البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ص 38:38 – الزمر 39:68
المحتويات
- ص 38:38
- ص 38:39
- ص 38:40
- ص 38:41
- ص 38:42
- ص 38:43
- ص 38:44
- ص 38:45
- ص 38:46
- ص 38:47
- ص 38:48
- ص 38:49
- ص 38:50
- ص 38:51
- ص 38:52
- ص 38:53
- ص 38:54
- ص 38:55
- ص 38:56
- ص 38:57
- ص 38:58
- ص 38:59
- ص 38:60
- ص 38:61
- ص 38:62
- ص 38:63
- ص 38:64
- ص 38:65
- ص 38:66
- ص 38:67
- ص 38:68
- ص 38:69
- ص 38:70
- ص 38:71
- ص 38:72
- ص 38:73
- ص 38:74
- ص 38:75
- ص 38:76
- ص 38:77
- ص 38:78
- ص 38:79
- ص 38:80
- ص 38:81
- ص 38:82
- ص 38:83
- ص 38:84
- ص 38:85
- ص 38:86
- ص 38:87
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:5
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:12
- الزمر 39:13
- الزمر 39:14
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:25
- الزمر 39:26
- الزمر 39:27
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:52
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:57
- الزمر 39:58
- الزمر 39:59
- الزمر 39:60
- الزمر 39:61
- الزمر 39:62
- الزمر 39:63
- الزمر 39:64
- الزمر 39:65
- الزمر 39:66
- الزمر 39:67
- الزمر 39:68
ص 38:38
يقول الحق جل جلاله: { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه، { وألقينا على كرسيه } سرير ملكه، { جسدا } شق ولد، أو جنيا، { ثم أناب } رجع إلى الله تعالى، وأظهر ما قيل في فتنته عليه السلام ما روي مرفوعا: أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين أو تسع وتسعين امرأة، تأتي كل واحدة منهن بفارس، يجاهد في سبيل الله، ولم يقل " إن شاء الله " فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام:
" والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون "
فالفتنة على هذا: كونه لم يقل: " إن شاء الله " والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له. وقيل: إنه ولد له ابن، فأجمعت الشياطين على قتله، وقالوا: إن عاش له ولد لم ننفك من خدمته، فلما علم ذلك، حمله في السحاب، فما شعر حتى ألقي على كرسيه جسدا ميتا، فتنبه لخطئه، حيث لم يتوكل على الله. وقيل: إنه غزا صيدون من الجزائر، فقتل ملكها، وأخذ بنتا له تسمى جرادة، من أحسن الناس، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت على جفاء، وأحبها، وكان لا يرقأ دمعها، جزعا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته، فكانت تغدو عليها وتروح مع ولائدها، فيسجدن لها، كعادتهن في ملكه، فأخبره صاحبه آصف بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج إلى فلاة، وفرش له الرماد، وجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا. وكانت له أم ولد، يقال لها: " أمينة " إذا دخل للطهارة، أو لإصابة امرأة، يعطيها خاتمه، وكان فيها ملكه، فأعطاها يوما، فتمثل لها بصورته شيطان، اسمه " صخر " وأخذ الخاتم، فتختم به، وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق، ونفذ حكمه في كل شيء، إلا في نسائه، على المشهور، وغير سليمان عن هيئته، فأتى " أمينة " لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعلم أن الخطيئة قد أدركته، فكان يطوف على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان، حثوا التراب عليه، وسبوه، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك، فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحا، عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: قد أنكرنا حكمه، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه، فنشروا التوراة، فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، والخاتم معه، ثم قذفه في البحر، فابتلعته سمكة، فوقعت في يد سليمان، فبقر بطنها، فإذا هو بالخاتم، فتختم به، وخر ساجدا لله، وعاد إليه ملكه، وقبض الجني " صخر " فجعله في وسط صخرة، وشد عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، وقذفه في البحر، فهو باق فيه.
فالجسد على هذا عبارة عن " صخر " سمي به، وهو جسم لا روح فيه لأنه تمثيل بما لم يكن كذلك، والخطيئة: تغافله عليه السلام عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل لم يكن محظورا حينئذ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره. وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال: لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع، من تشبه الشيطان بنبيه، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته والجور في حكمه. قال القاضي عياض: الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. ومثله لابن العربي أيضا. وحكى إنكاره عن السمرقندي. وقال الطيبي: أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد، كما تقدم. وخالفه ابن حجر، فقال: قال غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، فالله أعلم، غير أن التنزيه أسلم. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته، وليس هذه كقصة أيوب، فيما يذكر أنه تسلط الشيطان على إتلاف ماله وولده، وضرره في جسده لأن ذلك إنما فيه تسلط على محض ضرر دنيوي لا ديني. وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" تفلت علي البارحة عفريت... "
الحديث. وكذا سحر، وسم، وشج. والتسلط المذكور في حق سليمان، فيه تلبيس في الدين فلا يصح، إلا أن يقال: إنه لم يقر، بل رفع اللبس بعد ذلك، كما في آية:
فينسخ الله ما يلقى الشيطان
[الحج:52]، والله أعلم ه. { قال رب اغفر لي } ، هو بدل من " أناب " ، أي: اغفر لي ما صدر عني من الزلة، { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ، ليكون معجزة لي، مناسبة لحالي، فإنه عليه السلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة، وورثهما معا، استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما. أو: لا ينبغي لأحد يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو: لا يصح لأحد من بعدي لعظمته وشدته. قال القشيري: ويقال: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره إلى الله ومثله للجنيد، وزاد: فإن الملك شغل عن المالك أو يقال: لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك، لا من الأنبياء، وإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحق الله، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا. وهو كما قال يوسف عليه السلام:
اجعلنى على خزآئن الأرض...
[يوسف: 55]. ثم قال: علم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يلاحظ الدنيا، ولا يملكها، تحقيرا لها فقال: { لا ينبغي لأحد من بعدي } لا لأنه بخل به عليه، ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك. ه. هذا، وقد يقال: إن قوله: { وهب لي ملكا } قد جرى على لسانه، كما هو حال النطق بالله من أهل الله، ولذلك كان الأمر كذلك، ولم يزاحمه أحد، كقول الخليل:
وابعث فيهم رسولا
[البقرة: 129]، لما جرى به القضاء أنطقه الله بما سيكون. وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين، جريا على سنن الأنبياء والصالحين، وكون ذلك أدخل في الإجابة. { إنك أنت الوهاب } تعليل للدعاء بالهبة والمغفرة معا، فإن المغفرة من أحكام وصف الوهابية قطعا، { فسخرنا له الريح } فذللناها لطاعته، إجابة لدعوته، فعاد أمره عليه السلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة، قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين، وملك بعد الفتنة عشرين، فسخرت له الريح { تجري بأمره } بيان لتسخيرها، { رخاء } أي: لينة، من الرخاوة، أو: طيبة لا تزعج، وهذا بعد أن تقل السرير من الأرض الإعصار، فإذا صار في الهواء حملته الرخاء الطيبة، { حيث أصاب } أي: قصد وشاء، بلغة حمير. تقول العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب فأخطأ. قال الشاعر:
أصاب الكلام فلم يستطع فأخطا الجواب لدى المفصل
{ و } سخرنا له { الشياطين كل بناء وغواص }: بدل من " الشياطين ". فكانوا يبنون له ما يشاء، ويغوصون له في البحر لاستخراج اللآلىء، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر، وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين، { وآخرين مقرنين في الأصفاد } فكان يقرن مردة الشياطين، بعضهم مع بعض، في القيود والسلاسل، للتأديب والكف عن العباد. والصفد: القيد، وقد يسمى العطاء بالصفد لأنه ارتباط للمنعم عليه في يد المنعم. ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير الناس، أكثر مما يهربون من شرهم. قال الشيخ عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما: يا أبا الحسن اهرب من خير الناس، أكثر ما تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك، ولئن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك. ه. { هذا عطاؤنا } ، هو حكاية لما خوطب به سليمان من قبل الحق تعالى، أي: وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم، والسلطنة، والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك، هو عطاؤنا الخاص بك، { فامنن أو أمسك } أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، { بغير حساب } أي: غير محاسب على منه ومنعه لتفويض التصرف فيه إليك، فكان إذا أعطى أجر، وإذا منع لم يأثم، بخلاف غيره. قال الحسن: إن الله لم يعط أحدا عطية إلا جعل فيها حسابا، إلا سليمان، فإن الله أعطاه عطاء هينا. وهذا مما خص به سليمان عليه السلام، وأما غيره، فيؤخر على بذله، ويعاقب على منعه من حقه، و { بغير حساب }: قيل: متعلق بعطاؤنا، وقيل: حال من المستكن في الأمر، أي: هذا عطاؤنا جما كثيرا، لا يكاد يقدر على حصره، أو: هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، أو: أمسك من شئت منهم في الوثاق، لا حساب عليك في ذلك.
{ وإن له عندنا لزلفى } لقربى في الآخرة، مع ما له في الدنيا من الملك العظيم، { وحسن مآب } مرجع، وهي الجنة. وزلفى: اسم إن، و " له ": خبر، و " عند ": متعلق بالاستقرار. روي أن سليمان عليه السلام لما ورث ملك أبيه، سار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كسرى، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث حتى هلك. ثم سار سليمان عليه السلام إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك، فأوغل فيها، ثم جاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلد فارس، فنزلها أياما، ثم عاد إلى الشام، فأمر ببناء بيت المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر الله، وغزا بلاد المغرب الأندلس وطنجة وغيرهما. انظر أبا السعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أعطى الله عبدا مكنة إلا بعد محنة، ولا رفع مقاما إلا بعد ابتلاء، إما في البدن والمال، وإما في الدين، إن صحبه رجوع وانكسار. كأن الله تعالى إذا أراد أن يرفع عبدا أهبطه إلى أرض قهرية العبودية، ثم يرفعه إلى مشاهدة عظمة الربوبية، ثم يملكه الوجود بأسره، يتصرف فيه بهمته كيف شاء. ولذلك قيل في معصية آدم: نعمت المعصية أورثت الخلافة. وشاهده حديث:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي "
ومن كان الله عنده، ماذا يفوته؟ وقوله تعالى: { وهب لي ملكا... } الخ، قال القشيري: لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك على الحقيقة من ملك نفسه، فمن ملكها لم يتبع هواه، أي: فيكون حرا، فيملكه الله التصرف في الوجود. ثم قال: ويقال أراد به كمال حاله في شهود ربه، حتى لا يرى معه غيره، ويقال: سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار. ه. وقوله تعالى: { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ، هو عند الأولياء ليس خاصا بسليمان، فكل من تمكن مع الله التمكن الكبير يفوض إليه الأمر، ويقال: افعل ما شئت، وشاهده: حديث أهل بدر. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الولي مبلغا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ثم استشهد بالآية في حق سليمان، هذا، وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. ثم ذكر أيوب عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه }.
ص 38:39
يقول الحق جل جلاله: { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه، { وألقينا على كرسيه } سرير ملكه، { جسدا } شق ولد، أو جنيا، { ثم أناب } رجع إلى الله تعالى، وأظهر ما قيل في فتنته عليه السلام ما روي مرفوعا: أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين أو تسع وتسعين امرأة، تأتي كل واحدة منهن بفارس، يجاهد في سبيل الله، ولم يقل " إن شاء الله " فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام:
" والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون "
فالفتنة على هذا: كونه لم يقل: " إن شاء الله " والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له. وقيل: إنه ولد له ابن، فأجمعت الشياطين على قتله، وقالوا: إن عاش له ولد لم ننفك من خدمته، فلما علم ذلك، حمله في السحاب، فما شعر حتى ألقي على كرسيه جسدا ميتا، فتنبه لخطئه، حيث لم يتوكل على الله. وقيل: إنه غزا صيدون من الجزائر، فقتل ملكها، وأخذ بنتا له تسمى جرادة، من أحسن الناس، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت على جفاء، وأحبها، وكان لا يرقأ دمعها، جزعا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته، فكانت تغدو عليها وتروح مع ولائدها، فيسجدن لها، كعادتهن في ملكه، فأخبره صاحبه آصف بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج إلى فلاة، وفرش له الرماد، وجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا. وكانت له أم ولد، يقال لها: " أمينة " إذا دخل للطهارة، أو لإصابة امرأة، يعطيها خاتمه، وكان فيها ملكه، فأعطاها يوما، فتمثل لها بصورته شيطان، اسمه " صخر " وأخذ الخاتم، فتختم به، وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق، ونفذ حكمه في كل شيء، إلا في نسائه، على المشهور، وغير سليمان عن هيئته، فأتى " أمينة " لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعلم أن الخطيئة قد أدركته، فكان يطوف على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان، حثوا التراب عليه، وسبوه، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك، فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحا، عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: قد أنكرنا حكمه، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه، فنشروا التوراة، فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، والخاتم معه، ثم قذفه في البحر، فابتلعته سمكة، فوقعت في يد سليمان، فبقر بطنها، فإذا هو بالخاتم، فتختم به، وخر ساجدا لله، وعاد إليه ملكه، وقبض الجني " صخر " فجعله في وسط صخرة، وشد عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، وقذفه في البحر، فهو باق فيه.
فالجسد على هذا عبارة عن " صخر " سمي به، وهو جسم لا روح فيه لأنه تمثيل بما لم يكن كذلك، والخطيئة: تغافله عليه السلام عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل لم يكن محظورا حينئذ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره. وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال: لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع، من تشبه الشيطان بنبيه، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته والجور في حكمه. قال القاضي عياض: الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. ومثله لابن العربي أيضا. وحكى إنكاره عن السمرقندي. وقال الطيبي: أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد، كما تقدم. وخالفه ابن حجر، فقال: قال غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، فالله أعلم، غير أن التنزيه أسلم. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته، وليس هذه كقصة أيوب، فيما يذكر أنه تسلط الشيطان على إتلاف ماله وولده، وضرره في جسده لأن ذلك إنما فيه تسلط على محض ضرر دنيوي لا ديني. وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" تفلت علي البارحة عفريت... "
الحديث. وكذا سحر، وسم، وشج. والتسلط المذكور في حق سليمان، فيه تلبيس في الدين فلا يصح، إلا أن يقال: إنه لم يقر، بل رفع اللبس بعد ذلك، كما في آية:
فينسخ الله ما يلقى الشيطان
[الحج:52]، والله أعلم ه. { قال رب اغفر لي } ، هو بدل من " أناب " ، أي: اغفر لي ما صدر عني من الزلة، { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ، ليكون معجزة لي، مناسبة لحالي، فإنه عليه السلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة، وورثهما معا، استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما. أو: لا ينبغي لأحد يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو: لا يصح لأحد من بعدي لعظمته وشدته. قال القشيري: ويقال: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره إلى الله ومثله للجنيد، وزاد: فإن الملك شغل عن المالك أو يقال: لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك، لا من الأنبياء، وإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحق الله، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا. وهو كما قال يوسف عليه السلام:
اجعلنى على خزآئن الأرض...
[يوسف: 55]. ثم قال: علم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يلاحظ الدنيا، ولا يملكها، تحقيرا لها فقال: { لا ينبغي لأحد من بعدي } لا لأنه بخل به عليه، ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك. ه. هذا، وقد يقال: إن قوله: { وهب لي ملكا } قد جرى على لسانه، كما هو حال النطق بالله من أهل الله، ولذلك كان الأمر كذلك، ولم يزاحمه أحد، كقول الخليل:
وابعث فيهم رسولا
[البقرة: 129]، لما جرى به القضاء أنطقه الله بما سيكون. وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين، جريا على سنن الأنبياء والصالحين، وكون ذلك أدخل في الإجابة. { إنك أنت الوهاب } تعليل للدعاء بالهبة والمغفرة معا، فإن المغفرة من أحكام وصف الوهابية قطعا، { فسخرنا له الريح } فذللناها لطاعته، إجابة لدعوته، فعاد أمره عليه السلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة، قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين، وملك بعد الفتنة عشرين، فسخرت له الريح { تجري بأمره } بيان لتسخيرها، { رخاء } أي: لينة، من الرخاوة، أو: طيبة لا تزعج، وهذا بعد أن تقل السرير من الأرض الإعصار، فإذا صار في الهواء حملته الرخاء الطيبة، { حيث أصاب } أي: قصد وشاء، بلغة حمير. تقول العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب فأخطأ. قال الشاعر:
أصاب الكلام فلم يستطع فأخطا الجواب لدى المفصل
{ و } سخرنا له { الشياطين كل بناء وغواص }: بدل من " الشياطين ". فكانوا يبنون له ما يشاء، ويغوصون له في البحر لاستخراج اللآلىء، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر، وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين، { وآخرين مقرنين في الأصفاد } فكان يقرن مردة الشياطين، بعضهم مع بعض، في القيود والسلاسل، للتأديب والكف عن العباد. والصفد: القيد، وقد يسمى العطاء بالصفد لأنه ارتباط للمنعم عليه في يد المنعم. ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير الناس، أكثر مما يهربون من شرهم. قال الشيخ عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما: يا أبا الحسن اهرب من خير الناس، أكثر ما تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك، ولئن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك. ه. { هذا عطاؤنا } ، هو حكاية لما خوطب به سليمان من قبل الحق تعالى، أي: وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم، والسلطنة، والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك، هو عطاؤنا الخاص بك، { فامنن أو أمسك } أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، { بغير حساب } أي: غير محاسب على منه ومنعه لتفويض التصرف فيه إليك، فكان إذا أعطى أجر، وإذا منع لم يأثم، بخلاف غيره. قال الحسن: إن الله لم يعط أحدا عطية إلا جعل فيها حسابا، إلا سليمان، فإن الله أعطاه عطاء هينا. وهذا مما خص به سليمان عليه السلام، وأما غيره، فيؤخر على بذله، ويعاقب على منعه من حقه، و { بغير حساب }: قيل: متعلق بعطاؤنا، وقيل: حال من المستكن في الأمر، أي: هذا عطاؤنا جما كثيرا، لا يكاد يقدر على حصره، أو: هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، أو: أمسك من شئت منهم في الوثاق، لا حساب عليك في ذلك.
{ وإن له عندنا لزلفى } لقربى في الآخرة، مع ما له في الدنيا من الملك العظيم، { وحسن مآب } مرجع، وهي الجنة. وزلفى: اسم إن، و " له ": خبر، و " عند ": متعلق بالاستقرار. روي أن سليمان عليه السلام لما ورث ملك أبيه، سار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كسرى، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث حتى هلك. ثم سار سليمان عليه السلام إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك، فأوغل فيها، ثم جاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلد فارس، فنزلها أياما، ثم عاد إلى الشام، فأمر ببناء بيت المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر الله، وغزا بلاد المغرب الأندلس وطنجة وغيرهما. انظر أبا السعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أعطى الله عبدا مكنة إلا بعد محنة، ولا رفع مقاما إلا بعد ابتلاء، إما في البدن والمال، وإما في الدين، إن صحبه رجوع وانكسار. كأن الله تعالى إذا أراد أن يرفع عبدا أهبطه إلى أرض قهرية العبودية، ثم يرفعه إلى مشاهدة عظمة الربوبية، ثم يملكه الوجود بأسره، يتصرف فيه بهمته كيف شاء. ولذلك قيل في معصية آدم: نعمت المعصية أورثت الخلافة. وشاهده حديث:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي "
ومن كان الله عنده، ماذا يفوته؟ وقوله تعالى: { وهب لي ملكا... } الخ، قال القشيري: لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك على الحقيقة من ملك نفسه، فمن ملكها لم يتبع هواه، أي: فيكون حرا، فيملكه الله التصرف في الوجود. ثم قال: ويقال أراد به كمال حاله في شهود ربه، حتى لا يرى معه غيره، ويقال: سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار. ه. وقوله تعالى: { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ، هو عند الأولياء ليس خاصا بسليمان، فكل من تمكن مع الله التمكن الكبير يفوض إليه الأمر، ويقال: افعل ما شئت، وشاهده: حديث أهل بدر. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الولي مبلغا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ثم استشهد بالآية في حق سليمان، هذا، وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. ثم ذكر أيوب عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه }.
ص 38:40
يقول الحق جل جلاله: { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه، { وألقينا على كرسيه } سرير ملكه، { جسدا } شق ولد، أو جنيا، { ثم أناب } رجع إلى الله تعالى، وأظهر ما قيل في فتنته عليه السلام ما روي مرفوعا: أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين أو تسع وتسعين امرأة، تأتي كل واحدة منهن بفارس، يجاهد في سبيل الله، ولم يقل " إن شاء الله " فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام:
" والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون "
فالفتنة على هذا: كونه لم يقل: " إن شاء الله " والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له. وقيل: إنه ولد له ابن، فأجمعت الشياطين على قتله، وقالوا: إن عاش له ولد لم ننفك من خدمته، فلما علم ذلك، حمله في السحاب، فما شعر حتى ألقي على كرسيه جسدا ميتا، فتنبه لخطئه، حيث لم يتوكل على الله. وقيل: إنه غزا صيدون من الجزائر، فقتل ملكها، وأخذ بنتا له تسمى جرادة، من أحسن الناس، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت على جفاء، وأحبها، وكان لا يرقأ دمعها، جزعا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته، فكانت تغدو عليها وتروح مع ولائدها، فيسجدن لها، كعادتهن في ملكه، فأخبره صاحبه آصف بذلك، فكسر الصورة، وعاقب المرأة، ثم خرج إلى فلاة، وفرش له الرماد، وجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا. وكانت له أم ولد، يقال لها: " أمينة " إذا دخل للطهارة، أو لإصابة امرأة، يعطيها خاتمه، وكان فيها ملكه، فأعطاها يوما، فتمثل لها بصورته شيطان، اسمه " صخر " وأخذ الخاتم، فتختم به، وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق، ونفذ حكمه في كل شيء، إلا في نسائه، على المشهور، وغير سليمان عن هيئته، فأتى " أمينة " لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعلم أن الخطيئة قد أدركته، فكان يطوف على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان، حثوا التراب عليه، وسبوه، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك، فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحا، عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: قد أنكرنا حكمه، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه، فنشروا التوراة، فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، والخاتم معه، ثم قذفه في البحر، فابتلعته سمكة، فوقعت في يد سليمان، فبقر بطنها، فإذا هو بالخاتم، فتختم به، وخر ساجدا لله، وعاد إليه ملكه، وقبض الجني " صخر " فجعله في وسط صخرة، وشد عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، وقذفه في البحر، فهو باق فيه.
فالجسد على هذا عبارة عن " صخر " سمي به، وهو جسم لا روح فيه لأنه تمثيل بما لم يكن كذلك، والخطيئة: تغافله عليه السلام عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل لم يكن محظورا حينئذ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره. وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال: لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع، من تشبه الشيطان بنبيه، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته والجور في حكمه. قال القاضي عياض: الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. ومثله لابن العربي أيضا. وحكى إنكاره عن السمرقندي. وقال الطيبي: أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد، كما تقدم. وخالفه ابن حجر، فقال: قال غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، فالله أعلم، غير أن التنزيه أسلم. قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته، وليس هذه كقصة أيوب، فيما يذكر أنه تسلط الشيطان على إتلاف ماله وولده، وضرره في جسده لأن ذلك إنما فيه تسلط على محض ضرر دنيوي لا ديني. وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" تفلت علي البارحة عفريت... "
الحديث. وكذا سحر، وسم، وشج. والتسلط المذكور في حق سليمان، فيه تلبيس في الدين فلا يصح، إلا أن يقال: إنه لم يقر، بل رفع اللبس بعد ذلك، كما في آية:
فينسخ الله ما يلقى الشيطان
[الحج:52]، والله أعلم ه. { قال رب اغفر لي } ، هو بدل من " أناب " ، أي: اغفر لي ما صدر عني من الزلة، { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ، ليكون معجزة لي، مناسبة لحالي، فإنه عليه السلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة، وورثهما معا، استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما. أو: لا ينبغي لأحد يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو: لا يصح لأحد من بعدي لعظمته وشدته. قال القشيري: ويقال: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره إلى الله ومثله للجنيد، وزاد: فإن الملك شغل عن المالك أو يقال: لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك، لا من الأنبياء، وإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحق الله، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا. وهو كما قال يوسف عليه السلام:
اجعلنى على خزآئن الأرض...
[يوسف: 55]. ثم قال: علم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يلاحظ الدنيا، ولا يملكها، تحقيرا لها فقال: { لا ينبغي لأحد من بعدي } لا لأنه بخل به عليه، ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك. ه. هذا، وقد يقال: إن قوله: { وهب لي ملكا } قد جرى على لسانه، كما هو حال النطق بالله من أهل الله، ولذلك كان الأمر كذلك، ولم يزاحمه أحد، كقول الخليل:
وابعث فيهم رسولا
[البقرة: 129]، لما جرى به القضاء أنطقه الله بما سيكون. وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين، جريا على سنن الأنبياء والصالحين، وكون ذلك أدخل في الإجابة. { إنك أنت الوهاب } تعليل للدعاء بالهبة والمغفرة معا، فإن المغفرة من أحكام وصف الوهابية قطعا، { فسخرنا له الريح } فذللناها لطاعته، إجابة لدعوته، فعاد أمره عليه السلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة، قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين، وملك بعد الفتنة عشرين، فسخرت له الريح { تجري بأمره } بيان لتسخيرها، { رخاء } أي: لينة، من الرخاوة، أو: طيبة لا تزعج، وهذا بعد أن تقل السرير من الأرض الإعصار، فإذا صار في الهواء حملته الرخاء الطيبة، { حيث أصاب } أي: قصد وشاء، بلغة حمير. تقول العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب فأخطأ. قال الشاعر:
أصاب الكلام فلم يستطع فأخطا الجواب لدى المفصل
{ و } سخرنا له { الشياطين كل بناء وغواص }: بدل من " الشياطين ". فكانوا يبنون له ما يشاء، ويغوصون له في البحر لاستخراج اللآلىء، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر، وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين، { وآخرين مقرنين في الأصفاد } فكان يقرن مردة الشياطين، بعضهم مع بعض، في القيود والسلاسل، للتأديب والكف عن العباد. والصفد: القيد، وقد يسمى العطاء بالصفد لأنه ارتباط للمنعم عليه في يد المنعم. ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير الناس، أكثر مما يهربون من شرهم. قال الشيخ عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما: يا أبا الحسن اهرب من خير الناس، أكثر ما تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك، ولئن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك، ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك. ه. { هذا عطاؤنا } ، هو حكاية لما خوطب به سليمان من قبل الحق تعالى، أي: وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم، والسلطنة، والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك، هو عطاؤنا الخاص بك، { فامنن أو أمسك } أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، { بغير حساب } أي: غير محاسب على منه ومنعه لتفويض التصرف فيه إليك، فكان إذا أعطى أجر، وإذا منع لم يأثم، بخلاف غيره. قال الحسن: إن الله لم يعط أحدا عطية إلا جعل فيها حسابا، إلا سليمان، فإن الله أعطاه عطاء هينا. وهذا مما خص به سليمان عليه السلام، وأما غيره، فيؤخر على بذله، ويعاقب على منعه من حقه، و { بغير حساب }: قيل: متعلق بعطاؤنا، وقيل: حال من المستكن في الأمر، أي: هذا عطاؤنا جما كثيرا، لا يكاد يقدر على حصره، أو: هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، أو: أمسك من شئت منهم في الوثاق، لا حساب عليك في ذلك.
{ وإن له عندنا لزلفى } لقربى في الآخرة، مع ما له في الدنيا من الملك العظيم، { وحسن مآب } مرجع، وهي الجنة. وزلفى: اسم إن، و " له ": خبر، و " عند ": متعلق بالاستقرار. روي أن سليمان عليه السلام لما ورث ملك أبيه، سار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كسرى، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث حتى هلك. ثم سار سليمان عليه السلام إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك، فأوغل فيها، ثم جاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلد فارس، فنزلها أياما، ثم عاد إلى الشام، فأمر ببناء بيت المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر الله، وغزا بلاد المغرب الأندلس وطنجة وغيرهما. انظر أبا السعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أعطى الله عبدا مكنة إلا بعد محنة، ولا رفع مقاما إلا بعد ابتلاء، إما في البدن والمال، وإما في الدين، إن صحبه رجوع وانكسار. كأن الله تعالى إذا أراد أن يرفع عبدا أهبطه إلى أرض قهرية العبودية، ثم يرفعه إلى مشاهدة عظمة الربوبية، ثم يملكه الوجود بأسره، يتصرف فيه بهمته كيف شاء. ولذلك قيل في معصية آدم: نعمت المعصية أورثت الخلافة. وشاهده حديث:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي "
ومن كان الله عنده، ماذا يفوته؟ وقوله تعالى: { وهب لي ملكا... } الخ، قال القشيري: لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك على الحقيقة من ملك نفسه، فمن ملكها لم يتبع هواه، أي: فيكون حرا، فيملكه الله التصرف في الوجود. ثم قال: ويقال أراد به كمال حاله في شهود ربه، حتى لا يرى معه غيره، ويقال: سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار. ه. وقوله تعالى: { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ، هو عند الأولياء ليس خاصا بسليمان، فكل من تمكن مع الله التمكن الكبير يفوض إليه الأمر، ويقال: افعل ما شئت، وشاهده: حديث أهل بدر. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: يبلغ الولي مبلغا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. ثم استشهد بالآية في حق سليمان، هذا، وإن كان للنبي من أجل العصمة، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه، من أجل الحفظة. ثم ذكر أيوب عليه السلام، فقال: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه }.
ص 38:41
يقول الحق جل جلاله: { واذكر عبدنا أيوب } ، وهو ابن عيصو بن إسحاق عليه السلام، أي: من ذريته لأنه بعد يوسف، وامرأته: رحمة بنت إفراثيم بن يوسف. { إذ نادى ربه } ، وهو بدل اشتمال من " عبدنا ". و " أيوب ": عطف له، { أني } أي: بأني { مسني الشيطان بنصب } أي: تعب، وفيه قراءات بفتحتين، وبضمتين، وبضم وسكون، وبنصب وسكون. { وعذاب } أي: ألم، يريد ما كان يقاسيه من فنون الشدائد، وهو الضر في قوله:
مسنى الضر
[الأنبياء: 83]، وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به، وإلا لقيل: إنه مسه. وإسناده إلى الشيطان على طريق الأدب في إسناد ما كان فيه كمال إلى الله تعالى، وما كان فيه نقص إلى الشيطان أو غيره، كقول الخليل:
وإذا مرضت
[الشعراء: 80] ولم يقل: أمرضني. وكقول يوشع عليه السلام:
ومآ أنسانيه إلا الشيطان [الكهف: 63]. وفي الحقيقة: كل من عند الله. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه، من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك، بكشف البلاء، أو بدفعه ورده بالصبر الجميل. وروي: أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، فارتد أحدهم، فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان: أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين، فشكا ذلك إلى ربه. وذكر في سبب بلائه أنه ذبح شاة فأكلها، وجاره جائع، أو: رأى منكرا فسكت عنه، أو: استغاثه مظلوم فلم يغثه، أو: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه، فلم يغزه، أو: سؤاله امتحانا لصبره، أي: هل يصبر أم لا، أو: ابتلاه لرفع درجاته بلا سبب، وهو أولى. { اركض برجلك } ، حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام، أي: أرسلنا له جبريل عليه السلام بعد انتهاء مدة مرضه، فقال له: اركض، أي: اضرب برجلك الأرض، وهي أرض موضع بالجابية، فضربها، فنبعت عين، فقيل: { هذا مغتسل بارد وشراب } أي: هذا ما تغتسل منه، وتشرب منه، فيبرأ ظاهرك وباطنك، وقيل: نبعت له عينان حارة للاغتسال، وباردة للشرب، فاغتسل من إحداهما، فبرىء ما في ظاهره، وشرب من الأخرى، فبرىء ما في باطنه، بإذن الله تعالى. ومدة مرضه قيل: ثمان عشرة سنة، وقيل: أربعين، وقيل: سبع سنين، وسبعة أشهر، وسبعة أيام، وسبع ساعات. { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } ، قيل: أحياهم الله بأعيانهم، وزاد مثلهم، وقيل: جمعهم بعد تفرقهم، وقيل: أعطاه أمثالهم وزاده ضعفهم. قال القشيري: وكان له سبع بنات. وثلاثة بنين، في مكتب واحد، فحرك الشيطان الأسطوانة، فانهدم البيت عليهم. ه. ولم يذكر كم كان له من الزوجات، فقد سلمت منهن " رحمة " ، وهلك الباقي. أعطيناه ذلك { رحمة منا } أي: رحمة عظيمة علية من قبلنا.
{ وذكرى لأولي الألباب } أي: ولنذكرهم بذلك ليصبروا على الشدائد، ويلتجئوا إلى الله فيما ينزل بهم لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه، لصبره، رغبهم في الصبر على البلاء. ولما حلف: ليضربن امرأته مائة ضربة، حيث أبطأت عليه في حاجتها. وقيل: باعت ذوائبها واشترت به رغيفين، وكانت متعلق أيوب. وقيل: طمع الشيطان فيها أن يسجد زوجها له فيشفيه، أمره الله تعالى ببر يمينه، فقال: { وخذ بيدك ضغثا } حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان، وعن ابن عباس رضي الله عنه: قبضة من الشجر، { فاضرب به ولا تحنث } ، وهذه الرخصة باقية عند الشافعي وأبي حنيفة، خلافا لمالك لأن الأيمان عنده مبنية على الأعراف. قال تعالى: { إنا وجدناه } علمناه { صابرا } على البلاء، وأما شكواه فليست جزعا، بل رجوعا إلى مولاه، على أنه عليه السلام إنما طلب الشفاء خيفة على قومه، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم: لو كان نبيا لما ابتلي بمثل ما ابتلي به، وإرادة القوة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان. قلت: طلب الشفاء لا ينافي الرضا لأن العبد ضعيف، لا قوة له على قهرية الحق. ثم قال تعالى: { نعم العبد إنه أواب } رجاع إلى الله تعالى. قال القشيري: لم يشغله البلاء عن المبلي. وهو تعليل لمرضه. الإشارة: كثير من الصوفية اختاروا البلاء على العافية، وبعضهم اختار العافية، قال علي رضي الله عنه: لأن أعطى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، أي: لأنه طريق السلامة، وبه وردت الأحاديث، والأولى للعبد ألا يختار مع سيده شيئا، بل يكون مفوضا مستسلما، يتلقى ما يرد عليه بالترحيب، أي شيء كان. وبالله التوفيق. ثم ذكر إبراهيم وبنيه، فقال: { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب }.
ص 38:42
يقول الحق جل جلاله: { واذكر عبدنا أيوب } ، وهو ابن عيصو بن إسحاق عليه السلام، أي: من ذريته لأنه بعد يوسف، وامرأته: رحمة بنت إفراثيم بن يوسف. { إذ نادى ربه } ، وهو بدل اشتمال من " عبدنا ". و " أيوب ": عطف له، { أني } أي: بأني { مسني الشيطان بنصب } أي: تعب، وفيه قراءات بفتحتين، وبضمتين، وبضم وسكون، وبنصب وسكون. { وعذاب } أي: ألم، يريد ما كان يقاسيه من فنون الشدائد، وهو الضر في قوله:
مسنى الضر
[الأنبياء: 83]، وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به، وإلا لقيل: إنه مسه. وإسناده إلى الشيطان على طريق الأدب في إسناد ما كان فيه كمال إلى الله تعالى، وما كان فيه نقص إلى الشيطان أو غيره، كقول الخليل:
وإذا مرضت
[الشعراء: 80] ولم يقل: أمرضني. وكقول يوشع عليه السلام:
ومآ أنسانيه إلا الشيطان [الكهف: 63]. وفي الحقيقة: كل من عند الله. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه، من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك، بكشف البلاء، أو بدفعه ورده بالصبر الجميل. وروي: أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، فارتد أحدهم، فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان: أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين، فشكا ذلك إلى ربه. وذكر في سبب بلائه أنه ذبح شاة فأكلها، وجاره جائع، أو: رأى منكرا فسكت عنه، أو: استغاثه مظلوم فلم يغثه، أو: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه، فلم يغزه، أو: سؤاله امتحانا لصبره، أي: هل يصبر أم لا، أو: ابتلاه لرفع درجاته بلا سبب، وهو أولى. { اركض برجلك } ، حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام، أي: أرسلنا له جبريل عليه السلام بعد انتهاء مدة مرضه، فقال له: اركض، أي: اضرب برجلك الأرض، وهي أرض موضع بالجابية، فضربها، فنبعت عين، فقيل: { هذا مغتسل بارد وشراب } أي: هذا ما تغتسل منه، وتشرب منه، فيبرأ ظاهرك وباطنك، وقيل: نبعت له عينان حارة للاغتسال، وباردة للشرب، فاغتسل من إحداهما، فبرىء ما في ظاهره، وشرب من الأخرى، فبرىء ما في باطنه، بإذن الله تعالى. ومدة مرضه قيل: ثمان عشرة سنة، وقيل: أربعين، وقيل: سبع سنين، وسبعة أشهر، وسبعة أيام، وسبع ساعات. { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } ، قيل: أحياهم الله بأعيانهم، وزاد مثلهم، وقيل: جمعهم بعد تفرقهم، وقيل: أعطاه أمثالهم وزاده ضعفهم. قال القشيري: وكان له سبع بنات. وثلاثة بنين، في مكتب واحد، فحرك الشيطان الأسطوانة، فانهدم البيت عليهم. ه. ولم يذكر كم كان له من الزوجات، فقد سلمت منهن " رحمة " ، وهلك الباقي. أعطيناه ذلك { رحمة منا } أي: رحمة عظيمة علية من قبلنا.
{ وذكرى لأولي الألباب } أي: ولنذكرهم بذلك ليصبروا على الشدائد، ويلتجئوا إلى الله فيما ينزل بهم لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه، لصبره، رغبهم في الصبر على البلاء. ولما حلف: ليضربن امرأته مائة ضربة، حيث أبطأت عليه في حاجتها. وقيل: باعت ذوائبها واشترت به رغيفين، وكانت متعلق أيوب. وقيل: طمع الشيطان فيها أن يسجد زوجها له فيشفيه، أمره الله تعالى ببر يمينه، فقال: { وخذ بيدك ضغثا } حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان، وعن ابن عباس رضي الله عنه: قبضة من الشجر، { فاضرب به ولا تحنث } ، وهذه الرخصة باقية عند الشافعي وأبي حنيفة، خلافا لمالك لأن الأيمان عنده مبنية على الأعراف. قال تعالى: { إنا وجدناه } علمناه { صابرا } على البلاء، وأما شكواه فليست جزعا، بل رجوعا إلى مولاه، على أنه عليه السلام إنما طلب الشفاء خيفة على قومه، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم: لو كان نبيا لما ابتلي بمثل ما ابتلي به، وإرادة القوة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان. قلت: طلب الشفاء لا ينافي الرضا لأن العبد ضعيف، لا قوة له على قهرية الحق. ثم قال تعالى: { نعم العبد إنه أواب } رجاع إلى الله تعالى. قال القشيري: لم يشغله البلاء عن المبلي. وهو تعليل لمرضه. الإشارة: كثير من الصوفية اختاروا البلاء على العافية، وبعضهم اختار العافية، قال علي رضي الله عنه: لأن أعطى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، أي: لأنه طريق السلامة، وبه وردت الأحاديث، والأولى للعبد ألا يختار مع سيده شيئا، بل يكون مفوضا مستسلما، يتلقى ما يرد عليه بالترحيب، أي شيء كان. وبالله التوفيق. ثم ذكر إبراهيم وبنيه، فقال: { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب }.
ص 38:43
يقول الحق جل جلاله: { واذكر عبدنا أيوب } ، وهو ابن عيصو بن إسحاق عليه السلام، أي: من ذريته لأنه بعد يوسف، وامرأته: رحمة بنت إفراثيم بن يوسف. { إذ نادى ربه } ، وهو بدل اشتمال من " عبدنا ". و " أيوب ": عطف له، { أني } أي: بأني { مسني الشيطان بنصب } أي: تعب، وفيه قراءات بفتحتين، وبضمتين، وبضم وسكون، وبنصب وسكون. { وعذاب } أي: ألم، يريد ما كان يقاسيه من فنون الشدائد، وهو الضر في قوله:
مسنى الضر
[الأنبياء: 83]، وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به، وإلا لقيل: إنه مسه. وإسناده إلى الشيطان على طريق الأدب في إسناد ما كان فيه كمال إلى الله تعالى، وما كان فيه نقص إلى الشيطان أو غيره، كقول الخليل:
وإذا مرضت
[الشعراء: 80] ولم يقل: أمرضني. وكقول يوشع عليه السلام:
ومآ أنسانيه إلا الشيطان [الكهف: 63]. وفي الحقيقة: كل من عند الله. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه، من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك، بكشف البلاء، أو بدفعه ورده بالصبر الجميل. وروي: أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، فارتد أحدهم، فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان: أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين، فشكا ذلك إلى ربه. وذكر في سبب بلائه أنه ذبح شاة فأكلها، وجاره جائع، أو: رأى منكرا فسكت عنه، أو: استغاثه مظلوم فلم يغثه، أو: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه، فلم يغزه، أو: سؤاله امتحانا لصبره، أي: هل يصبر أم لا، أو: ابتلاه لرفع درجاته بلا سبب، وهو أولى. { اركض برجلك } ، حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام، أي: أرسلنا له جبريل عليه السلام بعد انتهاء مدة مرضه، فقال له: اركض، أي: اضرب برجلك الأرض، وهي أرض موضع بالجابية، فضربها، فنبعت عين، فقيل: { هذا مغتسل بارد وشراب } أي: هذا ما تغتسل منه، وتشرب منه، فيبرأ ظاهرك وباطنك، وقيل: نبعت له عينان حارة للاغتسال، وباردة للشرب، فاغتسل من إحداهما، فبرىء ما في ظاهره، وشرب من الأخرى، فبرىء ما في باطنه، بإذن الله تعالى. ومدة مرضه قيل: ثمان عشرة سنة، وقيل: أربعين، وقيل: سبع سنين، وسبعة أشهر، وسبعة أيام، وسبع ساعات. { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } ، قيل: أحياهم الله بأعيانهم، وزاد مثلهم، وقيل: جمعهم بعد تفرقهم، وقيل: أعطاه أمثالهم وزاده ضعفهم. قال القشيري: وكان له سبع بنات. وثلاثة بنين، في مكتب واحد، فحرك الشيطان الأسطوانة، فانهدم البيت عليهم. ه. ولم يذكر كم كان له من الزوجات، فقد سلمت منهن " رحمة " ، وهلك الباقي. أعطيناه ذلك { رحمة منا } أي: رحمة عظيمة علية من قبلنا.
{ وذكرى لأولي الألباب } أي: ولنذكرهم بذلك ليصبروا على الشدائد، ويلتجئوا إلى الله فيما ينزل بهم لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه، لصبره، رغبهم في الصبر على البلاء. ولما حلف: ليضربن امرأته مائة ضربة، حيث أبطأت عليه في حاجتها. وقيل: باعت ذوائبها واشترت به رغيفين، وكانت متعلق أيوب. وقيل: طمع الشيطان فيها أن يسجد زوجها له فيشفيه، أمره الله تعالى ببر يمينه، فقال: { وخذ بيدك ضغثا } حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان، وعن ابن عباس رضي الله عنه: قبضة من الشجر، { فاضرب به ولا تحنث } ، وهذه الرخصة باقية عند الشافعي وأبي حنيفة، خلافا لمالك لأن الأيمان عنده مبنية على الأعراف. قال تعالى: { إنا وجدناه } علمناه { صابرا } على البلاء، وأما شكواه فليست جزعا، بل رجوعا إلى مولاه، على أنه عليه السلام إنما طلب الشفاء خيفة على قومه، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم: لو كان نبيا لما ابتلي بمثل ما ابتلي به، وإرادة القوة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان. قلت: طلب الشفاء لا ينافي الرضا لأن العبد ضعيف، لا قوة له على قهرية الحق. ثم قال تعالى: { نعم العبد إنه أواب } رجاع إلى الله تعالى. قال القشيري: لم يشغله البلاء عن المبلي. وهو تعليل لمرضه. الإشارة: كثير من الصوفية اختاروا البلاء على العافية، وبعضهم اختار العافية، قال علي رضي الله عنه: لأن أعطى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، أي: لأنه طريق السلامة، وبه وردت الأحاديث، والأولى للعبد ألا يختار مع سيده شيئا، بل يكون مفوضا مستسلما، يتلقى ما يرد عليه بالترحيب، أي شيء كان. وبالله التوفيق. ثم ذكر إبراهيم وبنيه، فقال: { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب }.
ص 38:44
يقول الحق جل جلاله: { واذكر عبدنا أيوب } ، وهو ابن عيصو بن إسحاق عليه السلام، أي: من ذريته لأنه بعد يوسف، وامرأته: رحمة بنت إفراثيم بن يوسف. { إذ نادى ربه } ، وهو بدل اشتمال من " عبدنا ". و " أيوب ": عطف له، { أني } أي: بأني { مسني الشيطان بنصب } أي: تعب، وفيه قراءات بفتحتين، وبضمتين، وبضم وسكون، وبنصب وسكون. { وعذاب } أي: ألم، يريد ما كان يقاسيه من فنون الشدائد، وهو الضر في قوله:
مسنى الضر
[الأنبياء: 83]، وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به، وإلا لقيل: إنه مسه. وإسناده إلى الشيطان على طريق الأدب في إسناد ما كان فيه كمال إلى الله تعالى، وما كان فيه نقص إلى الشيطان أو غيره، كقول الخليل:
وإذا مرضت
[الشعراء: 80] ولم يقل: أمرضني. وكقول يوشع عليه السلام:
ومآ أنسانيه إلا الشيطان [الكهف: 63]. وفي الحقيقة: كل من عند الله. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه، من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك، بكشف البلاء، أو بدفعه ورده بالصبر الجميل. وروي: أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، فارتد أحدهم، فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان: أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين، فشكا ذلك إلى ربه. وذكر في سبب بلائه أنه ذبح شاة فأكلها، وجاره جائع، أو: رأى منكرا فسكت عنه، أو: استغاثه مظلوم فلم يغثه، أو: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه، فلم يغزه، أو: سؤاله امتحانا لصبره، أي: هل يصبر أم لا، أو: ابتلاه لرفع درجاته بلا سبب، وهو أولى. { اركض برجلك } ، حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام، أي: أرسلنا له جبريل عليه السلام بعد انتهاء مدة مرضه، فقال له: اركض، أي: اضرب برجلك الأرض، وهي أرض موضع بالجابية، فضربها، فنبعت عين، فقيل: { هذا مغتسل بارد وشراب } أي: هذا ما تغتسل منه، وتشرب منه، فيبرأ ظاهرك وباطنك، وقيل: نبعت له عينان حارة للاغتسال، وباردة للشرب، فاغتسل من إحداهما، فبرىء ما في ظاهره، وشرب من الأخرى، فبرىء ما في باطنه، بإذن الله تعالى. ومدة مرضه قيل: ثمان عشرة سنة، وقيل: أربعين، وقيل: سبع سنين، وسبعة أشهر، وسبعة أيام، وسبع ساعات. { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } ، قيل: أحياهم الله بأعيانهم، وزاد مثلهم، وقيل: جمعهم بعد تفرقهم، وقيل: أعطاه أمثالهم وزاده ضعفهم. قال القشيري: وكان له سبع بنات. وثلاثة بنين، في مكتب واحد، فحرك الشيطان الأسطوانة، فانهدم البيت عليهم. ه. ولم يذكر كم كان له من الزوجات، فقد سلمت منهن " رحمة " ، وهلك الباقي. أعطيناه ذلك { رحمة منا } أي: رحمة عظيمة علية من قبلنا.
{ وذكرى لأولي الألباب } أي: ولنذكرهم بذلك ليصبروا على الشدائد، ويلتجئوا إلى الله فيما ينزل بهم لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه، لصبره، رغبهم في الصبر على البلاء. ولما حلف: ليضربن امرأته مائة ضربة، حيث أبطأت عليه في حاجتها. وقيل: باعت ذوائبها واشترت به رغيفين، وكانت متعلق أيوب. وقيل: طمع الشيطان فيها أن يسجد زوجها له فيشفيه، أمره الله تعالى ببر يمينه، فقال: { وخذ بيدك ضغثا } حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان، وعن ابن عباس رضي الله عنه: قبضة من الشجر، { فاضرب به ولا تحنث } ، وهذه الرخصة باقية عند الشافعي وأبي حنيفة، خلافا لمالك لأن الأيمان عنده مبنية على الأعراف. قال تعالى: { إنا وجدناه } علمناه { صابرا } على البلاء، وأما شكواه فليست جزعا، بل رجوعا إلى مولاه، على أنه عليه السلام إنما طلب الشفاء خيفة على قومه، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم: لو كان نبيا لما ابتلي بمثل ما ابتلي به، وإرادة القوة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان. قلت: طلب الشفاء لا ينافي الرضا لأن العبد ضعيف، لا قوة له على قهرية الحق. ثم قال تعالى: { نعم العبد إنه أواب } رجاع إلى الله تعالى. قال القشيري: لم يشغله البلاء عن المبلي. وهو تعليل لمرضه. الإشارة: كثير من الصوفية اختاروا البلاء على العافية، وبعضهم اختار العافية، قال علي رضي الله عنه: لأن أعطى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، أي: لأنه طريق السلامة، وبه وردت الأحاديث، والأولى للعبد ألا يختار مع سيده شيئا، بل يكون مفوضا مستسلما، يتلقى ما يرد عليه بالترحيب، أي شيء كان. وبالله التوفيق. ثم ذكر إبراهيم وبنيه، فقال: { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب }.
ص 38:45
يقول الحق جل جلاله: { واذكر عبادنا } ، وقرأ المكي: " عبدنا " ، إما على إرادة الخبر، وإما أن يريد " إبراهيم " وحده لشرفه، ثم عطف عليه من بعده، ثم بينهم بقوله: { إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } أي: أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين، أو: أولي الأعمال الجليلة، والعلوم الشريفة. فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها تباشر بها، وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى مبادئها. وفيه تعريض بالجهلة الباطلين، كأنهم كالزمنى والعماة، وتوبيخ على ترك المجاهدة والفكرة مع تمكنهم منهما. { إنا أخلصناهم بخالصة } أي: جعلناهم خالصين لنا بخصلة عظيمة الشأن، لا شوب فيها، هي { ذكرى الدار } أي: تذكر للدار الآخرة على الدوام، فإن خلوصهم في الطاعة بسبب تذكرهم لها، وذلك لأن مطمح أنظارهم، ومسرح أفكارهم، في كل ما يأتون وما يذرون، جوار الله عز وجل، والفوز بلقائه، ولا يتأتى ذلك على الدوام إلا في الآخرة، فمطلبهم إنما هو الجوار والرؤية. لا مجرد الحضور في تلك الدار، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه:
ليس سؤلي من الجنان نعيما غير أني أريدها لأراك
قال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى الآية: { إنا أخلصناهم } بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة، ودعاء الناس إليها، أي: وتزهيدهم في الدنيا، كما هو ديدن الأنبياء والرسل. وهذا قول قتادة، أو: إنا أخلصناهم بأن خلص لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم والعمل بحسب ذلك. وهذا قول مجاهد. ه. قلت: مرتبة الرسل تنافي العمل لحرف، فإن أولياء هذه الأمة تحرروا من العمل للحرف، بل عبدوا الله شكرا ومحبة وعبودية، لا طمعا في شيء، فكيف بأكابر الرسل. وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار في الحقيقة، وإنما الدنيا معبر إليها. ومن قرأ بالإضافة، فمن إضافة الشيء إلى ما بينه لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى، و " ذكرى ": مصدر مضاف إلى المفعول، أي: بإخلاصهم ذكرى الدار. وقيل: خالصة بمعنى خلوص، وهي مضافة إلى الفاعل، أي: بأن خلصت لهم ذكرى الدار، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بشيء آخر، إنما همهم ذكرى الدار الآخرة لجوار الحبيب. { وإنهم عندنا لمن المصطفين } المختارين من بين أبناء جنسهم { الأخيار }: جمع خير، أو: خير، على التخفيف، كأموات جمع ميت، أو: ميت. الإشارة: أولياء هذه الأمة أي: العارفون بالله يزاحمون الأنبياء والرسل في جل المراتب، قال صلى الله عليه وسلم:
" علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل "
أي: العلماء بالله فإنهم لم يقفوا مع دنيا ولا مع آخرة، بل حطوا هممهم على الله، ولم يقصدوا شيئا سواه، خلعوا النعلين عن الكونين، وركضوا إلى المكون، وكانت لهم اليد الطولى في عمل الطاعات عبودية، والبصيرة النافذة في مشاهدة الربوبية، هذه طريقهم، وهذا مذهبهم، ومن حاد منهم عن هذا لم يعدوه منهم. جعلنا الله ممن خرط في سلكهم. ثم ذكر بقية بنيه، فقال: { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل }.
ص 38:46
يقول الحق جل جلاله: { واذكر عبادنا } ، وقرأ المكي: " عبدنا " ، إما على إرادة الخبر، وإما أن يريد " إبراهيم " وحده لشرفه، ثم عطف عليه من بعده، ثم بينهم بقوله: { إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } أي: أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين، أو: أولي الأعمال الجليلة، والعلوم الشريفة. فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها تباشر بها، وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى مبادئها. وفيه تعريض بالجهلة الباطلين، كأنهم كالزمنى والعماة، وتوبيخ على ترك المجاهدة والفكرة مع تمكنهم منهما. { إنا أخلصناهم بخالصة } أي: جعلناهم خالصين لنا بخصلة عظيمة الشأن، لا شوب فيها، هي { ذكرى الدار } أي: تذكر للدار الآخرة على الدوام، فإن خلوصهم في الطاعة بسبب تذكرهم لها، وذلك لأن مطمح أنظارهم، ومسرح أفكارهم، في كل ما يأتون وما يذرون، جوار الله عز وجل، والفوز بلقائه، ولا يتأتى ذلك على الدوام إلا في الآخرة، فمطلبهم إنما هو الجوار والرؤية. لا مجرد الحضور في تلك الدار، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه:
ليس سؤلي من الجنان نعيما غير أني أريدها لأراك
قال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى الآية: { إنا أخلصناهم } بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة، ودعاء الناس إليها، أي: وتزهيدهم في الدنيا، كما هو ديدن الأنبياء والرسل. وهذا قول قتادة، أو: إنا أخلصناهم بأن خلص لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم والعمل بحسب ذلك. وهذا قول مجاهد. ه. قلت: مرتبة الرسل تنافي العمل لحرف، فإن أولياء هذه الأمة تحرروا من العمل للحرف، بل عبدوا الله شكرا ومحبة وعبودية، لا طمعا في شيء، فكيف بأكابر الرسل. وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار في الحقيقة، وإنما الدنيا معبر إليها. ومن قرأ بالإضافة، فمن إضافة الشيء إلى ما بينه لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى، و " ذكرى ": مصدر مضاف إلى المفعول، أي: بإخلاصهم ذكرى الدار. وقيل: خالصة بمعنى خلوص، وهي مضافة إلى الفاعل، أي: بأن خلصت لهم ذكرى الدار، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بشيء آخر، إنما همهم ذكرى الدار الآخرة لجوار الحبيب. { وإنهم عندنا لمن المصطفين } المختارين من بين أبناء جنسهم { الأخيار }: جمع خير، أو: خير، على التخفيف، كأموات جمع ميت، أو: ميت. الإشارة: أولياء هذه الأمة أي: العارفون بالله يزاحمون الأنبياء والرسل في جل المراتب، قال صلى الله عليه وسلم:
" علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل "
أي: العلماء بالله فإنهم لم يقفوا مع دنيا ولا مع آخرة، بل حطوا هممهم على الله، ولم يقصدوا شيئا سواه، خلعوا النعلين عن الكونين، وركضوا إلى المكون، وكانت لهم اليد الطولى في عمل الطاعات عبودية، والبصيرة النافذة في مشاهدة الربوبية، هذه طريقهم، وهذا مذهبهم، ومن حاد منهم عن هذا لم يعدوه منهم. جعلنا الله ممن خرط في سلكهم. ثم ذكر بقية بنيه، فقال: { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل }.
ص 38:47
يقول الحق جل جلاله: { واذكر عبادنا } ، وقرأ المكي: " عبدنا " ، إما على إرادة الخبر، وإما أن يريد " إبراهيم " وحده لشرفه، ثم عطف عليه من بعده، ثم بينهم بقوله: { إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } أي: أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين، أو: أولي الأعمال الجليلة، والعلوم الشريفة. فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها تباشر بها، وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى مبادئها. وفيه تعريض بالجهلة الباطلين، كأنهم كالزمنى والعماة، وتوبيخ على ترك المجاهدة والفكرة مع تمكنهم منهما. { إنا أخلصناهم بخالصة } أي: جعلناهم خالصين لنا بخصلة عظيمة الشأن، لا شوب فيها، هي { ذكرى الدار } أي: تذكر للدار الآخرة على الدوام، فإن خلوصهم في الطاعة بسبب تذكرهم لها، وذلك لأن مطمح أنظارهم، ومسرح أفكارهم، في كل ما يأتون وما يذرون، جوار الله عز وجل، والفوز بلقائه، ولا يتأتى ذلك على الدوام إلا في الآخرة، فمطلبهم إنما هو الجوار والرؤية. لا مجرد الحضور في تلك الدار، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه:
ليس سؤلي من الجنان نعيما غير أني أريدها لأراك
قال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى الآية: { إنا أخلصناهم } بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة، ودعاء الناس إليها، أي: وتزهيدهم في الدنيا، كما هو ديدن الأنبياء والرسل. وهذا قول قتادة، أو: إنا أخلصناهم بأن خلص لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم والعمل بحسب ذلك. وهذا قول مجاهد. ه. قلت: مرتبة الرسل تنافي العمل لحرف، فإن أولياء هذه الأمة تحرروا من العمل للحرف، بل عبدوا الله شكرا ومحبة وعبودية، لا طمعا في شيء، فكيف بأكابر الرسل. وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار في الحقيقة، وإنما الدنيا معبر إليها. ومن قرأ بالإضافة، فمن إضافة الشيء إلى ما بينه لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى، و " ذكرى ": مصدر مضاف إلى المفعول، أي: بإخلاصهم ذكرى الدار. وقيل: خالصة بمعنى خلوص، وهي مضافة إلى الفاعل، أي: بأن خلصت لهم ذكرى الدار، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بشيء آخر، إنما همهم ذكرى الدار الآخرة لجوار الحبيب. { وإنهم عندنا لمن المصطفين } المختارين من بين أبناء جنسهم { الأخيار }: جمع خير، أو: خير، على التخفيف، كأموات جمع ميت، أو: ميت. الإشارة: أولياء هذه الأمة أي: العارفون بالله يزاحمون الأنبياء والرسل في جل المراتب، قال صلى الله عليه وسلم:
" علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل "
أي: العلماء بالله فإنهم لم يقفوا مع دنيا ولا مع آخرة، بل حطوا هممهم على الله، ولم يقصدوا شيئا سواه، خلعوا النعلين عن الكونين، وركضوا إلى المكون، وكانت لهم اليد الطولى في عمل الطاعات عبودية، والبصيرة النافذة في مشاهدة الربوبية، هذه طريقهم، وهذا مذهبهم، ومن حاد منهم عن هذا لم يعدوه منهم. جعلنا الله ممن خرط في سلكهم. ثم ذكر بقية بنيه، فقال: { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل }.
ص 38:48
يقول الحق جل جلاله: { واذكر إسماعيل } ، فصل ترجمته عن أبيه وأخيه للإشعار بعلو شأنه، واستقلاله بالشرف والذكر، ولعراقته في الصبر، الذي هو المقصود بالتذكير، وهو أكبر بنيه. { و } اذكر { اليسع } بن خطوب بن العجوز، استعمله إلياس على بني إسرائيل، ثم استنبىء. و " ال " فيه، قيل: للتعريف، وأصله: يسع، وقيل: زائدة لأنه عجمي علم، وقيل: هو يوشع، { وذا الكفل } وهو ابن عم اليسع، أو: بشر بن أيوب. واختلف في نبوته وسبب لقبه، فقيل: فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل، خوفا من القتل، فآواهم وكفلهم، وقيل: تكفل بعبادة رجل صالح كان في وقته. { وكل } أي: وكلهم { من الأخيار } المشهورين بالخيرة. الإشارة: إنما كان هؤلاء مصطفين أخيارا بالوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، والصبر على طاعة الملك المعبود، وتحمل ما يقرب إلى حضرة الشهود. فكل من اتصف بهذه الخصال كان من المصطفين الأخيار. ثم ذكر عامة المؤمنين، أو: ما أعد لمن ذكر آجلا، بعد ذكرهم الجميل عاجلا، فقال: { هذا ذكر وإن للمتقين }.
ص 38:49
قلت: { جنات }: عطف بيان لحسن مآب، أو: بدل. و { مفتحة }: حال من { جنات عدن }. والعامل فيها: الاستقرار في { للمتقين }. و { الأبواب }: نائب الفاعل لمفتحة. والرابط بين الحال وصاحبها: إما ضمير مقدر، كما هو رأي البصريين، أي: الأبواب منها، أو: الألف واللام القائم مقامه، كما هو رأي الكوفيين، أي: أبوابها. و { متكئين }: حال من ضمير { لهم } ، والعامل فيه: { مفتحة }. و { يدعون }: إما استئناف، أو: حال مما ذكر، أو: من ضمير { متكئين }. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: هذا الذي ذكر من الآيات الناطقة بمحاسن الأنبياء والرسل، { ذكر } أي: شرف لهم، وذكر جميل يذكرون به أبدا، أو: نوع من الذكر، أي: القرآن. وآي منه مشتمل على أنباء الأنبياء، أو: تذكير ووعظ لأنه يذكر أحوال الأكابر ليقتدي بهم، أو: ذكر من مضى الأنبياء، أو: شرف لك لأنه معجزة لك يدل على صدقك، { وإن للمتقين } أي: جنس المتقين، أو: من ذكر من الرسل، عبر عنهم بالمتقين مدحا لهم بالتقوى إذ هي غاية الكمال. { لحسن مآب } مرجع. ثم بينه بقوله: { جنات عدن } إقامة { مفتحة لهم الأبواب } فإذا جاؤوها لا يلحقهم ذل الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب، { متكئين فيها } على أرائكهم في حجالهم، { يدعون فيها بفاكهة كثيرة } مما يشتهون { وشراب } كثير كذلك، حذف اكتفاء بالأول، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي والحاجة، فإنه لا تحلل في الأبدان ولا حاجة. { وعندهم } حور { قاصرات الطرف } على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، { أتراب } لدات، أسنانهن كأسنانهم. قيل: ثلاث وثلاثون سنة لكل واحد، أو: مستويات في الحسن والجمال والشكل لأن التحاب بين الأقران أبلغ وأثبت، وقيل: أتراب بعضهن لبعض، لا عجوز فيهن ولا صبية. واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد. { هذا ما توعدون ليوم الحساب } ، قال ابن عرفة: اللام للتوقيت، أي: عنده، أو: للتعليل، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء. وقرأ المكي والبصري بياء الغيب، ليوافق ما قبله، والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم. { إن هذا } الذي ذكر من ألوان النعيم والكرامات { لرزقنا } أعطيناكموه، { ما له من نفاذ } من انقطاع وتمام أبدا. الإشارة: كل من توجه إلى الله بكليته، واتصف بمحاسن الأخلاق، كان له ذكر وشرف في الدنيا، وكرامة في العقبى، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم ذكر أضدادهم بقوله: { أجعل الآلهة إلها واحدا }.
ص 38:50
قلت: { جنات }: عطف بيان لحسن مآب، أو: بدل. و { مفتحة }: حال من { جنات عدن }. والعامل فيها: الاستقرار في { للمتقين }. و { الأبواب }: نائب الفاعل لمفتحة. والرابط بين الحال وصاحبها: إما ضمير مقدر، كما هو رأي البصريين، أي: الأبواب منها، أو: الألف واللام القائم مقامه، كما هو رأي الكوفيين، أي: أبوابها. و { متكئين }: حال من ضمير { لهم } ، والعامل فيه: { مفتحة }. و { يدعون }: إما استئناف، أو: حال مما ذكر، أو: من ضمير { متكئين }. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: هذا الذي ذكر من الآيات الناطقة بمحاسن الأنبياء والرسل، { ذكر } أي: شرف لهم، وذكر جميل يذكرون به أبدا، أو: نوع من الذكر، أي: القرآن. وآي منه مشتمل على أنباء الأنبياء، أو: تذكير ووعظ لأنه يذكر أحوال الأكابر ليقتدي بهم، أو: ذكر من مضى الأنبياء، أو: شرف لك لأنه معجزة لك يدل على صدقك، { وإن للمتقين } أي: جنس المتقين، أو: من ذكر من الرسل، عبر عنهم بالمتقين مدحا لهم بالتقوى إذ هي غاية الكمال. { لحسن مآب } مرجع. ثم بينه بقوله: { جنات عدن } إقامة { مفتحة لهم الأبواب } فإذا جاؤوها لا يلحقهم ذل الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب، { متكئين فيها } على أرائكهم في حجالهم، { يدعون فيها بفاكهة كثيرة } مما يشتهون { وشراب } كثير كذلك، حذف اكتفاء بالأول، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي والحاجة، فإنه لا تحلل في الأبدان ولا حاجة. { وعندهم } حور { قاصرات الطرف } على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، { أتراب } لدات، أسنانهن كأسنانهم. قيل: ثلاث وثلاثون سنة لكل واحد، أو: مستويات في الحسن والجمال والشكل لأن التحاب بين الأقران أبلغ وأثبت، وقيل: أتراب بعضهن لبعض، لا عجوز فيهن ولا صبية. واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد. { هذا ما توعدون ليوم الحساب } ، قال ابن عرفة: اللام للتوقيت، أي: عنده، أو: للتعليل، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء. وقرأ المكي والبصري بياء الغيب، ليوافق ما قبله، والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم. { إن هذا } الذي ذكر من ألوان النعيم والكرامات { لرزقنا } أعطيناكموه، { ما له من نفاذ } من انقطاع وتمام أبدا. الإشارة: كل من توجه إلى الله بكليته، واتصف بمحاسن الأخلاق، كان له ذكر وشرف في الدنيا، وكرامة في العقبى، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم ذكر أضدادهم بقوله: { أجعل الآلهة إلها واحدا }.
ص 38:51
قلت: { جنات }: عطف بيان لحسن مآب، أو: بدل. و { مفتحة }: حال من { جنات عدن }. والعامل فيها: الاستقرار في { للمتقين }. و { الأبواب }: نائب الفاعل لمفتحة. والرابط بين الحال وصاحبها: إما ضمير مقدر، كما هو رأي البصريين، أي: الأبواب منها، أو: الألف واللام القائم مقامه، كما هو رأي الكوفيين، أي: أبوابها. و { متكئين }: حال من ضمير { لهم } ، والعامل فيه: { مفتحة }. و { يدعون }: إما استئناف، أو: حال مما ذكر، أو: من ضمير { متكئين }. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: هذا الذي ذكر من الآيات الناطقة بمحاسن الأنبياء والرسل، { ذكر } أي: شرف لهم، وذكر جميل يذكرون به أبدا، أو: نوع من الذكر، أي: القرآن. وآي منه مشتمل على أنباء الأنبياء، أو: تذكير ووعظ لأنه يذكر أحوال الأكابر ليقتدي بهم، أو: ذكر من مضى الأنبياء، أو: شرف لك لأنه معجزة لك يدل على صدقك، { وإن للمتقين } أي: جنس المتقين، أو: من ذكر من الرسل، عبر عنهم بالمتقين مدحا لهم بالتقوى إذ هي غاية الكمال. { لحسن مآب } مرجع. ثم بينه بقوله: { جنات عدن } إقامة { مفتحة لهم الأبواب } فإذا جاؤوها لا يلحقهم ذل الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب، { متكئين فيها } على أرائكهم في حجالهم، { يدعون فيها بفاكهة كثيرة } مما يشتهون { وشراب } كثير كذلك، حذف اكتفاء بالأول، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي والحاجة، فإنه لا تحلل في الأبدان ولا حاجة. { وعندهم } حور { قاصرات الطرف } على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، { أتراب } لدات، أسنانهن كأسنانهم. قيل: ثلاث وثلاثون سنة لكل واحد، أو: مستويات في الحسن والجمال والشكل لأن التحاب بين الأقران أبلغ وأثبت، وقيل: أتراب بعضهن لبعض، لا عجوز فيهن ولا صبية. واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد. { هذا ما توعدون ليوم الحساب } ، قال ابن عرفة: اللام للتوقيت، أي: عنده، أو: للتعليل، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء. وقرأ المكي والبصري بياء الغيب، ليوافق ما قبله، والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم. { إن هذا } الذي ذكر من ألوان النعيم والكرامات { لرزقنا } أعطيناكموه، { ما له من نفاذ } من انقطاع وتمام أبدا. الإشارة: كل من توجه إلى الله بكليته، واتصف بمحاسن الأخلاق، كان له ذكر وشرف في الدنيا، وكرامة في العقبى، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم ذكر أضدادهم بقوله: { أجعل الآلهة إلها واحدا }.
ص 38:52
قلت: { جنات }: عطف بيان لحسن مآب، أو: بدل. و { مفتحة }: حال من { جنات عدن }. والعامل فيها: الاستقرار في { للمتقين }. و { الأبواب }: نائب الفاعل لمفتحة. والرابط بين الحال وصاحبها: إما ضمير مقدر، كما هو رأي البصريين، أي: الأبواب منها، أو: الألف واللام القائم مقامه، كما هو رأي الكوفيين، أي: أبوابها. و { متكئين }: حال من ضمير { لهم } ، والعامل فيه: { مفتحة }. و { يدعون }: إما استئناف، أو: حال مما ذكر، أو: من ضمير { متكئين }. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: هذا الذي ذكر من الآيات الناطقة بمحاسن الأنبياء والرسل، { ذكر } أي: شرف لهم، وذكر جميل يذكرون به أبدا، أو: نوع من الذكر، أي: القرآن. وآي منه مشتمل على أنباء الأنبياء، أو: تذكير ووعظ لأنه يذكر أحوال الأكابر ليقتدي بهم، أو: ذكر من مضى الأنبياء، أو: شرف لك لأنه معجزة لك يدل على صدقك، { وإن للمتقين } أي: جنس المتقين، أو: من ذكر من الرسل، عبر عنهم بالمتقين مدحا لهم بالتقوى إذ هي غاية الكمال. { لحسن مآب } مرجع. ثم بينه بقوله: { جنات عدن } إقامة { مفتحة لهم الأبواب } فإذا جاؤوها لا يلحقهم ذل الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب، { متكئين فيها } على أرائكهم في حجالهم، { يدعون فيها بفاكهة كثيرة } مما يشتهون { وشراب } كثير كذلك، حذف اكتفاء بالأول، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي والحاجة، فإنه لا تحلل في الأبدان ولا حاجة. { وعندهم } حور { قاصرات الطرف } على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، { أتراب } لدات، أسنانهن كأسنانهم. قيل: ثلاث وثلاثون سنة لكل واحد، أو: مستويات في الحسن والجمال والشكل لأن التحاب بين الأقران أبلغ وأثبت، وقيل: أتراب بعضهن لبعض، لا عجوز فيهن ولا صبية. واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد. { هذا ما توعدون ليوم الحساب } ، قال ابن عرفة: اللام للتوقيت، أي: عنده، أو: للتعليل، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء. وقرأ المكي والبصري بياء الغيب، ليوافق ما قبله، والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم. { إن هذا } الذي ذكر من ألوان النعيم والكرامات { لرزقنا } أعطيناكموه، { ما له من نفاذ } من انقطاع وتمام أبدا. الإشارة: كل من توجه إلى الله بكليته، واتصف بمحاسن الأخلاق، كان له ذكر وشرف في الدنيا، وكرامة في العقبى، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم ذكر أضدادهم بقوله: { أجعل الآلهة إلها واحدا }.
ص 38:53
قلت: { جنات }: عطف بيان لحسن مآب، أو: بدل. و { مفتحة }: حال من { جنات عدن }. والعامل فيها: الاستقرار في { للمتقين }. و { الأبواب }: نائب الفاعل لمفتحة. والرابط بين الحال وصاحبها: إما ضمير مقدر، كما هو رأي البصريين، أي: الأبواب منها، أو: الألف واللام القائم مقامه، كما هو رأي الكوفيين، أي: أبوابها. و { متكئين }: حال من ضمير { لهم } ، والعامل فيه: { مفتحة }. و { يدعون }: إما استئناف، أو: حال مما ذكر، أو: من ضمير { متكئين }. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: هذا الذي ذكر من الآيات الناطقة بمحاسن الأنبياء والرسل، { ذكر } أي: شرف لهم، وذكر جميل يذكرون به أبدا، أو: نوع من الذكر، أي: القرآن. وآي منه مشتمل على أنباء الأنبياء، أو: تذكير ووعظ لأنه يذكر أحوال الأكابر ليقتدي بهم، أو: ذكر من مضى الأنبياء، أو: شرف لك لأنه معجزة لك يدل على صدقك، { وإن للمتقين } أي: جنس المتقين، أو: من ذكر من الرسل، عبر عنهم بالمتقين مدحا لهم بالتقوى إذ هي غاية الكمال. { لحسن مآب } مرجع. ثم بينه بقوله: { جنات عدن } إقامة { مفتحة لهم الأبواب } فإذا جاؤوها لا يلحقهم ذل الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب، { متكئين فيها } على أرائكهم في حجالهم، { يدعون فيها بفاكهة كثيرة } مما يشتهون { وشراب } كثير كذلك، حذف اكتفاء بالأول، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي والحاجة، فإنه لا تحلل في الأبدان ولا حاجة. { وعندهم } حور { قاصرات الطرف } على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، { أتراب } لدات، أسنانهن كأسنانهم. قيل: ثلاث وثلاثون سنة لكل واحد، أو: مستويات في الحسن والجمال والشكل لأن التحاب بين الأقران أبلغ وأثبت، وقيل: أتراب بعضهن لبعض، لا عجوز فيهن ولا صبية. واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد. { هذا ما توعدون ليوم الحساب } ، قال ابن عرفة: اللام للتوقيت، أي: عنده، أو: للتعليل، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء. وقرأ المكي والبصري بياء الغيب، ليوافق ما قبله، والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم. { إن هذا } الذي ذكر من ألوان النعيم والكرامات { لرزقنا } أعطيناكموه، { ما له من نفاذ } من انقطاع وتمام أبدا. الإشارة: كل من توجه إلى الله بكليته، واتصف بمحاسن الأخلاق، كان له ذكر وشرف في الدنيا، وكرامة في العقبى، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم ذكر أضدادهم بقوله: { أجعل الآلهة إلها واحدا }.
ص 38:54
قلت: { جنات }: عطف بيان لحسن مآب، أو: بدل. و { مفتحة }: حال من { جنات عدن }. والعامل فيها: الاستقرار في { للمتقين }. و { الأبواب }: نائب الفاعل لمفتحة. والرابط بين الحال وصاحبها: إما ضمير مقدر، كما هو رأي البصريين، أي: الأبواب منها، أو: الألف واللام القائم مقامه، كما هو رأي الكوفيين، أي: أبوابها. و { متكئين }: حال من ضمير { لهم } ، والعامل فيه: { مفتحة }. و { يدعون }: إما استئناف، أو: حال مما ذكر، أو: من ضمير { متكئين }. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: هذا الذي ذكر من الآيات الناطقة بمحاسن الأنبياء والرسل، { ذكر } أي: شرف لهم، وذكر جميل يذكرون به أبدا، أو: نوع من الذكر، أي: القرآن. وآي منه مشتمل على أنباء الأنبياء، أو: تذكير ووعظ لأنه يذكر أحوال الأكابر ليقتدي بهم، أو: ذكر من مضى الأنبياء، أو: شرف لك لأنه معجزة لك يدل على صدقك، { وإن للمتقين } أي: جنس المتقين، أو: من ذكر من الرسل، عبر عنهم بالمتقين مدحا لهم بالتقوى إذ هي غاية الكمال. { لحسن مآب } مرجع. ثم بينه بقوله: { جنات عدن } إقامة { مفتحة لهم الأبواب } فإذا جاؤوها لا يلحقهم ذل الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب، { متكئين فيها } على أرائكهم في حجالهم، { يدعون فيها بفاكهة كثيرة } مما يشتهون { وشراب } كثير كذلك، حذف اكتفاء بالأول، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي والحاجة، فإنه لا تحلل في الأبدان ولا حاجة. { وعندهم } حور { قاصرات الطرف } على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، { أتراب } لدات، أسنانهن كأسنانهم. قيل: ثلاث وثلاثون سنة لكل واحد، أو: مستويات في الحسن والجمال والشكل لأن التحاب بين الأقران أبلغ وأثبت، وقيل: أتراب بعضهن لبعض، لا عجوز فيهن ولا صبية. واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد. { هذا ما توعدون ليوم الحساب } ، قال ابن عرفة: اللام للتوقيت، أي: عنده، أو: للتعليل، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء. وقرأ المكي والبصري بياء الغيب، ليوافق ما قبله، والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم. { إن هذا } الذي ذكر من ألوان النعيم والكرامات { لرزقنا } أعطيناكموه، { ما له من نفاذ } من انقطاع وتمام أبدا. الإشارة: كل من توجه إلى الله بكليته، واتصف بمحاسن الأخلاق، كان له ذكر وشرف في الدنيا، وكرامة في العقبى، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم ذكر أضدادهم بقوله: { أجعل الآلهة إلها واحدا }.
ص 38:55
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:56
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:57
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:58
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:59
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:60
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:61
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:62
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:63
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:64
قلت: هذا خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعا من التخلص. قال: وقد يكون الخبر مذكورا كقوله:
هذا ذكر وإن للمتقين...
[ص: 49] ه. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. ه. أي: إذا كان خبرا عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هذا } أي: الأمر هذا، { وإن للطاغين لشر مآب } مرجع { جهنم يصلونها } يدخلونها، حال من جهنم، { فبئس المهاد }: الفراش، شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. { هذا فليذوقوه } أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى:
وإياي فارهبون
[البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو { حميم وغساق }... الخ، أو: { هذا }: مبتدأ، و { حميم وغساق }: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يغسق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. قيل: " لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق " وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. { وآخر } أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، { من شكله } من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: " أخر " بالجمع، أي: ومذوقات أخر من شكل هذا العذاب في الشدة والفظاظة، { أزواج } أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. { هذا فوج مقتحم معكم } ، حكاية لما يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. { لا مرحبا بهم } ، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يقال لمن يدعو له أو يفرح به. مرحبا، أي: وجدت مكانا رحبا، لا ضيقا، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحبا. و " بهم ": بيان للمدعو عليهم، { إنهم صالوا النار } أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: { هذا فوج... } إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و { لا مرحبا بهم... } الخ، من كلام الرؤساء. { قالوا } أي: الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا بكم } أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله: { أنتم قدمتموه لنا } أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، { فبئس القرار } أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. { قالوا } أي: الأتباع، معرضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي: مضاعفا.
{ في النار } أو: ذا ضعف، ومثله قوله:
ربنا هؤلآء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا
[الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. { وقالوا } أي: الرؤساء: { ما لنا لا نرى رجالا } ، يعنون: فقراء المسلمين، { كنا نعدهم } في الدنيا { من الأشرار } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، { أتخذناهم سخريا } ، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، { أم زاغت } مالت { عنهم الأبصار } ، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخريا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالا معنا في النار، كانوا عندنا أشرارا، قد اتخذناهم سخريا نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومن قرأ " سخريا " بالضم فمن: التسخير والاستخدام. ومن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجوز في القاموس الضم والكسر فيهما معا، فراجعه. { إن ذلك } الذي حكى من أحوالهم { لحق } لا بد من وقوعه ألبتة، وهو { تخاصم أهل النار } فيها على ما تقدم. ولما شبه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سماه تخاصما، وبأن قول الرؤساء: { لا مرحبا } وقول الأتباع: { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل من تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئا من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل من سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالا كنا نعدهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخريا، وهم كبراء عند الله، رفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيجابون: بأنهم رفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله }.
ص 38:65
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد للمشركين: { إنما أنا منذر } من جهته تعالى، أنذركم عذابه، { وما من إله } في الوجود { إلا الله الواحد } الذي لا يقبل الشركة أصلا، { القهار } لكل شيء سواه، { رب السماوات والأرض وما بينهما } من المخلوقات، فكيف يتوهم أن يكون له شريك منها، { العزيز } الذي لا يغلب { الغفار } المبالغ في المغفرة لمن يشاء. وفي هذه النعوت من تقرير التوحيد، والوعد للموحدين، والوعيد للمشركين، ما لا يخفى. وتثنية ما يشعر بالوعيد من وصف القهر والعزة وتقديمهما على وصف المغفرة لتقوية الإنذار. { قل هو } أي: ما نبأتكم به من كوني رسولا، وأن الله واحد لا شريك له، { نبأ عظيم } وارد من جهته تعالى، لا يعرض عن مثله إلا غافل منهمك. { أنتم عنه معرضون } غافلون، وعن ابن عباس: النبأ العظيم: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. وتكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل، له شأن خطير، لا بد من الاعتناء به، أمرا وائتمارا. { ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون } ، احتجاج على صحة نبوته، بأن ما ينبىء به عن الملأ الأعلى، واختصامهم، أمر غيبي، لم يكن له به علم قط، ثم علمه وأخبر به، ولم يسلك الطريق الذي سلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ عن أهل العلم، ودراسة الكتب، فتحقق أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. والملأ الأعلى هم الملائكة، وآدم، وإبليس لأنهم كانوا في السماء، وكان اختصامهم: التقاول بينهم، كقولهم:
أتجعل فيها من يفسد فيها...
[البقرة: 30] الخ، وكقول إبليس:
أنا خير منه...
[الأعراف: 12 و ص: 76] الخ، ويدل عليه ما يأتي من الآيات. وقيل: اختصامهم في الكفارات وغفران الذنوب، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه، حتى يقضي الله ما شاء. وروي في هذا حديث، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال له ربه عز وجل في النوم:
" أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام "
رواه الترمذي. و { إذ يختصمون }: متعلق بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة والسلام بحالهم لا بذواتهم، والتقدير: ما كان لي فيما سبق علم بما يوحيه في شأن الملأ الأعلى وقت اختصامهم. وانظر أبا السعود. { إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين } أي: ما يوحى إلي ما يوحى من الأمور الغيبية، التي من جملتها حال الملأ الأعلى، إلا لأنما أنا نذير مبين من جهته تعالى، فحذف اللام وانتصب بإيصال الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع بالنيابة عن الفاعل، أي: ما يوحى إلي إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ، ولا أفرط في ذلك، أي: ما أومر إلا بهذا الأمر وحده، وليس إلي غير ذلك.
وقرىء بكسر " إنما " على الحكاية، أي: إلا هذا القول، وهو: أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أدعي شيئا آخر. الإشارة: تربية اليقين تطلب في ثلاثة أمور في توحيد الألوهية، بالتبري من الشرك الجلي والخفي. وهو مفاد قوله: { وما من إله إلا الله... } الخ. وفي تصديق الواسطة، وهو النذير المبين، بتعظيمه واتباع سنته ومنهاجه القويم، وفي التصديق بما جاء به، وهو النبأ العظيم، على أي تفسير كان، إما القرآن، باتباعه، والتدبر في معانيه، أو: يوم القيامة، بالتأهب له، وجعله نصب العين. وبالله التوفيق. ثم فسر الاختصام المتقدم، فقال: { إذ قال ربك للملائكة }.
ص 38:66
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد للمشركين: { إنما أنا منذر } من جهته تعالى، أنذركم عذابه، { وما من إله } في الوجود { إلا الله الواحد } الذي لا يقبل الشركة أصلا، { القهار } لكل شيء سواه، { رب السماوات والأرض وما بينهما } من المخلوقات، فكيف يتوهم أن يكون له شريك منها، { العزيز } الذي لا يغلب { الغفار } المبالغ في المغفرة لمن يشاء. وفي هذه النعوت من تقرير التوحيد، والوعد للموحدين، والوعيد للمشركين، ما لا يخفى. وتثنية ما يشعر بالوعيد من وصف القهر والعزة وتقديمهما على وصف المغفرة لتقوية الإنذار. { قل هو } أي: ما نبأتكم به من كوني رسولا، وأن الله واحد لا شريك له، { نبأ عظيم } وارد من جهته تعالى، لا يعرض عن مثله إلا غافل منهمك. { أنتم عنه معرضون } غافلون، وعن ابن عباس: النبأ العظيم: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. وتكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل، له شأن خطير، لا بد من الاعتناء به، أمرا وائتمارا. { ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون } ، احتجاج على صحة نبوته، بأن ما ينبىء به عن الملأ الأعلى، واختصامهم، أمر غيبي، لم يكن له به علم قط، ثم علمه وأخبر به، ولم يسلك الطريق الذي سلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ عن أهل العلم، ودراسة الكتب، فتحقق أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. والملأ الأعلى هم الملائكة، وآدم، وإبليس لأنهم كانوا في السماء، وكان اختصامهم: التقاول بينهم، كقولهم:
أتجعل فيها من يفسد فيها...
[البقرة: 30] الخ، وكقول إبليس:
أنا خير منه...
[الأعراف: 12 و ص: 76] الخ، ويدل عليه ما يأتي من الآيات. وقيل: اختصامهم في الكفارات وغفران الذنوب، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه، حتى يقضي الله ما شاء. وروي في هذا حديث، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال له ربه عز وجل في النوم:
" أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام "
رواه الترمذي. و { إذ يختصمون }: متعلق بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة والسلام بحالهم لا بذواتهم، والتقدير: ما كان لي فيما سبق علم بما يوحيه في شأن الملأ الأعلى وقت اختصامهم. وانظر أبا السعود. { إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين } أي: ما يوحى إلي ما يوحى من الأمور الغيبية، التي من جملتها حال الملأ الأعلى، إلا لأنما أنا نذير مبين من جهته تعالى، فحذف اللام وانتصب بإيصال الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع بالنيابة عن الفاعل، أي: ما يوحى إلي إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ، ولا أفرط في ذلك، أي: ما أومر إلا بهذا الأمر وحده، وليس إلي غير ذلك.
وقرىء بكسر " إنما " على الحكاية، أي: إلا هذا القول، وهو: أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أدعي شيئا آخر. الإشارة: تربية اليقين تطلب في ثلاثة أمور في توحيد الألوهية، بالتبري من الشرك الجلي والخفي. وهو مفاد قوله: { وما من إله إلا الله... } الخ. وفي تصديق الواسطة، وهو النذير المبين، بتعظيمه واتباع سنته ومنهاجه القويم، وفي التصديق بما جاء به، وهو النبأ العظيم، على أي تفسير كان، إما القرآن، باتباعه، والتدبر في معانيه، أو: يوم القيامة، بالتأهب له، وجعله نصب العين. وبالله التوفيق. ثم فسر الاختصام المتقدم، فقال: { إذ قال ربك للملائكة }.
ص 38:67
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد للمشركين: { إنما أنا منذر } من جهته تعالى، أنذركم عذابه، { وما من إله } في الوجود { إلا الله الواحد } الذي لا يقبل الشركة أصلا، { القهار } لكل شيء سواه، { رب السماوات والأرض وما بينهما } من المخلوقات، فكيف يتوهم أن يكون له شريك منها، { العزيز } الذي لا يغلب { الغفار } المبالغ في المغفرة لمن يشاء. وفي هذه النعوت من تقرير التوحيد، والوعد للموحدين، والوعيد للمشركين، ما لا يخفى. وتثنية ما يشعر بالوعيد من وصف القهر والعزة وتقديمهما على وصف المغفرة لتقوية الإنذار. { قل هو } أي: ما نبأتكم به من كوني رسولا، وأن الله واحد لا شريك له، { نبأ عظيم } وارد من جهته تعالى، لا يعرض عن مثله إلا غافل منهمك. { أنتم عنه معرضون } غافلون، وعن ابن عباس: النبأ العظيم: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. وتكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل، له شأن خطير، لا بد من الاعتناء به، أمرا وائتمارا. { ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون } ، احتجاج على صحة نبوته، بأن ما ينبىء به عن الملأ الأعلى، واختصامهم، أمر غيبي، لم يكن له به علم قط، ثم علمه وأخبر به، ولم يسلك الطريق الذي سلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ عن أهل العلم، ودراسة الكتب، فتحقق أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. والملأ الأعلى هم الملائكة، وآدم، وإبليس لأنهم كانوا في السماء، وكان اختصامهم: التقاول بينهم، كقولهم:
أتجعل فيها من يفسد فيها...
[البقرة: 30] الخ، وكقول إبليس:
أنا خير منه...
[الأعراف: 12 و ص: 76] الخ، ويدل عليه ما يأتي من الآيات. وقيل: اختصامهم في الكفارات وغفران الذنوب، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه، حتى يقضي الله ما شاء. وروي في هذا حديث، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال له ربه عز وجل في النوم:
" أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام "
رواه الترمذي. و { إذ يختصمون }: متعلق بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة والسلام بحالهم لا بذواتهم، والتقدير: ما كان لي فيما سبق علم بما يوحيه في شأن الملأ الأعلى وقت اختصامهم. وانظر أبا السعود. { إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين } أي: ما يوحى إلي ما يوحى من الأمور الغيبية، التي من جملتها حال الملأ الأعلى، إلا لأنما أنا نذير مبين من جهته تعالى، فحذف اللام وانتصب بإيصال الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع بالنيابة عن الفاعل، أي: ما يوحى إلي إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ، ولا أفرط في ذلك، أي: ما أومر إلا بهذا الأمر وحده، وليس إلي غير ذلك.
وقرىء بكسر " إنما " على الحكاية، أي: إلا هذا القول، وهو: أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أدعي شيئا آخر. الإشارة: تربية اليقين تطلب في ثلاثة أمور في توحيد الألوهية، بالتبري من الشرك الجلي والخفي. وهو مفاد قوله: { وما من إله إلا الله... } الخ. وفي تصديق الواسطة، وهو النذير المبين، بتعظيمه واتباع سنته ومنهاجه القويم، وفي التصديق بما جاء به، وهو النبأ العظيم، على أي تفسير كان، إما القرآن، باتباعه، والتدبر في معانيه، أو: يوم القيامة، بالتأهب له، وجعله نصب العين. وبالله التوفيق. ثم فسر الاختصام المتقدم، فقال: { إذ قال ربك للملائكة }.
ص 38:68
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد للمشركين: { إنما أنا منذر } من جهته تعالى، أنذركم عذابه، { وما من إله } في الوجود { إلا الله الواحد } الذي لا يقبل الشركة أصلا، { القهار } لكل شيء سواه، { رب السماوات والأرض وما بينهما } من المخلوقات، فكيف يتوهم أن يكون له شريك منها، { العزيز } الذي لا يغلب { الغفار } المبالغ في المغفرة لمن يشاء. وفي هذه النعوت من تقرير التوحيد، والوعد للموحدين، والوعيد للمشركين، ما لا يخفى. وتثنية ما يشعر بالوعيد من وصف القهر والعزة وتقديمهما على وصف المغفرة لتقوية الإنذار. { قل هو } أي: ما نبأتكم به من كوني رسولا، وأن الله واحد لا شريك له، { نبأ عظيم } وارد من جهته تعالى، لا يعرض عن مثله إلا غافل منهمك. { أنتم عنه معرضون } غافلون، وعن ابن عباس: النبأ العظيم: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. وتكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل، له شأن خطير، لا بد من الاعتناء به، أمرا وائتمارا. { ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون } ، احتجاج على صحة نبوته، بأن ما ينبىء به عن الملأ الأعلى، واختصامهم، أمر غيبي، لم يكن له به علم قط، ثم علمه وأخبر به، ولم يسلك الطريق الذي سلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ عن أهل العلم، ودراسة الكتب، فتحقق أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. والملأ الأعلى هم الملائكة، وآدم، وإبليس لأنهم كانوا في السماء، وكان اختصامهم: التقاول بينهم، كقولهم:
أتجعل فيها من يفسد فيها...
[البقرة: 30] الخ، وكقول إبليس:
أنا خير منه...
[الأعراف: 12 و ص: 76] الخ، ويدل عليه ما يأتي من الآيات. وقيل: اختصامهم في الكفارات وغفران الذنوب، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه، حتى يقضي الله ما شاء. وروي في هذا حديث، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال له ربه عز وجل في النوم:
" أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام "
رواه الترمذي. و { إذ يختصمون }: متعلق بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة والسلام بحالهم لا بذواتهم، والتقدير: ما كان لي فيما سبق علم بما يوحيه في شأن الملأ الأعلى وقت اختصامهم. وانظر أبا السعود. { إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين } أي: ما يوحى إلي ما يوحى من الأمور الغيبية، التي من جملتها حال الملأ الأعلى، إلا لأنما أنا نذير مبين من جهته تعالى، فحذف اللام وانتصب بإيصال الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع بالنيابة عن الفاعل، أي: ما يوحى إلي إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ، ولا أفرط في ذلك، أي: ما أومر إلا بهذا الأمر وحده، وليس إلي غير ذلك.
وقرىء بكسر " إنما " على الحكاية، أي: إلا هذا القول، وهو: أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أدعي شيئا آخر. الإشارة: تربية اليقين تطلب في ثلاثة أمور في توحيد الألوهية، بالتبري من الشرك الجلي والخفي. وهو مفاد قوله: { وما من إله إلا الله... } الخ. وفي تصديق الواسطة، وهو النذير المبين، بتعظيمه واتباع سنته ومنهاجه القويم، وفي التصديق بما جاء به، وهو النبأ العظيم، على أي تفسير كان، إما القرآن، باتباعه، والتدبر في معانيه، أو: يوم القيامة، بالتأهب له، وجعله نصب العين. وبالله التوفيق. ثم فسر الاختصام المتقدم، فقال: { إذ قال ربك للملائكة }.
ص 38:69
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد للمشركين: { إنما أنا منذر } من جهته تعالى، أنذركم عذابه، { وما من إله } في الوجود { إلا الله الواحد } الذي لا يقبل الشركة أصلا، { القهار } لكل شيء سواه، { رب السماوات والأرض وما بينهما } من المخلوقات، فكيف يتوهم أن يكون له شريك منها، { العزيز } الذي لا يغلب { الغفار } المبالغ في المغفرة لمن يشاء. وفي هذه النعوت من تقرير التوحيد، والوعد للموحدين، والوعيد للمشركين، ما لا يخفى. وتثنية ما يشعر بالوعيد من وصف القهر والعزة وتقديمهما على وصف المغفرة لتقوية الإنذار. { قل هو } أي: ما نبأتكم به من كوني رسولا، وأن الله واحد لا شريك له، { نبأ عظيم } وارد من جهته تعالى، لا يعرض عن مثله إلا غافل منهمك. { أنتم عنه معرضون } غافلون، وعن ابن عباس: النبأ العظيم: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. وتكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل، له شأن خطير، لا بد من الاعتناء به، أمرا وائتمارا. { ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون } ، احتجاج على صحة نبوته، بأن ما ينبىء به عن الملأ الأعلى، واختصامهم، أمر غيبي، لم يكن له به علم قط، ثم علمه وأخبر به، ولم يسلك الطريق الذي سلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ عن أهل العلم، ودراسة الكتب، فتحقق أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. والملأ الأعلى هم الملائكة، وآدم، وإبليس لأنهم كانوا في السماء، وكان اختصامهم: التقاول بينهم، كقولهم:
أتجعل فيها من يفسد فيها...
[البقرة: 30] الخ، وكقول إبليس:
أنا خير منه...
[الأعراف: 12 و ص: 76] الخ، ويدل عليه ما يأتي من الآيات. وقيل: اختصامهم في الكفارات وغفران الذنوب، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه، حتى يقضي الله ما شاء. وروي في هذا حديث، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال له ربه عز وجل في النوم:
" أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام "
رواه الترمذي. و { إذ يختصمون }: متعلق بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة والسلام بحالهم لا بذواتهم، والتقدير: ما كان لي فيما سبق علم بما يوحيه في شأن الملأ الأعلى وقت اختصامهم. وانظر أبا السعود. { إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين } أي: ما يوحى إلي ما يوحى من الأمور الغيبية، التي من جملتها حال الملأ الأعلى، إلا لأنما أنا نذير مبين من جهته تعالى، فحذف اللام وانتصب بإيصال الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع بالنيابة عن الفاعل، أي: ما يوحى إلي إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ، ولا أفرط في ذلك، أي: ما أومر إلا بهذا الأمر وحده، وليس إلي غير ذلك.
وقرىء بكسر " إنما " على الحكاية، أي: إلا هذا القول، وهو: أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أدعي شيئا آخر. الإشارة: تربية اليقين تطلب في ثلاثة أمور في توحيد الألوهية، بالتبري من الشرك الجلي والخفي. وهو مفاد قوله: { وما من إله إلا الله... } الخ. وفي تصديق الواسطة، وهو النذير المبين، بتعظيمه واتباع سنته ومنهاجه القويم، وفي التصديق بما جاء به، وهو النبأ العظيم، على أي تفسير كان، إما القرآن، باتباعه، والتدبر في معانيه، أو: يوم القيامة، بالتأهب له، وجعله نصب العين. وبالله التوفيق. ثم فسر الاختصام المتقدم، فقال: { إذ قال ربك للملائكة }.
ص 38:70
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد للمشركين: { إنما أنا منذر } من جهته تعالى، أنذركم عذابه، { وما من إله } في الوجود { إلا الله الواحد } الذي لا يقبل الشركة أصلا، { القهار } لكل شيء سواه، { رب السماوات والأرض وما بينهما } من المخلوقات، فكيف يتوهم أن يكون له شريك منها، { العزيز } الذي لا يغلب { الغفار } المبالغ في المغفرة لمن يشاء. وفي هذه النعوت من تقرير التوحيد، والوعد للموحدين، والوعيد للمشركين، ما لا يخفى. وتثنية ما يشعر بالوعيد من وصف القهر والعزة وتقديمهما على وصف المغفرة لتقوية الإنذار. { قل هو } أي: ما نبأتكم به من كوني رسولا، وأن الله واحد لا شريك له، { نبأ عظيم } وارد من جهته تعالى، لا يعرض عن مثله إلا غافل منهمك. { أنتم عنه معرضون } غافلون، وعن ابن عباس: النبأ العظيم: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. وتكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل، له شأن خطير، لا بد من الاعتناء به، أمرا وائتمارا. { ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون } ، احتجاج على صحة نبوته، بأن ما ينبىء به عن الملأ الأعلى، واختصامهم، أمر غيبي، لم يكن له به علم قط، ثم علمه وأخبر به، ولم يسلك الطريق الذي سلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ عن أهل العلم، ودراسة الكتب، فتحقق أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. والملأ الأعلى هم الملائكة، وآدم، وإبليس لأنهم كانوا في السماء، وكان اختصامهم: التقاول بينهم، كقولهم:
أتجعل فيها من يفسد فيها...
[البقرة: 30] الخ، وكقول إبليس:
أنا خير منه...
[الأعراف: 12 و ص: 76] الخ، ويدل عليه ما يأتي من الآيات. وقيل: اختصامهم في الكفارات وغفران الذنوب، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه، حتى يقضي الله ما شاء. وروي في هذا حديث، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال له ربه عز وجل في النوم:
" أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام "
رواه الترمذي. و { إذ يختصمون }: متعلق بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة والسلام بحالهم لا بذواتهم، والتقدير: ما كان لي فيما سبق علم بما يوحيه في شأن الملأ الأعلى وقت اختصامهم. وانظر أبا السعود. { إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين } أي: ما يوحى إلي ما يوحى من الأمور الغيبية، التي من جملتها حال الملأ الأعلى، إلا لأنما أنا نذير مبين من جهته تعالى، فحذف اللام وانتصب بإيصال الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع بالنيابة عن الفاعل، أي: ما يوحى إلي إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ، ولا أفرط في ذلك، أي: ما أومر إلا بهذا الأمر وحده، وليس إلي غير ذلك.
وقرىء بكسر " إنما " على الحكاية، أي: إلا هذا القول، وهو: أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أدعي شيئا آخر. الإشارة: تربية اليقين تطلب في ثلاثة أمور في توحيد الألوهية، بالتبري من الشرك الجلي والخفي. وهو مفاد قوله: { وما من إله إلا الله... } الخ. وفي تصديق الواسطة، وهو النذير المبين، بتعظيمه واتباع سنته ومنهاجه القويم، وفي التصديق بما جاء به، وهو النبأ العظيم، على أي تفسير كان، إما القرآن، باتباعه، والتدبر في معانيه، أو: يوم القيامة، بالتأهب له، وجعله نصب العين. وبالله التوفيق. ثم فسر الاختصام المتقدم، فقال: { إذ قال ربك للملائكة }.
ص 38:71
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:72
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:73
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:74
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:75
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:76
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:77
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:78
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:79
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:80
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:81
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:82
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:83
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:84
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:85
قلت: { إذ قال }: متعلق بيختصمون، أو: بدل من { إذ } قبله، أو: باذكر. و " الحق ": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه فمبتدأ، أي: الحق مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول " أقول " ، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: { لأملأن }. يقول الحق جل جلاله في تفسير الاختصام المذكور: { إذ قال ربك للملائكة } حين أراد خلق آدم، { إني خالق بشرا من طين } ، وقال:
إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
[البقرة: 30]. والتعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى، كما في قوله تعالى:
... يا عبادى الذين أسرفوا...
[الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلا لقال: ربي لأنه داخل في حيز الأمر. { فإذا سويته } أي: صورته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، { ونفخت فيه من روحي } الذي خلقته قبل، وأضافه إليه تخصيصا، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته { فقعوا } أي: اسقطوا { له } ، وهو أمر، من وقع، { ساجدين } قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان سجودا لله، أو سجود تحية لآدم وتكريما له. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، " كل " للإحاطة، و " أجمعون " للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعا، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحجر:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون
[الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقيا، لا تنجيزيا، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزيا بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه:
" اذهب فسلم على أولئك الملائكة، فسلم عليهم، فردوا عليه وسجدوا له "
والله تعالى أعلم بغيبه. { إلا إبليس استكبر } أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنيا، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، { وكان من الكافرين } أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله.
{ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد } أي: عن السجود { لما خلقت بيدي } ، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالا لأمري، وإعظاما لخطابي، ولما كانت الأعمال تباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصدا إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: { أستكبرت } ، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، { أم كنت من العالين } المستحقين للتفوق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ { قال أنا خير منه } ، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله:
لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 30]، وبين فضيلته في زعمه بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، يعني لو كان مخلوقا من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } ، وما من جهة الغاية، وهو ما خصه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. { قال فاخرج منها } من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنا، وأظلم بعدما كان نورانيا. { فإنك رجيم } أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يرجم بالشهب. { وإن عليك لعنتي } إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35] لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
[الأعراف: 44] وهو إمامهم؟ { قال } إبليس: { رب فأنظرني } أمهلني وأخرني، أي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني، { إلى يوم يبعثون } أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم.
وأراد بذلك فسحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث، { قال } تعالى: { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى " معلوم " أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين، على وجه يشعر بكون السائل تبعا لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } ، أقسم بعزة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. { قال } تعالى: { فالحق والحق أقول } أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسمي وأقول الحق: { لأملأن جهنم منك } من جنسك، وهم الشياطين، { وممن تبعك منهم } من ذرية آدم { أجمعين } أي: لأعمرن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدا. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: { لما خلقت بيدي } ، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدم في قوله تعالى:
ولقد كرمنا بنى ءادم
[الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعز خلقه من أذل شيء وأخسه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. ه. ثم نزه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلف، فقال: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }.
ص 38:86
يقول الحق جل جلاله: { قل ما أسألكم } على تبليغ الوحي أو على القرآن { من أجر } دنيوي، حتى يثقل عليكم، { وما أنا من المتكلفين } أي: المتصنعين بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعا حتى أنتحل النبوة، أو أتقول القرآن، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم ".
{ إن هو }: ما هو { إلا ذكر }: وعظ من الله عز وجل { للعالمين } الثقلين كافة، { ولتعلمن نبأه } نبأ القرآن، وصحة خبره، وما فيه من الوعد والوعيد، وذكر البعث والنشور، { بعد حين } بعد الموت، أو: يوم بدر، أو القيامة، أو: بعد ظهور الإسلام وفشوه. وفيه من التهديد ما لا يخفى. ختم السورة بالذكر كما افتتحها بالذكر. الإشارة: تقدم مرارا التحذير من طلب الأجر على التعليم، أو الوعظ والتذكير، اقتداء بالرسل عليهم السلام. وفي الآية أيضا: النهي عن التكلف والتصنع، وهو نوع من النفاق، وضرب من الرياء. وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم:
" اللهم اغفر للذين لا يدعون، ولا يتكلفون، ألا إني بريء من التكلف، وصالحوا أمتي "
وقال سلمان: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نتكلف للضيف ما ليس عندنا! ". وكان الصحابة رضي الله عنهم يقدمون ما حضر من الكسر اليابسة، والحشف البالي أي: الرديء من التمر ويقولون: لا ندري أيهما أعظم وزرا، الذي يحتقر ما قدم إليه، أو: الذي يحتقر ما عنده فلا يقدمه. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
ص 38:87
يقول الحق جل جلاله: { قل ما أسألكم } على تبليغ الوحي أو على القرآن { من أجر } دنيوي، حتى يثقل عليكم، { وما أنا من المتكلفين } أي: المتصنعين بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعا حتى أنتحل النبوة، أو أتقول القرآن، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم ".
{ إن هو }: ما هو { إلا ذكر }: وعظ من الله عز وجل { للعالمين } الثقلين كافة، { ولتعلمن نبأه } نبأ القرآن، وصحة خبره، وما فيه من الوعد والوعيد، وذكر البعث والنشور، { بعد حين } بعد الموت، أو: يوم بدر، أو القيامة، أو: بعد ظهور الإسلام وفشوه. وفيه من التهديد ما لا يخفى. ختم السورة بالذكر كما افتتحها بالذكر. الإشارة: تقدم مرارا التحذير من طلب الأجر على التعليم، أو الوعظ والتذكير، اقتداء بالرسل عليهم السلام. وفي الآية أيضا: النهي عن التكلف والتصنع، وهو نوع من النفاق، وضرب من الرياء. وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم:
" اللهم اغفر للذين لا يدعون، ولا يتكلفون، ألا إني بريء من التكلف، وصالحوا أمتي "
وقال سلمان: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نتكلف للضيف ما ليس عندنا! ". وكان الصحابة رضي الله عنهم يقدمون ما حضر من الكسر اليابسة، والحشف البالي أي: الرديء من التمر ويقولون: لا ندري أيهما أعظم وزرا، الذي يحتقر ما قدم إليه، أو: الذي يحتقر ما عنده فلا يقدمه. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
ص 38:88
يقول الحق جل جلاله: { قل ما أسألكم } على تبليغ الوحي أو على القرآن { من أجر } دنيوي، حتى يثقل عليكم، { وما أنا من المتكلفين } أي: المتصنعين بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعا حتى أنتحل النبوة، أو أتقول القرآن، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم ".
{ إن هو }: ما هو { إلا ذكر }: وعظ من الله عز وجل { للعالمين } الثقلين كافة، { ولتعلمن نبأه } نبأ القرآن، وصحة خبره، وما فيه من الوعد والوعيد، وذكر البعث والنشور، { بعد حين } بعد الموت، أو: يوم بدر، أو القيامة، أو: بعد ظهور الإسلام وفشوه. وفيه من التهديد ما لا يخفى. ختم السورة بالذكر كما افتتحها بالذكر. الإشارة: تقدم مرارا التحذير من طلب الأجر على التعليم، أو الوعظ والتذكير، اقتداء بالرسل عليهم السلام. وفي الآية أيضا: النهي عن التكلف والتصنع، وهو نوع من النفاق، وضرب من الرياء. وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم:
" اللهم اغفر للذين لا يدعون، ولا يتكلفون، ألا إني بريء من التكلف، وصالحوا أمتي "
وقال سلمان: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نتكلف للضيف ما ليس عندنا! ". وكان الصحابة رضي الله عنهم يقدمون ما حضر من الكسر اليابسة، والحشف البالي أي: الرديء من التمر ويقولون: لا ندري أيهما أعظم وزرا، الذي يحتقر ما قدم إليه، أو: الذي يحتقر ما عنده فلا يقدمه. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
الزمر 39:1
بسم الله الرحمن الرحيم { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص... }. قلت: { تنزيل } خبر، أي: هذا تنزيل، و { من الله }: صلة لتنزيل، أو: خبر ثان، أو: حال من التنزيل، عاملها: معنى الإشارة. يقول الحق جل جلاله: هذا الذي تتلوه هو { تنزيل الكتاب } ، نزل { من } عند { الله العزيز } في سلطانه { الحكيم } في تدبيره. وإيثار الوصفين للإيذان بجريان أثريهما في الكتاب، بجريان أحكامه ونفوذ أوامره ونواهيه. { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق }: ليس بتكرر لأن الأول كالعنوان للكتاب، والثاني لبيان ما في الكتاب. قال أبو السعود: والمراد بالكتاب: القرآن، وإظهاره على تقدير كونه هو المراد بالأول لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. والباء إما متعلقة بالإنزال، أي: بسبب الحق وإظهاره، أو: بداعيته واقتضائه، وإما بمحذوف هو حال من نون العظمة، أو: من الكتاب، أي: أنزلناه إليه محقين في ذلك، أو: ملتبسا بالحق والصواب، أي: ما فيه حق لا ريب فيه موجب العمل به حتما. قال القشيري: بالحق، أي: بالدين الحق والشرع الحق، وأنا محق في إنزاله. { فاعبد الله مخلصا له الدين } أي: فاعبده تعالى مخلصا دينه من شوائب الشرك والرياء، حسبما بين في تضاعيف ما أنزل إليه. { ألا لله الدين الخالص } أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة لأنه المنفرد بصفات الألوهية، التي من جملتها: الاطلاع على السرائر والضمائر. الإشارة: قال القشيري: كتاب عزيز، نزل من رب عزيز، على عبد عزيز، بلسان ملك عزيز، في شأن أمة عزيزة، بأمر عزيز. وأنشدوا:
ورد الرسول من الحبيب الأول بعد البلاء، وبعد طول الأمل
تنزيل تنزهت قلوب الأحباب بعد ذبول عصن سرورها، في كتاب الأحباب، عند قراءة فصولها. والعجب منها كيف لا تزهو سرورا بوصولها، وارتياحا بحصولها، وكتاب موسى في الألواح، ومنها كان يقرأ موسى، وكتاب نبينا صلى الله عليه وسلم نزل به الروح، الأمين، على قلبك، وفصل بين من يكون خطاب ربه مكتوبا في ألواحه، وبين من يكون خطاب ربه محفوظا في قلبه، وكذلك أمته،
بل هو ءايات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم
[العنكبوت: 49]. ه. وقوله تعالى: { فاعبد الله مخلصا له الدين } ، قال القشيري: العبادة: معانقة الطاعات على نعت الخضوع، وتكون بالنفس وبالقلب وبالروح، فالتي بالنفس أي: بالجوارح الإخلاص فيها: التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب، أي: كالفكرة والنظرة، الإخلاص فيها: التباعد عن رؤية الأشخاص أي: الحس من حيث هو والتي بالروح، الإخلاص فيها: التنقي عن رؤية طلب الاختصاص. قوله تعالى: { ألا لله الدين الخالص } هو ما يكون جملته لله، وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد، اللهم إلا أن يكون بأمره، فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته، فأطاعه، لا يخرج عن الإخلاص بامتثاله ما أمره به، ولولا هذا ما صح أن يكون في العالم مخلص، يعني: أن جل الناس إنما يطيعون لاحتساب الأجر، إلا الفرد النادر، فمن زال عنه الحجاب فإنه يعبد الله بالله، شكرا، وإظهارا للأدب، فإن قصد الاحتساب، ثم طرأ عليه خواطر بعد تحقق الإخلاص، فلا يضر، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله "
وهذا في أصل القصد، والعوارض غير مضرة، كما هو صريح حديث آخر. والله تعالى أعلم. ثم رد على المشركين، فقال: {... والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار }. قلت: { والذين }: مبتدأ، و { ما نعبدهم }: محكي بقول محذوف، حال من واو " اتخذوا " وجملة " إن الله ": خبر، والاستثناء مفرغ من أعم العلل، و " زلفى ": مصدر. يقول الحق جل جلاله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } أي: لم يخلصوا في عبادتهم، بل شاوبوها بعبادة غيره، كالأصنام، والملائكة، وعيسى، قائلين: { ما نعبدهم } لشيء من الأشياء { إلا ليقربونا إلى الله زلفى } أي: تقريبا، { إن الله يحكم بينهم } وبين خصمائهم، الذين هم المخلصون للدين، وقد حذف لدلالة الحال عليه، كقوله:
لا نفرق بين أحد من رسله
[البقرة: 285] على أحد الوجهين، أي: بين أحد منهم وبين غيره. قيل: كان المسلمون إذا قالوا للمشركين: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. { إن الله يحكم } يوم القيامة بين المتنازعين من المسلمين والمشركين { فيما هم فيه يختلفون } من التوحيد والإشراك، وادعاء كل واحد صحة ما انتحله. وحكمه تعالى هو إدخال الموحدين الجنة والمشركين النار. وقيل: الموصول واقع على الأصنام، والعائد محذوف، أي: والذين اتخذوهم من دونه أولياء، قائلين: ما نعبدهم... الخ، إن الله يحكم بينهم، أي: بين العبدة والمعبودين فيما هم فيه يختلفون، حيث يرجون منها شفاعتها وهي تلعنهم، وهذا بعيد. { إن الله لا يهدي }: لا يوفق للاهتداء { من هو كاذب كفار } أي: راسخ في الكذب، مبالغ في الكفر، كما يعرب عنه قراءة من قرأ: " كذاب " أو: " كذوب " ، أي: لا يهديهما اليوم لدينه لسابق الشقاء، ولا في الآخرة لثوابه لأنهما اليوم فاقدان للبصيرة، غير قابلين للاهتداء لتغييرهما الفطرة الأصلية بالتمرن في الضلالة والتمادي في الغي.
{ لو أراد الله أن يتخذ ولدا } كما يزعم من يقول: الملائكة بنات الله، والمسيح وعزير ابن الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، { لاصطفى مما يخلق ما يشاء } أي: لاختار من خلقه ما يشاء، ممن له مناسبة صمدانية، كالملائكة، فإنهم منزهون عن نقائض البشرية، كالأكل والشرب والنكاح، لكن لم يرد ذلك لاستحالته في حقه تعالى. قال القشيري: خاطبهم على قدر عقولهم وعقائدهم، فقال: لو أراد الله أن يتخذ ولدا بالتبني والكرامة لاختار من الملائكة، الذين هم مبرؤون من الأكل والشرب وأوصاف الخلق، ثم أخبر عن تقدسه عن ذلك، فقال: { سبحانه } أي: تنزيها له عن اتخاذ الولد على الحقيقة لاستحالة معناه في نعته، ولا بالتبني، لتقدسه عن الجنسية، والمحالات تدل على وجه الإبعاد. ه. والحاصل: أن الولد في حقه تعالى إن كان عن طريق التولد فهو محال، عقلا ونقلا، وإن كان عن طريق التبني والكرامة فمحال سمعا، وقيل: وعقلا. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: قوله، أي: القشيري: لتقدسه عن الجنسية، يعني لوحدته وقهره، كما رمز إلى ذلك بذكر الاسمين، أي: الواحد القهار، وهما عاملان في كل مخلوق، ومحال تعطيلهما بالتبني المقتضي للجنسية، المباينة للوحدانية والقهر، فلا يمكن إلا العبودية، عقلا، ونقلا، وحقيقة، وهذا أشد من كلام ابن عطية، فإنه جوز اتخاذه على جهة التشريف والتبني عقلا، وإن امتنع شرعا، لعموم آية:
وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا
[مريم: 92] لاتخاذ النسل المستحيل عقلا ونقلا، ولاتخاذ الاصطفاء الممتنع شرعا. وهو أيضا أشد من كلام الزمخشري، حيث قال: معنى الآية: لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك، ولكنه يصطفي من يشاء من عباده، على وجه الاختصاص والتقريب، لا على وجه اتخاذه ولدا. ه. فأجمل في الامتناع، وإن كان المتبادر منه شمول القسمين، وكذا قرر جواب " لو " ، أي: لامتنع، وجعل قوله: { لاصطفى } الذي هو ظاهر في كونه جوابا غير جواب " بل " على معنى الاستئناف، وهو خلاف المطروق والمفهوم من جري الكلام. والله أعلم. وما ذكره الزمخشري أيضا من الامتناع مع الإرادة هو فرض لتعلق الإرادة بالممتنع، وهي إنما تتعلق بالجائز، ويحتمل بناؤه على مذهبه الفاسد في إرادة بعض ما لم يقع، وهو شنيع مذهبه، بل ويلزمه عود القهر عليه تعالى عن ذلك، وهو الله الواحد القهار، فكيف يريد ويمتنع ما يريده؟! هل ذلك إلا عين القهر؟ تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ه. قال تعالى: { سبحانه } أي: تنزه بالذات عن اتخاذ الولد، تنزهه الخاص به، على أن { سبحان } مصدر، من: سبح: إذا بعد. { هو الله الواحد القهار }: استئناف مبين لتنزهه بحسب الصفات، إثر بيان تنزهه عنه بحسب الذات، فإن صفة الألوهية المستتبعة لسائر صفات الكمال، النافية لسمات النقصان، والوحدة الذاتية، الموجبة لامتناع المماثلة والمشاركة بينه تعالى وبين غيره على الإطلاق، مما يقتضي تنزهه تعالى عما قالوه، قضاء متيقنا، وكذا وصف القهارية لأن اتخاذ الولد شأن من يكون تحت ملكوت الغير، عرضة للفناء، ليقوم الولد مقامه عند فنائه، ومن هو مستحيل الفناء، قهار لكل الكائنات، كيف يتصور أن يتخذ من الأسماء الفانية من يقوم مقامه؟ قاله أبو السعود.
الإشارة: الحق سبحانه غيور، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره، كان على وجه الواسطة والتقريب، أو: على وجه الاستقلال. لذلك حرم السجود لغير الله، وأما الخضوع للأولياء، العارفين بالله، على غير وجه العبادة، فهو عين الخضوع لله لأن الله تعالى أمر بالخضوع للرسل، الدالين على الله، وهم ورثتهم في الدلالة، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود، وإنما يكون على وجه تقبيل القدم أو الأرض بين أيديهم، كما قال الشاعر:
يا من يلوم خمرة المحبه فخذوا عني هي حلال ومن يرد يسقي منها عبه خد يضع لأقدام الرجال رأسي حططت بكل شيبه هم الموالي سقوني زلال
وجعل القشيري مناط الرد على الكفرة حيث فعلوا ذلك، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، بغير إذن الله، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم. فرد الله عليهم. قال: وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب، بنشاط نفسه، من غير أن يقتضيه حكم الوقت، وما يعقد بينه وبين الله تعالى من عقود لا يفي بها، وكان ذلك اتباع هوى. قال الله تعالى:
فما رعوها حق رعايتها
[الحديد: 27]. قلت: ولأجل هذا وجب على من أراد الوصول إلى الله أن يتخذ شيخا عارفا بأحكام الوقت، ذا بصيرة بدسائس النفس، فيأمره في كل وقت، وفي كل زمان، بما يناسبه ليخرجه من هوى نفسه، وأسر طبعه، وإلا بقي في العنت والبعد عن الله، يعبد الله على حرف، كلما زاد عبادة وقربا في زعمه زاد بعدا من ربه، وهو لا يشعر، فالنفس إن لم تتصل بمن يرفع عنها الحجاب، كانت كدود القز، تنسج الحجاب على نفسها بنفسها، حتى تموت في وسطه. وفي ذلك يقول الششتري في نونيته رضي الله عنه:
ونحن كدود القز يحصرنا الذي صنعنا لدفع الحصر سجنا لنا منا
وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل توحيده تعالى، قال: { خلق السماوات والأرض بالحق }.
الزمر 39:2
بسم الله الرحمن الرحيم { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص... }. قلت: { تنزيل } خبر، أي: هذا تنزيل، و { من الله }: صلة لتنزيل، أو: خبر ثان، أو: حال من التنزيل، عاملها: معنى الإشارة. يقول الحق جل جلاله: هذا الذي تتلوه هو { تنزيل الكتاب } ، نزل { من } عند { الله العزيز } في سلطانه { الحكيم } في تدبيره. وإيثار الوصفين للإيذان بجريان أثريهما في الكتاب، بجريان أحكامه ونفوذ أوامره ونواهيه. { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق }: ليس بتكرر لأن الأول كالعنوان للكتاب، والثاني لبيان ما في الكتاب. قال أبو السعود: والمراد بالكتاب: القرآن، وإظهاره على تقدير كونه هو المراد بالأول لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. والباء إما متعلقة بالإنزال، أي: بسبب الحق وإظهاره، أو: بداعيته واقتضائه، وإما بمحذوف هو حال من نون العظمة، أو: من الكتاب، أي: أنزلناه إليه محقين في ذلك، أو: ملتبسا بالحق والصواب، أي: ما فيه حق لا ريب فيه موجب العمل به حتما. قال القشيري: بالحق، أي: بالدين الحق والشرع الحق، وأنا محق في إنزاله. { فاعبد الله مخلصا له الدين } أي: فاعبده تعالى مخلصا دينه من شوائب الشرك والرياء، حسبما بين في تضاعيف ما أنزل إليه. { ألا لله الدين الخالص } أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة لأنه المنفرد بصفات الألوهية، التي من جملتها: الاطلاع على السرائر والضمائر. الإشارة: قال القشيري: كتاب عزيز، نزل من رب عزيز، على عبد عزيز، بلسان ملك عزيز، في شأن أمة عزيزة، بأمر عزيز. وأنشدوا:
ورد الرسول من الحبيب الأول بعد البلاء، وبعد طول الأمل
تنزيل تنزهت قلوب الأحباب بعد ذبول عصن سرورها، في كتاب الأحباب، عند قراءة فصولها. والعجب منها كيف لا تزهو سرورا بوصولها، وارتياحا بحصولها، وكتاب موسى في الألواح، ومنها كان يقرأ موسى، وكتاب نبينا صلى الله عليه وسلم نزل به الروح، الأمين، على قلبك، وفصل بين من يكون خطاب ربه مكتوبا في ألواحه، وبين من يكون خطاب ربه محفوظا في قلبه، وكذلك أمته،
بل هو ءايات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم
[العنكبوت: 49]. ه. وقوله تعالى: { فاعبد الله مخلصا له الدين } ، قال القشيري: العبادة: معانقة الطاعات على نعت الخضوع، وتكون بالنفس وبالقلب وبالروح، فالتي بالنفس أي: بالجوارح الإخلاص فيها: التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب، أي: كالفكرة والنظرة، الإخلاص فيها: التباعد عن رؤية الأشخاص أي: الحس من حيث هو والتي بالروح، الإخلاص فيها: التنقي عن رؤية طلب الاختصاص. قوله تعالى: { ألا لله الدين الخالص } هو ما يكون جملته لله، وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد، اللهم إلا أن يكون بأمره، فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته، فأطاعه، لا يخرج عن الإخلاص بامتثاله ما أمره به، ولولا هذا ما صح أن يكون في العالم مخلص، يعني: أن جل الناس إنما يطيعون لاحتساب الأجر، إلا الفرد النادر، فمن زال عنه الحجاب فإنه يعبد الله بالله، شكرا، وإظهارا للأدب، فإن قصد الاحتساب، ثم طرأ عليه خواطر بعد تحقق الإخلاص، فلا يضر، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله "
وهذا في أصل القصد، والعوارض غير مضرة، كما هو صريح حديث آخر. والله تعالى أعلم. ثم رد على المشركين، فقال: {... والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار }. قلت: { والذين }: مبتدأ، و { ما نعبدهم }: محكي بقول محذوف، حال من واو " اتخذوا " وجملة " إن الله ": خبر، والاستثناء مفرغ من أعم العلل، و " زلفى ": مصدر. يقول الحق جل جلاله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } أي: لم يخلصوا في عبادتهم، بل شاوبوها بعبادة غيره، كالأصنام، والملائكة، وعيسى، قائلين: { ما نعبدهم } لشيء من الأشياء { إلا ليقربونا إلى الله زلفى } أي: تقريبا، { إن الله يحكم بينهم } وبين خصمائهم، الذين هم المخلصون للدين، وقد حذف لدلالة الحال عليه، كقوله:
لا نفرق بين أحد من رسله
[البقرة: 285] على أحد الوجهين، أي: بين أحد منهم وبين غيره. قيل: كان المسلمون إذا قالوا للمشركين: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. { إن الله يحكم } يوم القيامة بين المتنازعين من المسلمين والمشركين { فيما هم فيه يختلفون } من التوحيد والإشراك، وادعاء كل واحد صحة ما انتحله. وحكمه تعالى هو إدخال الموحدين الجنة والمشركين النار. وقيل: الموصول واقع على الأصنام، والعائد محذوف، أي: والذين اتخذوهم من دونه أولياء، قائلين: ما نعبدهم... الخ، إن الله يحكم بينهم، أي: بين العبدة والمعبودين فيما هم فيه يختلفون، حيث يرجون منها شفاعتها وهي تلعنهم، وهذا بعيد. { إن الله لا يهدي }: لا يوفق للاهتداء { من هو كاذب كفار } أي: راسخ في الكذب، مبالغ في الكفر، كما يعرب عنه قراءة من قرأ: " كذاب " أو: " كذوب " ، أي: لا يهديهما اليوم لدينه لسابق الشقاء، ولا في الآخرة لثوابه لأنهما اليوم فاقدان للبصيرة، غير قابلين للاهتداء لتغييرهما الفطرة الأصلية بالتمرن في الضلالة والتمادي في الغي.
{ لو أراد الله أن يتخذ ولدا } كما يزعم من يقول: الملائكة بنات الله، والمسيح وعزير ابن الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، { لاصطفى مما يخلق ما يشاء } أي: لاختار من خلقه ما يشاء، ممن له مناسبة صمدانية، كالملائكة، فإنهم منزهون عن نقائض البشرية، كالأكل والشرب والنكاح، لكن لم يرد ذلك لاستحالته في حقه تعالى. قال القشيري: خاطبهم على قدر عقولهم وعقائدهم، فقال: لو أراد الله أن يتخذ ولدا بالتبني والكرامة لاختار من الملائكة، الذين هم مبرؤون من الأكل والشرب وأوصاف الخلق، ثم أخبر عن تقدسه عن ذلك، فقال: { سبحانه } أي: تنزيها له عن اتخاذ الولد على الحقيقة لاستحالة معناه في نعته، ولا بالتبني، لتقدسه عن الجنسية، والمحالات تدل على وجه الإبعاد. ه. والحاصل: أن الولد في حقه تعالى إن كان عن طريق التولد فهو محال، عقلا ونقلا، وإن كان عن طريق التبني والكرامة فمحال سمعا، وقيل: وعقلا. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: قوله، أي: القشيري: لتقدسه عن الجنسية، يعني لوحدته وقهره، كما رمز إلى ذلك بذكر الاسمين، أي: الواحد القهار، وهما عاملان في كل مخلوق، ومحال تعطيلهما بالتبني المقتضي للجنسية، المباينة للوحدانية والقهر، فلا يمكن إلا العبودية، عقلا، ونقلا، وحقيقة، وهذا أشد من كلام ابن عطية، فإنه جوز اتخاذه على جهة التشريف والتبني عقلا، وإن امتنع شرعا، لعموم آية:
وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا
[مريم: 92] لاتخاذ النسل المستحيل عقلا ونقلا، ولاتخاذ الاصطفاء الممتنع شرعا. وهو أيضا أشد من كلام الزمخشري، حيث قال: معنى الآية: لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك، ولكنه يصطفي من يشاء من عباده، على وجه الاختصاص والتقريب، لا على وجه اتخاذه ولدا. ه. فأجمل في الامتناع، وإن كان المتبادر منه شمول القسمين، وكذا قرر جواب " لو " ، أي: لامتنع، وجعل قوله: { لاصطفى } الذي هو ظاهر في كونه جوابا غير جواب " بل " على معنى الاستئناف، وهو خلاف المطروق والمفهوم من جري الكلام. والله أعلم. وما ذكره الزمخشري أيضا من الامتناع مع الإرادة هو فرض لتعلق الإرادة بالممتنع، وهي إنما تتعلق بالجائز، ويحتمل بناؤه على مذهبه الفاسد في إرادة بعض ما لم يقع، وهو شنيع مذهبه، بل ويلزمه عود القهر عليه تعالى عن ذلك، وهو الله الواحد القهار، فكيف يريد ويمتنع ما يريده؟! هل ذلك إلا عين القهر؟ تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ه. قال تعالى: { سبحانه } أي: تنزه بالذات عن اتخاذ الولد، تنزهه الخاص به، على أن { سبحان } مصدر، من: سبح: إذا بعد. { هو الله الواحد القهار }: استئناف مبين لتنزهه بحسب الصفات، إثر بيان تنزهه عنه بحسب الذات، فإن صفة الألوهية المستتبعة لسائر صفات الكمال، النافية لسمات النقصان، والوحدة الذاتية، الموجبة لامتناع المماثلة والمشاركة بينه تعالى وبين غيره على الإطلاق، مما يقتضي تنزهه تعالى عما قالوه، قضاء متيقنا، وكذا وصف القهارية لأن اتخاذ الولد شأن من يكون تحت ملكوت الغير، عرضة للفناء، ليقوم الولد مقامه عند فنائه، ومن هو مستحيل الفناء، قهار لكل الكائنات، كيف يتصور أن يتخذ من الأسماء الفانية من يقوم مقامه؟ قاله أبو السعود.
الإشارة: الحق سبحانه غيور، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره، كان على وجه الواسطة والتقريب، أو: على وجه الاستقلال. لذلك حرم السجود لغير الله، وأما الخضوع للأولياء، العارفين بالله، على غير وجه العبادة، فهو عين الخضوع لله لأن الله تعالى أمر بالخضوع للرسل، الدالين على الله، وهم ورثتهم في الدلالة، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود، وإنما يكون على وجه تقبيل القدم أو الأرض بين أيديهم، كما قال الشاعر:
يا من يلوم خمرة المحبه فخذوا عني هي حلال ومن يرد يسقي منها عبه خد يضع لأقدام الرجال رأسي حططت بكل شيبه هم الموالي سقوني زلال
وجعل القشيري مناط الرد على الكفرة حيث فعلوا ذلك، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، بغير إذن الله، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم. فرد الله عليهم. قال: وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب، بنشاط نفسه، من غير أن يقتضيه حكم الوقت، وما يعقد بينه وبين الله تعالى من عقود لا يفي بها، وكان ذلك اتباع هوى. قال الله تعالى:
فما رعوها حق رعايتها
[الحديد: 27]. قلت: ولأجل هذا وجب على من أراد الوصول إلى الله أن يتخذ شيخا عارفا بأحكام الوقت، ذا بصيرة بدسائس النفس، فيأمره في كل وقت، وفي كل زمان، بما يناسبه ليخرجه من هوى نفسه، وأسر طبعه، وإلا بقي في العنت والبعد عن الله، يعبد الله على حرف، كلما زاد عبادة وقربا في زعمه زاد بعدا من ربه، وهو لا يشعر، فالنفس إن لم تتصل بمن يرفع عنها الحجاب، كانت كدود القز، تنسج الحجاب على نفسها بنفسها، حتى تموت في وسطه. وفي ذلك يقول الششتري في نونيته رضي الله عنه:
ونحن كدود القز يحصرنا الذي صنعنا لدفع الحصر سجنا لنا منا
وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل توحيده تعالى، قال: { خلق السماوات والأرض بالحق }.
الزمر 39:3
بسم الله الرحمن الرحيم { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص... }. قلت: { تنزيل } خبر، أي: هذا تنزيل، و { من الله }: صلة لتنزيل، أو: خبر ثان، أو: حال من التنزيل، عاملها: معنى الإشارة. يقول الحق جل جلاله: هذا الذي تتلوه هو { تنزيل الكتاب } ، نزل { من } عند { الله العزيز } في سلطانه { الحكيم } في تدبيره. وإيثار الوصفين للإيذان بجريان أثريهما في الكتاب، بجريان أحكامه ونفوذ أوامره ونواهيه. { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق }: ليس بتكرر لأن الأول كالعنوان للكتاب، والثاني لبيان ما في الكتاب. قال أبو السعود: والمراد بالكتاب: القرآن، وإظهاره على تقدير كونه هو المراد بالأول لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. والباء إما متعلقة بالإنزال، أي: بسبب الحق وإظهاره، أو: بداعيته واقتضائه، وإما بمحذوف هو حال من نون العظمة، أو: من الكتاب، أي: أنزلناه إليه محقين في ذلك، أو: ملتبسا بالحق والصواب، أي: ما فيه حق لا ريب فيه موجب العمل به حتما. قال القشيري: بالحق، أي: بالدين الحق والشرع الحق، وأنا محق في إنزاله. { فاعبد الله مخلصا له الدين } أي: فاعبده تعالى مخلصا دينه من شوائب الشرك والرياء، حسبما بين في تضاعيف ما أنزل إليه. { ألا لله الدين الخالص } أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة لأنه المنفرد بصفات الألوهية، التي من جملتها: الاطلاع على السرائر والضمائر. الإشارة: قال القشيري: كتاب عزيز، نزل من رب عزيز، على عبد عزيز، بلسان ملك عزيز، في شأن أمة عزيزة، بأمر عزيز. وأنشدوا:
ورد الرسول من الحبيب الأول بعد البلاء، وبعد طول الأمل
تنزيل تنزهت قلوب الأحباب بعد ذبول عصن سرورها، في كتاب الأحباب، عند قراءة فصولها. والعجب منها كيف لا تزهو سرورا بوصولها، وارتياحا بحصولها، وكتاب موسى في الألواح، ومنها كان يقرأ موسى، وكتاب نبينا صلى الله عليه وسلم نزل به الروح، الأمين، على قلبك، وفصل بين من يكون خطاب ربه مكتوبا في ألواحه، وبين من يكون خطاب ربه محفوظا في قلبه، وكذلك أمته،
بل هو ءايات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم
[العنكبوت: 49]. ه. وقوله تعالى: { فاعبد الله مخلصا له الدين } ، قال القشيري: العبادة: معانقة الطاعات على نعت الخضوع، وتكون بالنفس وبالقلب وبالروح، فالتي بالنفس أي: بالجوارح الإخلاص فيها: التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب، أي: كالفكرة والنظرة، الإخلاص فيها: التباعد عن رؤية الأشخاص أي: الحس من حيث هو والتي بالروح، الإخلاص فيها: التنقي عن رؤية طلب الاختصاص. قوله تعالى: { ألا لله الدين الخالص } هو ما يكون جملته لله، وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد، اللهم إلا أن يكون بأمره، فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته، فأطاعه، لا يخرج عن الإخلاص بامتثاله ما أمره به، ولولا هذا ما صح أن يكون في العالم مخلص، يعني: أن جل الناس إنما يطيعون لاحتساب الأجر، إلا الفرد النادر، فمن زال عنه الحجاب فإنه يعبد الله بالله، شكرا، وإظهارا للأدب، فإن قصد الاحتساب، ثم طرأ عليه خواطر بعد تحقق الإخلاص، فلا يضر، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله "
وهذا في أصل القصد، والعوارض غير مضرة، كما هو صريح حديث آخر. والله تعالى أعلم. ثم رد على المشركين، فقال: {... والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار }. قلت: { والذين }: مبتدأ، و { ما نعبدهم }: محكي بقول محذوف، حال من واو " اتخذوا " وجملة " إن الله ": خبر، والاستثناء مفرغ من أعم العلل، و " زلفى ": مصدر. يقول الحق جل جلاله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } أي: لم يخلصوا في عبادتهم، بل شاوبوها بعبادة غيره، كالأصنام، والملائكة، وعيسى، قائلين: { ما نعبدهم } لشيء من الأشياء { إلا ليقربونا إلى الله زلفى } أي: تقريبا، { إن الله يحكم بينهم } وبين خصمائهم، الذين هم المخلصون للدين، وقد حذف لدلالة الحال عليه، كقوله:
لا نفرق بين أحد من رسله
[البقرة: 285] على أحد الوجهين، أي: بين أحد منهم وبين غيره. قيل: كان المسلمون إذا قالوا للمشركين: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. { إن الله يحكم } يوم القيامة بين المتنازعين من المسلمين والمشركين { فيما هم فيه يختلفون } من التوحيد والإشراك، وادعاء كل واحد صحة ما انتحله. وحكمه تعالى هو إدخال الموحدين الجنة والمشركين النار. وقيل: الموصول واقع على الأصنام، والعائد محذوف، أي: والذين اتخذوهم من دونه أولياء، قائلين: ما نعبدهم... الخ، إن الله يحكم بينهم، أي: بين العبدة والمعبودين فيما هم فيه يختلفون، حيث يرجون منها شفاعتها وهي تلعنهم، وهذا بعيد. { إن الله لا يهدي }: لا يوفق للاهتداء { من هو كاذب كفار } أي: راسخ في الكذب، مبالغ في الكفر، كما يعرب عنه قراءة من قرأ: " كذاب " أو: " كذوب " ، أي: لا يهديهما اليوم لدينه لسابق الشقاء، ولا في الآخرة لثوابه لأنهما اليوم فاقدان للبصيرة، غير قابلين للاهتداء لتغييرهما الفطرة الأصلية بالتمرن في الضلالة والتمادي في الغي.
{ لو أراد الله أن يتخذ ولدا } كما يزعم من يقول: الملائكة بنات الله، والمسيح وعزير ابن الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، { لاصطفى مما يخلق ما يشاء } أي: لاختار من خلقه ما يشاء، ممن له مناسبة صمدانية، كالملائكة، فإنهم منزهون عن نقائض البشرية، كالأكل والشرب والنكاح، لكن لم يرد ذلك لاستحالته في حقه تعالى. قال القشيري: خاطبهم على قدر عقولهم وعقائدهم، فقال: لو أراد الله أن يتخذ ولدا بالتبني والكرامة لاختار من الملائكة، الذين هم مبرؤون من الأكل والشرب وأوصاف الخلق، ثم أخبر عن تقدسه عن ذلك، فقال: { سبحانه } أي: تنزيها له عن اتخاذ الولد على الحقيقة لاستحالة معناه في نعته، ولا بالتبني، لتقدسه عن الجنسية، والمحالات تدل على وجه الإبعاد. ه. والحاصل: أن الولد في حقه تعالى إن كان عن طريق التولد فهو محال، عقلا ونقلا، وإن كان عن طريق التبني والكرامة فمحال سمعا، وقيل: وعقلا. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: قوله، أي: القشيري: لتقدسه عن الجنسية، يعني لوحدته وقهره، كما رمز إلى ذلك بذكر الاسمين، أي: الواحد القهار، وهما عاملان في كل مخلوق، ومحال تعطيلهما بالتبني المقتضي للجنسية، المباينة للوحدانية والقهر، فلا يمكن إلا العبودية، عقلا، ونقلا، وحقيقة، وهذا أشد من كلام ابن عطية، فإنه جوز اتخاذه على جهة التشريف والتبني عقلا، وإن امتنع شرعا، لعموم آية:
وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا
[مريم: 92] لاتخاذ النسل المستحيل عقلا ونقلا، ولاتخاذ الاصطفاء الممتنع شرعا. وهو أيضا أشد من كلام الزمخشري، حيث قال: معنى الآية: لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك، ولكنه يصطفي من يشاء من عباده، على وجه الاختصاص والتقريب، لا على وجه اتخاذه ولدا. ه. فأجمل في الامتناع، وإن كان المتبادر منه شمول القسمين، وكذا قرر جواب " لو " ، أي: لامتنع، وجعل قوله: { لاصطفى } الذي هو ظاهر في كونه جوابا غير جواب " بل " على معنى الاستئناف، وهو خلاف المطروق والمفهوم من جري الكلام. والله أعلم. وما ذكره الزمخشري أيضا من الامتناع مع الإرادة هو فرض لتعلق الإرادة بالممتنع، وهي إنما تتعلق بالجائز، ويحتمل بناؤه على مذهبه الفاسد في إرادة بعض ما لم يقع، وهو شنيع مذهبه، بل ويلزمه عود القهر عليه تعالى عن ذلك، وهو الله الواحد القهار، فكيف يريد ويمتنع ما يريده؟! هل ذلك إلا عين القهر؟ تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ه. قال تعالى: { سبحانه } أي: تنزه بالذات عن اتخاذ الولد، تنزهه الخاص به، على أن { سبحان } مصدر، من: سبح: إذا بعد. { هو الله الواحد القهار }: استئناف مبين لتنزهه بحسب الصفات، إثر بيان تنزهه عنه بحسب الذات، فإن صفة الألوهية المستتبعة لسائر صفات الكمال، النافية لسمات النقصان، والوحدة الذاتية، الموجبة لامتناع المماثلة والمشاركة بينه تعالى وبين غيره على الإطلاق، مما يقتضي تنزهه تعالى عما قالوه، قضاء متيقنا، وكذا وصف القهارية لأن اتخاذ الولد شأن من يكون تحت ملكوت الغير، عرضة للفناء، ليقوم الولد مقامه عند فنائه، ومن هو مستحيل الفناء، قهار لكل الكائنات، كيف يتصور أن يتخذ من الأسماء الفانية من يقوم مقامه؟ قاله أبو السعود.
الإشارة: الحق سبحانه غيور، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره، كان على وجه الواسطة والتقريب، أو: على وجه الاستقلال. لذلك حرم السجود لغير الله، وأما الخضوع للأولياء، العارفين بالله، على غير وجه العبادة، فهو عين الخضوع لله لأن الله تعالى أمر بالخضوع للرسل، الدالين على الله، وهم ورثتهم في الدلالة، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود، وإنما يكون على وجه تقبيل القدم أو الأرض بين أيديهم، كما قال الشاعر:
يا من يلوم خمرة المحبه فخذوا عني هي حلال ومن يرد يسقي منها عبه خد يضع لأقدام الرجال رأسي حططت بكل شيبه هم الموالي سقوني زلال
وجعل القشيري مناط الرد على الكفرة حيث فعلوا ذلك، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، بغير إذن الله، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم. فرد الله عليهم. قال: وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب، بنشاط نفسه، من غير أن يقتضيه حكم الوقت، وما يعقد بينه وبين الله تعالى من عقود لا يفي بها، وكان ذلك اتباع هوى. قال الله تعالى:
فما رعوها حق رعايتها
[الحديد: 27]. قلت: ولأجل هذا وجب على من أراد الوصول إلى الله أن يتخذ شيخا عارفا بأحكام الوقت، ذا بصيرة بدسائس النفس، فيأمره في كل وقت، وفي كل زمان، بما يناسبه ليخرجه من هوى نفسه، وأسر طبعه، وإلا بقي في العنت والبعد عن الله، يعبد الله على حرف، كلما زاد عبادة وقربا في زعمه زاد بعدا من ربه، وهو لا يشعر، فالنفس إن لم تتصل بمن يرفع عنها الحجاب، كانت كدود القز، تنسج الحجاب على نفسها بنفسها، حتى تموت في وسطه. وفي ذلك يقول الششتري في نونيته رضي الله عنه:
ونحن كدود القز يحصرنا الذي صنعنا لدفع الحصر سجنا لنا منا
وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل توحيده تعالى، قال: { خلق السماوات والأرض بالحق }.
الزمر 39:4
بسم الله الرحمن الرحيم { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص... }. قلت: { تنزيل } خبر، أي: هذا تنزيل، و { من الله }: صلة لتنزيل، أو: خبر ثان، أو: حال من التنزيل، عاملها: معنى الإشارة. يقول الحق جل جلاله: هذا الذي تتلوه هو { تنزيل الكتاب } ، نزل { من } عند { الله العزيز } في سلطانه { الحكيم } في تدبيره. وإيثار الوصفين للإيذان بجريان أثريهما في الكتاب، بجريان أحكامه ونفوذ أوامره ونواهيه. { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق }: ليس بتكرر لأن الأول كالعنوان للكتاب، والثاني لبيان ما في الكتاب. قال أبو السعود: والمراد بالكتاب: القرآن، وإظهاره على تقدير كونه هو المراد بالأول لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. والباء إما متعلقة بالإنزال، أي: بسبب الحق وإظهاره، أو: بداعيته واقتضائه، وإما بمحذوف هو حال من نون العظمة، أو: من الكتاب، أي: أنزلناه إليه محقين في ذلك، أو: ملتبسا بالحق والصواب، أي: ما فيه حق لا ريب فيه موجب العمل به حتما. قال القشيري: بالحق، أي: بالدين الحق والشرع الحق، وأنا محق في إنزاله. { فاعبد الله مخلصا له الدين } أي: فاعبده تعالى مخلصا دينه من شوائب الشرك والرياء، حسبما بين في تضاعيف ما أنزل إليه. { ألا لله الدين الخالص } أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة لأنه المنفرد بصفات الألوهية، التي من جملتها: الاطلاع على السرائر والضمائر. الإشارة: قال القشيري: كتاب عزيز، نزل من رب عزيز، على عبد عزيز، بلسان ملك عزيز، في شأن أمة عزيزة، بأمر عزيز. وأنشدوا:
ورد الرسول من الحبيب الأول بعد البلاء، وبعد طول الأمل
تنزيل تنزهت قلوب الأحباب بعد ذبول عصن سرورها، في كتاب الأحباب، عند قراءة فصولها. والعجب منها كيف لا تزهو سرورا بوصولها، وارتياحا بحصولها، وكتاب موسى في الألواح، ومنها كان يقرأ موسى، وكتاب نبينا صلى الله عليه وسلم نزل به الروح، الأمين، على قلبك، وفصل بين من يكون خطاب ربه مكتوبا في ألواحه، وبين من يكون خطاب ربه محفوظا في قلبه، وكذلك أمته،
بل هو ءايات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم
[العنكبوت: 49]. ه. وقوله تعالى: { فاعبد الله مخلصا له الدين } ، قال القشيري: العبادة: معانقة الطاعات على نعت الخضوع، وتكون بالنفس وبالقلب وبالروح، فالتي بالنفس أي: بالجوارح الإخلاص فيها: التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب، أي: كالفكرة والنظرة، الإخلاص فيها: التباعد عن رؤية الأشخاص أي: الحس من حيث هو والتي بالروح، الإخلاص فيها: التنقي عن رؤية طلب الاختصاص. قوله تعالى: { ألا لله الدين الخالص } هو ما يكون جملته لله، وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد، اللهم إلا أن يكون بأمره، فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته، فأطاعه، لا يخرج عن الإخلاص بامتثاله ما أمره به، ولولا هذا ما صح أن يكون في العالم مخلص، يعني: أن جل الناس إنما يطيعون لاحتساب الأجر، إلا الفرد النادر، فمن زال عنه الحجاب فإنه يعبد الله بالله، شكرا، وإظهارا للأدب، فإن قصد الاحتساب، ثم طرأ عليه خواطر بعد تحقق الإخلاص، فلا يضر، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله "
وهذا في أصل القصد، والعوارض غير مضرة، كما هو صريح حديث آخر. والله تعالى أعلم. ثم رد على المشركين، فقال: {... والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار }. قلت: { والذين }: مبتدأ، و { ما نعبدهم }: محكي بقول محذوف، حال من واو " اتخذوا " وجملة " إن الله ": خبر، والاستثناء مفرغ من أعم العلل، و " زلفى ": مصدر. يقول الحق جل جلاله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } أي: لم يخلصوا في عبادتهم، بل شاوبوها بعبادة غيره، كالأصنام، والملائكة، وعيسى، قائلين: { ما نعبدهم } لشيء من الأشياء { إلا ليقربونا إلى الله زلفى } أي: تقريبا، { إن الله يحكم بينهم } وبين خصمائهم، الذين هم المخلصون للدين، وقد حذف لدلالة الحال عليه، كقوله:
لا نفرق بين أحد من رسله
[البقرة: 285] على أحد الوجهين، أي: بين أحد منهم وبين غيره. قيل: كان المسلمون إذا قالوا للمشركين: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. { إن الله يحكم } يوم القيامة بين المتنازعين من المسلمين والمشركين { فيما هم فيه يختلفون } من التوحيد والإشراك، وادعاء كل واحد صحة ما انتحله. وحكمه تعالى هو إدخال الموحدين الجنة والمشركين النار. وقيل: الموصول واقع على الأصنام، والعائد محذوف، أي: والذين اتخذوهم من دونه أولياء، قائلين: ما نعبدهم... الخ، إن الله يحكم بينهم، أي: بين العبدة والمعبودين فيما هم فيه يختلفون، حيث يرجون منها شفاعتها وهي تلعنهم، وهذا بعيد. { إن الله لا يهدي }: لا يوفق للاهتداء { من هو كاذب كفار } أي: راسخ في الكذب، مبالغ في الكفر، كما يعرب عنه قراءة من قرأ: " كذاب " أو: " كذوب " ، أي: لا يهديهما اليوم لدينه لسابق الشقاء، ولا في الآخرة لثوابه لأنهما اليوم فاقدان للبصيرة، غير قابلين للاهتداء لتغييرهما الفطرة الأصلية بالتمرن في الضلالة والتمادي في الغي.
{ لو أراد الله أن يتخذ ولدا } كما يزعم من يقول: الملائكة بنات الله، والمسيح وعزير ابن الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، { لاصطفى مما يخلق ما يشاء } أي: لاختار من خلقه ما يشاء، ممن له مناسبة صمدانية، كالملائكة، فإنهم منزهون عن نقائض البشرية، كالأكل والشرب والنكاح، لكن لم يرد ذلك لاستحالته في حقه تعالى. قال القشيري: خاطبهم على قدر عقولهم وعقائدهم، فقال: لو أراد الله أن يتخذ ولدا بالتبني والكرامة لاختار من الملائكة، الذين هم مبرؤون من الأكل والشرب وأوصاف الخلق، ثم أخبر عن تقدسه عن ذلك، فقال: { سبحانه } أي: تنزيها له عن اتخاذ الولد على الحقيقة لاستحالة معناه في نعته، ولا بالتبني، لتقدسه عن الجنسية، والمحالات تدل على وجه الإبعاد. ه. والحاصل: أن الولد في حقه تعالى إن كان عن طريق التولد فهو محال، عقلا ونقلا، وإن كان عن طريق التبني والكرامة فمحال سمعا، وقيل: وعقلا. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: قوله، أي: القشيري: لتقدسه عن الجنسية، يعني لوحدته وقهره، كما رمز إلى ذلك بذكر الاسمين، أي: الواحد القهار، وهما عاملان في كل مخلوق، ومحال تعطيلهما بالتبني المقتضي للجنسية، المباينة للوحدانية والقهر، فلا يمكن إلا العبودية، عقلا، ونقلا، وحقيقة، وهذا أشد من كلام ابن عطية، فإنه جوز اتخاذه على جهة التشريف والتبني عقلا، وإن امتنع شرعا، لعموم آية:
وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا
[مريم: 92] لاتخاذ النسل المستحيل عقلا ونقلا، ولاتخاذ الاصطفاء الممتنع شرعا. وهو أيضا أشد من كلام الزمخشري، حيث قال: معنى الآية: لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك، ولكنه يصطفي من يشاء من عباده، على وجه الاختصاص والتقريب، لا على وجه اتخاذه ولدا. ه. فأجمل في الامتناع، وإن كان المتبادر منه شمول القسمين، وكذا قرر جواب " لو " ، أي: لامتنع، وجعل قوله: { لاصطفى } الذي هو ظاهر في كونه جوابا غير جواب " بل " على معنى الاستئناف، وهو خلاف المطروق والمفهوم من جري الكلام. والله أعلم. وما ذكره الزمخشري أيضا من الامتناع مع الإرادة هو فرض لتعلق الإرادة بالممتنع، وهي إنما تتعلق بالجائز، ويحتمل بناؤه على مذهبه الفاسد في إرادة بعض ما لم يقع، وهو شنيع مذهبه، بل ويلزمه عود القهر عليه تعالى عن ذلك، وهو الله الواحد القهار، فكيف يريد ويمتنع ما يريده؟! هل ذلك إلا عين القهر؟ تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ه. قال تعالى: { سبحانه } أي: تنزه بالذات عن اتخاذ الولد، تنزهه الخاص به، على أن { سبحان } مصدر، من: سبح: إذا بعد. { هو الله الواحد القهار }: استئناف مبين لتنزهه بحسب الصفات، إثر بيان تنزهه عنه بحسب الذات، فإن صفة الألوهية المستتبعة لسائر صفات الكمال، النافية لسمات النقصان، والوحدة الذاتية، الموجبة لامتناع المماثلة والمشاركة بينه تعالى وبين غيره على الإطلاق، مما يقتضي تنزهه تعالى عما قالوه، قضاء متيقنا، وكذا وصف القهارية لأن اتخاذ الولد شأن من يكون تحت ملكوت الغير، عرضة للفناء، ليقوم الولد مقامه عند فنائه، ومن هو مستحيل الفناء، قهار لكل الكائنات، كيف يتصور أن يتخذ من الأسماء الفانية من يقوم مقامه؟ قاله أبو السعود.
الإشارة: الحق سبحانه غيور، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره، كان على وجه الواسطة والتقريب، أو: على وجه الاستقلال. لذلك حرم السجود لغير الله، وأما الخضوع للأولياء، العارفين بالله، على غير وجه العبادة، فهو عين الخضوع لله لأن الله تعالى أمر بالخضوع للرسل، الدالين على الله، وهم ورثتهم في الدلالة، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود، وإنما يكون على وجه تقبيل القدم أو الأرض بين أيديهم، كما قال الشاعر:
يا من يلوم خمرة المحبه فخذوا عني هي حلال ومن يرد يسقي منها عبه خد يضع لأقدام الرجال رأسي حططت بكل شيبه هم الموالي سقوني زلال
وجعل القشيري مناط الرد على الكفرة حيث فعلوا ذلك، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، بغير إذن الله، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم. فرد الله عليهم. قال: وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب، بنشاط نفسه، من غير أن يقتضيه حكم الوقت، وما يعقد بينه وبين الله تعالى من عقود لا يفي بها، وكان ذلك اتباع هوى. قال الله تعالى:
فما رعوها حق رعايتها
[الحديد: 27]. قلت: ولأجل هذا وجب على من أراد الوصول إلى الله أن يتخذ شيخا عارفا بأحكام الوقت، ذا بصيرة بدسائس النفس، فيأمره في كل وقت، وفي كل زمان، بما يناسبه ليخرجه من هوى نفسه، وأسر طبعه، وإلا بقي في العنت والبعد عن الله، يعبد الله على حرف، كلما زاد عبادة وقربا في زعمه زاد بعدا من ربه، وهو لا يشعر، فالنفس إن لم تتصل بمن يرفع عنها الحجاب، كانت كدود القز، تنسج الحجاب على نفسها بنفسها، حتى تموت في وسطه. وفي ذلك يقول الششتري في نونيته رضي الله عنه:
ونحن كدود القز يحصرنا الذي صنعنا لدفع الحصر سجنا لنا منا
وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل توحيده تعالى، قال: { خلق السماوات والأرض بالحق }.
الزمر 39:5
يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات والأرض } أي: وما بينهما من الموجودات، ملتبسة { بالحق } مشتملة على الحكم والمصالح الدينية والدنيوية { يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل } ، التكوير: اللف واللي، يقال: كار العمامة على رأسه وكورها. والمعنى: أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، ويلفه لف اللباس باللابس، أو: يغيبه كما يغيب الملفوف باللفافة، أو: يجعله كارا عليه كرورا متتابعا، تتابع أكوار العمامة، وهذا بيان لكيفية تصرفه تعالى في السموات والأرض بعد بيان خلقهما، وعبر بالمضارع للدلالة على التجرد. { وسخر الشمس والقمر }: جعلهما منقادين لأمره. { كل يجري لأجل مسمى } ، وهو يوم القيامة، أو: كل منهما يجري لمنتهى دورته، { ألا هو العزيز } الغالب القادر على كل شيء، ومن جملتها: عقاب العصاة، { الغفار }: المبالغ في المغفرة، ولذلك لا يعاجل بالعقوبة، ولا يمنع ما في هذه الصنائع البديعة من آثار رحمته. وتصدير الجملة بحرف التنبيه، لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها. { خلقكم من نفس واحدة } ، لما ذكر ما يتعلق بالعالم العلوي، ذكر ما يتعلق بالعالم السفلي، وترك العاطف للإيذان باستقلاله في الدلالة على الوحدانية، وبدأ بالإنسان لأنه المقصود الأهم من هذا العالم، ولعراقته في الدلالة على توحيد الحق وباهر قدرته لما فيه من تعاجيب آثار القدرة، وأسرار الحكمة، وأصالته في المعرفة فإن الإنسان بحال نفسه أعرف، والمراد بالنفس: نفس آدم عليه السلام. { ثم جعل منها زوجها }: عطف على محذوف، صفة لنفس، أي: من نفس خلقها ثم جعل منها زوجها، أو: على معنى: واحدة، أي: نفس وجدت ثم جعل منها زوجها حواء، وعطفت بثم دلالة على مباينتها له فضلا ومزية، فهو من التراخي في الحال والمنزلة، مع التراخي في الزمان. وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر، ثم أخرج منه حواء، ففيه ثلاث آيات خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من قصيراه، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما. { وأنزل لكم من الأنعام } أي: قضى وجعل، أو: خلقها في الجنة مع آدم عليه السلام، ثم أنزلها، أو: أحدث لكم بأسباب نازلة من السماء، كالأمطار، وأشعة الكواكب، كما تقول الفلاسفة. { ثمانية أزواج } ذكرا وأنثى، وهي: الإبل، والبقر، والضأن، والمعز. فالزوج اسم لواحد معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد، ووتر. { يخلقكم في بطون أمهاتكم }: استئناف لبيان كيفية خلقهم، وأطوارهم المختلفة، الدالة على القدرة القاهرة. وصيغة المضارع للدلالة على التجرد. { خلقا من بعد خلق }: مصدر مؤكد، أي: يخلقكم فيها خلقا كائنا من بعد خلق، أي: خلقا مدرجا، حيوانا سويا، من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغة مخلقة، من بعد مضغة غير مخلقة، من بعد علقة، من بعد نطفة، { في ظلمات ثلاث }: ظلم البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، أو: ظلمة الصلب، والبطن، والرحم.
{ ذلكم }: إشارة إلى الحق تعالى، باعتبار أفعاله المذكورة، وهو مبتدأ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في العظمة والكبرياء، أي: ذلكم العظيم الشأن، الذي عددت أفعاله هو { الله ربكم } أي: مربيكم بنعمة الإيجاد على الأطوار المتقدمة، وبنعمة الإمداد بعد نفخ الروح فيه. { له الملك }: التصرف التام على الإطلاق في الدارين. { لا إله إلا هو }: لا متصرف غيره. { فأنى تصرفون }: فكيف تصرفون عن عادته تعالى، مع وفور دواعيها، وانتفاء الصارف عنها بالكلية، إلى عبادة غيره، من غير داع إليها، مع كثرة الصوارف عنها؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: خلق سماوات الأرواح، وأرض النفوس، بالحق، أي: لسبب معرفته، وعبادته، فالمعرفة للأرواح، والعبادة للنفوس، يكور نهار البسط على ليل القبض، وبالعكس، وسخر شمس العيان، وقمر البرهان، كل يجري إلى أجل مسمى، إلا أن قمر البرهان ينتهي بطلوع شمس العيان، وشمس العيان لا انتهاء لها. { لا إله إلا هو العزيز } فيمنع بعزته من الوصول إليه من أراد احتجابه، { الغفار } فيغطي بفضله مساوىء من أراد وصلته. { خلقكم من نفس واحدة } من روح واحدة، هي الروح الأعظم، ثم تفرعت منها الأشياء كلها. وأنزل لكم من الأنعام ما تتصرفون فيه، وتتقربون به إلى ربكم، ثم ذكرهم بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، بقوله: { يخلقكم في بطون أمهاتكم... } إلخ، فنعمة الإيجاد ظاهرة، ونعمة الإمداد: ما يتغذى به الجنين في بطن أمه من دم الحيض. ثم أمرهم بالشكر عليها، فقال: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم }.
الزمر 39:6
يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات والأرض } أي: وما بينهما من الموجودات، ملتبسة { بالحق } مشتملة على الحكم والمصالح الدينية والدنيوية { يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل } ، التكوير: اللف واللي، يقال: كار العمامة على رأسه وكورها. والمعنى: أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، ويلفه لف اللباس باللابس، أو: يغيبه كما يغيب الملفوف باللفافة، أو: يجعله كارا عليه كرورا متتابعا، تتابع أكوار العمامة، وهذا بيان لكيفية تصرفه تعالى في السموات والأرض بعد بيان خلقهما، وعبر بالمضارع للدلالة على التجرد. { وسخر الشمس والقمر }: جعلهما منقادين لأمره. { كل يجري لأجل مسمى } ، وهو يوم القيامة، أو: كل منهما يجري لمنتهى دورته، { ألا هو العزيز } الغالب القادر على كل شيء، ومن جملتها: عقاب العصاة، { الغفار }: المبالغ في المغفرة، ولذلك لا يعاجل بالعقوبة، ولا يمنع ما في هذه الصنائع البديعة من آثار رحمته. وتصدير الجملة بحرف التنبيه، لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها. { خلقكم من نفس واحدة } ، لما ذكر ما يتعلق بالعالم العلوي، ذكر ما يتعلق بالعالم السفلي، وترك العاطف للإيذان باستقلاله في الدلالة على الوحدانية، وبدأ بالإنسان لأنه المقصود الأهم من هذا العالم، ولعراقته في الدلالة على توحيد الحق وباهر قدرته لما فيه من تعاجيب آثار القدرة، وأسرار الحكمة، وأصالته في المعرفة فإن الإنسان بحال نفسه أعرف، والمراد بالنفس: نفس آدم عليه السلام. { ثم جعل منها زوجها }: عطف على محذوف، صفة لنفس، أي: من نفس خلقها ثم جعل منها زوجها، أو: على معنى: واحدة، أي: نفس وجدت ثم جعل منها زوجها حواء، وعطفت بثم دلالة على مباينتها له فضلا ومزية، فهو من التراخي في الحال والمنزلة، مع التراخي في الزمان. وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر، ثم أخرج منه حواء، ففيه ثلاث آيات خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من قصيراه، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما. { وأنزل لكم من الأنعام } أي: قضى وجعل، أو: خلقها في الجنة مع آدم عليه السلام، ثم أنزلها، أو: أحدث لكم بأسباب نازلة من السماء، كالأمطار، وأشعة الكواكب، كما تقول الفلاسفة. { ثمانية أزواج } ذكرا وأنثى، وهي: الإبل، والبقر، والضأن، والمعز. فالزوج اسم لواحد معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد، ووتر. { يخلقكم في بطون أمهاتكم }: استئناف لبيان كيفية خلقهم، وأطوارهم المختلفة، الدالة على القدرة القاهرة. وصيغة المضارع للدلالة على التجرد. { خلقا من بعد خلق }: مصدر مؤكد، أي: يخلقكم فيها خلقا كائنا من بعد خلق، أي: خلقا مدرجا، حيوانا سويا، من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغة مخلقة، من بعد مضغة غير مخلقة، من بعد علقة، من بعد نطفة، { في ظلمات ثلاث }: ظلم البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، أو: ظلمة الصلب، والبطن، والرحم.
{ ذلكم }: إشارة إلى الحق تعالى، باعتبار أفعاله المذكورة، وهو مبتدأ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في العظمة والكبرياء، أي: ذلكم العظيم الشأن، الذي عددت أفعاله هو { الله ربكم } أي: مربيكم بنعمة الإيجاد على الأطوار المتقدمة، وبنعمة الإمداد بعد نفخ الروح فيه. { له الملك }: التصرف التام على الإطلاق في الدارين. { لا إله إلا هو }: لا متصرف غيره. { فأنى تصرفون }: فكيف تصرفون عن عادته تعالى، مع وفور دواعيها، وانتفاء الصارف عنها بالكلية، إلى عبادة غيره، من غير داع إليها، مع كثرة الصوارف عنها؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: خلق سماوات الأرواح، وأرض النفوس، بالحق، أي: لسبب معرفته، وعبادته، فالمعرفة للأرواح، والعبادة للنفوس، يكور نهار البسط على ليل القبض، وبالعكس، وسخر شمس العيان، وقمر البرهان، كل يجري إلى أجل مسمى، إلا أن قمر البرهان ينتهي بطلوع شمس العيان، وشمس العيان لا انتهاء لها. { لا إله إلا هو العزيز } فيمنع بعزته من الوصول إليه من أراد احتجابه، { الغفار } فيغطي بفضله مساوىء من أراد وصلته. { خلقكم من نفس واحدة } من روح واحدة، هي الروح الأعظم، ثم تفرعت منها الأشياء كلها. وأنزل لكم من الأنعام ما تتصرفون فيه، وتتقربون به إلى ربكم، ثم ذكرهم بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، بقوله: { يخلقكم في بطون أمهاتكم... } إلخ، فنعمة الإيجاد ظاهرة، ونعمة الإمداد: ما يتغذى به الجنين في بطن أمه من دم الحيض. ثم أمرهم بالشكر عليها، فقال: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم }.
الزمر 39:7
يقول الحق جل جلاله: { إن تكفروا } به تعالى، بعد مشاهدة هذه النعم الجسيمة، وشؤونه العظيمة، الموجبة للإيمان والشكر، { فإن الله غني عنكم } أي: فاعلموا أنه تعالى غني عن إيمانكم وشكركم، { ولا يرضى لعباده الكفر } لأن الكفر ليس برضا الله، وإن كان بإرادته، وعدم رضاه تعالى بالكفر لأجل منفعتهم، ودفع مضرتهم، رحمة بهم، لا لتضرره تعالى به. { وإن تشكروا } وتؤمنوا { يرضه لكم } أي: يرضى الشكر لأجلكم ومنفعتكم لأنه سبب الفوز بسعادة الدارين. وإنما قال: { لعباده } ولم يقل " لكم " ، لتعميم الحكم، وتعليله بكونهم عباده تعالى، والحاصل: أن وقوع الطاعة والإيمان هو بقدرته تعالى، وإرادته ورضاه، وأما الكفر والمعاصي فهو بقضائه وإرادته، ولم يرضها من عبده شرعا، وإن رضيها تكوينا لتقوم الحجة على العبد، ويظهر صورة العدل، ولا يظلم ربك أحدا، وإن كان الكل منه وإليه. { ولا تزر وازرة وزر أخرى }: بيان لعدم سريان كفر الكافر إلى غيره، أي: ولا تحمل نفس حاملة لوزرها حمل نفس أخرى، { ثم إلى ربكم مرجعكم } بالبعث بعد الموت، { فينبئكم } يخبركم { بما كنتم تعملون } في الدنيا من الإيمان والكفر، فيجازيكم بها ثوابا وعقابا. { إنه عليم بذات الصدور }: أي بمضمرات القلوب، فكيف بالأعمال الظاهرة، وهو تعليل ل " ينبئكم ". الإشارة: قد تقدم الكلام على الشكر في سورة سبأ قال القشيري: قوله تعالى: { وإن تشكروا يرضه لكم } إن أطعتني شكرتك، وإن ذكرتني ذكرتك، وإن خطوت لأجلي خطوة ملأت السموات والأرض من شكرك، وأنشدوا:
لو علمنا أن الزيارة حق لفرشنا الخدود أرضا لترضى
ثم بين حال من يشكر، فقال: { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه }.
الزمر 39:8
يقول الحق جل جلاله: { وإذا مس الإنسان } أي: جنس الإنسان { ضر } من مرض وغيره { دعا ربه منيبا } إليه راجعا إليه مما كان يدعوه في حالة الرخاء لعلمه بأنه بمعزل عن القدرة على كشف ضره، وهذا وصف للجنس ببعض أفراده، كقوله تعالى:
إن الإنسان لظلوم كفار
[إبراهيم: 34] وقيل: المراد أبو جهل، أو: كل كافر. { ثم إذا خوله نعمة منه } أي: أعطاه نعمة عظيمة من جنابه، من التخول، وهو التعهد، يقال: فلان خائل مال، إذا كان متعهدا إليه حسن القيام به. وفي الصحاح: خوله الله الشيء: ملكه إياه. وفي القاموس: وخوله الله المال: أعطاه إياه. قال ابن عطية: خوله، أي: ملكه، وحكمه فيها ابتداء من الله، لا مجازاة، ولا يقال في الجزاء: خول. ه. أو: من الخول، وهو الافتخار، أي: جعله يخول، أي: يختال ويفتخر بنعمه. { نسي ما كان يدعو إليه من قبل } أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله تعالى كشفه من قبل التخويل، أو: نسي ربه الذي كان يدعو ويتضرع إليه، على أن { ما } بمعنى { من } ، كقوله تعالى:
وما خلق الذكر والأنثى
[الليل: 3]، أو: إيذانا بأن نسيانه بلغ به إلى حيث لا يعرف ما يدعوه، وهو كقوله تعالى:
عمآ أرضعت
[الحج: 2]. { وجعل لله أندادا }: شركاء في العبادة { ليضل } بذلك { عن سبيله } الذي هو التوحيد، أي: ليضل غيره، أو: ليزاد ضلالا، أو: يثبت عليه، على القراءتين، وإلا فأصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور. واللام للعاقبة، كما في قوله:
فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا
[القصص: 8] غير أن هذا أقرب للحقيقة لأن الجاعل هنا قاصد بجعله المذكور حقيقة الإضلال والضلال، وإن لم يعرف لجهله أنهما إضلال وضلال، وأما آل فرعون فهم غير قاصدين بالتقاطهم العداوة أصلا. قاله أبو السعود. { قل تمتع بكفرك قليلا } أي: تمتعا قليلا، أو: زمانا قليلا في الدنيا، وهو تهديد لذلك الضال المضل، وبيان لحاله ومآله. { إنك من أصحاب النار } أي: من ملازميها، والمعذبين فيها على الدوام، وهو تعليل لقلة التمتع. وفيه من الإقناط من النجاة ما لا يخفى، كأنه قيل: إذا أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة، فمن حقك أن تؤمر بتركه لتذوق عقوبته. الإشارة: الصفة الممدوحة في الإنسان: أن يكون إذا مسه الضر التجأ إلى سيده، مع الرضا والتسليم، فإذا كشف عنه شكر الله وحمده، ودام على شكره، ونسب التأثير إلى الأسباب والعلل، وهو صريح الآية. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال من شكر، فقال: { أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا }.
الزمر 39:9
يقول الحق جل جلاله: { أمن هو قانت } أي: مطيع، قائم بواجب الطاعات، دائم على أداء وظائف العبادات، { آناء الليل } أي: في ساعات الليل، حالتي السراء والضراء، كمن ليس كذلك، بل إنما يفزع إلى الله في الضراء فقط، فإذا كشف عنه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، وحذفه لدلالة ما قبله عليه. ومن قرأ بالتشديد، ف " أم " إما متصلة، حذف مقابلها، أي: أنت خير حالا ومآلا أم من هو قائم بوظائف العبادات، أو: منقطعة، والإضراب للانتقال من التهديد إلى التبكيت بالجواب الملجىء إلى الاعتراف بما بينهما، كأنه قيل: أم من هو قانت أفضل، أم من هو كافر مثلك؟ حال كون القانت { ساجدا وقائما } أي: جامعا بين الوصفين المحمودين. وتقديم السجود على القيام لكونه أدخل في معنى العبادة. { يحذر الآخرة } أي: عذاب الآخرة، حال أخرى، أو: استئناف، جواب عما نشأ من حكاية حاله من القنوت والسجود، كأنه قيل: فما باله يفعل ذلك؟ فقيل: يحذر الآخرة، { ويرجو رحمة ربه } أي: الجنة، فينجو بذلك مما يحذره، ويفوز بما يرجوه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية، المنبئة عن التبليغ إلى الكمال، مع الإضافة إلى ضمير الراجي. ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمته، لا عمله، ويحذر عقابه لتقصيره في عمله، ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمنا. والخوف إذا جاوز حده يكون إياسا، وقد قال تعالى:
فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون
[الأعراف:99]، و
لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون
[يوسف: 87] فيجب ألا يجاوز أحدهما حده بل يكون كالطائر بين جناحيه، إلا في حالة المرض، فيغلب الرجاء، ليحسن ظنه بالله. ومذهب محققي الصوفية: تغليب الرجاء مطلقا، لهم ولعباد الله لغلبة حسن ظنهم بربهم. والآية، قيل: نزلت في عثمان رضي الله عنه كان يحيي الليل، وقيل: في عمار وأبي حذيفة، وهي عامة لمن سواهم. { قل هل يستوي الذين يعلمون } حقائق الأحوال، فيعملون بموجب علمهم، كالقانت المذكور، { والذين لا يعلمون } شيئا فيعملون بمقتضى جهلهم، كدأب الكافر المتقدم. والاستفهام للتنبيه على أن كون الأولين في أعلى معارج الخير، وكون الآخرين في أقصى مدارج الشر من الظهور، بحيث لا يكاد يخفى على أحد. قال النسفي: أي: يعلمون ويعملون به، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون أي: يدخرون العلوم، ثم لا يقنتون، ويتفننون فيها، ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة، حيث جعل القانتين هم العلماء. أو: يريد به التشبيه، أي: كما لا يستوي العالم والجاهل، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. ه. الإشارة: القنوت هو القيام بآداب الخدمة، ظاهرا وباطنا، من غير فتور ولا تقصير، قاله القشيري.
وهو على قسمين، قنوت العارفين، وهي عبادة القلوب، كالفكرة والنظرة، ساعة منها أفضل من عبادة سبعين سنة، وثمرتها: التمكن من شهود الذات الأقدس، عاجلا وآجلا، وقنوت الصالحين، وهي عبادة الجوارح، كالركوع والسجود والتلاوة، وغيرها من أعمال الجوارح، وثمرتها نعيم الجنان بالحور والولدان، مع الرضا والرضوان، ورؤية وجه الرحمن. روي عن قبيصة بن سفيان، قال: رأيت سفيان الثوري في المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فأنشأ يقول:
نظرت إلى ربي عيانا فقال لي هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد لقد كنت قواما إذا الليل قد دجا بعبرة محزون وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر تريده وزرني فإني منك غير بعيد
وكان شعبة ومسعر رجلين صالحين، وكانا من ثقة المحدثين، فماتا، قال أبو أحمد اليزيدي: فرأيتهما في المنام، وكنت إلى شعبة أميل مني إلى مسعر، فقلت لشعبة: يا أبا بسطام ما فعل الله بك؟ فقال: يا بني احفظ ما أقول لك:
حباني إلهي في الجنان بقبة لها ألف باب من لجين وجوهرا وقال لي الجبار: يا شعبة الذي تبحر في جمع العلوم وأكثرا تمتع بقربي، إنني عنك ذو رضا وعن عبدي القوام في الليل مسعرا كفى مسعرا عزا بأن سيزورني وأكشف عن وجهي ويدنو لينظرا وهذا فعالي بالذين تنسكوا ولم يألفوا في سالف الدهر منكرا
وقوله تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } أي: لا يستوي العالم بالله مع الجاهل به، العالم يعبده على العيان، والجاهل به في مقام الاستدلال والبرهان. العالم بالله يستدل بالله على غيره، والجاهل به يستدل بالأشياء على الله، وشتان بين من يستدل به أو يستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله، وأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، كما في الحكم. العالم بالله من السابقين المقربين، والجاهل به من عامة أهل اليمين، ولو تبحر في العلوم الرسمية غاية التبحر. قال الورتجبي: وصف تعالى أحوال أهل الوجود والكشوفات، المستأنسين به، وبلذائذ خطابه ومناجاته، وتحملوا من لطائف خطابه مكنون أسرار غيبه، من العلوم الغريبة، والأنباء العجيبة، لذلك وصفهم بالعلم الإلهي، الذي استفادوا من قربه ووصاله، وكشف جماله بقوله: { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } كيف يستوي الشاهد والغائب، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟. ه. قال القشيري: العلم المخلوق على ضربين: علم مجلوب بكسب العبد، وموهوب من قبل الرب.. انظر تمامه. ثم أمر بالتقوى التي هي أصل القنوت، فقال: { قل يعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم }.
الزمر 39:10
قلت: { في هذه }: متعلق بأحسنوا، أو: بحسنة، على أنه بيان لمكانها، أو: حال من ضميرها في الظرف. يقول الحق جل جلاله: { قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم } بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحثهم على التقوى ويذكرهم بها، بعد تخصيص التذكير بأولي الألباب، إيذانا بأن أولي الألباب هم أهل التقوى، وفي إضافتهم إلى ضمير الجلالة بقوله: { يا عبادي } تشريف لهم، ومزيد اعتناء بشأن المأمور به، وهو التقوى. ثم حرض على الامتثال بقوله: { للذين أحسنوا } أي: اتقوا الله وأطاعوه { في هذه الدنيا } الفانية، التي هي مزرعة الآخرة. { حسنة } أي: حسنة عظيمة، لا يكتنه كنهها، وهي الجنة ونعيمها، أو: للذين أحسنوا بالطاعة والإخلاص حسنة معجلة في الدنيا، وهي الصحة والعافية، والحياة الطيبة، أو: للذين أحسنوا، أي: حصلوا مقام الإحسان الذي عبر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله:
" أن تعبد الله كأنك تراه "
حسنة كبيرة، وهي لذة الشهود، والأنس بالملك الودود في الدارين. ولما كان هذا المقام لا يتأتى تحصيله إلا في بعض البلاد الخالية من الشواغل والموانع، أمر بالهجرة من الأرض التي لا يتأتى فيها التفرغ، فقال: { وأرض الله واسعة } ، فمن تعسر عليه التفرغ للتقوى، والإحسان وعمل القلوب، في وطنه، فليهاجر إلى بلد يتمكن فيه ذلك، كما هي سنة الأنبياء والأولياء، فإنه لا عذر له في التفريط والبطالة أصلا. ولما كان الخروج من الوطن صعبا على النفوس، يحتاج إلى صبر كبير رغب في الصبر بقوله: { إنما يوفى الصابرون } على مفارقة الأوطان، وتحمل مشاق الطاعات، وتحقيق الإحسان، { أجرهم } في مقابلة ما كابدوه من الصبر، { بغير حساب } بحيث لا يحصى ولا يحصر بل يصب عليهم الأجر صبا، فلهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وعن ابن عباس رضي الله عنه: لا يهدي إليه حساب الحساب، ولا يعرف، وفي الحديث:
" أنه ينصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصيام والحج، فيوفون بها أجورهم، ولا تنصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صبا، حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض، مما يذهب به أهل البلاء من الفضل "
وكل ما يشق على النفس ويتعبها فهو بلاء، والله تعالى أعلم. الإشارة: بالتقوى الكاملة يصير العبد من أولي الألباب، فبقدر ما تعظم التقوى يعظم إشراق النور في القلب، ويتصفى من الرذائل، وقد تقدم الكلام عليها مستوفيا عند قوله تعالى:
ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله
[النساء: 100] فمن أحسن في تقواه أحسن الله عاقبته ومثواه، وحفظه في دنياه وأخراه. فمن تعذرت عليه التقوى في وطنه، فليهاجر منه إلى غيره، والهجرة سنة نبوية، وليتجرع الصبر على مفارقة الأوطان، ومهاجرة العشائر والإخوان، لينخرط في سلك أهل الإحسان، قال تعالى:
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه
[التوبة: 100] الآية. قال القشيري: الصبر: حبس النفس على ما تكره، ويقال: تجرع كاسات التقدير، من غير استكراه ولا تعبيس، ويقال: التهدف لسهام البلاء. ه. ثم أمر بالإخلاص، الذي هو شرط في الجميع، فقال: { قل إني أمرت أن أعبد الله }.
الزمر 39:11
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إني أمرت أن أعبد الله } حال كوني { مخلصا له الدين } من كل ما ينافيه من الشرك والرياء، وما أمر به صلى الله عليه وسلم يؤمر به أمته بل هم المقصودون. ثم قال: { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } أي: وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة لأن إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه، فالإسلام الحقيقي هو المنعوت بالإخلاص، والتقدير: أمرت بالعبادة والإخلاص فيها، وأمرت بذلك لأن أكون أول المخلصين. أو: تكون اللام زائدة، وهو أظهر، كقوله تعالى:
قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم
[الأنعام: 14] أي: من قومي، أو: من أهل زماني، أو: أكون أول من دعا غيره إلى ما دعا إليه نفسه، وهو الإسلام، وحاصله: أمرت بإخلاص الدين، وأمرت أن أكون من السابقين في ذلك زمانا ورتبة لأنه داع إلى الإسلام، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليا به، كما هي سنة الأنبياء والأولياء، لا الملوك والمتجبرين. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك { عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة. وصف بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال. { قل الله أعبد } لا غيره، لا استقلالا ولا اشتراكا. وليس بتكرار لأن الأول إخبار عن كونه مأمورا بالإخلاص في الدين، وبالسبق إليه، وهذا إخبار بأنه امتثل الأمر، وفعل ما أمر به. وقدم المفعول لأنه جواب لقول الكفرة: أعبد ما نعبد، لنعبد ما تعبد، فهو كقوله:
لكم دينكم ولى دين
[الكافرون: 6] أي: لا أعبد إلا الله { مخلصا له ديني } من كل ما يشوبه من العلل، فأمر صلى الله عليه وسلم أولا ببيان كونه مأمورا بعبادة الله وإخلاص الدين له، ثم بالإخبار بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ثم بالإخبار بامتثاله لما أمر به على أبلغ وجه إظهارا لتصلبه في الدين، وحسما لمادة أطماعهم الفارغة، وتمهيدا لتهديدهم بقوله: { فاعبدوا ما شئتم } أن تعبدوه { من دونه } تعالى. وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به، كي يحيق بهم العذاب. { قل إن الخاسرين } الكاملين في الخسران، الذي هو عبارة عن: إضاعة ما يهمه، وإتلاف ما لا بد منه، هم { الذين خسروا أنفسهم } بتعريضها للعطب، { وأهليهم } بتعريضهم للتفرق عنهم، فرقا لا جمع بعده إما في عذاب الأبد، إن ماتوا على الكفر معهم، أو: في الجنة، إن آمنوا، فلا يرونهم أبدا. وقيل: خسروا أهلهم لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم أهل في الجنة، أو: خسروا أهلهم الذين كانوا يتمتعون بهم، لو آمنوا. { ألا ذلك هو الخسران المبين } الذي لا خسران أظهر منه.
وتصدير الجملة بحرف التنبيه، والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في الشر. وتوسيط ضمير الفصل، وتعريف الخسران، ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته، وأنه لا خسران وراءه، ما لا يخفى. { لهم من فوقهم ظلل من النار } أي: لهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض، كائنة من النار، { ومن تحتهم } أيضا { ظلل } أي: أطباق كثيرة، بعضها تحت بعض، هي ظلل لآخرين. { ذلك } العذاب الفظيع هو الذي { يخوف الله به عباده } ويحذرهم إياه ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. { يا عباد فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. وهذه موعظة من الله بالغة، منطوية على غاية اللطف والرحمة، جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه. الإشارة: الإخلاص سر بين الله وبين عبده، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، وهو الغيبة عما سوى الله، فلا يرى في الدارين إلا الله، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه. والإسلام هو: الانقياد بالجوارح في الظاهر للأحكام التكليفية، والاستسلام في الباطن للأحكام القهرية التعريفية، فالإسلام صورة، والاستسلام روحها، فالإسلام بلا استسلام جسد بلا روح. وقوله تعالى: { فاعبدوا ما شئتم } هو تهديد لمن عبد نفسه وهواه، وهو الخسران المبين. ويقال: الخاسر: من خسر أيام عمره بالبطالة والتقصير، وخسر آخرته بعدم التأهب والتشمير، وخسر مولاه بعدم الوصول إلى مشاهدة حضرة العلي الكبير، وهي حضرة الذات، فمن خسر هذا الخسران، فقد أحاطت به نار القطيعة والحجاب من كل مكان. { ذلك يخوف الله به عباده } قال القشيري: إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم، وإلا فبين يديك عقبة كؤود. ثم ذكر ضد أهل الخسران، فقال: { والذين اجتنبوا الطاغوت }.
الزمر 39:12
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إني أمرت أن أعبد الله } حال كوني { مخلصا له الدين } من كل ما ينافيه من الشرك والرياء، وما أمر به صلى الله عليه وسلم يؤمر به أمته بل هم المقصودون. ثم قال: { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } أي: وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة لأن إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه، فالإسلام الحقيقي هو المنعوت بالإخلاص، والتقدير: أمرت بالعبادة والإخلاص فيها، وأمرت بذلك لأن أكون أول المخلصين. أو: تكون اللام زائدة، وهو أظهر، كقوله تعالى:
قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم
[الأنعام: 14] أي: من قومي، أو: من أهل زماني، أو: أكون أول من دعا غيره إلى ما دعا إليه نفسه، وهو الإسلام، وحاصله: أمرت بإخلاص الدين، وأمرت أن أكون من السابقين في ذلك زمانا ورتبة لأنه داع إلى الإسلام، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليا به، كما هي سنة الأنبياء والأولياء، لا الملوك والمتجبرين. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك { عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة. وصف بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال. { قل الله أعبد } لا غيره، لا استقلالا ولا اشتراكا. وليس بتكرار لأن الأول إخبار عن كونه مأمورا بالإخلاص في الدين، وبالسبق إليه، وهذا إخبار بأنه امتثل الأمر، وفعل ما أمر به. وقدم المفعول لأنه جواب لقول الكفرة: أعبد ما نعبد، لنعبد ما تعبد، فهو كقوله:
لكم دينكم ولى دين
[الكافرون: 6] أي: لا أعبد إلا الله { مخلصا له ديني } من كل ما يشوبه من العلل، فأمر صلى الله عليه وسلم أولا ببيان كونه مأمورا بعبادة الله وإخلاص الدين له، ثم بالإخبار بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ثم بالإخبار بامتثاله لما أمر به على أبلغ وجه إظهارا لتصلبه في الدين، وحسما لمادة أطماعهم الفارغة، وتمهيدا لتهديدهم بقوله: { فاعبدوا ما شئتم } أن تعبدوه { من دونه } تعالى. وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به، كي يحيق بهم العذاب. { قل إن الخاسرين } الكاملين في الخسران، الذي هو عبارة عن: إضاعة ما يهمه، وإتلاف ما لا بد منه، هم { الذين خسروا أنفسهم } بتعريضها للعطب، { وأهليهم } بتعريضهم للتفرق عنهم، فرقا لا جمع بعده إما في عذاب الأبد، إن ماتوا على الكفر معهم، أو: في الجنة، إن آمنوا، فلا يرونهم أبدا. وقيل: خسروا أهلهم لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم أهل في الجنة، أو: خسروا أهلهم الذين كانوا يتمتعون بهم، لو آمنوا. { ألا ذلك هو الخسران المبين } الذي لا خسران أظهر منه.
وتصدير الجملة بحرف التنبيه، والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في الشر. وتوسيط ضمير الفصل، وتعريف الخسران، ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته، وأنه لا خسران وراءه، ما لا يخفى. { لهم من فوقهم ظلل من النار } أي: لهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض، كائنة من النار، { ومن تحتهم } أيضا { ظلل } أي: أطباق كثيرة، بعضها تحت بعض، هي ظلل لآخرين. { ذلك } العذاب الفظيع هو الذي { يخوف الله به عباده } ويحذرهم إياه ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. { يا عباد فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. وهذه موعظة من الله بالغة، منطوية على غاية اللطف والرحمة، جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه. الإشارة: الإخلاص سر بين الله وبين عبده، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، وهو الغيبة عما سوى الله، فلا يرى في الدارين إلا الله، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه. والإسلام هو: الانقياد بالجوارح في الظاهر للأحكام التكليفية، والاستسلام في الباطن للأحكام القهرية التعريفية، فالإسلام صورة، والاستسلام روحها، فالإسلام بلا استسلام جسد بلا روح. وقوله تعالى: { فاعبدوا ما شئتم } هو تهديد لمن عبد نفسه وهواه، وهو الخسران المبين. ويقال: الخاسر: من خسر أيام عمره بالبطالة والتقصير، وخسر آخرته بعدم التأهب والتشمير، وخسر مولاه بعدم الوصول إلى مشاهدة حضرة العلي الكبير، وهي حضرة الذات، فمن خسر هذا الخسران، فقد أحاطت به نار القطيعة والحجاب من كل مكان. { ذلك يخوف الله به عباده } قال القشيري: إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم، وإلا فبين يديك عقبة كؤود. ثم ذكر ضد أهل الخسران، فقال: { والذين اجتنبوا الطاغوت }.
الزمر 39:13
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إني أمرت أن أعبد الله } حال كوني { مخلصا له الدين } من كل ما ينافيه من الشرك والرياء، وما أمر به صلى الله عليه وسلم يؤمر به أمته بل هم المقصودون. ثم قال: { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } أي: وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة لأن إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه، فالإسلام الحقيقي هو المنعوت بالإخلاص، والتقدير: أمرت بالعبادة والإخلاص فيها، وأمرت بذلك لأن أكون أول المخلصين. أو: تكون اللام زائدة، وهو أظهر، كقوله تعالى:
قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم
[الأنعام: 14] أي: من قومي، أو: من أهل زماني، أو: أكون أول من دعا غيره إلى ما دعا إليه نفسه، وهو الإسلام، وحاصله: أمرت بإخلاص الدين، وأمرت أن أكون من السابقين في ذلك زمانا ورتبة لأنه داع إلى الإسلام، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليا به، كما هي سنة الأنبياء والأولياء، لا الملوك والمتجبرين. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك { عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة. وصف بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال. { قل الله أعبد } لا غيره، لا استقلالا ولا اشتراكا. وليس بتكرار لأن الأول إخبار عن كونه مأمورا بالإخلاص في الدين، وبالسبق إليه، وهذا إخبار بأنه امتثل الأمر، وفعل ما أمر به. وقدم المفعول لأنه جواب لقول الكفرة: أعبد ما نعبد، لنعبد ما تعبد، فهو كقوله:
لكم دينكم ولى دين
[الكافرون: 6] أي: لا أعبد إلا الله { مخلصا له ديني } من كل ما يشوبه من العلل، فأمر صلى الله عليه وسلم أولا ببيان كونه مأمورا بعبادة الله وإخلاص الدين له، ثم بالإخبار بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ثم بالإخبار بامتثاله لما أمر به على أبلغ وجه إظهارا لتصلبه في الدين، وحسما لمادة أطماعهم الفارغة، وتمهيدا لتهديدهم بقوله: { فاعبدوا ما شئتم } أن تعبدوه { من دونه } تعالى. وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به، كي يحيق بهم العذاب. { قل إن الخاسرين } الكاملين في الخسران، الذي هو عبارة عن: إضاعة ما يهمه، وإتلاف ما لا بد منه، هم { الذين خسروا أنفسهم } بتعريضها للعطب، { وأهليهم } بتعريضهم للتفرق عنهم، فرقا لا جمع بعده إما في عذاب الأبد، إن ماتوا على الكفر معهم، أو: في الجنة، إن آمنوا، فلا يرونهم أبدا. وقيل: خسروا أهلهم لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم أهل في الجنة، أو: خسروا أهلهم الذين كانوا يتمتعون بهم، لو آمنوا. { ألا ذلك هو الخسران المبين } الذي لا خسران أظهر منه.
وتصدير الجملة بحرف التنبيه، والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في الشر. وتوسيط ضمير الفصل، وتعريف الخسران، ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته، وأنه لا خسران وراءه، ما لا يخفى. { لهم من فوقهم ظلل من النار } أي: لهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض، كائنة من النار، { ومن تحتهم } أيضا { ظلل } أي: أطباق كثيرة، بعضها تحت بعض، هي ظلل لآخرين. { ذلك } العذاب الفظيع هو الذي { يخوف الله به عباده } ويحذرهم إياه ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. { يا عباد فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. وهذه موعظة من الله بالغة، منطوية على غاية اللطف والرحمة، جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه. الإشارة: الإخلاص سر بين الله وبين عبده، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، وهو الغيبة عما سوى الله، فلا يرى في الدارين إلا الله، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه. والإسلام هو: الانقياد بالجوارح في الظاهر للأحكام التكليفية، والاستسلام في الباطن للأحكام القهرية التعريفية، فالإسلام صورة، والاستسلام روحها، فالإسلام بلا استسلام جسد بلا روح. وقوله تعالى: { فاعبدوا ما شئتم } هو تهديد لمن عبد نفسه وهواه، وهو الخسران المبين. ويقال: الخاسر: من خسر أيام عمره بالبطالة والتقصير، وخسر آخرته بعدم التأهب والتشمير، وخسر مولاه بعدم الوصول إلى مشاهدة حضرة العلي الكبير، وهي حضرة الذات، فمن خسر هذا الخسران، فقد أحاطت به نار القطيعة والحجاب من كل مكان. { ذلك يخوف الله به عباده } قال القشيري: إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم، وإلا فبين يديك عقبة كؤود. ثم ذكر ضد أهل الخسران، فقال: { والذين اجتنبوا الطاغوت }.
الزمر 39:14
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إني أمرت أن أعبد الله } حال كوني { مخلصا له الدين } من كل ما ينافيه من الشرك والرياء، وما أمر به صلى الله عليه وسلم يؤمر به أمته بل هم المقصودون. ثم قال: { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } أي: وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة لأن إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه، فالإسلام الحقيقي هو المنعوت بالإخلاص، والتقدير: أمرت بالعبادة والإخلاص فيها، وأمرت بذلك لأن أكون أول المخلصين. أو: تكون اللام زائدة، وهو أظهر، كقوله تعالى:
قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم
[الأنعام: 14] أي: من قومي، أو: من أهل زماني، أو: أكون أول من دعا غيره إلى ما دعا إليه نفسه، وهو الإسلام، وحاصله: أمرت بإخلاص الدين، وأمرت أن أكون من السابقين في ذلك زمانا ورتبة لأنه داع إلى الإسلام، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليا به، كما هي سنة الأنبياء والأولياء، لا الملوك والمتجبرين. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك { عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة. وصف بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال. { قل الله أعبد } لا غيره، لا استقلالا ولا اشتراكا. وليس بتكرار لأن الأول إخبار عن كونه مأمورا بالإخلاص في الدين، وبالسبق إليه، وهذا إخبار بأنه امتثل الأمر، وفعل ما أمر به. وقدم المفعول لأنه جواب لقول الكفرة: أعبد ما نعبد، لنعبد ما تعبد، فهو كقوله:
لكم دينكم ولى دين
[الكافرون: 6] أي: لا أعبد إلا الله { مخلصا له ديني } من كل ما يشوبه من العلل، فأمر صلى الله عليه وسلم أولا ببيان كونه مأمورا بعبادة الله وإخلاص الدين له، ثم بالإخبار بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ثم بالإخبار بامتثاله لما أمر به على أبلغ وجه إظهارا لتصلبه في الدين، وحسما لمادة أطماعهم الفارغة، وتمهيدا لتهديدهم بقوله: { فاعبدوا ما شئتم } أن تعبدوه { من دونه } تعالى. وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به، كي يحيق بهم العذاب. { قل إن الخاسرين } الكاملين في الخسران، الذي هو عبارة عن: إضاعة ما يهمه، وإتلاف ما لا بد منه، هم { الذين خسروا أنفسهم } بتعريضها للعطب، { وأهليهم } بتعريضهم للتفرق عنهم، فرقا لا جمع بعده إما في عذاب الأبد، إن ماتوا على الكفر معهم، أو: في الجنة، إن آمنوا، فلا يرونهم أبدا. وقيل: خسروا أهلهم لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم أهل في الجنة، أو: خسروا أهلهم الذين كانوا يتمتعون بهم، لو آمنوا. { ألا ذلك هو الخسران المبين } الذي لا خسران أظهر منه.
وتصدير الجملة بحرف التنبيه، والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في الشر. وتوسيط ضمير الفصل، وتعريف الخسران، ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته، وأنه لا خسران وراءه، ما لا يخفى. { لهم من فوقهم ظلل من النار } أي: لهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض، كائنة من النار، { ومن تحتهم } أيضا { ظلل } أي: أطباق كثيرة، بعضها تحت بعض، هي ظلل لآخرين. { ذلك } العذاب الفظيع هو الذي { يخوف الله به عباده } ويحذرهم إياه ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. { يا عباد فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. وهذه موعظة من الله بالغة، منطوية على غاية اللطف والرحمة، جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه. الإشارة: الإخلاص سر بين الله وبين عبده، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، وهو الغيبة عما سوى الله، فلا يرى في الدارين إلا الله، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه. والإسلام هو: الانقياد بالجوارح في الظاهر للأحكام التكليفية، والاستسلام في الباطن للأحكام القهرية التعريفية، فالإسلام صورة، والاستسلام روحها، فالإسلام بلا استسلام جسد بلا روح. وقوله تعالى: { فاعبدوا ما شئتم } هو تهديد لمن عبد نفسه وهواه، وهو الخسران المبين. ويقال: الخاسر: من خسر أيام عمره بالبطالة والتقصير، وخسر آخرته بعدم التأهب والتشمير، وخسر مولاه بعدم الوصول إلى مشاهدة حضرة العلي الكبير، وهي حضرة الذات، فمن خسر هذا الخسران، فقد أحاطت به نار القطيعة والحجاب من كل مكان. { ذلك يخوف الله به عباده } قال القشيري: إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم، وإلا فبين يديك عقبة كؤود. ثم ذكر ضد أهل الخسران، فقال: { والذين اجتنبوا الطاغوت }.
الزمر 39:15
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إني أمرت أن أعبد الله } حال كوني { مخلصا له الدين } من كل ما ينافيه من الشرك والرياء، وما أمر به صلى الله عليه وسلم يؤمر به أمته بل هم المقصودون. ثم قال: { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } أي: وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة لأن إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه، فالإسلام الحقيقي هو المنعوت بالإخلاص، والتقدير: أمرت بالعبادة والإخلاص فيها، وأمرت بذلك لأن أكون أول المخلصين. أو: تكون اللام زائدة، وهو أظهر، كقوله تعالى:
قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم
[الأنعام: 14] أي: من قومي، أو: من أهل زماني، أو: أكون أول من دعا غيره إلى ما دعا إليه نفسه، وهو الإسلام، وحاصله: أمرت بإخلاص الدين، وأمرت أن أكون من السابقين في ذلك زمانا ورتبة لأنه داع إلى الإسلام، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليا به، كما هي سنة الأنبياء والأولياء، لا الملوك والمتجبرين. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك { عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة. وصف بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال. { قل الله أعبد } لا غيره، لا استقلالا ولا اشتراكا. وليس بتكرار لأن الأول إخبار عن كونه مأمورا بالإخلاص في الدين، وبالسبق إليه، وهذا إخبار بأنه امتثل الأمر، وفعل ما أمر به. وقدم المفعول لأنه جواب لقول الكفرة: أعبد ما نعبد، لنعبد ما تعبد، فهو كقوله:
لكم دينكم ولى دين
[الكافرون: 6] أي: لا أعبد إلا الله { مخلصا له ديني } من كل ما يشوبه من العلل، فأمر صلى الله عليه وسلم أولا ببيان كونه مأمورا بعبادة الله وإخلاص الدين له، ثم بالإخبار بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ثم بالإخبار بامتثاله لما أمر به على أبلغ وجه إظهارا لتصلبه في الدين، وحسما لمادة أطماعهم الفارغة، وتمهيدا لتهديدهم بقوله: { فاعبدوا ما شئتم } أن تعبدوه { من دونه } تعالى. وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به، كي يحيق بهم العذاب. { قل إن الخاسرين } الكاملين في الخسران، الذي هو عبارة عن: إضاعة ما يهمه، وإتلاف ما لا بد منه، هم { الذين خسروا أنفسهم } بتعريضها للعطب، { وأهليهم } بتعريضهم للتفرق عنهم، فرقا لا جمع بعده إما في عذاب الأبد، إن ماتوا على الكفر معهم، أو: في الجنة، إن آمنوا، فلا يرونهم أبدا. وقيل: خسروا أهلهم لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم أهل في الجنة، أو: خسروا أهلهم الذين كانوا يتمتعون بهم، لو آمنوا. { ألا ذلك هو الخسران المبين } الذي لا خسران أظهر منه.
وتصدير الجملة بحرف التنبيه، والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في الشر. وتوسيط ضمير الفصل، وتعريف الخسران، ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته، وأنه لا خسران وراءه، ما لا يخفى. { لهم من فوقهم ظلل من النار } أي: لهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض، كائنة من النار، { ومن تحتهم } أيضا { ظلل } أي: أطباق كثيرة، بعضها تحت بعض، هي ظلل لآخرين. { ذلك } العذاب الفظيع هو الذي { يخوف الله به عباده } ويحذرهم إياه ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. { يا عباد فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. وهذه موعظة من الله بالغة، منطوية على غاية اللطف والرحمة، جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه. الإشارة: الإخلاص سر بين الله وبين عبده، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، وهو الغيبة عما سوى الله، فلا يرى في الدارين إلا الله، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه. والإسلام هو: الانقياد بالجوارح في الظاهر للأحكام التكليفية، والاستسلام في الباطن للأحكام القهرية التعريفية، فالإسلام صورة، والاستسلام روحها، فالإسلام بلا استسلام جسد بلا روح. وقوله تعالى: { فاعبدوا ما شئتم } هو تهديد لمن عبد نفسه وهواه، وهو الخسران المبين. ويقال: الخاسر: من خسر أيام عمره بالبطالة والتقصير، وخسر آخرته بعدم التأهب والتشمير، وخسر مولاه بعدم الوصول إلى مشاهدة حضرة العلي الكبير، وهي حضرة الذات، فمن خسر هذا الخسران، فقد أحاطت به نار القطيعة والحجاب من كل مكان. { ذلك يخوف الله به عباده } قال القشيري: إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم، وإلا فبين يديك عقبة كؤود. ثم ذكر ضد أهل الخسران، فقال: { والذين اجتنبوا الطاغوت }.
الزمر 39:16
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إني أمرت أن أعبد الله } حال كوني { مخلصا له الدين } من كل ما ينافيه من الشرك والرياء، وما أمر به صلى الله عليه وسلم يؤمر به أمته بل هم المقصودون. ثم قال: { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } أي: وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة لأن إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه، فالإسلام الحقيقي هو المنعوت بالإخلاص، والتقدير: أمرت بالعبادة والإخلاص فيها، وأمرت بذلك لأن أكون أول المخلصين. أو: تكون اللام زائدة، وهو أظهر، كقوله تعالى:
قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم
[الأنعام: 14] أي: من قومي، أو: من أهل زماني، أو: أكون أول من دعا غيره إلى ما دعا إليه نفسه، وهو الإسلام، وحاصله: أمرت بإخلاص الدين، وأمرت أن أكون من السابقين في ذلك زمانا ورتبة لأنه داع إلى الإسلام، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليا به، كما هي سنة الأنبياء والأولياء، لا الملوك والمتجبرين. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك { عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة. وصف بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال. { قل الله أعبد } لا غيره، لا استقلالا ولا اشتراكا. وليس بتكرار لأن الأول إخبار عن كونه مأمورا بالإخلاص في الدين، وبالسبق إليه، وهذا إخبار بأنه امتثل الأمر، وفعل ما أمر به. وقدم المفعول لأنه جواب لقول الكفرة: أعبد ما نعبد، لنعبد ما تعبد، فهو كقوله:
لكم دينكم ولى دين
[الكافرون: 6] أي: لا أعبد إلا الله { مخلصا له ديني } من كل ما يشوبه من العلل، فأمر صلى الله عليه وسلم أولا ببيان كونه مأمورا بعبادة الله وإخلاص الدين له، ثم بالإخبار بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ثم بالإخبار بامتثاله لما أمر به على أبلغ وجه إظهارا لتصلبه في الدين، وحسما لمادة أطماعهم الفارغة، وتمهيدا لتهديدهم بقوله: { فاعبدوا ما شئتم } أن تعبدوه { من دونه } تعالى. وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به، كي يحيق بهم العذاب. { قل إن الخاسرين } الكاملين في الخسران، الذي هو عبارة عن: إضاعة ما يهمه، وإتلاف ما لا بد منه، هم { الذين خسروا أنفسهم } بتعريضها للعطب، { وأهليهم } بتعريضهم للتفرق عنهم، فرقا لا جمع بعده إما في عذاب الأبد، إن ماتوا على الكفر معهم، أو: في الجنة، إن آمنوا، فلا يرونهم أبدا. وقيل: خسروا أهلهم لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم أهل في الجنة، أو: خسروا أهلهم الذين كانوا يتمتعون بهم، لو آمنوا. { ألا ذلك هو الخسران المبين } الذي لا خسران أظهر منه.
وتصدير الجملة بحرف التنبيه، والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في الشر. وتوسيط ضمير الفصل، وتعريف الخسران، ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته، وأنه لا خسران وراءه، ما لا يخفى. { لهم من فوقهم ظلل من النار } أي: لهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض، كائنة من النار، { ومن تحتهم } أيضا { ظلل } أي: أطباق كثيرة، بعضها تحت بعض، هي ظلل لآخرين. { ذلك } العذاب الفظيع هو الذي { يخوف الله به عباده } ويحذرهم إياه ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. { يا عباد فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. وهذه موعظة من الله بالغة، منطوية على غاية اللطف والرحمة، جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه. الإشارة: الإخلاص سر بين الله وبين عبده، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، وهو الغيبة عما سوى الله، فلا يرى في الدارين إلا الله، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه. والإسلام هو: الانقياد بالجوارح في الظاهر للأحكام التكليفية، والاستسلام في الباطن للأحكام القهرية التعريفية، فالإسلام صورة، والاستسلام روحها، فالإسلام بلا استسلام جسد بلا روح. وقوله تعالى: { فاعبدوا ما شئتم } هو تهديد لمن عبد نفسه وهواه، وهو الخسران المبين. ويقال: الخاسر: من خسر أيام عمره بالبطالة والتقصير، وخسر آخرته بعدم التأهب والتشمير، وخسر مولاه بعدم الوصول إلى مشاهدة حضرة العلي الكبير، وهي حضرة الذات، فمن خسر هذا الخسران، فقد أحاطت به نار القطيعة والحجاب من كل مكان. { ذلك يخوف الله به عباده } قال القشيري: إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم، وإلا فبين يديك عقبة كؤود. ثم ذكر ضد أهل الخسران، فقال: { والذين اجتنبوا الطاغوت }.
الزمر 39:17
قلت: { أن يعبدوها }: بدل اشتمال من " الطاغوت " ، والطاغوت: فعلوت، من الطغيان، بتقديم اللام على العين، وأصله: طغيوت، ثم طيغوت، ثم طاغوت. يقول الحق جل جلاله: { والذين اجتنبوا الطاغوت } أي: البالغ أقصى غاية الطغيان، وهو الشيطان { أن يعبدوها } أي: اجتنبوا عبادة الطاغوت، الذي هو الشيطان، أو: كل ما عبد من دون الله، وكل من عبد غير الله فإنما عبد الشيطان لأنه هو المزين لها، والحامل عليها. { وأنابوا إلى الله } أي: وأقبلوا إليه، معرضين عما سواه، إقبالا كليا، { لهم البشرى } بالنعيم المقيم، على ألسنة الرسل والملائكة، عند حضور الموت، وحين يحشرون، وبعد ذلك. { فبشر عباد الذين يستمعون القول } أي: ما نزل من الوحي { فيتبعون أحسنه } أرجحه وأكثره ثوابا، أو: أبينه، الذي هو ضد المتشابه. وهؤلاء هم الموصوفون باجتناب الطاغوت، والإنابة إلى ربهم، لكن وضع موضع ضميرهم الظاهر تشريفا لهم بالإضافة، ودلالة على أن مدار اتصافهم بالوصفين الجليلين كونهم نقادا في الدين، يميزون الحق من الباطل، ويؤثرون الأفضل. { أولئك } المنعوتون بتلك المحاسن الجميلة هم { الذين هداهم الله } لدينه، والإشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجليلة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبهم، وبعد منزلتهم في الفضل. { وأولئك هم أولوا الألباب } أي: هم أصحاب العقول الصافية، السليمة من معارضة الوهم ومنازعة الهوى، المستحقون للهداية، لا غيرهم. وفيه دليل على أن الهداية تحصل بفضل الله تعالى، لقوله: { هداهم الله } ، وقبول النفس لها لقوله: { هم أولوا الألباب }. الإشارة: مذهب الصوفية: الأخذ بالعزائم، والأرجح من كل شيء، عقدا، وقولا، وعملا، فأخذوا من العقائد مقام العيان، ولم يقنعوا بالدليل والبرهان، وأخذوا من الأقوال ألينها وأطيبها، ويجمع ذلك: حسن الخلق مع كل مخلوق، فآثروا العفو على القصاص، والصفح على العتاب، وغير ذلك من عزائم الشريعة على رخصها، ومن الأذكار: أرجحها وأجمعها، وهو الاسم المفرد، الذي هو سلطان الأسماء، ومن الأعمال: أعظمها وأرجحها، وهو عمل القلوب، الذي هو الذرة منه تعدل أمثال الجبال من أعمال الجوارح، كعبادة الفكرة والنظرة، وفي الحديث:
" تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "
، فأوقاتهم كلها ليلة القدر، وكالتخلق بمكارم الأخلاق، كالرضا، والتسليم، والحلم، والسخاء، والكرم، وغير ذلك من محاسن الخلل، الذي هو من عمل القلوب، فهم الذين تحققت فيهم البشارة بقوله: { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }. وقال الورتجبي بعد كلام: ويتبع الكلام الأزلي الذي هو الخطاب بالفهم العجيب، والعلم الغريب، والإدراك الصافي، وانفراد الحق عن المخلوق، في المحبة، والشوق، والمعرفة، والتوحيد، والإخلاص، والعبودية، والربوبية، والحرية، فهذا أفضل ورد بالبديهة، من حيث ظهور الأنباء العجيبة، والروح القدسية، والإلهامات الربانية.. انظر بقية كلامه. وقال القشيري: الاستماع يكون لكل شيء، والاتباع يكون للأحسن. ثم قال: من عرف الله لا يسمع إلا بالله. ه. { أولئك الذين هداهم الله } إلى صريح معرفته العيانية. { وأولئك هم أولوا الألباب } ، ولب الشيء: قلبه وخالصه، فقلوبهم خالصة لمولاهم، وأرواحهم متنعمة بشهود حبيبها، وأسرارهم متنزهة في رياض ملكوت سيدها. وبالله التوفيق. ثم ذكر ضدهم، فقال: { أفمن حق عليه كلمة العذاب }.
الزمر 39:18
قلت: { أن يعبدوها }: بدل اشتمال من " الطاغوت " ، والطاغوت: فعلوت، من الطغيان، بتقديم اللام على العين، وأصله: طغيوت، ثم طيغوت، ثم طاغوت. يقول الحق جل جلاله: { والذين اجتنبوا الطاغوت } أي: البالغ أقصى غاية الطغيان، وهو الشيطان { أن يعبدوها } أي: اجتنبوا عبادة الطاغوت، الذي هو الشيطان، أو: كل ما عبد من دون الله، وكل من عبد غير الله فإنما عبد الشيطان لأنه هو المزين لها، والحامل عليها. { وأنابوا إلى الله } أي: وأقبلوا إليه، معرضين عما سواه، إقبالا كليا، { لهم البشرى } بالنعيم المقيم، على ألسنة الرسل والملائكة، عند حضور الموت، وحين يحشرون، وبعد ذلك. { فبشر عباد الذين يستمعون القول } أي: ما نزل من الوحي { فيتبعون أحسنه } أرجحه وأكثره ثوابا، أو: أبينه، الذي هو ضد المتشابه. وهؤلاء هم الموصوفون باجتناب الطاغوت، والإنابة إلى ربهم، لكن وضع موضع ضميرهم الظاهر تشريفا لهم بالإضافة، ودلالة على أن مدار اتصافهم بالوصفين الجليلين كونهم نقادا في الدين، يميزون الحق من الباطل، ويؤثرون الأفضل. { أولئك } المنعوتون بتلك المحاسن الجميلة هم { الذين هداهم الله } لدينه، والإشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجليلة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبهم، وبعد منزلتهم في الفضل. { وأولئك هم أولوا الألباب } أي: هم أصحاب العقول الصافية، السليمة من معارضة الوهم ومنازعة الهوى، المستحقون للهداية، لا غيرهم. وفيه دليل على أن الهداية تحصل بفضل الله تعالى، لقوله: { هداهم الله } ، وقبول النفس لها لقوله: { هم أولوا الألباب }. الإشارة: مذهب الصوفية: الأخذ بالعزائم، والأرجح من كل شيء، عقدا، وقولا، وعملا، فأخذوا من العقائد مقام العيان، ولم يقنعوا بالدليل والبرهان، وأخذوا من الأقوال ألينها وأطيبها، ويجمع ذلك: حسن الخلق مع كل مخلوق، فآثروا العفو على القصاص، والصفح على العتاب، وغير ذلك من عزائم الشريعة على رخصها، ومن الأذكار: أرجحها وأجمعها، وهو الاسم المفرد، الذي هو سلطان الأسماء، ومن الأعمال: أعظمها وأرجحها، وهو عمل القلوب، الذي هو الذرة منه تعدل أمثال الجبال من أعمال الجوارح، كعبادة الفكرة والنظرة، وفي الحديث:
" تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "
، فأوقاتهم كلها ليلة القدر، وكالتخلق بمكارم الأخلاق، كالرضا، والتسليم، والحلم، والسخاء، والكرم، وغير ذلك من محاسن الخلل، الذي هو من عمل القلوب، فهم الذين تحققت فيهم البشارة بقوله: { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }. وقال الورتجبي بعد كلام: ويتبع الكلام الأزلي الذي هو الخطاب بالفهم العجيب، والعلم الغريب، والإدراك الصافي، وانفراد الحق عن المخلوق، في المحبة، والشوق، والمعرفة، والتوحيد، والإخلاص، والعبودية، والربوبية، والحرية، فهذا أفضل ورد بالبديهة، من حيث ظهور الأنباء العجيبة، والروح القدسية، والإلهامات الربانية.. انظر بقية كلامه. وقال القشيري: الاستماع يكون لكل شيء، والاتباع يكون للأحسن. ثم قال: من عرف الله لا يسمع إلا بالله. ه. { أولئك الذين هداهم الله } إلى صريح معرفته العيانية. { وأولئك هم أولوا الألباب } ، ولب الشيء: قلبه وخالصه، فقلوبهم خالصة لمولاهم، وأرواحهم متنعمة بشهود حبيبها، وأسرارهم متنزهة في رياض ملكوت سيدها. وبالله التوفيق. ثم ذكر ضدهم، فقال: { أفمن حق عليه كلمة العذاب }.
الزمر 39:19
قلت: { من }: شرطية، دخل عليها همزة الإنكار، والفاء عاطفة على جملة محذوفة ليتعلق الإنكار والنفي بمضمونها معا، أي: أنت مالك أمر الناس، فمن حق علية كلمة العذاب أفأنت تنقذه، ثم كررت الهمزة في الجزاء لتأكيد الإنكار، وتكريره، لما طال الكلام، ثم وضع موضع الضمير " من في النار " لمزيد تشديد الإنكار والاستبعاد، والتنبيه على أن المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع في النار، ويجوز أن يكون الجزاء محذوفا، دل عليه: { أفأنت تنقذ }... الخ، أي: أفمن حق عليه العذاب تنقذه أنت. يقول الحق جل جلاله: { أفمن حق عليه كلمة العذاب }. وهم عبدة الطاغوت ومتبعو خطواتها، كما يلوح إليه التعبير عنهم ب " من حق عليه كلمة العذاب " ، فإن المراد بها قوله تعالى لإبليس:
لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين
[ص: 85]، وقوله تعالى:
لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين
[الأعراف: 18] أي: أفمن حقت عليه كلمة الشقاء، تقدر أن تهديه وتنقذه من الكفر، الذي هو سبب النار؟ أو: تقول: المحكوم عليه بالنار بمنزلة الداخل فيها، فاجتهاده صلى الله عليه وسلم في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار بعد الدخول فيها، وهو لا يفيد. فالمراد: تسكينه صلى الله عليه وسلم وتفريغه من الحرص عليهم. الإشارة: من سبق له الإبعاد لا يفيده الكد والاجتهاد، ومن أسدل بينه وبينه الحجاب، لا يفيده إلا الوقوف بالباب، حتى يحن الكريم الوهاب، فإن العواقب في هذه الدار مبهمة، والأعمال بالخواتم. قال القشيري: والذين حقت عليهم كلمة العذاب، فإنهم اليوم اليوم لا يخرجون من حجاب قلوبهم. ه. وبالله التوفيق. ولما كان المراد بقوله: { أفأنت تنقذ من في النار } هم الذين قيل في حقهم:
لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل
[الزمر: 16] استدرك عنهم أهل التقى، فقال: { لكن الذين اتقوا ربهم }.
الزمر 39:20
يقول الحق جل جلاله: { لكن الذين اتقوا ربهم } ، وهم الذين وصفوا بقوله تعالى:
يا عباد فاتقون
[الزمر: 16]، ووصفوا بالاجتناب والإنابة، وحصل لهم البشرى، حيث استمعوا وتبعوا أحسن القول، وهم المخاطبون أيضا بقوله:
يا عباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم
[الزمر: 10]... الآية. فبين هنا أن لهم درجات عالية في جنات النعيم، في مقابلة ما للكفرة من دركات سافلة في الجحيم، فهي في مقابلة قوله لهم: { من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } في حق الكفار، أي: لكن أهل التقى لهم علالي، بعضها فوق بعض { مبنية } بناء المنازل المؤسسة على الأرض في الرصانة والإحكام. { تجري من تحتها } أي: من تحت تلك الغرف { الأنهار } من غير تفاوت بين العلو والسفل. { وعد الله } أي: وعد الله ذلك وعدا، فهو مصدر مؤكد لقوله: { لهم غرف } فإنه في قوة الوعد. { لا يخلف الله الميعاد } لاستحالته عليه سبحانه. الإشارة: من اتقى الله فيما أمر ونهى، كانت له درجات حسية، مبنية من الذهب والفضة، يترقى فيها على قدر عمله وتقواه. ومن اتقى ما يشغل عن الله من جنس الكائنات، كانت له درجات ومقامات معنوية، قربية اصطفائية، يرتقي فيها بقدر تقواه وسعيه إلى مولاه، وعد الله لا يخلف الله الميعاد. قال القشيري: وعد المطيعين الجنة ولا محالة لا يخلفه، ووعد المذنبين المغفرة، ولا محالة يغفر لهم، ووعد المريدين القاصدين بالوصول، فإذا لم تقع لهم فترة فلا محالة يصدق وعده. ه. ثم برهن على ما أوعد ووعد مما يكون بعد البعث من آثار قدرته، فقال: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء }.
الزمر 39:21
يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } أيها السامع { أن الله أنزل من السماء ماء } هو المطر، وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء، ينزل منها إلى الصخرة، فيقسمه الله تعالى بين البقاع. { فسلكه }: أدخله ونظمه { ينابيع في الأرض } أي: عيونا ومجاري في الأرض، كجري الدماء في العروق في الأجساد: أو: مياها نابعة في ظهرها، فإن الينبوع يطلق على المنبع والنابع. فنصب " ينابيع " على الحال، على القول الثاني، وعلى نزع الخافض، على الأول. { ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه }: أصنافه، من بر وشعير وغيرهما، أو: كيفياته من الألوان، كالصفرة والخضرة والحمرة، والطعوم وغيرهما. و { ثم }: للتراخي في الرتبة والزمان، وصيغة المضارع: لاستحضار الصورة البديعة، { ثم يهيج } أي: يتم جفافه، ويشرف على أن يثور من منابته، ويستقل على وجه الأرض، ساترا لها، { فتراه مصفرا } من بعد خضرته ونضرته. { ثم يجعله حطاما } ، فتاتا متكسرة، كأن لم يغن بالأمس، فمن قدر على هذا قدر على إنشاء الخلق بعد فنائهم ومجازاتهم. وقيل: المراد من الآية: تمثيل الحياة الدنيا، في سرعة الزوال، وقرب الاضمحلال، بما ذكر من أحوال الزرع، ترغيبا عن زخارفها وزينتها، وتحذيرا من الاغترار بمن سر بها، كما في قوله تعالى:
إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء
[يونس: 24]... الآية، وقيل: للاستشهاد على تحقق الموعود من الأنهار الجارية من تحت الغرف، بما يشاهد من إنزال المياه من السماء، وما يترتب عليه من آثار قدرته تعالى، وإحكام حكمته ورحمته. { إن في ذلك } أي: ما ذكر تفصيلا من إنزال الماء وما نشأ عنه. { لذكرى }: لتذكيرا عظيما { لأولي الألباب }: لأصحاب العقول الخالصة من شوائب الهوى، فيتذكرون بذلك أن الحياة الدنيا في سرعة التقضي والانصرام، كما يشاهدونه من حال الحكام كل عام، فلا يغترون ببهجتها، ولا يفتنون بفتنتها، أو: يجزمون بأن من قدر على إنزال الماء من السماء، وإجرائه في ينابيع الأرض، قادر على إجراء الأنهار من تحت الغرف. وأما ما قيل: من أنه استدلال على وجود الصانع فلا يليق لأن هذه الأفعال الجليلة ذكرت مسندة إلى الله تعالى وإنما يليق الاستدلال بها على وجود الصانع لو ذكرت غير مسندة إلى مؤثر، فتعين أن يكون متعلق التذكير والتنبيه شؤونه تعالى وشؤون آثاره، كما بين، لا وجوده تعالى. قاله أبو السعود. الإشارة: قال القشيري: والإشارة في هذا أن الإنسان يكون طفلا، ثم شابا، ثم كهلا، ثم شيخا، ثم يصير إلى أرذل العمر، ثم إلى آخره يخترم، ويقال: إن الزرع ما لم يأخذ في الجفاف لا يؤخذ منه الحب، الذي هو المقصود منه، كذلك الإنسان ما لم يخل من نفسه وحوله لا يكون له قدر ولا قيمة.
قلت: يعني أنه ما لم يمحص نفسه، وينهكها في التقرب إلى مولاه، لا قيمة له. ثم قال: ويقال: إن المؤمن بقوة عقله يوجب استقلاله بعمله إلا أن يبرز منه كمال يمكنه من وفارة بصيرته، ثم إذا بدت لائحة من سلطان المعارف تصير تلك الأبواب مغمورة، فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة كذلك، وأنشدوا:
فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره أنوار ضوء الكواكب
قلت: استقلال العبد بعمله هو مثل بروز الزرع من منبته، ووفور بصيرته هو إخراج حبه في سنبله، وبدو لائحة من سلطان المعارف هو اصفراره، وظهور أنوار التوحيد التي تفني وجوده وتغمره في وجود الحق هو صيرورتها حطاما، فتأمل. وهذا كله نتيجة شرح الصدر الذي أشار إليه بقوله: { أفمن شرح الله صدره للإسلام }.
الزمر 39:22
قلت: الهمزة للإنكار، و { من }: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كمن ليس كذلك. يقول الحق جل جلاله: { أفمن شرح الله صدره } أي: وسعه وهيأه { للإسلام } حتى قبله وفرح به، واستضاء بنوره، { فهو على نور } عظيم { من ربه } ، وبصيرة في دينه، وهذا النور: هو اللطف الإلهي الفائض عليه عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية، والتوفيق للاهتداء بها، أو: بمحض الإلهام من الجود والكرم، فيقذف في قلبه نور اليقين، بلا سبب، أو: بصحبة أهل النور، هل يكون هذا كمن قسا قلبه، وحرج صدره، واستولى عليه ظلمة الغي والضلالة، فأعرض عن تلك الآيات بالكلية؟! ولما نزلت هذه الآية سئل صلى الله عليه وسلم عن الشرح المذكور، فقال:
" نور يقذفه الله في القلب، فإذا دخل النور القلب انشرح وانفسح "
قيل: وهل لذلك علامة؟ قال:
" نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله ".
{ فويل للقاسية قلوبهم }: أي الصلبة اليابسة { من ذكر الله } أي: من أجل ذكره، الذي من حقه أن ينشرح له الصدر، وتلين له النفس، ويطمئن به القلب، وهؤلاء إذا ذكر الله عندهم اشمأزوا من أجله، وازدادت قلوبهم قساوة. قال الفخر: اعلم أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية، وزيادة الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، وقد يوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية، فإذا عرفت هذا، فنقول: رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورتبتها: هو ذكر الله، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله سببا لازدياد مرضها، كان مرض تلك النفوس مرضا لا يرجى زواله، ولا يتوقع علاجه، وكانت في نهاية الشر والرداءة، فلهذا المعنى قال تعالى: { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين } وهذا كلام محقق. ه. وهو كما قيل في الجعل أنها تتضرر برياح الورد، أي: وتنتعش بالشين. فكل من يفر من ذكر الله، ويثقل عليه، فقلبه جعل. ذكره في الحاشية. { أولئك في ضلال مبين } أي: أولئك، البعداء الموصوفون بما ذكر من قساوة القلوب في ضلال بعيد من الحق، ظاهر ضلاله لكل أحد. قيل: نزلت الآية في حمزة وعلي رضي الله عنهما وأبي لهب وولده، وقيل: في عمار وأبي جهل. والحق: إنها عامة. الإشارة: من أراد الله به السعادة شرح صدره للإسلام، فقبله وعمل عمله، ومن أراد به جذب العناية وتحقيق الولاية، شرح صدره لطريق أهل مقام الإحسان، فدخل في طريقهم، وهيأ نفسه لصحبتهم وخدمتهم، فما زال يقطعون به مهامه النفوس حتى يقولون له: ها أنت وربك، فتلوح له الأنوار، وتشرق عليه شموس المعارف والأسرار، حتى يفنى ويبقى بالله. قال القشيري: والنور الذي من قبله تعالى نور اللوائح بتحقق العلم، ثم نور اللوامع بثبات الفهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد، وعند ذلك فلا وجد ولا فقد، ولا بعد ولا قرب، كلا، بل هو الله الواحد القهار. ه. فمن لم يبلغ هذا لا يخلو قلبه من قساوة، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، أولئك في ضلال مبين. ثم ذكر سبب لين القلوب، وهو كتاب الله العزيز، فقال: { الله نزل أحسن الحديث }.
الزمر 39:23
قلت: { كتابا }: بدل من { أحسن } ، أو: حال، لوصفه بقوله: { متشابها }. و { مثاني }: صفة أخرى لكتاب، أو: حال أخرى منه، أو: تمييز من " متشابها " ، كما تقول: رأيت رجلا حسنا شمائل، أي: شمائله، والمعنى: متشابهة مثانيه. و { تقشعر }: الأظهر أنه استئناف، وقيل: صفة لكتاب، أو: حال منه. يقول الحق جل جلاله: { الله نزل أحسن الحديث } وهو القرآن إذ لا حديث أحسن منه، لا تمله القلوب، وتسأمه الأسماع بل ترداده يزيده تجملا وطراوة وتكثير حلاوة. روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا حديثا، فنزلت. والمعنى: أن فيه مندوحة عن سائر الأحاديث. وفي إيقاع اسم الجلالة مبتدأ، وبناء " نزل " عليه، من تفخيم أحسن الحديث، ورفع محله، والاستشهاد على حسنه، وتأكيد إسناده إليه تعالى، وأنه من عنده، لا يمكن صدوره من غيره، والتنبيه على أنه وحي معجز، ما لا يخفى. حال كونه { كتابا متشابها } أي: يشبه بعضه بعضا في الإعجاز والبلاغة، أو: تشابهت معانيه بالصحة، والإحكام، والابتناء على الحق والصدق، واستتباع منافع الخلق في المعاد والمعاش، وتناسب ألفاظه وجمله في الفصاحة والبلاغة، وتجاوب نظمه في الإعجاز. { مثاني }: جمع مثنى، أي: مكرر، ومردد، لما ثنى من قصصه، وأنبائه، وأحكامه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، ووعظه. وقيل: لأنه يثنى في التلاوة، ويكرر مرة بعد أخرى. قال القشيري: ويشتمل على نوعي الثناء عليه، بذكر سلطانه وإحسانه، وصفة الجنة والنار، والوعد والوعيد. ه. { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } أي: ترتعد وتنقبض، والاقشعرار: التقبض، يقال: اقشعر الجلد: إذا انقبض، ويقال: اقشعر جلده ووقف شعره: إذا عرض له خوف شديد، من منكر هائل دهمه بغتة. والمعنى: أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارعه وزواجره، أصابتهم هيبة وخشية تقشعر منه جلودهم، وإذا ذكروا رحمة الله تعالى تبدلت خشيتهم رجاء، ورهبتهم رغبة، وذلك قوله تعالى: { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } أي: ساكنة مطمئنة إلى ذكر الله. { ذلك } أي: الكتاب الذي شرح أحواله { هدى الله يهدي به من يشاء } أن يهديه، بصرف مجهوده إلى سبب الاهتداء به، أو بتأمله فيما في تضاعيفه من شواهد الحقيقة، ودلائل كونه من عند الله. { ومن يضلل الله } أي: يخلق فيه الضلالة، بصرف قدرته إلى مبادئها، وإعراضه عما يرشد إلى الحق بالكلية، وعدم تأثره بوعده ووعيده، أو: من يخذله { فما له من هاد } يخلصه من ورطة الضلال. أو: ذلك الذي ذكر من الخشية والرجاء هو أثر هدى الله، يهدي لذلك الأثر من يشاء من عباده، { ومن يضلل } أي: ومن لم يؤثر فيه لطفه وهدايته لقسوة قلبه، وإصراره على فجوره { فما له من هاد }: من مؤثر فيه بشيء قط.
الإشارة: أول ما يظهر الفتح على قلب العبد في فهم كتاب الله، والتمتع بحلاوة تلاوته، ثم ينتقل إلى الاستغراق في ذكره باللسان، ثم بالقلب، ثم إلى الفكرة، ثم العكوف في الحضرة، إن وجد من يربيه وينقله عن هذه المقامات، وإلا بقي في مقامه الأول. وقال الطيبي: من أراد الله أن يهديه بالقرآن، أوقع في قلبه الخشية، كقوله:
هدى للمتقين
[البقرة: 2] ثم يتأثر منه ظاهرا، بأن تأخذه في بدء الحال قشعريرة لضعفه، وقوة سطوة الوارد، فإذا أدمن على سماعه، وألف أنواره، يطمئن ويلين ويسكن. ه. قلت: وعن هذا عبر الصديق بقوله حين رأى قوما يبكون عند سماعه: كذلك كنا ثم قست القلوب أي: صلبت وقويت على حمل الواردات. وقال الورتجبي: سماع المريدين بإظهار الحال عليهم، وسماع العارفين بالطمأنينة والسكون. ه. وقال على قوله: { متشابها }: إنه أخبر عن كلية الذات والصفات، التي منبعهما أصل القدم، وصفاته كذاته، وذاته كصفاته، وكل صفة كصفة أخرى، من حيث التنزيه والقدس والتقديس، والكلام بنفسه متشابه المعاني. ه. يعني: إنما كان القرآن متشابها لأنه أخبر عن كلية الذات والصفات القديمين، والذات لها شبه بالصفات من حيث اللطافة، والصفات تشبه بعضها بعضا في الدلالة على التنزيه والكمال، أي: كتابا دالا على كلية الذات المشابهة للصفات. وهذا حمل بعيد. ثم ذكر مثال المهتدي والضال، فقال: { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب }.
الزمر 39:24
قلت: { وقيل }: عطف على " يتقي " ، أو: حال من ضمير " يتقي " ، بإضمار " قد ". يقول الحق جل جلاله: { أفمن يتقي بوجهه } الذي هو أشرف أعضائه { سوء العذاب } أي: العذاب السيىء الشديد { يوم القيامة } كمن ليس كذلك، بل هو آمن، لا يعتريه مكروه، ولا يحتاج إلى اتقاء، بوجه من الوجوه، وإنما كان يتقي النار بوجهه لكون يده التي كان يتقي بها المكاره والمخاوف مغلولة إلى عنقه. قال القشيري: قيل: إن الكافر يلقى في النار، فيلقاها أولا بوجهه لأنه يرمى فيها منكوسا فأما المؤمن الموقى ذلك فهو الملقى بالكرامة، فوجهه ضاحك مستبشر. ه. { وقيل للظالمين }: يقال لهم من جهة خزنة النار. وصيغة الماضي للدلالة على التحقق. ووضع المظهر في مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله: { ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي: وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا، من الظلم بالكفر والمعاصي. { كذب الذين من قبلهم } من الأمم السالفة، { فأتاهم العذاب } المقرر لكل أمة { من حيث لا يشعرون } من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم إتيان الشر منها. { فأذاقهم الله الخزي } أي: الذل والصغار { في الحياة الدنيا } ، كالمسخ، والخسف، والقتل، والأسر، والإجلاء، وغير ذلك من فنون النكال، { ولعذاب الآخرة } المعد لهم { أكبر } لشدته ودوامه { لو كانوا يعلمون } أي: لو كان من شأنهم أن يعلموا شيئا لعلموا ذلك واعتبروا به. والآية، يحتمل أن تكون تهديدا لقريش، فالضمير في { قبلهم } يعود إليهم لأن قوله: { ومن يضلل الله }... إلخ تعرض بمن أعرض عن كتابه من كفار قريش. وقال أبو السعود: هو استئناف، مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب، إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي. ه. الإشارة: الوجه هو أشرف الأعضاء وإمامها، فإن كانت في الباطن بهجة المحبة، أو سيما المعرفة، ظهرت عليه، فيتنور ويبتهج، وإن كانت ظلمة المعاصي، أو كآبة الحجاب، ظهرت عليه، وإن كانت غيبة في الحق أو سكرة، كان هو أول ما يغيب من الإنسان ويغرق، ثم تغيب البشرية في البحر المحيط، وهو بحر الأحدية. وقوله تعالى: { فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } ، قال القشيري: أشد العذاب ما يكون بغتة، كما أن أتم السرور ما يكون فلتة. وفي الهجران والفراق والشدة ما يكون بغتة غير متوقعة، وهو أنكى للفؤاد، وأشد في التأثير، وأوجعه للقلوب، وفي معناه أنشدوا:
فبت بخير والدنى مطمئنة فأصبحت يوما والزمان تقلبا
وأتم السرور وأعظمه تأثيرا ما يكون فجأة، حتى قال بعضهم: أشد السرور غفلة على غفلة، وأنشدوا:
بينما خاطر المنى بالتلاقي سابح في فؤاده وفؤادي جمع الله بيننا فالتقينا هكذا بغتة بلا ميعاد
ولما بين وبال من أعرض عن أحسن الحديث، بين فضله وشرفه، فقال: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن }.
الزمر 39:25
قلت: { وقيل }: عطف على " يتقي " ، أو: حال من ضمير " يتقي " ، بإضمار " قد ". يقول الحق جل جلاله: { أفمن يتقي بوجهه } الذي هو أشرف أعضائه { سوء العذاب } أي: العذاب السيىء الشديد { يوم القيامة } كمن ليس كذلك، بل هو آمن، لا يعتريه مكروه، ولا يحتاج إلى اتقاء، بوجه من الوجوه، وإنما كان يتقي النار بوجهه لكون يده التي كان يتقي بها المكاره والمخاوف مغلولة إلى عنقه. قال القشيري: قيل: إن الكافر يلقى في النار، فيلقاها أولا بوجهه لأنه يرمى فيها منكوسا فأما المؤمن الموقى ذلك فهو الملقى بالكرامة، فوجهه ضاحك مستبشر. ه. { وقيل للظالمين }: يقال لهم من جهة خزنة النار. وصيغة الماضي للدلالة على التحقق. ووضع المظهر في مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله: { ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي: وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا، من الظلم بالكفر والمعاصي. { كذب الذين من قبلهم } من الأمم السالفة، { فأتاهم العذاب } المقرر لكل أمة { من حيث لا يشعرون } من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم إتيان الشر منها. { فأذاقهم الله الخزي } أي: الذل والصغار { في الحياة الدنيا } ، كالمسخ، والخسف، والقتل، والأسر، والإجلاء، وغير ذلك من فنون النكال، { ولعذاب الآخرة } المعد لهم { أكبر } لشدته ودوامه { لو كانوا يعلمون } أي: لو كان من شأنهم أن يعلموا شيئا لعلموا ذلك واعتبروا به. والآية، يحتمل أن تكون تهديدا لقريش، فالضمير في { قبلهم } يعود إليهم لأن قوله: { ومن يضلل الله }... إلخ تعرض بمن أعرض عن كتابه من كفار قريش. وقال أبو السعود: هو استئناف، مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب، إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي. ه. الإشارة: الوجه هو أشرف الأعضاء وإمامها، فإن كانت في الباطن بهجة المحبة، أو سيما المعرفة، ظهرت عليه، فيتنور ويبتهج، وإن كانت ظلمة المعاصي، أو كآبة الحجاب، ظهرت عليه، وإن كانت غيبة في الحق أو سكرة، كان هو أول ما يغيب من الإنسان ويغرق، ثم تغيب البشرية في البحر المحيط، وهو بحر الأحدية. وقوله تعالى: { فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } ، قال القشيري: أشد العذاب ما يكون بغتة، كما أن أتم السرور ما يكون فلتة. وفي الهجران والفراق والشدة ما يكون بغتة غير متوقعة، وهو أنكى للفؤاد، وأشد في التأثير، وأوجعه للقلوب، وفي معناه أنشدوا:
فبت بخير والدنى مطمئنة فأصبحت يوما والزمان تقلبا
وأتم السرور وأعظمه تأثيرا ما يكون فجأة، حتى قال بعضهم: أشد السرور غفلة على غفلة، وأنشدوا:
بينما خاطر المنى بالتلاقي سابح في فؤاده وفؤادي جمع الله بيننا فالتقينا هكذا بغتة بلا ميعاد
ولما بين وبال من أعرض عن أحسن الحديث، بين فضله وشرفه، فقال: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن }.
الزمر 39:26
قلت: { وقيل }: عطف على " يتقي " ، أو: حال من ضمير " يتقي " ، بإضمار " قد ". يقول الحق جل جلاله: { أفمن يتقي بوجهه } الذي هو أشرف أعضائه { سوء العذاب } أي: العذاب السيىء الشديد { يوم القيامة } كمن ليس كذلك، بل هو آمن، لا يعتريه مكروه، ولا يحتاج إلى اتقاء، بوجه من الوجوه، وإنما كان يتقي النار بوجهه لكون يده التي كان يتقي بها المكاره والمخاوف مغلولة إلى عنقه. قال القشيري: قيل: إن الكافر يلقى في النار، فيلقاها أولا بوجهه لأنه يرمى فيها منكوسا فأما المؤمن الموقى ذلك فهو الملقى بالكرامة، فوجهه ضاحك مستبشر. ه. { وقيل للظالمين }: يقال لهم من جهة خزنة النار. وصيغة الماضي للدلالة على التحقق. ووضع المظهر في مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله: { ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي: وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا، من الظلم بالكفر والمعاصي. { كذب الذين من قبلهم } من الأمم السالفة، { فأتاهم العذاب } المقرر لكل أمة { من حيث لا يشعرون } من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم إتيان الشر منها. { فأذاقهم الله الخزي } أي: الذل والصغار { في الحياة الدنيا } ، كالمسخ، والخسف، والقتل، والأسر، والإجلاء، وغير ذلك من فنون النكال، { ولعذاب الآخرة } المعد لهم { أكبر } لشدته ودوامه { لو كانوا يعلمون } أي: لو كان من شأنهم أن يعلموا شيئا لعلموا ذلك واعتبروا به. والآية، يحتمل أن تكون تهديدا لقريش، فالضمير في { قبلهم } يعود إليهم لأن قوله: { ومن يضلل الله }... إلخ تعرض بمن أعرض عن كتابه من كفار قريش. وقال أبو السعود: هو استئناف، مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب، إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي. ه. الإشارة: الوجه هو أشرف الأعضاء وإمامها، فإن كانت في الباطن بهجة المحبة، أو سيما المعرفة، ظهرت عليه، فيتنور ويبتهج، وإن كانت ظلمة المعاصي، أو كآبة الحجاب، ظهرت عليه، وإن كانت غيبة في الحق أو سكرة، كان هو أول ما يغيب من الإنسان ويغرق، ثم تغيب البشرية في البحر المحيط، وهو بحر الأحدية. وقوله تعالى: { فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } ، قال القشيري: أشد العذاب ما يكون بغتة، كما أن أتم السرور ما يكون فلتة. وفي الهجران والفراق والشدة ما يكون بغتة غير متوقعة، وهو أنكى للفؤاد، وأشد في التأثير، وأوجعه للقلوب، وفي معناه أنشدوا:
فبت بخير والدنى مطمئنة فأصبحت يوما والزمان تقلبا
وأتم السرور وأعظمه تأثيرا ما يكون فجأة، حتى قال بعضهم: أشد السرور غفلة على غفلة، وأنشدوا:
بينما خاطر المنى بالتلاقي سابح في فؤاده وفؤادي جمع الله بيننا فالتقينا هكذا بغتة بلا ميعاد
ولما بين وبال من أعرض عن أحسن الحديث، بين فضله وشرفه، فقال: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن }.
الزمر 39:27
قلت: قرآنا: حال مؤكدة من " هذا " ، على أن مدار التأكيد هو الوصف، كقولك: جاءني زيد رجلا صالحا. يقول الحق جل جلاله: { ولقد ضربنا } أي: وضحنا { للناس في هذا القرآن من كل مثل }: يحتاج إليه الناظر في أمر دينه، { لعلهم يتذكرون } أي: كي يتذكروا به ويتعظوا، حال كونه { قرآنا عربيا } لتفهموا معانيه بسرعة، { غير ذي عوج }: لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه، فهو أبلغ من المستقيم، وأخص بالمعاني: وقيل: المراد بالعوج: الشك. { لعلهم يتقون } ما يضرهم في معادهم ومعاشهم. الإشارة: قد بين الله في القرآن ما يحتاج إليه المريد في سلوكه وجذبه، وسيره ووصوله، من بيان الشرائع وإظهار الطرائق، وتبيين الحقائق. قال تعالى:
ما فرطنا فى الكتاب من شىء
[الأنعام: 38] لكن لا يغوص على هذا إلا الجهابذة من البحرية الذين غاصوا بأسرارهم في بحر الأحدية، وتغلغلوا في العلوم اللدنية، ومن لم يبلغ هذا المقام يصحب من يبلغه، حتى يوصله إلى ربه، ولا يكون الوصول إلا بقلب مفرد، غير مشترك، كما بين ذلك في قوله تعالى: { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء }.
الزمر 39:28
قلت: قرآنا: حال مؤكدة من " هذا " ، على أن مدار التأكيد هو الوصف، كقولك: جاءني زيد رجلا صالحا. يقول الحق جل جلاله: { ولقد ضربنا } أي: وضحنا { للناس في هذا القرآن من كل مثل }: يحتاج إليه الناظر في أمر دينه، { لعلهم يتذكرون } أي: كي يتذكروا به ويتعظوا، حال كونه { قرآنا عربيا } لتفهموا معانيه بسرعة، { غير ذي عوج }: لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه، فهو أبلغ من المستقيم، وأخص بالمعاني: وقيل: المراد بالعوج: الشك. { لعلهم يتقون } ما يضرهم في معادهم ومعاشهم. الإشارة: قد بين الله في القرآن ما يحتاج إليه المريد في سلوكه وجذبه، وسيره ووصوله، من بيان الشرائع وإظهار الطرائق، وتبيين الحقائق. قال تعالى:
ما فرطنا فى الكتاب من شىء
[الأنعام: 38] لكن لا يغوص على هذا إلا الجهابذة من البحرية الذين غاصوا بأسرارهم في بحر الأحدية، وتغلغلوا في العلوم اللدنية، ومن لم يبلغ هذا المقام يصحب من يبلغه، حتى يوصله إلى ربه، ولا يكون الوصول إلا بقلب مفرد، غير مشترك، كما بين ذلك في قوله تعالى: { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء }.
الزمر 39:29
قلت: { مثلا }: مفعول ثان لضرب، و { رجلا }: مفعول أول، وأخر للتشويق إليه ليصل بما وصف به، وقيل: بدل من " مثلا " ، و { فيه }: خبر، و " شركاء ": مبتدأ، والجملة: صفة لرجل، و " مثلا ": تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ضرب الله مثلا } للمشرك والموحد، { رجلا فيه شركاء متشاكسون }: مختلفون متخاصمون عسيرون، وهو المشرك، { ورجلا سلما } أي: خالصا { لرجل } فرد، ليس لغيره عليه سبيل. والمعنى: جعل الله مثلا للمشرك حسبما يقوده إليه مذهبه، من ادعاء كل من معبوديه عبوديته، عبدا يتشارك فيه جماعة، يتجاذبونه في مهماته المتباينة في تحيره وتعبه، ومثلا آخر للموحد، وهو عبد خالص لرجل واحد فإنه يكون عند سيده أحظى، وبه أرفق. { هل يستويان مثلا }: إنكار واستبعاد لاستوائهما، وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور، بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما ضرورة أن أحدهما في أعلى عليين، والآخر في أسفل سافلين. وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون { سلما } بفتحتين، وهو مصدر، من: سلم له كذا: إذا خلص، نعت به للمبالغة، فالقراءتان متفقتان معنى. والمراد من المثل: تصوير استراحة الموحد وانجماعه على معبوده، وتعب المشرك وتشتيت باله، وخصوصا مع فرض التعاكس من الشركاء، فيصير متحيرا، وفي عنت كبير من الجمع بين أغراضهم، بل ربما يتعذر ذلك ويستحيل للتضاد في الأغراض والتناقض، مع فرض التخالف والتنازع بينهم، واعتبر ذلك بحال الوالدين، إذا اختلفا على الولد، فإنه يعسر إرضاؤهما إلا بمشقة واحتيال، وكذلك عابد الأوثان فإنه معذب الفكر بها، وبحراسة حاله منها، ومتى توهم أنه أرضى واحدا في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا في تعب وضلال، وكذلك هو المصانع للناس، الممتحن بخدمة الملوك. قاله ابن عطية. والحاصل: أن إرضاء الواحد أسهل وأيسر من إرضاء الجماعة. { الحمد لله } على عدم استوائهما. قال الطيبي: ثم إذا لزمتهم الحجة قل: الحمد لله، شكرا على ما أولاك من النصرة، وقهر الأعداء بالحجج الساطعة. وفيه تنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية، وعلو الرتبة، بتوفيق الله تعالى، وأنه منة جليلة، موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وعبادته، أو: حيث ضرب لهم المثل الأعلى، وللمشركين المثال السوء، فهذا صنع جميل، ولطف تام، مستوجب لحمده وشكره { بل أكثرهم } أي: المشركون { لا يعلمون } ذلك، مع كمال ظهوره، فيقعون في ورطة الشرك والضلال، وهو انتقال من بيان الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان عدم علمهم ذلك، مع غاية ظهوره. ثم ذكر المحل الذي يظهر فيه عدم استوائهما عيانا، وهو ما بعد الموت، فقال: { إنك ميت وإنهم ميتون } ، فتجتمعون عندنا، فنحكم بينكم. وقيل: كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته، أي: إنكم جميعا بصدد الموت، { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون }.
فتحتج عليهم بأنك بلغت الرسالة، واجتهدت في الدعوة، فتلزمهم الحجة لأنهم قد لجوا في العناد، فإذا اعتذروا بتقليد آبائهم لم يقبل عذرهم. وقيل: المراد: الاختصام فيما دار بينهم في الدنيا. والأول أنسب. الإشارة: لا يستوي القلب المشترك مع القلب المفرد الخالص لله، القلب المشترك تفرقت همومه، وتشتت أنواره، بتشتيت شواغله وعلائقه، وتفرقت محبته، بتفرق أهوائه وحظوظه، والقلب المفرد اجتمعت محبته، وتوفرت أنواره وأسراره بقدر تفرغه من شواغله وعلائقه. وفي الحكم: " كما لا يحب العمل المشترك، لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه ". وقال أيضا: " فرغ قلبك من الأغيار تملؤه بالمعارف والأسرار ". وقيل: للجنيد: كيف السبيل إلى الوصول؟ فقال: بتوبة تزيل الإصرار، وخوف يقطع التسويف، ورجاء يبعث على مسالك العمل، وبإهانة النفس، بقربها من الأجل، وبعدها من الأمل. قيل له: وبم يتوصل إلى هذا؟ فقال: بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد. ه. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من جعل الهموم هما واحدا أي: وهو الله كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به في أي أودية الدنيا هلك "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة "
ومن كان الله همه بفنائه فيه جمع الله عليه سره، وأغناه به عما سواه، وخدمه الوجود بأسره، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ". والله تعالى أعلم. ثم بين فريقي الاختصام، فقال: { فمن أظلم ممن كذب على الله }.
الزمر 39:30
قلت: { مثلا }: مفعول ثان لضرب، و { رجلا }: مفعول أول، وأخر للتشويق إليه ليصل بما وصف به، وقيل: بدل من " مثلا " ، و { فيه }: خبر، و " شركاء ": مبتدأ، والجملة: صفة لرجل، و " مثلا ": تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ضرب الله مثلا } للمشرك والموحد، { رجلا فيه شركاء متشاكسون }: مختلفون متخاصمون عسيرون، وهو المشرك، { ورجلا سلما } أي: خالصا { لرجل } فرد، ليس لغيره عليه سبيل. والمعنى: جعل الله مثلا للمشرك حسبما يقوده إليه مذهبه، من ادعاء كل من معبوديه عبوديته، عبدا يتشارك فيه جماعة، يتجاذبونه في مهماته المتباينة في تحيره وتعبه، ومثلا آخر للموحد، وهو عبد خالص لرجل واحد فإنه يكون عند سيده أحظى، وبه أرفق. { هل يستويان مثلا }: إنكار واستبعاد لاستوائهما، وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور، بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما ضرورة أن أحدهما في أعلى عليين، والآخر في أسفل سافلين. وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون { سلما } بفتحتين، وهو مصدر، من: سلم له كذا: إذا خلص، نعت به للمبالغة، فالقراءتان متفقتان معنى. والمراد من المثل: تصوير استراحة الموحد وانجماعه على معبوده، وتعب المشرك وتشتيت باله، وخصوصا مع فرض التعاكس من الشركاء، فيصير متحيرا، وفي عنت كبير من الجمع بين أغراضهم، بل ربما يتعذر ذلك ويستحيل للتضاد في الأغراض والتناقض، مع فرض التخالف والتنازع بينهم، واعتبر ذلك بحال الوالدين، إذا اختلفا على الولد، فإنه يعسر إرضاؤهما إلا بمشقة واحتيال، وكذلك عابد الأوثان فإنه معذب الفكر بها، وبحراسة حاله منها، ومتى توهم أنه أرضى واحدا في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا في تعب وضلال، وكذلك هو المصانع للناس، الممتحن بخدمة الملوك. قاله ابن عطية. والحاصل: أن إرضاء الواحد أسهل وأيسر من إرضاء الجماعة. { الحمد لله } على عدم استوائهما. قال الطيبي: ثم إذا لزمتهم الحجة قل: الحمد لله، شكرا على ما أولاك من النصرة، وقهر الأعداء بالحجج الساطعة. وفيه تنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية، وعلو الرتبة، بتوفيق الله تعالى، وأنه منة جليلة، موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وعبادته، أو: حيث ضرب لهم المثل الأعلى، وللمشركين المثال السوء، فهذا صنع جميل، ولطف تام، مستوجب لحمده وشكره { بل أكثرهم } أي: المشركون { لا يعلمون } ذلك، مع كمال ظهوره، فيقعون في ورطة الشرك والضلال، وهو انتقال من بيان الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان عدم علمهم ذلك، مع غاية ظهوره. ثم ذكر المحل الذي يظهر فيه عدم استوائهما عيانا، وهو ما بعد الموت، فقال: { إنك ميت وإنهم ميتون } ، فتجتمعون عندنا، فنحكم بينكم. وقيل: كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته، أي: إنكم جميعا بصدد الموت، { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون }.
فتحتج عليهم بأنك بلغت الرسالة، واجتهدت في الدعوة، فتلزمهم الحجة لأنهم قد لجوا في العناد، فإذا اعتذروا بتقليد آبائهم لم يقبل عذرهم. وقيل: المراد: الاختصام فيما دار بينهم في الدنيا. والأول أنسب. الإشارة: لا يستوي القلب المشترك مع القلب المفرد الخالص لله، القلب المشترك تفرقت همومه، وتشتت أنواره، بتشتيت شواغله وعلائقه، وتفرقت محبته، بتفرق أهوائه وحظوظه، والقلب المفرد اجتمعت محبته، وتوفرت أنواره وأسراره بقدر تفرغه من شواغله وعلائقه. وفي الحكم: " كما لا يحب العمل المشترك، لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه ". وقال أيضا: " فرغ قلبك من الأغيار تملؤه بالمعارف والأسرار ". وقيل: للجنيد: كيف السبيل إلى الوصول؟ فقال: بتوبة تزيل الإصرار، وخوف يقطع التسويف، ورجاء يبعث على مسالك العمل، وبإهانة النفس، بقربها من الأجل، وبعدها من الأمل. قيل له: وبم يتوصل إلى هذا؟ فقال: بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد. ه. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من جعل الهموم هما واحدا أي: وهو الله كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به في أي أودية الدنيا هلك "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة "
ومن كان الله همه بفنائه فيه جمع الله عليه سره، وأغناه به عما سواه، وخدمه الوجود بأسره، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ". والله تعالى أعلم. ثم بين فريقي الاختصام، فقال: { فمن أظلم ممن كذب على الله }.
الزمر 39:31
قلت: { مثلا }: مفعول ثان لضرب، و { رجلا }: مفعول أول، وأخر للتشويق إليه ليصل بما وصف به، وقيل: بدل من " مثلا " ، و { فيه }: خبر، و " شركاء ": مبتدأ، والجملة: صفة لرجل، و " مثلا ": تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ضرب الله مثلا } للمشرك والموحد، { رجلا فيه شركاء متشاكسون }: مختلفون متخاصمون عسيرون، وهو المشرك، { ورجلا سلما } أي: خالصا { لرجل } فرد، ليس لغيره عليه سبيل. والمعنى: جعل الله مثلا للمشرك حسبما يقوده إليه مذهبه، من ادعاء كل من معبوديه عبوديته، عبدا يتشارك فيه جماعة، يتجاذبونه في مهماته المتباينة في تحيره وتعبه، ومثلا آخر للموحد، وهو عبد خالص لرجل واحد فإنه يكون عند سيده أحظى، وبه أرفق. { هل يستويان مثلا }: إنكار واستبعاد لاستوائهما، وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور، بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما ضرورة أن أحدهما في أعلى عليين، والآخر في أسفل سافلين. وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون { سلما } بفتحتين، وهو مصدر، من: سلم له كذا: إذا خلص، نعت به للمبالغة، فالقراءتان متفقتان معنى. والمراد من المثل: تصوير استراحة الموحد وانجماعه على معبوده، وتعب المشرك وتشتيت باله، وخصوصا مع فرض التعاكس من الشركاء، فيصير متحيرا، وفي عنت كبير من الجمع بين أغراضهم، بل ربما يتعذر ذلك ويستحيل للتضاد في الأغراض والتناقض، مع فرض التخالف والتنازع بينهم، واعتبر ذلك بحال الوالدين، إذا اختلفا على الولد، فإنه يعسر إرضاؤهما إلا بمشقة واحتيال، وكذلك عابد الأوثان فإنه معذب الفكر بها، وبحراسة حاله منها، ومتى توهم أنه أرضى واحدا في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا في تعب وضلال، وكذلك هو المصانع للناس، الممتحن بخدمة الملوك. قاله ابن عطية. والحاصل: أن إرضاء الواحد أسهل وأيسر من إرضاء الجماعة. { الحمد لله } على عدم استوائهما. قال الطيبي: ثم إذا لزمتهم الحجة قل: الحمد لله، شكرا على ما أولاك من النصرة، وقهر الأعداء بالحجج الساطعة. وفيه تنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية، وعلو الرتبة، بتوفيق الله تعالى، وأنه منة جليلة، موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وعبادته، أو: حيث ضرب لهم المثل الأعلى، وللمشركين المثال السوء، فهذا صنع جميل، ولطف تام، مستوجب لحمده وشكره { بل أكثرهم } أي: المشركون { لا يعلمون } ذلك، مع كمال ظهوره، فيقعون في ورطة الشرك والضلال، وهو انتقال من بيان الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان عدم علمهم ذلك، مع غاية ظهوره. ثم ذكر المحل الذي يظهر فيه عدم استوائهما عيانا، وهو ما بعد الموت، فقال: { إنك ميت وإنهم ميتون } ، فتجتمعون عندنا، فنحكم بينكم. وقيل: كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته، أي: إنكم جميعا بصدد الموت، { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون }.
فتحتج عليهم بأنك بلغت الرسالة، واجتهدت في الدعوة، فتلزمهم الحجة لأنهم قد لجوا في العناد، فإذا اعتذروا بتقليد آبائهم لم يقبل عذرهم. وقيل: المراد: الاختصام فيما دار بينهم في الدنيا. والأول أنسب. الإشارة: لا يستوي القلب المشترك مع القلب المفرد الخالص لله، القلب المشترك تفرقت همومه، وتشتت أنواره، بتشتيت شواغله وعلائقه، وتفرقت محبته، بتفرق أهوائه وحظوظه، والقلب المفرد اجتمعت محبته، وتوفرت أنواره وأسراره بقدر تفرغه من شواغله وعلائقه. وفي الحكم: " كما لا يحب العمل المشترك، لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه ". وقال أيضا: " فرغ قلبك من الأغيار تملؤه بالمعارف والأسرار ". وقيل: للجنيد: كيف السبيل إلى الوصول؟ فقال: بتوبة تزيل الإصرار، وخوف يقطع التسويف، ورجاء يبعث على مسالك العمل، وبإهانة النفس، بقربها من الأجل، وبعدها من الأمل. قيل له: وبم يتوصل إلى هذا؟ فقال: بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد. ه. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من جعل الهموم هما واحدا أي: وهو الله كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به في أي أودية الدنيا هلك "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة "
ومن كان الله همه بفنائه فيه جمع الله عليه سره، وأغناه به عما سواه، وخدمه الوجود بأسره، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ". والله تعالى أعلم. ثم بين فريقي الاختصام، فقال: { فمن أظلم ممن كذب على الله }.
الزمر 39:32
يقول الحق جل جلاله: { فمن أظلم ممن كذب على الله } بأن أضاف إليه الشريك والولد، فإنه لا أحد أظلم منه إذ هو أظلم من كل ظالم. { وكذب بالصدق } أي: الأمر الذي هو نفس الصدق وعين الحق، وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله { إذ جاءه } أي: كذب في أول مجيئه، من غير تأمل فيه ولا تدبر، { أليس في جهنم مثوى للكافرين }؟ أي: لهؤلاء الذين افتروا على الله، وسارعوا إلى التكذيب بالصدق، فأظهر موضع الإضمار تسجيلا وإيذانا بعلة الحكم الذي استحقوا به جهنم، والجمع باعتبار معنى { من }. كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار لفظها، أو: لجنس الكفرة، وهم داخلون في الكفر دخولا أوليا. { والذي جاء بالصدق } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { وصدق به }: وهم المؤمنون، أي: والفوج، أو: الفريق الذي جاء بالصدق، والفريق الذي صدق به. { أولئك هم المتقون }: المنعوتون بالتقى، التي هي أجل الرغائب. وقرىء " صدق " بالتخفيف، أي: صدق به الناس، فأداه إليهم كما أنزل عليه، من غير تغيير، وقيل: صار صادقا بسببه لأن ما جاء به من القرآن معجزة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم. { لهم ما يشاؤون عند ربهم }: هو بيان لما لهم في الآخرة من حسن المآب، بعد بيان ما لهم في الدنيا من محاسن الأعمال، أي: لهم ما يشاؤونه من جلب المنافع ودفع المضار، وتوالي المسار في الآخرة، لا في الجنة فقط لأن بعض ما يشاؤون يقع قبل دخول الجنة، من تكفير السيئات، والأمن من الفزع الأكبر، وسائر أهوال القيامة. { ذلك } الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه { جزاء المحسنين } أي: الذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا. { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } ، اللام متعلق بقوله: { لهم ما يشاؤون } لأنه في معنى الوعد، كأنه قيل: وعد الله لهم جميع ما يشاؤونه من دفع المضار وحصول المسار ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا، أي: أقبحه وأعظمه، وأولى أصغره. وقيل: يتعلق بمحذوف، أي: يسر لهم الصدق والتصديق ليكفر... إلخ. { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } فإذا كان في عملهم حسن وأحسن منه، جزاهم بجزاء الأحسن على الجميع، تكرما منه وإحسانا. والحاصل: أنه سبحانه لكرمه يكفر السيىء والأسوأ بالأحروية، ويجزي على الحسن بجزاء الأحسن منه والأرجح، كمن أهدى لملك هديتين صغيرة وكبيرة، فكافأه على الصغيرة بقدر ما كافأه على الكبيرة. قال القشيري: وأحسن أعمال المؤمن: الإيمان والمعرفة، فيكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب، وهو الرؤية. ه. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار، لإبراز كمال الاعتناء بمضمون الكلام، والجمع بين الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني أي: الذي كانوا يعملون دون الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة، بخلاف السيئة.
الإشارة: كل من ادعى حالا مع الله، وليست متحققة فيه، فقد كذب على الله، وكل من أنكرعلى أولياء زمانه فقد كذب بالصدق إذ جاءه. { والذي جاء بالصدق } ، وهو من أذن له في التذكير أو التربية. { وصدق به } ، وهو من سمع وتبع، أولئك هم المتقون، دون غيرهم، لهم ما يتمنون عند ربهم في الدنيا والآخرة، ذلك جزاء أهل مقام الإحسان، الذين يعبدونه على العيان، يغطي وصفهم بوصفه، ونعتهم بنعته، فيوصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه، ثم يكفيهم جميع الشرور، كما قال تعالى: { أليس الله بكاف عبده }.
الزمر 39:33
يقول الحق جل جلاله: { فمن أظلم ممن كذب على الله } بأن أضاف إليه الشريك والولد، فإنه لا أحد أظلم منه إذ هو أظلم من كل ظالم. { وكذب بالصدق } أي: الأمر الذي هو نفس الصدق وعين الحق، وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله { إذ جاءه } أي: كذب في أول مجيئه، من غير تأمل فيه ولا تدبر، { أليس في جهنم مثوى للكافرين }؟ أي: لهؤلاء الذين افتروا على الله، وسارعوا إلى التكذيب بالصدق، فأظهر موضع الإضمار تسجيلا وإيذانا بعلة الحكم الذي استحقوا به جهنم، والجمع باعتبار معنى { من }. كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار لفظها، أو: لجنس الكفرة، وهم داخلون في الكفر دخولا أوليا. { والذي جاء بالصدق } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { وصدق به }: وهم المؤمنون، أي: والفوج، أو: الفريق الذي جاء بالصدق، والفريق الذي صدق به. { أولئك هم المتقون }: المنعوتون بالتقى، التي هي أجل الرغائب. وقرىء " صدق " بالتخفيف، أي: صدق به الناس، فأداه إليهم كما أنزل عليه، من غير تغيير، وقيل: صار صادقا بسببه لأن ما جاء به من القرآن معجزة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم. { لهم ما يشاؤون عند ربهم }: هو بيان لما لهم في الآخرة من حسن المآب، بعد بيان ما لهم في الدنيا من محاسن الأعمال، أي: لهم ما يشاؤونه من جلب المنافع ودفع المضار، وتوالي المسار في الآخرة، لا في الجنة فقط لأن بعض ما يشاؤون يقع قبل دخول الجنة، من تكفير السيئات، والأمن من الفزع الأكبر، وسائر أهوال القيامة. { ذلك } الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه { جزاء المحسنين } أي: الذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا. { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } ، اللام متعلق بقوله: { لهم ما يشاؤون } لأنه في معنى الوعد، كأنه قيل: وعد الله لهم جميع ما يشاؤونه من دفع المضار وحصول المسار ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا، أي: أقبحه وأعظمه، وأولى أصغره. وقيل: يتعلق بمحذوف، أي: يسر لهم الصدق والتصديق ليكفر... إلخ. { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } فإذا كان في عملهم حسن وأحسن منه، جزاهم بجزاء الأحسن على الجميع، تكرما منه وإحسانا. والحاصل: أنه سبحانه لكرمه يكفر السيىء والأسوأ بالأحروية، ويجزي على الحسن بجزاء الأحسن منه والأرجح، كمن أهدى لملك هديتين صغيرة وكبيرة، فكافأه على الصغيرة بقدر ما كافأه على الكبيرة. قال القشيري: وأحسن أعمال المؤمن: الإيمان والمعرفة، فيكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب، وهو الرؤية. ه. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار، لإبراز كمال الاعتناء بمضمون الكلام، والجمع بين الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني أي: الذي كانوا يعملون دون الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة، بخلاف السيئة.
الإشارة: كل من ادعى حالا مع الله، وليست متحققة فيه، فقد كذب على الله، وكل من أنكرعلى أولياء زمانه فقد كذب بالصدق إذ جاءه. { والذي جاء بالصدق } ، وهو من أذن له في التذكير أو التربية. { وصدق به } ، وهو من سمع وتبع، أولئك هم المتقون، دون غيرهم، لهم ما يتمنون عند ربهم في الدنيا والآخرة، ذلك جزاء أهل مقام الإحسان، الذين يعبدونه على العيان، يغطي وصفهم بوصفه، ونعتهم بنعته، فيوصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه، ثم يكفيهم جميع الشرور، كما قال تعالى: { أليس الله بكاف عبده }.
الزمر 39:34
يقول الحق جل جلاله: { فمن أظلم ممن كذب على الله } بأن أضاف إليه الشريك والولد، فإنه لا أحد أظلم منه إذ هو أظلم من كل ظالم. { وكذب بالصدق } أي: الأمر الذي هو نفس الصدق وعين الحق، وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله { إذ جاءه } أي: كذب في أول مجيئه، من غير تأمل فيه ولا تدبر، { أليس في جهنم مثوى للكافرين }؟ أي: لهؤلاء الذين افتروا على الله، وسارعوا إلى التكذيب بالصدق، فأظهر موضع الإضمار تسجيلا وإيذانا بعلة الحكم الذي استحقوا به جهنم، والجمع باعتبار معنى { من }. كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار لفظها، أو: لجنس الكفرة، وهم داخلون في الكفر دخولا أوليا. { والذي جاء بالصدق } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { وصدق به }: وهم المؤمنون، أي: والفوج، أو: الفريق الذي جاء بالصدق، والفريق الذي صدق به. { أولئك هم المتقون }: المنعوتون بالتقى، التي هي أجل الرغائب. وقرىء " صدق " بالتخفيف، أي: صدق به الناس، فأداه إليهم كما أنزل عليه، من غير تغيير، وقيل: صار صادقا بسببه لأن ما جاء به من القرآن معجزة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم. { لهم ما يشاؤون عند ربهم }: هو بيان لما لهم في الآخرة من حسن المآب، بعد بيان ما لهم في الدنيا من محاسن الأعمال، أي: لهم ما يشاؤونه من جلب المنافع ودفع المضار، وتوالي المسار في الآخرة، لا في الجنة فقط لأن بعض ما يشاؤون يقع قبل دخول الجنة، من تكفير السيئات، والأمن من الفزع الأكبر، وسائر أهوال القيامة. { ذلك } الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه { جزاء المحسنين } أي: الذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا. { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } ، اللام متعلق بقوله: { لهم ما يشاؤون } لأنه في معنى الوعد، كأنه قيل: وعد الله لهم جميع ما يشاؤونه من دفع المضار وحصول المسار ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا، أي: أقبحه وأعظمه، وأولى أصغره. وقيل: يتعلق بمحذوف، أي: يسر لهم الصدق والتصديق ليكفر... إلخ. { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } فإذا كان في عملهم حسن وأحسن منه، جزاهم بجزاء الأحسن على الجميع، تكرما منه وإحسانا. والحاصل: أنه سبحانه لكرمه يكفر السيىء والأسوأ بالأحروية، ويجزي على الحسن بجزاء الأحسن منه والأرجح، كمن أهدى لملك هديتين صغيرة وكبيرة، فكافأه على الصغيرة بقدر ما كافأه على الكبيرة. قال القشيري: وأحسن أعمال المؤمن: الإيمان والمعرفة، فيكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب، وهو الرؤية. ه. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار، لإبراز كمال الاعتناء بمضمون الكلام، والجمع بين الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني أي: الذي كانوا يعملون دون الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة، بخلاف السيئة.
الإشارة: كل من ادعى حالا مع الله، وليست متحققة فيه، فقد كذب على الله، وكل من أنكرعلى أولياء زمانه فقد كذب بالصدق إذ جاءه. { والذي جاء بالصدق } ، وهو من أذن له في التذكير أو التربية. { وصدق به } ، وهو من سمع وتبع، أولئك هم المتقون، دون غيرهم، لهم ما يتمنون عند ربهم في الدنيا والآخرة، ذلك جزاء أهل مقام الإحسان، الذين يعبدونه على العيان، يغطي وصفهم بوصفه، ونعتهم بنعته، فيوصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه، ثم يكفيهم جميع الشرور، كما قال تعالى: { أليس الله بكاف عبده }.
الزمر 39:35
يقول الحق جل جلاله: { فمن أظلم ممن كذب على الله } بأن أضاف إليه الشريك والولد، فإنه لا أحد أظلم منه إذ هو أظلم من كل ظالم. { وكذب بالصدق } أي: الأمر الذي هو نفس الصدق وعين الحق، وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله { إذ جاءه } أي: كذب في أول مجيئه، من غير تأمل فيه ولا تدبر، { أليس في جهنم مثوى للكافرين }؟ أي: لهؤلاء الذين افتروا على الله، وسارعوا إلى التكذيب بالصدق، فأظهر موضع الإضمار تسجيلا وإيذانا بعلة الحكم الذي استحقوا به جهنم، والجمع باعتبار معنى { من }. كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار لفظها، أو: لجنس الكفرة، وهم داخلون في الكفر دخولا أوليا. { والذي جاء بالصدق } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { وصدق به }: وهم المؤمنون، أي: والفوج، أو: الفريق الذي جاء بالصدق، والفريق الذي صدق به. { أولئك هم المتقون }: المنعوتون بالتقى، التي هي أجل الرغائب. وقرىء " صدق " بالتخفيف، أي: صدق به الناس، فأداه إليهم كما أنزل عليه، من غير تغيير، وقيل: صار صادقا بسببه لأن ما جاء به من القرآن معجزة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم. { لهم ما يشاؤون عند ربهم }: هو بيان لما لهم في الآخرة من حسن المآب، بعد بيان ما لهم في الدنيا من محاسن الأعمال، أي: لهم ما يشاؤونه من جلب المنافع ودفع المضار، وتوالي المسار في الآخرة، لا في الجنة فقط لأن بعض ما يشاؤون يقع قبل دخول الجنة، من تكفير السيئات، والأمن من الفزع الأكبر، وسائر أهوال القيامة. { ذلك } الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه { جزاء المحسنين } أي: الذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا. { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } ، اللام متعلق بقوله: { لهم ما يشاؤون } لأنه في معنى الوعد، كأنه قيل: وعد الله لهم جميع ما يشاؤونه من دفع المضار وحصول المسار ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا، أي: أقبحه وأعظمه، وأولى أصغره. وقيل: يتعلق بمحذوف، أي: يسر لهم الصدق والتصديق ليكفر... إلخ. { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } فإذا كان في عملهم حسن وأحسن منه، جزاهم بجزاء الأحسن على الجميع، تكرما منه وإحسانا. والحاصل: أنه سبحانه لكرمه يكفر السيىء والأسوأ بالأحروية، ويجزي على الحسن بجزاء الأحسن منه والأرجح، كمن أهدى لملك هديتين صغيرة وكبيرة، فكافأه على الصغيرة بقدر ما كافأه على الكبيرة. قال القشيري: وأحسن أعمال المؤمن: الإيمان والمعرفة، فيكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب، وهو الرؤية. ه. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار، لإبراز كمال الاعتناء بمضمون الكلام، والجمع بين الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني أي: الذي كانوا يعملون دون الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة، بخلاف السيئة.
الإشارة: كل من ادعى حالا مع الله، وليست متحققة فيه، فقد كذب على الله، وكل من أنكرعلى أولياء زمانه فقد كذب بالصدق إذ جاءه. { والذي جاء بالصدق } ، وهو من أذن له في التذكير أو التربية. { وصدق به } ، وهو من سمع وتبع، أولئك هم المتقون، دون غيرهم، لهم ما يتمنون عند ربهم في الدنيا والآخرة، ذلك جزاء أهل مقام الإحسان، الذين يعبدونه على العيان، يغطي وصفهم بوصفه، ونعتهم بنعته، فيوصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه، ثم يكفيهم جميع الشرور، كما قال تعالى: { أليس الله بكاف عبده }.
الزمر 39:36
يقول الحق جل جلاله: { أليس الله بكاف عبده } أي: نبيه صلى الله عليه وسلم. نزلت تقوية لقلبه عليه السلام، وإزالة للخوف الذي كان الكفار يخوفونه، أو: جنس العبد، فيشمل الأنبياء كلهم والمؤمنين، وينتظم فيه النبي صلى الله عليه وسلم انتظاما أوليا، ويؤيده قراءة الأخوين بالجمع. وهو إنكار ونفي لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه وآكده، كأن الكفاية بلغت من الظهور ما لا يقدر أحد على أن يتفوه بعدمها، أو يتلعثم في الجواب بوجودها، وإذا علم العبد أن الحق تعالى قائم بكفايته، سكن قلبه واطمأن، وأسقط الأحمال والكلف عن ظهره، فلا جرم أن الله يكفيه ما أهمه، ويؤمنه مما يخافه، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ويخوفونك بالذين من دونه } أي: الأوثان التي اتخذوها آلهة دونه تعالى، وهي جوامد، لا تضر ولا تنفع، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما قالت قريش: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، وتصيبك معرتها لعيبك إياها. وفي رواية: قالوا: لتكفن عن آلهتنا، أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون، كما قال قوم هود:
إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء
[هود: 54]. وجملة: " ويخوفونك ": استئناف، أو: حال. { ومن يضلل الله } حتى غفل عن كفايته وعصمته صلى الله عليه وسلم، أو: اعتقد أن الأصنام تضر وتنفع { فما له من هاد } يهديه إلى ما يرشده. { ومن يهد الله } إلى توحيده وطاعته { فما له من مضل } يصرفه عن رشده، أو يصيبه سوء يخل بسلوكه إذ لا راد لفعله، ولا معارض لقضائه، كما ينطق به قوله تعالى: { أليس الله بعزيز }: غالب لا يغالب، منيع لا يمانع ولا ينازع، { ذي انتقام } من أعدائه لأوليائه، بإعزاز أوليائه وإذلال أعدائه. وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام، وتربية المهابة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علم العبد أن الله كاف جميع عباده، وثق بضمانه، فاستراح من تعبه، وأزال الهموم والأكدار عن قلبه، فيدخل جنة الرضا والتسليم، ويهب عليه من روح الوصال وريحان الجمال نسيم، فيكتفي بالله، ويقنع بعلم الله، ويثق بضمانه. قال في لطائف المنن: مبنى الولي على الاكتفاء بالله، والقناعة بعلمه، والاغتناء بشهوده. قال تعالى: { أليس الله بكاف عبده } وقال تعالى:
أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد
[فصلت: 53] ه. وقال الشيخ أبو الحسن صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل : عبدي اجعلني مكان همك أكفك همك، عبدي ما كنت بك فأنت في محل البعد، وما كنت بي فأنت في محل القرب، فاختر لنفسك. ه. أي: ما دمت مهموما بنفسك فأنت في محل البعد، وإذا خرجت عنها، وطرحتها بين يدي خالقها، أو غبت عن وجودها بالكلية، فأنت في محل القرب، الأول: قرب مراقبة، والثاني: قرب مشاهدة. وقوله تعالى: { ويخوفونك بالذين من دونه }: هو عام في كل ما يخاف منه، فالعارف لا يخاف من شيء لعلمه بأن الله ليس معه شيء، ولا يقع في الوجود إلا قدره وقضاؤه، ومن يعتقد غير هذا فهو ضال، ومن يضلل الله فلا هادي له. وبالله التوفيق. ثم قرر هذا الأمر وحقيقته بقوله: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض }.
الزمر 39:37
يقول الحق جل جلاله: { أليس الله بكاف عبده } أي: نبيه صلى الله عليه وسلم. نزلت تقوية لقلبه عليه السلام، وإزالة للخوف الذي كان الكفار يخوفونه، أو: جنس العبد، فيشمل الأنبياء كلهم والمؤمنين، وينتظم فيه النبي صلى الله عليه وسلم انتظاما أوليا، ويؤيده قراءة الأخوين بالجمع. وهو إنكار ونفي لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه وآكده، كأن الكفاية بلغت من الظهور ما لا يقدر أحد على أن يتفوه بعدمها، أو يتلعثم في الجواب بوجودها، وإذا علم العبد أن الحق تعالى قائم بكفايته، سكن قلبه واطمأن، وأسقط الأحمال والكلف عن ظهره، فلا جرم أن الله يكفيه ما أهمه، ويؤمنه مما يخافه، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ويخوفونك بالذين من دونه } أي: الأوثان التي اتخذوها آلهة دونه تعالى، وهي جوامد، لا تضر ولا تنفع، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما قالت قريش: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، وتصيبك معرتها لعيبك إياها. وفي رواية: قالوا: لتكفن عن آلهتنا، أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون، كما قال قوم هود:
إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء
[هود: 54]. وجملة: " ويخوفونك ": استئناف، أو: حال. { ومن يضلل الله } حتى غفل عن كفايته وعصمته صلى الله عليه وسلم، أو: اعتقد أن الأصنام تضر وتنفع { فما له من هاد } يهديه إلى ما يرشده. { ومن يهد الله } إلى توحيده وطاعته { فما له من مضل } يصرفه عن رشده، أو يصيبه سوء يخل بسلوكه إذ لا راد لفعله، ولا معارض لقضائه، كما ينطق به قوله تعالى: { أليس الله بعزيز }: غالب لا يغالب، منيع لا يمانع ولا ينازع، { ذي انتقام } من أعدائه لأوليائه، بإعزاز أوليائه وإذلال أعدائه. وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام، وتربية المهابة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علم العبد أن الله كاف جميع عباده، وثق بضمانه، فاستراح من تعبه، وأزال الهموم والأكدار عن قلبه، فيدخل جنة الرضا والتسليم، ويهب عليه من روح الوصال وريحان الجمال نسيم، فيكتفي بالله، ويقنع بعلم الله، ويثق بضمانه. قال في لطائف المنن: مبنى الولي على الاكتفاء بالله، والقناعة بعلمه، والاغتناء بشهوده. قال تعالى: { أليس الله بكاف عبده } وقال تعالى:
أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد
[فصلت: 53] ه. وقال الشيخ أبو الحسن صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل : عبدي اجعلني مكان همك أكفك همك، عبدي ما كنت بك فأنت في محل البعد، وما كنت بي فأنت في محل القرب، فاختر لنفسك. ه. أي: ما دمت مهموما بنفسك فأنت في محل البعد، وإذا خرجت عنها، وطرحتها بين يدي خالقها، أو غبت عن وجودها بالكلية، فأنت في محل القرب، الأول: قرب مراقبة، والثاني: قرب مشاهدة. وقوله تعالى: { ويخوفونك بالذين من دونه }: هو عام في كل ما يخاف منه، فالعارف لا يخاف من شيء لعلمه بأن الله ليس معه شيء، ولا يقع في الوجود إلا قدره وقضاؤه، ومن يعتقد غير هذا فهو ضال، ومن يضلل الله فلا هادي له. وبالله التوفيق. ثم قرر هذا الأمر وحقيقته بقوله: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض }.
الزمر 39:38
يقول الحق جل جلاله: { ولئن سألتهم } أي: من يخوفونك ممن سوى الله، وقلت لهم: { من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } لوضوح الدلائل على انفراده بالاختراع. { قل } تبكيتا لهم: { أفرأيتم ما تدعون من دون الله } من الأصنام، { إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره } أي: إذا تحققتم أن خالق العالم العلوي والسفلي هو الله وحده، فأخبروني عن آلهتكم، إن أرادني الله بضر هل يقدر أحد منهم على كشف ذلك الضر عني؟ { أو أرادني برحمة } أي: بنفع { هل هن ممسكات رحمته } وصارفتها عني؟! وقرأ البصري: " كاشفات " و " ممسكات " بالتنوين، ونصب " ضره " و " رحمته " على المفعول. وتعليق إرادة الضر والرحمة بنفسه صلى الله عليه وسلم، للرد في نحورهم حيث كانوا يخوفونه من معرة الأوثان، ولما فيه من الإيذان بإمحاض النصيحة. وإنما قال: " كاشفات " و " ممسكات " على التأنيث، بعد قوله: { ويخوفونك بالذين من دونه } لأنهن إناث، وهن اللات، والعزى، ومناة، وفيه تهكم بهم، وبمعبودهم حيث جعلهم يعبدون الإناث. { قل حسبي الله } أي: كافيني في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما سألهم سكتوا، فنزلت: { قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } ، لا على غيره أصلا لعلمهم بأن كل ما سواه تحت قهر ملكوته. الإشارة: الناس على قسمين: أعداء وأحباب، فإن نظرت إلى الأعداء وجدتهم لا يقدرون أن ينفعوك بشيء إلا ما قدر الله لك، وإن نظرت إلى الأعداء وجدتهم لا يقدرون أن يضروك بشيء إلا ما قدر الله عليك، فارفض الجميع، وتعلق بالله بغنك عن غيره، ويوصل إليك ما قسم لك بالعز والهناء. ثم توعدهم بالعذاب، فقال: { قل يقوم اعملوا }.
الزمر 39:39
يقول الحق جل جلاله: { قل يا قوم اعملوا على مكانتكم } أي: على حالتكم التي أنتم عليها، وجهتكم من العداوة التي تمكنتم فيها، فالمكانة بمعنى المكان، فاستعيرت من العين للمعنى، وهي الحال، كما تستعار " هنا ". و " حيث " للزمان، وإنما وضعا للمكان. وقرأ أبو بكر وحماد: " مكانات " بالجمع. { إني عامل } على مكانتي، فحذف للاختصار، والمبالغة في الوعيد، والإشعار بأن حاله لا تزال تزداد قوة بنصر الله تعالى له، وتأييده، ولذلك توعدهم بقوله: { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } فإن خزي أعدائه دليل غلبته صلى الله عليه وسلم ونصره في الدنيا والآخرة. وقد أخزاهم وعذبهم يوم بدر، { و } سوف تعلمون أيضا من { يحل عليه عذاب مقيم } في الآخرة لأنه مقيم على الدوام. ثم ذكر الفاصل بين أهل العذاب المقيم، والنعيم الدائم، فقال: { إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس } أي: لأجلهم، فمن أعرض عنه فقد استحق العذاب الأليم، ومن تمسك به استوجب النعيم المقيم، حال كونه ملتبسا { بالحق } ناطقا به، أو: أنزلناه محقين في إنزاله. { فمن اهتدى فلنفسه } ، إنما ينفع به نفسه { ومن ضل }: بأن أعرض عنه، أو عن العمل به. { فإنما يضل عليها } لأن وبال إضلاله مقصور عليها. { وما أنت عليهم بوكيل } حتى تجبرهم على الهدى، وما وظيفتك إلا التبليغ، وقد بلغت أي بلاغ. الإشارة: من ذكر قوما فأعرضوا عنه، ولم يرفعوا له رأسا، يقول لهم: يا قوم اعملوا على مكانتكم... الخ، وأي عذاب أشد من الحجاب، والبعد عن حضرة الحبيب؟ ثم ذكر دلائل العبث الذي يحل فيه العذاب على أهل الإعراض، فقال: { الله يتوفى الأنفس حين موتها }.
الزمر 39:40
يقول الحق جل جلاله: { قل يا قوم اعملوا على مكانتكم } أي: على حالتكم التي أنتم عليها، وجهتكم من العداوة التي تمكنتم فيها، فالمكانة بمعنى المكان، فاستعيرت من العين للمعنى، وهي الحال، كما تستعار " هنا ". و " حيث " للزمان، وإنما وضعا للمكان. وقرأ أبو بكر وحماد: " مكانات " بالجمع. { إني عامل } على مكانتي، فحذف للاختصار، والمبالغة في الوعيد، والإشعار بأن حاله لا تزال تزداد قوة بنصر الله تعالى له، وتأييده، ولذلك توعدهم بقوله: { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } فإن خزي أعدائه دليل غلبته صلى الله عليه وسلم ونصره في الدنيا والآخرة. وقد أخزاهم وعذبهم يوم بدر، { و } سوف تعلمون أيضا من { يحل عليه عذاب مقيم } في الآخرة لأنه مقيم على الدوام. ثم ذكر الفاصل بين أهل العذاب المقيم، والنعيم الدائم، فقال: { إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس } أي: لأجلهم، فمن أعرض عنه فقد استحق العذاب الأليم، ومن تمسك به استوجب النعيم المقيم، حال كونه ملتبسا { بالحق } ناطقا به، أو: أنزلناه محقين في إنزاله. { فمن اهتدى فلنفسه } ، إنما ينفع به نفسه { ومن ضل }: بأن أعرض عنه، أو عن العمل به. { فإنما يضل عليها } لأن وبال إضلاله مقصور عليها. { وما أنت عليهم بوكيل } حتى تجبرهم على الهدى، وما وظيفتك إلا التبليغ، وقد بلغت أي بلاغ. الإشارة: من ذكر قوما فأعرضوا عنه، ولم يرفعوا له رأسا، يقول لهم: يا قوم اعملوا على مكانتكم... الخ، وأي عذاب أشد من الحجاب، والبعد عن حضرة الحبيب؟ ثم ذكر دلائل العبث الذي يحل فيه العذاب على أهل الإعراض، فقال: { الله يتوفى الأنفس حين موتها }.
الزمر 39:41
يقول الحق جل جلاله: { قل يا قوم اعملوا على مكانتكم } أي: على حالتكم التي أنتم عليها، وجهتكم من العداوة التي تمكنتم فيها، فالمكانة بمعنى المكان، فاستعيرت من العين للمعنى، وهي الحال، كما تستعار " هنا ". و " حيث " للزمان، وإنما وضعا للمكان. وقرأ أبو بكر وحماد: " مكانات " بالجمع. { إني عامل } على مكانتي، فحذف للاختصار، والمبالغة في الوعيد، والإشعار بأن حاله لا تزال تزداد قوة بنصر الله تعالى له، وتأييده، ولذلك توعدهم بقوله: { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } فإن خزي أعدائه دليل غلبته صلى الله عليه وسلم ونصره في الدنيا والآخرة. وقد أخزاهم وعذبهم يوم بدر، { و } سوف تعلمون أيضا من { يحل عليه عذاب مقيم } في الآخرة لأنه مقيم على الدوام. ثم ذكر الفاصل بين أهل العذاب المقيم، والنعيم الدائم، فقال: { إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس } أي: لأجلهم، فمن أعرض عنه فقد استحق العذاب الأليم، ومن تمسك به استوجب النعيم المقيم، حال كونه ملتبسا { بالحق } ناطقا به، أو: أنزلناه محقين في إنزاله. { فمن اهتدى فلنفسه } ، إنما ينفع به نفسه { ومن ضل }: بأن أعرض عنه، أو عن العمل به. { فإنما يضل عليها } لأن وبال إضلاله مقصور عليها. { وما أنت عليهم بوكيل } حتى تجبرهم على الهدى، وما وظيفتك إلا التبليغ، وقد بلغت أي بلاغ. الإشارة: من ذكر قوما فأعرضوا عنه، ولم يرفعوا له رأسا، يقول لهم: يا قوم اعملوا على مكانتكم... الخ، وأي عذاب أشد من الحجاب، والبعد عن حضرة الحبيب؟ ثم ذكر دلائل العبث الذي يحل فيه العذاب على أهل الإعراض، فقال: { الله يتوفى الأنفس حين موتها }.
الزمر 39:42
يقول الحق جل جلاله: { الله يتوفى الأنفس } أي: الأرواح { حين موتها } فيقبضها إليه قبضا، { و } يتوفى الأنفس { التي لم تمت في منامها } فيقبضها ويترك شعاعها في البدن، فالتي قضى عليها الموت يتوفاها ظاهرا وباطنا، والتي لم يقض موتها يتوفاها ظاهرا فقط عند النوم، { فيمسك التي قضى عليها الموت } ، لا يردها إلى البدن، { ويرسل الأخرى } أي: النائمة إلى بدنها عند التيقظ { إلى أجل مسمى }: هو الوقت المضروب لموتها، فشبه النائمين بالموتى، حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى كذلك. قال الإمام: النفس الإنسانية عبارة عن جوهر مشرق روحاني، إذا تعلق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء، وهي الحياة، ثم إنه في وقت النوم ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن، دون باطنه، وفي وقت الموت ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن وباطنه، فالموت والنوم من جنس واحد بهذا الاعتبار، لكن الموت انقطاع كامل، والنوم انقطاع ناقص، فظهر أن القادر الحكيم دبر تعلق جوهر النفس بالبدن على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه دبر أمرها بحيث يقع ضوء الروح على جميع أجزاء البدن، ظاهره وباطنه، وذلك هو اليقظة. وثانيها: بحيث يقطع عن الظاهر والباطن، وهو الموت. وثالثها: بحيث يقطع عن ظاهر البدن دون الباطن، وهو النوم، فثبت أن النوم والموت يشتركان في كل واحد منهما بتوفي النفس، ثم يمتاز أحدهما بخواص معينة. ومثل هذا التقدير العجيب لا يمكن صدوره إلا عن القادر العليم الحكيم. ه. وقال سهل: إن الله إذا توفى الأنفس أخرج الروح النوري من لطيف نفس الطبيعي الكثيفي، فالذي يتوفى في النوم من لطيف نفس الطبع، لا لطيف نفس الروح. فالنائم يتنفس تنفسا لطيفا، وهو نفس الروح، الذي إذا زال لم يكن للعبد حركة، وكان ميتا. وقال: حياة النفس الطبيعي بنور لطيف، وحياة لطيف نفس الروح بذكر الله. وقال أيضا: الروح تقوم بلطيفة في ذاتها بغير نفس الطبع، ألا ترى أن الله تعالى خاطب الكل في الذر بنفس، وروح، وفهم، وعقل، وعلم لطيف، بلا حضور طبع كثيف. ه. قلت: وبهذا الاعتبار يقع لها العذاب في البرزخ أو النعيم، وتذهب وتجيء في عالم البرزخ. وقال في القصد: النفس مع الروح كالجسد مع الظل، والظل يميل، والأصل لا يميل، والروح سره، والسر بربه، وهو شعاع الحقيقة الصغرى، والسر نور السر الأعلى، وكل هذا مخلوق، بقدرة الله موثوق، فلا يستفزك غير هذا فتشقى، وفي جهنم من نور البعد تلقى. ه. قلت: السر الأعلى هو معاني أسرار الذات القائمة بالأشياء، وهو قديم غير مخلوق. وذكر الثعلبي عن ابن عباس أنه قال: في ابن آدم نفس وروح، بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها التحرك والنفس فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه.
ه. هذا، وفي الصحيح: إن الله قبض أرواحنا حيث شاء، وردها حيث شاء. فأطلق القبض على الأرواح. والصواب: أن النفس والروح في هذا واحد بدليل قوله: { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت } والحاصل: أن الموت: توف كامل، بإخراج الروح مع شعاعها من البدن، فتذهب الحياة، والنوم: توف ناقص، بإخراج الروح مع بقاء شعاعها في البدن، به الحياة والتنفس. وعن ابن عباس رضي الله عنه أيضا أنه قال: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، ويتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد الله رجوعها إلى الأجسام، يمسك الله عنده أرواح الأموات، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها، فذلك قوله عز وجل: { الله يتوفى الأنفس }... الآية. وعبارة " عز الدين بن عبد السلام ": في كل جسد روحان إحداهما: روح اليقظة، التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان متيقظا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان، ورأت تلك الروح المنامات، والأخرى: روح الحياة، التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان حيا فإذا فارقته مات، فإذا رجعت إليه حيي، وهاتان الروحان في بطن الإنسان، لا يعلم مقرهما إلا من أطلعه الله عليهما، فهما كجنينين في بطن امرأة. ه. والآية منبهة على كمال قدرته، وفيها دلالة على البعث، وأنه كاليقظة سواء، وهذا معنى قوله: { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } في عجائب قدرته، فيعلمون أن من قدر على إمساك الأرواح في النوم، وردها، قادر على إماتتها وإحيائها. وفي التوراة: كما تنام تموت، وكما تستيقظ تبعث. الإشارة: الله يتوفى الأنفس المطهرة إلى حضرة قدسه، حين موتها من الهوى، ويقبض الأنفس التي لم تمت من حظوظها في سجن الأكوان، وهيكل ذاتها، في حال منام غفلتها، فيمسك التي قضى عليها الموت في حضرة قدسه، فلا يردها إلى شهود حضرة الأشباح ويرسل الأخرى تجول في حضرة الأشباح وأودية الدنيا، إلى أجل مسمى، إما موتها الحسي أو المعنوي، إن سبقت لها سابقة عناية. ثم تمم الرد على من اعتقد أن الأصنام تنفع أو تضر، فقال: { أم اتخذوا من دون الله شفعآء }.
الزمر 39:43
يقول الحق جل جلاله: { أم اتخذوا } أي: قريش { من دون الله شفعاء } ، فيزعمون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، أي: إنهم اتخذوا على زعمهم من دون الله شفعاء بحكمهم، لا بتعريف من قبل الله وإخبار، فإن الله لا يقبل الشفاعة من أحد إلا بإذن منه، وإن الذين يقولون ذلك افتراء على الله. { قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } ، الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه، والتوبيخ عليه، أي: قل: أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئا من الأشياء ولا يعقلون شيئا، فضلا عن أن يملكوا الشفاعة عند الله تعالى. { قل } تبكيتا وتجهيلا لهم: { لله الشفاعة جميعا } أي: هو مالكها، ولا يقدر أحد أن يتصدى لها، إلا أن يكون المشفوع له مرتضى، والشفيع مأذونا، وكلاهما مفقود في أصنامهم، ثم قرر اختصاصه بالشفاعة بقوله: { له ملك السماوات والأرض } أي: له التصرف فيهما، وفيما فيهما من المخلوقات، لا يملك أحد أن يتكلم في أمر من أموره بدون إذنه ورضاه، { ثم إليه ترجعون } يوم القيامة، لا إلى أحد سواه، فيفعل يومئذ ما يريد. قال النسفي: { له ملك السماوات والأرض } اليوم { ثم إليه ترجعون } يوم القيامة، فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له، فله الملك في الدنيا والآخرة. ه. الإشارة: الشفاعة إنما تكون لأهل الجاه عند الله، والجاه يعظم بحسب التوجه، والتوجه يعظم على قدر المحبة، والمحبة على حسب العناية السابقة، { يحبهم ويحبونه } فبقدر أنوار التوجه تعظم أنوار المواجهة، وبقدر أنوار المواجهة تتسع المعرفة، وبحسب المعرفة يكون الجاه، وبقدر الجاه تتسع الشفاعة، حتى إن الواحد من الأولياء يشفع في وجود بأسره من أهل زمانه، إما عند موته، أو عند الحساب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر علامة أهل الشرك، فقال: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب }.
الزمر 39:44
يقول الحق جل جلاله: { أم اتخذوا } أي: قريش { من دون الله شفعاء } ، فيزعمون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، أي: إنهم اتخذوا على زعمهم من دون الله شفعاء بحكمهم، لا بتعريف من قبل الله وإخبار، فإن الله لا يقبل الشفاعة من أحد إلا بإذن منه، وإن الذين يقولون ذلك افتراء على الله. { قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } ، الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه، والتوبيخ عليه، أي: قل: أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئا من الأشياء ولا يعقلون شيئا، فضلا عن أن يملكوا الشفاعة عند الله تعالى. { قل } تبكيتا وتجهيلا لهم: { لله الشفاعة جميعا } أي: هو مالكها، ولا يقدر أحد أن يتصدى لها، إلا أن يكون المشفوع له مرتضى، والشفيع مأذونا، وكلاهما مفقود في أصنامهم، ثم قرر اختصاصه بالشفاعة بقوله: { له ملك السماوات والأرض } أي: له التصرف فيهما، وفيما فيهما من المخلوقات، لا يملك أحد أن يتكلم في أمر من أموره بدون إذنه ورضاه، { ثم إليه ترجعون } يوم القيامة، لا إلى أحد سواه، فيفعل يومئذ ما يريد. قال النسفي: { له ملك السماوات والأرض } اليوم { ثم إليه ترجعون } يوم القيامة، فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له، فله الملك في الدنيا والآخرة. ه. الإشارة: الشفاعة إنما تكون لأهل الجاه عند الله، والجاه يعظم بحسب التوجه، والتوجه يعظم على قدر المحبة، والمحبة على حسب العناية السابقة، { يحبهم ويحبونه } فبقدر أنوار التوجه تعظم أنوار المواجهة، وبقدر أنوار المواجهة تتسع المعرفة، وبحسب المعرفة يكون الجاه، وبقدر الجاه تتسع الشفاعة، حتى إن الواحد من الأولياء يشفع في وجود بأسره من أهل زمانه، إما عند موته، أو عند الحساب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر علامة أهل الشرك، فقال: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب }.
الزمر 39:45
قلت: " وحده ": منصوب عند سيبويه، على المصدر، وعند الفراء: على الحال، والظاهر: أنه أطلق المصدر على اسمه. يقول الحق جل جلاله: { وإذا ذكر الله وحده } أي: إذا أفرد الله بالذكر، ولم تذكر معه آلهتهم، فمدار المعنى على قوله: { وحده } ، { اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: انقبضت ونفرت، كقوله:
... وإذا ذكرت ربك فى القرءان وحده ولوا على أدبارهم نفورا
[الإسراء: 46]، { وإذا ذكر الذين من دونه } يعني: آلهتهم، ذكر الله معهم، أو لم يذكر، { إذا هم يستبشرون } لفرط افتتانهم بها، ونسيانهم ذكر الله، أو: وإذا قيل لهم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نفروا لأن فيه نفيا لآلهتهم. وقال الورتجبي: صورة الآية وقعت على الجاحدين والمتكبرين، الذين ليس في محبتهم إلا متابعة الأشكال والأمثال، من حيث التشبيه والخيال لأن قلوبهم خلقت على مشاكلة الأضداد والأنداد، ولم يكن في قلوبهم سجية أهل المعرفة بالله، فإذا سمعوا ذكر من لا يدخل في الخيال والمثال انقبضت قلوبهم وصدورهم، ونفرت، وإذا سمعوا ذكر غير الله من الصور والأشباح، سكنت نفوسهم إليها من غاية غباوتهم، وكمال جهالتهم، فهم مثل الصبيان، إذ هم يفرحون بالأفراس الطينية والأسد الخشبية، ولا يطيقون أن ينظروا إلى عدو العاديات، وإلى الضراغم الباديات... ه. مختصرا. ولقد بالغ في بيان حالتيهم المتقابلتين حيث ذكر الغاية فيهما، فإن الاستبشار: هو أن يمتلىء القلب سرورا، حتى تنبسط له بشرة الوجه وتتهلل، والاشمئزاز: أن يمتلىء القلب غيظا وغما، حتى ينقبض منه أديم الوجه، فتظهر عليه الكآبة والحزن. والعامل في { إذا } الأولى: " اشمأزت " ، وفي الثانية: ما هو العامل في " إذا " الفجائية، والتقدير: وقت ذكر الذين من دونه فاجأوا وقت الاستبشار. ثم أمر نبيه بالالتجاء إليه حين إدبارهم، فقال: { قل اللهم فاطر السماوات والأرض } أي: يا فاطر، وليس بوصف، خلافا للفراء والمبرد، أي: اللهم يا مظهر السماوات والأرض، { عالم الغيب والشهادة } أي: ما غاب من أسرار ذاتك وما ظهر، أو: السر والعلانية، أي: التجىء إليه تعالى إذا اغتممت من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد فإنه القادر على الأشياء بجملتها، والعالم بالأحوال برمتها. { أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون } أي: حكما يسلمه كل مكابر ومعاند، ويخضع له كل عات ومارد، فاحكم بيني وبين معاندي، بالنصر عليهم في الدنيا والآخرة. وعن ابن المسيب: " ما أعرف آية قرئت فدعى عندها إلا أجيب سوى هذه ". يعني أنه صلى الله عليه وسلم دعا الله أن يحكم بينه وبين عدوه بالاستئصال، فأمهل لأنه رحمة. وعن الربيع بن خثيم وكان قليل الكلام : أنه أخبر بقتل الحسين رضي الله عنه، وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال: أوقد فعلوا؟ وقرأ: { اللهم فاطر السماوات والأرض }.
.. الآية، ثم قال على إثرها: قتل من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره، ويقبل فاه. ه. الإشارة: ينبغي للمؤمن أن يكون متعاكسا مع المشرك، إذا سمع كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " فرح وانبسط، وإذا ذكر اللغو واللعب اشمأز وانقبض، والعابد أو الزاهد إذا سمع ما يدل على الطاعة والاستعداد للآخرة فرح ونشط، وإذا سمع ما يدل على الدنيا والبطالة اشمأز وانقبض، والمريد السائر، إذا سمع ما يقرب إلى الله فرح وانبسط، وإذا سمع ما يبعد عنه من ذكره السوى اشمأز وانقبض، وأما الواصل الكامل فلا ينقبض من شيء لزيادته إلى الله بكل شيء لأنه عرف الله في كل شيء، وسمع منه في كل شيء، فلا يحجبه عن الله شيء، قد فنيت دائرة حسه، واتسعت دائرة معرفته، يأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ النصيب منه شيء. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: في بعض كتب الله المنزلة على أنبيائه، يقول الله تعالى: من أطاعني في كل شيء، بهجرانه لكل شيء، أطعته في كل شيء، بأن أتجلى له دون كل شيء، حتى يراني أقرب إليه من كل شيء. هذه طريق أولى، وهي طريق السالكين. وطريق أخرى كبرى: من أطاعني في كل شيء، بإقباله علي كل شيء، لحسن إرادة مولاه في كل شيء، أطعته في كل شيء، بأن أتجلى له في كل شيء، حتى يراني كأني كل شيء. ه. ثم ذكر وبال الشرك، فقال: { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا }.
الزمر 39:46
قلت: " وحده ": منصوب عند سيبويه، على المصدر، وعند الفراء: على الحال، والظاهر: أنه أطلق المصدر على اسمه. يقول الحق جل جلاله: { وإذا ذكر الله وحده } أي: إذا أفرد الله بالذكر، ولم تذكر معه آلهتهم، فمدار المعنى على قوله: { وحده } ، { اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: انقبضت ونفرت، كقوله:
... وإذا ذكرت ربك فى القرءان وحده ولوا على أدبارهم نفورا
[الإسراء: 46]، { وإذا ذكر الذين من دونه } يعني: آلهتهم، ذكر الله معهم، أو لم يذكر، { إذا هم يستبشرون } لفرط افتتانهم بها، ونسيانهم ذكر الله، أو: وإذا قيل لهم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نفروا لأن فيه نفيا لآلهتهم. وقال الورتجبي: صورة الآية وقعت على الجاحدين والمتكبرين، الذين ليس في محبتهم إلا متابعة الأشكال والأمثال، من حيث التشبيه والخيال لأن قلوبهم خلقت على مشاكلة الأضداد والأنداد، ولم يكن في قلوبهم سجية أهل المعرفة بالله، فإذا سمعوا ذكر من لا يدخل في الخيال والمثال انقبضت قلوبهم وصدورهم، ونفرت، وإذا سمعوا ذكر غير الله من الصور والأشباح، سكنت نفوسهم إليها من غاية غباوتهم، وكمال جهالتهم، فهم مثل الصبيان، إذ هم يفرحون بالأفراس الطينية والأسد الخشبية، ولا يطيقون أن ينظروا إلى عدو العاديات، وإلى الضراغم الباديات... ه. مختصرا. ولقد بالغ في بيان حالتيهم المتقابلتين حيث ذكر الغاية فيهما، فإن الاستبشار: هو أن يمتلىء القلب سرورا، حتى تنبسط له بشرة الوجه وتتهلل، والاشمئزاز: أن يمتلىء القلب غيظا وغما، حتى ينقبض منه أديم الوجه، فتظهر عليه الكآبة والحزن. والعامل في { إذا } الأولى: " اشمأزت " ، وفي الثانية: ما هو العامل في " إذا " الفجائية، والتقدير: وقت ذكر الذين من دونه فاجأوا وقت الاستبشار. ثم أمر نبيه بالالتجاء إليه حين إدبارهم، فقال: { قل اللهم فاطر السماوات والأرض } أي: يا فاطر، وليس بوصف، خلافا للفراء والمبرد، أي: اللهم يا مظهر السماوات والأرض، { عالم الغيب والشهادة } أي: ما غاب من أسرار ذاتك وما ظهر، أو: السر والعلانية، أي: التجىء إليه تعالى إذا اغتممت من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد فإنه القادر على الأشياء بجملتها، والعالم بالأحوال برمتها. { أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون } أي: حكما يسلمه كل مكابر ومعاند، ويخضع له كل عات ومارد، فاحكم بيني وبين معاندي، بالنصر عليهم في الدنيا والآخرة. وعن ابن المسيب: " ما أعرف آية قرئت فدعى عندها إلا أجيب سوى هذه ". يعني أنه صلى الله عليه وسلم دعا الله أن يحكم بينه وبين عدوه بالاستئصال، فأمهل لأنه رحمة. وعن الربيع بن خثيم وكان قليل الكلام : أنه أخبر بقتل الحسين رضي الله عنه، وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال: أوقد فعلوا؟ وقرأ: { اللهم فاطر السماوات والأرض }.
.. الآية، ثم قال على إثرها: قتل من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره، ويقبل فاه. ه. الإشارة: ينبغي للمؤمن أن يكون متعاكسا مع المشرك، إذا سمع كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " فرح وانبسط، وإذا ذكر اللغو واللعب اشمأز وانقبض، والعابد أو الزاهد إذا سمع ما يدل على الطاعة والاستعداد للآخرة فرح ونشط، وإذا سمع ما يدل على الدنيا والبطالة اشمأز وانقبض، والمريد السائر، إذا سمع ما يقرب إلى الله فرح وانبسط، وإذا سمع ما يبعد عنه من ذكره السوى اشمأز وانقبض، وأما الواصل الكامل فلا ينقبض من شيء لزيادته إلى الله بكل شيء لأنه عرف الله في كل شيء، وسمع منه في كل شيء، فلا يحجبه عن الله شيء، قد فنيت دائرة حسه، واتسعت دائرة معرفته، يأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ النصيب منه شيء. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: في بعض كتب الله المنزلة على أنبيائه، يقول الله تعالى: من أطاعني في كل شيء، بهجرانه لكل شيء، أطعته في كل شيء، بأن أتجلى له دون كل شيء، حتى يراني أقرب إليه من كل شيء. هذه طريق أولى، وهي طريق السالكين. وطريق أخرى كبرى: من أطاعني في كل شيء، بإقباله علي كل شيء، لحسن إرادة مولاه في كل شيء، أطعته في كل شيء، بأن أتجلى له في كل شيء، حتى يراني كأني كل شيء. ه. ثم ذكر وبال الشرك، فقال: { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا }.
الزمر 39:47
يقول الحق جل جلاله: { ولو أن للذين ظلموا } بالشرك، { ما في الأرض جميعا }: من الأموال والذخائر، { ومثله معه } زائد عليه، { لافتدوا به من سوء العذاب } أي: شدته، { يوم القيامة } أي: لو أن لهم جميع ما في الدنيا لجعلوا ذلك فدية لأنفسهم من العذاب الشديد، وهيهات هيهات، ولات حين مناص. وهذا كما ترى وعيد شديد لأهل الشرك، وإقناط كلي لهم. { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } أي: ظهر لهم من فنون العقوبات ما لم يكن في ظنهم وحسبانهم، ولم يحدثوا به نفوسهم. وهذا غاية من الوعيد، لا غاية وراءها، ونظيره في الوعد: قوله تعالى:
فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين
[السجدة: 17]. { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } أي: ظهر لهم سيئات أعمالهم التي كسبوها، أو سيئات كسبهم حين تعرض عليهم صحائفهم، وكانت خافية عليهم، أو: عقاب ذلك. { وحاق بهم } أي: نزل بهم وأحاط، { ما كانوا به يستهزئون } أي: جزاء هزئهم بالإسلام، ومن جاء به، ومن تبعه. الإشارة: الآية تجر ذيلها على كل ظالم لم يتب، فيتمنى الفداء بجميع ما في الأرض، فلا يمكن منه. وقوله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ، هذه الآية عامة، لا يفلت منها إلا الفرد النادر، الذي وصل إلى غاية المعرفة العيانية، ومن لم يصل إلى هذا المقام فهو مقصر، يظن أنه في عليين، وهو في أسفل سافلين، ولذلك عظم خوف السلف منها، فقد جزع محمد بن المنكدر عند الموت، فقيل له في ذلك، فقال: أخشى آية من كتاب الله: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسب. وعن سفيان أنه قرأها، فقال: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء. ه. وفي الإحياء: من اعتقد في ذات الله وصفاته وأفعاله خلاف الحق، وخلاف ما هو عليه إما برأيه أو معقوله ونظره، الذي به يجادل، وعليه يعول، وبه يغتر، وإما بالتقليد، فمن هذا حاله ربما ينكشف له حال الموت بطلان ما اعتقده جهلا، فيتطرق له أن كل ما اعتقده لا أصل له، فيكون ذلك سببا في شكه عند خروج روحه، فيختم له بسوء الخاتمة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } وبقوله:
هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[الكهف: 103]... الآية. انظر عبارته في كتاب الخوف، وقريبا منه في القوت، عصمنا الله من سوء القضاء، وختم لنا بالسعادة التامة بمنه وكرمه. ثم ذكر حالة أخرى من قبائح أهل الشرك، فقال: { فإذا مس الإنسان ضر دعانا }.
الزمر 39:48
يقول الحق جل جلاله: { ولو أن للذين ظلموا } بالشرك، { ما في الأرض جميعا }: من الأموال والذخائر، { ومثله معه } زائد عليه، { لافتدوا به من سوء العذاب } أي: شدته، { يوم القيامة } أي: لو أن لهم جميع ما في الدنيا لجعلوا ذلك فدية لأنفسهم من العذاب الشديد، وهيهات هيهات، ولات حين مناص. وهذا كما ترى وعيد شديد لأهل الشرك، وإقناط كلي لهم. { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } أي: ظهر لهم من فنون العقوبات ما لم يكن في ظنهم وحسبانهم، ولم يحدثوا به نفوسهم. وهذا غاية من الوعيد، لا غاية وراءها، ونظيره في الوعد: قوله تعالى:
فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين
[السجدة: 17]. { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } أي: ظهر لهم سيئات أعمالهم التي كسبوها، أو سيئات كسبهم حين تعرض عليهم صحائفهم، وكانت خافية عليهم، أو: عقاب ذلك. { وحاق بهم } أي: نزل بهم وأحاط، { ما كانوا به يستهزئون } أي: جزاء هزئهم بالإسلام، ومن جاء به، ومن تبعه. الإشارة: الآية تجر ذيلها على كل ظالم لم يتب، فيتمنى الفداء بجميع ما في الأرض، فلا يمكن منه. وقوله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ، هذه الآية عامة، لا يفلت منها إلا الفرد النادر، الذي وصل إلى غاية المعرفة العيانية، ومن لم يصل إلى هذا المقام فهو مقصر، يظن أنه في عليين، وهو في أسفل سافلين، ولذلك عظم خوف السلف منها، فقد جزع محمد بن المنكدر عند الموت، فقيل له في ذلك، فقال: أخشى آية من كتاب الله: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسب. وعن سفيان أنه قرأها، فقال: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء. ه. وفي الإحياء: من اعتقد في ذات الله وصفاته وأفعاله خلاف الحق، وخلاف ما هو عليه إما برأيه أو معقوله ونظره، الذي به يجادل، وعليه يعول، وبه يغتر، وإما بالتقليد، فمن هذا حاله ربما ينكشف له حال الموت بطلان ما اعتقده جهلا، فيتطرق له أن كل ما اعتقده لا أصل له، فيكون ذلك سببا في شكه عند خروج روحه، فيختم له بسوء الخاتمة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } وبقوله:
هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[الكهف: 103]... الآية. انظر عبارته في كتاب الخوف، وقريبا منه في القوت، عصمنا الله من سوء القضاء، وختم لنا بالسعادة التامة بمنه وكرمه. ثم ذكر حالة أخرى من قبائح أهل الشرك، فقال: { فإذا مس الإنسان ضر دعانا }.
الزمر 39:49
يقول الحق جل جلاله: { فإذا مس الإنسان } أي: جنسه { ضر }: فقر أو غيره { دعانا } معرضا عما سوانا. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من ذكر حالتي أهل الشرك القبيحتين، وما بينهما اعتراض مؤكد للإنكار عليهم، أي: إنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسهم الضر دعوا من اشمأزوا عن ذكره، دون من استبشروا بذكره، فناقضوا فعلهم. فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه؟ قلت: ما في الاعتراض من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، بأمر من الله، وقوله: { أنت تحكم بين عبادك } ، ثم ما عقبه من الوعد العظيم، تأكيد لإنكار اشمئزازهم، واستبشارهم، ورجوعهم إلى الله في الشدائد، دون آلهتهم، كأنه قيل: قل: يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء، الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة، إلا أنت، ثم هددهم بقوله: ولو أن لهؤلاء الظلمة ما في الأرض جميعا لافتدوا به. انظر النسفي. { ثم إذا خولناه نعمة منا }: أعطيناه إياها، تفضلا فإن التخويل مختص به، لا يطلق على ما أعطى جزاء، فإذا أعطيناه ذلك { قال إنما أوتيته } أي: ذلك التخويل أو الإنعام { على علم } مني بوجوه كسبه، كما قال قارون:
إنما أوتيته على علم عندى
[القصص: 78] أو: على علم مني بأني سأعطاه، لما في من فضل واستحقاق، أو: على علم من الله تعالى باستحقاقي لذلك المال، فتذكير الضمير إما لعوده على التخويل المأخوذ من { خولناه } ، أو: بتأويل النعمة بمعنى الإنعام، أو: المراد بشيء من النعمة، أو: يعود على " ما " إذا قلنا: موصولة، لا كافة، أي: إن الذي أوتيته على علم مني. قال تعالى: { بل هي فتنة } أي: ليس ما خولناه نعمة بل هي محنة وابتلاء له ليظهر كفره أو شكره. ولما كان الخبر مؤنثا ساغ تأنيث المبتدأ لأجله، وقرىء: " بل هو فتنة ". { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كذلك، وأن التخويل إنما كان فتنة، وفيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس. { قد قالها الذين من قبلهم } أي: قد قال هذه المقالة، وهي: { إنما أوتيته على علم } من قبلهم، كقارون وقومه، قال قارون:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وقومه راضون بمقالته، فكأنهم قالوها معه. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها. { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } من متاع الدنيا، وما جمعوا منها شيئا حتى ينزل بهم العذاب، { فأصابهم سيئات ما كسبوا } أي: جزاء سيئات ما كسبوا، وهو العذاب في الدنيا والآخرة، أو: سمي جزاء السيئة سيئة للازدواج، كقوله:
وجزآؤا سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40] أي: فأصابهم وبال ما كسبوا، { والذين ظلموا من هؤلاء }: المشركين، يعني قريشا، { سيصيبهم سيئات ما كسبوا } من الكفر والمعاصي، كما أصاب أولئك.
والسين للتأكيد. وقد أصابهم ذلك، حيث قحطوا سبع سنين، وقتل صناديدهم يوم بدر. { وما هم بمعجزين }: بفائتين من عذاب الله. الإشارة: هذه الخصال الذميمة توجد في كثير من هذه الأمة، إذا أصابت العبد شدة أو قهرية رجع إلى الله، فإذا فرج عنه بسب عادي كما هو دأب عالم الحكمة، أسند الفرج إلى ذلك السبب، فيقول: فلان فرج عني، أو الدواء الفلاني شفاني، وهو شرك، كاد أن يكون جليا. والواجب: النظر إلى فعل الله وقدرته، وإسقاط الوسائط من نظره، ولو وجدت حكمة، فالكمال فعلها وجودا، والغيبة عنها شهودا. وبالله التوفيق. ثم ذكر ما جرت به عادته في خلقه، من تعاقب العسر واليسر، والقبض والبسط، فقال: { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق }.
الزمر 39:50
يقول الحق جل جلاله: { فإذا مس الإنسان } أي: جنسه { ضر }: فقر أو غيره { دعانا } معرضا عما سوانا. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من ذكر حالتي أهل الشرك القبيحتين، وما بينهما اعتراض مؤكد للإنكار عليهم، أي: إنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسهم الضر دعوا من اشمأزوا عن ذكره، دون من استبشروا بذكره، فناقضوا فعلهم. فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه؟ قلت: ما في الاعتراض من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، بأمر من الله، وقوله: { أنت تحكم بين عبادك } ، ثم ما عقبه من الوعد العظيم، تأكيد لإنكار اشمئزازهم، واستبشارهم، ورجوعهم إلى الله في الشدائد، دون آلهتهم، كأنه قيل: قل: يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء، الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة، إلا أنت، ثم هددهم بقوله: ولو أن لهؤلاء الظلمة ما في الأرض جميعا لافتدوا به. انظر النسفي. { ثم إذا خولناه نعمة منا }: أعطيناه إياها، تفضلا فإن التخويل مختص به، لا يطلق على ما أعطى جزاء، فإذا أعطيناه ذلك { قال إنما أوتيته } أي: ذلك التخويل أو الإنعام { على علم } مني بوجوه كسبه، كما قال قارون:
إنما أوتيته على علم عندى
[القصص: 78] أو: على علم مني بأني سأعطاه، لما في من فضل واستحقاق، أو: على علم من الله تعالى باستحقاقي لذلك المال، فتذكير الضمير إما لعوده على التخويل المأخوذ من { خولناه } ، أو: بتأويل النعمة بمعنى الإنعام، أو: المراد بشيء من النعمة، أو: يعود على " ما " إذا قلنا: موصولة، لا كافة، أي: إن الذي أوتيته على علم مني. قال تعالى: { بل هي فتنة } أي: ليس ما خولناه نعمة بل هي محنة وابتلاء له ليظهر كفره أو شكره. ولما كان الخبر مؤنثا ساغ تأنيث المبتدأ لأجله، وقرىء: " بل هو فتنة ". { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كذلك، وأن التخويل إنما كان فتنة، وفيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس. { قد قالها الذين من قبلهم } أي: قد قال هذه المقالة، وهي: { إنما أوتيته على علم } من قبلهم، كقارون وقومه، قال قارون:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وقومه راضون بمقالته، فكأنهم قالوها معه. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها. { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } من متاع الدنيا، وما جمعوا منها شيئا حتى ينزل بهم العذاب، { فأصابهم سيئات ما كسبوا } أي: جزاء سيئات ما كسبوا، وهو العذاب في الدنيا والآخرة، أو: سمي جزاء السيئة سيئة للازدواج، كقوله:
وجزآؤا سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40] أي: فأصابهم وبال ما كسبوا، { والذين ظلموا من هؤلاء }: المشركين، يعني قريشا، { سيصيبهم سيئات ما كسبوا } من الكفر والمعاصي، كما أصاب أولئك.
والسين للتأكيد. وقد أصابهم ذلك، حيث قحطوا سبع سنين، وقتل صناديدهم يوم بدر. { وما هم بمعجزين }: بفائتين من عذاب الله. الإشارة: هذه الخصال الذميمة توجد في كثير من هذه الأمة، إذا أصابت العبد شدة أو قهرية رجع إلى الله، فإذا فرج عنه بسب عادي كما هو دأب عالم الحكمة، أسند الفرج إلى ذلك السبب، فيقول: فلان فرج عني، أو الدواء الفلاني شفاني، وهو شرك، كاد أن يكون جليا. والواجب: النظر إلى فعل الله وقدرته، وإسقاط الوسائط من نظره، ولو وجدت حكمة، فالكمال فعلها وجودا، والغيبة عنها شهودا. وبالله التوفيق. ثم ذكر ما جرت به عادته في خلقه، من تعاقب العسر واليسر، والقبض والبسط، فقال: { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق }.
الزمر 39:51
يقول الحق جل جلاله: { فإذا مس الإنسان } أي: جنسه { ضر }: فقر أو غيره { دعانا } معرضا عما سوانا. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من ذكر حالتي أهل الشرك القبيحتين، وما بينهما اعتراض مؤكد للإنكار عليهم، أي: إنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسهم الضر دعوا من اشمأزوا عن ذكره، دون من استبشروا بذكره، فناقضوا فعلهم. فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه؟ قلت: ما في الاعتراض من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، بأمر من الله، وقوله: { أنت تحكم بين عبادك } ، ثم ما عقبه من الوعد العظيم، تأكيد لإنكار اشمئزازهم، واستبشارهم، ورجوعهم إلى الله في الشدائد، دون آلهتهم، كأنه قيل: قل: يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء، الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة، إلا أنت، ثم هددهم بقوله: ولو أن لهؤلاء الظلمة ما في الأرض جميعا لافتدوا به. انظر النسفي. { ثم إذا خولناه نعمة منا }: أعطيناه إياها، تفضلا فإن التخويل مختص به، لا يطلق على ما أعطى جزاء، فإذا أعطيناه ذلك { قال إنما أوتيته } أي: ذلك التخويل أو الإنعام { على علم } مني بوجوه كسبه، كما قال قارون:
إنما أوتيته على علم عندى
[القصص: 78] أو: على علم مني بأني سأعطاه، لما في من فضل واستحقاق، أو: على علم من الله تعالى باستحقاقي لذلك المال، فتذكير الضمير إما لعوده على التخويل المأخوذ من { خولناه } ، أو: بتأويل النعمة بمعنى الإنعام، أو: المراد بشيء من النعمة، أو: يعود على " ما " إذا قلنا: موصولة، لا كافة، أي: إن الذي أوتيته على علم مني. قال تعالى: { بل هي فتنة } أي: ليس ما خولناه نعمة بل هي محنة وابتلاء له ليظهر كفره أو شكره. ولما كان الخبر مؤنثا ساغ تأنيث المبتدأ لأجله، وقرىء: " بل هو فتنة ". { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كذلك، وأن التخويل إنما كان فتنة، وفيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس. { قد قالها الذين من قبلهم } أي: قد قال هذه المقالة، وهي: { إنما أوتيته على علم } من قبلهم، كقارون وقومه، قال قارون:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وقومه راضون بمقالته، فكأنهم قالوها معه. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها. { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } من متاع الدنيا، وما جمعوا منها شيئا حتى ينزل بهم العذاب، { فأصابهم سيئات ما كسبوا } أي: جزاء سيئات ما كسبوا، وهو العذاب في الدنيا والآخرة، أو: سمي جزاء السيئة سيئة للازدواج، كقوله:
وجزآؤا سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40] أي: فأصابهم وبال ما كسبوا، { والذين ظلموا من هؤلاء }: المشركين، يعني قريشا، { سيصيبهم سيئات ما كسبوا } من الكفر والمعاصي، كما أصاب أولئك.
والسين للتأكيد. وقد أصابهم ذلك، حيث قحطوا سبع سنين، وقتل صناديدهم يوم بدر. { وما هم بمعجزين }: بفائتين من عذاب الله. الإشارة: هذه الخصال الذميمة توجد في كثير من هذه الأمة، إذا أصابت العبد شدة أو قهرية رجع إلى الله، فإذا فرج عنه بسب عادي كما هو دأب عالم الحكمة، أسند الفرج إلى ذلك السبب، فيقول: فلان فرج عني، أو الدواء الفلاني شفاني، وهو شرك، كاد أن يكون جليا. والواجب: النظر إلى فعل الله وقدرته، وإسقاط الوسائط من نظره، ولو وجدت حكمة، فالكمال فعلها وجودا، والغيبة عنها شهودا. وبالله التوفيق. ثم ذكر ما جرت به عادته في خلقه، من تعاقب العسر واليسر، والقبض والبسط، فقال: { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق }.
الزمر 39:52
يقول الحق جل جلاله: { أولم يعلموا } أي: أقالوا ذلك ولم يعلموا، أو أغفلوا ولم يعلموا { أن الله يبسط الرزق } أي: يوسعه { لمن يشاء ويقدر } أي: يضيق لمن يشاء بلا سبب ولا علة، أو: يجعله على قدر القوت من غير زيادة ولا نقصان، وهو من إتمام النعمة. وفي الحكم:
" من تمام النعمة عليك أن يعطيك ما يكفيك، ويمنعك ما يطغيك "
{ إن في ذلك }: البسط والقبض { لآيات } دالة على أن الحوادث كلها من الله بلا واسطة، { لقوم يؤمنون } ، إذ هم المستدلون بها على أن القابض والباسط هو الله، دون غيره. الإشارة: قد يبسط الله الرزق لمن لا خلاق له عنده، ويقبضه عن أحب الخلق إليه، وهو الغالب، فرزق المتقين كفاف، ورزق المترفين جزاف. ولما وبخ المشركين، وأطنب الكلام فيه، وأبرق وأرعد، رغب في التوبة للكافة، استعطافا وترغيبا بعد الترهيب، فقال: { قل يعبادي الذين أسرفوا }.
الزمر 39:53
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } أي: أفرطوا في الجناية عليها، بالإسراف في المعاصي، والغلو فيها، { لا تقنطوا من رحمة الله }: لا تيأسوا من مغفرته أولا، وتفضله بالرحمة ثانيا، { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ، بالعفو عنها، إلا الشرك. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم:
" يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي "
لكنها لم تتواتر عنه. والمغفرة تصدق بعد التعذيب وقبله، وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر، كيف، وقوله تعالى:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء: 48] ظاهر في الإطلاق مما عدا الشرك؟ ولما يدل عليه التعليل بقوله: { إنه هو الغفور الرحيم } على المبالغة، وإفادة الحصر، والوعد بالرحمة بعد المغفرة. وما في { عبادي } من الدلالة على الذلة والاختصاص، المقتضيين للترحم. { إنه هو الغفور } يستر عظام الذنوب { الرحيم } يكشف فظائع الكروب. والآية، وإن نزلت في " وحشي " ، قاتل " حمزة " ، أو في غيره، لا تقتضي التخصيص بهم، فإن أسباب النزول لا تخصص. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ".
ولما نزلت في شأن وحشي، وأسلم، قال المسلمون: هذه له خاصة، أو للمسلمين عامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" بل هي للمسلمين عامة "
وقال قتادة إن ناسا أصابوا ذنوبا عظاما، فلما جاء الإسلام أشفقوا ألا يتاب عليهم، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية. وقال ابن عمر: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر كانوا قد أسلموا ثم فتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا، فنزلت الآية، وكان عمر بن الخطاب كاتبا، فكتبها بيده، ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد، وإلى أولئك النفر، فأسلموا، وهاجروا. قال علي رضي الله عنه: " ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية ". فما يقنط الناس ويشدد عليهم بعد هذه الآية إلا جهول، أو جامد، قال زيد بن أسلم: إن رجلا كان في الأمم الماضية مجتهدا في العبادة، فيشدد على نفسه، ويقنط الناس من رحمة الله، فمات، فقال: أي رب ما لي عندك؟ فقال: النار. فقال: يا رب أين عبادتي؟ فقال: إنك كنت تقنط الناس من رحمتي في الدنيا، فاليوم أقنطك من رحمتي. وعن علي كرم الله وجهه قال: الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من عذاب الله، ولا يرخص لهم في معاصي الله. ه. ثم حض على التوبة لتتحقق المغفرة، فقال: { وأنيبوا إلى ربكم } أي: ارجعوا إليه بالتوبة والإخلاص.
فالإنابة أخص من التوبة لأن التوبة: مطلق الندم على الزلة، والإنابة: تحقيق التوبة والنهوض إلى الله بإخلاص التوجه. قال صلى الله عليه وسلم:
" من السعادة أن يطول عمر الرجل ويرزقه الله الإنابة "
قال القشيري: وقيل الفرق بين الإنابة والتوبة: أن التائب يرجع خوفا من العقوبة، والمنيب يرجع حياء منه تعالى. ه. والأمر بالتوبة لا يدل على تقييد المغفرة في الآية بها، كما تقدم إذ ليس المدعى: أن الآية تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب، حتى يغني عن الأمر بها، وإنما المراد: الإخبار بسعة غفرانه، سواء كان مع التوبة أم لا. قال ابن عرفة: واعلم أن التوبة من الكفر مقطوع بها، ومن المعاصي، قيل: مظنونة، وقيل: مقطوع بها، هذا في الجملة، وأما في التعيين، كتوبة زيد بن عمرو، فلا خلاف أنها مظنونة. ه. قلت: قد اقترن بتوبة زيد من الأخبار ما يقطع بصحتها. ثم قال: وأما العاصي إذا لم يتب فهو في المشيئة، مع تغليب جانب الخوف والعقوبة، واعتقاد أن العذاب أرجح، وأما العصيان بالقتل، ففيه خلاف بين أهل السنة، فقيل: يخلد في النار، وقيل: في المشيئة. ه. وقال أبو الحجاج الضرير رحمه الله:
وتوبة الكافر تمحو اثمه لا خلاف فيه بين الأمه وتوبة العاصي على الإرجاء وقيل كالأول بالسواء إذ لا يكون دونه في الحال وهو عندي أحسن الأقوال دليله: تتابع الظواهر شاملة مسلم وكافر
{ وأسلموا له } أي: اخضعوا له، وانقادوا لأمره. قال القشيري: أي: أخلصوا في طاعتكم، والإسلام الذي هو الإخلاص بعد الإنابة : هو أن يعلم نجاته بفضله، لا بإنابته فبفضله يصل إلى إثابته، لا بإنابته يصل إلى فضله. ه. { من قبل أن يأتيكم العذاب } في الدنيا، أو في الآخرة، إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب. قال القشيري: العذاب هنا، قيل: الفراق، وقيل: هو أن يفوته وقت الرجوع بسوء الإياس. ه. { ثم لا تنصرون }: لا تمنعون منه أبدا. الإشارة: لا يعظم عندك الذنب عظمة تصدك عن حسن الظن بالله، فإن من استحضر عظمة ربه صغر في عينه كل شيء. وتذكر قضية الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم سأل راهبا: هل له توبة؟ فقال: لا، فكمل به المائة، ثم سأل عارفا، فقال له: ومن يحول بينك وبينها؟ لكن اخرج من القرية التي كنت تعصي فيها، واذهب إلى قوم يعبدون الله في مكان، فذهب، فأدركه الموت في الطريق، فلما أحس بالموت انحاز بصدره إلى القرية التي قصدها، ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة فقال لهم الحق تعالى: قيسوا من القرية التي خرج منها، إلى القرية التي قصدها، فإلى أيهما هو أقرب هو منها؟ فوجدوه أقرب إلى القرية التي قصدها بشبر، فأخذته ملائكة الرحمة.
إلى غير ذلك من الحكايات التي لا تحصى في هذا المعنى. وتأمل قضية الشاب الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال:
" ما يبكيك؟ قال: ذنوبي. فقال له عليه السلام: إن الله يغفر ذنوبك، ولو كانت مثل السماوات السبع، والأرضين السبع، والجبال الرواسي، فقال: يا رسول الله، ذنب من ذنوبي أعظم من السماوات السبع والأرضين السبع، فقال له: ذنوبك أعظم أو العرش؟ قال: ذنوبي، فقال له: ذنوبك أعظم أو الكرسي؟ قال: ذنوبي، فقال: ذنوبك أعظم أو إلهك؟ فقال: الله أعظم، فقال: فأخبرني عن ذنبك. قال: إني أستحيي، فقال: فأخبرني، فقال: إني كنت نباشا أنبش القبور منذ سبع سنين، حتى ماتت جارية من بنات الأنصار، فنبشتها، وأخرجتها من كفنها، فمضيت، ثم غلبني الشيطان، فرجعت، فجامعتها، فقامت الجارية، وقالت: الويل لك يا شاب من ديان يوم الدين، يوم يضع كرسيه للقضاء، يأخذ من الظالم للمظلوم، تركتني عريانة في عساكر الموتى، وأوقفتني جنبا بين يدي الله، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب في قفاه، وهو يقول: يا فاسق، اخرج، ما أقربك من النار، فخرج الشاب تائبا إلى الله تعالى، حتى أتى عليه ما شاء الله، ثم قال: يا إله محمد وآدم وحواء، إن كنت غفرت لي فأعلم محمدا وأصحابه، وإلا فأرسل علي نارا من السماء فأحرقني بها، ونجني من عذاب الآخرة، فجاء جبريل: فقال: السلام يقرئك السلام، فقال: هو السلام وإليه يعود السلام، قال: يقول أأنت خلقت خلقي؟ قال: بل هو الذي خلقهم. قال: يقول: ترزقهم؟ قال: بل هو الذي يرزقهم، قال: يقول: أأنت تتوب عليهم؟ قال: بل هو الذي يتوب عليهم. قال: فتب على عبدي، فإني تبت عليه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الشاب، وتاب عليه، وقال: إن الله هو التواب الرحيم "
ه. ذكره السمرقندي والثعلبي. ثم أمر باتباع القرآن بعد الإنابة، فقال: { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم }.
الزمر 39:54
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } أي: أفرطوا في الجناية عليها، بالإسراف في المعاصي، والغلو فيها، { لا تقنطوا من رحمة الله }: لا تيأسوا من مغفرته أولا، وتفضله بالرحمة ثانيا، { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ، بالعفو عنها، إلا الشرك. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم:
" يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي "
لكنها لم تتواتر عنه. والمغفرة تصدق بعد التعذيب وقبله، وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر، كيف، وقوله تعالى:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء: 48] ظاهر في الإطلاق مما عدا الشرك؟ ولما يدل عليه التعليل بقوله: { إنه هو الغفور الرحيم } على المبالغة، وإفادة الحصر، والوعد بالرحمة بعد المغفرة. وما في { عبادي } من الدلالة على الذلة والاختصاص، المقتضيين للترحم. { إنه هو الغفور } يستر عظام الذنوب { الرحيم } يكشف فظائع الكروب. والآية، وإن نزلت في " وحشي " ، قاتل " حمزة " ، أو في غيره، لا تقتضي التخصيص بهم، فإن أسباب النزول لا تخصص. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ".
ولما نزلت في شأن وحشي، وأسلم، قال المسلمون: هذه له خاصة، أو للمسلمين عامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" بل هي للمسلمين عامة "
وقال قتادة إن ناسا أصابوا ذنوبا عظاما، فلما جاء الإسلام أشفقوا ألا يتاب عليهم، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية. وقال ابن عمر: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر كانوا قد أسلموا ثم فتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا، فنزلت الآية، وكان عمر بن الخطاب كاتبا، فكتبها بيده، ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد، وإلى أولئك النفر، فأسلموا، وهاجروا. قال علي رضي الله عنه: " ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية ". فما يقنط الناس ويشدد عليهم بعد هذه الآية إلا جهول، أو جامد، قال زيد بن أسلم: إن رجلا كان في الأمم الماضية مجتهدا في العبادة، فيشدد على نفسه، ويقنط الناس من رحمة الله، فمات، فقال: أي رب ما لي عندك؟ فقال: النار. فقال: يا رب أين عبادتي؟ فقال: إنك كنت تقنط الناس من رحمتي في الدنيا، فاليوم أقنطك من رحمتي. وعن علي كرم الله وجهه قال: الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من عذاب الله، ولا يرخص لهم في معاصي الله. ه. ثم حض على التوبة لتتحقق المغفرة، فقال: { وأنيبوا إلى ربكم } أي: ارجعوا إليه بالتوبة والإخلاص.
فالإنابة أخص من التوبة لأن التوبة: مطلق الندم على الزلة، والإنابة: تحقيق التوبة والنهوض إلى الله بإخلاص التوجه. قال صلى الله عليه وسلم:
" من السعادة أن يطول عمر الرجل ويرزقه الله الإنابة "
قال القشيري: وقيل الفرق بين الإنابة والتوبة: أن التائب يرجع خوفا من العقوبة، والمنيب يرجع حياء منه تعالى. ه. والأمر بالتوبة لا يدل على تقييد المغفرة في الآية بها، كما تقدم إذ ليس المدعى: أن الآية تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب، حتى يغني عن الأمر بها، وإنما المراد: الإخبار بسعة غفرانه، سواء كان مع التوبة أم لا. قال ابن عرفة: واعلم أن التوبة من الكفر مقطوع بها، ومن المعاصي، قيل: مظنونة، وقيل: مقطوع بها، هذا في الجملة، وأما في التعيين، كتوبة زيد بن عمرو، فلا خلاف أنها مظنونة. ه. قلت: قد اقترن بتوبة زيد من الأخبار ما يقطع بصحتها. ثم قال: وأما العاصي إذا لم يتب فهو في المشيئة، مع تغليب جانب الخوف والعقوبة، واعتقاد أن العذاب أرجح، وأما العصيان بالقتل، ففيه خلاف بين أهل السنة، فقيل: يخلد في النار، وقيل: في المشيئة. ه. وقال أبو الحجاج الضرير رحمه الله:
وتوبة الكافر تمحو اثمه لا خلاف فيه بين الأمه وتوبة العاصي على الإرجاء وقيل كالأول بالسواء إذ لا يكون دونه في الحال وهو عندي أحسن الأقوال دليله: تتابع الظواهر شاملة مسلم وكافر
{ وأسلموا له } أي: اخضعوا له، وانقادوا لأمره. قال القشيري: أي: أخلصوا في طاعتكم، والإسلام الذي هو الإخلاص بعد الإنابة : هو أن يعلم نجاته بفضله، لا بإنابته فبفضله يصل إلى إثابته، لا بإنابته يصل إلى فضله. ه. { من قبل أن يأتيكم العذاب } في الدنيا، أو في الآخرة، إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب. قال القشيري: العذاب هنا، قيل: الفراق، وقيل: هو أن يفوته وقت الرجوع بسوء الإياس. ه. { ثم لا تنصرون }: لا تمنعون منه أبدا. الإشارة: لا يعظم عندك الذنب عظمة تصدك عن حسن الظن بالله، فإن من استحضر عظمة ربه صغر في عينه كل شيء. وتذكر قضية الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم سأل راهبا: هل له توبة؟ فقال: لا، فكمل به المائة، ثم سأل عارفا، فقال له: ومن يحول بينك وبينها؟ لكن اخرج من القرية التي كنت تعصي فيها، واذهب إلى قوم يعبدون الله في مكان، فذهب، فأدركه الموت في الطريق، فلما أحس بالموت انحاز بصدره إلى القرية التي قصدها، ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة فقال لهم الحق تعالى: قيسوا من القرية التي خرج منها، إلى القرية التي قصدها، فإلى أيهما هو أقرب هو منها؟ فوجدوه أقرب إلى القرية التي قصدها بشبر، فأخذته ملائكة الرحمة.
إلى غير ذلك من الحكايات التي لا تحصى في هذا المعنى. وتأمل قضية الشاب الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال:
" ما يبكيك؟ قال: ذنوبي. فقال له عليه السلام: إن الله يغفر ذنوبك، ولو كانت مثل السماوات السبع، والأرضين السبع، والجبال الرواسي، فقال: يا رسول الله، ذنب من ذنوبي أعظم من السماوات السبع والأرضين السبع، فقال له: ذنوبك أعظم أو العرش؟ قال: ذنوبي، فقال له: ذنوبك أعظم أو الكرسي؟ قال: ذنوبي، فقال: ذنوبك أعظم أو إلهك؟ فقال: الله أعظم، فقال: فأخبرني عن ذنبك. قال: إني أستحيي، فقال: فأخبرني، فقال: إني كنت نباشا أنبش القبور منذ سبع سنين، حتى ماتت جارية من بنات الأنصار، فنبشتها، وأخرجتها من كفنها، فمضيت، ثم غلبني الشيطان، فرجعت، فجامعتها، فقامت الجارية، وقالت: الويل لك يا شاب من ديان يوم الدين، يوم يضع كرسيه للقضاء، يأخذ من الظالم للمظلوم، تركتني عريانة في عساكر الموتى، وأوقفتني جنبا بين يدي الله، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب في قفاه، وهو يقول: يا فاسق، اخرج، ما أقربك من النار، فخرج الشاب تائبا إلى الله تعالى، حتى أتى عليه ما شاء الله، ثم قال: يا إله محمد وآدم وحواء، إن كنت غفرت لي فأعلم محمدا وأصحابه، وإلا فأرسل علي نارا من السماء فأحرقني بها، ونجني من عذاب الآخرة، فجاء جبريل: فقال: السلام يقرئك السلام، فقال: هو السلام وإليه يعود السلام، قال: يقول أأنت خلقت خلقي؟ قال: بل هو الذي خلقهم. قال: يقول: ترزقهم؟ قال: بل هو الذي يرزقهم، قال: يقول: أأنت تتوب عليهم؟ قال: بل هو الذي يتوب عليهم. قال: فتب على عبدي، فإني تبت عليه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الشاب، وتاب عليه، وقال: إن الله هو التواب الرحيم "
ه. ذكره السمرقندي والثعلبي. ثم أمر باتباع القرآن بعد الإنابة، فقال: { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم }.
الزمر 39:55
يقول الحق جل جلاله: { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } أي: القرآن، فإنه أحسن الحديث، ولا أحسن منه لفظا ومعنى، أو:المأمور به دون المنهي، أو: العزائم دون الرخص، كقوله:
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
[الزمر: 18]، أو: الناسخ دون المنسوخ، ولعله ما هو أعم، فيصدق بكل ما يقرب إلى الله، كالإنابة، والطاعة، ونحوهما، { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة }: فجأة، { وأنتم لا تشعرون } بمجيئه لتداركوا وتتأهبوا. أمرتكم بذلك كراهة { أن تقول نفس } ، والتنكير للتكثير، كما في قوله:
علمت نفس مآ أحضرت
[التكوير: 14]، أو: يراد به بعض الأنفس، وهي نفس الكافر، أو: يراد نفس متميزة إما بلجاج في الكفر شديد أو بعقاب عظيم: { يا حسرتا } ، بألف بدل من ياء الإضافة لأن العرب تقلب ياء المتكلم ألفا في الاستغاثة، فيقولون: يا ويلتا، يا ندامتا، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما ألحقوا بها الهاء، فيقال: يا رباه، يا مولاه، وربما ألحقوا ياء المتكلم، جمعا بين العوض والمعوض، وبذلك قرأ أبو جعفر: " يا حسرتاي " أي: يا ندامتاه ويا حزناه. { على ما فرطت }: قصرت. و " ما ": مصدرية، أي: على تقصيري وتفريطي { في جنب الله } أي: جانبه وحقه وطاعته، أو: في ذاته، أي: معرفة ذاته، أو في قربه، من قوله:
والصاحب بالجنب
[النساء: 36]، أو: في سبيل الله ودينه، والعرب تسمي السبب الموصل إلى الشيء جنبا، تقول: تجرعت في جنبك غصصا، أي: لأجلك، أو: في الجانب الذي يؤدي إلى رضوانه، وهو توحيده والإقرار بنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء " في ذكر الله ". { وإن كنت لمن الساخرين } أي: المستهزئين بدين الله. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر بأهلها. و " إن ": مخففة، والجملة: حالية، أي: فرطت وأنا ساخر. { أو تقول لو أن الله هداني }: أعطاني الهداية، { لكنت من المتقين }: من الذين يتقون الشرك. قال الإمام أبو منصور: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة. وكذلك أولئك الكفرة، الذين قالوا لأتباعهم:
لو هدانا الله لهديناكم
[إبراهيم: 21] يقولون: لو وفقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا. والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا. انظر النسفي. { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة } أي: رجعة للدنيا، { فأكون من المحسنين }: الموحدين الطائعين. و " أو " للدلالة على أنها لا تخلو من هذه الأقوال، تحيرا وتحسرا، وتعليلا بما لا طائل تحته. فرد الله عليهم بقوله: { بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } أي: قد جاءتك آياتي، وبينت لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، فتركت ذلك، وضيعت، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، وإنما جاء التضييع من قبلك، فلا عذر لك.
و " بلى ": جواب لنفي مقدر، وهو نتيجة القياس الاستثنائي، أي: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت متقيا، لكنه لم يهدني، وإنما أخره لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس عى ترتيبها، ثم يذكر الجواب في الجملة. والله تعالى أعلم. الإشارة: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم، أي: خذوا في الجد والاجتهاد في اتباع الأحسن والأرجح، في الأفعال، والأقوال، والعقائد، من قبل أن ينزل بكم العذاب. ولا عذاب أشد من الحجاب، والتخلف عن مقامات الأحباب، في وقت لا ينفع التأسف ولا التحسر. قال القشيري: هذا في أقوام يرون أمثالهم وأشكالهم، تقدموا عليهم في أحوالهم، فشكوا ما سلف من تقصيرهم، ويرون ما وفق أولئك إليه من أعالي الرتب، فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة. ه. وفي ذلك قيل وأنشد:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
وهو معنى قوله: { أن تقول نفس } كانت مقصرة في الدنيا: { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } أي: في السير إلى معرفة ذاته، { وإن كنت لمن الساخرين } ممن يتعاطى ذلك، ويخرب ظاهره لتعمير باطنه، فكنت أسخر منه وأضحك عليه، أو تحتج بالقدر، فتقول: لو أن الله هداني لسلوك طريقه لكنت من المتقين الكاملين في التقوى. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر في دار التكليف مع بيان الطريق. أو تقول حين ترى العذاب، وهو فراق الأحباب والتخلف عنهم: لو أن لي كرة إلى الدنيا، فأجهد نفسي حتى أكون من أهل الإحسان، الذين يعبدون الله على العيان، بلى قد جاءتك آياتي، وهم الدعاة إلي في كل زمان { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ، فكذبت بها، واستكبرت عن الخضوع لهم، وكنت من الجاحدين لطريق التربية. ثم ذكر مآل أهل التذكيب والصدق، فقال: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله }.
الزمر 39:56
يقول الحق جل جلاله: { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } أي: القرآن، فإنه أحسن الحديث، ولا أحسن منه لفظا ومعنى، أو:المأمور به دون المنهي، أو: العزائم دون الرخص، كقوله:
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
[الزمر: 18]، أو: الناسخ دون المنسوخ، ولعله ما هو أعم، فيصدق بكل ما يقرب إلى الله، كالإنابة، والطاعة، ونحوهما، { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة }: فجأة، { وأنتم لا تشعرون } بمجيئه لتداركوا وتتأهبوا. أمرتكم بذلك كراهة { أن تقول نفس } ، والتنكير للتكثير، كما في قوله:
علمت نفس مآ أحضرت
[التكوير: 14]، أو: يراد به بعض الأنفس، وهي نفس الكافر، أو: يراد نفس متميزة إما بلجاج في الكفر شديد أو بعقاب عظيم: { يا حسرتا } ، بألف بدل من ياء الإضافة لأن العرب تقلب ياء المتكلم ألفا في الاستغاثة، فيقولون: يا ويلتا، يا ندامتا، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما ألحقوا بها الهاء، فيقال: يا رباه، يا مولاه، وربما ألحقوا ياء المتكلم، جمعا بين العوض والمعوض، وبذلك قرأ أبو جعفر: " يا حسرتاي " أي: يا ندامتاه ويا حزناه. { على ما فرطت }: قصرت. و " ما ": مصدرية، أي: على تقصيري وتفريطي { في جنب الله } أي: جانبه وحقه وطاعته، أو: في ذاته، أي: معرفة ذاته، أو في قربه، من قوله:
والصاحب بالجنب
[النساء: 36]، أو: في سبيل الله ودينه، والعرب تسمي السبب الموصل إلى الشيء جنبا، تقول: تجرعت في جنبك غصصا، أي: لأجلك، أو: في الجانب الذي يؤدي إلى رضوانه، وهو توحيده والإقرار بنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء " في ذكر الله ". { وإن كنت لمن الساخرين } أي: المستهزئين بدين الله. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر بأهلها. و " إن ": مخففة، والجملة: حالية، أي: فرطت وأنا ساخر. { أو تقول لو أن الله هداني }: أعطاني الهداية، { لكنت من المتقين }: من الذين يتقون الشرك. قال الإمام أبو منصور: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة. وكذلك أولئك الكفرة، الذين قالوا لأتباعهم:
لو هدانا الله لهديناكم
[إبراهيم: 21] يقولون: لو وفقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا. والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا. انظر النسفي. { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة } أي: رجعة للدنيا، { فأكون من المحسنين }: الموحدين الطائعين. و " أو " للدلالة على أنها لا تخلو من هذه الأقوال، تحيرا وتحسرا، وتعليلا بما لا طائل تحته. فرد الله عليهم بقوله: { بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } أي: قد جاءتك آياتي، وبينت لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، فتركت ذلك، وضيعت، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، وإنما جاء التضييع من قبلك، فلا عذر لك.
و " بلى ": جواب لنفي مقدر، وهو نتيجة القياس الاستثنائي، أي: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت متقيا، لكنه لم يهدني، وإنما أخره لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس عى ترتيبها، ثم يذكر الجواب في الجملة. والله تعالى أعلم. الإشارة: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم، أي: خذوا في الجد والاجتهاد في اتباع الأحسن والأرجح، في الأفعال، والأقوال، والعقائد، من قبل أن ينزل بكم العذاب. ولا عذاب أشد من الحجاب، والتخلف عن مقامات الأحباب، في وقت لا ينفع التأسف ولا التحسر. قال القشيري: هذا في أقوام يرون أمثالهم وأشكالهم، تقدموا عليهم في أحوالهم، فشكوا ما سلف من تقصيرهم، ويرون ما وفق أولئك إليه من أعالي الرتب، فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة. ه. وفي ذلك قيل وأنشد:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
وهو معنى قوله: { أن تقول نفس } كانت مقصرة في الدنيا: { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } أي: في السير إلى معرفة ذاته، { وإن كنت لمن الساخرين } ممن يتعاطى ذلك، ويخرب ظاهره لتعمير باطنه، فكنت أسخر منه وأضحك عليه، أو تحتج بالقدر، فتقول: لو أن الله هداني لسلوك طريقه لكنت من المتقين الكاملين في التقوى. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر في دار التكليف مع بيان الطريق. أو تقول حين ترى العذاب، وهو فراق الأحباب والتخلف عنهم: لو أن لي كرة إلى الدنيا، فأجهد نفسي حتى أكون من أهل الإحسان، الذين يعبدون الله على العيان، بلى قد جاءتك آياتي، وهم الدعاة إلي في كل زمان { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ، فكذبت بها، واستكبرت عن الخضوع لهم، وكنت من الجاحدين لطريق التربية. ثم ذكر مآل أهل التذكيب والصدق، فقال: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله }.
الزمر 39:57
يقول الحق جل جلاله: { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } أي: القرآن، فإنه أحسن الحديث، ولا أحسن منه لفظا ومعنى، أو:المأمور به دون المنهي، أو: العزائم دون الرخص، كقوله:
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
[الزمر: 18]، أو: الناسخ دون المنسوخ، ولعله ما هو أعم، فيصدق بكل ما يقرب إلى الله، كالإنابة، والطاعة، ونحوهما، { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة }: فجأة، { وأنتم لا تشعرون } بمجيئه لتداركوا وتتأهبوا. أمرتكم بذلك كراهة { أن تقول نفس } ، والتنكير للتكثير، كما في قوله:
علمت نفس مآ أحضرت
[التكوير: 14]، أو: يراد به بعض الأنفس، وهي نفس الكافر، أو: يراد نفس متميزة إما بلجاج في الكفر شديد أو بعقاب عظيم: { يا حسرتا } ، بألف بدل من ياء الإضافة لأن العرب تقلب ياء المتكلم ألفا في الاستغاثة، فيقولون: يا ويلتا، يا ندامتا، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما ألحقوا بها الهاء، فيقال: يا رباه، يا مولاه، وربما ألحقوا ياء المتكلم، جمعا بين العوض والمعوض، وبذلك قرأ أبو جعفر: " يا حسرتاي " أي: يا ندامتاه ويا حزناه. { على ما فرطت }: قصرت. و " ما ": مصدرية، أي: على تقصيري وتفريطي { في جنب الله } أي: جانبه وحقه وطاعته، أو: في ذاته، أي: معرفة ذاته، أو في قربه، من قوله:
والصاحب بالجنب
[النساء: 36]، أو: في سبيل الله ودينه، والعرب تسمي السبب الموصل إلى الشيء جنبا، تقول: تجرعت في جنبك غصصا، أي: لأجلك، أو: في الجانب الذي يؤدي إلى رضوانه، وهو توحيده والإقرار بنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء " في ذكر الله ". { وإن كنت لمن الساخرين } أي: المستهزئين بدين الله. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر بأهلها. و " إن ": مخففة، والجملة: حالية، أي: فرطت وأنا ساخر. { أو تقول لو أن الله هداني }: أعطاني الهداية، { لكنت من المتقين }: من الذين يتقون الشرك. قال الإمام أبو منصور: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة. وكذلك أولئك الكفرة، الذين قالوا لأتباعهم:
لو هدانا الله لهديناكم
[إبراهيم: 21] يقولون: لو وفقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا. والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا. انظر النسفي. { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة } أي: رجعة للدنيا، { فأكون من المحسنين }: الموحدين الطائعين. و " أو " للدلالة على أنها لا تخلو من هذه الأقوال، تحيرا وتحسرا، وتعليلا بما لا طائل تحته. فرد الله عليهم بقوله: { بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } أي: قد جاءتك آياتي، وبينت لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، فتركت ذلك، وضيعت، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، وإنما جاء التضييع من قبلك، فلا عذر لك.
و " بلى ": جواب لنفي مقدر، وهو نتيجة القياس الاستثنائي، أي: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت متقيا، لكنه لم يهدني، وإنما أخره لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس عى ترتيبها، ثم يذكر الجواب في الجملة. والله تعالى أعلم. الإشارة: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم، أي: خذوا في الجد والاجتهاد في اتباع الأحسن والأرجح، في الأفعال، والأقوال، والعقائد، من قبل أن ينزل بكم العذاب. ولا عذاب أشد من الحجاب، والتخلف عن مقامات الأحباب، في وقت لا ينفع التأسف ولا التحسر. قال القشيري: هذا في أقوام يرون أمثالهم وأشكالهم، تقدموا عليهم في أحوالهم، فشكوا ما سلف من تقصيرهم، ويرون ما وفق أولئك إليه من أعالي الرتب، فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة. ه. وفي ذلك قيل وأنشد:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
وهو معنى قوله: { أن تقول نفس } كانت مقصرة في الدنيا: { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } أي: في السير إلى معرفة ذاته، { وإن كنت لمن الساخرين } ممن يتعاطى ذلك، ويخرب ظاهره لتعمير باطنه، فكنت أسخر منه وأضحك عليه، أو تحتج بالقدر، فتقول: لو أن الله هداني لسلوك طريقه لكنت من المتقين الكاملين في التقوى. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر في دار التكليف مع بيان الطريق. أو تقول حين ترى العذاب، وهو فراق الأحباب والتخلف عنهم: لو أن لي كرة إلى الدنيا، فأجهد نفسي حتى أكون من أهل الإحسان، الذين يعبدون الله على العيان، بلى قد جاءتك آياتي، وهم الدعاة إلي في كل زمان { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ، فكذبت بها، واستكبرت عن الخضوع لهم، وكنت من الجاحدين لطريق التربية. ثم ذكر مآل أهل التذكيب والصدق، فقال: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله }.
الزمر 39:58
يقول الحق جل جلاله: { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } أي: القرآن، فإنه أحسن الحديث، ولا أحسن منه لفظا ومعنى، أو:المأمور به دون المنهي، أو: العزائم دون الرخص، كقوله:
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
[الزمر: 18]، أو: الناسخ دون المنسوخ، ولعله ما هو أعم، فيصدق بكل ما يقرب إلى الله، كالإنابة، والطاعة، ونحوهما، { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة }: فجأة، { وأنتم لا تشعرون } بمجيئه لتداركوا وتتأهبوا. أمرتكم بذلك كراهة { أن تقول نفس } ، والتنكير للتكثير، كما في قوله:
علمت نفس مآ أحضرت
[التكوير: 14]، أو: يراد به بعض الأنفس، وهي نفس الكافر، أو: يراد نفس متميزة إما بلجاج في الكفر شديد أو بعقاب عظيم: { يا حسرتا } ، بألف بدل من ياء الإضافة لأن العرب تقلب ياء المتكلم ألفا في الاستغاثة، فيقولون: يا ويلتا، يا ندامتا، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما ألحقوا بها الهاء، فيقال: يا رباه، يا مولاه، وربما ألحقوا ياء المتكلم، جمعا بين العوض والمعوض، وبذلك قرأ أبو جعفر: " يا حسرتاي " أي: يا ندامتاه ويا حزناه. { على ما فرطت }: قصرت. و " ما ": مصدرية، أي: على تقصيري وتفريطي { في جنب الله } أي: جانبه وحقه وطاعته، أو: في ذاته، أي: معرفة ذاته، أو في قربه، من قوله:
والصاحب بالجنب
[النساء: 36]، أو: في سبيل الله ودينه، والعرب تسمي السبب الموصل إلى الشيء جنبا، تقول: تجرعت في جنبك غصصا، أي: لأجلك، أو: في الجانب الذي يؤدي إلى رضوانه، وهو توحيده والإقرار بنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء " في ذكر الله ". { وإن كنت لمن الساخرين } أي: المستهزئين بدين الله. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر بأهلها. و " إن ": مخففة، والجملة: حالية، أي: فرطت وأنا ساخر. { أو تقول لو أن الله هداني }: أعطاني الهداية، { لكنت من المتقين }: من الذين يتقون الشرك. قال الإمام أبو منصور: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة. وكذلك أولئك الكفرة، الذين قالوا لأتباعهم:
لو هدانا الله لهديناكم
[إبراهيم: 21] يقولون: لو وفقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا. والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا. انظر النسفي. { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة } أي: رجعة للدنيا، { فأكون من المحسنين }: الموحدين الطائعين. و " أو " للدلالة على أنها لا تخلو من هذه الأقوال، تحيرا وتحسرا، وتعليلا بما لا طائل تحته. فرد الله عليهم بقوله: { بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } أي: قد جاءتك آياتي، وبينت لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، فتركت ذلك، وضيعت، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، وإنما جاء التضييع من قبلك، فلا عذر لك.
و " بلى ": جواب لنفي مقدر، وهو نتيجة القياس الاستثنائي، أي: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت متقيا، لكنه لم يهدني، وإنما أخره لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس عى ترتيبها، ثم يذكر الجواب في الجملة. والله تعالى أعلم. الإشارة: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم، أي: خذوا في الجد والاجتهاد في اتباع الأحسن والأرجح، في الأفعال، والأقوال، والعقائد، من قبل أن ينزل بكم العذاب. ولا عذاب أشد من الحجاب، والتخلف عن مقامات الأحباب، في وقت لا ينفع التأسف ولا التحسر. قال القشيري: هذا في أقوام يرون أمثالهم وأشكالهم، تقدموا عليهم في أحوالهم، فشكوا ما سلف من تقصيرهم، ويرون ما وفق أولئك إليه من أعالي الرتب، فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة. ه. وفي ذلك قيل وأنشد:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
وهو معنى قوله: { أن تقول نفس } كانت مقصرة في الدنيا: { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } أي: في السير إلى معرفة ذاته، { وإن كنت لمن الساخرين } ممن يتعاطى ذلك، ويخرب ظاهره لتعمير باطنه، فكنت أسخر منه وأضحك عليه، أو تحتج بالقدر، فتقول: لو أن الله هداني لسلوك طريقه لكنت من المتقين الكاملين في التقوى. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر في دار التكليف مع بيان الطريق. أو تقول حين ترى العذاب، وهو فراق الأحباب والتخلف عنهم: لو أن لي كرة إلى الدنيا، فأجهد نفسي حتى أكون من أهل الإحسان، الذين يعبدون الله على العيان، بلى قد جاءتك آياتي، وهم الدعاة إلي في كل زمان { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ، فكذبت بها، واستكبرت عن الخضوع لهم، وكنت من الجاحدين لطريق التربية. ثم ذكر مآل أهل التذكيب والصدق، فقال: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله }.
الزمر 39:59
يقول الحق جل جلاله: { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } أي: القرآن، فإنه أحسن الحديث، ولا أحسن منه لفظا ومعنى، أو:المأمور به دون المنهي، أو: العزائم دون الرخص، كقوله:
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
[الزمر: 18]، أو: الناسخ دون المنسوخ، ولعله ما هو أعم، فيصدق بكل ما يقرب إلى الله، كالإنابة، والطاعة، ونحوهما، { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة }: فجأة، { وأنتم لا تشعرون } بمجيئه لتداركوا وتتأهبوا. أمرتكم بذلك كراهة { أن تقول نفس } ، والتنكير للتكثير، كما في قوله:
علمت نفس مآ أحضرت
[التكوير: 14]، أو: يراد به بعض الأنفس، وهي نفس الكافر، أو: يراد نفس متميزة إما بلجاج في الكفر شديد أو بعقاب عظيم: { يا حسرتا } ، بألف بدل من ياء الإضافة لأن العرب تقلب ياء المتكلم ألفا في الاستغاثة، فيقولون: يا ويلتا، يا ندامتا، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما ألحقوا بها الهاء، فيقال: يا رباه، يا مولاه، وربما ألحقوا ياء المتكلم، جمعا بين العوض والمعوض، وبذلك قرأ أبو جعفر: " يا حسرتاي " أي: يا ندامتاه ويا حزناه. { على ما فرطت }: قصرت. و " ما ": مصدرية، أي: على تقصيري وتفريطي { في جنب الله } أي: جانبه وحقه وطاعته، أو: في ذاته، أي: معرفة ذاته، أو في قربه، من قوله:
والصاحب بالجنب
[النساء: 36]، أو: في سبيل الله ودينه، والعرب تسمي السبب الموصل إلى الشيء جنبا، تقول: تجرعت في جنبك غصصا، أي: لأجلك، أو: في الجانب الذي يؤدي إلى رضوانه، وهو توحيده والإقرار بنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء " في ذكر الله ". { وإن كنت لمن الساخرين } أي: المستهزئين بدين الله. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر بأهلها. و " إن ": مخففة، والجملة: حالية، أي: فرطت وأنا ساخر. { أو تقول لو أن الله هداني }: أعطاني الهداية، { لكنت من المتقين }: من الذين يتقون الشرك. قال الإمام أبو منصور: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة. وكذلك أولئك الكفرة، الذين قالوا لأتباعهم:
لو هدانا الله لهديناكم
[إبراهيم: 21] يقولون: لو وفقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا. والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا. انظر النسفي. { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة } أي: رجعة للدنيا، { فأكون من المحسنين }: الموحدين الطائعين. و " أو " للدلالة على أنها لا تخلو من هذه الأقوال، تحيرا وتحسرا، وتعليلا بما لا طائل تحته. فرد الله عليهم بقوله: { بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } أي: قد جاءتك آياتي، وبينت لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، فتركت ذلك، وضيعت، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، وإنما جاء التضييع من قبلك، فلا عذر لك.
و " بلى ": جواب لنفي مقدر، وهو نتيجة القياس الاستثنائي، أي: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت متقيا، لكنه لم يهدني، وإنما أخره لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس عى ترتيبها، ثم يذكر الجواب في الجملة. والله تعالى أعلم. الإشارة: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم، أي: خذوا في الجد والاجتهاد في اتباع الأحسن والأرجح، في الأفعال، والأقوال، والعقائد، من قبل أن ينزل بكم العذاب. ولا عذاب أشد من الحجاب، والتخلف عن مقامات الأحباب، في وقت لا ينفع التأسف ولا التحسر. قال القشيري: هذا في أقوام يرون أمثالهم وأشكالهم، تقدموا عليهم في أحوالهم، فشكوا ما سلف من تقصيرهم، ويرون ما وفق أولئك إليه من أعالي الرتب، فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة. ه. وفي ذلك قيل وأنشد:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
وهو معنى قوله: { أن تقول نفس } كانت مقصرة في الدنيا: { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } أي: في السير إلى معرفة ذاته، { وإن كنت لمن الساخرين } ممن يتعاطى ذلك، ويخرب ظاهره لتعمير باطنه، فكنت أسخر منه وأضحك عليه، أو تحتج بالقدر، فتقول: لو أن الله هداني لسلوك طريقه لكنت من المتقين الكاملين في التقوى. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر في دار التكليف مع بيان الطريق. أو تقول حين ترى العذاب، وهو فراق الأحباب والتخلف عنهم: لو أن لي كرة إلى الدنيا، فأجهد نفسي حتى أكون من أهل الإحسان، الذين يعبدون الله على العيان، بلى قد جاءتك آياتي، وهم الدعاة إلي في كل زمان { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ، فكذبت بها، واستكبرت عن الخضوع لهم، وكنت من الجاحدين لطريق التربية. ثم ذكر مآل أهل التذكيب والصدق، فقال: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله }.
الزمر 39:60
يقول الحق جل جلاله: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله } ، بأن وصفوه بما لا يليق بشأنه، كاتخاذ الولد والشريك ونفي الصفات عنه، { وجوههم مسودة } بما ينالهم من الشدة والكآبة. والجملة: حال، على أن الرؤية بصرية، أو: مفعول ثان لها، إن كانت علمية. { أليس في جهنم مثوى } أي: مقام { للمتكبرين } عن الإيمان والطاعة، وهو إشارة إلى قوله: { واستكبرت } ، ولا ينافي إشعاره بأن تكبرهم علة لاستحقاقهم النار أن يكون دخولهم فيها لأجل أن كلمة العذاب حقت عليهم لأن كبرهم مسبب عنها. { وينجي الله الذين اتقوا } الشرك والمعاصي، أي: من جهنم. { بمفازتهم }: بفوزهم، مصدر ميمي، يقال: فاز بالمطلوب: ظفر به، والباء متعلقة بمحذوف، حال من الموصول، مفيدة لمقارنة نجاتهم من العذاب بنيل الثواب، أي: ينجيهم الله من مثوى المتكبرين ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم أو: بسبب فوزهم بالإيمان والأعمال الحسنة في الدنيا، ولذا قرأ ابن عباس رضي الله عنه: " بمفازتهم بالأعمال الحسنة ". قال القشيري: كما وقاهم اليوم من المخالفات، وحماهم، فكذلك غدا عن العقوبة وقاهم، فالمتقون فازوا بسعادة الدارين، اليوم عصمة، وغدا نعمة، واليوم عناية، وغدا كفاية. ه. { لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون }: إما حال أخرى من الموصول، أو: من مفازتهم وقيل: تفسير للمفازة، كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم السوء، أي: ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم، فلا يمس أبدانهم سوء، ولا قلوبهم حزن. الإشارة: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله، بالدعاوى الباطلة، من القلوب الخاوية، فكل من ادعى حالا ليست فيه، أو: مرتبة لم يتحققها، فالآية تجر ذيلها عليه، واسوداد وجوههم بافتضاحهم. قال القشيري: هؤلاء الذين ادعوا أحوالا، ولم يصدقوا فيها، وأظهروا المحبة لله، ولم يتحققوا بها، وكفى بهم ذلك افتضاحا، وأنشدوا:
ولما ادعيت الحب قالت: كذبتني فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا؟ فما الحب حتى تنزف العين بالبكا وتخرس حتى لا تجيب المناديا
وينجي الله الذين اتقوا شهود السوى من كل مكروه، بسبب مفازتهم بمعرفة الله في الدنيا، لا يمسهم السوء، أي: غم الحجاب، لرفعه عنهم على الدوام، ولا هم يحزنون على فوات شيء إذ لم يفتهم شيء حيث فازوا بالله، " ماذا فقد من وجدك "؟ قال الورتجبي: بمفازتهم: ما كان لهم في الله في أزل أزله، من محبتهم، وقبولهم بمعرفته، وحسن وصاله، ودوام شهود كماله. لا يمسهم السوء: لا يلحقهم، فلا يلحق بهم في منازل الامتحان، تفرقة عن مقام الوصلة، وحجاب عن جمال المشاهدة، انظر تمامه. وحاصله: فازوا بإدراك السعادة الأزلية. وعن جعفر الصادق: بمفازتهم: بسعادتهم القديمة، يعني لقوله تعالى:
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
[الأنبياء: 101].... الآية. قاله المحشي الفاسي. ثم برهن على البعث الموعود به قبل، فقال: { الله خالق كل شيء }.
الزمر 39:61
يقول الحق جل جلاله: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله } ، بأن وصفوه بما لا يليق بشأنه، كاتخاذ الولد والشريك ونفي الصفات عنه، { وجوههم مسودة } بما ينالهم من الشدة والكآبة. والجملة: حال، على أن الرؤية بصرية، أو: مفعول ثان لها، إن كانت علمية. { أليس في جهنم مثوى } أي: مقام { للمتكبرين } عن الإيمان والطاعة، وهو إشارة إلى قوله: { واستكبرت } ، ولا ينافي إشعاره بأن تكبرهم علة لاستحقاقهم النار أن يكون دخولهم فيها لأجل أن كلمة العذاب حقت عليهم لأن كبرهم مسبب عنها. { وينجي الله الذين اتقوا } الشرك والمعاصي، أي: من جهنم. { بمفازتهم }: بفوزهم، مصدر ميمي، يقال: فاز بالمطلوب: ظفر به، والباء متعلقة بمحذوف، حال من الموصول، مفيدة لمقارنة نجاتهم من العذاب بنيل الثواب، أي: ينجيهم الله من مثوى المتكبرين ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم أو: بسبب فوزهم بالإيمان والأعمال الحسنة في الدنيا، ولذا قرأ ابن عباس رضي الله عنه: " بمفازتهم بالأعمال الحسنة ". قال القشيري: كما وقاهم اليوم من المخالفات، وحماهم، فكذلك غدا عن العقوبة وقاهم، فالمتقون فازوا بسعادة الدارين، اليوم عصمة، وغدا نعمة، واليوم عناية، وغدا كفاية. ه. { لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون }: إما حال أخرى من الموصول، أو: من مفازتهم وقيل: تفسير للمفازة، كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم السوء، أي: ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم، فلا يمس أبدانهم سوء، ولا قلوبهم حزن. الإشارة: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله، بالدعاوى الباطلة، من القلوب الخاوية، فكل من ادعى حالا ليست فيه، أو: مرتبة لم يتحققها، فالآية تجر ذيلها عليه، واسوداد وجوههم بافتضاحهم. قال القشيري: هؤلاء الذين ادعوا أحوالا، ولم يصدقوا فيها، وأظهروا المحبة لله، ولم يتحققوا بها، وكفى بهم ذلك افتضاحا، وأنشدوا:
ولما ادعيت الحب قالت: كذبتني فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا؟ فما الحب حتى تنزف العين بالبكا وتخرس حتى لا تجيب المناديا
وينجي الله الذين اتقوا شهود السوى من كل مكروه، بسبب مفازتهم بمعرفة الله في الدنيا، لا يمسهم السوء، أي: غم الحجاب، لرفعه عنهم على الدوام، ولا هم يحزنون على فوات شيء إذ لم يفتهم شيء حيث فازوا بالله، " ماذا فقد من وجدك "؟ قال الورتجبي: بمفازتهم: ما كان لهم في الله في أزل أزله، من محبتهم، وقبولهم بمعرفته، وحسن وصاله، ودوام شهود كماله. لا يمسهم السوء: لا يلحقهم، فلا يلحق بهم في منازل الامتحان، تفرقة عن مقام الوصلة، وحجاب عن جمال المشاهدة، انظر تمامه. وحاصله: فازوا بإدراك السعادة الأزلية. وعن جعفر الصادق: بمفازتهم: بسعادتهم القديمة، يعني لقوله تعالى:
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
[الأنبياء: 101].... الآية. قاله المحشي الفاسي. ثم برهن على البعث الموعود به قبل، فقال: { الله خالق كل شيء }.
الزمر 39:62
يقول الحق جل جلاله: { الله خالق كل شيء }: جامد أو حي، خير أو شر، إيمان أو كفر، لا بالجبر، بل بمباشرة الكاسب في عالم الحكمة، وفيه إثبات القدرة والعلم، وهما مصححان للبعث والجزاء بالخير والشر، لمحسن أو مسيء. قال القشيري: ويدخل تحت قوله: { كل شيء } كسب العباد، ولا يدخل كلامه لأن المخاطب لا يدخل تحت خطابه ولا صفاته. ه. والمراد بالكلام: المعاني القديمة، وأما الألفاظ والحروف فهي مخلوقة، كما هو مقرر في محله. { وهو على كل شيء وكيل } أي: حافظ يتولى التصرف فيه كيف يشاء. { له مقاليد السماوات والأرض } أي: مفاتح خزائنها، واحدها " مقليد " ، أو: إقليد، أو: لا واحد لها، وأصلها فارسية، والمراد: أنه مالكها وحافظها، وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه مقاليد الملك، أي: مفاتح التصرف قد سلمت إليه، وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتحها. وعن عثمان: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاليد، فقال صلى الله عليه وسلم:
" هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير "
ومعناه: أن لله هذه الكلمات، يوحد بها ويمجد، وهي مفاتح خير السماوات والأرض، ومن تكلم بها أدرك ذلك في الدنيا أو في الآخرة، ومرجعها إلى التحقق بالعبودية في الظاهر، ومعرفة الذات في الباطن، وهما السبب في كل خير، وبهما يدرك العبد التصرف في الوجود بأسره، فتأمله. { والذين كفروا بآيات الله } أي: كفروا به بعد كونه خالق كل شيء، ومتصرفا في ملكه كيف يشاء، بيده مقاليد العالم العلوي والسفلي، فكفروا بعد هذا بآياته التكوينية، المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس، والتنزيلية، التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بذلك، { أولئك هم الخاسرون } خسرانا لا خسر وراءه، وقيل: هو متصل بقوله: { وينجي الله الذين اتقوا } ، وما بينهما اعتراض. { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } به، وكانوا يقولون له: أسلم لبعض آلهتنا نؤمن بإلهك لفرط جهالتهم. { وغير }: منصوب ب " أعبد " ، و { تأمروني }: اعتراض، أي: أتأمروني أعبد غير الله بعد هذا البيان التام؟ وحذف نون الوقاية وإثباتها مدغمة وغير مدغمة، كل قرىء به. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك }: من الأنبياء عليهم السلام : { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ، كلام وراد على طريق الفرض، لتهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية بشاعة الإشراك وقبحه، وكونه بحيث ينهي عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره بمن عداه أو: الخطاب له، والمراد غيره.
وإفراد الخطاب مع كون الموحى إليهم جماعة، باعتبار خطاب كل واحد في عصره، واللام موطئة لقسم محذوف، والثانية لام الجواب، وهو ساد مسد جواب الشرط، وإطلاق الإحباط لاحتمال أن يكون من خصائصهم لأن الإشراك منهم أشد، وأن يكون مقيدا بالموت، كما صرح به في آية البقرة، وهو مذهب الشافعي، وذهب مالك إلى أن الشرك يحبط العمل قبل الردة، مات عليها، أو رجع إلى الإسلام، فينتقض وضوؤه وصومه. وما قاله الشافعي أظهر. { بل الله فاعبد } ، رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم، كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إذا عبدت فاعبد الله، فحذف الشرط، وأقيم تقديم المفعول مقامه. { وكن من الشاكرين } على ما أنعم به عليك حيث جعلك رأس الموحدين وسيد المرسلين. الإشارة: الله مظهر كل شيء حيث تجلى بها، وهو قائم بكل شيء. له مفاتيح غيوب السماوات والأرض، لا يطلع عليها إلا من خضع لأوليائه، الذين هم آيات من آياته. والذين كفروا بآيات الله، الدالة على الله، وهم أولياء الله، أولئك هم الخاسرون، فلا خسران أعظم من خيبة الوصول إذ لا يخلو المفروق عن الله من الشرك الخفي، فإذا أمر المريد بإظهار شيء من سره، أو مداهنة غيره، قال: { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون }. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت } بأن طالعت غيري في سرك، أو تشوفت أن يعلم الناس بخصوصيتك { ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد } واكتف به، واقنع بعلمه، واغتن بشهوده. { وكن من الشاكرين } على ما أولاك من سر خصوصيته. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.
الزمر 39:63
يقول الحق جل جلاله: { الله خالق كل شيء }: جامد أو حي، خير أو شر، إيمان أو كفر، لا بالجبر، بل بمباشرة الكاسب في عالم الحكمة، وفيه إثبات القدرة والعلم، وهما مصححان للبعث والجزاء بالخير والشر، لمحسن أو مسيء. قال القشيري: ويدخل تحت قوله: { كل شيء } كسب العباد، ولا يدخل كلامه لأن المخاطب لا يدخل تحت خطابه ولا صفاته. ه. والمراد بالكلام: المعاني القديمة، وأما الألفاظ والحروف فهي مخلوقة، كما هو مقرر في محله. { وهو على كل شيء وكيل } أي: حافظ يتولى التصرف فيه كيف يشاء. { له مقاليد السماوات والأرض } أي: مفاتح خزائنها، واحدها " مقليد " ، أو: إقليد، أو: لا واحد لها، وأصلها فارسية، والمراد: أنه مالكها وحافظها، وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه مقاليد الملك، أي: مفاتح التصرف قد سلمت إليه، وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتحها. وعن عثمان: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاليد، فقال صلى الله عليه وسلم:
" هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير "
ومعناه: أن لله هذه الكلمات، يوحد بها ويمجد، وهي مفاتح خير السماوات والأرض، ومن تكلم بها أدرك ذلك في الدنيا أو في الآخرة، ومرجعها إلى التحقق بالعبودية في الظاهر، ومعرفة الذات في الباطن، وهما السبب في كل خير، وبهما يدرك العبد التصرف في الوجود بأسره، فتأمله. { والذين كفروا بآيات الله } أي: كفروا به بعد كونه خالق كل شيء، ومتصرفا في ملكه كيف يشاء، بيده مقاليد العالم العلوي والسفلي، فكفروا بعد هذا بآياته التكوينية، المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس، والتنزيلية، التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بذلك، { أولئك هم الخاسرون } خسرانا لا خسر وراءه، وقيل: هو متصل بقوله: { وينجي الله الذين اتقوا } ، وما بينهما اعتراض. { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } به، وكانوا يقولون له: أسلم لبعض آلهتنا نؤمن بإلهك لفرط جهالتهم. { وغير }: منصوب ب " أعبد " ، و { تأمروني }: اعتراض، أي: أتأمروني أعبد غير الله بعد هذا البيان التام؟ وحذف نون الوقاية وإثباتها مدغمة وغير مدغمة، كل قرىء به. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك }: من الأنبياء عليهم السلام : { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ، كلام وراد على طريق الفرض، لتهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية بشاعة الإشراك وقبحه، وكونه بحيث ينهي عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره بمن عداه أو: الخطاب له، والمراد غيره.
وإفراد الخطاب مع كون الموحى إليهم جماعة، باعتبار خطاب كل واحد في عصره، واللام موطئة لقسم محذوف، والثانية لام الجواب، وهو ساد مسد جواب الشرط، وإطلاق الإحباط لاحتمال أن يكون من خصائصهم لأن الإشراك منهم أشد، وأن يكون مقيدا بالموت، كما صرح به في آية البقرة، وهو مذهب الشافعي، وذهب مالك إلى أن الشرك يحبط العمل قبل الردة، مات عليها، أو رجع إلى الإسلام، فينتقض وضوؤه وصومه. وما قاله الشافعي أظهر. { بل الله فاعبد } ، رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم، كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إذا عبدت فاعبد الله، فحذف الشرط، وأقيم تقديم المفعول مقامه. { وكن من الشاكرين } على ما أنعم به عليك حيث جعلك رأس الموحدين وسيد المرسلين. الإشارة: الله مظهر كل شيء حيث تجلى بها، وهو قائم بكل شيء. له مفاتيح غيوب السماوات والأرض، لا يطلع عليها إلا من خضع لأوليائه، الذين هم آيات من آياته. والذين كفروا بآيات الله، الدالة على الله، وهم أولياء الله، أولئك هم الخاسرون، فلا خسران أعظم من خيبة الوصول إذ لا يخلو المفروق عن الله من الشرك الخفي، فإذا أمر المريد بإظهار شيء من سره، أو مداهنة غيره، قال: { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون }. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت } بأن طالعت غيري في سرك، أو تشوفت أن يعلم الناس بخصوصيتك { ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد } واكتف به، واقنع بعلمه، واغتن بشهوده. { وكن من الشاكرين } على ما أولاك من سر خصوصيته. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.
الزمر 39:64
يقول الحق جل جلاله: { الله خالق كل شيء }: جامد أو حي، خير أو شر، إيمان أو كفر، لا بالجبر، بل بمباشرة الكاسب في عالم الحكمة، وفيه إثبات القدرة والعلم، وهما مصححان للبعث والجزاء بالخير والشر، لمحسن أو مسيء. قال القشيري: ويدخل تحت قوله: { كل شيء } كسب العباد، ولا يدخل كلامه لأن المخاطب لا يدخل تحت خطابه ولا صفاته. ه. والمراد بالكلام: المعاني القديمة، وأما الألفاظ والحروف فهي مخلوقة، كما هو مقرر في محله. { وهو على كل شيء وكيل } أي: حافظ يتولى التصرف فيه كيف يشاء. { له مقاليد السماوات والأرض } أي: مفاتح خزائنها، واحدها " مقليد " ، أو: إقليد، أو: لا واحد لها، وأصلها فارسية، والمراد: أنه مالكها وحافظها، وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه مقاليد الملك، أي: مفاتح التصرف قد سلمت إليه، وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتحها. وعن عثمان: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاليد، فقال صلى الله عليه وسلم:
" هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير "
ومعناه: أن لله هذه الكلمات، يوحد بها ويمجد، وهي مفاتح خير السماوات والأرض، ومن تكلم بها أدرك ذلك في الدنيا أو في الآخرة، ومرجعها إلى التحقق بالعبودية في الظاهر، ومعرفة الذات في الباطن، وهما السبب في كل خير، وبهما يدرك العبد التصرف في الوجود بأسره، فتأمله. { والذين كفروا بآيات الله } أي: كفروا به بعد كونه خالق كل شيء، ومتصرفا في ملكه كيف يشاء، بيده مقاليد العالم العلوي والسفلي، فكفروا بعد هذا بآياته التكوينية، المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس، والتنزيلية، التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بذلك، { أولئك هم الخاسرون } خسرانا لا خسر وراءه، وقيل: هو متصل بقوله: { وينجي الله الذين اتقوا } ، وما بينهما اعتراض. { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } به، وكانوا يقولون له: أسلم لبعض آلهتنا نؤمن بإلهك لفرط جهالتهم. { وغير }: منصوب ب " أعبد " ، و { تأمروني }: اعتراض، أي: أتأمروني أعبد غير الله بعد هذا البيان التام؟ وحذف نون الوقاية وإثباتها مدغمة وغير مدغمة، كل قرىء به. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك }: من الأنبياء عليهم السلام : { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ، كلام وراد على طريق الفرض، لتهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية بشاعة الإشراك وقبحه، وكونه بحيث ينهي عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره بمن عداه أو: الخطاب له، والمراد غيره.
وإفراد الخطاب مع كون الموحى إليهم جماعة، باعتبار خطاب كل واحد في عصره، واللام موطئة لقسم محذوف، والثانية لام الجواب، وهو ساد مسد جواب الشرط، وإطلاق الإحباط لاحتمال أن يكون من خصائصهم لأن الإشراك منهم أشد، وأن يكون مقيدا بالموت، كما صرح به في آية البقرة، وهو مذهب الشافعي، وذهب مالك إلى أن الشرك يحبط العمل قبل الردة، مات عليها، أو رجع إلى الإسلام، فينتقض وضوؤه وصومه. وما قاله الشافعي أظهر. { بل الله فاعبد } ، رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم، كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إذا عبدت فاعبد الله، فحذف الشرط، وأقيم تقديم المفعول مقامه. { وكن من الشاكرين } على ما أنعم به عليك حيث جعلك رأس الموحدين وسيد المرسلين. الإشارة: الله مظهر كل شيء حيث تجلى بها، وهو قائم بكل شيء. له مفاتيح غيوب السماوات والأرض، لا يطلع عليها إلا من خضع لأوليائه، الذين هم آيات من آياته. والذين كفروا بآيات الله، الدالة على الله، وهم أولياء الله، أولئك هم الخاسرون، فلا خسران أعظم من خيبة الوصول إذ لا يخلو المفروق عن الله من الشرك الخفي، فإذا أمر المريد بإظهار شيء من سره، أو مداهنة غيره، قال: { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون }. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت } بأن طالعت غيري في سرك، أو تشوفت أن يعلم الناس بخصوصيتك { ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد } واكتف به، واقنع بعلمه، واغتن بشهوده. { وكن من الشاكرين } على ما أولاك من سر خصوصيته. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.
الزمر 39:65
يقول الحق جل جلاله: { الله خالق كل شيء }: جامد أو حي، خير أو شر، إيمان أو كفر، لا بالجبر، بل بمباشرة الكاسب في عالم الحكمة، وفيه إثبات القدرة والعلم، وهما مصححان للبعث والجزاء بالخير والشر، لمحسن أو مسيء. قال القشيري: ويدخل تحت قوله: { كل شيء } كسب العباد، ولا يدخل كلامه لأن المخاطب لا يدخل تحت خطابه ولا صفاته. ه. والمراد بالكلام: المعاني القديمة، وأما الألفاظ والحروف فهي مخلوقة، كما هو مقرر في محله. { وهو على كل شيء وكيل } أي: حافظ يتولى التصرف فيه كيف يشاء. { له مقاليد السماوات والأرض } أي: مفاتح خزائنها، واحدها " مقليد " ، أو: إقليد، أو: لا واحد لها، وأصلها فارسية، والمراد: أنه مالكها وحافظها، وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه مقاليد الملك، أي: مفاتح التصرف قد سلمت إليه، وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتحها. وعن عثمان: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاليد، فقال صلى الله عليه وسلم:
" هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير "
ومعناه: أن لله هذه الكلمات، يوحد بها ويمجد، وهي مفاتح خير السماوات والأرض، ومن تكلم بها أدرك ذلك في الدنيا أو في الآخرة، ومرجعها إلى التحقق بالعبودية في الظاهر، ومعرفة الذات في الباطن، وهما السبب في كل خير، وبهما يدرك العبد التصرف في الوجود بأسره، فتأمله. { والذين كفروا بآيات الله } أي: كفروا به بعد كونه خالق كل شيء، ومتصرفا في ملكه كيف يشاء، بيده مقاليد العالم العلوي والسفلي، فكفروا بعد هذا بآياته التكوينية، المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس، والتنزيلية، التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بذلك، { أولئك هم الخاسرون } خسرانا لا خسر وراءه، وقيل: هو متصل بقوله: { وينجي الله الذين اتقوا } ، وما بينهما اعتراض. { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } به، وكانوا يقولون له: أسلم لبعض آلهتنا نؤمن بإلهك لفرط جهالتهم. { وغير }: منصوب ب " أعبد " ، و { تأمروني }: اعتراض، أي: أتأمروني أعبد غير الله بعد هذا البيان التام؟ وحذف نون الوقاية وإثباتها مدغمة وغير مدغمة، كل قرىء به. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك }: من الأنبياء عليهم السلام : { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ، كلام وراد على طريق الفرض، لتهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية بشاعة الإشراك وقبحه، وكونه بحيث ينهي عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره بمن عداه أو: الخطاب له، والمراد غيره.
وإفراد الخطاب مع كون الموحى إليهم جماعة، باعتبار خطاب كل واحد في عصره، واللام موطئة لقسم محذوف، والثانية لام الجواب، وهو ساد مسد جواب الشرط، وإطلاق الإحباط لاحتمال أن يكون من خصائصهم لأن الإشراك منهم أشد، وأن يكون مقيدا بالموت، كما صرح به في آية البقرة، وهو مذهب الشافعي، وذهب مالك إلى أن الشرك يحبط العمل قبل الردة، مات عليها، أو رجع إلى الإسلام، فينتقض وضوؤه وصومه. وما قاله الشافعي أظهر. { بل الله فاعبد } ، رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم، كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إذا عبدت فاعبد الله، فحذف الشرط، وأقيم تقديم المفعول مقامه. { وكن من الشاكرين } على ما أنعم به عليك حيث جعلك رأس الموحدين وسيد المرسلين. الإشارة: الله مظهر كل شيء حيث تجلى بها، وهو قائم بكل شيء. له مفاتيح غيوب السماوات والأرض، لا يطلع عليها إلا من خضع لأوليائه، الذين هم آيات من آياته. والذين كفروا بآيات الله، الدالة على الله، وهم أولياء الله، أولئك هم الخاسرون، فلا خسران أعظم من خيبة الوصول إذ لا يخلو المفروق عن الله من الشرك الخفي، فإذا أمر المريد بإظهار شيء من سره، أو مداهنة غيره، قال: { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون }. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت } بأن طالعت غيري في سرك، أو تشوفت أن يعلم الناس بخصوصيتك { ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد } واكتف به، واقنع بعلمه، واغتن بشهوده. { وكن من الشاكرين } على ما أولاك من سر خصوصيته. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.
الزمر 39:66
يقول الحق جل جلاله: { الله خالق كل شيء }: جامد أو حي، خير أو شر، إيمان أو كفر، لا بالجبر، بل بمباشرة الكاسب في عالم الحكمة، وفيه إثبات القدرة والعلم، وهما مصححان للبعث والجزاء بالخير والشر، لمحسن أو مسيء. قال القشيري: ويدخل تحت قوله: { كل شيء } كسب العباد، ولا يدخل كلامه لأن المخاطب لا يدخل تحت خطابه ولا صفاته. ه. والمراد بالكلام: المعاني القديمة، وأما الألفاظ والحروف فهي مخلوقة، كما هو مقرر في محله. { وهو على كل شيء وكيل } أي: حافظ يتولى التصرف فيه كيف يشاء. { له مقاليد السماوات والأرض } أي: مفاتح خزائنها، واحدها " مقليد " ، أو: إقليد، أو: لا واحد لها، وأصلها فارسية، والمراد: أنه مالكها وحافظها، وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه مقاليد الملك، أي: مفاتح التصرف قد سلمت إليه، وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتحها. وعن عثمان: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاليد، فقال صلى الله عليه وسلم:
" هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير "
ومعناه: أن لله هذه الكلمات، يوحد بها ويمجد، وهي مفاتح خير السماوات والأرض، ومن تكلم بها أدرك ذلك في الدنيا أو في الآخرة، ومرجعها إلى التحقق بالعبودية في الظاهر، ومعرفة الذات في الباطن، وهما السبب في كل خير، وبهما يدرك العبد التصرف في الوجود بأسره، فتأمله. { والذين كفروا بآيات الله } أي: كفروا به بعد كونه خالق كل شيء، ومتصرفا في ملكه كيف يشاء، بيده مقاليد العالم العلوي والسفلي، فكفروا بعد هذا بآياته التكوينية، المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس، والتنزيلية، التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بذلك، { أولئك هم الخاسرون } خسرانا لا خسر وراءه، وقيل: هو متصل بقوله: { وينجي الله الذين اتقوا } ، وما بينهما اعتراض. { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } به، وكانوا يقولون له: أسلم لبعض آلهتنا نؤمن بإلهك لفرط جهالتهم. { وغير }: منصوب ب " أعبد " ، و { تأمروني }: اعتراض، أي: أتأمروني أعبد غير الله بعد هذا البيان التام؟ وحذف نون الوقاية وإثباتها مدغمة وغير مدغمة، كل قرىء به. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك }: من الأنبياء عليهم السلام : { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } ، كلام وراد على طريق الفرض، لتهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية بشاعة الإشراك وقبحه، وكونه بحيث ينهي عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره بمن عداه أو: الخطاب له، والمراد غيره.
وإفراد الخطاب مع كون الموحى إليهم جماعة، باعتبار خطاب كل واحد في عصره، واللام موطئة لقسم محذوف، والثانية لام الجواب، وهو ساد مسد جواب الشرط، وإطلاق الإحباط لاحتمال أن يكون من خصائصهم لأن الإشراك منهم أشد، وأن يكون مقيدا بالموت، كما صرح به في آية البقرة، وهو مذهب الشافعي، وذهب مالك إلى أن الشرك يحبط العمل قبل الردة، مات عليها، أو رجع إلى الإسلام، فينتقض وضوؤه وصومه. وما قاله الشافعي أظهر. { بل الله فاعبد } ، رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم، كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إذا عبدت فاعبد الله، فحذف الشرط، وأقيم تقديم المفعول مقامه. { وكن من الشاكرين } على ما أنعم به عليك حيث جعلك رأس الموحدين وسيد المرسلين. الإشارة: الله مظهر كل شيء حيث تجلى بها، وهو قائم بكل شيء. له مفاتيح غيوب السماوات والأرض، لا يطلع عليها إلا من خضع لأوليائه، الذين هم آيات من آياته. والذين كفروا بآيات الله، الدالة على الله، وهم أولياء الله، أولئك هم الخاسرون، فلا خسران أعظم من خيبة الوصول إذ لا يخلو المفروق عن الله من الشرك الخفي، فإذا أمر المريد بإظهار شيء من سره، أو مداهنة غيره، قال: { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون }. { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت } بأن طالعت غيري في سرك، أو تشوفت أن يعلم الناس بخصوصيتك { ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد } واكتف به، واقنع بعلمه، واغتن بشهوده. { وكن من الشاكرين } على ما أولاك من سر خصوصيته. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.
الزمر 39:67
يقول الحق جل جلاله: { وما قدروا الله حق قدره } أي: ما عظموه حق تعظيمه حيث جعلوا له شريكا، أو وصفوه بما لا يليق بشؤونه الجليلة، أو: حيث دعوك إلى عبادة غيره تعالى، أو: ما عرفوه حق معرفته، حيث لم يؤمنوا بقدرة الله تعالى. قال ابن عباس: فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره. يقال: قدرت الشيء: إذا حزرته لتعرف مبلغه، والقدر: المقدار. والضمير، إما لقريش، المحدث عنهم، وقيل: لليهود، حيث تكلموا في صفات الله تعالى، فألحدوا وجسموا. ثم بين لهم شيئا من عظمته تعالى، فقال: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه }: ف " جميعا ": حال من الأرض لأنه بمعنى الأرضين، أي: والأرضون جميعا مقبوضة له بقدرته يوم القيامة. { والسماوات مطويات بيمينه } أي: بقدرته. والقبضة: المرة من القبض، والقبضة: المقدار المقبوض بالكف، والمراد من الكلام: تصوير عظمته تعالى، والتوقيف على كنه جلاله، وأن تخريب هذا العالم هو عليه شيء هين، على طريقة التمثيل والتخييل، من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة، ولا مجازا، هكذا قال جمهور المفسرين. قلت: لا يبعد أن تحمل الآية على ظاهرها، فإن الله تعالى يبدل الأرض ويجمعها بأجمعها، فتكون كخبزة النقي، ويطوي السماء كطي الكتاب، حتى يبرز العرش، كما في الحديث، ففي حديث البخاري، عن أبي سعيد الخدري، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة "
وفي حديث أبي هريرة:
" إن الله يقبض الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض ".
وقال ابن عمر: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر، وهو يحكي عن ربه تعالى، فقال:
" إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة، جمع السماوات والأرضين السبع في قبضته، ثم قال هكذا، وشد قبضته، ثم بسطها، ثم يقول: أنا الله، أنا الرحمن... "
الحديث. وفي لفظ آخر:
" يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون أين المتكبرون؟ "
وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: " كل ذلك في يمينه، وليس في يده الأخرى شيء، وإنما يستعين بشماله المشغول بيمينه، وما السماوات السبع، والأرضون السبع، في يد الله تعالى، إلا كخردلة في يد أحدكم، ولهذا قال: { مطويات بيمينه }: يعني السماوات والأرضين كلها بيمينه " قلت: من كحل عين بصيرته بإثمد التوحيد الخاص، لا تصعب عليه هذه الأمور إذ تجليات الحق لا تنحصر، فيمكن أن يتجلى من نور جبروته بنور يشاكل الآدمي في الأعضاء كلها، فيكون له ذات لها يدان وقدمان، وبه ورد أن الله يضع قدمه على النار، فتقول: قط قط، ويكشف عن ساقه لأهل الموقف، ويتقدمهم للجنة، إلى غير ذلك مما ورد في الحديث.
الزمر 39:68
يقول الحق جل جلاله: { ونفخ في الصور } النفخة الأولى { فصعق من في السماوات ومن في الأرض } أي: خر ميتا، أو مغشيا عليه، { إلا من شاء الله } قيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم يميتهم الله بعد ذلك، وقيل: حملة العرش، وقيل: خزنة النار والجنة. { ثم نفخ فيه أخرى } هي النفخة الثانية. و " أخرى ": في محل الرفع صفة لمحذوف، أي: نفخ نفخة أخرى، { فإذا هم قيام } من قبورهم، حال كونهم إذا فاجأهم خطب { ينظرون } يقلبون أبصارهم في الجوانب الأربعة، كالمبهوتين، أو: ينظرون ما يفعل بهم، ودلت الآية على أن النفخة اثنتان للموت، والبعث، وقيل: ثلاث للفزع، والموت، والبعث. { وأشرقت الأرض } أضاءت { بنور ربها } حين يتجلى لفصل عباده، فتشرق الأرض أي: عرصات القيامة بنور وجهه، ويقال: إن الله يخلق في القيامة نورا يلبسه وجه الأرض، فتشرق به. قال في الحاشية الفاسية: وهذا القول هو الذي اختاره محيي السنة، وانتصر له الطيبي، بما ورد من الأحاديث المقتضية لرؤيته في عرصات القيامة، قال: وما تعسف الزمخشري، من حمل النور على العدل، إلا فرارا من ذلك. ه. قال القشيري: هو نور يخلقه في القيامة، عند تكوير الشمس، وانكدار النجوم، ويستضيء به قوم دون قوم، والكفار يبقون في الظلمة، والمؤمنون:
يسعى نورهم
[الحديد: 12] الآية. ويقال: غدا إشراق الأرض، واليوم إشراق القلب، غدا أنوار التولي، واليوم أنوار التجلي. ه. وقال السدي: بعدله، على الاستعارة، يقال للملك العادل: أشرقت الأرض بعدله، كما استعيرت الظلمة للظلم. وفي الحديث:
" الظلم ظلمات يوم القيامة ".
{ ووضع الكتاب } أي: صحائف الأعمال. اكتفى باسم الجنس، أو: كتاب المحاسبة والجزاء. { وجيء بالنبيين } ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم، { والشهداء } أي: الحفظة، ليشهدوا على كل إنسان بما عمل، والذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة إذا جحدتهم أممهم، أو: الذين استشهدوا في سبيل الله. { وقضي بينهم }: بين العباد { بالحق وهم لا يظلمون } بنقص ثواب، أو زيادة عقاب، قال ابن عطية: الضمير في { بينهم } عائد على العالم بأجمعه. ه. فيقتضي دخول الملائكة، ويتصور القضاء في حقهم، من حيث جعلوا حفظة على العباد، وأمناء على الوحي والتبليغ، وغير ذلك من ترتيبهم في مقاماتهم، وترقيهم في علومهم، وتفاوتهم في ذلك. وفي وجوه تخصيصاتهم وتصديقهم في التبليغ، ورد ما استندوا فيه لظواهر الأمور، مع علمه تعالى خلافه، مما لا اطلاع لهم عليه. قاله في الحاشية. { ووفيت كل نفس } جزاء { ما عملت وهو أعلم بما يفعلون } فلا يفوته شيء من أفعالهم. ومضمون الآية: تصوير التعرض للقضاء بين العباد على ما هو شأن الملك، من إحضار الشهود وخواص حضرته، حين يبرز لذلك، ويشهده الظالم والمظلوم، وإن كان كنه معرفته موكولا إليه، ثم من لوازم ذلك العدل.
والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية إشارة للفناء والبقاء، فيصعق العبد عن رؤية وجوده، ثم يبقى بربه، فتشرق أرض البشرية بنور وجود الحق، ثم يشرق العالم كله. قال الورتجبي: نفخة الصعق قهرية جلالية، ونفخة البعث ظهور أنوار جماله في أنوار جلاله، وبذلك ينتظر وقوع نور الكشف بقوله: { وأشرقت الأرض بنور ربها } فيتجلى للخواص، ثم تستضيء بأنوارهم أرض المحشر، للعموم والخصوص، تعالت صفاته عن أن تقع على الأماكن، أو أن يكون محلا للحدثان، يا عاقل، لا تكون ذرة من العرش إلى الثرى إلا وهي مستغرقة في أنوار إشراق آزاله وآباده. ثم قال عن بعضهم: إلا من شاء الله هم أهل التمكين، مكن الله أسرارهم من تحمل الواردات. ثم ذكر نتيجة الفصل بين العباد، فقال: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا }.