Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الصافات 37:110 – ص 38:37

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. الصافات 37:110
  2. الصافات 37:111
  3. الصافات 37:112
  4. الصافات 37:113
  5. الصافات 37:114
  6. الصافات 37:115
  7. الصافات 37:116
  8. الصافات 37:117
  9. الصافات 37:118
  10. الصافات 37:119
  11. الصافات 37:120
  12. الصافات 37:121
  13. الصافات 37:122
  14. الصافات 37:123
  15. الصافات 37:124
  16. الصافات 37:125
  17. الصافات 37:126
  18. الصافات 37:127
  19. الصافات 37:128
  20. الصافات 37:129
  21. الصافات 37:130
  22. الصافات 37:131
  23. الصافات 37:132
  24. الصافات 37:133
  25. الصافات 37:134
  26. الصافات 37:135
  27. الصافات 37:136
  28. الصافات 37:137
  29. الصافات 37:138
  30. الصافات 37:139
  31. الصافات 37:140
  32. الصافات 37:141
  33. الصافات 37:142
  34. الصافات 37:143
  35. الصافات 37:144
  36. الصافات 37:145
  37. الصافات 37:146
  38. الصافات 37:147
  39. الصافات 37:148
  40. الصافات 37:149
  41. الصافات 37:150
  42. الصافات 37:151
  43. الصافات 37:152
  44. الصافات 37:153
  45. الصافات 37:154
  46. الصافات 37:155
  47. الصافات 37:156
  48. الصافات 37:157
  49. الصافات 37:158
  50. الصافات 37:159
  51. الصافات 37:160
  52. الصافات 37:161
  53. الصافات 37:162
  54. الصافات 37:163
  55. الصافات 37:164
  56. الصافات 37:165
  57. الصافات 37:166
  58. الصافات 37:167
  59. الصافات 37:168
  60. الصافات 37:169
  61. الصافات 37:170
  62. الصافات 37:171
  63. الصافات 37:172
  64. الصافات 37:173
  65. الصافات 37:174
  66. الصافات 37:175
  67. الصافات 37:176
  68. الصافات 37:177
  69. الصافات 37:178
  70. الصافات 37:179
  71. الصافات 37:180
  72. الصافات 37:181
  73. الصافات 37:182
  74. ص 38:1
  75. ص 38:2
  76. ص 38:3
  77. ص 38:4
  78. ص 38:5
  79. ص 38:6
  80. ص 38:7
  81. ص 38:8
  82. ص 38:9
  83. ص 38:10
  84. ص 38:11
  85. ص 38:12
  86. ص 38:13
  87. ص 38:14
  88. ص 38:15
  89. ص 38:16
  90. ص 38:17
  91. ص 38:18
  92. ص 38:19
  93. ص 38:20
  94. ص 38:21
  95. ص 38:22
  96. ص 38:23
  97. ص 38:24
  98. ص 38:25
  99. ص 38:26
  100. ص 38:27
  101. ص 38:28
  102. ص 38:29
  103. ص 38:30
  104. ص 38:31
  105. ص 38:32
  106. ص 38:33
  107. ص 38:34
  108. ص 38:35
  109. ص 38:36
  110. ص 38:37

الصافات 37:110

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:111

قلت: " معه ": يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدم عليهم عموله، إلا أن يقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق جل جلاله: { وقال } إبراهيم: { إني ذاهب إلى ربي } إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة أو: إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربي، { سيهدين } أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث عبر بما يقتضي الرجاء. ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. { فبشرناه بغلام حليم } انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليما، وأي حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: ستجدنى إن شآء الله من الصابرين [الصافات: 102]، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه لمعزة وجوده. { فلما بلغ معه السعي } أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحد الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك } أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك. ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم ير أنه يذبحه في النوم، ولكنه أمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: { افعل ما تؤمر }. وقيل: رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق. ه. وإنما لم يقل: " رأيت " لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر. واختلف من المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقامس بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال. ه. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: { فبشرناه بغلام } فتعين أنه إسحاق إذ هو المبشر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن. وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله. وبما روي أن نبينا عليه الصلاة والسلام سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: " يوسف صديق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله " وفي الجامع الصغير: " الذبيح إسحاق " رواه الدارقطني عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة. وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضا، وغيرهم. واحتجوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله عليه السلام: " أنا ابن الذبيحين " فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشرا، فلما سهل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. ه. وقد يجاب بأن البشارة أولا كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعدما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يطلق عليه أبا، كقوله تعالى: نعبد إلهك وإله ءابآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] وكان عما له، وتقدم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه. ولما قال له: { إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر } به { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } على الذبح. روي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: { يا بني إني أرى في المنام... } الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نعم العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم عليه السلام ثم جعل يقبله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. { فلما أسلما } أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. { وتله للجبين } صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. روي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى. وجواب " لما " محذوف، أي: فلما أسلما رحما وسعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: وتله والواو: زائدة. وقال الكسائي: الجواب: وناديناه والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سلما. وقدر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله ما لا يوصف. ه. { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، { إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لما خولهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، روي أنه لما أمر السكين فلم تقطع، تعجب. فنودي: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. { إن هذا لهوا البلاء المبين } الاختبار البين، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. { وفديناه بذبح عظيم }: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أولادهم. روي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سنة في الرمي. وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سنة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل، فإنه عليه السلام كان مأمورا بالذبح، لقوله: { افعل ما تؤمر } ولم يحصل. ه. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: ولما بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه عليه السلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصر، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: { صدقت الرؤيا } وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعا، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر. ه. وقيل: إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جميع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره. { وتركنا عليه في الآخرين } أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، { سلام على إبراهيم } سبق بيانه في نوح { كذلك نجزي المحسنين } لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. { إنه من عبادنا المؤمنين } فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عظم الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، وذهاب زوجه للجبار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلا للرحمن. وأيضا: الحق غيور، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليه شيئا سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه صلى الله عليه وسلم في عائشة صديقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يقال في القصة: أنه رآه راكبا على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظهر الفداء. وقيل له: كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمر أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح، فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أعاتب، فيقول: أمشدود اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب قيل: إن الولد كان أشد بلاء، لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم يتعود منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأت الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إن الله ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مضي وقت المحنة، لئلا يبطل معنى الابتلاء، وهو توجع القلب بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [يسند عيون التهدي إلى الحال]. وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في الإفك، وأيوب عليه السلام، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. ه. ملخصا. ثم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا... }

الصافات 37:112

قلت: " نبيا ": حال مقدرة من " إسحاق " ، ولا بد من تقدير مضاف محذوف، أي: وبشرناه بوجود إسحاق نبيا، أي: بأن يوجد مقدرا نبوته، فالعامل في الحال: الوجود، لا فعل البشارة، قاله الكواشي وغيره. يقول الحق جل جلاله: { وبشرناه } أي: إبراهيم { بإسحاق } بعد امتحانه، { نبيا } أي: يكون نبيا. قال قتادة: بشره بنبوة إسحاق بعدما امتحنه بذبحه. قالوا: ولا يجوز أن يبشر بنبوته وذبحه معا لأن الامتحان لا يصح مع كونه عالما بأن سيكون نبيا. ه. قلت: لا يبعد أن يبشر بهما معا قبل المحنة لأن العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد لاتساع علمه، فإن الوعد قد يكون متوقفا على شروط، قد لا يلم العبد بها، وراجع ما تقدم عند قوله: حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا [يوسف: 110] بالتخفيف، وعند قوله: وزلزلوا زلزالا شديدا [الأحزاب: 11]. ثم قال قتادة: وهذه حجة لمن يقول: إن الذبيح كان إسحاق. ومن قال: كان إسماعيل الذبيح، قال: بشر إبراهيم بولد يكون نبيا بعد القصة، لطاعته. ه. وذكر ابن عطية عن مالك أنه نزع بهذه الآية لكون الذبيح إسماعيل، انظر بقية كلامه. وتقدم الجواب عنه، فإن الأولى بولادته، وهو بنبوته. انظر الحاشية. وقوله: { من الصالحين }: حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء لأن كل نبي لا بد أن يكون من الصالحين. قال ابن عرفة: الصلاح مقول بالتشكيك، فصلاح النبي أعظم من صلاح الولي. ه. { وباركنا عليه وعلى إسحاق } أي: أفضنا عليهم بركات الدين والدنيا. وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحاق بأن أخرجنا من صلبه ألف نبي، أولهم يعقوب، وآخرهم عيسى عليه السلام. { ومن ذريتهما } أي: إبراهيم وإسحاق، وليس لإسماعيل هنا ذكر، استغناء بذكر ترجمته في مريم، { محسن } مؤمن { وظالم لنفسه } بالكفر { مبين } ظاهر كفره. أو: محسن إلى الناس، وظالم لنفسه بتعديه عن حدود الشرع. وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر، فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر. وهذا مما يهدم الطبائع والعناصر، وتنبيه على أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله، ويعاقب بما كسبت يداه، لا على ما وجد من أصله وفرعه. قال النسفي. قلت: قاعدة " العرق نزاع " أغلبية، لا كلية. وقيل: هو حديث، فيكون أغلبيا، فالشجرة الطيبة لا تنبت في الغالب إلا الطيب، إلا لعارض، والشجرة الخبيثة لا تجد فروعها إلا مثلها، إلا لسبب. والله تعالى أعلم. الإشارة: البشارة الكبيرة، والبركة العظيمة، إنما تقع في الغالب بعد الامتحان الكبير، فبقدر الامتحان يكون الامتكان، وبقدر الجلال يعظم الجمال، فإن مع العسر يسرا. فبقدر الفقر يعقب الغنى، وبقدر الذل يعقب العز، إن كان في جانب الله. وقس على هذا... ويسري ذلك في العقب، كما هو مشاهد في عقب الصالحين والعلماء والأولياء. وبالله التوفيق. ثم ذكر موسى وهارون، فقال: { ولقد مننا على... }

الصافات 37:113

قلت: " نبيا ": حال مقدرة من " إسحاق " ، ولا بد من تقدير مضاف محذوف، أي: وبشرناه بوجود إسحاق نبيا، أي: بأن يوجد مقدرا نبوته، فالعامل في الحال: الوجود، لا فعل البشارة، قاله الكواشي وغيره. يقول الحق جل جلاله: { وبشرناه } أي: إبراهيم { بإسحاق } بعد امتحانه، { نبيا } أي: يكون نبيا. قال قتادة: بشره بنبوة إسحاق بعدما امتحنه بذبحه. قالوا: ولا يجوز أن يبشر بنبوته وذبحه معا لأن الامتحان لا يصح مع كونه عالما بأن سيكون نبيا. ه. قلت: لا يبعد أن يبشر بهما معا قبل المحنة لأن العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد لاتساع علمه، فإن الوعد قد يكون متوقفا على شروط، قد لا يلم العبد بها، وراجع ما تقدم عند قوله: حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا [يوسف: 110] بالتخفيف، وعند قوله: وزلزلوا زلزالا شديدا [الأحزاب: 11]. ثم قال قتادة: وهذه حجة لمن يقول: إن الذبيح كان إسحاق. ومن قال: كان إسماعيل الذبيح، قال: بشر إبراهيم بولد يكون نبيا بعد القصة، لطاعته. ه. وذكر ابن عطية عن مالك أنه نزع بهذه الآية لكون الذبيح إسماعيل، انظر بقية كلامه. وتقدم الجواب عنه، فإن الأولى بولادته، وهو بنبوته. انظر الحاشية. وقوله: { من الصالحين }: حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء لأن كل نبي لا بد أن يكون من الصالحين. قال ابن عرفة: الصلاح مقول بالتشكيك، فصلاح النبي أعظم من صلاح الولي. ه. { وباركنا عليه وعلى إسحاق } أي: أفضنا عليهم بركات الدين والدنيا. وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحاق بأن أخرجنا من صلبه ألف نبي، أولهم يعقوب، وآخرهم عيسى عليه السلام. { ومن ذريتهما } أي: إبراهيم وإسحاق، وليس لإسماعيل هنا ذكر، استغناء بذكر ترجمته في مريم، { محسن } مؤمن { وظالم لنفسه } بالكفر { مبين } ظاهر كفره. أو: محسن إلى الناس، وظالم لنفسه بتعديه عن حدود الشرع. وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر، فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر. وهذا مما يهدم الطبائع والعناصر، وتنبيه على أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله، ويعاقب بما كسبت يداه، لا على ما وجد من أصله وفرعه. قال النسفي. قلت: قاعدة " العرق نزاع " أغلبية، لا كلية. وقيل: هو حديث، فيكون أغلبيا، فالشجرة الطيبة لا تنبت في الغالب إلا الطيب، إلا لعارض، والشجرة الخبيثة لا تجد فروعها إلا مثلها، إلا لسبب. والله تعالى أعلم. الإشارة: البشارة الكبيرة، والبركة العظيمة، إنما تقع في الغالب بعد الامتحان الكبير، فبقدر الامتحان يكون الامتكان، وبقدر الجلال يعظم الجمال، فإن مع العسر يسرا. فبقدر الفقر يعقب الغنى، وبقدر الذل يعقب العز، إن كان في جانب الله. وقس على هذا... ويسري ذلك في العقب، كما هو مشاهد في عقب الصالحين والعلماء والأولياء. وبالله التوفيق. ثم ذكر موسى وهارون، فقال: { ولقد مننا على... }

الصافات 37:114

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، { ونجيناهما وقومهما } بني إسرائيل، { من الكرب العظيم } من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. { ونصرناهم } أي: موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه. { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه، وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الحق، { وتركنا عليهما } الثناء الحسن { في الآخرين } الآتين بعدهما، { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } الكاملين في الإيمان. الإشارة: من عليهما أولا بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: { وإن إلياس لمن... }

الصافات 37:115

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، { ونجيناهما وقومهما } بني إسرائيل، { من الكرب العظيم } من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. { ونصرناهم } أي: موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه. { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه، وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الحق، { وتركنا عليهما } الثناء الحسن { في الآخرين } الآتين بعدهما، { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } الكاملين في الإيمان. الإشارة: من عليهما أولا بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: { وإن إلياس لمن... }

الصافات 37:116

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، { ونجيناهما وقومهما } بني إسرائيل، { من الكرب العظيم } من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. { ونصرناهم } أي: موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه. { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه، وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الحق، { وتركنا عليهما } الثناء الحسن { في الآخرين } الآتين بعدهما، { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } الكاملين في الإيمان. الإشارة: من عليهما أولا بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: { وإن إلياس لمن... }

الصافات 37:117

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، { ونجيناهما وقومهما } بني إسرائيل، { من الكرب العظيم } من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. { ونصرناهم } أي: موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه. { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه، وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الحق، { وتركنا عليهما } الثناء الحسن { في الآخرين } الآتين بعدهما، { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } الكاملين في الإيمان. الإشارة: من عليهما أولا بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: { وإن إلياس لمن... }

الصافات 37:118

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، { ونجيناهما وقومهما } بني إسرائيل، { من الكرب العظيم } من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. { ونصرناهم } أي: موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه. { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه، وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الحق، { وتركنا عليهما } الثناء الحسن { في الآخرين } الآتين بعدهما، { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } الكاملين في الإيمان. الإشارة: من عليهما أولا بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: { وإن إلياس لمن... }

الصافات 37:119

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، { ونجيناهما وقومهما } بني إسرائيل، { من الكرب العظيم } من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. { ونصرناهم } أي: موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه. { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه، وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الحق، { وتركنا عليهما } الثناء الحسن { في الآخرين } الآتين بعدهما، { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } الكاملين في الإيمان. الإشارة: من عليهما أولا بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: { وإن إلياس لمن... }

الصافات 37:120

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، { ونجيناهما وقومهما } بني إسرائيل، { من الكرب العظيم } من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. { ونصرناهم } أي: موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه. { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه، وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الحق، { وتركنا عليهما } الثناء الحسن { في الآخرين } الآتين بعدهما، { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } الكاملين في الإيمان. الإشارة: من عليهما أولا بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: { وإن إلياس لمن... }

الصافات 37:121

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، { ونجيناهما وقومهما } بني إسرائيل، { من الكرب العظيم } من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. { ونصرناهم } أي: موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه. { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه، وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الحق، { وتركنا عليهما } الثناء الحسن { في الآخرين } الآتين بعدهما، { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } الكاملين في الإيمان. الإشارة: من عليهما أولا بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: { وإن إلياس لمن... }

الصافات 37:122

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مننا } أنعمنا { على موسى وهارون } بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، { ونجيناهما وقومهما } بني إسرائيل، { من الكرب العظيم } من الغرق والدهش الذي أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. { ونصرناهم } أي: موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم الغالبين } على فرعون وقومه. { وآتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه، وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم } صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الحق، { وتركنا عليهما } الثناء الحسن { في الآخرين } الآتين بعدهما، { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } الكاملين في الإيمان. الإشارة: من عليهما أولا بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم من عليهم بالفرج ولانصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: { وإن إلياس لمن... }

الصافات 37:123

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:124

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:125

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:126

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:127

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:128

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:129

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:130

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:131

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:132

يقول الحق جل جلاله: { وإن إلياس لمن المرسلين } وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون عليه السلام. قال ابن إسحاق: لما قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح الشام بعد موسى عليه السلام وملكها، بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: " وإن إدريس " موضع إلياس. والمشهور ما تقدم. { إذ قال لقومه ألا تتقون } ألا تخافون الله، { أتدعون بعلا } هو علم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يسمى " بك " فركب معه وصار " بعلبك " ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح عليه السلام، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وكل بالفيافي، والخضر وكل بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وألبس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. فهو ما زال حيا. فالله أعلم. ثم قال: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: تعبدون صنما جامدا، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. { الله ربكم ورب آبائكم الأولين } من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. { فكذبوه } فسلط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوا، فقتل ملكهم وكثيرا منهم، { فإنهم لمحضرون } في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. { إلا عباد الله المخلصين } من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، { وتركنا عليه } الثناء الحسن { في الآخرين }. { سلام على آل ياسين } وهو إلياس وأهله لأن " ياسين " اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخبيبون والمهلبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلب وأتباعه. { إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين } وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يؤخذ من قوله تعالى: { ألا تتقون أتدعون بعلا... } الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: { سلام على آل ياسين } في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره. ثم ذكر لوطا، عليه السلام، فقال: { وإن لوطا لمن... }

الصافات 37:133

يقول الحق جل جلاله: { وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه } أي: واذكر إذ نجيناه { وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين } في الباقين لأنها شاركتهم في عصيانهم، فحق عليهم العذاب مثل ما حق عليهم، { ثم دمرنا }: أهلكنا { الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } داخلين في الصباح، { وبالليل } أي: ومساء، أو: نهارا وليلا. ولعل مدينتهم الخالية كانت قريب منزل ينزل به المسافر، فيغدو منه ذهابا، ويروح إليه إيابا، فكانت قريش تنزل به وتروح عنه في متاجرهم إلى الشام، فتشاهد آثارهم الدارسة، وديارهم الخالية. { أفلا تعقلون } أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام، كما ختم قصص من قبلهما لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة، أو: تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع، من أولي العزم. الإشارة: ينبغي لمن له عقل إذا مر بآثار من سلف قبله أن يعتبر، وينظر كيف كان حالهم، وإلى ما صار إليه مآلهم، وأنه عن قريب لا حق بهم، فيتأهب للسفر، ويتزود للمسير. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة يونس، فقال: { وإن يونس لمن... }

الصافات 37:134

يقول الحق جل جلاله: { وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه } أي: واذكر إذ نجيناه { وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين } في الباقين لأنها شاركتهم في عصيانهم، فحق عليهم العذاب مثل ما حق عليهم، { ثم دمرنا }: أهلكنا { الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } داخلين في الصباح، { وبالليل } أي: ومساء، أو: نهارا وليلا. ولعل مدينتهم الخالية كانت قريب منزل ينزل به المسافر، فيغدو منه ذهابا، ويروح إليه إيابا، فكانت قريش تنزل به وتروح عنه في متاجرهم إلى الشام، فتشاهد آثارهم الدارسة، وديارهم الخالية. { أفلا تعقلون } أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام، كما ختم قصص من قبلهما لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة، أو: تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع، من أولي العزم. الإشارة: ينبغي لمن له عقل إذا مر بآثار من سلف قبله أن يعتبر، وينظر كيف كان حالهم، وإلى ما صار إليه مآلهم، وأنه عن قريب لا حق بهم، فيتأهب للسفر، ويتزود للمسير. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة يونس، فقال: { وإن يونس لمن... }

الصافات 37:135

يقول الحق جل جلاله: { وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه } أي: واذكر إذ نجيناه { وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين } في الباقين لأنها شاركتهم في عصيانهم، فحق عليهم العذاب مثل ما حق عليهم، { ثم دمرنا }: أهلكنا { الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } داخلين في الصباح، { وبالليل } أي: ومساء، أو: نهارا وليلا. ولعل مدينتهم الخالية كانت قريب منزل ينزل به المسافر، فيغدو منه ذهابا، ويروح إليه إيابا، فكانت قريش تنزل به وتروح عنه في متاجرهم إلى الشام، فتشاهد آثارهم الدارسة، وديارهم الخالية. { أفلا تعقلون } أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام، كما ختم قصص من قبلهما لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة، أو: تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع، من أولي العزم. الإشارة: ينبغي لمن له عقل إذا مر بآثار من سلف قبله أن يعتبر، وينظر كيف كان حالهم، وإلى ما صار إليه مآلهم، وأنه عن قريب لا حق بهم، فيتأهب للسفر، ويتزود للمسير. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة يونس، فقال: { وإن يونس لمن... }

الصافات 37:136

يقول الحق جل جلاله: { وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه } أي: واذكر إذ نجيناه { وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين } في الباقين لأنها شاركتهم في عصيانهم، فحق عليهم العذاب مثل ما حق عليهم، { ثم دمرنا }: أهلكنا { الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } داخلين في الصباح، { وبالليل } أي: ومساء، أو: نهارا وليلا. ولعل مدينتهم الخالية كانت قريب منزل ينزل به المسافر، فيغدو منه ذهابا، ويروح إليه إيابا، فكانت قريش تنزل به وتروح عنه في متاجرهم إلى الشام، فتشاهد آثارهم الدارسة، وديارهم الخالية. { أفلا تعقلون } أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام، كما ختم قصص من قبلهما لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة، أو: تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع، من أولي العزم. الإشارة: ينبغي لمن له عقل إذا مر بآثار من سلف قبله أن يعتبر، وينظر كيف كان حالهم، وإلى ما صار إليه مآلهم، وأنه عن قريب لا حق بهم، فيتأهب للسفر، ويتزود للمسير. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة يونس، فقال: { وإن يونس لمن... }

الصافات 37:137

يقول الحق جل جلاله: { وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه } أي: واذكر إذ نجيناه { وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين } في الباقين لأنها شاركتهم في عصيانهم، فحق عليهم العذاب مثل ما حق عليهم، { ثم دمرنا }: أهلكنا { الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } داخلين في الصباح، { وبالليل } أي: ومساء، أو: نهارا وليلا. ولعل مدينتهم الخالية كانت قريب منزل ينزل به المسافر، فيغدو منه ذهابا، ويروح إليه إيابا، فكانت قريش تنزل به وتروح عنه في متاجرهم إلى الشام، فتشاهد آثارهم الدارسة، وديارهم الخالية. { أفلا تعقلون } أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام، كما ختم قصص من قبلهما لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة، أو: تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع، من أولي العزم. الإشارة: ينبغي لمن له عقل إذا مر بآثار من سلف قبله أن يعتبر، وينظر كيف كان حالهم، وإلى ما صار إليه مآلهم، وأنه عن قريب لا حق بهم، فيتأهب للسفر، ويتزود للمسير. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة يونس، فقال: { وإن يونس لمن... }

الصافات 37:138

يقول الحق جل جلاله: { وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه } أي: واذكر إذ نجيناه { وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين } في الباقين لأنها شاركتهم في عصيانهم، فحق عليهم العذاب مثل ما حق عليهم، { ثم دمرنا }: أهلكنا { الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } داخلين في الصباح، { وبالليل } أي: ومساء، أو: نهارا وليلا. ولعل مدينتهم الخالية كانت قريب منزل ينزل به المسافر، فيغدو منه ذهابا، ويروح إليه إيابا، فكانت قريش تنزل به وتروح عنه في متاجرهم إلى الشام، فتشاهد آثارهم الدارسة، وديارهم الخالية. { أفلا تعقلون } أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام، كما ختم قصص من قبلهما لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة، أو: تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع، من أولي العزم. الإشارة: ينبغي لمن له عقل إذا مر بآثار من سلف قبله أن يعتبر، وينظر كيف كان حالهم، وإلى ما صار إليه مآلهم، وأنه عن قريب لا حق بهم، فيتأهب للسفر، ويتزود للمسير. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة يونس، فقال: { وإن يونس لمن... }

الصافات 37:139

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:140

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:141

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:142

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:143

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:144

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:145

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:146

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:147

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:148

يقول الحق جل جلاله: { وإن يونس } بن متى، اسم أبيه، { لمن المرسلين } إلى أهل نينوى، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: { إذ أبق } هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا، مجازا. روي أنه لما فر عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذاب انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى { إلى الفلك المشحون }: المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في البحر، فذلك قوله: { فساهم }: فقارعهم مرة أو ثلاثا بالسهام، { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة. { فالتقمه الحوت } فابتلعه { وهو مليم } داخل في الملامة، أو: آت بما يلام عليه، ولم يلم فإذا ليم كان مألوما. { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين كثيرا بالتسبيح، أو: من القائلين: لآ إله إلآ أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا فنجاه، وإن العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عثر وجد متكئا. ه. أي: فلولا طاعته قبل ذلك { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } قيل: للبث حيا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوما. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولفظه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إلى الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجنا وفي رواية: مسجدا ولم أجعله لك طعاما. ه. { فنبذناه } أي: أخرجناه { بالعراء } بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، { وهو سقيم } عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. { وأنبتنا عليه شجرة } أي: أنبتناها فوقه، مظلة كما يطنب البيت على الإنسان، { من يقطين } الجمهور على أنه القرع، وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتا، وامتدادا، وارتفاعا، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع، فقال: " أجل، هي شجرة أخي يونس " قلت: ولعلها النوع الذي يسمى اليوم " السلاوي " لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. روي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين. ه. { وأرسلناه إلى مائة ألف } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام، فتكون " قد " مضمرة، { أو يزيدون } في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: " أو " بمعنى " بل ". وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال ابن جبير: سبعين ألفا. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوما آخرين. { فآمنوا } به، وبما أرسل به، { فمتعناهم } بالحياة { إلى حين } منتهى أجلهم، ولم يعاجلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلت قدمه، وانحط عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعف عن التوجه، بل يلزم قرع الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه: ونحن على العهد نرعى الذمام وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود وأعرضت أفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا بيان المحب من المبغض وفيها أيضا: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قل لفلان الفخار: يكسر من الجرات ما عمله في هذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب، إنه تعنى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره يكسرها كلها؟ فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة، وأردت أن أهلك مائة ألف من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم. ه. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا. ثم وبخ قريشا على قولهم: الملائكة بنات الله، بعد ذكر هلاك من كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: { فاستفتهم ألربك البنات... }

الصافات 37:149

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:150

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:151

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:152

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:153

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:154

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:155

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:156

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:157

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:158

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:159

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:160

يقول الحق جل جلاله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } أمر رسوله أولا في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافا للزمخشري. { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في قولهم. { أصطفى البنات على البنين } الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، { ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، { أفلا تذكرون } فتعرفوا أنه منزه عن ذلك؟ { أم لكم سلطان مبين } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ { فأتوا بكتابكم } الذي أنزل عليكم، { إن كنتم صادقين } في دعواكم. { وجعلوا بينه } بين الله { وبين الجنة } الملائكة لاستتارهم، { نسبا } وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ { سبحان الله عما يصفون } نزه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من " المحضرين " ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و " سبحان الله ": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو " يصفون " ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحط رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بين أن الأمور كلها بيد الله هداية وإضلالا، فقال: { فإنكم... }

الصافات 37:161

يقول الحق جل جلاله: { فإنكم } أيها المشركون { وما تعبدون } أي: ومعبوديكم، { ما أنتم } وهم جميعا { عليه } على الله { بفاتنين } بمضلين، { إلا من هو صال الجحيم } أي: إلا من سبق في علمه أنه من أهل النار. والمعنى: إنكم لستم تضلون أحدا إلا أصحاب النار، الذين سبق في علمه أنهم يستوجبون بأعمالهم النار، يقال: فتن فلان على فلان امرأته: أفسدها عليه. وقال الحسن: فإنكم أيها القائلون لهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام، ما أنتم على عبادة الأصنام بمضلين أحدا، إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة. ه. وفيها دليل للقدر، بل هي صريحة فيه. و " ما " في " أنتم ": نافية، و " من ": في موضع النصب بفاتنين، على الاستثناء المفرغ، أي: لا تفتنون إلا الذي هو صالي الجحيم. وحذفت الياء في الرسم اكتفاء بالكسرة، وقرأ الحسن: " صال الجحيم " بضم اللام ووجهه: أنه جمع، فحذفت النون للإضافة. والواو لالتقاء الساكنين، و " من " مفرد في اللفظ، جمع في المعنى، فحمل " هو " على اللفظ، و " الصالون " على المعنى. الإشارة: ويقال لمن يرغب الناس في الدنيا، ويدلهم على جمعها، والاعتناء بها، بمقاله، أو بحاله، ويزهد في طريق التجريد والانقطاع إلى الله: ما أنتم بقانتين أحدا عن طريق الله، إلا من سبق أنه يصلى نار القطيعة والبعد، وأما من سبقت له سابقة الوصال، فلا يصده عن الله فاتن ولا ضال. ولا شك أن من يدل الناس على الدنيا فقد غشهم. قال القطب ابن مشيش رضي الله عنه: من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتبعك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فالدلالة على الدنيا من شأن المغرورين، ورين الفاتنين، والدلالة على العمل من شأن الصالحين، الواقفين مع ظاهر الشريعة وعملها، والدلالة على الله من شأن العارفين أهل التربية، يدلون على الله، بسقي الكؤوس، ونسيان النفوس، ودخول حضرة القدوس، من باب الكرم والجود. وبالله التوفيق. ثم رجع إلى الكلام على الملائكة، فقال: { وما منآ إلا له... }

الصافات 37:162

يقول الحق جل جلاله: { فإنكم } أيها المشركون { وما تعبدون } أي: ومعبوديكم، { ما أنتم } وهم جميعا { عليه } على الله { بفاتنين } بمضلين، { إلا من هو صال الجحيم } أي: إلا من سبق في علمه أنه من أهل النار. والمعنى: إنكم لستم تضلون أحدا إلا أصحاب النار، الذين سبق في علمه أنهم يستوجبون بأعمالهم النار، يقال: فتن فلان على فلان امرأته: أفسدها عليه. وقال الحسن: فإنكم أيها القائلون لهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام، ما أنتم على عبادة الأصنام بمضلين أحدا، إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة. ه. وفيها دليل للقدر، بل هي صريحة فيه. و " ما " في " أنتم ": نافية، و " من ": في موضع النصب بفاتنين، على الاستثناء المفرغ، أي: لا تفتنون إلا الذي هو صالي الجحيم. وحذفت الياء في الرسم اكتفاء بالكسرة، وقرأ الحسن: " صال الجحيم " بضم اللام ووجهه: أنه جمع، فحذفت النون للإضافة. والواو لالتقاء الساكنين، و " من " مفرد في اللفظ، جمع في المعنى، فحمل " هو " على اللفظ، و " الصالون " على المعنى. الإشارة: ويقال لمن يرغب الناس في الدنيا، ويدلهم على جمعها، والاعتناء بها، بمقاله، أو بحاله، ويزهد في طريق التجريد والانقطاع إلى الله: ما أنتم بقانتين أحدا عن طريق الله، إلا من سبق أنه يصلى نار القطيعة والبعد، وأما من سبقت له سابقة الوصال، فلا يصده عن الله فاتن ولا ضال. ولا شك أن من يدل الناس على الدنيا فقد غشهم. قال القطب ابن مشيش رضي الله عنه: من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتبعك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فالدلالة على الدنيا من شأن المغرورين، ورين الفاتنين، والدلالة على العمل من شأن الصالحين، الواقفين مع ظاهر الشريعة وعملها، والدلالة على الله من شأن العارفين أهل التربية، يدلون على الله، بسقي الكؤوس، ونسيان النفوس، ودخول حضرة القدوس، من باب الكرم والجود. وبالله التوفيق. ثم رجع إلى الكلام على الملائكة، فقال: { وما منآ إلا له... }

الصافات 37:163

يقول الحق جل جلاله: { فإنكم } أيها المشركون { وما تعبدون } أي: ومعبوديكم، { ما أنتم } وهم جميعا { عليه } على الله { بفاتنين } بمضلين، { إلا من هو صال الجحيم } أي: إلا من سبق في علمه أنه من أهل النار. والمعنى: إنكم لستم تضلون أحدا إلا أصحاب النار، الذين سبق في علمه أنهم يستوجبون بأعمالهم النار، يقال: فتن فلان على فلان امرأته: أفسدها عليه. وقال الحسن: فإنكم أيها القائلون لهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام، ما أنتم على عبادة الأصنام بمضلين أحدا، إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة. ه. وفيها دليل للقدر، بل هي صريحة فيه. و " ما " في " أنتم ": نافية، و " من ": في موضع النصب بفاتنين، على الاستثناء المفرغ، أي: لا تفتنون إلا الذي هو صالي الجحيم. وحذفت الياء في الرسم اكتفاء بالكسرة، وقرأ الحسن: " صال الجحيم " بضم اللام ووجهه: أنه جمع، فحذفت النون للإضافة. والواو لالتقاء الساكنين، و " من " مفرد في اللفظ، جمع في المعنى، فحمل " هو " على اللفظ، و " الصالون " على المعنى. الإشارة: ويقال لمن يرغب الناس في الدنيا، ويدلهم على جمعها، والاعتناء بها، بمقاله، أو بحاله، ويزهد في طريق التجريد والانقطاع إلى الله: ما أنتم بقانتين أحدا عن طريق الله، إلا من سبق أنه يصلى نار القطيعة والبعد، وأما من سبقت له سابقة الوصال، فلا يصده عن الله فاتن ولا ضال. ولا شك أن من يدل الناس على الدنيا فقد غشهم. قال القطب ابن مشيش رضي الله عنه: من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتبعك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فالدلالة على الدنيا من شأن المغرورين، ورين الفاتنين، والدلالة على العمل من شأن الصالحين، الواقفين مع ظاهر الشريعة وعملها، والدلالة على الله من شأن العارفين أهل التربية، يدلون على الله، بسقي الكؤوس، ونسيان النفوس، ودخول حضرة القدوس، من باب الكرم والجود. وبالله التوفيق. ثم رجع إلى الكلام على الملائكة، فقال: { وما منآ إلا له... }

الصافات 37:164

يقول الحق جل جلاله حاكيا عن الملائكة: { وما منا إلا له مقام معلوم } في العبادة، أو: في السموات، نعبد الله فيه، أو: في القرب والمشاهدة لا نتعداه، ولا نترقى عنه إلى غيره، ففيه تنبيه واعتراف بافتقارهم لمخصصهم، القاضي بحدوثهم. وفي اعترافهم بذلك رد على زعم الكفار أنهم بنات الله، أو شركاء له، وتنزيه له تعالى عن ذلك لتنافي العبودية والطاعة التي اعترفوا بها، والبنوة المدعاة من الكفار، تعالى الله عن قولهم. وهذا يجري أيضا في القول الذي يقول: إنهم قسم ثالث، ليسوا بجوهر ولا عرض، كالأرواح، فإنها على تقدير كونها كذلك، جائزة لقبولها التفاوت في العلوم والمعارف وغير ذلك. وذلك قاض بالافتقار، والتخصيص لما هي عليه، المستلزم للحدوث. قاله في الحاشية. قلت: القول بأن الملائكة مجردات عن المادة، هو قول الفلاسفة، ونحى إليه الغزالي. وهو مناقض للقرآن والحديث لأن كونهم صفوفا قائمين، أو ساجدين، أو سائرين، يقتضي تشكيلهم وتحييزهم، فيستلزم المادة إلا أنها نورانية لطيفة، وكذلك الأرواح، على ما في الأحاديث، فإنها متحيزة على أشكال لطيفة. والله أعلم. { وإنا لنحن الصافون } نصف أقدامنا في الصلاة، أو: نصف حول العرش داعين للمؤمنين، { وإنا لنحن المسبحون } المنزهون الله تعالى عما نسبته إليه الكفرة، من الولد، وغير ذلك من الأباطيل المذكورة. أو: المشتغلون بالتسبيح على الدوام، أو: المصلون. ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله: { سبحان الله... } الخ، من كلام الملائكة، حتى يتصل بذكرهم، كأنه قيل: ولقد علم الملائكة أن المشركين محضرون للعذاب على افترائهم على الله فيما نسبوا إليه، وقالوا: سبحان الله، ونزهوه عن ذلك، واستثنوا عباد الله المخلصين، وبرؤوهم من ذلك، وقالوا للكفرة: وإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدا من خلقه، وتضلوه، إلا من كان من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب العزة! وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه، لكل منا مقام من الطاعة معلوم، لا يستطيع أن يزل عنه، ونحن نصف أقدامنا لعبادته، مسبحين بحمده، كما يجب على العباد. ولعل قولهم: { وما منا إلا له مقام معلوم } إشارة إلى تفاوتهم في درجات القرب ومقامات اليقين: وقولهم: { وإنا لنحن الصافون } إشارة إلى تفاوتهم في الطاعات والعبادات، وهم طبقات: منهم هائمون مستغرقون في الشهود، ومنهم مستغرقون في مقام الهيبة والمراقبة، ومنهم مستغرقون في الخدمة والعبادة. والله تعالى أعلم. الإشارة: مادة الآدمي أكمل من مادة الملائكة، فإذا اتصل العبد بشيخ كامل، واعتنى بتصفية روحه وسره، طوى نوره الوجود بأسره، ولا يزال يترقى في معاريج أسرار التوحيد والتفريد، وتتوارد عليه الكشوفات، والعلوم، والأسرار، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية، أبدا سرمدا، بخلاف الملائكة، فإن لكل واحد مقاما معلوما لا يتعداه، كما أخبر تعالى: وسر ذلك: أن الآدمي فيه بشرية وروحانية، فكلما جاهد نفسه، وغاب عن حس بشريته ترقى في معارج التوحيد، والمجاهدة لا تنقطع عنه في هذه الدار لأنها دار أكدار، فلا ينقطع عنه الترقي في المشاهدة، وأما في تلك الدار فالترقي فيها من باب الكرم والإثابة على ما هنا. وأيضا: البشرية للآدمي بمنزلة الطلاء للمرآة، فالمرآة بلا طلاء لا ترى فيها صور الأشياء، كذلك الملائكة لا بشرية لهم، فلا تنكشف لهم الحقائق كما تنكشف للآدمي، ولو كشف لهم ما انكشف له لذابوا. والله أعلم. قال في القوت: لعمري إن سائر الملائكة لا ينتقلون في المقامات كترقي المؤمنين، إنما لكل مقام معلوم، لا ينتقل إلى غيره، إلا أنهم يمدون من ذلك بمدد لا نهاية له إلى يوم القيامة، بأكثر ما يزاد جملة البشر ه. قلت: ومعنى كلامه: أن الملائكة يمدون في مقامهم بقوة لا يستطيعها البشر، فمن كان في مقام الهيبة دام فيها، وقوي عليها، ومن كان في مقام الخدمة، دام عليها، وقوي عليها، قوة لا يطيقها البشر، ولا يترقى عنها، بخلاف الآدمي، فليست فيه هذه القوة، لكنه يترقى من مقام إلى مقام، ويترقى في المعارف على الدوام. ثم بسط صاحب القوت في ذلك الكلام في فضائل الصلاة، وأنها جامعة لما فرق على الملائكة من الأعمال والأذكار. قال: وبذلك فضل المؤمنون الملائكة، وكذلك فضل الموقن أيضا في مقامات اليقين من أعمال القلوب، على الأملاك بالتنقيل بأن جمعت فيه، ورفع فيها مقامات، والملائكة لا ينقلون، بل كل ملك موقوف في مقام معلوم، لا ينقل منه إلى غيره، وإنما له المزيد من المقام الواحد على قدر قواه، وجمع ذلك كله في قلب المؤمن، ونقل فيه مقامات. وكان له من كل مقام مشاهدات. ه. قال المحشي الفاسي: وفيه نظر، مع تلقيهم ضروب الوحي الجامع للمقامات، فكيف لا يمكنهم تحققا بها على اختلافها؟ ولو كان كما قال لكان كل ملك إنما يتلقى من الوحي ما يناسبه، ويختص بمقامه، وليس الأمر كذلك ضرورة. ه. قلت: وفي نظره نظر إذ لا يلزم من تلقيهم للوحي على أنواعه أن يترقوا به إذ ليس الترقي هو مجرد العلم، بل الترقي إنما هو أذواق ووجدان، وكشوفات بعد حصول العلم. وقد يتحقق العلم بالمقام، ولا ينتقل عنه إلى غيره، بل قد يعلمه ولا يذوقه، كما هو محقق عند أهل الفن، ثم قال: والحق ما نبه عليه البيضاوي. وكلام القوت ينظر لقول الحكماء، ومثله كلام الإحياء. ه. ونص البيضاوي في قوله تعالى: قال يا آدم أنبئهم بأسمآئهم [البقرة: 33] الآية: إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، والحكماء منعوا ذلك في الطبقات العليا منهم، وحملوا عليه قوله تعالى: { وما منا إلا له مقام معلوم }. ه. قلت: ترقي الآدمي هو انتقاله من مقام إلى مقام، حتى يكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات، ثم لا يزال يترقى في الأذواق والكشوفات، يتجدد له في كل يوم وساعة، حلاوة وكشف لم تكن عنده قبل، بخلاف الملائكة، فإنما يترقى كل واحد في كشف أسرار مقامه، ويجد حلاوة في ذلك المقام لم تكن له قبل، ولا ينتقل عنه، فمن كان من أهل الخدمة زاده الله حلاوتها. ومن كان من أهل المراقبة فكذلك. ومن كان من أهل المشاهدة غلب عليه السكر والهذيان، ولا يزيد على ذلك. وهم الطبقة العليا، فلا منافاة بين كلام القوت وكلام البيضاوي لأن الترقي إنما هو في الأذواق والكشوفات، لا في العلوم الغيبية، ولا في الكمالات النفسية. فتأمله. وقال القشيري: الملائكة لا يتخطون مقامهم، ولا يتعدون حدهم، والأولياء مقامهم مستور بينهم وبين الله، لا يطلع عليه أحد، والأنبياء عليهم السلام لهم مقام مشهور، مؤيد بالمعجزات الظاهرة لأنهم للخلق قدوة، فأمرهم على الشهرة، وأمر الأولياء على الستر. ه. وقال الورتجبي: أهل البدايات في مقام الطاعات، والأوساط في المقامات، مثل التوكل والرضا، والتسليم، والمحبون في مقامات الحالات والمواجيد، وأهل المعرفة في مقام المعارف، ينقلون في المشاهدة من مقام إلى مقام، ولا يبقى المقام للموحدين، فإنهم مستغرقون في بحار الذات والصفات، فليس لهم مقام معلوم لأن هناك لم يكن لهم وقوف، حيث أفناهم قهر الجلال، والجمال، والعظمة، والكبرياء، عن كل ما وجدوا من الحق، فيبقوا في الفناء إلى الأبد. ه. قلت: ما ذكر من الطبقات الثلاث هم العباد، والزهاد، وأرباب الأحوال، وحالهم كحال الملائكة، يمدون في مقامهم، ولا ينتقلون منه، فلكل واحدة قوة في مقامه، لا يطبقها العارف، لكنه فاتهم بالترقي عنهم إلى مشاهدة الذات، والترقي فيها أبدا. ثم قال الورتجبي في قوله تعالى: { وإنا لنحن الصافون }: لما كانوا من أهل المقامات المعلومات افتخروا بمقاماتهم في العبودية، من الصلاة والتسبيح، ولو كانوا من أهل الحقائق في المعرفة لفنوا عن ملاحظة طاعتهم، من استيلاء أنوار مشاهدة الحق عليهم، والاستغراق في بحار من الألوهية. قال بعضهم: لذلك قطعت بهم مقاماتهم عن ملاحظة المنة، حتى قالوا بالتفخيم: { إنا لنحن } فلما أظهروا سرائرهم عارضوا إظهار أفعال الربوبية بالمعارضة، حتى قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30]. ه. وكلامنا كله مع عامة الملائكة، وأما المقربون فالأدب الإمساك عنهم صلوات الله وسلامه عليهم. ثم رجع إلى الكلام مع قريش، فقال: { وإن كانوا... }

الصافات 37:165

يقول الحق جل جلاله حاكيا عن الملائكة: { وما منا إلا له مقام معلوم } في العبادة، أو: في السموات، نعبد الله فيه، أو: في القرب والمشاهدة لا نتعداه، ولا نترقى عنه إلى غيره، ففيه تنبيه واعتراف بافتقارهم لمخصصهم، القاضي بحدوثهم. وفي اعترافهم بذلك رد على زعم الكفار أنهم بنات الله، أو شركاء له، وتنزيه له تعالى عن ذلك لتنافي العبودية والطاعة التي اعترفوا بها، والبنوة المدعاة من الكفار، تعالى الله عن قولهم. وهذا يجري أيضا في القول الذي يقول: إنهم قسم ثالث، ليسوا بجوهر ولا عرض، كالأرواح، فإنها على تقدير كونها كذلك، جائزة لقبولها التفاوت في العلوم والمعارف وغير ذلك. وذلك قاض بالافتقار، والتخصيص لما هي عليه، المستلزم للحدوث. قاله في الحاشية. قلت: القول بأن الملائكة مجردات عن المادة، هو قول الفلاسفة، ونحى إليه الغزالي. وهو مناقض للقرآن والحديث لأن كونهم صفوفا قائمين، أو ساجدين، أو سائرين، يقتضي تشكيلهم وتحييزهم، فيستلزم المادة إلا أنها نورانية لطيفة، وكذلك الأرواح، على ما في الأحاديث، فإنها متحيزة على أشكال لطيفة. والله أعلم. { وإنا لنحن الصافون } نصف أقدامنا في الصلاة، أو: نصف حول العرش داعين للمؤمنين، { وإنا لنحن المسبحون } المنزهون الله تعالى عما نسبته إليه الكفرة، من الولد، وغير ذلك من الأباطيل المذكورة. أو: المشتغلون بالتسبيح على الدوام، أو: المصلون. ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله: { سبحان الله... } الخ، من كلام الملائكة، حتى يتصل بذكرهم، كأنه قيل: ولقد علم الملائكة أن المشركين محضرون للعذاب على افترائهم على الله فيما نسبوا إليه، وقالوا: سبحان الله، ونزهوه عن ذلك، واستثنوا عباد الله المخلصين، وبرؤوهم من ذلك، وقالوا للكفرة: وإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدا من خلقه، وتضلوه، إلا من كان من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب العزة! وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه، لكل منا مقام من الطاعة معلوم، لا يستطيع أن يزل عنه، ونحن نصف أقدامنا لعبادته، مسبحين بحمده، كما يجب على العباد. ولعل قولهم: { وما منا إلا له مقام معلوم } إشارة إلى تفاوتهم في درجات القرب ومقامات اليقين: وقولهم: { وإنا لنحن الصافون } إشارة إلى تفاوتهم في الطاعات والعبادات، وهم طبقات: منهم هائمون مستغرقون في الشهود، ومنهم مستغرقون في مقام الهيبة والمراقبة، ومنهم مستغرقون في الخدمة والعبادة. والله تعالى أعلم. الإشارة: مادة الآدمي أكمل من مادة الملائكة، فإذا اتصل العبد بشيخ كامل، واعتنى بتصفية روحه وسره، طوى نوره الوجود بأسره، ولا يزال يترقى في معاريج أسرار التوحيد والتفريد، وتتوارد عليه الكشوفات، والعلوم، والأسرار، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية، أبدا سرمدا، بخلاف الملائكة، فإن لكل واحد مقاما معلوما لا يتعداه، كما أخبر تعالى: وسر ذلك: أن الآدمي فيه بشرية وروحانية، فكلما جاهد نفسه، وغاب عن حس بشريته ترقى في معارج التوحيد، والمجاهدة لا تنقطع عنه في هذه الدار لأنها دار أكدار، فلا ينقطع عنه الترقي في المشاهدة، وأما في تلك الدار فالترقي فيها من باب الكرم والإثابة على ما هنا. وأيضا: البشرية للآدمي بمنزلة الطلاء للمرآة، فالمرآة بلا طلاء لا ترى فيها صور الأشياء، كذلك الملائكة لا بشرية لهم، فلا تنكشف لهم الحقائق كما تنكشف للآدمي، ولو كشف لهم ما انكشف له لذابوا. والله أعلم. قال في القوت: لعمري إن سائر الملائكة لا ينتقلون في المقامات كترقي المؤمنين، إنما لكل مقام معلوم، لا ينتقل إلى غيره، إلا أنهم يمدون من ذلك بمدد لا نهاية له إلى يوم القيامة، بأكثر ما يزاد جملة البشر ه. قلت: ومعنى كلامه: أن الملائكة يمدون في مقامهم بقوة لا يستطيعها البشر، فمن كان في مقام الهيبة دام فيها، وقوي عليها، ومن كان في مقام الخدمة، دام عليها، وقوي عليها، قوة لا يطيقها البشر، ولا يترقى عنها، بخلاف الآدمي، فليست فيه هذه القوة، لكنه يترقى من مقام إلى مقام، ويترقى في المعارف على الدوام. ثم بسط صاحب القوت في ذلك الكلام في فضائل الصلاة، وأنها جامعة لما فرق على الملائكة من الأعمال والأذكار. قال: وبذلك فضل المؤمنون الملائكة، وكذلك فضل الموقن أيضا في مقامات اليقين من أعمال القلوب، على الأملاك بالتنقيل بأن جمعت فيه، ورفع فيها مقامات، والملائكة لا ينقلون، بل كل ملك موقوف في مقام معلوم، لا ينقل منه إلى غيره، وإنما له المزيد من المقام الواحد على قدر قواه، وجمع ذلك كله في قلب المؤمن، ونقل فيه مقامات. وكان له من كل مقام مشاهدات. ه. قال المحشي الفاسي: وفيه نظر، مع تلقيهم ضروب الوحي الجامع للمقامات، فكيف لا يمكنهم تحققا بها على اختلافها؟ ولو كان كما قال لكان كل ملك إنما يتلقى من الوحي ما يناسبه، ويختص بمقامه، وليس الأمر كذلك ضرورة. ه. قلت: وفي نظره نظر إذ لا يلزم من تلقيهم للوحي على أنواعه أن يترقوا به إذ ليس الترقي هو مجرد العلم، بل الترقي إنما هو أذواق ووجدان، وكشوفات بعد حصول العلم. وقد يتحقق العلم بالمقام، ولا ينتقل عنه إلى غيره، بل قد يعلمه ولا يذوقه، كما هو محقق عند أهل الفن، ثم قال: والحق ما نبه عليه البيضاوي. وكلام القوت ينظر لقول الحكماء، ومثله كلام الإحياء. ه. ونص البيضاوي في قوله تعالى: قال يا آدم أنبئهم بأسمآئهم [البقرة: 33] الآية: إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، والحكماء منعوا ذلك في الطبقات العليا منهم، وحملوا عليه قوله تعالى: { وما منا إلا له مقام معلوم }. ه. قلت: ترقي الآدمي هو انتقاله من مقام إلى مقام، حتى يكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات، ثم لا يزال يترقى في الأذواق والكشوفات، يتجدد له في كل يوم وساعة، حلاوة وكشف لم تكن عنده قبل، بخلاف الملائكة، فإنما يترقى كل واحد في كشف أسرار مقامه، ويجد حلاوة في ذلك المقام لم تكن له قبل، ولا ينتقل عنه، فمن كان من أهل الخدمة زاده الله حلاوتها. ومن كان من أهل المراقبة فكذلك. ومن كان من أهل المشاهدة غلب عليه السكر والهذيان، ولا يزيد على ذلك. وهم الطبقة العليا، فلا منافاة بين كلام القوت وكلام البيضاوي لأن الترقي إنما هو في الأذواق والكشوفات، لا في العلوم الغيبية، ولا في الكمالات النفسية. فتأمله. وقال القشيري: الملائكة لا يتخطون مقامهم، ولا يتعدون حدهم، والأولياء مقامهم مستور بينهم وبين الله، لا يطلع عليه أحد، والأنبياء عليهم السلام لهم مقام مشهور، مؤيد بالمعجزات الظاهرة لأنهم للخلق قدوة، فأمرهم على الشهرة، وأمر الأولياء على الستر. ه. وقال الورتجبي: أهل البدايات في مقام الطاعات، والأوساط في المقامات، مثل التوكل والرضا، والتسليم، والمحبون في مقامات الحالات والمواجيد، وأهل المعرفة في مقام المعارف، ينقلون في المشاهدة من مقام إلى مقام، ولا يبقى المقام للموحدين، فإنهم مستغرقون في بحار الذات والصفات، فليس لهم مقام معلوم لأن هناك لم يكن لهم وقوف، حيث أفناهم قهر الجلال، والجمال، والعظمة، والكبرياء، عن كل ما وجدوا من الحق، فيبقوا في الفناء إلى الأبد. ه. قلت: ما ذكر من الطبقات الثلاث هم العباد، والزهاد، وأرباب الأحوال، وحالهم كحال الملائكة، يمدون في مقامهم، ولا ينتقلون منه، فلكل واحدة قوة في مقامه، لا يطبقها العارف، لكنه فاتهم بالترقي عنهم إلى مشاهدة الذات، والترقي فيها أبدا. ثم قال الورتجبي في قوله تعالى: { وإنا لنحن الصافون }: لما كانوا من أهل المقامات المعلومات افتخروا بمقاماتهم في العبودية، من الصلاة والتسبيح، ولو كانوا من أهل الحقائق في المعرفة لفنوا عن ملاحظة طاعتهم، من استيلاء أنوار مشاهدة الحق عليهم، والاستغراق في بحار من الألوهية. قال بعضهم: لذلك قطعت بهم مقاماتهم عن ملاحظة المنة، حتى قالوا بالتفخيم: { إنا لنحن } فلما أظهروا سرائرهم عارضوا إظهار أفعال الربوبية بالمعارضة، حتى قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30]. ه. وكلامنا كله مع عامة الملائكة، وأما المقربون فالأدب الإمساك عنهم صلوات الله وسلامه عليهم. ثم رجع إلى الكلام مع قريش، فقال: { وإن كانوا... }

الصافات 37:166

يقول الحق جل جلاله حاكيا عن الملائكة: { وما منا إلا له مقام معلوم } في العبادة، أو: في السموات، نعبد الله فيه، أو: في القرب والمشاهدة لا نتعداه، ولا نترقى عنه إلى غيره، ففيه تنبيه واعتراف بافتقارهم لمخصصهم، القاضي بحدوثهم. وفي اعترافهم بذلك رد على زعم الكفار أنهم بنات الله، أو شركاء له، وتنزيه له تعالى عن ذلك لتنافي العبودية والطاعة التي اعترفوا بها، والبنوة المدعاة من الكفار، تعالى الله عن قولهم. وهذا يجري أيضا في القول الذي يقول: إنهم قسم ثالث، ليسوا بجوهر ولا عرض، كالأرواح، فإنها على تقدير كونها كذلك، جائزة لقبولها التفاوت في العلوم والمعارف وغير ذلك. وذلك قاض بالافتقار، والتخصيص لما هي عليه، المستلزم للحدوث. قاله في الحاشية. قلت: القول بأن الملائكة مجردات عن المادة، هو قول الفلاسفة، ونحى إليه الغزالي. وهو مناقض للقرآن والحديث لأن كونهم صفوفا قائمين، أو ساجدين، أو سائرين، يقتضي تشكيلهم وتحييزهم، فيستلزم المادة إلا أنها نورانية لطيفة، وكذلك الأرواح، على ما في الأحاديث، فإنها متحيزة على أشكال لطيفة. والله أعلم. { وإنا لنحن الصافون } نصف أقدامنا في الصلاة، أو: نصف حول العرش داعين للمؤمنين، { وإنا لنحن المسبحون } المنزهون الله تعالى عما نسبته إليه الكفرة، من الولد، وغير ذلك من الأباطيل المذكورة. أو: المشتغلون بالتسبيح على الدوام، أو: المصلون. ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله: { سبحان الله... } الخ، من كلام الملائكة، حتى يتصل بذكرهم، كأنه قيل: ولقد علم الملائكة أن المشركين محضرون للعذاب على افترائهم على الله فيما نسبوا إليه، وقالوا: سبحان الله، ونزهوه عن ذلك، واستثنوا عباد الله المخلصين، وبرؤوهم من ذلك، وقالوا للكفرة: وإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدا من خلقه، وتضلوه، إلا من كان من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب العزة! وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه، لكل منا مقام من الطاعة معلوم، لا يستطيع أن يزل عنه، ونحن نصف أقدامنا لعبادته، مسبحين بحمده، كما يجب على العباد. ولعل قولهم: { وما منا إلا له مقام معلوم } إشارة إلى تفاوتهم في درجات القرب ومقامات اليقين: وقولهم: { وإنا لنحن الصافون } إشارة إلى تفاوتهم في الطاعات والعبادات، وهم طبقات: منهم هائمون مستغرقون في الشهود، ومنهم مستغرقون في مقام الهيبة والمراقبة، ومنهم مستغرقون في الخدمة والعبادة. والله تعالى أعلم. الإشارة: مادة الآدمي أكمل من مادة الملائكة، فإذا اتصل العبد بشيخ كامل، واعتنى بتصفية روحه وسره، طوى نوره الوجود بأسره، ولا يزال يترقى في معاريج أسرار التوحيد والتفريد، وتتوارد عليه الكشوفات، والعلوم، والأسرار، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية، أبدا سرمدا، بخلاف الملائكة، فإن لكل واحد مقاما معلوما لا يتعداه، كما أخبر تعالى: وسر ذلك: أن الآدمي فيه بشرية وروحانية، فكلما جاهد نفسه، وغاب عن حس بشريته ترقى في معارج التوحيد، والمجاهدة لا تنقطع عنه في هذه الدار لأنها دار أكدار، فلا ينقطع عنه الترقي في المشاهدة، وأما في تلك الدار فالترقي فيها من باب الكرم والإثابة على ما هنا. وأيضا: البشرية للآدمي بمنزلة الطلاء للمرآة، فالمرآة بلا طلاء لا ترى فيها صور الأشياء، كذلك الملائكة لا بشرية لهم، فلا تنكشف لهم الحقائق كما تنكشف للآدمي، ولو كشف لهم ما انكشف له لذابوا. والله أعلم. قال في القوت: لعمري إن سائر الملائكة لا ينتقلون في المقامات كترقي المؤمنين، إنما لكل مقام معلوم، لا ينتقل إلى غيره، إلا أنهم يمدون من ذلك بمدد لا نهاية له إلى يوم القيامة، بأكثر ما يزاد جملة البشر ه. قلت: ومعنى كلامه: أن الملائكة يمدون في مقامهم بقوة لا يستطيعها البشر، فمن كان في مقام الهيبة دام فيها، وقوي عليها، ومن كان في مقام الخدمة، دام عليها، وقوي عليها، قوة لا يطيقها البشر، ولا يترقى عنها، بخلاف الآدمي، فليست فيه هذه القوة، لكنه يترقى من مقام إلى مقام، ويترقى في المعارف على الدوام. ثم بسط صاحب القوت في ذلك الكلام في فضائل الصلاة، وأنها جامعة لما فرق على الملائكة من الأعمال والأذكار. قال: وبذلك فضل المؤمنون الملائكة، وكذلك فضل الموقن أيضا في مقامات اليقين من أعمال القلوب، على الأملاك بالتنقيل بأن جمعت فيه، ورفع فيها مقامات، والملائكة لا ينقلون، بل كل ملك موقوف في مقام معلوم، لا ينقل منه إلى غيره، وإنما له المزيد من المقام الواحد على قدر قواه، وجمع ذلك كله في قلب المؤمن، ونقل فيه مقامات. وكان له من كل مقام مشاهدات. ه. قال المحشي الفاسي: وفيه نظر، مع تلقيهم ضروب الوحي الجامع للمقامات، فكيف لا يمكنهم تحققا بها على اختلافها؟ ولو كان كما قال لكان كل ملك إنما يتلقى من الوحي ما يناسبه، ويختص بمقامه، وليس الأمر كذلك ضرورة. ه. قلت: وفي نظره نظر إذ لا يلزم من تلقيهم للوحي على أنواعه أن يترقوا به إذ ليس الترقي هو مجرد العلم، بل الترقي إنما هو أذواق ووجدان، وكشوفات بعد حصول العلم. وقد يتحقق العلم بالمقام، ولا ينتقل عنه إلى غيره، بل قد يعلمه ولا يذوقه، كما هو محقق عند أهل الفن، ثم قال: والحق ما نبه عليه البيضاوي. وكلام القوت ينظر لقول الحكماء، ومثله كلام الإحياء. ه. ونص البيضاوي في قوله تعالى: قال يا آدم أنبئهم بأسمآئهم [البقرة: 33] الآية: إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، والحكماء منعوا ذلك في الطبقات العليا منهم، وحملوا عليه قوله تعالى: { وما منا إلا له مقام معلوم }. ه. قلت: ترقي الآدمي هو انتقاله من مقام إلى مقام، حتى يكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات، ثم لا يزال يترقى في الأذواق والكشوفات، يتجدد له في كل يوم وساعة، حلاوة وكشف لم تكن عنده قبل، بخلاف الملائكة، فإنما يترقى كل واحد في كشف أسرار مقامه، ويجد حلاوة في ذلك المقام لم تكن له قبل، ولا ينتقل عنه، فمن كان من أهل الخدمة زاده الله حلاوتها. ومن كان من أهل المراقبة فكذلك. ومن كان من أهل المشاهدة غلب عليه السكر والهذيان، ولا يزيد على ذلك. وهم الطبقة العليا، فلا منافاة بين كلام القوت وكلام البيضاوي لأن الترقي إنما هو في الأذواق والكشوفات، لا في العلوم الغيبية، ولا في الكمالات النفسية. فتأمله. وقال القشيري: الملائكة لا يتخطون مقامهم، ولا يتعدون حدهم، والأولياء مقامهم مستور بينهم وبين الله، لا يطلع عليه أحد، والأنبياء عليهم السلام لهم مقام مشهور، مؤيد بالمعجزات الظاهرة لأنهم للخلق قدوة، فأمرهم على الشهرة، وأمر الأولياء على الستر. ه. وقال الورتجبي: أهل البدايات في مقام الطاعات، والأوساط في المقامات، مثل التوكل والرضا، والتسليم، والمحبون في مقامات الحالات والمواجيد، وأهل المعرفة في مقام المعارف، ينقلون في المشاهدة من مقام إلى مقام، ولا يبقى المقام للموحدين، فإنهم مستغرقون في بحار الذات والصفات، فليس لهم مقام معلوم لأن هناك لم يكن لهم وقوف، حيث أفناهم قهر الجلال، والجمال، والعظمة، والكبرياء، عن كل ما وجدوا من الحق، فيبقوا في الفناء إلى الأبد. ه. قلت: ما ذكر من الطبقات الثلاث هم العباد، والزهاد، وأرباب الأحوال، وحالهم كحال الملائكة، يمدون في مقامهم، ولا ينتقلون منه، فلكل واحدة قوة في مقامه، لا يطبقها العارف، لكنه فاتهم بالترقي عنهم إلى مشاهدة الذات، والترقي فيها أبدا. ثم قال الورتجبي في قوله تعالى: { وإنا لنحن الصافون }: لما كانوا من أهل المقامات المعلومات افتخروا بمقاماتهم في العبودية، من الصلاة والتسبيح، ولو كانوا من أهل الحقائق في المعرفة لفنوا عن ملاحظة طاعتهم، من استيلاء أنوار مشاهدة الحق عليهم، والاستغراق في بحار من الألوهية. قال بعضهم: لذلك قطعت بهم مقاماتهم عن ملاحظة المنة، حتى قالوا بالتفخيم: { إنا لنحن } فلما أظهروا سرائرهم عارضوا إظهار أفعال الربوبية بالمعارضة، حتى قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30]. ه. وكلامنا كله مع عامة الملائكة، وأما المقربون فالأدب الإمساك عنهم صلوات الله وسلامه عليهم. ثم رجع إلى الكلام مع قريش، فقال: { وإن كانوا... }

الصافات 37:167

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:168

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:169

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:170

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:171

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:172

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:173

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:174

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:175

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:176

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:177

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:178

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:179

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:180

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:181

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

الصافات 37:182

يقول الحق جل جلاله: { وإن كانوا } أي: مشركو قريش { ليقولون } قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي: كتابا من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، { لكنا عباد الله المخلصين } أي: لأخلصنا لله، وما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، { فسوف يعلمون } عاقبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام. و " إن " مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكدين للقول، جادين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشر رسوله بالنصر والعز، فقال: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمة هي قوله: { إنهم لهم المنصورون } دون غيرهم، { وإن جندنا لهم الغالبون } وإنما سماها كلمة، وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب قط. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن لم ينتصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه: الظفر والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. { فتول عنهم حتى حين } إلى مدة يسيرة. وهي المدة التي أمهلوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، { وأبصرهم } أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، { فسوف يبصرون } ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و " سوف " للوعيد، لا للتبعيد. ولما نزل: { فسوف يبصرون } قالوا: متى هو؟ فنزل: { أفبعذابنا يستعجلون } قبل وقته؟ { فإذا نزل } العذاب { بساحتهم فساء صباح المنذرين } صباحهم. واللام للجنس لأن " ساء " و " ليس " يقتضيان ذلك. قيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولما كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحا، وإن وقعت في غيره. { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } كرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيدا لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يبصر من صنوف المسرة ويبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاق العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخر: عذاب الآخرة. { سبحان ربك رب العزة } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عز لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وتعز من تشآء [آل عمران: 26] أي: تنزيها له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. { وسلام على المرسلين } عمم الرسل بالسلام بعدما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلا. { والحمد لله رب العالمين } على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعدما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذيبهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلسا من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلس أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير، ومجلس ذكر، إلا ختم الله بهن، كما يختم بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن علي كرم الله وجهه: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون }... الخ. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم ". الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكنا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأنف واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتول عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحل به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: { أفبعذابنا يستعجلون... } الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }.

ص 38:1

يقول الحق جل جلاله: { ص } أي: أيها الصادق المصدوق. وقال القشيري: معناه: مفتاح اسمه الصادق، والصبور، والصمد. أقسم بهذه الأسماء، وبالقرآن { ذي الذكر } أي: ذي الشرف التام، الباقي، المخلد لمن تمسك به، أو ذي الوعظ البليغ لمن اتعظ به، أو ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب. أو: يراد به الجميع. وجواب القسم: محذوف، أي: إنه لكلام معجز، أو: إنه لمن عند الله، أو: إن محمدا لصادق، أو: ما الأمر كما يزعمون، أو: إنك لمن المرسلين [يس: 3] وقيل: إن كل إلا كذب الرسل [ص: 14] أو: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ص: 64] وهو بعيد. { بل الذين كفروا } من قريش { في عزة } تكبر عن الإذعان لذلك، والاعتراف بالحق، { وشقاق } خلاف لله ولرسوله. والإضراب عن كلام محذوف يدل عليه جواب القسم، أي: إن كفرهم ليس عليه برهان، بل هو بسبب العزة، والعداوة، والشقاق، وقصد المخالفة. والتنكير في " عزة وشقاق " للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقرىء " في غرة " أي: في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق. ثم هددهم بقوله: { كم أهلكنا من قبلهم } من قبل قومك { من قرن } من أمة أو جيل، { فنادوا } أي: فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب: { ولات حين مناص } أي: وليس الوقت وقت خلاص ونجاة وفرار، والمعنى: أنهم استغاثوا حين لم ينفعهم ذلك. { ولات } هي " لا " المشبهة ب " ليس " ، زيدت عليها تاء التأنيث، كما زيدت على " رب " ، و " ثم " للتوكيد، وتغير بذلك حكمها، حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد معموليها، إما الاسم أو الخبر، وامتنع بروزهما بنفي الأحيان، وهذا مذهب الخليل وسيبويه، وعند الأخفش أنها النافية للجنس، زيدت عليها الهاء، وخصت بنفي الأحيان. وقال أبو محمد مكي: الوقف عليها عند سيبويه، والفراء وأبي إسحاق، وابن كيسان، بالتاء، وعليه جماعة القراء، وبه أتى خط المصحف. وعند المبرد والكسائي بالهاء، بمنزلة " رب ". اه. الإشارة: افتتح الحق جل جلاله هذه السورة، التي ذكر فيها أكابر أصفيائه، بحرف الصاد، إشارة إلى مادة الصبر، والصدق، والصمدانية، والصفاء إذ بهذه المقامات ارتفع من ارتفع، وبالإخلال بها سقط من سقط. فبالصبر على المجاهدات تتحقق الإمامة والقدوة، وبالصدق في الطلب يقع الظفر بكل مطلب، وبالصمدانية تقع الحرية من رق الأشياء، وبالصفاء تحصل المشاهدة والمكالمة، فكأن الحق تعالى أقسم بهذه الأشياء وبكتابه العزيز إن المتكبرين على أهل الخصوصية ما أنكروا إلا جحودا وعنادا، وتعززا واستكبارا، لا لخلل فيهم، ثم أوعدهم بالهلاك، كما أهلك من قبلهم، فاستغاثوا حين لم ينفعهم الغياث. ثم ذكر تعجبهم من كون المنذر منهم فقال: { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم }.

ص 38:2

يقول الحق جل جلاله: { ص } أي: أيها الصادق المصدوق. وقال القشيري: معناه: مفتاح اسمه الصادق، والصبور، والصمد. أقسم بهذه الأسماء، وبالقرآن { ذي الذكر } أي: ذي الشرف التام، الباقي، المخلد لمن تمسك به، أو ذي الوعظ البليغ لمن اتعظ به، أو ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب. أو: يراد به الجميع. وجواب القسم: محذوف، أي: إنه لكلام معجز، أو: إنه لمن عند الله، أو: إن محمدا لصادق، أو: ما الأمر كما يزعمون، أو: إنك لمن المرسلين [يس: 3] وقيل: إن كل إلا كذب الرسل [ص: 14] أو: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ص: 64] وهو بعيد. { بل الذين كفروا } من قريش { في عزة } تكبر عن الإذعان لذلك، والاعتراف بالحق، { وشقاق } خلاف لله ولرسوله. والإضراب عن كلام محذوف يدل عليه جواب القسم، أي: إن كفرهم ليس عليه برهان، بل هو بسبب العزة، والعداوة، والشقاق، وقصد المخالفة. والتنكير في " عزة وشقاق " للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقرىء " في غرة " أي: في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق. ثم هددهم بقوله: { كم أهلكنا من قبلهم } من قبل قومك { من قرن } من أمة أو جيل، { فنادوا } أي: فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب: { ولات حين مناص } أي: وليس الوقت وقت خلاص ونجاة وفرار، والمعنى: أنهم استغاثوا حين لم ينفعهم ذلك. { ولات } هي " لا " المشبهة ب " ليس " ، زيدت عليها تاء التأنيث، كما زيدت على " رب " ، و " ثم " للتوكيد، وتغير بذلك حكمها، حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد معموليها، إما الاسم أو الخبر، وامتنع بروزهما بنفي الأحيان، وهذا مذهب الخليل وسيبويه، وعند الأخفش أنها النافية للجنس، زيدت عليها الهاء، وخصت بنفي الأحيان. وقال أبو محمد مكي: الوقف عليها عند سيبويه، والفراء وأبي إسحاق، وابن كيسان، بالتاء، وعليه جماعة القراء، وبه أتى خط المصحف. وعند المبرد والكسائي بالهاء، بمنزلة " رب ". اه. الإشارة: افتتح الحق جل جلاله هذه السورة، التي ذكر فيها أكابر أصفيائه، بحرف الصاد، إشارة إلى مادة الصبر، والصدق، والصمدانية، والصفاء إذ بهذه المقامات ارتفع من ارتفع، وبالإخلال بها سقط من سقط. فبالصبر على المجاهدات تتحقق الإمامة والقدوة، وبالصدق في الطلب يقع الظفر بكل مطلب، وبالصمدانية تقع الحرية من رق الأشياء، وبالصفاء تحصل المشاهدة والمكالمة، فكأن الحق تعالى أقسم بهذه الأشياء وبكتابه العزيز إن المتكبرين على أهل الخصوصية ما أنكروا إلا جحودا وعنادا، وتعززا واستكبارا، لا لخلل فيهم، ثم أوعدهم بالهلاك، كما أهلك من قبلهم، فاستغاثوا حين لم ينفعهم الغياث. ثم ذكر تعجبهم من كون المنذر منهم فقال: { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم }.

ص 38:3

يقول الحق جل جلاله: { ص } أي: أيها الصادق المصدوق. وقال القشيري: معناه: مفتاح اسمه الصادق، والصبور، والصمد. أقسم بهذه الأسماء، وبالقرآن { ذي الذكر } أي: ذي الشرف التام، الباقي، المخلد لمن تمسك به، أو ذي الوعظ البليغ لمن اتعظ به، أو ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب. أو: يراد به الجميع. وجواب القسم: محذوف، أي: إنه لكلام معجز، أو: إنه لمن عند الله، أو: إن محمدا لصادق، أو: ما الأمر كما يزعمون، أو: إنك لمن المرسلين [يس: 3] وقيل: إن كل إلا كذب الرسل [ص: 14] أو: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ص: 64] وهو بعيد. { بل الذين كفروا } من قريش { في عزة } تكبر عن الإذعان لذلك، والاعتراف بالحق، { وشقاق } خلاف لله ولرسوله. والإضراب عن كلام محذوف يدل عليه جواب القسم، أي: إن كفرهم ليس عليه برهان، بل هو بسبب العزة، والعداوة، والشقاق، وقصد المخالفة. والتنكير في " عزة وشقاق " للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقرىء " في غرة " أي: في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق. ثم هددهم بقوله: { كم أهلكنا من قبلهم } من قبل قومك { من قرن } من أمة أو جيل، { فنادوا } أي: فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب: { ولات حين مناص } أي: وليس الوقت وقت خلاص ونجاة وفرار، والمعنى: أنهم استغاثوا حين لم ينفعهم ذلك. { ولات } هي " لا " المشبهة ب " ليس " ، زيدت عليها تاء التأنيث، كما زيدت على " رب " ، و " ثم " للتوكيد، وتغير بذلك حكمها، حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد معموليها، إما الاسم أو الخبر، وامتنع بروزهما بنفي الأحيان، وهذا مذهب الخليل وسيبويه، وعند الأخفش أنها النافية للجنس، زيدت عليها الهاء، وخصت بنفي الأحيان. وقال أبو محمد مكي: الوقف عليها عند سيبويه، والفراء وأبي إسحاق، وابن كيسان، بالتاء، وعليه جماعة القراء، وبه أتى خط المصحف. وعند المبرد والكسائي بالهاء، بمنزلة " رب ". اه. الإشارة: افتتح الحق جل جلاله هذه السورة، التي ذكر فيها أكابر أصفيائه، بحرف الصاد، إشارة إلى مادة الصبر، والصدق، والصمدانية، والصفاء إذ بهذه المقامات ارتفع من ارتفع، وبالإخلال بها سقط من سقط. فبالصبر على المجاهدات تتحقق الإمامة والقدوة، وبالصدق في الطلب يقع الظفر بكل مطلب، وبالصمدانية تقع الحرية من رق الأشياء، وبالصفاء تحصل المشاهدة والمكالمة، فكأن الحق تعالى أقسم بهذه الأشياء وبكتابه العزيز إن المتكبرين على أهل الخصوصية ما أنكروا إلا جحودا وعنادا، وتعززا واستكبارا، لا لخلل فيهم، ثم أوعدهم بالهلاك، كما أهلك من قبلهم، فاستغاثوا حين لم ينفعهم الغياث. ثم ذكر تعجبهم من كون المنذر منهم فقال: { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم }.

ص 38:4

{ وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا... } يقول الحق جل جلاله: { وعجبوا } أي: كفار قريش من { أن جاءهم منذر منهم } رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلها لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. ه. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } أي: ساحر فيما يظهر من المعجزات، كذاب فيما يدعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر، وغضبا عليهم، وإشعارا بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. ثم قالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، { إن هذا لشيء عجاب } بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابرا عن كابر، فإن مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا من العجاب، بل محالا، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوق شيء من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل من جر ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. ه. روي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء أي: الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال عليه الصلاة والسلام : " ماذا يسألونني؟ " فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال عليه الصلاة والسلام : " أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم " ، قالوا: نعم، وعشرا. قال: " قولوا: لا إله إلا الله " فقاموا، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. قيل: العجب: ما له مثل، والعجاب: لا مثل له. { وانطلق الملأ منهم } أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلبه عليه الصلاة والسلام في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين { أن امشوا } و " أن ": تفسيرية لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة، وإشاعتهم للكفر. ه. أي: امشوا { واصبروا على آلهتكم } أي: اثبتوا على عبادتها، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. ه. { إن هذا لشيء يراد } أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته عليه الصلاة والسلام لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحملوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إن هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم، لشيء يتمنى، ويريده كل أحد. فتأمل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله من أمر التوحيد { في الملة الآخرة } أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من " هذا " ، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة. ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. { إن هذا } أي: ما هذا { إلا اختلاق } أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. { أأنزل عليه الذكر } أي: القرآن { من بيننا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسدا من عند أنفسهم، كقولهم: لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله. قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثر الله في العالم، ومشكاة تجليه، حتى قالوا مثل ما قالوا: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس، وروح الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورة من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقت الأفلاك. ه. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل من يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدل عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته من يشاء، ويبعث في كل زمان من يجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رد عليهم بقوله: {... بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. يقول الحق جل جلاله: { بل هم } أي: كفار قريش { في شك من ذكري } من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، { بل لما يذوقوا عذاب } أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب، فحينئذ يصدقون، ولات حين تصديق. { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب، المصيب بها من يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل من يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكموا في التدابير الإلهية، التي اختص بها رب العزة والكبرياء؟ ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: { فليرتقوا في الأسباب } ، وهو جواب عن شرط مقدر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرف في قسمة الرحمة، فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء، حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله، فينزلون الوحي إلى من يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم بقوله: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مهزوم } مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون. و " جند ": خبر، أو مبتدأ، و " مهزوم ": خبره و " ما ": صلة مقوية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و " من الأحزاب ": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و " هنالك ": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئا، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة. بل لما يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبعد، والانحطاط عن درجات المقربين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب... } الآية. ثم هدد كفار قريش بقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد }.

ص 38:5

{ وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا... } يقول الحق جل جلاله: { وعجبوا } أي: كفار قريش من { أن جاءهم منذر منهم } رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلها لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. ه. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } أي: ساحر فيما يظهر من المعجزات، كذاب فيما يدعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر، وغضبا عليهم، وإشعارا بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. ثم قالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، { إن هذا لشيء عجاب } بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابرا عن كابر، فإن مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا من العجاب، بل محالا، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوق شيء من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل من جر ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. ه. روي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء أي: الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال عليه الصلاة والسلام : " ماذا يسألونني؟ " فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال عليه الصلاة والسلام : " أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم " ، قالوا: نعم، وعشرا. قال: " قولوا: لا إله إلا الله " فقاموا، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. قيل: العجب: ما له مثل، والعجاب: لا مثل له. { وانطلق الملأ منهم } أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلبه عليه الصلاة والسلام في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين { أن امشوا } و " أن ": تفسيرية لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة، وإشاعتهم للكفر. ه. أي: امشوا { واصبروا على آلهتكم } أي: اثبتوا على عبادتها، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. ه. { إن هذا لشيء يراد } أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته عليه الصلاة والسلام لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحملوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إن هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم، لشيء يتمنى، ويريده كل أحد. فتأمل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله من أمر التوحيد { في الملة الآخرة } أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من " هذا " ، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة. ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. { إن هذا } أي: ما هذا { إلا اختلاق } أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. { أأنزل عليه الذكر } أي: القرآن { من بيننا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسدا من عند أنفسهم، كقولهم: لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله. قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثر الله في العالم، ومشكاة تجليه، حتى قالوا مثل ما قالوا: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس، وروح الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورة من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقت الأفلاك. ه. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل من يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدل عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته من يشاء، ويبعث في كل زمان من يجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رد عليهم بقوله: {... بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. يقول الحق جل جلاله: { بل هم } أي: كفار قريش { في شك من ذكري } من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، { بل لما يذوقوا عذاب } أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب، فحينئذ يصدقون، ولات حين تصديق. { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب، المصيب بها من يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل من يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكموا في التدابير الإلهية، التي اختص بها رب العزة والكبرياء؟ ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: { فليرتقوا في الأسباب } ، وهو جواب عن شرط مقدر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرف في قسمة الرحمة، فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء، حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله، فينزلون الوحي إلى من يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم بقوله: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مهزوم } مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون. و " جند ": خبر، أو مبتدأ، و " مهزوم ": خبره و " ما ": صلة مقوية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و " من الأحزاب ": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و " هنالك ": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئا، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة. بل لما يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبعد، والانحطاط عن درجات المقربين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب... } الآية. ثم هدد كفار قريش بقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد }.

ص 38:6

{ وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا... } يقول الحق جل جلاله: { وعجبوا } أي: كفار قريش من { أن جاءهم منذر منهم } رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلها لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. ه. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } أي: ساحر فيما يظهر من المعجزات، كذاب فيما يدعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر، وغضبا عليهم، وإشعارا بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. ثم قالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، { إن هذا لشيء عجاب } بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابرا عن كابر، فإن مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا من العجاب، بل محالا، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوق شيء من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل من جر ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. ه. روي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء أي: الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال عليه الصلاة والسلام : " ماذا يسألونني؟ " فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال عليه الصلاة والسلام : " أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم " ، قالوا: نعم، وعشرا. قال: " قولوا: لا إله إلا الله " فقاموا، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. قيل: العجب: ما له مثل، والعجاب: لا مثل له. { وانطلق الملأ منهم } أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلبه عليه الصلاة والسلام في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين { أن امشوا } و " أن ": تفسيرية لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة، وإشاعتهم للكفر. ه. أي: امشوا { واصبروا على آلهتكم } أي: اثبتوا على عبادتها، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. ه. { إن هذا لشيء يراد } أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته عليه الصلاة والسلام لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحملوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إن هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم، لشيء يتمنى، ويريده كل أحد. فتأمل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله من أمر التوحيد { في الملة الآخرة } أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من " هذا " ، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة. ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. { إن هذا } أي: ما هذا { إلا اختلاق } أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. { أأنزل عليه الذكر } أي: القرآن { من بيننا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسدا من عند أنفسهم، كقولهم: لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله. قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثر الله في العالم، ومشكاة تجليه، حتى قالوا مثل ما قالوا: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس، وروح الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورة من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقت الأفلاك. ه. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل من يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدل عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته من يشاء، ويبعث في كل زمان من يجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رد عليهم بقوله: {... بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. يقول الحق جل جلاله: { بل هم } أي: كفار قريش { في شك من ذكري } من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، { بل لما يذوقوا عذاب } أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب، فحينئذ يصدقون، ولات حين تصديق. { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب، المصيب بها من يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل من يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكموا في التدابير الإلهية، التي اختص بها رب العزة والكبرياء؟ ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: { فليرتقوا في الأسباب } ، وهو جواب عن شرط مقدر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرف في قسمة الرحمة، فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء، حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله، فينزلون الوحي إلى من يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم بقوله: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مهزوم } مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون. و " جند ": خبر، أو مبتدأ، و " مهزوم ": خبره و " ما ": صلة مقوية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و " من الأحزاب ": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و " هنالك ": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئا، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة. بل لما يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبعد، والانحطاط عن درجات المقربين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب... } الآية. ثم هدد كفار قريش بقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد }.

ص 38:7

{ وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا... } يقول الحق جل جلاله: { وعجبوا } أي: كفار قريش من { أن جاءهم منذر منهم } رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلها لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. ه. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } أي: ساحر فيما يظهر من المعجزات، كذاب فيما يدعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر، وغضبا عليهم، وإشعارا بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. ثم قالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، { إن هذا لشيء عجاب } بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابرا عن كابر، فإن مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا من العجاب، بل محالا، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوق شيء من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل من جر ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. ه. روي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء أي: الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال عليه الصلاة والسلام : " ماذا يسألونني؟ " فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال عليه الصلاة والسلام : " أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم " ، قالوا: نعم، وعشرا. قال: " قولوا: لا إله إلا الله " فقاموا، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. قيل: العجب: ما له مثل، والعجاب: لا مثل له. { وانطلق الملأ منهم } أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلبه عليه الصلاة والسلام في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين { أن امشوا } و " أن ": تفسيرية لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة، وإشاعتهم للكفر. ه. أي: امشوا { واصبروا على آلهتكم } أي: اثبتوا على عبادتها، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. ه. { إن هذا لشيء يراد } أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته عليه الصلاة والسلام لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحملوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إن هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم، لشيء يتمنى، ويريده كل أحد. فتأمل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله من أمر التوحيد { في الملة الآخرة } أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من " هذا " ، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة. ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. { إن هذا } أي: ما هذا { إلا اختلاق } أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. { أأنزل عليه الذكر } أي: القرآن { من بيننا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسدا من عند أنفسهم، كقولهم: لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله. قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثر الله في العالم، ومشكاة تجليه، حتى قالوا مثل ما قالوا: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس، وروح الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورة من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقت الأفلاك. ه. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل من يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدل عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته من يشاء، ويبعث في كل زمان من يجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رد عليهم بقوله: {... بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. يقول الحق جل جلاله: { بل هم } أي: كفار قريش { في شك من ذكري } من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، { بل لما يذوقوا عذاب } أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب، فحينئذ يصدقون، ولات حين تصديق. { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب، المصيب بها من يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل من يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكموا في التدابير الإلهية، التي اختص بها رب العزة والكبرياء؟ ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: { فليرتقوا في الأسباب } ، وهو جواب عن شرط مقدر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرف في قسمة الرحمة، فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء، حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله، فينزلون الوحي إلى من يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم بقوله: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مهزوم } مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون. و " جند ": خبر، أو مبتدأ، و " مهزوم ": خبره و " ما ": صلة مقوية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و " من الأحزاب ": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و " هنالك ": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئا، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة. بل لما يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبعد، والانحطاط عن درجات المقربين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب... } الآية. ثم هدد كفار قريش بقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد }.

ص 38:8

{ وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا... } يقول الحق جل جلاله: { وعجبوا } أي: كفار قريش من { أن جاءهم منذر منهم } رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلها لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. ه. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } أي: ساحر فيما يظهر من المعجزات، كذاب فيما يدعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر، وغضبا عليهم، وإشعارا بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. ثم قالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، { إن هذا لشيء عجاب } بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابرا عن كابر، فإن مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا من العجاب، بل محالا، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوق شيء من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل من جر ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. ه. روي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء أي: الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال عليه الصلاة والسلام : " ماذا يسألونني؟ " فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال عليه الصلاة والسلام : " أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم " ، قالوا: نعم، وعشرا. قال: " قولوا: لا إله إلا الله " فقاموا، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. قيل: العجب: ما له مثل، والعجاب: لا مثل له. { وانطلق الملأ منهم } أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلبه عليه الصلاة والسلام في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين { أن امشوا } و " أن ": تفسيرية لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة، وإشاعتهم للكفر. ه. أي: امشوا { واصبروا على آلهتكم } أي: اثبتوا على عبادتها، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. ه. { إن هذا لشيء يراد } أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته عليه الصلاة والسلام لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحملوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إن هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم، لشيء يتمنى، ويريده كل أحد. فتأمل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله من أمر التوحيد { في الملة الآخرة } أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من " هذا " ، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة. ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. { إن هذا } أي: ما هذا { إلا اختلاق } أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. { أأنزل عليه الذكر } أي: القرآن { من بيننا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسدا من عند أنفسهم، كقولهم: لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله. قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثر الله في العالم، ومشكاة تجليه، حتى قالوا مثل ما قالوا: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس، وروح الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورة من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقت الأفلاك. ه. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل من يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدل عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته من يشاء، ويبعث في كل زمان من يجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رد عليهم بقوله: {... بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. يقول الحق جل جلاله: { بل هم } أي: كفار قريش { في شك من ذكري } من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، { بل لما يذوقوا عذاب } أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب، فحينئذ يصدقون، ولات حين تصديق. { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب، المصيب بها من يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل من يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكموا في التدابير الإلهية، التي اختص بها رب العزة والكبرياء؟ ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: { فليرتقوا في الأسباب } ، وهو جواب عن شرط مقدر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرف في قسمة الرحمة، فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء، حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله، فينزلون الوحي إلى من يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم بقوله: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مهزوم } مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون. و " جند ": خبر، أو مبتدأ، و " مهزوم ": خبره و " ما ": صلة مقوية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و " من الأحزاب ": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و " هنالك ": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئا، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة. بل لما يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبعد، والانحطاط عن درجات المقربين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب... } الآية. ثم هدد كفار قريش بقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد }.

ص 38:9

{ وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا... } يقول الحق جل جلاله: { وعجبوا } أي: كفار قريش من { أن جاءهم منذر منهم } رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلها لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. ه. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } أي: ساحر فيما يظهر من المعجزات، كذاب فيما يدعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر، وغضبا عليهم، وإشعارا بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. ثم قالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، { إن هذا لشيء عجاب } بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابرا عن كابر، فإن مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا من العجاب، بل محالا، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوق شيء من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل من جر ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. ه. روي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء أي: الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال عليه الصلاة والسلام : " ماذا يسألونني؟ " فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال عليه الصلاة والسلام : " أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم " ، قالوا: نعم، وعشرا. قال: " قولوا: لا إله إلا الله " فقاموا، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. قيل: العجب: ما له مثل، والعجاب: لا مثل له. { وانطلق الملأ منهم } أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلبه عليه الصلاة والسلام في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين { أن امشوا } و " أن ": تفسيرية لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة، وإشاعتهم للكفر. ه. أي: امشوا { واصبروا على آلهتكم } أي: اثبتوا على عبادتها، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. ه. { إن هذا لشيء يراد } أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته عليه الصلاة والسلام لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحملوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إن هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم، لشيء يتمنى، ويريده كل أحد. فتأمل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله من أمر التوحيد { في الملة الآخرة } أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من " هذا " ، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة. ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. { إن هذا } أي: ما هذا { إلا اختلاق } أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. { أأنزل عليه الذكر } أي: القرآن { من بيننا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسدا من عند أنفسهم، كقولهم: لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله. قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثر الله في العالم، ومشكاة تجليه، حتى قالوا مثل ما قالوا: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس، وروح الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورة من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقت الأفلاك. ه. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل من يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدل عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته من يشاء، ويبعث في كل زمان من يجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رد عليهم بقوله: {... بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. يقول الحق جل جلاله: { بل هم } أي: كفار قريش { في شك من ذكري } من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، { بل لما يذوقوا عذاب } أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب، فحينئذ يصدقون، ولات حين تصديق. { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب، المصيب بها من يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل من يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكموا في التدابير الإلهية، التي اختص بها رب العزة والكبرياء؟ ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: { فليرتقوا في الأسباب } ، وهو جواب عن شرط مقدر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرف في قسمة الرحمة، فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء، حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله، فينزلون الوحي إلى من يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم بقوله: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مهزوم } مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون. و " جند ": خبر، أو مبتدأ، و " مهزوم ": خبره و " ما ": صلة مقوية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و " من الأحزاب ": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و " هنالك ": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئا، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة. بل لما يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبعد، والانحطاط عن درجات المقربين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب... } الآية. ثم هدد كفار قريش بقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد }.

ص 38:10

{ وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا... } يقول الحق جل جلاله: { وعجبوا } أي: كفار قريش من { أن جاءهم منذر منهم } رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلها لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. ه. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } أي: ساحر فيما يظهر من المعجزات، كذاب فيما يدعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر، وغضبا عليهم، وإشعارا بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. ثم قالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، { إن هذا لشيء عجاب } بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابرا عن كابر، فإن مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا من العجاب، بل محالا، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوق شيء من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل من جر ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. ه. روي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء أي: الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال عليه الصلاة والسلام : " ماذا يسألونني؟ " فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال عليه الصلاة والسلام : " أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم " ، قالوا: نعم، وعشرا. قال: " قولوا: لا إله إلا الله " فقاموا، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. قيل: العجب: ما له مثل، والعجاب: لا مثل له. { وانطلق الملأ منهم } أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلبه عليه الصلاة والسلام في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين { أن امشوا } و " أن ": تفسيرية لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة، وإشاعتهم للكفر. ه. أي: امشوا { واصبروا على آلهتكم } أي: اثبتوا على عبادتها، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. ه. { إن هذا لشيء يراد } أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته عليه الصلاة والسلام لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحملوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إن هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم، لشيء يتمنى، ويريده كل أحد. فتأمل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله من أمر التوحيد { في الملة الآخرة } أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من " هذا " ، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة. ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. { إن هذا } أي: ما هذا { إلا اختلاق } أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. { أأنزل عليه الذكر } أي: القرآن { من بيننا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسدا من عند أنفسهم، كقولهم: لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله. قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثر الله في العالم، ومشكاة تجليه، حتى قالوا مثل ما قالوا: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس، وروح الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورة من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقت الأفلاك. ه. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل من يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدل عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته من يشاء، ويبعث في كل زمان من يجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رد عليهم بقوله: {... بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. يقول الحق جل جلاله: { بل هم } أي: كفار قريش { في شك من ذكري } من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، { بل لما يذوقوا عذاب } أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب، فحينئذ يصدقون، ولات حين تصديق. { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب، المصيب بها من يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل من يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكموا في التدابير الإلهية، التي اختص بها رب العزة والكبرياء؟ ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: { فليرتقوا في الأسباب } ، وهو جواب عن شرط مقدر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرف في قسمة الرحمة، فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء، حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله، فينزلون الوحي إلى من يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم بقوله: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مهزوم } مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون. و " جند ": خبر، أو مبتدأ، و " مهزوم ": خبره و " ما ": صلة مقوية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و " من الأحزاب ": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و " هنالك ": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئا، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة. بل لما يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبعد، والانحطاط عن درجات المقربين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب... } الآية. ثم هدد كفار قريش بقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد }.

ص 38:11

{ وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا... } يقول الحق جل جلاله: { وعجبوا } أي: كفار قريش من { أن جاءهم منذر منهم } رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلها لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. ه. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } أي: ساحر فيما يظهر من المعجزات، كذاب فيما يدعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر، وغضبا عليهم، وإشعارا بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. ثم قالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، { إن هذا لشيء عجاب } بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابرا عن كابر، فإن مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا من العجاب، بل محالا، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوق شيء من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل من جر ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. ه. روي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشق على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء أي: الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال عليه الصلاة والسلام : " ماذا يسألونني؟ " فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال عليه الصلاة والسلام : " أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم " ، قالوا: نعم، وعشرا. قال: " قولوا: لا إله إلا الله " فقاموا، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. قيل: العجب: ما له مثل، والعجاب: لا مثل له. { وانطلق الملأ منهم } أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلبه عليه الصلاة والسلام في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين { أن امشوا } و " أن ": تفسيرية لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة، وإشاعتهم للكفر. ه. أي: امشوا { واصبروا على آلهتكم } أي: اثبتوا على عبادتها، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. ه. { إن هذا لشيء يراد } أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته عليه الصلاة والسلام لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحملوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إن هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم، لشيء يتمنى، ويريده كل أحد. فتأمل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. { ما سمعنا بهذا } الذي يقوله من أمر التوحيد { في الملة الآخرة } أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من " هذا " ، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة. ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. { إن هذا } أي: ما هذا { إلا اختلاق } أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. { أأنزل عليه الذكر } أي: القرآن { من بيننا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسدا من عند أنفسهم، كقولهم: لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله. قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثر الله في العالم، ومشكاة تجليه، حتى قالوا مثل ما قالوا: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } ، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس، وروح الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورة من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقت الأفلاك. ه. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل من يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدل عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته من يشاء، ويبعث في كل زمان من يجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رد عليهم بقوله: {... بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. يقول الحق جل جلاله: { بل هم } أي: كفار قريش { في شك من ذكري } من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، { بل لما يذوقوا عذاب } أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب، فحينئذ يصدقون، ولات حين تصديق. { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب، المصيب بها من يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل من يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكموا في التدابير الإلهية، التي اختص بها رب العزة والكبرياء؟ ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: { فليرتقوا في الأسباب } ، وهو جواب عن شرط مقدر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرف في قسمة الرحمة، فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء، حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله، فينزلون الوحي إلى من يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم بقوله: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مهزوم } مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون. و " جند ": خبر، أو مبتدأ، و " مهزوم ": خبره و " ما ": صلة مقوية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و " من الأحزاب ": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و " هنالك ": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئا، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة. بل لما يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبعد، والانحطاط عن درجات المقربين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب... } الآية. ثم هدد كفار قريش بقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد }.

ص 38:12

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح } نوحا، { وعاد } هودا { وفرعون } موسى، { ذو الأوتاد } ، قيل: كانت له أربعة أوتاد وحبال يلعب بها أو عليها بين يديه، وقيل: كان يوتد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه، ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يرسل عليه عقارب وحيات. وقيل: معناه: ذو الملك الثابت، من: ثبات البيت المطنب بأوتاده، فاستعير لرسوخ السلطنة، واستقامة الأمر، كقول الشاعر: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد { وثمود } وهم قوم صالح، { وقوم لوط } كذبوا لوطا، { وأصحاب الأيكة } أصحاب الغيضة كذبوا شعيبا عليه السلام، { أولئك الأحزاب }: بدل من الطوائف المذكورة. وفيه فضل تأكيد وتمهيد لما يعقبه، وأراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هؤلاء الطوائف، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب، ولذلك قال: { إن كل إلا كذب الرسل } أي: ما كل أحد من آحاد أولئك الأحزاب، أو: ما كل حزب منهم إلا كذب الرسل لأن تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم لاتفاق الكل على الحق، أو: ما كل حزب إلا كذب رسوله، على نهج مقابل الجمع بالجمع. وأيا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم [العلل] في خبر المبتدأ، أي: ما كل أحد منهم محكوم عليه بحكم إلا أنه كذب الرسل، { فحق عقاب } أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق العقاب، التي كانت توجبه جناياتهم من أصناف العقوبات. { وما ينظر هؤلاء } أي: وما ينتظر أهل مكة. وفي الإشارة إليهم بهؤلاء تحقير لشأنهم، وتهوين لأمرهم، أي: وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب، { إلا صيحة واحدة } وهي النفخة الثانية لما فيها من الشدة والهول، فإنها داهية، يعم هولها جميع الأمم، برها وفاجرها. والمعنى: أنه ليس بينهم وبين حلول ما أعد الله لهم من العقاب إلا نفخة البعث، أخرت عقوبتهم إلى الآخرة لأن حلولها بهم في الدنيا يوجب الاستئصال، وقد قال تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] فأخرت ليوم القيامة. وأما ما قيل من أنها النفخة الأولى فمما لا وجه له لأنه لا يشاهد هولها، ولا يصعق بها إلا من كان حيا عند وقوعها. قاله أبو السعود. { ما لها من فواق } أي: من توقف مقدار فواق، هو ما بين حلبتي الحالب، أي: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة، وفواق الناقة: ساعة يرجع الدر إلى ضرعها. يريد: أنها نفخة واحدة، لا تثنى، ولا تردد. والفواق بمعنى التأخر، فيه لغتان: الفتح والضم، وأما ما بين حلبتي الناقة، فبالضم فقط. الإشارة: ما جرى على مكذبي الرسل يجري في مكذبي الأولياء، إلا أن عذابهم البعد والطرد، وحرمان معرفة العيان. وبالله التوفيق. ثم ذكر استعجالهم العذاب، فقال: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا }.

ص 38:13

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح } نوحا، { وعاد } هودا { وفرعون } موسى، { ذو الأوتاد } ، قيل: كانت له أربعة أوتاد وحبال يلعب بها أو عليها بين يديه، وقيل: كان يوتد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه، ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يرسل عليه عقارب وحيات. وقيل: معناه: ذو الملك الثابت، من: ثبات البيت المطنب بأوتاده، فاستعير لرسوخ السلطنة، واستقامة الأمر، كقول الشاعر: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد { وثمود } وهم قوم صالح، { وقوم لوط } كذبوا لوطا، { وأصحاب الأيكة } أصحاب الغيضة كذبوا شعيبا عليه السلام، { أولئك الأحزاب }: بدل من الطوائف المذكورة. وفيه فضل تأكيد وتمهيد لما يعقبه، وأراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هؤلاء الطوائف، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب، ولذلك قال: { إن كل إلا كذب الرسل } أي: ما كل أحد من آحاد أولئك الأحزاب، أو: ما كل حزب منهم إلا كذب الرسل لأن تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم لاتفاق الكل على الحق، أو: ما كل حزب إلا كذب رسوله، على نهج مقابل الجمع بالجمع. وأيا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم [العلل] في خبر المبتدأ، أي: ما كل أحد منهم محكوم عليه بحكم إلا أنه كذب الرسل، { فحق عقاب } أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق العقاب، التي كانت توجبه جناياتهم من أصناف العقوبات. { وما ينظر هؤلاء } أي: وما ينتظر أهل مكة. وفي الإشارة إليهم بهؤلاء تحقير لشأنهم، وتهوين لأمرهم، أي: وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب، { إلا صيحة واحدة } وهي النفخة الثانية لما فيها من الشدة والهول، فإنها داهية، يعم هولها جميع الأمم، برها وفاجرها. والمعنى: أنه ليس بينهم وبين حلول ما أعد الله لهم من العقاب إلا نفخة البعث، أخرت عقوبتهم إلى الآخرة لأن حلولها بهم في الدنيا يوجب الاستئصال، وقد قال تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] فأخرت ليوم القيامة. وأما ما قيل من أنها النفخة الأولى فمما لا وجه له لأنه لا يشاهد هولها، ولا يصعق بها إلا من كان حيا عند وقوعها. قاله أبو السعود. { ما لها من فواق } أي: من توقف مقدار فواق، هو ما بين حلبتي الحالب، أي: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة، وفواق الناقة: ساعة يرجع الدر إلى ضرعها. يريد: أنها نفخة واحدة، لا تثنى، ولا تردد. والفواق بمعنى التأخر، فيه لغتان: الفتح والضم، وأما ما بين حلبتي الناقة، فبالضم فقط. الإشارة: ما جرى على مكذبي الرسل يجري في مكذبي الأولياء، إلا أن عذابهم البعد والطرد، وحرمان معرفة العيان. وبالله التوفيق. ثم ذكر استعجالهم العذاب، فقال: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا }.

ص 38:14

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح } نوحا، { وعاد } هودا { وفرعون } موسى، { ذو الأوتاد } ، قيل: كانت له أربعة أوتاد وحبال يلعب بها أو عليها بين يديه، وقيل: كان يوتد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه، ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يرسل عليه عقارب وحيات. وقيل: معناه: ذو الملك الثابت، من: ثبات البيت المطنب بأوتاده، فاستعير لرسوخ السلطنة، واستقامة الأمر، كقول الشاعر: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد { وثمود } وهم قوم صالح، { وقوم لوط } كذبوا لوطا، { وأصحاب الأيكة } أصحاب الغيضة كذبوا شعيبا عليه السلام، { أولئك الأحزاب }: بدل من الطوائف المذكورة. وفيه فضل تأكيد وتمهيد لما يعقبه، وأراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هؤلاء الطوائف، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب، ولذلك قال: { إن كل إلا كذب الرسل } أي: ما كل أحد من آحاد أولئك الأحزاب، أو: ما كل حزب منهم إلا كذب الرسل لأن تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم لاتفاق الكل على الحق، أو: ما كل حزب إلا كذب رسوله، على نهج مقابل الجمع بالجمع. وأيا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم [العلل] في خبر المبتدأ، أي: ما كل أحد منهم محكوم عليه بحكم إلا أنه كذب الرسل، { فحق عقاب } أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق العقاب، التي كانت توجبه جناياتهم من أصناف العقوبات. { وما ينظر هؤلاء } أي: وما ينتظر أهل مكة. وفي الإشارة إليهم بهؤلاء تحقير لشأنهم، وتهوين لأمرهم، أي: وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب، { إلا صيحة واحدة } وهي النفخة الثانية لما فيها من الشدة والهول، فإنها داهية، يعم هولها جميع الأمم، برها وفاجرها. والمعنى: أنه ليس بينهم وبين حلول ما أعد الله لهم من العقاب إلا نفخة البعث، أخرت عقوبتهم إلى الآخرة لأن حلولها بهم في الدنيا يوجب الاستئصال، وقد قال تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] فأخرت ليوم القيامة. وأما ما قيل من أنها النفخة الأولى فمما لا وجه له لأنه لا يشاهد هولها، ولا يصعق بها إلا من كان حيا عند وقوعها. قاله أبو السعود. { ما لها من فواق } أي: من توقف مقدار فواق، هو ما بين حلبتي الحالب، أي: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة، وفواق الناقة: ساعة يرجع الدر إلى ضرعها. يريد: أنها نفخة واحدة، لا تثنى، ولا تردد. والفواق بمعنى التأخر، فيه لغتان: الفتح والضم، وأما ما بين حلبتي الناقة، فبالضم فقط. الإشارة: ما جرى على مكذبي الرسل يجري في مكذبي الأولياء، إلا أن عذابهم البعد والطرد، وحرمان معرفة العيان. وبالله التوفيق. ثم ذكر استعجالهم العذاب، فقال: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا }.

ص 38:15

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح } نوحا، { وعاد } هودا { وفرعون } موسى، { ذو الأوتاد } ، قيل: كانت له أربعة أوتاد وحبال يلعب بها أو عليها بين يديه، وقيل: كان يوتد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه، ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يرسل عليه عقارب وحيات. وقيل: معناه: ذو الملك الثابت، من: ثبات البيت المطنب بأوتاده، فاستعير لرسوخ السلطنة، واستقامة الأمر، كقول الشاعر: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد { وثمود } وهم قوم صالح، { وقوم لوط } كذبوا لوطا، { وأصحاب الأيكة } أصحاب الغيضة كذبوا شعيبا عليه السلام، { أولئك الأحزاب }: بدل من الطوائف المذكورة. وفيه فضل تأكيد وتمهيد لما يعقبه، وأراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هؤلاء الطوائف، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب، ولذلك قال: { إن كل إلا كذب الرسل } أي: ما كل أحد من آحاد أولئك الأحزاب، أو: ما كل حزب منهم إلا كذب الرسل لأن تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم لاتفاق الكل على الحق، أو: ما كل حزب إلا كذب رسوله، على نهج مقابل الجمع بالجمع. وأيا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم [العلل] في خبر المبتدأ، أي: ما كل أحد منهم محكوم عليه بحكم إلا أنه كذب الرسل، { فحق عقاب } أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق العقاب، التي كانت توجبه جناياتهم من أصناف العقوبات. { وما ينظر هؤلاء } أي: وما ينتظر أهل مكة. وفي الإشارة إليهم بهؤلاء تحقير لشأنهم، وتهوين لأمرهم، أي: وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب، { إلا صيحة واحدة } وهي النفخة الثانية لما فيها من الشدة والهول، فإنها داهية، يعم هولها جميع الأمم، برها وفاجرها. والمعنى: أنه ليس بينهم وبين حلول ما أعد الله لهم من العقاب إلا نفخة البعث، أخرت عقوبتهم إلى الآخرة لأن حلولها بهم في الدنيا يوجب الاستئصال، وقد قال تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] فأخرت ليوم القيامة. وأما ما قيل من أنها النفخة الأولى فمما لا وجه له لأنه لا يشاهد هولها، ولا يصعق بها إلا من كان حيا عند وقوعها. قاله أبو السعود. { ما لها من فواق } أي: من توقف مقدار فواق، هو ما بين حلبتي الحالب، أي: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة، وفواق الناقة: ساعة يرجع الدر إلى ضرعها. يريد: أنها نفخة واحدة، لا تثنى، ولا تردد. والفواق بمعنى التأخر، فيه لغتان: الفتح والضم، وأما ما بين حلبتي الناقة، فبالضم فقط. الإشارة: ما جرى على مكذبي الرسل يجري في مكذبي الأولياء، إلا أن عذابهم البعد والطرد، وحرمان معرفة العيان. وبالله التوفيق. ثم ذكر استعجالهم العذاب، فقال: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا }.

ص 38:16

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار مكة لما سمعوا بتأخير عقابهم إلى الآخرة: { ربنا عجل لنا قطنا } أي: حظنا من العذاب الذي وعدتنا به، { قبل يوم الحساب } ولا تؤخره إلى الصيحة المذكورة. وفي القاموس: القط بالكسر النصيب، والصك، وكتاب المحاسبة. ه. أو: عجل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها، أو: حظنا من الجنة لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر وعد الله المؤمنين بالجنة، فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها. وتصدير دعائهم بالنداء للإمعان في الاستهزاء، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة. { اصبر على ما يقولون } من أمثال هذه المقالات الباطلة. ثم سلاه بما يقص عليه من خبر الأنبياء عليهم السلام الذين كانت بدايتهم أيام المحن، ثم جاءتهم أيام المنن، وبدأ بنبيه داود عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنا داود } ، فإنه كان في أول أمره ضعيفا، يرعى الغنم، ثم صار نبيا ملكا، ذا الأيادي العظام. وقوله: { ذا الأيد } أي: ذا القوة في الدين، والملك، والنبوة. يقال: فلان ذو يد وأيد وأياد، بمعنى القوة، وأياد كل شيء: ما يتقوى به. { إنه أواب }: رجاع إلى الله في كل شيء، أو: إلى مرضاة الله تعالى. وهو تعليل لكونه ذا الأيد، ودليل على القوة في الدين فإنه كان عليه السلام يصوم يوما ويفطر يوما، وهو أشد الصوم، ويقوم نصف الليل، مع مكابدة سياسة النبوة والملك والشهود، فقد أعطى القوة في الجهتين. { إنا سخرنا الجبال معه } أي: ذللناها له، تسير معه حيث يريد. ولم يقل " له " لأن تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق التفويض الكلي، كتسخير الرياح وغيرها لابنه، بل بطريق التبعية، والاقتداء به في عبادة الله تعالى. وقيل: { معه } متعلق ب { يسبحن } ، أي: سخرناها تسبح معه، إما بلسان المقال، يخلق الله لها صوتا، أو: بلسان الحال، أي: يقدس الله تعالى وينزهه عما لا يليق به. والجملة: حال، أي: مسبحات، واختيار الفعل ليدل على حدوث التسبيح من الجبال، وتجدده شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، { بالعشي } في طرفي النهار، والعشي: وقت العصر إلى الليل { والإشراق } ، وهو حين تشرق الشمس، أي: تضيء، وهو وقت الضحى، وأما شروقها الثلاثي فطلوعها، تقول: شرقت الشمس ولما تشرق، أي: طلعت ولم تضىء. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى عند أم هانىء صلاة الضحى، وقال: " هذه صلاة الإشراق ". { والطير محشورة } أي: وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية. عن ابن عباس رضي الله عنه: كان إذا سبح، جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير، فسبحت، فذلك حشرها. { كل له أواب } أي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود. ووضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب: الكثير الرجوع إلى الله تعالى، من عادته أن يكثر ذكر الله، ويدير تسبيحه وتقديسه على لسانه. وقيل: الضمير لله، أي: كل من داود والجبال والطير أواب، أي: مسبح لله تعالى ومرجع للتسبيح، وقيل: لداود، أي: يرجع لأمره. { وشددنا ملكه } أي: قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود. قيل: كان بيت المقدس حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل. قال القشيري: ويقال: وشددنا ملكه بالعدل في القضية، وحسن السيرة في الرعية، أو: بدعاء المستضعفين، أو: بقوم مناصحين، كانوا يدلونه على ما فيه صلاح ملكه، أو: بقبوله الحق من كل أحد، أو: برجوعه إلينا في عموم الأوقات. ه. وقال ابن عباس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم إلى داود، فقال المستعدي: إن هذا غصبني بقرتي، فجحد الآخر، ولم تكن له بينة، فقال داود: قوما حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه: أن اقتل الرجل الذي استعدي عليه، فتثبت داود حتى أوحى الله إليه ثلاثا أن يقتله، أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: أن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟ فقال: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله، فقال: لا تعجل علي حتى أخبرك أن الله تعالى لم يأخذني بهذا الذنب، الذي هو السرقة، ولكني كنت قتلت أبا هذا غيلة، وأخذت البقرة، فقتله داود، فقال الناس: إذا أذنب أحد ذنبا أظهره الله عليه فقتله، فهابوه، وعظمت هيبته في القلوب ه. { وآتيناه الحكمة } النبوة، وكمال العلم، وإتقان العمل، والإصابة في الأمور، أو: الزبور وعلم الشرائع. وكل كلام وافق الحق فهو حكمة. { وفصل الخطاب } علم القضاء وقطع الخصام، فكان لا يتتعتع في القضاء بين الناس، أو: الفصل بين الحق والباطل. والفصل: هو التمييز بين الشيئين، وقيل: الكلام البين، بحيث يفهمه المخاطب بلا التباس، فصل بمعنى مفصول، أو: الكلام البين الذي يبين المراد بسرعة، فيكون بمعنى فاصل، والمراد: ما أعطاه الله من فصاحة الكلام، الذي كان يفصل به بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، في قضاياه وحكوماته، وتدابير الملك، والمشورات. وعن علي رضي الله عنه: " هو البينة على المدعي، واليمين على من أنكر " وعن الشعبي: " هو: أما بعد " فهو أول من تكلم بها، فإن من تكلم في الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له الكلام، فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد. الإشارة: فاصبر أيها الفقير على ما يقولون فيك، وتسل بمن قبلك من أهل الخصوصية الكبرى والصغرى، ففيهم أسوة حسنة لمن يرجو الوصول إلى الله تعالى. وقوله تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه... } الخ. قال القشيري: كل من تحقق بحالة ساعده كل شيء. ه. قلت: وفي الحكم: " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " وبالله التوفيق. ثم ذكر امتحان داود عليه السلام، فقال: { وهل أتاك نبأ الخصم }.

ص 38:17

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار مكة لما سمعوا بتأخير عقابهم إلى الآخرة: { ربنا عجل لنا قطنا } أي: حظنا من العذاب الذي وعدتنا به، { قبل يوم الحساب } ولا تؤخره إلى الصيحة المذكورة. وفي القاموس: القط بالكسر النصيب، والصك، وكتاب المحاسبة. ه. أو: عجل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها، أو: حظنا من الجنة لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر وعد الله المؤمنين بالجنة، فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها. وتصدير دعائهم بالنداء للإمعان في الاستهزاء، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة. { اصبر على ما يقولون } من أمثال هذه المقالات الباطلة. ثم سلاه بما يقص عليه من خبر الأنبياء عليهم السلام الذين كانت بدايتهم أيام المحن، ثم جاءتهم أيام المنن، وبدأ بنبيه داود عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنا داود } ، فإنه كان في أول أمره ضعيفا، يرعى الغنم، ثم صار نبيا ملكا، ذا الأيادي العظام. وقوله: { ذا الأيد } أي: ذا القوة في الدين، والملك، والنبوة. يقال: فلان ذو يد وأيد وأياد، بمعنى القوة، وأياد كل شيء: ما يتقوى به. { إنه أواب }: رجاع إلى الله في كل شيء، أو: إلى مرضاة الله تعالى. وهو تعليل لكونه ذا الأيد، ودليل على القوة في الدين فإنه كان عليه السلام يصوم يوما ويفطر يوما، وهو أشد الصوم، ويقوم نصف الليل، مع مكابدة سياسة النبوة والملك والشهود، فقد أعطى القوة في الجهتين. { إنا سخرنا الجبال معه } أي: ذللناها له، تسير معه حيث يريد. ولم يقل " له " لأن تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق التفويض الكلي، كتسخير الرياح وغيرها لابنه، بل بطريق التبعية، والاقتداء به في عبادة الله تعالى. وقيل: { معه } متعلق ب { يسبحن } ، أي: سخرناها تسبح معه، إما بلسان المقال، يخلق الله لها صوتا، أو: بلسان الحال، أي: يقدس الله تعالى وينزهه عما لا يليق به. والجملة: حال، أي: مسبحات، واختيار الفعل ليدل على حدوث التسبيح من الجبال، وتجدده شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، { بالعشي } في طرفي النهار، والعشي: وقت العصر إلى الليل { والإشراق } ، وهو حين تشرق الشمس، أي: تضيء، وهو وقت الضحى، وأما شروقها الثلاثي فطلوعها، تقول: شرقت الشمس ولما تشرق، أي: طلعت ولم تضىء. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى عند أم هانىء صلاة الضحى، وقال: " هذه صلاة الإشراق ". { والطير محشورة } أي: وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية. عن ابن عباس رضي الله عنه: كان إذا سبح، جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير، فسبحت، فذلك حشرها. { كل له أواب } أي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود. ووضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب: الكثير الرجوع إلى الله تعالى، من عادته أن يكثر ذكر الله، ويدير تسبيحه وتقديسه على لسانه. وقيل: الضمير لله، أي: كل من داود والجبال والطير أواب، أي: مسبح لله تعالى ومرجع للتسبيح، وقيل: لداود، أي: يرجع لأمره. { وشددنا ملكه } أي: قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود. قيل: كان بيت المقدس حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل. قال القشيري: ويقال: وشددنا ملكه بالعدل في القضية، وحسن السيرة في الرعية، أو: بدعاء المستضعفين، أو: بقوم مناصحين، كانوا يدلونه على ما فيه صلاح ملكه، أو: بقبوله الحق من كل أحد، أو: برجوعه إلينا في عموم الأوقات. ه. وقال ابن عباس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم إلى داود، فقال المستعدي: إن هذا غصبني بقرتي، فجحد الآخر، ولم تكن له بينة، فقال داود: قوما حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه: أن اقتل الرجل الذي استعدي عليه، فتثبت داود حتى أوحى الله إليه ثلاثا أن يقتله، أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: أن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟ فقال: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله، فقال: لا تعجل علي حتى أخبرك أن الله تعالى لم يأخذني بهذا الذنب، الذي هو السرقة، ولكني كنت قتلت أبا هذا غيلة، وأخذت البقرة، فقتله داود، فقال الناس: إذا أذنب أحد ذنبا أظهره الله عليه فقتله، فهابوه، وعظمت هيبته في القلوب ه. { وآتيناه الحكمة } النبوة، وكمال العلم، وإتقان العمل، والإصابة في الأمور، أو: الزبور وعلم الشرائع. وكل كلام وافق الحق فهو حكمة. { وفصل الخطاب } علم القضاء وقطع الخصام، فكان لا يتتعتع في القضاء بين الناس، أو: الفصل بين الحق والباطل. والفصل: هو التمييز بين الشيئين، وقيل: الكلام البين، بحيث يفهمه المخاطب بلا التباس، فصل بمعنى مفصول، أو: الكلام البين الذي يبين المراد بسرعة، فيكون بمعنى فاصل، والمراد: ما أعطاه الله من فصاحة الكلام، الذي كان يفصل به بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، في قضاياه وحكوماته، وتدابير الملك، والمشورات. وعن علي رضي الله عنه: " هو البينة على المدعي، واليمين على من أنكر " وعن الشعبي: " هو: أما بعد " فهو أول من تكلم بها، فإن من تكلم في الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له الكلام، فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد. الإشارة: فاصبر أيها الفقير على ما يقولون فيك، وتسل بمن قبلك من أهل الخصوصية الكبرى والصغرى، ففيهم أسوة حسنة لمن يرجو الوصول إلى الله تعالى. وقوله تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه... } الخ. قال القشيري: كل من تحقق بحالة ساعده كل شيء. ه. قلت: وفي الحكم: " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " وبالله التوفيق. ثم ذكر امتحان داود عليه السلام، فقال: { وهل أتاك نبأ الخصم }.

ص 38:18

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار مكة لما سمعوا بتأخير عقابهم إلى الآخرة: { ربنا عجل لنا قطنا } أي: حظنا من العذاب الذي وعدتنا به، { قبل يوم الحساب } ولا تؤخره إلى الصيحة المذكورة. وفي القاموس: القط بالكسر النصيب، والصك، وكتاب المحاسبة. ه. أو: عجل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها، أو: حظنا من الجنة لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر وعد الله المؤمنين بالجنة، فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها. وتصدير دعائهم بالنداء للإمعان في الاستهزاء، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة. { اصبر على ما يقولون } من أمثال هذه المقالات الباطلة. ثم سلاه بما يقص عليه من خبر الأنبياء عليهم السلام الذين كانت بدايتهم أيام المحن، ثم جاءتهم أيام المنن، وبدأ بنبيه داود عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنا داود } ، فإنه كان في أول أمره ضعيفا، يرعى الغنم، ثم صار نبيا ملكا، ذا الأيادي العظام. وقوله: { ذا الأيد } أي: ذا القوة في الدين، والملك، والنبوة. يقال: فلان ذو يد وأيد وأياد، بمعنى القوة، وأياد كل شيء: ما يتقوى به. { إنه أواب }: رجاع إلى الله في كل شيء، أو: إلى مرضاة الله تعالى. وهو تعليل لكونه ذا الأيد، ودليل على القوة في الدين فإنه كان عليه السلام يصوم يوما ويفطر يوما، وهو أشد الصوم، ويقوم نصف الليل، مع مكابدة سياسة النبوة والملك والشهود، فقد أعطى القوة في الجهتين. { إنا سخرنا الجبال معه } أي: ذللناها له، تسير معه حيث يريد. ولم يقل " له " لأن تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق التفويض الكلي، كتسخير الرياح وغيرها لابنه، بل بطريق التبعية، والاقتداء به في عبادة الله تعالى. وقيل: { معه } متعلق ب { يسبحن } ، أي: سخرناها تسبح معه، إما بلسان المقال، يخلق الله لها صوتا، أو: بلسان الحال، أي: يقدس الله تعالى وينزهه عما لا يليق به. والجملة: حال، أي: مسبحات، واختيار الفعل ليدل على حدوث التسبيح من الجبال، وتجدده شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، { بالعشي } في طرفي النهار، والعشي: وقت العصر إلى الليل { والإشراق } ، وهو حين تشرق الشمس، أي: تضيء، وهو وقت الضحى، وأما شروقها الثلاثي فطلوعها، تقول: شرقت الشمس ولما تشرق، أي: طلعت ولم تضىء. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى عند أم هانىء صلاة الضحى، وقال: " هذه صلاة الإشراق ". { والطير محشورة } أي: وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية. عن ابن عباس رضي الله عنه: كان إذا سبح، جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير، فسبحت، فذلك حشرها. { كل له أواب } أي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود. ووضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب: الكثير الرجوع إلى الله تعالى، من عادته أن يكثر ذكر الله، ويدير تسبيحه وتقديسه على لسانه. وقيل: الضمير لله، أي: كل من داود والجبال والطير أواب، أي: مسبح لله تعالى ومرجع للتسبيح، وقيل: لداود، أي: يرجع لأمره. { وشددنا ملكه } أي: قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود. قيل: كان بيت المقدس حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل. قال القشيري: ويقال: وشددنا ملكه بالعدل في القضية، وحسن السيرة في الرعية، أو: بدعاء المستضعفين، أو: بقوم مناصحين، كانوا يدلونه على ما فيه صلاح ملكه، أو: بقبوله الحق من كل أحد، أو: برجوعه إلينا في عموم الأوقات. ه. وقال ابن عباس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم إلى داود، فقال المستعدي: إن هذا غصبني بقرتي، فجحد الآخر، ولم تكن له بينة، فقال داود: قوما حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه: أن اقتل الرجل الذي استعدي عليه، فتثبت داود حتى أوحى الله إليه ثلاثا أن يقتله، أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: أن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟ فقال: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله، فقال: لا تعجل علي حتى أخبرك أن الله تعالى لم يأخذني بهذا الذنب، الذي هو السرقة، ولكني كنت قتلت أبا هذا غيلة، وأخذت البقرة، فقتله داود، فقال الناس: إذا أذنب أحد ذنبا أظهره الله عليه فقتله، فهابوه، وعظمت هيبته في القلوب ه. { وآتيناه الحكمة } النبوة، وكمال العلم، وإتقان العمل، والإصابة في الأمور، أو: الزبور وعلم الشرائع. وكل كلام وافق الحق فهو حكمة. { وفصل الخطاب } علم القضاء وقطع الخصام، فكان لا يتتعتع في القضاء بين الناس، أو: الفصل بين الحق والباطل. والفصل: هو التمييز بين الشيئين، وقيل: الكلام البين، بحيث يفهمه المخاطب بلا التباس، فصل بمعنى مفصول، أو: الكلام البين الذي يبين المراد بسرعة، فيكون بمعنى فاصل، والمراد: ما أعطاه الله من فصاحة الكلام، الذي كان يفصل به بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، في قضاياه وحكوماته، وتدابير الملك، والمشورات. وعن علي رضي الله عنه: " هو البينة على المدعي، واليمين على من أنكر " وعن الشعبي: " هو: أما بعد " فهو أول من تكلم بها، فإن من تكلم في الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له الكلام، فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد. الإشارة: فاصبر أيها الفقير على ما يقولون فيك، وتسل بمن قبلك من أهل الخصوصية الكبرى والصغرى، ففيهم أسوة حسنة لمن يرجو الوصول إلى الله تعالى. وقوله تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه... } الخ. قال القشيري: كل من تحقق بحالة ساعده كل شيء. ه. قلت: وفي الحكم: " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " وبالله التوفيق. ثم ذكر امتحان داود عليه السلام، فقال: { وهل أتاك نبأ الخصم }.

ص 38:19

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار مكة لما سمعوا بتأخير عقابهم إلى الآخرة: { ربنا عجل لنا قطنا } أي: حظنا من العذاب الذي وعدتنا به، { قبل يوم الحساب } ولا تؤخره إلى الصيحة المذكورة. وفي القاموس: القط بالكسر النصيب، والصك، وكتاب المحاسبة. ه. أو: عجل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها، أو: حظنا من الجنة لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر وعد الله المؤمنين بالجنة، فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها. وتصدير دعائهم بالنداء للإمعان في الاستهزاء، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة. { اصبر على ما يقولون } من أمثال هذه المقالات الباطلة. ثم سلاه بما يقص عليه من خبر الأنبياء عليهم السلام الذين كانت بدايتهم أيام المحن، ثم جاءتهم أيام المنن، وبدأ بنبيه داود عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنا داود } ، فإنه كان في أول أمره ضعيفا، يرعى الغنم، ثم صار نبيا ملكا، ذا الأيادي العظام. وقوله: { ذا الأيد } أي: ذا القوة في الدين، والملك، والنبوة. يقال: فلان ذو يد وأيد وأياد، بمعنى القوة، وأياد كل شيء: ما يتقوى به. { إنه أواب }: رجاع إلى الله في كل شيء، أو: إلى مرضاة الله تعالى. وهو تعليل لكونه ذا الأيد، ودليل على القوة في الدين فإنه كان عليه السلام يصوم يوما ويفطر يوما، وهو أشد الصوم، ويقوم نصف الليل، مع مكابدة سياسة النبوة والملك والشهود، فقد أعطى القوة في الجهتين. { إنا سخرنا الجبال معه } أي: ذللناها له، تسير معه حيث يريد. ولم يقل " له " لأن تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق التفويض الكلي، كتسخير الرياح وغيرها لابنه، بل بطريق التبعية، والاقتداء به في عبادة الله تعالى. وقيل: { معه } متعلق ب { يسبحن } ، أي: سخرناها تسبح معه، إما بلسان المقال، يخلق الله لها صوتا، أو: بلسان الحال، أي: يقدس الله تعالى وينزهه عما لا يليق به. والجملة: حال، أي: مسبحات، واختيار الفعل ليدل على حدوث التسبيح من الجبال، وتجدده شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، { بالعشي } في طرفي النهار، والعشي: وقت العصر إلى الليل { والإشراق } ، وهو حين تشرق الشمس، أي: تضيء، وهو وقت الضحى، وأما شروقها الثلاثي فطلوعها، تقول: شرقت الشمس ولما تشرق، أي: طلعت ولم تضىء. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى عند أم هانىء صلاة الضحى، وقال: " هذه صلاة الإشراق ". { والطير محشورة } أي: وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية. عن ابن عباس رضي الله عنه: كان إذا سبح، جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير، فسبحت، فذلك حشرها. { كل له أواب } أي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود. ووضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب: الكثير الرجوع إلى الله تعالى، من عادته أن يكثر ذكر الله، ويدير تسبيحه وتقديسه على لسانه. وقيل: الضمير لله، أي: كل من داود والجبال والطير أواب، أي: مسبح لله تعالى ومرجع للتسبيح، وقيل: لداود، أي: يرجع لأمره. { وشددنا ملكه } أي: قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود. قيل: كان بيت المقدس حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل. قال القشيري: ويقال: وشددنا ملكه بالعدل في القضية، وحسن السيرة في الرعية، أو: بدعاء المستضعفين، أو: بقوم مناصحين، كانوا يدلونه على ما فيه صلاح ملكه، أو: بقبوله الحق من كل أحد، أو: برجوعه إلينا في عموم الأوقات. ه. وقال ابن عباس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم إلى داود، فقال المستعدي: إن هذا غصبني بقرتي، فجحد الآخر، ولم تكن له بينة، فقال داود: قوما حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه: أن اقتل الرجل الذي استعدي عليه، فتثبت داود حتى أوحى الله إليه ثلاثا أن يقتله، أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: أن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟ فقال: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله، فقال: لا تعجل علي حتى أخبرك أن الله تعالى لم يأخذني بهذا الذنب، الذي هو السرقة، ولكني كنت قتلت أبا هذا غيلة، وأخذت البقرة، فقتله داود، فقال الناس: إذا أذنب أحد ذنبا أظهره الله عليه فقتله، فهابوه، وعظمت هيبته في القلوب ه. { وآتيناه الحكمة } النبوة، وكمال العلم، وإتقان العمل، والإصابة في الأمور، أو: الزبور وعلم الشرائع. وكل كلام وافق الحق فهو حكمة. { وفصل الخطاب } علم القضاء وقطع الخصام، فكان لا يتتعتع في القضاء بين الناس، أو: الفصل بين الحق والباطل. والفصل: هو التمييز بين الشيئين، وقيل: الكلام البين، بحيث يفهمه المخاطب بلا التباس، فصل بمعنى مفصول، أو: الكلام البين الذي يبين المراد بسرعة، فيكون بمعنى فاصل، والمراد: ما أعطاه الله من فصاحة الكلام، الذي كان يفصل به بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، في قضاياه وحكوماته، وتدابير الملك، والمشورات. وعن علي رضي الله عنه: " هو البينة على المدعي، واليمين على من أنكر " وعن الشعبي: " هو: أما بعد " فهو أول من تكلم بها، فإن من تكلم في الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له الكلام، فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد. الإشارة: فاصبر أيها الفقير على ما يقولون فيك، وتسل بمن قبلك من أهل الخصوصية الكبرى والصغرى، ففيهم أسوة حسنة لمن يرجو الوصول إلى الله تعالى. وقوله تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه... } الخ. قال القشيري: كل من تحقق بحالة ساعده كل شيء. ه. قلت: وفي الحكم: " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " وبالله التوفيق. ثم ذكر امتحان داود عليه السلام، فقال: { وهل أتاك نبأ الخصم }.

ص 38:20

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار مكة لما سمعوا بتأخير عقابهم إلى الآخرة: { ربنا عجل لنا قطنا } أي: حظنا من العذاب الذي وعدتنا به، { قبل يوم الحساب } ولا تؤخره إلى الصيحة المذكورة. وفي القاموس: القط بالكسر النصيب، والصك، وكتاب المحاسبة. ه. أو: عجل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها، أو: حظنا من الجنة لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر وعد الله المؤمنين بالجنة، فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها. وتصدير دعائهم بالنداء للإمعان في الاستهزاء، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة. { اصبر على ما يقولون } من أمثال هذه المقالات الباطلة. ثم سلاه بما يقص عليه من خبر الأنبياء عليهم السلام الذين كانت بدايتهم أيام المحن، ثم جاءتهم أيام المنن، وبدأ بنبيه داود عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنا داود } ، فإنه كان في أول أمره ضعيفا، يرعى الغنم، ثم صار نبيا ملكا، ذا الأيادي العظام. وقوله: { ذا الأيد } أي: ذا القوة في الدين، والملك، والنبوة. يقال: فلان ذو يد وأيد وأياد، بمعنى القوة، وأياد كل شيء: ما يتقوى به. { إنه أواب }: رجاع إلى الله في كل شيء، أو: إلى مرضاة الله تعالى. وهو تعليل لكونه ذا الأيد، ودليل على القوة في الدين فإنه كان عليه السلام يصوم يوما ويفطر يوما، وهو أشد الصوم، ويقوم نصف الليل، مع مكابدة سياسة النبوة والملك والشهود، فقد أعطى القوة في الجهتين. { إنا سخرنا الجبال معه } أي: ذللناها له، تسير معه حيث يريد. ولم يقل " له " لأن تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق التفويض الكلي، كتسخير الرياح وغيرها لابنه، بل بطريق التبعية، والاقتداء به في عبادة الله تعالى. وقيل: { معه } متعلق ب { يسبحن } ، أي: سخرناها تسبح معه، إما بلسان المقال، يخلق الله لها صوتا، أو: بلسان الحال، أي: يقدس الله تعالى وينزهه عما لا يليق به. والجملة: حال، أي: مسبحات، واختيار الفعل ليدل على حدوث التسبيح من الجبال، وتجدده شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، { بالعشي } في طرفي النهار، والعشي: وقت العصر إلى الليل { والإشراق } ، وهو حين تشرق الشمس، أي: تضيء، وهو وقت الضحى، وأما شروقها الثلاثي فطلوعها، تقول: شرقت الشمس ولما تشرق، أي: طلعت ولم تضىء. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى عند أم هانىء صلاة الضحى، وقال: " هذه صلاة الإشراق ". { والطير محشورة } أي: وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية. عن ابن عباس رضي الله عنه: كان إذا سبح، جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير، فسبحت، فذلك حشرها. { كل له أواب } أي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود. ووضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب: الكثير الرجوع إلى الله تعالى، من عادته أن يكثر ذكر الله، ويدير تسبيحه وتقديسه على لسانه. وقيل: الضمير لله، أي: كل من داود والجبال والطير أواب، أي: مسبح لله تعالى ومرجع للتسبيح، وقيل: لداود، أي: يرجع لأمره. { وشددنا ملكه } أي: قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود. قيل: كان بيت المقدس حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل. قال القشيري: ويقال: وشددنا ملكه بالعدل في القضية، وحسن السيرة في الرعية، أو: بدعاء المستضعفين، أو: بقوم مناصحين، كانوا يدلونه على ما فيه صلاح ملكه، أو: بقبوله الحق من كل أحد، أو: برجوعه إلينا في عموم الأوقات. ه. وقال ابن عباس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم إلى داود، فقال المستعدي: إن هذا غصبني بقرتي، فجحد الآخر، ولم تكن له بينة، فقال داود: قوما حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه: أن اقتل الرجل الذي استعدي عليه، فتثبت داود حتى أوحى الله إليه ثلاثا أن يقتله، أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: أن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟ فقال: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله، فقال: لا تعجل علي حتى أخبرك أن الله تعالى لم يأخذني بهذا الذنب، الذي هو السرقة، ولكني كنت قتلت أبا هذا غيلة، وأخذت البقرة، فقتله داود، فقال الناس: إذا أذنب أحد ذنبا أظهره الله عليه فقتله، فهابوه، وعظمت هيبته في القلوب ه. { وآتيناه الحكمة } النبوة، وكمال العلم، وإتقان العمل، والإصابة في الأمور، أو: الزبور وعلم الشرائع. وكل كلام وافق الحق فهو حكمة. { وفصل الخطاب } علم القضاء وقطع الخصام، فكان لا يتتعتع في القضاء بين الناس، أو: الفصل بين الحق والباطل. والفصل: هو التمييز بين الشيئين، وقيل: الكلام البين، بحيث يفهمه المخاطب بلا التباس، فصل بمعنى مفصول، أو: الكلام البين الذي يبين المراد بسرعة، فيكون بمعنى فاصل، والمراد: ما أعطاه الله من فصاحة الكلام، الذي كان يفصل به بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، في قضاياه وحكوماته، وتدابير الملك، والمشورات. وعن علي رضي الله عنه: " هو البينة على المدعي، واليمين على من أنكر " وعن الشعبي: " هو: أما بعد " فهو أول من تكلم بها، فإن من تكلم في الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له الكلام، فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد. الإشارة: فاصبر أيها الفقير على ما يقولون فيك، وتسل بمن قبلك من أهل الخصوصية الكبرى والصغرى، ففيهم أسوة حسنة لمن يرجو الوصول إلى الله تعالى. وقوله تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه... } الخ. قال القشيري: كل من تحقق بحالة ساعده كل شيء. ه. قلت: وفي الحكم: " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " وبالله التوفيق. ثم ذكر امتحان داود عليه السلام، فقال: { وهل أتاك نبأ الخصم }.

ص 38:21

يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك نبأ الخصم } استفهام، معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما في حيزه لأنه من الأنباء البديعة، والأخبار العجيبة. والخصم في الأصل: مصدر، ولذلك يطلق على الواحد والجمع، كالضيف والزور. وأريد هنا اثنان، وإنما جمع الضمير بناء على أن أقل الجمع اثنان. { إذ تسوروا المحراب } أي: تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور: الحائط المرتفع، ونظيره: تسنمه: إذا علا سنمه. والمحراب: الغرفة، أو: المسجد، سمي محرابا لتحارب الشيطان فيه والخواطر الردية. و " إذ ": متعلق بمحذوف، أي: نبأ تحاكم الخصمين، أو بالخصم لما فيه من معنى الخصومة، { إذ دخلوا على داود }: بدل مما قبله، أو: ظرف لتسوروا، { ففزع منهم }: تروع منهم. روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، قيل: جبريل وميكائيل، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في عبادته، فمنعهما الحرس، فتسوروا عليه المحراب، فلم يشعر إلا وهما بين يديه، جالسان، ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه في غير يوم القضاء، ولأنهم نزلوا من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه. قال الحسن: جزأ داود عليه السلام الدهر أربعة أجزاء يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما للمذاكرة مع بني إسرائيل. فدخلوا عليه يوم عبادته. فلما فزع { قالوا لا تخف } ، نحن { خصمان بغى بعضنا على بعض } أي: ظلم وتطاول عليه، { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } لا تجر، من: الشطط، وهو مجاوزة الحد وتخطي الحق، { واهدنا إلى سواء الصراط } وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته، والمراد: عين الحق وصريحه. روي: أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك. وكان في أول الإسلام شيء من ذلك بين المهاجرين والأنصار، فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على امرأة أوريا، وكانت جميلة، فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها، وهي أم سليمان فعوتب في ذلك، وقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة، كان الواجب عليك مغالبة هواك، وقهر نفسك، واصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا، وخطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. ه. ولعلم لم يكن محرما في شرعهم، وإنما كان خلاف الأولى. وقال شيخ شيوخنا في حاشيته: لا يصح هذا في حق الأنبياء، وما يحكى أنه بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة، وأحب أن يقتل ليتزوجها، فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أبناء الناس، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وقال علي كرم الله وجهه : من حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء يعني الحد مرتين . وروي: أن رجلا حدث بها عند عمر بن عبد العزيز، وعند رجل من أهل الحق، فكذب المحدث، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فما ينبغي أن يلتمس خلافها، ولا أن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت، وقد سترها الله على نبيه، فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: لسماعي لهذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا أنه طلب من زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب، فتزوجها، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض، دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ، من قبل أن المتأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنا من قلبه، وأعظم أثرا فيه، مع مراعاة حسن الأدب، بترك المجاهرة بالعتاب. قاله النفسي. ثم ذكر التعريض بقوله: { إن هذا أخي } في الدين، أو: في الصداقة، أو: الشركة. والتعبير به لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه، { له تسع وتسعون نعجة } النعجة: الأنثى من الضأن، وقد يكنى بها عن المرأة، والكناية والتعريض أبلغ من التصريح. { ولي نعجة واحدة } لا أملك غيرها، { فقال اكفلنيها } أي: ملكنيها، واجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، { وعزني } غلبني { في الخطاب } في الخصومة، أي: كان أقدر مني على الاحتجاج والمجادلة، أو: غلبني في الخطبة، حيث خطبت وخطب، فأخذها، وهذا منهما تعريض وتمثيل، كأنهما قالا: نحن كخصمين هذه حالهما، فمثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة، وخليطه له تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة، فطمع في نعجة خليطه، وحاجه في أخذها، محاججة حريص على بلوغ مراده. وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه، ليحكم بما حكم به من قوله: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } ، حتى يكون محجوبا بحكمه. وهو جواب عن قسم محذوف، قصد به عليه السلام المبالغة في إنكار فعل صاحبه به، وتهجين طمعه في نعجة من ليس له غيرها، مع أن له قطيعا منها. ولعله عليه السلام قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادعاه عليه، أو: بناه على تقدير صدق المدعي، أي: إن كنت صدقت فقد ظلمك، والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، وتعديته إلى مفعول آخر لتضمينه معنى الضم { وإن كثيرا من الخلطاء } الشركاء الذين خلطوا أموالهم، { ليبغي بعضهم على بعض } غير مراع لحق الصحبة والشركة، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } منهم، فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان، { وقليل ماهم } أي: وهم قليل. و " ما ": مزيدة للإبهام، والتعجب من قلتهم. والجملة: اعتراض. { وظن داود أنما فتناه } ، الظن مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة الظاهرة، أي: علم بما جرى في مجلس الحكومة وقيل: لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى الآخر، فضحك، ثم صعدا إلى السماء فعلم عليه السلام أنه تعالى ابتلاه. والقصر منصب على الفتنة، أي: علم أنما فعلناه به فتنة وامتحان. واختلف في سبب امتحانه، قيل: لأنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقال: يا رب أرى الخير كله ذهب به آبائي، فأوحى إليه: إني ابتليتهم، فصبروا، فابتلي إبراهيم بنمروذ وبذبح ولده، وإسحاق بالذبح. ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، وأنت لم تبتل بشيء، فقال: يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، فابتلي بالمرأة. وقيل: إنه ادعى القوة، وقال: إنه لا يخاف من نفسه قط، فامتحن، { فاستغفر ربه } إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب { وخر راكعا } أي: ساجدا، على تسمية السجود ركوعا، أو: خر راكعا مصليا صلاة التوبة، { وأناب } أي: رجع إلى الله بالتوبة، روي: أنه بقي ساجدا أربعين يوما يبكي، حتى نبت البقل من دموعه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دموع، واشتغل بذلك عن الملك، حتى وثب ابن له، يقال له: " إيشا " على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. ه. وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك، خلافا للشافعي، إلا أنه اختلف في مذهب مالك هل سجد عند قوله: { وأناب } أو عند قوله: { وحسن مآب }. وروى الترمذي " عن أبي سعيد الخدري: أنه رأى في المنام شجرة تقرأ سورة " ص " ، فلما بلغت: " وأناب " سجدت، وقالت: اللهم اكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، فقال له عليه الصلاة والسلام : " وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ " قلت: لا. قال: " كنت أحق بالسجود من الشجرة " ،ثم تلى نبي الله الآيات، حتى بلغ: { وأناب } فسجد، وقال كما قالت الشجرة. { فغفرنا له ذلك } أي: ما استغفر منه. قال القشيري: ولما أوحى الله بالمغفرة، قال: يا رب كيف بحديث الخصم؟ أي: الرجل الذي ظلمته فقال: قد استوهبتك منه. ه. وفي رواية: إني أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه، فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك غفرت لي. ه. قال تعالى: { وإن له عندنا لزلفى } لقربى وكرامة بعد المغفرة، { وحسن مآب } مرجع في الجنة. الإشارة: إنما عوتب داود عليه السلام لأنه التفت إلى الجمال الحسي الفرقي، دون الجمال المعنوي الجمعي، ولو سبته المعاني بجمالها ما التفت إلى الجمال الفرقي، فلما نبهه الحق تعالى استغفر ورجع إلى الجمال المعنوي، الذي هو جمال الحضرة القدسية، وعبارة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: عد عليه التفاته عن الجمال المطلق عن الأشكال والصور إلى المقيد بهما، وهي مقام تفرقة، لا مقام جمع، فاستغفر ورجع إلى شهود الفاعل جمعا، عن شهود فعله فرقا، فخلع عليه خلعة الخلافة والله أعلم. ه. قال القشيري: قال داود عليه السلام: يا رب إني أجد في التوراة أنك أعطيت الأنبياء الرتب العالية، فأعطينها؟ فقال: إنهم صبروا لما ابتليتهم، فوعد من نفسه الصبر إذا ابتلاه، طمعا في مثل تلك الرتب، فأخبر أنه يبتليه يوم كذا، فلما جاء ذلك اليوم دخل خلوته، وأغلق أبوابه، ولم يمكنه غلق باب السماء. وقد قال الحكماء: الهارب مما هو كائن في كف الطالب يتقلب. ثم إنه كان في البيت كوة، يدخل منها النور، فدخل منها طير صغير، كأنه من ذهب، وكان لداود ولد صغير، فهم أن يقبضه لابنه، فما زال يحاول ويتبعه حتى وقع بصره على المرأة، فامتحن بها، فلم يدع به الاهتمام بولده حتى فعل ما فعل، وفي ذلك لأولي الأبصار عبرة. ه. وقال عند قوله: { فغفرنا له ذلك }: التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة، والبكاء، والتضرع، والاستكانة، فوجد المغفرة والتجاوز. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى الله، فالله يكفيه ويتوب عليه، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال: إن زلة قدرها عليك، توصلك إليه بندمك، أحرى بك من طاعة، إعجابك بها يقصيك عن ربك. ه. وفي الحكم: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كل سوء أدب يثمر لك حسن أدب فهو أدب. ه. ولما تحققت إنابته، جعله الله خليفة، كما قال: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض }.

ص 38:22

يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك نبأ الخصم } استفهام، معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما في حيزه لأنه من الأنباء البديعة، والأخبار العجيبة. والخصم في الأصل: مصدر، ولذلك يطلق على الواحد والجمع، كالضيف والزور. وأريد هنا اثنان، وإنما جمع الضمير بناء على أن أقل الجمع اثنان. { إذ تسوروا المحراب } أي: تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور: الحائط المرتفع، ونظيره: تسنمه: إذا علا سنمه. والمحراب: الغرفة، أو: المسجد، سمي محرابا لتحارب الشيطان فيه والخواطر الردية. و " إذ ": متعلق بمحذوف، أي: نبأ تحاكم الخصمين، أو بالخصم لما فيه من معنى الخصومة، { إذ دخلوا على داود }: بدل مما قبله، أو: ظرف لتسوروا، { ففزع منهم }: تروع منهم. روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، قيل: جبريل وميكائيل، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في عبادته، فمنعهما الحرس، فتسوروا عليه المحراب، فلم يشعر إلا وهما بين يديه، جالسان، ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه في غير يوم القضاء، ولأنهم نزلوا من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه. قال الحسن: جزأ داود عليه السلام الدهر أربعة أجزاء يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما للمذاكرة مع بني إسرائيل. فدخلوا عليه يوم عبادته. فلما فزع { قالوا لا تخف } ، نحن { خصمان بغى بعضنا على بعض } أي: ظلم وتطاول عليه، { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } لا تجر، من: الشطط، وهو مجاوزة الحد وتخطي الحق، { واهدنا إلى سواء الصراط } وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته، والمراد: عين الحق وصريحه. روي: أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك. وكان في أول الإسلام شيء من ذلك بين المهاجرين والأنصار، فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على امرأة أوريا، وكانت جميلة، فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها، وهي أم سليمان فعوتب في ذلك، وقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة، كان الواجب عليك مغالبة هواك، وقهر نفسك، واصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا، وخطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. ه. ولعلم لم يكن محرما في شرعهم، وإنما كان خلاف الأولى. وقال شيخ شيوخنا في حاشيته: لا يصح هذا في حق الأنبياء، وما يحكى أنه بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة، وأحب أن يقتل ليتزوجها، فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أبناء الناس، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وقال علي كرم الله وجهه : من حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء يعني الحد مرتين . وروي: أن رجلا حدث بها عند عمر بن عبد العزيز، وعند رجل من أهل الحق، فكذب المحدث، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فما ينبغي أن يلتمس خلافها، ولا أن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت، وقد سترها الله على نبيه، فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: لسماعي لهذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا أنه طلب من زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب، فتزوجها، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض، دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ، من قبل أن المتأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنا من قلبه، وأعظم أثرا فيه، مع مراعاة حسن الأدب، بترك المجاهرة بالعتاب. قاله النفسي. ثم ذكر التعريض بقوله: { إن هذا أخي } في الدين، أو: في الصداقة، أو: الشركة. والتعبير به لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه، { له تسع وتسعون نعجة } النعجة: الأنثى من الضأن، وقد يكنى بها عن المرأة، والكناية والتعريض أبلغ من التصريح. { ولي نعجة واحدة } لا أملك غيرها، { فقال اكفلنيها } أي: ملكنيها، واجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، { وعزني } غلبني { في الخطاب } في الخصومة، أي: كان أقدر مني على الاحتجاج والمجادلة، أو: غلبني في الخطبة، حيث خطبت وخطب، فأخذها، وهذا منهما تعريض وتمثيل، كأنهما قالا: نحن كخصمين هذه حالهما، فمثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة، وخليطه له تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة، فطمع في نعجة خليطه، وحاجه في أخذها، محاججة حريص على بلوغ مراده. وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه، ليحكم بما حكم به من قوله: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } ، حتى يكون محجوبا بحكمه. وهو جواب عن قسم محذوف، قصد به عليه السلام المبالغة في إنكار فعل صاحبه به، وتهجين طمعه في نعجة من ليس له غيرها، مع أن له قطيعا منها. ولعله عليه السلام قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادعاه عليه، أو: بناه على تقدير صدق المدعي، أي: إن كنت صدقت فقد ظلمك، والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، وتعديته إلى مفعول آخر لتضمينه معنى الضم { وإن كثيرا من الخلطاء } الشركاء الذين خلطوا أموالهم، { ليبغي بعضهم على بعض } غير مراع لحق الصحبة والشركة، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } منهم، فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان، { وقليل ماهم } أي: وهم قليل. و " ما ": مزيدة للإبهام، والتعجب من قلتهم. والجملة: اعتراض. { وظن داود أنما فتناه } ، الظن مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة الظاهرة، أي: علم بما جرى في مجلس الحكومة وقيل: لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى الآخر، فضحك، ثم صعدا إلى السماء فعلم عليه السلام أنه تعالى ابتلاه. والقصر منصب على الفتنة، أي: علم أنما فعلناه به فتنة وامتحان. واختلف في سبب امتحانه، قيل: لأنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقال: يا رب أرى الخير كله ذهب به آبائي، فأوحى إليه: إني ابتليتهم، فصبروا، فابتلي إبراهيم بنمروذ وبذبح ولده، وإسحاق بالذبح. ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، وأنت لم تبتل بشيء، فقال: يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، فابتلي بالمرأة. وقيل: إنه ادعى القوة، وقال: إنه لا يخاف من نفسه قط، فامتحن، { فاستغفر ربه } إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب { وخر راكعا } أي: ساجدا، على تسمية السجود ركوعا، أو: خر راكعا مصليا صلاة التوبة، { وأناب } أي: رجع إلى الله بالتوبة، روي: أنه بقي ساجدا أربعين يوما يبكي، حتى نبت البقل من دموعه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دموع، واشتغل بذلك عن الملك، حتى وثب ابن له، يقال له: " إيشا " على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. ه. وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك، خلافا للشافعي، إلا أنه اختلف في مذهب مالك هل سجد عند قوله: { وأناب } أو عند قوله: { وحسن مآب }. وروى الترمذي " عن أبي سعيد الخدري: أنه رأى في المنام شجرة تقرأ سورة " ص " ، فلما بلغت: " وأناب " سجدت، وقالت: اللهم اكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، فقال له عليه الصلاة والسلام : " وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ " قلت: لا. قال: " كنت أحق بالسجود من الشجرة " ،ثم تلى نبي الله الآيات، حتى بلغ: { وأناب } فسجد، وقال كما قالت الشجرة. { فغفرنا له ذلك } أي: ما استغفر منه. قال القشيري: ولما أوحى الله بالمغفرة، قال: يا رب كيف بحديث الخصم؟ أي: الرجل الذي ظلمته فقال: قد استوهبتك منه. ه. وفي رواية: إني أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه، فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك غفرت لي. ه. قال تعالى: { وإن له عندنا لزلفى } لقربى وكرامة بعد المغفرة، { وحسن مآب } مرجع في الجنة. الإشارة: إنما عوتب داود عليه السلام لأنه التفت إلى الجمال الحسي الفرقي، دون الجمال المعنوي الجمعي، ولو سبته المعاني بجمالها ما التفت إلى الجمال الفرقي، فلما نبهه الحق تعالى استغفر ورجع إلى الجمال المعنوي، الذي هو جمال الحضرة القدسية، وعبارة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: عد عليه التفاته عن الجمال المطلق عن الأشكال والصور إلى المقيد بهما، وهي مقام تفرقة، لا مقام جمع، فاستغفر ورجع إلى شهود الفاعل جمعا، عن شهود فعله فرقا، فخلع عليه خلعة الخلافة والله أعلم. ه. قال القشيري: قال داود عليه السلام: يا رب إني أجد في التوراة أنك أعطيت الأنبياء الرتب العالية، فأعطينها؟ فقال: إنهم صبروا لما ابتليتهم، فوعد من نفسه الصبر إذا ابتلاه، طمعا في مثل تلك الرتب، فأخبر أنه يبتليه يوم كذا، فلما جاء ذلك اليوم دخل خلوته، وأغلق أبوابه، ولم يمكنه غلق باب السماء. وقد قال الحكماء: الهارب مما هو كائن في كف الطالب يتقلب. ثم إنه كان في البيت كوة، يدخل منها النور، فدخل منها طير صغير، كأنه من ذهب، وكان لداود ولد صغير، فهم أن يقبضه لابنه، فما زال يحاول ويتبعه حتى وقع بصره على المرأة، فامتحن بها، فلم يدع به الاهتمام بولده حتى فعل ما فعل، وفي ذلك لأولي الأبصار عبرة. ه. وقال عند قوله: { فغفرنا له ذلك }: التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة، والبكاء، والتضرع، والاستكانة، فوجد المغفرة والتجاوز. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى الله، فالله يكفيه ويتوب عليه، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال: إن زلة قدرها عليك، توصلك إليه بندمك، أحرى بك من طاعة، إعجابك بها يقصيك عن ربك. ه. وفي الحكم: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كل سوء أدب يثمر لك حسن أدب فهو أدب. ه. ولما تحققت إنابته، جعله الله خليفة، كما قال: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض }.

ص 38:23

يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك نبأ الخصم } استفهام، معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما في حيزه لأنه من الأنباء البديعة، والأخبار العجيبة. والخصم في الأصل: مصدر، ولذلك يطلق على الواحد والجمع، كالضيف والزور. وأريد هنا اثنان، وإنما جمع الضمير بناء على أن أقل الجمع اثنان. { إذ تسوروا المحراب } أي: تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور: الحائط المرتفع، ونظيره: تسنمه: إذا علا سنمه. والمحراب: الغرفة، أو: المسجد، سمي محرابا لتحارب الشيطان فيه والخواطر الردية. و " إذ ": متعلق بمحذوف، أي: نبأ تحاكم الخصمين، أو بالخصم لما فيه من معنى الخصومة، { إذ دخلوا على داود }: بدل مما قبله، أو: ظرف لتسوروا، { ففزع منهم }: تروع منهم. روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، قيل: جبريل وميكائيل، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في عبادته، فمنعهما الحرس، فتسوروا عليه المحراب، فلم يشعر إلا وهما بين يديه، جالسان، ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه في غير يوم القضاء، ولأنهم نزلوا من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه. قال الحسن: جزأ داود عليه السلام الدهر أربعة أجزاء يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما للمذاكرة مع بني إسرائيل. فدخلوا عليه يوم عبادته. فلما فزع { قالوا لا تخف } ، نحن { خصمان بغى بعضنا على بعض } أي: ظلم وتطاول عليه، { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } لا تجر، من: الشطط، وهو مجاوزة الحد وتخطي الحق، { واهدنا إلى سواء الصراط } وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته، والمراد: عين الحق وصريحه. روي: أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك. وكان في أول الإسلام شيء من ذلك بين المهاجرين والأنصار، فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على امرأة أوريا، وكانت جميلة، فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها، وهي أم سليمان فعوتب في ذلك، وقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة، كان الواجب عليك مغالبة هواك، وقهر نفسك، واصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا، وخطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. ه. ولعلم لم يكن محرما في شرعهم، وإنما كان خلاف الأولى. وقال شيخ شيوخنا في حاشيته: لا يصح هذا في حق الأنبياء، وما يحكى أنه بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة، وأحب أن يقتل ليتزوجها، فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أبناء الناس، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وقال علي كرم الله وجهه : من حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء يعني الحد مرتين . وروي: أن رجلا حدث بها عند عمر بن عبد العزيز، وعند رجل من أهل الحق، فكذب المحدث، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فما ينبغي أن يلتمس خلافها، ولا أن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت، وقد سترها الله على نبيه، فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: لسماعي لهذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا أنه طلب من زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب، فتزوجها، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض، دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ، من قبل أن المتأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنا من قلبه، وأعظم أثرا فيه، مع مراعاة حسن الأدب، بترك المجاهرة بالعتاب. قاله النفسي. ثم ذكر التعريض بقوله: { إن هذا أخي } في الدين، أو: في الصداقة، أو: الشركة. والتعبير به لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه، { له تسع وتسعون نعجة } النعجة: الأنثى من الضأن، وقد يكنى بها عن المرأة، والكناية والتعريض أبلغ من التصريح. { ولي نعجة واحدة } لا أملك غيرها، { فقال اكفلنيها } أي: ملكنيها، واجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، { وعزني } غلبني { في الخطاب } في الخصومة، أي: كان أقدر مني على الاحتجاج والمجادلة، أو: غلبني في الخطبة، حيث خطبت وخطب، فأخذها، وهذا منهما تعريض وتمثيل، كأنهما قالا: نحن كخصمين هذه حالهما، فمثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة، وخليطه له تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة، فطمع في نعجة خليطه، وحاجه في أخذها، محاججة حريص على بلوغ مراده. وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه، ليحكم بما حكم به من قوله: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } ، حتى يكون محجوبا بحكمه. وهو جواب عن قسم محذوف، قصد به عليه السلام المبالغة في إنكار فعل صاحبه به، وتهجين طمعه في نعجة من ليس له غيرها، مع أن له قطيعا منها. ولعله عليه السلام قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادعاه عليه، أو: بناه على تقدير صدق المدعي، أي: إن كنت صدقت فقد ظلمك، والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، وتعديته إلى مفعول آخر لتضمينه معنى الضم { وإن كثيرا من الخلطاء } الشركاء الذين خلطوا أموالهم، { ليبغي بعضهم على بعض } غير مراع لحق الصحبة والشركة، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } منهم، فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان، { وقليل ماهم } أي: وهم قليل. و " ما ": مزيدة للإبهام، والتعجب من قلتهم. والجملة: اعتراض. { وظن داود أنما فتناه } ، الظن مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة الظاهرة، أي: علم بما جرى في مجلس الحكومة وقيل: لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى الآخر، فضحك، ثم صعدا إلى السماء فعلم عليه السلام أنه تعالى ابتلاه. والقصر منصب على الفتنة، أي: علم أنما فعلناه به فتنة وامتحان. واختلف في سبب امتحانه، قيل: لأنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقال: يا رب أرى الخير كله ذهب به آبائي، فأوحى إليه: إني ابتليتهم، فصبروا، فابتلي إبراهيم بنمروذ وبذبح ولده، وإسحاق بالذبح. ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، وأنت لم تبتل بشيء، فقال: يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، فابتلي بالمرأة. وقيل: إنه ادعى القوة، وقال: إنه لا يخاف من نفسه قط، فامتحن، { فاستغفر ربه } إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب { وخر راكعا } أي: ساجدا، على تسمية السجود ركوعا، أو: خر راكعا مصليا صلاة التوبة، { وأناب } أي: رجع إلى الله بالتوبة، روي: أنه بقي ساجدا أربعين يوما يبكي، حتى نبت البقل من دموعه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دموع، واشتغل بذلك عن الملك، حتى وثب ابن له، يقال له: " إيشا " على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. ه. وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك، خلافا للشافعي، إلا أنه اختلف في مذهب مالك هل سجد عند قوله: { وأناب } أو عند قوله: { وحسن مآب }. وروى الترمذي " عن أبي سعيد الخدري: أنه رأى في المنام شجرة تقرأ سورة " ص " ، فلما بلغت: " وأناب " سجدت، وقالت: اللهم اكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، فقال له عليه الصلاة والسلام : " وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ " قلت: لا. قال: " كنت أحق بالسجود من الشجرة " ،ثم تلى نبي الله الآيات، حتى بلغ: { وأناب } فسجد، وقال كما قالت الشجرة. { فغفرنا له ذلك } أي: ما استغفر منه. قال القشيري: ولما أوحى الله بالمغفرة، قال: يا رب كيف بحديث الخصم؟ أي: الرجل الذي ظلمته فقال: قد استوهبتك منه. ه. وفي رواية: إني أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه، فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك غفرت لي. ه. قال تعالى: { وإن له عندنا لزلفى } لقربى وكرامة بعد المغفرة، { وحسن مآب } مرجع في الجنة. الإشارة: إنما عوتب داود عليه السلام لأنه التفت إلى الجمال الحسي الفرقي، دون الجمال المعنوي الجمعي، ولو سبته المعاني بجمالها ما التفت إلى الجمال الفرقي، فلما نبهه الحق تعالى استغفر ورجع إلى الجمال المعنوي، الذي هو جمال الحضرة القدسية، وعبارة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: عد عليه التفاته عن الجمال المطلق عن الأشكال والصور إلى المقيد بهما، وهي مقام تفرقة، لا مقام جمع، فاستغفر ورجع إلى شهود الفاعل جمعا، عن شهود فعله فرقا، فخلع عليه خلعة الخلافة والله أعلم. ه. قال القشيري: قال داود عليه السلام: يا رب إني أجد في التوراة أنك أعطيت الأنبياء الرتب العالية، فأعطينها؟ فقال: إنهم صبروا لما ابتليتهم، فوعد من نفسه الصبر إذا ابتلاه، طمعا في مثل تلك الرتب، فأخبر أنه يبتليه يوم كذا، فلما جاء ذلك اليوم دخل خلوته، وأغلق أبوابه، ولم يمكنه غلق باب السماء. وقد قال الحكماء: الهارب مما هو كائن في كف الطالب يتقلب. ثم إنه كان في البيت كوة، يدخل منها النور، فدخل منها طير صغير، كأنه من ذهب، وكان لداود ولد صغير، فهم أن يقبضه لابنه، فما زال يحاول ويتبعه حتى وقع بصره على المرأة، فامتحن بها، فلم يدع به الاهتمام بولده حتى فعل ما فعل، وفي ذلك لأولي الأبصار عبرة. ه. وقال عند قوله: { فغفرنا له ذلك }: التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة، والبكاء، والتضرع، والاستكانة، فوجد المغفرة والتجاوز. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى الله، فالله يكفيه ويتوب عليه، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال: إن زلة قدرها عليك، توصلك إليه بندمك، أحرى بك من طاعة، إعجابك بها يقصيك عن ربك. ه. وفي الحكم: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كل سوء أدب يثمر لك حسن أدب فهو أدب. ه. ولما تحققت إنابته، جعله الله خليفة، كما قال: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض }.

ص 38:24

يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك نبأ الخصم } استفهام، معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما في حيزه لأنه من الأنباء البديعة، والأخبار العجيبة. والخصم في الأصل: مصدر، ولذلك يطلق على الواحد والجمع، كالضيف والزور. وأريد هنا اثنان، وإنما جمع الضمير بناء على أن أقل الجمع اثنان. { إذ تسوروا المحراب } أي: تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور: الحائط المرتفع، ونظيره: تسنمه: إذا علا سنمه. والمحراب: الغرفة، أو: المسجد، سمي محرابا لتحارب الشيطان فيه والخواطر الردية. و " إذ ": متعلق بمحذوف، أي: نبأ تحاكم الخصمين، أو بالخصم لما فيه من معنى الخصومة، { إذ دخلوا على داود }: بدل مما قبله، أو: ظرف لتسوروا، { ففزع منهم }: تروع منهم. روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، قيل: جبريل وميكائيل، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في عبادته، فمنعهما الحرس، فتسوروا عليه المحراب، فلم يشعر إلا وهما بين يديه، جالسان، ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه في غير يوم القضاء، ولأنهم نزلوا من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه. قال الحسن: جزأ داود عليه السلام الدهر أربعة أجزاء يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما للمذاكرة مع بني إسرائيل. فدخلوا عليه يوم عبادته. فلما فزع { قالوا لا تخف } ، نحن { خصمان بغى بعضنا على بعض } أي: ظلم وتطاول عليه، { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } لا تجر، من: الشطط، وهو مجاوزة الحد وتخطي الحق، { واهدنا إلى سواء الصراط } وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته، والمراد: عين الحق وصريحه. روي: أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك. وكان في أول الإسلام شيء من ذلك بين المهاجرين والأنصار، فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على امرأة أوريا، وكانت جميلة، فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها، وهي أم سليمان فعوتب في ذلك، وقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة، كان الواجب عليك مغالبة هواك، وقهر نفسك، واصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا، وخطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. ه. ولعلم لم يكن محرما في شرعهم، وإنما كان خلاف الأولى. وقال شيخ شيوخنا في حاشيته: لا يصح هذا في حق الأنبياء، وما يحكى أنه بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة، وأحب أن يقتل ليتزوجها، فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أبناء الناس، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وقال علي كرم الله وجهه : من حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء يعني الحد مرتين . وروي: أن رجلا حدث بها عند عمر بن عبد العزيز، وعند رجل من أهل الحق، فكذب المحدث، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فما ينبغي أن يلتمس خلافها، ولا أن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت، وقد سترها الله على نبيه، فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: لسماعي لهذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا أنه طلب من زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب، فتزوجها، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض، دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ، من قبل أن المتأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنا من قلبه، وأعظم أثرا فيه، مع مراعاة حسن الأدب، بترك المجاهرة بالعتاب. قاله النفسي. ثم ذكر التعريض بقوله: { إن هذا أخي } في الدين، أو: في الصداقة، أو: الشركة. والتعبير به لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه، { له تسع وتسعون نعجة } النعجة: الأنثى من الضأن، وقد يكنى بها عن المرأة، والكناية والتعريض أبلغ من التصريح. { ولي نعجة واحدة } لا أملك غيرها، { فقال اكفلنيها } أي: ملكنيها، واجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، { وعزني } غلبني { في الخطاب } في الخصومة، أي: كان أقدر مني على الاحتجاج والمجادلة، أو: غلبني في الخطبة، حيث خطبت وخطب، فأخذها، وهذا منهما تعريض وتمثيل، كأنهما قالا: نحن كخصمين هذه حالهما، فمثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة، وخليطه له تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة، فطمع في نعجة خليطه، وحاجه في أخذها، محاججة حريص على بلوغ مراده. وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه، ليحكم بما حكم به من قوله: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } ، حتى يكون محجوبا بحكمه. وهو جواب عن قسم محذوف، قصد به عليه السلام المبالغة في إنكار فعل صاحبه به، وتهجين طمعه في نعجة من ليس له غيرها، مع أن له قطيعا منها. ولعله عليه السلام قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادعاه عليه، أو: بناه على تقدير صدق المدعي، أي: إن كنت صدقت فقد ظلمك، والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، وتعديته إلى مفعول آخر لتضمينه معنى الضم { وإن كثيرا من الخلطاء } الشركاء الذين خلطوا أموالهم، { ليبغي بعضهم على بعض } غير مراع لحق الصحبة والشركة، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } منهم، فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان، { وقليل ماهم } أي: وهم قليل. و " ما ": مزيدة للإبهام، والتعجب من قلتهم. والجملة: اعتراض. { وظن داود أنما فتناه } ، الظن مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة الظاهرة، أي: علم بما جرى في مجلس الحكومة وقيل: لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى الآخر، فضحك، ثم صعدا إلى السماء فعلم عليه السلام أنه تعالى ابتلاه. والقصر منصب على الفتنة، أي: علم أنما فعلناه به فتنة وامتحان. واختلف في سبب امتحانه، قيل: لأنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقال: يا رب أرى الخير كله ذهب به آبائي، فأوحى إليه: إني ابتليتهم، فصبروا، فابتلي إبراهيم بنمروذ وبذبح ولده، وإسحاق بالذبح. ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، وأنت لم تبتل بشيء، فقال: يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، فابتلي بالمرأة. وقيل: إنه ادعى القوة، وقال: إنه لا يخاف من نفسه قط، فامتحن، { فاستغفر ربه } إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب { وخر راكعا } أي: ساجدا، على تسمية السجود ركوعا، أو: خر راكعا مصليا صلاة التوبة، { وأناب } أي: رجع إلى الله بالتوبة، روي: أنه بقي ساجدا أربعين يوما يبكي، حتى نبت البقل من دموعه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دموع، واشتغل بذلك عن الملك، حتى وثب ابن له، يقال له: " إيشا " على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. ه. وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك، خلافا للشافعي، إلا أنه اختلف في مذهب مالك هل سجد عند قوله: { وأناب } أو عند قوله: { وحسن مآب }. وروى الترمذي " عن أبي سعيد الخدري: أنه رأى في المنام شجرة تقرأ سورة " ص " ، فلما بلغت: " وأناب " سجدت، وقالت: اللهم اكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، فقال له عليه الصلاة والسلام : " وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ " قلت: لا. قال: " كنت أحق بالسجود من الشجرة " ،ثم تلى نبي الله الآيات، حتى بلغ: { وأناب } فسجد، وقال كما قالت الشجرة. { فغفرنا له ذلك } أي: ما استغفر منه. قال القشيري: ولما أوحى الله بالمغفرة، قال: يا رب كيف بحديث الخصم؟ أي: الرجل الذي ظلمته فقال: قد استوهبتك منه. ه. وفي رواية: إني أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه، فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك غفرت لي. ه. قال تعالى: { وإن له عندنا لزلفى } لقربى وكرامة بعد المغفرة، { وحسن مآب } مرجع في الجنة. الإشارة: إنما عوتب داود عليه السلام لأنه التفت إلى الجمال الحسي الفرقي، دون الجمال المعنوي الجمعي، ولو سبته المعاني بجمالها ما التفت إلى الجمال الفرقي، فلما نبهه الحق تعالى استغفر ورجع إلى الجمال المعنوي، الذي هو جمال الحضرة القدسية، وعبارة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: عد عليه التفاته عن الجمال المطلق عن الأشكال والصور إلى المقيد بهما، وهي مقام تفرقة، لا مقام جمع، فاستغفر ورجع إلى شهود الفاعل جمعا، عن شهود فعله فرقا، فخلع عليه خلعة الخلافة والله أعلم. ه. قال القشيري: قال داود عليه السلام: يا رب إني أجد في التوراة أنك أعطيت الأنبياء الرتب العالية، فأعطينها؟ فقال: إنهم صبروا لما ابتليتهم، فوعد من نفسه الصبر إذا ابتلاه، طمعا في مثل تلك الرتب، فأخبر أنه يبتليه يوم كذا، فلما جاء ذلك اليوم دخل خلوته، وأغلق أبوابه، ولم يمكنه غلق باب السماء. وقد قال الحكماء: الهارب مما هو كائن في كف الطالب يتقلب. ثم إنه كان في البيت كوة، يدخل منها النور، فدخل منها طير صغير، كأنه من ذهب، وكان لداود ولد صغير، فهم أن يقبضه لابنه، فما زال يحاول ويتبعه حتى وقع بصره على المرأة، فامتحن بها، فلم يدع به الاهتمام بولده حتى فعل ما فعل، وفي ذلك لأولي الأبصار عبرة. ه. وقال عند قوله: { فغفرنا له ذلك }: التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة، والبكاء، والتضرع، والاستكانة، فوجد المغفرة والتجاوز. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى الله، فالله يكفيه ويتوب عليه، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال: إن زلة قدرها عليك، توصلك إليه بندمك، أحرى بك من طاعة، إعجابك بها يقصيك عن ربك. ه. وفي الحكم: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كل سوء أدب يثمر لك حسن أدب فهو أدب. ه. ولما تحققت إنابته، جعله الله خليفة، كما قال: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض }.

ص 38:25

يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك نبأ الخصم } استفهام، معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما في حيزه لأنه من الأنباء البديعة، والأخبار العجيبة. والخصم في الأصل: مصدر، ولذلك يطلق على الواحد والجمع، كالضيف والزور. وأريد هنا اثنان، وإنما جمع الضمير بناء على أن أقل الجمع اثنان. { إذ تسوروا المحراب } أي: تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور: الحائط المرتفع، ونظيره: تسنمه: إذا علا سنمه. والمحراب: الغرفة، أو: المسجد، سمي محرابا لتحارب الشيطان فيه والخواطر الردية. و " إذ ": متعلق بمحذوف، أي: نبأ تحاكم الخصمين، أو بالخصم لما فيه من معنى الخصومة، { إذ دخلوا على داود }: بدل مما قبله، أو: ظرف لتسوروا، { ففزع منهم }: تروع منهم. روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، قيل: جبريل وميكائيل، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في عبادته، فمنعهما الحرس، فتسوروا عليه المحراب، فلم يشعر إلا وهما بين يديه، جالسان، ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه في غير يوم القضاء، ولأنهم نزلوا من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه. قال الحسن: جزأ داود عليه السلام الدهر أربعة أجزاء يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما للمذاكرة مع بني إسرائيل. فدخلوا عليه يوم عبادته. فلما فزع { قالوا لا تخف } ، نحن { خصمان بغى بعضنا على بعض } أي: ظلم وتطاول عليه، { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } لا تجر، من: الشطط، وهو مجاوزة الحد وتخطي الحق، { واهدنا إلى سواء الصراط } وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته، والمراد: عين الحق وصريحه. روي: أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك. وكان في أول الإسلام شيء من ذلك بين المهاجرين والأنصار، فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على امرأة أوريا، وكانت جميلة، فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها، وهي أم سليمان فعوتب في ذلك، وقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة، كان الواجب عليك مغالبة هواك، وقهر نفسك، واصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا، وخطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. ه. ولعلم لم يكن محرما في شرعهم، وإنما كان خلاف الأولى. وقال شيخ شيوخنا في حاشيته: لا يصح هذا في حق الأنبياء، وما يحكى أنه بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة، وأحب أن يقتل ليتزوجها، فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أبناء الناس، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وقال علي كرم الله وجهه : من حدثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء يعني الحد مرتين . وروي: أن رجلا حدث بها عند عمر بن عبد العزيز، وعند رجل من أهل الحق، فكذب المحدث، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فما ينبغي أن يلتمس خلافها، ولا أن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت، وقد سترها الله على نبيه، فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: لسماعي لهذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا أنه طلب من زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب، فتزوجها، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض، دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ، من قبل أن المتأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنا من قلبه، وأعظم أثرا فيه، مع مراعاة حسن الأدب، بترك المجاهرة بالعتاب. قاله النفسي. ثم ذكر التعريض بقوله: { إن هذا أخي } في الدين، أو: في الصداقة، أو: الشركة. والتعبير به لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه، { له تسع وتسعون نعجة } النعجة: الأنثى من الضأن، وقد يكنى بها عن المرأة، والكناية والتعريض أبلغ من التصريح. { ولي نعجة واحدة } لا أملك غيرها، { فقال اكفلنيها } أي: ملكنيها، واجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، { وعزني } غلبني { في الخطاب } في الخصومة، أي: كان أقدر مني على الاحتجاج والمجادلة، أو: غلبني في الخطبة، حيث خطبت وخطب، فأخذها، وهذا منهما تعريض وتمثيل، كأنهما قالا: نحن كخصمين هذه حالهما، فمثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة، وخليطه له تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة، فطمع في نعجة خليطه، وحاجه في أخذها، محاججة حريص على بلوغ مراده. وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه، ليحكم بما حكم به من قوله: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } ، حتى يكون محجوبا بحكمه. وهو جواب عن قسم محذوف، قصد به عليه السلام المبالغة في إنكار فعل صاحبه به، وتهجين طمعه في نعجة من ليس له غيرها، مع أن له قطيعا منها. ولعله عليه السلام قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادعاه عليه، أو: بناه على تقدير صدق المدعي، أي: إن كنت صدقت فقد ظلمك، والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، وتعديته إلى مفعول آخر لتضمينه معنى الضم { وإن كثيرا من الخلطاء } الشركاء الذين خلطوا أموالهم، { ليبغي بعضهم على بعض } غير مراع لحق الصحبة والشركة، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } منهم، فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان، { وقليل ماهم } أي: وهم قليل. و " ما ": مزيدة للإبهام، والتعجب من قلتهم. والجملة: اعتراض. { وظن داود أنما فتناه } ، الظن مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة الظاهرة، أي: علم بما جرى في مجلس الحكومة وقيل: لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى الآخر، فضحك، ثم صعدا إلى السماء فعلم عليه السلام أنه تعالى ابتلاه. والقصر منصب على الفتنة، أي: علم أنما فعلناه به فتنة وامتحان. واختلف في سبب امتحانه، قيل: لأنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقال: يا رب أرى الخير كله ذهب به آبائي، فأوحى إليه: إني ابتليتهم، فصبروا، فابتلي إبراهيم بنمروذ وبذبح ولده، وإسحاق بالذبح. ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، وأنت لم تبتل بشيء، فقال: يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، فابتلي بالمرأة. وقيل: إنه ادعى القوة، وقال: إنه لا يخاف من نفسه قط، فامتحن، { فاستغفر ربه } إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب { وخر راكعا } أي: ساجدا، على تسمية السجود ركوعا، أو: خر راكعا مصليا صلاة التوبة، { وأناب } أي: رجع إلى الله بالتوبة، روي: أنه بقي ساجدا أربعين يوما يبكي، حتى نبت البقل من دموعه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دموع، واشتغل بذلك عن الملك، حتى وثب ابن له، يقال له: " إيشا " على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. ه. وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك، خلافا للشافعي، إلا أنه اختلف في مذهب مالك هل سجد عند قوله: { وأناب } أو عند قوله: { وحسن مآب }. وروى الترمذي " عن أبي سعيد الخدري: أنه رأى في المنام شجرة تقرأ سورة " ص " ، فلما بلغت: " وأناب " سجدت، وقالت: اللهم اكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، فقال له عليه الصلاة والسلام : " وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ " قلت: لا. قال: " كنت أحق بالسجود من الشجرة " ،ثم تلى نبي الله الآيات، حتى بلغ: { وأناب } فسجد، وقال كما قالت الشجرة. { فغفرنا له ذلك } أي: ما استغفر منه. قال القشيري: ولما أوحى الله بالمغفرة، قال: يا رب كيف بحديث الخصم؟ أي: الرجل الذي ظلمته فقال: قد استوهبتك منه. ه. وفي رواية: إني أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه، فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك غفرت لي. ه. قال تعالى: { وإن له عندنا لزلفى } لقربى وكرامة بعد المغفرة، { وحسن مآب } مرجع في الجنة. الإشارة: إنما عوتب داود عليه السلام لأنه التفت إلى الجمال الحسي الفرقي، دون الجمال المعنوي الجمعي، ولو سبته المعاني بجمالها ما التفت إلى الجمال الفرقي، فلما نبهه الحق تعالى استغفر ورجع إلى الجمال المعنوي، الذي هو جمال الحضرة القدسية، وعبارة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: عد عليه التفاته عن الجمال المطلق عن الأشكال والصور إلى المقيد بهما، وهي مقام تفرقة، لا مقام جمع، فاستغفر ورجع إلى شهود الفاعل جمعا، عن شهود فعله فرقا، فخلع عليه خلعة الخلافة والله أعلم. ه. قال القشيري: قال داود عليه السلام: يا رب إني أجد في التوراة أنك أعطيت الأنبياء الرتب العالية، فأعطينها؟ فقال: إنهم صبروا لما ابتليتهم، فوعد من نفسه الصبر إذا ابتلاه، طمعا في مثل تلك الرتب، فأخبر أنه يبتليه يوم كذا، فلما جاء ذلك اليوم دخل خلوته، وأغلق أبوابه، ولم يمكنه غلق باب السماء. وقد قال الحكماء: الهارب مما هو كائن في كف الطالب يتقلب. ثم إنه كان في البيت كوة، يدخل منها النور، فدخل منها طير صغير، كأنه من ذهب، وكان لداود ولد صغير، فهم أن يقبضه لابنه، فما زال يحاول ويتبعه حتى وقع بصره على المرأة، فامتحن بها، فلم يدع به الاهتمام بولده حتى فعل ما فعل، وفي ذلك لأولي الأبصار عبرة. ه. وقال عند قوله: { فغفرنا له ذلك }: التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة، والبكاء، والتضرع، والاستكانة، فوجد المغفرة والتجاوز. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى الله، فالله يكفيه ويتوب عليه، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال: إن زلة قدرها عليك، توصلك إليه بندمك، أحرى بك من طاعة، إعجابك بها يقصيك عن ربك. ه. وفي الحكم: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كل سوء أدب يثمر لك حسن أدب فهو أدب. ه. ولما تحققت إنابته، جعله الله خليفة، كما قال: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض }.

ص 38:26

يقول الحق جل جلاله: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } أي: استخلفناك على الملك فيها، والحكم فيما بين أهلها، أو: جعلناك عمن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق، وفيه دليل على أن حاله عليه السلام بعد التوبة، كما كان قبلها، لم يتغير قط، خلاف ما نقله الثعلبي من تغير حاله وصوته، ومنع الطيور من إجابته، فانظره. { فاحكم بين الناس بالحق } بحكم الله تعالى، إذ كنت خليفته، أو: بالعدل، { ولا تتبع الهوى } أي: هوى النفس في الحكومات، وغيرها من أمور الدين والدنيا، بل قف عند ما حد لك. وفيه تنبيه على أن أقبح جنايات العبد متابعة هواه، { فيضلك عن سبيل الله } أي: فيكون الهوى، أو اتباعه، سببا لضلالك عن دلائله اللاتي نصبها على الحق، تكوينا وتشريعا. و " يضلك ": منصوب في جواب النهي، أو: مجزوم، فتح لالتقاء الساكنين. { إن الذين يضلون عن سبيل الله } عن طريقه الموصلة إليه. وأظهر " سبيل الله " في موضع الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه، { لهم عذاب شديد بما نسوا } بسبب نسيانهم { يوم الحساب } فإن تذكره وترداده على القلب يقتضي ملازمة الحق ومباعدة الهوى. { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما } من المخلوقات على هذا النظام البديع { باطلا } أي: خلقا باطلا، عاريا عن الحكمة، أو: مبطلين عابثين، بل لحكم بالغة، وأسرار باهرة، حيث خلقنا من بينها نفوسا، أودعناها العقل لتميز بين الحق والباطل، والنافع والضار، ومكناها من التصرفات العلمية والعملية، في استجلاب منافعها، واستدفاع مضارها، ونصبنا لها للحق دلائل آفاقية، ونفسية، ومنحناها القدرة على الاستشهاد بها، ثم لم نقتصر على ذلك المقدار من الألطاف، بل أرسلنا إليها رسلا، وأنزلنا عليها كتبا، بينا فيها كيفية الأدب معنا، وهيئة السير إلى حضرة قدسنا، وقيضنا لها جهابذة، غاصوا على جواهر معانيها، فاستخرجوا منها كيفية المعاملة معنا، ظاهرا وباطنا، وأوعدنا فيها بالعقاب لمن أعرض عنها، ووعدنا بالثواب الجزيل لمن تمسك بها، ولم نخلق شيئا باطلا. { ذلك ظن الذين كفروا } ، الإشارة إلى خلق العبث، والظن بمعنى المظنون، أي: خلقها عبثا هو مظنون الذين كفروا، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث، وإن لم يصرحوا بذلك لأنه لما كان إنكارهم للبعث، والثواب، والحساب، والعقاب، التي عليها يدور فلك تكوين العالم، مؤديا إلى خلقها عبثا، جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم، فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم. { فويل للذين كفروا من النار }. الفاء سببية لإفادة ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل، وأظهر في موضع الإضمار للإشعار بأن الكفر علة ثبوت الويل لهم، و " من النار ": تعليلية، كما في قوله: فويل لهم مما كتبت أيديهم [البقرة: 79] أي: فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم. { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض } ، " أم ": منقطعة، والاستفهام فيها للإنكار، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما تقول الكفرة لاستوت أحوال أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة، ومن سوى بينهما كان سفيها، ولم يكن حكيما، أي: بل أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض، كما يقتضيه عدم البعث وما يترتب عليه من الجزاء لاستواء الفريقين في التمتع في الحياة الدينا، بل الكفرة أوفر حظا فيها من المؤمنين، مع صبر المؤمنين، وتعبهم في مشاق الطاعات، لكن ذلك الجعل محال، فتعين البعث والجزاء لرفع الأولين إلى أعلى عليين، وخفض الآخرين إلى أسفل سافلين. { أم نجعل المتقين كالفجار } إنكار للتسوية بين الفريقين المذكورين، وحمل الفجار على فجرة المؤمنين مما لا يساعده المقام، ويجوز أن يراد بهذين الفريقين عين الأولين، ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين، هما أدخل في إنكار التسوية من الوصفين الأولين. وقيل: قالت قريش للمؤمنين: إنا نعطى من الخير يوم القيامة مثل ما تعطون، فنزلت. الإشارة: قال الورتجبي: ولما خرج داود من امتحان الحق وبلائه، كساه خلعة الربوبية، وألبسه لباس العزة والسلطنة، كآدم خرج من البلاء، وجلس في الأرض على بساط فلك الخلافة، وذلك بعد كونهما متخلقين بخلق الرحمن، مصورين بصورة الروح الأعظم، فإذا تمكن داود في العشق، والمحبة، والنبوة، والرسالة، والتخلق، صار أمره أمر الحق، ونهيه نهي الحق. ه. وقال ابن عطية: لا يطلق خليفة الله إلا لنبي، وإطلاقه في غير الأنبياء تجوز وغلو. ه. قلت: يطلق عند الأولياء على من تحققت حريته، ورسخت ولايته، وظهر تصرفه في الوجود بالهمة، حتى يكون أمره بأمر الله، غالبا، وهو مقام القطبانية، فالمراتب ثلاث: صلاح، وولاية، وخلافة، فالصلاح لمن صلح ظاهره بالتقوى، والولاية لمن تحقق شهوده، مع بقية من نفسه، بحيث تقل عثراته جدا، والخلافة لمن تحققت حريته، وظهرت عصمته، بجذب العناية، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { ولا تتبع الهوى } ، الهوى: ما تهواه النفس، وتميل إليه، من الحظوظ الفانية، قلبية كانت، كحب الجاه، والمال، وكالميل في الحكم عن صريح الحق، أو: نفسانية، كالتأنق في المآكل، والمشارب، والمناكح. واتباع الهوى: طلبه، والسعي في تحصيله، فإن كان حراما قدح في الإيمان، وإن كان مباحا قدح في نور مقام الإحسان، فإن تيسر من غير طلب وتشوف، وكان موافقا للسان الشرع، جاز تناول الكفاية منه، مع الشكر وشهود المنة. قال عمر بن عبد العزيز: إذا وافق الحق الهوى، كان كالزبد بالبرسام، أي: السكر. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وغلبة الهوى: قهره وسلطنته، بحيث لا يملك نفسه عند هيجان شهوتها. وقوله تعالى: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } أي: بل خلقناهما لنعرف بهما، فما نصبت الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها. وقد تقدم هذا مرارا. ولا ينال هذا المقام إلا بعبادة التفكر والتدبر، كما أشار إلى ذلك بقوله: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته }.

ص 38:27

يقول الحق جل جلاله: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } أي: استخلفناك على الملك فيها، والحكم فيما بين أهلها، أو: جعلناك عمن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق، وفيه دليل على أن حاله عليه السلام بعد التوبة، كما كان قبلها، لم يتغير قط، خلاف ما نقله الثعلبي من تغير حاله وصوته، ومنع الطيور من إجابته، فانظره. { فاحكم بين الناس بالحق } بحكم الله تعالى، إذ كنت خليفته، أو: بالعدل، { ولا تتبع الهوى } أي: هوى النفس في الحكومات، وغيرها من أمور الدين والدنيا، بل قف عند ما حد لك. وفيه تنبيه على أن أقبح جنايات العبد متابعة هواه، { فيضلك عن سبيل الله } أي: فيكون الهوى، أو اتباعه، سببا لضلالك عن دلائله اللاتي نصبها على الحق، تكوينا وتشريعا. و " يضلك ": منصوب في جواب النهي، أو: مجزوم، فتح لالتقاء الساكنين. { إن الذين يضلون عن سبيل الله } عن طريقه الموصلة إليه. وأظهر " سبيل الله " في موضع الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه، { لهم عذاب شديد بما نسوا } بسبب نسيانهم { يوم الحساب } فإن تذكره وترداده على القلب يقتضي ملازمة الحق ومباعدة الهوى. { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما } من المخلوقات على هذا النظام البديع { باطلا } أي: خلقا باطلا، عاريا عن الحكمة، أو: مبطلين عابثين، بل لحكم بالغة، وأسرار باهرة، حيث خلقنا من بينها نفوسا، أودعناها العقل لتميز بين الحق والباطل، والنافع والضار، ومكناها من التصرفات العلمية والعملية، في استجلاب منافعها، واستدفاع مضارها، ونصبنا لها للحق دلائل آفاقية، ونفسية، ومنحناها القدرة على الاستشهاد بها، ثم لم نقتصر على ذلك المقدار من الألطاف، بل أرسلنا إليها رسلا، وأنزلنا عليها كتبا، بينا فيها كيفية الأدب معنا، وهيئة السير إلى حضرة قدسنا، وقيضنا لها جهابذة، غاصوا على جواهر معانيها، فاستخرجوا منها كيفية المعاملة معنا، ظاهرا وباطنا، وأوعدنا فيها بالعقاب لمن أعرض عنها، ووعدنا بالثواب الجزيل لمن تمسك بها، ولم نخلق شيئا باطلا. { ذلك ظن الذين كفروا } ، الإشارة إلى خلق العبث، والظن بمعنى المظنون، أي: خلقها عبثا هو مظنون الذين كفروا، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث، وإن لم يصرحوا بذلك لأنه لما كان إنكارهم للبعث، والثواب، والحساب، والعقاب، التي عليها يدور فلك تكوين العالم، مؤديا إلى خلقها عبثا، جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم، فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم. { فويل للذين كفروا من النار }. الفاء سببية لإفادة ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل، وأظهر في موضع الإضمار للإشعار بأن الكفر علة ثبوت الويل لهم، و " من النار ": تعليلية، كما في قوله: فويل لهم مما كتبت أيديهم [البقرة: 79] أي: فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم. { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض } ، " أم ": منقطعة، والاستفهام فيها للإنكار، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما تقول الكفرة لاستوت أحوال أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة، ومن سوى بينهما كان سفيها، ولم يكن حكيما، أي: بل أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض، كما يقتضيه عدم البعث وما يترتب عليه من الجزاء لاستواء الفريقين في التمتع في الحياة الدينا، بل الكفرة أوفر حظا فيها من المؤمنين، مع صبر المؤمنين، وتعبهم في مشاق الطاعات، لكن ذلك الجعل محال، فتعين البعث والجزاء لرفع الأولين إلى أعلى عليين، وخفض الآخرين إلى أسفل سافلين. { أم نجعل المتقين كالفجار } إنكار للتسوية بين الفريقين المذكورين، وحمل الفجار على فجرة المؤمنين مما لا يساعده المقام، ويجوز أن يراد بهذين الفريقين عين الأولين، ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين، هما أدخل في إنكار التسوية من الوصفين الأولين. وقيل: قالت قريش للمؤمنين: إنا نعطى من الخير يوم القيامة مثل ما تعطون، فنزلت. الإشارة: قال الورتجبي: ولما خرج داود من امتحان الحق وبلائه، كساه خلعة الربوبية، وألبسه لباس العزة والسلطنة، كآدم خرج من البلاء، وجلس في الأرض على بساط فلك الخلافة، وذلك بعد كونهما متخلقين بخلق الرحمن، مصورين بصورة الروح الأعظم، فإذا تمكن داود في العشق، والمحبة، والنبوة، والرسالة، والتخلق، صار أمره أمر الحق، ونهيه نهي الحق. ه. وقال ابن عطية: لا يطلق خليفة الله إلا لنبي، وإطلاقه في غير الأنبياء تجوز وغلو. ه. قلت: يطلق عند الأولياء على من تحققت حريته، ورسخت ولايته، وظهر تصرفه في الوجود بالهمة، حتى يكون أمره بأمر الله، غالبا، وهو مقام القطبانية، فالمراتب ثلاث: صلاح، وولاية، وخلافة، فالصلاح لمن صلح ظاهره بالتقوى، والولاية لمن تحقق شهوده، مع بقية من نفسه، بحيث تقل عثراته جدا، والخلافة لمن تحققت حريته، وظهرت عصمته، بجذب العناية، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { ولا تتبع الهوى } ، الهوى: ما تهواه النفس، وتميل إليه، من الحظوظ الفانية، قلبية كانت، كحب الجاه، والمال، وكالميل في الحكم عن صريح الحق، أو: نفسانية، كالتأنق في المآكل، والمشارب، والمناكح. واتباع الهوى: طلبه، والسعي في تحصيله، فإن كان حراما قدح في الإيمان، وإن كان مباحا قدح في نور مقام الإحسان، فإن تيسر من غير طلب وتشوف، وكان موافقا للسان الشرع، جاز تناول الكفاية منه، مع الشكر وشهود المنة. قال عمر بن عبد العزيز: إذا وافق الحق الهوى، كان كالزبد بالبرسام، أي: السكر. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وغلبة الهوى: قهره وسلطنته، بحيث لا يملك نفسه عند هيجان شهوتها. وقوله تعالى: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } أي: بل خلقناهما لنعرف بهما، فما نصبت الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها. وقد تقدم هذا مرارا. ولا ينال هذا المقام إلا بعبادة التفكر والتدبر، كما أشار إلى ذلك بقوله: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته }.

ص 38:28

يقول الحق جل جلاله: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } أي: استخلفناك على الملك فيها، والحكم فيما بين أهلها، أو: جعلناك عمن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق، وفيه دليل على أن حاله عليه السلام بعد التوبة، كما كان قبلها، لم يتغير قط، خلاف ما نقله الثعلبي من تغير حاله وصوته، ومنع الطيور من إجابته، فانظره. { فاحكم بين الناس بالحق } بحكم الله تعالى، إذ كنت خليفته، أو: بالعدل، { ولا تتبع الهوى } أي: هوى النفس في الحكومات، وغيرها من أمور الدين والدنيا، بل قف عند ما حد لك. وفيه تنبيه على أن أقبح جنايات العبد متابعة هواه، { فيضلك عن سبيل الله } أي: فيكون الهوى، أو اتباعه، سببا لضلالك عن دلائله اللاتي نصبها على الحق، تكوينا وتشريعا. و " يضلك ": منصوب في جواب النهي، أو: مجزوم، فتح لالتقاء الساكنين. { إن الذين يضلون عن سبيل الله } عن طريقه الموصلة إليه. وأظهر " سبيل الله " في موضع الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه، { لهم عذاب شديد بما نسوا } بسبب نسيانهم { يوم الحساب } فإن تذكره وترداده على القلب يقتضي ملازمة الحق ومباعدة الهوى. { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما } من المخلوقات على هذا النظام البديع { باطلا } أي: خلقا باطلا، عاريا عن الحكمة، أو: مبطلين عابثين، بل لحكم بالغة، وأسرار باهرة، حيث خلقنا من بينها نفوسا، أودعناها العقل لتميز بين الحق والباطل، والنافع والضار، ومكناها من التصرفات العلمية والعملية، في استجلاب منافعها، واستدفاع مضارها، ونصبنا لها للحق دلائل آفاقية، ونفسية، ومنحناها القدرة على الاستشهاد بها، ثم لم نقتصر على ذلك المقدار من الألطاف، بل أرسلنا إليها رسلا، وأنزلنا عليها كتبا، بينا فيها كيفية الأدب معنا، وهيئة السير إلى حضرة قدسنا، وقيضنا لها جهابذة، غاصوا على جواهر معانيها، فاستخرجوا منها كيفية المعاملة معنا، ظاهرا وباطنا، وأوعدنا فيها بالعقاب لمن أعرض عنها، ووعدنا بالثواب الجزيل لمن تمسك بها، ولم نخلق شيئا باطلا. { ذلك ظن الذين كفروا } ، الإشارة إلى خلق العبث، والظن بمعنى المظنون، أي: خلقها عبثا هو مظنون الذين كفروا، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث، وإن لم يصرحوا بذلك لأنه لما كان إنكارهم للبعث، والثواب، والحساب، والعقاب، التي عليها يدور فلك تكوين العالم، مؤديا إلى خلقها عبثا، جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم، فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم. { فويل للذين كفروا من النار }. الفاء سببية لإفادة ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل، وأظهر في موضع الإضمار للإشعار بأن الكفر علة ثبوت الويل لهم، و " من النار ": تعليلية، كما في قوله: فويل لهم مما كتبت أيديهم [البقرة: 79] أي: فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم. { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض } ، " أم ": منقطعة، والاستفهام فيها للإنكار، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما تقول الكفرة لاستوت أحوال أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة، ومن سوى بينهما كان سفيها، ولم يكن حكيما، أي: بل أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض، كما يقتضيه عدم البعث وما يترتب عليه من الجزاء لاستواء الفريقين في التمتع في الحياة الدينا، بل الكفرة أوفر حظا فيها من المؤمنين، مع صبر المؤمنين، وتعبهم في مشاق الطاعات، لكن ذلك الجعل محال، فتعين البعث والجزاء لرفع الأولين إلى أعلى عليين، وخفض الآخرين إلى أسفل سافلين. { أم نجعل المتقين كالفجار } إنكار للتسوية بين الفريقين المذكورين، وحمل الفجار على فجرة المؤمنين مما لا يساعده المقام، ويجوز أن يراد بهذين الفريقين عين الأولين، ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين، هما أدخل في إنكار التسوية من الوصفين الأولين. وقيل: قالت قريش للمؤمنين: إنا نعطى من الخير يوم القيامة مثل ما تعطون، فنزلت. الإشارة: قال الورتجبي: ولما خرج داود من امتحان الحق وبلائه، كساه خلعة الربوبية، وألبسه لباس العزة والسلطنة، كآدم خرج من البلاء، وجلس في الأرض على بساط فلك الخلافة، وذلك بعد كونهما متخلقين بخلق الرحمن، مصورين بصورة الروح الأعظم، فإذا تمكن داود في العشق، والمحبة، والنبوة، والرسالة، والتخلق، صار أمره أمر الحق، ونهيه نهي الحق. ه. وقال ابن عطية: لا يطلق خليفة الله إلا لنبي، وإطلاقه في غير الأنبياء تجوز وغلو. ه. قلت: يطلق عند الأولياء على من تحققت حريته، ورسخت ولايته، وظهر تصرفه في الوجود بالهمة، حتى يكون أمره بأمر الله، غالبا، وهو مقام القطبانية، فالمراتب ثلاث: صلاح، وولاية، وخلافة، فالصلاح لمن صلح ظاهره بالتقوى، والولاية لمن تحقق شهوده، مع بقية من نفسه، بحيث تقل عثراته جدا، والخلافة لمن تحققت حريته، وظهرت عصمته، بجذب العناية، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { ولا تتبع الهوى } ، الهوى: ما تهواه النفس، وتميل إليه، من الحظوظ الفانية، قلبية كانت، كحب الجاه، والمال، وكالميل في الحكم عن صريح الحق، أو: نفسانية، كالتأنق في المآكل، والمشارب، والمناكح. واتباع الهوى: طلبه، والسعي في تحصيله، فإن كان حراما قدح في الإيمان، وإن كان مباحا قدح في نور مقام الإحسان، فإن تيسر من غير طلب وتشوف، وكان موافقا للسان الشرع، جاز تناول الكفاية منه، مع الشكر وشهود المنة. قال عمر بن عبد العزيز: إذا وافق الحق الهوى، كان كالزبد بالبرسام، أي: السكر. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وغلبة الهوى: قهره وسلطنته، بحيث لا يملك نفسه عند هيجان شهوتها. وقوله تعالى: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } أي: بل خلقناهما لنعرف بهما، فما نصبت الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها. وقد تقدم هذا مرارا. ولا ينال هذا المقام إلا بعبادة التفكر والتدبر، كما أشار إلى ذلك بقوله: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته }.

ص 38:29

قلت: " كتاب ": خبر عن مضمر، أي: هذا، و " أنزلناه ": صفة له، و " مبارك ": خبر ثان، أو: صفة الكتاب، و " ليدبروا ": متعلق بأنزلناه. قيل: لما نفى التسوية بين الصالح المتقي، والمفسد الفاجر، بين ما تحصل به لمتبعيه السعادة الأبدية، ويحصل به الصلاح التام، والتقوى الكاملة. وهو كتاب الله فقال جل جلاله: { كتاب } وهو القرآن { أنزلناه إليك مبارك } كثير المنافع الدينية والدنيوية، أنزلناه { ليدبروا آياته } أي: ليتفكروا في آياته، التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع، فيعرفوا ما في ظاهرها من المعاني الفائقة، والتأويلات اللائقة. وقرى: { لتدبروا } على الخطاب، أي: أنت وعلماء أمتك، بحذف إحدى التاءين. { وليتذكر أولوا الألباب } أي: وليتعظ به ذوو العقول الصافية، السليمة من الهوى، فيقفوا على ما فيه، ويعملوا به، فإن الكتب الإلهية ما نزلت إلا ليتدبر ما فيها، ويعمل به. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان، لا علم لهم بتأويله، حفظوا حروفه وضيعوا حدوده. ه. الإشارة: كتاب الله العزيز بطاقة من عند الملك، والمراد من البطاقة فهم ما فيها، والعمل به، لا قراءة حروفها ورسومها فقط، فمن فعل ذلك فهو مقصر. وذكر في الإحياء أن آداب القراءة عشرة، أي: الآداب الباطنية: الأول: فهم عظمة الكلام وعلوه، وفضل الله سبحانه بخلقه، في نزوله عن عرش جلاله، إلى درجة أفهام خلقه، فلولا استتار كنه جلال كلام الله تعالى، بكسوة الحروف، لما ثبت لكلام الله عرش ولا ثرى، ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه، ولولا تثبيت الله موسى عليه السلام ما أطاق سماع كلامه، كما لم يطق الجبل مبادر نوره. الثاني: تعظيم المتكلم به، وهو الله سبحانه، فيخطر في قلبه عظمة المتكلم، ويعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن في تلاوة كتابه غاية الخطر، ولهذا كان عكرمة إذا نشر المصحف غشي عليه. الثالث: حضور القلب، وترك حديث النفس، فإذا قرأ آية غافلا أعادها. الرابع: التدبر، وهو وراء الحضور، فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن، ولكنه مقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره. قال علي رضي الله عنه: لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها. الخامس: التفهم، وهو أن يستوضح كل آية ما يليق بها إذ القرآن مشتمل على ذكر صفات الله تعالى، وذكر أفعاله، وذكر أحوال أنبيائه عليهم السلام ، وذكر أحوال المكذبين، وكيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن " أي: فإنه مشتمل على فعل الله، وصفاته، وكشف أسرار ذاته، لمن تأمله حق تأمله. السادس: التخلي عن موانع الفهم، ومعظمها أربعة: أولها: صرف الهمة إلى إخراج الحروف من مخارجها، وهذا تولى حفظه شيطان وكل بالقراء. وكذلك الاشتغال بضبط رواياته، فأنى تنكشف لهذا أسرار المعاني. ثانيها: أن يكون مقيدا بمذهب، أخذه بالتقليد، وجمد عليه، فهذا شخص قيده معتقده، فلا يمكن أن يخطر بباله غير معتقده، فلا يتبحر في معاني القرآن لأنه مقيد بما جمد عليه. ثالثها: أن يكون مصرا على ذنب، أو متصفا بكبر، أو: مبتلى بهوى في الدنيا، وبهذا ابتلى كثير من الناس، وإليه الإشارة بقوله تعالى: سأصرف عن ءاياتى الذين يتكبرون فى الأرض [الأعراف: 146] أي: عن فهم آياتي. رابعها: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما يتناوله النقل عن ابن عباس وغيره، وأما ما وراء ذلك تفسير بالرأي، فهذا أيضا من أعظم الحجب فإن القرآن العظيم له ظاهر وباطن، وحد ومطلع، فالفهم فيه لا ينقطع إلى الأبد، فهو بحر مبذول، يغرف منه كل واحد على قدر وسعه، إلى يوم القيامة. السابع: التخصيص، وهو أن يعتقد أن المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمرا أو نهيا، قدر أنه المأمور والمنهي، وكذلك إن سمع وعدا ووعيدا، وإن سمع قصص الأولين علم أن المقصود به الاعتبار، ليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه، ويتقوى إيمانه، قال تعالى: وكلا نقص عليك من أنبآء الرسل ما نثبت بشه فؤادك [هود: 120] فالقرآن لم ينزل خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو شفاء ورحمة ونور للعالمين، فيثبت فؤاد كل من يسمعه. الثامن: التأثير، وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة، بحسب اختلاف الآيات، فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد، يتصف به قلبه من الخوف، والرجاء، والقبض، والبسط، وغير ذلك. التاسع: الترقي وهو أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله سبحانه، لا من نفسه، ولا من غيره. فدرجات القرآن ثلاث: أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرأ على الله تعالى، واقفا بين يديه، فيكون حاله السؤال والتملق. ثانيها: أن يشهد بقلبه كأن الله تعالى يخاطبه بألفاظه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم. الثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم، فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى قراءته، بل يكون مقصور الهم على المتكلم، مستغرقا في شهوده، وهذه درجة المقربين، وما قبلها درجة أصحاب اليمين، وما خرج عن هذا فهو درجة الغافلين. وعن الدرجة العليا أخبر جعفر الصادق رضي الله عنه بقوله: والله لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون. ه. وقال بعض الحكماء: كنت أقرأ القرآن ولا أجد حلاوة، حتى تلوته كأنه أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوه على أصحابه، ثم رفعت إلى مقام، كأني أسمعه من جبريل، يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الله بمنزلة أخرى، فأنا الآن أسمعه من المتكلم به، فعندها وجدت له لذة ونعيما لا أصبر عنه. العاشر: التبري، وهو أن يتبرأ من حوله، وقوته، والالتفات إلى نفسه بعين الرضا. انظر بقية كلامه فقد اختصرناه غاية. ثم ذكر سليمان عليه السلام، فقال: { ووهبنا لداوود سليمان }.

ص 38:30

يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا لداود سليمان نعم العبد } أي: سليمان، فهو المخصوص، { إنه أواب } أي: رجاع إلى الله تعالى في السراء والضراء، وفي كل أموره، { إذ عرض عليه } أي: واذكر ما صدر عنه حين عرض عليه { بالعشي } وهو ما بين الظهر إلى آخر النهار، { الصافنات الجياد } أي: الخيل الصافنات، وهي التي تقوم على طرف سنبك يد أو رجل. وهي من الصفات المحمودة، لا تكاد توجد إلا في الخيل العراب، الخلص. وقيل: هو الذي يجمع يديه ويستبق بهما، والجياد: جمع جواد، أو: جود، وهو الذي يسرع في جريه، أو: الذي يجود عند الركض، وقيل: وصفت بالصفون والجودة لبيان جمعها بين الوصفين المحمودين، واقفة وجارية، أي: إذا وقفت كانت ساكنة، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها. روي أنه عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين، وأصاب ألف فرس، وقيل: أصابها أبوه من العمالقة، وورثها منه، وفيه نظر فإن الأنبياء لا يورثون، إلا أن يكون تركها حبسا، فورث النظر فيها. ويكون عقرها بنية إبدالها. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة، فقعد يوما بعدما صلى الظهر على كرسيه، فاستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس، وغفل عن العصر، أو: عن الورد، كان له من الذكر وقتئذ، وهو أليق بالعصمة، فاغتم لما فاته، فاستردها، فعقرها، تقربا إلى الله تعالى، وبقي مائة، فما في أيدي الناس اليوم من الجياد فمن نسلها. وقيل: لما عقرها أبدل الله تعالى له خيرا منها، وهي الريح تجري بأمره، { فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي } ، قاله عليه السلام عند غروب الشمس، اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة أو الذكر، وغايته حينئذ: أن الأولى استغراق الأوقات في ذكر الله من الاشتغال بالدنيا. فترك الأولى، وتحسر لذلك، وأمر بالقطع. وأما حمله على الصلاة والاشتغال بها حتى يفوت الوقت، فذنب عظيم، تأباه العصمة. قاله شيخ شيوخنا الفاسي. وقد يجاب بأن تركه كان نسيانا وذهولا، لا عمدا، فلا معصية. وعدى " أحببت " ب " عن " دون " على " لتضمنه معنى النيابة، أي: أنبت حب الخير، وهو المال الكثير، والمراد: الخيل التي شغلته عن ذكر ربه، { حتى توارت } أي: استترت { بالحجاب } أي: غربت واحتجبت عن العيون، و " عن ": متعلق بأحببت، باعتبار استمرار المحبة ودوامها. حسب استمرار العرض، أي: أنبت حب الخير عن ذكر ربي، واستمر ذلك حتى غربت الشمس. وإضمارها من غير تقدم ذكر لدلالة " العشي " عليها. { ردوها علي } ، هو من مقالة سليمان، { فطفق مسحا } ، الفاء فصيحة، مفصحة عن جملة حذفت، لدلالة الكلام عليها، إيذانا بسرعة الامتثال، أي: فردوها عليه، فأخذ بمسح السيف مسحا { بالسوق والأعناق } أي: بسوقها وأعناقها يقطعها، من قولهم: مسح عنقه بالسيف، وقيل: جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها، حبا لها، وإعجابا بها، وهو ينافي سياق الكلام. الإشارة: لم يذكر الحق تعالى لسليمان ترجمة مخصوصة، كما ذكر لغيره بقوله: { واذكر عبدنا داود } ، { واذكر عبدنا أيوب } ، بل خرطه في سلك ترجمة أبيه، وجعله هبة له تنبيها على أن مقام أهل الجمال الدنيوي، لا يبلغ مقام أهل الجلال ففيه تنبيه على أن الفقير الصابر أعظم من الغني الشاكر. قاله في القوت. وقوله تعالى: { فطفق مسحا بالسوق } ، فيه: أن من ترك شيئا عوضه الله خيرا منه، فمن كان في الله تلفه، كان على الله خلفه، وفيه حجة للصوفية على إتلاف كل ما شغل القلب عن الله، كما فعل الشبلي من تمزيق الثياب الرفهة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر امتحانه فقال: { ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه }.

ص 38:31

يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا لداود سليمان نعم العبد } أي: سليمان، فهو المخصوص، { إنه أواب } أي: رجاع إلى الله تعالى في السراء والضراء، وفي كل أموره، { إذ عرض عليه } أي: واذكر ما صدر عنه حين عرض عليه { بالعشي } وهو ما بين الظهر إلى آخر النهار، { الصافنات الجياد } أي: الخيل الصافنات، وهي التي تقوم على طرف سنبك يد أو رجل. وهي من الصفات المحمودة، لا تكاد توجد إلا في الخيل العراب، الخلص. وقيل: هو الذي يجمع يديه ويستبق بهما، والجياد: جمع جواد، أو: جود، وهو الذي يسرع في جريه، أو: الذي يجود عند الركض، وقيل: وصفت بالصفون والجودة لبيان جمعها بين الوصفين المحمودين، واقفة وجارية، أي: إذا وقفت كانت ساكنة، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها. روي أنه عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين، وأصاب ألف فرس، وقيل: أصابها أبوه من العمالقة، وورثها منه، وفيه نظر فإن الأنبياء لا يورثون، إلا أن يكون تركها حبسا، فورث النظر فيها. ويكون عقرها بنية إبدالها. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة، فقعد يوما بعدما صلى الظهر على كرسيه، فاستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس، وغفل عن العصر، أو: عن الورد، كان له من الذكر وقتئذ، وهو أليق بالعصمة، فاغتم لما فاته، فاستردها، فعقرها، تقربا إلى الله تعالى، وبقي مائة، فما في أيدي الناس اليوم من الجياد فمن نسلها. وقيل: لما عقرها أبدل الله تعالى له خيرا منها، وهي الريح تجري بأمره، { فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي } ، قاله عليه السلام عند غروب الشمس، اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة أو الذكر، وغايته حينئذ: أن الأولى استغراق الأوقات في ذكر الله من الاشتغال بالدنيا. فترك الأولى، وتحسر لذلك، وأمر بالقطع. وأما حمله على الصلاة والاشتغال بها حتى يفوت الوقت، فذنب عظيم، تأباه العصمة. قاله شيخ شيوخنا الفاسي. وقد يجاب بأن تركه كان نسيانا وذهولا، لا عمدا، فلا معصية. وعدى " أحببت " ب " عن " دون " على " لتضمنه معنى النيابة، أي: أنبت حب الخير، وهو المال الكثير، والمراد: الخيل التي شغلته عن ذكر ربه، { حتى توارت } أي: استترت { بالحجاب } أي: غربت واحتجبت عن العيون، و " عن ": متعلق بأحببت، باعتبار استمرار المحبة ودوامها. حسب استمرار العرض، أي: أنبت حب الخير عن ذكر ربي، واستمر ذلك حتى غربت الشمس. وإضمارها من غير تقدم ذكر لدلالة " العشي " عليها. { ردوها علي } ، هو من مقالة سليمان، { فطفق مسحا } ، الفاء فصيحة، مفصحة عن جملة حذفت، لدلالة الكلام عليها، إيذانا بسرعة الامتثال، أي: فردوها عليه، فأخذ بمسح السيف مسحا { بالسوق والأعناق } أي: بسوقها وأعناقها يقطعها، من قولهم: مسح عنقه بالسيف، وقيل: جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها، حبا لها، وإعجابا بها، وهو ينافي سياق الكلام. الإشارة: لم يذكر الحق تعالى لسليمان ترجمة مخصوصة، كما ذكر لغيره بقوله: { واذكر عبدنا داود } ، { واذكر عبدنا أيوب } ، بل خرطه في سلك ترجمة أبيه، وجعله هبة له تنبيها على أن مقام أهل الجمال الدنيوي، لا يبلغ مقام أهل الجلال ففيه تنبيه على أن الفقير الصابر أعظم من الغني الشاكر. قاله في القوت. وقوله تعالى: { فطفق مسحا بالسوق } ، فيه: أن من ترك شيئا عوضه الله خيرا منه، فمن كان في الله تلفه، كان على الله خلفه، وفيه حجة للصوفية على إتلاف كل ما شغل القلب عن الله، كما فعل الشبلي من تمزيق الثياب الرفهة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر امتحانه فقال: { ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه }.

ص 38:32

يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا لداود سليمان نعم العبد } أي: سليمان، فهو المخصوص، { إنه أواب } أي: رجاع إلى الله تعالى في السراء والضراء، وفي كل أموره، { إذ عرض عليه } أي: واذكر ما صدر عنه حين عرض عليه { بالعشي } وهو ما بين الظهر إلى آخر النهار، { الصافنات الجياد } أي: الخيل الصافنات، وهي التي تقوم على طرف سنبك يد أو رجل. وهي من الصفات المحمودة، لا تكاد توجد إلا في الخيل العراب، الخلص. وقيل: هو الذي يجمع يديه ويستبق بهما، والجياد: جمع جواد، أو: جود، وهو الذي يسرع في جريه، أو: الذي يجود عند الركض، وقيل: وصفت بالصفون والجودة لبيان جمعها بين الوصفين المحمودين، واقفة وجارية، أي: إذا وقفت كانت ساكنة، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها. روي أنه عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين، وأصاب ألف فرس، وقيل: أصابها أبوه من العمالقة، وورثها منه، وفيه نظر فإن الأنبياء لا يورثون، إلا أن يكون تركها حبسا، فورث النظر فيها. ويكون عقرها بنية إبدالها. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة، فقعد يوما بعدما صلى الظهر على كرسيه، فاستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس، وغفل عن العصر، أو: عن الورد، كان له من الذكر وقتئذ، وهو أليق بالعصمة، فاغتم لما فاته، فاستردها، فعقرها، تقربا إلى الله تعالى، وبقي مائة، فما في أيدي الناس اليوم من الجياد فمن نسلها. وقيل: لما عقرها أبدل الله تعالى له خيرا منها، وهي الريح تجري بأمره، { فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي } ، قاله عليه السلام عند غروب الشمس، اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة أو الذكر، وغايته حينئذ: أن الأولى استغراق الأوقات في ذكر الله من الاشتغال بالدنيا. فترك الأولى، وتحسر لذلك، وأمر بالقطع. وأما حمله على الصلاة والاشتغال بها حتى يفوت الوقت، فذنب عظيم، تأباه العصمة. قاله شيخ شيوخنا الفاسي. وقد يجاب بأن تركه كان نسيانا وذهولا، لا عمدا، فلا معصية. وعدى " أحببت " ب " عن " دون " على " لتضمنه معنى النيابة، أي: أنبت حب الخير، وهو المال الكثير، والمراد: الخيل التي شغلته عن ذكر ربه، { حتى توارت } أي: استترت { بالحجاب } أي: غربت واحتجبت عن العيون، و " عن ": متعلق بأحببت، باعتبار استمرار المحبة ودوامها. حسب استمرار العرض، أي: أنبت حب الخير عن ذكر ربي، واستمر ذلك حتى غربت الشمس. وإضمارها من غير تقدم ذكر لدلالة " العشي " عليها. { ردوها علي } ، هو من مقالة سليمان، { فطفق مسحا } ، الفاء فصيحة، مفصحة عن جملة حذفت، لدلالة الكلام عليها، إيذانا بسرعة الامتثال، أي: فردوها عليه، فأخذ بمسح السيف مسحا { بالسوق والأعناق } أي: بسوقها وأعناقها يقطعها، من قولهم: مسح عنقه بالسيف، وقيل: جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها، حبا لها، وإعجابا بها، وهو ينافي سياق الكلام. الإشارة: لم يذكر الحق تعالى لسليمان ترجمة مخصوصة، كما ذكر لغيره بقوله: { واذكر عبدنا داود } ، { واذكر عبدنا أيوب } ، بل خرطه في سلك ترجمة أبيه، وجعله هبة له تنبيها على أن مقام أهل الجمال الدنيوي، لا يبلغ مقام أهل الجلال ففيه تنبيه على أن الفقير الصابر أعظم من الغني الشاكر. قاله في القوت. وقوله تعالى: { فطفق مسحا بالسوق } ، فيه: أن من ترك شيئا عوضه الله خيرا منه، فمن كان في الله تلفه، كان على الله خلفه، وفيه حجة للصوفية على إتلاف كل ما شغل القلب عن الله، كما فعل الشبلي من تمزيق الثياب الرفهة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر امتحانه فقال: { ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه }.

ص 38:33

يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا لداود سليمان نعم العبد } أي: سليمان، فهو المخصوص، { إنه أواب } أي: رجاع إلى الله تعالى في السراء والضراء، وفي كل أموره، { إذ عرض عليه } أي: واذكر ما صدر عنه حين عرض عليه { بالعشي } وهو ما بين الظهر إلى آخر النهار، { الصافنات الجياد } أي: الخيل الصافنات، وهي التي تقوم على طرف سنبك يد أو رجل. وهي من الصفات المحمودة، لا تكاد توجد إلا في الخيل العراب، الخلص. وقيل: هو الذي يجمع يديه ويستبق بهما، والجياد: جمع جواد، أو: جود، وهو الذي يسرع في جريه، أو: الذي يجود عند الركض، وقيل: وصفت بالصفون والجودة لبيان جمعها بين الوصفين المحمودين، واقفة وجارية، أي: إذا وقفت كانت ساكنة، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها. روي أنه عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين، وأصاب ألف فرس، وقيل: أصابها أبوه من العمالقة، وورثها منه، وفيه نظر فإن الأنبياء لا يورثون، إلا أن يكون تركها حبسا، فورث النظر فيها. ويكون عقرها بنية إبدالها. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة، فقعد يوما بعدما صلى الظهر على كرسيه، فاستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس، وغفل عن العصر، أو: عن الورد، كان له من الذكر وقتئذ، وهو أليق بالعصمة، فاغتم لما فاته، فاستردها، فعقرها، تقربا إلى الله تعالى، وبقي مائة، فما في أيدي الناس اليوم من الجياد فمن نسلها. وقيل: لما عقرها أبدل الله تعالى له خيرا منها، وهي الريح تجري بأمره، { فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي } ، قاله عليه السلام عند غروب الشمس، اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة أو الذكر، وغايته حينئذ: أن الأولى استغراق الأوقات في ذكر الله من الاشتغال بالدنيا. فترك الأولى، وتحسر لذلك، وأمر بالقطع. وأما حمله على الصلاة والاشتغال بها حتى يفوت الوقت، فذنب عظيم، تأباه العصمة. قاله شيخ شيوخنا الفاسي. وقد يجاب بأن تركه كان نسيانا وذهولا، لا عمدا، فلا معصية. وعدى " أحببت " ب " عن " دون " على " لتضمنه معنى النيابة، أي: أنبت حب الخير، وهو المال الكثير، والمراد: الخيل التي شغلته عن ذكر ربه، { حتى توارت } أي: استترت { بالحجاب } أي: غربت واحتجبت عن العيون، و " عن ": متعلق بأحببت، باعتبار استمرار المحبة ودوامها. حسب استمرار العرض، أي: أنبت حب الخير عن ذكر ربي، واستمر ذلك حتى غربت الشمس. وإضمارها من غير تقدم ذكر لدلالة " العشي " عليها. { ردوها علي } ، هو من مقالة سليمان، { فطفق مسحا } ، الفاء فصيحة، مفصحة عن جملة حذفت، لدلالة الكلام عليها، إيذانا بسرعة الامتثال، أي: فردوها عليه، فأخذ بمسح السيف مسحا { بالسوق والأعناق } أي: بسوقها وأعناقها يقطعها، من قولهم: مسح عنقه بالسيف، وقيل: جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها، حبا لها، وإعجابا بها، وهو ينافي سياق الكلام. الإشارة: لم يذكر الحق تعالى لسليمان ترجمة مخصوصة، كما ذكر لغيره بقوله: { واذكر عبدنا داود } ، { واذكر عبدنا أيوب } ، بل خرطه في سلك ترجمة أبيه، وجعله هبة له تنبيها على أن مقام أهل الجمال الدنيوي، لا يبلغ مقام أهل الجلال ففيه تنبيه على أن الفقير الصابر أعظم من الغني الشاكر. قاله في القوت. وقوله تعالى: { فطفق مسحا بالسوق } ، فيه: أن من ترك شيئا عوضه الله خيرا منه، فمن كان في الله تلفه، كان على الله خلفه، وفيه حجة للصوفية على إتلاف كل ما شغل القلب عن الله، كما فعل الشبلي من تمزيق الثياب الرفهة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر امتحانه فقال: { ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه }.

ص 38:34

يقول الحق جل جلاله: { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه، { وألقينا على كرسيه } سرير ملكه، { جسدا } شق ولد، أو جنيا، { ثم أناب } رجع إلى الله تعالى، وأظهر ما قيل في فتنته عليه السلام ما روي مرفوعا: أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين أو تسع وتسعين امرأة، تأتي كل واحدة منهن بفارس، يجاهد في سبيل الله، ولم يقل " إن شاء الله " فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: " والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " فالفتنة على هذا: كونه لم يقل: " إن شاء الله " والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له. وقيل: إنه ولد له ابن، فأجمعت الشياطين على قتله، وقالوا: إن عاش له ولد لم ننفك من خدمته، فلما علم ذلك، حمله في السحاب، فما شعر حتى ألقي على كرسيه جسدا ميتا، فتنبه لخطئه، حيث لم يتوكل على الله. وقيل: إنه غزا صيدون من الجزائر، فقتل ملكها، وأخذ بنتا له تسمى جرادة، من أحسن الناس، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت على جفاء، وأحبها، وكان لا يرقأ دمعها، جزعا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته، فكانت تغدو عليها وتروح مع ولائدها، فيسجدن لها، كعادتهن في ملكه، فأخبره صاحبه آصف بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج إلى فلاة، وفرش له الرماد، وجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا. وكانت له أم ولد، يقال لها: " أمينة " إذا دخل للطهارة، أو لإصابة امرأة، يعطيها خاتمه، وكان فيها ملكه، فأعطاها يوما، فتمثل لها بصورته شيطان، اسمه " صخر " وأخذ الخاتم، فتختم به، وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق، ونفذ حكمه في كل شيء، إلا في نسائه، على المشهور، وغير سليمان عن هيئته، فأتى " أمينة " لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعلم أن الخطيئة قد أدركته، فكان يطوف على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان، حثوا التراب عليه، وسبوه، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك، فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحا، عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: قد أنكرنا حكمه، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه، فنشروا التوراة، فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، والخاتم معه، ثم قذفه في البحر، فابتلعته سمكة، فوقعت في يد سليمان، فبقر بطنها، فإذا هو بالخاتم، فتختم به، وخر ساجدا لله، وعاد إليه ملكه، وقبض الجني " صخر " فجعله في وسط صخرة، وشد عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، وقذفه في البحر، فهو باق فيه. فالجسد على هذا عبارة عن " صخر " سمي به، وهو جسم لا روح فيه لأنه تمثيل بما لم يكن كذلك، والخطيئة: تغافله عليه السلام عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل لم يكن محظورا حينئذ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره. وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال: لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع، من تشبه الشيطان بنبيه، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته والجور في حكمه. قال القاضي عياض: الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. ومثله لابن العربي أيضا. وحكى إنكاره عن السمرقندي. وقال الطيبي: أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد، كما تقدم. وخالفه ابن حجر، فقال: قال غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، فالله أعلم، غير أن التنزيه أسلم. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته، وليس هذه كقصة أيوب، فيما يذكر أنه تسلط الشيطان على إتلاف ماله وولده، وضرره في جسده لأن ذلك إنما فيه تسلط على محض ضرر دنيوي لا ديني. وقد قال عليه الصلاة والسلام: " تفلت علي البارحة عفريت... " الحديث. وكذا سحر، وسم، وشج. والتسلط المذكور في حق سليمان، فيه تلبيس في الدين فلا يصح، إلا أن يقال: إنه لم يقر، بل رفع اللبس بعد ذلك، كما في آية: فينسخ الله ما يلقى الشيطان [الحج:52]، والله أعلم ه. { قال رب اغفر لي } ، هو بدل من " أناب " ، أي: اغفر لي ما صدر عني من الزلة، { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ، ليكون معجزة لي، مناسبة لحالي، فإنه عليه السلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة، وورثهما معا، استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما. أو: لا ينبغي لأحد يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو: لا يصح لأحد من بعدي لعظمته وشدته. قال القشيري: ويقال: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره إلى الله ومثله للجنيد، وزاد: فإن الملك شغل عن المالك أو يقال: لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك، لا من الأنبياء، وإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحق الله، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا. وهو كما قال يوسف عليه السلام: اجعلنى على خزآئن الأرض... [يوسف: 55]. ثم قال: علم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يلاحظ الدنيا، ولا يملكها، تحقيرا لها فقال: { لا ينبغي لأحد من بعدي } لا لأنه بخل به عليه، ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك. ه. هذا، وقد يقال: إن قوله: { وهب لي ملكا } قد جرى على لسانه، كما هو حال النطق بالله من أهل الله، ولذلك كان الأمر كذلك، ولم يزاحمه أحد، كقول الخليل: وابعث فيهم رسولا [البقرة: 129]، لما جرى به القضاء أنطقه الله بما سيكون. وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين، جريا على سنن الأنبياء والصالحين، وكون ذلك أدخل في الإجابة. { إنك أنت الوهاب } تعليل للدعاء بالهبة والمغفرة معا، فإن المغفرة من أحكام وصف الوهابية قطعا، { فسخرنا له الريح } فذللناها لطاعته، إجابة لدعوته، فعاد أمره عليه السلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة، قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين، وملك بعد الفتنة عشرين، فسخرت له الريح { تجري بأمره } بيان لتسخيرها، { رخاء } أي: لينة، من الرخاوة، أو: طيبة لا تزعج، وهذا بعد أن تقل السرير من الأرض الإعصار، فإذا صار في الهواء حملته الرخاء الطيبة، { حيث أصاب } أي: قصد وشاء، بلغة حمير. تقول العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب فأخطأ. قال الشاعر: أصاب الكلام فلم يستطع فأخطا الجواب لدى المفصل { و } سخرنا له { الشياطين كل بناء وغواص }: بدل من " الشياطين ". فكانوا يبنون له ما يشاء، ويغوصون له في البحر لاستخراج اللآلىء، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر، وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين، { وآخرين مقرنين في الأصفاد } فكان يقرن مردة الشياطين، بعضهم مع بعض، في القيود والسلاسل، للتأديب والكف عن العباد. والصفد: القيد، وقد يسمى العطاء بالصفد لأنه ارتباط للمنعم عليه في يد المنعم. ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير الناس، أكثر مما يهربون من شرهم. قال الشيخ عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما: يا أبا الحسن اهرب من خير الناس، أكثر ما تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك، ولئن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك. ه. { هذا عطاؤنا } ، هو حكاية لما خوطب به سليمان من قبل الحق تعالى، أي: وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم، والسلطنة، والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك، هو عطاؤنا الخاص بك، { فامنن أو أمسك } أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، { بغير حساب } أي: غير محاسب على منه ومنعه لتفويض التصرف فيه إليك، فكان إذا أعطى أجر، وإذا منع لم يأثم، بخلاف غيره. قال الحسن: إن الله لم يعط أحدا عطية إلا جعل فيها حسابا، إلا سليمان، فإن الله أعطاه عطاء هينا. وهذا مما خص به سليمان عليه السلام، وأما غيره، فيؤخر على بذله، ويعاقب على منعه من حقه، و { بغير حساب }: قيل: متعلق بعطاؤنا، وقيل: حال من المستكن في الأمر، أي: هذا عطاؤنا جما كثيرا، لا يكاد يقدر على حصره، أو: هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، أو: أمسك من شئت منهم في الوثاق، لا حساب عليك في ذلك. { وإن له عندنا لزلفى } لقربى في الآخرة، مع ما له في الدنيا من الملك العظيم، { وحسن مآب } مرجع، وهي الجنة. وزلفى: اسم إن، و " له ": خبر، و " عند ": متعلق بالاستقرار. روي أن سليمان عليه السلام لما ورث ملك أبيه، سار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كسرى، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث حتى هلك. ثم سار سليمان عليه السلام إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك، فأوغل فيها، ثم جاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلد فارس، فنزلها أياما، ثم عاد إلى الشام، فأمر ببناء بيت المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر الله، وغزا بلاد المغرب الأندلس وطنجة وغيرهما. انظر أبا السعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أعطى الله عبدا مكنة إلا بعد محنة، ولا رفع مقاما إلا بعد ابتلاء، إما في البدن والمال، وإما في الدين، إن صحبه رجوع وانكسار. كأن الله تعالى إذا أراد أن يرفع عبدا أهبطه إلى أرض قهرية العبودية، ثم يرفعه إلى مشاهدة عظمة الربوبية، ثم يملكه الوجود بأسره، يتصرف فيه بهمته كيف شاء. ولذلك قيل في معصية آدم: نعمت المعصية أورثت الخلافة. وشاهده حديث: " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " ومن كان الله عنده، ماذا يفوته؟ وقوله تعالى: { وهب لي ملكا... } الخ، قال القشيري: لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك على الحقيقة من ملك نفسه، فمن ملكها لم يتبع هواه، أي: فيكون حرا، فيملكه الله التصرف في الوجود. ثم قال: ويقال أراد به كمال حاله في شهود ربه، حتى لا يرى معه غيره، ويقال: سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار. ه. وقوله تعالى: { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ، هو عند الأولياء ليس خاصا بسليمان، فكل من تمكن مع الله التمكن الكبير يفوض إليه الأمر، ويقال: افعل ما شئت، وشاهده: حديث أهل بدر. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الولي مبلغا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ثم استشهد بالآية في حق سليمان، هذا، وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. ثم ذكر أيوب عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه }.

ص 38:35

يقول الحق جل جلاله: { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه، { وألقينا على كرسيه } سرير ملكه، { جسدا } شق ولد، أو جنيا، { ثم أناب } رجع إلى الله تعالى، وأظهر ما قيل في فتنته عليه السلام ما روي مرفوعا: أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين أو تسع وتسعين امرأة، تأتي كل واحدة منهن بفارس، يجاهد في سبيل الله، ولم يقل " إن شاء الله " فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: " والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " فالفتنة على هذا: كونه لم يقل: " إن شاء الله " والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له. وقيل: إنه ولد له ابن، فأجمعت الشياطين على قتله، وقالوا: إن عاش له ولد لم ننفك من خدمته، فلما علم ذلك، حمله في السحاب، فما شعر حتى ألقي على كرسيه جسدا ميتا، فتنبه لخطئه، حيث لم يتوكل على الله. وقيل: إنه غزا صيدون من الجزائر، فقتل ملكها، وأخذ بنتا له تسمى جرادة، من أحسن الناس، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت على جفاء، وأحبها، وكان لا يرقأ دمعها، جزعا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته، فكانت تغدو عليها وتروح مع ولائدها، فيسجدن لها، كعادتهن في ملكه، فأخبره صاحبه آصف بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج إلى فلاة، وفرش له الرماد، وجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا. وكانت له أم ولد، يقال لها: " أمينة " إذا دخل للطهارة، أو لإصابة امرأة، يعطيها خاتمه، وكان فيها ملكه، فأعطاها يوما، فتمثل لها بصورته شيطان، اسمه " صخر " وأخذ الخاتم، فتختم به، وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق، ونفذ حكمه في كل شيء، إلا في نسائه، على المشهور، وغير سليمان عن هيئته، فأتى " أمينة " لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعلم أن الخطيئة قد أدركته، فكان يطوف على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان، حثوا التراب عليه، وسبوه، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك، فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحا، عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: قد أنكرنا حكمه، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه، فنشروا التوراة، فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، والخاتم معه، ثم قذفه في البحر، فابتلعته سمكة، فوقعت في يد سليمان، فبقر بطنها، فإذا هو بالخاتم، فتختم به، وخر ساجدا لله، وعاد إليه ملكه، وقبض الجني " صخر " فجعله في وسط صخرة، وشد عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، وقذفه في البحر، فهو باق فيه. فالجسد على هذا عبارة عن " صخر " سمي به، وهو جسم لا روح فيه لأنه تمثيل بما لم يكن كذلك، والخطيئة: تغافله عليه السلام عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل لم يكن محظورا حينئذ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره. وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال: لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع، من تشبه الشيطان بنبيه، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته والجور في حكمه. قال القاضي عياض: الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. ومثله لابن العربي أيضا. وحكى إنكاره عن السمرقندي. وقال الطيبي: أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد، كما تقدم. وخالفه ابن حجر، فقال: قال غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، فالله أعلم، غير أن التنزيه أسلم. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته، وليس هذه كقصة أيوب، فيما يذكر أنه تسلط الشيطان على إتلاف ماله وولده، وضرره في جسده لأن ذلك إنما فيه تسلط على محض ضرر دنيوي لا ديني. وقد قال عليه الصلاة والسلام: " تفلت علي البارحة عفريت... " الحديث. وكذا سحر، وسم، وشج. والتسلط المذكور في حق سليمان، فيه تلبيس في الدين فلا يصح، إلا أن يقال: إنه لم يقر، بل رفع اللبس بعد ذلك، كما في آية: فينسخ الله ما يلقى الشيطان [الحج:52]، والله أعلم ه. { قال رب اغفر لي } ، هو بدل من " أناب " ، أي: اغفر لي ما صدر عني من الزلة، { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ، ليكون معجزة لي، مناسبة لحالي، فإنه عليه السلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة، وورثهما معا، استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما. أو: لا ينبغي لأحد يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو: لا يصح لأحد من بعدي لعظمته وشدته. قال القشيري: ويقال: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره إلى الله ومثله للجنيد، وزاد: فإن الملك شغل عن المالك أو يقال: لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك، لا من الأنبياء، وإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحق الله، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا. وهو كما قال يوسف عليه السلام: اجعلنى على خزآئن الأرض... [يوسف: 55]. ثم قال: علم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يلاحظ الدنيا، ولا يملكها، تحقيرا لها فقال: { لا ينبغي لأحد من بعدي } لا لأنه بخل به عليه، ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك. ه. هذا، وقد يقال: إن قوله: { وهب لي ملكا } قد جرى على لسانه، كما هو حال النطق بالله من أهل الله، ولذلك كان الأمر كذلك، ولم يزاحمه أحد، كقول الخليل: وابعث فيهم رسولا [البقرة: 129]، لما جرى به القضاء أنطقه الله بما سيكون. وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين، جريا على سنن الأنبياء والصالحين، وكون ذلك أدخل في الإجابة. { إنك أنت الوهاب } تعليل للدعاء بالهبة والمغفرة معا، فإن المغفرة من أحكام وصف الوهابية قطعا، { فسخرنا له الريح } فذللناها لطاعته، إجابة لدعوته، فعاد أمره عليه السلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة، قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين، وملك بعد الفتنة عشرين، فسخرت له الريح { تجري بأمره } بيان لتسخيرها، { رخاء } أي: لينة، من الرخاوة، أو: طيبة لا تزعج، وهذا بعد أن تقل السرير من الأرض الإعصار، فإذا صار في الهواء حملته الرخاء الطيبة، { حيث أصاب } أي: قصد وشاء، بلغة حمير. تقول العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب فأخطأ. قال الشاعر: أصاب الكلام فلم يستطع فأخطا الجواب لدى المفصل { و } سخرنا له { الشياطين كل بناء وغواص }: بدل من " الشياطين ". فكانوا يبنون له ما يشاء، ويغوصون له في البحر لاستخراج اللآلىء، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر، وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين، { وآخرين مقرنين في الأصفاد } فكان يقرن مردة الشياطين، بعضهم مع بعض، في القيود والسلاسل، للتأديب والكف عن العباد. والصفد: القيد، وقد يسمى العطاء بالصفد لأنه ارتباط للمنعم عليه في يد المنعم. ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير الناس، أكثر مما يهربون من شرهم. قال الشيخ عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما: يا أبا الحسن اهرب من خير الناس، أكثر ما تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك، ولئن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك. ه. { هذا عطاؤنا } ، هو حكاية لما خوطب به سليمان من قبل الحق تعالى، أي: وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم، والسلطنة، والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك، هو عطاؤنا الخاص بك، { فامنن أو أمسك } أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، { بغير حساب } أي: غير محاسب على منه ومنعه لتفويض التصرف فيه إليك، فكان إذا أعطى أجر، وإذا منع لم يأثم، بخلاف غيره. قال الحسن: إن الله لم يعط أحدا عطية إلا جعل فيها حسابا، إلا سليمان، فإن الله أعطاه عطاء هينا. وهذا مما خص به سليمان عليه السلام، وأما غيره، فيؤخر على بذله، ويعاقب على منعه من حقه، و { بغير حساب }: قيل: متعلق بعطاؤنا، وقيل: حال من المستكن في الأمر، أي: هذا عطاؤنا جما كثيرا، لا يكاد يقدر على حصره، أو: هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، أو: أمسك من شئت منهم في الوثاق، لا حساب عليك في ذلك. { وإن له عندنا لزلفى } لقربى في الآخرة، مع ما له في الدنيا من الملك العظيم، { وحسن مآب } مرجع، وهي الجنة. وزلفى: اسم إن، و " له ": خبر، و " عند ": متعلق بالاستقرار. روي أن سليمان عليه السلام لما ورث ملك أبيه، سار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كسرى، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث حتى هلك. ثم سار سليمان عليه السلام إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك، فأوغل فيها، ثم جاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلد فارس، فنزلها أياما، ثم عاد إلى الشام، فأمر ببناء بيت المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر الله، وغزا بلاد المغرب الأندلس وطنجة وغيرهما. انظر أبا السعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أعطى الله عبدا مكنة إلا بعد محنة، ولا رفع مقاما إلا بعد ابتلاء، إما في البدن والمال، وإما في الدين، إن صحبه رجوع وانكسار. كأن الله تعالى إذا أراد أن يرفع عبدا أهبطه إلى أرض قهرية العبودية، ثم يرفعه إلى مشاهدة عظمة الربوبية، ثم يملكه الوجود بأسره، يتصرف فيه بهمته كيف شاء. ولذلك قيل في معصية آدم: نعمت المعصية أورثت الخلافة. وشاهده حديث: " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " ومن كان الله عنده، ماذا يفوته؟ وقوله تعالى: { وهب لي ملكا... } الخ، قال القشيري: لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك على الحقيقة من ملك نفسه، فمن ملكها لم يتبع هواه، أي: فيكون حرا، فيملكه الله التصرف في الوجود. ثم قال: ويقال أراد به كمال حاله في شهود ربه، حتى لا يرى معه غيره، ويقال: سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار. ه. وقوله تعالى: { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ، هو عند الأولياء ليس خاصا بسليمان، فكل من تمكن مع الله التمكن الكبير يفوض إليه الأمر، ويقال: افعل ما شئت، وشاهده: حديث أهل بدر. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الولي مبلغا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ثم استشهد بالآية في حق سليمان، هذا، وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. ثم ذكر أيوب عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه }.

ص 38:36

يقول الحق جل جلاله: { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه، { وألقينا على كرسيه } سرير ملكه، { جسدا } شق ولد، أو جنيا، { ثم أناب } رجع إلى الله تعالى، وأظهر ما قيل في فتنته عليه السلام ما روي مرفوعا: أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين أو تسع وتسعين امرأة، تأتي كل واحدة منهن بفارس، يجاهد في سبيل الله، ولم يقل " إن شاء الله " فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: " والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " فالفتنة على هذا: كونه لم يقل: " إن شاء الله " والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له. وقيل: إنه ولد له ابن، فأجمعت الشياطين على قتله، وقالوا: إن عاش له ولد لم ننفك من خدمته، فلما علم ذلك، حمله في السحاب، فما شعر حتى ألقي على كرسيه جسدا ميتا، فتنبه لخطئه، حيث لم يتوكل على الله. وقيل: إنه غزا صيدون من الجزائر، فقتل ملكها، وأخذ بنتا له تسمى جرادة، من أحسن الناس، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت على جفاء، وأحبها، وكان لا يرقأ دمعها، جزعا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته، فكانت تغدو عليها وتروح مع ولائدها، فيسجدن لها، كعادتهن في ملكه، فأخبره صاحبه آصف بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج إلى فلاة، وفرش له الرماد، وجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا. وكانت له أم ولد، يقال لها: " أمينة " إذا دخل للطهارة، أو لإصابة امرأة، يعطيها خاتمه، وكان فيها ملكه، فأعطاها يوما، فتمثل لها بصورته شيطان، اسمه " صخر " وأخذ الخاتم، فتختم به، وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق، ونفذ حكمه في كل شيء، إلا في نسائه، على المشهور، وغير سليمان عن هيئته، فأتى " أمينة " لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعلم أن الخطيئة قد أدركته، فكان يطوف على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان، حثوا التراب عليه، وسبوه، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك، فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحا، عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: قد أنكرنا حكمه، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه، فنشروا التوراة، فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، والخاتم معه، ثم قذفه في البحر، فابتلعته سمكة، فوقعت في يد سليمان، فبقر بطنها، فإذا هو بالخاتم، فتختم به، وخر ساجدا لله، وعاد إليه ملكه، وقبض الجني " صخر " فجعله في وسط صخرة، وشد عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، وقذفه في البحر، فهو باق فيه. فالجسد على هذا عبارة عن " صخر " سمي به، وهو جسم لا روح فيه لأنه تمثيل بما لم يكن كذلك، والخطيئة: تغافله عليه السلام عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل لم يكن محظورا حينئذ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره. وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال: لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع، من تشبه الشيطان بنبيه، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته والجور في حكمه. قال القاضي عياض: الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. ومثله لابن العربي أيضا. وحكى إنكاره عن السمرقندي. وقال الطيبي: أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد، كما تقدم. وخالفه ابن حجر، فقال: قال غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، فالله أعلم، غير أن التنزيه أسلم. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته، وليس هذه كقصة أيوب، فيما يذكر أنه تسلط الشيطان على إتلاف ماله وولده، وضرره في جسده لأن ذلك إنما فيه تسلط على محض ضرر دنيوي لا ديني. وقد قال عليه الصلاة والسلام: " تفلت علي البارحة عفريت... " الحديث. وكذا سحر، وسم، وشج. والتسلط المذكور في حق سليمان، فيه تلبيس في الدين فلا يصح، إلا أن يقال: إنه لم يقر، بل رفع اللبس بعد ذلك، كما في آية: فينسخ الله ما يلقى الشيطان [الحج:52]، والله أعلم ه. { قال رب اغفر لي } ، هو بدل من " أناب " ، أي: اغفر لي ما صدر عني من الزلة، { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ، ليكون معجزة لي، مناسبة لحالي، فإنه عليه السلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة، وورثهما معا، استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما. أو: لا ينبغي لأحد يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو: لا يصح لأحد من بعدي لعظمته وشدته. قال القشيري: ويقال: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره إلى الله ومثله للجنيد، وزاد: فإن الملك شغل عن المالك أو يقال: لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك، لا من الأنبياء، وإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحق الله، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا. وهو كما قال يوسف عليه السلام: اجعلنى على خزآئن الأرض... [يوسف: 55]. ثم قال: علم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يلاحظ الدنيا، ولا يملكها، تحقيرا لها فقال: { لا ينبغي لأحد من بعدي } لا لأنه بخل به عليه، ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك. ه. هذا، وقد يقال: إن قوله: { وهب لي ملكا } قد جرى على لسانه، كما هو حال النطق بالله من أهل الله، ولذلك كان الأمر كذلك، ولم يزاحمه أحد، كقول الخليل: وابعث فيهم رسولا [البقرة: 129]، لما جرى به القضاء أنطقه الله بما سيكون. وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين، جريا على سنن الأنبياء والصالحين، وكون ذلك أدخل في الإجابة. { إنك أنت الوهاب } تعليل للدعاء بالهبة والمغفرة معا، فإن المغفرة من أحكام وصف الوهابية قطعا، { فسخرنا له الريح } فذللناها لطاعته، إجابة لدعوته، فعاد أمره عليه السلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة، قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين، وملك بعد الفتنة عشرين، فسخرت له الريح { تجري بأمره } بيان لتسخيرها، { رخاء } أي: لينة، من الرخاوة، أو: طيبة لا تزعج، وهذا بعد أن تقل السرير من الأرض الإعصار، فإذا صار في الهواء حملته الرخاء الطيبة، { حيث أصاب } أي: قصد وشاء، بلغة حمير. تقول العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب فأخطأ. قال الشاعر: أصاب الكلام فلم يستطع فأخطا الجواب لدى المفصل { و } سخرنا له { الشياطين كل بناء وغواص }: بدل من " الشياطين ". فكانوا يبنون له ما يشاء، ويغوصون له في البحر لاستخراج اللآلىء، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر، وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين، { وآخرين مقرنين في الأصفاد } فكان يقرن مردة الشياطين، بعضهم مع بعض، في القيود والسلاسل، للتأديب والكف عن العباد. والصفد: القيد، وقد يسمى العطاء بالصفد لأنه ارتباط للمنعم عليه في يد المنعم. ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير الناس، أكثر مما يهربون من شرهم. قال الشيخ عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما: يا أبا الحسن اهرب من خير الناس، أكثر ما تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك، ولئن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك. ه. { هذا عطاؤنا } ، هو حكاية لما خوطب به سليمان من قبل الحق تعالى، أي: وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم، والسلطنة، والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك، هو عطاؤنا الخاص بك، { فامنن أو أمسك } أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، { بغير حساب } أي: غير محاسب على منه ومنعه لتفويض التصرف فيه إليك، فكان إذا أعطى أجر، وإذا منع لم يأثم، بخلاف غيره. قال الحسن: إن الله لم يعط أحدا عطية إلا جعل فيها حسابا، إلا سليمان، فإن الله أعطاه عطاء هينا. وهذا مما خص به سليمان عليه السلام، وأما غيره، فيؤخر على بذله، ويعاقب على منعه من حقه، و { بغير حساب }: قيل: متعلق بعطاؤنا، وقيل: حال من المستكن في الأمر، أي: هذا عطاؤنا جما كثيرا، لا يكاد يقدر على حصره، أو: هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، أو: أمسك من شئت منهم في الوثاق، لا حساب عليك في ذلك. { وإن له عندنا لزلفى } لقربى في الآخرة، مع ما له في الدنيا من الملك العظيم، { وحسن مآب } مرجع، وهي الجنة. وزلفى: اسم إن، و " له ": خبر، و " عند ": متعلق بالاستقرار. روي أن سليمان عليه السلام لما ورث ملك أبيه، سار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كسرى، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث حتى هلك. ثم سار سليمان عليه السلام إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك، فأوغل فيها، ثم جاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلد فارس، فنزلها أياما، ثم عاد إلى الشام، فأمر ببناء بيت المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر الله، وغزا بلاد المغرب الأندلس وطنجة وغيرهما. انظر أبا السعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أعطى الله عبدا مكنة إلا بعد محنة، ولا رفع مقاما إلا بعد ابتلاء، إما في البدن والمال، وإما في الدين، إن صحبه رجوع وانكسار. كأن الله تعالى إذا أراد أن يرفع عبدا أهبطه إلى أرض قهرية العبودية، ثم يرفعه إلى مشاهدة عظمة الربوبية، ثم يملكه الوجود بأسره، يتصرف فيه بهمته كيف شاء. ولذلك قيل في معصية آدم: نعمت المعصية أورثت الخلافة. وشاهده حديث: " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " ومن كان الله عنده، ماذا يفوته؟ وقوله تعالى: { وهب لي ملكا... } الخ، قال القشيري: لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك على الحقيقة من ملك نفسه، فمن ملكها لم يتبع هواه، أي: فيكون حرا، فيملكه الله التصرف في الوجود. ثم قال: ويقال أراد به كمال حاله في شهود ربه، حتى لا يرى معه غيره، ويقال: سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار. ه. وقوله تعالى: { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ، هو عند الأولياء ليس خاصا بسليمان، فكل من تمكن مع الله التمكن الكبير يفوض إليه الأمر، ويقال: افعل ما شئت، وشاهده: حديث أهل بدر. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الولي مبلغا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ثم استشهد بالآية في حق سليمان، هذا، وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. ثم ذكر أيوب عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه }.

ص 38:37

يقول الحق جل جلاله: { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه، { وألقينا على كرسيه } سرير ملكه، { جسدا } شق ولد، أو جنيا، { ثم أناب } رجع إلى الله تعالى، وأظهر ما قيل في فتنته عليه السلام ما روي مرفوعا: أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين أو تسع وتسعين امرأة، تأتي كل واحدة منهن بفارس، يجاهد في سبيل الله، ولم يقل " إن شاء الله " فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: " والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " فالفتنة على هذا: كونه لم يقل: " إن شاء الله " والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له. وقيل: إنه ولد له ابن، فأجمعت الشياطين على قتله، وقالوا: إن عاش له ولد لم ننفك من خدمته، فلما علم ذلك، حمله في السحاب، فما شعر حتى ألقي على كرسيه جسدا ميتا، فتنبه لخطئه، حيث لم يتوكل على الله. وقيل: إنه غزا صيدون من الجزائر، فقتل ملكها، وأخذ بنتا له تسمى جرادة، من أحسن الناس، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت على جفاء، وأحبها، وكان لا يرقأ دمعها، جزعا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته، فكانت تغدو عليها وتروح مع ولائدها، فيسجدن لها، كعادتهن في ملكه، فأخبره صاحبه آصف بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج إلى فلاة، وفرش له الرماد، وجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا. وكانت له أم ولد، يقال لها: " أمينة " إذا دخل للطهارة، أو لإصابة امرأة، يعطيها خاتمه، وكان فيها ملكه، فأعطاها يوما، فتمثل لها بصورته شيطان، اسمه " صخر " وأخذ الخاتم، فتختم به، وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق، ونفذ حكمه في كل شيء، إلا في نسائه، على المشهور، وغير سليمان عن هيئته، فأتى " أمينة " لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعلم أن الخطيئة قد أدركته، فكان يطوف على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان، حثوا التراب عليه، وسبوه، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك، فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحا، عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: قد أنكرنا حكمه، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه، فنشروا التوراة، فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، والخاتم معه، ثم قذفه في البحر، فابتلعته سمكة، فوقعت في يد سليمان، فبقر بطنها، فإذا هو بالخاتم، فتختم به، وخر ساجدا لله، وعاد إليه ملكه، وقبض الجني " صخر " فجعله في وسط صخرة، وشد عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، وقذفه في البحر، فهو باق فيه. فالجسد على هذا عبارة عن " صخر " سمي به، وهو جسم لا روح فيه لأنه تمثيل بما لم يكن كذلك، والخطيئة: تغافله عليه السلام عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل لم يكن محظورا حينئذ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره. وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال: لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع، من تشبه الشيطان بنبيه، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته والجور في حكمه. قال القاضي عياض: الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. ومثله لابن العربي أيضا. وحكى إنكاره عن السمرقندي. وقال الطيبي: أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد، كما تقدم. وخالفه ابن حجر، فقال: قال غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، فالله أعلم، غير أن التنزيه أسلم. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته، وليس هذه كقصة أيوب، فيما يذكر أنه تسلط الشيطان على إتلاف ماله وولده، وضرره في جسده لأن ذلك إنما فيه تسلط على محض ضرر دنيوي لا ديني. وقد قال عليه الصلاة والسلام: " تفلت علي البارحة عفريت... " الحديث. وكذا سحر، وسم، وشج. والتسلط المذكور في حق سليمان، فيه تلبيس في الدين فلا يصح، إلا أن يقال: إنه لم يقر، بل رفع اللبس بعد ذلك، كما في آية: فينسخ الله ما يلقى الشيطان [الحج:52]، والله أعلم ه. { قال رب اغفر لي } ، هو بدل من " أناب " ، أي: اغفر لي ما صدر عني من الزلة، { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ، ليكون معجزة لي، مناسبة لحالي، فإنه عليه السلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة، وورثهما معا، استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما. أو: لا ينبغي لأحد يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو: لا يصح لأحد من بعدي لعظمته وشدته. قال القشيري: ويقال: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره إلى الله ومثله للجنيد، وزاد: فإن الملك شغل عن المالك أو يقال: لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك، لا من الأنبياء، وإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحق الله، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا. وهو كما قال يوسف عليه السلام: اجعلنى على خزآئن الأرض... [يوسف: 55]. ثم قال: علم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يلاحظ الدنيا، ولا يملكها، تحقيرا لها فقال: { لا ينبغي لأحد من بعدي } لا لأنه بخل به عليه، ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك. ه. هذا، وقد يقال: إن قوله: { وهب لي ملكا } قد جرى على لسانه، كما هو حال النطق بالله من أهل الله، ولذلك كان الأمر كذلك، ولم يزاحمه أحد، كقول الخليل: وابعث فيهم رسولا [البقرة: 129]، لما جرى به القضاء أنطقه الله بما سيكون. وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين، جريا على سنن الأنبياء والصالحين، وكون ذلك أدخل في الإجابة. { إنك أنت الوهاب } تعليل للدعاء بالهبة والمغفرة معا، فإن المغفرة من أحكام وصف الوهابية قطعا، { فسخرنا له الريح } فذللناها لطاعته، إجابة لدعوته، فعاد أمره عليه السلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة، قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين، وملك بعد الفتنة عشرين، فسخرت له الريح { تجري بأمره } بيان لتسخيرها، { رخاء } أي: لينة، من الرخاوة، أو: طيبة لا تزعج، وهذا بعد أن تقل السرير من الأرض الإعصار، فإذا صار في الهواء حملته الرخاء الطيبة، { حيث أصاب } أي: قصد وشاء، بلغة حمير. تقول العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب فأخطأ. قال الشاعر: أصاب الكلام فلم يستطع فأخطا الجواب لدى المفصل { و } سخرنا له { الشياطين كل بناء وغواص }: بدل من " الشياطين ". فكانوا يبنون له ما يشاء، ويغوصون له في البحر لاستخراج اللآلىء، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر، وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين، { وآخرين مقرنين في الأصفاد } فكان يقرن مردة الشياطين، بعضهم مع بعض، في القيود والسلاسل، للتأديب والكف عن العباد. والصفد: القيد، وقد يسمى العطاء بالصفد لأنه ارتباط للمنعم عليه في يد المنعم. ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير الناس، أكثر مما يهربون من شرهم. قال الشيخ عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما: يا أبا الحسن اهرب من خير الناس، أكثر ما تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك، ولئن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك. ه. { هذا عطاؤنا } ، هو حكاية لما خوطب به سليمان من قبل الحق تعالى، أي: وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم، والسلطنة، والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك، هو عطاؤنا الخاص بك، { فامنن أو أمسك } أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، { بغير حساب } أي: غير محاسب على منه ومنعه لتفويض التصرف فيه إليك، فكان إذا أعطى أجر، وإذا منع لم يأثم، بخلاف غيره. قال الحسن: إن الله لم يعط أحدا عطية إلا جعل فيها حسابا، إلا سليمان، فإن الله أعطاه عطاء هينا. وهذا مما خص به سليمان عليه السلام، وأما غيره، فيؤخر على بذله، ويعاقب على منعه من حقه، و { بغير حساب }: قيل: متعلق بعطاؤنا، وقيل: حال من المستكن في الأمر، أي: هذا عطاؤنا جما كثيرا، لا يكاد يقدر على حصره، أو: هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، أو: أمسك من شئت منهم في الوثاق، لا حساب عليك في ذلك. { وإن له عندنا لزلفى } لقربى في الآخرة، مع ما له في الدنيا من الملك العظيم، { وحسن مآب } مرجع، وهي الجنة. وزلفى: اسم إن، و " له ": خبر، و " عند ": متعلق بالاستقرار. روي أن سليمان عليه السلام لما ورث ملك أبيه، سار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كسرى، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث حتى هلك. ثم سار سليمان عليه السلام إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك، فأوغل فيها، ثم جاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلد فارس، فنزلها أياما، ثم عاد إلى الشام، فأمر ببناء بيت المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر الله، وغزا بلاد المغرب الأندلس وطنجة وغيرهما. انظر أبا السعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أعطى الله عبدا مكنة إلا بعد محنة، ولا رفع مقاما إلا بعد ابتلاء، إما في البدن والمال، وإما في الدين، إن صحبه رجوع وانكسار. كأن الله تعالى إذا أراد أن يرفع عبدا أهبطه إلى أرض قهرية العبودية، ثم يرفعه إلى مشاهدة عظمة الربوبية، ثم يملكه الوجود بأسره، يتصرف فيه بهمته كيف شاء. ولذلك قيل في معصية آدم: نعمت المعصية أورثت الخلافة. وشاهده حديث: " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " ومن كان الله عنده، ماذا يفوته؟ وقوله تعالى: { وهب لي ملكا... } الخ، قال القشيري: لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك على الحقيقة من ملك نفسه، فمن ملكها لم يتبع هواه، أي: فيكون حرا، فيملكه الله التصرف في الوجود. ثم قال: ويقال أراد به كمال حاله في شهود ربه، حتى لا يرى معه غيره، ويقال: سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار. ه. وقوله تعالى: { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ، هو عند الأولياء ليس خاصا بسليمان، فكل من تمكن مع الله التمكن الكبير يفوض إليه الأمر، ويقال: افعل ما شئت، وشاهده: حديث أهل بدر. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الولي مبلغا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ثم استشهد بالآية في حق سليمان، هذا، وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. ثم ذكر أيوب عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه }.