغناء عنها. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } من منكري البعث: { هل ندلكم على رجل } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، وإنما نكروه مع أنه كان مشهورا علما في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم تجاهلا به وبأمره. وباب التجاهل في البلاغة معلوم، دال على سحرها، { ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } أي: يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب، إنكم تبعثون وتنشئون خلقا جديدا، بعد أن تكونوا رفاتا وترابا، وتمزق أجسادكم بالبلى، كل تمزيق، وتفرقون كل تفريق، { افترى على الله كذبا } أي: أهو مفتر على الله كذبا فيما ينسب إليه من ذلك؟ { أم به جنة } جنون توهمه ذلك، وتلقيه على لسانه. واستدلت المعتزلة بالآية على أن بين الصدق والكذب واسطة، وهو كل خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه، وأجيب: بأن الافتراء أخص من الكذب، لاختصاص الافتراء بالتعمد، والكذب أعم. وكأنه قيل: أتعمد الكذب أو لم يتعمد بل به جنون. قال تعالى: { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } أي: ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء، وهو منزه عنهما، بل هؤلاء الكفرة، المنكرون للبعث، واقعون في عذاب النار، وفيما يؤديهم إليه من الضلال البعيد عن الحق، بحيث لا يرجى لهم الخلاص منه، وهم لا يشعرون بذلك، وذلك أحق بالجنون. جعل وقوعهم في العذاب رسيلا لوقوعهم في الضلال، مبالغة في استحقاقهم له، كأنهما كائنان في وقت واحد لأن الضلال، لما كان العذاب من لوازمه، جعلا كأنهما مقترنان. ووصف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي لأن البعيد في صفة الضال إذا بعد عن الجادة. { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } أي: أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما أينما كانوا، وحيثما ساروا، وجدوهما أمامهم وخلفهم، محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما، وأن يخرجوا عما هم فيه، من ملكوت الله، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم في الأرض، أو يسقط عليهم { كسفا } قطعة، أو قطعا من السماء بتكذيبهم الآيات، وكفرهم بما جاء به الرسول، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. وقرأ حمزة والكسائي " يخسف " ، و " يسقط " بالياء لعود الضمير على الله في قوله: { أفترى على الله } ، وقرأ حفص: " كسفا " بالتحريك، جمعا.
{ إن في ذلك لآية } إن في النظر إلى السماء والأرض والتفكر فيهما، وما يدلان عليه من كمال قدرته تعالى لدلالة ظاهرة على البعث والإنشاء من بعد التفريق، { لكل عبد منيب } راجع بقلبه إلى ربه، مطيع له تعالى، إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، فيعتبر، ويعلم أن من قدر على إنشاء هذه الأجرام العظام، قادر على إحياء الأموات وبعثها، وحسابها وعقابها. الإشارة: يقول شيوخ التربية: بقدر ما يمزق الظاهر بالتخريب والإهمال يحيى الباطن ويعمر بنور الله، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن، فيقع الإنكار عليهم، ويقول الجهلة: هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم في الظاهر كل ممزق، يجدد الإيمان والإحسان في بواطنكم، أفترى على الله كذبا أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالنشأة الآخرة وهي حياة الروح بمعرفة الله في عذاب الحجاب والضلال، عن معرفة العيان بعيد، ما داموا على ذلك الاعتقاد، ثم يهددون بما يهدد به منكرو البعث. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان، احتجاجا على ما منح محمد عليه الصلاة والسلام من الرسالة والوحي، ردا لقولهم: { أفترى على الله كذبا } ، ودلالة على قدرته تعالى على البعث وغيره. فقال: { ولقد آتينا داوود منا فضلا... }
سبأ 34:9
قلت: { إذا }: العامل فيه محذوف، دل عليه: { لفي خلق جديد }. و { ممزق }: مصدر، أي: تجددون إذا مزقتم كل تمزيق، و { جديد }: فعيل بمعنى فاعل، عند البصريين. تقول: جد الثوب فهو جديد، أو بمعنى مفعول، كقتيل، من جد النساج الثوب: قطعه. ولا يجوز فتح { إنكم } للام في خبره. و { أفترى }: الهمزة للاستفهام، وحذفت همزة الوصل للآستغناء عنها. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } من منكري البعث: { هل ندلكم على رجل } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، وإنما نكروه مع أنه كان مشهورا علما في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم تجاهلا به وبأمره. وباب التجاهل في البلاغة معلوم، دال على سحرها، { ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } أي: يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب، إنكم تبعثون وتنشئون خلقا جديدا، بعد أن تكونوا رفاتا وترابا، وتمزق أجسادكم بالبلى، كل تمزيق، وتفرقون كل تفريق، { افترى على الله كذبا } أي: أهو مفتر على الله كذبا فيما ينسب إليه من ذلك؟ { أم به جنة } جنون توهمه ذلك، وتلقيه على لسانه. واستدلت المعتزلة بالآية على أن بين الصدق والكذب واسطة، وهو كل خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه، وأجيب: بأن الافتراء أخص من الكذب، لاختصاص الافتراء بالتعمد، والكذب أعم. وكأنه قيل: أتعمد الكذب أو لم يتعمد بل به جنون. قال تعالى: { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } أي: ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء، وهو منزه عنهما، بل هؤلاء الكفرة، المنكرون للبعث، واقعون في عذاب النار، وفيما يؤديهم إليه من الضلال البعيد عن الحق، بحيث لا يرجى لهم الخلاص منه، وهم لا يشعرون بذلك، وذلك أحق بالجنون. جعل وقوعهم في العذاب رسيلا لوقوعهم في الضلال، مبالغة في استحقاقهم له، كأنهما كائنان في وقت واحد لأن الضلال، لما كان العذاب من لوازمه، جعلا كأنهما مقترنان. ووصف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي لأن البعيد في صفة الضال إذا بعد عن الجادة. { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } أي: أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما أينما كانوا، وحيثما ساروا، وجدوهما أمامهم وخلفهم، محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما، وأن يخرجوا عما هم فيه، من ملكوت الله، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم في الأرض، أو يسقط عليهم { كسفا } قطعة، أو قطعا من السماء بتكذيبهم الآيات، وكفرهم بما جاء به الرسول، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. وقرأ حمزة والكسائي " يخسف " ، و " يسقط " بالياء لعود الضمير على الله في قوله: { أفترى على الله } ، وقرأ حفص: " كسفا " بالتحريك، جمعا.
{ إن في ذلك لآية } إن في النظر إلى السماء والأرض والتفكر فيهما، وما يدلان عليه من كمال قدرته تعالى لدلالة ظاهرة على البعث والإنشاء من بعد التفريق، { لكل عبد منيب } راجع بقلبه إلى ربه، مطيع له تعالى، إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، فيعتبر، ويعلم أن من قدر على إنشاء هذه الأجرام العظام، قادر على إحياء الأموات وبعثها، وحسابها وعقابها. الإشارة: يقول شيوخ التربية: بقدر ما يمزق الظاهر بالتخريب والإهمال يحيى الباطن ويعمر بنور الله، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن، فيقع الإنكار عليهم، ويقول الجهلة: هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم في الظاهر كل ممزق، يجدد الإيمان والإحسان في بواطنكم، أفترى على الله كذبا أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالنشأة الآخرة وهي حياة الروح بمعرفة الله في عذاب الحجاب والضلال، عن معرفة العيان بعيد، ما داموا على ذلك الاعتقاد، ثم يهددون بما يهدد به منكرو البعث. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان، احتجاجا على ما منح محمد عليه الصلاة والسلام من الرسالة والوحي، ردا لقولهم: { أفترى على الله كذبا } ، ودلالة على قدرته تعالى على البعث وغيره. فقال: { ولقد آتينا داوود منا فضلا... }
سبأ 34:10
قلت: { يا جبال }: بدل من { فضلا } ، أو يقدر: وقلنا. و { الطير }: عطف على محل الجبال، ومن رفعه فعلى لفظه. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا داود منا فضلا } أي: مزية خص بها على سائر الأنبياء، وهو ما جمع له من النبوة، والملك، والصوت الحسن، وإلانة الحديد، وتعلم صنعة الزرد، وغير ذلك مما خص به، أو: فضلا على سائر الناس بما ذكر، وقلنا: { يا جبال أوبي معه } رجعي معه التسبيح. ومعنى تسبيح الجبال معه: أن الله تعالى يخلق فيها تسبيحا، فيسمع منها كما يسمع من المسبح، معجزة لداود عليه السلام، فكان إذا تخلل الجبال وسبح جاوبته الجبال بالتسبيح، نحو ما سبح به. وهو من التأويب، أي: الترجيع، وقيل: من الإياب بمعنى الرجوع، أي: ارجعي معه بالتسبيح. { والطير } أي: أوبي معه، أو: وسخرنا له الطير تؤوب معه. قال وهب: فكان داود إذا نادى بالنياحة على نفسه، من أجل زلته، أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس منها هو من ذلك اليوم. قال القشيري: يقال أوحى الله إلى داود عليه السلام: كانت تلك الزلة مباركة عليك، فقال: يا رب وكيف تكون الزلة مباركة؟ فقال: كنت تجيء بأقدار المطيعين، والآن تجيء بانكسار المذنبين، يا داود أنين المذنبين أحب إلي من صراخ العابدين. ه. مختصرا. وفي هذا اللفظ من قوله: { يا جبال أوبي معه } من الفخامة ما لا يخفى، حيث جعلت الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا، وإذا دعاهم أجابوا، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد إلا وهو منقاد لقدرة الله تعالى ومشيئته. ولو قال: آتينا داود منا فضلا تأويب الجبال معه والطير لم يكن فيه هذه الفخامة. { وألنا له الحديد } أي: جعلناه له لينا، كالطين المعجون، يصرفه بيده كيف يشاء، من غير نار ولا ضرب بمطرقة، قيل: سبب لينه له: أنه لما ملك بني إسرائيل، وكان من عادته أن يخرج متنكرا، ويسأل كل من لقيه: ما يقول الناس في داود؟ فيثنون خيرا، فلقي ملكا في صورة آدمي، فسأله، فقال: نعم الرجل، لولا خصلة فيه: يأكل ويطعم عياله من بيت المال، فتنبه، وسأل الله تعالى أن يسبب له سببا يغنيه عن بيت المال، فألان له الحديد مثل الشمع، وعلمه صنعة الدروع، وهو أول من اتخذها. وكانت قبل ذلك صفائح. ويقال: كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم عياله، ويتصدق على الفقراء والمساكين. وقيل: كان يلين له ولمن اشتغل معه له، قلت: ذكر ابن حجر في شرح الهمزية أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان إذا وطىء على صخرة أثر فيها قدمه، وهذا أبلغ من إلانة الحديد لأن لين الحجارة لا يعرف بنار، ولا بغيرها، بخلاف الحديد.
ه. وقيل: لأن لين الحديد في يد داود عليه السلام لما أولي من شدة القوة. وأمرناه { أن اعمل سابغات } أي: دروعا واسعة تامة، من: السبوغ، بمعنى الإطالة، { وقدر في السرد } لا تجعل المسامير دقاقا فيقلق، ولا غلاظا فتنكسر الحلق، أو تؤذي لابسها. والتقدير: التوسط في الشيء، والسرد: صنعة الدروع، ومنه قيل لصانعه: السراد والزراد. { واعملوا صالحا } شكرا لما أسدي إليكم. والضمير لداود وأهله. والعمل الصالح: ما يصلح للقبول لإخلاصه وإتقانه، { إني بما تعملون بصير } فأجازيكم عليه. الإشارة: الفضل الذي أوتيه داود عليه السلام هو كشف الحجاب بينه وبين الكون، فلما شهد المكون، كانت الأكوان معه. " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ". ولا يلزم من كونها معه في المعنى، بحيث تتعشق له وتهواه، أي: تنقاد كلها له في الحس، بل ينقاد إليه منها ما يحتاج إليه، حسبما تقتضيه الحكمة، وتسبق به المشيئة، فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار. وقوله تعالى: { وألنا له الحديد } في الظاهر: الحديد الحسي، وفي الباطن: القلوب الصلبة كالحديد، فتلين لوعظه بالإيمان والمعرفة. وكذا في حق كل عارف تلين لوعظه القلوب، وتقشعر من كلامه الجلود. وهو أعظم نفعا من لين الحديد الحسي. ويقال له: أن اعمل سابغات، أي: دروعا تامة، يتحصن بها من الشيطان والهوى، وهو ذكر الله، يستعمله ويأمر به، ذكرا متوسطا، من غير إفراط ممل، ولا تفريط مخل. فإذا انتعش الناس على يده كبر قدره عند ربه، فيؤمر بالشكر، وهو قوله: { واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير } والله تعالى أعلم. ثم ذكر سليمان عليه السلام فقال: { ولسليمان الريح غدوها شهر... }
سبأ 34:11
قلت: { يا جبال }: بدل من { فضلا } ، أو يقدر: وقلنا. و { الطير }: عطف على محل الجبال، ومن رفعه فعلى لفظه. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا داود منا فضلا } أي: مزية خص بها على سائر الأنبياء، وهو ما جمع له من النبوة، والملك، والصوت الحسن، وإلانة الحديد، وتعلم صنعة الزرد، وغير ذلك مما خص به، أو: فضلا على سائر الناس بما ذكر، وقلنا: { يا جبال أوبي معه } رجعي معه التسبيح. ومعنى تسبيح الجبال معه: أن الله تعالى يخلق فيها تسبيحا، فيسمع منها كما يسمع من المسبح، معجزة لداود عليه السلام، فكان إذا تخلل الجبال وسبح جاوبته الجبال بالتسبيح، نحو ما سبح به. وهو من التأويب، أي: الترجيع، وقيل: من الإياب بمعنى الرجوع، أي: ارجعي معه بالتسبيح. { والطير } أي: أوبي معه، أو: وسخرنا له الطير تؤوب معه. قال وهب: فكان داود إذا نادى بالنياحة على نفسه، من أجل زلته، أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس منها هو من ذلك اليوم. قال القشيري: يقال أوحى الله إلى داود عليه السلام: كانت تلك الزلة مباركة عليك، فقال: يا رب وكيف تكون الزلة مباركة؟ فقال: كنت تجيء بأقدار المطيعين، والآن تجيء بانكسار المذنبين، يا داود أنين المذنبين أحب إلي من صراخ العابدين. ه. مختصرا. وفي هذا اللفظ من قوله: { يا جبال أوبي معه } من الفخامة ما لا يخفى، حيث جعلت الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا، وإذا دعاهم أجابوا، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد إلا وهو منقاد لقدرة الله تعالى ومشيئته. ولو قال: آتينا داود منا فضلا تأويب الجبال معه والطير لم يكن فيه هذه الفخامة. { وألنا له الحديد } أي: جعلناه له لينا، كالطين المعجون، يصرفه بيده كيف يشاء، من غير نار ولا ضرب بمطرقة، قيل: سبب لينه له: أنه لما ملك بني إسرائيل، وكان من عادته أن يخرج متنكرا، ويسأل كل من لقيه: ما يقول الناس في داود؟ فيثنون خيرا، فلقي ملكا في صورة آدمي، فسأله، فقال: نعم الرجل، لولا خصلة فيه: يأكل ويطعم عياله من بيت المال، فتنبه، وسأل الله تعالى أن يسبب له سببا يغنيه عن بيت المال، فألان له الحديد مثل الشمع، وعلمه صنعة الدروع، وهو أول من اتخذها. وكانت قبل ذلك صفائح. ويقال: كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم عياله، ويتصدق على الفقراء والمساكين. وقيل: كان يلين له ولمن اشتغل معه له، قلت: ذكر ابن حجر في شرح الهمزية أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان إذا وطىء على صخرة أثر فيها قدمه، وهذا أبلغ من إلانة الحديد لأن لين الحجارة لا يعرف بنار، ولا بغيرها، بخلاف الحديد.
ه. وقيل: لأن لين الحديد في يد داود عليه السلام لما أولي من شدة القوة. وأمرناه { أن اعمل سابغات } أي: دروعا واسعة تامة، من: السبوغ، بمعنى الإطالة، { وقدر في السرد } لا تجعل المسامير دقاقا فيقلق، ولا غلاظا فتنكسر الحلق، أو تؤذي لابسها. والتقدير: التوسط في الشيء، والسرد: صنعة الدروع، ومنه قيل لصانعه: السراد والزراد. { واعملوا صالحا } شكرا لما أسدي إليكم. والضمير لداود وأهله. والعمل الصالح: ما يصلح للقبول لإخلاصه وإتقانه، { إني بما تعملون بصير } فأجازيكم عليه. الإشارة: الفضل الذي أوتيه داود عليه السلام هو كشف الحجاب بينه وبين الكون، فلما شهد المكون، كانت الأكوان معه. " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ". ولا يلزم من كونها معه في المعنى، بحيث تتعشق له وتهواه، أي: تنقاد كلها له في الحس، بل ينقاد إليه منها ما يحتاج إليه، حسبما تقتضيه الحكمة، وتسبق به المشيئة، فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار. وقوله تعالى: { وألنا له الحديد } في الظاهر: الحديد الحسي، وفي الباطن: القلوب الصلبة كالحديد، فتلين لوعظه بالإيمان والمعرفة. وكذا في حق كل عارف تلين لوعظه القلوب، وتقشعر من كلامه الجلود. وهو أعظم نفعا من لين الحديد الحسي. ويقال له: أن اعمل سابغات، أي: دروعا تامة، يتحصن بها من الشيطان والهوى، وهو ذكر الله، يستعمله ويأمر به، ذكرا متوسطا، من غير إفراط ممل، ولا تفريط مخل. فإذا انتعش الناس على يده كبر قدره عند ربه، فيؤمر بالشكر، وهو قوله: { واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير } والله تعالى أعلم. ثم ذكر سليمان عليه السلام فقال: { ولسليمان الريح غدوها شهر... }
سبأ 34:12
قلت: " الريح ": مفعول بمحذوف، أي: وسخرنا له الريح، ومن رفعه فمبتدأ تقدم خبره. يقول الحق جل جلاله: { و } سخرنا { لسليمان الريح } وهي الصبا، { غدوها شهر ورواحها شهر } أي: جريها بالغد مسيرة شهر، إلى نصف النهار، وجريها بالعشي كذلك. فتسير في يوم واحد مسيرة شهرين. وكان يغدو من دمشق، مكان داره، فيقيل بإصطخر فارس، وبينهما مسيرة شهر، ويروح من إصطخر فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. وقيل: كان يتغذى بالري، ويتعشى بسمرقند. وعن الحسن: لما عقر سليمان الخيل، غضبا لله تعالى، أبدله الله خيرا منها الريح، تجري بأمره حيث شاء، غدوها شهر ورواحها شهر. ه. قال ابن زيد: كان لسليمان مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت معه، فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان، يرفعون ذلك المركب، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فتسير به وبهم. قلت: وقد تقدم أن العاصفة هي التي ترفعه، والرخاء تسير به، وهو أصح. ثم قال: فتقيل عند قوم، وتمسي عند قوم، وبينهما شهر، فلا يدري القوم إلا وقد أظلهم، معه الجيوش. ويروى أن سليمان سار من أرض العراق، فقال بمدينة مرو، وصلى العصر بمدينة بلخ، تحمله الريح، وتظله الطير، ثم سار من بلخ متخللا بلاد الترك، ثم سار به إلى أرض الصين، ثم عطف يمنة على مطلع الشمس، على ساحل البحر، حتى أتى أرض فارس، فنزلها أياما، وغدا منها فقال بكسكر، ثم راح إلى اليمن، وكان مستقره بها بمدينة تدمر، وقد كان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصفاح، والعمد، والرخام الأبيض والأصفر. ه. قلت: وذكر أبو السعود في سورة " ص " أنه غزا بلاد المغرب الأندلسي وطنجة وغيرهما، والله تعالى أعلم. ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض كسكر، أنشأها بعض أصحاب سليمان عليه السلام:
ونحن ولا حول سوى حول ربنا نروح إلى الأوطان من أرض كسكر إذ نحن رحنا كان ريث رواحنا مسيرة شهر والغدو لآخر أناس أعز الله طوعا نفوسهم بنصر ابن داود النبي المطهر لهم في معالي الدين فضل ورفعة وإن نسبوا يوما فمن خير معشر متى يركب الريح المطيعة أسرعت مبادرة عن شهرها لم تقصر تظلهم طير صفوف عليهم متى رفرفت من فوقهم لم تنفر
قال القشيري: وفي القصة أنه لاحظ يوما ملكه، فمال الريح، فقال له: استو، فقال له ما دمت أنت مستويا بقلبك كنت مستويا لك، فحيث ملت ملت. ه. ثم قال: { وأسلنا له عين القطر } أي: معدن النحاس. والقطر: النحاس، وهو الصفر، ولكنه أذابه له، وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام، كما يسيل الماء.
وكان قبل سليمان لا يذوب. قال ابن عباس: كانت تسيل له باليمن عين من نحاس، يصنع منها ما أحب. وقيل: القطر: النحاس والحديد، وما جرى مجرى ذلك، كان يسيل له منه عيون. وقيل: ألانه كما ألان الحديد لأبيه، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أجرى الله تعالى لسليمان، كما قيل. { و } سخرنا له { من الجن من يعمل بين يديه } ما يشاء { بإذن ربه } أي: بأمر ربه، { ومن يزغ منهم عن أمرنا } أي: ومن يعدل منهم عن أمرنا الذي أمرنا به من طاعة سليمان { نذقه من عذاب السعير } عذاب الآخرة. وقيل: كان معه ملك بيده سوط من نار، فمن زاغ عن طاعة سليمان ضربه بذلك ضربة أحرقته. { يعملون له ما يشاء من محاريب } أي: مساجد، أو مساكن وقصور، والمحراب: مقدم كل مسجد ومجلس وبيت. { وتماثيل } صور الملائكة والأنبياء، على ما اعتادوا من العبادات، ليراها الناس، فيعبدوا نحو عبادتهم. صنعوا له ذلك في المساجد، ليجتهد الناس في العبادة. أو: صور السباع والطيور، روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. وكان التصوير مباحا. { وجفان } وصحاف، جمع: جفنة، وهي القصعة، { كالجواب } جمع جابية، وهي الحياض الكبار. قيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل، يأكون بين يديه، { وقدور راسيات } ثابتات على الأثافي، لا تنزل لعظمها، ولا تعطل لدوام طبخها. وقيل: كان قوائمها من الجبال، يصعد إليها بالسلالم، وقيل: باقية باليمن. وقلنا: { اعملوا آل داود شكرا } أي: اعملوا بطاعة الله، واجهدوا أنفسكم في عبادته، شكرا لما أولاكم من نعمه. قال ثابت: كان داود جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. ه. وقال سعيد بن المسيب: لما فرغ سليمان من بيت المقدس انغلقت أبوابه، فعالجها، فلم تنفتح، حتى قال: بصلوات آل داود إلا فتحت الأبواب، ففتحت، ففرغ له سليمان عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا والله عز وجل يعبد فيها. ه. وعن الفضيل: { اعملوا آل داود } أي: ارحموا أهل البلاء، وسلوا ربكم العافية. و { شكرا }: مفعول له، أو حال، أي: شاكرين، أو مصدر، أي: اشكروا شكرا لأن " اعملوا " فيه معنى اشكروا، من حيث إن العمل للنعم شكر، أو: مفعول به، أي: إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكرا. { وقليل من عبادي الشكور } يحتمل أن يكون من تمام الخطاب لداود عليه السلام، أو خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم.
والشكور: القائم بحق الشكر، الباذل وسعه فيه، قد شغل به بقلبه ولسانه وجوارحه في أكثر أوقاته، اعتقادا واعترافا وكدحا. وعن ابن عباس: هو من يشكر على أحواله كلها. وقيل: من شكر على الشكر، ومن يرى عجزه عن الشكر. قال البيضاوي: لأن توفيقه للشكر نعمة، فتقتضي شكرا آخر، لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر. ه. الإشارة: وسخرنا لسليمان ريح الهداية، تهب بين يديه، يهتدى به مسيرة شهر وأكثر، وأسلنا لوعظه وتذكيره العيون الجامدة، فقطرت بالدموع خشوعا وخضوعا. وكل من أقبل على الله بكليته سخرت له الكائنات، جنها وإنسها، يتصرف بهمته فيها. فحينئذ يقال له ما قيل لآل داود: اعملوا آل داود شكرا. قال الجنيد: الشكر: بذل المجهود بين يدي المعبود. وقال أيضا: الشكر ألا يعصى الله بنعمه. والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالقلب، وشكر باللسان، وشكر بسائر الأركان. فشكر القلب: أن يعتقد أن النعم كلها من الله، وشكر اللسان: الثناء على الله وكثرة المدح له، وشكر الجوارح: أن يعمل العمل الصالح. وسئل أبو حازم: ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بهما خيرا أعلنته، وإذا رأيت بهما شرا سترته، قيل: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا وعيته، وإذا سمعت بهما شرا دفنته، قيل: فما شكر اليدين؟ قال: ألا تأخذ بهما ما ليس لك، ولا تمنع حقا هو لله فيهما، قيل: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله صبرا، وأعلاه علما، قيل: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله تعالى:
والذين هم لفروجهم حافظون
[المؤمنون: 5] الآية، قيل: فما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما، وإن رأيت شيئا مقته كفقتهما. ه. والناس في الشكر درجات: عوام، وخواص، وخواص الخواص. فدرجة العوام: الشكر على النعم، ودرجة الخواص: الشكر على النعم والنقم، وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص: أن يغيب عن النعم بمشاهدة المنعم. قال رجل لإبراهيم بن أدهم: إن الفقراء إذا أعطوا شكروا، وإذا منعوا صبروا، فقال: هذه أخلاق الكلاب عندنا، ولكن الفقراء إذا منعوا شكروا، وإذا أعطوا آثروا. ه. وهذان الآخران يصدق عليهما قوله تعالى: { وقليل من عبادي الشكور } ، وخصه القشيري بالقسم الثالث، فقال: فكان الشاكر يشكر على البذل، والشكور على المنع، فكيف بالبذل؟ ثم قال: ويقال في { قليل من عبادي الشكور }: قليل من يأخذ النعمة مني، فلا يحملها على الأسباب، فيشكر الوسائط ولا يشكرني. وفي الحكم: " من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها ". فالشكر قيد الموجود، وصيد المفقود. والله تعالى أعلم. ثم ذكر موت سليمان عليه السلام فقال: { فلما قضينا عليه الموت... }
سبأ 34:13
قلت: " الريح ": مفعول بمحذوف، أي: وسخرنا له الريح، ومن رفعه فمبتدأ تقدم خبره. يقول الحق جل جلاله: { و } سخرنا { لسليمان الريح } وهي الصبا، { غدوها شهر ورواحها شهر } أي: جريها بالغد مسيرة شهر، إلى نصف النهار، وجريها بالعشي كذلك. فتسير في يوم واحد مسيرة شهرين. وكان يغدو من دمشق، مكان داره، فيقيل بإصطخر فارس، وبينهما مسيرة شهر، ويروح من إصطخر فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. وقيل: كان يتغذى بالري، ويتعشى بسمرقند. وعن الحسن: لما عقر سليمان الخيل، غضبا لله تعالى، أبدله الله خيرا منها الريح، تجري بأمره حيث شاء، غدوها شهر ورواحها شهر. ه. قال ابن زيد: كان لسليمان مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت معه، فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان، يرفعون ذلك المركب، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فتسير به وبهم. قلت: وقد تقدم أن العاصفة هي التي ترفعه، والرخاء تسير به، وهو أصح. ثم قال: فتقيل عند قوم، وتمسي عند قوم، وبينهما شهر، فلا يدري القوم إلا وقد أظلهم، معه الجيوش. ويروى أن سليمان سار من أرض العراق، فقال بمدينة مرو، وصلى العصر بمدينة بلخ، تحمله الريح، وتظله الطير، ثم سار من بلخ متخللا بلاد الترك، ثم سار به إلى أرض الصين، ثم عطف يمنة على مطلع الشمس، على ساحل البحر، حتى أتى أرض فارس، فنزلها أياما، وغدا منها فقال بكسكر، ثم راح إلى اليمن، وكان مستقره بها بمدينة تدمر، وقد كان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصفاح، والعمد، والرخام الأبيض والأصفر. ه. قلت: وذكر أبو السعود في سورة " ص " أنه غزا بلاد المغرب الأندلسي وطنجة وغيرهما، والله تعالى أعلم. ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض كسكر، أنشأها بعض أصحاب سليمان عليه السلام:
ونحن ولا حول سوى حول ربنا نروح إلى الأوطان من أرض كسكر إذ نحن رحنا كان ريث رواحنا مسيرة شهر والغدو لآخر أناس أعز الله طوعا نفوسهم بنصر ابن داود النبي المطهر لهم في معالي الدين فضل ورفعة وإن نسبوا يوما فمن خير معشر متى يركب الريح المطيعة أسرعت مبادرة عن شهرها لم تقصر تظلهم طير صفوف عليهم متى رفرفت من فوقهم لم تنفر
قال القشيري: وفي القصة أنه لاحظ يوما ملكه، فمال الريح، فقال له: استو، فقال له ما دمت أنت مستويا بقلبك كنت مستويا لك، فحيث ملت ملت. ه. ثم قال: { وأسلنا له عين القطر } أي: معدن النحاس. والقطر: النحاس، وهو الصفر، ولكنه أذابه له، وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام، كما يسيل الماء.
وكان قبل سليمان لا يذوب. قال ابن عباس: كانت تسيل له باليمن عين من نحاس، يصنع منها ما أحب. وقيل: القطر: النحاس والحديد، وما جرى مجرى ذلك، كان يسيل له منه عيون. وقيل: ألانه كما ألان الحديد لأبيه، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أجرى الله تعالى لسليمان، كما قيل. { و } سخرنا له { من الجن من يعمل بين يديه } ما يشاء { بإذن ربه } أي: بأمر ربه، { ومن يزغ منهم عن أمرنا } أي: ومن يعدل منهم عن أمرنا الذي أمرنا به من طاعة سليمان { نذقه من عذاب السعير } عذاب الآخرة. وقيل: كان معه ملك بيده سوط من نار، فمن زاغ عن طاعة سليمان ضربه بذلك ضربة أحرقته. { يعملون له ما يشاء من محاريب } أي: مساجد، أو مساكن وقصور، والمحراب: مقدم كل مسجد ومجلس وبيت. { وتماثيل } صور الملائكة والأنبياء، على ما اعتادوا من العبادات، ليراها الناس، فيعبدوا نحو عبادتهم. صنعوا له ذلك في المساجد، ليجتهد الناس في العبادة. أو: صور السباع والطيور، روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. وكان التصوير مباحا. { وجفان } وصحاف، جمع: جفنة، وهي القصعة، { كالجواب } جمع جابية، وهي الحياض الكبار. قيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل، يأكون بين يديه، { وقدور راسيات } ثابتات على الأثافي، لا تنزل لعظمها، ولا تعطل لدوام طبخها. وقيل: كان قوائمها من الجبال، يصعد إليها بالسلالم، وقيل: باقية باليمن. وقلنا: { اعملوا آل داود شكرا } أي: اعملوا بطاعة الله، واجهدوا أنفسكم في عبادته، شكرا لما أولاكم من نعمه. قال ثابت: كان داود جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. ه. وقال سعيد بن المسيب: لما فرغ سليمان من بيت المقدس انغلقت أبوابه، فعالجها، فلم تنفتح، حتى قال: بصلوات آل داود إلا فتحت الأبواب، ففتحت، ففرغ له سليمان عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا والله عز وجل يعبد فيها. ه. وعن الفضيل: { اعملوا آل داود } أي: ارحموا أهل البلاء، وسلوا ربكم العافية. و { شكرا }: مفعول له، أو حال، أي: شاكرين، أو مصدر، أي: اشكروا شكرا لأن " اعملوا " فيه معنى اشكروا، من حيث إن العمل للنعم شكر، أو: مفعول به، أي: إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكرا. { وقليل من عبادي الشكور } يحتمل أن يكون من تمام الخطاب لداود عليه السلام، أو خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم.
والشكور: القائم بحق الشكر، الباذل وسعه فيه، قد شغل به بقلبه ولسانه وجوارحه في أكثر أوقاته، اعتقادا واعترافا وكدحا. وعن ابن عباس: هو من يشكر على أحواله كلها. وقيل: من شكر على الشكر، ومن يرى عجزه عن الشكر. قال البيضاوي: لأن توفيقه للشكر نعمة، فتقتضي شكرا آخر، لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر. ه. الإشارة: وسخرنا لسليمان ريح الهداية، تهب بين يديه، يهتدى به مسيرة شهر وأكثر، وأسلنا لوعظه وتذكيره العيون الجامدة، فقطرت بالدموع خشوعا وخضوعا. وكل من أقبل على الله بكليته سخرت له الكائنات، جنها وإنسها، يتصرف بهمته فيها. فحينئذ يقال له ما قيل لآل داود: اعملوا آل داود شكرا. قال الجنيد: الشكر: بذل المجهود بين يدي المعبود. وقال أيضا: الشكر ألا يعصى الله بنعمه. والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالقلب، وشكر باللسان، وشكر بسائر الأركان. فشكر القلب: أن يعتقد أن النعم كلها من الله، وشكر اللسان: الثناء على الله وكثرة المدح له، وشكر الجوارح: أن يعمل العمل الصالح. وسئل أبو حازم: ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بهما خيرا أعلنته، وإذا رأيت بهما شرا سترته، قيل: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا وعيته، وإذا سمعت بهما شرا دفنته، قيل: فما شكر اليدين؟ قال: ألا تأخذ بهما ما ليس لك، ولا تمنع حقا هو لله فيهما، قيل: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله صبرا، وأعلاه علما، قيل: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله تعالى:
والذين هم لفروجهم حافظون
[المؤمنون: 5] الآية، قيل: فما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما، وإن رأيت شيئا مقته كفقتهما. ه. والناس في الشكر درجات: عوام، وخواص، وخواص الخواص. فدرجة العوام: الشكر على النعم، ودرجة الخواص: الشكر على النعم والنقم، وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص: أن يغيب عن النعم بمشاهدة المنعم. قال رجل لإبراهيم بن أدهم: إن الفقراء إذا أعطوا شكروا، وإذا منعوا صبروا، فقال: هذه أخلاق الكلاب عندنا، ولكن الفقراء إذا منعوا شكروا، وإذا أعطوا آثروا. ه. وهذان الآخران يصدق عليهما قوله تعالى: { وقليل من عبادي الشكور } ، وخصه القشيري بالقسم الثالث، فقال: فكان الشاكر يشكر على البذل، والشكور على المنع، فكيف بالبذل؟ ثم قال: ويقال في { قليل من عبادي الشكور }: قليل من يأخذ النعمة مني، فلا يحملها على الأسباب، فيشكر الوسائط ولا يشكرني. وفي الحكم: " من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها ". فالشكر قيد الموجود، وصيد المفقود. والله تعالى أعلم. ثم ذكر موت سليمان عليه السلام فقال: { فلما قضينا عليه الموت... }
سبأ 34:14
يقول الحق جل جلاله: { فلما قضينا عليه } على سليمان { الموت ما دلهم } أي: الجن وآل داود { على موته إلا دابة الأرض } أي: الأرضة، وهي دويبة تأكل الخشب، ويقال: لها، سرفة والقادح. والأرض هنا مصدر: أرضت الخشبة، بالبناء للمفعول، أرضا: أكلتها الأرضة. فأضيفت إلى فعلها وهو الأرض، أي: الأكل. { تأكل منسأته } أي: عصاه، سميت منسأة لأنها تنسى، أي: تطرح ويرمى بها. وفيها لغتان الهمز وعدمه، فقرأ نافع وأبو عمرو بترك الهمز، وعليه قول الشاعر:
إذا دببت على المنساة من كبر فقد تباعد عنك اللهو والغزل
وقرأ غيرهما بالهمز، وهو أشهر. { فلما خر } سقط سليمان { تبينت الجن } أي: تحققت وعلمت علما يقينا، بعد التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم، { أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا } بعد موت سليمان { في العذاب المهين } في العمل الشاق له، لظنهم حياته، فلو كانوا يعلمون الغيب كما زعموا لعلموا موته. وذلك أن داود عليه السلام أسس بيت المقدس، في موضع فسطاط موسى عليه السلام، فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه. فلما بقي من عمره سنة، سأل الله تعالى أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا، ولتبطل دعواهم علم الغيب. وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة. وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة. فبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. قال الثعلبي: فبنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمره بأساطين المها الصافي، وسقفه بأنواع الجواهر، وفضض سقوفه وحيطانه باللآلىء، وسائر أنواع الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن في الأرض أبهى ولا أنور من ذلك المسجد. كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر. ومن أعاجيب ما اتخذ في بيت القدس، أن بنى بيتا وطين حائطه بالخضرة، وصقله، فإذا دخله الورع البار استبان فيه خياله أبيض، وإذا دخله الفاجر استبان فيه خياله أسود، فارتدع كثير من الناس عن الفجور. قال صلى الله عليه وسلم:
" لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثا، فأعطاه اثنتين، وأن أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة، سأله حكما يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله ألا يأتي أحد هذا البيت يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك "
ه. فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان عليه السلام حتى خربه بخت نصر، وأخذ ما كان فيه من الذهب والفضة واليواقيت، وحمله إلى دار مملكته من العراق. ثم قال: قال المفسرون: كان سليمان ينفرد في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، يدخل فيه طعامه وشرابه، فدخله في المرة التي مات فيها.
وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا، فيأمر بها فنقطع، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت لدواء كتبت. فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروبة، قال لها: ولأي شيء نبت؟ قالت: لخراب هذا المسجد، فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي، وهلاك بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط، ثم قال: اللهم أعم عن الجن موتي، حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون أشياء من علم الغيب، ثم دخل المحراب، وقام يصلي على عصاه، فمات. وقيل: إن سليمان قال لأصحابه ذات يوم: قد آتاني الله ما ترون، وما مر علي يوم في ملكي بحيث صفا لي من الكدر، وقد أحببت أن يكون لي يوم واحد يصفو لي من الكدر، فدخل قصره من الغد، وأمر بغلق أبوابه، ومنع الناس من الدخول عليه، ورفع الأخبار إليه. ثم اتكأ على عصاه ينظر في ممالكه، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه، عليه ثياب بيض، قد خرج عليه من جوانب قصره، فقال: السلام عليك يا سليمان، فقال: عليك السلام، كيف دخلت قصري؟ فقال: أنا الذي لا يحجبني حاجب، ولا يدفعني بواب، ولا أهاب الملوك، ولا أقبل الرشا، وما كنت لأدخل هذا القصر من غير إذن. فقال سليمان: فمن أذن لك في دخوله؟ قال: ربه، فارتعد سليمان، وعلم أنه ملك الموت، فقال: يا ملك الموت هذا اليوم الذي أردت أن يصفو لي، قال: يا سليمان ذلك اليوم لم يخلق في أيام الدنيا، فقبض روحه وهو متكىء على عصاه. ه. وفي رواية: أنه دعا الشياطين، فبنوا له صرحا من قوارير، ليس له باب، فقام يصلي، واتكأ على عصاه، فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه. والله تعالى أعلم أي ذلك كان. وبقي سليمان ميتا، وهو قائم على عصاه سنة، حتى أكلت الأرضة عصاه. ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة. سبحان الحي الذي لا يموت، ولا ينقضي ملكه. الإشارة: كل دولة في الدنيا تحول، وكل عز فيها عن قريب يزول، فالعاقل من صرف دولته في طاعة مولاه، وبذل جهده في محبته ورضاه، فإن كانت قسمته في الأغنياء كان من الشاكرين، وإن كانت في الفقراء كان من الصابرين، والفقير الصابر أحظى من الغني الشاكر، ولذلك ورد أن سليمان عليه السلام آخر من يدخل الجنة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعبد الرحمن بن عوف آخر من يدخلها من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. والغني الشاكر هو الذي يعطي ولا يبالي، ويتواضع للكبير والصغير، والوجيه والحقير، والفقير الصابر هو الذي يغتبط بفقره، ويكتمه عن غيره. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال من لم يشكر النعم فقال: { لقد كان لسبإ في مسكنهم... }
سبأ 34:15
قلت: { لسبأ } فيه الصرف، بتأويل الحي، وعدمه، بتأويل القبيلة. و { مسكنهم } ، من قرأ بالإفراد وفتح الكاف على القياس في الاسم والمصدر، كمدخل، ومن كسره فلغة، والسماع في المصدر كمسجد. و { جنتان } بدل من { آية } أو: خبر عن مضمر، أي: هي جنتان. و { أكل خمط } ، فمن أضافه فإضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز، ومن نونه قطعه عن الإضافة، وجعله عطف بيان. أو صفة، بتأويل خمط ببشيع. يقول الحق جل جلاله: { لقد كان لسبأ } سئل صلى الله عليه وسلم أرجلا كان أو امرأة، أو أرضا أو جبلا أو واديا، فقال صلى الله عليه وسلم:
" هو رجل من العرب، ولد عشرة من الولد، فتيامن ستة، وتشاءم أربعة: فالذين تيامنوا كثرة، فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وأنمار، وحمير، فقال رجل: من أنمار يا رسول الله؟ قال منهم خثعم وبجيلة. والذين تشاءموا: عاملة، وجذام، ولخم، وغسان "
قلت: وسبأ هو ابن يشخب بن يعرب بن قحطان. واختلف في قحطان، فقيل: هو ابن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح. وقيل: هو أخو هود عليه السلام. وقيل: هو هود، بنفسه، وإن هودا هو ابن عبدالله بن رباح، لا ابن عابر، على الأصح. فهو على هذا القول ابن أرم بن سام. وقيل: قحطان من ولد إسماعيل، فهو ابن أيمن بن قيذر بن إسماعيل. وقيل: هو ابن الهميسع بن أيمن. وبأيمن سميت اليمن، وقيل: لأنها عن يمين الكعبة. هذا والعرب كلها يجمعها أصلان: عدنان وقحطان، فلا عربي في الأرض إلا وهو ينتهي إلى أحدهما، فيقال: عدناني أو قحطاني. ومن جعل العرب كلها من ولد إسماعيل مر على أن قحطان من ذرية إسماعيل، كما تقدم، واختلف في خزاعة، فقيل: قحطانية، وقيل: عدنانية، وأن جدهم عمرو بن لحي، وأما الأوس والخزرج فهما من ذرية سبأ، نزلت يثرب، بعد سيل العرم، كما يأتي. قال تعالى: { لقد كان لسبأ في مسكنهم } أي: في بلدهم، أو أرضهم، التي كانوا مقيمين فيها باليمن، { آية } دالة على وحدانيته تعالى، وباهر قدرته، وإحسانه، ووجوب شكر نعمه، وهي: { جنتان } أي: جماعة من البساتين، { عن يمين } واديهم، { وشمال } وعن شماله. وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتصافها كأنها جنة واحدة، كما يكون في بساتين البلاد العامرة. قيل: كان الناس يتعاطون ذلك على جنبتي الوادي، مسيرة أربعين يوما، وكلها تسقى من ذلك الوادي لارتفاع سده. أو: أراد بستانين، لكل رجل بستان عن يمين داره، وبستان عن شماله. ومعنى كونهما آية: أن أهلها لما أعرضوا عن شكر النعم سلبهم الله النعمة، ليعتبروا ويتعظوا، فلا يعودوا لما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم، فلما أثمرت البساتين قلنا لهم على لسان الرسل المبعوثين إليهم، أو بلسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك: { كلوا من رزق ربكم واشكروا له } بالإيمان والعمل الصالح، { بلدة طيبة } أي: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، { ورب غفور } أي: وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره. قال ابن عباس: كانت سبأ على ثلاثة فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد، فتخرج المرأة على رأسها المكتل، وتسير بين تلك الشجر، فيمتلىء المكتل مما يتساقط فيه من الشجر ولقد كان الرجل يخرج لزيارة أقاربه، وعلى رأسه مكتل، أو قفة، أو طبق فارغ، فلا يصل إلى حيث يريد إلا والطبق قد امتلأ فاكهة، مما تسقطه الرياح، دون أن يمد يده إلى شيء من ثمرها. ومن طيبها: أنها لم تر في بلدهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية. وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب ماتت الدواب والقمل لطيب هواها. { فأعرضوا } عن الشكر، بتكذيب أنبيائهم، وكفر نعمة الله عليهم. وقالوا: ما نعرف لله علينا من نعمة، عائذا بالله. قال وهب: بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا، يدعونهم إلى الله تعالى، فكذبوهم، { فأرسلنا عليهم سيل العرم } أي: سيل الأمر العرم، أي: الصعب. من: عرم الرجل فهو عارم، وعرم: إذا شرس خلقه وصعب، أي: أرسلنا عليهم سيلا شديدا، مزق سدهم، وغرق بساتينهم. قيل: جمع عرمة، وهي السد الذي يمسك الماء إلى وقت حاجته. قال ابن عباس رضي الله عنه: كان هذا السد يسقي جنتها، وبنته بلقيس لأنه لما ملكت جعل قومها يقتتلون على ماء مواشيهم، فنهتهم، فأبوا، فنزلت عن ملكها، فلما كثر الشر بينهم أرادوها أن ترجع إلى ملكها، فأبت، فقالوا: لترجعي أو لنقتلنك، فجاءت، وأمرت بواديهم فسد أعلاه بالعرم، وهو المسناة بلغة حمير فسدت ما بين الجبلين بالصخر والنار، وجعلت له أبوابا ثلاثة، بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة عظيمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا، على عدة أنهارهم. فلما جاء المطر اجتمع ماء الصخر وأودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد، ففتحت الباب الأعلى، وجرى ماؤه في البركة، وألقت البقر فيها، فخرج بعض البقر أسرع من بعض، فلم تزل تضيق تلك الأنهار، وترسل البقر في الماء، حتى خرجت جميعا معا، فكانت تقسمه بينهم على ذلك، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان. فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الأسفل، فلا ينفد حتى يثوب الماء من السنة المقبلة. فلما كفروا وطغوا، سلط الله عليهم جرذا، يسمى الخلد وهو الفأر فنقبه من أسفله، فغرق الماء جنتهم، وخرب أرضهم. ه. قال وهب: وكانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنهم يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا عندها هرا، فلما حان ما أراد الله بهم، أقبلت فأرة حمراء، إلى بعض الهرر، فساورتها أي: حاربتها، حتى استأخرت عنها أي: عن تلك الفرجة الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، ونقبت السد، حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون، فلما جاء السيل دخل في تلك الخلل، حتى بلغ السد، فخربه، وفاض على أموالهم، فغرقتها، ودفن بيوتهم، ومزقوا، حتى صاروا مثلا عند العرب، فقالوا: تفرقوا أيادي سبأ.
ه. { وبدلناهم بجنتيهم } المذكورتين { جنتين } أخريين. وتسمية المبدلتين جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام، كقوله:
وجزآؤا سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]. { ذواتي أكل خمط } الأكل: الثمر المأكول، يخفف ويثقل. والخمط، قال ابن عباس: شجر الأراك، وقال أبو عبيد: كل شجر مؤذ مشوك. وقال الزجاج: كل شجر مر. ه. وفي القاموس: الخمط: الحامض المر من كل شيء، وكل نبت أخذ طعما من مرارة وحموضة، وشجر كالسدر، وشجر قاتل، أو كل شجر لا شوك له. ه. وقرأ البصريان بالإضافة، من إضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز لأن المراد بالأكل المأكول، أي: ذواتي ثمر شجر بشيع. والباقون: بالتنوين، عطف بيان، أو صفة، بتأويل خمط ببشيع، أي: مأكول بشيع. { وأثل } هو شجر يشبه الطرفاء، أعظم منه، وأجود عودا. { وشيء من سدر قليل } والحاصل أن الله تعالى أهلك أشجارهم المثمرة، وأنبت مكانها الطرفاء والسدر. وإنما قال: السدر، لأنه أكرم ما بدلوا به لأنه يكون في الجنان. { ذلك جزيناهم بما كفروا } أي: جزيناهم ذلك بكفرهم، فذلك مفعول مطلق بجزينا، { وهل يجازى } هذا الجزاء الكلي { إلا الكفور } أي: لا يجازى بمثل هذا الجزاء إلا من كفر النعمة ولم يشكرها، أو: كفر بالله، أو هل يعاقب لأن الجزاء وإن كان عاما يستعمل في معنى المعاقبة، وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص، وهو المعاقبة. قال الواحدي: وذلك لأن المؤمن يكفر عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله. قلت: بل الظاهر المجازاة الدنيوية بسلب النعم، ولا تسلب إلا للكفور، دون الشكور. قاله في الحاشية. وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. ه. قلت: ولعلهم استمروا من زمن سليمان إلى أن جاوزوا زمن عيسى عليه السلام. الإشارة: لكل مريد وعارف جنتان عن يمين وشمال، يقطف من ثمارهما ما يشاء جنة العبودية، وجنة الربوبية، جنة العبودية للقيام بآداب الشريعة، وجنة الربوبية للقيام بشهود الحقيقة، فيتفنن في جنة العبودية بعلوم الحكمة، ويتفنن في جنة الربوبية بعلوم القدرة، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات. كلوا من رزق ربكم حلاوة المعاملة في جنة العبودية، وحلاوة المشاهدة في جنة الربوبية بلدة طيبة هي جنة الربوبية إذ لا أطيب من شهود الحبيب، ورب غفور لتقصير القيام بآداب العبودية إذ لا يقدر أحد أن يحصيها، ولا جزءا منها.
فأعرض أهل الغفلة عن القيام بحقهما، ولم يعرفوهما، فأرسلنا على قلوبهم سيل العرم، وهو سيل الخواطر والوساوس، وخوض القلب في حس الأكوان، فبدلناهم بجنتيهم جنتين مرارة الحرص والتعب، والهم والشغب. ذلك جزيناهم بكفرهم بطريق الخصوص من أهل التربية، وهل يجازى إلا الكفور. قال القشيري: { وبدلناهم بجنتيهم جنتين... } الآية، كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال، واتصال من التوفيق، وطيب من القلب، ومساعدة من الوقت، فيرتكب زلة، أو يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما يفوته فيفتر عليه الحال، فلا وقت ولا حال، ولا قرب ولا وصال، يظلم عليه النهار، بعد أن كانت لياليه مضيئة. وأنشدوا:
ما زلت أختال في زماني حتى أمنت الزمان مكره طال علينا الصدود حتى لم يبق مما شهدت ذره
{ ذلك جزيناهم بما كفروا... } الآية: ما عوقبوا إلا بما استوجبوا، وما سقوا إلا ما أفيضوا، ولا وقعوا إلا في الوهدة التي حفروا، وما قتلوا إلا بالسيف الذي صنعوا. ه. ثم ذكر سبب تمزيقهم فقال: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى... }
سبأ 34:16
قلت: { لسبأ } فيه الصرف، بتأويل الحي، وعدمه، بتأويل القبيلة. و { مسكنهم } ، من قرأ بالإفراد وفتح الكاف على القياس في الاسم والمصدر، كمدخل، ومن كسره فلغة، والسماع في المصدر كمسجد. و { جنتان } بدل من { آية } أو: خبر عن مضمر، أي: هي جنتان. و { أكل خمط } ، فمن أضافه فإضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز، ومن نونه قطعه عن الإضافة، وجعله عطف بيان. أو صفة، بتأويل خمط ببشيع. يقول الحق جل جلاله: { لقد كان لسبأ } سئل صلى الله عليه وسلم أرجلا كان أو امرأة، أو أرضا أو جبلا أو واديا، فقال صلى الله عليه وسلم:
" هو رجل من العرب، ولد عشرة من الولد، فتيامن ستة، وتشاءم أربعة: فالذين تيامنوا كثرة، فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وأنمار، وحمير، فقال رجل: من أنمار يا رسول الله؟ قال منهم خثعم وبجيلة. والذين تشاءموا: عاملة، وجذام، ولخم، وغسان "
قلت: وسبأ هو ابن يشخب بن يعرب بن قحطان. واختلف في قحطان، فقيل: هو ابن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح. وقيل: هو أخو هود عليه السلام. وقيل: هو هود، بنفسه، وإن هودا هو ابن عبدالله بن رباح، لا ابن عابر، على الأصح. فهو على هذا القول ابن أرم بن سام. وقيل: قحطان من ولد إسماعيل، فهو ابن أيمن بن قيذر بن إسماعيل. وقيل: هو ابن الهميسع بن أيمن. وبأيمن سميت اليمن، وقيل: لأنها عن يمين الكعبة. هذا والعرب كلها يجمعها أصلان: عدنان وقحطان، فلا عربي في الأرض إلا وهو ينتهي إلى أحدهما، فيقال: عدناني أو قحطاني. ومن جعل العرب كلها من ولد إسماعيل مر على أن قحطان من ذرية إسماعيل، كما تقدم، واختلف في خزاعة، فقيل: قحطانية، وقيل: عدنانية، وأن جدهم عمرو بن لحي، وأما الأوس والخزرج فهما من ذرية سبأ، نزلت يثرب، بعد سيل العرم، كما يأتي. قال تعالى: { لقد كان لسبأ في مسكنهم } أي: في بلدهم، أو أرضهم، التي كانوا مقيمين فيها باليمن، { آية } دالة على وحدانيته تعالى، وباهر قدرته، وإحسانه، ووجوب شكر نعمه، وهي: { جنتان } أي: جماعة من البساتين، { عن يمين } واديهم، { وشمال } وعن شماله. وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتصافها كأنها جنة واحدة، كما يكون في بساتين البلاد العامرة. قيل: كان الناس يتعاطون ذلك على جنبتي الوادي، مسيرة أربعين يوما، وكلها تسقى من ذلك الوادي لارتفاع سده. أو: أراد بستانين، لكل رجل بستان عن يمين داره، وبستان عن شماله. ومعنى كونهما آية: أن أهلها لما أعرضوا عن شكر النعم سلبهم الله النعمة، ليعتبروا ويتعظوا، فلا يعودوا لما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم، فلما أثمرت البساتين قلنا لهم على لسان الرسل المبعوثين إليهم، أو بلسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك: { كلوا من رزق ربكم واشكروا له } بالإيمان والعمل الصالح، { بلدة طيبة } أي: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، { ورب غفور } أي: وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره. قال ابن عباس: كانت سبأ على ثلاثة فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد، فتخرج المرأة على رأسها المكتل، وتسير بين تلك الشجر، فيمتلىء المكتل مما يتساقط فيه من الشجر ولقد كان الرجل يخرج لزيارة أقاربه، وعلى رأسه مكتل، أو قفة، أو طبق فارغ، فلا يصل إلى حيث يريد إلا والطبق قد امتلأ فاكهة، مما تسقطه الرياح، دون أن يمد يده إلى شيء من ثمرها. ومن طيبها: أنها لم تر في بلدهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية. وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب ماتت الدواب والقمل لطيب هواها. { فأعرضوا } عن الشكر، بتكذيب أنبيائهم، وكفر نعمة الله عليهم. وقالوا: ما نعرف لله علينا من نعمة، عائذا بالله. قال وهب: بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا، يدعونهم إلى الله تعالى، فكذبوهم، { فأرسلنا عليهم سيل العرم } أي: سيل الأمر العرم، أي: الصعب. من: عرم الرجل فهو عارم، وعرم: إذا شرس خلقه وصعب، أي: أرسلنا عليهم سيلا شديدا، مزق سدهم، وغرق بساتينهم. قيل: جمع عرمة، وهي السد الذي يمسك الماء إلى وقت حاجته. قال ابن عباس رضي الله عنه: كان هذا السد يسقي جنتها، وبنته بلقيس لأنه لما ملكت جعل قومها يقتتلون على ماء مواشيهم، فنهتهم، فأبوا، فنزلت عن ملكها، فلما كثر الشر بينهم أرادوها أن ترجع إلى ملكها، فأبت، فقالوا: لترجعي أو لنقتلنك، فجاءت، وأمرت بواديهم فسد أعلاه بالعرم، وهو المسناة بلغة حمير فسدت ما بين الجبلين بالصخر والنار، وجعلت له أبوابا ثلاثة، بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة عظيمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا، على عدة أنهارهم. فلما جاء المطر اجتمع ماء الصخر وأودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد، ففتحت الباب الأعلى، وجرى ماؤه في البركة، وألقت البقر فيها، فخرج بعض البقر أسرع من بعض، فلم تزل تضيق تلك الأنهار، وترسل البقر في الماء، حتى خرجت جميعا معا، فكانت تقسمه بينهم على ذلك، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان. فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الأسفل، فلا ينفد حتى يثوب الماء من السنة المقبلة. فلما كفروا وطغوا، سلط الله عليهم جرذا، يسمى الخلد وهو الفأر فنقبه من أسفله، فغرق الماء جنتهم، وخرب أرضهم. ه. قال وهب: وكانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنهم يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا عندها هرا، فلما حان ما أراد الله بهم، أقبلت فأرة حمراء، إلى بعض الهرر، فساورتها أي: حاربتها، حتى استأخرت عنها أي: عن تلك الفرجة الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، ونقبت السد، حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون، فلما جاء السيل دخل في تلك الخلل، حتى بلغ السد، فخربه، وفاض على أموالهم، فغرقتها، ودفن بيوتهم، ومزقوا، حتى صاروا مثلا عند العرب، فقالوا: تفرقوا أيادي سبأ.
ه. { وبدلناهم بجنتيهم } المذكورتين { جنتين } أخريين. وتسمية المبدلتين جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام، كقوله:
وجزآؤا سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]. { ذواتي أكل خمط } الأكل: الثمر المأكول، يخفف ويثقل. والخمط، قال ابن عباس: شجر الأراك، وقال أبو عبيد: كل شجر مؤذ مشوك. وقال الزجاج: كل شجر مر. ه. وفي القاموس: الخمط: الحامض المر من كل شيء، وكل نبت أخذ طعما من مرارة وحموضة، وشجر كالسدر، وشجر قاتل، أو كل شجر لا شوك له. ه. وقرأ البصريان بالإضافة، من إضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز لأن المراد بالأكل المأكول، أي: ذواتي ثمر شجر بشيع. والباقون: بالتنوين، عطف بيان، أو صفة، بتأويل خمط ببشيع، أي: مأكول بشيع. { وأثل } هو شجر يشبه الطرفاء، أعظم منه، وأجود عودا. { وشيء من سدر قليل } والحاصل أن الله تعالى أهلك أشجارهم المثمرة، وأنبت مكانها الطرفاء والسدر. وإنما قال: السدر، لأنه أكرم ما بدلوا به لأنه يكون في الجنان. { ذلك جزيناهم بما كفروا } أي: جزيناهم ذلك بكفرهم، فذلك مفعول مطلق بجزينا، { وهل يجازى } هذا الجزاء الكلي { إلا الكفور } أي: لا يجازى بمثل هذا الجزاء إلا من كفر النعمة ولم يشكرها، أو: كفر بالله، أو هل يعاقب لأن الجزاء وإن كان عاما يستعمل في معنى المعاقبة، وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص، وهو المعاقبة. قال الواحدي: وذلك لأن المؤمن يكفر عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله. قلت: بل الظاهر المجازاة الدنيوية بسلب النعم، ولا تسلب إلا للكفور، دون الشكور. قاله في الحاشية. وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. ه. قلت: ولعلهم استمروا من زمن سليمان إلى أن جاوزوا زمن عيسى عليه السلام. الإشارة: لكل مريد وعارف جنتان عن يمين وشمال، يقطف من ثمارهما ما يشاء جنة العبودية، وجنة الربوبية، جنة العبودية للقيام بآداب الشريعة، وجنة الربوبية للقيام بشهود الحقيقة، فيتفنن في جنة العبودية بعلوم الحكمة، ويتفنن في جنة الربوبية بعلوم القدرة، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات. كلوا من رزق ربكم حلاوة المعاملة في جنة العبودية، وحلاوة المشاهدة في جنة الربوبية بلدة طيبة هي جنة الربوبية إذ لا أطيب من شهود الحبيب، ورب غفور لتقصير القيام بآداب العبودية إذ لا يقدر أحد أن يحصيها، ولا جزءا منها.
فأعرض أهل الغفلة عن القيام بحقهما، ولم يعرفوهما، فأرسلنا على قلوبهم سيل العرم، وهو سيل الخواطر والوساوس، وخوض القلب في حس الأكوان، فبدلناهم بجنتيهم جنتين مرارة الحرص والتعب، والهم والشغب. ذلك جزيناهم بكفرهم بطريق الخصوص من أهل التربية، وهل يجازى إلا الكفور. قال القشيري: { وبدلناهم بجنتيهم جنتين... } الآية، كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال، واتصال من التوفيق، وطيب من القلب، ومساعدة من الوقت، فيرتكب زلة، أو يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما يفوته فيفتر عليه الحال، فلا وقت ولا حال، ولا قرب ولا وصال، يظلم عليه النهار، بعد أن كانت لياليه مضيئة. وأنشدوا:
ما زلت أختال في زماني حتى أمنت الزمان مكره طال علينا الصدود حتى لم يبق مما شهدت ذره
{ ذلك جزيناهم بما كفروا... } الآية: ما عوقبوا إلا بما استوجبوا، وما سقوا إلا ما أفيضوا، ولا وقعوا إلا في الوهدة التي حفروا، وما قتلوا إلا بالسيف الذي صنعوا. ه. ثم ذكر سبب تمزيقهم فقال: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى... }
سبأ 34:17
قلت: { لسبأ } فيه الصرف، بتأويل الحي، وعدمه، بتأويل القبيلة. و { مسكنهم } ، من قرأ بالإفراد وفتح الكاف على القياس في الاسم والمصدر، كمدخل، ومن كسره فلغة، والسماع في المصدر كمسجد. و { جنتان } بدل من { آية } أو: خبر عن مضمر، أي: هي جنتان. و { أكل خمط } ، فمن أضافه فإضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز، ومن نونه قطعه عن الإضافة، وجعله عطف بيان. أو صفة، بتأويل خمط ببشيع. يقول الحق جل جلاله: { لقد كان لسبأ } سئل صلى الله عليه وسلم أرجلا كان أو امرأة، أو أرضا أو جبلا أو واديا، فقال صلى الله عليه وسلم:
" هو رجل من العرب، ولد عشرة من الولد، فتيامن ستة، وتشاءم أربعة: فالذين تيامنوا كثرة، فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وأنمار، وحمير، فقال رجل: من أنمار يا رسول الله؟ قال منهم خثعم وبجيلة. والذين تشاءموا: عاملة، وجذام، ولخم، وغسان "
قلت: وسبأ هو ابن يشخب بن يعرب بن قحطان. واختلف في قحطان، فقيل: هو ابن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح. وقيل: هو أخو هود عليه السلام. وقيل: هو هود، بنفسه، وإن هودا هو ابن عبدالله بن رباح، لا ابن عابر، على الأصح. فهو على هذا القول ابن أرم بن سام. وقيل: قحطان من ولد إسماعيل، فهو ابن أيمن بن قيذر بن إسماعيل. وقيل: هو ابن الهميسع بن أيمن. وبأيمن سميت اليمن، وقيل: لأنها عن يمين الكعبة. هذا والعرب كلها يجمعها أصلان: عدنان وقحطان، فلا عربي في الأرض إلا وهو ينتهي إلى أحدهما، فيقال: عدناني أو قحطاني. ومن جعل العرب كلها من ولد إسماعيل مر على أن قحطان من ذرية إسماعيل، كما تقدم، واختلف في خزاعة، فقيل: قحطانية، وقيل: عدنانية، وأن جدهم عمرو بن لحي، وأما الأوس والخزرج فهما من ذرية سبأ، نزلت يثرب، بعد سيل العرم، كما يأتي. قال تعالى: { لقد كان لسبأ في مسكنهم } أي: في بلدهم، أو أرضهم، التي كانوا مقيمين فيها باليمن، { آية } دالة على وحدانيته تعالى، وباهر قدرته، وإحسانه، ووجوب شكر نعمه، وهي: { جنتان } أي: جماعة من البساتين، { عن يمين } واديهم، { وشمال } وعن شماله. وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتصافها كأنها جنة واحدة، كما يكون في بساتين البلاد العامرة. قيل: كان الناس يتعاطون ذلك على جنبتي الوادي، مسيرة أربعين يوما، وكلها تسقى من ذلك الوادي لارتفاع سده. أو: أراد بستانين، لكل رجل بستان عن يمين داره، وبستان عن شماله. ومعنى كونهما آية: أن أهلها لما أعرضوا عن شكر النعم سلبهم الله النعمة، ليعتبروا ويتعظوا، فلا يعودوا لما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم، فلما أثمرت البساتين قلنا لهم على لسان الرسل المبعوثين إليهم، أو بلسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك: { كلوا من رزق ربكم واشكروا له } بالإيمان والعمل الصالح، { بلدة طيبة } أي: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، { ورب غفور } أي: وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره. قال ابن عباس: كانت سبأ على ثلاثة فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد، فتخرج المرأة على رأسها المكتل، وتسير بين تلك الشجر، فيمتلىء المكتل مما يتساقط فيه من الشجر ولقد كان الرجل يخرج لزيارة أقاربه، وعلى رأسه مكتل، أو قفة، أو طبق فارغ، فلا يصل إلى حيث يريد إلا والطبق قد امتلأ فاكهة، مما تسقطه الرياح، دون أن يمد يده إلى شيء من ثمرها. ومن طيبها: أنها لم تر في بلدهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية. وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب ماتت الدواب والقمل لطيب هواها. { فأعرضوا } عن الشكر، بتكذيب أنبيائهم، وكفر نعمة الله عليهم. وقالوا: ما نعرف لله علينا من نعمة، عائذا بالله. قال وهب: بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا، يدعونهم إلى الله تعالى، فكذبوهم، { فأرسلنا عليهم سيل العرم } أي: سيل الأمر العرم، أي: الصعب. من: عرم الرجل فهو عارم، وعرم: إذا شرس خلقه وصعب، أي: أرسلنا عليهم سيلا شديدا، مزق سدهم، وغرق بساتينهم. قيل: جمع عرمة، وهي السد الذي يمسك الماء إلى وقت حاجته. قال ابن عباس رضي الله عنه: كان هذا السد يسقي جنتها، وبنته بلقيس لأنه لما ملكت جعل قومها يقتتلون على ماء مواشيهم، فنهتهم، فأبوا، فنزلت عن ملكها، فلما كثر الشر بينهم أرادوها أن ترجع إلى ملكها، فأبت، فقالوا: لترجعي أو لنقتلنك، فجاءت، وأمرت بواديهم فسد أعلاه بالعرم، وهو المسناة بلغة حمير فسدت ما بين الجبلين بالصخر والنار، وجعلت له أبوابا ثلاثة، بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة عظيمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا، على عدة أنهارهم. فلما جاء المطر اجتمع ماء الصخر وأودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد، ففتحت الباب الأعلى، وجرى ماؤه في البركة، وألقت البقر فيها، فخرج بعض البقر أسرع من بعض، فلم تزل تضيق تلك الأنهار، وترسل البقر في الماء، حتى خرجت جميعا معا، فكانت تقسمه بينهم على ذلك، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان. فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الأسفل، فلا ينفد حتى يثوب الماء من السنة المقبلة. فلما كفروا وطغوا، سلط الله عليهم جرذا، يسمى الخلد وهو الفأر فنقبه من أسفله، فغرق الماء جنتهم، وخرب أرضهم. ه. قال وهب: وكانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنهم يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا عندها هرا، فلما حان ما أراد الله بهم، أقبلت فأرة حمراء، إلى بعض الهرر، فساورتها أي: حاربتها، حتى استأخرت عنها أي: عن تلك الفرجة الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، ونقبت السد، حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون، فلما جاء السيل دخل في تلك الخلل، حتى بلغ السد، فخربه، وفاض على أموالهم، فغرقتها، ودفن بيوتهم، ومزقوا، حتى صاروا مثلا عند العرب، فقالوا: تفرقوا أيادي سبأ.
ه. { وبدلناهم بجنتيهم } المذكورتين { جنتين } أخريين. وتسمية المبدلتين جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام، كقوله:
وجزآؤا سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]. { ذواتي أكل خمط } الأكل: الثمر المأكول، يخفف ويثقل. والخمط، قال ابن عباس: شجر الأراك، وقال أبو عبيد: كل شجر مؤذ مشوك. وقال الزجاج: كل شجر مر. ه. وفي القاموس: الخمط: الحامض المر من كل شيء، وكل نبت أخذ طعما من مرارة وحموضة، وشجر كالسدر، وشجر قاتل، أو كل شجر لا شوك له. ه. وقرأ البصريان بالإضافة، من إضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز لأن المراد بالأكل المأكول، أي: ذواتي ثمر شجر بشيع. والباقون: بالتنوين، عطف بيان، أو صفة، بتأويل خمط ببشيع، أي: مأكول بشيع. { وأثل } هو شجر يشبه الطرفاء، أعظم منه، وأجود عودا. { وشيء من سدر قليل } والحاصل أن الله تعالى أهلك أشجارهم المثمرة، وأنبت مكانها الطرفاء والسدر. وإنما قال: السدر، لأنه أكرم ما بدلوا به لأنه يكون في الجنان. { ذلك جزيناهم بما كفروا } أي: جزيناهم ذلك بكفرهم، فذلك مفعول مطلق بجزينا، { وهل يجازى } هذا الجزاء الكلي { إلا الكفور } أي: لا يجازى بمثل هذا الجزاء إلا من كفر النعمة ولم يشكرها، أو: كفر بالله، أو هل يعاقب لأن الجزاء وإن كان عاما يستعمل في معنى المعاقبة، وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص، وهو المعاقبة. قال الواحدي: وذلك لأن المؤمن يكفر عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله. قلت: بل الظاهر المجازاة الدنيوية بسلب النعم، ولا تسلب إلا للكفور، دون الشكور. قاله في الحاشية. وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. ه. قلت: ولعلهم استمروا من زمن سليمان إلى أن جاوزوا زمن عيسى عليه السلام. الإشارة: لكل مريد وعارف جنتان عن يمين وشمال، يقطف من ثمارهما ما يشاء جنة العبودية، وجنة الربوبية، جنة العبودية للقيام بآداب الشريعة، وجنة الربوبية للقيام بشهود الحقيقة، فيتفنن في جنة العبودية بعلوم الحكمة، ويتفنن في جنة الربوبية بعلوم القدرة، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات. كلوا من رزق ربكم حلاوة المعاملة في جنة العبودية، وحلاوة المشاهدة في جنة الربوبية بلدة طيبة هي جنة الربوبية إذ لا أطيب من شهود الحبيب، ورب غفور لتقصير القيام بآداب العبودية إذ لا يقدر أحد أن يحصيها، ولا جزءا منها.
فأعرض أهل الغفلة عن القيام بحقهما، ولم يعرفوهما، فأرسلنا على قلوبهم سيل العرم، وهو سيل الخواطر والوساوس، وخوض القلب في حس الأكوان، فبدلناهم بجنتيهم جنتين مرارة الحرص والتعب، والهم والشغب. ذلك جزيناهم بكفرهم بطريق الخصوص من أهل التربية، وهل يجازى إلا الكفور. قال القشيري: { وبدلناهم بجنتيهم جنتين... } الآية، كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال، واتصال من التوفيق، وطيب من القلب، ومساعدة من الوقت، فيرتكب زلة، أو يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما يفوته فيفتر عليه الحال، فلا وقت ولا حال، ولا قرب ولا وصال، يظلم عليه النهار، بعد أن كانت لياليه مضيئة. وأنشدوا:
ما زلت أختال في زماني حتى أمنت الزمان مكره طال علينا الصدود حتى لم يبق مما شهدت ذره
{ ذلك جزيناهم بما كفروا... } الآية: ما عوقبوا إلا بما استوجبوا، وما سقوا إلا ما أفيضوا، ولا وقعوا إلا في الوهدة التي حفروا، وما قتلوا إلا بالسيف الذي صنعوا. ه. ثم ذكر سبب تمزيقهم فقال: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى... }
سبأ 34:18
يقول الحق جل جلاله: { وجعلنا بينهم } أي: بين سبأ { وبين القرى التي باركنا فيها } بالتوسعة على أهلها بالنعم والمياه، وهي قرى الشام، { قرى ظاهرة } متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين، أو: ظاهرة للسابلة، لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم، وهي أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة، من سبأ إلى الشام، { وقدرنا فيها السير } أي: جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم، يقيل المسافر في قرية، ويروح إلى أخرى، إلى أن يبلغ الشام. وقلنا لهم: { سيروا فيها } ولا قول هناك، ولكنهم لما تمكنوا من السير، ويسرت لهم أسبابه، فكأنهم أمروا بذلك، فقيل لهم: سيروا في تلك القرى { ليالي وأياما آمنين } أي: سيروا فيها إن شئتم بالليل، وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات، أو: سيروا فيها آمنين لا تخافوا عدوا، ولا جوعا، ولا عطشا، وإن تطاولت مدة سيركم، وامتدت أياما وليالي. فبطروا النعمة، وسئموا العافية، وطلبوا الكدر والتعب. { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا } قالوا: يا ليتها كانت بعيدة، نسير على نجائبنا، ونتخذ الزاد، ونختص بالربح في تجاراتنا، أرادوا أن يتطاولوا على الفقراء بالركوب على الرواحل، ويختصوا بالأرباح. وقرأ يعقوب " ربنا " بالرفع " باعد " بفتح العين، فربنا: مبتدأ، والجملة: خبر، على أنه شكوى منهم ببعد سفرهم، إفراطا في الترفيه وعدم الاعتداد بالنعمة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بشد العين، من " بعد " المضعف. والباقون بالألف والتخفيف، من: باعد، بمعنى " بعد " المشددة. { وظلموا أنفسهم } بما قالوا، وما طلبوا، ففرق الله شملهم، كما قال تعالى: { فجعلناهم أحاديث } يتحدث الناس بهم، ويتعجبون من أحوالهم، ويضرب بهم الأمثال، يقال: تفرقوا أيادي سبأ، وأيدي سبأ، يقال بالوجهين. وفي الصحاح: ذهبوا أيادي سبأ، أي: متفرقين، فهو من المركب تركيب مزج. { ومزقناهم كل ممزق } أي: فرقناهم كل تفريق، فتيامن منهم ست قبائل، وتشاءمت أربعة، حسبما تقدم في الحديث. قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما أنمار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، والأزد بنعمان. ه. قلت: وفيه مخالفة لظاهر الحديث، فإن أنمار جد خثعم وبجيلة، ولم يكونوا في المدينة. والذي هو المشهور أن الأوس والخزرج هما اللذان قدما المدينة، فوجدوا فيها طائفة من بني إسرائيل، بعد قتلهم للعماليق. وسبب نزولهم بها: أن حبرين منهم مرا بيثرب مع تبع، فقالا له: نجد في علمنا أن هذه المدينة مهاجر نبي، يخرج في آخر الزمان، يكون سنه كذا وكذا، فاستوطناها، يترصدان خروجه صلى الله عليه وسلم، فمن نسلهما بقيت اليهود في المدينة، والأوس والخزرج هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث ابن بنت مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
وولد مازن بن الأسد هم غسان، سموا بماء اليمن، شربوا منه. ويقال: غسان: ماء بالشمال شربوا منه، نسبوا إليه. قال حسان:
أما سألت فإنا معشر نجب الأسد نسبتنا والماء غسان
{ إن في ذلك لآيات لكل صبار } عن المعاصي { شكور } للنعم، أو: لكل مؤمن لأن الإيمان نصفان نصفه صبر، ونصفه شكر. الإشارة: وجعلنا بين السائرين وبين منازل الحضرة المقدسة منازل ظاهرة، ينزلوها، ويرحلون عنها، آمنين من الرجوع، إن صدقوا في الطلب، وهي منازل كثيرة، وأهمها اثنا عشر مقاما: التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والصبر، والشكر، والتوكل، والرضا، والتسليم، والمراقبة، والمشاهدة. ومنازل الحضرة هي الفناء، والبقاء، وبقاء البقاء، والترقي في معاريج الأسرار والكشوفات، أبدا سرمدا. يقال للسائرين: سيروا فيها، وأقيموا في كل منزل منها، ليالي وأياما، حتى يتحقق به نازله، ثم يرحل عنه إلى ما بعده. ثم إن قوما سئموا من السير وادعوا القوة، فقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا حتى يظهر عزمنا وقوتنا، وظلموا أنفسهم بذلك، ففرقناهم عنا كل تفريق، وعوقناهم عن السير كل تعويق، ليكون ذلك آية وعبرة لمن بعدهم، فلا يخرجون عن مقام الاستضعاف والمسكنة، والانكسار والذلة، " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". وسبب الحرمان هو إبليس كما قال تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس... }
سبأ 34:19
يقول الحق جل جلاله: { وجعلنا بينهم } أي: بين سبأ { وبين القرى التي باركنا فيها } بالتوسعة على أهلها بالنعم والمياه، وهي قرى الشام، { قرى ظاهرة } متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين، أو: ظاهرة للسابلة، لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم، وهي أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة، من سبأ إلى الشام، { وقدرنا فيها السير } أي: جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم، يقيل المسافر في قرية، ويروح إلى أخرى، إلى أن يبلغ الشام. وقلنا لهم: { سيروا فيها } ولا قول هناك، ولكنهم لما تمكنوا من السير، ويسرت لهم أسبابه، فكأنهم أمروا بذلك، فقيل لهم: سيروا في تلك القرى { ليالي وأياما آمنين } أي: سيروا فيها إن شئتم بالليل، وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات، أو: سيروا فيها آمنين لا تخافوا عدوا، ولا جوعا، ولا عطشا، وإن تطاولت مدة سيركم، وامتدت أياما وليالي. فبطروا النعمة، وسئموا العافية، وطلبوا الكدر والتعب. { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا } قالوا: يا ليتها كانت بعيدة، نسير على نجائبنا، ونتخذ الزاد، ونختص بالربح في تجاراتنا، أرادوا أن يتطاولوا على الفقراء بالركوب على الرواحل، ويختصوا بالأرباح. وقرأ يعقوب " ربنا " بالرفع " باعد " بفتح العين، فربنا: مبتدأ، والجملة: خبر، على أنه شكوى منهم ببعد سفرهم، إفراطا في الترفيه وعدم الاعتداد بالنعمة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بشد العين، من " بعد " المضعف. والباقون بالألف والتخفيف، من: باعد، بمعنى " بعد " المشددة. { وظلموا أنفسهم } بما قالوا، وما طلبوا، ففرق الله شملهم، كما قال تعالى: { فجعلناهم أحاديث } يتحدث الناس بهم، ويتعجبون من أحوالهم، ويضرب بهم الأمثال، يقال: تفرقوا أيادي سبأ، وأيدي سبأ، يقال بالوجهين. وفي الصحاح: ذهبوا أيادي سبأ، أي: متفرقين، فهو من المركب تركيب مزج. { ومزقناهم كل ممزق } أي: فرقناهم كل تفريق، فتيامن منهم ست قبائل، وتشاءمت أربعة، حسبما تقدم في الحديث. قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما أنمار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، والأزد بنعمان. ه. قلت: وفيه مخالفة لظاهر الحديث، فإن أنمار جد خثعم وبجيلة، ولم يكونوا في المدينة. والذي هو المشهور أن الأوس والخزرج هما اللذان قدما المدينة، فوجدوا فيها طائفة من بني إسرائيل، بعد قتلهم للعماليق. وسبب نزولهم بها: أن حبرين منهم مرا بيثرب مع تبع، فقالا له: نجد في علمنا أن هذه المدينة مهاجر نبي، يخرج في آخر الزمان، يكون سنه كذا وكذا، فاستوطناها، يترصدان خروجه صلى الله عليه وسلم، فمن نسلهما بقيت اليهود في المدينة، والأوس والخزرج هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث ابن بنت مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
وولد مازن بن الأسد هم غسان، سموا بماء اليمن، شربوا منه. ويقال: غسان: ماء بالشمال شربوا منه، نسبوا إليه. قال حسان:
أما سألت فإنا معشر نجب الأسد نسبتنا والماء غسان
{ إن في ذلك لآيات لكل صبار } عن المعاصي { شكور } للنعم، أو: لكل مؤمن لأن الإيمان نصفان نصفه صبر، ونصفه شكر. الإشارة: وجعلنا بين السائرين وبين منازل الحضرة المقدسة منازل ظاهرة، ينزلوها، ويرحلون عنها، آمنين من الرجوع، إن صدقوا في الطلب، وهي منازل كثيرة، وأهمها اثنا عشر مقاما: التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والصبر، والشكر، والتوكل، والرضا، والتسليم، والمراقبة، والمشاهدة. ومنازل الحضرة هي الفناء، والبقاء، وبقاء البقاء، والترقي في معاريج الأسرار والكشوفات، أبدا سرمدا. يقال للسائرين: سيروا فيها، وأقيموا في كل منزل منها، ليالي وأياما، حتى يتحقق به نازله، ثم يرحل عنه إلى ما بعده. ثم إن قوما سئموا من السير وادعوا القوة، فقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا حتى يظهر عزمنا وقوتنا، وظلموا أنفسهم بذلك، ففرقناهم عنا كل تفريق، وعوقناهم عن السير كل تعويق، ليكون ذلك آية وعبرة لمن بعدهم، فلا يخرجون عن مقام الاستضعاف والمسكنة، والانكسار والذلة، " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". وسبب الحرمان هو إبليس كما قال تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس... }
سبأ 34:20
يقول الحق جل جلاله: { وقد صدق عليهم إبليس ظنه } الضمير في " عليهم " لكفار سبأ وغيرهم. وكأن إبليس أضمر في نفسه حين أقسم:
لأغوينهم أجمعين
[ص: 82] أنه يسلط عليهم، وظن أنه يتمكن منهم، فلما أغواهم وكفروا صدق ظنه فيهم. فمن قرأ بالتخفيف ف " ظنه ": ظرف، أي: صدق في ظنه. ومن قرأ بالتشديد فظنه مفعول به، أي: وجد ظنه صادقا عليهم حين كفروا { فاتبعوه } أي: أهل سبأ ومن دان دينهم، { إلا فريقا من المؤمنين } قللهم بالإضافة إلى الكفار، قال تعالى:
ولا تجد أكثرهم شاكرين
[الأعراف: 17] وفي الحديث:
" ما أنتم في أهل الشرك إلا كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود ".
{ وما كان له عليهم من سلطان } أي: ما كان لإبليس على من صدق ظنه عليهم من تسلط واستيلاء بالوسوسة، { إلا لنعلم } موجودا ما علمناه معدوما { من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } أي: إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقا تنجيزيا، يترتب عليه الجزاء، أو: ليتميز المؤمن من الشاك، أو: ليؤمن من قدر إيمانه، ويشك من قدر ضلاله. { وربك على كل شيء حفيظ } محافظ رقيب، وفعيل ومفاعل أخوان. الإشارة: كل من لم يصل إلى حضرة العيان صدق عليه بعض ظن الشيطان لأنه لما رأى بشرية آدم مجوفة، ظن أنه يجري معه مجرى الدم، فكل من لم يسد مجاريه بذكر الله، حتى يستولي الذكر على بشريته، فيصير قطعة من نور، فلا بد أن يدخل معه بعض وساوسه، ولا يزال يتسلط على قلب ابن آدم، حتى يدخل حضرة القدس، فحينئذ يحرس منه، لقوله تعالى:
إن عبادى ليس لك عليهم سلطان
[الحجر: 42]. وعباده الحقيقيون هم الذين تحرروا مما سواه، فلم يبق لهم في هذا العالم علقة، وهم المرادون بقوله تعالى: { إلا فريقا من المؤمنين } وما سلطه عليهم إلا ليتميز الخواص من العوام، فلولا ميادين النفوس، ومجاهدة إبليس، ما تحقق سير السائرين، أي: وما كان له عليهم من تسلط إلا لنعلم علم ظهور من يؤمن بالخصلة الآخرة، وهي الشهود، ممن هو منها في شك، { وربك على كل شيء حفيظ } يحفظ قلوب أوليائه من استيلاء غيره عليها. وبالله التوفيق. ولما كان تسلط إبليس جلة من الشرك الذي زينه لهم رده بقوله: { قل ادعوا الذين زعمتم... }
سبأ 34:21
يقول الحق جل جلاله: { وقد صدق عليهم إبليس ظنه } الضمير في " عليهم " لكفار سبأ وغيرهم. وكأن إبليس أضمر في نفسه حين أقسم:
لأغوينهم أجمعين
[ص: 82] أنه يسلط عليهم، وظن أنه يتمكن منهم، فلما أغواهم وكفروا صدق ظنه فيهم. فمن قرأ بالتخفيف ف " ظنه ": ظرف، أي: صدق في ظنه. ومن قرأ بالتشديد فظنه مفعول به، أي: وجد ظنه صادقا عليهم حين كفروا { فاتبعوه } أي: أهل سبأ ومن دان دينهم، { إلا فريقا من المؤمنين } قللهم بالإضافة إلى الكفار، قال تعالى:
ولا تجد أكثرهم شاكرين
[الأعراف: 17] وفي الحديث:
" ما أنتم في أهل الشرك إلا كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود ".
{ وما كان له عليهم من سلطان } أي: ما كان لإبليس على من صدق ظنه عليهم من تسلط واستيلاء بالوسوسة، { إلا لنعلم } موجودا ما علمناه معدوما { من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } أي: إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقا تنجيزيا، يترتب عليه الجزاء، أو: ليتميز المؤمن من الشاك، أو: ليؤمن من قدر إيمانه، ويشك من قدر ضلاله. { وربك على كل شيء حفيظ } محافظ رقيب، وفعيل ومفاعل أخوان. الإشارة: كل من لم يصل إلى حضرة العيان صدق عليه بعض ظن الشيطان لأنه لما رأى بشرية آدم مجوفة، ظن أنه يجري معه مجرى الدم، فكل من لم يسد مجاريه بذكر الله، حتى يستولي الذكر على بشريته، فيصير قطعة من نور، فلا بد أن يدخل معه بعض وساوسه، ولا يزال يتسلط على قلب ابن آدم، حتى يدخل حضرة القدس، فحينئذ يحرس منه، لقوله تعالى:
إن عبادى ليس لك عليهم سلطان
[الحجر: 42]. وعباده الحقيقيون هم الذين تحرروا مما سواه، فلم يبق لهم في هذا العالم علقة، وهم المرادون بقوله تعالى: { إلا فريقا من المؤمنين } وما سلطه عليهم إلا ليتميز الخواص من العوام، فلولا ميادين النفوس، ومجاهدة إبليس، ما تحقق سير السائرين، أي: وما كان له عليهم من تسلط إلا لنعلم علم ظهور من يؤمن بالخصلة الآخرة، وهي الشهود، ممن هو منها في شك، { وربك على كل شيء حفيظ } يحفظ قلوب أوليائه من استيلاء غيره عليها. وبالله التوفيق. ولما كان تسلط إبليس جلة من الشرك الذي زينه لهم رده بقوله: { قل ادعوا الذين زعمتم... }
سبأ 34:22
قلت: حذف مفعولي زعم، أي: زعمتموهم آلهة تعبدونهم من دون الله، بدلالة السياق عليهما. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم { ادعوا الذين زعمتم من دون الله } أي: زعمتموهم آلهة، فعبدتموهم من دون الله، من الأصنام والملائكة، وسميتموهم باسمه، فالتجئوا إليهم فيما يعروكم، كما تلتجئون إليه في اقتحام الشدائد الكبرى. وانتظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته. وهذا تعجيز وإقامة حجة على بطلان عبادتها. ويروى أنها نزلت عند الجوع الذي أصاب قريشا. ثم ذكر عجزهم فقال: { لا يملكون مثقال ذرة } من خير أو شر، ونفع أو ضر { في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك } أي: وما لهم في هذين العالمين العلوي والسفلي، من شرك في الخلق، ولا في الملك، { وما له } تعالى { منهم } من آلهتهم { من ظهير } معين يعينه على تدبير خلقه. يريد أنه على هذه الصفة من العجز، فكيف يصح أن يدعوا كما يدعى تعالى، أو يرجوا كما يرجى سبحانه؟ ثم أبطل قولهم:
هؤلآء شفعآؤنا عند الله
[يونس: 18] بقوله: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } تعالى في الشفاعة، ممن له جاه عنده، كالأنبياء، والملائكة، والأولياء، والعلماء الأتقياء، وغيرهم ممن له مزية عند الله. وقرأ أبو عمرو والأخوان بالبناء للمفعول، أي: إلا من وقع الإذن للشفيع لأجله. ثم رد على من زعم من الكفار أن الملائكة تشفع، قطعا لمكانها من الله، فقال: { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق } فحتى: غاية لمحذوف، أي: وكيف تشفع قبل الإذن، وهي في غاية الخوف والهيبة من الله، إذا سمعوا الوحي صعقوا، { حتى إذا فزع عن قلوبهم } أي: كشف الفزع عن قلوبهم { قالوا ماذا قال ربكم } من الوحي؟ { قالوا الحق } فمن كان هذا وصفه لا يجترىء على الشفعاعة إلا بإذن خاص. قال الكواشي: إنه يفزع عن قلوبهم حين سمعوا كلام الله لجبريل بالوحي، قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر لأهل السماء أخذت السماوات منه رجفة أو قال: رعدة شديدة خوفا من ذلك، فإذا سمع أهل السماوات صعقوا، وخروا سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه من وحيه بما أراد، ثم يمر على سماء سماء، إلى أن ينزل بالوحي، فإذا مر على الملائكة سألوه، ثم قالوا: ماذا قال ربكم؟ فيقول جبريل: قال الحق "
نصب المفعول بقالوا، وجمع الضمير تعظيما لله تعالى. ثم قال: وفي الحديث:
" إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة، كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، حتى يأتيهم جبريل، فيفزع عن قلوبهم أي: يكشف ويخبرهم الخبر "
ثم قال: وقيل المعنى: أنه لا يشفع أحد إلا بعد الإذن، ولا يشعر به إلا المقربون لما غشي عليهم من هول ذلك اليوم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم في الشفاعة؟ قالوا الحق، أي: أذن فيها. ه. ومثل هذا لابن عطية، وتبعه ابن جزي، قال: الضمير في " قلوبهم " ، وفي " قالوا " للملائكة. فإن قيل: كيف ذلك، ولم يتقدم لهم ذكر؟ فالجواب: أنه قد وقعت إليهم إشارة بقوله: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فذكر الشفاعة يقتضي ذكر الشافعين، فعاد الضمير على الشفعاء، الذين دل عليهم ذكر الشفاعة. ه. وقرأ يعقوب وابن عامر " فزع " بفتح الفاء بالبناء للفاعل. والتضعيف للسلب والإزالة، أي: سلب الفزع وأزاله عن قلوبهم، مثل قردت البعير: إذا أزلت قراده، ومن بناه للمفعول فالجار نائب. { وهو العلي الكبير } أي: المتعالي عن سمة الحدوث، وإدراك العقول، الكبير الشأن، فلا يقدر أحد على شفاعة بلا إذنه. الإشارة: كل من آثر شيئا أو أحبه سوى الله، أو خافه، يقال له: ادعوا الذين زعمتم أنهم ينفعونكم أو يضرونكم، من دون الله، { لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض... } الآية. وأما محبة الأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء فهي محبة الله، لأنهم يوصلون إليه، فلم يحبهم أحد إلا لأجل الله، فتنفع شفاعتهم بإذن الله. وقوله: { حتى إذا فزع عن قلوبهم... } الخ، قال الورتجبي: وصف سبحانه أهل الوجد، من الملائكة المقربين، وذلك من صولة الخطاب، فإذا سمعوا كلام الحق، من نفس العظمة، وقعوا في بحار هيبته وإجلاله، حتى فنوا تحت سلطان كبريائه، ولم يعرفوا معنى الخطاب في أول وارد السلطنة. فإذا فاقوا سألوا معنى الخطاب من جبريل عليه السلام، فهو من أهل الصحو والتمكين في المعرفة. ه. ثم تتم قوله: { لا يملكون مثقال ذرة } أي: لا من رزق ولا غيره، فقال: { قل من يرزقكم من السماوات... }
سبأ 34:23
قلت: حذف مفعولي زعم، أي: زعمتموهم آلهة تعبدونهم من دون الله، بدلالة السياق عليهما. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم { ادعوا الذين زعمتم من دون الله } أي: زعمتموهم آلهة، فعبدتموهم من دون الله، من الأصنام والملائكة، وسميتموهم باسمه، فالتجئوا إليهم فيما يعروكم، كما تلتجئون إليه في اقتحام الشدائد الكبرى. وانتظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته. وهذا تعجيز وإقامة حجة على بطلان عبادتها. ويروى أنها نزلت عند الجوع الذي أصاب قريشا. ثم ذكر عجزهم فقال: { لا يملكون مثقال ذرة } من خير أو شر، ونفع أو ضر { في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك } أي: وما لهم في هذين العالمين العلوي والسفلي، من شرك في الخلق، ولا في الملك، { وما له } تعالى { منهم } من آلهتهم { من ظهير } معين يعينه على تدبير خلقه. يريد أنه على هذه الصفة من العجز، فكيف يصح أن يدعوا كما يدعى تعالى، أو يرجوا كما يرجى سبحانه؟ ثم أبطل قولهم:
هؤلآء شفعآؤنا عند الله
[يونس: 18] بقوله: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } تعالى في الشفاعة، ممن له جاه عنده، كالأنبياء، والملائكة، والأولياء، والعلماء الأتقياء، وغيرهم ممن له مزية عند الله. وقرأ أبو عمرو والأخوان بالبناء للمفعول، أي: إلا من وقع الإذن للشفيع لأجله. ثم رد على من زعم من الكفار أن الملائكة تشفع، قطعا لمكانها من الله، فقال: { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق } فحتى: غاية لمحذوف، أي: وكيف تشفع قبل الإذن، وهي في غاية الخوف والهيبة من الله، إذا سمعوا الوحي صعقوا، { حتى إذا فزع عن قلوبهم } أي: كشف الفزع عن قلوبهم { قالوا ماذا قال ربكم } من الوحي؟ { قالوا الحق } فمن كان هذا وصفه لا يجترىء على الشفعاعة إلا بإذن خاص. قال الكواشي: إنه يفزع عن قلوبهم حين سمعوا كلام الله لجبريل بالوحي، قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر لأهل السماء أخذت السماوات منه رجفة أو قال: رعدة شديدة خوفا من ذلك، فإذا سمع أهل السماوات صعقوا، وخروا سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه من وحيه بما أراد، ثم يمر على سماء سماء، إلى أن ينزل بالوحي، فإذا مر على الملائكة سألوه، ثم قالوا: ماذا قال ربكم؟ فيقول جبريل: قال الحق "
نصب المفعول بقالوا، وجمع الضمير تعظيما لله تعالى. ثم قال: وفي الحديث:
" إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة، كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، حتى يأتيهم جبريل، فيفزع عن قلوبهم أي: يكشف ويخبرهم الخبر "
ثم قال: وقيل المعنى: أنه لا يشفع أحد إلا بعد الإذن، ولا يشعر به إلا المقربون لما غشي عليهم من هول ذلك اليوم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم في الشفاعة؟ قالوا الحق، أي: أذن فيها. ه. ومثل هذا لابن عطية، وتبعه ابن جزي، قال: الضمير في " قلوبهم " ، وفي " قالوا " للملائكة. فإن قيل: كيف ذلك، ولم يتقدم لهم ذكر؟ فالجواب: أنه قد وقعت إليهم إشارة بقوله: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فذكر الشفاعة يقتضي ذكر الشافعين، فعاد الضمير على الشفعاء، الذين دل عليهم ذكر الشفاعة. ه. وقرأ يعقوب وابن عامر " فزع " بفتح الفاء بالبناء للفاعل. والتضعيف للسلب والإزالة، أي: سلب الفزع وأزاله عن قلوبهم، مثل قردت البعير: إذا أزلت قراده، ومن بناه للمفعول فالجار نائب. { وهو العلي الكبير } أي: المتعالي عن سمة الحدوث، وإدراك العقول، الكبير الشأن، فلا يقدر أحد على شفاعة بلا إذنه. الإشارة: كل من آثر شيئا أو أحبه سوى الله، أو خافه، يقال له: ادعوا الذين زعمتم أنهم ينفعونكم أو يضرونكم، من دون الله، { لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض... } الآية. وأما محبة الأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء فهي محبة الله، لأنهم يوصلون إليه، فلم يحبهم أحد إلا لأجل الله، فتنفع شفاعتهم بإذن الله. وقوله: { حتى إذا فزع عن قلوبهم... } الخ، قال الورتجبي: وصف سبحانه أهل الوجد، من الملائكة المقربين، وذلك من صولة الخطاب، فإذا سمعوا كلام الحق، من نفس العظمة، وقعوا في بحار هيبته وإجلاله، حتى فنوا تحت سلطان كبريائه، ولم يعرفوا معنى الخطاب في أول وارد السلطنة. فإذا فاقوا سألوا معنى الخطاب من جبريل عليه السلام، فهو من أهل الصحو والتمكين في المعرفة. ه. ثم تتم قوله: { لا يملكون مثقال ذرة } أي: لا من رزق ولا غيره، فقال: { قل من يرزقكم من السماوات... }
سبأ 34:24
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { من يرزقكم من السماوات والأرض } أي: بأسباب سماوية وأرضية؟ { قل الله } وحده. أمره أن يقررهم، ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم، أي: يرزقكم الله لا غيره، وذلك للإشعار بأنهم مقرون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على شيء؟ ثم أمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإحجاج: { وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } أي: ما نحن وأنتم على حالة واحدة، بلى على حالين متضادين، واحدنا مهتد، وهو من اتضحت حجته، والآخر ضال، وهو من قامت عليه الحجة. ومعناه: أن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال. وهذا من كلام المنصف، الذي كل من سمعه، من موال ومعاند، قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. وفي ذكره بعد تقديم ما قدم من التقرير: دلالة واضحة على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض أوصل بالمجادل إلى الغرض، ونحوه قولك لمن تحقق كذبه: إن أحدنا لكاذب، ويحتمل أن يكون من تجاهل العارف. قال الكواشي: وهذا من المعاريض، وقد ثبت أن من اتبع محمدا على الهدى، ومن لم يتبعه على الضلال. ه ويحتمل أن يكون من اللف والنشر المرتب. وفيه ضعف. وخولف بين حرفي الجار، الداخلين على الهدى والضلال لأن صاحب الهدى كأنه مستعل على فرس جواد، يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام، لا يدري أين يتوجه. { قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون } أي: ليس القصد بدعائي إياكم خوفا من ضرر كفركم، وإنما القصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، فلا يسأل أحد عن عمل الآخر، وإنما يسأل كل واحد عن عمله. وهذا أيضا أدخل في الإنصاف، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم، وهو محظور، والعمل إلى المخاطبين، وهو مأمور به مشكور. { قل يجمع بيننا ربنا } يوم القيامة، { ثم يفتح } أي: يحكم { بيننا بالحق } بلا جور ولا ميل، فيدخل المحقين الجنة، والمبطلين النار، { وهو الفتاح } الحاكم { العليم } بما ينبغي أن يحكم به. { قل أروني الذي ألحقتم } أي: ألحقتموهم { به شركاء } في العبادة معه، بأي صفة ألحقتموهم به شركاء في استحقاق العبادة، وهم أعجز شيء. قال القشيري: كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك لانهماكهم في ضلالهم، مع تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تعقل، ولا تسمع ولا تبصر، ولا شبهة لهم غير تقليد أسلافهم.
ه. والمعنى قوله: { أروني } مع كونه يراهم: أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يطلعهم على حالة الإشراك به، ولذلك زجرهم بقوله: { كلا } أي: ارتدعوا عن هذه المقالة الشنعاء، وتنبهوا عن ضلالكم. { بل هو الله العزيز } أي: الغالب القاهر، فلا يشاركه أحد، " وهو ": ضمير الشأن، { الحكيم } في تدبيره وصنعه. والمعنى: بل الوحدانية لله وحده لأن الكلام إنما وقع في الشركة، ولا نزاع في إثبات الله ووجوده، وإنما النزاع في وحدانيته. أي: بل هو الله وحده العزيز الحكيم. الإشارة: أرزاق الأرواح والأشباح بيد الله، فأهل القلوب من أهل التجريد اشتغلوا بطلب أرزاق الأرواح، وغابوا عن طلب أرزاق الأشباح، مع كونهم مفتقرين إليه، أي: غابوا عن أسبابه. وأهل الظاهر اشتغلوا بطلب أرزاق الأشباح، وغابوا عن التوجه إلى أرزاق الأرواح، مع كونهم أحوج الناس إليه. وكل فريق يرجح ما هو فيه، فأهل الأسباب يعترضون على أهل التجريد، ويرجحون تعاطي الأسباب، وأهل التجريد يرجحون مقام التجريد، فيقولون لهم: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل: لا تسألون عما أجرمنا، بزعمكم، من ترك الأسباب، ولا نسأل عما تعملون. وسيجمع الله بيننا، ويحكم بما هو الحق، فإن كنتم تعتمدون على الأسباب، وتركنون إليها، فهو شرك، أروني الذين ألحقتم به شركاء، كلا، بل هو الله العزيز الحكيم، يعز أولياءه، المتوجهين إليه، الحكيم في إسقاط من أعرض عنه إلى غيره. قال القشيري: { قل يجمع بيننا ربنا } أخبر سبحانه أنه يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم، بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم، وللاجتماع أثر كبير في الشريعة، وللصلاة في الجماعة أثر مخصوص. ثم قال: وللشيوخ في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية: { قل يجمع بينا ربنا ثم يفتح... }.ه. ولما ذكر ما من به على داود وسليمان، وذكر وبال من لم يشكر النعم، ذكر ما من به على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عموم الرسالة والدعوة، فقال: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا... }
سبأ 34:25
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { من يرزقكم من السماوات والأرض } أي: بأسباب سماوية وأرضية؟ { قل الله } وحده. أمره أن يقررهم، ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم، أي: يرزقكم الله لا غيره، وذلك للإشعار بأنهم مقرون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على شيء؟ ثم أمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإحجاج: { وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } أي: ما نحن وأنتم على حالة واحدة، بلى على حالين متضادين، واحدنا مهتد، وهو من اتضحت حجته، والآخر ضال، وهو من قامت عليه الحجة. ومعناه: أن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال. وهذا من كلام المنصف، الذي كل من سمعه، من موال ومعاند، قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. وفي ذكره بعد تقديم ما قدم من التقرير: دلالة واضحة على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض أوصل بالمجادل إلى الغرض، ونحوه قولك لمن تحقق كذبه: إن أحدنا لكاذب، ويحتمل أن يكون من تجاهل العارف. قال الكواشي: وهذا من المعاريض، وقد ثبت أن من اتبع محمدا على الهدى، ومن لم يتبعه على الضلال. ه ويحتمل أن يكون من اللف والنشر المرتب. وفيه ضعف. وخولف بين حرفي الجار، الداخلين على الهدى والضلال لأن صاحب الهدى كأنه مستعل على فرس جواد، يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام، لا يدري أين يتوجه. { قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون } أي: ليس القصد بدعائي إياكم خوفا من ضرر كفركم، وإنما القصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، فلا يسأل أحد عن عمل الآخر، وإنما يسأل كل واحد عن عمله. وهذا أيضا أدخل في الإنصاف، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم، وهو محظور، والعمل إلى المخاطبين، وهو مأمور به مشكور. { قل يجمع بيننا ربنا } يوم القيامة، { ثم يفتح } أي: يحكم { بيننا بالحق } بلا جور ولا ميل، فيدخل المحقين الجنة، والمبطلين النار، { وهو الفتاح } الحاكم { العليم } بما ينبغي أن يحكم به. { قل أروني الذي ألحقتم } أي: ألحقتموهم { به شركاء } في العبادة معه، بأي صفة ألحقتموهم به شركاء في استحقاق العبادة، وهم أعجز شيء. قال القشيري: كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك لانهماكهم في ضلالهم، مع تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تعقل، ولا تسمع ولا تبصر، ولا شبهة لهم غير تقليد أسلافهم.
ه. والمعنى قوله: { أروني } مع كونه يراهم: أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يطلعهم على حالة الإشراك به، ولذلك زجرهم بقوله: { كلا } أي: ارتدعوا عن هذه المقالة الشنعاء، وتنبهوا عن ضلالكم. { بل هو الله العزيز } أي: الغالب القاهر، فلا يشاركه أحد، " وهو ": ضمير الشأن، { الحكيم } في تدبيره وصنعه. والمعنى: بل الوحدانية لله وحده لأن الكلام إنما وقع في الشركة، ولا نزاع في إثبات الله ووجوده، وإنما النزاع في وحدانيته. أي: بل هو الله وحده العزيز الحكيم. الإشارة: أرزاق الأرواح والأشباح بيد الله، فأهل القلوب من أهل التجريد اشتغلوا بطلب أرزاق الأرواح، وغابوا عن طلب أرزاق الأشباح، مع كونهم مفتقرين إليه، أي: غابوا عن أسبابه. وأهل الظاهر اشتغلوا بطلب أرزاق الأشباح، وغابوا عن التوجه إلى أرزاق الأرواح، مع كونهم أحوج الناس إليه. وكل فريق يرجح ما هو فيه، فأهل الأسباب يعترضون على أهل التجريد، ويرجحون تعاطي الأسباب، وأهل التجريد يرجحون مقام التجريد، فيقولون لهم: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل: لا تسألون عما أجرمنا، بزعمكم، من ترك الأسباب، ولا نسأل عما تعملون. وسيجمع الله بيننا، ويحكم بما هو الحق، فإن كنتم تعتمدون على الأسباب، وتركنون إليها، فهو شرك، أروني الذين ألحقتم به شركاء، كلا، بل هو الله العزيز الحكيم، يعز أولياءه، المتوجهين إليه، الحكيم في إسقاط من أعرض عنه إلى غيره. قال القشيري: { قل يجمع بيننا ربنا } أخبر سبحانه أنه يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم، بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم، وللاجتماع أثر كبير في الشريعة، وللصلاة في الجماعة أثر مخصوص. ثم قال: وللشيوخ في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية: { قل يجمع بينا ربنا ثم يفتح... }.ه. ولما ذكر ما من به على داود وسليمان، وذكر وبال من لم يشكر النعم، ذكر ما من به على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عموم الرسالة والدعوة، فقال: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا... }
سبأ 34:26
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { من يرزقكم من السماوات والأرض } أي: بأسباب سماوية وأرضية؟ { قل الله } وحده. أمره أن يقررهم، ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم، أي: يرزقكم الله لا غيره، وذلك للإشعار بأنهم مقرون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على شيء؟ ثم أمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإحجاج: { وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } أي: ما نحن وأنتم على حالة واحدة، بلى على حالين متضادين، واحدنا مهتد، وهو من اتضحت حجته، والآخر ضال، وهو من قامت عليه الحجة. ومعناه: أن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال. وهذا من كلام المنصف، الذي كل من سمعه، من موال ومعاند، قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. وفي ذكره بعد تقديم ما قدم من التقرير: دلالة واضحة على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض أوصل بالمجادل إلى الغرض، ونحوه قولك لمن تحقق كذبه: إن أحدنا لكاذب، ويحتمل أن يكون من تجاهل العارف. قال الكواشي: وهذا من المعاريض، وقد ثبت أن من اتبع محمدا على الهدى، ومن لم يتبعه على الضلال. ه ويحتمل أن يكون من اللف والنشر المرتب. وفيه ضعف. وخولف بين حرفي الجار، الداخلين على الهدى والضلال لأن صاحب الهدى كأنه مستعل على فرس جواد، يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام، لا يدري أين يتوجه. { قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون } أي: ليس القصد بدعائي إياكم خوفا من ضرر كفركم، وإنما القصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، فلا يسأل أحد عن عمل الآخر، وإنما يسأل كل واحد عن عمله. وهذا أيضا أدخل في الإنصاف، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم، وهو محظور، والعمل إلى المخاطبين، وهو مأمور به مشكور. { قل يجمع بيننا ربنا } يوم القيامة، { ثم يفتح } أي: يحكم { بيننا بالحق } بلا جور ولا ميل، فيدخل المحقين الجنة، والمبطلين النار، { وهو الفتاح } الحاكم { العليم } بما ينبغي أن يحكم به. { قل أروني الذي ألحقتم } أي: ألحقتموهم { به شركاء } في العبادة معه، بأي صفة ألحقتموهم به شركاء في استحقاق العبادة، وهم أعجز شيء. قال القشيري: كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك لانهماكهم في ضلالهم، مع تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تعقل، ولا تسمع ولا تبصر، ولا شبهة لهم غير تقليد أسلافهم.
ه. والمعنى قوله: { أروني } مع كونه يراهم: أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يطلعهم على حالة الإشراك به، ولذلك زجرهم بقوله: { كلا } أي: ارتدعوا عن هذه المقالة الشنعاء، وتنبهوا عن ضلالكم. { بل هو الله العزيز } أي: الغالب القاهر، فلا يشاركه أحد، " وهو ": ضمير الشأن، { الحكيم } في تدبيره وصنعه. والمعنى: بل الوحدانية لله وحده لأن الكلام إنما وقع في الشركة، ولا نزاع في إثبات الله ووجوده، وإنما النزاع في وحدانيته. أي: بل هو الله وحده العزيز الحكيم. الإشارة: أرزاق الأرواح والأشباح بيد الله، فأهل القلوب من أهل التجريد اشتغلوا بطلب أرزاق الأرواح، وغابوا عن طلب أرزاق الأشباح، مع كونهم مفتقرين إليه، أي: غابوا عن أسبابه. وأهل الظاهر اشتغلوا بطلب أرزاق الأشباح، وغابوا عن التوجه إلى أرزاق الأرواح، مع كونهم أحوج الناس إليه. وكل فريق يرجح ما هو فيه، فأهل الأسباب يعترضون على أهل التجريد، ويرجحون تعاطي الأسباب، وأهل التجريد يرجحون مقام التجريد، فيقولون لهم: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل: لا تسألون عما أجرمنا، بزعمكم، من ترك الأسباب، ولا نسأل عما تعملون. وسيجمع الله بيننا، ويحكم بما هو الحق، فإن كنتم تعتمدون على الأسباب، وتركنون إليها، فهو شرك، أروني الذين ألحقتم به شركاء، كلا، بل هو الله العزيز الحكيم، يعز أولياءه، المتوجهين إليه، الحكيم في إسقاط من أعرض عنه إلى غيره. قال القشيري: { قل يجمع بيننا ربنا } أخبر سبحانه أنه يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم، بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم، وللاجتماع أثر كبير في الشريعة، وللصلاة في الجماعة أثر مخصوص. ثم قال: وللشيوخ في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية: { قل يجمع بينا ربنا ثم يفتح... }.ه. ولما ذكر ما من به على داود وسليمان، وذكر وبال من لم يشكر النعم، ذكر ما من به على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عموم الرسالة والدعوة، فقال: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا... }
سبأ 34:27
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { من يرزقكم من السماوات والأرض } أي: بأسباب سماوية وأرضية؟ { قل الله } وحده. أمره أن يقررهم، ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم، أي: يرزقكم الله لا غيره، وذلك للإشعار بأنهم مقرون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على شيء؟ ثم أمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإحجاج: { وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } أي: ما نحن وأنتم على حالة واحدة، بلى على حالين متضادين، واحدنا مهتد، وهو من اتضحت حجته، والآخر ضال، وهو من قامت عليه الحجة. ومعناه: أن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال. وهذا من كلام المنصف، الذي كل من سمعه، من موال ومعاند، قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. وفي ذكره بعد تقديم ما قدم من التقرير: دلالة واضحة على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض أوصل بالمجادل إلى الغرض، ونحوه قولك لمن تحقق كذبه: إن أحدنا لكاذب، ويحتمل أن يكون من تجاهل العارف. قال الكواشي: وهذا من المعاريض، وقد ثبت أن من اتبع محمدا على الهدى، ومن لم يتبعه على الضلال. ه ويحتمل أن يكون من اللف والنشر المرتب. وفيه ضعف. وخولف بين حرفي الجار، الداخلين على الهدى والضلال لأن صاحب الهدى كأنه مستعل على فرس جواد، يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام، لا يدري أين يتوجه. { قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون } أي: ليس القصد بدعائي إياكم خوفا من ضرر كفركم، وإنما القصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، فلا يسأل أحد عن عمل الآخر، وإنما يسأل كل واحد عن عمله. وهذا أيضا أدخل في الإنصاف، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم، وهو محظور، والعمل إلى المخاطبين، وهو مأمور به مشكور. { قل يجمع بيننا ربنا } يوم القيامة، { ثم يفتح } أي: يحكم { بيننا بالحق } بلا جور ولا ميل، فيدخل المحقين الجنة، والمبطلين النار، { وهو الفتاح } الحاكم { العليم } بما ينبغي أن يحكم به. { قل أروني الذي ألحقتم } أي: ألحقتموهم { به شركاء } في العبادة معه، بأي صفة ألحقتموهم به شركاء في استحقاق العبادة، وهم أعجز شيء. قال القشيري: كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك لانهماكهم في ضلالهم، مع تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تعقل، ولا تسمع ولا تبصر، ولا شبهة لهم غير تقليد أسلافهم.
ه. والمعنى قوله: { أروني } مع كونه يراهم: أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يطلعهم على حالة الإشراك به، ولذلك زجرهم بقوله: { كلا } أي: ارتدعوا عن هذه المقالة الشنعاء، وتنبهوا عن ضلالكم. { بل هو الله العزيز } أي: الغالب القاهر، فلا يشاركه أحد، " وهو ": ضمير الشأن، { الحكيم } في تدبيره وصنعه. والمعنى: بل الوحدانية لله وحده لأن الكلام إنما وقع في الشركة، ولا نزاع في إثبات الله ووجوده، وإنما النزاع في وحدانيته. أي: بل هو الله وحده العزيز الحكيم. الإشارة: أرزاق الأرواح والأشباح بيد الله، فأهل القلوب من أهل التجريد اشتغلوا بطلب أرزاق الأرواح، وغابوا عن طلب أرزاق الأشباح، مع كونهم مفتقرين إليه، أي: غابوا عن أسبابه. وأهل الظاهر اشتغلوا بطلب أرزاق الأشباح، وغابوا عن التوجه إلى أرزاق الأرواح، مع كونهم أحوج الناس إليه. وكل فريق يرجح ما هو فيه، فأهل الأسباب يعترضون على أهل التجريد، ويرجحون تعاطي الأسباب، وأهل التجريد يرجحون مقام التجريد، فيقولون لهم: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل: لا تسألون عما أجرمنا، بزعمكم، من ترك الأسباب، ولا نسأل عما تعملون. وسيجمع الله بيننا، ويحكم بما هو الحق، فإن كنتم تعتمدون على الأسباب، وتركنون إليها، فهو شرك، أروني الذين ألحقتم به شركاء، كلا، بل هو الله العزيز الحكيم، يعز أولياءه، المتوجهين إليه، الحكيم في إسقاط من أعرض عنه إلى غيره. قال القشيري: { قل يجمع بيننا ربنا } أخبر سبحانه أنه يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم، بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم، وللاجتماع أثر كبير في الشريعة، وللصلاة في الجماعة أثر مخصوص. ثم قال: وللشيوخ في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية: { قل يجمع بينا ربنا ثم يفتح... }.ه. ولما ذكر ما من به على داود وسليمان، وذكر وبال من لم يشكر النعم، ذكر ما من به على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عموم الرسالة والدعوة، فقال: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا... }
سبأ 34:28
قلت: " كافة ": حال من " الناس " ، على قول الفارسي وابن جني وابن كيسان، واختاره ابن مالك. وقال الأكثر: إنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، وما قاله ابن مالك أحسن. انظر الأزهري. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلناك إلا كافة للناس } أي: جميعا، إنسهم وجنهم، عربيهم وعجميهم، أحمرهم وأسودهم. وقدم الحال للاهتمام. قال صلى الله عليه وسلم:
" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، فادخرتها لأمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة من لا يشرك بالله شيئا ".
أو: وما أرسلناك إلا رسالة عامة لهم، محيطة بهم لأنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد. وقال الزجاج: معنى الكافة في اللغة: الإحاطة، والمعنى: أرسلناك جامعا للناس في الإنذار والإبلاغ، على أنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، كالراوية والعلامة. حال كونك { بشيرا } بالفضل العظيم لمن أقر، { ونذيرا } بالعذاب لمن أصر، { ولكن أكثر الناس } أي: الكفرة، { لا يعلمون } ذلك، فيحملهم جهلهم على مخالفتك. { ويقولون } من فرط جهلهم: { متى هذا الوعد } أي: القيامة، المشار إليها بقوله:
قل يجمع بيننا ربنا
[سبأ: 26] أو: الوعد بالعذاب الذي أنذرت به. وأطلق الوعد على الموعود به لأنه من متعلقاته، { إن كنتم صادقين } في إتيانه؟ { قل لكم ميعاد يوم } " الميعاد ": ظرف الوعد، من مكان، أو زمان. وهو هنا الزمان، بدليل من قرأ " ميعاد يوم " فأبدل منه " اليوم ". وأما الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول: بعير سائبة، أي: قد وقت لعذابكم يوما { لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } أي: لا يمكنكم التأخر عنه بالإمهال، ولا التقدم عليه بالاستعجال. ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم: أنهم سألوا عن ذلك، وهم منكرون به، تعنتا لا استرشادا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا للسؤال، على وجه الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون له، يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخرا، ولا تقدما عليه. الإشارة: الداعون إلى الله على فرقتين: فرقة تدعو إلى معرفة أحكام الله، وهم العلماء، وفرقة تدعو إلى معرفة ذات الله بالعيان، وهم الأولياء العارفون بالله، فالأولون دعوتهم خاصة بمن في مذهبهم، والآخرون دعوتهم عامة إذ معرفة الله تعالى الذوقية لم يقع فيها اختلاف مذاهب، فأهل المشرق والمغرب كلهم متفقون عليها، فشيخ واحد يربي جميع أهل المذاهب، إن خضعوا له، وفي ذلك يقول صاحب المباحث:
مذاهب الناس على اختلاف ومذهب القوم على ائتلاف
وقال الشاعر:
عبارتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير
ويقول من استبعد الفتح: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لكم ميعاد يوم عينه للفتح، لا يتقدم ولا يتأخر. فالأدب: الخدمة وعدم الاستعجال. ثم ذكر ما يلقون في ذلك الميعاد على كفرهم فقال: { وقال الذين كفروا لن نؤمن... }
سبأ 34:29
قلت: " كافة ": حال من " الناس " ، على قول الفارسي وابن جني وابن كيسان، واختاره ابن مالك. وقال الأكثر: إنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، وما قاله ابن مالك أحسن. انظر الأزهري. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلناك إلا كافة للناس } أي: جميعا، إنسهم وجنهم، عربيهم وعجميهم، أحمرهم وأسودهم. وقدم الحال للاهتمام. قال صلى الله عليه وسلم:
" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، فادخرتها لأمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة من لا يشرك بالله شيئا ".
أو: وما أرسلناك إلا رسالة عامة لهم، محيطة بهم لأنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد. وقال الزجاج: معنى الكافة في اللغة: الإحاطة، والمعنى: أرسلناك جامعا للناس في الإنذار والإبلاغ، على أنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، كالراوية والعلامة. حال كونك { بشيرا } بالفضل العظيم لمن أقر، { ونذيرا } بالعذاب لمن أصر، { ولكن أكثر الناس } أي: الكفرة، { لا يعلمون } ذلك، فيحملهم جهلهم على مخالفتك. { ويقولون } من فرط جهلهم: { متى هذا الوعد } أي: القيامة، المشار إليها بقوله:
قل يجمع بيننا ربنا
[سبأ: 26] أو: الوعد بالعذاب الذي أنذرت به. وأطلق الوعد على الموعود به لأنه من متعلقاته، { إن كنتم صادقين } في إتيانه؟ { قل لكم ميعاد يوم } " الميعاد ": ظرف الوعد، من مكان، أو زمان. وهو هنا الزمان، بدليل من قرأ " ميعاد يوم " فأبدل منه " اليوم ". وأما الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول: بعير سائبة، أي: قد وقت لعذابكم يوما { لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } أي: لا يمكنكم التأخر عنه بالإمهال، ولا التقدم عليه بالاستعجال. ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم: أنهم سألوا عن ذلك، وهم منكرون به، تعنتا لا استرشادا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا للسؤال، على وجه الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون له، يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخرا، ولا تقدما عليه. الإشارة: الداعون إلى الله على فرقتين: فرقة تدعو إلى معرفة أحكام الله، وهم العلماء، وفرقة تدعو إلى معرفة ذات الله بالعيان، وهم الأولياء العارفون بالله، فالأولون دعوتهم خاصة بمن في مذهبهم، والآخرون دعوتهم عامة إذ معرفة الله تعالى الذوقية لم يقع فيها اختلاف مذاهب، فأهل المشرق والمغرب كلهم متفقون عليها، فشيخ واحد يربي جميع أهل المذاهب، إن خضعوا له، وفي ذلك يقول صاحب المباحث:
مذاهب الناس على اختلاف ومذهب القوم على ائتلاف
وقال الشاعر:
عبارتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير
ويقول من استبعد الفتح: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لكم ميعاد يوم عينه للفتح، لا يتقدم ولا يتأخر. فالأدب: الخدمة وعدم الاستعجال. ثم ذكر ما يلقون في ذلك الميعاد على كفرهم فقال: { وقال الذين كفروا لن نؤمن... }
سبأ 34:30
قلت: " كافة ": حال من " الناس " ، على قول الفارسي وابن جني وابن كيسان، واختاره ابن مالك. وقال الأكثر: إنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، وما قاله ابن مالك أحسن. انظر الأزهري. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلناك إلا كافة للناس } أي: جميعا، إنسهم وجنهم، عربيهم وعجميهم، أحمرهم وأسودهم. وقدم الحال للاهتمام. قال صلى الله عليه وسلم:
" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، فادخرتها لأمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة من لا يشرك بالله شيئا ".
أو: وما أرسلناك إلا رسالة عامة لهم، محيطة بهم لأنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد. وقال الزجاج: معنى الكافة في اللغة: الإحاطة، والمعنى: أرسلناك جامعا للناس في الإنذار والإبلاغ، على أنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، كالراوية والعلامة. حال كونك { بشيرا } بالفضل العظيم لمن أقر، { ونذيرا } بالعذاب لمن أصر، { ولكن أكثر الناس } أي: الكفرة، { لا يعلمون } ذلك، فيحملهم جهلهم على مخالفتك. { ويقولون } من فرط جهلهم: { متى هذا الوعد } أي: القيامة، المشار إليها بقوله:
قل يجمع بيننا ربنا
[سبأ: 26] أو: الوعد بالعذاب الذي أنذرت به. وأطلق الوعد على الموعود به لأنه من متعلقاته، { إن كنتم صادقين } في إتيانه؟ { قل لكم ميعاد يوم } " الميعاد ": ظرف الوعد، من مكان، أو زمان. وهو هنا الزمان، بدليل من قرأ " ميعاد يوم " فأبدل منه " اليوم ". وأما الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول: بعير سائبة، أي: قد وقت لعذابكم يوما { لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } أي: لا يمكنكم التأخر عنه بالإمهال، ولا التقدم عليه بالاستعجال. ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم: أنهم سألوا عن ذلك، وهم منكرون به، تعنتا لا استرشادا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا للسؤال، على وجه الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون له، يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخرا، ولا تقدما عليه. الإشارة: الداعون إلى الله على فرقتين: فرقة تدعو إلى معرفة أحكام الله، وهم العلماء، وفرقة تدعو إلى معرفة ذات الله بالعيان، وهم الأولياء العارفون بالله، فالأولون دعوتهم خاصة بمن في مذهبهم، والآخرون دعوتهم عامة إذ معرفة الله تعالى الذوقية لم يقع فيها اختلاف مذاهب، فأهل المشرق والمغرب كلهم متفقون عليها، فشيخ واحد يربي جميع أهل المذاهب، إن خضعوا له، وفي ذلك يقول صاحب المباحث:
مذاهب الناس على اختلاف ومذهب القوم على ائتلاف
وقال الشاعر:
عبارتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير
ويقول من استبعد الفتح: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لكم ميعاد يوم عينه للفتح، لا يتقدم ولا يتأخر. فالأدب: الخدمة وعدم الاستعجال. ثم ذكر ما يلقون في ذلك الميعاد على كفرهم فقال: { وقال الذين كفروا لن نؤمن... }
سبأ 34:31
قلت: أتى بالعاطف في قوله: { وقال } الأخيرة، وترك في الأولى لأن قول الرؤساء جواب لقول المستضعفين، فحسن ترك العاطف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطفه على كلامهم الأول. و { مكر الليل }: الإضافة على معنى " في " ، وإضافة المكر إلى الليل على الاتساع، بإجراء الثاني مجرى المفعول به، وإضافة المكر إليه، أو: جعل الليل والنهار ماكرين بهم مجازا. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } كأبي جهل وأضرابه: { لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } أي: ما نزل قبل القرآن، من كتب الله تعالى، الدالة على البعث. وقيل: إن كفار قريش سألوا أهل الكتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخبروهم أنهم يجدون نعته في كتبهم، فغضبوا، وقالوا ذلك. وقيل: { الذين بين يديه }: القيامة والجنة والنار، فكأنهم جحدوا أن يكون القرآن من عند الله، وأن يكون ما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة. { ولو ترى } يا محمد، أو من تصح منه الرؤية، { إذ الظالمون موقوفون } محبوسون { عند ربهم } في موقف الحساب { يرجع } يرد { بعضهم إلى بعض القول } في الجدال والمحاورة. أخبر عن عاقبتهم ومآلهم في الآخرة، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو للمخاطب: ولو ترى في الآخرة موقفهم، وهم يتجاذبون أطراف المحاورة، ويتراجعونها بينهم، لرأيت أمرا فظيعا، فحذف الجواب لأن العبارة لا تفي به. ثم بين بعض محاورتهم بقوله: { يقول الذين استضعفوا } أي: الأتباع السفلة { للذين استكبروا } أي: الرؤساء المقدمين: { لولا أنتم لكنا مؤمنين } لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لكنا مؤمنين بالله ورسوله. { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم } رددناكم { عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } أي: بل أنتم صددتم باختباركم، ولم نقهركم على الكفر. أنكروا أنهم كانوا صادين لهم عن الإيمان، وأثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم، حيث أعرضوا عن الهدى، وآثروا التقليد عليه. وإنما وقعت " إذ " مضافا إليها، وإن كانت " إذ " و " إذا " من الظروف اللازمة للظرفية لأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره. { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار } أي: بل مكركم بنا بالليل والنهار هو الذي صدنا عن الهدى. أو: مكر بنا الليل والنهار، وطول السلامة، حتى ظننا أنكم على حق فقلدناكم. { إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا } أشباها، نعبدها معه. والحاصل: أن المستكبرين لما أنكروا أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا أن ذلك بسبب اختيارهم، كر عليهم المستضعفون بقولهم: { بل مكر الليل والنهار } فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم بنا دائما، ليلا ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد.
ثم حصل الندم حيث لم ينفع، كما قال تعالى: { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي: أضمر الندم كلا الفريقين، وأخفاه عن رفيقه، مخافة التعيير، لما رأوا العذاب، وتحققوا لحوقه بهم، فندم المستكبرون على إضلالهم وضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم. وقيل: معنى أسروا: أظهروا، فهو من الأضداد. { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } أي: في أعناقهم. فأظهر في محل الإضمار للدلالة على ما استوجبوا به الأغلال، وهو كفرهم. { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي: لا يفعل بهم إلا ما استوجبته أعمالهم الخبيثة في الدنيا. الإشارة: كل من له رئاسة وجاه، عالما كان أو جاهلا، وصد الناس عن طريق التربية على يد المشايخ، يقع له هذا الخصام، مع من صدهم من ضعفاء الناس، حيث يرتفع المقربون، ويسقط الغافلون من تلك المراتب، فيقع الندم والتحسر، ويتبرأ الرؤساء من المرؤوسين من عامة أهل اليمين. قال القشيري: وهكذا أصحاب الزلات، الأخلاء في الفساد أي: يتبرأ بعضهم من بعض وكذلك الجوارح والأعضاء، يشهد بعضها على بعض، اليد تقول للجملة: أخذت، العين تقول: أبصرت، والاختلاف في الجملة عقوبة. ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه من كان أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك. ولو علموا لاعتذروا، ولو اعتذروا لتابوا وتوقفوا، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ه. ثم سلى رسوله فقال: { ومآ أرسلنا في قرية... }
سبأ 34:32
قلت: أتى بالعاطف في قوله: { وقال } الأخيرة، وترك في الأولى لأن قول الرؤساء جواب لقول المستضعفين، فحسن ترك العاطف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطفه على كلامهم الأول. و { مكر الليل }: الإضافة على معنى " في " ، وإضافة المكر إلى الليل على الاتساع، بإجراء الثاني مجرى المفعول به، وإضافة المكر إليه، أو: جعل الليل والنهار ماكرين بهم مجازا. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } كأبي جهل وأضرابه: { لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } أي: ما نزل قبل القرآن، من كتب الله تعالى، الدالة على البعث. وقيل: إن كفار قريش سألوا أهل الكتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخبروهم أنهم يجدون نعته في كتبهم، فغضبوا، وقالوا ذلك. وقيل: { الذين بين يديه }: القيامة والجنة والنار، فكأنهم جحدوا أن يكون القرآن من عند الله، وأن يكون ما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة. { ولو ترى } يا محمد، أو من تصح منه الرؤية، { إذ الظالمون موقوفون } محبوسون { عند ربهم } في موقف الحساب { يرجع } يرد { بعضهم إلى بعض القول } في الجدال والمحاورة. أخبر عن عاقبتهم ومآلهم في الآخرة، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو للمخاطب: ولو ترى في الآخرة موقفهم، وهم يتجاذبون أطراف المحاورة، ويتراجعونها بينهم، لرأيت أمرا فظيعا، فحذف الجواب لأن العبارة لا تفي به. ثم بين بعض محاورتهم بقوله: { يقول الذين استضعفوا } أي: الأتباع السفلة { للذين استكبروا } أي: الرؤساء المقدمين: { لولا أنتم لكنا مؤمنين } لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لكنا مؤمنين بالله ورسوله. { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم } رددناكم { عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } أي: بل أنتم صددتم باختباركم، ولم نقهركم على الكفر. أنكروا أنهم كانوا صادين لهم عن الإيمان، وأثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم، حيث أعرضوا عن الهدى، وآثروا التقليد عليه. وإنما وقعت " إذ " مضافا إليها، وإن كانت " إذ " و " إذا " من الظروف اللازمة للظرفية لأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره. { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار } أي: بل مكركم بنا بالليل والنهار هو الذي صدنا عن الهدى. أو: مكر بنا الليل والنهار، وطول السلامة، حتى ظننا أنكم على حق فقلدناكم. { إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا } أشباها، نعبدها معه. والحاصل: أن المستكبرين لما أنكروا أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا أن ذلك بسبب اختيارهم، كر عليهم المستضعفون بقولهم: { بل مكر الليل والنهار } فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم بنا دائما، ليلا ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد.
ثم حصل الندم حيث لم ينفع، كما قال تعالى: { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي: أضمر الندم كلا الفريقين، وأخفاه عن رفيقه، مخافة التعيير، لما رأوا العذاب، وتحققوا لحوقه بهم، فندم المستكبرون على إضلالهم وضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم. وقيل: معنى أسروا: أظهروا، فهو من الأضداد. { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } أي: في أعناقهم. فأظهر في محل الإضمار للدلالة على ما استوجبوا به الأغلال، وهو كفرهم. { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي: لا يفعل بهم إلا ما استوجبته أعمالهم الخبيثة في الدنيا. الإشارة: كل من له رئاسة وجاه، عالما كان أو جاهلا، وصد الناس عن طريق التربية على يد المشايخ، يقع له هذا الخصام، مع من صدهم من ضعفاء الناس، حيث يرتفع المقربون، ويسقط الغافلون من تلك المراتب، فيقع الندم والتحسر، ويتبرأ الرؤساء من المرؤوسين من عامة أهل اليمين. قال القشيري: وهكذا أصحاب الزلات، الأخلاء في الفساد أي: يتبرأ بعضهم من بعض وكذلك الجوارح والأعضاء، يشهد بعضها على بعض، اليد تقول للجملة: أخذت، العين تقول: أبصرت، والاختلاف في الجملة عقوبة. ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه من كان أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك. ولو علموا لاعتذروا، ولو اعتذروا لتابوا وتوقفوا، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ه. ثم سلى رسوله فقال: { ومآ أرسلنا في قرية... }
سبأ 34:33
قلت: أتى بالعاطف في قوله: { وقال } الأخيرة، وترك في الأولى لأن قول الرؤساء جواب لقول المستضعفين، فحسن ترك العاطف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطفه على كلامهم الأول. و { مكر الليل }: الإضافة على معنى " في " ، وإضافة المكر إلى الليل على الاتساع، بإجراء الثاني مجرى المفعول به، وإضافة المكر إليه، أو: جعل الليل والنهار ماكرين بهم مجازا. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } كأبي جهل وأضرابه: { لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } أي: ما نزل قبل القرآن، من كتب الله تعالى، الدالة على البعث. وقيل: إن كفار قريش سألوا أهل الكتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخبروهم أنهم يجدون نعته في كتبهم، فغضبوا، وقالوا ذلك. وقيل: { الذين بين يديه }: القيامة والجنة والنار، فكأنهم جحدوا أن يكون القرآن من عند الله، وأن يكون ما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة. { ولو ترى } يا محمد، أو من تصح منه الرؤية، { إذ الظالمون موقوفون } محبوسون { عند ربهم } في موقف الحساب { يرجع } يرد { بعضهم إلى بعض القول } في الجدال والمحاورة. أخبر عن عاقبتهم ومآلهم في الآخرة، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو للمخاطب: ولو ترى في الآخرة موقفهم، وهم يتجاذبون أطراف المحاورة، ويتراجعونها بينهم، لرأيت أمرا فظيعا، فحذف الجواب لأن العبارة لا تفي به. ثم بين بعض محاورتهم بقوله: { يقول الذين استضعفوا } أي: الأتباع السفلة { للذين استكبروا } أي: الرؤساء المقدمين: { لولا أنتم لكنا مؤمنين } لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لكنا مؤمنين بالله ورسوله. { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم } رددناكم { عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } أي: بل أنتم صددتم باختباركم، ولم نقهركم على الكفر. أنكروا أنهم كانوا صادين لهم عن الإيمان، وأثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم، حيث أعرضوا عن الهدى، وآثروا التقليد عليه. وإنما وقعت " إذ " مضافا إليها، وإن كانت " إذ " و " إذا " من الظروف اللازمة للظرفية لأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره. { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار } أي: بل مكركم بنا بالليل والنهار هو الذي صدنا عن الهدى. أو: مكر بنا الليل والنهار، وطول السلامة، حتى ظننا أنكم على حق فقلدناكم. { إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا } أشباها، نعبدها معه. والحاصل: أن المستكبرين لما أنكروا أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا أن ذلك بسبب اختيارهم، كر عليهم المستضعفون بقولهم: { بل مكر الليل والنهار } فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم بنا دائما، ليلا ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد.
ثم حصل الندم حيث لم ينفع، كما قال تعالى: { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي: أضمر الندم كلا الفريقين، وأخفاه عن رفيقه، مخافة التعيير، لما رأوا العذاب، وتحققوا لحوقه بهم، فندم المستكبرون على إضلالهم وضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم. وقيل: معنى أسروا: أظهروا، فهو من الأضداد. { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } أي: في أعناقهم. فأظهر في محل الإضمار للدلالة على ما استوجبوا به الأغلال، وهو كفرهم. { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي: لا يفعل بهم إلا ما استوجبته أعمالهم الخبيثة في الدنيا. الإشارة: كل من له رئاسة وجاه، عالما كان أو جاهلا، وصد الناس عن طريق التربية على يد المشايخ، يقع له هذا الخصام، مع من صدهم من ضعفاء الناس، حيث يرتفع المقربون، ويسقط الغافلون من تلك المراتب، فيقع الندم والتحسر، ويتبرأ الرؤساء من المرؤوسين من عامة أهل اليمين. قال القشيري: وهكذا أصحاب الزلات، الأخلاء في الفساد أي: يتبرأ بعضهم من بعض وكذلك الجوارح والأعضاء، يشهد بعضها على بعض، اليد تقول للجملة: أخذت، العين تقول: أبصرت، والاختلاف في الجملة عقوبة. ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه من كان أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك. ولو علموا لاعتذروا، ولو اعتذروا لتابوا وتوقفوا، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ه. ثم سلى رسوله فقال: { ومآ أرسلنا في قرية... }
سبأ 34:34
يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا في قرية من نذير } رسول { إلا قال مترفوها }: متنعموها، ورؤساؤها: { إنا بما أرسلتم به كافرون } فهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لقي من رؤساء قومه من التكذيب، والكفر بما جاء به، وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة. وتخصيص المتنعمين بالتكذيب لأن الداعي إلى التكبر، وعدم الخضوع للغير هو الانهماك في الشهوات، والاستهانة بمن لم يحظ بها، جهلا، ولذلك افتخروا بالأموال الفانية، كما قال تعالى: { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } رأوا من فرط جهلهم أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم. نظروا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم ذلك. ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم ذلك، فأبطل الله رأيهم الفاسد بقوله: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي: يضيقه على من يشاء، فإن الرزق بيد الله، يقسمه كيف يشاء. فربما وسع على العاصي، استدراجا، وضيق على المطيع، تمحيصا وتطهيرا، فيوسع على المطيع، ويضيق على العاصي، وربما وسع عليهما على حسب مشيئته، فلا يقاس عليهما أمر الثواب، ولو كان ذلك لكرامة وهوان يوجبانه لم يكن بمشيئته. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة عند الله. وقد تكون للاستدراج، وصاحبها لا يشعر. الإشارة: ما حاز الخصوصية وتبع أهلها إلا ضعفاء المال والجاه، الذين هم أتباع الرسل، فهم الذين حطوا رؤوسهم، وباعوا نفوسهم وأموالهم لله، وبذلوها لمن يعرفهم به، فعوضهم جنة المعارف، يتبوؤون منها حيث شاؤوا، وأما من له جاه أو مال فقل من يحط رأسه منهم، إلا من سبقت له العناية الكبرى. قال القشيري: بعد كلام: ولكنها أقسام سبقت، وأحكام حقت، ثم الله غالب على أمره. { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } وليس هذا بكثرة الأموال والأولاد، وإنما هي ببصائر مفتوحة لقوم، ومسدودة لقوم. ه. ثم قال تعالى: { ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي... }
سبأ 34:35
يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا في قرية من نذير } رسول { إلا قال مترفوها }: متنعموها، ورؤساؤها: { إنا بما أرسلتم به كافرون } فهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لقي من رؤساء قومه من التكذيب، والكفر بما جاء به، وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة. وتخصيص المتنعمين بالتكذيب لأن الداعي إلى التكبر، وعدم الخضوع للغير هو الانهماك في الشهوات، والاستهانة بمن لم يحظ بها، جهلا، ولذلك افتخروا بالأموال الفانية، كما قال تعالى: { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } رأوا من فرط جهلهم أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم. نظروا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم ذلك. ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم ذلك، فأبطل الله رأيهم الفاسد بقوله: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي: يضيقه على من يشاء، فإن الرزق بيد الله، يقسمه كيف يشاء. فربما وسع على العاصي، استدراجا، وضيق على المطيع، تمحيصا وتطهيرا، فيوسع على المطيع، ويضيق على العاصي، وربما وسع عليهما على حسب مشيئته، فلا يقاس عليهما أمر الثواب، ولو كان ذلك لكرامة وهوان يوجبانه لم يكن بمشيئته. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة عند الله. وقد تكون للاستدراج، وصاحبها لا يشعر. الإشارة: ما حاز الخصوصية وتبع أهلها إلا ضعفاء المال والجاه، الذين هم أتباع الرسل، فهم الذين حطوا رؤوسهم، وباعوا نفوسهم وأموالهم لله، وبذلوها لمن يعرفهم به، فعوضهم جنة المعارف، يتبوؤون منها حيث شاؤوا، وأما من له جاه أو مال فقل من يحط رأسه منهم، إلا من سبقت له العناية الكبرى. قال القشيري: بعد كلام: ولكنها أقسام سبقت، وأحكام حقت، ثم الله غالب على أمره. { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } وليس هذا بكثرة الأموال والأولاد، وإنما هي ببصائر مفتوحة لقوم، ومسدودة لقوم. ه. ثم قال تعالى: { ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي... }
سبأ 34:36
يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا في قرية من نذير } رسول { إلا قال مترفوها }: متنعموها، ورؤساؤها: { إنا بما أرسلتم به كافرون } فهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لقي من رؤساء قومه من التكذيب، والكفر بما جاء به، وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة. وتخصيص المتنعمين بالتكذيب لأن الداعي إلى التكبر، وعدم الخضوع للغير هو الانهماك في الشهوات، والاستهانة بمن لم يحظ بها، جهلا، ولذلك افتخروا بالأموال الفانية، كما قال تعالى: { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } رأوا من فرط جهلهم أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم. نظروا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم ذلك. ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم ذلك، فأبطل الله رأيهم الفاسد بقوله: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي: يضيقه على من يشاء، فإن الرزق بيد الله، يقسمه كيف يشاء. فربما وسع على العاصي، استدراجا، وضيق على المطيع، تمحيصا وتطهيرا، فيوسع على المطيع، ويضيق على العاصي، وربما وسع عليهما على حسب مشيئته، فلا يقاس عليهما أمر الثواب، ولو كان ذلك لكرامة وهوان يوجبانه لم يكن بمشيئته. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة عند الله. وقد تكون للاستدراج، وصاحبها لا يشعر. الإشارة: ما حاز الخصوصية وتبع أهلها إلا ضعفاء المال والجاه، الذين هم أتباع الرسل، فهم الذين حطوا رؤوسهم، وباعوا نفوسهم وأموالهم لله، وبذلوها لمن يعرفهم به، فعوضهم جنة المعارف، يتبوؤون منها حيث شاؤوا، وأما من له جاه أو مال فقل من يحط رأسه منهم، إلا من سبقت له العناية الكبرى. قال القشيري: بعد كلام: ولكنها أقسام سبقت، وأحكام حقت، ثم الله غالب على أمره. { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } وليس هذا بكثرة الأموال والأولاد، وإنما هي ببصائر مفتوحة لقوم، ومسدودة لقوم. ه. ثم قال تعالى: { ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي... }
سبأ 34:37
قلت: جمع التكسير يذكر ويؤنث للعقلاء وغيرهم، ولذلك قال: { بالتي }. و { زلفى }: مفعول مطلق، أي: وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم، و { إلا من آمن }: مستثنى من الكاف في " تقربكم " ، متصل، وقيل: منقطع. و { من }: شرط، جوابه: { فأولئك }. وعلى الاتصال ف " من " منصوبة بتقرب. يقول الحق جل جلاله: { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } أي: قربة، { إلا من آمن وعمل صالحا } يعني أن الآمال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح، الذي ينفقها في سبيل الله. والأولاد لا تقرب أحدا من الله إلا من علمهم الخير، وفقههم في الدين، وأرشدهم للصلاح والطاعة، فإن علمهم يجري عليه بعد موته لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بعد موته ".
{ فأولئك لهم جزاء الضعف } أي: تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشرا إلى سبعمائة، على قدر النية والإخلاص. وهو من إضافة المصدر إلى المفعول. والأصل: يجازون الضعف، ثم جزاء الضعف، ثم أضيف. وقرأ يعقوب بالنصب على التمييز، أي: فأولئك لهم الضعف لأعمالهم جزاء { بما عملوا } أي: بأعمالهم { وهم في الغرفات آمنون } أي: في غرفات الجنان آمنون من كل هائل وشاغل. وقرأ حمزة: " في الغرفة " إرادة الجنس. { والذين يسعون في آياتنا } في إبطالها، بالرد والطعن { معاجزين } مغالبين لأنبيائنا، أو: سابقين، ظانين أنهم يفوتوننا، { أولئك في العذاب محضرون } يحضرونه فيحيط بهم. الإشارة: الأموال والأولاد لا تقرب ولا تبعده، إنما يقربه سابق العناية، ويبدعه سابق الشقاء، فمن العناية قربته أمواله، بإنفاق المال في سبيل الله، وإرشاد الأولاد إلى طاعة الله، ومن سبق له الشقاء صرف أمواله في الهوى، وأولاده في جمع الدنيا. قال القشيري: لا تستحق الزلفى عند الله بالمال، ولا بالأولاد، ولكن بالأعمال الصالحة الخالصة، والأحوال الصافية، والأنفس الزاكية، بل بالعناية السابقة، والهداية اللاحقة، والرعاية الصادقة. ه. وقال في قوله: { والذين يسعون في آياتنا معاجزين }: هم الذين لا يحترمون الأولياء، ولا يراعون حق الله في السر، فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله، وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله، ثم في عذاب السقوط من عين الله تعالى. ه. ثم حض على الصدقة فقال: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء... }
سبأ 34:38
قلت: جمع التكسير يذكر ويؤنث للعقلاء وغيرهم، ولذلك قال: { بالتي }. و { زلفى }: مفعول مطلق، أي: وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم، و { إلا من آمن }: مستثنى من الكاف في " تقربكم " ، متصل، وقيل: منقطع. و { من }: شرط، جوابه: { فأولئك }. وعلى الاتصال ف " من " منصوبة بتقرب. يقول الحق جل جلاله: { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } أي: قربة، { إلا من آمن وعمل صالحا } يعني أن الآمال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح، الذي ينفقها في سبيل الله. والأولاد لا تقرب أحدا من الله إلا من علمهم الخير، وفقههم في الدين، وأرشدهم للصلاح والطاعة، فإن علمهم يجري عليه بعد موته لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بعد موته ".
{ فأولئك لهم جزاء الضعف } أي: تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشرا إلى سبعمائة، على قدر النية والإخلاص. وهو من إضافة المصدر إلى المفعول. والأصل: يجازون الضعف، ثم جزاء الضعف، ثم أضيف. وقرأ يعقوب بالنصب على التمييز، أي: فأولئك لهم الضعف لأعمالهم جزاء { بما عملوا } أي: بأعمالهم { وهم في الغرفات آمنون } أي: في غرفات الجنان آمنون من كل هائل وشاغل. وقرأ حمزة: " في الغرفة " إرادة الجنس. { والذين يسعون في آياتنا } في إبطالها، بالرد والطعن { معاجزين } مغالبين لأنبيائنا، أو: سابقين، ظانين أنهم يفوتوننا، { أولئك في العذاب محضرون } يحضرونه فيحيط بهم. الإشارة: الأموال والأولاد لا تقرب ولا تبعده، إنما يقربه سابق العناية، ويبدعه سابق الشقاء، فمن العناية قربته أمواله، بإنفاق المال في سبيل الله، وإرشاد الأولاد إلى طاعة الله، ومن سبق له الشقاء صرف أمواله في الهوى، وأولاده في جمع الدنيا. قال القشيري: لا تستحق الزلفى عند الله بالمال، ولا بالأولاد، ولكن بالأعمال الصالحة الخالصة، والأحوال الصافية، والأنفس الزاكية، بل بالعناية السابقة، والهداية اللاحقة، والرعاية الصادقة. ه. وقال في قوله: { والذين يسعون في آياتنا معاجزين }: هم الذين لا يحترمون الأولياء، ولا يراعون حق الله في السر، فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله، وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله، ثم في عذاب السقوط من عين الله تعالى. ه. ثم حض على الصدقة فقال: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء... }
سبأ 34:39
يقول الحق جل جلاله: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له } إنما كرره تزهيدا في المال، وحضا على إنفاقه في سبيل الله. ولذلك عقبه بقوله: { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه } إما عاجلا في الدنيا إذا شاء، أو آجلا في الآخرة، ما لم يكن إسرافا، كنزهة لهو، أو في بنيان، أو معصية. وذكر الكواشي هنا أحاديث منها:
" كل معروف صدقة، وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله صدقة، وما وقى به الرجل عرضه كتبت له بها صدقة وهو ما أعطى لشاعر، أو لذي اللسان المتقى وما أنفق المؤمن صدقة فعلى الله خلفها ضامنا، إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية "
قلت: يقيد النفقة في البنيان بما زاد على الحاجة والضرورة، وإلا فهو مأمور به، فيؤجر عليه. والله تعالى أعلم. { وهو خير الرازقين } المطعمين لأن كل من رزق غيره من سلطان، أو سيد، أو زوج، أو غيره، فهو من رزق الله، أجراه على يد هؤلاء، وهو خالق الرزق، والأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. وعن بعضهم قال: الحمد لله الذي أوجده، وجعلني ممن يشتهي، فكم من مشته لا يجد، وواجد لا يشتهي!. الإشارة: في الآية إشارة إلى منقبة السخاء، وإطلاق اليد بالعطاء، وهو من علامة اليقين، وخروج الدنيا من القلب. وذكر الترمذي الحكيم حديثا طويلا عن الزبير رضي الله عنه رأيت أن أذكره لكثرة فوائده مع مناسبته لهذا المعنى. قال: جئت حتى جلست بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بطرف عمامتي من ورائي، ثم قال:
" يا زبير إني رسول الله إليك خاصة، وإلى الناس عامة. أتدرون ما قال ربكم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: قال ربكم حين استوى على عرشه ونظر إلى خلقه: عبادي أنتم خلقي وأنا ربكم، أرزاقكم بيدي، فلا تتعبوا فيما تكفلت لكم به، فاطلبوا مني أرزاقكم، وإلي فارفعوا حوائجكم، انصبوا إلي أنفسكم أصب عليكم أرزاقكم. أتدرون ما قال ربكم؟ قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك، وأوسع أوسع عليك، ولا تضيق فأضيق عليك، ولا تصر فأصر عليك، ولا تخزن فأخزن عليك، إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سماوات، متواصل إلى العرش، لا يغلق ليلا ولا نهارا، ينزل الله منه الرزق، على كل امرىء بقدر نيته، وعطيته، وصدقته، ونفقته، من أكثر أكثر عليه، ومن أقل أقل عليه، ومن أمسك أمسك عليه. يا زبير فكل وأطعم، ولا توك فيوك عليك، ولا تحص فيحص عليك، ولا تقتر فيقتر عليك، ولا تعسر فيعسر عليك. يا زبير، إن الله يحب الإنفاق، ويبغض الإقتار، وإن السخاء من اليقين، والبخل من الشك، فلا يدخل النار من أيقن، ولا يدخل الجنة من شك. يا زبير إن الله يحب السخاوة، ولو بفلق تمرة، والشجاعة، ولو بقتل عقرب أو حية. يا زبير إن الله يحب الصبر عند زلزلة الزلازل، واليقين النفاذ عند مجيء الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات. والورع الصادق عند الحرام والخبيثات. يا زبير عظم الإخوان، وأجل الأبرار، ووقر الأخيار، وصل الجار، ولا تماش الفجار، تدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب، هذه وصية الله إلي، ووصيتي إليك ".
ثم ذكر توبيخه على الشرك فقال: { ويوم يحشرهم جميعا ثم... }.
سبأ 34:40
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشرهم جميعا } العابدين والمعبودين، { ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }؟ هو خطاب للملائكة، وتقريع للكفرة، وارد على المثل السائر من قول العامة: الخطاب للسارية وافهمي يا جارية. ونحوه قوله:
ءأنت قلت للناس اتخذونى...
[المائدة: 116] الآية. وتخصيص الملائكة لأنهم أشرف شركائهم، والصالحون للخطاب منهم. { قالوا سبحانك } تنزيها لك أن يعبد معك غيرك. { أنت ولينا من دونهم } أنت الذي نواليه من دونهم، لا موالاة بيننا وبينهم. والموالاة خلاف المعاداة، وهي مفاعلة من الولي، وهو القرب. والولي يقع على الموالي والموالى جميعا. فبينوا بإثبات موالاة الله تعالى ومعاداة الكفار: براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم فإن من كان على هذه الصفة، كانت حاله منافية لذلك. ثم قالوا: { بل كانوا يعبدون الجن } أي: الشياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، أو: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام، إذ عبدت، فيعبدون بعبادتها، أو: صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن، وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها. { أكثرهم بهم مؤمنون } أي: أكثر الإنس، أو: الكفار، { بهم } بالجن { مؤمنون } مصدقون لهم فيما يأمرونهم به. والأكثر هنا بمعنى الكل. قال تعالى: { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } لأن الأمر في ذلك اليوم إليه وحده، لا يملك أحد فيه منفعة ولا مضرة لأحد لأن الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا، التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلى بينهم، يتضارون، ويتنافعون، وأما يوم القيامة فلا فعل لأحد قط. ثم ذكر معاقبة الظالمين بقوله: { ونقول للذين ظلموا } بوضع العبادة في غير موضعها: { ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. الإشارة: ما أحببت شيئا إلا وكنت له عبدا، ولا يحب أن تكون لغيره عبدا، فإذا تحققت الحقائق، التحق كل عابد بمعبوده، وكل حبيب بمحبوبه، فيرتفع الحق بأهله، ويهوي الباطل بأهله. وكل ما سوى الله باطل، فارفع همتك أيها العبد عن هذه الدار وما فيها، وتعلق بالباقي، دون الفاني، ولا تتعلق بشيء سوى المتكبر المتعالي. قال القشيري: قوله تعالى: { فاليوم لا يملك بعضكم... } الخ، الإشارة في هذا: أن من علق قلبه بالأغيار، وظن صلاح حاله في الاختيار، والاستعانة بالأمثال والأشكال، نزع الله الرحمة من قلوبهم، وتركهم، وتشوش أحوالهم، فلا لهم من الأشكال والأمثال معونة، ولا لهم في عقولهم استبصار، ولا إلى الله رجوع، فإن رجعوا لا يرحمهم ولا يحبهم، ويقول: ذوقوا وبال ما به استوجبتم هذه العقوبة. ه. قلت: قوله: " فإن رجعوا لا يرحمهم " يعني أنهم فزعوا أولا إلى المخلوق، فلما لم ينجح مسعاهم، رجعوا إلى الله، فلم ينفعهم، ولو تابوا في المستقبل لقبل توبتهم. وقال أيضا: ومن تشديد العقوبة الافتضاح في السؤال. وفي بعض الأخبار: أن عبيدا يسألهم الحق غدا، فيقع عليهم من الخجل ما يقولون: يا ربنا لو عذبتنا بما شئت من ألوان العقوبة، ولا تعذبنا بهذا السؤال. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال أهل الغفلة فقال: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات... }
سبأ 34:41
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشرهم جميعا } العابدين والمعبودين، { ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }؟ هو خطاب للملائكة، وتقريع للكفرة، وارد على المثل السائر من قول العامة: الخطاب للسارية وافهمي يا جارية. ونحوه قوله:
ءأنت قلت للناس اتخذونى...
[المائدة: 116] الآية. وتخصيص الملائكة لأنهم أشرف شركائهم، والصالحون للخطاب منهم. { قالوا سبحانك } تنزيها لك أن يعبد معك غيرك. { أنت ولينا من دونهم } أنت الذي نواليه من دونهم، لا موالاة بيننا وبينهم. والموالاة خلاف المعاداة، وهي مفاعلة من الولي، وهو القرب. والولي يقع على الموالي والموالى جميعا. فبينوا بإثبات موالاة الله تعالى ومعاداة الكفار: براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم فإن من كان على هذه الصفة، كانت حاله منافية لذلك. ثم قالوا: { بل كانوا يعبدون الجن } أي: الشياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، أو: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام، إذ عبدت، فيعبدون بعبادتها، أو: صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن، وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها. { أكثرهم بهم مؤمنون } أي: أكثر الإنس، أو: الكفار، { بهم } بالجن { مؤمنون } مصدقون لهم فيما يأمرونهم به. والأكثر هنا بمعنى الكل. قال تعالى: { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } لأن الأمر في ذلك اليوم إليه وحده، لا يملك أحد فيه منفعة ولا مضرة لأحد لأن الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا، التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلى بينهم، يتضارون، ويتنافعون، وأما يوم القيامة فلا فعل لأحد قط. ثم ذكر معاقبة الظالمين بقوله: { ونقول للذين ظلموا } بوضع العبادة في غير موضعها: { ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. الإشارة: ما أحببت شيئا إلا وكنت له عبدا، ولا يحب أن تكون لغيره عبدا، فإذا تحققت الحقائق، التحق كل عابد بمعبوده، وكل حبيب بمحبوبه، فيرتفع الحق بأهله، ويهوي الباطل بأهله. وكل ما سوى الله باطل، فارفع همتك أيها العبد عن هذه الدار وما فيها، وتعلق بالباقي، دون الفاني، ولا تتعلق بشيء سوى المتكبر المتعالي. قال القشيري: قوله تعالى: { فاليوم لا يملك بعضكم... } الخ، الإشارة في هذا: أن من علق قلبه بالأغيار، وظن صلاح حاله في الاختيار، والاستعانة بالأمثال والأشكال، نزع الله الرحمة من قلوبهم، وتركهم، وتشوش أحوالهم، فلا لهم من الأشكال والأمثال معونة، ولا لهم في عقولهم استبصار، ولا إلى الله رجوع، فإن رجعوا لا يرحمهم ولا يحبهم، ويقول: ذوقوا وبال ما به استوجبتم هذه العقوبة. ه. قلت: قوله: " فإن رجعوا لا يرحمهم " يعني أنهم فزعوا أولا إلى المخلوق، فلما لم ينجح مسعاهم، رجعوا إلى الله، فلم ينفعهم، ولو تابوا في المستقبل لقبل توبتهم. وقال أيضا: ومن تشديد العقوبة الافتضاح في السؤال. وفي بعض الأخبار: أن عبيدا يسألهم الحق غدا، فيقع عليهم من الخجل ما يقولون: يا ربنا لو عذبتنا بما شئت من ألوان العقوبة، ولا تعذبنا بهذا السؤال. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال أهل الغفلة فقال: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات... }
سبأ 34:42
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشرهم جميعا } العابدين والمعبودين، { ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }؟ هو خطاب للملائكة، وتقريع للكفرة، وارد على المثل السائر من قول العامة: الخطاب للسارية وافهمي يا جارية. ونحوه قوله:
ءأنت قلت للناس اتخذونى...
[المائدة: 116] الآية. وتخصيص الملائكة لأنهم أشرف شركائهم، والصالحون للخطاب منهم. { قالوا سبحانك } تنزيها لك أن يعبد معك غيرك. { أنت ولينا من دونهم } أنت الذي نواليه من دونهم، لا موالاة بيننا وبينهم. والموالاة خلاف المعاداة، وهي مفاعلة من الولي، وهو القرب. والولي يقع على الموالي والموالى جميعا. فبينوا بإثبات موالاة الله تعالى ومعاداة الكفار: براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم فإن من كان على هذه الصفة، كانت حاله منافية لذلك. ثم قالوا: { بل كانوا يعبدون الجن } أي: الشياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، أو: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام، إذ عبدت، فيعبدون بعبادتها، أو: صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن، وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها. { أكثرهم بهم مؤمنون } أي: أكثر الإنس، أو: الكفار، { بهم } بالجن { مؤمنون } مصدقون لهم فيما يأمرونهم به. والأكثر هنا بمعنى الكل. قال تعالى: { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } لأن الأمر في ذلك اليوم إليه وحده، لا يملك أحد فيه منفعة ولا مضرة لأحد لأن الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا، التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلى بينهم، يتضارون، ويتنافعون، وأما يوم القيامة فلا فعل لأحد قط. ثم ذكر معاقبة الظالمين بقوله: { ونقول للذين ظلموا } بوضع العبادة في غير موضعها: { ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. الإشارة: ما أحببت شيئا إلا وكنت له عبدا، ولا يحب أن تكون لغيره عبدا، فإذا تحققت الحقائق، التحق كل عابد بمعبوده، وكل حبيب بمحبوبه، فيرتفع الحق بأهله، ويهوي الباطل بأهله. وكل ما سوى الله باطل، فارفع همتك أيها العبد عن هذه الدار وما فيها، وتعلق بالباقي، دون الفاني، ولا تتعلق بشيء سوى المتكبر المتعالي. قال القشيري: قوله تعالى: { فاليوم لا يملك بعضكم... } الخ، الإشارة في هذا: أن من علق قلبه بالأغيار، وظن صلاح حاله في الاختيار، والاستعانة بالأمثال والأشكال، نزع الله الرحمة من قلوبهم، وتركهم، وتشوش أحوالهم، فلا لهم من الأشكال والأمثال معونة، ولا لهم في عقولهم استبصار، ولا إلى الله رجوع، فإن رجعوا لا يرحمهم ولا يحبهم، ويقول: ذوقوا وبال ما به استوجبتم هذه العقوبة. ه. قلت: قوله: " فإن رجعوا لا يرحمهم " يعني أنهم فزعوا أولا إلى المخلوق، فلما لم ينجح مسعاهم، رجعوا إلى الله، فلم ينفعهم، ولو تابوا في المستقبل لقبل توبتهم. وقال أيضا: ومن تشديد العقوبة الافتضاح في السؤال. وفي بعض الأخبار: أن عبيدا يسألهم الحق غدا، فيقع عليهم من الخجل ما يقولون: يا ربنا لو عذبتنا بما شئت من ألوان العقوبة، ولا تعذبنا بهذا السؤال. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال أهل الغفلة فقال: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات... }
سبأ 34:43
يقول الحق جل جلاله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا } أي: إذا قرئت عليهم آيات القرآن، { بينات } واضحات، { قالوا } أي: المشركون { ما هذا }؟ يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم { إلا رجل يريد أن يصدكم }: يصرفكم { عما كان يعبد آباؤكم } من الأصنام. { وقالوا ما هذا } أي: القرآن { إلا إفك }: كذب { مفترى } بإضافته إلى الله تعالى. { وقال الذين كفروا } أي: وقالوا. والعدول عنه دليل على إنكار عظيم، وغضب شديد، حيث سجل عليهم بالكفر والجحد، { للحق لما جاءهم } أي: للقرآن، أو لأمر النبوة كله، لما عجزوا عن معارضته، قالوا: { إن هذا إلا سحر مبين } أي: ما هذا إلا سحر ظاهر سحريته. وإنكارهم أولا باعتبار معناه، وثانيا باعتبار لفظه وإعجازه، ولذلك سموه سحرا. قال تعالى: { وما آتيناهم من كتب يدرسونها } أي: ما أعطينا مشركي مكة كتبا يدرسونها، فيها برهان على صحة الشكر. { وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } أي: ولا أرسلنا إليهم نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، ويدعوهم إليه، إذ لا وجه له، فمن أين وقع لهم هذه الشبهة؟ وهذا في غاية التجهيل لهم، والتسفيه لرأيهم. ثم هددهم بقوله: { وكذب الذين من قبلهم } أي: وكذب الذين تقدموا من الأمم الماضية، والقرون الخالية، الرسل، كما كذب هؤلاء. { وما بلغوا معشار ما آتيناهم } أي: وما بلغ أهل مكة عشر ما أوتي الأولون، من طول الأعمار، وقوة الأجرام، وكثرة الأموال والأولاد، وتوالي النعم، والظهور في البلاد. والمعشار: مفعال، من: العشر، ولم يأت هذا البناء إلا في العشرة والأربعة. قالوا: معشار ومرباع. وقال في القوت: المعشار: عشر العشر. { فكذبوا رسلي } أي: فكذبت تلك الأمم رسلي، { فكيف كان نكير } أي: فانظر كيف كان إنكاري عليهم بالهلاك والتدمير. فالنكير: مصدر، كالإنكار معنى، وكالنذير وزنا. و كيف للتعظيم، لا لمجرد الاستفهام، أي: فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم تغن عنهم تلك الأموال والأولاد، وما كانوا مستظهرين به من الرئاسة والجاه، فليحذر هؤلاء أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك لمشاركتهم لهم في الكفر والعدوان. الإشارة: تكذيب الصادقين سنة ماضية، وكل من ظهر بخصوصية يجذب الناس إلى الله، ويخرجهم من عوائدهم، قالوا: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، فحين كذبوا أولياء زمانهم حرموا بركتهم، فبقوا في عذاب الحرص والتعب، والهلع والنصب. قال القشيري: إن الحكماء والأولياء الذين هم الأئمة في هذه الطريقة إذا دلوا الناس على الله، قال إخوانهم من إخوان السوء وربما كان من الأقارب وأبناء الدنيا: من ذا الذي يطيق هذا؟ ولا بد من الدنيا ما دمت تعيش!.. وأمثال هذا كثير، حتى يميل ذلك المسكين من قبل النصح، فيهلك ويضل. ه. باختصار. وقال في قوله تعالى: { وما آتيناهم من كتب يدرسونها.. } ما حاصله: إن أرباب القلوب إذا تكلموا بالحقائق، على سبيل الإلهام والفيض، لا يطلب منهم البرهان على ما نطقوا به، فإذا طالبهم أهل القبلة بذلك، فسبيلهم السكوت عنهم، حتى يجيب عنهم الحق تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم أمر بالتفكر والاعتبار فقال: { قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا... }
سبأ 34:44
يقول الحق جل جلاله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا } أي: إذا قرئت عليهم آيات القرآن، { بينات } واضحات، { قالوا } أي: المشركون { ما هذا }؟ يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم { إلا رجل يريد أن يصدكم }: يصرفكم { عما كان يعبد آباؤكم } من الأصنام. { وقالوا ما هذا } أي: القرآن { إلا إفك }: كذب { مفترى } بإضافته إلى الله تعالى. { وقال الذين كفروا } أي: وقالوا. والعدول عنه دليل على إنكار عظيم، وغضب شديد، حيث سجل عليهم بالكفر والجحد، { للحق لما جاءهم } أي: للقرآن، أو لأمر النبوة كله، لما عجزوا عن معارضته، قالوا: { إن هذا إلا سحر مبين } أي: ما هذا إلا سحر ظاهر سحريته. وإنكارهم أولا باعتبار معناه، وثانيا باعتبار لفظه وإعجازه، ولذلك سموه سحرا. قال تعالى: { وما آتيناهم من كتب يدرسونها } أي: ما أعطينا مشركي مكة كتبا يدرسونها، فيها برهان على صحة الشكر. { وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } أي: ولا أرسلنا إليهم نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، ويدعوهم إليه، إذ لا وجه له، فمن أين وقع لهم هذه الشبهة؟ وهذا في غاية التجهيل لهم، والتسفيه لرأيهم. ثم هددهم بقوله: { وكذب الذين من قبلهم } أي: وكذب الذين تقدموا من الأمم الماضية، والقرون الخالية، الرسل، كما كذب هؤلاء. { وما بلغوا معشار ما آتيناهم } أي: وما بلغ أهل مكة عشر ما أوتي الأولون، من طول الأعمار، وقوة الأجرام، وكثرة الأموال والأولاد، وتوالي النعم، والظهور في البلاد. والمعشار: مفعال، من: العشر، ولم يأت هذا البناء إلا في العشرة والأربعة. قالوا: معشار ومرباع. وقال في القوت: المعشار: عشر العشر. { فكذبوا رسلي } أي: فكذبت تلك الأمم رسلي، { فكيف كان نكير } أي: فانظر كيف كان إنكاري عليهم بالهلاك والتدمير. فالنكير: مصدر، كالإنكار معنى، وكالنذير وزنا. و كيف للتعظيم، لا لمجرد الاستفهام، أي: فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم تغن عنهم تلك الأموال والأولاد، وما كانوا مستظهرين به من الرئاسة والجاه، فليحذر هؤلاء أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك لمشاركتهم لهم في الكفر والعدوان. الإشارة: تكذيب الصادقين سنة ماضية، وكل من ظهر بخصوصية يجذب الناس إلى الله، ويخرجهم من عوائدهم، قالوا: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، فحين كذبوا أولياء زمانهم حرموا بركتهم، فبقوا في عذاب الحرص والتعب، والهلع والنصب. قال القشيري: إن الحكماء والأولياء الذين هم الأئمة في هذه الطريقة إذا دلوا الناس على الله، قال إخوانهم من إخوان السوء وربما كان من الأقارب وأبناء الدنيا: من ذا الذي يطيق هذا؟ ولا بد من الدنيا ما دمت تعيش!.. وأمثال هذا كثير، حتى يميل ذلك المسكين من قبل النصح، فيهلك ويضل. ه. باختصار. وقال في قوله تعالى: { وما آتيناهم من كتب يدرسونها.. } ما حاصله: إن أرباب القلوب إذا تكلموا بالحقائق، على سبيل الإلهام والفيض، لا يطلب منهم البرهان على ما نطقوا به، فإذا طالبهم أهل القبلة بذلك، فسبيلهم السكوت عنهم، حتى يجيب عنهم الحق تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم أمر بالتفكر والاعتبار فقال: { قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا... }
سبأ 34:45
يقول الحق جل جلاله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا } أي: إذا قرئت عليهم آيات القرآن، { بينات } واضحات، { قالوا } أي: المشركون { ما هذا }؟ يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم { إلا رجل يريد أن يصدكم }: يصرفكم { عما كان يعبد آباؤكم } من الأصنام. { وقالوا ما هذا } أي: القرآن { إلا إفك }: كذب { مفترى } بإضافته إلى الله تعالى. { وقال الذين كفروا } أي: وقالوا. والعدول عنه دليل على إنكار عظيم، وغضب شديد، حيث سجل عليهم بالكفر والجحد، { للحق لما جاءهم } أي: للقرآن، أو لأمر النبوة كله، لما عجزوا عن معارضته، قالوا: { إن هذا إلا سحر مبين } أي: ما هذا إلا سحر ظاهر سحريته. وإنكارهم أولا باعتبار معناه، وثانيا باعتبار لفظه وإعجازه، ولذلك سموه سحرا. قال تعالى: { وما آتيناهم من كتب يدرسونها } أي: ما أعطينا مشركي مكة كتبا يدرسونها، فيها برهان على صحة الشكر. { وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } أي: ولا أرسلنا إليهم نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، ويدعوهم إليه، إذ لا وجه له، فمن أين وقع لهم هذه الشبهة؟ وهذا في غاية التجهيل لهم، والتسفيه لرأيهم. ثم هددهم بقوله: { وكذب الذين من قبلهم } أي: وكذب الذين تقدموا من الأمم الماضية، والقرون الخالية، الرسل، كما كذب هؤلاء. { وما بلغوا معشار ما آتيناهم } أي: وما بلغ أهل مكة عشر ما أوتي الأولون، من طول الأعمار، وقوة الأجرام، وكثرة الأموال والأولاد، وتوالي النعم، والظهور في البلاد. والمعشار: مفعال، من: العشر، ولم يأت هذا البناء إلا في العشرة والأربعة. قالوا: معشار ومرباع. وقال في القوت: المعشار: عشر العشر. { فكذبوا رسلي } أي: فكذبت تلك الأمم رسلي، { فكيف كان نكير } أي: فانظر كيف كان إنكاري عليهم بالهلاك والتدمير. فالنكير: مصدر، كالإنكار معنى، وكالنذير وزنا. و كيف للتعظيم، لا لمجرد الاستفهام، أي: فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم تغن عنهم تلك الأموال والأولاد، وما كانوا مستظهرين به من الرئاسة والجاه، فليحذر هؤلاء أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك لمشاركتهم لهم في الكفر والعدوان. الإشارة: تكذيب الصادقين سنة ماضية، وكل من ظهر بخصوصية يجذب الناس إلى الله، ويخرجهم من عوائدهم، قالوا: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، فحين كذبوا أولياء زمانهم حرموا بركتهم، فبقوا في عذاب الحرص والتعب، والهلع والنصب. قال القشيري: إن الحكماء والأولياء الذين هم الأئمة في هذه الطريقة إذا دلوا الناس على الله، قال إخوانهم من إخوان السوء وربما كان من الأقارب وأبناء الدنيا: من ذا الذي يطيق هذا؟ ولا بد من الدنيا ما دمت تعيش!.. وأمثال هذا كثير، حتى يميل ذلك المسكين من قبل النصح، فيهلك ويضل. ه. باختصار. وقال في قوله تعالى: { وما آتيناهم من كتب يدرسونها.. } ما حاصله: إن أرباب القلوب إذا تكلموا بالحقائق، على سبيل الإلهام والفيض، لا يطلب منهم البرهان على ما نطقوا به، فإذا طالبهم أهل القبلة بذلك، فسبيلهم السكوت عنهم، حتى يجيب عنهم الحق تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم أمر بالتفكر والاعتبار فقال: { قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا... }
سبأ 34:46
قلت: " أن تقوموا ": بدل من " واحدة " ، أو خبر عن مضمر. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إنما أعظكم بواحدة } بخصلة واحدة، وهي: { أن تقوموا لله } أي: لوجه الله خالصا، لا لحمية، ولا عصبية، بل لطلب الحق والاسترشاد. فالقيام على هذا معنوي، وهو القصد والتوجه بالقلب، وقيل: حسي، وهو قيامهم وتفرقهم عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقوم كل واحد منفردا بنفسه، يتفكر، أو مع صاحبه. وهذا معنى قوله: { مثنى وفرادى } أي: اثنين اثنين، أو فردا فردا. والمعنى: أعظكم بواحدة أن تعملوا ما أصبتم الحق، وتخلصتم من الجهل. وهي أن تقوموا فردا. والمعنى: أعظكم بواحدة أن تعملوا ما أصبتم الحق، وتخلصتم من الجهل. وهي أن تقوموا وتنهضوا لله، معرضين عن المراء والتقليد، متفرقين اثنين اثنين، أو واحدا واحدا فإن الازدحام يشوش الخاطر، ويخلط القول، ويمنع من الروية، ويقل فيه الإنصاف، ويكثر الاعتساف. { ثم تتفكروا } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، حتى تعلموا أنه حق، أما الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف، حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق، وكذلك المفرد، يتفكر في نفسه ويعرض فكره على عقله. فإذا تفكرتم بالإنصاف عرفتم أن { ما بصاحبكم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { من جنة } من جنون، وهذا كقوله:
أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة
[الأعراف: 184]. ومنهم من يقف على " تتفكروا " ثم يستأنف النفي. قال القشيري: يقول: إذا سولت لكم أنفسكم تكذيب الرسل، فأمعنوا النظر، هل ترون فيهم آثار ما رميتموهم به هذا محمد صلى الله عليه وسلم قلتم ساحر، فأين آثار السحر في أحواله وأفعاله وأقواله؟ قلتم: فأي قسم من أقسام الشعر كلامه؟ قلتم مجنون، فأي جنون ظهر منه؟ وإذا عجزتم فهلا اعترفتم به أنه صادق؟!. ه. { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } أي: قدام عذاب شديد، وهو عذاب الآخرة، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم:
" بعثت بين يدي الساعة ".
الإشارة: فكرة الاعتبار تشد عروة الإيمان، وفكرة الاستبصار تشد عروة الإحسان، فأول ما يتفكر فيه الإنسان في أمره صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، مع ما أخبر به من قصص القرون الماضية، والشرائع المتباينة، مع كونه أميا، لم يقرأ، ولم يطالع كتابا قط، وما أخبر به من أمر الغيب، فوقع كما أخبر، وما ظهر على يديه من المعجزات، وما اتصف به عليه الصلاة والسلام من الأخلاق الحسنة، والشيم الزكية، وما كان عليه من سياسة الخلق، مع مشاهدة الحق. وهذا لا يطاق إلا بأمر رباني، وتأييد إلهي. فإذا أشرقت على قلبه أنوار النبوة، ترقى بها إلى أنوار الربوبية، فيتفكر في عجائب السموات والأرض، فيعرف عظمة صانعها، فإذا سقط على شيخ عارف بالله أدخله فكرة العيان، فيغيب عن نظرة الأكوان، ويبقى المكون وحده. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. ثم بين أنه لا يطلب أجرا على الإنذار إزاحة للتهمة عنه فقال: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم... }
سبأ 34:47
يقول الحق جل جلاله: { قل ما سألتكم عليه } أي: على إنذاري وتبليغ الرسالة { من أجر } إذ لو كنت كذلك لاتهمتموني أني أطمع في أموالكم. وما طلبت من ذلك { فهو لكم } ومعناه: نفي سؤاله الأجر رأسا. نحو: ما لي في هذا فهو لك، وما تعطني تصدق به على نفسك. { إن أجري } في ذلك { إلا على الله وهو على كل شيء شهيد } فيعلم أني لا أطلب الأجر في نصيحتكم، ودعائكم إليه، إلا منه تعالى. الإشارة: تقدم مرارا أن الدعاة إلى الله ينبغي لهم أن يتنزهوا عن الطمع في الناس جهدهم، ولو اضطروا إلى ذلك إذ لا يقع النفع العام على أيديهم إلا بعد الزهد التام، والتعفف التام عما في أيدي الناس، فإذا تحققوا بهذا الأمر جعلهم الله حجة، يدمغ بهم على الباطل، كما قال تعالى: { قل إن ربي يقذف... }
سبأ 34:48
يقول الحق جل جلاله: { قل إن ربي يقذف بالحق } أي: بالوحي، فيرمي به على الباطل، من الكفر وشبهه، فيدمغه، أو: يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام، أو: يلقيه وينزله إلى أنبيائه. والقذف: رمي السهم ونحوه بدفع واعتماد، ويستعار لمطلق الإلقاء، ومنه:
وقذف فى قلوبهم الرعب
[الأحزاب: 26]. تم وصف الرب بقوله: { علام الغيوب } أي: هو علام الغيوب. { قل جاء الحق } أي: الإسلام: أو: القرآن، { وما يبدىء الباطل وما يعيد } أي: زال الباطل وهلك، لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي، فعدمهما عين الهلاك، والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله:
جآء الحق وزهق الباطل
[الإسراء: 81] قال الكواشي: المعنى: ذهب الباطل لمجيء الحق، فلم يبق له بقية حتى يبدىء شيئا أو يعيده. ثم قال: وهذا مثل، يقال: فلان لا يبدىء ولا يعيد، إذا كان لا يلتفت إليه ولا يعتمد عليه. وقال الهروي: الباطل: إبليس، ما يبدىء ولا يعيد: لا يخلق ولا يبعث، والله تعالى هو المبدىء المعيد، ومعناهما: الخالق الباعث. وقال في الصحاح: وفلان ما يبدىء وما يعيد، أي: ما يتكلم ببادية ولا عائدة، ومثله في القاموس. والحاصل: أنه عبارة عن زهوق الباطل، حتى لا يبقى له ظهور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول الكعبة أصنام، فجعل يطعنها بعود، فتقطع لقفاها، ويقول:
" { جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } [الإسراء: 81] قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد ".
ولما قالوا له صلى الله عليه وسلم: قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى: { قل إن ضللت } عن الحق { فإنما أضل على نفسي } فإن وبال ضلالي عليها، { وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } أي: فبتسديده بالوحي إلي. وكان قياس المقابلة أن يقال: وإن اهتديت فإنما أهتدي لها، كقوله:
فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها
[الزمر: 41]، ولكن هما متقابلان معنى لأن النفس كل ما يضرها فهو بسببها، وما لها مما ينفعها، فهو بهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عمل لكل مكلف. وإنما أمر رسوله أن ينسبه إلى نفسه تشريعا لغيره لأنه إذا كان هذا له مع جلالة قدره فما باله بغيره؟. { إنه سميع } لما أقوله لكم، { قريب } مني ومنكم، فيجازيني ويجازيكم على ما أخفيتم وما أعلنتم. الإشارة: الحق هو العلم بالله، والباطل الجهل بالله، أو: ما سوى الله، فإذا حصل للعبد العلم بالله غاب عنه كل ما سواه، وما بقي في الوجود إلا الله، وفي ذلك يقول الشاعر: >
فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين
وفي القوت في تفسير الآية: أي: لما جاء الحق أبطل الباطل وأعاده، فأظهر حقيقة الأمر بدءا وعودا، أي: كشف ما يبدىء الباطل للابتداء، وما يعيد على العبد من الأحكام، يعني: أن نور الحق يكشف حقيقة الباطل وضرر عاقبته، وقبحه في ذاته. والله أعلم. ه. ومن رمي بباطل أو بدعة، وهو محقق بالحق، متمسك بالسنة النبوية، فليقل لمن رماه: { إن ضللت فإنما أضل على نفسي.. } الآية. ثم ذكر حسرة من فاته الإيمان في إبانه فقال: { ولو ترى إذ فزعوا... }
سبأ 34:49
يقول الحق جل جلاله: { قل إن ربي يقذف بالحق } أي: بالوحي، فيرمي به على الباطل، من الكفر وشبهه، فيدمغه، أو: يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام، أو: يلقيه وينزله إلى أنبيائه. والقذف: رمي السهم ونحوه بدفع واعتماد، ويستعار لمطلق الإلقاء، ومنه:
وقذف فى قلوبهم الرعب
[الأحزاب: 26]. تم وصف الرب بقوله: { علام الغيوب } أي: هو علام الغيوب. { قل جاء الحق } أي: الإسلام: أو: القرآن، { وما يبدىء الباطل وما يعيد } أي: زال الباطل وهلك، لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي، فعدمهما عين الهلاك، والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله:
جآء الحق وزهق الباطل
[الإسراء: 81] قال الكواشي: المعنى: ذهب الباطل لمجيء الحق، فلم يبق له بقية حتى يبدىء شيئا أو يعيده. ثم قال: وهذا مثل، يقال: فلان لا يبدىء ولا يعيد، إذا كان لا يلتفت إليه ولا يعتمد عليه. وقال الهروي: الباطل: إبليس، ما يبدىء ولا يعيد: لا يخلق ولا يبعث، والله تعالى هو المبدىء المعيد، ومعناهما: الخالق الباعث. وقال في الصحاح: وفلان ما يبدىء وما يعيد، أي: ما يتكلم ببادية ولا عائدة، ومثله في القاموس. والحاصل: أنه عبارة عن زهوق الباطل، حتى لا يبقى له ظهور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول الكعبة أصنام، فجعل يطعنها بعود، فتقطع لقفاها، ويقول:
" { جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } [الإسراء: 81] قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد ".
ولما قالوا له صلى الله عليه وسلم: قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى: { قل إن ضللت } عن الحق { فإنما أضل على نفسي } فإن وبال ضلالي عليها، { وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } أي: فبتسديده بالوحي إلي. وكان قياس المقابلة أن يقال: وإن اهتديت فإنما أهتدي لها، كقوله:
فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها
[الزمر: 41]، ولكن هما متقابلان معنى لأن النفس كل ما يضرها فهو بسببها، وما لها مما ينفعها، فهو بهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عمل لكل مكلف. وإنما أمر رسوله أن ينسبه إلى نفسه تشريعا لغيره لأنه إذا كان هذا له مع جلالة قدره فما باله بغيره؟. { إنه سميع } لما أقوله لكم، { قريب } مني ومنكم، فيجازيني ويجازيكم على ما أخفيتم وما أعلنتم. الإشارة: الحق هو العلم بالله، والباطل الجهل بالله، أو: ما سوى الله، فإذا حصل للعبد العلم بالله غاب عنه كل ما سواه، وما بقي في الوجود إلا الله، وفي ذلك يقول الشاعر: >
فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين
وفي القوت في تفسير الآية: أي: لما جاء الحق أبطل الباطل وأعاده، فأظهر حقيقة الأمر بدءا وعودا، أي: كشف ما يبدىء الباطل للابتداء، وما يعيد على العبد من الأحكام، يعني: أن نور الحق يكشف حقيقة الباطل وضرر عاقبته، وقبحه في ذاته. والله أعلم. ه. ومن رمي بباطل أو بدعة، وهو محقق بالحق، متمسك بالسنة النبوية، فليقل لمن رماه: { إن ضللت فإنما أضل على نفسي.. } الآية. ثم ذكر حسرة من فاته الإيمان في إبانه فقال: { ولو ترى إذ فزعوا... }
سبأ 34:50
يقول الحق جل جلاله: { قل إن ربي يقذف بالحق } أي: بالوحي، فيرمي به على الباطل، من الكفر وشبهه، فيدمغه، أو: يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام، أو: يلقيه وينزله إلى أنبيائه. والقذف: رمي السهم ونحوه بدفع واعتماد، ويستعار لمطلق الإلقاء، ومنه:
وقذف فى قلوبهم الرعب
[الأحزاب: 26]. تم وصف الرب بقوله: { علام الغيوب } أي: هو علام الغيوب. { قل جاء الحق } أي: الإسلام: أو: القرآن، { وما يبدىء الباطل وما يعيد } أي: زال الباطل وهلك، لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي، فعدمهما عين الهلاك، والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله:
جآء الحق وزهق الباطل
[الإسراء: 81] قال الكواشي: المعنى: ذهب الباطل لمجيء الحق، فلم يبق له بقية حتى يبدىء شيئا أو يعيده. ثم قال: وهذا مثل، يقال: فلان لا يبدىء ولا يعيد، إذا كان لا يلتفت إليه ولا يعتمد عليه. وقال الهروي: الباطل: إبليس، ما يبدىء ولا يعيد: لا يخلق ولا يبعث، والله تعالى هو المبدىء المعيد، ومعناهما: الخالق الباعث. وقال في الصحاح: وفلان ما يبدىء وما يعيد، أي: ما يتكلم ببادية ولا عائدة، ومثله في القاموس. والحاصل: أنه عبارة عن زهوق الباطل، حتى لا يبقى له ظهور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول الكعبة أصنام، فجعل يطعنها بعود، فتقطع لقفاها، ويقول:
" { جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } [الإسراء: 81] قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد ".
ولما قالوا له صلى الله عليه وسلم: قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى: { قل إن ضللت } عن الحق { فإنما أضل على نفسي } فإن وبال ضلالي عليها، { وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } أي: فبتسديده بالوحي إلي. وكان قياس المقابلة أن يقال: وإن اهتديت فإنما أهتدي لها، كقوله:
فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها
[الزمر: 41]، ولكن هما متقابلان معنى لأن النفس كل ما يضرها فهو بسببها، وما لها مما ينفعها، فهو بهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عمل لكل مكلف. وإنما أمر رسوله أن ينسبه إلى نفسه تشريعا لغيره لأنه إذا كان هذا له مع جلالة قدره فما باله بغيره؟. { إنه سميع } لما أقوله لكم، { قريب } مني ومنكم، فيجازيني ويجازيكم على ما أخفيتم وما أعلنتم. الإشارة: الحق هو العلم بالله، والباطل الجهل بالله، أو: ما سوى الله، فإذا حصل للعبد العلم بالله غاب عنه كل ما سواه، وما بقي في الوجود إلا الله، وفي ذلك يقول الشاعر: >
فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين
وفي القوت في تفسير الآية: أي: لما جاء الحق أبطل الباطل وأعاده، فأظهر حقيقة الأمر بدءا وعودا، أي: كشف ما يبدىء الباطل للابتداء، وما يعيد على العبد من الأحكام، يعني: أن نور الحق يكشف حقيقة الباطل وضرر عاقبته، وقبحه في ذاته. والله أعلم. ه. ومن رمي بباطل أو بدعة، وهو محقق بالحق، متمسك بالسنة النبوية، فليقل لمن رماه: { إن ضللت فإنما أضل على نفسي.. } الآية. ثم ذكر حسرة من فاته الإيمان في إبانه فقال: { ولو ترى إذ فزعوا... }
سبأ 34:51
قلت: " مريب ": اسم فاعل، من أراب، أي: أتى بريبة، وأربته: أوقعته في الريبة. ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز. والمراد: وصفه بالشدة والإظلام، بحيث إنه يوقع في شك آخر. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو: يا من تصح منه الرؤية، الكفرة. { إذ فزعوا } حين فزعوا عند صيحة البعث، لرأيت أمرا فظيعا هائلا، { فلا فوت } أي: لا مهرب لهم، أو: فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. { وأخذوا } إلى النار { من مكان قريب } من المحشر إلى قعر جنهم. أو: ولو ترى إذ فزعوا عند الموت فلا فوت منه، وأخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها، أو: إذا فزعوا يوم بدر، وأخذوا من صحراء بدر إلى القليب. { وقالوا } حين عاينوا العذاب: { آمنا به } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم لمرور ذكره في قوله:
ما بصاحبكم من جنة
[سبأ: 46] أو: بالله، أو: بالقرآن المذكور في قوله: { فبما يوحي إلي ربي } { وأنى لهم التناوش } أي: التناول. من قرأه بالواو فوجهه: أنه مصدر: ناش، ينوش، نوشا، أي: تناول، وهي لغة حجازية، ومنه: تناوش القوم في الحرب: إذا تدانوا، وتناول بعضهم بعضا، أي: ومن أين لهم تناول التوبة وقد بعدت عنهم، يعني أن التوبة كانت منهم قريبة، تقبل منهم في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا وبعدت عن الآخرة. وقيل: هو تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، فمثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناوله الآخر من ألف ذراع. ووجه من قرأه بالهمز: أنه مصدر: تناءش، بمعنى أبطأ، أو: بعد، يقال: تناءشت الشيء: أخذته من بعد. النئيش: الشيء البطيء، كما قال الشاعر:
وجئت نئيشا بعدما فاتك الخير
أي: جئت بطيئا. وقيل: الهمز بدل الواو، كالصائم، والقائم، وأقتت. والمعنى: ومن أين لهم حصول الإيمان المتعذر بعد حصول البعد عن وقته. { وقد كفروا به من قبل } حصول العذاب، أو: قبل الموت في الدنيا، { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } هو عطف على " كفروا " على حكاية الحال الماضية، أي: وقد كفروا في الدنيا، ورموا بظنونهم في الأمور المغيبة، فقالوا: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار. { من مكان بعيد } عن الحق والصواب، أو: هو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، شاعر، ساحر، كذاب، وهو رجم بالغيب إذ لم يشاهدوا منه سحرا ولا شعرا ولا كذبا. وقد أتوا بهذا الأمر من جهة بعيدة من حاله صلى الله عليه وسلم إذ لم يعرفوه إلا بالصدق، والأمانة، ورجاحة العقل. { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } من نفع الإيمان يومئذ، والنجاة به من النيران، والفوز بنعيم الجنان، أو بين الرد إلى الدنيا، كما حكي عنهم بقوله:
فارجعنا نعمل صالحا
[السجدة: 12] { كما فعل بأشياعهم من قبل } أي: بأشباههم من الكفرة الدارجة من قبلهم، فإنه قد حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان والعمل الصالح بالموت، وهذه الأفعال كلها تقع في المستقبل، عبر عنها بالماضي لتحقق وقوعها. { إنهم كانوا في شك } في أمر الرسول والبعث، { مريب } موقع للريبة، أو: ذي ريبة، نعت به للمبالغة. وفيه رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك، قاله النسفي. الإشارة: قوم غفلوا عن تحقيق الإيمان، وتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى إذا كشف بعد الموت عن مقامهم القصير، ومكانهم البعيد، قالوا: آمنا وتيقنا، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. وقوم اشتغلوا بالبطالة والتقصير، وصرفوا في الشهوات والحظوظ عمرهم القصير، وتوغلوا في أشغال الدنيا وزخارفها، فذهلوا عن الجد والتشمير، فإذا انقضت عنهم أيام الدنيا حيل بينهم وبين ما يشتهون، من اغتنام الأوقات، وتعمير الساعات، لنيل المراتب والدرجات، وهنالك يقع الندم حين لم ينفع، ويطلب الرجوع فلا يسمع. قال القشيري: إذا تابوا وقد أغلقت الأبواب، وندموا وقد تقطعت بهم الأسباب، فليس إلا الحسرات مع الندم، ولات حين ندامة! كذلك من استهان بتفاصيل فترته، ولم يستفق من غفلته فتجاوز حده، ويعفى عنه كره. فإذا استمكن في القسوة، وتجاوز في سوء الأدب حد القلة، وزاد على مقدار الكثرة، فيحصل لهم من الحق رد، ويستقبلهم حجاب البعد. فعند ذلك لا يسمع لهم دعاء، ولا يرحم لهم بكاء، كما قيل، وأنشد:
سبيل العين بعدك للبكا فليس لأيام الصفاء رجوع ه.
وقوم شمروا عن سابق الجد والتشمير، ولم يقنعوا من مولاهم بقليل ولا كثير، قد انتهزوا فرصة الأعمار، ولم يشغلهم عن الله ربع ولا ديار، عمروا أوقاتهم بالذكر والتذكار، وفكرة الاعتبار والاستبصار، حتى وردوا دار القرار، أولئك المصطفون الأخيار، يدفع الله تعالى بهم عن أهل الدنيا الأنكاد والأغيار، ويكشف عن قلوبهم الحجب والأستار. وقوم حققوا مقام الإيمان، واشتغلوا بتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى أفضوا إلى مقام العيان، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه، وبمحمد نبيه وحبه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.
سبأ 34:52
قلت: " مريب ": اسم فاعل، من أراب، أي: أتى بريبة، وأربته: أوقعته في الريبة. ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز. والمراد: وصفه بالشدة والإظلام، بحيث إنه يوقع في شك آخر. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو: يا من تصح منه الرؤية، الكفرة. { إذ فزعوا } حين فزعوا عند صيحة البعث، لرأيت أمرا فظيعا هائلا، { فلا فوت } أي: لا مهرب لهم، أو: فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. { وأخذوا } إلى النار { من مكان قريب } من المحشر إلى قعر جنهم. أو: ولو ترى إذ فزعوا عند الموت فلا فوت منه، وأخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها، أو: إذا فزعوا يوم بدر، وأخذوا من صحراء بدر إلى القليب. { وقالوا } حين عاينوا العذاب: { آمنا به } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم لمرور ذكره في قوله:
ما بصاحبكم من جنة
[سبأ: 46] أو: بالله، أو: بالقرآن المذكور في قوله: { فبما يوحي إلي ربي } { وأنى لهم التناوش } أي: التناول. من قرأه بالواو فوجهه: أنه مصدر: ناش، ينوش، نوشا، أي: تناول، وهي لغة حجازية، ومنه: تناوش القوم في الحرب: إذا تدانوا، وتناول بعضهم بعضا، أي: ومن أين لهم تناول التوبة وقد بعدت عنهم، يعني أن التوبة كانت منهم قريبة، تقبل منهم في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا وبعدت عن الآخرة. وقيل: هو تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، فمثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناوله الآخر من ألف ذراع. ووجه من قرأه بالهمز: أنه مصدر: تناءش، بمعنى أبطأ، أو: بعد، يقال: تناءشت الشيء: أخذته من بعد. النئيش: الشيء البطيء، كما قال الشاعر:
وجئت نئيشا بعدما فاتك الخير
أي: جئت بطيئا. وقيل: الهمز بدل الواو، كالصائم، والقائم، وأقتت. والمعنى: ومن أين لهم حصول الإيمان المتعذر بعد حصول البعد عن وقته. { وقد كفروا به من قبل } حصول العذاب، أو: قبل الموت في الدنيا، { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } هو عطف على " كفروا " على حكاية الحال الماضية، أي: وقد كفروا في الدنيا، ورموا بظنونهم في الأمور المغيبة، فقالوا: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار. { من مكان بعيد } عن الحق والصواب، أو: هو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، شاعر، ساحر، كذاب، وهو رجم بالغيب إذ لم يشاهدوا منه سحرا ولا شعرا ولا كذبا. وقد أتوا بهذا الأمر من جهة بعيدة من حاله صلى الله عليه وسلم إذ لم يعرفوه إلا بالصدق، والأمانة، ورجاحة العقل. { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } من نفع الإيمان يومئذ، والنجاة به من النيران، والفوز بنعيم الجنان، أو بين الرد إلى الدنيا، كما حكي عنهم بقوله:
فارجعنا نعمل صالحا
[السجدة: 12] { كما فعل بأشياعهم من قبل } أي: بأشباههم من الكفرة الدارجة من قبلهم، فإنه قد حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان والعمل الصالح بالموت، وهذه الأفعال كلها تقع في المستقبل، عبر عنها بالماضي لتحقق وقوعها. { إنهم كانوا في شك } في أمر الرسول والبعث، { مريب } موقع للريبة، أو: ذي ريبة، نعت به للمبالغة. وفيه رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك، قاله النسفي. الإشارة: قوم غفلوا عن تحقيق الإيمان، وتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى إذا كشف بعد الموت عن مقامهم القصير، ومكانهم البعيد، قالوا: آمنا وتيقنا، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. وقوم اشتغلوا بالبطالة والتقصير، وصرفوا في الشهوات والحظوظ عمرهم القصير، وتوغلوا في أشغال الدنيا وزخارفها، فذهلوا عن الجد والتشمير، فإذا انقضت عنهم أيام الدنيا حيل بينهم وبين ما يشتهون، من اغتنام الأوقات، وتعمير الساعات، لنيل المراتب والدرجات، وهنالك يقع الندم حين لم ينفع، ويطلب الرجوع فلا يسمع. قال القشيري: إذا تابوا وقد أغلقت الأبواب، وندموا وقد تقطعت بهم الأسباب، فليس إلا الحسرات مع الندم، ولات حين ندامة! كذلك من استهان بتفاصيل فترته، ولم يستفق من غفلته فتجاوز حده، ويعفى عنه كره. فإذا استمكن في القسوة، وتجاوز في سوء الأدب حد القلة، وزاد على مقدار الكثرة، فيحصل لهم من الحق رد، ويستقبلهم حجاب البعد. فعند ذلك لا يسمع لهم دعاء، ولا يرحم لهم بكاء، كما قيل، وأنشد:
سبيل العين بعدك للبكا فليس لأيام الصفاء رجوع ه.
وقوم شمروا عن سابق الجد والتشمير، ولم يقنعوا من مولاهم بقليل ولا كثير، قد انتهزوا فرصة الأعمار، ولم يشغلهم عن الله ربع ولا ديار، عمروا أوقاتهم بالذكر والتذكار، وفكرة الاعتبار والاستبصار، حتى وردوا دار القرار، أولئك المصطفون الأخيار، يدفع الله تعالى بهم عن أهل الدنيا الأنكاد والأغيار، ويكشف عن قلوبهم الحجب والأستار. وقوم حققوا مقام الإيمان، واشتغلوا بتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى أفضوا إلى مقام العيان، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه، وبمحمد نبيه وحبه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.
سبأ 34:53
قلت: " مريب ": اسم فاعل، من أراب، أي: أتى بريبة، وأربته: أوقعته في الريبة. ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز. والمراد: وصفه بالشدة والإظلام، بحيث إنه يوقع في شك آخر. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو: يا من تصح منه الرؤية، الكفرة. { إذ فزعوا } حين فزعوا عند صيحة البعث، لرأيت أمرا فظيعا هائلا، { فلا فوت } أي: لا مهرب لهم، أو: فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. { وأخذوا } إلى النار { من مكان قريب } من المحشر إلى قعر جنهم. أو: ولو ترى إذ فزعوا عند الموت فلا فوت منه، وأخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها، أو: إذا فزعوا يوم بدر، وأخذوا من صحراء بدر إلى القليب. { وقالوا } حين عاينوا العذاب: { آمنا به } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم لمرور ذكره في قوله:
ما بصاحبكم من جنة
[سبأ: 46] أو: بالله، أو: بالقرآن المذكور في قوله: { فبما يوحي إلي ربي } { وأنى لهم التناوش } أي: التناول. من قرأه بالواو فوجهه: أنه مصدر: ناش، ينوش، نوشا، أي: تناول، وهي لغة حجازية، ومنه: تناوش القوم في الحرب: إذا تدانوا، وتناول بعضهم بعضا، أي: ومن أين لهم تناول التوبة وقد بعدت عنهم، يعني أن التوبة كانت منهم قريبة، تقبل منهم في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا وبعدت عن الآخرة. وقيل: هو تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، فمثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناوله الآخر من ألف ذراع. ووجه من قرأه بالهمز: أنه مصدر: تناءش، بمعنى أبطأ، أو: بعد، يقال: تناءشت الشيء: أخذته من بعد. النئيش: الشيء البطيء، كما قال الشاعر:
وجئت نئيشا بعدما فاتك الخير
أي: جئت بطيئا. وقيل: الهمز بدل الواو، كالصائم، والقائم، وأقتت. والمعنى: ومن أين لهم حصول الإيمان المتعذر بعد حصول البعد عن وقته. { وقد كفروا به من قبل } حصول العذاب، أو: قبل الموت في الدنيا، { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } هو عطف على " كفروا " على حكاية الحال الماضية، أي: وقد كفروا في الدنيا، ورموا بظنونهم في الأمور المغيبة، فقالوا: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار. { من مكان بعيد } عن الحق والصواب، أو: هو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، شاعر، ساحر، كذاب، وهو رجم بالغيب إذ لم يشاهدوا منه سحرا ولا شعرا ولا كذبا. وقد أتوا بهذا الأمر من جهة بعيدة من حاله صلى الله عليه وسلم إذ لم يعرفوه إلا بالصدق، والأمانة، ورجاحة العقل. { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } من نفع الإيمان يومئذ، والنجاة به من النيران، والفوز بنعيم الجنان، أو بين الرد إلى الدنيا، كما حكي عنهم بقوله:
فارجعنا نعمل صالحا
[السجدة: 12] { كما فعل بأشياعهم من قبل } أي: بأشباههم من الكفرة الدارجة من قبلهم، فإنه قد حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان والعمل الصالح بالموت، وهذه الأفعال كلها تقع في المستقبل، عبر عنها بالماضي لتحقق وقوعها. { إنهم كانوا في شك } في أمر الرسول والبعث، { مريب } موقع للريبة، أو: ذي ريبة، نعت به للمبالغة. وفيه رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك، قاله النسفي. الإشارة: قوم غفلوا عن تحقيق الإيمان، وتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى إذا كشف بعد الموت عن مقامهم القصير، ومكانهم البعيد، قالوا: آمنا وتيقنا، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. وقوم اشتغلوا بالبطالة والتقصير، وصرفوا في الشهوات والحظوظ عمرهم القصير، وتوغلوا في أشغال الدنيا وزخارفها، فذهلوا عن الجد والتشمير، فإذا انقضت عنهم أيام الدنيا حيل بينهم وبين ما يشتهون، من اغتنام الأوقات، وتعمير الساعات، لنيل المراتب والدرجات، وهنالك يقع الندم حين لم ينفع، ويطلب الرجوع فلا يسمع. قال القشيري: إذا تابوا وقد أغلقت الأبواب، وندموا وقد تقطعت بهم الأسباب، فليس إلا الحسرات مع الندم، ولات حين ندامة! كذلك من استهان بتفاصيل فترته، ولم يستفق من غفلته فتجاوز حده، ويعفى عنه كره. فإذا استمكن في القسوة، وتجاوز في سوء الأدب حد القلة، وزاد على مقدار الكثرة، فيحصل لهم من الحق رد، ويستقبلهم حجاب البعد. فعند ذلك لا يسمع لهم دعاء، ولا يرحم لهم بكاء، كما قيل، وأنشد:
سبيل العين بعدك للبكا فليس لأيام الصفاء رجوع ه.
وقوم شمروا عن سابق الجد والتشمير، ولم يقنعوا من مولاهم بقليل ولا كثير، قد انتهزوا فرصة الأعمار، ولم يشغلهم عن الله ربع ولا ديار، عمروا أوقاتهم بالذكر والتذكار، وفكرة الاعتبار والاستبصار، حتى وردوا دار القرار، أولئك المصطفون الأخيار، يدفع الله تعالى بهم عن أهل الدنيا الأنكاد والأغيار، ويكشف عن قلوبهم الحجب والأستار. وقوم حققوا مقام الإيمان، واشتغلوا بتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى أفضوا إلى مقام العيان، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه، وبمحمد نبيه وحبه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.
سبأ 34:54
قلت: " مريب ": اسم فاعل، من أراب، أي: أتى بريبة، وأربته: أوقعته في الريبة. ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز. والمراد: وصفه بالشدة والإظلام، بحيث إنه يوقع في شك آخر. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو: يا من تصح منه الرؤية، الكفرة. { إذ فزعوا } حين فزعوا عند صيحة البعث، لرأيت أمرا فظيعا هائلا، { فلا فوت } أي: لا مهرب لهم، أو: فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. { وأخذوا } إلى النار { من مكان قريب } من المحشر إلى قعر جنهم. أو: ولو ترى إذ فزعوا عند الموت فلا فوت منه، وأخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها، أو: إذا فزعوا يوم بدر، وأخذوا من صحراء بدر إلى القليب. { وقالوا } حين عاينوا العذاب: { آمنا به } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم لمرور ذكره في قوله:
ما بصاحبكم من جنة
[سبأ: 46] أو: بالله، أو: بالقرآن المذكور في قوله: { فبما يوحي إلي ربي } { وأنى لهم التناوش } أي: التناول. من قرأه بالواو فوجهه: أنه مصدر: ناش، ينوش، نوشا، أي: تناول، وهي لغة حجازية، ومنه: تناوش القوم في الحرب: إذا تدانوا، وتناول بعضهم بعضا، أي: ومن أين لهم تناول التوبة وقد بعدت عنهم، يعني أن التوبة كانت منهم قريبة، تقبل منهم في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا وبعدت عن الآخرة. وقيل: هو تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، فمثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناوله الآخر من ألف ذراع. ووجه من قرأه بالهمز: أنه مصدر: تناءش، بمعنى أبطأ، أو: بعد، يقال: تناءشت الشيء: أخذته من بعد. النئيش: الشيء البطيء، كما قال الشاعر:
وجئت نئيشا بعدما فاتك الخير
أي: جئت بطيئا. وقيل: الهمز بدل الواو، كالصائم، والقائم، وأقتت. والمعنى: ومن أين لهم حصول الإيمان المتعذر بعد حصول البعد عن وقته. { وقد كفروا به من قبل } حصول العذاب، أو: قبل الموت في الدنيا، { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } هو عطف على " كفروا " على حكاية الحال الماضية، أي: وقد كفروا في الدنيا، ورموا بظنونهم في الأمور المغيبة، فقالوا: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار. { من مكان بعيد } عن الحق والصواب، أو: هو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، شاعر، ساحر، كذاب، وهو رجم بالغيب إذ لم يشاهدوا منه سحرا ولا شعرا ولا كذبا. وقد أتوا بهذا الأمر من جهة بعيدة من حاله صلى الله عليه وسلم إذ لم يعرفوه إلا بالصدق، والأمانة، ورجاحة العقل. { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } من نفع الإيمان يومئذ، والنجاة به من النيران، والفوز بنعيم الجنان، أو بين الرد إلى الدنيا، كما حكي عنهم بقوله:
فارجعنا نعمل صالحا
[السجدة: 12] { كما فعل بأشياعهم من قبل } أي: بأشباههم من الكفرة الدارجة من قبلهم، فإنه قد حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان والعمل الصالح بالموت، وهذه الأفعال كلها تقع في المستقبل، عبر عنها بالماضي لتحقق وقوعها. { إنهم كانوا في شك } في أمر الرسول والبعث، { مريب } موقع للريبة، أو: ذي ريبة، نعت به للمبالغة. وفيه رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك، قاله النسفي. الإشارة: قوم غفلوا عن تحقيق الإيمان، وتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى إذا كشف بعد الموت عن مقامهم القصير، ومكانهم البعيد، قالوا: آمنا وتيقنا، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. وقوم اشتغلوا بالبطالة والتقصير، وصرفوا في الشهوات والحظوظ عمرهم القصير، وتوغلوا في أشغال الدنيا وزخارفها، فذهلوا عن الجد والتشمير، فإذا انقضت عنهم أيام الدنيا حيل بينهم وبين ما يشتهون، من اغتنام الأوقات، وتعمير الساعات، لنيل المراتب والدرجات، وهنالك يقع الندم حين لم ينفع، ويطلب الرجوع فلا يسمع. قال القشيري: إذا تابوا وقد أغلقت الأبواب، وندموا وقد تقطعت بهم الأسباب، فليس إلا الحسرات مع الندم، ولات حين ندامة! كذلك من استهان بتفاصيل فترته، ولم يستفق من غفلته فتجاوز حده، ويعفى عنه كره. فإذا استمكن في القسوة، وتجاوز في سوء الأدب حد القلة، وزاد على مقدار الكثرة، فيحصل لهم من الحق رد، ويستقبلهم حجاب البعد. فعند ذلك لا يسمع لهم دعاء، ولا يرحم لهم بكاء، كما قيل، وأنشد:
سبيل العين بعدك للبكا فليس لأيام الصفاء رجوع ه.
وقوم شمروا عن سابق الجد والتشمير، ولم يقنعوا من مولاهم بقليل ولا كثير، قد انتهزوا فرصة الأعمار، ولم يشغلهم عن الله ربع ولا ديار، عمروا أوقاتهم بالذكر والتذكار، وفكرة الاعتبار والاستبصار، حتى وردوا دار القرار، أولئك المصطفون الأخيار، يدفع الله تعالى بهم عن أهل الدنيا الأنكاد والأغيار، ويكشف عن قلوبهم الحجب والأستار. وقوم حققوا مقام الإيمان، واشتغلوا بتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى أفضوا إلى مقام العيان، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه، وبمحمد نبيه وحبه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.
فاطر 35:1
بسم الله الرحمن الرحيم قلت: { أولي }: اسم جمع، كذو، وهو بدل من " رسلا " ، أو نعت له، و { مثنى وثلاث ورباع }: نعوت لأجنحة، وهو غير منصرف لأنه معدول عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وهو باعتبار الأشخاص، أي: منهم من له اثنان، ومنهم من له ثلاثة، هذا ظاهر الكشاف. يقول الحق جل جلاله: { الحمد لله } ، حمد نفسه تعليما وتعظيما، { فاطر السماوات والأرض } مبديهما ومبدعهما. قال ابن عباس رضي الله عنه: " ما كنت أدري معنى فاطر حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها ". قال البيضاوي: من الفطر، بمعنى الشق، كأنه شق العدم بإخراجهما منه. قلت: وكأنه شق النور الكثيف من النور اللطيف، فنور السموات والأرض من نوره الأزلي، وسره الخفي. { جاعل الملائكة رسلا } إلى عباده، أي: وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده، فيبلغون إليهم رسالاته بالوحي، والإلهام، والرؤيا الصادقة. { أولي أجنحة } متعددة { مثنى وثلاث ورباع } أي: منهم ملائكة لهم اثنان لكل واحد جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، بتفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها، ويعرجون، أو: يسرعون نحو ما وكلهم الله عليه، يتصرفون فيه على ما أمرهم به، ولعله تعالى لم يرد الحصر ونفى ما زاد عليها، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل ليلة المعراج، وله ستمائة جناح. وروي أنه طلب منه أن يريه صورته التي خلقه الله عليها، فلما رآه كذلك خر مغشيا عليه. وقال: ما كنت أرى شيئا من الخلق هكذا. فقال له: لو رأيت إسرافيل، إن له لاثني عشر جناحا بالمشرق، واثني عشر جناحا بالمغرب، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل لعظمة الله تعالى. ه. { يزيد في الخلق ما يشاء } أي: يزيد في خلق الأجنحة وغيره ما يريد. وقيل: هو الوجه الحسن، والشعر الحسن، والصوت الحسن، والحظ الحسن. والملاحة في العينين. والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق، من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة العقل، وجزالة في الرأي، وفصاحة في اللسان، وحسن خلق في المعاشرة، ومحبة في قلوب المؤمنين وغير ذلك. { إن الله على كل شيء قدير } فيقدر على ما يشاء، من زيادة في الخلق، ونقصان فيها، على حسب المشيئة السابقة. الإشارة: الحمد في القرآن وقع على أربعة أقسام: حمد مطلق، وهو الواقع على عظمة ذاته، من غير أن يكون في مقابلة شيء، وهو قوله:
قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
[النمل: 59]،
الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون
[النحل: 75] وحمد وقع في مقابلة تنزيه ذاته عن النقائص، وهو قوله:
وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا...
[الإسراء: 111] الآية. وحمد وقع في مقابلة نعمة الإيجاد، وهو قوله:
الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض...
[الأنعام: 1]، وحمد وقع في مقابلة نعمة الإمداد الحسي، كقوله: { الحمد لله رب العالمين } ،
فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين
[الجاثية: 36]، فإن التربية تقتضي وصول ما يحتاج إليه المربي، أو الإمداد المعنوي، وهو إمداد القلوب والأرواح بالهداية، وهو قوله:
الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب
[الكهف: 1]
الحمد لله الذى هدانا لهذا...
[الأعراف: 43] فهذه أربعة: حمد مطلق، أو مقيد بشأن التنزيه، أو بنعمة الإيجاد، أو الإمداد، وما وقع هنا في إظهار تجلياته، من أرضه وسماواته، ولطائف ملائكته، فإن ذلك كله من نور جبروته. وقوله تعالى: { يزيد في الخلق ما يشاء } قال القشيري: يقال: هو الفهم عن الله، أو السخاء والجود، أو: الرضا بالتقدير، أو: علو الهمة، أو: التواضع في الشرف، أو: العفة في الفقر، أو: الظرف أي: الظرافة في الشمائل، أو: أن يكون محببا في القلوب، أو: خفة الروح، أو: تحرر القلب عن رق الحرمان أي بالوقوف مع الأكوان أو: ألا يطلب لنفسه منزلة في الدارين أي: بأن يكون عبد الله حقيقة . ه. ملخصا. والصواب أن الزيادة تشمل ذلك كله ولك من خصه بشيء فإنما ذلك رحمة منه تعالى كما قال تعالى: { ما يفتح الله للناس... }
فاطر 35:2
الحق جل جلاله: { ما يفتح الله للناس من رحمة } أي: ما يطلق ويرسل من رحمة، كنعمة، ومطر، وأمن، وعافية، ورزق، وعلم، ومعرفة، ونبوة، وغيرها، { فلا ممسك لها } فلا أحد يقدر على إمساكها وردها، واستعير الفتح للإطلاق لأنه مسبب عنه. ونكر الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنه قال: من أي رحمة كانت، فتشمل نعمة الدفع والجلب، كدفع المحن وجلب المنن. والاعتراف بالمنعم من تمام النعمة، والأمران مدرجان في الفتح والإمساك، { وما يمسك } أي: يمنع ويحبس من ذلك { فلا مرسل له } فلا مطلق له { من بعده } من بعد إمساكه. وأنث الضمير الراجع إلى الاسم المتضمن معنى الشرط على معنى الرحمة، وذكره حملا على لفظ المرجوع إليه إذ لا تأنيث فيه لأن الأول فسر بالرحمة، فحسن اتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير. وعن معاذ رضي الله عنه مرفوعا: " لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم، ويعظم برهم فاجرهم، وتعن قراؤهم أمراءهم على معصية الله. فإذا فعلوا ذلك نزع الله يده عنهم " قال ابن عرفة: يؤخذ من قوله تعالى: { وما يمسك... } أن العدم السابق الإضافي متعلق للقدرة، وجعله بعض الأصوليين متعلقا للإرادة أيضا، وذلك لأن المصحح للتعلق الإمكان. ه. قال الأبي: لا دليل في الآية لاحتمال أن يكون التقدير: وما يريد إمساكه، فيكون من متعلقات الإرادة، ويحتمل: وما يمسك عن الإرسال بعد وجوده، كإمساك الماء عن النزول بعد خلقه في السحاب. ه. { وهو العزيز } الغالب، القادر على الإرسال والإمساك. { الحكيم } الذي يرسل ويمسك، بما تقتضي الحكمة إرساله، أو إمساكه. الإشارة: ما يفتح الله لقلوب عباده من نفحات، وواردات، وإلهامات، وعلوم لدنية، وحكم ربانية، وتعرفات جمالية وجلالية، فلا ممسك لها، بل الله يفتح على من يشاء، ويسد الباب في وجه من شاء. وسد الباب في وجه العبد عن معرفته الخاصة، علامته: عدم إيصاله إلى أوليائه. فكل من وصله إليهم، وصحبهم، وعظمهم، وخدمهم، فقد فتح الله له الباب في وصوله إليه، وكل من نكبه عنهم، ولم يصحبهم، كما ذكر، فقد سد الباب في وجهه عن معرفته العيانية. وفي الحكم: " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ". وما يمسك من ذلك فلا مرسل له من بعده، ولو صلى وصام ألف عام. قال القشيري: ما يلوح لقلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحاب يستره، ولا ضباب يقهره. ويقال: ما يلزم قلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا ممسك له، والذي يمنع من أعدائه بسبب ما يلقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها فلا ميسر له من دونه. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكرهم بالميعاد لأن تذكر النعم سبب الفتح فقال: { يأيها الناس اذكروا... }
فاطر 35:3
قلت: { غير الله }: من رفعه فنعت للمحل، أي: هل خالق غير الله، ومن جره: فنعت للفظ. و { يرزقكم }: إما استئناف، أو: صفة ثانية لخالق، و { لا إله إلا هو }: مستأنفة، لا محل لها. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم } باللسان والقلب، وهي التي تقدمت، من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل للهداية والإرشاد، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق. ثم نبه على أصل النعم، وهو توحيد المنعم، فقال: { هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء } بالمطر { والأرض } بالنبات، بل لا خالق يرزق غيره، { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك. ثم سلى نبيه عن صدف قومه عن شكر المنعم بقوله: { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } فلك فيهم أسوة، فاصبر كما صبروا. وتنكير " رسل " للتعظيم، المقتضي لزيادة التسلية، والحث على المصابرة، أي: فقد كذبت رسل عظام، ذوو عدد كثير، وأولو آيات عديدة، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر وعزم. وتقدير الكلام: وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل قبلك لأن الجزاء يعقب الشرط، ولو أجري على الظاهر، لكان الجزاء مقدما على الشرط لأن تكذيب الرسل سابق، فوضع { فقد كذبت رسل من قبلك } موضع فتأس، استغناء بالسبب عن المسبب. { وإلى الله ترجع الأمور } وهو كلام مشتمل على الوعد والوعيد، من رجوع الأمور إلى حكمه، ومجازاة المكذب والمكذب بكل ما يستحقه في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والعز لأهل الحق، وبالذل والإهانة لأهل التكذيب، وفي الآخرة معلوم، فالإطلاق أحسن من التقييد بالآخرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ذكر النعمة هو أن ينظر العبد، ويتفكر في نفسه، فيجد نفسه مغروقة في النعم الظاهرة والباطنة. وقد تقدم تعدادها في لقمان. وليتفكر في حالته الماضية، فقد كان جاهلا، فعلمه الله، ضالا، فهداه الله، غافلا، فأيقظه الله، عاصيا، فوفقه الله، إلى غير ذلك من الأحوال السنية. ولينظر أيضا إلى من تحته من العباد، فيجد كثيرا من هو أسوأ منه حالا ومقاما، فيحمد الله ويشكره. قال صلى الله عليه وسلم:
" انظروا إلى من هو تحتكم ولا تنظروا إلى من فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم "
وحمله المحققون على العموم في الدين والدنيا. ذكره ابن عباد في الرسائل وغيره. وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: تذاكروا النعم فإن ذكرها شكر. ه. وقال القشيري: من ذكر نعمته فصاحب عبادة، ونائل زيادة، ومن ذكر المنعم فصاحب إرادة، ونائل زيادة، ولكن فرق بين زيادة وزيادة، هذا زيادته في الدارين عطاؤه، وهذا زيادته لقاؤه، اليوم سرا بسر، من حيث المشاهدة، وغدا جهرا بجهر، من حيث المعاينة.
ه. قلت: من تحقق بغاية الشهود لم يبق له فرق بين شهود الدارين إذ المتجلي واحد. ثم قال: والنعمة على قسمين: ما دفع من المحن، وما وضع من المنن، فذكره لما دفع عنه يوجب دوام العصمة، وذكره لما نفعه به يوجب تمام النعمة، { هل من خالق غير الله... }؟ فائدة هذا التعريف بوحدانيته، فإذا عرف أنه لا رازق غيره لم يعلق قلبه بأحد في طلب شيء. وتوهم شيء من أمثاله وأشكاله، ويستريح لشهود تقديره، ولا محالة يخلص في توكله وتفويضه. ه. ثم قال في قوله: { وإن يكذبوك... } الآية: وفي هذا إشارة للحكماء، وأرباب القلوب، مع العوام والأجانب عن هذه الطريقة، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، وأهل الحقائق منهم أبدا في مقاساة الأذية، إلا بستر حالهم عنهم، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتعمقين، والعلماء المتجمدين، الذين هم لهذه الأصول منكرون. ه.ثم حذر من الدنيا لأنها تنسي النعم والشكر فقال: { يأيها الناس إن وعد... }
فاطر 35:4
قلت: { غير الله }: من رفعه فنعت للمحل، أي: هل خالق غير الله، ومن جره: فنعت للفظ. و { يرزقكم }: إما استئناف، أو: صفة ثانية لخالق، و { لا إله إلا هو }: مستأنفة، لا محل لها. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم } باللسان والقلب، وهي التي تقدمت، من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل للهداية والإرشاد، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق. ثم نبه على أصل النعم، وهو توحيد المنعم، فقال: { هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء } بالمطر { والأرض } بالنبات، بل لا خالق يرزق غيره، { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك. ثم سلى نبيه عن صدف قومه عن شكر المنعم بقوله: { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } فلك فيهم أسوة، فاصبر كما صبروا. وتنكير " رسل " للتعظيم، المقتضي لزيادة التسلية، والحث على المصابرة، أي: فقد كذبت رسل عظام، ذوو عدد كثير، وأولو آيات عديدة، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر وعزم. وتقدير الكلام: وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل قبلك لأن الجزاء يعقب الشرط، ولو أجري على الظاهر، لكان الجزاء مقدما على الشرط لأن تكذيب الرسل سابق، فوضع { فقد كذبت رسل من قبلك } موضع فتأس، استغناء بالسبب عن المسبب. { وإلى الله ترجع الأمور } وهو كلام مشتمل على الوعد والوعيد، من رجوع الأمور إلى حكمه، ومجازاة المكذب والمكذب بكل ما يستحقه في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والعز لأهل الحق، وبالذل والإهانة لأهل التكذيب، وفي الآخرة معلوم، فالإطلاق أحسن من التقييد بالآخرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ذكر النعمة هو أن ينظر العبد، ويتفكر في نفسه، فيجد نفسه مغروقة في النعم الظاهرة والباطنة. وقد تقدم تعدادها في لقمان. وليتفكر في حالته الماضية، فقد كان جاهلا، فعلمه الله، ضالا، فهداه الله، غافلا، فأيقظه الله، عاصيا، فوفقه الله، إلى غير ذلك من الأحوال السنية. ولينظر أيضا إلى من تحته من العباد، فيجد كثيرا من هو أسوأ منه حالا ومقاما، فيحمد الله ويشكره. قال صلى الله عليه وسلم:
" انظروا إلى من هو تحتكم ولا تنظروا إلى من فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم "
وحمله المحققون على العموم في الدين والدنيا. ذكره ابن عباد في الرسائل وغيره. وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: تذاكروا النعم فإن ذكرها شكر. ه. وقال القشيري: من ذكر نعمته فصاحب عبادة، ونائل زيادة، ومن ذكر المنعم فصاحب إرادة، ونائل زيادة، ولكن فرق بين زيادة وزيادة، هذا زيادته في الدارين عطاؤه، وهذا زيادته لقاؤه، اليوم سرا بسر، من حيث المشاهدة، وغدا جهرا بجهر، من حيث المعاينة.
ه. قلت: من تحقق بغاية الشهود لم يبق له فرق بين شهود الدارين إذ المتجلي واحد. ثم قال: والنعمة على قسمين: ما دفع من المحن، وما وضع من المنن، فذكره لما دفع عنه يوجب دوام العصمة، وذكره لما نفعه به يوجب تمام النعمة، { هل من خالق غير الله... }؟ فائدة هذا التعريف بوحدانيته، فإذا عرف أنه لا رازق غيره لم يعلق قلبه بأحد في طلب شيء. وتوهم شيء من أمثاله وأشكاله، ويستريح لشهود تقديره، ولا محالة يخلص في توكله وتفويضه. ه. ثم قال في قوله: { وإن يكذبوك... } الآية: وفي هذا إشارة للحكماء، وأرباب القلوب، مع العوام والأجانب عن هذه الطريقة، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، وأهل الحقائق منهم أبدا في مقاساة الأذية، إلا بستر حالهم عنهم، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتعمقين، والعلماء المتجمدين، الذين هم لهذه الأصول منكرون. ه.ثم حذر من الدنيا لأنها تنسي النعم والشكر فقال: { يأيها الناس إن وعد... }
فاطر 35:5
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس إن وعد الله } بالبعث والجزاء { حق } أي: كائن لا محالة، فاستعدوا للقائه، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } لا تخدعنكم زخارف الدنيا الغرارة، ولا يذهلنكم التمتع بها، والتلذذ بملاذها، والاشتغال بجمعها واحتكارها، عن التأهب للقاء الله، وطلب ما عنده. وفي الحديث:
" فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات علية، فكأن قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، ولاقى كل امرىء مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه "
{ ولا يغرنكم بالله الغرور } أي: الشيطان، فإنه يمنيكم الأماني الكاذبة، ويقول: إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك. أو: إن الله غفور لمن عصاه. { إن الشيطان لكم عدو } ظاهر العداوة، فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة الحبيب الناصح، { فاتخذوه عدوا } فلا تقبلوا غروره في عقائدكم وأفعالكم، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم إذ لا يوجد منه إلا ما يدل على عداوته في سركم وجهركم. قال الورتجبي: إنه عدو لأنه من عالم القهر خلق، ونحن من عالم اللطف خلقنا. والطبعان متخالفان أبدا، لأن القهر واللطف تسابقا في الأزل، فسبق اللطف القهر، فعداوته من جهة الطبع الأول، والجهل بالعصمة، وأنوار التأييد والنصرة، ومن لا يعرفه بما وصفنا، كيف يتخذه عدوا؟ وهو لا يعرف مكائده، ولا يعرف مكائده إلا ولي أو صديق. ه. ثم خطأ من اتبعه بأن غرضه أن يورد شيعته موارد الهلاك، بقوله: { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } فهو تقرير لعداوته، وبيان لغرضه في دعوى شيعته إلى اتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، أي: إنما يدعوهم إلى الهوى، ليكونوا من أهل النار. ثم بين مآل من اتبعه ومن عاداه، فقال: { الذين كفروا لهم عذاب شديد } أي: فمن أجابه إلى ما دعي فله عذاب شديد لأنه صار من حزبه وأتباعه، { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } ولم يجيبوه، ولم يصيروا من حزبه، بل عادوه، { لهم مغفرة وأجر كبير } لكبر جهاده ودوامه. الإشارة: وعد الله هنا عام، وكله حق، واجب الوقوع، لا يتخلف، فيصدق بوعد الرزق، وكفاية من انقطع إليه عن الخلق، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق: 3] وتولى من أصلح حاله لقوله:
وهو يتولى الصالحين
[الأعراف: 196] ويصدق بإثابة المطيع، وعتاب المعاصي، أو حلمه عنه، وغير ذلك من المواعد كلها، فيجب على العبد كفه عن الاهتمام بالرزق، وخوف الخلق، والتشمير في الطاعة، والفرار من المعصية، إن كان له ثقة بوعد ربه، وإلا فالخلل في إيمانه. وقوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو... } الخ، قوم فهموا من الخطاب أنهم أمروا بعداوة الشيطان، فاشتغلوا بعداوته ومحارتبه، فشغلهم ذلك عن محبة الحبيب، وقوم فهموا من سر الخطاب: إن الشيطان لكم عدو، وأنا لكم حبيب، فاشتغلوا بمحبة الحبيب، فكفاهم عداوة العدو.
قيل لبعضهم: كيف صنعك مع الشيطان؟ فقال: نحن قوم صرفنا هممنا إلى الله، فكفانا من دونه. فالشيطان كالكلب إن اشتغلت بدفعه مزق الثياب، أو قطع الإهاب، وإن رفعته إلى مولاه كفاك شره. وكذلك النفس إن اشتغلت بتصفيتها ومجاهدتها على الدوام شغلتك عن ذكر الله، والفناء فيه، ولكن الدواء هو الغيبة عنها، والاشتغال بالله دائما، فإذا أظهرت رأسها بقيام شهوتها، دقه، بعكس مرادها، وغب عنها في ذكر الله. ومن حكم شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: " انس نفسك بالله، واعتمد على فضل الله، وامتثل شيئا ما، وينوب الله ". وفي الحكم العطائية: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". وقال أيضا: " وحرك عليك النفس ليدون إقبالك عليه ". وقال: " لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك، ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدا. ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه، غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليك ". ومن جملة عداوته تزيين القبائح كما قال تعالى: { أفمن زين له سوء عمله... }
فاطر 35:6
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس إن وعد الله } بالبعث والجزاء { حق } أي: كائن لا محالة، فاستعدوا للقائه، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } لا تخدعنكم زخارف الدنيا الغرارة، ولا يذهلنكم التمتع بها، والتلذذ بملاذها، والاشتغال بجمعها واحتكارها، عن التأهب للقاء الله، وطلب ما عنده. وفي الحديث:
" فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات علية، فكأن قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، ولاقى كل امرىء مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه "
{ ولا يغرنكم بالله الغرور } أي: الشيطان، فإنه يمنيكم الأماني الكاذبة، ويقول: إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك. أو: إن الله غفور لمن عصاه. { إن الشيطان لكم عدو } ظاهر العداوة، فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة الحبيب الناصح، { فاتخذوه عدوا } فلا تقبلوا غروره في عقائدكم وأفعالكم، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم إذ لا يوجد منه إلا ما يدل على عداوته في سركم وجهركم. قال الورتجبي: إنه عدو لأنه من عالم القهر خلق، ونحن من عالم اللطف خلقنا. والطبعان متخالفان أبدا، لأن القهر واللطف تسابقا في الأزل، فسبق اللطف القهر، فعداوته من جهة الطبع الأول، والجهل بالعصمة، وأنوار التأييد والنصرة، ومن لا يعرفه بما وصفنا، كيف يتخذه عدوا؟ وهو لا يعرف مكائده، ولا يعرف مكائده إلا ولي أو صديق. ه. ثم خطأ من اتبعه بأن غرضه أن يورد شيعته موارد الهلاك، بقوله: { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } فهو تقرير لعداوته، وبيان لغرضه في دعوى شيعته إلى اتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، أي: إنما يدعوهم إلى الهوى، ليكونوا من أهل النار. ثم بين مآل من اتبعه ومن عاداه، فقال: { الذين كفروا لهم عذاب شديد } أي: فمن أجابه إلى ما دعي فله عذاب شديد لأنه صار من حزبه وأتباعه، { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } ولم يجيبوه، ولم يصيروا من حزبه، بل عادوه، { لهم مغفرة وأجر كبير } لكبر جهاده ودوامه. الإشارة: وعد الله هنا عام، وكله حق، واجب الوقوع، لا يتخلف، فيصدق بوعد الرزق، وكفاية من انقطع إليه عن الخلق، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق: 3] وتولى من أصلح حاله لقوله:
وهو يتولى الصالحين
[الأعراف: 196] ويصدق بإثابة المطيع، وعتاب المعاصي، أو حلمه عنه، وغير ذلك من المواعد كلها، فيجب على العبد كفه عن الاهتمام بالرزق، وخوف الخلق، والتشمير في الطاعة، والفرار من المعصية، إن كان له ثقة بوعد ربه، وإلا فالخلل في إيمانه. وقوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو... } الخ، قوم فهموا من الخطاب أنهم أمروا بعداوة الشيطان، فاشتغلوا بعداوته ومحارتبه، فشغلهم ذلك عن محبة الحبيب، وقوم فهموا من سر الخطاب: إن الشيطان لكم عدو، وأنا لكم حبيب، فاشتغلوا بمحبة الحبيب، فكفاهم عداوة العدو.
قيل لبعضهم: كيف صنعك مع الشيطان؟ فقال: نحن قوم صرفنا هممنا إلى الله، فكفانا من دونه. فالشيطان كالكلب إن اشتغلت بدفعه مزق الثياب، أو قطع الإهاب، وإن رفعته إلى مولاه كفاك شره. وكذلك النفس إن اشتغلت بتصفيتها ومجاهدتها على الدوام شغلتك عن ذكر الله، والفناء فيه، ولكن الدواء هو الغيبة عنها، والاشتغال بالله دائما، فإذا أظهرت رأسها بقيام شهوتها، دقه، بعكس مرادها، وغب عنها في ذكر الله. ومن حكم شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: " انس نفسك بالله، واعتمد على فضل الله، وامتثل شيئا ما، وينوب الله ". وفي الحكم العطائية: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". وقال أيضا: " وحرك عليك النفس ليدون إقبالك عليه ". وقال: " لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك، ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدا. ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه، غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليك ". ومن جملة عداوته تزيين القبائح كما قال تعالى: { أفمن زين له سوء عمله... }
فاطر 35:7
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس إن وعد الله } بالبعث والجزاء { حق } أي: كائن لا محالة، فاستعدوا للقائه، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } لا تخدعنكم زخارف الدنيا الغرارة، ولا يذهلنكم التمتع بها، والتلذذ بملاذها، والاشتغال بجمعها واحتكارها، عن التأهب للقاء الله، وطلب ما عنده. وفي الحديث:
" فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات علية، فكأن قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، ولاقى كل امرىء مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه "
{ ولا يغرنكم بالله الغرور } أي: الشيطان، فإنه يمنيكم الأماني الكاذبة، ويقول: إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك. أو: إن الله غفور لمن عصاه. { إن الشيطان لكم عدو } ظاهر العداوة، فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة الحبيب الناصح، { فاتخذوه عدوا } فلا تقبلوا غروره في عقائدكم وأفعالكم، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم إذ لا يوجد منه إلا ما يدل على عداوته في سركم وجهركم. قال الورتجبي: إنه عدو لأنه من عالم القهر خلق، ونحن من عالم اللطف خلقنا. والطبعان متخالفان أبدا، لأن القهر واللطف تسابقا في الأزل، فسبق اللطف القهر، فعداوته من جهة الطبع الأول، والجهل بالعصمة، وأنوار التأييد والنصرة، ومن لا يعرفه بما وصفنا، كيف يتخذه عدوا؟ وهو لا يعرف مكائده، ولا يعرف مكائده إلا ولي أو صديق. ه. ثم خطأ من اتبعه بأن غرضه أن يورد شيعته موارد الهلاك، بقوله: { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } فهو تقرير لعداوته، وبيان لغرضه في دعوى شيعته إلى اتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، أي: إنما يدعوهم إلى الهوى، ليكونوا من أهل النار. ثم بين مآل من اتبعه ومن عاداه، فقال: { الذين كفروا لهم عذاب شديد } أي: فمن أجابه إلى ما دعي فله عذاب شديد لأنه صار من حزبه وأتباعه، { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } ولم يجيبوه، ولم يصيروا من حزبه، بل عادوه، { لهم مغفرة وأجر كبير } لكبر جهاده ودوامه. الإشارة: وعد الله هنا عام، وكله حق، واجب الوقوع، لا يتخلف، فيصدق بوعد الرزق، وكفاية من انقطع إليه عن الخلق، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق: 3] وتولى من أصلح حاله لقوله:
وهو يتولى الصالحين
[الأعراف: 196] ويصدق بإثابة المطيع، وعتاب المعاصي، أو حلمه عنه، وغير ذلك من المواعد كلها، فيجب على العبد كفه عن الاهتمام بالرزق، وخوف الخلق، والتشمير في الطاعة، والفرار من المعصية، إن كان له ثقة بوعد ربه، وإلا فالخلل في إيمانه. وقوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو... } الخ، قوم فهموا من الخطاب أنهم أمروا بعداوة الشيطان، فاشتغلوا بعداوته ومحارتبه، فشغلهم ذلك عن محبة الحبيب، وقوم فهموا من سر الخطاب: إن الشيطان لكم عدو، وأنا لكم حبيب، فاشتغلوا بمحبة الحبيب، فكفاهم عداوة العدو.
قيل لبعضهم: كيف صنعك مع الشيطان؟ فقال: نحن قوم صرفنا هممنا إلى الله، فكفانا من دونه. فالشيطان كالكلب إن اشتغلت بدفعه مزق الثياب، أو قطع الإهاب، وإن رفعته إلى مولاه كفاك شره. وكذلك النفس إن اشتغلت بتصفيتها ومجاهدتها على الدوام شغلتك عن ذكر الله، والفناء فيه، ولكن الدواء هو الغيبة عنها، والاشتغال بالله دائما، فإذا أظهرت رأسها بقيام شهوتها، دقه، بعكس مرادها، وغب عنها في ذكر الله. ومن حكم شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: " انس نفسك بالله، واعتمد على فضل الله، وامتثل شيئا ما، وينوب الله ". وفي الحكم العطائية: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". وقال أيضا: " وحرك عليك النفس ليدون إقبالك عليه ". وقال: " لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك، ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدا. ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه، غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليك ". ومن جملة عداوته تزيين القبائح كما قال تعالى: { أفمن زين له سوء عمله... }
فاطر 35:8
قلت: { أفمن }: مبتدأ حذف خبره، أي: كمن هداه الله، أو ذهبت نفسك عليه حسرات. و { حسرات }: مفعول له. وجمعها لتضاعف اغتمامه، أو تعدد مساوئهم. و { عليهم }: صلة لتذهب، كما تقول: هلك عليه حبا، ومات عليه حزنا. ولا يتعلق بحسرات لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته، إلا أن يتسامح في الجار والمجرور. يقول الحق جل جلاله: { أفمن زين له سوء عمله } بأن غلب هواه على عقله، وجهله على علمه، حتى انعكس رأيه، { فرآه حسنا } فرأى الباطل حقا، والقبيح حسنا، كمن هداه الله واستبصر، فرأى الحق حقا، والباطل باطلا، فتبع الحق، وأعرض عن الباطل، ليس الأمر كذلك، { فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء } فمن أضله رأى الباطل حقا، فتبعه، ومن هداه رأى الباطل باطلا، فاجتنبه، والحق حقا فاتبعه. { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } أي: فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب، فإن أمرهم بيدي، وأنا أرحم بهم منك، فإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب. { إن الله عليم بما يصنعون } فيجازيهم عليه، وهو وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم. الإشارة: إذا أراد الله إبعاد قوم غطى نور بصيرتهم بظلمة الهوى فيزين في عينهم القبيح، ويستقبح المليح، فيرون القبيح حسنا، والحسن قبيحا، كما قال الشاعر:
يغمى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
قال القشيري: ومعنى التزيين كالكافر، يتوهم أن فعله حسن، وهو عند الله من أقبح القبيح، ثم الراغب في الدنيا يجمع حلالها وحرامها، ويحوش حطامها، لا يتفكر في زوالها، ولا في ارتحاله عنها من قبل كمالها، ولقد زين له سوء عمله، والذي يتبع الشهوات يبيع مؤبد راحته في الجنة، بمتابعة شهوة ساعة، فلقد زين له سوء عمله، والذي يؤير على ربه شيئا من المخلوقات، فهو من جملتهم، والذي يتوهم أنه إذا وجد النجاة والدرجات في الجنة فقد اكتفى، فقد زين له سوء عمله، حيث تغافل عن حلاوة مناجاته. والذي هو في صحبة حظوظه، دون إيثار حقوق الله، فقد زين له سوء عمله فرآه حسنا. ه. قلت: وكذلك من وقف مع الكرامات والمقامات، وحلاوة الطاعات، دون درجة المشاهدة، فقد زين له سوء عمله. والحاصل: كل من وقف مع شيء، دون تحقيق الفناء في الذات، فهو مزين له سوء عمله. وكل من لم يصحب الرجال فهو غالط، يظن أنه واصل، وهو منقطع في أول البدايات. وبالله التوفيق. وقوله تعالى: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ، كذلك يقال للواعظ، إذا رأى إدبار الخلق، وعدم تأثير الوعظ فيهم، فليكتف بعلم الله فيهم، ولا يتأسف على أحد، فإن التوفيق بيد الله. ورما يحييهم بعد حيث كما يحيي الأرض بعد موتها كما أشار إلى ذلك بقوله: { والله الذي أرسل... }
فاطر 35:9
قلت: " كذلك ": خبر مقدم، و " النشور ": مبتدأ. يقول الحق جل جلاله: { والله الذي أرسل الرياح } وفي قراءة بالإفراد، للجنس، { فتثير سحابا } أي: تزعجه، وعبر بالمضارع على حكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة، التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، الدالة على كمال القدرة وباهر الحكمة. { فسقناه إلى بلد ميت } لا نبات فيه، { فأحيينا به } أي: بالمطر النازل منه { الأرض بعد موتها } بعد يبسها. وعدل من الغيبة إلى التكلم لأنه أدخل في الاختصاص لما فيه من مزيد بديع الصنع، { كذلك النشور } أي: مثل إحياء الموات نشور الأموات. وقيل: يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش، كمني الرجال، فتنبت به الأجساد في قبورها، ثم يرسل الأرواح فتدخل في أشباحها.
" قال أبو رزين: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررت بواد أهلك محلا؟ أي جدبا قلت: نعم، قال: فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آية الله في خلقه ".
الإشارة: والله الذي أرسل رياح الهداية، فتزعج سحاب الغين عن قلوب أهل الهداية، فسقناه أي: ريح الهداية إلى قلب ميت بالغفلة والجهل بالله، فأحيينا بالوارد الناشىء عن ريح الهداية أرض النفوس، بالنشاط إلى العبادة، والذكر، والمعرفة، بعد موتها بالغفلة والقسوة، كذلك النشور. وذلك عزها. كما قال تعالى: { من كان يريد العزة فلله... }
فاطر 35:10
يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد العزة } أي: الشرف والمنعة على الدوام، في الدنيا والآخرة، { فلله العزة جميعا } فليطلبها من عنده، بالتقوى، والعلم، والعمل الصالح، كالزهد في الدنيا، والتبتل إلى الله، أي: فالعزة كلها مختصة بالله، عز الدنيا وعز الآخرة. وكان الكفار يتعززون بالأصنام، كما قال تعالى:
واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا
[مريم: 81]، والمنافقون كانوا يتعززون بالمشركين، كما قال تعالى:
الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا
[النساء: 139]، فبين أن العزة إنما هي لله بقوله: " فإن العزة لله " فليطلبها من أرادها من عنده. فوضع قوله: { فلله العزة } موضعه، استغناء به عنه لدلالته لأن الشيء لا يطلب إلا من عند صاحبه ومالكه. ونظيره قولك: من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، أي: فليطلبها من عندهم. وفي الحديث:
" إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز ".
ثم ذكر ما يطلب به العز، وهو العمل المقبول، بقوله: { إليه يصعد الكلم الطيب } كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وما يلحقها من الأذكار، والدعاء، والقراءة. وعنه صلى الله عليه وسلم:
" هو سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء، فحيا بها وجه الرحمن "
وكان القياس: الطيبة، ولكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا التاء يذكر ويؤنث. ومعنى الصعود: القبول والرضا، وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود. { والعمل الصالح } كالعبادة الخالصة { يرفعه } الله تعالى، أي: يقبله. أو: الكلم الطيب، فالرافع على هذا الكلم الطيب، والمرفوع العمل الصالح، أي: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب لأن العمل متوقف على التوحيد، المأخوذ من الكلم الطيب وفيه إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع، والكلم الطيب يصعد بنفسه، ففيه ترجيح الذكر على سائر العمل. وقيل: بالعكس، أي: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فإذا لم يكن عمل صالح فلا يقبل منه الكلم الطيب. وقيل: والعمل الصالح يرفع العامل ويشرفه، أي: من أراد العزة والرفعة فليعمل العمل الصالح فإنه هو الذي يرفع العبد. ثم ذكر سبب الذل في الدارين، فقال: { والذين يمكرون } المكرات { السيئات } فالسيئات: صفة لمصدر محذوف لأن " مكر " لا يتعدى بنفسه. والمراد: مكر قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة كما قال تعالى:
وإذ يمكر بك الذين كفروا
[الأنفال: 30] الآية. { لهم عذاب شديد } في الآخرة، { ومكر أولئك هو يبور } أي: يفسد ويبطل، دون مكر الله بهم، فالضمير يفيد الاختصاص. الإشارة: العز على قسمين: عز الظاهر، وعز الباطن، فعز الظاهر هو تعظيم الجاه وبعد الصيت، واحترام الناس لصاحبه، ولمن تعلق به، وسببه: التقوى، والعلم، والعمل، ومكارم الأخلاق كالسخاء، والتواضع، وحسن الخلق، والإحسان إلى عباد الله.
وعز الباطن: هو الغنى بالله، وبمعرفته، والتحرر من رق الطمع، والتحلي بحلية الورع. وسببه الذل لله، يظهر ذلك بين أقرانه، كما قال الشاعر:
تذلل لمن تهوى لتكسب عزة فكم عزة نالها المرء بالذل إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن ذليلا له فاقر السلام على الوصل
وغايته: الوصول إلى معرفة الشهود والعيان. فإذا تعزز القلب بالله لم يلتفت إلى شيء، ولم يفتقر إلى شيء، وكان حرا من كل شيء، عبدا لله في كل شيء. وقد يجتمع للعبد العزان معا، إذا كان عارفا بالله عاملا، وقد ينفرد عز الظاهر في أهل الظاهر، وينفرد عز الباطن في بعض أهل الباطن، يتركهم تحت أستار الخمول، حتى يلقوه وهم عرائس الأولياء، ضن بهم الحق تعالى عن خلقه، فلم يظهرهم لأحد، حتى قدموا عليه، وهم الأولياء الأخفياء الأتقياء، كما ورد مدحهم في الحديث. وكلا العزين لله، وبيد الله، فلا يطلب واحد منهما إلا منه سبحانه. قال القشيري: وقال في آية أخرى:
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
[المنافقون: 8] فأثبت العزة لغيره، والجمع بينهما: أن عزة الربوبية لله وصفا، وعزة الرسول والمؤمنين لله فضلا، ومنه لطفا، فإذا العزة لله جميعا. والكلم الطيب هو الذي يصدر عن عقيدة طيبة، وقلب طيب، لا كدر فيه ولا أغيار، وقيل: ما ليس فيه حظ للعبد، وقيل: ما يستخرج من العبد، وهو فيه مفقود، وقيل: ما ليس فيه حاجة، ولا يطلب عليه عوض، وقيل: ما يشهد بصحته الإذن والتوقيف. انظر القشيري. ويؤخذ من قوله: { والعمل الصالح يرفعه } أن العمل إذا بقي بين عين العبد يلحظه، وينظر إليه، فهو علامة على عدم قبوله، إذ لو قبل لرفع عن نظره، فلا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهوده، ويختفي لديك وجوده. والذين يمكرون بالأولياء، المكرات السيئات، لهم عذاب شديد، وهو البعد من الله، ومكر أولئك هو يبور. وأما الأولياء فهم في حجاب مستور، من كل مكر وخداع وغرور. ثم ذكر أصل نشأتهم ليتحققوا ضعفهم ووهنهم فقال: { والله خلقكم من تراب ثم من نطفة... }
فاطر 35:11
يقول الحق جل جلاله: { والله خلقكم } أي: أباكم { من تراب، ثم } أنشأكم { من نطفة ثم جعلكم أزواجا } أصنافا، أو: ذكرانا وإناثا، { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } إلا معلومة له، وقتا وكيفية، { وما يعمر من معمر } أي: وما يمد في عمر أحد فيكون طويلا. وإنما سماه معمرا لما هو صائر إليه، { ولا ينقص من عمره } أي: يكون عمره قصيرا { إلا في كتاب } أي: اللوح المحفوظ، أو: صحيفة الإنسان. وقال ابن جبير: " مكتوب في أول الكتاب: عمره كذا وكذا، ثم يكتب أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، ذهب ثلاثة، حتى ينقطع عمره ". ففسر النقص بالذهاب، ولا يذهب شيء من عمره إلا في كتاب. ويمكن أن يجري على ظاهره، باعتبار المحو والإثبات في غير أم الكتاب، كما ورد في صلة الرحم وقطعها. وانظر عند قوله:
يمحوا الله ما يشآء...
[الرعد: 40] إلخ. { إن ذلك على الله يسير } أي: إحصاء الأعمار، أو زيادتها ونقصانها، سهل على علم الله وقدرته. الإشارة: أصل نشأة الأشباح من الصلصال، وأصل نشأة الأرواح من نور الكبير المتعال، فمن غلبت طينته على روحانيته، وهواه على عقله، التحق بالبهائم، ومن غلبت روحانيته على بشريته، وعقله على هواه، التحق بالملائكة الكرام. وقوله تعالى: { وما يعمر من معمر... } الآية، طول العمر وقصره عند الحكماء، ليس هو بكثرة آماده، وإنما هو بكثرة أمداده. وفي الحكم: " رب عمر اتسعت آماده، وقلت أمداده، ورب عمر قليلة آماده، كثيرة أمداده ". والأمداد: ما يجد القلب من معارف الله، وعلومه، وأنواره، وأسراره. فرب قلب استمد في زمان قليل، من العلوم والمعارف والأسرار، ما لم يستمده غيره في أزمنة متطاولة. وقال أيضا: " من بورك له في عمره، أدرك في يسير من الزمان من منن الله تعالى، ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة ". والغالب أن هذه الأمداد إنما تنال بصحبة الرجال العارفين بالله، فإن المدد الذي يحصل له معهم في ساعة واحدة لا يحصل في أزمنة طويلة مع غيرهم، ولو كثرت صلاتهم وصيامهم. وقال في القوت: فإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير، بيقظتك، ما فات غيرك في عمره الطويل بعد، فيرتفع لك في السنة ما لا يرتفع لغيرك في عشرين سنة. وللخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب إلحاق برفع الدرجات، وتدارك بما فات عند أذكارهم، وأعمال قلوبهم، اليسيرة، في هذه الأوقات. فكل ذرة من تسبيح، أو تهليل، أو حمد، أو تدبر، أو تبصرة، أو تفكر وتذكرة، لمشاهدة قرب، ووجد برب، ونظرة إلى حبيب، ودنو من قريب، أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين، الذين هم لنفوسهم واجدون، وللخلق مشاهدون. ومثال العارفين، فيما ذكرناه من قيامهم بشهادتهم ورعايتهم لأماناتهم وعهدهم، في وقت قربهم وحضورهم مثل العامل في ليلة القدر، العمل فيها، لمن وافقها، خير من ألف شهر. وقد قال بعض العلماء: كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر. ه. منه. ثم ذكر دلائل قدرته تتميما لقوله { إن ذلك علىالله يسير } فقال: { وما يستوي البحران هذا عذب... }
فاطر 35:12
يقول الحق جل جلاله: { وما يستوي البحران } في العذوبة والملوحة، بل هما مختلفان، والماء واحد، { هذا عذب فرات } أي: شديد العذوبة. وقيل: هو الذي يكسر العطش لشدة برودته، { سائغ شرابه } أي: سهل الانحدار، مريء، لعذوبته، { وهذا ملح أجاج } شديد الملوحة، وقيل: الذي تحرق ملوحته. { ومن كل } أي: من كل واحد منهما { تأكلون لحما طريا } وهو السمك، { وتستخرجون حلية } وهي اللؤلؤ والمرجان. قيل: من الملح فقط. وقيل: منهما. قال بعضهم: نسب استخراج الحلية إليهما لأنه تكون في البحر عيون عذبة، تمتزج بماء الملح، فيكون اللؤلؤ من ذلك. ه. { تلبسونها } أي: نساؤكم لأن القصد بالتزين هو الرجال. { وترى الفلك } السفن، { فيه مواخر } شواق للماء بجريها، يقال: مخرت السفينة الماء: شقته، وهي جمع ماخرة، { لتبتغوا من فضله } من فضل الله، ولم يتقدم له ذكر في الآية ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر له ذكر، لم يشكل لدلالة المعنى عليه. { ولعلكم تشكرون } الله على ما أولاكم من فضله. وقيل: هو ضرب مثل للكافر والمؤمن، فالمؤمن يجري عذب فرات، والكافر ملح أجاج. ثم ذكر على سبيل الاستطراد ما يتعلق بالبحرين من نعم الله وعطائه. ويحتمل أن يكون على غير الاستطراد، وهو أن يشبه الجنسين، ثم يفضل البحر الأجاج على الكافر، وهو ما خص به من المنافع، كاستخراج اللؤلؤ، والمرجان، والسمك، وجري الفلك فيه، وغير ذلك. والكافر خلو من المنافع بالكلية، فهو على طريقة قوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } ثم قال:
وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار...
[البقرة: 74]. الإشارة: بحر الشريعة عذب فرات، سائغ شرابه، وبحر الحقيقة ملح أجاج لأنه مر على النفس، يحتاج ركوبه إلى بذل المهج والنفوس، وحط الرؤوس، وبذل الأموال، ورفض الأوطان والدنيا وأهلها. بخلاف الشريعة، فلا تحتاج إلى هذا كله، وإن كانت متوقفة على مشاق التعلم والتدريس، ولن تنال مع بقاء عز النفس والمال والجاه، وغير ذلك. ومن كل تأكلون لحما طريا، فبحر الشريعة ينال منه حلاوة المعاملة الظاهرة، وبحر الحقيقة يأكل منه حلاوة الشهود والمعرفة. وترى سفن الأفكار في بحار الأحدية، مواخر، تجول في عظمة بحر الجبروت والملكوت، ولتبتغوا من فضله تمام معرفته، ولتكونوا من الشاكرين أي: ممن يعبد شكرا، لا قهرا. قال القشيري: وما يستوي الوقتان، هذا بسط، وصاحبه في روح، وهذا قبض، وصاحبه في نوح. هذا خوف وصاحبه في اجتياح، وهذا رجاء وصاحبه في ارتياح. قلت: الرجاء عذب. والخوف ملح، خلاف ما يقتضي كلامه. ثم قال: هذا فرق، وصاحبه بوصف العبودية، وهذا جمع، وصاحبه بشهود الربوبية. ثم ذكر دليلا آخر فقال: { يولج الليل في النهار... }
فاطر 35:13
يقول الحق جل جلاله: { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } أي: يدخل من ساعات أحدهما في الآخر، حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة، والناقص تسعا. { وسخر الشمس والقمر } ذللها لما يراد منهما، { كل يجري لأجل مسمى } أي: يوم القيامة، فينقطع جريهما، { ذلكم الله ربكم } الإشارة إلى فاعل هذه الأشياء، وهي: مبتدأ، و " الله " وما بعده: أخبار، { له الملك } له التصرف التام. { والذين تدعون من دونه } من الأصنام، أي: تعبدونهم، { ما يملكون من قطمير } وهي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة، كما أن النقير: النقطة في ظهره. وهما كنايتان عن حقارة الشيء وتصغيره. { إن تدعوهم } أي: الأصنام { لا يسمعوا دعاءكم } لأنهم جماد، { ولو سمعوا } على سبيل الفرض { ما استجابوا لكم } لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية، بل يتبرؤون منها. { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } بإشراككم لهم، وعبادتكم إياهم. ويقولون:
ما كنتم إيانا تعبدون
[يونس: 28]. { ولا ينبئك مثل خبير } أي: ولا يخبرك بالأمر على حقيقته مخبر مثل خبير به، وهو الله تعالى فإنه خبير به على الحقيقة، دون سائر المخبرين. والمراد: تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم، ونفي ما يدعون لها. أو: ولا يخبرك أيها المفتون بأسباب الغرور، كما ينبئك الله الخبير بخبايا الأمور وتحقيقها، أي: لا يخبرك بالأمور مخبر هو خبير عالم به، يريد أن الخبير بالأمور وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة، دون سائر المخبرين. والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق أنه خبير بما أخبرت به. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الشيخ: أبو العباس المرسي رضي الله عنه: يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل. يولج المعصية في الطاعة، ويولج الطاعة في المعصية. يعمل العبد الطاعة فيعجب بها، ويعتمد عليها، ويستصغر من لم يفعلها، ويطلب من الله العوض عليها، فهذه حسنات أحاطت بها سيئات. ويذنب العبد الذنب، فيلتجىء إلى الله فيه، ويعتذر منه، ويستصغر نفسه، ويعظم من لم يفعله، فهذه سيئة أحاطت بها حسنات، فأيتهما الطاعة، وأيتهما المعصية؟ ه. أو: يولج ليل القبض في نهار البسط، وبالعكس، أو: يولج ليل الحجبة في نهار الكشف، ونهار الكشف في ليل القطيعة، يتواردان إلى حال طلوع شمس العرفان، فلا غروب لها، كما قال الشاعر:
طلعت شمس من أحب بليل واستنارت فما تلاها غروب إن شمس النهار تغرب باللي ل وشمس القلوب ليست تغيب
قال القشيري: يولج الليل في النهار، تغلب النفس مرة على القلب، وبالعكس، وكذلك القبض والبسط، فقد يستويان، وقد يغلب أحدهما، وكذلك الصحو والسكر، والفناء والبقاء، وآثار شموس التوحيد، وأقمار المعرفة على ما يريد من إظهارها على القلوب. فهذه كلها يولج أحدها في الآخر. ولا يعرف هذا إلا من تحقق بفقره إلى الله تعالى. كما قال: { يأيها الناس أنتم... }
فاطر 35:14
يقول الحق جل جلاله: { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } أي: يدخل من ساعات أحدهما في الآخر، حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة، والناقص تسعا. { وسخر الشمس والقمر } ذللها لما يراد منهما، { كل يجري لأجل مسمى } أي: يوم القيامة، فينقطع جريهما، { ذلكم الله ربكم } الإشارة إلى فاعل هذه الأشياء، وهي: مبتدأ، و " الله " وما بعده: أخبار، { له الملك } له التصرف التام. { والذين تدعون من دونه } من الأصنام، أي: تعبدونهم، { ما يملكون من قطمير } وهي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة، كما أن النقير: النقطة في ظهره. وهما كنايتان عن حقارة الشيء وتصغيره. { إن تدعوهم } أي: الأصنام { لا يسمعوا دعاءكم } لأنهم جماد، { ولو سمعوا } على سبيل الفرض { ما استجابوا لكم } لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية، بل يتبرؤون منها. { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } بإشراككم لهم، وعبادتكم إياهم. ويقولون:
ما كنتم إيانا تعبدون
[يونس: 28]. { ولا ينبئك مثل خبير } أي: ولا يخبرك بالأمر على حقيقته مخبر مثل خبير به، وهو الله تعالى فإنه خبير به على الحقيقة، دون سائر المخبرين. والمراد: تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم، ونفي ما يدعون لها. أو: ولا يخبرك أيها المفتون بأسباب الغرور، كما ينبئك الله الخبير بخبايا الأمور وتحقيقها، أي: لا يخبرك بالأمور مخبر هو خبير عالم به، يريد أن الخبير بالأمور وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة، دون سائر المخبرين. والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق أنه خبير بما أخبرت به. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الشيخ: أبو العباس المرسي رضي الله عنه: يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل. يولج المعصية في الطاعة، ويولج الطاعة في المعصية. يعمل العبد الطاعة فيعجب بها، ويعتمد عليها، ويستصغر من لم يفعلها، ويطلب من الله العوض عليها، فهذه حسنات أحاطت بها سيئات. ويذنب العبد الذنب، فيلتجىء إلى الله فيه، ويعتذر منه، ويستصغر نفسه، ويعظم من لم يفعله، فهذه سيئة أحاطت بها حسنات، فأيتهما الطاعة، وأيتهما المعصية؟ ه. أو: يولج ليل القبض في نهار البسط، وبالعكس، أو: يولج ليل الحجبة في نهار الكشف، ونهار الكشف في ليل القطيعة، يتواردان إلى حال طلوع شمس العرفان، فلا غروب لها، كما قال الشاعر:
طلعت شمس من أحب بليل واستنارت فما تلاها غروب إن شمس النهار تغرب باللي ل وشمس القلوب ليست تغيب
قال القشيري: يولج الليل في النهار، تغلب النفس مرة على القلب، وبالعكس، وكذلك القبض والبسط، فقد يستويان، وقد يغلب أحدهما، وكذلك الصحو والسكر، والفناء والبقاء، وآثار شموس التوحيد، وأقمار المعرفة على ما يريد من إظهارها على القلوب. فهذه كلها يولج أحدها في الآخر. ولا يعرف هذا إلا من تحقق بفقره إلى الله تعالى. كما قال: { يأيها الناس أنتم... }
فاطر 35:15
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } في دقائق الأمور وجليلها، في كل لحظة لا يستغني أحد عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك إذ لا قيام للعبد إلا به، فهو مفتقر إلى الله، إيجادا وإمدادا. قال البيضاوي: وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم، وكثرة احتياجهم، هم الفقراء دون غيرهم، وأن افتقار سائر الخلق بالإضافة إلى فقرهم غير معتد به، ولذلك قال:
وخلق الإنسان ضعيفا
[النساء:28] قلت: ويمكن أن يكون الحصر باعتبار الحق تعالى، أي: أنتم فقراء دون خالقكم، بدليل وصله بقوله: { والله هو الغني الحميد }. وقال ذو النون رضي الله عنه: الخلق محتاجون إليه في كل نفس، وطرفة، ولحظة، وكيف لا ووجودهم به، وبقاؤهم به؟ { والله هو الغني } عن الأشياء كلها، { الحميد } أي: المحمود بكل لسان. ولم يسمهم بالفقر للتحقير، بل للتعظيم لأن العبد إذا أظهر فقره لسيده الغني أغناه عن أشكاله وأمثاله. وذكر " الحميد " ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، والجواد المنعم عليهم إذ ليس كل غني نافعا بغناه، إلا إذا كان الغني جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم، حمده المنعم عليهم. ولما ذكر افتقارم إلى نعمة الإيجاد، ذكر افتقارهم إلى نعمة الإمداد، بقوله: { إن يشأ يذهبكم } أي: إن يشأ يفنيكم كلكم، ويردكم إلى العدم فإن غناه بذاته، لا بكم، { ويأت بخلق جديد } يكون أطوع منكم، أو بعالم آخر غير ما تعرفون. { وما ذلك } أي: الإفناء والإنشاء { على الله بعزيز } بممتنع. وعن ابن عباس: يخلق بعدكم من يعبده، لا يشرك به شيئا. قال القشيري: فقر الخلقة عام لكل أحد، في أول حال وجوده ليبديه وينشيه، وفي ثاني حال بقائه ليديمه ويبقيه. ه. قلت: وإليه أشار في الحكم بقوله: " نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل موجود منهما: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، أنعم أولا بالإيجاد، وثانيا بتوالي الإمداد ". الإشارة: الفقر على أربعة أقسام: فقر من الدين، وفقر من اليقين، وفقر من المال، وفقر مما سوى الله. فالأولان مذمومان، وصاحبهما موسوم بالإفلاس والهلع، ومنهما وقع التعوذ في الحديث. والثالث: إن صحبه الرضا فممدوح، وفيه وردت الأحاديث النبوية، وإلا فمذموم، ويشمله التعوذ في الحديث. الرابع: هو مطلب القاصدين والعارفين، وهو الغيبة عما سوى الله، والغنى بالله، كما قال الشيخ أبو الحسن: " أسألك الفقر عما سواك، والغنى بك، حتى لا نشهد إلا إياك " وهو ينشأ عن التحقق بالفقر ظاهرا وباطنا لأن الفقر من وصف العبد، والغنى من وصف الرب، فمن تحقق بوصفه أمده الله بوصفه، " تحقق بوصفك يمدك بوصفه، تحقق بفقرك يمدك بغناه، تحقق بذلك يمدك بعزه ".
وقال القشيري: بعد كلام : والفقراء على أقسام: فقير إلى الله، وفقير إلى شيء هو من الله معلوم ومرسوم. ومن افتقر إلى شيء استغنى بوجود ذلك الشيء، فالفقير إلى الله هو الغني بالله، فالافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله. فالفقير إليه مستغن به، والمستغنى به فقير إليه. ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخشوع، ومن آفات الغنى امتزاجه بالتكبر. وشرف العبد وعزه في فقره، وذله وصغاره في توهمه الغنى، وأنشدوا:
وإذا تذللت الرقاب تقربا منا إليك فعزها في ذلها
ومن شرط الفقير: ألا يملك شيئا، ولا يملكه شيء. ومن آداب الفقير الصادق: إظهار التكثر عند وجود التقتر، والشكر على البلوى، والبعد عن الشكوى. ويقال: الفقر المحمود: العيش مع الله براحة الفراغ على سرمد الوقت، من غير استكراه شيء منه بكل وجه. ه. ملخصا. قال الورتجبي: فطرة الإنسانية وقعت من الغيب مضطربة متحركة إلى الأزل، بنعت الافتقار إليه، كانجذاب الحديد إلى المغناطيس لأنها وقعت بنعت العشق، والعاشق مفتقر إلى معشوقه، انفعالا، فمن عرفه بالأزلية والأبدية يفتقر إليه افتقارا قطعيا لأن بقاءه لا يكون إلا به. وإذا كان كذلك صار غنيا بالله، متصفا بغناه، غنيا به عن غيره، مفتقرا إليه. فإذا كان في محل الصحو يكون مفتقرا إليه، وإذا كان في محل السكر بقي في رؤية غناه عنه، فصار محجوبا عنه، ولا يدري. ه. وقال سهل رضي الله عنه: لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى، ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى، حجب عن الله، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه. فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسر إليه، ومنقطعا عن الغير إليه، حتى يكون عبوديته لله محضة، فالعبودية هي الذل والخضوع. ه. وقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن يتعزز بالله لا يذل. وقال يحيى بن معاذ: الفقر خير للعبد من الغنى لأن الذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بكثرة الأعمال. وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء. وكيف يفتقر العبد إلى العبد وهو لا يغني عنه شيئا، قال تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع... }
فاطر 35:16
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } في دقائق الأمور وجليلها، في كل لحظة لا يستغني أحد عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك إذ لا قيام للعبد إلا به، فهو مفتقر إلى الله، إيجادا وإمدادا. قال البيضاوي: وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم، وكثرة احتياجهم، هم الفقراء دون غيرهم، وأن افتقار سائر الخلق بالإضافة إلى فقرهم غير معتد به، ولذلك قال:
وخلق الإنسان ضعيفا
[النساء:28] قلت: ويمكن أن يكون الحصر باعتبار الحق تعالى، أي: أنتم فقراء دون خالقكم، بدليل وصله بقوله: { والله هو الغني الحميد }. وقال ذو النون رضي الله عنه: الخلق محتاجون إليه في كل نفس، وطرفة، ولحظة، وكيف لا ووجودهم به، وبقاؤهم به؟ { والله هو الغني } عن الأشياء كلها، { الحميد } أي: المحمود بكل لسان. ولم يسمهم بالفقر للتحقير، بل للتعظيم لأن العبد إذا أظهر فقره لسيده الغني أغناه عن أشكاله وأمثاله. وذكر " الحميد " ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، والجواد المنعم عليهم إذ ليس كل غني نافعا بغناه، إلا إذا كان الغني جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم، حمده المنعم عليهم. ولما ذكر افتقارم إلى نعمة الإيجاد، ذكر افتقارهم إلى نعمة الإمداد، بقوله: { إن يشأ يذهبكم } أي: إن يشأ يفنيكم كلكم، ويردكم إلى العدم فإن غناه بذاته، لا بكم، { ويأت بخلق جديد } يكون أطوع منكم، أو بعالم آخر غير ما تعرفون. { وما ذلك } أي: الإفناء والإنشاء { على الله بعزيز } بممتنع. وعن ابن عباس: يخلق بعدكم من يعبده، لا يشرك به شيئا. قال القشيري: فقر الخلقة عام لكل أحد، في أول حال وجوده ليبديه وينشيه، وفي ثاني حال بقائه ليديمه ويبقيه. ه. قلت: وإليه أشار في الحكم بقوله: " نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل موجود منهما: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، أنعم أولا بالإيجاد، وثانيا بتوالي الإمداد ". الإشارة: الفقر على أربعة أقسام: فقر من الدين، وفقر من اليقين، وفقر من المال، وفقر مما سوى الله. فالأولان مذمومان، وصاحبهما موسوم بالإفلاس والهلع، ومنهما وقع التعوذ في الحديث. والثالث: إن صحبه الرضا فممدوح، وفيه وردت الأحاديث النبوية، وإلا فمذموم، ويشمله التعوذ في الحديث. الرابع: هو مطلب القاصدين والعارفين، وهو الغيبة عما سوى الله، والغنى بالله، كما قال الشيخ أبو الحسن: " أسألك الفقر عما سواك، والغنى بك، حتى لا نشهد إلا إياك " وهو ينشأ عن التحقق بالفقر ظاهرا وباطنا لأن الفقر من وصف العبد، والغنى من وصف الرب، فمن تحقق بوصفه أمده الله بوصفه، " تحقق بوصفك يمدك بوصفه، تحقق بفقرك يمدك بغناه، تحقق بذلك يمدك بعزه ".
وقال القشيري: بعد كلام : والفقراء على أقسام: فقير إلى الله، وفقير إلى شيء هو من الله معلوم ومرسوم. ومن افتقر إلى شيء استغنى بوجود ذلك الشيء، فالفقير إلى الله هو الغني بالله، فالافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله. فالفقير إليه مستغن به، والمستغنى به فقير إليه. ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخشوع، ومن آفات الغنى امتزاجه بالتكبر. وشرف العبد وعزه في فقره، وذله وصغاره في توهمه الغنى، وأنشدوا:
وإذا تذللت الرقاب تقربا منا إليك فعزها في ذلها
ومن شرط الفقير: ألا يملك شيئا، ولا يملكه شيء. ومن آداب الفقير الصادق: إظهار التكثر عند وجود التقتر، والشكر على البلوى، والبعد عن الشكوى. ويقال: الفقر المحمود: العيش مع الله براحة الفراغ على سرمد الوقت، من غير استكراه شيء منه بكل وجه. ه. ملخصا. قال الورتجبي: فطرة الإنسانية وقعت من الغيب مضطربة متحركة إلى الأزل، بنعت الافتقار إليه، كانجذاب الحديد إلى المغناطيس لأنها وقعت بنعت العشق، والعاشق مفتقر إلى معشوقه، انفعالا، فمن عرفه بالأزلية والأبدية يفتقر إليه افتقارا قطعيا لأن بقاءه لا يكون إلا به. وإذا كان كذلك صار غنيا بالله، متصفا بغناه، غنيا به عن غيره، مفتقرا إليه. فإذا كان في محل الصحو يكون مفتقرا إليه، وإذا كان في محل السكر بقي في رؤية غناه عنه، فصار محجوبا عنه، ولا يدري. ه. وقال سهل رضي الله عنه: لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى، ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى، حجب عن الله، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه. فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسر إليه، ومنقطعا عن الغير إليه، حتى يكون عبوديته لله محضة، فالعبودية هي الذل والخضوع. ه. وقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن يتعزز بالله لا يذل. وقال يحيى بن معاذ: الفقر خير للعبد من الغنى لأن الذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بكثرة الأعمال. وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء. وكيف يفتقر العبد إلى العبد وهو لا يغني عنه شيئا، قال تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع... }
فاطر 35:17
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } في دقائق الأمور وجليلها، في كل لحظة لا يستغني أحد عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك إذ لا قيام للعبد إلا به، فهو مفتقر إلى الله، إيجادا وإمدادا. قال البيضاوي: وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم، وكثرة احتياجهم، هم الفقراء دون غيرهم، وأن افتقار سائر الخلق بالإضافة إلى فقرهم غير معتد به، ولذلك قال:
وخلق الإنسان ضعيفا
[النساء:28] قلت: ويمكن أن يكون الحصر باعتبار الحق تعالى، أي: أنتم فقراء دون خالقكم، بدليل وصله بقوله: { والله هو الغني الحميد }. وقال ذو النون رضي الله عنه: الخلق محتاجون إليه في كل نفس، وطرفة، ولحظة، وكيف لا ووجودهم به، وبقاؤهم به؟ { والله هو الغني } عن الأشياء كلها، { الحميد } أي: المحمود بكل لسان. ولم يسمهم بالفقر للتحقير، بل للتعظيم لأن العبد إذا أظهر فقره لسيده الغني أغناه عن أشكاله وأمثاله. وذكر " الحميد " ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، والجواد المنعم عليهم إذ ليس كل غني نافعا بغناه، إلا إذا كان الغني جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم، حمده المنعم عليهم. ولما ذكر افتقارم إلى نعمة الإيجاد، ذكر افتقارهم إلى نعمة الإمداد، بقوله: { إن يشأ يذهبكم } أي: إن يشأ يفنيكم كلكم، ويردكم إلى العدم فإن غناه بذاته، لا بكم، { ويأت بخلق جديد } يكون أطوع منكم، أو بعالم آخر غير ما تعرفون. { وما ذلك } أي: الإفناء والإنشاء { على الله بعزيز } بممتنع. وعن ابن عباس: يخلق بعدكم من يعبده، لا يشرك به شيئا. قال القشيري: فقر الخلقة عام لكل أحد، في أول حال وجوده ليبديه وينشيه، وفي ثاني حال بقائه ليديمه ويبقيه. ه. قلت: وإليه أشار في الحكم بقوله: " نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل موجود منهما: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، أنعم أولا بالإيجاد، وثانيا بتوالي الإمداد ". الإشارة: الفقر على أربعة أقسام: فقر من الدين، وفقر من اليقين، وفقر من المال، وفقر مما سوى الله. فالأولان مذمومان، وصاحبهما موسوم بالإفلاس والهلع، ومنهما وقع التعوذ في الحديث. والثالث: إن صحبه الرضا فممدوح، وفيه وردت الأحاديث النبوية، وإلا فمذموم، ويشمله التعوذ في الحديث. الرابع: هو مطلب القاصدين والعارفين، وهو الغيبة عما سوى الله، والغنى بالله، كما قال الشيخ أبو الحسن: " أسألك الفقر عما سواك، والغنى بك، حتى لا نشهد إلا إياك " وهو ينشأ عن التحقق بالفقر ظاهرا وباطنا لأن الفقر من وصف العبد، والغنى من وصف الرب، فمن تحقق بوصفه أمده الله بوصفه، " تحقق بوصفك يمدك بوصفه، تحقق بفقرك يمدك بغناه، تحقق بذلك يمدك بعزه ".
وقال القشيري: بعد كلام : والفقراء على أقسام: فقير إلى الله، وفقير إلى شيء هو من الله معلوم ومرسوم. ومن افتقر إلى شيء استغنى بوجود ذلك الشيء، فالفقير إلى الله هو الغني بالله، فالافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله. فالفقير إليه مستغن به، والمستغنى به فقير إليه. ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخشوع، ومن آفات الغنى امتزاجه بالتكبر. وشرف العبد وعزه في فقره، وذله وصغاره في توهمه الغنى، وأنشدوا:
وإذا تذللت الرقاب تقربا منا إليك فعزها في ذلها
ومن شرط الفقير: ألا يملك شيئا، ولا يملكه شيء. ومن آداب الفقير الصادق: إظهار التكثر عند وجود التقتر، والشكر على البلوى، والبعد عن الشكوى. ويقال: الفقر المحمود: العيش مع الله براحة الفراغ على سرمد الوقت، من غير استكراه شيء منه بكل وجه. ه. ملخصا. قال الورتجبي: فطرة الإنسانية وقعت من الغيب مضطربة متحركة إلى الأزل، بنعت الافتقار إليه، كانجذاب الحديد إلى المغناطيس لأنها وقعت بنعت العشق، والعاشق مفتقر إلى معشوقه، انفعالا، فمن عرفه بالأزلية والأبدية يفتقر إليه افتقارا قطعيا لأن بقاءه لا يكون إلا به. وإذا كان كذلك صار غنيا بالله، متصفا بغناه، غنيا به عن غيره، مفتقرا إليه. فإذا كان في محل الصحو يكون مفتقرا إليه، وإذا كان في محل السكر بقي في رؤية غناه عنه، فصار محجوبا عنه، ولا يدري. ه. وقال سهل رضي الله عنه: لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى، ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى، حجب عن الله، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه. فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسر إليه، ومنقطعا عن الغير إليه، حتى يكون عبوديته لله محضة، فالعبودية هي الذل والخضوع. ه. وقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن يتعزز بالله لا يذل. وقال يحيى بن معاذ: الفقر خير للعبد من الغنى لأن الذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بكثرة الأعمال. وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء. وكيف يفتقر العبد إلى العبد وهو لا يغني عنه شيئا، قال تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع... }
فاطر 35:18
قلت: " وازرة ": صفة لمحذوف، أي: نفس آثمة. و " إن تدع ": شرط، و " لا يحمل ": جواب، و " لا " النافية لا تمنع الجواب من الجزم. يقول الحق جل جلاله: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي: ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، والوزر والوقر أخوان، ووزر الشيء: حمله. والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، فلا تؤخذ نفس بذنب نفس أخرى، كما تأخذ جبابرة الدنيا الظلمة الجار بجريمة الجار، والقريب بالقريب، فذلك ظلم محض. وأما قوله تعالى:
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
[العنكبوت: 13] ففي الضالين المضلين، فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وأثقال ضلالهم، وكل ذلك أوزارهم، ليس فيها شيء من أوزار غيرهم. ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قوله:
اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون
[العنكبوت: 12]. قال ابن عطية: من تطرق من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمة كفعل زياد ونحوه، فإن ذلك، لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بمؤازرة، أو مواصلة، أو اطلاع على حاله، أو تقرير له، فهذا قد أخذ من الجرم بنصيب. وهذا هو المعنى بقوله تعالى: { وليحملن أثقالهم... } الآية لأنهم أغروهم، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" من سن سنة حسنة.. "
الحديث، فراجعه. قلت: لا يجوز الإقدام على ظلم أحد بمجرد الظن، فالصواب حسم هذا الباب، والتصريح بتحريمه لكثرة جوز الحكام. ثم قال تعالى: { وإن تدع } نفس { مثقلة } بالذنب أحدا { إلى حملها } أي: إلى حمل ثقل ذنوبها، ليتحمل عنها بعض ذلك، { لا يحمل منه شيء ولو كان } المدعو، المفهوم من قوله: { وإن تدع } ، { ذا قربى } ذا قرابة قريبة، كأب، وولد، وأخ. والفرق بين معنى قوله: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وبين قوله: { إن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء } أن الأول دال على عدل الله في حكمه، وأنه لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها، والثاني: في بيان أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث، فمن أثقلته ذنوبه ثم استغاث بأحد لم يغثه، وهذا غاية الإنذار. ثم بين من ينتفع به بقوله: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم } أي: إنما ينتفع بإنذارك من خشي ربه { بالغيب } أي: يخشون ربهم غائبين عنه، أو: يخشون عذابه غائبا عنهم، فهو حال، إما من الفاعل أو المفعول المحذوف. أو: يخشون ربهم في حال الغيب، حيث لا اطلاع للغير عليهم، فيتقون الله في السر، كما يتقون في العلانية. { وأقاموا الصلاة } أتقنوها في مواقيتها، { ومن تزكى } أي: تطهر بفعل الطاعات، وترك المنهيات، { فإنما يتزكى لنفسه } إذ نفعه يعود لها، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم، وإقامتهم الصلاة لأنها من جملة التزكي.
{ وإلى الله المصير } المرجع، فيجازيهم على تزكيتهم، وهو وعد للمتزكين بالثواب. الإشارة: وبال الوزر خاص بصاحبه، إلا إذا كان مقتدى به، فإن عيبه أو نقصه يسري في أصحابه، حتى يطهر منه أن الصحبة صيرت الجسدين واحدا. وراجع ما تقدم عند قوله:
واتقوا فتنة...
[الأنفال: 25] الآية. قال القشيري: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } كل مطالب بعمله، ومحاسب عن ديوانه. ولكل معه شأن، وله مع كل أحد شأن، ومن العبادات ما تجري فيها النيابة، ولكن في المعارف لا تجري النيابة ولو أن عبدا عاصيا منهمكا في غوايته فاتته صلاة مفروضة، فلو قضى عنه ألف ولي، وألف صفي، تلك الصلاة الواحدة، عن كل ركعة ألف ركعة لم تقبل. ه. وقال في قوله تعالى: { إنما تنذر... } الخ: الإنذار هو الإعلام بموضع المخافة. والخشية هي المخافة، فمعنى الآية: لا ينتفع بالتخويف إلا صاحب الخوف طير السماء على إلافها تقع. ه. ثم ضرب المثل ومن لم يترك، فقال: { وما يستوي الأعمى... }
فاطر 35:19
يقول الحق جل جلاله: { وما يستوي الأعمى والبصير } أي: لا يستوي الكافر والمؤمن، أو الجاهل والعالم. وقيل: هما مثلان للصنم والله تعالى. { ولا الظلمات } كالكفر والجهل، { ولا النور } كالإيمان والمعرفة، { ولا الظل } كنعيم الجنان، { ولا الحرور } كأليم النيران. والحرور: الريح الحار كالسموم، إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار. قاله الفراء. { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين، أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل، وقيل: للعلماء والجهال. وزيادة " لا " في الجميع للتأكيد، وهذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترأ إلى وتر. { إن الله يسمع من يشاء } بهدايته وتوفيقه لفهم آياته والاتعاظ بها. { وما أنت بمسمع من في القبور } شبه الكفار بالموتى، حيث لا ينتفعون بمسموعهم، مبالغة في تصاممهم، يعني أنه تعالى علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل، فيهدي من يشاء هدايته، وأما أنت فخفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين، فإنذارهم كإنذار من في القبور من الموتى. قال ابن عطية: الآية تمثيل بما يحسه البشر، ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول: إنها في القبر، بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور، فربما سمعت، وكذلك أهل قليب بدر، إنما سمعت أرواحهم، فلا تعارض بين الآية وحديث القليب. ه. ثم قال تعالى: { إن أنت إلا نذير } أي: ما عليك إلا التبليغ والإنذار، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفعه، وإن كان من المصريين فلا عليك. { إنا أرسلناك بالحق } أي: محقا، أو: محقين: أو: إرسالا مصحوبا بالحق، فهو حال من الفاعل، أو المفعول، أو صفة لمصدر محذوف، { بشيرا } لمن آمن { ونذيرا } لمن كفر، { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي: ما من أمة من الأمم الماضية، قبل أمتك، إلا فيها نذير نبي، أو عالم، يخوفهم. ويقال لأهل كل عصر: أمة. والمراد هنا: أهل العصر. قال ابن عطية: معناه: أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة، فهو ممن بلغته الدعوة، لأن آدم بعث إلى بنيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم. والآية تتضمن أن قريشا لم يأتهم نذير، ومعناه: نذير مباشر، وما ذكر المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم، فإنما ذلك بالفرض، لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله. ه. وذكر في الإحياء، في باب التوبة: أنه يشبه أن يكون من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، وعاشوا على البله وعدم المعرفة، فلم تكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة، ولا معصية، هم أهل الأعراف لأنه لا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، فما هم من أهل الجنة، ولا من أهل النار، ويتركون في منزلة بين المنزلتين، ومقام بين المقامين.
ه. وقال ابن مرزوق في شرح حديث هرقل: الدين الحق هو الإسلام، وما سواه باطل، عقلا ونقلا، فلا عذر لمنتحليه بالإجماع، كان متأولا مجتهدا، أو مقلدا جاهلا لأن أدلة الإسلام واضحة قطعية، ومخالف مقتضاها مخطىء قطعا. ه. وقال ابن عطية أيضا، ما نصه: آدم عليه السلام فمن بعده، دعا إلى توحيد الله تعالى دعاء عاما، واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي أن يبحث عن الشرع، الآمر بتوحيد الله تعالى، وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك، بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن، ولا يعبد غير الله، فمن فرضناه لم يجد سبيلا إلى العلم، فأولئك أهل الفترات، الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث، فعبد صنما أو غيره، وكفر، فهذا ترك الواجب عليه، مستوجب للعقاب بالنار. ه. وقال أيضا: إنما صاحب الفترة بفرض أنه آدمي، لم يصل إليه: أن الله بعث رسولا، ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود إلا إن شذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران. ه. والحاصل: أن من بلغه خبر الشرائع السابقة، والدعاء إلى توحيد الله، لا عذر له، وإنما بعثت الرسل بعد ذلك تجديدا، ومبالغة في إزاحة العذر، وإكمال البيان. قاله المحشي. الإشارة: وما يستوي الأعمى، الذي لا يرى إلا حس الكائنات، والبصير، الذي فتحت بصيرته، فشاهد المكون، ولم يقف مع حس الكون، ولا الظلمات: المعاصي والغفلة ودائرة الحس، ونور اليقظة والعفة والمعرفة، ولا ظل برد الرضا والتسليم، وحرور التدبير والاختيار، وما يستوي الأحياء، وهم العارفون بالله، الذاكرون الله، والأموات الجاهلون، أو الغافلون. قال القشيري: { وما يستوي الأعمى والبصير... } الآية، كذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنا، والمجذوب إلينا والمحجوب عنا، ومن أشهدناه حقنا، ومن أغفلنا قلبه عن ذكرنا. ه. وقوله تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } النذير على قسمين: نذير من وبال الذنوب، ونذير من وبال العيوب. فوبال الذنوب: العذاب، ووبال العيوب: الحجاب، فمن تطهر من الذنوب استوجب نعيم الجنان، ومن تطهر من العيوب استوجب لذيذ الشهود والعيان. فالنذير الأول عالم بأحكام الله، والثاني عارف بالله الأول مقتصد، والثاني سابق، ولا يخلو الدهر منهما، حتى يأتي أمر الله، فالشريعة باقية قائمة بقيام العلماء، والطريقة والحقيقة قائمتان بقيام الأولياء العارفين بالله، أهل التربية النبوية، بالاصطلاح، والهمة، والحال. ومن قال خلاف هذا فقد قال بالمحال. ثم سلى نبيه لأنه لما أنذر قومه قابلوه بالتكذيب فقال: { وإن يكذبوك فقد كذب... }
فاطر 35:20
يقول الحق جل جلاله: { وما يستوي الأعمى والبصير } أي: لا يستوي الكافر والمؤمن، أو الجاهل والعالم. وقيل: هما مثلان للصنم والله تعالى. { ولا الظلمات } كالكفر والجهل، { ولا النور } كالإيمان والمعرفة، { ولا الظل } كنعيم الجنان، { ولا الحرور } كأليم النيران. والحرور: الريح الحار كالسموم، إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار. قاله الفراء. { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين، أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل، وقيل: للعلماء والجهال. وزيادة " لا " في الجميع للتأكيد، وهذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترأ إلى وتر. { إن الله يسمع من يشاء } بهدايته وتوفيقه لفهم آياته والاتعاظ بها. { وما أنت بمسمع من في القبور } شبه الكفار بالموتى، حيث لا ينتفعون بمسموعهم، مبالغة في تصاممهم، يعني أنه تعالى علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل، فيهدي من يشاء هدايته، وأما أنت فخفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين، فإنذارهم كإنذار من في القبور من الموتى. قال ابن عطية: الآية تمثيل بما يحسه البشر، ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول: إنها في القبر، بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور، فربما سمعت، وكذلك أهل قليب بدر، إنما سمعت أرواحهم، فلا تعارض بين الآية وحديث القليب. ه. ثم قال تعالى: { إن أنت إلا نذير } أي: ما عليك إلا التبليغ والإنذار، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفعه، وإن كان من المصريين فلا عليك. { إنا أرسلناك بالحق } أي: محقا، أو: محقين: أو: إرسالا مصحوبا بالحق، فهو حال من الفاعل، أو المفعول، أو صفة لمصدر محذوف، { بشيرا } لمن آمن { ونذيرا } لمن كفر، { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي: ما من أمة من الأمم الماضية، قبل أمتك، إلا فيها نذير نبي، أو عالم، يخوفهم. ويقال لأهل كل عصر: أمة. والمراد هنا: أهل العصر. قال ابن عطية: معناه: أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة، فهو ممن بلغته الدعوة، لأن آدم بعث إلى بنيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم. والآية تتضمن أن قريشا لم يأتهم نذير، ومعناه: نذير مباشر، وما ذكر المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم، فإنما ذلك بالفرض، لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله. ه. وذكر في الإحياء، في باب التوبة: أنه يشبه أن يكون من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، وعاشوا على البله وعدم المعرفة، فلم تكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة، ولا معصية، هم أهل الأعراف لأنه لا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، فما هم من أهل الجنة، ولا من أهل النار، ويتركون في منزلة بين المنزلتين، ومقام بين المقامين.
ه. وقال ابن مرزوق في شرح حديث هرقل: الدين الحق هو الإسلام، وما سواه باطل، عقلا ونقلا، فلا عذر لمنتحليه بالإجماع، كان متأولا مجتهدا، أو مقلدا جاهلا لأن أدلة الإسلام واضحة قطعية، ومخالف مقتضاها مخطىء قطعا. ه. وقال ابن عطية أيضا، ما نصه: آدم عليه السلام فمن بعده، دعا إلى توحيد الله تعالى دعاء عاما، واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي أن يبحث عن الشرع، الآمر بتوحيد الله تعالى، وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك، بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن، ولا يعبد غير الله، فمن فرضناه لم يجد سبيلا إلى العلم، فأولئك أهل الفترات، الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث، فعبد صنما أو غيره، وكفر، فهذا ترك الواجب عليه، مستوجب للعقاب بالنار. ه. وقال أيضا: إنما صاحب الفترة بفرض أنه آدمي، لم يصل إليه: أن الله بعث رسولا، ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود إلا إن شذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران. ه. والحاصل: أن من بلغه خبر الشرائع السابقة، والدعاء إلى توحيد الله، لا عذر له، وإنما بعثت الرسل بعد ذلك تجديدا، ومبالغة في إزاحة العذر، وإكمال البيان. قاله المحشي. الإشارة: وما يستوي الأعمى، الذي لا يرى إلا حس الكائنات، والبصير، الذي فتحت بصيرته، فشاهد المكون، ولم يقف مع حس الكون، ولا الظلمات: المعاصي والغفلة ودائرة الحس، ونور اليقظة والعفة والمعرفة، ولا ظل برد الرضا والتسليم، وحرور التدبير والاختيار، وما يستوي الأحياء، وهم العارفون بالله، الذاكرون الله، والأموات الجاهلون، أو الغافلون. قال القشيري: { وما يستوي الأعمى والبصير... } الآية، كذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنا، والمجذوب إلينا والمحجوب عنا، ومن أشهدناه حقنا، ومن أغفلنا قلبه عن ذكرنا. ه. وقوله تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } النذير على قسمين: نذير من وبال الذنوب، ونذير من وبال العيوب. فوبال الذنوب: العذاب، ووبال العيوب: الحجاب، فمن تطهر من الذنوب استوجب نعيم الجنان، ومن تطهر من العيوب استوجب لذيذ الشهود والعيان. فالنذير الأول عالم بأحكام الله، والثاني عارف بالله الأول مقتصد، والثاني سابق، ولا يخلو الدهر منهما، حتى يأتي أمر الله، فالشريعة باقية قائمة بقيام العلماء، والطريقة والحقيقة قائمتان بقيام الأولياء العارفين بالله، أهل التربية النبوية، بالاصطلاح، والهمة، والحال. ومن قال خلاف هذا فقد قال بالمحال. ثم سلى نبيه لأنه لما أنذر قومه قابلوه بالتكذيب فقال: { وإن يكذبوك فقد كذب... }
فاطر 35:21
يقول الحق جل جلاله: { وما يستوي الأعمى والبصير } أي: لا يستوي الكافر والمؤمن، أو الجاهل والعالم. وقيل: هما مثلان للصنم والله تعالى. { ولا الظلمات } كالكفر والجهل، { ولا النور } كالإيمان والمعرفة، { ولا الظل } كنعيم الجنان، { ولا الحرور } كأليم النيران. والحرور: الريح الحار كالسموم، إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار. قاله الفراء. { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين، أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل، وقيل: للعلماء والجهال. وزيادة " لا " في الجميع للتأكيد، وهذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترأ إلى وتر. { إن الله يسمع من يشاء } بهدايته وتوفيقه لفهم آياته والاتعاظ بها. { وما أنت بمسمع من في القبور } شبه الكفار بالموتى، حيث لا ينتفعون بمسموعهم، مبالغة في تصاممهم، يعني أنه تعالى علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل، فيهدي من يشاء هدايته، وأما أنت فخفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين، فإنذارهم كإنذار من في القبور من الموتى. قال ابن عطية: الآية تمثيل بما يحسه البشر، ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول: إنها في القبر، بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور، فربما سمعت، وكذلك أهل قليب بدر، إنما سمعت أرواحهم، فلا تعارض بين الآية وحديث القليب. ه. ثم قال تعالى: { إن أنت إلا نذير } أي: ما عليك إلا التبليغ والإنذار، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفعه، وإن كان من المصريين فلا عليك. { إنا أرسلناك بالحق } أي: محقا، أو: محقين: أو: إرسالا مصحوبا بالحق، فهو حال من الفاعل، أو المفعول، أو صفة لمصدر محذوف، { بشيرا } لمن آمن { ونذيرا } لمن كفر، { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي: ما من أمة من الأمم الماضية، قبل أمتك، إلا فيها نذير نبي، أو عالم، يخوفهم. ويقال لأهل كل عصر: أمة. والمراد هنا: أهل العصر. قال ابن عطية: معناه: أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة، فهو ممن بلغته الدعوة، لأن آدم بعث إلى بنيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم. والآية تتضمن أن قريشا لم يأتهم نذير، ومعناه: نذير مباشر، وما ذكر المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم، فإنما ذلك بالفرض، لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله. ه. وذكر في الإحياء، في باب التوبة: أنه يشبه أن يكون من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، وعاشوا على البله وعدم المعرفة، فلم تكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة، ولا معصية، هم أهل الأعراف لأنه لا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، فما هم من أهل الجنة، ولا من أهل النار، ويتركون في منزلة بين المنزلتين، ومقام بين المقامين.
ه. وقال ابن مرزوق في شرح حديث هرقل: الدين الحق هو الإسلام، وما سواه باطل، عقلا ونقلا، فلا عذر لمنتحليه بالإجماع، كان متأولا مجتهدا، أو مقلدا جاهلا لأن أدلة الإسلام واضحة قطعية، ومخالف مقتضاها مخطىء قطعا. ه. وقال ابن عطية أيضا، ما نصه: آدم عليه السلام فمن بعده، دعا إلى توحيد الله تعالى دعاء عاما، واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي أن يبحث عن الشرع، الآمر بتوحيد الله تعالى، وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك، بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن، ولا يعبد غير الله، فمن فرضناه لم يجد سبيلا إلى العلم، فأولئك أهل الفترات، الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث، فعبد صنما أو غيره، وكفر، فهذا ترك الواجب عليه، مستوجب للعقاب بالنار. ه. وقال أيضا: إنما صاحب الفترة بفرض أنه آدمي، لم يصل إليه: أن الله بعث رسولا، ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود إلا إن شذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران. ه. والحاصل: أن من بلغه خبر الشرائع السابقة، والدعاء إلى توحيد الله، لا عذر له، وإنما بعثت الرسل بعد ذلك تجديدا، ومبالغة في إزاحة العذر، وإكمال البيان. قاله المحشي. الإشارة: وما يستوي الأعمى، الذي لا يرى إلا حس الكائنات، والبصير، الذي فتحت بصيرته، فشاهد المكون، ولم يقف مع حس الكون، ولا الظلمات: المعاصي والغفلة ودائرة الحس، ونور اليقظة والعفة والمعرفة، ولا ظل برد الرضا والتسليم، وحرور التدبير والاختيار، وما يستوي الأحياء، وهم العارفون بالله، الذاكرون الله، والأموات الجاهلون، أو الغافلون. قال القشيري: { وما يستوي الأعمى والبصير... } الآية، كذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنا، والمجذوب إلينا والمحجوب عنا، ومن أشهدناه حقنا، ومن أغفلنا قلبه عن ذكرنا. ه. وقوله تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } النذير على قسمين: نذير من وبال الذنوب، ونذير من وبال العيوب. فوبال الذنوب: العذاب، ووبال العيوب: الحجاب، فمن تطهر من الذنوب استوجب نعيم الجنان، ومن تطهر من العيوب استوجب لذيذ الشهود والعيان. فالنذير الأول عالم بأحكام الله، والثاني عارف بالله الأول مقتصد، والثاني سابق، ولا يخلو الدهر منهما، حتى يأتي أمر الله، فالشريعة باقية قائمة بقيام العلماء، والطريقة والحقيقة قائمتان بقيام الأولياء العارفين بالله، أهل التربية النبوية، بالاصطلاح، والهمة، والحال. ومن قال خلاف هذا فقد قال بالمحال. ثم سلى نبيه لأنه لما أنذر قومه قابلوه بالتكذيب فقال: { وإن يكذبوك فقد كذب... }
فاطر 35:22
يقول الحق جل جلاله: { وما يستوي الأعمى والبصير } أي: لا يستوي الكافر والمؤمن، أو الجاهل والعالم. وقيل: هما مثلان للصنم والله تعالى. { ولا الظلمات } كالكفر والجهل، { ولا النور } كالإيمان والمعرفة، { ولا الظل } كنعيم الجنان، { ولا الحرور } كأليم النيران. والحرور: الريح الحار كالسموم، إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار. قاله الفراء. { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين، أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل، وقيل: للعلماء والجهال. وزيادة " لا " في الجميع للتأكيد، وهذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترأ إلى وتر. { إن الله يسمع من يشاء } بهدايته وتوفيقه لفهم آياته والاتعاظ بها. { وما أنت بمسمع من في القبور } شبه الكفار بالموتى، حيث لا ينتفعون بمسموعهم، مبالغة في تصاممهم، يعني أنه تعالى علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل، فيهدي من يشاء هدايته، وأما أنت فخفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين، فإنذارهم كإنذار من في القبور من الموتى. قال ابن عطية: الآية تمثيل بما يحسه البشر، ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول: إنها في القبر، بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور، فربما سمعت، وكذلك أهل قليب بدر، إنما سمعت أرواحهم، فلا تعارض بين الآية وحديث القليب. ه. ثم قال تعالى: { إن أنت إلا نذير } أي: ما عليك إلا التبليغ والإنذار، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفعه، وإن كان من المصريين فلا عليك. { إنا أرسلناك بالحق } أي: محقا، أو: محقين: أو: إرسالا مصحوبا بالحق، فهو حال من الفاعل، أو المفعول، أو صفة لمصدر محذوف، { بشيرا } لمن آمن { ونذيرا } لمن كفر، { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي: ما من أمة من الأمم الماضية، قبل أمتك، إلا فيها نذير نبي، أو عالم، يخوفهم. ويقال لأهل كل عصر: أمة. والمراد هنا: أهل العصر. قال ابن عطية: معناه: أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة، فهو ممن بلغته الدعوة، لأن آدم بعث إلى بنيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم. والآية تتضمن أن قريشا لم يأتهم نذير، ومعناه: نذير مباشر، وما ذكر المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم، فإنما ذلك بالفرض، لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله. ه. وذكر في الإحياء، في باب التوبة: أنه يشبه أن يكون من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، وعاشوا على البله وعدم المعرفة، فلم تكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة، ولا معصية، هم أهل الأعراف لأنه لا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، فما هم من أهل الجنة، ولا من أهل النار، ويتركون في منزلة بين المنزلتين، ومقام بين المقامين.
ه. وقال ابن مرزوق في شرح حديث هرقل: الدين الحق هو الإسلام، وما سواه باطل، عقلا ونقلا، فلا عذر لمنتحليه بالإجماع، كان متأولا مجتهدا، أو مقلدا جاهلا لأن أدلة الإسلام واضحة قطعية، ومخالف مقتضاها مخطىء قطعا. ه. وقال ابن عطية أيضا، ما نصه: آدم عليه السلام فمن بعده، دعا إلى توحيد الله تعالى دعاء عاما، واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي أن يبحث عن الشرع، الآمر بتوحيد الله تعالى، وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك، بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن، ولا يعبد غير الله، فمن فرضناه لم يجد سبيلا إلى العلم، فأولئك أهل الفترات، الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث، فعبد صنما أو غيره، وكفر، فهذا ترك الواجب عليه، مستوجب للعقاب بالنار. ه. وقال أيضا: إنما صاحب الفترة بفرض أنه آدمي، لم يصل إليه: أن الله بعث رسولا، ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود إلا إن شذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران. ه. والحاصل: أن من بلغه خبر الشرائع السابقة، والدعاء إلى توحيد الله، لا عذر له، وإنما بعثت الرسل بعد ذلك تجديدا، ومبالغة في إزاحة العذر، وإكمال البيان. قاله المحشي. الإشارة: وما يستوي الأعمى، الذي لا يرى إلا حس الكائنات، والبصير، الذي فتحت بصيرته، فشاهد المكون، ولم يقف مع حس الكون، ولا الظلمات: المعاصي والغفلة ودائرة الحس، ونور اليقظة والعفة والمعرفة، ولا ظل برد الرضا والتسليم، وحرور التدبير والاختيار، وما يستوي الأحياء، وهم العارفون بالله، الذاكرون الله، والأموات الجاهلون، أو الغافلون. قال القشيري: { وما يستوي الأعمى والبصير... } الآية، كذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنا، والمجذوب إلينا والمحجوب عنا، ومن أشهدناه حقنا، ومن أغفلنا قلبه عن ذكرنا. ه. وقوله تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } النذير على قسمين: نذير من وبال الذنوب، ونذير من وبال العيوب. فوبال الذنوب: العذاب، ووبال العيوب: الحجاب، فمن تطهر من الذنوب استوجب نعيم الجنان، ومن تطهر من العيوب استوجب لذيذ الشهود والعيان. فالنذير الأول عالم بأحكام الله، والثاني عارف بالله الأول مقتصد، والثاني سابق، ولا يخلو الدهر منهما، حتى يأتي أمر الله، فالشريعة باقية قائمة بقيام العلماء، والطريقة والحقيقة قائمتان بقيام الأولياء العارفين بالله، أهل التربية النبوية، بالاصطلاح، والهمة، والحال. ومن قال خلاف هذا فقد قال بالمحال. ثم سلى نبيه لأنه لما أنذر قومه قابلوه بالتكذيب فقال: { وإن يكذبوك فقد كذب... }
فاطر 35:23
يقول الحق جل جلاله: { وما يستوي الأعمى والبصير } أي: لا يستوي الكافر والمؤمن، أو الجاهل والعالم. وقيل: هما مثلان للصنم والله تعالى. { ولا الظلمات } كالكفر والجهل، { ولا النور } كالإيمان والمعرفة، { ولا الظل } كنعيم الجنان، { ولا الحرور } كأليم النيران. والحرور: الريح الحار كالسموم، إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار. قاله الفراء. { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين، أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل، وقيل: للعلماء والجهال. وزيادة " لا " في الجميع للتأكيد، وهذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترأ إلى وتر. { إن الله يسمع من يشاء } بهدايته وتوفيقه لفهم آياته والاتعاظ بها. { وما أنت بمسمع من في القبور } شبه الكفار بالموتى، حيث لا ينتفعون بمسموعهم، مبالغة في تصاممهم، يعني أنه تعالى علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل، فيهدي من يشاء هدايته، وأما أنت فخفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين، فإنذارهم كإنذار من في القبور من الموتى. قال ابن عطية: الآية تمثيل بما يحسه البشر، ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول: إنها في القبر، بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور، فربما سمعت، وكذلك أهل قليب بدر، إنما سمعت أرواحهم، فلا تعارض بين الآية وحديث القليب. ه. ثم قال تعالى: { إن أنت إلا نذير } أي: ما عليك إلا التبليغ والإنذار، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفعه، وإن كان من المصريين فلا عليك. { إنا أرسلناك بالحق } أي: محقا، أو: محقين: أو: إرسالا مصحوبا بالحق، فهو حال من الفاعل، أو المفعول، أو صفة لمصدر محذوف، { بشيرا } لمن آمن { ونذيرا } لمن كفر، { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي: ما من أمة من الأمم الماضية، قبل أمتك، إلا فيها نذير نبي، أو عالم، يخوفهم. ويقال لأهل كل عصر: أمة. والمراد هنا: أهل العصر. قال ابن عطية: معناه: أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة، فهو ممن بلغته الدعوة، لأن آدم بعث إلى بنيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم. والآية تتضمن أن قريشا لم يأتهم نذير، ومعناه: نذير مباشر، وما ذكر المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم، فإنما ذلك بالفرض، لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله. ه. وذكر في الإحياء، في باب التوبة: أنه يشبه أن يكون من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، وعاشوا على البله وعدم المعرفة، فلم تكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة، ولا معصية، هم أهل الأعراف لأنه لا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، فما هم من أهل الجنة، ولا من أهل النار، ويتركون في منزلة بين المنزلتين، ومقام بين المقامين.
ه. وقال ابن مرزوق في شرح حديث هرقل: الدين الحق هو الإسلام، وما سواه باطل، عقلا ونقلا، فلا عذر لمنتحليه بالإجماع، كان متأولا مجتهدا، أو مقلدا جاهلا لأن أدلة الإسلام واضحة قطعية، ومخالف مقتضاها مخطىء قطعا. ه. وقال ابن عطية أيضا، ما نصه: آدم عليه السلام فمن بعده، دعا إلى توحيد الله تعالى دعاء عاما، واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي أن يبحث عن الشرع، الآمر بتوحيد الله تعالى، وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك، بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن، ولا يعبد غير الله، فمن فرضناه لم يجد سبيلا إلى العلم، فأولئك أهل الفترات، الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث، فعبد صنما أو غيره، وكفر، فهذا ترك الواجب عليه، مستوجب للعقاب بالنار. ه. وقال أيضا: إنما صاحب الفترة بفرض أنه آدمي، لم يصل إليه: أن الله بعث رسولا، ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود إلا إن شذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران. ه. والحاصل: أن من بلغه خبر الشرائع السابقة، والدعاء إلى توحيد الله، لا عذر له، وإنما بعثت الرسل بعد ذلك تجديدا، ومبالغة في إزاحة العذر، وإكمال البيان. قاله المحشي. الإشارة: وما يستوي الأعمى، الذي لا يرى إلا حس الكائنات، والبصير، الذي فتحت بصيرته، فشاهد المكون، ولم يقف مع حس الكون، ولا الظلمات: المعاصي والغفلة ودائرة الحس، ونور اليقظة والعفة والمعرفة، ولا ظل برد الرضا والتسليم، وحرور التدبير والاختيار، وما يستوي الأحياء، وهم العارفون بالله، الذاكرون الله، والأموات الجاهلون، أو الغافلون. قال القشيري: { وما يستوي الأعمى والبصير... } الآية، كذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنا، والمجذوب إلينا والمحجوب عنا، ومن أشهدناه حقنا، ومن أغفلنا قلبه عن ذكرنا. ه. وقوله تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } النذير على قسمين: نذير من وبال الذنوب، ونذير من وبال العيوب. فوبال الذنوب: العذاب، ووبال العيوب: الحجاب، فمن تطهر من الذنوب استوجب نعيم الجنان، ومن تطهر من العيوب استوجب لذيذ الشهود والعيان. فالنذير الأول عالم بأحكام الله، والثاني عارف بالله الأول مقتصد، والثاني سابق، ولا يخلو الدهر منهما، حتى يأتي أمر الله، فالشريعة باقية قائمة بقيام العلماء، والطريقة والحقيقة قائمتان بقيام الأولياء العارفين بالله، أهل التربية النبوية، بالاصطلاح، والهمة، والحال. ومن قال خلاف هذا فقد قال بالمحال. ثم سلى نبيه لأنه لما أنذر قومه قابلوه بالتكذيب فقال: { وإن يكذبوك فقد كذب... }
فاطر 35:24
يقول الحق جل جلاله: { وما يستوي الأعمى والبصير } أي: لا يستوي الكافر والمؤمن، أو الجاهل والعالم. وقيل: هما مثلان للصنم والله تعالى. { ولا الظلمات } كالكفر والجهل، { ولا النور } كالإيمان والمعرفة، { ولا الظل } كنعيم الجنان، { ولا الحرور } كأليم النيران. والحرور: الريح الحار كالسموم، إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار. قاله الفراء. { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين، أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل، وقيل: للعلماء والجهال. وزيادة " لا " في الجميع للتأكيد، وهذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترأ إلى وتر. { إن الله يسمع من يشاء } بهدايته وتوفيقه لفهم آياته والاتعاظ بها. { وما أنت بمسمع من في القبور } شبه الكفار بالموتى، حيث لا ينتفعون بمسموعهم، مبالغة في تصاممهم، يعني أنه تعالى علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل، فيهدي من يشاء هدايته، وأما أنت فخفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين، فإنذارهم كإنذار من في القبور من الموتى. قال ابن عطية: الآية تمثيل بما يحسه البشر، ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول: إنها في القبر، بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور، فربما سمعت، وكذلك أهل قليب بدر، إنما سمعت أرواحهم، فلا تعارض بين الآية وحديث القليب. ه. ثم قال تعالى: { إن أنت إلا نذير } أي: ما عليك إلا التبليغ والإنذار، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفعه، وإن كان من المصريين فلا عليك. { إنا أرسلناك بالحق } أي: محقا، أو: محقين: أو: إرسالا مصحوبا بالحق، فهو حال من الفاعل، أو المفعول، أو صفة لمصدر محذوف، { بشيرا } لمن آمن { ونذيرا } لمن كفر، { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي: ما من أمة من الأمم الماضية، قبل أمتك، إلا فيها نذير نبي، أو عالم، يخوفهم. ويقال لأهل كل عصر: أمة. والمراد هنا: أهل العصر. قال ابن عطية: معناه: أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة، فهو ممن بلغته الدعوة، لأن آدم بعث إلى بنيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم. والآية تتضمن أن قريشا لم يأتهم نذير، ومعناه: نذير مباشر، وما ذكر المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم، فإنما ذلك بالفرض، لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله. ه. وذكر في الإحياء، في باب التوبة: أنه يشبه أن يكون من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، وعاشوا على البله وعدم المعرفة، فلم تكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة، ولا معصية، هم أهل الأعراف لأنه لا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، فما هم من أهل الجنة، ولا من أهل النار، ويتركون في منزلة بين المنزلتين، ومقام بين المقامين.
ه. وقال ابن مرزوق في شرح حديث هرقل: الدين الحق هو الإسلام، وما سواه باطل، عقلا ونقلا، فلا عذر لمنتحليه بالإجماع، كان متأولا مجتهدا، أو مقلدا جاهلا لأن أدلة الإسلام واضحة قطعية، ومخالف مقتضاها مخطىء قطعا. ه. وقال ابن عطية أيضا، ما نصه: آدم عليه السلام فمن بعده، دعا إلى توحيد الله تعالى دعاء عاما، واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي أن يبحث عن الشرع، الآمر بتوحيد الله تعالى، وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك، بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن، ولا يعبد غير الله، فمن فرضناه لم يجد سبيلا إلى العلم، فأولئك أهل الفترات، الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث، فعبد صنما أو غيره، وكفر، فهذا ترك الواجب عليه، مستوجب للعقاب بالنار. ه. وقال أيضا: إنما صاحب الفترة بفرض أنه آدمي، لم يصل إليه: أن الله بعث رسولا، ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود إلا إن شذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران. ه. والحاصل: أن من بلغه خبر الشرائع السابقة، والدعاء إلى توحيد الله، لا عذر له، وإنما بعثت الرسل بعد ذلك تجديدا، ومبالغة في إزاحة العذر، وإكمال البيان. قاله المحشي. الإشارة: وما يستوي الأعمى، الذي لا يرى إلا حس الكائنات، والبصير، الذي فتحت بصيرته، فشاهد المكون، ولم يقف مع حس الكون، ولا الظلمات: المعاصي والغفلة ودائرة الحس، ونور اليقظة والعفة والمعرفة، ولا ظل برد الرضا والتسليم، وحرور التدبير والاختيار، وما يستوي الأحياء، وهم العارفون بالله، الذاكرون الله، والأموات الجاهلون، أو الغافلون. قال القشيري: { وما يستوي الأعمى والبصير... } الآية، كذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنا، والمجذوب إلينا والمحجوب عنا، ومن أشهدناه حقنا، ومن أغفلنا قلبه عن ذكرنا. ه. وقوله تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } النذير على قسمين: نذير من وبال الذنوب، ونذير من وبال العيوب. فوبال الذنوب: العذاب، ووبال العيوب: الحجاب، فمن تطهر من الذنوب استوجب نعيم الجنان، ومن تطهر من العيوب استوجب لذيذ الشهود والعيان. فالنذير الأول عالم بأحكام الله، والثاني عارف بالله الأول مقتصد، والثاني سابق، ولا يخلو الدهر منهما، حتى يأتي أمر الله، فالشريعة باقية قائمة بقيام العلماء، والطريقة والحقيقة قائمتان بقيام الأولياء العارفين بالله، أهل التربية النبوية، بالاصطلاح، والهمة، والحال. ومن قال خلاف هذا فقد قال بالمحال. ثم سلى نبيه لأنه لما أنذر قومه قابلوه بالتكذيب فقال: { وإن يكذبوك فقد كذب... }
فاطر 35:25
يقول الحق جل جلاله: { وإن يكذبوك } أي: قومك { فقد كذب الذين من قبلهم } رسلهم، حال كونهم قد { جاءتهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات الواضحة، { وبالزبر } وبالصحف { وبالكتاب المنير } أي: التوراة، والإنجيل، والزبور. ولما كانت هذه الأشياء من جنسهم، أسند المجيء بها إليهم إسنادا مطلقا، وإن كان بعضها في جميعهم، وهي البينات، وبعضها في بعضهم، وهي الزبر والكتاب. ويجوز أن يراد بالزبر والكتاب واحد، والعطف لتغاير الوصفين، فكونها زبر باعتبار ما فيها من المواعظ التي تزبر القلوب، وكونها كتبا منيرة لما فيها من الأحكام والبراهين النيرة. { ثم أخذت الذين كفروا } أي: ثم عاقبت الكفرة بأنواع العقاب، { فكيف كان نكير } إنكاري عليهم، وتعذيبي لهم؟ والاستفهام للتهويل. الإشارة: تكذيب الصادقين سنة ماضية. فأولياء كل زمان يتسلون بمن سلف قبلهم، فقد قتل بعضهم، وسجن بعضهم، وأجلي بعضهم، إلى غير ذلك زيادة في مقامهم وترقية بأسرارهم. والله عليم حكيم. ثم ذكر دلائل قدرته على إهلاك من خالف أمره فقال: { ألم تر أن الله أنزل... }
فاطر 35:26
يقول الحق جل جلاله: { وإن يكذبوك } أي: قومك { فقد كذب الذين من قبلهم } رسلهم، حال كونهم قد { جاءتهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات الواضحة، { وبالزبر } وبالصحف { وبالكتاب المنير } أي: التوراة، والإنجيل، والزبور. ولما كانت هذه الأشياء من جنسهم، أسند المجيء بها إليهم إسنادا مطلقا، وإن كان بعضها في جميعهم، وهي البينات، وبعضها في بعضهم، وهي الزبر والكتاب. ويجوز أن يراد بالزبر والكتاب واحد، والعطف لتغاير الوصفين، فكونها زبر باعتبار ما فيها من المواعظ التي تزبر القلوب، وكونها كتبا منيرة لما فيها من الأحكام والبراهين النيرة. { ثم أخذت الذين كفروا } أي: ثم عاقبت الكفرة بأنواع العقاب، { فكيف كان نكير } إنكاري عليهم، وتعذيبي لهم؟ والاستفهام للتهويل. الإشارة: تكذيب الصادقين سنة ماضية. فأولياء كل زمان يتسلون بمن سلف قبلهم، فقد قتل بعضهم، وسجن بعضهم، وأجلي بعضهم، إلى غير ذلك زيادة في مقامهم وترقية بأسرارهم. والله عليم حكيم. ثم ذكر دلائل قدرته على إهلاك من خالف أمره فقال: { ألم تر أن الله أنزل... }
فاطر 35:27
{ ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك.... } قلت: { مختلفا }: نعت { ثمرات }. و { مختلف ألوانه }: صفة لمحذوف، أي: صنف مختلف. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به } بالماء { ثمرات مختلفا ألوانها } أي: أجناسها، كالرمان، والتفاح، والتين، والعنب، وغيرها مما لا يحصى، أو: ألوانها: هيئاتها من الحمرة والصفرة ونحوهما. { ومن الجبال جدد } طرق مختلفة اللون. جمع: جدة، كمدة ومدد. والجدة: الطريقة والخطة، تكون في الجبل، تخالف لون ما يليها. وكل طريقة من سواد أو بياض فهي جدة. قاله الهروي. وهي مبتدأ وخبر، أي: وطرق { بيض وحمر } كائنة من الجبال. { وغرابيب سود } أي: ومنها غرابيب سود، أي: ومن الطرق سود غرابيب جمع: غربيب، وهي الذي أبعد في السواد وأغرب، ومنه: الغراب. قال الهروي: هي الجواد ذوات الصخور السود، والغربيب: شديد السواد. ه. وفي الصحاح: تقول هذا أسود غربيب، أي: شديد السواد، وإذا قلت: غرابيب سود تجعل السود بدلا من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم. ه. تقول: أصفر فاقع، وأسود حالك، ولا يتقدم الوصف، ونقل الكواشي عن أبي عبيد: أن في الآية تقديما وتأخيرا، تقديره: وسود غرابيب. وفائدته: أن يكون المؤكد مضمرا، والمظهر تفسيرا له، فيدل على الاعتناء به، لكونهما معا يدلان على معنى واحد. ه. ولا بد من تقدير حذف مضاعف في قوله: { ومن الجبال جدد } أي: من الجبال ذو جدد بيض، وحمر، وسود غرابيب حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه، كما قال: { ثمرات مختلفا ألوانها }. { ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه } أي: ومنهم صنف مختلف ألوانه بالحمرة والصفرة والبياض والسواد. { كذلك } أي: كاختلاف الثمرات والجبال. قال القشيري: تخصيص الفعل بهيئته وألوانه من أدلة قصد الفاعل وبرهانه. فإتقان الفعل وإحكامه شواهد الصنع وإعلامه. وكذلك أيضا الناس والدواب والأنعام، بل جميع المخلوقات، متجانس الأعيان، مختلف الصفات، وهو دليل ثبوت منشئها بنعت الجلال ه. الإشارة: ألم تر أن الله أنزل من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية، فأخرجنا به ثمرات، وهي العلوم والأذواق والوجدان، مختلف ألوانها، فمنها علوم الشرائع، وتحقيق مسائلها، ومنها علم العقائد، وتشييد أدلتها وبراهينها، ومنها علوم اللسان بإتقان قواعدها، ومنها علم القلوب وتصفيتها من العيوب، وهو علم الطريقة، ومنها علم الأسرار، وهي أسرار الذات والصفات، وهو علم الحقيقة. ومن جبال العقل طرق بيض، وحمر، وسود، فالبيض: طرق الكشف والبيان، وحلاوة الذوق والوجدان، والحمر: طرق الدليل والبرهان لأنها قد تظهر وتخفى، والسود الغرابيب: عقول الفلاسفة والطبائعيين، أهل الحدس والتخمين، إذا لم يقتدوا بالكتاب المبين، وشرع النبي الأمين.
أولئك هم الضالون المضلون. ولما كان النظر في هذه المصنوعات إنما يكون بالعلم، ذكر أهله، فقال: {... إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور } يقول الحق جل جلاله: { إنما يخشى الله } أي: يخافه { من عباده العلماء } لأنهم هم الذين يتفكرون في عجائب مصنوعاته، ودلائل قدرته، فيعرفون عظمته وكبرياءه، وجلاله وجماله، ويتفكرون فيما أعد الله لمن عصاه من العذاب ومناقشة الحساب، وفيما أعد لمن خافه وأطاعه من الثواب، وحسن المآب، فيزدادون خشية، ورهبة، ومحبة، ورغبة في طاعته، وموجب رضوانه، دون من عداهم من الجهال. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" أعلمكم بالله أشدكم له خشية "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" رأس الحكمة مخافة الله ".
وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، وقال ابن عباس في تفسير الآية: كفى بالزهد علما، وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما، وبالاعتذار جهلا. وفي الحكم: " خير علم ما كانت الخشية معه ". وقال في التنوير: اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب والسنة فإنما المراد به العلم النافع، الذي تقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة. قال تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } بين سبحانه أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية. ه. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: واعلم أن العلم النافع، المتفق عليه فيما سلف وخلف، إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية، وملازمة التواضع والذلة، والتخلق بأخلاق الإيمان، إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها، وإيثار الآخرة عليها، ولزوم الأدب بين يدي الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العلية، والمناحي السنية. ه. وقال في لطائف المنن: شاهد العلم، الذي هو مطلب الله تعالى: الخشية، وشاهد الخشية: موافقة الأمر، فأما علم تكون معه الرغبة في الدنيا، والتملق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها، والجمع، والادخار، والمباهاة، والاستكثار، وطول الأمل، ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا نعته من أن يكون من ورثة الأنبياء! وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه. ومثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء كالشمعة، تضيء على غيرها، وهي تحرق نفسها. جعل الله العلم الذي علمه من هذا وصفه حجة عليه، وسببا في تكثير العقوبة لديه. ه. وتقديم اسم الله تعالى، وتأخير العلماء، يؤذن أن معناه: إن الذين يخشون الله من عباده العلماء دون غيرهم. ولو عكس، بأن قال: إنما يخشى العلماء الله، لكان المعنى: أنهم لا يخشون إلا الله. وقرأ أبو حنيفة وعمر بن عبد العزيز: بنصف " العلماء " ورفع " الله ".
والخشية في هذه القراءة بمعنى التعظيم. والمعنى: إنما يعظم الله من عباده العلماء. وعنه صلى الله عليه وسلم:
" يقول الله للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه، يفصل قضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم، على ما كان فيكم، ولا أبالي "
قال المنذري: انظر إلى قوله: " علمي وحلمي " يتضح لك بإضافته إليه أنه لم يرد به علم أكثر أهل الزمان المجرد عن العلم به والإخلاص. وفي رواية: " لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أريده بكم، ادخلوا الجنة بما فيكم ". وقال عليه الصلاة والسلام :
" يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء ".
{ إن الله عزيز غفور } هو تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة لعزته وغلبته، وإثابة أهل الطاعة، والعفو عنهم لعظيم غفرانه، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى. الإشارة: العلماء على قسمين: علماء بأحكام الله، وعلماء بالله، العلماء بالأحكام يخشون غضبه وعقابه، والعلماء بالله يخشون إبعاده واحتجابه، العلماء بالأحكام يتقون مواطن الآثام، والعلماء بالله يتقون سوء الأدب في حضرة الملك العلام. فخشية العلماء بالله أرق وأشد. العلماء بالله أخذوا علمهم من الله، والعلماء بالأحكام أخذوا علمهم عن الأموات. قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: في علماء أهل الرواية: مساكين أخذوا علمهم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. ه. والفرق بين الخوف والرهبة والخشية: أن الخوف من العقاب، والرهبة من العتاب، والخشية من الإبعاد. قال القشيري: والفرق بين الخشية والرهبة: أن الرهبة: خوف يوجب هرب صاحبه، فيجري في تفرقته. والخشية إذا حصلت كبحت صاحبها، فيبقى مع الله. فقدمت الخشية على الرهبة في الجملة، والخوف قضية الإيمان، قال تعالى:
وخافون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 175]. والخشية قضية العلم والهيبة. ه. ثم قال: العالم يخاف تقصيره في حق ربه، والعارف يخشى من سوء أدبه وترك احترام، وانبساط في غير وقت، بإطلاق لفظ، أو ترخيص بترك الأولى. ه. قال الورتجبي: الخوف عموم، والخشية خصوص. وقد قرن سبحانه الخشية بالعلم، أي: العلم بالله وجلاله وقدره وربوبيته وعبوديته له. وحقيقة الخشية: وقوع إجلال الحق في قلوب العارفين، ممزوجا بسنا التعظيم، ورؤية الكبرياء والعظمة، ولا يحصل ذلك إلا لمن شاهد القدم، والأزل، والبقاء، والأبد، فمن زاد علمه بالله زاد خشية، لقوله صلى الله عليه وسلم: أنا أعرفكم بالله وأخشاكم منه ". ه. وفي الحديث:
" قيل يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال:العلم قيل: أي العلم؟ قال: العلم بالله سبحانه "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ والله إني لأعلمكم بالله، وأشدكم له خشية ".
ثم قال: عن جعفر الصادق: العلم أمر ترك الحرمة في العبادات، وترك الحرمة في الحياء من الحق، وترك الحرمة في متابعة الرسول، وترك الحرمة في خدمة الأولياء الصديقين. ه. ومعنى كلامه: أن العلم الحقيقي هو الذي يأمن صاحبه من انتهاك حرمة العبادات، ومن هتك حرمة الاحتشام من الله ورسوله وأوليائه. ومن أراد من العلماء السلامة من الاغترار بالعلم فليطالع شرح ابن عباد، في قول الحكم: " العلم إن قارنته الخشية فلك، وإلا، فعليك ". وبالله التوفيق. ولما ذكر العلماء وذكر حملة القرآن فقال: { إن الذين يتلون كتاب... }
فاطر 35:28
{ ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك.... } قلت: { مختلفا }: نعت { ثمرات }. و { مختلف ألوانه }: صفة لمحذوف، أي: صنف مختلف. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به } بالماء { ثمرات مختلفا ألوانها } أي: أجناسها، كالرمان، والتفاح، والتين، والعنب، وغيرها مما لا يحصى، أو: ألوانها: هيئاتها من الحمرة والصفرة ونحوهما. { ومن الجبال جدد } طرق مختلفة اللون. جمع: جدة، كمدة ومدد. والجدة: الطريقة والخطة، تكون في الجبل، تخالف لون ما يليها. وكل طريقة من سواد أو بياض فهي جدة. قاله الهروي. وهي مبتدأ وخبر، أي: وطرق { بيض وحمر } كائنة من الجبال. { وغرابيب سود } أي: ومنها غرابيب سود، أي: ومن الطرق سود غرابيب جمع: غربيب، وهي الذي أبعد في السواد وأغرب، ومنه: الغراب. قال الهروي: هي الجواد ذوات الصخور السود، والغربيب: شديد السواد. ه. وفي الصحاح: تقول هذا أسود غربيب، أي: شديد السواد، وإذا قلت: غرابيب سود تجعل السود بدلا من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم. ه. تقول: أصفر فاقع، وأسود حالك، ولا يتقدم الوصف، ونقل الكواشي عن أبي عبيد: أن في الآية تقديما وتأخيرا، تقديره: وسود غرابيب. وفائدته: أن يكون المؤكد مضمرا، والمظهر تفسيرا له، فيدل على الاعتناء به، لكونهما معا يدلان على معنى واحد. ه. ولا بد من تقدير حذف مضاعف في قوله: { ومن الجبال جدد } أي: من الجبال ذو جدد بيض، وحمر، وسود غرابيب حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه، كما قال: { ثمرات مختلفا ألوانها }. { ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه } أي: ومنهم صنف مختلف ألوانه بالحمرة والصفرة والبياض والسواد. { كذلك } أي: كاختلاف الثمرات والجبال. قال القشيري: تخصيص الفعل بهيئته وألوانه من أدلة قصد الفاعل وبرهانه. فإتقان الفعل وإحكامه شواهد الصنع وإعلامه. وكذلك أيضا الناس والدواب والأنعام، بل جميع المخلوقات، متجانس الأعيان، مختلف الصفات، وهو دليل ثبوت منشئها بنعت الجلال ه. الإشارة: ألم تر أن الله أنزل من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية، فأخرجنا به ثمرات، وهي العلوم والأذواق والوجدان، مختلف ألوانها، فمنها علوم الشرائع، وتحقيق مسائلها، ومنها علم العقائد، وتشييد أدلتها وبراهينها، ومنها علوم اللسان بإتقان قواعدها، ومنها علم القلوب وتصفيتها من العيوب، وهو علم الطريقة، ومنها علم الأسرار، وهي أسرار الذات والصفات، وهو علم الحقيقة. ومن جبال العقل طرق بيض، وحمر، وسود، فالبيض: طرق الكشف والبيان، وحلاوة الذوق والوجدان، والحمر: طرق الدليل والبرهان لأنها قد تظهر وتخفى، والسود الغرابيب: عقول الفلاسفة والطبائعيين، أهل الحدس والتخمين، إذا لم يقتدوا بالكتاب المبين، وشرع النبي الأمين.
أولئك هم الضالون المضلون. ولما كان النظر في هذه المصنوعات إنما يكون بالعلم، ذكر أهله، فقال: {... إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور } يقول الحق جل جلاله: { إنما يخشى الله } أي: يخافه { من عباده العلماء } لأنهم هم الذين يتفكرون في عجائب مصنوعاته، ودلائل قدرته، فيعرفون عظمته وكبرياءه، وجلاله وجماله، ويتفكرون فيما أعد الله لمن عصاه من العذاب ومناقشة الحساب، وفيما أعد لمن خافه وأطاعه من الثواب، وحسن المآب، فيزدادون خشية، ورهبة، ومحبة، ورغبة في طاعته، وموجب رضوانه، دون من عداهم من الجهال. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" أعلمكم بالله أشدكم له خشية "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" رأس الحكمة مخافة الله ".
وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، وقال ابن عباس في تفسير الآية: كفى بالزهد علما، وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما، وبالاعتذار جهلا. وفي الحكم: " خير علم ما كانت الخشية معه ". وقال في التنوير: اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب والسنة فإنما المراد به العلم النافع، الذي تقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة. قال تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } بين سبحانه أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية. ه. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: واعلم أن العلم النافع، المتفق عليه فيما سلف وخلف، إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية، وملازمة التواضع والذلة، والتخلق بأخلاق الإيمان، إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها، وإيثار الآخرة عليها، ولزوم الأدب بين يدي الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العلية، والمناحي السنية. ه. وقال في لطائف المنن: شاهد العلم، الذي هو مطلب الله تعالى: الخشية، وشاهد الخشية: موافقة الأمر، فأما علم تكون معه الرغبة في الدنيا، والتملق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها، والجمع، والادخار، والمباهاة، والاستكثار، وطول الأمل، ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا نعته من أن يكون من ورثة الأنبياء! وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه. ومثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء كالشمعة، تضيء على غيرها، وهي تحرق نفسها. جعل الله العلم الذي علمه من هذا وصفه حجة عليه، وسببا في تكثير العقوبة لديه. ه. وتقديم اسم الله تعالى، وتأخير العلماء، يؤذن أن معناه: إن الذين يخشون الله من عباده العلماء دون غيرهم. ولو عكس، بأن قال: إنما يخشى العلماء الله، لكان المعنى: أنهم لا يخشون إلا الله. وقرأ أبو حنيفة وعمر بن عبد العزيز: بنصف " العلماء " ورفع " الله ".
والخشية في هذه القراءة بمعنى التعظيم. والمعنى: إنما يعظم الله من عباده العلماء. وعنه صلى الله عليه وسلم:
" يقول الله للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه، يفصل قضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم، على ما كان فيكم، ولا أبالي "
قال المنذري: انظر إلى قوله: " علمي وحلمي " يتضح لك بإضافته إليه أنه لم يرد به علم أكثر أهل الزمان المجرد عن العلم به والإخلاص. وفي رواية: " لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أريده بكم، ادخلوا الجنة بما فيكم ". وقال عليه الصلاة والسلام :
" يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء ".
{ إن الله عزيز غفور } هو تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة لعزته وغلبته، وإثابة أهل الطاعة، والعفو عنهم لعظيم غفرانه، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى. الإشارة: العلماء على قسمين: علماء بأحكام الله، وعلماء بالله، العلماء بالأحكام يخشون غضبه وعقابه، والعلماء بالله يخشون إبعاده واحتجابه، العلماء بالأحكام يتقون مواطن الآثام، والعلماء بالله يتقون سوء الأدب في حضرة الملك العلام. فخشية العلماء بالله أرق وأشد. العلماء بالله أخذوا علمهم من الله، والعلماء بالأحكام أخذوا علمهم عن الأموات. قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: في علماء أهل الرواية: مساكين أخذوا علمهم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. ه. والفرق بين الخوف والرهبة والخشية: أن الخوف من العقاب، والرهبة من العتاب، والخشية من الإبعاد. قال القشيري: والفرق بين الخشية والرهبة: أن الرهبة: خوف يوجب هرب صاحبه، فيجري في تفرقته. والخشية إذا حصلت كبحت صاحبها، فيبقى مع الله. فقدمت الخشية على الرهبة في الجملة، والخوف قضية الإيمان، قال تعالى:
وخافون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 175]. والخشية قضية العلم والهيبة. ه. ثم قال: العالم يخاف تقصيره في حق ربه، والعارف يخشى من سوء أدبه وترك احترام، وانبساط في غير وقت، بإطلاق لفظ، أو ترخيص بترك الأولى. ه. قال الورتجبي: الخوف عموم، والخشية خصوص. وقد قرن سبحانه الخشية بالعلم، أي: العلم بالله وجلاله وقدره وربوبيته وعبوديته له. وحقيقة الخشية: وقوع إجلال الحق في قلوب العارفين، ممزوجا بسنا التعظيم، ورؤية الكبرياء والعظمة، ولا يحصل ذلك إلا لمن شاهد القدم، والأزل، والبقاء، والأبد، فمن زاد علمه بالله زاد خشية، لقوله صلى الله عليه وسلم: أنا أعرفكم بالله وأخشاكم منه ". ه. وفي الحديث:
" قيل يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال:العلم قيل: أي العلم؟ قال: العلم بالله سبحانه "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ والله إني لأعلمكم بالله، وأشدكم له خشية ".
ثم قال: عن جعفر الصادق: العلم أمر ترك الحرمة في العبادات، وترك الحرمة في الحياء من الحق، وترك الحرمة في متابعة الرسول، وترك الحرمة في خدمة الأولياء الصديقين. ه. ومعنى كلامه: أن العلم الحقيقي هو الذي يأمن صاحبه من انتهاك حرمة العبادات، ومن هتك حرمة الاحتشام من الله ورسوله وأوليائه. ومن أراد من العلماء السلامة من الاغترار بالعلم فليطالع شرح ابن عباد، في قول الحكم: " العلم إن قارنته الخشية فلك، وإلا، فعليك ". وبالله التوفيق. ولما ذكر العلماء وذكر حملة القرآن فقال: { إن الذين يتلون كتاب... }
فاطر 35:29
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يتلون كتاب الله } أي: يداومون على تلاوة القرآن { وأقاموا الصلاة } أتقنوها في أوقاتها، { وأنفقوا مما رزقناهم } فرضا ونفلا { سرا وعلانية } مسرين النفل، ومعلنين الفرض، ولم يقنعوا بتلاوته عن العمل به. وخبر " إن ": قوله: { يرجون تجارة لن تبور } لن تكسد، وهو ثواب أعمالهم، يعني: يطلبون تجارة ينتفي عنها الكسد، وتنفق عند الله. { ليوفيهم } متعلق ب " تبور " ، أي: ليوفيهم بإنفاقها عند الله { أجورهم } ثواب أعمالهم { ويزيدهم من فضله } بتفسيح القبور، أو: تشفيعهم في أهلهم، ومن أحسن إليهم، أو: تضعيف حسناتهم، أو: بتحقيق وعد لقائه. أخرج ابن أبي شيبة عن بريدة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشق عنه القبر، كالرجل الشاحب، يقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلتك، فإن كل تاجر وراء تجارته. قال: فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين، لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال له: اقرأ، واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ ".
وذكر في بعض الأخبار: أن حملة القرآن يحشرون يوم القيامة على كثبان المسك، وأنوار وجوههم تغشى النظار، فإذا أتوا إلى الصراط تلقتهم الملائكة الذين وكلوا بحملة القرآن، فتأخذ بأيديهم، وتوضع التيجان على رؤوسهم، والحلل على أجسادهم، وتقرب إليهم خيل من نور الجنة، عليها سرج المسك الأذفر، ألجمتها من اللؤلؤ والياقوت، فيركبونها، وتطير بهم على الصراط، ويجوز في شفاعة كل واحد منهم مائة ألف ممن استوجب النار، وينادي مناد: هؤلاء أحباء الله، الذين قرأوا كتاب الله، وعملوا به، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ه. { إنه غفور شكور } غفور لهفواتهم، شكور لأعمالهم، يعطي الجزيل، على العمل القليل. { والذي أوحينا إليك من الكتاب } أي: القرآن، و " من ": للتبيين، { هو الحق } لا مرية فيه، { مصدقا لما بين يديه } لما تقدمه من الكتب، { إن الله بعباده لخبير بصير } عالم بالظواهر والبواطن، فعلمك وأبصر أحوالك، ورآك أهلا لأن يوحي إليك هذا الكتاب المعجز، الذي هو عيار على سائر الكتب. الإشارة: كل ما ورد في فضل أهل القرآن، فالمراد به في حق من عمل به، وأخلص في قراءته، وحافظ على حدوده، ورعاه حق رعايته. وقد ورد فيمن لم يعمل به، أو قرأه لغير الله، وعيد كبير، وورد أنهم أول من يدخل جهنم. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، بعد ذكر الحديثين في فضل حامل القرآن: وهذا مقيد بالعمل، أي: فإن منزلتك عند آخر آية مما عملت، لا مما تلوت وخالفت بعملك لأنه لو كان كذلك لانخرقت أصول الدين، ويؤدي إلى أن من حفظ سرد القرآن اليوم، يكون أفضل من كثير من الصحابة الأخيار، والصالحين الأبرار فإن كثيرا من خيارهم مات قبل حفظ جميعه. ه. ثم فصل أحوالهم فقال: { ثم أورثنا الكتاب الذين... }
فاطر 35:30
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يتلون كتاب الله } أي: يداومون على تلاوة القرآن { وأقاموا الصلاة } أتقنوها في أوقاتها، { وأنفقوا مما رزقناهم } فرضا ونفلا { سرا وعلانية } مسرين النفل، ومعلنين الفرض، ولم يقنعوا بتلاوته عن العمل به. وخبر " إن ": قوله: { يرجون تجارة لن تبور } لن تكسد، وهو ثواب أعمالهم، يعني: يطلبون تجارة ينتفي عنها الكسد، وتنفق عند الله. { ليوفيهم } متعلق ب " تبور " ، أي: ليوفيهم بإنفاقها عند الله { أجورهم } ثواب أعمالهم { ويزيدهم من فضله } بتفسيح القبور، أو: تشفيعهم في أهلهم، ومن أحسن إليهم، أو: تضعيف حسناتهم، أو: بتحقيق وعد لقائه. أخرج ابن أبي شيبة عن بريدة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشق عنه القبر، كالرجل الشاحب، يقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلتك، فإن كل تاجر وراء تجارته. قال: فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين، لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال له: اقرأ، واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ ".
وذكر في بعض الأخبار: أن حملة القرآن يحشرون يوم القيامة على كثبان المسك، وأنوار وجوههم تغشى النظار، فإذا أتوا إلى الصراط تلقتهم الملائكة الذين وكلوا بحملة القرآن، فتأخذ بأيديهم، وتوضع التيجان على رؤوسهم، والحلل على أجسادهم، وتقرب إليهم خيل من نور الجنة، عليها سرج المسك الأذفر، ألجمتها من اللؤلؤ والياقوت، فيركبونها، وتطير بهم على الصراط، ويجوز في شفاعة كل واحد منهم مائة ألف ممن استوجب النار، وينادي مناد: هؤلاء أحباء الله، الذين قرأوا كتاب الله، وعملوا به، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ه. { إنه غفور شكور } غفور لهفواتهم، شكور لأعمالهم، يعطي الجزيل، على العمل القليل. { والذي أوحينا إليك من الكتاب } أي: القرآن، و " من ": للتبيين، { هو الحق } لا مرية فيه، { مصدقا لما بين يديه } لما تقدمه من الكتب، { إن الله بعباده لخبير بصير } عالم بالظواهر والبواطن، فعلمك وأبصر أحوالك، ورآك أهلا لأن يوحي إليك هذا الكتاب المعجز، الذي هو عيار على سائر الكتب. الإشارة: كل ما ورد في فضل أهل القرآن، فالمراد به في حق من عمل به، وأخلص في قراءته، وحافظ على حدوده، ورعاه حق رعايته. وقد ورد فيمن لم يعمل به، أو قرأه لغير الله، وعيد كبير، وورد أنهم أول من يدخل جهنم. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، بعد ذكر الحديثين في فضل حامل القرآن: وهذا مقيد بالعمل، أي: فإن منزلتك عند آخر آية مما عملت، لا مما تلوت وخالفت بعملك لأنه لو كان كذلك لانخرقت أصول الدين، ويؤدي إلى أن من حفظ سرد القرآن اليوم، يكون أفضل من كثير من الصحابة الأخيار، والصالحين الأبرار فإن كثيرا من خيارهم مات قبل حفظ جميعه. ه. ثم فصل أحوالهم فقال: { ثم أورثنا الكتاب الذين... }
فاطر 35:31
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يتلون كتاب الله } أي: يداومون على تلاوة القرآن { وأقاموا الصلاة } أتقنوها في أوقاتها، { وأنفقوا مما رزقناهم } فرضا ونفلا { سرا وعلانية } مسرين النفل، ومعلنين الفرض، ولم يقنعوا بتلاوته عن العمل به. وخبر " إن ": قوله: { يرجون تجارة لن تبور } لن تكسد، وهو ثواب أعمالهم، يعني: يطلبون تجارة ينتفي عنها الكسد، وتنفق عند الله. { ليوفيهم } متعلق ب " تبور " ، أي: ليوفيهم بإنفاقها عند الله { أجورهم } ثواب أعمالهم { ويزيدهم من فضله } بتفسيح القبور، أو: تشفيعهم في أهلهم، ومن أحسن إليهم، أو: تضعيف حسناتهم، أو: بتحقيق وعد لقائه. أخرج ابن أبي شيبة عن بريدة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشق عنه القبر، كالرجل الشاحب، يقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلتك، فإن كل تاجر وراء تجارته. قال: فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين، لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال له: اقرأ، واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ ".
وذكر في بعض الأخبار: أن حملة القرآن يحشرون يوم القيامة على كثبان المسك، وأنوار وجوههم تغشى النظار، فإذا أتوا إلى الصراط تلقتهم الملائكة الذين وكلوا بحملة القرآن، فتأخذ بأيديهم، وتوضع التيجان على رؤوسهم، والحلل على أجسادهم، وتقرب إليهم خيل من نور الجنة، عليها سرج المسك الأذفر، ألجمتها من اللؤلؤ والياقوت، فيركبونها، وتطير بهم على الصراط، ويجوز في شفاعة كل واحد منهم مائة ألف ممن استوجب النار، وينادي مناد: هؤلاء أحباء الله، الذين قرأوا كتاب الله، وعملوا به، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ه. { إنه غفور شكور } غفور لهفواتهم، شكور لأعمالهم، يعطي الجزيل، على العمل القليل. { والذي أوحينا إليك من الكتاب } أي: القرآن، و " من ": للتبيين، { هو الحق } لا مرية فيه، { مصدقا لما بين يديه } لما تقدمه من الكتب، { إن الله بعباده لخبير بصير } عالم بالظواهر والبواطن، فعلمك وأبصر أحوالك، ورآك أهلا لأن يوحي إليك هذا الكتاب المعجز، الذي هو عيار على سائر الكتب. الإشارة: كل ما ورد في فضل أهل القرآن، فالمراد به في حق من عمل به، وأخلص في قراءته، وحافظ على حدوده، ورعاه حق رعايته. وقد ورد فيمن لم يعمل به، أو قرأه لغير الله، وعيد كبير، وورد أنهم أول من يدخل جهنم. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، بعد ذكر الحديثين في فضل حامل القرآن: وهذا مقيد بالعمل، أي: فإن منزلتك عند آخر آية مما عملت، لا مما تلوت وخالفت بعملك لأنه لو كان كذلك لانخرقت أصول الدين، ويؤدي إلى أن من حفظ سرد القرآن اليوم، يكون أفضل من كثير من الصحابة الأخيار، والصالحين الأبرار فإن كثيرا من خيارهم مات قبل حفظ جميعه. ه. ثم فصل أحوالهم فقال: { ثم أورثنا الكتاب الذين... }
فاطر 35:32
يقول الحق جل جلاله: { ثم أورثنا الكتاب } أي: أوحينا إليك القرآن، وأورثناه من بعدك، أي: حكمنا بتوريثه { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين، وتابعيهم، ومن بعدهم إلى يوم الدين لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بالانتساب إلى أكرم رسله. قال ابن عطية: الكتاب هنا يراد به معاني القرآن وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى أعطى أمة محمد القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة قبله، فكأنه ورث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها. ه. ثم رتبهم مراتب، فقال: { فمنهم ظالم لنفسه } بالتقصير في العمل به، وهو المرجأ لأمر الله، { ومنهم مقتصد } وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، { ومنهم سابق بالخيرات } بأن جمع بين علمه والعمل به، وإرشاد العباد إلى اتباعه. وهذا أوفق بالحديث، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له "
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة، والظالم يحبس، حتى يظن أنه لن ينجو، ثم تناله الرحمة، فيدخل الجنة "
رواه أبو الدرداء. وقال ابن عباس رضي الله عنه: السابق، المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر النعمة غير الجاحد له، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقال الربيع بن أنس: الظالم: صاحب الكبائر، والمقتصد: صاحب الصغائر، والسابق: المجتنب لهما. وقال الحسن: الظالم: من رجحت سيئاته، والسابق: من رجحت حسناته، والمقتصد: من استوت حسناته وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال: كلهم مؤمنون. وأما صفة الكفار فبعد هذا، وهو قوله:
والذين كفروا لهم نار جهنم
[فاطر: 36]. وأما الطبقات الثلاث فهم من الذين اصطفى من عباده لأنه قال: فمنهم، ومنهم، ومنهم، والكل راجع إلى قوله: { الذين اصطفينا من عبادنا } فهم أهل الإيمان، وعليه الجمهور. وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم، وأن المقتصد: قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل. وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله. وقيل: إنما قدمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ربه. وقيل: لأن أول الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة. وقال سهل: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل. وقال أيضا: السابق: الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد: الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق: الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق.
وقيل: الظالم: من أخذ الدنيا حلالا وحراما، والمقتصد: المجتهد ألا يأخذها إلا من حلال، والسابق: من أعرض عنها جملة. وقيل: الظالم: طالب الدنيا، والمقتصد: طالب الآخرة، والسابق: طالب الحق لا يبغي به بدلا. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وقال عكرمة والحسن وقتادة: الأقسام الثلاثة في جميع العباد فالظالم لنفسه: الكافر، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق. وقالوا هذه الآية نظير قوله تعالى:
وكنتم أزواجا ثلاثة
[الواقعة: 7] والتحقيق ما تقدم. وقوله: { بإذن الله } أي: بأمره، أو: بتوفيقه وهدايته { ذلك } أي: إيراث الكتاب والاصطفائية. أو السبق إلى الخيرات { هو الفضل الكبير } الذي لا أكبر منه، وهو { جنات عدن يدخلونها } أي: الفرق الثلاث لأنها ميراث، والعاق والبار في الميراث سواء، إذا كانوا مقرين في النسب. وقرأ أبو عمرو بالبناء للمفعول. { يحلون فيها من أساور } جمع أسورة، جمع سوار، { من ذهب ولؤلؤا } أي: من ذهب مرصع باللؤلؤ. وقرأ نافع بالنصب، عطف على محل أساور، أي: يحلون أساور ولؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير } لما فيه من اللذة والليونة والزينة. { وقالوا } بعد دخولهم الجنة: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } خوف النار، أو: خوف الموت، أو: الخاتمة، أو: هم الرزق. والتحقيق: أنه يعم جميع الأحزان والهموم، دنيوية أو أخروية، وعن ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة، في قبورهم، ولا في محشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن وجوههم، فيقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "
{ إن ربنا لغفور شكور } يغفر الجنايات، وإن كثرت، ويقبل الطاعات، ويشكر عاملها، وإن قلت. { الذي أحللنا دار المقامة } أي: دار الإقامة لا نبرح عنها ولا نفارقها. يقال: أقمت إقامة ومقاما ومقامة، { من فضله } أي: من عطائه وإفضاله، لا باستحقاق أعمالنا، { لا يمسنا فيها نصب } تعب ومشقة { ولا يمسنا فيها لغوب } إعياء وكلل من التعب، وفترة إذ لا تكليف فيها ولا كد. نفى عنهم أولا التعب والمشقة، وثانيا ما يتبعه من الإعياء والملل. وأخرج البيهقي: أن رجلا قال يا رسول الله: إن النوم مما يقر الله به أعيننا، فهل في الجنة من نوم؟ فقال:
" إن النوم شريك الموت - أو أخو الموت وإن أهل الجنة لا ينامون أو: ليس في الجنة موت "
وفي رواية أخرى، قال: فما راحتهم؟ قال:
" ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة "
،فالنوم ينشأ من نصب الأبدان، ومن ثقل الطعام، وكلاهما منتفيان في الجنة. قال الضحاك: إذا دخل أهل الجنة الجنة، استقبلهم الولدان والخدم، كأنهم اللؤلؤ المكنون، فيبعث الله ملكا من الملائكة، معه هدية من رب العالمين، وكسوة من كسوة الجنة، فيلبسه، فيريد أن يدخل الجنة فيقول الملك: كما أنت، فيقف، ومعه عشرة خواتم، فيضعها في أصابعه، مكتوب: طبتم فادخلوها خالدين، وفي الثانية: ادخلوها بسلام، ذلك يوم الخلود، وفي الثالثة: رفعت عنكم الأحزان والهموم، وفي الرابعة: وزوجناهم بحور عين، وفي الخامسة: ادخلوها بسلام آمنين، وفي السادسة: إني جزيتهم اليوم بما صبروا، وفي السابعة: أنهم هم الفائزون.
وفي الثامنة: صرتم آمنين لا تخافون أبدا، وفي التاسعة: رفقتم النبيين والصديقين والشهداء، وفي العاشرة: سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران. فلما دخلوا قالوا: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن... } إلى: { لغوب }. ه. الإشارة: قال الورتجبي: الاصطفائية تقدمت الوراثة لمحبته ومشاهدته، ثم خاطبهم بما له عندهم وما لهم عنده. وهذا الميراث الذي أورثهم من جهة نسب معرفتهم به، واصطفائيته إياهم، وهو محل القرب والانبساط، لذلك قال: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا } ثم قسمهم على ثلاثة أقسام: ظالم، ومقتصد، وسابق. والحمد لله الذي جعل الظالم من أهل الاصطفائية. ثم قال: فالظالم عندي والله أعلم الذي وازى القدم بشرط إرادة حمل وارد جميع الذات والصفات، وطلب كنه الأزلية بنعت إدراكه، فأي ظالم أعظم منه؟ إذ طلب شيئا مستحيلا، ألا ترى كيف وصف سبحانه آدم بهذا الظلم بقوله:
وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، وهذا من كمال شوقه إلى حقيقة الحق، وكمال عشقه، ومحبة جلاله. ه. قلت: وهذا النوع من المتوجهين غلب عليه سكر المحبة، ودهش العشق، فادعى قوة الربوبية، وطلب إدراك الألوهية، ونسي ضعف عبوديته، فكان ظالما لنفسه، من هذا المعنى إذ العبودية لا تطيق إدراك كنه الربوبية. ولو أنه طلب الوصول إليه من جهة فقره، وضعفه، لكان مقتصدا، ولو أنه طلب الوصول إلى الله بالله لكان سابقا. فالأقسام الثلاثة تجري في المتوجهين فالظالم لنفسه: من غلب سكره على صحوه في بدايته، والمقتصد من غلب صحوه على سكره في بداية سيره، والسابق من اعتدل سكره مع صحوه في نهايته أو سيره. أو الظالم: السالك المحض، والمقتصد: المجذوب المحض، والسابق: الجامع بينهما إذ هو الذي يصلح للتربية. أو الظالم: الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد: الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق: هو الذي باطنه خير من ظاهره. وعن علي كرم الله وجهه : الظالم: الآخذ بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، والمقتصد: الآخذ بأقواله وأفعاله، والسابق: الآخذ بأقواله وأفعاله وأخلاقه. وقال القشيري: ويقال الظالم: من غلبت زلاته، والمقتصد: من استوت حالاته، والسابق: من زادت حسناته. أو: الظالم: من زهد في دنياه، والمقتصد: من رغب في عقباه، والسابق: من آثر على الدارين مولاه. أو: الظالم من نجم كوكب عقله، والمقتصد: من طلع بدر علمه، والسابق: من ذرت شمس معرفته. أو: الظالم: من طلبه، والمقتصد: من وجده، والسابق: من بقي معه. أو: الظالم: من ترك الزلة، والمقتصد: من ترك الغفلة، والسابق: من ترك العلاقة.
أو: الظالم: من جاد بنفسه، والمقتصد: من لم يبخل بقلبه، والسابق: من جاد بروحه. أو: الظالم: من له علم اليقين، والمقتصد: من له عين اليقين، والسابق: من له حق اليقين. أو: الظالم: بترك الحرام، والمقتصد: بترك الشبهة، والسابق: بترك الفضل في الجملة. أو: الظالم: صاحب سخاء، والمقتصد: صاحب جود، والسابق: صاحب إيثار. أو: الظالم: صاحب رجاء، والمقتصد: صاحب بسط، والسابق: صاحب أنس. أو: الظالم: صاحب خوف، والمقتصد: صاحب خشية، والسابق: صاحب هيبة. أو: الظالم له المغفرة، والمقتصد: له الرحمة، والسابق: له القربة، أو: الظالم: طالب النجاة، والمقتصد: طالب الدرجات، والسابق: طالب المناجاة. أو: الظالم: أمن من العقوبة، والمقتصد: طالب المثوبة، والسابق: متحقق بالقربة. أو: الظالم: صاحب التوكل، والمقتصد: صاحب التسليم، والسابق: صاحب التفويض، أو: الظالم: صاحب تواجد، والمقتصد: صاحب وجد، والسابق: صاحب وجود غير محجوب عنه البتة . أو: الظالم: مجذوب إلى فعله، والمقصد مكاشف بوصفه، والسابق: مستهلك في حقه، الذي هو وجوده. أو: الظالم: صاحب المحاضرة، والمقتصد: صاحب المكاشفة، والسابق: صاحب المشاهدة. وبعضهم قال: يراه الظالم في الآخرة في كل جمعة، والمقتصد: في كل يوم مرة، والسابق: غير محجوب عنه ألبتة. ه باختصار. والتحقيق: أن الأقسام الثلاثة تجري في كل من العارفين، والسائرين، والعلماء، والعباد، والزهاد، والصالحين إذ كل فن له بداية ووسط ونهاية. ذلك السبق إلى الله هو الفضل الكبير، جنات المعارف يدخلونها، يحلون فيها من أساور من ذهب، وهي الأحوال، ولؤلؤا، وهي المقامات، ولباسهم فيها حرير، وهي خالص أعمال الشريعة ولبها. وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إذ لا حزن مع العيان، ولا أغيار مع الأنوار، ولا أكدار مع الأسرار، ما تجده القلوب من الأحزان فلما منعت من العيان. ولابن الفارض رضي الله عنه في وصف الخمرة:
وإن خطرت يوما على خاطر امرىء أقامت بها الأفراح وارتحل الهم
وقال أيضا:
فما سكنت والهم يوما بموضع، كذلك لم يسكن مع النغم الغم
إن ربنا لغفور بتغطية العيوب، شكور بكشف الغيوب، الذي أحلنا دار المقامة، هي التمكين في الحضرة، بفضله، لا بحول منا ولا قوة، لا يمسنا فيها نصب. قال القشيري: إذا أرادوا أن يروا مولاهم لا يحتاجون إلى قطع مسافة، بل هم في غرفهم يشاهدون مولاهم، ويلقون فيها تحية وسلاما، وإذا رأوه لا يحتاجون إلى تحديق مقلة من جهة، كما هم يرونه بلا كيفية ه. ثم ذكر أضدادهم فقال: { والذين كفروا لهم نار جهنم... }
فاطر 35:33
يقول الحق جل جلاله: { ثم أورثنا الكتاب } أي: أوحينا إليك القرآن، وأورثناه من بعدك، أي: حكمنا بتوريثه { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين، وتابعيهم، ومن بعدهم إلى يوم الدين لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بالانتساب إلى أكرم رسله. قال ابن عطية: الكتاب هنا يراد به معاني القرآن وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى أعطى أمة محمد القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة قبله، فكأنه ورث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها. ه. ثم رتبهم مراتب، فقال: { فمنهم ظالم لنفسه } بالتقصير في العمل به، وهو المرجأ لأمر الله، { ومنهم مقتصد } وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، { ومنهم سابق بالخيرات } بأن جمع بين علمه والعمل به، وإرشاد العباد إلى اتباعه. وهذا أوفق بالحديث، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له "
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة، والظالم يحبس، حتى يظن أنه لن ينجو، ثم تناله الرحمة، فيدخل الجنة "
رواه أبو الدرداء. وقال ابن عباس رضي الله عنه: السابق، المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر النعمة غير الجاحد له، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقال الربيع بن أنس: الظالم: صاحب الكبائر، والمقتصد: صاحب الصغائر، والسابق: المجتنب لهما. وقال الحسن: الظالم: من رجحت سيئاته، والسابق: من رجحت حسناته، والمقتصد: من استوت حسناته وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال: كلهم مؤمنون. وأما صفة الكفار فبعد هذا، وهو قوله:
والذين كفروا لهم نار جهنم
[فاطر: 36]. وأما الطبقات الثلاث فهم من الذين اصطفى من عباده لأنه قال: فمنهم، ومنهم، ومنهم، والكل راجع إلى قوله: { الذين اصطفينا من عبادنا } فهم أهل الإيمان، وعليه الجمهور. وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم، وأن المقتصد: قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل. وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله. وقيل: إنما قدمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ربه. وقيل: لأن أول الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة. وقال سهل: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل. وقال أيضا: السابق: الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد: الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق: الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق.
وقيل: الظالم: من أخذ الدنيا حلالا وحراما، والمقتصد: المجتهد ألا يأخذها إلا من حلال، والسابق: من أعرض عنها جملة. وقيل: الظالم: طالب الدنيا، والمقتصد: طالب الآخرة، والسابق: طالب الحق لا يبغي به بدلا. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وقال عكرمة والحسن وقتادة: الأقسام الثلاثة في جميع العباد فالظالم لنفسه: الكافر، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق. وقالوا هذه الآية نظير قوله تعالى:
وكنتم أزواجا ثلاثة
[الواقعة: 7] والتحقيق ما تقدم. وقوله: { بإذن الله } أي: بأمره، أو: بتوفيقه وهدايته { ذلك } أي: إيراث الكتاب والاصطفائية. أو السبق إلى الخيرات { هو الفضل الكبير } الذي لا أكبر منه، وهو { جنات عدن يدخلونها } أي: الفرق الثلاث لأنها ميراث، والعاق والبار في الميراث سواء، إذا كانوا مقرين في النسب. وقرأ أبو عمرو بالبناء للمفعول. { يحلون فيها من أساور } جمع أسورة، جمع سوار، { من ذهب ولؤلؤا } أي: من ذهب مرصع باللؤلؤ. وقرأ نافع بالنصب، عطف على محل أساور، أي: يحلون أساور ولؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير } لما فيه من اللذة والليونة والزينة. { وقالوا } بعد دخولهم الجنة: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } خوف النار، أو: خوف الموت، أو: الخاتمة، أو: هم الرزق. والتحقيق: أنه يعم جميع الأحزان والهموم، دنيوية أو أخروية، وعن ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة، في قبورهم، ولا في محشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن وجوههم، فيقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "
{ إن ربنا لغفور شكور } يغفر الجنايات، وإن كثرت، ويقبل الطاعات، ويشكر عاملها، وإن قلت. { الذي أحللنا دار المقامة } أي: دار الإقامة لا نبرح عنها ولا نفارقها. يقال: أقمت إقامة ومقاما ومقامة، { من فضله } أي: من عطائه وإفضاله، لا باستحقاق أعمالنا، { لا يمسنا فيها نصب } تعب ومشقة { ولا يمسنا فيها لغوب } إعياء وكلل من التعب، وفترة إذ لا تكليف فيها ولا كد. نفى عنهم أولا التعب والمشقة، وثانيا ما يتبعه من الإعياء والملل. وأخرج البيهقي: أن رجلا قال يا رسول الله: إن النوم مما يقر الله به أعيننا، فهل في الجنة من نوم؟ فقال:
" إن النوم شريك الموت - أو أخو الموت وإن أهل الجنة لا ينامون أو: ليس في الجنة موت "
وفي رواية أخرى، قال: فما راحتهم؟ قال:
" ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة "
،فالنوم ينشأ من نصب الأبدان، ومن ثقل الطعام، وكلاهما منتفيان في الجنة. قال الضحاك: إذا دخل أهل الجنة الجنة، استقبلهم الولدان والخدم، كأنهم اللؤلؤ المكنون، فيبعث الله ملكا من الملائكة، معه هدية من رب العالمين، وكسوة من كسوة الجنة، فيلبسه، فيريد أن يدخل الجنة فيقول الملك: كما أنت، فيقف، ومعه عشرة خواتم، فيضعها في أصابعه، مكتوب: طبتم فادخلوها خالدين، وفي الثانية: ادخلوها بسلام، ذلك يوم الخلود، وفي الثالثة: رفعت عنكم الأحزان والهموم، وفي الرابعة: وزوجناهم بحور عين، وفي الخامسة: ادخلوها بسلام آمنين، وفي السادسة: إني جزيتهم اليوم بما صبروا، وفي السابعة: أنهم هم الفائزون.
وفي الثامنة: صرتم آمنين لا تخافون أبدا، وفي التاسعة: رفقتم النبيين والصديقين والشهداء، وفي العاشرة: سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران. فلما دخلوا قالوا: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن... } إلى: { لغوب }. ه. الإشارة: قال الورتجبي: الاصطفائية تقدمت الوراثة لمحبته ومشاهدته، ثم خاطبهم بما له عندهم وما لهم عنده. وهذا الميراث الذي أورثهم من جهة نسب معرفتهم به، واصطفائيته إياهم، وهو محل القرب والانبساط، لذلك قال: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا } ثم قسمهم على ثلاثة أقسام: ظالم، ومقتصد، وسابق. والحمد لله الذي جعل الظالم من أهل الاصطفائية. ثم قال: فالظالم عندي والله أعلم الذي وازى القدم بشرط إرادة حمل وارد جميع الذات والصفات، وطلب كنه الأزلية بنعت إدراكه، فأي ظالم أعظم منه؟ إذ طلب شيئا مستحيلا، ألا ترى كيف وصف سبحانه آدم بهذا الظلم بقوله:
وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، وهذا من كمال شوقه إلى حقيقة الحق، وكمال عشقه، ومحبة جلاله. ه. قلت: وهذا النوع من المتوجهين غلب عليه سكر المحبة، ودهش العشق، فادعى قوة الربوبية، وطلب إدراك الألوهية، ونسي ضعف عبوديته، فكان ظالما لنفسه، من هذا المعنى إذ العبودية لا تطيق إدراك كنه الربوبية. ولو أنه طلب الوصول إليه من جهة فقره، وضعفه، لكان مقتصدا، ولو أنه طلب الوصول إلى الله بالله لكان سابقا. فالأقسام الثلاثة تجري في المتوجهين فالظالم لنفسه: من غلب سكره على صحوه في بدايته، والمقتصد من غلب صحوه على سكره في بداية سيره، والسابق من اعتدل سكره مع صحوه في نهايته أو سيره. أو الظالم: السالك المحض، والمقتصد: المجذوب المحض، والسابق: الجامع بينهما إذ هو الذي يصلح للتربية. أو الظالم: الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد: الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق: هو الذي باطنه خير من ظاهره. وعن علي كرم الله وجهه : الظالم: الآخذ بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، والمقتصد: الآخذ بأقواله وأفعاله، والسابق: الآخذ بأقواله وأفعاله وأخلاقه. وقال القشيري: ويقال الظالم: من غلبت زلاته، والمقتصد: من استوت حالاته، والسابق: من زادت حسناته. أو: الظالم: من زهد في دنياه، والمقتصد: من رغب في عقباه، والسابق: من آثر على الدارين مولاه. أو: الظالم من نجم كوكب عقله، والمقتصد: من طلع بدر علمه، والسابق: من ذرت شمس معرفته. أو: الظالم: من طلبه، والمقتصد: من وجده، والسابق: من بقي معه. أو: الظالم: من ترك الزلة، والمقتصد: من ترك الغفلة، والسابق: من ترك العلاقة.
أو: الظالم: من جاد بنفسه، والمقتصد: من لم يبخل بقلبه، والسابق: من جاد بروحه. أو: الظالم: من له علم اليقين، والمقتصد: من له عين اليقين، والسابق: من له حق اليقين. أو: الظالم: بترك الحرام، والمقتصد: بترك الشبهة، والسابق: بترك الفضل في الجملة. أو: الظالم: صاحب سخاء، والمقتصد: صاحب جود، والسابق: صاحب إيثار. أو: الظالم: صاحب رجاء، والمقتصد: صاحب بسط، والسابق: صاحب أنس. أو: الظالم: صاحب خوف، والمقتصد: صاحب خشية، والسابق: صاحب هيبة. أو: الظالم له المغفرة، والمقتصد: له الرحمة، والسابق: له القربة، أو: الظالم: طالب النجاة، والمقتصد: طالب الدرجات، والسابق: طالب المناجاة. أو: الظالم: أمن من العقوبة، والمقتصد: طالب المثوبة، والسابق: متحقق بالقربة. أو: الظالم: صاحب التوكل، والمقتصد: صاحب التسليم، والسابق: صاحب التفويض، أو: الظالم: صاحب تواجد، والمقتصد: صاحب وجد، والسابق: صاحب وجود غير محجوب عنه البتة . أو: الظالم: مجذوب إلى فعله، والمقصد مكاشف بوصفه، والسابق: مستهلك في حقه، الذي هو وجوده. أو: الظالم: صاحب المحاضرة، والمقتصد: صاحب المكاشفة، والسابق: صاحب المشاهدة. وبعضهم قال: يراه الظالم في الآخرة في كل جمعة، والمقتصد: في كل يوم مرة، والسابق: غير محجوب عنه ألبتة. ه باختصار. والتحقيق: أن الأقسام الثلاثة تجري في كل من العارفين، والسائرين، والعلماء، والعباد، والزهاد، والصالحين إذ كل فن له بداية ووسط ونهاية. ذلك السبق إلى الله هو الفضل الكبير، جنات المعارف يدخلونها، يحلون فيها من أساور من ذهب، وهي الأحوال، ولؤلؤا، وهي المقامات، ولباسهم فيها حرير، وهي خالص أعمال الشريعة ولبها. وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إذ لا حزن مع العيان، ولا أغيار مع الأنوار، ولا أكدار مع الأسرار، ما تجده القلوب من الأحزان فلما منعت من العيان. ولابن الفارض رضي الله عنه في وصف الخمرة:
وإن خطرت يوما على خاطر امرىء أقامت بها الأفراح وارتحل الهم
وقال أيضا:
فما سكنت والهم يوما بموضع، كذلك لم يسكن مع النغم الغم
إن ربنا لغفور بتغطية العيوب، شكور بكشف الغيوب، الذي أحلنا دار المقامة، هي التمكين في الحضرة، بفضله، لا بحول منا ولا قوة، لا يمسنا فيها نصب. قال القشيري: إذا أرادوا أن يروا مولاهم لا يحتاجون إلى قطع مسافة، بل هم في غرفهم يشاهدون مولاهم، ويلقون فيها تحية وسلاما، وإذا رأوه لا يحتاجون إلى تحديق مقلة من جهة، كما هم يرونه بلا كيفية ه. ثم ذكر أضدادهم فقال: { والذين كفروا لهم نار جهنم... }
فاطر 35:34
يقول الحق جل جلاله: { ثم أورثنا الكتاب } أي: أوحينا إليك القرآن، وأورثناه من بعدك، أي: حكمنا بتوريثه { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين، وتابعيهم، ومن بعدهم إلى يوم الدين لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بالانتساب إلى أكرم رسله. قال ابن عطية: الكتاب هنا يراد به معاني القرآن وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى أعطى أمة محمد القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة قبله، فكأنه ورث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها. ه. ثم رتبهم مراتب، فقال: { فمنهم ظالم لنفسه } بالتقصير في العمل به، وهو المرجأ لأمر الله، { ومنهم مقتصد } وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، { ومنهم سابق بالخيرات } بأن جمع بين علمه والعمل به، وإرشاد العباد إلى اتباعه. وهذا أوفق بالحديث، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له "
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة، والظالم يحبس، حتى يظن أنه لن ينجو، ثم تناله الرحمة، فيدخل الجنة "
رواه أبو الدرداء. وقال ابن عباس رضي الله عنه: السابق، المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر النعمة غير الجاحد له، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقال الربيع بن أنس: الظالم: صاحب الكبائر، والمقتصد: صاحب الصغائر، والسابق: المجتنب لهما. وقال الحسن: الظالم: من رجحت سيئاته، والسابق: من رجحت حسناته، والمقتصد: من استوت حسناته وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال: كلهم مؤمنون. وأما صفة الكفار فبعد هذا، وهو قوله:
والذين كفروا لهم نار جهنم
[فاطر: 36]. وأما الطبقات الثلاث فهم من الذين اصطفى من عباده لأنه قال: فمنهم، ومنهم، ومنهم، والكل راجع إلى قوله: { الذين اصطفينا من عبادنا } فهم أهل الإيمان، وعليه الجمهور. وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم، وأن المقتصد: قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل. وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله. وقيل: إنما قدمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ربه. وقيل: لأن أول الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة. وقال سهل: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل. وقال أيضا: السابق: الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد: الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق: الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق.
وقيل: الظالم: من أخذ الدنيا حلالا وحراما، والمقتصد: المجتهد ألا يأخذها إلا من حلال، والسابق: من أعرض عنها جملة. وقيل: الظالم: طالب الدنيا، والمقتصد: طالب الآخرة، والسابق: طالب الحق لا يبغي به بدلا. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وقال عكرمة والحسن وقتادة: الأقسام الثلاثة في جميع العباد فالظالم لنفسه: الكافر، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق. وقالوا هذه الآية نظير قوله تعالى:
وكنتم أزواجا ثلاثة
[الواقعة: 7] والتحقيق ما تقدم. وقوله: { بإذن الله } أي: بأمره، أو: بتوفيقه وهدايته { ذلك } أي: إيراث الكتاب والاصطفائية. أو السبق إلى الخيرات { هو الفضل الكبير } الذي لا أكبر منه، وهو { جنات عدن يدخلونها } أي: الفرق الثلاث لأنها ميراث، والعاق والبار في الميراث سواء، إذا كانوا مقرين في النسب. وقرأ أبو عمرو بالبناء للمفعول. { يحلون فيها من أساور } جمع أسورة، جمع سوار، { من ذهب ولؤلؤا } أي: من ذهب مرصع باللؤلؤ. وقرأ نافع بالنصب، عطف على محل أساور، أي: يحلون أساور ولؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير } لما فيه من اللذة والليونة والزينة. { وقالوا } بعد دخولهم الجنة: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } خوف النار، أو: خوف الموت، أو: الخاتمة، أو: هم الرزق. والتحقيق: أنه يعم جميع الأحزان والهموم، دنيوية أو أخروية، وعن ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة، في قبورهم، ولا في محشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن وجوههم، فيقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "
{ إن ربنا لغفور شكور } يغفر الجنايات، وإن كثرت، ويقبل الطاعات، ويشكر عاملها، وإن قلت. { الذي أحللنا دار المقامة } أي: دار الإقامة لا نبرح عنها ولا نفارقها. يقال: أقمت إقامة ومقاما ومقامة، { من فضله } أي: من عطائه وإفضاله، لا باستحقاق أعمالنا، { لا يمسنا فيها نصب } تعب ومشقة { ولا يمسنا فيها لغوب } إعياء وكلل من التعب، وفترة إذ لا تكليف فيها ولا كد. نفى عنهم أولا التعب والمشقة، وثانيا ما يتبعه من الإعياء والملل. وأخرج البيهقي: أن رجلا قال يا رسول الله: إن النوم مما يقر الله به أعيننا، فهل في الجنة من نوم؟ فقال:
" إن النوم شريك الموت - أو أخو الموت وإن أهل الجنة لا ينامون أو: ليس في الجنة موت "
وفي رواية أخرى، قال: فما راحتهم؟ قال:
" ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة "
،فالنوم ينشأ من نصب الأبدان، ومن ثقل الطعام، وكلاهما منتفيان في الجنة. قال الضحاك: إذا دخل أهل الجنة الجنة، استقبلهم الولدان والخدم، كأنهم اللؤلؤ المكنون، فيبعث الله ملكا من الملائكة، معه هدية من رب العالمين، وكسوة من كسوة الجنة، فيلبسه، فيريد أن يدخل الجنة فيقول الملك: كما أنت، فيقف، ومعه عشرة خواتم، فيضعها في أصابعه، مكتوب: طبتم فادخلوها خالدين، وفي الثانية: ادخلوها بسلام، ذلك يوم الخلود، وفي الثالثة: رفعت عنكم الأحزان والهموم، وفي الرابعة: وزوجناهم بحور عين، وفي الخامسة: ادخلوها بسلام آمنين، وفي السادسة: إني جزيتهم اليوم بما صبروا، وفي السابعة: أنهم هم الفائزون.
وفي الثامنة: صرتم آمنين لا تخافون أبدا، وفي التاسعة: رفقتم النبيين والصديقين والشهداء، وفي العاشرة: سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران. فلما دخلوا قالوا: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن... } إلى: { لغوب }. ه. الإشارة: قال الورتجبي: الاصطفائية تقدمت الوراثة لمحبته ومشاهدته، ثم خاطبهم بما له عندهم وما لهم عنده. وهذا الميراث الذي أورثهم من جهة نسب معرفتهم به، واصطفائيته إياهم، وهو محل القرب والانبساط، لذلك قال: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا } ثم قسمهم على ثلاثة أقسام: ظالم، ومقتصد، وسابق. والحمد لله الذي جعل الظالم من أهل الاصطفائية. ثم قال: فالظالم عندي والله أعلم الذي وازى القدم بشرط إرادة حمل وارد جميع الذات والصفات، وطلب كنه الأزلية بنعت إدراكه، فأي ظالم أعظم منه؟ إذ طلب شيئا مستحيلا، ألا ترى كيف وصف سبحانه آدم بهذا الظلم بقوله:
وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، وهذا من كمال شوقه إلى حقيقة الحق، وكمال عشقه، ومحبة جلاله. ه. قلت: وهذا النوع من المتوجهين غلب عليه سكر المحبة، ودهش العشق، فادعى قوة الربوبية، وطلب إدراك الألوهية، ونسي ضعف عبوديته، فكان ظالما لنفسه، من هذا المعنى إذ العبودية لا تطيق إدراك كنه الربوبية. ولو أنه طلب الوصول إليه من جهة فقره، وضعفه، لكان مقتصدا، ولو أنه طلب الوصول إلى الله بالله لكان سابقا. فالأقسام الثلاثة تجري في المتوجهين فالظالم لنفسه: من غلب سكره على صحوه في بدايته، والمقتصد من غلب صحوه على سكره في بداية سيره، والسابق من اعتدل سكره مع صحوه في نهايته أو سيره. أو الظالم: السالك المحض، والمقتصد: المجذوب المحض، والسابق: الجامع بينهما إذ هو الذي يصلح للتربية. أو الظالم: الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد: الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق: هو الذي باطنه خير من ظاهره. وعن علي كرم الله وجهه : الظالم: الآخذ بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، والمقتصد: الآخذ بأقواله وأفعاله، والسابق: الآخذ بأقواله وأفعاله وأخلاقه. وقال القشيري: ويقال الظالم: من غلبت زلاته، والمقتصد: من استوت حالاته، والسابق: من زادت حسناته. أو: الظالم: من زهد في دنياه، والمقتصد: من رغب في عقباه، والسابق: من آثر على الدارين مولاه. أو: الظالم من نجم كوكب عقله، والمقتصد: من طلع بدر علمه، والسابق: من ذرت شمس معرفته. أو: الظالم: من طلبه، والمقتصد: من وجده، والسابق: من بقي معه. أو: الظالم: من ترك الزلة، والمقتصد: من ترك الغفلة، والسابق: من ترك العلاقة.
أو: الظالم: من جاد بنفسه، والمقتصد: من لم يبخل بقلبه، والسابق: من جاد بروحه. أو: الظالم: من له علم اليقين، والمقتصد: من له عين اليقين، والسابق: من له حق اليقين. أو: الظالم: بترك الحرام، والمقتصد: بترك الشبهة، والسابق: بترك الفضل في الجملة. أو: الظالم: صاحب سخاء، والمقتصد: صاحب جود، والسابق: صاحب إيثار. أو: الظالم: صاحب رجاء، والمقتصد: صاحب بسط، والسابق: صاحب أنس. أو: الظالم: صاحب خوف، والمقتصد: صاحب خشية، والسابق: صاحب هيبة. أو: الظالم له المغفرة، والمقتصد: له الرحمة، والسابق: له القربة، أو: الظالم: طالب النجاة، والمقتصد: طالب الدرجات، والسابق: طالب المناجاة. أو: الظالم: أمن من العقوبة، والمقتصد: طالب المثوبة، والسابق: متحقق بالقربة. أو: الظالم: صاحب التوكل، والمقتصد: صاحب التسليم، والسابق: صاحب التفويض، أو: الظالم: صاحب تواجد، والمقتصد: صاحب وجد، والسابق: صاحب وجود غير محجوب عنه البتة . أو: الظالم: مجذوب إلى فعله، والمقصد مكاشف بوصفه، والسابق: مستهلك في حقه، الذي هو وجوده. أو: الظالم: صاحب المحاضرة، والمقتصد: صاحب المكاشفة، والسابق: صاحب المشاهدة. وبعضهم قال: يراه الظالم في الآخرة في كل جمعة، والمقتصد: في كل يوم مرة، والسابق: غير محجوب عنه ألبتة. ه باختصار. والتحقيق: أن الأقسام الثلاثة تجري في كل من العارفين، والسائرين، والعلماء، والعباد، والزهاد، والصالحين إذ كل فن له بداية ووسط ونهاية. ذلك السبق إلى الله هو الفضل الكبير، جنات المعارف يدخلونها، يحلون فيها من أساور من ذهب، وهي الأحوال، ولؤلؤا، وهي المقامات، ولباسهم فيها حرير، وهي خالص أعمال الشريعة ولبها. وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إذ لا حزن مع العيان، ولا أغيار مع الأنوار، ولا أكدار مع الأسرار، ما تجده القلوب من الأحزان فلما منعت من العيان. ولابن الفارض رضي الله عنه في وصف الخمرة:
وإن خطرت يوما على خاطر امرىء أقامت بها الأفراح وارتحل الهم
وقال أيضا:
فما سكنت والهم يوما بموضع، كذلك لم يسكن مع النغم الغم
إن ربنا لغفور بتغطية العيوب، شكور بكشف الغيوب، الذي أحلنا دار المقامة، هي التمكين في الحضرة، بفضله، لا بحول منا ولا قوة، لا يمسنا فيها نصب. قال القشيري: إذا أرادوا أن يروا مولاهم لا يحتاجون إلى قطع مسافة، بل هم في غرفهم يشاهدون مولاهم، ويلقون فيها تحية وسلاما، وإذا رأوه لا يحتاجون إلى تحديق مقلة من جهة، كما هم يرونه بلا كيفية ه. ثم ذكر أضدادهم فقال: { والذين كفروا لهم نار جهنم... }
فاطر 35:35
يقول الحق جل جلاله: { ثم أورثنا الكتاب } أي: أوحينا إليك القرآن، وأورثناه من بعدك، أي: حكمنا بتوريثه { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين، وتابعيهم، ومن بعدهم إلى يوم الدين لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بالانتساب إلى أكرم رسله. قال ابن عطية: الكتاب هنا يراد به معاني القرآن وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى أعطى أمة محمد القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة قبله، فكأنه ورث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها. ه. ثم رتبهم مراتب، فقال: { فمنهم ظالم لنفسه } بالتقصير في العمل به، وهو المرجأ لأمر الله، { ومنهم مقتصد } وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، { ومنهم سابق بالخيرات } بأن جمع بين علمه والعمل به، وإرشاد العباد إلى اتباعه. وهذا أوفق بالحديث، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له "
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة، والظالم يحبس، حتى يظن أنه لن ينجو، ثم تناله الرحمة، فيدخل الجنة "
رواه أبو الدرداء. وقال ابن عباس رضي الله عنه: السابق، المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر النعمة غير الجاحد له، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقال الربيع بن أنس: الظالم: صاحب الكبائر، والمقتصد: صاحب الصغائر، والسابق: المجتنب لهما. وقال الحسن: الظالم: من رجحت سيئاته، والسابق: من رجحت حسناته، والمقتصد: من استوت حسناته وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال: كلهم مؤمنون. وأما صفة الكفار فبعد هذا، وهو قوله:
والذين كفروا لهم نار جهنم
[فاطر: 36]. وأما الطبقات الثلاث فهم من الذين اصطفى من عباده لأنه قال: فمنهم، ومنهم، ومنهم، والكل راجع إلى قوله: { الذين اصطفينا من عبادنا } فهم أهل الإيمان، وعليه الجمهور. وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم، وأن المقتصد: قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل. وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله. وقيل: إنما قدمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ربه. وقيل: لأن أول الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة. وقال سهل: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل. وقال أيضا: السابق: الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد: الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق: الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق.
وقيل: الظالم: من أخذ الدنيا حلالا وحراما، والمقتصد: المجتهد ألا يأخذها إلا من حلال، والسابق: من أعرض عنها جملة. وقيل: الظالم: طالب الدنيا، والمقتصد: طالب الآخرة، والسابق: طالب الحق لا يبغي به بدلا. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وقال عكرمة والحسن وقتادة: الأقسام الثلاثة في جميع العباد فالظالم لنفسه: الكافر، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق. وقالوا هذه الآية نظير قوله تعالى:
وكنتم أزواجا ثلاثة
[الواقعة: 7] والتحقيق ما تقدم. وقوله: { بإذن الله } أي: بأمره، أو: بتوفيقه وهدايته { ذلك } أي: إيراث الكتاب والاصطفائية. أو السبق إلى الخيرات { هو الفضل الكبير } الذي لا أكبر منه، وهو { جنات عدن يدخلونها } أي: الفرق الثلاث لأنها ميراث، والعاق والبار في الميراث سواء، إذا كانوا مقرين في النسب. وقرأ أبو عمرو بالبناء للمفعول. { يحلون فيها من أساور } جمع أسورة، جمع سوار، { من ذهب ولؤلؤا } أي: من ذهب مرصع باللؤلؤ. وقرأ نافع بالنصب، عطف على محل أساور، أي: يحلون أساور ولؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير } لما فيه من اللذة والليونة والزينة. { وقالوا } بعد دخولهم الجنة: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } خوف النار، أو: خوف الموت، أو: الخاتمة، أو: هم الرزق. والتحقيق: أنه يعم جميع الأحزان والهموم، دنيوية أو أخروية، وعن ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة، في قبورهم، ولا في محشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن وجوههم، فيقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "
{ إن ربنا لغفور شكور } يغفر الجنايات، وإن كثرت، ويقبل الطاعات، ويشكر عاملها، وإن قلت. { الذي أحللنا دار المقامة } أي: دار الإقامة لا نبرح عنها ولا نفارقها. يقال: أقمت إقامة ومقاما ومقامة، { من فضله } أي: من عطائه وإفضاله، لا باستحقاق أعمالنا، { لا يمسنا فيها نصب } تعب ومشقة { ولا يمسنا فيها لغوب } إعياء وكلل من التعب، وفترة إذ لا تكليف فيها ولا كد. نفى عنهم أولا التعب والمشقة، وثانيا ما يتبعه من الإعياء والملل. وأخرج البيهقي: أن رجلا قال يا رسول الله: إن النوم مما يقر الله به أعيننا، فهل في الجنة من نوم؟ فقال:
" إن النوم شريك الموت - أو أخو الموت وإن أهل الجنة لا ينامون أو: ليس في الجنة موت "
وفي رواية أخرى، قال: فما راحتهم؟ قال:
" ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة "
،فالنوم ينشأ من نصب الأبدان، ومن ثقل الطعام، وكلاهما منتفيان في الجنة. قال الضحاك: إذا دخل أهل الجنة الجنة، استقبلهم الولدان والخدم، كأنهم اللؤلؤ المكنون، فيبعث الله ملكا من الملائكة، معه هدية من رب العالمين، وكسوة من كسوة الجنة، فيلبسه، فيريد أن يدخل الجنة فيقول الملك: كما أنت، فيقف، ومعه عشرة خواتم، فيضعها في أصابعه، مكتوب: طبتم فادخلوها خالدين، وفي الثانية: ادخلوها بسلام، ذلك يوم الخلود، وفي الثالثة: رفعت عنكم الأحزان والهموم، وفي الرابعة: وزوجناهم بحور عين، وفي الخامسة: ادخلوها بسلام آمنين، وفي السادسة: إني جزيتهم اليوم بما صبروا، وفي السابعة: أنهم هم الفائزون.
وفي الثامنة: صرتم آمنين لا تخافون أبدا، وفي التاسعة: رفقتم النبيين والصديقين والشهداء، وفي العاشرة: سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران. فلما دخلوا قالوا: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن... } إلى: { لغوب }. ه. الإشارة: قال الورتجبي: الاصطفائية تقدمت الوراثة لمحبته ومشاهدته، ثم خاطبهم بما له عندهم وما لهم عنده. وهذا الميراث الذي أورثهم من جهة نسب معرفتهم به، واصطفائيته إياهم، وهو محل القرب والانبساط، لذلك قال: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا } ثم قسمهم على ثلاثة أقسام: ظالم، ومقتصد، وسابق. والحمد لله الذي جعل الظالم من أهل الاصطفائية. ثم قال: فالظالم عندي والله أعلم الذي وازى القدم بشرط إرادة حمل وارد جميع الذات والصفات، وطلب كنه الأزلية بنعت إدراكه، فأي ظالم أعظم منه؟ إذ طلب شيئا مستحيلا، ألا ترى كيف وصف سبحانه آدم بهذا الظلم بقوله:
وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، وهذا من كمال شوقه إلى حقيقة الحق، وكمال عشقه، ومحبة جلاله. ه. قلت: وهذا النوع من المتوجهين غلب عليه سكر المحبة، ودهش العشق، فادعى قوة الربوبية، وطلب إدراك الألوهية، ونسي ضعف عبوديته، فكان ظالما لنفسه، من هذا المعنى إذ العبودية لا تطيق إدراك كنه الربوبية. ولو أنه طلب الوصول إليه من جهة فقره، وضعفه، لكان مقتصدا، ولو أنه طلب الوصول إلى الله بالله لكان سابقا. فالأقسام الثلاثة تجري في المتوجهين فالظالم لنفسه: من غلب سكره على صحوه في بدايته، والمقتصد من غلب صحوه على سكره في بداية سيره، والسابق من اعتدل سكره مع صحوه في نهايته أو سيره. أو الظالم: السالك المحض، والمقتصد: المجذوب المحض، والسابق: الجامع بينهما إذ هو الذي يصلح للتربية. أو الظالم: الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد: الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق: هو الذي باطنه خير من ظاهره. وعن علي كرم الله وجهه : الظالم: الآخذ بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، والمقتصد: الآخذ بأقواله وأفعاله، والسابق: الآخذ بأقواله وأفعاله وأخلاقه. وقال القشيري: ويقال الظالم: من غلبت زلاته، والمقتصد: من استوت حالاته، والسابق: من زادت حسناته. أو: الظالم: من زهد في دنياه، والمقتصد: من رغب في عقباه، والسابق: من آثر على الدارين مولاه. أو: الظالم من نجم كوكب عقله، والمقتصد: من طلع بدر علمه، والسابق: من ذرت شمس معرفته. أو: الظالم: من طلبه، والمقتصد: من وجده، والسابق: من بقي معه. أو: الظالم: من ترك الزلة، والمقتصد: من ترك الغفلة، والسابق: من ترك العلاقة.
أو: الظالم: من جاد بنفسه، والمقتصد: من لم يبخل بقلبه، والسابق: من جاد بروحه. أو: الظالم: من له علم اليقين، والمقتصد: من له عين اليقين، والسابق: من له حق اليقين. أو: الظالم: بترك الحرام، والمقتصد: بترك الشبهة، والسابق: بترك الفضل في الجملة. أو: الظالم: صاحب سخاء، والمقتصد: صاحب جود، والسابق: صاحب إيثار. أو: الظالم: صاحب رجاء، والمقتصد: صاحب بسط، والسابق: صاحب أنس. أو: الظالم: صاحب خوف، والمقتصد: صاحب خشية، والسابق: صاحب هيبة. أو: الظالم له المغفرة، والمقتصد: له الرحمة، والسابق: له القربة، أو: الظالم: طالب النجاة، والمقتصد: طالب الدرجات، والسابق: طالب المناجاة. أو: الظالم: أمن من العقوبة، والمقتصد: طالب المثوبة، والسابق: متحقق بالقربة. أو: الظالم: صاحب التوكل، والمقتصد: صاحب التسليم، والسابق: صاحب التفويض، أو: الظالم: صاحب تواجد، والمقتصد: صاحب وجد، والسابق: صاحب وجود غير محجوب عنه البتة . أو: الظالم: مجذوب إلى فعله، والمقصد مكاشف بوصفه، والسابق: مستهلك في حقه، الذي هو وجوده. أو: الظالم: صاحب المحاضرة، والمقتصد: صاحب المكاشفة، والسابق: صاحب المشاهدة. وبعضهم قال: يراه الظالم في الآخرة في كل جمعة، والمقتصد: في كل يوم مرة، والسابق: غير محجوب عنه ألبتة. ه باختصار. والتحقيق: أن الأقسام الثلاثة تجري في كل من العارفين، والسائرين، والعلماء، والعباد، والزهاد، والصالحين إذ كل فن له بداية ووسط ونهاية. ذلك السبق إلى الله هو الفضل الكبير، جنات المعارف يدخلونها، يحلون فيها من أساور من ذهب، وهي الأحوال، ولؤلؤا، وهي المقامات، ولباسهم فيها حرير، وهي خالص أعمال الشريعة ولبها. وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إذ لا حزن مع العيان، ولا أغيار مع الأنوار، ولا أكدار مع الأسرار، ما تجده القلوب من الأحزان فلما منعت من العيان. ولابن الفارض رضي الله عنه في وصف الخمرة:
وإن خطرت يوما على خاطر امرىء أقامت بها الأفراح وارتحل الهم
وقال أيضا:
فما سكنت والهم يوما بموضع، كذلك لم يسكن مع النغم الغم
إن ربنا لغفور بتغطية العيوب، شكور بكشف الغيوب، الذي أحلنا دار المقامة، هي التمكين في الحضرة، بفضله، لا بحول منا ولا قوة، لا يمسنا فيها نصب. قال القشيري: إذا أرادوا أن يروا مولاهم لا يحتاجون إلى قطع مسافة، بل هم في غرفهم يشاهدون مولاهم، ويلقون فيها تحية وسلاما، وإذا رأوه لا يحتاجون إلى تحديق مقلة من جهة، كما هم يرونه بلا كيفية ه. ثم ذكر أضدادهم فقال: { والذين كفروا لهم نار جهنم... }
فاطر 35:36
قلت: " فيموتوا ": جواب النفي. يقول الحق جل جلاله: { والذين كفروا لهم نار جهنم } يخلدون فيها، { لا يقضى عليهم فيموتوا } أي: لا يحكم بموت ثان فيستريحوا، { ولا يخفف عنهم من عذابها } ساعة، بل كلما خبت زيد إسعارها، وهذا مثل قوله:
لا يفتر عنهم
[الزخرف: 75]، وذكر عياض انعقاد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها. ولا تخفيف عذاب. وقد ورد في الصحيح سؤال عائشة عن ابن جدعان، وأنه كان يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعه، فقال عليه السلام:
" لا، فإنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين "
ثم قال عياض: ولكن بعضهم يكون أشد عذابا، بحسب جرائمهم. وذكر أبو بكر البيهقي: أنه يجوز أن يراد بما ورد في الآيات والأخبار من بطلان خيرات الكفار: أنهم لا يتخلصون بها من النار، ولكن يخفف عنهم ما يستوجبونه بجناية سوى الكفر، ودافعه المازري. قال شارح الصغاني بعد هذا النقل: وعلى ما قاله عياض، فما ورد في أبي طالب من النفع بشفاعته صلى الله عليه وسلم، بسبب ذبه عنه ونصرته له، مختص به. ه. ويرد عليه ما ورد من التخفيف في حاتم بكرمه، فالظاهر ما قاله البيهقي. والله أعلم. ومثل ما قاله في أبي طالب، قيل في انتفاع أبي لهب بعتق ثويبة، كما في الصحيح. والحاصل: أن التخفيف يقع في بعض الكفار، لبره في الدنيا، تفضلا منه تعالى، لا في مقابلة عملهم لعدم شرط قبوله. انظر الحاشية. { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع، { نجزي كل كفور } مبالغ في الكفران { وهم يصطرخون فيها }: يستغيثون، فهو يفتعلون، من: الصراخ، وهو الصياح بجهد ومشقة. فاستعمل في الاستغاثة لجهر صوت المستغيث. يقولون: { ربنا أخرجنا } منها، وردنا إلى الدنيا { نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل } فنؤمن بعد الكفر، ونطيع بعد المعصية. فيجابون بعد قدر عمر الدنيا: { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } أي: أولم نعمركم تعميرا يتذكر فيه المتذكر. وهو متناول لكل عمر يتمكن منه المكلف من إصلاح شأنه، والتدبر في آياته، وإن قصر، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. وقيل: هو ثماني عشرة سنة. وقيل: ما بين العشرين إلى الستين، وقيل: أربعون. وروي أن العبد إذا بلغ أربعين سنة ولم يتب، مسح الشيطان على وجهه. وقال: وجه لا يفلح أبدا، وقيل: ستون. وعنه صلى الله عليه وسلم:
" العمر الذي أعذر الله فيه ابن آدم ستون سنة "
،وفي البخاري عنه عليه السلام:
" أعذر الله المرء آخر أجله حتى بلغ ستين سنة ".
{ وجاءكم النذير } أي: الرسول عليه السلام، أو: الكتاب، وقيل: الشيخوخة، وزوال السن، وقيل: الشيب.
قال ابن عزيز: وليس هذا شيء لأن الحجة تلحق كل بالغ وإن لم يشب. وإن كانت العرب تسمي الشيب النذير. ه. ولقوله تعالى بعد: { فلما جاءهم نذير } فإنه يتعين كونه الرسول، وهو عطف على معنى: { أو لم نعمركم } لأن لفظه استخبار، كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير. قال قتادة: احتج عليهم بطول العمر، وبالرسول، فانقطعت حجتهم. قال تعالى: { فذوقوا } العذاب { فما للظالمين من نصير } يدفع العذاب عنهم. الإشارة: الذين كفروا بطريق الخصوصية، وأنكروا وجود التربية بالاصطلاح، فبقوا مع نفوسهم، لهم نار القطيعة ولو دخلوا الجنة الحسية، لا يقضى عليهم فيموتوا، ويرجعوا إلى الاستعداد بدخول الحضرة، ولا يخفف عنهم من عذاب حجاب الغفلة، بل يزيد الحجاب بتراكم الحظوظ، ونسج الأكنة على القلوب، كذلك نجزي كل كفور وجحود لطريق التربية. وهم يصطرخون فيها، بلسان حالهم، قائلين: ربنا أخرجنا، وردنا إلى دار الفناء، نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، حتى ندخل، كما دخلها أهل العزم واليقظة؟ فيقال لهم: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءكم النذير، من ينذركم وبال القطيعة، ويعرفكم بطريق الحضرة، فأنكرتموه، فذوقوا وبال القطيعة، فما للظالمين من نصير. ولما كان الكفر والإيمان من أعمال القلوب قد يخفى على الناس أخبر أن الله هو مطلع على ما فيها فقال: { إن الله عالم غيب... }
فاطر 35:37
قلت: " فيموتوا ": جواب النفي. يقول الحق جل جلاله: { والذين كفروا لهم نار جهنم } يخلدون فيها، { لا يقضى عليهم فيموتوا } أي: لا يحكم بموت ثان فيستريحوا، { ولا يخفف عنهم من عذابها } ساعة، بل كلما خبت زيد إسعارها، وهذا مثل قوله:
لا يفتر عنهم
[الزخرف: 75]، وذكر عياض انعقاد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها. ولا تخفيف عذاب. وقد ورد في الصحيح سؤال عائشة عن ابن جدعان، وأنه كان يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعه، فقال عليه السلام:
" لا، فإنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين "
ثم قال عياض: ولكن بعضهم يكون أشد عذابا، بحسب جرائمهم. وذكر أبو بكر البيهقي: أنه يجوز أن يراد بما ورد في الآيات والأخبار من بطلان خيرات الكفار: أنهم لا يتخلصون بها من النار، ولكن يخفف عنهم ما يستوجبونه بجناية سوى الكفر، ودافعه المازري. قال شارح الصغاني بعد هذا النقل: وعلى ما قاله عياض، فما ورد في أبي طالب من النفع بشفاعته صلى الله عليه وسلم، بسبب ذبه عنه ونصرته له، مختص به. ه. ويرد عليه ما ورد من التخفيف في حاتم بكرمه، فالظاهر ما قاله البيهقي. والله أعلم. ومثل ما قاله في أبي طالب، قيل في انتفاع أبي لهب بعتق ثويبة، كما في الصحيح. والحاصل: أن التخفيف يقع في بعض الكفار، لبره في الدنيا، تفضلا منه تعالى، لا في مقابلة عملهم لعدم شرط قبوله. انظر الحاشية. { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع، { نجزي كل كفور } مبالغ في الكفران { وهم يصطرخون فيها }: يستغيثون، فهو يفتعلون، من: الصراخ، وهو الصياح بجهد ومشقة. فاستعمل في الاستغاثة لجهر صوت المستغيث. يقولون: { ربنا أخرجنا } منها، وردنا إلى الدنيا { نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل } فنؤمن بعد الكفر، ونطيع بعد المعصية. فيجابون بعد قدر عمر الدنيا: { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } أي: أولم نعمركم تعميرا يتذكر فيه المتذكر. وهو متناول لكل عمر يتمكن منه المكلف من إصلاح شأنه، والتدبر في آياته، وإن قصر، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. وقيل: هو ثماني عشرة سنة. وقيل: ما بين العشرين إلى الستين، وقيل: أربعون. وروي أن العبد إذا بلغ أربعين سنة ولم يتب، مسح الشيطان على وجهه. وقال: وجه لا يفلح أبدا، وقيل: ستون. وعنه صلى الله عليه وسلم:
" العمر الذي أعذر الله فيه ابن آدم ستون سنة "
،وفي البخاري عنه عليه السلام:
" أعذر الله المرء آخر أجله حتى بلغ ستين سنة ".
{ وجاءكم النذير } أي: الرسول عليه السلام، أو: الكتاب، وقيل: الشيخوخة، وزوال السن، وقيل: الشيب.
قال ابن عزيز: وليس هذا شيء لأن الحجة تلحق كل بالغ وإن لم يشب. وإن كانت العرب تسمي الشيب النذير. ه. ولقوله تعالى بعد: { فلما جاءهم نذير } فإنه يتعين كونه الرسول، وهو عطف على معنى: { أو لم نعمركم } لأن لفظه استخبار، كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير. قال قتادة: احتج عليهم بطول العمر، وبالرسول، فانقطعت حجتهم. قال تعالى: { فذوقوا } العذاب { فما للظالمين من نصير } يدفع العذاب عنهم. الإشارة: الذين كفروا بطريق الخصوصية، وأنكروا وجود التربية بالاصطلاح، فبقوا مع نفوسهم، لهم نار القطيعة ولو دخلوا الجنة الحسية، لا يقضى عليهم فيموتوا، ويرجعوا إلى الاستعداد بدخول الحضرة، ولا يخفف عنهم من عذاب حجاب الغفلة، بل يزيد الحجاب بتراكم الحظوظ، ونسج الأكنة على القلوب، كذلك نجزي كل كفور وجحود لطريق التربية. وهم يصطرخون فيها، بلسان حالهم، قائلين: ربنا أخرجنا، وردنا إلى دار الفناء، نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، حتى ندخل، كما دخلها أهل العزم واليقظة؟ فيقال لهم: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءكم النذير، من ينذركم وبال القطيعة، ويعرفكم بطريق الحضرة، فأنكرتموه، فذوقوا وبال القطيعة، فما للظالمين من نصير. ولما كان الكفر والإيمان من أعمال القلوب قد يخفى على الناس أخبر أن الله هو مطلع على ما فيها فقال: { إن الله عالم غيب... }
فاطر 35:38
يقول الحق جل جلاله: { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } أي: ما غاب فيهما عنكم، { إنه عليم بذات الصدور } تعليل لما قبله لأنه إذا علم ما في الصدور، وهي أخفى ما يكون، فقد علم كل غيب في العالم. وذات الصدور: مضمراتها ووساوسها. وهي تأنيث " ذو " بمعنى: صاحب الوساوس والخطرات، تصحب الصدور وتلازمها في الغالب، أي: عليم بما في القلوب، أو بحقائقها، على أن " ذات " بمعنى الحقيقة. { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي: جعلكم خلفاء عنه في التصرف في الأرض، قد ملككم مقاليد التصرف فيها، وسلطكم على ما فيها، وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة. { فمن كفر } منكم، وغمط مثل هذه النعمة السنية، { فعليه كفره } فوبال كفره راجع عليه، وهو مقت الله، وخسران الآخرة، كما قال تعالى: { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا } وهو أشد البغض، { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } هلاكا وخسرانا. الإشارة: إن الله عالم بما غاب في سموات الأرواح، من أسرار العلوم والمكاشفات، والاطلاع على أسرار الذات، وأنوار الصفات، وما غاب في أرض النفوس من الموافقات أو المخالفات، إنه عليم بحقائق القلوب، من صفائها وكدرها، وما فيها من اليقين والمعرفة، وضدهما. قال القشيري: { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } بإخلاص المخلصين، وصدق الصادقين، ونفاق المنافقين، وجحد الكافرين، ومن يريد بالناس شرا، ومن يحسن بالله ظنا. ه. وقال في قوله تعالى: { هو الذي جعلكم خلائف } أهل كل عصر خليفة عصر تقدمهم، فمن قوم هم أنفسهم جمال، ومن قوم أراذل وأنذال، والأفاضل زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم محنة. وحاصل كلامه: أن قوما عرفوا حق الخلافة، فقاموا بحقها، وشكروا الله عليها، بالقيام بطاعته، فكانوا في زمانهم جمالا لأنفسهم، ولأهل عصرهم، لكنهم لما تحملوا مشاق الطاعات، وترادف الأزمات، كان زمانهم لهم محنة. وقوما لم يعرفوا حق الخلافة، فاشتغلوا بالعصيان، فانتحس الزمان بهم، فكانوا محنة لزمانهم. ثم رد على من كفر بالشرك فقال: { قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون... }
فاطر 35:39
يقول الحق جل جلاله: { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } أي: ما غاب فيهما عنكم، { إنه عليم بذات الصدور } تعليل لما قبله لأنه إذا علم ما في الصدور، وهي أخفى ما يكون، فقد علم كل غيب في العالم. وذات الصدور: مضمراتها ووساوسها. وهي تأنيث " ذو " بمعنى: صاحب الوساوس والخطرات، تصحب الصدور وتلازمها في الغالب، أي: عليم بما في القلوب، أو بحقائقها، على أن " ذات " بمعنى الحقيقة. { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي: جعلكم خلفاء عنه في التصرف في الأرض، قد ملككم مقاليد التصرف فيها، وسلطكم على ما فيها، وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة. { فمن كفر } منكم، وغمط مثل هذه النعمة السنية، { فعليه كفره } فوبال كفره راجع عليه، وهو مقت الله، وخسران الآخرة، كما قال تعالى: { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا } وهو أشد البغض، { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } هلاكا وخسرانا. الإشارة: إن الله عالم بما غاب في سموات الأرواح، من أسرار العلوم والمكاشفات، والاطلاع على أسرار الذات، وأنوار الصفات، وما غاب في أرض النفوس من الموافقات أو المخالفات، إنه عليم بحقائق القلوب، من صفائها وكدرها، وما فيها من اليقين والمعرفة، وضدهما. قال القشيري: { إن الله عالم غيب السماوات والأرض } بإخلاص المخلصين، وصدق الصادقين، ونفاق المنافقين، وجحد الكافرين، ومن يريد بالناس شرا، ومن يحسن بالله ظنا. ه. وقال في قوله تعالى: { هو الذي جعلكم خلائف } أهل كل عصر خليفة عصر تقدمهم، فمن قوم هم أنفسهم جمال، ومن قوم أراذل وأنذال، والأفاضل زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم محنة. وحاصل كلامه: أن قوما عرفوا حق الخلافة، فقاموا بحقها، وشكروا الله عليها، بالقيام بطاعته، فكانوا في زمانهم جمالا لأنفسهم، ولأهل عصرهم، لكنهم لما تحملوا مشاق الطاعات، وترادف الأزمات، كان زمانهم لهم محنة. وقوما لم يعرفوا حق الخلافة، فاشتغلوا بالعصيان، فانتحس الزمان بهم، فكانوا محنة لزمانهم. ثم رد على من كفر بالشرك فقال: { قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون... }
فاطر 35:40
قلت: " أرأيتم ": بمعنى: أخبروني، وهي تطلب مفعولين: أحدهما منصوب، والآخر مشتمل على استفهام، كقولك: أرأيت زيدا ما فعل، فالأول: { شركاءكم } والثاني: { ماذا خلقوا }. و { أروني }: اعتراض، فيها تأكيد للكلام وتشديد. ويحتمل أن يكون من باب التنازع لأنه توارد على { ماذا خلقوا }: { أرأيتم } و { أروني } ، ويكون قد أعمل الثاني على المختار عند البصريين. قاله أبو حيان. ولابن عطية وابن عرفة غير هذا، فانظره. و " بعضهم ": بدل من " الظالمين ". يقول الحق جل جلاله: { قل لهم أرأيتم شركاءكم } أي: أخبروني عن آلهتكم التي أشركتموها في العبادة مع الله، { الذين تدعون } أي: تعبدونهم { من دون الله } ما سندكم في عبادتهم؟ { أروني ماذا خلقوا من الأرض } أي: جزء من الأرض، استبدوا بخلقه حتى استحقوا العبادة بسبب ذلك، { أم لهم شرك في السماوات } أي: أم لهم مع الله شركة في خلق السموات حتى استحقوا أن يعبدوا؟ بل لا شيء من ذلك، فبطل استحقاقها للعبادة. { أم آتيناهم كتابا } أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه، { فهم على بينة منه } فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب؟ قال ابن عرفة: هذا إشارة إلى الدليل السمعي، والأول إشارة إلى الدليل العقلي، فهم لم يستندوا في عبادتهم الأصنام إلى دليل عقلي ولا سمعي، { بل إن يعد الظالمون } أي: ما يعد الظالمون، وهم الرؤساء { بعضهم بعضا إلا غرورا } باطلا وتمويها، وهو قولهم:
هؤلآء شفعآؤنا عند الله
[يونس: 18] لما نفى أنواع الحجج العقلية والسمعية، أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه، وهو تقرير الأسلاف الأخلاف، والرؤساء الأتباع بأنهم شفعاء عند الله تقربهم إليه. هذا هو التقليد الرديء، والعياذ بالله. الإشارة: كل من ركن إلى مخلوق، أو اعتمد عليه، يتلى عليه: { أرأيتم شركاءكم... } الآية. وفي الحكم: " كما لا يقبل العمل المشترك، لا يحب القلب المشترك. العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه ". ثم ذكر من يستحق العبادة وحده فقال: { إن الله يمسك السماوات... }
فاطر 35:41
يقول الحق جل جلاله: { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } أي: يمنعهما من أن تزولا لأن إمساكهما منع. والمشهور عند المنجمين: أن السموات هي الأفلاك التي تدور دورة بين الليل والنهار. وإنكار ابن يهود على كعب، كما في الثعلبي، تحامل إذ لا يلزم من دورانها عدم إمساكها بالقدرة، وانظر عند قوله:
والشمس تجرى لمستقر لها...
[يس: 38] قال القشيري: أمسكهما بقدرته، وأتقنهما بحكمته، وزينهما بمشيئته، وخلق أهلهما على موجب قضيته، فلا شبيه في إبقائهما وإمساكهما يساهمه، ولا شريك في إيجادهما وإعدامهما يقاسمه. ه. { ولئن زالتا } على سبيل الفرض، { إن أمسكهما من أحد من بعده } من بعد إمساكه. و " من " الأولى: مزيدة، لتأكيد النفي، والثانية: ابتدائية، { إنه كان حليما غفورا } غير معاجل بالعقوبة، حيث أمسكهما على من يشرك به ويعصيه، وكانتا جديرتين بأن تهد هدا، كما قال:
تكاد السماوات يتفطرن منه...
[مريم: 90] الآية. الإشارة: الوجود قائم بين سماء القدرة وأرض الحكمة، بين سماء الأرواح وأرض الأشباح، بين سماء المعاني وأرض الحس، فلو زال أحدهما لاختل نظام الوجود، وبطلت حكمة الحكيم العليم. الأول: عالم التعريف، والثاني: عالم التكليف. الأول: محل التنزيه، والثاني: محل التشبيه، الأول: محل أسرار الذات، والثاني: محل أنوار الصفات، مع اتحاد المظهر إذ الصفات لا تفارق الموصوف، فافهم. وفي بعض الأثر: " إن العبد إذا عصى الله استأذنت السماء أن تسقط عليه من فوقه، والأرض أن تخسف من تحته، فيمسكها الله تعالى بحلمه وعفوه، ثم تلى الآية: { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } إلى قوله: { كان حليما غفورا } ه. بالمعنى. ثم ذكر عناد قريش وعتوهم، تتميما لقوله: { والذين كفروا لهم نار جهنم... } إلخ. فقال: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم... }
فاطر 35:42
قلت: " جهد ": نصب على المصدر، أو على الحال. و " استكبار " و " مكر ": مفعول من أجله أو حال. يقول الحق جل جلاله: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } أي: إقساما وثيقا، أو: جاهدين في أيمانهم: { لئن جاءهم نذير } رسول { ليكونن أهدى من إحدى الأمم } المهتدية، بدليل قوله: { أهدى } وقوله في سورة الأنعام:
لكنآ أهدى منهم
[الأنعام: 157] وذلك أن قريشا قالوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم، أي: من الأمة التي يقال فيها: هي أهدى الأمم، تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة. كما يقال للداهية العظيمة: هي أهدى الدواهي. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، { ما زادهم إلا نفورا } أي: ما زادهم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تباعدا عن الحق، وهو إسناد مجازي إذ لا فاعل غيره. { استكبارا في الأرض ومكر السيىء } أي: ما زادهم إلا تهورا للاستكبار ومكر السيىء. أو: مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، المكر القبيح، وهو إجماعهم على قتله عليه الصلاة والسلام، وإذاية من تبعه. وأصل قوله: { ومكر السيىء }: وأن مكروا المكر السيىء، فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم أبدل " أن " مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف إلى صفته اتساعا، كصلاة الأولى، ومسجد الجامع. { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } أي: لا يحيط وينزل المكر السيىء إلا بمن مكره، وقد حاق بهم يوم بدر. وفي المثل: من حفر حفرة وقع فيها { فهل ينظرون إلا سنة الأولين }: ما ينتظرون إلا أن ينزل بهم ما نزل بالمكذبين الأولين، من العذاب المستأصل، كما هي سنة الله فيمن كذب الرسل. { فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا } بين أن سنته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة ماضية، لا يبدلها في ذاتها، ولا يحولها عن وقتها، وأن ذلك مفعول لا محالة. { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ممن كذبوا رسلهم، كيف أهلكهم الله ودمرهم، كعاد، وثمود، وقرىء قوم لوط. استشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق، من آثار الماضين، وعلامات هلاكهم ودمارهم. { و } قد { كانوا أشد منهم قوة } واقتدارا، فلم يتمكنوا من الفرار، { وما كان الله ليعجزه } ليسبقه ويفوته { من شيء } أي شيء كان { في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما } بأحوالهم { قديرا } على أخذهم. وبالله التوفيق. الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لئن ظهر شيخ التربية لنكونن أول من يدخل معه، فلما ظهر، عاند واستكبر، وربما أنكر ومكر.
نعوذ بالله من سابق الخذلان. قال القشيري: ليس لقولهم تحقيق، ولا لضمانهم توثيق، وما يعدون من أنفسهم فصريح زور، وما يوهمون من وفاقهم فصرف غرور. وكذلك المريد في أول نشاطه، تمنيه نفسه ما لا يقدر عليه، فربما يعاهد الله، ويؤكد فيه عقدا مع الله، فإذا عضته شهوته، وأراد الشيطان أن يكذبه، صرعه بكيده، وأركسه في كوة غيه، وفتنة نفسه فيسود وجهه، ويذهب ماء وجهه. ثم قال في قوله: { أولم يسيروا... } الخ: ما خاب له ولي، وما ربح له عدو، ولا تنال الحقيقة بمن انعكس قصده، وارتد عليه كيده، دمر على أعدائه تدميرا، وأوسع لأوليائه فضلا كبيرا. ه. ثم تمم قوله: { إنه كان حليما غفورا } ، بقوله: { ولو يؤاخذ الله الناس... }
فاطر 35:43
قلت: " جهد ": نصب على المصدر، أو على الحال. و " استكبار " و " مكر ": مفعول من أجله أو حال. يقول الحق جل جلاله: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } أي: إقساما وثيقا، أو: جاهدين في أيمانهم: { لئن جاءهم نذير } رسول { ليكونن أهدى من إحدى الأمم } المهتدية، بدليل قوله: { أهدى } وقوله في سورة الأنعام:
لكنآ أهدى منهم
[الأنعام: 157] وذلك أن قريشا قالوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم، أي: من الأمة التي يقال فيها: هي أهدى الأمم، تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة. كما يقال للداهية العظيمة: هي أهدى الدواهي. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، { ما زادهم إلا نفورا } أي: ما زادهم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تباعدا عن الحق، وهو إسناد مجازي إذ لا فاعل غيره. { استكبارا في الأرض ومكر السيىء } أي: ما زادهم إلا تهورا للاستكبار ومكر السيىء. أو: مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، المكر القبيح، وهو إجماعهم على قتله عليه الصلاة والسلام، وإذاية من تبعه. وأصل قوله: { ومكر السيىء }: وأن مكروا المكر السيىء، فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم أبدل " أن " مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف إلى صفته اتساعا، كصلاة الأولى، ومسجد الجامع. { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } أي: لا يحيط وينزل المكر السيىء إلا بمن مكره، وقد حاق بهم يوم بدر. وفي المثل: من حفر حفرة وقع فيها { فهل ينظرون إلا سنة الأولين }: ما ينتظرون إلا أن ينزل بهم ما نزل بالمكذبين الأولين، من العذاب المستأصل، كما هي سنة الله فيمن كذب الرسل. { فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا } بين أن سنته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة ماضية، لا يبدلها في ذاتها، ولا يحولها عن وقتها، وأن ذلك مفعول لا محالة. { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ممن كذبوا رسلهم، كيف أهلكهم الله ودمرهم، كعاد، وثمود، وقرىء قوم لوط. استشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق، من آثار الماضين، وعلامات هلاكهم ودمارهم. { و } قد { كانوا أشد منهم قوة } واقتدارا، فلم يتمكنوا من الفرار، { وما كان الله ليعجزه } ليسبقه ويفوته { من شيء } أي شيء كان { في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما } بأحوالهم { قديرا } على أخذهم. وبالله التوفيق. الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لئن ظهر شيخ التربية لنكونن أول من يدخل معه، فلما ظهر، عاند واستكبر، وربما أنكر ومكر.
نعوذ بالله من سابق الخذلان. قال القشيري: ليس لقولهم تحقيق، ولا لضمانهم توثيق، وما يعدون من أنفسهم فصريح زور، وما يوهمون من وفاقهم فصرف غرور. وكذلك المريد في أول نشاطه، تمنيه نفسه ما لا يقدر عليه، فربما يعاهد الله، ويؤكد فيه عقدا مع الله، فإذا عضته شهوته، وأراد الشيطان أن يكذبه، صرعه بكيده، وأركسه في كوة غيه، وفتنة نفسه فيسود وجهه، ويذهب ماء وجهه. ثم قال في قوله: { أولم يسيروا... } الخ: ما خاب له ولي، وما ربح له عدو، ولا تنال الحقيقة بمن انعكس قصده، وارتد عليه كيده، دمر على أعدائه تدميرا، وأوسع لأوليائه فضلا كبيرا. ه. ثم تمم قوله: { إنه كان حليما غفورا } ، بقوله: { ولو يؤاخذ الله الناس... }
فاطر 35:44
قلت: " جهد ": نصب على المصدر، أو على الحال. و " استكبار " و " مكر ": مفعول من أجله أو حال. يقول الحق جل جلاله: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } أي: إقساما وثيقا، أو: جاهدين في أيمانهم: { لئن جاءهم نذير } رسول { ليكونن أهدى من إحدى الأمم } المهتدية، بدليل قوله: { أهدى } وقوله في سورة الأنعام:
لكنآ أهدى منهم
[الأنعام: 157] وذلك أن قريشا قالوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم، أي: من الأمة التي يقال فيها: هي أهدى الأمم، تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة. كما يقال للداهية العظيمة: هي أهدى الدواهي. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، { ما زادهم إلا نفورا } أي: ما زادهم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تباعدا عن الحق، وهو إسناد مجازي إذ لا فاعل غيره. { استكبارا في الأرض ومكر السيىء } أي: ما زادهم إلا تهورا للاستكبار ومكر السيىء. أو: مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، المكر القبيح، وهو إجماعهم على قتله عليه الصلاة والسلام، وإذاية من تبعه. وأصل قوله: { ومكر السيىء }: وأن مكروا المكر السيىء، فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم أبدل " أن " مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف إلى صفته اتساعا، كصلاة الأولى، ومسجد الجامع. { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } أي: لا يحيط وينزل المكر السيىء إلا بمن مكره، وقد حاق بهم يوم بدر. وفي المثل: من حفر حفرة وقع فيها { فهل ينظرون إلا سنة الأولين }: ما ينتظرون إلا أن ينزل بهم ما نزل بالمكذبين الأولين، من العذاب المستأصل، كما هي سنة الله فيمن كذب الرسل. { فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا } بين أن سنته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة ماضية، لا يبدلها في ذاتها، ولا يحولها عن وقتها، وأن ذلك مفعول لا محالة. { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ممن كذبوا رسلهم، كيف أهلكهم الله ودمرهم، كعاد، وثمود، وقرىء قوم لوط. استشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق، من آثار الماضين، وعلامات هلاكهم ودمارهم. { و } قد { كانوا أشد منهم قوة } واقتدارا، فلم يتمكنوا من الفرار، { وما كان الله ليعجزه } ليسبقه ويفوته { من شيء } أي شيء كان { في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما } بأحوالهم { قديرا } على أخذهم. وبالله التوفيق. الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لئن ظهر شيخ التربية لنكونن أول من يدخل معه، فلما ظهر، عاند واستكبر، وربما أنكر ومكر.
نعوذ بالله من سابق الخذلان. قال القشيري: ليس لقولهم تحقيق، ولا لضمانهم توثيق، وما يعدون من أنفسهم فصريح زور، وما يوهمون من وفاقهم فصرف غرور. وكذلك المريد في أول نشاطه، تمنيه نفسه ما لا يقدر عليه، فربما يعاهد الله، ويؤكد فيه عقدا مع الله، فإذا عضته شهوته، وأراد الشيطان أن يكذبه، صرعه بكيده، وأركسه في كوة غيه، وفتنة نفسه فيسود وجهه، ويذهب ماء وجهه. ثم قال في قوله: { أولم يسيروا... } الخ: ما خاب له ولي، وما ربح له عدو، ولا تنال الحقيقة بمن انعكس قصده، وارتد عليه كيده، دمر على أعدائه تدميرا، وأوسع لأوليائه فضلا كبيرا. ه. ثم تمم قوله: { إنه كان حليما غفورا } ، بقوله: { ولو يؤاخذ الله الناس... }
فاطر 35:45
يقول الحق جل جلاله: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } بما اقترفوا من المعاصي { ما ترك على ظهرها } على ظهر الأرض لأنه جرى ذكرها في قوله:
وما كان الله ليعجزه من شيء فى السماوات ولا فى الأرض إنه
[فاطر: 44]، { من دابة } من نسمة تدب عليها. قيل: أهل المعاصي فقط من الناس، وقيل: من الجن والإنس. والمشهور: أنه عام في كل ما يدب لأن الكل خلق للآدمي. وعن ابن مسعود: إن الجعل ليعذب في جحره بذنب ابن آدم، يعني ما يصيبه من القحط، بشؤم معاصيه. وقال أبو هرير: إن الحبارى لتموت هزالا في وكرها بظلم الظالم. ه. قال القشيري: لو عجل لهم ما يستوجبونه من الثواب والعقاب، لم تف أعمارهم القليلة، وما اتسعت أفهامهم القصيرة له، فأخر ذلك ليوم الحشر، فإنه طويل، والله على كل شيء قدير، بأمور عباده بصير، وإليه المصير ه وهذا معنى قوله: { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } هو يوم القيامة، { فإذا جاء أجلهم } أجل جمعهم، { فإن الله كان بعباده بصيرا } أي: لن يخفى عليه حقيقة أمرهم، وحكمة حكمهم، فيجازيهم على قدر أعمالهم. الإشارة: تعجيل العقوبة في دار الدنيا للمؤمن إحسان، وتأخيرها لدار الدوام استدراج وخذلان. فكل من له عناية سابقة عاتبه الله في الدنيا، بمصيبة في بدنه، أو ماله، أو في أهله، ومن لا عناية له أخرت عقوباته كلها لدار الجزاء. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه، وبسيدنا محمد نبيه صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه.