Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الصافات 37:1 – الصافات 37:109

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. الصافات 37:1
  2. الصافات 37:2
  3. الصافات 37:3
  4. الصافات 37:4
  5. الصافات 37:5
  6. الصافات 37:6
  7. الصافات 37:7
  8. الصافات 37:8
  9. الصافات 37:9
  10. الصافات 37:10
  11. الصافات 37:11
  12. الصافات 37:12
  13. الصافات 37:13
  14. الصافات 37:14
  15. الصافات 37:15
  16. الصافات 37:16
  17. الصافات 37:17
  18. الصافات 37:18
  19. الصافات 37:19
  20. الصافات 37:20
  21. الصافات 37:21
  22. الصافات 37:22
  23. الصافات 37:23
  24. الصافات 37:24
  25. الصافات 37:25
  26. الصافات 37:26
  27. الصافات 37:27
  28. الصافات 37:28
  29. الصافات 37:29
  30. الصافات 37:30
  31. الصافات 37:31
  32. الصافات 37:32
  33. الصافات 37:33
  34. الصافات 37:34
  35. الصافات 37:35
  36. الصافات 37:36
  37. الصافات 37:37
  38. الصافات 37:38
  39. الصافات 37:39
  40. الصافات 37:40
  41. الصافات 37:41
  42. الصافات 37:42
  43. الصافات 37:43
  44. الصافات 37:44
  45. الصافات 37:45
  46. الصافات 37:46
  47. الصافات 37:47
  48. الصافات 37:48
  49. الصافات 37:49
  50. الصافات 37:50
  51. الصافات 37:51
  52. الصافات 37:52
  53. الصافات 37:53
  54. الصافات 37:54
  55. الصافات 37:55
  56. الصافات 37:56
  57. الصافات 37:57
  58. الصافات 37:58
  59. الصافات 37:59
  60. الصافات 37:60
  61. الصافات 37:61
  62. الصافات 37:62
  63. الصافات 37:63
  64. الصافات 37:64
  65. الصافات 37:65
  66. الصافات 37:66
  67. الصافات 37:67
  68. الصافات 37:68
  69. الصافات 37:69
  70. الصافات 37:70
  71. الصافات 37:71
  72. الصافات 37:72
  73. الصافات 37:73
  74. الصافات 37:74
  75. الصافات 37:75
  76. الصافات 37:76
  77. الصافات 37:77
  78. الصافات 37:78
  79. الصافات 37:79
  80. الصافات 37:80
  81. الصافات 37:81
  82. الصافات 37:82
  83. الصافات 37:83
  84. الصافات 37:84
  85. الصافات 37:85
  86. الصافات 37:86
  87. الصافات 37:87
  88. الصافات 37:88
  89. الصافات 37:89
  90. الصافات 37:90
  91. الصافات 37:91
  92. الصافات 37:92
  93. الصافات 37:93
  94. الصافات 37:94
  95. الصافات 37:95
  96. الصافات 37:96
  97. الصافات 37:97
  98. الصافات 37:98
  99. الصافات 37:99
  100. الصافات 37:100
  101. الصافات 37:101
  102. الصافات 37:102
  103. الصافات 37:103
  104. الصافات 37:104
  105. الصافات 37:105
  106. الصافات 37:106
  107. الصافات 37:107
  108. الصافات 37:108
  109. الصافات 37:109

الصافات 37:1

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:2

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:3

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:4

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:5

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:6

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:7

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:8

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:9

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:10

يقول الحق جل جلاله: { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } أقسم بطوائف الملائكة، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة، كل على ما أمر به، فالزاجرات السحاب سوقا إلى ما أراد الله، أو: عن المعاصي بإلهام الخير. أو: الشياطين عن التعرض لهم. { فالتاليات ذكرا } لكلام الله تعالى من الكتب المنزلة وغيرها، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وفيه رد على ابن الصلاح، حيث قال في فتاويه: إن الملائكة لا تقرأ القرآن، وإنما قراءته كرامة أكرم الله بها البشر. قال: فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس، كما نقله عنه في الإتقان، فانظره. أو: بنفوس العلماء والعمال، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله، والدراسات شرائعه. أو: بنفوس الغزاة في سبيل الله، التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو. و { صفا }: مصدر مؤكد، وكذلك { زجرا } ، والفاء تدل على الترتيب، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر، فتفيد الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، أو بالعكس. وجواب القسم: { إن إلهكم لواحد } لا شريك معه يستحق أن يعبد، { ورب السماوات والأرض } وهو خبر بعد خبر، أو: خبر عن مضمر، أي: هو { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: مطالع الشمس، وهي ثلاث مائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وأما: رب المشرقين ورب المغربين [الرحمن: 17] فإنه أريد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وأما: رب المشرق والمغرب [المزمل: 9] فإنه أريد به الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة. قال الكواشي: لم يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها. { إنا زينا السماء الدنيا } القربى منكم، تأنيث الأدنى، { بزينة الكواكب } بالإضافة، أي: بأن زينتها الكواكب ومن قرأ بالتنوين والخفض فبدل، أي: هي الكواكب، ومن قرأ بالنصب فعلى إضمار " أعني " ، أو: بدل من محل " بزينة " أي: زينا الكواكب، أو: على إعمال المصدر منونا في المفعول، أي: بتزين الكواكب. قال البيضاوي: وركوز الثوابت في الكوة الثامنة، وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينهما وبين سماء الدنيا إن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة، متلألئة على سطحها الأزرق. ه. { وحفظا } من الشياطين، كما قال: ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أو: بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا { من كل شيطان مارد } خارج عن الطاعة، فيرمي بالشهب. { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى }: استئناف لبيان حالهم، بعد بيان حفظ السماء منهم، ولا يجوز وصفه لكل شيطان لأنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. والضمير لكل باعتبار المعنى لأنه في معنى شياطين، وتعدية { يسمعون } بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة في نفيه، وتهويلا لما يمنعهم عنه. ومن قرأ بالتشديد فأصله: " يتسمعون " فأدغم. والتسمع: طلب السماع. يقال: تسمع فسمع أو لم يسمع إذا منعه مانع. والملأ الأعلى هم: الملائكة لأنهم في السموات العلى، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض { ويقذفون } يرمون بالشهب، { من كل جانب } من جميع جوانب السماء، من أي جهة صعدوا للاستراق. { دحورا } مفعول له، أي: ويقذفون للدحور، وهو الطرد، أو: مدحورين، على الحال، أو: لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فيكون مصدرا له، فكأنه قيل: ويقذفون قذفا، { ولهم عذاب } آخر { واصب } دائم، أو شديد، وهو عذاب الآخرة، أو: عذاب الدنيا لأنه دائم الوجوب لأنهم في الدنيا مرجمون بالشهب دائما، { إلا من خطف الخطفة } " من ": بدل من ضمير " يسمعون " ، أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي: اختلس شيئا من كلام الملائكة بسرعة، { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: نجم مضيء يثقبه، أو يحرقه، أو يخبله، ومنه تكون الغيلان. والله تعالى أعلم. الإشارة: أقسم الحق تعالى بصفوف الذاكرين، الزاجرين للخواطر عن قلوبهم، في طلب الحضور، التالين لذكر ربهم لرفع الستور، إنه منفرد في ألوهيته، متوحد في ربوبيته إذ هو رب كل شيء، رب سموات الأرواح، ورب أرض النفوس والأشباح، ورب مشارق أنوار العرفان، وهي قلوب أهل العيان، ولم يذكر المغارب لأن شمس القلوب إذا طلعت ليس لها مغيب. قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا... } إلخ، قال القشيري: زين السماء بالنجوم، وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال. ه. وقوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } قال القشيري: كذلك حفظ القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم، إلا من خطف الخطفة، كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقي شيئا من وساوسه تذكروا، فإذا هم مبصرون. ه. وقال في لطائف المنن: إن الله تعالى إذا تولى وليا صان قلبه من الأغيار، وحرسه بدوام الأنوار، حتى لقد قال بعض العارفين: إذا كان سبحانه قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها، فقلب المؤمن أولى بذلك، لقول الله سبحانه، فيما يحكيه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " والمراد: المؤمن الكامل، الذي تولى الله حفظه، وهو الولي العارف. ثم رد على من أنكر البعث بعد هذه الدلائل الباهرة، فقال: { فاستفتهم أهم أشد... }

الصافات 37:11

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:12

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:13

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:14

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:15

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:16

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:17

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:18

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:19

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:20

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:21

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم } أي: فاستخبر كفار مكة { أهم أشد خلقا } أي: أقوى خلقا وأعظم، أو: أصعب خلقا وأشقه. { أم من خلقنا } يعني ما ذكر من السماء والأرض وما بينهما، وما يعمرهما من الملائكة والكواكب، والشهب الثواقب؟ وجيء ب " من " تغليبا للعقلاء. ويدل عليه قراءة من قرأ: أم من عددنا بالتشديد والتخفيف. والقصد: الرد على منكري البعث، فإن من قدر على خلق هذه العوالم، على عظمها، كان على بعثهم أقدر. ثم ذكر ضعف أصلهم بقوله: { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصق باليد، أو: لازم. وقرىء به، أي: يلزم من جاوره ويلصق به. وهذا شاهد عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه إنما هو تراب، فمن أين استنكروا أن نخلق من تراب مثله خلقا آخر؟ حيث قالوا: أءذا كنا ترابا [الرعد: 5]، الخ، وهذا المعنى يعضده ما يتلوه بعد من ذكر إنكارهم البعث. { بل عجبت } من تكذيبهم إياك، وإنكارهم البعث، { ويسخرون } هم منك، ومن تعجبك، أو: من أمر البعث، قال الكواشي: ولما لم تؤثر فيهم البراهين، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى: إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجبك. ه. قال قتادة: لما نزل القرآن عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سمعه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره: أن الآية نزلت في ركانة، الذي صرعه صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح. ه. وقرأ الأخوان " عجبت " بضم التاء، أي: استعظمت. والعجب: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى محال، ومعناه: التعجب لغيره، أي: كل من يرى حالهم يقول: عجبت، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: " عجب الله من شاب ليست له صبوة " وهو عبارة عما يظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو: قل يا محمد: عجبت ويسخرون. { وإذا ذكروا لا يذكرون } أي: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به. { وإذا رأوا آية } معجزة، كانشقاق القمر، ونحوه، { يستسخرون } يبالغون في السخرية، ويقولون: إنه سحر، ويستدعي بعضهم بعضا أن يسخر منها، { وقالوا إن هذا } ما هذا { إلا سحر مبين } ظاهر سحريته، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما؟ { أو آباؤنا الأولون } فمن فتح الواو عطف على محل " إن " واسمها، والهمزة للإنكار، أي: أويبعث أيضا آباؤنا الأولون الأقدمون، على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ومن سكن فمن عطف أحد الشيئين، أي: أيبعث واحد منا، على المبالغة في الإنكار. { قل نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون. { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، والفاء: جواب شرط مقدر، أي: إذا كان كذلك فما هي إلا صيحة واحدة، وهي مبهمة، يفسرها خبرها. أو: فإنما البعثة زجرة واحدة. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل والغنم: إذا صاح عليها، { فإذا هم } أحياء { ينظرون } إلى سوء أعمالهم، أو: ينظرون ما يحل بهم. { وقالوا يا ويلنا } الويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، { هذا يوم الدين } اليوم الذي يدان فيه العباد، ويجازون بأعمالهم. { هذا يوم الفصل } أي: يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلالة، { الذي كنتم به تكذبون } يحتمل أن يكون قوله: { هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون { يا ويلنا هذا يوم الدين } من كلام الكفرة، وما بعده كلام الملائكة، جوابا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنسان فيه عالمان، عالم في غاية الضعف والخسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النوارنية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمد الوجود بأسره. فمن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. ه. ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد: ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقق بوصفه مده الله بوصفه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مثال أهل الكفر، فقال: { احشروا الذين ظلموا... }

الصافات 37:22

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:23

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:24

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:25

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:26

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:27

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:28

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:29

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:30

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:31

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:32

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:33

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:34

يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة: { احشروا الذين ظلموا } أي: اجمعوا الذين كفروا { وأزواجهم } وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام، وعابد الكواكب مع عبدتها. أو: نساءهم الكافرات، أو: قرناءهم من الشياطين. و " الواو " بمعنى " مع " ، أو: عاطفة. { وما كانوا يعبدون من دون الله } أي: الأصنام، اجمعوها معهم، { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: دلوهم على طريقها، وعرفوهم بها. وعن الأصمعي: يقال: هديته في الدين هدى، وهديته الطريق هداية. { وقفوهم }: احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم، { ما لكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضا. وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر، بعدما كانوا يتناصرون في الدنيا، أو: استهزاء بهم. وقيل: هو جواب لأبي جهل، حيث قال يوم بدر: نحن جميع منتصر [القمر: 44]، وجملة النفي: حال، أي: ما لكم غير متناصرين، { بل هم اليوم مستسلمون } منقادون لما يراد بهم لعجزهم وانسداد أبواب الحيل عليهم، أو: قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. { وأقبل بعضهم على بعض } أي: التابع على المتبوع { يتساءلون } يتخاصمون، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط، { قالوا } أي: الأتباع للمتبوعين: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: تصدوننا عن الحق والإيمان، قاله الحسن. وبيانه: أن العرب كانت تتيمن بالسانح عن اليمين من الطير، ويناسبه ما ذكره ابن عطية في جملة التأويلات بقوله: ومنها: أن يريد باليمين اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح، والعمل الذي يتيمن به. ه. قلت: والأحسن: أن يقدر معلق الجار، أي: تأتوننا وتصرفوننا عن طريق أهل اليمين. { قالوا } أي: الرؤساء: { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: بل أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين للكفر، غير ملجئين إليه، أو: بل أنتم سبقت منكم الضلالة على إغوائنا، وإنما نشأ عن إغوائنا دوام كفركم لا استئنافه. { وما كان لنا عليكم من سلطان } وقهر، نسلبكم به تمكنكم واختياركم، { بل كنتم قوما طاغين } أي: بل كنتم قوما مختارين للطغيان، { فحق علينا } أي: لزمنا جميعا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني: حقت علينا كلمته بأنا ذائقون لعذابه. ولو حكى الوعيد على ما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك على أنفسهم. ثم قالوا لضعفائهم: { فأغويناكم } فدعوناكم إلى الغي { إنا كنا غاوين } فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا، { فإنهم } أي: الأتباع والمتبوعين جميعا، { في العذاب يومئذ مشتركون } كما كانوا مشتركين في الغواية. { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } المشركين، أي: مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم. الإشارة: ويقال على طريق العكس: احشروا الذين أحسنوا واتقوا ربهم، وأزواجهم، ومن انتسب إليهم، فاهدوهم إلى طريق الجنان، وقفوهم يشفعوا فيمن تعلق بهم، إنهم مسؤولون عن أصحابهم وعشائرهم، حتى يخلصوهم من ورطة الحساب. ما لكم لا تناصرون، فينصر بعضكم بعضا في هذا الموطن الهائل، بل هم اليوم منقادون لأمر الله، حتى يأذن لهم في الشفاعة. وفي الحديث: " اتخذوا يدا عند الفقراء، فإن لهم دولة يوم القيامة " ودولتهم: الشفاعة فيمن أحبهم وأحسن إليهم. والفقراء هم المتوجهون إلى الله تعالى، حتى وصلوا إلى حضرته، ومن صد الناس عن طريقه وصحبتهم، يتعلق به المخذول عنهم، فيقول له: { إنهم كانوا إذا قيل... } الآية.

الصافات 37:35

يقول الحق جل جلاله: { إنهم } أي: المشركين { كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله } هو أعم من إذا قيل لهم: قولوها، أو: ذكرت بمحضرهم، { يستكبرون } أي: يتعاظمون عن قولها، أي: كانوا في الدنيا إذا سمعوا كلمة التوحيد استكبروا عنها، وأبوا إلا الشرك، { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } يعنون نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } لكونه مصدقا لما بين يديه من الرسل. وهو رد عليهم بأن ما جاء به الحق من التوحيد قد قام عليه البرهان، وتطابق عليه المرسلون. فقوله تعالى: { بل جاء بالحق } مقابل لقولهم: " شاعر " لأن الشاعر في الغالب كذوب، وتصديق المرسلين في مقابلة مجنون لأنه لا يكون إلا من العاقل. قال تعالى لهم: { إنكم لذائقو العذاب الأليم } بالإشراك وتكذيب الرسول { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } إلا مثل ما عملتم بلا زيادة ولا نقصان، فعذبتم، على الكفر والتكذيب، وخلدتم، على نيتكم الدوام عليه. الإشارة: ينبغي للمؤمن إذا سمع كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " أن يخشع قلبه، وتهتز جوارحه، فرحا بها، ويخضع لمن جاء بها، ودل عليها، حتى يدخله في بحار معانيها، وهو التوحيد الخاص، أعني: توحيد أهل العيان، وهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية النبوية. قال القشيري: {... كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون... } الخ. احتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم، وذلك أنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته، ولو عرفوا لافتخروا بعبوديته قال تعالى: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [الأعراف: 206] وقال: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله... [النساء: 173]، فمن عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته وعبوديته، قال قائلهم: ويظهر في الورى عز الموالي فيلزمني له ذل العبيد ولما لم يحتشموا من وصفه سبحانه بما لا يليق بجلاله، لم يبالوا بها أطلقوا من المثالب في جانب أنبيائه. ه. ثم استثنى المخلصين، فقال: { إلا عباد الله.... }

الصافات 37:36

يقول الحق جل جلاله: { إنهم } أي: المشركين { كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله } هو أعم من إذا قيل لهم: قولوها، أو: ذكرت بمحضرهم، { يستكبرون } أي: يتعاظمون عن قولها، أي: كانوا في الدنيا إذا سمعوا كلمة التوحيد استكبروا عنها، وأبوا إلا الشرك، { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } يعنون نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } لكونه مصدقا لما بين يديه من الرسل. وهو رد عليهم بأن ما جاء به الحق من التوحيد قد قام عليه البرهان، وتطابق عليه المرسلون. فقوله تعالى: { بل جاء بالحق } مقابل لقولهم: " شاعر " لأن الشاعر في الغالب كذوب، وتصديق المرسلين في مقابلة مجنون لأنه لا يكون إلا من العاقل. قال تعالى لهم: { إنكم لذائقو العذاب الأليم } بالإشراك وتكذيب الرسول { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } إلا مثل ما عملتم بلا زيادة ولا نقصان، فعذبتم، على الكفر والتكذيب، وخلدتم، على نيتكم الدوام عليه. الإشارة: ينبغي للمؤمن إذا سمع كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " أن يخشع قلبه، وتهتز جوارحه، فرحا بها، ويخضع لمن جاء بها، ودل عليها، حتى يدخله في بحار معانيها، وهو التوحيد الخاص، أعني: توحيد أهل العيان، وهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية النبوية. قال القشيري: {... كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون... } الخ. احتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم، وذلك أنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته، ولو عرفوا لافتخروا بعبوديته قال تعالى: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [الأعراف: 206] وقال: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله... [النساء: 173]، فمن عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته وعبوديته، قال قائلهم: ويظهر في الورى عز الموالي فيلزمني له ذل العبيد ولما لم يحتشموا من وصفه سبحانه بما لا يليق بجلاله، لم يبالوا بها أطلقوا من المثالب في جانب أنبيائه. ه. ثم استثنى المخلصين، فقال: { إلا عباد الله.... }

الصافات 37:37

يقول الحق جل جلاله: { إنهم } أي: المشركين { كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله } هو أعم من إذا قيل لهم: قولوها، أو: ذكرت بمحضرهم، { يستكبرون } أي: يتعاظمون عن قولها، أي: كانوا في الدنيا إذا سمعوا كلمة التوحيد استكبروا عنها، وأبوا إلا الشرك، { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } يعنون نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } لكونه مصدقا لما بين يديه من الرسل. وهو رد عليهم بأن ما جاء به الحق من التوحيد قد قام عليه البرهان، وتطابق عليه المرسلون. فقوله تعالى: { بل جاء بالحق } مقابل لقولهم: " شاعر " لأن الشاعر في الغالب كذوب، وتصديق المرسلين في مقابلة مجنون لأنه لا يكون إلا من العاقل. قال تعالى لهم: { إنكم لذائقو العذاب الأليم } بالإشراك وتكذيب الرسول { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } إلا مثل ما عملتم بلا زيادة ولا نقصان، فعذبتم، على الكفر والتكذيب، وخلدتم، على نيتكم الدوام عليه. الإشارة: ينبغي للمؤمن إذا سمع كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " أن يخشع قلبه، وتهتز جوارحه، فرحا بها، ويخضع لمن جاء بها، ودل عليها، حتى يدخله في بحار معانيها، وهو التوحيد الخاص، أعني: توحيد أهل العيان، وهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية النبوية. قال القشيري: {... كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون... } الخ. احتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم، وذلك أنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته، ولو عرفوا لافتخروا بعبوديته قال تعالى: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [الأعراف: 206] وقال: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله... [النساء: 173]، فمن عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته وعبوديته، قال قائلهم: ويظهر في الورى عز الموالي فيلزمني له ذل العبيد ولما لم يحتشموا من وصفه سبحانه بما لا يليق بجلاله، لم يبالوا بها أطلقوا من المثالب في جانب أنبيائه. ه. ثم استثنى المخلصين، فقال: { إلا عباد الله.... }

الصافات 37:38

يقول الحق جل جلاله: { إنهم } أي: المشركين { كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله } هو أعم من إذا قيل لهم: قولوها، أو: ذكرت بمحضرهم، { يستكبرون } أي: يتعاظمون عن قولها، أي: كانوا في الدنيا إذا سمعوا كلمة التوحيد استكبروا عنها، وأبوا إلا الشرك، { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } يعنون نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } لكونه مصدقا لما بين يديه من الرسل. وهو رد عليهم بأن ما جاء به الحق من التوحيد قد قام عليه البرهان، وتطابق عليه المرسلون. فقوله تعالى: { بل جاء بالحق } مقابل لقولهم: " شاعر " لأن الشاعر في الغالب كذوب، وتصديق المرسلين في مقابلة مجنون لأنه لا يكون إلا من العاقل. قال تعالى لهم: { إنكم لذائقو العذاب الأليم } بالإشراك وتكذيب الرسول { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } إلا مثل ما عملتم بلا زيادة ولا نقصان، فعذبتم، على الكفر والتكذيب، وخلدتم، على نيتكم الدوام عليه. الإشارة: ينبغي للمؤمن إذا سمع كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " أن يخشع قلبه، وتهتز جوارحه، فرحا بها، ويخضع لمن جاء بها، ودل عليها، حتى يدخله في بحار معانيها، وهو التوحيد الخاص، أعني: توحيد أهل العيان، وهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية النبوية. قال القشيري: {... كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون... } الخ. احتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم، وذلك أنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته، ولو عرفوا لافتخروا بعبوديته قال تعالى: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [الأعراف: 206] وقال: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله... [النساء: 173]، فمن عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته وعبوديته، قال قائلهم: ويظهر في الورى عز الموالي فيلزمني له ذل العبيد ولما لم يحتشموا من وصفه سبحانه بما لا يليق بجلاله، لم يبالوا بها أطلقوا من المثالب في جانب أنبيائه. ه. ثم استثنى المخلصين، فقال: { إلا عباد الله.... }

الصافات 37:39

يقول الحق جل جلاله: { إنهم } أي: المشركين { كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله } هو أعم من إذا قيل لهم: قولوها، أو: ذكرت بمحضرهم، { يستكبرون } أي: يتعاظمون عن قولها، أي: كانوا في الدنيا إذا سمعوا كلمة التوحيد استكبروا عنها، وأبوا إلا الشرك، { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } يعنون نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } لكونه مصدقا لما بين يديه من الرسل. وهو رد عليهم بأن ما جاء به الحق من التوحيد قد قام عليه البرهان، وتطابق عليه المرسلون. فقوله تعالى: { بل جاء بالحق } مقابل لقولهم: " شاعر " لأن الشاعر في الغالب كذوب، وتصديق المرسلين في مقابلة مجنون لأنه لا يكون إلا من العاقل. قال تعالى لهم: { إنكم لذائقو العذاب الأليم } بالإشراك وتكذيب الرسول { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } إلا مثل ما عملتم بلا زيادة ولا نقصان، فعذبتم، على الكفر والتكذيب، وخلدتم، على نيتكم الدوام عليه. الإشارة: ينبغي للمؤمن إذا سمع كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " أن يخشع قلبه، وتهتز جوارحه، فرحا بها، ويخضع لمن جاء بها، ودل عليها، حتى يدخله في بحار معانيها، وهو التوحيد الخاص، أعني: توحيد أهل العيان، وهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية النبوية. قال القشيري: {... كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون... } الخ. احتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم، وذلك أنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته، ولو عرفوا لافتخروا بعبوديته قال تعالى: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [الأعراف: 206] وقال: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله... [النساء: 173]، فمن عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته وعبوديته، قال قائلهم: ويظهر في الورى عز الموالي فيلزمني له ذل العبيد ولما لم يحتشموا من وصفه سبحانه بما لا يليق بجلاله، لم يبالوا بها أطلقوا من المثالب في جانب أنبيائه. ه. ثم استثنى المخلصين، فقال: { إلا عباد الله.... }

الصافات 37:40

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:41

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:42

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:43

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:44

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:45

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:46

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:47

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:48

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:49

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:50

يقول الحق جل جلاله: { إلا عباد الله المخلصين } بفتح اللام، وكسرها أي: لكن عباد الله المخلصين في أعمالهم، أو: الذين أخلصهم الله ونجاهم من الشرك، فليسوا مع أولئك المعذبين، بل { أولئك } المخلصون { لهم رزق معلوم } يأتيهم بكرة وعشيا، كحال المياسير في الدنيا، فهو معلوم الوقت لأن النفس إليه أسكن. قال القشيري: قد كان في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم من له رزق معلوم، فهو من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم، فالأغنياء اليوم لهم رزق معلوم لأبشارهم، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم. ه. ثم فسره بقوله: { فواكه }: جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ. أو: معلوم، أي: منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر، { وهم مكرمون }: معظمون. قال القشيري: من ذلك: ورود الرسل عليهم من قبل الله عز وجل في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ه. وقوله: { في جنات النعيم } إما ظرف لمكرمون، أو: حال، أو: خبر، أي: في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم. وكذا { على سرر متقابلين }: يقابل بعضها بعضا، إن استوت درجتهم، فالتقابل أتم للسرور. وآنس. { يطاف عليهم بكأس } إناء من زجاج فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء. وقد تسمى الخمر كأسا. قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. ومثل لابن عباس. { من معين } من خمر معين، أي: جارية في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة أنهارا، كما يجري الماء، قال تعالى: وأنهار من خمر [محمد: 15]. وقوله: { بيضاء } صفة للكأس، أي: صافية في نهاية اللطافة. { لذة للشاربين } أي: لذيذة للشاربين، وصفت باللذة، كأنها نفس اللذة وعينها. أو: ذات لذة. { لا فيها غول } أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، كخمر الدنيا، وهو من: غاله يغوله: إذا أهلكه وأفسده. أو: لا فيها غول: إثم، أو وجع بطن أو صداع، وهو وجع الرأس، أي: لا ينشأ عنها شيء مما ذكر. { ولا هم عنها ينزفون } يسكرون، من: نزف الشارب: إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف، ومنزوف. ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزف: إذا فنيت خمرته. { وعندهم قاصرات الطرف } أي: حور قصرت أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفا إلى غيرهم { عين }: جمع عيناء، أي: نجلاء، واسعة العين. يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ورجال ونساء عين. { كأنهن بيض مكنون } مصون مستور. شبههن ببيض النعام المكنون من الريح والغبار، في الصفاء والبياض. { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } في الجنة، تساؤل راحة وتنعم. والمعنى: أنهم يشربون ويتحادثون على الشرب، كعادة الشرب. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام أو: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى عليهم في الدنيا. وجيء به ماضيا على ما عرف في أخباره المحققة الوقوع. الإشارة: المخلصين بالفتح أبلغ من المخلصين بالكسر المخلصين: أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلصين: طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون محبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري: والإخلاص: إفراد الحق سبحانه بالعبودية، فالذي يشوب عمله برياء ليس بمخلص. ويقال: الإخلاص: تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر: " يا معاذ، أخلص العمل، يكفك القليل منه " ويقال: الإخلاص: فقد رؤية الأشخاص. ه. { أولئك لهم رزق معلوم } للمخلصين بالفتح رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها. وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } كان من تمام نعيمهم في الشرب: التحادث عليها بما يناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكاس كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين. ثم ذكر حال من يعوق عن شرب هذه الخمرة، فقال: { قال قآئل منهم... }

الصافات 37:51

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:52

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:53

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:54

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:55

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:56

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:57

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:58

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:59

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:60

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:61

يقول الحق جل جلاله: { قال قائل منهم } أي: من أهل الجنة { إني كان لي قرين } في الدنيا، قيل: كان شيطانا، وقيل: من الإنس، ففيه التحفظ من قرناء السوء، وقيل: كانا شريكين بثمانية آلاف دينار، أحدهما: قطروس، وهو الكافر، والآخر: يهوذا، المؤمن، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، وكان الآخر مقبلا على ماله، فحل الشركة مع المؤمن، وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل الكافر كلما اشترى شيئا من دار، أو جارية، أو بستان، عرضه على المؤمن، وفخر عليه، فيمضي المؤمن، ويتصدق بنحو ذلك، ليشتري به من الله تعالى في الجنة. فكان من أمرهما في الجنة ما قصه الله تعالى في هذه الآية. قال السهيلي: هما المذكوران في سورة الكهف بقوله: واضرب لهم مثلا رجلين... [الكهف: 32] إلخ. { يقول } أي: قرين السوء، لقرينه المؤمن في الدنيا: { أئنك لمن المصدقين } بالبعث؟ { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ من: الدين، وهو الجزاء. { قال } ذلك القائل لمن معه في الجنة: { هل أنتم مطلعون } معي إلى النار، لأريكم حال ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. قلت: حال الجنة كله خوارق، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء. وقيل: القائل: هو الله، أو: بعض الملائكة. يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، أو: لتعلموا منزلتكم من منزلتهم. قال الكواشي: أو: إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم ناظرون أخي في النار؟ فيقولون له: أنت أعرف به منا، فانظر إليه. { فاطلع } على أهل النار { فرآه } أي: قرينه { في سواء الجحيم } في وسطها. { قال تالله إن كدت لتردين } لتهلكني بإغوائك. و " إن " مخففة، واللام: فارقة، أي: إنه قربت لتهلكني، { ولولا نعمة ربي } علي بالهداية، والعصمة، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام، { لكنت من المحضرين } معك، أو: من الذين أحضروا العذاب، كما أحضرته أنت وأمثالك. { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } الفاء للعطف على محذوف، أي: أنحن مخلدون فما نحن بميتين ولا معذبين. وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة، لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة، تحدثا بنعمة الله. أو: قاله بمرأى من قرينه ومسمع ليكون توبيخا له، وزيادة تعذيب، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنا نموت، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب؟ كقوله: إن هى إلا موتتنا الأولى [الدخان: 35] والتقدير: أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين، بل الأمر وقع خلافه، وكان يقال له: نحن نموت ونسأل في القبر، ثم نموت ونحيا، فيقول: ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. وقوله تعالى: { إن هذا لهو الفوز العظيم... } إلخ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وأن يكون من خطاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم. ثم قال الله عز وجل: { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية، المشوبة بالآلام، السريعة الانصرام. أو: لمثل هذا فليجتهد المجتهدون، ما دام يمكنهم الاجتهاد، فإن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فبقدر ما يزرع هذا يحصد ثم، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد. الإشارة: تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى الله، بصحبة الرجال في طريق التجريد، فينهاه رفقاؤه، فيخالفهم، وينهض إلى الله، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين، فيقول لهم: إني كان قرين ينكر طريق الخصوص، وينهاني عن صحبتهم، فيطلع عليه، فيراه في أسفل الجنة، مع عامة أهل اليمين، فيحمد الله على مخالفته، ويقول: لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك. قال القشيري: فيقول الولي له: إن كدت لتردين، لولا نعمة ربي. نطقوا بالحق، ولكنهم لم يصرحوا بعين التوحيد إذ جعلوا الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربي لكنت من المحضرين. ثم يقول: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثم قال: فإذا بدت شظية، من الحقائق، أو ذرة من نسيم القربة، فبالحري أن يقول القائل: لمثل هذا الحال تبذل الأرواح، وأنشدوا: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا ثم قال تعالى: { أذلك خير نزلا أم... }.

الصافات 37:62

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:63

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:64

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:65

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:66

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:67

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:68

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:69

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:70

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:71

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:72

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:73

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:74

يقول الحق جل جلاله: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي: أنعيم الجنة وما فيها من اللذات، والطعام، والشراب، خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ النزل: ما يقدم للنازل من الرزق. و " نزلا ": تمييز، وفي ذكره: تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. قال ابن عطية: في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة، مرة، مسمومة، لها لبن، إن مس جسم أحد تورم ومات منه، في غالب الأمر، تسمى شجرة الزقوم. والتزقم: البلع على شدة وجهد. ه. وفي الحديث: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. فكيف بمن يكون الزقوم طعامه " وقال ابن عرفة: هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو: تكون واحدة بالشخص. ه. { إنا جعلناها فتنة للظالمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة، وابتلاء لهم في الدنيا. وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها وهو السمندل كيف لا يقدر على خلق شجر في النار، وحفظه من الإحراق؟ { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } ، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص. { طلعها } أي: حملها { كأنه رؤوس الشياطين } الطلع للنخلة، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة، وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشياطين: حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها أعراف يقال لها شياطين. وقيل: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت لا ترى، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال، كما قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال { فإنهم لآكلون منها } أي: من طلع تلك الشجرة، { فمالئون منها البطون } مما يبلغهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، { ثم إن لهم عليها } على أكلها، أي: بعدما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استقاؤهم، { لشوبا من حميم } أي: لشرابا من غساق، أو: حديد، مشوبا بماء حار، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة: ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وأتى ب " ثم " لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة فإن الزقوم حار محرق، وشرابهم أشد حرا وإحراقا. { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي: إنهم يخرجون من مقارهم في الجحيم وهو الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: { إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويحثون حثا. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش { أكثر الأولين } يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أنبياء، حذروهم العواقب. { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } الذين أنذروا، وحذروا، فقد أهلكوا جميعا، { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين. الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمن من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمنا أو كافرا، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولي العزم، فقال: { ولقد نادانا نوح... }

الصافات 37:75

يقول الحق جل جلاله: { ولقد نادانا } أي: دعانا { نوح } حين أيس من قومه بقوله: أنى مغلوب فانتصر [القمر: 10] أو: دعانا لننجيه من الغرق، { فلنعم المجيبون } أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف القسم لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع دليل العظمة والكبرياء. { ونجيناه وأهله } ومن آمن به وأولاده المؤمنين { من الكرب العظيم } وهو غم الغرق، أو: إذاية قومه، { وجعلنا ذريته هم الباقين } وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم وحام وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وقد نظمه بعضهم، فقال: العرب والروم وفارس اعلمن أولاد سام فيهم الخير كمن من نسل حام نشا السودان شرقا وغربا، ذا له برهان يأجوج مأجوج من الصقالبة ليافث، لا خير فيهم قاطبه { وتركنا عليه في الآخرين } أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، { سلام على نوح }: مبتدأ وخبر، استئناف، { في العالمين } يعني: أنهم يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأن الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم. { إنا كذلك نجزي المحسنين } فنكرمهم ونحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، { إنه من عبادنا المؤمنين } علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلاله محل الإيمان. { ثم أغرقنا الآخرين } أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحا عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك، فحملهما. فمن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. ه. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يمسي وحين يصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء ". الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السلام فقال: { وإن من شيعته... }

الصافات 37:76

يقول الحق جل جلاله: { ولقد نادانا } أي: دعانا { نوح } حين أيس من قومه بقوله: أنى مغلوب فانتصر [القمر: 10] أو: دعانا لننجيه من الغرق، { فلنعم المجيبون } أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف القسم لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع دليل العظمة والكبرياء. { ونجيناه وأهله } ومن آمن به وأولاده المؤمنين { من الكرب العظيم } وهو غم الغرق، أو: إذاية قومه، { وجعلنا ذريته هم الباقين } وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم وحام وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وقد نظمه بعضهم، فقال: العرب والروم وفارس اعلمن أولاد سام فيهم الخير كمن من نسل حام نشا السودان شرقا وغربا، ذا له برهان يأجوج مأجوج من الصقالبة ليافث، لا خير فيهم قاطبه { وتركنا عليه في الآخرين } أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، { سلام على نوح }: مبتدأ وخبر، استئناف، { في العالمين } يعني: أنهم يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأن الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم. { إنا كذلك نجزي المحسنين } فنكرمهم ونحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، { إنه من عبادنا المؤمنين } علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلاله محل الإيمان. { ثم أغرقنا الآخرين } أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحا عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك، فحملهما. فمن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. ه. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يمسي وحين يصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء ". الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السلام فقال: { وإن من شيعته... }

الصافات 37:77

يقول الحق جل جلاله: { ولقد نادانا } أي: دعانا { نوح } حين أيس من قومه بقوله: أنى مغلوب فانتصر [القمر: 10] أو: دعانا لننجيه من الغرق، { فلنعم المجيبون } أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف القسم لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع دليل العظمة والكبرياء. { ونجيناه وأهله } ومن آمن به وأولاده المؤمنين { من الكرب العظيم } وهو غم الغرق، أو: إذاية قومه، { وجعلنا ذريته هم الباقين } وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم وحام وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وقد نظمه بعضهم، فقال: العرب والروم وفارس اعلمن أولاد سام فيهم الخير كمن من نسل حام نشا السودان شرقا وغربا، ذا له برهان يأجوج مأجوج من الصقالبة ليافث، لا خير فيهم قاطبه { وتركنا عليه في الآخرين } أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، { سلام على نوح }: مبتدأ وخبر، استئناف، { في العالمين } يعني: أنهم يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأن الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم. { إنا كذلك نجزي المحسنين } فنكرمهم ونحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، { إنه من عبادنا المؤمنين } علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلاله محل الإيمان. { ثم أغرقنا الآخرين } أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحا عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك، فحملهما. فمن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. ه. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يمسي وحين يصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء ". الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السلام فقال: { وإن من شيعته... }

الصافات 37:78

يقول الحق جل جلاله: { ولقد نادانا } أي: دعانا { نوح } حين أيس من قومه بقوله: أنى مغلوب فانتصر [القمر: 10] أو: دعانا لننجيه من الغرق، { فلنعم المجيبون } أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف القسم لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع دليل العظمة والكبرياء. { ونجيناه وأهله } ومن آمن به وأولاده المؤمنين { من الكرب العظيم } وهو غم الغرق، أو: إذاية قومه، { وجعلنا ذريته هم الباقين } وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم وحام وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وقد نظمه بعضهم، فقال: العرب والروم وفارس اعلمن أولاد سام فيهم الخير كمن من نسل حام نشا السودان شرقا وغربا، ذا له برهان يأجوج مأجوج من الصقالبة ليافث، لا خير فيهم قاطبه { وتركنا عليه في الآخرين } أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، { سلام على نوح }: مبتدأ وخبر، استئناف، { في العالمين } يعني: أنهم يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأن الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم. { إنا كذلك نجزي المحسنين } فنكرمهم ونحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، { إنه من عبادنا المؤمنين } علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلاله محل الإيمان. { ثم أغرقنا الآخرين } أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحا عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك، فحملهما. فمن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. ه. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يمسي وحين يصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء ". الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السلام فقال: { وإن من شيعته... }

الصافات 37:79

يقول الحق جل جلاله: { ولقد نادانا } أي: دعانا { نوح } حين أيس من قومه بقوله: أنى مغلوب فانتصر [القمر: 10] أو: دعانا لننجيه من الغرق، { فلنعم المجيبون } أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف القسم لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع دليل العظمة والكبرياء. { ونجيناه وأهله } ومن آمن به وأولاده المؤمنين { من الكرب العظيم } وهو غم الغرق، أو: إذاية قومه، { وجعلنا ذريته هم الباقين } وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم وحام وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وقد نظمه بعضهم، فقال: العرب والروم وفارس اعلمن أولاد سام فيهم الخير كمن من نسل حام نشا السودان شرقا وغربا، ذا له برهان يأجوج مأجوج من الصقالبة ليافث، لا خير فيهم قاطبه { وتركنا عليه في الآخرين } أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، { سلام على نوح }: مبتدأ وخبر، استئناف، { في العالمين } يعني: أنهم يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأن الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم. { إنا كذلك نجزي المحسنين } فنكرمهم ونحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، { إنه من عبادنا المؤمنين } علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلاله محل الإيمان. { ثم أغرقنا الآخرين } أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحا عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك، فحملهما. فمن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. ه. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يمسي وحين يصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء ". الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السلام فقال: { وإن من شيعته... }

الصافات 37:80

يقول الحق جل جلاله: { ولقد نادانا } أي: دعانا { نوح } حين أيس من قومه بقوله: أنى مغلوب فانتصر [القمر: 10] أو: دعانا لننجيه من الغرق، { فلنعم المجيبون } أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف القسم لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع دليل العظمة والكبرياء. { ونجيناه وأهله } ومن آمن به وأولاده المؤمنين { من الكرب العظيم } وهو غم الغرق، أو: إذاية قومه، { وجعلنا ذريته هم الباقين } وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم وحام وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وقد نظمه بعضهم، فقال: العرب والروم وفارس اعلمن أولاد سام فيهم الخير كمن من نسل حام نشا السودان شرقا وغربا، ذا له برهان يأجوج مأجوج من الصقالبة ليافث، لا خير فيهم قاطبه { وتركنا عليه في الآخرين } أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، { سلام على نوح }: مبتدأ وخبر، استئناف، { في العالمين } يعني: أنهم يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأن الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم. { إنا كذلك نجزي المحسنين } فنكرمهم ونحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، { إنه من عبادنا المؤمنين } علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلاله محل الإيمان. { ثم أغرقنا الآخرين } أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحا عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك، فحملهما. فمن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. ه. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يمسي وحين يصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء ". الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السلام فقال: { وإن من شيعته... }

الصافات 37:81

يقول الحق جل جلاله: { ولقد نادانا } أي: دعانا { نوح } حين أيس من قومه بقوله: أنى مغلوب فانتصر [القمر: 10] أو: دعانا لننجيه من الغرق، { فلنعم المجيبون } أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف القسم لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع دليل العظمة والكبرياء. { ونجيناه وأهله } ومن آمن به وأولاده المؤمنين { من الكرب العظيم } وهو غم الغرق، أو: إذاية قومه، { وجعلنا ذريته هم الباقين } وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم وحام وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وقد نظمه بعضهم، فقال: العرب والروم وفارس اعلمن أولاد سام فيهم الخير كمن من نسل حام نشا السودان شرقا وغربا، ذا له برهان يأجوج مأجوج من الصقالبة ليافث، لا خير فيهم قاطبه { وتركنا عليه في الآخرين } أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، { سلام على نوح }: مبتدأ وخبر، استئناف، { في العالمين } يعني: أنهم يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأن الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم. { إنا كذلك نجزي المحسنين } فنكرمهم ونحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، { إنه من عبادنا المؤمنين } علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلاله محل الإيمان. { ثم أغرقنا الآخرين } أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحا عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك، فحملهما. فمن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. ه. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يمسي وحين يصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء ". الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السلام فقال: { وإن من شيعته... }

الصافات 37:82

يقول الحق جل جلاله: { ولقد نادانا } أي: دعانا { نوح } حين أيس من قومه بقوله: أنى مغلوب فانتصر [القمر: 10] أو: دعانا لننجيه من الغرق، { فلنعم المجيبون } أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف القسم لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع دليل العظمة والكبرياء. { ونجيناه وأهله } ومن آمن به وأولاده المؤمنين { من الكرب العظيم } وهو غم الغرق، أو: إذاية قومه، { وجعلنا ذريته هم الباقين } وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم وحام وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وقد نظمه بعضهم، فقال: العرب والروم وفارس اعلمن أولاد سام فيهم الخير كمن من نسل حام نشا السودان شرقا وغربا، ذا له برهان يأجوج مأجوج من الصقالبة ليافث، لا خير فيهم قاطبه { وتركنا عليه في الآخرين } أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، { سلام على نوح }: مبتدأ وخبر، استئناف، { في العالمين } يعني: أنهم يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأن الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم. { إنا كذلك نجزي المحسنين } فنكرمهم ونحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، { إنه من عبادنا المؤمنين } علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلاله محل الإيمان. { ثم أغرقنا الآخرين } أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحا عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك، فحملهما. فمن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. ه. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يمسي وحين يصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء ". الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السلام. ثم ذكر خليله إبراهيم عليه السلام فقال: { وإن من شيعته... }

الصافات 37:83

قلت: أئفكا: مفعول له، و آلهة: مفعول " تريدون " ، أي: أتريدون آلهة من دون الله إفكا وزورا. وإنما قدم المفعول به على الفعل للعناية له، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكون " إفكا " مفعولا به، أي: أتريدون إفكا. ثم فسر الإفك بقوله: { آلهة دون الله } على أنها إفك في نفسها، أو: حالا، أي: أتريدون آلهة من دون الله آفكين. يقول الحق جل جلاله: { وإن من شيعته } أي: نوح { لإبراهيم } أي: ممن شايعه على أصول الدين، وإن اختلفا في الفروع، أو: شايعه على التصلب في دين الله، ومصابرة المكذبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، وما كان بينهما إلا نبيان: هود، وصالح. { إذ جاء ربه }: متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة، أي: وممن شايعه على دينه إبراهيم، حين جاء ربه { بقلب سليم } من الشرك، أو: من آفات القلوب، ومعنى المجيء بقلبه ربه: أنه أخلص لله قلبه، وعلم ذلك منه. { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } " إذ ": بدل من الأولى، أو: ظرف لجاء، أو: لسليم، { أئفكا آلهة دون الله تريدون } أتريدون آلهة تعبدونها من دون الله إفكا وزورا وباطلا. { فما ظنكم برب العالمين } يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره، فما تقولون، وكيف بكم في مقام الخجل الذي بين أيديكم، وإن كنتم اليوم غائبين عنه؟ أو: أي شيء ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة لكونه رب العالمين، حتى تركتم عبادته، وأشركتم معه غيره، أو أمنتم عذابه؟ الإشارة: لا يكون العبد إبراهيميا حنيفيا حتى يقدس قلبه مما سوى الله، ويرفض كل ما عبده الناس من دون الله، كحب الدنيا، والرئاسة، والجاه، فيجيء إلى الله بقلب سليم، أي: مقدس من شوائب الطبيعة، فهو سالم مما دون الله لاتصاله بالله. قال القشيري: " بقلب سليم " لا آفة فيه. ويقال: لديغ من محبة الأغيار، أو: من الحظوظ، أو: من الاختيار والمنازعة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كره الأصنام وما ترتب عليه، فقال: { فنظر نظرة في... }

الصافات 37:84

قلت: أئفكا: مفعول له، و آلهة: مفعول " تريدون " ، أي: أتريدون آلهة من دون الله إفكا وزورا. وإنما قدم المفعول به على الفعل للعناية له، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكون " إفكا " مفعولا به، أي: أتريدون إفكا. ثم فسر الإفك بقوله: { آلهة دون الله } على أنها إفك في نفسها، أو: حالا، أي: أتريدون آلهة من دون الله آفكين. يقول الحق جل جلاله: { وإن من شيعته } أي: نوح { لإبراهيم } أي: ممن شايعه على أصول الدين، وإن اختلفا في الفروع، أو: شايعه على التصلب في دين الله، ومصابرة المكذبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، وما كان بينهما إلا نبيان: هود، وصالح. { إذ جاء ربه }: متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة، أي: وممن شايعه على دينه إبراهيم، حين جاء ربه { بقلب سليم } من الشرك، أو: من آفات القلوب، ومعنى المجيء بقلبه ربه: أنه أخلص لله قلبه، وعلم ذلك منه. { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } " إذ ": بدل من الأولى، أو: ظرف لجاء، أو: لسليم، { أئفكا آلهة دون الله تريدون } أتريدون آلهة تعبدونها من دون الله إفكا وزورا وباطلا. { فما ظنكم برب العالمين } يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره، فما تقولون، وكيف بكم في مقام الخجل الذي بين أيديكم، وإن كنتم اليوم غائبين عنه؟ أو: أي شيء ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة لكونه رب العالمين، حتى تركتم عبادته، وأشركتم معه غيره، أو أمنتم عذابه؟ الإشارة: لا يكون العبد إبراهيميا حنيفيا حتى يقدس قلبه مما سوى الله، ويرفض كل ما عبده الناس من دون الله، كحب الدنيا، والرئاسة، والجاه، فيجيء إلى الله بقلب سليم، أي: مقدس من شوائب الطبيعة، فهو سالم مما دون الله لاتصاله بالله. قال القشيري: " بقلب سليم " لا آفة فيه. ويقال: لديغ من محبة الأغيار، أو: من الحظوظ، أو: من الاختيار والمنازعة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كره الأصنام وما ترتب عليه، فقال: { فنظر نظرة في... }

الصافات 37:85

قلت: أئفكا: مفعول له، و آلهة: مفعول " تريدون " ، أي: أتريدون آلهة من دون الله إفكا وزورا. وإنما قدم المفعول به على الفعل للعناية له، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكون " إفكا " مفعولا به، أي: أتريدون إفكا. ثم فسر الإفك بقوله: { آلهة دون الله } على أنها إفك في نفسها، أو: حالا، أي: أتريدون آلهة من دون الله آفكين. يقول الحق جل جلاله: { وإن من شيعته } أي: نوح { لإبراهيم } أي: ممن شايعه على أصول الدين، وإن اختلفا في الفروع، أو: شايعه على التصلب في دين الله، ومصابرة المكذبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، وما كان بينهما إلا نبيان: هود، وصالح. { إذ جاء ربه }: متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة، أي: وممن شايعه على دينه إبراهيم، حين جاء ربه { بقلب سليم } من الشرك، أو: من آفات القلوب، ومعنى المجيء بقلبه ربه: أنه أخلص لله قلبه، وعلم ذلك منه. { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } " إذ ": بدل من الأولى، أو: ظرف لجاء، أو: لسليم، { أئفكا آلهة دون الله تريدون } أتريدون آلهة تعبدونها من دون الله إفكا وزورا وباطلا. { فما ظنكم برب العالمين } يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره، فما تقولون، وكيف بكم في مقام الخجل الذي بين أيديكم، وإن كنتم اليوم غائبين عنه؟ أو: أي شيء ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة لكونه رب العالمين، حتى تركتم عبادته، وأشركتم معه غيره، أو أمنتم عذابه؟ الإشارة: لا يكون العبد إبراهيميا حنيفيا حتى يقدس قلبه مما سوى الله، ويرفض كل ما عبده الناس من دون الله، كحب الدنيا، والرئاسة، والجاه، فيجيء إلى الله بقلب سليم، أي: مقدس من شوائب الطبيعة، فهو سالم مما دون الله لاتصاله بالله. قال القشيري: " بقلب سليم " لا آفة فيه. ويقال: لديغ من محبة الأغيار، أو: من الحظوظ، أو: من الاختيار والمنازعة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كره الأصنام وما ترتب عليه، فقال: { فنظر نظرة في... }

الصافات 37:86

قلت: أئفكا: مفعول له، و آلهة: مفعول " تريدون " ، أي: أتريدون آلهة من دون الله إفكا وزورا. وإنما قدم المفعول به على الفعل للعناية له، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكون " إفكا " مفعولا به، أي: أتريدون إفكا. ثم فسر الإفك بقوله: { آلهة دون الله } على أنها إفك في نفسها، أو: حالا، أي: أتريدون آلهة من دون الله آفكين. يقول الحق جل جلاله: { وإن من شيعته } أي: نوح { لإبراهيم } أي: ممن شايعه على أصول الدين، وإن اختلفا في الفروع، أو: شايعه على التصلب في دين الله، ومصابرة المكذبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، وما كان بينهما إلا نبيان: هود، وصالح. { إذ جاء ربه }: متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة، أي: وممن شايعه على دينه إبراهيم، حين جاء ربه { بقلب سليم } من الشرك، أو: من آفات القلوب، ومعنى المجيء بقلبه ربه: أنه أخلص لله قلبه، وعلم ذلك منه. { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } " إذ ": بدل من الأولى، أو: ظرف لجاء، أو: لسليم، { أئفكا آلهة دون الله تريدون } أتريدون آلهة تعبدونها من دون الله إفكا وزورا وباطلا. { فما ظنكم برب العالمين } يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره، فما تقولون، وكيف بكم في مقام الخجل الذي بين أيديكم، وإن كنتم اليوم غائبين عنه؟ أو: أي شيء ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة لكونه رب العالمين، حتى تركتم عبادته، وأشركتم معه غيره، أو أمنتم عذابه؟ الإشارة: لا يكون العبد إبراهيميا حنيفيا حتى يقدس قلبه مما سوى الله، ويرفض كل ما عبده الناس من دون الله، كحب الدنيا، والرئاسة، والجاه، فيجيء إلى الله بقلب سليم، أي: مقدس من شوائب الطبيعة، فهو سالم مما دون الله لاتصاله بالله. قال القشيري: " بقلب سليم " لا آفة فيه. ويقال: لديغ من محبة الأغيار، أو: من الحظوظ، أو: من الاختيار والمنازعة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كره الأصنام وما ترتب عليه، فقال: { فنظر نظرة في... }

الصافات 37:87

قلت: أئفكا: مفعول له، و آلهة: مفعول " تريدون " ، أي: أتريدون آلهة من دون الله إفكا وزورا. وإنما قدم المفعول به على الفعل للعناية له، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكون " إفكا " مفعولا به، أي: أتريدون إفكا. ثم فسر الإفك بقوله: { آلهة دون الله } على أنها إفك في نفسها، أو: حالا، أي: أتريدون آلهة من دون الله آفكين. يقول الحق جل جلاله: { وإن من شيعته } أي: نوح { لإبراهيم } أي: ممن شايعه على أصول الدين، وإن اختلفا في الفروع، أو: شايعه على التصلب في دين الله، ومصابرة المكذبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، وما كان بينهما إلا نبيان: هود، وصالح. { إذ جاء ربه }: متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة، أي: وممن شايعه على دينه إبراهيم، حين جاء ربه { بقلب سليم } من الشرك، أو: من آفات القلوب، ومعنى المجيء بقلبه ربه: أنه أخلص لله قلبه، وعلم ذلك منه. { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } " إذ ": بدل من الأولى، أو: ظرف لجاء، أو: لسليم، { أئفكا آلهة دون الله تريدون } أتريدون آلهة تعبدونها من دون الله إفكا وزورا وباطلا. { فما ظنكم برب العالمين } يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره، فما تقولون، وكيف بكم في مقام الخجل الذي بين أيديكم، وإن كنتم اليوم غائبين عنه؟ أو: أي شيء ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة لكونه رب العالمين، حتى تركتم عبادته، وأشركتم معه غيره، أو أمنتم عذابه؟ الإشارة: لا يكون العبد إبراهيميا حنيفيا حتى يقدس قلبه مما سوى الله، ويرفض كل ما عبده الناس من دون الله، كحب الدنيا، والرئاسة، والجاه، فيجيء إلى الله بقلب سليم، أي: مقدس من شوائب الطبيعة، فهو سالم مما دون الله لاتصاله بالله. قال القشيري: " بقلب سليم " لا آفة فيه. ويقال: لديغ من محبة الأغيار، أو: من الحظوظ، أو: من الاختيار والمنازعة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كره الأصنام وما ترتب عليه، فقال: { فنظر نظرة في... }

الصافات 37:88

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:89

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:90

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:91

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:92

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:93

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:94

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:95

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:96

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:97

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:98

يقول الحق جل جلاله: { فنظر } إبراهيم { نظرة في النجوم } وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلفه. وكانوا يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سقم من نظر إليه، فاعتل عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قدموا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: { إني سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرض. والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: من في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيم بشيء من الكذب، وإنما عرض. وأيضا: إنما كان لمصلحة، وقد أبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه قوله: { إني سقيم } ، وقوله: { فعله كبيرهم } [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: هي أختي ". قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أشتكي رجلي. { فتولوا عنه مدبرين } أعرضوا عنه مولين الأدبار، { فراغ إلى آلهتهم } فمال إليها سرا، وكانت اثنين وسبعين صنما من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، في عنقه ياقوتتان، { فقال } لها، استهزاء: { ألا تأكلون } من الطعام الذي وضع عندكم، { ما لكم لا تنطقون }؟ والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب من يعقل. { فراغ عليهم } فمال إليهم سرا، فضربهم { ضربا باليمين } أي: ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]. { فأقبلوا إليه } إلى إبراهيم { يزفون }: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه: من فعل هذا بئالهتنآ [الأنبياء: 59] فأجابوه على سبيل التعريض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60]، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ فأجابهم بقوله: { قال أتعبدون ما تنحتون }: ما تنجزونه بأيديكم من الأصنام؟ { والله خلقكم وما تعملون } أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام: أو: " ما " مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلم تعبدون غيره؟!. { قالوا ابنوا له } أي: لأجله { بنيانا } من الحجر، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، { فألقوه في الجحيم } في النار الشديدة، وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطبا، وأضرموه نارا، { فأرادوا به كيدا } بإلقائه في النار، { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالما، فعلاهم بالحجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل: هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين [الأنبياء:70]. الإشارة: كل عبد مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تركن إليه نفسه من حظ، أو هوى، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، وأي قوة معك؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا. ه. ولا بأس أن يتعلل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله ثم ذكر هجرة إبراهيم وما امتحن به، فقال: { وقال إني ذاهب إلى ربي... }.

الصافات 37:99

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:100

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:101

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:102

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:103

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:104

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:105

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:106

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:107

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:108

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:109

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }