البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — محمد 47:1 – الفتح 48:29
المحتويات
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
محمد 47:1
قلت: { الذين }: مبتدأ، و { أضل }: خبر، و { من ربهم }: من ضمير الحق، وجملة { وهو... } الخ: اعتراضية بين المبتدأ والخبر، و { ذلك }: مبتدأ، و { بأن }: خبر. يقول الحق جل جلاله: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } أي: أعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو صدوا غيرهم عنه. قال الجوهري: صد عنه، يصد، صدودا: أعرض، وصده عن الأمر صدا، منعه، وصرفه عنه. ه. وهم المطعمون يوم بدر، أو: أهل الكتاب، كانوا يصدون من أراد الدخول في الإسلام، منهم ومن غيرهم، أو عام في كل من كفر وصد، فهؤلاء { أضل أعمالهم } أي: أحبطها وأبطلها، أي: جعلها ضالة ضائعة، ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كضالة الإبل. وليس المعنى أنه أبطلها بعد أن لم تكن كذلك، بل بمعنى: أنه حكم ببطلانها وضياعها، فإن ما كانوا يعملونه من أعمال البر، كصلة الأرحام، وقرى الضيف، وفك الأسارى، وغيرها من المكارم، ليس لها أثر من أصلها لعدم الإيمان، أو: أبطل ما عملوا من الكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم، والصد عن سبيله، بنصر رسوله، وإظهار دينه على الدين كله، وهو الأوفق بقوله:
فتعسا لهم وأضل أعمالهم
[محمد: 8]. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } قيل: هم ناس من قريش، وقيل: من الأنصار، وقيل: من آمن من أهل الكتاب، والمختار أنه عام، { وآمنوا بما نزل على محمد } صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، وخص بالذكر من بين ما يجب الإيمان به تنويها بشأنه، وتنبيها على سمو مكانه من بين ما يجب الإيمان به، وأنه الأصل في الكل ولذلك أكده بقوله: { وهو الحق من ربهم } أي: القرآن: لكونه ناسخا لغيره من الكتب، وقيل: دين محمد صلى الله عليه وسلم إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لسائر الأديان، { كفر عنهم سيئاتهم } أي: ستر بالإيمان والعمل الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها بالتوبة { وأصلح بالهم } أي: حالهم وشانهم، بالتوفيق لأمور الدين، وبالتسليط على الدنيا، بما أعطاهم الله من النصرة والعزة والتمكين في البلاد. { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم } أي: ذلك الأمر، وهو إضلال أعمال أهل الكفر، وتفكير سيئات أهل الإيمان، وإصلاح شأنهم كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهو الشيطان، حيث فعلوا ما فعلوا من الكفر والصد، واتباع هؤلاء الحق، وهو القرآن، أو ما جاء به صلى الله عليه وسلم، أو يراد بالباطل: الزائل الذاهب من الدين الفاسد، وبالحق: الدين الثابت، أو يراد بالباطل: نفس الكفر والصد، وبالحق: نفس الإيمان والأعمال الصالحة. { كذلك } أي: مثل الضرب البديع { يضرب الله } أي: يبين { للناس أمثالهم } أي: أحوال الفريقين، وأوصافهما، الجارية في الغرابة مجرى الأمثال، وهو اتباع الأولين الباطل، وخيبتهم وخسرانهم، واتباع الآخرين الحق، وفوزهم وفلاحهم، والضمير راجع إل الناس، أو إلى المذكورين من الفريقين، على معنى: أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم، وقد جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكافرين، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، أو جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز الأبرار.
الإشارة: الذين كفروا بوجود الخصوصية، وصدوا الناس عنها أبطل سيرهم إليه، فكلما ساروا رجعوا، والذين آمنوا الإيمان الكامل واتعبوا السنة النبوية، ستر مساوئهم، وأصلح شأنهم، حتى صلحوا لحضرته. قال القشيري: الذين كفروا: امتنعوا، وصدوا: منعوا، فلامتناعهم عن الله استوجبوا العقوبة، ولمنعهم الخلق عن الله استوجبوا الحجبة. ثم قال في قوله: { وأصلح بالهم } فالكفر للأعمال محبط، والإيمان للخلود مسقط، ويقال: الذين اشتغلوا بطاعة الله، ولم يعملوا شيئا مما خالف الله - فلا محالة - يقوم الله بكفاية أشغالهم. ه. وقوله تعالى: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل... } الآية، قال الورتجبي: اتبع الكفرة ما وقع في مخايلهم، من هواجس النفس، ووساوس الشيطان، ولا يقبلون طرائق الرشد من حيث الوحي والإلهام، وأن الذين صدقوا في دين الله، وشاهدوا الله بالله، واتبعوا سنة رسوله وخطابه، وما يقع في أسرارهم من النور والبيان، والإلهام والكلام، بنعت الإخلاص في طاعته، والأدب في خدمته والإعراض عن غيره، قال ابن عطاء: اتباع الباطل: ارتكاب الشهوات وأمالي النفس، واتباع الحق: اتباع الأوامر والسنن. ه. قال القشيري: اتباع الحق بموافقة السنة، ومتابعة الجد في رعاية الحق وإيثار رضاه، والقيام بالطاعة، واتباع الباطل: الابتداع والعمل بالهوى، وإيثار الحظوظ وارتكاب المعصية. ه. ثم أقر بجهاد من كفر وصد، فقال: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب }.
محمد 47:2
قلت: { الذين }: مبتدأ، و { أضل }: خبر، و { من ربهم }: من ضمير الحق، وجملة { وهو... } الخ: اعتراضية بين المبتدأ والخبر، و { ذلك }: مبتدأ، و { بأن }: خبر. يقول الحق جل جلاله: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } أي: أعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو صدوا غيرهم عنه. قال الجوهري: صد عنه، يصد، صدودا: أعرض، وصده عن الأمر صدا، منعه، وصرفه عنه. ه. وهم المطعمون يوم بدر، أو: أهل الكتاب، كانوا يصدون من أراد الدخول في الإسلام، منهم ومن غيرهم، أو عام في كل من كفر وصد، فهؤلاء { أضل أعمالهم } أي: أحبطها وأبطلها، أي: جعلها ضالة ضائعة، ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كضالة الإبل. وليس المعنى أنه أبطلها بعد أن لم تكن كذلك، بل بمعنى: أنه حكم ببطلانها وضياعها، فإن ما كانوا يعملونه من أعمال البر، كصلة الأرحام، وقرى الضيف، وفك الأسارى، وغيرها من المكارم، ليس لها أثر من أصلها لعدم الإيمان، أو: أبطل ما عملوا من الكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم، والصد عن سبيله، بنصر رسوله، وإظهار دينه على الدين كله، وهو الأوفق بقوله:
فتعسا لهم وأضل أعمالهم
[محمد: 8]. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } قيل: هم ناس من قريش، وقيل: من الأنصار، وقيل: من آمن من أهل الكتاب، والمختار أنه عام، { وآمنوا بما نزل على محمد } صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، وخص بالذكر من بين ما يجب الإيمان به تنويها بشأنه، وتنبيها على سمو مكانه من بين ما يجب الإيمان به، وأنه الأصل في الكل ولذلك أكده بقوله: { وهو الحق من ربهم } أي: القرآن: لكونه ناسخا لغيره من الكتب، وقيل: دين محمد صلى الله عليه وسلم إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لسائر الأديان، { كفر عنهم سيئاتهم } أي: ستر بالإيمان والعمل الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها بالتوبة { وأصلح بالهم } أي: حالهم وشانهم، بالتوفيق لأمور الدين، وبالتسليط على الدنيا، بما أعطاهم الله من النصرة والعزة والتمكين في البلاد. { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم } أي: ذلك الأمر، وهو إضلال أعمال أهل الكفر، وتفكير سيئات أهل الإيمان، وإصلاح شأنهم كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهو الشيطان، حيث فعلوا ما فعلوا من الكفر والصد، واتباع هؤلاء الحق، وهو القرآن، أو ما جاء به صلى الله عليه وسلم، أو يراد بالباطل: الزائل الذاهب من الدين الفاسد، وبالحق: الدين الثابت، أو يراد بالباطل: نفس الكفر والصد، وبالحق: نفس الإيمان والأعمال الصالحة. { كذلك } أي: مثل الضرب البديع { يضرب الله } أي: يبين { للناس أمثالهم } أي: أحوال الفريقين، وأوصافهما، الجارية في الغرابة مجرى الأمثال، وهو اتباع الأولين الباطل، وخيبتهم وخسرانهم، واتباع الآخرين الحق، وفوزهم وفلاحهم، والضمير راجع إل الناس، أو إلى المذكورين من الفريقين، على معنى: أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم، وقد جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكافرين، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، أو جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز الأبرار.
الإشارة: الذين كفروا بوجود الخصوصية، وصدوا الناس عنها أبطل سيرهم إليه، فكلما ساروا رجعوا، والذين آمنوا الإيمان الكامل واتعبوا السنة النبوية، ستر مساوئهم، وأصلح شأنهم، حتى صلحوا لحضرته. قال القشيري: الذين كفروا: امتنعوا، وصدوا: منعوا، فلامتناعهم عن الله استوجبوا العقوبة، ولمنعهم الخلق عن الله استوجبوا الحجبة. ثم قال في قوله: { وأصلح بالهم } فالكفر للأعمال محبط، والإيمان للخلود مسقط، ويقال: الذين اشتغلوا بطاعة الله، ولم يعملوا شيئا مما خالف الله - فلا محالة - يقوم الله بكفاية أشغالهم. ه. وقوله تعالى: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل... } الآية، قال الورتجبي: اتبع الكفرة ما وقع في مخايلهم، من هواجس النفس، ووساوس الشيطان، ولا يقبلون طرائق الرشد من حيث الوحي والإلهام، وأن الذين صدقوا في دين الله، وشاهدوا الله بالله، واتبعوا سنة رسوله وخطابه، وما يقع في أسرارهم من النور والبيان، والإلهام والكلام، بنعت الإخلاص في طاعته، والأدب في خدمته والإعراض عن غيره، قال ابن عطاء: اتباع الباطل: ارتكاب الشهوات وأمالي النفس، واتباع الحق: اتباع الأوامر والسنن. ه. قال القشيري: اتباع الحق بموافقة السنة، ومتابعة الجد في رعاية الحق وإيثار رضاه، والقيام بالطاعة، واتباع الباطل: الابتداع والعمل بالهوى، وإيثار الحظوظ وارتكاب المعصية. ه. ثم أقر بجهاد من كفر وصد، فقال: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب }.
محمد 47:3
قلت: { الذين }: مبتدأ، و { أضل }: خبر، و { من ربهم }: من ضمير الحق، وجملة { وهو... } الخ: اعتراضية بين المبتدأ والخبر، و { ذلك }: مبتدأ، و { بأن }: خبر. يقول الحق جل جلاله: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } أي: أعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو صدوا غيرهم عنه. قال الجوهري: صد عنه، يصد، صدودا: أعرض، وصده عن الأمر صدا، منعه، وصرفه عنه. ه. وهم المطعمون يوم بدر، أو: أهل الكتاب، كانوا يصدون من أراد الدخول في الإسلام، منهم ومن غيرهم، أو عام في كل من كفر وصد، فهؤلاء { أضل أعمالهم } أي: أحبطها وأبطلها، أي: جعلها ضالة ضائعة، ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كضالة الإبل. وليس المعنى أنه أبطلها بعد أن لم تكن كذلك، بل بمعنى: أنه حكم ببطلانها وضياعها، فإن ما كانوا يعملونه من أعمال البر، كصلة الأرحام، وقرى الضيف، وفك الأسارى، وغيرها من المكارم، ليس لها أثر من أصلها لعدم الإيمان، أو: أبطل ما عملوا من الكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم، والصد عن سبيله، بنصر رسوله، وإظهار دينه على الدين كله، وهو الأوفق بقوله:
فتعسا لهم وأضل أعمالهم
[محمد: 8]. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } قيل: هم ناس من قريش، وقيل: من الأنصار، وقيل: من آمن من أهل الكتاب، والمختار أنه عام، { وآمنوا بما نزل على محمد } صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، وخص بالذكر من بين ما يجب الإيمان به تنويها بشأنه، وتنبيها على سمو مكانه من بين ما يجب الإيمان به، وأنه الأصل في الكل ولذلك أكده بقوله: { وهو الحق من ربهم } أي: القرآن: لكونه ناسخا لغيره من الكتب، وقيل: دين محمد صلى الله عليه وسلم إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لسائر الأديان، { كفر عنهم سيئاتهم } أي: ستر بالإيمان والعمل الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها بالتوبة { وأصلح بالهم } أي: حالهم وشانهم، بالتوفيق لأمور الدين، وبالتسليط على الدنيا، بما أعطاهم الله من النصرة والعزة والتمكين في البلاد. { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم } أي: ذلك الأمر، وهو إضلال أعمال أهل الكفر، وتفكير سيئات أهل الإيمان، وإصلاح شأنهم كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهو الشيطان، حيث فعلوا ما فعلوا من الكفر والصد، واتباع هؤلاء الحق، وهو القرآن، أو ما جاء به صلى الله عليه وسلم، أو يراد بالباطل: الزائل الذاهب من الدين الفاسد، وبالحق: الدين الثابت، أو يراد بالباطل: نفس الكفر والصد، وبالحق: نفس الإيمان والأعمال الصالحة. { كذلك } أي: مثل الضرب البديع { يضرب الله } أي: يبين { للناس أمثالهم } أي: أحوال الفريقين، وأوصافهما، الجارية في الغرابة مجرى الأمثال، وهو اتباع الأولين الباطل، وخيبتهم وخسرانهم، واتباع الآخرين الحق، وفوزهم وفلاحهم، والضمير راجع إل الناس، أو إلى المذكورين من الفريقين، على معنى: أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم، وقد جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكافرين، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، أو جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز الأبرار.
الإشارة: الذين كفروا بوجود الخصوصية، وصدوا الناس عنها أبطل سيرهم إليه، فكلما ساروا رجعوا، والذين آمنوا الإيمان الكامل واتعبوا السنة النبوية، ستر مساوئهم، وأصلح شأنهم، حتى صلحوا لحضرته. قال القشيري: الذين كفروا: امتنعوا، وصدوا: منعوا، فلامتناعهم عن الله استوجبوا العقوبة، ولمنعهم الخلق عن الله استوجبوا الحجبة. ثم قال في قوله: { وأصلح بالهم } فالكفر للأعمال محبط، والإيمان للخلود مسقط، ويقال: الذين اشتغلوا بطاعة الله، ولم يعملوا شيئا مما خالف الله - فلا محالة - يقوم الله بكفاية أشغالهم. ه. وقوله تعالى: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل... } الآية، قال الورتجبي: اتبع الكفرة ما وقع في مخايلهم، من هواجس النفس، ووساوس الشيطان، ولا يقبلون طرائق الرشد من حيث الوحي والإلهام، وأن الذين صدقوا في دين الله، وشاهدوا الله بالله، واتبعوا سنة رسوله وخطابه، وما يقع في أسرارهم من النور والبيان، والإلهام والكلام، بنعت الإخلاص في طاعته، والأدب في خدمته والإعراض عن غيره، قال ابن عطاء: اتباع الباطل: ارتكاب الشهوات وأمالي النفس، واتباع الحق: اتباع الأوامر والسنن. ه. قال القشيري: اتباع الحق بموافقة السنة، ومتابعة الجد في رعاية الحق وإيثار رضاه، والقيام بالطاعة، واتباع الباطل: الابتداع والعمل بالهوى، وإيثار الحظوظ وارتكاب المعصية. ه. ثم أقر بجهاد من كفر وصد، فقال: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب }.
محمد 47:4
قلت: { فضرب }: مصدر، نائب عن فعله، مضاف إلى مفعوله، و { منا } و { فداء }: مصدران لمحذوف، و { الذين كفروا }: مبتدأ حذف خبره، وهو العامل في المصدر، أي: والذين كفروا فأتعسهم تعسا، و { أضل أعمالهم }: عطف على الخبر المحذوف. يقول الحق جل جلاله: { فإذا لقيتم الذين كفروا } في المحاربة { فضرب الرقاب } أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وناب عن مصدره للاختصار، مع إعطاء معنى التوكيد، لدلالة نصبه على مؤكده، وضرب الرقاب عبارة عن مطلق القتل، والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره، وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون، { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم فيه القتل، وأغلظتموه، من: الشيء الثخين، وهو الغليظ، أو: أثقلتموهم بالجراح وهزمتموهم، { فشدوا الوثاق } أي: فأسروهم، وشدوا وثاقهم، لئلا يتفلتوا، والوثاق بالفتح والكسر: ما يشد به. فإذا أسرتموهم فتخيروا فيهم { وإما فداء } أن تفدوا فداء، والمعنى: التخير بين الأمرين بعد الأسر، بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم، ومذهب مالك: أن الإمام مخير في الأسارى بين خمسة، وهي: المن، والفداء، والقتل، والاسترقاق، وضرب الجزية، وقيل: لا يجوز المن ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5] فيتعين قتلهم، والصحيح أنها محكمة، ومذهب الشافعي: أن الإمام مخير بين أربعة: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ولعل الجزية عنده خاصة بأهل الكتاب. ومذهب أبي حنيفة: التخيير بين القتل والاسترقاق فقط، قال: والآية منسوخة لأن سورة براءة آخر ما نزل. وعن مجاهد: ليس اليوم من ولا فداء، والمراد بالمن في الآية. أن يمن عليهم بترك القتل، فيسترقوا، أو يمن عليهم بإعطاء الجزية. ه. والمشهور: مذهب مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبرا، وفادى سائر الأسارى، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي، وهو أسير، وارتق نساء بني قريظة، فابعهم، وضرب الجزية على نصارى نجران ومجوس هاجر. ثم ذكر غاية الحرب فقال: { حتى تضع الحرب أوزارها } أي: اضربوا رقابهم حتى تضع الحرب أثقالها، وآلاتها، التي لا قوم إلا بها، كالسلاح والكراع، وذلك حيث لم يبق حرب، بأن تضع أهل الحرب عدتها، وقيل: { أوزارها } آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب المشركين شركهم، بأن يسلموا جميعا. والمختار: أن المعنى: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على سائر الأديان، ويؤمن أهل الكتاب، طوعا أو كرها، ويكون الدين كله لله، فلا يحتاج إلى قتال. وقال الحسن: معناه،: حتى لا يعبد إلا الله. وقال ابن عطية: ظاهر اللفظ: أنها استعارة، يراد بها التزام الأمر كذلك أبدا، كما تقول: أنا أفعل ذلك إلى يوم القيامة.
ه. فالغاية ب " حتى " راجعة إلى الضرب والشد، وما ترتب عليه من المن والفداء. { ذلك } الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، { ولو يشاء الله لانتصر } لانتقم { منهم } بغير قتال بأن ينزل بهم أسباب الهلاك والاستئصال، كالخسف أو الرجف أو غير ذلك، { ولكن } أمركم بالقتال { ليبلوا بعضكم ببعض } أي: المؤمنين بالكافرين، فأمرهم بالجهاد ليستوجبوا الثواب العظيم، وليسلم من سبق إسلامه من الكافرين. { والذين قاتلوا في سبيل الله } لإعلاء كلمة التوحيد، لا لغرض آخر، { فلن يضل أعمالهم } فلن يضيعها. { سيهديهم } في الدنيا إلى طريق الرشد والصواب، وفي الآخرة إلى جزيل الثواب وقيل: يهديه إلى جواب منكر ونكير، { ويصلح بالهم } بأن يقبل أعمالهم ويرضي خصماءهم، { ويدخلهم الجنة عرفها لهم }. قال مجاهد: عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجوا إلى دليل لها، أو: طيبها، من: العرف، وهو طيب الرائحة، ويمكن الجمع: بأن عرف المحل يهدي صاحبه إلى جنته ومحله. { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله } بنصر دينه وإظهار شريعة نبيه { ينصركم } على عدوكم، ويفتح لكم، { ويثبت أقدامكم } في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإسلام، { والذين كفروا فتعسا لهم } أي: فيقال: تعسا لهم، والتعس: الهلاك، أو السقوط والانحطاط، أو العثار، أو البعد. وقال ابن السكيت: التعس: أن يجر على وجهه. ه. أي: أتعسهم الله تعسا، أي: أهلكهم وأبعدهم. وقال ابن عباس: " في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالتردي في النار ". والمراد بالذين كفروا عام، وقيل: المراد من يضاد الذين ينصرون دين الله، كأنه قيل: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، ومن لم ينصره فتعسا له، فوضع { الذين كفروا } موضع من لم ينصره تغليظا، فهو وفق لأسلوب السورة من التقابل المعنوي، فهو عطف جملة على جملة شرطية مثلها، ولذلك دخلت الفاء في خبر الموصول، كما قرره الزجاج. انظر الطيبي. ه. من الحاشية. { وأضل أعمالهم } أي: أحبطها وأبطلها. { ذلك } التعس والإضلال { بأنهم كرهوا ما أنزل الله } من القرآن لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام، المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي كانوا عملوها، من صلة الأرحام وغيرها. الإشارة: نهاية الجهاد الأصغر: وضع الحرب أوزارها بالإسلام أو السلم، ونهاية الجهاد الأكبر: استسلام النفس وانقيادها لما يراد منها، أو موتها بالغيبة عنها بالكلية. قال بعض العارفين: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. فالإشارة بقوله: { إذا لقيتم الذين كفروا... } الخ إلى قتل الهوى والشطيان وسائر القواطع، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا وثاقهم، ولا تأمنوا غائلتهم. قال القشيري، بعد كلام: وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه فلا ينبغي أن يبقي بعد انتقاش شوكها بقية، ولا في قلع شجرها مستطاعا وميسورا فالحية إن بقيت منها بقية من الحياة من وضع عليها إصبعه بثت سمها فيه.
ه. فإذا تمكنتم من معرفة الله، فإما أن تمنوا عليها بترك جهادها الأكبر، وإما أن تفدوها بالغيبة عنها في حلاوة الشهود، حتى تضع الحرب أوزارها بالموت، ولو شاء الله لخلصكم منها من غير جهاد، فالقدرة صالحة، ولكن ليختبركم، فيظهر السائرون من القاعدين مع حظوظهم " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ". والذين قاتلوا نفوسهم في سبيل الله وطلب معرفته، فلن يضل أعمالهم، سيهديهم إلى معرفته، ويصلح بالهم بالاستغراق في شهوده، ويدخلهم جنة المعارف، قد عرفها لهم، وبينها على أيدي الوسائط من الشيوخ العارفين، أو طيبها لهم، فيهتدون بنسيم واردات التوجه، إلى أنوار المواجهة. وقد أشار تعالى بقوله: { والذين قاتلوا في سبيل الله } إلى طلب الإخلاص، فلا يوصل الجهاد الأصغر ولا الأكبر إلى رضوان الله، أو معرفته، إلا بتحقق الإخلاص، من غير التفات لغرض نفساني، لا عاجلا ولا آجلا. ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ: أن ميسرة الخادم، قال: غزونا في بعض الغزوات، فإذا بفتى جانبي، وهو مقنع بالحديد، فحمل على الميمنة، ثم الميسرة، ثم على القلب، ثم أنشأ يقول:
أحسن بمولاك سعيد ظنا هذا الذي كنت تمنى تنح يا حور الجنان عنا ما فيك قاتلنا ولا قتلنا لكن إلى سيدكن اشتقنا قد علم السر وما أعلنا
قال: فحمل فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى موقفه، فتكالب عليه العدو، فحمل، وأنشأ يقول:
قد كنت أرجو ورجائي لم يخب ألا يضيع اليوم كدي والطلب يا من ملأ تلك القصور باللعب لولاك ما طابت ولا طاب الطرب
ثم حمل فقاتل، فقتل عددا كثيرا، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو، فحمل ثالثة، وأنشأ يقول:
يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي ما لك قاتلنا فكفي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان وأسرعي لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي
فقاتل رضي الله عنه حتى قتل - رحمه الله. ه. قوله تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } فيه ترغيب وتنشيط لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى الله، الذين يسعون في أظهار الدين، وإرشاد عباد الله إلى محبة الله وطاعته. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفس محمد بيده، لئن شئتم لأقسمن لكم، أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة "
وقال أيضا:
" الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله "
وأعظم النفع: إرشادهم إلى الله، الذي هو سبب سعادتهم السرمدية. وقال الورتجبي: نصرة العبد لله: أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه، فإنهم أعداؤه، فإذا خاصمها يقويه الله وينصره عليهم، بأن يدفع شرهم عنه، ويجعله مستقيما في طاعة الله، ويجازيه بكشف جماله، حتى يثبت في مقام العبودية، وانكشاف أنوار الربوبية. ه. قال القشيري: ونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعدائه. ثم قال في قوله تعالى: { ويثبت أقدامكم } هو إدامة التوفيق، لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين، ولا يضعف قلبه في معاداتهم، ولا ينكسر باطنه ثقة بالله في إعزاز دينه. ه. ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى الله، الناصرين لدينه، وهم المنتقدون عليهم، فقال: { والذين كفروا فتسعا لهم } أي: خيبة لهم، { وأضل أعمالهم } فلا يتوصلون بها إلى معرفته، لكونها معلولة. ثم أمر بالتفكر والنظر لأنه أقرب الطرق إلى التخلص من غوائل الأعداء، فقال: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا }.
محمد 47:5
قلت: { فضرب }: مصدر، نائب عن فعله، مضاف إلى مفعوله، و { منا } و { فداء }: مصدران لمحذوف، و { الذين كفروا }: مبتدأ حذف خبره، وهو العامل في المصدر، أي: والذين كفروا فأتعسهم تعسا، و { أضل أعمالهم }: عطف على الخبر المحذوف. يقول الحق جل جلاله: { فإذا لقيتم الذين كفروا } في المحاربة { فضرب الرقاب } أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وناب عن مصدره للاختصار، مع إعطاء معنى التوكيد، لدلالة نصبه على مؤكده، وضرب الرقاب عبارة عن مطلق القتل، والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره، وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون، { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم فيه القتل، وأغلظتموه، من: الشيء الثخين، وهو الغليظ، أو: أثقلتموهم بالجراح وهزمتموهم، { فشدوا الوثاق } أي: فأسروهم، وشدوا وثاقهم، لئلا يتفلتوا، والوثاق بالفتح والكسر: ما يشد به. فإذا أسرتموهم فتخيروا فيهم { وإما فداء } أن تفدوا فداء، والمعنى: التخير بين الأمرين بعد الأسر، بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم، ومذهب مالك: أن الإمام مخير في الأسارى بين خمسة، وهي: المن، والفداء، والقتل، والاسترقاق، وضرب الجزية، وقيل: لا يجوز المن ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5] فيتعين قتلهم، والصحيح أنها محكمة، ومذهب الشافعي: أن الإمام مخير بين أربعة: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ولعل الجزية عنده خاصة بأهل الكتاب. ومذهب أبي حنيفة: التخيير بين القتل والاسترقاق فقط، قال: والآية منسوخة لأن سورة براءة آخر ما نزل. وعن مجاهد: ليس اليوم من ولا فداء، والمراد بالمن في الآية. أن يمن عليهم بترك القتل، فيسترقوا، أو يمن عليهم بإعطاء الجزية. ه. والمشهور: مذهب مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبرا، وفادى سائر الأسارى، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي، وهو أسير، وارتق نساء بني قريظة، فابعهم، وضرب الجزية على نصارى نجران ومجوس هاجر. ثم ذكر غاية الحرب فقال: { حتى تضع الحرب أوزارها } أي: اضربوا رقابهم حتى تضع الحرب أثقالها، وآلاتها، التي لا قوم إلا بها، كالسلاح والكراع، وذلك حيث لم يبق حرب، بأن تضع أهل الحرب عدتها، وقيل: { أوزارها } آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب المشركين شركهم، بأن يسلموا جميعا. والمختار: أن المعنى: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على سائر الأديان، ويؤمن أهل الكتاب، طوعا أو كرها، ويكون الدين كله لله، فلا يحتاج إلى قتال. وقال الحسن: معناه،: حتى لا يعبد إلا الله. وقال ابن عطية: ظاهر اللفظ: أنها استعارة، يراد بها التزام الأمر كذلك أبدا، كما تقول: أنا أفعل ذلك إلى يوم القيامة.
ه. فالغاية ب " حتى " راجعة إلى الضرب والشد، وما ترتب عليه من المن والفداء. { ذلك } الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، { ولو يشاء الله لانتصر } لانتقم { منهم } بغير قتال بأن ينزل بهم أسباب الهلاك والاستئصال، كالخسف أو الرجف أو غير ذلك، { ولكن } أمركم بالقتال { ليبلوا بعضكم ببعض } أي: المؤمنين بالكافرين، فأمرهم بالجهاد ليستوجبوا الثواب العظيم، وليسلم من سبق إسلامه من الكافرين. { والذين قاتلوا في سبيل الله } لإعلاء كلمة التوحيد، لا لغرض آخر، { فلن يضل أعمالهم } فلن يضيعها. { سيهديهم } في الدنيا إلى طريق الرشد والصواب، وفي الآخرة إلى جزيل الثواب وقيل: يهديه إلى جواب منكر ونكير، { ويصلح بالهم } بأن يقبل أعمالهم ويرضي خصماءهم، { ويدخلهم الجنة عرفها لهم }. قال مجاهد: عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجوا إلى دليل لها، أو: طيبها، من: العرف، وهو طيب الرائحة، ويمكن الجمع: بأن عرف المحل يهدي صاحبه إلى جنته ومحله. { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله } بنصر دينه وإظهار شريعة نبيه { ينصركم } على عدوكم، ويفتح لكم، { ويثبت أقدامكم } في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإسلام، { والذين كفروا فتعسا لهم } أي: فيقال: تعسا لهم، والتعس: الهلاك، أو السقوط والانحطاط، أو العثار، أو البعد. وقال ابن السكيت: التعس: أن يجر على وجهه. ه. أي: أتعسهم الله تعسا، أي: أهلكهم وأبعدهم. وقال ابن عباس: " في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالتردي في النار ". والمراد بالذين كفروا عام، وقيل: المراد من يضاد الذين ينصرون دين الله، كأنه قيل: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، ومن لم ينصره فتعسا له، فوضع { الذين كفروا } موضع من لم ينصره تغليظا، فهو وفق لأسلوب السورة من التقابل المعنوي، فهو عطف جملة على جملة شرطية مثلها، ولذلك دخلت الفاء في خبر الموصول، كما قرره الزجاج. انظر الطيبي. ه. من الحاشية. { وأضل أعمالهم } أي: أحبطها وأبطلها. { ذلك } التعس والإضلال { بأنهم كرهوا ما أنزل الله } من القرآن لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام، المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي كانوا عملوها، من صلة الأرحام وغيرها. الإشارة: نهاية الجهاد الأصغر: وضع الحرب أوزارها بالإسلام أو السلم، ونهاية الجهاد الأكبر: استسلام النفس وانقيادها لما يراد منها، أو موتها بالغيبة عنها بالكلية. قال بعض العارفين: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. فالإشارة بقوله: { إذا لقيتم الذين كفروا... } الخ إلى قتل الهوى والشطيان وسائر القواطع، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا وثاقهم، ولا تأمنوا غائلتهم. قال القشيري، بعد كلام: وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه فلا ينبغي أن يبقي بعد انتقاش شوكها بقية، ولا في قلع شجرها مستطاعا وميسورا فالحية إن بقيت منها بقية من الحياة من وضع عليها إصبعه بثت سمها فيه.
ه. فإذا تمكنتم من معرفة الله، فإما أن تمنوا عليها بترك جهادها الأكبر، وإما أن تفدوها بالغيبة عنها في حلاوة الشهود، حتى تضع الحرب أوزارها بالموت، ولو شاء الله لخلصكم منها من غير جهاد، فالقدرة صالحة، ولكن ليختبركم، فيظهر السائرون من القاعدين مع حظوظهم " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ". والذين قاتلوا نفوسهم في سبيل الله وطلب معرفته، فلن يضل أعمالهم، سيهديهم إلى معرفته، ويصلح بالهم بالاستغراق في شهوده، ويدخلهم جنة المعارف، قد عرفها لهم، وبينها على أيدي الوسائط من الشيوخ العارفين، أو طيبها لهم، فيهتدون بنسيم واردات التوجه، إلى أنوار المواجهة. وقد أشار تعالى بقوله: { والذين قاتلوا في سبيل الله } إلى طلب الإخلاص، فلا يوصل الجهاد الأصغر ولا الأكبر إلى رضوان الله، أو معرفته، إلا بتحقق الإخلاص، من غير التفات لغرض نفساني، لا عاجلا ولا آجلا. ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ: أن ميسرة الخادم، قال: غزونا في بعض الغزوات، فإذا بفتى جانبي، وهو مقنع بالحديد، فحمل على الميمنة، ثم الميسرة، ثم على القلب، ثم أنشأ يقول:
أحسن بمولاك سعيد ظنا هذا الذي كنت تمنى تنح يا حور الجنان عنا ما فيك قاتلنا ولا قتلنا لكن إلى سيدكن اشتقنا قد علم السر وما أعلنا
قال: فحمل فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى موقفه، فتكالب عليه العدو، فحمل، وأنشأ يقول:
قد كنت أرجو ورجائي لم يخب ألا يضيع اليوم كدي والطلب يا من ملأ تلك القصور باللعب لولاك ما طابت ولا طاب الطرب
ثم حمل فقاتل، فقتل عددا كثيرا، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو، فحمل ثالثة، وأنشأ يقول:
يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي ما لك قاتلنا فكفي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان وأسرعي لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي
فقاتل رضي الله عنه حتى قتل - رحمه الله. ه. قوله تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } فيه ترغيب وتنشيط لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى الله، الذين يسعون في أظهار الدين، وإرشاد عباد الله إلى محبة الله وطاعته. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفس محمد بيده، لئن شئتم لأقسمن لكم، أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة "
وقال أيضا:
" الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله "
وأعظم النفع: إرشادهم إلى الله، الذي هو سبب سعادتهم السرمدية. وقال الورتجبي: نصرة العبد لله: أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه، فإنهم أعداؤه، فإذا خاصمها يقويه الله وينصره عليهم، بأن يدفع شرهم عنه، ويجعله مستقيما في طاعة الله، ويجازيه بكشف جماله، حتى يثبت في مقام العبودية، وانكشاف أنوار الربوبية. ه. قال القشيري: ونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعدائه. ثم قال في قوله تعالى: { ويثبت أقدامكم } هو إدامة التوفيق، لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين، ولا يضعف قلبه في معاداتهم، ولا ينكسر باطنه ثقة بالله في إعزاز دينه. ه. ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى الله، الناصرين لدينه، وهم المنتقدون عليهم، فقال: { والذين كفروا فتسعا لهم } أي: خيبة لهم، { وأضل أعمالهم } فلا يتوصلون بها إلى معرفته، لكونها معلولة. ثم أمر بالتفكر والنظر لأنه أقرب الطرق إلى التخلص من غوائل الأعداء، فقال: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا }.
محمد 47:6
قلت: { فضرب }: مصدر، نائب عن فعله، مضاف إلى مفعوله، و { منا } و { فداء }: مصدران لمحذوف، و { الذين كفروا }: مبتدأ حذف خبره، وهو العامل في المصدر، أي: والذين كفروا فأتعسهم تعسا، و { أضل أعمالهم }: عطف على الخبر المحذوف. يقول الحق جل جلاله: { فإذا لقيتم الذين كفروا } في المحاربة { فضرب الرقاب } أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وناب عن مصدره للاختصار، مع إعطاء معنى التوكيد، لدلالة نصبه على مؤكده، وضرب الرقاب عبارة عن مطلق القتل، والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره، وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون، { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم فيه القتل، وأغلظتموه، من: الشيء الثخين، وهو الغليظ، أو: أثقلتموهم بالجراح وهزمتموهم، { فشدوا الوثاق } أي: فأسروهم، وشدوا وثاقهم، لئلا يتفلتوا، والوثاق بالفتح والكسر: ما يشد به. فإذا أسرتموهم فتخيروا فيهم { وإما فداء } أن تفدوا فداء، والمعنى: التخير بين الأمرين بعد الأسر، بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم، ومذهب مالك: أن الإمام مخير في الأسارى بين خمسة، وهي: المن، والفداء، والقتل، والاسترقاق، وضرب الجزية، وقيل: لا يجوز المن ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5] فيتعين قتلهم، والصحيح أنها محكمة، ومذهب الشافعي: أن الإمام مخير بين أربعة: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ولعل الجزية عنده خاصة بأهل الكتاب. ومذهب أبي حنيفة: التخيير بين القتل والاسترقاق فقط، قال: والآية منسوخة لأن سورة براءة آخر ما نزل. وعن مجاهد: ليس اليوم من ولا فداء، والمراد بالمن في الآية. أن يمن عليهم بترك القتل، فيسترقوا، أو يمن عليهم بإعطاء الجزية. ه. والمشهور: مذهب مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبرا، وفادى سائر الأسارى، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي، وهو أسير، وارتق نساء بني قريظة، فابعهم، وضرب الجزية على نصارى نجران ومجوس هاجر. ثم ذكر غاية الحرب فقال: { حتى تضع الحرب أوزارها } أي: اضربوا رقابهم حتى تضع الحرب أثقالها، وآلاتها، التي لا قوم إلا بها، كالسلاح والكراع، وذلك حيث لم يبق حرب، بأن تضع أهل الحرب عدتها، وقيل: { أوزارها } آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب المشركين شركهم، بأن يسلموا جميعا. والمختار: أن المعنى: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على سائر الأديان، ويؤمن أهل الكتاب، طوعا أو كرها، ويكون الدين كله لله، فلا يحتاج إلى قتال. وقال الحسن: معناه،: حتى لا يعبد إلا الله. وقال ابن عطية: ظاهر اللفظ: أنها استعارة، يراد بها التزام الأمر كذلك أبدا، كما تقول: أنا أفعل ذلك إلى يوم القيامة.
ه. فالغاية ب " حتى " راجعة إلى الضرب والشد، وما ترتب عليه من المن والفداء. { ذلك } الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، { ولو يشاء الله لانتصر } لانتقم { منهم } بغير قتال بأن ينزل بهم أسباب الهلاك والاستئصال، كالخسف أو الرجف أو غير ذلك، { ولكن } أمركم بالقتال { ليبلوا بعضكم ببعض } أي: المؤمنين بالكافرين، فأمرهم بالجهاد ليستوجبوا الثواب العظيم، وليسلم من سبق إسلامه من الكافرين. { والذين قاتلوا في سبيل الله } لإعلاء كلمة التوحيد، لا لغرض آخر، { فلن يضل أعمالهم } فلن يضيعها. { سيهديهم } في الدنيا إلى طريق الرشد والصواب، وفي الآخرة إلى جزيل الثواب وقيل: يهديه إلى جواب منكر ونكير، { ويصلح بالهم } بأن يقبل أعمالهم ويرضي خصماءهم، { ويدخلهم الجنة عرفها لهم }. قال مجاهد: عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجوا إلى دليل لها، أو: طيبها، من: العرف، وهو طيب الرائحة، ويمكن الجمع: بأن عرف المحل يهدي صاحبه إلى جنته ومحله. { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله } بنصر دينه وإظهار شريعة نبيه { ينصركم } على عدوكم، ويفتح لكم، { ويثبت أقدامكم } في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإسلام، { والذين كفروا فتعسا لهم } أي: فيقال: تعسا لهم، والتعس: الهلاك، أو السقوط والانحطاط، أو العثار، أو البعد. وقال ابن السكيت: التعس: أن يجر على وجهه. ه. أي: أتعسهم الله تعسا، أي: أهلكهم وأبعدهم. وقال ابن عباس: " في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالتردي في النار ". والمراد بالذين كفروا عام، وقيل: المراد من يضاد الذين ينصرون دين الله، كأنه قيل: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، ومن لم ينصره فتعسا له، فوضع { الذين كفروا } موضع من لم ينصره تغليظا، فهو وفق لأسلوب السورة من التقابل المعنوي، فهو عطف جملة على جملة شرطية مثلها، ولذلك دخلت الفاء في خبر الموصول، كما قرره الزجاج. انظر الطيبي. ه. من الحاشية. { وأضل أعمالهم } أي: أحبطها وأبطلها. { ذلك } التعس والإضلال { بأنهم كرهوا ما أنزل الله } من القرآن لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام، المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي كانوا عملوها، من صلة الأرحام وغيرها. الإشارة: نهاية الجهاد الأصغر: وضع الحرب أوزارها بالإسلام أو السلم، ونهاية الجهاد الأكبر: استسلام النفس وانقيادها لما يراد منها، أو موتها بالغيبة عنها بالكلية. قال بعض العارفين: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. فالإشارة بقوله: { إذا لقيتم الذين كفروا... } الخ إلى قتل الهوى والشطيان وسائر القواطع، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا وثاقهم، ولا تأمنوا غائلتهم. قال القشيري، بعد كلام: وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه فلا ينبغي أن يبقي بعد انتقاش شوكها بقية، ولا في قلع شجرها مستطاعا وميسورا فالحية إن بقيت منها بقية من الحياة من وضع عليها إصبعه بثت سمها فيه.
ه. فإذا تمكنتم من معرفة الله، فإما أن تمنوا عليها بترك جهادها الأكبر، وإما أن تفدوها بالغيبة عنها في حلاوة الشهود، حتى تضع الحرب أوزارها بالموت، ولو شاء الله لخلصكم منها من غير جهاد، فالقدرة صالحة، ولكن ليختبركم، فيظهر السائرون من القاعدين مع حظوظهم " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ". والذين قاتلوا نفوسهم في سبيل الله وطلب معرفته، فلن يضل أعمالهم، سيهديهم إلى معرفته، ويصلح بالهم بالاستغراق في شهوده، ويدخلهم جنة المعارف، قد عرفها لهم، وبينها على أيدي الوسائط من الشيوخ العارفين، أو طيبها لهم، فيهتدون بنسيم واردات التوجه، إلى أنوار المواجهة. وقد أشار تعالى بقوله: { والذين قاتلوا في سبيل الله } إلى طلب الإخلاص، فلا يوصل الجهاد الأصغر ولا الأكبر إلى رضوان الله، أو معرفته، إلا بتحقق الإخلاص، من غير التفات لغرض نفساني، لا عاجلا ولا آجلا. ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ: أن ميسرة الخادم، قال: غزونا في بعض الغزوات، فإذا بفتى جانبي، وهو مقنع بالحديد، فحمل على الميمنة، ثم الميسرة، ثم على القلب، ثم أنشأ يقول:
أحسن بمولاك سعيد ظنا هذا الذي كنت تمنى تنح يا حور الجنان عنا ما فيك قاتلنا ولا قتلنا لكن إلى سيدكن اشتقنا قد علم السر وما أعلنا
قال: فحمل فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى موقفه، فتكالب عليه العدو، فحمل، وأنشأ يقول:
قد كنت أرجو ورجائي لم يخب ألا يضيع اليوم كدي والطلب يا من ملأ تلك القصور باللعب لولاك ما طابت ولا طاب الطرب
ثم حمل فقاتل، فقتل عددا كثيرا، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو، فحمل ثالثة، وأنشأ يقول:
يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي ما لك قاتلنا فكفي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان وأسرعي لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي
فقاتل رضي الله عنه حتى قتل - رحمه الله. ه. قوله تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } فيه ترغيب وتنشيط لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى الله، الذين يسعون في أظهار الدين، وإرشاد عباد الله إلى محبة الله وطاعته. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفس محمد بيده، لئن شئتم لأقسمن لكم، أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة "
وقال أيضا:
" الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله "
وأعظم النفع: إرشادهم إلى الله، الذي هو سبب سعادتهم السرمدية. وقال الورتجبي: نصرة العبد لله: أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه، فإنهم أعداؤه، فإذا خاصمها يقويه الله وينصره عليهم، بأن يدفع شرهم عنه، ويجعله مستقيما في طاعة الله، ويجازيه بكشف جماله، حتى يثبت في مقام العبودية، وانكشاف أنوار الربوبية. ه. قال القشيري: ونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعدائه. ثم قال في قوله تعالى: { ويثبت أقدامكم } هو إدامة التوفيق، لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين، ولا يضعف قلبه في معاداتهم، ولا ينكسر باطنه ثقة بالله في إعزاز دينه. ه. ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى الله، الناصرين لدينه، وهم المنتقدون عليهم، فقال: { والذين كفروا فتسعا لهم } أي: خيبة لهم، { وأضل أعمالهم } فلا يتوصلون بها إلى معرفته، لكونها معلولة. ثم أمر بالتفكر والنظر لأنه أقرب الطرق إلى التخلص من غوائل الأعداء، فقال: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا }.
محمد 47:7
قلت: { فضرب }: مصدر، نائب عن فعله، مضاف إلى مفعوله، و { منا } و { فداء }: مصدران لمحذوف، و { الذين كفروا }: مبتدأ حذف خبره، وهو العامل في المصدر، أي: والذين كفروا فأتعسهم تعسا، و { أضل أعمالهم }: عطف على الخبر المحذوف. يقول الحق جل جلاله: { فإذا لقيتم الذين كفروا } في المحاربة { فضرب الرقاب } أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وناب عن مصدره للاختصار، مع إعطاء معنى التوكيد، لدلالة نصبه على مؤكده، وضرب الرقاب عبارة عن مطلق القتل، والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره، وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون، { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم فيه القتل، وأغلظتموه، من: الشيء الثخين، وهو الغليظ، أو: أثقلتموهم بالجراح وهزمتموهم، { فشدوا الوثاق } أي: فأسروهم، وشدوا وثاقهم، لئلا يتفلتوا، والوثاق بالفتح والكسر: ما يشد به. فإذا أسرتموهم فتخيروا فيهم { وإما فداء } أن تفدوا فداء، والمعنى: التخير بين الأمرين بعد الأسر، بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم، ومذهب مالك: أن الإمام مخير في الأسارى بين خمسة، وهي: المن، والفداء، والقتل، والاسترقاق، وضرب الجزية، وقيل: لا يجوز المن ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5] فيتعين قتلهم، والصحيح أنها محكمة، ومذهب الشافعي: أن الإمام مخير بين أربعة: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ولعل الجزية عنده خاصة بأهل الكتاب. ومذهب أبي حنيفة: التخيير بين القتل والاسترقاق فقط، قال: والآية منسوخة لأن سورة براءة آخر ما نزل. وعن مجاهد: ليس اليوم من ولا فداء، والمراد بالمن في الآية. أن يمن عليهم بترك القتل، فيسترقوا، أو يمن عليهم بإعطاء الجزية. ه. والمشهور: مذهب مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبرا، وفادى سائر الأسارى، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي، وهو أسير، وارتق نساء بني قريظة، فابعهم، وضرب الجزية على نصارى نجران ومجوس هاجر. ثم ذكر غاية الحرب فقال: { حتى تضع الحرب أوزارها } أي: اضربوا رقابهم حتى تضع الحرب أثقالها، وآلاتها، التي لا قوم إلا بها، كالسلاح والكراع، وذلك حيث لم يبق حرب، بأن تضع أهل الحرب عدتها، وقيل: { أوزارها } آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب المشركين شركهم، بأن يسلموا جميعا. والمختار: أن المعنى: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على سائر الأديان، ويؤمن أهل الكتاب، طوعا أو كرها، ويكون الدين كله لله، فلا يحتاج إلى قتال. وقال الحسن: معناه،: حتى لا يعبد إلا الله. وقال ابن عطية: ظاهر اللفظ: أنها استعارة، يراد بها التزام الأمر كذلك أبدا، كما تقول: أنا أفعل ذلك إلى يوم القيامة.
ه. فالغاية ب " حتى " راجعة إلى الضرب والشد، وما ترتب عليه من المن والفداء. { ذلك } الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، { ولو يشاء الله لانتصر } لانتقم { منهم } بغير قتال بأن ينزل بهم أسباب الهلاك والاستئصال، كالخسف أو الرجف أو غير ذلك، { ولكن } أمركم بالقتال { ليبلوا بعضكم ببعض } أي: المؤمنين بالكافرين، فأمرهم بالجهاد ليستوجبوا الثواب العظيم، وليسلم من سبق إسلامه من الكافرين. { والذين قاتلوا في سبيل الله } لإعلاء كلمة التوحيد، لا لغرض آخر، { فلن يضل أعمالهم } فلن يضيعها. { سيهديهم } في الدنيا إلى طريق الرشد والصواب، وفي الآخرة إلى جزيل الثواب وقيل: يهديه إلى جواب منكر ونكير، { ويصلح بالهم } بأن يقبل أعمالهم ويرضي خصماءهم، { ويدخلهم الجنة عرفها لهم }. قال مجاهد: عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجوا إلى دليل لها، أو: طيبها، من: العرف، وهو طيب الرائحة، ويمكن الجمع: بأن عرف المحل يهدي صاحبه إلى جنته ومحله. { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله } بنصر دينه وإظهار شريعة نبيه { ينصركم } على عدوكم، ويفتح لكم، { ويثبت أقدامكم } في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإسلام، { والذين كفروا فتعسا لهم } أي: فيقال: تعسا لهم، والتعس: الهلاك، أو السقوط والانحطاط، أو العثار، أو البعد. وقال ابن السكيت: التعس: أن يجر على وجهه. ه. أي: أتعسهم الله تعسا، أي: أهلكهم وأبعدهم. وقال ابن عباس: " في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالتردي في النار ". والمراد بالذين كفروا عام، وقيل: المراد من يضاد الذين ينصرون دين الله، كأنه قيل: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، ومن لم ينصره فتعسا له، فوضع { الذين كفروا } موضع من لم ينصره تغليظا، فهو وفق لأسلوب السورة من التقابل المعنوي، فهو عطف جملة على جملة شرطية مثلها، ولذلك دخلت الفاء في خبر الموصول، كما قرره الزجاج. انظر الطيبي. ه. من الحاشية. { وأضل أعمالهم } أي: أحبطها وأبطلها. { ذلك } التعس والإضلال { بأنهم كرهوا ما أنزل الله } من القرآن لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام، المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي كانوا عملوها، من صلة الأرحام وغيرها. الإشارة: نهاية الجهاد الأصغر: وضع الحرب أوزارها بالإسلام أو السلم، ونهاية الجهاد الأكبر: استسلام النفس وانقيادها لما يراد منها، أو موتها بالغيبة عنها بالكلية. قال بعض العارفين: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. فالإشارة بقوله: { إذا لقيتم الذين كفروا... } الخ إلى قتل الهوى والشطيان وسائر القواطع، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا وثاقهم، ولا تأمنوا غائلتهم. قال القشيري، بعد كلام: وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه فلا ينبغي أن يبقي بعد انتقاش شوكها بقية، ولا في قلع شجرها مستطاعا وميسورا فالحية إن بقيت منها بقية من الحياة من وضع عليها إصبعه بثت سمها فيه.
ه. فإذا تمكنتم من معرفة الله، فإما أن تمنوا عليها بترك جهادها الأكبر، وإما أن تفدوها بالغيبة عنها في حلاوة الشهود، حتى تضع الحرب أوزارها بالموت، ولو شاء الله لخلصكم منها من غير جهاد، فالقدرة صالحة، ولكن ليختبركم، فيظهر السائرون من القاعدين مع حظوظهم " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ". والذين قاتلوا نفوسهم في سبيل الله وطلب معرفته، فلن يضل أعمالهم، سيهديهم إلى معرفته، ويصلح بالهم بالاستغراق في شهوده، ويدخلهم جنة المعارف، قد عرفها لهم، وبينها على أيدي الوسائط من الشيوخ العارفين، أو طيبها لهم، فيهتدون بنسيم واردات التوجه، إلى أنوار المواجهة. وقد أشار تعالى بقوله: { والذين قاتلوا في سبيل الله } إلى طلب الإخلاص، فلا يوصل الجهاد الأصغر ولا الأكبر إلى رضوان الله، أو معرفته، إلا بتحقق الإخلاص، من غير التفات لغرض نفساني، لا عاجلا ولا آجلا. ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ: أن ميسرة الخادم، قال: غزونا في بعض الغزوات، فإذا بفتى جانبي، وهو مقنع بالحديد، فحمل على الميمنة، ثم الميسرة، ثم على القلب، ثم أنشأ يقول:
أحسن بمولاك سعيد ظنا هذا الذي كنت تمنى تنح يا حور الجنان عنا ما فيك قاتلنا ولا قتلنا لكن إلى سيدكن اشتقنا قد علم السر وما أعلنا
قال: فحمل فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى موقفه، فتكالب عليه العدو، فحمل، وأنشأ يقول:
قد كنت أرجو ورجائي لم يخب ألا يضيع اليوم كدي والطلب يا من ملأ تلك القصور باللعب لولاك ما طابت ولا طاب الطرب
ثم حمل فقاتل، فقتل عددا كثيرا، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو، فحمل ثالثة، وأنشأ يقول:
يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي ما لك قاتلنا فكفي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان وأسرعي لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي
فقاتل رضي الله عنه حتى قتل - رحمه الله. ه. قوله تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } فيه ترغيب وتنشيط لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى الله، الذين يسعون في أظهار الدين، وإرشاد عباد الله إلى محبة الله وطاعته. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفس محمد بيده، لئن شئتم لأقسمن لكم، أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة "
وقال أيضا:
" الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله "
وأعظم النفع: إرشادهم إلى الله، الذي هو سبب سعادتهم السرمدية. وقال الورتجبي: نصرة العبد لله: أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه، فإنهم أعداؤه، فإذا خاصمها يقويه الله وينصره عليهم، بأن يدفع شرهم عنه، ويجعله مستقيما في طاعة الله، ويجازيه بكشف جماله، حتى يثبت في مقام العبودية، وانكشاف أنوار الربوبية. ه. قال القشيري: ونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعدائه. ثم قال في قوله تعالى: { ويثبت أقدامكم } هو إدامة التوفيق، لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين، ولا يضعف قلبه في معاداتهم، ولا ينكسر باطنه ثقة بالله في إعزاز دينه. ه. ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى الله، الناصرين لدينه، وهم المنتقدون عليهم، فقال: { والذين كفروا فتسعا لهم } أي: خيبة لهم، { وأضل أعمالهم } فلا يتوصلون بها إلى معرفته، لكونها معلولة. ثم أمر بالتفكر والنظر لأنه أقرب الطرق إلى التخلص من غوائل الأعداء، فقال: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا }.
محمد 47:8
قلت: { فضرب }: مصدر، نائب عن فعله، مضاف إلى مفعوله، و { منا } و { فداء }: مصدران لمحذوف، و { الذين كفروا }: مبتدأ حذف خبره، وهو العامل في المصدر، أي: والذين كفروا فأتعسهم تعسا، و { أضل أعمالهم }: عطف على الخبر المحذوف. يقول الحق جل جلاله: { فإذا لقيتم الذين كفروا } في المحاربة { فضرب الرقاب } أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وناب عن مصدره للاختصار، مع إعطاء معنى التوكيد، لدلالة نصبه على مؤكده، وضرب الرقاب عبارة عن مطلق القتل، والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره، وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون، { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم فيه القتل، وأغلظتموه، من: الشيء الثخين، وهو الغليظ، أو: أثقلتموهم بالجراح وهزمتموهم، { فشدوا الوثاق } أي: فأسروهم، وشدوا وثاقهم، لئلا يتفلتوا، والوثاق بالفتح والكسر: ما يشد به. فإذا أسرتموهم فتخيروا فيهم { وإما فداء } أن تفدوا فداء، والمعنى: التخير بين الأمرين بعد الأسر، بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم، ومذهب مالك: أن الإمام مخير في الأسارى بين خمسة، وهي: المن، والفداء، والقتل، والاسترقاق، وضرب الجزية، وقيل: لا يجوز المن ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5] فيتعين قتلهم، والصحيح أنها محكمة، ومذهب الشافعي: أن الإمام مخير بين أربعة: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ولعل الجزية عنده خاصة بأهل الكتاب. ومذهب أبي حنيفة: التخيير بين القتل والاسترقاق فقط، قال: والآية منسوخة لأن سورة براءة آخر ما نزل. وعن مجاهد: ليس اليوم من ولا فداء، والمراد بالمن في الآية. أن يمن عليهم بترك القتل، فيسترقوا، أو يمن عليهم بإعطاء الجزية. ه. والمشهور: مذهب مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبرا، وفادى سائر الأسارى، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي، وهو أسير، وارتق نساء بني قريظة، فابعهم، وضرب الجزية على نصارى نجران ومجوس هاجر. ثم ذكر غاية الحرب فقال: { حتى تضع الحرب أوزارها } أي: اضربوا رقابهم حتى تضع الحرب أثقالها، وآلاتها، التي لا قوم إلا بها، كالسلاح والكراع، وذلك حيث لم يبق حرب، بأن تضع أهل الحرب عدتها، وقيل: { أوزارها } آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب المشركين شركهم، بأن يسلموا جميعا. والمختار: أن المعنى: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على سائر الأديان، ويؤمن أهل الكتاب، طوعا أو كرها، ويكون الدين كله لله، فلا يحتاج إلى قتال. وقال الحسن: معناه،: حتى لا يعبد إلا الله. وقال ابن عطية: ظاهر اللفظ: أنها استعارة، يراد بها التزام الأمر كذلك أبدا، كما تقول: أنا أفعل ذلك إلى يوم القيامة.
ه. فالغاية ب " حتى " راجعة إلى الضرب والشد، وما ترتب عليه من المن والفداء. { ذلك } الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، { ولو يشاء الله لانتصر } لانتقم { منهم } بغير قتال بأن ينزل بهم أسباب الهلاك والاستئصال، كالخسف أو الرجف أو غير ذلك، { ولكن } أمركم بالقتال { ليبلوا بعضكم ببعض } أي: المؤمنين بالكافرين، فأمرهم بالجهاد ليستوجبوا الثواب العظيم، وليسلم من سبق إسلامه من الكافرين. { والذين قاتلوا في سبيل الله } لإعلاء كلمة التوحيد، لا لغرض آخر، { فلن يضل أعمالهم } فلن يضيعها. { سيهديهم } في الدنيا إلى طريق الرشد والصواب، وفي الآخرة إلى جزيل الثواب وقيل: يهديه إلى جواب منكر ونكير، { ويصلح بالهم } بأن يقبل أعمالهم ويرضي خصماءهم، { ويدخلهم الجنة عرفها لهم }. قال مجاهد: عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجوا إلى دليل لها، أو: طيبها، من: العرف، وهو طيب الرائحة، ويمكن الجمع: بأن عرف المحل يهدي صاحبه إلى جنته ومحله. { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله } بنصر دينه وإظهار شريعة نبيه { ينصركم } على عدوكم، ويفتح لكم، { ويثبت أقدامكم } في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإسلام، { والذين كفروا فتعسا لهم } أي: فيقال: تعسا لهم، والتعس: الهلاك، أو السقوط والانحطاط، أو العثار، أو البعد. وقال ابن السكيت: التعس: أن يجر على وجهه. ه. أي: أتعسهم الله تعسا، أي: أهلكهم وأبعدهم. وقال ابن عباس: " في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالتردي في النار ". والمراد بالذين كفروا عام، وقيل: المراد من يضاد الذين ينصرون دين الله، كأنه قيل: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، ومن لم ينصره فتعسا له، فوضع { الذين كفروا } موضع من لم ينصره تغليظا، فهو وفق لأسلوب السورة من التقابل المعنوي، فهو عطف جملة على جملة شرطية مثلها، ولذلك دخلت الفاء في خبر الموصول، كما قرره الزجاج. انظر الطيبي. ه. من الحاشية. { وأضل أعمالهم } أي: أحبطها وأبطلها. { ذلك } التعس والإضلال { بأنهم كرهوا ما أنزل الله } من القرآن لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام، المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي كانوا عملوها، من صلة الأرحام وغيرها. الإشارة: نهاية الجهاد الأصغر: وضع الحرب أوزارها بالإسلام أو السلم، ونهاية الجهاد الأكبر: استسلام النفس وانقيادها لما يراد منها، أو موتها بالغيبة عنها بالكلية. قال بعض العارفين: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. فالإشارة بقوله: { إذا لقيتم الذين كفروا... } الخ إلى قتل الهوى والشطيان وسائر القواطع، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا وثاقهم، ولا تأمنوا غائلتهم. قال القشيري، بعد كلام: وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه فلا ينبغي أن يبقي بعد انتقاش شوكها بقية، ولا في قلع شجرها مستطاعا وميسورا فالحية إن بقيت منها بقية من الحياة من وضع عليها إصبعه بثت سمها فيه.
ه. فإذا تمكنتم من معرفة الله، فإما أن تمنوا عليها بترك جهادها الأكبر، وإما أن تفدوها بالغيبة عنها في حلاوة الشهود، حتى تضع الحرب أوزارها بالموت، ولو شاء الله لخلصكم منها من غير جهاد، فالقدرة صالحة، ولكن ليختبركم، فيظهر السائرون من القاعدين مع حظوظهم " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ". والذين قاتلوا نفوسهم في سبيل الله وطلب معرفته، فلن يضل أعمالهم، سيهديهم إلى معرفته، ويصلح بالهم بالاستغراق في شهوده، ويدخلهم جنة المعارف، قد عرفها لهم، وبينها على أيدي الوسائط من الشيوخ العارفين، أو طيبها لهم، فيهتدون بنسيم واردات التوجه، إلى أنوار المواجهة. وقد أشار تعالى بقوله: { والذين قاتلوا في سبيل الله } إلى طلب الإخلاص، فلا يوصل الجهاد الأصغر ولا الأكبر إلى رضوان الله، أو معرفته، إلا بتحقق الإخلاص، من غير التفات لغرض نفساني، لا عاجلا ولا آجلا. ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ: أن ميسرة الخادم، قال: غزونا في بعض الغزوات، فإذا بفتى جانبي، وهو مقنع بالحديد، فحمل على الميمنة، ثم الميسرة، ثم على القلب، ثم أنشأ يقول:
أحسن بمولاك سعيد ظنا هذا الذي كنت تمنى تنح يا حور الجنان عنا ما فيك قاتلنا ولا قتلنا لكن إلى سيدكن اشتقنا قد علم السر وما أعلنا
قال: فحمل فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى موقفه، فتكالب عليه العدو، فحمل، وأنشأ يقول:
قد كنت أرجو ورجائي لم يخب ألا يضيع اليوم كدي والطلب يا من ملأ تلك القصور باللعب لولاك ما طابت ولا طاب الطرب
ثم حمل فقاتل، فقتل عددا كثيرا، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو، فحمل ثالثة، وأنشأ يقول:
يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي ما لك قاتلنا فكفي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان وأسرعي لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي
فقاتل رضي الله عنه حتى قتل - رحمه الله. ه. قوله تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } فيه ترغيب وتنشيط لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى الله، الذين يسعون في أظهار الدين، وإرشاد عباد الله إلى محبة الله وطاعته. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفس محمد بيده، لئن شئتم لأقسمن لكم، أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة "
وقال أيضا:
" الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله "
وأعظم النفع: إرشادهم إلى الله، الذي هو سبب سعادتهم السرمدية. وقال الورتجبي: نصرة العبد لله: أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه، فإنهم أعداؤه، فإذا خاصمها يقويه الله وينصره عليهم، بأن يدفع شرهم عنه، ويجعله مستقيما في طاعة الله، ويجازيه بكشف جماله، حتى يثبت في مقام العبودية، وانكشاف أنوار الربوبية. ه. قال القشيري: ونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعدائه. ثم قال في قوله تعالى: { ويثبت أقدامكم } هو إدامة التوفيق، لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين، ولا يضعف قلبه في معاداتهم، ولا ينكسر باطنه ثقة بالله في إعزاز دينه. ه. ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى الله، الناصرين لدينه، وهم المنتقدون عليهم، فقال: { والذين كفروا فتسعا لهم } أي: خيبة لهم، { وأضل أعمالهم } فلا يتوصلون بها إلى معرفته، لكونها معلولة. ثم أمر بالتفكر والنظر لأنه أقرب الطرق إلى التخلص من غوائل الأعداء، فقال: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا }.
محمد 47:9
قلت: { فضرب }: مصدر، نائب عن فعله، مضاف إلى مفعوله، و { منا } و { فداء }: مصدران لمحذوف، و { الذين كفروا }: مبتدأ حذف خبره، وهو العامل في المصدر، أي: والذين كفروا فأتعسهم تعسا، و { أضل أعمالهم }: عطف على الخبر المحذوف. يقول الحق جل جلاله: { فإذا لقيتم الذين كفروا } في المحاربة { فضرب الرقاب } أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وناب عن مصدره للاختصار، مع إعطاء معنى التوكيد، لدلالة نصبه على مؤكده، وضرب الرقاب عبارة عن مطلق القتل، والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره، وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون، { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم فيه القتل، وأغلظتموه، من: الشيء الثخين، وهو الغليظ، أو: أثقلتموهم بالجراح وهزمتموهم، { فشدوا الوثاق } أي: فأسروهم، وشدوا وثاقهم، لئلا يتفلتوا، والوثاق بالفتح والكسر: ما يشد به. فإذا أسرتموهم فتخيروا فيهم { وإما فداء } أن تفدوا فداء، والمعنى: التخير بين الأمرين بعد الأسر، بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم، ومذهب مالك: أن الإمام مخير في الأسارى بين خمسة، وهي: المن، والفداء، والقتل، والاسترقاق، وضرب الجزية، وقيل: لا يجوز المن ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5] فيتعين قتلهم، والصحيح أنها محكمة، ومذهب الشافعي: أن الإمام مخير بين أربعة: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ولعل الجزية عنده خاصة بأهل الكتاب. ومذهب أبي حنيفة: التخيير بين القتل والاسترقاق فقط، قال: والآية منسوخة لأن سورة براءة آخر ما نزل. وعن مجاهد: ليس اليوم من ولا فداء، والمراد بالمن في الآية. أن يمن عليهم بترك القتل، فيسترقوا، أو يمن عليهم بإعطاء الجزية. ه. والمشهور: مذهب مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبرا، وفادى سائر الأسارى، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي، وهو أسير، وارتق نساء بني قريظة، فابعهم، وضرب الجزية على نصارى نجران ومجوس هاجر. ثم ذكر غاية الحرب فقال: { حتى تضع الحرب أوزارها } أي: اضربوا رقابهم حتى تضع الحرب أثقالها، وآلاتها، التي لا قوم إلا بها، كالسلاح والكراع، وذلك حيث لم يبق حرب، بأن تضع أهل الحرب عدتها، وقيل: { أوزارها } آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب المشركين شركهم، بأن يسلموا جميعا. والمختار: أن المعنى: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على سائر الأديان، ويؤمن أهل الكتاب، طوعا أو كرها، ويكون الدين كله لله، فلا يحتاج إلى قتال. وقال الحسن: معناه،: حتى لا يعبد إلا الله. وقال ابن عطية: ظاهر اللفظ: أنها استعارة، يراد بها التزام الأمر كذلك أبدا، كما تقول: أنا أفعل ذلك إلى يوم القيامة.
ه. فالغاية ب " حتى " راجعة إلى الضرب والشد، وما ترتب عليه من المن والفداء. { ذلك } الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، { ولو يشاء الله لانتصر } لانتقم { منهم } بغير قتال بأن ينزل بهم أسباب الهلاك والاستئصال، كالخسف أو الرجف أو غير ذلك، { ولكن } أمركم بالقتال { ليبلوا بعضكم ببعض } أي: المؤمنين بالكافرين، فأمرهم بالجهاد ليستوجبوا الثواب العظيم، وليسلم من سبق إسلامه من الكافرين. { والذين قاتلوا في سبيل الله } لإعلاء كلمة التوحيد، لا لغرض آخر، { فلن يضل أعمالهم } فلن يضيعها. { سيهديهم } في الدنيا إلى طريق الرشد والصواب، وفي الآخرة إلى جزيل الثواب وقيل: يهديه إلى جواب منكر ونكير، { ويصلح بالهم } بأن يقبل أعمالهم ويرضي خصماءهم، { ويدخلهم الجنة عرفها لهم }. قال مجاهد: عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجوا إلى دليل لها، أو: طيبها، من: العرف، وهو طيب الرائحة، ويمكن الجمع: بأن عرف المحل يهدي صاحبه إلى جنته ومحله. { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله } بنصر دينه وإظهار شريعة نبيه { ينصركم } على عدوكم، ويفتح لكم، { ويثبت أقدامكم } في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإسلام، { والذين كفروا فتعسا لهم } أي: فيقال: تعسا لهم، والتعس: الهلاك، أو السقوط والانحطاط، أو العثار، أو البعد. وقال ابن السكيت: التعس: أن يجر على وجهه. ه. أي: أتعسهم الله تعسا، أي: أهلكهم وأبعدهم. وقال ابن عباس: " في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالتردي في النار ". والمراد بالذين كفروا عام، وقيل: المراد من يضاد الذين ينصرون دين الله، كأنه قيل: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، ومن لم ينصره فتعسا له، فوضع { الذين كفروا } موضع من لم ينصره تغليظا، فهو وفق لأسلوب السورة من التقابل المعنوي، فهو عطف جملة على جملة شرطية مثلها، ولذلك دخلت الفاء في خبر الموصول، كما قرره الزجاج. انظر الطيبي. ه. من الحاشية. { وأضل أعمالهم } أي: أحبطها وأبطلها. { ذلك } التعس والإضلال { بأنهم كرهوا ما أنزل الله } من القرآن لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام، المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي كانوا عملوها، من صلة الأرحام وغيرها. الإشارة: نهاية الجهاد الأصغر: وضع الحرب أوزارها بالإسلام أو السلم، ونهاية الجهاد الأكبر: استسلام النفس وانقيادها لما يراد منها، أو موتها بالغيبة عنها بالكلية. قال بعض العارفين: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. فالإشارة بقوله: { إذا لقيتم الذين كفروا... } الخ إلى قتل الهوى والشطيان وسائر القواطع، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا وثاقهم، ولا تأمنوا غائلتهم. قال القشيري، بعد كلام: وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه فلا ينبغي أن يبقي بعد انتقاش شوكها بقية، ولا في قلع شجرها مستطاعا وميسورا فالحية إن بقيت منها بقية من الحياة من وضع عليها إصبعه بثت سمها فيه.
ه. فإذا تمكنتم من معرفة الله، فإما أن تمنوا عليها بترك جهادها الأكبر، وإما أن تفدوها بالغيبة عنها في حلاوة الشهود، حتى تضع الحرب أوزارها بالموت، ولو شاء الله لخلصكم منها من غير جهاد، فالقدرة صالحة، ولكن ليختبركم، فيظهر السائرون من القاعدين مع حظوظهم " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ". والذين قاتلوا نفوسهم في سبيل الله وطلب معرفته، فلن يضل أعمالهم، سيهديهم إلى معرفته، ويصلح بالهم بالاستغراق في شهوده، ويدخلهم جنة المعارف، قد عرفها لهم، وبينها على أيدي الوسائط من الشيوخ العارفين، أو طيبها لهم، فيهتدون بنسيم واردات التوجه، إلى أنوار المواجهة. وقد أشار تعالى بقوله: { والذين قاتلوا في سبيل الله } إلى طلب الإخلاص، فلا يوصل الجهاد الأصغر ولا الأكبر إلى رضوان الله، أو معرفته، إلا بتحقق الإخلاص، من غير التفات لغرض نفساني، لا عاجلا ولا آجلا. ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ: أن ميسرة الخادم، قال: غزونا في بعض الغزوات، فإذا بفتى جانبي، وهو مقنع بالحديد، فحمل على الميمنة، ثم الميسرة، ثم على القلب، ثم أنشأ يقول:
أحسن بمولاك سعيد ظنا هذا الذي كنت تمنى تنح يا حور الجنان عنا ما فيك قاتلنا ولا قتلنا لكن إلى سيدكن اشتقنا قد علم السر وما أعلنا
قال: فحمل فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى موقفه، فتكالب عليه العدو، فحمل، وأنشأ يقول:
قد كنت أرجو ورجائي لم يخب ألا يضيع اليوم كدي والطلب يا من ملأ تلك القصور باللعب لولاك ما طابت ولا طاب الطرب
ثم حمل فقاتل، فقتل عددا كثيرا، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو، فحمل ثالثة، وأنشأ يقول:
يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي ما لك قاتلنا فكفي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان وأسرعي لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي
فقاتل رضي الله عنه حتى قتل - رحمه الله. ه. قوله تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } فيه ترغيب وتنشيط لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى الله، الذين يسعون في أظهار الدين، وإرشاد عباد الله إلى محبة الله وطاعته. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفس محمد بيده، لئن شئتم لأقسمن لكم، أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة "
وقال أيضا:
" الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله "
وأعظم النفع: إرشادهم إلى الله، الذي هو سبب سعادتهم السرمدية. وقال الورتجبي: نصرة العبد لله: أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه، فإنهم أعداؤه، فإذا خاصمها يقويه الله وينصره عليهم، بأن يدفع شرهم عنه، ويجعله مستقيما في طاعة الله، ويجازيه بكشف جماله، حتى يثبت في مقام العبودية، وانكشاف أنوار الربوبية. ه. قال القشيري: ونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعدائه. ثم قال في قوله تعالى: { ويثبت أقدامكم } هو إدامة التوفيق، لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين، ولا يضعف قلبه في معاداتهم، ولا ينكسر باطنه ثقة بالله في إعزاز دينه. ه. ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى الله، الناصرين لدينه، وهم المنتقدون عليهم، فقال: { والذين كفروا فتسعا لهم } أي: خيبة لهم، { وأضل أعمالهم } فلا يتوصلون بها إلى معرفته، لكونها معلولة. ثم أمر بالتفكر والنظر لأنه أقرب الطرق إلى التخلص من غوائل الأعداء، فقال: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا }.
محمد 47:10
يقول الحق جل جلاله: { أفلم يسيروا } أي: أقعدوا فلم يسيروا { في الأرض } يعني كفار مكة، { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من الأمم المكذبة؟ فإن آثار ديارهم تنبئ عن أخبارهم، فقد { دمر الله عليهم } فالجملة: استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: كيف كان عاقبتهم؟ فقيل: استأصل الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، يقال: دمره أهلكه، ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به، قاله أبو السعود. وفي الصحاح: الدمار: الهلاك، دمره تدميرا، ودمر عليه، بمعنى. ه. فظاهرة: أن معناهما واحد، وفسره في الأساس بالهلاك المستأصل، وقال الطيبي: في دمر عليهم تضمين معنى أطبق، فعدي بعلى، ولذلك استأصل. ه. { وللكافرين } أي: ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرتهم { أمثالها } أي: أمثال تلك الهلكة المفهومة من التدمير، أو أمثال عواقبهم أو عقوباتهم، لكن لا على أن لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافه بل مثله، وإنما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة، حسبما تعدد الأمم المعذبة، ويجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين فقد قتلوا وأسروا بأيدي من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم، والقتل بيد المثل أشد ألما من الهلاك بسبب عام، وقيل: دمر الله عليهم في الدنيا، ولهم في الآخرة أمثالها. { ذلك } أي: نصر المؤمنين وهلاك الكافرين في الحال أو المآل { بأن الله مولى الذين آمنوا } أي: ناصرهم ومعزهم { وأن الكافرين لا مولى لهم } فيدفع عنهم ما حل بهم من العقوبة، ولا يخالف هذا قوله:
ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق
[الأنعام: 62] لأن المولى هناك بمعنى المالك. { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } وهذا بيان لحكم ولاية الله لهم وثمرتها الأخروية، { والذين كفروا يتمتعون } في الدنيا بمتاعها أياما قلائل، { ويأكلون } غافلين عن عواقبهم، غير متفكرين فيها { كما تأكل الأنعام } في مسارحها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، فالتشبيه بالأنعام صادق بالغفلة عن تدبير العاقبة، وعن شكر المنعم، وبعدم التمييز للمضر من غيره، كأكل الحرام وعدم توقيه، وكذا كونه غير مقصور على الحاجة، ولا على وقتها، وسيأتي في الإشارة إن شاء الله. { والنار مثوى لهم } أي: منزل ثواه وإقامته، والجملة إما حال مقدرة من واو { يأكلون } ، أو استئناف. الإشارة: تفكر الاعتبار يكون في أربعة، الأول: في سرعة ذهاب الدنيا وانقراضها، كأضغاث أحلام، وكيف غرت من انتشب بها، وأخذته في شبكتها، حتى قدم على الله بلا زاد، وكيف دمر الله على أهل الطغيان، واستأصل شأفتهم، فينتج ذلك التشمير والتأهب ليوم الجزاء. الثاني: في دوام دار البقاء، ودوام نعيمها، فينتهز الفرصة في العمل الصالح،. الثالث: في النعم التي أنعم الله بها على عباده، الدنيوية والأخروية، الحسية والمعنوية، قال تعالى:
وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها
[إبراهيم: 34] فينتج ذلك الشكر، لتدوم عليه. الرابع: في نصب هذه العوالم، على ما هي عليه من الإبداع والإتقان، فيثمر ذلك معرفة الصانع، وباهر قدرته وحكمته. وقوله تعالى: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا... } الخ، قال القشيري: المولى: المحب، فهو محب الذين آمنوا، والكافرين لا يحبهم، ويصح أن يقال: أرجى آية في القرآن هذه الآية، لم يقل مولى الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد: بل قال: { مولى الذين آمنوا } والمؤمن وإن كان عاصيا فهو من جملتهم. ه. والمحبة تتفاوت بقدر زيادة الإيمان والإيقان حتى يصير محبوبا مقربا. قوله تعالى: { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام } وكذلك الغافل، فالأنعام تأكل بلا تمييز، من أي موضع وجدت، كذلك الجاهل، لا تمييز له من الحلال أو من الحرام، والأنعام ليس لها وقت لأكلها، بل تأكل في كل وقت، وكذلك الغافل والكافر. فقد ورد
" أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يجتزئ بما تيسر "
، كما في الخبر:
" ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن "
والأنعام تأكل على الغفلة، فمن كان في أكله ناسيا لربه، فأكله كأكل الأنعام. انظر القشيري. ولما أمرهم بالنظر فلم يفعلوا، هددهم بالهلاك، فقال: { وكأين من قرية هي أشد قوة }.
محمد 47:11
يقول الحق جل جلاله: { أفلم يسيروا } أي: أقعدوا فلم يسيروا { في الأرض } يعني كفار مكة، { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من الأمم المكذبة؟ فإن آثار ديارهم تنبئ عن أخبارهم، فقد { دمر الله عليهم } فالجملة: استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: كيف كان عاقبتهم؟ فقيل: استأصل الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، يقال: دمره أهلكه، ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به، قاله أبو السعود. وفي الصحاح: الدمار: الهلاك، دمره تدميرا، ودمر عليه، بمعنى. ه. فظاهرة: أن معناهما واحد، وفسره في الأساس بالهلاك المستأصل، وقال الطيبي: في دمر عليهم تضمين معنى أطبق، فعدي بعلى، ولذلك استأصل. ه. { وللكافرين } أي: ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرتهم { أمثالها } أي: أمثال تلك الهلكة المفهومة من التدمير، أو أمثال عواقبهم أو عقوباتهم، لكن لا على أن لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافه بل مثله، وإنما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة، حسبما تعدد الأمم المعذبة، ويجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين فقد قتلوا وأسروا بأيدي من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم، والقتل بيد المثل أشد ألما من الهلاك بسبب عام، وقيل: دمر الله عليهم في الدنيا، ولهم في الآخرة أمثالها. { ذلك } أي: نصر المؤمنين وهلاك الكافرين في الحال أو المآل { بأن الله مولى الذين آمنوا } أي: ناصرهم ومعزهم { وأن الكافرين لا مولى لهم } فيدفع عنهم ما حل بهم من العقوبة، ولا يخالف هذا قوله:
ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق
[الأنعام: 62] لأن المولى هناك بمعنى المالك. { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } وهذا بيان لحكم ولاية الله لهم وثمرتها الأخروية، { والذين كفروا يتمتعون } في الدنيا بمتاعها أياما قلائل، { ويأكلون } غافلين عن عواقبهم، غير متفكرين فيها { كما تأكل الأنعام } في مسارحها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، فالتشبيه بالأنعام صادق بالغفلة عن تدبير العاقبة، وعن شكر المنعم، وبعدم التمييز للمضر من غيره، كأكل الحرام وعدم توقيه، وكذا كونه غير مقصور على الحاجة، ولا على وقتها، وسيأتي في الإشارة إن شاء الله. { والنار مثوى لهم } أي: منزل ثواه وإقامته، والجملة إما حال مقدرة من واو { يأكلون } ، أو استئناف. الإشارة: تفكر الاعتبار يكون في أربعة، الأول: في سرعة ذهاب الدنيا وانقراضها، كأضغاث أحلام، وكيف غرت من انتشب بها، وأخذته في شبكتها، حتى قدم على الله بلا زاد، وكيف دمر الله على أهل الطغيان، واستأصل شأفتهم، فينتج ذلك التشمير والتأهب ليوم الجزاء. الثاني: في دوام دار البقاء، ودوام نعيمها، فينتهز الفرصة في العمل الصالح،. الثالث: في النعم التي أنعم الله بها على عباده، الدنيوية والأخروية، الحسية والمعنوية، قال تعالى:
وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها
[إبراهيم: 34] فينتج ذلك الشكر، لتدوم عليه. الرابع: في نصب هذه العوالم، على ما هي عليه من الإبداع والإتقان، فيثمر ذلك معرفة الصانع، وباهر قدرته وحكمته. وقوله تعالى: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا... } الخ، قال القشيري: المولى: المحب، فهو محب الذين آمنوا، والكافرين لا يحبهم، ويصح أن يقال: أرجى آية في القرآن هذه الآية، لم يقل مولى الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد: بل قال: { مولى الذين آمنوا } والمؤمن وإن كان عاصيا فهو من جملتهم. ه. والمحبة تتفاوت بقدر زيادة الإيمان والإيقان حتى يصير محبوبا مقربا. قوله تعالى: { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام } وكذلك الغافل، فالأنعام تأكل بلا تمييز، من أي موضع وجدت، كذلك الجاهل، لا تمييز له من الحلال أو من الحرام، والأنعام ليس لها وقت لأكلها، بل تأكل في كل وقت، وكذلك الغافل والكافر. فقد ورد
" أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يجتزئ بما تيسر "
، كما في الخبر:
" ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن "
والأنعام تأكل على الغفلة، فمن كان في أكله ناسيا لربه، فأكله كأكل الأنعام. انظر القشيري. ولما أمرهم بالنظر فلم يفعلوا، هددهم بالهلاك، فقال: { وكأين من قرية هي أشد قوة }.
محمد 47:12
يقول الحق جل جلاله: { أفلم يسيروا } أي: أقعدوا فلم يسيروا { في الأرض } يعني كفار مكة، { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من الأمم المكذبة؟ فإن آثار ديارهم تنبئ عن أخبارهم، فقد { دمر الله عليهم } فالجملة: استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: كيف كان عاقبتهم؟ فقيل: استأصل الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، يقال: دمره أهلكه، ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به، قاله أبو السعود. وفي الصحاح: الدمار: الهلاك، دمره تدميرا، ودمر عليه، بمعنى. ه. فظاهرة: أن معناهما واحد، وفسره في الأساس بالهلاك المستأصل، وقال الطيبي: في دمر عليهم تضمين معنى أطبق، فعدي بعلى، ولذلك استأصل. ه. { وللكافرين } أي: ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرتهم { أمثالها } أي: أمثال تلك الهلكة المفهومة من التدمير، أو أمثال عواقبهم أو عقوباتهم، لكن لا على أن لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافه بل مثله، وإنما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة، حسبما تعدد الأمم المعذبة، ويجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين فقد قتلوا وأسروا بأيدي من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم، والقتل بيد المثل أشد ألما من الهلاك بسبب عام، وقيل: دمر الله عليهم في الدنيا، ولهم في الآخرة أمثالها. { ذلك } أي: نصر المؤمنين وهلاك الكافرين في الحال أو المآل { بأن الله مولى الذين آمنوا } أي: ناصرهم ومعزهم { وأن الكافرين لا مولى لهم } فيدفع عنهم ما حل بهم من العقوبة، ولا يخالف هذا قوله:
ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق
[الأنعام: 62] لأن المولى هناك بمعنى المالك. { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } وهذا بيان لحكم ولاية الله لهم وثمرتها الأخروية، { والذين كفروا يتمتعون } في الدنيا بمتاعها أياما قلائل، { ويأكلون } غافلين عن عواقبهم، غير متفكرين فيها { كما تأكل الأنعام } في مسارحها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، فالتشبيه بالأنعام صادق بالغفلة عن تدبير العاقبة، وعن شكر المنعم، وبعدم التمييز للمضر من غيره، كأكل الحرام وعدم توقيه، وكذا كونه غير مقصور على الحاجة، ولا على وقتها، وسيأتي في الإشارة إن شاء الله. { والنار مثوى لهم } أي: منزل ثواه وإقامته، والجملة إما حال مقدرة من واو { يأكلون } ، أو استئناف. الإشارة: تفكر الاعتبار يكون في أربعة، الأول: في سرعة ذهاب الدنيا وانقراضها، كأضغاث أحلام، وكيف غرت من انتشب بها، وأخذته في شبكتها، حتى قدم على الله بلا زاد، وكيف دمر الله على أهل الطغيان، واستأصل شأفتهم، فينتج ذلك التشمير والتأهب ليوم الجزاء. الثاني: في دوام دار البقاء، ودوام نعيمها، فينتهز الفرصة في العمل الصالح،. الثالث: في النعم التي أنعم الله بها على عباده، الدنيوية والأخروية، الحسية والمعنوية، قال تعالى:
وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها
[إبراهيم: 34] فينتج ذلك الشكر، لتدوم عليه. الرابع: في نصب هذه العوالم، على ما هي عليه من الإبداع والإتقان، فيثمر ذلك معرفة الصانع، وباهر قدرته وحكمته. وقوله تعالى: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا... } الخ، قال القشيري: المولى: المحب، فهو محب الذين آمنوا، والكافرين لا يحبهم، ويصح أن يقال: أرجى آية في القرآن هذه الآية، لم يقل مولى الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد: بل قال: { مولى الذين آمنوا } والمؤمن وإن كان عاصيا فهو من جملتهم. ه. والمحبة تتفاوت بقدر زيادة الإيمان والإيقان حتى يصير محبوبا مقربا. قوله تعالى: { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام } وكذلك الغافل، فالأنعام تأكل بلا تمييز، من أي موضع وجدت، كذلك الجاهل، لا تمييز له من الحلال أو من الحرام، والأنعام ليس لها وقت لأكلها، بل تأكل في كل وقت، وكذلك الغافل والكافر. فقد ورد
" أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يجتزئ بما تيسر "
، كما في الخبر:
" ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن "
والأنعام تأكل على الغفلة، فمن كان في أكله ناسيا لربه، فأكله كأكل الأنعام. انظر القشيري. ولما أمرهم بالنظر فلم يفعلوا، هددهم بالهلاك، فقال: { وكأين من قرية هي أشد قوة }.
محمد 47:13
قلت: { كأين }: كلمة مركبة من الكاف و " أي " ، بمعنى كم الخبرية، ومحلها: الرفع بالابتداء، وقوله: { هي أشد }: نعت لقرية، و { أهلكناهم }: خبر، وحذف المضاف، أي: أهل قرية، بدليل " أهكناهم ". يقول الحق جل جلاله: { وكأين من قرية } أي: كثير من أهل قرية { هي أشد قوة من قريتك } مكة، { التي أخرجتك } أي: تسببوا في خروجك، أي: وكم من قوم هم أشد قوة من قومك الذين أخرجوك، { أهلكناهم } بأنواع العذاب، { فلا ناصر لهم } فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم، فأنتم يا معشر قريش أهون منهم، وأولى بنزول ما حجل بهم. { أفمن كان على بينة من ربه } أي: حجة واضحة، وبرهان قاطع، وهو القرآن المعجز، وسائر المعجزات، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، { كمن زين له سوء عمله } وهو أهل مكة، زين للشيطان شركهم وعداوتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم { واتبعوا أهوائهم } الزائغة، ونهمكوا في فنون الضلالات، من غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه، فضلا عن حجة تدل عليها. وقيل: المراد بمن كان على بينة: المؤمنون فقط، المتمسكون بأدلة الدين. قال أبو السعود: وجعلها عبارة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين، لا يساعد النظم الكريم، عى أن الموازاة بينه صلى الله عليه وسلم، وبين من زين له سوء عمله مما يأباه منصبه الجليل. والتقدير: أليس الأمر كما ذكر؟ فمن كان مستقرا على حجة ظاهرة، وبرهان نير من مالك أمره ومربيه، وهو القرآن، وسائر الحجج العقلية، { كمن زين له سوء عمله } من الشرك وسائر المعاصي، مع كونه في نفسه أقبح القبائح. ه. الإشارة: في الآية تهديد لمن يؤذي أولياء الله، ويخرجهم من مواطنهم بالهلاك العاجل أو الآجل. وقوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } تقدم في سورة هود الكلام عليها. وقال القشيري هنا، في تفسير البينة: هي الضياء والحجة والاستبصار بواضح المحجة، فالعلماء في ضياء برهانهم، والعارفون في ضياء بيانهم، فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يبصرون، وهؤلاء بحكم الإلهام والوصول يستبصرون. ه. ثم عرف بالجنة، التي تقدمت في قوله: { عرفها لهم } فقال: { مثل الجنة التي وعد المتقون }.
محمد 47:14
قلت: { كأين }: كلمة مركبة من الكاف و " أي " ، بمعنى كم الخبرية، ومحلها: الرفع بالابتداء، وقوله: { هي أشد }: نعت لقرية، و { أهلكناهم }: خبر، وحذف المضاف، أي: أهل قرية، بدليل " أهكناهم ". يقول الحق جل جلاله: { وكأين من قرية } أي: كثير من أهل قرية { هي أشد قوة من قريتك } مكة، { التي أخرجتك } أي: تسببوا في خروجك، أي: وكم من قوم هم أشد قوة من قومك الذين أخرجوك، { أهلكناهم } بأنواع العذاب، { فلا ناصر لهم } فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم، فأنتم يا معشر قريش أهون منهم، وأولى بنزول ما حجل بهم. { أفمن كان على بينة من ربه } أي: حجة واضحة، وبرهان قاطع، وهو القرآن المعجز، وسائر المعجزات، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، { كمن زين له سوء عمله } وهو أهل مكة، زين للشيطان شركهم وعداوتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم { واتبعوا أهوائهم } الزائغة، ونهمكوا في فنون الضلالات، من غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه، فضلا عن حجة تدل عليها. وقيل: المراد بمن كان على بينة: المؤمنون فقط، المتمسكون بأدلة الدين. قال أبو السعود: وجعلها عبارة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين، لا يساعد النظم الكريم، عى أن الموازاة بينه صلى الله عليه وسلم، وبين من زين له سوء عمله مما يأباه منصبه الجليل. والتقدير: أليس الأمر كما ذكر؟ فمن كان مستقرا على حجة ظاهرة، وبرهان نير من مالك أمره ومربيه، وهو القرآن، وسائر الحجج العقلية، { كمن زين له سوء عمله } من الشرك وسائر المعاصي، مع كونه في نفسه أقبح القبائح. ه. الإشارة: في الآية تهديد لمن يؤذي أولياء الله، ويخرجهم من مواطنهم بالهلاك العاجل أو الآجل. وقوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } تقدم في سورة هود الكلام عليها. وقال القشيري هنا، في تفسير البينة: هي الضياء والحجة والاستبصار بواضح المحجة، فالعلماء في ضياء برهانهم، والعارفون في ضياء بيانهم، فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يبصرون، وهؤلاء بحكم الإلهام والوصول يستبصرون. ه. ثم عرف بالجنة، التي تقدمت في قوله: { عرفها لهم } فقال: { مثل الجنة التي وعد المتقون }.
محمد 47:15
{ مثل }: مبتدأ حذف خبره، أي: صفة الجنة ما تسمعون، وقدره سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، وقيل: المثل زائد، أي: الجنة فيها أنهار... الخ، و { كمن هو خالد }: خبر لمحذوف، أي: أمن هو خالد في هذه الجنة، كمن هو خالد في النار؟ يقول الحق جل جلاله: { مثل الجنة } أي: صفتها العجيبة، العظيمة الشأن { التي وعد المتقون } الشرك والمعاصي، هو ما نذكره لكم، { فيها أنهار من ماء غير آسن } غير متغير الطعم واللون والرائحة، يقال: أسن الماء: إذا تغير، سواء أنتن أم لا، فهو آسن وأسن، { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة وغيرها، وانظر إذا تمناه كذلك مرببا أو مضروبا. والظاهر: أنه يعطاه كذلك، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس. { وأنهار من خبر لذة للشاربين } أي: لذيذة، ليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر، وإنما هي تلذذ محض. و " لذة ": إما تأنيث " لذ " بمعنى لذيذ، أو: مصدر نعت به للمبالغة. { وأنهار من عسل مصفى } لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غيره، وفي حديث الترمذي:
" إن في الجنة بحر الماء، وبحر اللبن، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد "
قال: حسن صحيح. وعن كعب: نهر دجلة من نهر ماء الجنة، والفرات نهر من لبنها، والنيل من نهر خمرها، وسيحان من نهر عسلها، والكل يخرج من الكوثر. قلت: ولعل الثالثة لما خرجوا إلى الدنيا تغير حالهم، ليبقى الإيمان بالغيب. والله تعالى أعلم. قيل: بدئ من هذه الأنهار بالماء لأنه لا يستغنى عنه قط، ثم باللبن لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري المطعوم تشوقت النفس إلى ما يلتذ به، ثم بالعسل لأنه فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر في الرتبة. { ولهم فيها } مع ما ذكر من فنون الأنعام { من كل الثمرات } أي: صنف من كل الثمرات. { و } لهم { مغفرة } عظيمة { من ربهم } أي: كائنة من ربهم، فهو متعلق أي: مغفرة عظيمة من ربهم. وعبر بعنوان المغفرة دون الرحمة إشعارا بأن الميل إلى نعيم الأشباح نقص في الدارين يستوجب المغفرة. أيكون هذا { كمن هو خالد في النار }؟ أو: مثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار؟ وهو كلام في صورة الإثبات، ومعناه: النفي، لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحرف الإنكار، ودخوله في حيزه، وهو قوله:
أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله
[محمد: 14]، وفائدة حذف حرف الإنكار، زيادة تصوير لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة، التي يجري فيها تلك الأنهار، وبين النار، التي يسقى أهلها الحميم الحار، المشار إليه بقوله: { وسقوا ماء حميما } حارا في النهاية، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم { فقطع أمعاءهم } مصارينهم، التي هي مكان تلك الأشربة.
نسأل الله العافية. الإشارة: مثل جنة المعارف، التي وعدها المتقون كل ما يشغل عن الله، فيها أنهار من ماء علوم الحقيقة، غير متغير صفاؤها، ولا متكدرة أنوارها، وأنهار من لبن علوم الشريعة المؤيدة بالكتاب والسنة، لم تتغير حلاوة معاملتها، ولا لذة مناجاتها، وأنهار من خمرة الشهود، لذة للشاربين لها، تذهل حلاوتها العقول، وتفوت عن مدارك النقول، وأنها من عسل حلاوة المكالمة والمساررة والمناجاة، صافيات الأوقات، محفوظة من المكدرات، ولهم فيه من طرف الحكم وفواكه العلوم، ما لا تحصيه الطروس، ولا تدركه محافل الدروس. قال القشيري: مثل الجنة أي: صفتها كذا، وللأولياء اليوم، لهم شراب الوفاء، ثم شراب الصفاء، ثم شراب الولاء، ثم شراب في حال اللقاء، ولكل من هذه الأشربة عمل، ولصاحبه سكر وصحو، فمن تحسى شراب الوفاء لم ينظر إلى أحد من الخلق في أيام غيبته عن إحساسه، وأنشدوا:
وما سر صدري منذ شطت بك النوى أنيس ولا كأس ولا متطرف
ومن شرب بكأس الصفا خلص له عن كل شوب بلا كدورة في عهده، فهو في كل وقت ظامئ عن نفسه، خال عن مطالباته، قائم به، بلا شغل في الدنيا ولا في الآخرة، ومن شرب كأس الولاء عدم فيه القرار، ولم يغب سيره لحظة، ليلا ولا نهارا، ومن شرب في حال اللقاء أنس على الدوام ببقائه فلم يطلب مع بقائه شيئا آخر، لا من عطائه ولا من لقائه لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه. ه. قلت: أما شراب الوفاء فهو عقد الإرادة مع الشيخ، أو عقد المحبة والخدمة مع الحق، فيجب الوفاء بكل منهما، وهو كشرب العطشان من الماء العذب، وأما شراب الصفاء فهو صفاء العلم بالله، وهو كاللبن تتغذى به الأرواح في حال ترقيها إلى الحضرة، وأما شراب الولاء فهو شراب أهل التمكين من الولاية الكبرى، فيشربون من الخمرة الأزلية، فيسكرون، ثم يصحون، وفيها يقول الششتري رضي الله عنه:
لا شراب الدوالي، إنها أرضيه خمرها دون خمري، خمرتي أزليه
وأما شراب حال اللقاء فالمراد به، أوقات رجوعهم إلى البقاء، فيتفننون في علوم الحكمة وحلاوة المعاملة. والله تعالى أعلم. ثم شفع بأضدادهم، فقال: { ومنهم من يستمع إليك }.
محمد 47:16
قلت: { آنفا }: قال الزمخشري ومن تبعه: ظرف، أي: الساعة، وقال أبو حيان: لا أعلم أحدا عده من الظروف، وجوز " مكي " فيه الظرف والحالية. قال الهروي: " آنفا " مأخذوة من: ائتنفت الشيء: إذا ابتدأته، وروضة أنف: إذا لم ترع. المعنى: ماذا قال في وقت يقرب من وقتنا؟ و { أن تأتيهم }: بدل اشتمال من الساعة. يقول الحق جل جلاله: { ومنهم من يستمع إليك } وهم المنافقون، كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسمعون كلامه ولا يعونه، ولا يراعونه حق رعايته، تهاونا منهم، { حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم } من الصحابة رضي الله عنهم: { ماذا قال آنفا } ما الذي قال الساعة؟ على طريقة الاستهزاء، أو: ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه؟ وقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، ويعيب المنافقين، فسمع المنافقون قوله، فلما خرجوا من المسجد، سألوا ابن مسعود عما قال النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء. وقال ابن عباس: " أنا من الذين أوتوا العلم، وقد سئلت فيمن سئل ". ويقال: الناس ثلاثة: سامع عامل، وسامع غافل، وسامع تارك. { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } لعدم توجهها إلى الخير أصلا، { واتبعوا أهواءهم } الباطلة، فلذلك فعلوا ما فعلوا، مما لا خير فيه، { والذين اهتدوا } إلى طريق الحق { زادهم } الله بذلك { هدى } علما وبصيرة، أو شرح صدر بالتوفيق والإلهام، أو: زادهم ما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم هداية على ما عندهم، { وآتاهم تقواهم } أعانهم عليها، أو: آتاهم جزاء تقواهم، أو: بين لهم ما يتقون. { فهل ينظرون } أي: ما ينتظرون { إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } أي: تباغتهم بغتة، وهي الفجاءة، والمعنى: أنهم لا يتذكرون بأحوال الأمم الخالية، ولا بالإخبار بإتيان الساعة، وما فيها من عظائم الأهوال، وما ينظرون إلا إتيان نفس الساعة بغتة، { فقد جاء أشراطها } علاماتهان جمع: شرط بالتحريك، بمعنى: العلامة، وهي مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وانشقاق القمر، والدخان، على قول. وقيل: قطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثر اللئام، فقوله تعالى: { فقد جاء أشراطها } تعليل لمفاجأتها، لا لمطلق إتيانها، على معنى: أنه لم يبق من الأمور الموجبة للتذكير أمر مترقب ينتظرونه سوى إتيان نفس الساعة إذ قد جاء أشراطها، فلم يرفعوا لها رأسا، ولم يعدوها من مبادئ إتيانها فيكون إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة. { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } قال الأخفش: التقدير: فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم، أي: فمن أين لهم التذكير والاتعاظ إذا جاءتهم الساعة؟ ف " ذكراهم ": مبتدأ، و " أنى ": خبر مقدم، و " إذا جاءتهم ": اعتراض، وسط بينهما، رمز إلى غاية سرعة مجيئها، والمقصود: عدم نفع التذكير عند مجيئها، كقوله تعالى:
يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى
[الفجر: 23]. الإشارة: مجلس الوعظ والتذكير، إن كان المذكر من أهل التنوير، نهض المستمع له إلى الله قطعا، لكن ذلك يتفاوت على قدر سريان النور فيه قطعا، فمنهم من يصل النور إلى ظاهر قلبه، ومنهم من يصل إلى داخل القلب، ومنهم من يصل إلى روحه، ومنهم من يصل إلى سره، وذلك على قدر التفرع والاستعداد، فمن وصل النور إلى ظاهر قلبه نهض إلى العمل الظاهر، وكان بين حب الدنيا والآخرة، ومن وصل إلى قلبه نهض بقلبه إلى الله، ورفض الدنيا وراءه، ومن وصل إلى روحه انكشف عنه الحجاب، ومن وصل إلى سره تمكن من شهود الحق. وفي الحكم: " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما سار التنوير وصل التعبير " ، وهذا إن حضر مستفيدا، وأما إن حضر منتقدا، فهو قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك... } الآية، والذين اهتدوا لدخول طريق التربية زادهم هدى، فلا يزالون يزيدون تربية وترقية إلى أن يصلوا إلى مقام التمكين من الشهود. قال القشيري: والذين اهتدوا بأنواع المجاهدات زادهم هدى لأنوار المشاهدات، واهتدوا بتأمل البرهان، فزادهم هدى بروح البيان، أو اهتدوا بعلم اليقين، فزادهم هدى بحق اليقين. ه. ثم ذكر سبب الهداية وأساسها، فقال: { فاعلم أنه لا إله إلا الله }.
محمد 47:17
قلت: { آنفا }: قال الزمخشري ومن تبعه: ظرف، أي: الساعة، وقال أبو حيان: لا أعلم أحدا عده من الظروف، وجوز " مكي " فيه الظرف والحالية. قال الهروي: " آنفا " مأخذوة من: ائتنفت الشيء: إذا ابتدأته، وروضة أنف: إذا لم ترع. المعنى: ماذا قال في وقت يقرب من وقتنا؟ و { أن تأتيهم }: بدل اشتمال من الساعة. يقول الحق جل جلاله: { ومنهم من يستمع إليك } وهم المنافقون، كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسمعون كلامه ولا يعونه، ولا يراعونه حق رعايته، تهاونا منهم، { حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم } من الصحابة رضي الله عنهم: { ماذا قال آنفا } ما الذي قال الساعة؟ على طريقة الاستهزاء، أو: ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه؟ وقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، ويعيب المنافقين، فسمع المنافقون قوله، فلما خرجوا من المسجد، سألوا ابن مسعود عما قال النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء. وقال ابن عباس: " أنا من الذين أوتوا العلم، وقد سئلت فيمن سئل ". ويقال: الناس ثلاثة: سامع عامل، وسامع غافل، وسامع تارك. { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } لعدم توجهها إلى الخير أصلا، { واتبعوا أهواءهم } الباطلة، فلذلك فعلوا ما فعلوا، مما لا خير فيه، { والذين اهتدوا } إلى طريق الحق { زادهم } الله بذلك { هدى } علما وبصيرة، أو شرح صدر بالتوفيق والإلهام، أو: زادهم ما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم هداية على ما عندهم، { وآتاهم تقواهم } أعانهم عليها، أو: آتاهم جزاء تقواهم، أو: بين لهم ما يتقون. { فهل ينظرون } أي: ما ينتظرون { إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } أي: تباغتهم بغتة، وهي الفجاءة، والمعنى: أنهم لا يتذكرون بأحوال الأمم الخالية، ولا بالإخبار بإتيان الساعة، وما فيها من عظائم الأهوال، وما ينظرون إلا إتيان نفس الساعة بغتة، { فقد جاء أشراطها } علاماتهان جمع: شرط بالتحريك، بمعنى: العلامة، وهي مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وانشقاق القمر، والدخان، على قول. وقيل: قطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثر اللئام، فقوله تعالى: { فقد جاء أشراطها } تعليل لمفاجأتها، لا لمطلق إتيانها، على معنى: أنه لم يبق من الأمور الموجبة للتذكير أمر مترقب ينتظرونه سوى إتيان نفس الساعة إذ قد جاء أشراطها، فلم يرفعوا لها رأسا، ولم يعدوها من مبادئ إتيانها فيكون إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة. { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } قال الأخفش: التقدير: فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم، أي: فمن أين لهم التذكير والاتعاظ إذا جاءتهم الساعة؟ ف " ذكراهم ": مبتدأ، و " أنى ": خبر مقدم، و " إذا جاءتهم ": اعتراض، وسط بينهما، رمز إلى غاية سرعة مجيئها، والمقصود: عدم نفع التذكير عند مجيئها، كقوله تعالى:
يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى
[الفجر: 23]. الإشارة: مجلس الوعظ والتذكير، إن كان المذكر من أهل التنوير، نهض المستمع له إلى الله قطعا، لكن ذلك يتفاوت على قدر سريان النور فيه قطعا، فمنهم من يصل النور إلى ظاهر قلبه، ومنهم من يصل إلى داخل القلب، ومنهم من يصل إلى روحه، ومنهم من يصل إلى سره، وذلك على قدر التفرع والاستعداد، فمن وصل النور إلى ظاهر قلبه نهض إلى العمل الظاهر، وكان بين حب الدنيا والآخرة، ومن وصل إلى قلبه نهض بقلبه إلى الله، ورفض الدنيا وراءه، ومن وصل إلى روحه انكشف عنه الحجاب، ومن وصل إلى سره تمكن من شهود الحق. وفي الحكم: " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما سار التنوير وصل التعبير " ، وهذا إن حضر مستفيدا، وأما إن حضر منتقدا، فهو قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك... } الآية، والذين اهتدوا لدخول طريق التربية زادهم هدى، فلا يزالون يزيدون تربية وترقية إلى أن يصلوا إلى مقام التمكين من الشهود. قال القشيري: والذين اهتدوا بأنواع المجاهدات زادهم هدى لأنوار المشاهدات، واهتدوا بتأمل البرهان، فزادهم هدى بروح البيان، أو اهتدوا بعلم اليقين، فزادهم هدى بحق اليقين. ه. ثم ذكر سبب الهداية وأساسها، فقال: { فاعلم أنه لا إله إلا الله }.
محمد 47:18
قلت: { آنفا }: قال الزمخشري ومن تبعه: ظرف، أي: الساعة، وقال أبو حيان: لا أعلم أحدا عده من الظروف، وجوز " مكي " فيه الظرف والحالية. قال الهروي: " آنفا " مأخذوة من: ائتنفت الشيء: إذا ابتدأته، وروضة أنف: إذا لم ترع. المعنى: ماذا قال في وقت يقرب من وقتنا؟ و { أن تأتيهم }: بدل اشتمال من الساعة. يقول الحق جل جلاله: { ومنهم من يستمع إليك } وهم المنافقون، كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسمعون كلامه ولا يعونه، ولا يراعونه حق رعايته، تهاونا منهم، { حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم } من الصحابة رضي الله عنهم: { ماذا قال آنفا } ما الذي قال الساعة؟ على طريقة الاستهزاء، أو: ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه؟ وقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، ويعيب المنافقين، فسمع المنافقون قوله، فلما خرجوا من المسجد، سألوا ابن مسعود عما قال النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء. وقال ابن عباس: " أنا من الذين أوتوا العلم، وقد سئلت فيمن سئل ". ويقال: الناس ثلاثة: سامع عامل، وسامع غافل، وسامع تارك. { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } لعدم توجهها إلى الخير أصلا، { واتبعوا أهواءهم } الباطلة، فلذلك فعلوا ما فعلوا، مما لا خير فيه، { والذين اهتدوا } إلى طريق الحق { زادهم } الله بذلك { هدى } علما وبصيرة، أو شرح صدر بالتوفيق والإلهام، أو: زادهم ما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم هداية على ما عندهم، { وآتاهم تقواهم } أعانهم عليها، أو: آتاهم جزاء تقواهم، أو: بين لهم ما يتقون. { فهل ينظرون } أي: ما ينتظرون { إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } أي: تباغتهم بغتة، وهي الفجاءة، والمعنى: أنهم لا يتذكرون بأحوال الأمم الخالية، ولا بالإخبار بإتيان الساعة، وما فيها من عظائم الأهوال، وما ينظرون إلا إتيان نفس الساعة بغتة، { فقد جاء أشراطها } علاماتهان جمع: شرط بالتحريك، بمعنى: العلامة، وهي مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وانشقاق القمر، والدخان، على قول. وقيل: قطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثر اللئام، فقوله تعالى: { فقد جاء أشراطها } تعليل لمفاجأتها، لا لمطلق إتيانها، على معنى: أنه لم يبق من الأمور الموجبة للتذكير أمر مترقب ينتظرونه سوى إتيان نفس الساعة إذ قد جاء أشراطها، فلم يرفعوا لها رأسا، ولم يعدوها من مبادئ إتيانها فيكون إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة. { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } قال الأخفش: التقدير: فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم، أي: فمن أين لهم التذكير والاتعاظ إذا جاءتهم الساعة؟ ف " ذكراهم ": مبتدأ، و " أنى ": خبر مقدم، و " إذا جاءتهم ": اعتراض، وسط بينهما، رمز إلى غاية سرعة مجيئها، والمقصود: عدم نفع التذكير عند مجيئها، كقوله تعالى:
يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى
[الفجر: 23]. الإشارة: مجلس الوعظ والتذكير، إن كان المذكر من أهل التنوير، نهض المستمع له إلى الله قطعا، لكن ذلك يتفاوت على قدر سريان النور فيه قطعا، فمنهم من يصل النور إلى ظاهر قلبه، ومنهم من يصل إلى داخل القلب، ومنهم من يصل إلى روحه، ومنهم من يصل إلى سره، وذلك على قدر التفرع والاستعداد، فمن وصل النور إلى ظاهر قلبه نهض إلى العمل الظاهر، وكان بين حب الدنيا والآخرة، ومن وصل إلى قلبه نهض بقلبه إلى الله، ورفض الدنيا وراءه، ومن وصل إلى روحه انكشف عنه الحجاب، ومن وصل إلى سره تمكن من شهود الحق. وفي الحكم: " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما سار التنوير وصل التعبير " ، وهذا إن حضر مستفيدا، وأما إن حضر منتقدا، فهو قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك... } الآية، والذين اهتدوا لدخول طريق التربية زادهم هدى، فلا يزالون يزيدون تربية وترقية إلى أن يصلوا إلى مقام التمكين من الشهود. قال القشيري: والذين اهتدوا بأنواع المجاهدات زادهم هدى لأنوار المشاهدات، واهتدوا بتأمل البرهان، فزادهم هدى بروح البيان، أو اهتدوا بعلم اليقين، فزادهم هدى بحق اليقين. ه. ثم ذكر سبب الهداية وأساسها، فقال: { فاعلم أنه لا إله إلا الله }.
محمد 47:19
يقول الحق جل جلاله: { فاعلم أنه لا إله إلا الله } أي: إذا علمت أن مدار السعادة، والفوز بالنعيم في دار البقاء هو التوحيد والطاعة، ومناط الشقاء والخسران في دار الهوان هو الإشراك والعصيان، فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد، واعلم أنه لا إله في الوجود إلا الله، فلا يستحق العبادة غيره، { واستغفر لذنبك } وهو ما قد يصدر منه صلى الله عليه وسلم من خلاف الأولى، عبر عنه بالذنب نظرا إلى منصبه الجليل، كيف لا، وحسنات الأبرار سيئات المقربين؟ فكل مقام له آداب، فإذا أخل بشيء من آدابه أمر بالاستغفار، فلمقام الرسالة آداب، ولمقام الولاية آداب، ولمقام الصلاة آداب، وضعف العبودية لا يقوم بجميع حقوق الربوبية، قال تعالى:
وما قدروا الله حق قدره
[الزمر: 67]. وبالجملة فالقيام بالآداب مع الله - تعالى - على ما يستحقه - سبحانه - حتى يحيط العبد بجميع الآداب مع عظمة الربوبية محال عادة، قال صلى الله عليه وسلم مع جلالة منصبه:
" لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك "
فكل ما قرب العبد من الحضرة شدد عليه في طلب الأدب، فإذا أخذته سنة أمر بالاستغفار، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس سبعين مرة، أو مائة، على ما في الأثر. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، بعد كلام: والحق أن استغفاره صلى الله عليه وسلم طلب ثبات المغفرة والستر من الوقوع، لا طلب العفو بعد الوقوع، وقد أخبره تعالى بأنه فعل. وقد يقال: استغفار تعبد لا غير. قال: والذي يظهر لي أن أمره بالاستغفار مع وعد الله بأنه مغفور له إشارة إلى الوقوف مع غيب المشيئة، لا مع الوعد، وذلك حقيقة، والوقوف مع الوعد شريعة. وقال الطيبي: إذا تيقنت أن الساعة آتية، وقد جاء أشراطها، فخذ بالأهم فالأهم، والأولى فالأولى، فتمسك بالتوحيد، ونزه الله عما لا ينبغي، ثم طهر نفسك بالاستغفار عما لا يليق بك، من ترك الأولى، فإذا صرت كاملا في نفسك فكن مكملا لغيرك، فاستغفر { للمؤمنين والمؤمنات }. ه. أي: استغفر لذنوبهم بالدعاء لهم، وترغيبهم فيما يستدعي غفران ذنوبهم. وفي إعادة الجار تنبيه على اختلاف معلقيه إذ ليس موجب استغفاره صلى الله عليه وسلم كموجب استغفارهم، فسيئاته - عليه السلام - فرضا حسناتهم. وفي حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه - أي: ولذنب المؤمنين - إشعار بعراقتهم في الذنوب، وفرط افتقارهم إلى الاستغفار. { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } أي: يعلم متقلبكم في الدنيا، فإنها مراحل لا بد من قطعه، ويعلم مثواكم في العقبى فإنها مواطن إقامتكم، فلا يأمركم إلا بما هو خير لكم فيهما، فبادروا إلى الامتثال لما أمركم به، فإنه المهم لكم، أو: يعلم متقلبكم: في معايشكم ومتاجركم، ومثواكم: حيث تستقروا في منازلكم، أو متقلبكم: في حياتكم، ومثواكم: في القبور، أو: متقلبكم: في أعمالكم الحسنة أو السيئة، ومثواكم: من الجنة أو النار، أو: يعلم جميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها، فمثله حقيق بأن يخشى ويتقى ويستغفر.
الإشارة: قال القشيري: قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فاعلم أنه لا إله إلا الله } وكان عالما، ولكن أمره باستدامة العلم واستزادته، وذلك في الثاني من حاله في ابتداء العلم، لأن العلم أمر، ولا يجوز البقاء على الأمر الواحد، فكل لحظة يأتي فيها علم. ويقال: كان له علم اليقين، فأمر بعين اليقين، فأمر بعين اليقين، أو: كان له عيه اليقين، فأمر بحق اليقين. ويقال: قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا أعملكم بالله وأخشاكم له "
فنزلت الآية، أي: أمر بالتواضع. وهنا سؤال: كيف قال: " فاعلم " ولم يقل صلى الله عليه وسلم بعد: علمت، كما قال إبراهيم حين قال له:
أسلم قال أسلمت
[البقرة: 131] ويجاب: بأن الله تعالى أخبر عنه بقوله:
ءامن الرسول
[البقرة: 285] والإيمان هو العلم، فإخبار الحق تعالى عنه أتم من إخباره عن نفسه بقوله: علمته. ويقال: إبراهيم عليه السلام لما قال: { أسلمت } ابتلي، ونبينا صلى الله عليه وسلم لم يقل علمت، فعوفي، ويقال: فرق بين موسى، لما احتاج إلى زيادة العلم أحيل على الخضر، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال له:
وقل رب زدنى علما
[طه: 114] فكم بين من أحيل في استزادة العلم على عبد، وبين من أمر باستزادة العلم من الحق. ويقال: إنما أمره بقوله: { فاعلم } بالانقطاع إليه من الحظوظ من الخلق، ثم بالانقطاع منه إليه، وإذا قال العبد هذه الكلمة على العادة، والغفلة عن الحقيقة، وهي نصف البيان فليس لهذا القول كبير قيمة، وهذا إذا تعجب من شيء فذكر هذه الكلمة، فليس له قدر، وإذا قاله مخلصا ذاكرا لمعناها، متحققا بحقيقتها، فإن قاله بنفسه فهو في وطن التفرقة، وعندهم هذا من الشرك الخفي، وإن قاله بالحق فهو إخلاص، والعبد أولا يعلم ربه بدليل وحجة، فعلمه بنفسه ضروري، وهو أصل الأصول، وعليه ينبني كل علم استدلالي. ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان، وزيادة الحجج، ويتناقض علمه بنفسه لغلبة ذكر الله بقلبه عليه، فإذا انتهى لحال المشاهدة، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه، صار علمه في تلك الحالة ضروريا، ويقل إحساسه بنفسه، حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال، وكأنه غافل عن نفسه، أو ناس لنفسه، ويقال: الذي في البحر غلب عليه ما يأخذه من الرؤية عن ذكر نفسه، فإذا ركب البحر فر من هذه الحالة، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو مستغرق فيه مستهلك.
محمد 47:20
يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة } فيها ذكر الجهاد، وذلك أن المؤمنين كان حرصهم على الجهاد يبعثهم على تمني ظهور الإسلام، وتمني قتال العدو، فكانوا يأنسوا بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك، { فإذا أنزلت سورة } في معنى الجهاد { محكمة } أي: مبينة غير متشابهة، لا تحتمل وجها إلا وجوب الجهاد. وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة لأن النسخ لا يرد عليها لأن القتال نسخ ما كان قبل من الصلح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. ه. { وذكر فيها القتال } أي: أمر فيها بالجهاد { رأيت الذين في قلوبهم مرض } نفاق، أي: رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها، { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } أي: تشخص أبصارهم جبنا وجزعا كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت. قال القشيري: كان المسلمون تضيق صدورهم لتأخر الوحي، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحي بسرعة، والمنافقون إذا ذكر القتال يكرهون ذلك لما كان يشق عليهم القتال، فكانوا بذلك يفتضحون وينظرون إليه نظر المغشي عليه من الموت أي: بغاية الكراهة لذلك، { فأولى لهم } تهديد، أي: الوعيد لهم ه. وقيل: المعنى: فويل لهم، وهو أفعل، من: الولي، وهو القرب، والمعنى: الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، ويقرب من ساحتهم، وقيل: أصله: أويل، فقلب، فوزنه: أفلع، قال الثعلبي: يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت: أولى لك، أي: قاربت العطب. وقوله تعالى: { طاعة وقول معروف } استئناف، أي: طاعة لله وللرسول، وقول معروف حسن خير لهم، أو: يكون حكاية قول المنافقين، أي: قالوا: أمرنا طاعة وقول معروف، قالوه نفاقا، فيكون خبرا عن مضمر، وقيل: " أولى ": مبتدأ، و " طاعة ": خبره، وهذا أحسن، وهو المشهور من استعمال " أولى " بمعنى: أحق وأصوب، أي: فالطاعة والقول المعروف أولى لهم وأصوب. { فإذا عزم الأمر } أي: فإذا جد الأمر ولزمهم القتال { فلو صدقوا الله } في الإيمان والطاعة { لكان } الصدق { خيرا لهم } من كراهة الجهاد، وقيل: جواب " إذا " وهو العامل فيها - محذوف، أي: فإذا عزم الأمر خالفوا أو تخلفوا، أو نافقوا، أو كرهوا. { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسداو في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أي: فلعلكم إن أعرضتم عن دين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاور والتناهب، وقطع الأرحام، بمقاتلة بعض الأقارب بعضا، أو: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض، تفاخرا على الملك، وتهالكا على الدنيا، فإن أحوالكم شاهدة بذلك من خراب الدين، والحرص على الدنيا.
قال في الحاشية الفاسية: والأشهر أنه من الولاية، أي: إن وليتم الحكم، وقد جاء حديث أنهم قريش أخذ الله عليهم إن ولوا أمر الناس ألا يفسدوا، ولا يقطعوا الأرحام، قاله ابن حجر. ه. وخبر " عسى ": " أن تفسدوا " والشرط اعتراض بين الاسم والخبر، والتقدير: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض إن توليتم. تقول: عسى يا فلان إن فعلت كذا أن يكون كذا، فهل عسيت أنت ذلك، أي: فهل توقعت ذلك؟ { أولئك } المذكورون، فالإشارة إلى المخاطبين، إيذانا بأن ذكر مساوئهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ، وخبره: { الذين لعنهم الله } أبعدهم عن رحمته، { فأصمهم } عن استماع الحق والموعظة لتصاممهم عنه بسوء اختيارهم، { وأعمى أبصارهم } لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق. { أفلا يتدبرون القرآن } فيعرفون ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، { أم على قلوب أقفالها } فلا يصل إليها وعظ أصلا، و " أم " منقطعة، وما فيها من معنى " بل " للانتقال من التوبيخ على عدم التدبر إلى الوبيخ بكون قلوبهم مقفلة، لا تقبل التدبر والتفكر، والهمزة للتقرير. وتنكير " قلوب " ، إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، بإبهام أمرها في الفساد والجهالة، كأنه قيل: قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقادر قدرها في القسوة، إما لأن المراد بها قلوب بعض منهم، وهم المنافقون، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها مخصوصة بها، مناسبة لها، غير مجانسة لسائر الأفعال المعهودة. قال القشيري: إذا تدبروا القرآن أفضى بهم إلى حس العرفان، وأزاحهم عن ظلمة التحير { أم على قلوب أقفالها } أقفل الحق على قلوب الكفار، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا تنبسط عليها شعاع العلم، ولا يحصل فيهم الخطاب، والباب إذا كان مقفلا، فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه، كذلك هي قلوب الكفار مقفلة فلا الكفر الذي فيها يخرج، ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل في قلوبهم. ه. وقال ابن عطية: هو الران الذي منعهم من الإيمان، ثم ذكر حكاية الشاب، وذلك أن وفد اليمن قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال الشاب: عليها أقفالها حتى يفتحها الله ويفرجها، قال عمر: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي الخلافة، فاستعان بذلك الفتى. ه. وفي الحديث:
" إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه، وجعل فيه اليقين ".
الإشارة: أهل التوجه والرياضة يفرحون بما ينزل بهم، مما يثقل على نفوسهم، كالفاقات والأزمات، وتسليط الخلق عليهم، وغير ذلك من النوائب لتموت نفوسهم فتحيا قلوبهم وأرواحهم بمعرفة الله، والذين في قلوبهم مرض كالوساوس والخواطر يفرون من ذلك، وينظرون - حين يرون أمارات ذلك - نظر المغشي عليه من الموت، فالأولى لهم الخضوع تحت مجاري الأقدار، والرضا والتسليم لأحكام الواحد القهار، فإذا عزم الأمر بالتوجه إلى جهاد النفس، أو بالسفر إلى من يداويها، فلو صدقوا في الطلب، وتوجهوا للطبيب، لكان خيرا لهم.
فهل عسيتم إن توليتم وأعرضتم عن ذلك، ولم تسافروا إلى الطبيب، أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي والغفلة، وتقطعوا أرحامكم، إذا لا يصل رحمه حقيقة إلا من صفا قلبه، ودخله الخوف والهيبة، أولئك الذي أبعدهم الله عن حضرته، فأصمهم عن سماع الداعي إلى الله، وأعمى أبصارهم عن رؤية خصوصيته، وأنوار معرفته، أفلا يتدبرون القرآن، فإن فيه علوم الظاهر والباطن، لكن إذا زالت عن القلوب الأقفال، وحاصلها أربعة: حب الدنيا، وحب الرئاسة، والانهماك في الحظوظ والشهوات، وكثرة العلائق والشواغل، فإن سلم من هذه صفا قلبه، وتجلت فيه أسرار معاني الذات والصفات، فيتدبر القرآن، ويغوص في بحر أسراره، ويستخرج يواقيته ودرره. وبالله التوفيق. ثم ذكر من رجع بعد التوجه، فقال: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم }.
محمد 47:21
يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة } فيها ذكر الجهاد، وذلك أن المؤمنين كان حرصهم على الجهاد يبعثهم على تمني ظهور الإسلام، وتمني قتال العدو، فكانوا يأنسوا بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك، { فإذا أنزلت سورة } في معنى الجهاد { محكمة } أي: مبينة غير متشابهة، لا تحتمل وجها إلا وجوب الجهاد. وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة لأن النسخ لا يرد عليها لأن القتال نسخ ما كان قبل من الصلح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. ه. { وذكر فيها القتال } أي: أمر فيها بالجهاد { رأيت الذين في قلوبهم مرض } نفاق، أي: رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها، { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } أي: تشخص أبصارهم جبنا وجزعا كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت. قال القشيري: كان المسلمون تضيق صدورهم لتأخر الوحي، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحي بسرعة، والمنافقون إذا ذكر القتال يكرهون ذلك لما كان يشق عليهم القتال، فكانوا بذلك يفتضحون وينظرون إليه نظر المغشي عليه من الموت أي: بغاية الكراهة لذلك، { فأولى لهم } تهديد، أي: الوعيد لهم ه. وقيل: المعنى: فويل لهم، وهو أفعل، من: الولي، وهو القرب، والمعنى: الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، ويقرب من ساحتهم، وقيل: أصله: أويل، فقلب، فوزنه: أفلع، قال الثعلبي: يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت: أولى لك، أي: قاربت العطب. وقوله تعالى: { طاعة وقول معروف } استئناف، أي: طاعة لله وللرسول، وقول معروف حسن خير لهم، أو: يكون حكاية قول المنافقين، أي: قالوا: أمرنا طاعة وقول معروف، قالوه نفاقا، فيكون خبرا عن مضمر، وقيل: " أولى ": مبتدأ، و " طاعة ": خبره، وهذا أحسن، وهو المشهور من استعمال " أولى " بمعنى: أحق وأصوب، أي: فالطاعة والقول المعروف أولى لهم وأصوب. { فإذا عزم الأمر } أي: فإذا جد الأمر ولزمهم القتال { فلو صدقوا الله } في الإيمان والطاعة { لكان } الصدق { خيرا لهم } من كراهة الجهاد، وقيل: جواب " إذا " وهو العامل فيها - محذوف، أي: فإذا عزم الأمر خالفوا أو تخلفوا، أو نافقوا، أو كرهوا. { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسداو في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أي: فلعلكم إن أعرضتم عن دين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاور والتناهب، وقطع الأرحام، بمقاتلة بعض الأقارب بعضا، أو: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض، تفاخرا على الملك، وتهالكا على الدنيا، فإن أحوالكم شاهدة بذلك من خراب الدين، والحرص على الدنيا.
قال في الحاشية الفاسية: والأشهر أنه من الولاية، أي: إن وليتم الحكم، وقد جاء حديث أنهم قريش أخذ الله عليهم إن ولوا أمر الناس ألا يفسدوا، ولا يقطعوا الأرحام، قاله ابن حجر. ه. وخبر " عسى ": " أن تفسدوا " والشرط اعتراض بين الاسم والخبر، والتقدير: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض إن توليتم. تقول: عسى يا فلان إن فعلت كذا أن يكون كذا، فهل عسيت أنت ذلك، أي: فهل توقعت ذلك؟ { أولئك } المذكورون، فالإشارة إلى المخاطبين، إيذانا بأن ذكر مساوئهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ، وخبره: { الذين لعنهم الله } أبعدهم عن رحمته، { فأصمهم } عن استماع الحق والموعظة لتصاممهم عنه بسوء اختيارهم، { وأعمى أبصارهم } لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق. { أفلا يتدبرون القرآن } فيعرفون ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، { أم على قلوب أقفالها } فلا يصل إليها وعظ أصلا، و " أم " منقطعة، وما فيها من معنى " بل " للانتقال من التوبيخ على عدم التدبر إلى الوبيخ بكون قلوبهم مقفلة، لا تقبل التدبر والتفكر، والهمزة للتقرير. وتنكير " قلوب " ، إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، بإبهام أمرها في الفساد والجهالة، كأنه قيل: قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقادر قدرها في القسوة، إما لأن المراد بها قلوب بعض منهم، وهم المنافقون، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها مخصوصة بها، مناسبة لها، غير مجانسة لسائر الأفعال المعهودة. قال القشيري: إذا تدبروا القرآن أفضى بهم إلى حس العرفان، وأزاحهم عن ظلمة التحير { أم على قلوب أقفالها } أقفل الحق على قلوب الكفار، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا تنبسط عليها شعاع العلم، ولا يحصل فيهم الخطاب، والباب إذا كان مقفلا، فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه، كذلك هي قلوب الكفار مقفلة فلا الكفر الذي فيها يخرج، ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل في قلوبهم. ه. وقال ابن عطية: هو الران الذي منعهم من الإيمان، ثم ذكر حكاية الشاب، وذلك أن وفد اليمن قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال الشاب: عليها أقفالها حتى يفتحها الله ويفرجها، قال عمر: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي الخلافة، فاستعان بذلك الفتى. ه. وفي الحديث:
" إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه، وجعل فيه اليقين ".
الإشارة: أهل التوجه والرياضة يفرحون بما ينزل بهم، مما يثقل على نفوسهم، كالفاقات والأزمات، وتسليط الخلق عليهم، وغير ذلك من النوائب لتموت نفوسهم فتحيا قلوبهم وأرواحهم بمعرفة الله، والذين في قلوبهم مرض كالوساوس والخواطر يفرون من ذلك، وينظرون - حين يرون أمارات ذلك - نظر المغشي عليه من الموت، فالأولى لهم الخضوع تحت مجاري الأقدار، والرضا والتسليم لأحكام الواحد القهار، فإذا عزم الأمر بالتوجه إلى جهاد النفس، أو بالسفر إلى من يداويها، فلو صدقوا في الطلب، وتوجهوا للطبيب، لكان خيرا لهم.
فهل عسيتم إن توليتم وأعرضتم عن ذلك، ولم تسافروا إلى الطبيب، أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي والغفلة، وتقطعوا أرحامكم، إذا لا يصل رحمه حقيقة إلا من صفا قلبه، ودخله الخوف والهيبة، أولئك الذي أبعدهم الله عن حضرته، فأصمهم عن سماع الداعي إلى الله، وأعمى أبصارهم عن رؤية خصوصيته، وأنوار معرفته، أفلا يتدبرون القرآن، فإن فيه علوم الظاهر والباطن، لكن إذا زالت عن القلوب الأقفال، وحاصلها أربعة: حب الدنيا، وحب الرئاسة، والانهماك في الحظوظ والشهوات، وكثرة العلائق والشواغل، فإن سلم من هذه صفا قلبه، وتجلت فيه أسرار معاني الذات والصفات، فيتدبر القرآن، ويغوص في بحر أسراره، ويستخرج يواقيته ودرره. وبالله التوفيق. ثم ذكر من رجع بعد التوجه، فقال: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم }.
محمد 47:22
يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة } فيها ذكر الجهاد، وذلك أن المؤمنين كان حرصهم على الجهاد يبعثهم على تمني ظهور الإسلام، وتمني قتال العدو، فكانوا يأنسوا بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك، { فإذا أنزلت سورة } في معنى الجهاد { محكمة } أي: مبينة غير متشابهة، لا تحتمل وجها إلا وجوب الجهاد. وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة لأن النسخ لا يرد عليها لأن القتال نسخ ما كان قبل من الصلح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. ه. { وذكر فيها القتال } أي: أمر فيها بالجهاد { رأيت الذين في قلوبهم مرض } نفاق، أي: رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها، { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } أي: تشخص أبصارهم جبنا وجزعا كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت. قال القشيري: كان المسلمون تضيق صدورهم لتأخر الوحي، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحي بسرعة، والمنافقون إذا ذكر القتال يكرهون ذلك لما كان يشق عليهم القتال، فكانوا بذلك يفتضحون وينظرون إليه نظر المغشي عليه من الموت أي: بغاية الكراهة لذلك، { فأولى لهم } تهديد، أي: الوعيد لهم ه. وقيل: المعنى: فويل لهم، وهو أفعل، من: الولي، وهو القرب، والمعنى: الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، ويقرب من ساحتهم، وقيل: أصله: أويل، فقلب، فوزنه: أفلع، قال الثعلبي: يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت: أولى لك، أي: قاربت العطب. وقوله تعالى: { طاعة وقول معروف } استئناف، أي: طاعة لله وللرسول، وقول معروف حسن خير لهم، أو: يكون حكاية قول المنافقين، أي: قالوا: أمرنا طاعة وقول معروف، قالوه نفاقا، فيكون خبرا عن مضمر، وقيل: " أولى ": مبتدأ، و " طاعة ": خبره، وهذا أحسن، وهو المشهور من استعمال " أولى " بمعنى: أحق وأصوب، أي: فالطاعة والقول المعروف أولى لهم وأصوب. { فإذا عزم الأمر } أي: فإذا جد الأمر ولزمهم القتال { فلو صدقوا الله } في الإيمان والطاعة { لكان } الصدق { خيرا لهم } من كراهة الجهاد، وقيل: جواب " إذا " وهو العامل فيها - محذوف، أي: فإذا عزم الأمر خالفوا أو تخلفوا، أو نافقوا، أو كرهوا. { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسداو في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أي: فلعلكم إن أعرضتم عن دين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاور والتناهب، وقطع الأرحام، بمقاتلة بعض الأقارب بعضا، أو: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض، تفاخرا على الملك، وتهالكا على الدنيا، فإن أحوالكم شاهدة بذلك من خراب الدين، والحرص على الدنيا.
قال في الحاشية الفاسية: والأشهر أنه من الولاية، أي: إن وليتم الحكم، وقد جاء حديث أنهم قريش أخذ الله عليهم إن ولوا أمر الناس ألا يفسدوا، ولا يقطعوا الأرحام، قاله ابن حجر. ه. وخبر " عسى ": " أن تفسدوا " والشرط اعتراض بين الاسم والخبر، والتقدير: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض إن توليتم. تقول: عسى يا فلان إن فعلت كذا أن يكون كذا، فهل عسيت أنت ذلك، أي: فهل توقعت ذلك؟ { أولئك } المذكورون، فالإشارة إلى المخاطبين، إيذانا بأن ذكر مساوئهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ، وخبره: { الذين لعنهم الله } أبعدهم عن رحمته، { فأصمهم } عن استماع الحق والموعظة لتصاممهم عنه بسوء اختيارهم، { وأعمى أبصارهم } لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق. { أفلا يتدبرون القرآن } فيعرفون ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، { أم على قلوب أقفالها } فلا يصل إليها وعظ أصلا، و " أم " منقطعة، وما فيها من معنى " بل " للانتقال من التوبيخ على عدم التدبر إلى الوبيخ بكون قلوبهم مقفلة، لا تقبل التدبر والتفكر، والهمزة للتقرير. وتنكير " قلوب " ، إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، بإبهام أمرها في الفساد والجهالة، كأنه قيل: قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقادر قدرها في القسوة، إما لأن المراد بها قلوب بعض منهم، وهم المنافقون، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها مخصوصة بها، مناسبة لها، غير مجانسة لسائر الأفعال المعهودة. قال القشيري: إذا تدبروا القرآن أفضى بهم إلى حس العرفان، وأزاحهم عن ظلمة التحير { أم على قلوب أقفالها } أقفل الحق على قلوب الكفار، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا تنبسط عليها شعاع العلم، ولا يحصل فيهم الخطاب، والباب إذا كان مقفلا، فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه، كذلك هي قلوب الكفار مقفلة فلا الكفر الذي فيها يخرج، ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل في قلوبهم. ه. وقال ابن عطية: هو الران الذي منعهم من الإيمان، ثم ذكر حكاية الشاب، وذلك أن وفد اليمن قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال الشاب: عليها أقفالها حتى يفتحها الله ويفرجها، قال عمر: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي الخلافة، فاستعان بذلك الفتى. ه. وفي الحديث:
" إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه، وجعل فيه اليقين ".
الإشارة: أهل التوجه والرياضة يفرحون بما ينزل بهم، مما يثقل على نفوسهم، كالفاقات والأزمات، وتسليط الخلق عليهم، وغير ذلك من النوائب لتموت نفوسهم فتحيا قلوبهم وأرواحهم بمعرفة الله، والذين في قلوبهم مرض كالوساوس والخواطر يفرون من ذلك، وينظرون - حين يرون أمارات ذلك - نظر المغشي عليه من الموت، فالأولى لهم الخضوع تحت مجاري الأقدار، والرضا والتسليم لأحكام الواحد القهار، فإذا عزم الأمر بالتوجه إلى جهاد النفس، أو بالسفر إلى من يداويها، فلو صدقوا في الطلب، وتوجهوا للطبيب، لكان خيرا لهم.
فهل عسيتم إن توليتم وأعرضتم عن ذلك، ولم تسافروا إلى الطبيب، أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي والغفلة، وتقطعوا أرحامكم، إذا لا يصل رحمه حقيقة إلا من صفا قلبه، ودخله الخوف والهيبة، أولئك الذي أبعدهم الله عن حضرته، فأصمهم عن سماع الداعي إلى الله، وأعمى أبصارهم عن رؤية خصوصيته، وأنوار معرفته، أفلا يتدبرون القرآن، فإن فيه علوم الظاهر والباطن، لكن إذا زالت عن القلوب الأقفال، وحاصلها أربعة: حب الدنيا، وحب الرئاسة، والانهماك في الحظوظ والشهوات، وكثرة العلائق والشواغل، فإن سلم من هذه صفا قلبه، وتجلت فيه أسرار معاني الذات والصفات، فيتدبر القرآن، ويغوص في بحر أسراره، ويستخرج يواقيته ودرره. وبالله التوفيق. ثم ذكر من رجع بعد التوجه، فقال: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم }.
محمد 47:23
يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة } فيها ذكر الجهاد، وذلك أن المؤمنين كان حرصهم على الجهاد يبعثهم على تمني ظهور الإسلام، وتمني قتال العدو، فكانوا يأنسوا بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك، { فإذا أنزلت سورة } في معنى الجهاد { محكمة } أي: مبينة غير متشابهة، لا تحتمل وجها إلا وجوب الجهاد. وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة لأن النسخ لا يرد عليها لأن القتال نسخ ما كان قبل من الصلح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. ه. { وذكر فيها القتال } أي: أمر فيها بالجهاد { رأيت الذين في قلوبهم مرض } نفاق، أي: رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها، { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } أي: تشخص أبصارهم جبنا وجزعا كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت. قال القشيري: كان المسلمون تضيق صدورهم لتأخر الوحي، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحي بسرعة، والمنافقون إذا ذكر القتال يكرهون ذلك لما كان يشق عليهم القتال، فكانوا بذلك يفتضحون وينظرون إليه نظر المغشي عليه من الموت أي: بغاية الكراهة لذلك، { فأولى لهم } تهديد، أي: الوعيد لهم ه. وقيل: المعنى: فويل لهم، وهو أفعل، من: الولي، وهو القرب، والمعنى: الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، ويقرب من ساحتهم، وقيل: أصله: أويل، فقلب، فوزنه: أفلع، قال الثعلبي: يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت: أولى لك، أي: قاربت العطب. وقوله تعالى: { طاعة وقول معروف } استئناف، أي: طاعة لله وللرسول، وقول معروف حسن خير لهم، أو: يكون حكاية قول المنافقين، أي: قالوا: أمرنا طاعة وقول معروف، قالوه نفاقا، فيكون خبرا عن مضمر، وقيل: " أولى ": مبتدأ، و " طاعة ": خبره، وهذا أحسن، وهو المشهور من استعمال " أولى " بمعنى: أحق وأصوب، أي: فالطاعة والقول المعروف أولى لهم وأصوب. { فإذا عزم الأمر } أي: فإذا جد الأمر ولزمهم القتال { فلو صدقوا الله } في الإيمان والطاعة { لكان } الصدق { خيرا لهم } من كراهة الجهاد، وقيل: جواب " إذا " وهو العامل فيها - محذوف، أي: فإذا عزم الأمر خالفوا أو تخلفوا، أو نافقوا، أو كرهوا. { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسداو في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أي: فلعلكم إن أعرضتم عن دين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاور والتناهب، وقطع الأرحام، بمقاتلة بعض الأقارب بعضا، أو: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض، تفاخرا على الملك، وتهالكا على الدنيا، فإن أحوالكم شاهدة بذلك من خراب الدين، والحرص على الدنيا.
قال في الحاشية الفاسية: والأشهر أنه من الولاية، أي: إن وليتم الحكم، وقد جاء حديث أنهم قريش أخذ الله عليهم إن ولوا أمر الناس ألا يفسدوا، ولا يقطعوا الأرحام، قاله ابن حجر. ه. وخبر " عسى ": " أن تفسدوا " والشرط اعتراض بين الاسم والخبر، والتقدير: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض إن توليتم. تقول: عسى يا فلان إن فعلت كذا أن يكون كذا، فهل عسيت أنت ذلك، أي: فهل توقعت ذلك؟ { أولئك } المذكورون، فالإشارة إلى المخاطبين، إيذانا بأن ذكر مساوئهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ، وخبره: { الذين لعنهم الله } أبعدهم عن رحمته، { فأصمهم } عن استماع الحق والموعظة لتصاممهم عنه بسوء اختيارهم، { وأعمى أبصارهم } لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق. { أفلا يتدبرون القرآن } فيعرفون ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، { أم على قلوب أقفالها } فلا يصل إليها وعظ أصلا، و " أم " منقطعة، وما فيها من معنى " بل " للانتقال من التوبيخ على عدم التدبر إلى الوبيخ بكون قلوبهم مقفلة، لا تقبل التدبر والتفكر، والهمزة للتقرير. وتنكير " قلوب " ، إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، بإبهام أمرها في الفساد والجهالة، كأنه قيل: قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقادر قدرها في القسوة، إما لأن المراد بها قلوب بعض منهم، وهم المنافقون، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها مخصوصة بها، مناسبة لها، غير مجانسة لسائر الأفعال المعهودة. قال القشيري: إذا تدبروا القرآن أفضى بهم إلى حس العرفان، وأزاحهم عن ظلمة التحير { أم على قلوب أقفالها } أقفل الحق على قلوب الكفار، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا تنبسط عليها شعاع العلم، ولا يحصل فيهم الخطاب، والباب إذا كان مقفلا، فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه، كذلك هي قلوب الكفار مقفلة فلا الكفر الذي فيها يخرج، ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل في قلوبهم. ه. وقال ابن عطية: هو الران الذي منعهم من الإيمان، ثم ذكر حكاية الشاب، وذلك أن وفد اليمن قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال الشاب: عليها أقفالها حتى يفتحها الله ويفرجها، قال عمر: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي الخلافة، فاستعان بذلك الفتى. ه. وفي الحديث:
" إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه، وجعل فيه اليقين ".
الإشارة: أهل التوجه والرياضة يفرحون بما ينزل بهم، مما يثقل على نفوسهم، كالفاقات والأزمات، وتسليط الخلق عليهم، وغير ذلك من النوائب لتموت نفوسهم فتحيا قلوبهم وأرواحهم بمعرفة الله، والذين في قلوبهم مرض كالوساوس والخواطر يفرون من ذلك، وينظرون - حين يرون أمارات ذلك - نظر المغشي عليه من الموت، فالأولى لهم الخضوع تحت مجاري الأقدار، والرضا والتسليم لأحكام الواحد القهار، فإذا عزم الأمر بالتوجه إلى جهاد النفس، أو بالسفر إلى من يداويها، فلو صدقوا في الطلب، وتوجهوا للطبيب، لكان خيرا لهم.
فهل عسيتم إن توليتم وأعرضتم عن ذلك، ولم تسافروا إلى الطبيب، أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي والغفلة، وتقطعوا أرحامكم، إذا لا يصل رحمه حقيقة إلا من صفا قلبه، ودخله الخوف والهيبة، أولئك الذي أبعدهم الله عن حضرته، فأصمهم عن سماع الداعي إلى الله، وأعمى أبصارهم عن رؤية خصوصيته، وأنوار معرفته، أفلا يتدبرون القرآن، فإن فيه علوم الظاهر والباطن، لكن إذا زالت عن القلوب الأقفال، وحاصلها أربعة: حب الدنيا، وحب الرئاسة، والانهماك في الحظوظ والشهوات، وكثرة العلائق والشواغل، فإن سلم من هذه صفا قلبه، وتجلت فيه أسرار معاني الذات والصفات، فيتدبر القرآن، ويغوص في بحر أسراره، ويستخرج يواقيته ودرره. وبالله التوفيق. ثم ذكر من رجع بعد التوجه، فقال: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم }.
محمد 47:24
يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة } فيها ذكر الجهاد، وذلك أن المؤمنين كان حرصهم على الجهاد يبعثهم على تمني ظهور الإسلام، وتمني قتال العدو، فكانوا يأنسوا بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك، { فإذا أنزلت سورة } في معنى الجهاد { محكمة } أي: مبينة غير متشابهة، لا تحتمل وجها إلا وجوب الجهاد. وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة لأن النسخ لا يرد عليها لأن القتال نسخ ما كان قبل من الصلح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. ه. { وذكر فيها القتال } أي: أمر فيها بالجهاد { رأيت الذين في قلوبهم مرض } نفاق، أي: رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها، { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } أي: تشخص أبصارهم جبنا وجزعا كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت. قال القشيري: كان المسلمون تضيق صدورهم لتأخر الوحي، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحي بسرعة، والمنافقون إذا ذكر القتال يكرهون ذلك لما كان يشق عليهم القتال، فكانوا بذلك يفتضحون وينظرون إليه نظر المغشي عليه من الموت أي: بغاية الكراهة لذلك، { فأولى لهم } تهديد، أي: الوعيد لهم ه. وقيل: المعنى: فويل لهم، وهو أفعل، من: الولي، وهو القرب، والمعنى: الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، ويقرب من ساحتهم، وقيل: أصله: أويل، فقلب، فوزنه: أفلع، قال الثعلبي: يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت: أولى لك، أي: قاربت العطب. وقوله تعالى: { طاعة وقول معروف } استئناف، أي: طاعة لله وللرسول، وقول معروف حسن خير لهم، أو: يكون حكاية قول المنافقين، أي: قالوا: أمرنا طاعة وقول معروف، قالوه نفاقا، فيكون خبرا عن مضمر، وقيل: " أولى ": مبتدأ، و " طاعة ": خبره، وهذا أحسن، وهو المشهور من استعمال " أولى " بمعنى: أحق وأصوب، أي: فالطاعة والقول المعروف أولى لهم وأصوب. { فإذا عزم الأمر } أي: فإذا جد الأمر ولزمهم القتال { فلو صدقوا الله } في الإيمان والطاعة { لكان } الصدق { خيرا لهم } من كراهة الجهاد، وقيل: جواب " إذا " وهو العامل فيها - محذوف، أي: فإذا عزم الأمر خالفوا أو تخلفوا، أو نافقوا، أو كرهوا. { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسداو في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أي: فلعلكم إن أعرضتم عن دين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاور والتناهب، وقطع الأرحام، بمقاتلة بعض الأقارب بعضا، أو: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض، تفاخرا على الملك، وتهالكا على الدنيا، فإن أحوالكم شاهدة بذلك من خراب الدين، والحرص على الدنيا.
قال في الحاشية الفاسية: والأشهر أنه من الولاية، أي: إن وليتم الحكم، وقد جاء حديث أنهم قريش أخذ الله عليهم إن ولوا أمر الناس ألا يفسدوا، ولا يقطعوا الأرحام، قاله ابن حجر. ه. وخبر " عسى ": " أن تفسدوا " والشرط اعتراض بين الاسم والخبر، والتقدير: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض إن توليتم. تقول: عسى يا فلان إن فعلت كذا أن يكون كذا، فهل عسيت أنت ذلك، أي: فهل توقعت ذلك؟ { أولئك } المذكورون، فالإشارة إلى المخاطبين، إيذانا بأن ذكر مساوئهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ، وخبره: { الذين لعنهم الله } أبعدهم عن رحمته، { فأصمهم } عن استماع الحق والموعظة لتصاممهم عنه بسوء اختيارهم، { وأعمى أبصارهم } لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق. { أفلا يتدبرون القرآن } فيعرفون ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، { أم على قلوب أقفالها } فلا يصل إليها وعظ أصلا، و " أم " منقطعة، وما فيها من معنى " بل " للانتقال من التوبيخ على عدم التدبر إلى الوبيخ بكون قلوبهم مقفلة، لا تقبل التدبر والتفكر، والهمزة للتقرير. وتنكير " قلوب " ، إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، بإبهام أمرها في الفساد والجهالة، كأنه قيل: قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقادر قدرها في القسوة، إما لأن المراد بها قلوب بعض منهم، وهم المنافقون، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها مخصوصة بها، مناسبة لها، غير مجانسة لسائر الأفعال المعهودة. قال القشيري: إذا تدبروا القرآن أفضى بهم إلى حس العرفان، وأزاحهم عن ظلمة التحير { أم على قلوب أقفالها } أقفل الحق على قلوب الكفار، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا تنبسط عليها شعاع العلم، ولا يحصل فيهم الخطاب، والباب إذا كان مقفلا، فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه، كذلك هي قلوب الكفار مقفلة فلا الكفر الذي فيها يخرج، ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل في قلوبهم. ه. وقال ابن عطية: هو الران الذي منعهم من الإيمان، ثم ذكر حكاية الشاب، وذلك أن وفد اليمن قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال الشاب: عليها أقفالها حتى يفتحها الله ويفرجها، قال عمر: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي الخلافة، فاستعان بذلك الفتى. ه. وفي الحديث:
" إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه، وجعل فيه اليقين ".
الإشارة: أهل التوجه والرياضة يفرحون بما ينزل بهم، مما يثقل على نفوسهم، كالفاقات والأزمات، وتسليط الخلق عليهم، وغير ذلك من النوائب لتموت نفوسهم فتحيا قلوبهم وأرواحهم بمعرفة الله، والذين في قلوبهم مرض كالوساوس والخواطر يفرون من ذلك، وينظرون - حين يرون أمارات ذلك - نظر المغشي عليه من الموت، فالأولى لهم الخضوع تحت مجاري الأقدار، والرضا والتسليم لأحكام الواحد القهار، فإذا عزم الأمر بالتوجه إلى جهاد النفس، أو بالسفر إلى من يداويها، فلو صدقوا في الطلب، وتوجهوا للطبيب، لكان خيرا لهم.
فهل عسيتم إن توليتم وأعرضتم عن ذلك، ولم تسافروا إلى الطبيب، أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي والغفلة، وتقطعوا أرحامكم، إذا لا يصل رحمه حقيقة إلا من صفا قلبه، ودخله الخوف والهيبة، أولئك الذي أبعدهم الله عن حضرته، فأصمهم عن سماع الداعي إلى الله، وأعمى أبصارهم عن رؤية خصوصيته، وأنوار معرفته، أفلا يتدبرون القرآن، فإن فيه علوم الظاهر والباطن، لكن إذا زالت عن القلوب الأقفال، وحاصلها أربعة: حب الدنيا، وحب الرئاسة، والانهماك في الحظوظ والشهوات، وكثرة العلائق والشواغل، فإن سلم من هذه صفا قلبه، وتجلت فيه أسرار معاني الذات والصفات، فيتدبر القرآن، ويغوص في بحر أسراره، ويستخرج يواقيته ودرره. وبالله التوفيق. ثم ذكر من رجع بعد التوجه، فقال: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم }.
محمد 47:25
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا إلا الكفر، وهم المنافقون، الذين وصفوا قبل بمرض القلوب، وغيره، من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به صلى الله عليه وسلم { من بعد ما تبين لهم الهدى } بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة. وقيل: اليهود، وقيل: أهل الكتابين جميعا، كفروا به صلى الله عليه وسلم بعدما وجدوا نعته في كتابهم، وعرفوا أنه المنعوت بذلك، وقوله تعالى: { الشيطان سول لهم } الجملة: خبر " إن " أي: الشيطان زين لهم ذلك، أو: سهل لهم ركوب العظائم، من: السول، وهو الاسترخاء، أي: أرخى العنان لهم، حتى جرهم إلى مراده، { وأملى لهم } ومد لهم في الآمال والأماني، وقرأ البصري: " وأملي " بالبناء للمفعول، أي: أمهلوا ومد في عمرهم. { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } الإشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم، لا إلى الإملاء، ولا إلى التسويل - كما قيل - إذ ليس شيئا منهما سببا في القول الآتي أي: ذلك الارتداد بسبب أنهم - أي المنافقون - قالوا لليهود الذين كرهوا ما نزل الله من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما علموا أنه من عند الله حسدا وطمعا في نزوله عليهم: { سنطيعكم في بعض الأمر } أي: عداوة محمد والقعود عن نصر دينه، أو: في نصرهم والدفع عنهم إن نزل بهم شيء، من قبله عليه السلام، وهو الذي حكاه عنهم بقوله تعالى:
ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم...
[الحشر: 11] الآية وهم بنو قريظة والنضير، الذين كانوا يوالونهم ويوادونهم، وإنما كانوا يقولون لهم ذلك سرا، كما ينبئ عنه قوله تعالى: { والله يعلم أسرارهم } أي: جميع أسرارهم التي من جملتها: قولهم هذا، وقرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدر، أي: إخفاءهم لما يقولون لليهود. { فكيف } تكون حيلتهم وما يصنعون { إذا توفتهم الملائكة } حال كونهم { يضربون وجوههم وأدبارهم } وهو تصوير لحال توفيهم على أهول الوجوه وأفظعها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: " لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة وجهه ودبره ". { ذلك } التوفي الهائل { بأنهم } بسبب أنهم { اتبعوا ما أسخط الله } من الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة، { وكرهوا رضوانه } من الطاعة والإيمان ونصر المؤمنين، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي عملوها حال الإيمان وبعد الارتداد، من أعمال البر. { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشينعة، { أن لن يخرج الله أضغانهم } أحقادهم، ف " أم " منقطعة، و " أن " مخففة، واسمها: ضمير الشأن، أي: أظن المنافقون الذين في قلوبهم حقد وعداوة أنه لن يخرج الله أحقادهم، ولن يبرزها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فيبقي أمورهم مستورة؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال.
{ ولو نشاء لأريناكهم } ودللناك عليهم بأمارات، حتى تعرفهم بأعينهم، معرفة مزاحمة للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة، وفي مسند أحمد، عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
" إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين "
انظر الطيبي. { فلعرفتهم بسيماهم } بعلامتهم التي نسمهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما خفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين، يشكرهم الناس فناموا، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق " قال ابن زيد: قصد الله إظهارهم، وأمرهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله، فحقنت دماءهم، ونكحوا ونكح منهم بها. { ولتعرفنهم } أي: والله لتعرفنهم { في لحن القول } أي: مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال لما فيه من التذويق والتشديق، وقد كانت ألسنتهم حادة، وقلوبهم خاربة، كما قال تعالى:
ومن الناس من يعجبك قوله...
[البقرة: 204] الآية، من في قلبه شيء لا بد أن يظهر على لسانه، كما قيل: " ما كمن فيك ظهر على فيك ". وهذه الجمل كلها داخلة تحت " لو " معلقة بالمشيئة، واللحن يطلق على وجهين: صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لحن يلحن لحنا، كفرح، فهو لحن، إذا فطن للشيء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " أي: لقوته على تصريف الكلام. والفعل من الخطأ: لحن يلحن لحنا، كجعل، فهو لاحن إذا أخطأ، والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته، مأخوذ من: اللحن، وهو ضد الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام. { والله يعلم أعمالكم } فيجازيكم بحسب قصدكم إذا الأعمال بالنيات، وهذا وعد للمؤمنين، وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين، أو: يعلم جميع أعمال العباد، فيميز خيرها من شرها. الإشارة: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرار خصوصيتهم الشيطان سول لهم وأملى لهم، وتقدم عن القشيري: أنه يتخلف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألف عارف، بل من كمال المكر به أن يلقي شبهه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين محيت صورته، ورفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران. وقال هنا: الذي طلع فجر قلبه وتلألأ نور التوحيد فيه، ثم ارتد قبل طلوع نهار إيمانه انكسف شمس يومه، وأظلم نهار عرفانه، ودجا ليل شكه، وغابت نجوم عقله، فحدث عن ظلماتهم ولا حرج.
ه. ولا سيما إذا تحزب مع العامة في الإذاية، وقال للذين كرهوا ما نزل الله على أهل الخصوصية من الأسرار: سنطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } أي: عداوة لأولياء الله أن لن يخرج الله أضغانهم؟ بل يخرجها ويظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول } في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام لأن الأسرة تدل على السريرة، وما خامر القلوب فعلى الوجوه يلوح، وأنشدوا في المعنى:
لست من ليس يدري ما هوان من كرامه إن للحب وللبغض على الوجه علامه
المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بعين التحقيق، والموحد ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. ه. من القشيري. ثم ذكر اختباره لأهل الصدق، فقال: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين }.
محمد 47:26
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا إلا الكفر، وهم المنافقون، الذين وصفوا قبل بمرض القلوب، وغيره، من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به صلى الله عليه وسلم { من بعد ما تبين لهم الهدى } بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة. وقيل: اليهود، وقيل: أهل الكتابين جميعا، كفروا به صلى الله عليه وسلم بعدما وجدوا نعته في كتابهم، وعرفوا أنه المنعوت بذلك، وقوله تعالى: { الشيطان سول لهم } الجملة: خبر " إن " أي: الشيطان زين لهم ذلك، أو: سهل لهم ركوب العظائم، من: السول، وهو الاسترخاء، أي: أرخى العنان لهم، حتى جرهم إلى مراده، { وأملى لهم } ومد لهم في الآمال والأماني، وقرأ البصري: " وأملي " بالبناء للمفعول، أي: أمهلوا ومد في عمرهم. { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } الإشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم، لا إلى الإملاء، ولا إلى التسويل - كما قيل - إذ ليس شيئا منهما سببا في القول الآتي أي: ذلك الارتداد بسبب أنهم - أي المنافقون - قالوا لليهود الذين كرهوا ما نزل الله من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما علموا أنه من عند الله حسدا وطمعا في نزوله عليهم: { سنطيعكم في بعض الأمر } أي: عداوة محمد والقعود عن نصر دينه، أو: في نصرهم والدفع عنهم إن نزل بهم شيء، من قبله عليه السلام، وهو الذي حكاه عنهم بقوله تعالى:
ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم...
[الحشر: 11] الآية وهم بنو قريظة والنضير، الذين كانوا يوالونهم ويوادونهم، وإنما كانوا يقولون لهم ذلك سرا، كما ينبئ عنه قوله تعالى: { والله يعلم أسرارهم } أي: جميع أسرارهم التي من جملتها: قولهم هذا، وقرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدر، أي: إخفاءهم لما يقولون لليهود. { فكيف } تكون حيلتهم وما يصنعون { إذا توفتهم الملائكة } حال كونهم { يضربون وجوههم وأدبارهم } وهو تصوير لحال توفيهم على أهول الوجوه وأفظعها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: " لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة وجهه ودبره ". { ذلك } التوفي الهائل { بأنهم } بسبب أنهم { اتبعوا ما أسخط الله } من الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة، { وكرهوا رضوانه } من الطاعة والإيمان ونصر المؤمنين، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي عملوها حال الإيمان وبعد الارتداد، من أعمال البر. { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشينعة، { أن لن يخرج الله أضغانهم } أحقادهم، ف " أم " منقطعة، و " أن " مخففة، واسمها: ضمير الشأن، أي: أظن المنافقون الذين في قلوبهم حقد وعداوة أنه لن يخرج الله أحقادهم، ولن يبرزها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فيبقي أمورهم مستورة؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال.
{ ولو نشاء لأريناكهم } ودللناك عليهم بأمارات، حتى تعرفهم بأعينهم، معرفة مزاحمة للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة، وفي مسند أحمد، عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
" إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين "
انظر الطيبي. { فلعرفتهم بسيماهم } بعلامتهم التي نسمهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما خفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين، يشكرهم الناس فناموا، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق " قال ابن زيد: قصد الله إظهارهم، وأمرهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله، فحقنت دماءهم، ونكحوا ونكح منهم بها. { ولتعرفنهم } أي: والله لتعرفنهم { في لحن القول } أي: مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال لما فيه من التذويق والتشديق، وقد كانت ألسنتهم حادة، وقلوبهم خاربة، كما قال تعالى:
ومن الناس من يعجبك قوله...
[البقرة: 204] الآية، من في قلبه شيء لا بد أن يظهر على لسانه، كما قيل: " ما كمن فيك ظهر على فيك ". وهذه الجمل كلها داخلة تحت " لو " معلقة بالمشيئة، واللحن يطلق على وجهين: صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لحن يلحن لحنا، كفرح، فهو لحن، إذا فطن للشيء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " أي: لقوته على تصريف الكلام. والفعل من الخطأ: لحن يلحن لحنا، كجعل، فهو لاحن إذا أخطأ، والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته، مأخوذ من: اللحن، وهو ضد الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام. { والله يعلم أعمالكم } فيجازيكم بحسب قصدكم إذا الأعمال بالنيات، وهذا وعد للمؤمنين، وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين، أو: يعلم جميع أعمال العباد، فيميز خيرها من شرها. الإشارة: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرار خصوصيتهم الشيطان سول لهم وأملى لهم، وتقدم عن القشيري: أنه يتخلف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألف عارف، بل من كمال المكر به أن يلقي شبهه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين محيت صورته، ورفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران. وقال هنا: الذي طلع فجر قلبه وتلألأ نور التوحيد فيه، ثم ارتد قبل طلوع نهار إيمانه انكسف شمس يومه، وأظلم نهار عرفانه، ودجا ليل شكه، وغابت نجوم عقله، فحدث عن ظلماتهم ولا حرج.
ه. ولا سيما إذا تحزب مع العامة في الإذاية، وقال للذين كرهوا ما نزل الله على أهل الخصوصية من الأسرار: سنطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } أي: عداوة لأولياء الله أن لن يخرج الله أضغانهم؟ بل يخرجها ويظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول } في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام لأن الأسرة تدل على السريرة، وما خامر القلوب فعلى الوجوه يلوح، وأنشدوا في المعنى:
لست من ليس يدري ما هوان من كرامه إن للحب وللبغض على الوجه علامه
المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بعين التحقيق، والموحد ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. ه. من القشيري. ثم ذكر اختباره لأهل الصدق، فقال: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين }.
محمد 47:27
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا إلا الكفر، وهم المنافقون، الذين وصفوا قبل بمرض القلوب، وغيره، من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به صلى الله عليه وسلم { من بعد ما تبين لهم الهدى } بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة. وقيل: اليهود، وقيل: أهل الكتابين جميعا، كفروا به صلى الله عليه وسلم بعدما وجدوا نعته في كتابهم، وعرفوا أنه المنعوت بذلك، وقوله تعالى: { الشيطان سول لهم } الجملة: خبر " إن " أي: الشيطان زين لهم ذلك، أو: سهل لهم ركوب العظائم، من: السول، وهو الاسترخاء، أي: أرخى العنان لهم، حتى جرهم إلى مراده، { وأملى لهم } ومد لهم في الآمال والأماني، وقرأ البصري: " وأملي " بالبناء للمفعول، أي: أمهلوا ومد في عمرهم. { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } الإشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم، لا إلى الإملاء، ولا إلى التسويل - كما قيل - إذ ليس شيئا منهما سببا في القول الآتي أي: ذلك الارتداد بسبب أنهم - أي المنافقون - قالوا لليهود الذين كرهوا ما نزل الله من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما علموا أنه من عند الله حسدا وطمعا في نزوله عليهم: { سنطيعكم في بعض الأمر } أي: عداوة محمد والقعود عن نصر دينه، أو: في نصرهم والدفع عنهم إن نزل بهم شيء، من قبله عليه السلام، وهو الذي حكاه عنهم بقوله تعالى:
ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم...
[الحشر: 11] الآية وهم بنو قريظة والنضير، الذين كانوا يوالونهم ويوادونهم، وإنما كانوا يقولون لهم ذلك سرا، كما ينبئ عنه قوله تعالى: { والله يعلم أسرارهم } أي: جميع أسرارهم التي من جملتها: قولهم هذا، وقرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدر، أي: إخفاءهم لما يقولون لليهود. { فكيف } تكون حيلتهم وما يصنعون { إذا توفتهم الملائكة } حال كونهم { يضربون وجوههم وأدبارهم } وهو تصوير لحال توفيهم على أهول الوجوه وأفظعها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: " لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة وجهه ودبره ". { ذلك } التوفي الهائل { بأنهم } بسبب أنهم { اتبعوا ما أسخط الله } من الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة، { وكرهوا رضوانه } من الطاعة والإيمان ونصر المؤمنين، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي عملوها حال الإيمان وبعد الارتداد، من أعمال البر. { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشينعة، { أن لن يخرج الله أضغانهم } أحقادهم، ف " أم " منقطعة، و " أن " مخففة، واسمها: ضمير الشأن، أي: أظن المنافقون الذين في قلوبهم حقد وعداوة أنه لن يخرج الله أحقادهم، ولن يبرزها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فيبقي أمورهم مستورة؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال.
{ ولو نشاء لأريناكهم } ودللناك عليهم بأمارات، حتى تعرفهم بأعينهم، معرفة مزاحمة للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة، وفي مسند أحمد، عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
" إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين "
انظر الطيبي. { فلعرفتهم بسيماهم } بعلامتهم التي نسمهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما خفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين، يشكرهم الناس فناموا، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق " قال ابن زيد: قصد الله إظهارهم، وأمرهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله، فحقنت دماءهم، ونكحوا ونكح منهم بها. { ولتعرفنهم } أي: والله لتعرفنهم { في لحن القول } أي: مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال لما فيه من التذويق والتشديق، وقد كانت ألسنتهم حادة، وقلوبهم خاربة، كما قال تعالى:
ومن الناس من يعجبك قوله...
[البقرة: 204] الآية، من في قلبه شيء لا بد أن يظهر على لسانه، كما قيل: " ما كمن فيك ظهر على فيك ". وهذه الجمل كلها داخلة تحت " لو " معلقة بالمشيئة، واللحن يطلق على وجهين: صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لحن يلحن لحنا، كفرح، فهو لحن، إذا فطن للشيء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " أي: لقوته على تصريف الكلام. والفعل من الخطأ: لحن يلحن لحنا، كجعل، فهو لاحن إذا أخطأ، والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته، مأخوذ من: اللحن، وهو ضد الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام. { والله يعلم أعمالكم } فيجازيكم بحسب قصدكم إذا الأعمال بالنيات، وهذا وعد للمؤمنين، وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين، أو: يعلم جميع أعمال العباد، فيميز خيرها من شرها. الإشارة: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرار خصوصيتهم الشيطان سول لهم وأملى لهم، وتقدم عن القشيري: أنه يتخلف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألف عارف، بل من كمال المكر به أن يلقي شبهه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين محيت صورته، ورفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران. وقال هنا: الذي طلع فجر قلبه وتلألأ نور التوحيد فيه، ثم ارتد قبل طلوع نهار إيمانه انكسف شمس يومه، وأظلم نهار عرفانه، ودجا ليل شكه، وغابت نجوم عقله، فحدث عن ظلماتهم ولا حرج.
ه. ولا سيما إذا تحزب مع العامة في الإذاية، وقال للذين كرهوا ما نزل الله على أهل الخصوصية من الأسرار: سنطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } أي: عداوة لأولياء الله أن لن يخرج الله أضغانهم؟ بل يخرجها ويظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول } في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام لأن الأسرة تدل على السريرة، وما خامر القلوب فعلى الوجوه يلوح، وأنشدوا في المعنى:
لست من ليس يدري ما هوان من كرامه إن للحب وللبغض على الوجه علامه
المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بعين التحقيق، والموحد ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. ه. من القشيري. ثم ذكر اختباره لأهل الصدق، فقال: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين }.
محمد 47:28
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا إلا الكفر، وهم المنافقون، الذين وصفوا قبل بمرض القلوب، وغيره، من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به صلى الله عليه وسلم { من بعد ما تبين لهم الهدى } بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة. وقيل: اليهود، وقيل: أهل الكتابين جميعا، كفروا به صلى الله عليه وسلم بعدما وجدوا نعته في كتابهم، وعرفوا أنه المنعوت بذلك، وقوله تعالى: { الشيطان سول لهم } الجملة: خبر " إن " أي: الشيطان زين لهم ذلك، أو: سهل لهم ركوب العظائم، من: السول، وهو الاسترخاء، أي: أرخى العنان لهم، حتى جرهم إلى مراده، { وأملى لهم } ومد لهم في الآمال والأماني، وقرأ البصري: " وأملي " بالبناء للمفعول، أي: أمهلوا ومد في عمرهم. { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } الإشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم، لا إلى الإملاء، ولا إلى التسويل - كما قيل - إذ ليس شيئا منهما سببا في القول الآتي أي: ذلك الارتداد بسبب أنهم - أي المنافقون - قالوا لليهود الذين كرهوا ما نزل الله من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما علموا أنه من عند الله حسدا وطمعا في نزوله عليهم: { سنطيعكم في بعض الأمر } أي: عداوة محمد والقعود عن نصر دينه، أو: في نصرهم والدفع عنهم إن نزل بهم شيء، من قبله عليه السلام، وهو الذي حكاه عنهم بقوله تعالى:
ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم...
[الحشر: 11] الآية وهم بنو قريظة والنضير، الذين كانوا يوالونهم ويوادونهم، وإنما كانوا يقولون لهم ذلك سرا، كما ينبئ عنه قوله تعالى: { والله يعلم أسرارهم } أي: جميع أسرارهم التي من جملتها: قولهم هذا، وقرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدر، أي: إخفاءهم لما يقولون لليهود. { فكيف } تكون حيلتهم وما يصنعون { إذا توفتهم الملائكة } حال كونهم { يضربون وجوههم وأدبارهم } وهو تصوير لحال توفيهم على أهول الوجوه وأفظعها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: " لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة وجهه ودبره ". { ذلك } التوفي الهائل { بأنهم } بسبب أنهم { اتبعوا ما أسخط الله } من الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة، { وكرهوا رضوانه } من الطاعة والإيمان ونصر المؤمنين، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي عملوها حال الإيمان وبعد الارتداد، من أعمال البر. { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشينعة، { أن لن يخرج الله أضغانهم } أحقادهم، ف " أم " منقطعة، و " أن " مخففة، واسمها: ضمير الشأن، أي: أظن المنافقون الذين في قلوبهم حقد وعداوة أنه لن يخرج الله أحقادهم، ولن يبرزها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فيبقي أمورهم مستورة؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال.
{ ولو نشاء لأريناكهم } ودللناك عليهم بأمارات، حتى تعرفهم بأعينهم، معرفة مزاحمة للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة، وفي مسند أحمد، عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
" إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين "
انظر الطيبي. { فلعرفتهم بسيماهم } بعلامتهم التي نسمهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما خفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين، يشكرهم الناس فناموا، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق " قال ابن زيد: قصد الله إظهارهم، وأمرهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله، فحقنت دماءهم، ونكحوا ونكح منهم بها. { ولتعرفنهم } أي: والله لتعرفنهم { في لحن القول } أي: مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال لما فيه من التذويق والتشديق، وقد كانت ألسنتهم حادة، وقلوبهم خاربة، كما قال تعالى:
ومن الناس من يعجبك قوله...
[البقرة: 204] الآية، من في قلبه شيء لا بد أن يظهر على لسانه، كما قيل: " ما كمن فيك ظهر على فيك ". وهذه الجمل كلها داخلة تحت " لو " معلقة بالمشيئة، واللحن يطلق على وجهين: صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لحن يلحن لحنا، كفرح، فهو لحن، إذا فطن للشيء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " أي: لقوته على تصريف الكلام. والفعل من الخطأ: لحن يلحن لحنا، كجعل، فهو لاحن إذا أخطأ، والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته، مأخوذ من: اللحن، وهو ضد الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام. { والله يعلم أعمالكم } فيجازيكم بحسب قصدكم إذا الأعمال بالنيات، وهذا وعد للمؤمنين، وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين، أو: يعلم جميع أعمال العباد، فيميز خيرها من شرها. الإشارة: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرار خصوصيتهم الشيطان سول لهم وأملى لهم، وتقدم عن القشيري: أنه يتخلف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألف عارف، بل من كمال المكر به أن يلقي شبهه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين محيت صورته، ورفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران. وقال هنا: الذي طلع فجر قلبه وتلألأ نور التوحيد فيه، ثم ارتد قبل طلوع نهار إيمانه انكسف شمس يومه، وأظلم نهار عرفانه، ودجا ليل شكه، وغابت نجوم عقله، فحدث عن ظلماتهم ولا حرج.
ه. ولا سيما إذا تحزب مع العامة في الإذاية، وقال للذين كرهوا ما نزل الله على أهل الخصوصية من الأسرار: سنطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } أي: عداوة لأولياء الله أن لن يخرج الله أضغانهم؟ بل يخرجها ويظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول } في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام لأن الأسرة تدل على السريرة، وما خامر القلوب فعلى الوجوه يلوح، وأنشدوا في المعنى:
لست من ليس يدري ما هوان من كرامه إن للحب وللبغض على الوجه علامه
المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بعين التحقيق، والموحد ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. ه. من القشيري. ثم ذكر اختباره لأهل الصدق، فقال: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين }.
محمد 47:29
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا إلا الكفر، وهم المنافقون، الذين وصفوا قبل بمرض القلوب، وغيره، من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به صلى الله عليه وسلم { من بعد ما تبين لهم الهدى } بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة. وقيل: اليهود، وقيل: أهل الكتابين جميعا، كفروا به صلى الله عليه وسلم بعدما وجدوا نعته في كتابهم، وعرفوا أنه المنعوت بذلك، وقوله تعالى: { الشيطان سول لهم } الجملة: خبر " إن " أي: الشيطان زين لهم ذلك، أو: سهل لهم ركوب العظائم، من: السول، وهو الاسترخاء، أي: أرخى العنان لهم، حتى جرهم إلى مراده، { وأملى لهم } ومد لهم في الآمال والأماني، وقرأ البصري: " وأملي " بالبناء للمفعول، أي: أمهلوا ومد في عمرهم. { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } الإشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم، لا إلى الإملاء، ولا إلى التسويل - كما قيل - إذ ليس شيئا منهما سببا في القول الآتي أي: ذلك الارتداد بسبب أنهم - أي المنافقون - قالوا لليهود الذين كرهوا ما نزل الله من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما علموا أنه من عند الله حسدا وطمعا في نزوله عليهم: { سنطيعكم في بعض الأمر } أي: عداوة محمد والقعود عن نصر دينه، أو: في نصرهم والدفع عنهم إن نزل بهم شيء، من قبله عليه السلام، وهو الذي حكاه عنهم بقوله تعالى:
ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم...
[الحشر: 11] الآية وهم بنو قريظة والنضير، الذين كانوا يوالونهم ويوادونهم، وإنما كانوا يقولون لهم ذلك سرا، كما ينبئ عنه قوله تعالى: { والله يعلم أسرارهم } أي: جميع أسرارهم التي من جملتها: قولهم هذا، وقرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدر، أي: إخفاءهم لما يقولون لليهود. { فكيف } تكون حيلتهم وما يصنعون { إذا توفتهم الملائكة } حال كونهم { يضربون وجوههم وأدبارهم } وهو تصوير لحال توفيهم على أهول الوجوه وأفظعها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: " لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة وجهه ودبره ". { ذلك } التوفي الهائل { بأنهم } بسبب أنهم { اتبعوا ما أسخط الله } من الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة، { وكرهوا رضوانه } من الطاعة والإيمان ونصر المؤمنين، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي عملوها حال الإيمان وبعد الارتداد، من أعمال البر. { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشينعة، { أن لن يخرج الله أضغانهم } أحقادهم، ف " أم " منقطعة، و " أن " مخففة، واسمها: ضمير الشأن، أي: أظن المنافقون الذين في قلوبهم حقد وعداوة أنه لن يخرج الله أحقادهم، ولن يبرزها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فيبقي أمورهم مستورة؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال.
{ ولو نشاء لأريناكهم } ودللناك عليهم بأمارات، حتى تعرفهم بأعينهم، معرفة مزاحمة للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة، وفي مسند أحمد، عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
" إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين "
انظر الطيبي. { فلعرفتهم بسيماهم } بعلامتهم التي نسمهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما خفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين، يشكرهم الناس فناموا، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق " قال ابن زيد: قصد الله إظهارهم، وأمرهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله، فحقنت دماءهم، ونكحوا ونكح منهم بها. { ولتعرفنهم } أي: والله لتعرفنهم { في لحن القول } أي: مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال لما فيه من التذويق والتشديق، وقد كانت ألسنتهم حادة، وقلوبهم خاربة، كما قال تعالى:
ومن الناس من يعجبك قوله...
[البقرة: 204] الآية، من في قلبه شيء لا بد أن يظهر على لسانه، كما قيل: " ما كمن فيك ظهر على فيك ". وهذه الجمل كلها داخلة تحت " لو " معلقة بالمشيئة، واللحن يطلق على وجهين: صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لحن يلحن لحنا، كفرح، فهو لحن، إذا فطن للشيء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " أي: لقوته على تصريف الكلام. والفعل من الخطأ: لحن يلحن لحنا، كجعل، فهو لاحن إذا أخطأ، والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته، مأخوذ من: اللحن، وهو ضد الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام. { والله يعلم أعمالكم } فيجازيكم بحسب قصدكم إذا الأعمال بالنيات، وهذا وعد للمؤمنين، وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين، أو: يعلم جميع أعمال العباد، فيميز خيرها من شرها. الإشارة: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرار خصوصيتهم الشيطان سول لهم وأملى لهم، وتقدم عن القشيري: أنه يتخلف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألف عارف، بل من كمال المكر به أن يلقي شبهه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين محيت صورته، ورفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران. وقال هنا: الذي طلع فجر قلبه وتلألأ نور التوحيد فيه، ثم ارتد قبل طلوع نهار إيمانه انكسف شمس يومه، وأظلم نهار عرفانه، ودجا ليل شكه، وغابت نجوم عقله، فحدث عن ظلماتهم ولا حرج.
ه. ولا سيما إذا تحزب مع العامة في الإذاية، وقال للذين كرهوا ما نزل الله على أهل الخصوصية من الأسرار: سنطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } أي: عداوة لأولياء الله أن لن يخرج الله أضغانهم؟ بل يخرجها ويظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول } في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام لأن الأسرة تدل على السريرة، وما خامر القلوب فعلى الوجوه يلوح، وأنشدوا في المعنى:
لست من ليس يدري ما هوان من كرامه إن للحب وللبغض على الوجه علامه
المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بعين التحقيق، والموحد ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. ه. من القشيري. ثم ذكر اختباره لأهل الصدق، فقال: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين }.
محمد 47:30
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا إلا الكفر، وهم المنافقون، الذين وصفوا قبل بمرض القلوب، وغيره، من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به صلى الله عليه وسلم { من بعد ما تبين لهم الهدى } بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة. وقيل: اليهود، وقيل: أهل الكتابين جميعا، كفروا به صلى الله عليه وسلم بعدما وجدوا نعته في كتابهم، وعرفوا أنه المنعوت بذلك، وقوله تعالى: { الشيطان سول لهم } الجملة: خبر " إن " أي: الشيطان زين لهم ذلك، أو: سهل لهم ركوب العظائم، من: السول، وهو الاسترخاء، أي: أرخى العنان لهم، حتى جرهم إلى مراده، { وأملى لهم } ومد لهم في الآمال والأماني، وقرأ البصري: " وأملي " بالبناء للمفعول، أي: أمهلوا ومد في عمرهم. { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } الإشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم، لا إلى الإملاء، ولا إلى التسويل - كما قيل - إذ ليس شيئا منهما سببا في القول الآتي أي: ذلك الارتداد بسبب أنهم - أي المنافقون - قالوا لليهود الذين كرهوا ما نزل الله من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما علموا أنه من عند الله حسدا وطمعا في نزوله عليهم: { سنطيعكم في بعض الأمر } أي: عداوة محمد والقعود عن نصر دينه، أو: في نصرهم والدفع عنهم إن نزل بهم شيء، من قبله عليه السلام، وهو الذي حكاه عنهم بقوله تعالى:
ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم...
[الحشر: 11] الآية وهم بنو قريظة والنضير، الذين كانوا يوالونهم ويوادونهم، وإنما كانوا يقولون لهم ذلك سرا، كما ينبئ عنه قوله تعالى: { والله يعلم أسرارهم } أي: جميع أسرارهم التي من جملتها: قولهم هذا، وقرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدر، أي: إخفاءهم لما يقولون لليهود. { فكيف } تكون حيلتهم وما يصنعون { إذا توفتهم الملائكة } حال كونهم { يضربون وجوههم وأدبارهم } وهو تصوير لحال توفيهم على أهول الوجوه وأفظعها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: " لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة وجهه ودبره ". { ذلك } التوفي الهائل { بأنهم } بسبب أنهم { اتبعوا ما أسخط الله } من الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة، { وكرهوا رضوانه } من الطاعة والإيمان ونصر المؤمنين، { فأحبط } لأجل ذلك { أعمالهم } التي عملوها حال الإيمان وبعد الارتداد، من أعمال البر. { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشينعة، { أن لن يخرج الله أضغانهم } أحقادهم، ف " أم " منقطعة، و " أن " مخففة، واسمها: ضمير الشأن، أي: أظن المنافقون الذين في قلوبهم حقد وعداوة أنه لن يخرج الله أحقادهم، ولن يبرزها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فيبقي أمورهم مستورة؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال.
{ ولو نشاء لأريناكهم } ودللناك عليهم بأمارات، حتى تعرفهم بأعينهم، معرفة مزاحمة للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة، وفي مسند أحمد، عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
" إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين "
انظر الطيبي. { فلعرفتهم بسيماهم } بعلامتهم التي نسمهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما خفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين، يشكرهم الناس فناموا، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق " قال ابن زيد: قصد الله إظهارهم، وأمرهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله، فحقنت دماءهم، ونكحوا ونكح منهم بها. { ولتعرفنهم } أي: والله لتعرفنهم { في لحن القول } أي: مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال لما فيه من التذويق والتشديق، وقد كانت ألسنتهم حادة، وقلوبهم خاربة، كما قال تعالى:
ومن الناس من يعجبك قوله...
[البقرة: 204] الآية، من في قلبه شيء لا بد أن يظهر على لسانه، كما قيل: " ما كمن فيك ظهر على فيك ". وهذه الجمل كلها داخلة تحت " لو " معلقة بالمشيئة، واللحن يطلق على وجهين: صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لحن يلحن لحنا، كفرح، فهو لحن، إذا فطن للشيء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " أي: لقوته على تصريف الكلام. والفعل من الخطأ: لحن يلحن لحنا، كجعل، فهو لاحن إذا أخطأ، والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته، مأخوذ من: اللحن، وهو ضد الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام. { والله يعلم أعمالكم } فيجازيكم بحسب قصدكم إذا الأعمال بالنيات، وهذا وعد للمؤمنين، وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين، أو: يعلم جميع أعمال العباد، فيميز خيرها من شرها. الإشارة: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي: رجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرار خصوصيتهم الشيطان سول لهم وأملى لهم، وتقدم عن القشيري: أنه يتخلف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألف عارف، بل من كمال المكر به أن يلقي شبهه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين محيت صورته، ورفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران. وقال هنا: الذي طلع فجر قلبه وتلألأ نور التوحيد فيه، ثم ارتد قبل طلوع نهار إيمانه انكسف شمس يومه، وأظلم نهار عرفانه، ودجا ليل شكه، وغابت نجوم عقله، فحدث عن ظلماتهم ولا حرج.
ه. ولا سيما إذا تحزب مع العامة في الإذاية، وقال للذين كرهوا ما نزل الله على أهل الخصوصية من الأسرار: سنطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } أي: عداوة لأولياء الله أن لن يخرج الله أضغانهم؟ بل يخرجها ويظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول } في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام لأن الأسرة تدل على السريرة، وما خامر القلوب فعلى الوجوه يلوح، وأنشدوا في المعنى:
لست من ليس يدري ما هوان من كرامه إن للحب وللبغض على الوجه علامه
المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بعين التحقيق، والموحد ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. ه. من القشيري. ثم ذكر اختباره لأهل الصدق، فقال: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين }.
محمد 47:31
يقول الحق جل جلاله: { ولنبلونكم } أي: والله لنختبرنكم بالأمر بالجهاد، ونحوه من التكاليف الشاقة، أي: نعاملكم معاملة المختبر ليكون أبلغ في أظهار العدل، { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } على مشاق الجهاد والتكاليف، علما ظاهرا، يتعلق به الجزاء بعد تعلق العلم به في الأزل، { ونبلو أخباركم } أي: ونختبر أسراركم بإظهار ما فيها من خير أو شر، بالنهوض أو التخلف، وقيل: أراد بأخباركم: أعمالكم، عبر بالأخبار عن الأعمال على سبيل الكناية لأن الإخبار تابع لوجود المخبر عنه، إن كان الخبر حسنا كان المخبر عنه - وهو العمل - حسنا، وإن كان الخبر قبيحا فالمخبر عنه قبيح. ه. { إن الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله وشاقوا الرسول } أي: عادوه { من بعد ما تبين لهم الهدى } بما شاهدوا من نعته في التوراة، وبما ظهر على يديه من المعجزات، ونزل من الآيات، وهم بنو قريظة والنضير، أو: المطعمون يوم بدر من رؤساء قريش، { لن يضروا } بكفرهم وصدهم { الله شيئا } من الأشياء، أو: شيئا من الصد، أو: لن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته، وقد حذف المضاف لتعظيم شأنه وتعظيم مشاقته. { وسيحبط أعمالهم } أي: مكائدهم التي نصبوها في إبطال دينه تعالى، ومشاقة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يصلون بها إلى ما كانوا يبغون من الغوائل، ولا يثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. الإشارة: قال القشيري: في الابتلاء والامتحان يتبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص، ويفتضح الممارق، وينكشف المنافق. ه. وكان الفضيل إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا. ه. ويبغي أن يزيد: وإن بلوتنا فأيدنا، وبالله التوفيق. إن الذين جحدوا وصدوا الناس عن طريق الوصول، وخرجوا عن مناهج السنة، لن يضروا الله شيئا فإن لله رجالا يقومون بالدعوة، لا يضرهم من عاداهم، حتى يأتي أمر الله، وسيحبط أعمال الصادين المعوقين، فلا ينهضون إلى الله نهوض الرجال، بشؤم انتقادهم. والله تعالى أعلم. ولما ذم الذين كرهوا الجهاد، أمر المؤمنين بالطاعة فيه، وألا يكونوا أمثال أولئك، فقال: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول }.
محمد 47:32
يقول الحق جل جلاله: { ولنبلونكم } أي: والله لنختبرنكم بالأمر بالجهاد، ونحوه من التكاليف الشاقة، أي: نعاملكم معاملة المختبر ليكون أبلغ في أظهار العدل، { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } على مشاق الجهاد والتكاليف، علما ظاهرا، يتعلق به الجزاء بعد تعلق العلم به في الأزل، { ونبلو أخباركم } أي: ونختبر أسراركم بإظهار ما فيها من خير أو شر، بالنهوض أو التخلف، وقيل: أراد بأخباركم: أعمالكم، عبر بالأخبار عن الأعمال على سبيل الكناية لأن الإخبار تابع لوجود المخبر عنه، إن كان الخبر حسنا كان المخبر عنه - وهو العمل - حسنا، وإن كان الخبر قبيحا فالمخبر عنه قبيح. ه. { إن الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله وشاقوا الرسول } أي: عادوه { من بعد ما تبين لهم الهدى } بما شاهدوا من نعته في التوراة، وبما ظهر على يديه من المعجزات، ونزل من الآيات، وهم بنو قريظة والنضير، أو: المطعمون يوم بدر من رؤساء قريش، { لن يضروا } بكفرهم وصدهم { الله شيئا } من الأشياء، أو: شيئا من الصد، أو: لن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته، وقد حذف المضاف لتعظيم شأنه وتعظيم مشاقته. { وسيحبط أعمالهم } أي: مكائدهم التي نصبوها في إبطال دينه تعالى، ومشاقة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يصلون بها إلى ما كانوا يبغون من الغوائل، ولا يثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. الإشارة: قال القشيري: في الابتلاء والامتحان يتبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص، ويفتضح الممارق، وينكشف المنافق. ه. وكان الفضيل إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا. ه. ويبغي أن يزيد: وإن بلوتنا فأيدنا، وبالله التوفيق. إن الذين جحدوا وصدوا الناس عن طريق الوصول، وخرجوا عن مناهج السنة، لن يضروا الله شيئا فإن لله رجالا يقومون بالدعوة، لا يضرهم من عاداهم، حتى يأتي أمر الله، وسيحبط أعمال الصادين المعوقين، فلا ينهضون إلى الله نهوض الرجال، بشؤم انتقادهم. والله تعالى أعلم. ولما ذم الذين كرهوا الجهاد، أمر المؤمنين بالطاعة فيه، وألا يكونوا أمثال أولئك، فقال: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول }.
محمد 47:33
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله } فيما يأمركم به من الجهاد وغيره { وأطيعوا الرسول } فيما سنه لكم، { ولا تبطلوا أعمالكم } بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، وغير ذلك من مفسدات الأعمال، كالعجب والرياء، والمن والأذى، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر، خلافا للمعتزلة، أو: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبها احتج الفقهاء على وجوب إتمام العمل فأوجبوا على من شرع في نافلة إتمامها، وأخذه عن الآية ضعيف لأن السياق إنما هو في إحباط العمل بالكفر، لقوله قبل: { وسيحبط أعمالهم } ثم قال: { يا أيها الذين آمنوا } لا تكونوا كهؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ومشاقتهم الرسول، ويؤيده أيضا: قوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } هذا عام في كل من مات على الكفر، وإن صح نزوله في أهل القليب. { فلا تهنوا } لا تضعفوا عن الجهاد { وتدعوا إلى السلم } أي: لا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة فإن ذلك إعطاء الدنية - أي: الذلة - في الدين، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أن " في جواب النهي أي: لا تهنوا مع إعطاء السلم، { وأنتم الأعلون } الأغلبون، { والله معكم } بالنصر والمعونة، ومن كان غالبا ومنصورا والله معه، لا يتصور منه إظهار الذلة والضراعة لعدوه، { ولن يتركم أعمالكم } لن يضيعها، من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلا، من ولد أو أخ أو حميم، فأفردته منه، حتى صار وترا، عبر عن ترك الإثابة في مقابلة العمل بالوتر، الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس والأموال، مع أن الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة، إبرازا لغاية للطف، بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق، وتنزيل ترك الإثابة منزلة إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها، سبحانه من رب رحيم!. { إنما الحياة لعب ولهو } لا ثبات لها، ولا اعتداد بها، فلا تؤثروا حياتها الفانية على الحياة الأبدية بالموت في الجهاد الأصغر أو الأكبر، { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } أي: ثواب إيمانكم وأعمالكم من الباقيات الصالحات، التي فيها يتنافس المتنافسون، { ولا يسألكم أموالكم } بحيث يخل أداؤها بمعايشكم، وإنما سألكم نزرا يسيرا هو ربع العشر، تؤدونه إلى فقرائكم. { إن يسألكموها } أي: جميع أموالكم { فيحفكم } أي: يجهدكم بطلب الكل، فالإحفاء والإلحاف: المبالغة في السؤال: وبلوغ الغاية، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله، أي: إن يسألكم جميعها { تبخلوا } فلا تعطوا شيئا، { ويخرج أضغانكم } أي: أحقادكم لأن عند سؤال المال يظهر الصادق من الكاذب، وضمير " لا يسألكم " وما بعدها لله أو لرسوله.
وضمير " يخرج " لله تعالى، ويؤيده القراءة بنون العظمة، أو البخل لأنه سبب الأضغان. { ها أنتم هؤلاء } أي: يا هؤلاء، وقيل: { ها }: للتنبيه، و { هؤلاء }: موصول بمعنى " الذين " ، وصلته: { تدعون } أي: أنتم الذي تدعون { لتنفقوا في سبيل الله } هي النفقة في الغزو والزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، { فمنكم من يبخل } أي: فمنكم ناس يبخلون به، { ومن يبخل } بالصدقة وأداء الفريضة { فإنما يبخل على نفسه } فإن كلا من نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه، وفي حديث الترمذي:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل "
وفي رواية:
" من عالم بخيل "
والبخيل يتعدى ب " عن " ، و " على " لتضمنه معنى: الإمساك والعدي. { والله الغني } عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كل ما عداه، { وأنتم الفقراء } أي: إنه - تعالى - لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه الغني عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب، { وإن تتولوا } أي: وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته، وطاعة رسوله، والإنفاق في سبيله { يستبدل قوما غيركم } يخلف قوما خيرا منكم وأطوع، { ثم لا يكونوا أمثالكم } في الطاعة، بل أطوع، راغبين فيما يقرب إلى الله ورسوله، وهم فارس، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم - وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال: " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من فارس ". قلت: صدق الصادق المصدوق، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء، وأكابر الأولياء، كالجنيد، إما الصوفية، والغزالي، حبر هذه الأمة، وأضرابهما. وقيل: الملائكة، وقيل: الأنصار، وقيل: كندة، وقيل: الروم، والأول أشهر. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أو خليفته، وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان، ولا تبطلوا أعمالكم، برجوعكم عن السير، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إن الذين كفروا بوجود خصوصية التربية، وصدوا الناس عنها، ثم ماتوا على ذلك، لن يستر الله مساوئهم، ولا يغيبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا: ولا تضعفوا، أيها المترفهون، عن مجاهدة نفوسكم، فينقطع سيركم، وذلك بالرجوع إلى الدنيا، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم، وأنتم الأعلون، قد أشرفتم على الظفر بها، والله معكم لقوله:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنآ وإن الله لمع المحسنين
[العنكبوت: 69] ولن ينقصكم شيئا من أعمالكم، بل يريكم ثمرتها، عاجلا وآجلا، ولا يفترنكم عن المجاهدة طول الأمل.
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي: ساعة من نهار، وإن تؤمنوا بكل ما وعد الله، وتتقوا كل ما يشغل عن الله، يؤتكم أجوركم عاجلا وآجلا، ولا يسألكم الداعي إليه جميع أموالكم، إنما يسألكم ما يخف عليكم، تقدموه بين يدي نجواكم، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم، ويخرج إضغانكم، وهذا في حق عامة المريدين، وأما الخاصة الأقوياء، فلو سئلوا أرواحهم لبذلوها، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها، ويقال لعامة الطالبين للوصول: { ها أنتم هؤلاء تدعون... } الآية. قال القشيري: والله الغني لذاته بذاته، ومن غنائه: تمكنه من تنفيذ مراده، واستغناؤه عما سواه، وأنتم الفقراء إلى الله، في نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، في الابتداء ليخلقكم، وفي الوسط ليربيكم، وفي الانتهاء يفنيكم عن أنانيتكم، ويبقيكم بهويته، فالله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. ه. وإن تتولوا عن السير، وتركنوا إلى الرخص والشهوات قبل التمكين، يستبدل قوما غيركم، يكونوا أحزم منكم، وأشد مجاهدة، صادقين في الطلب، ثابتين القدم في آداب العبودية، قد أدركتهم جذبات العناية، وهبت عليهم ريح الهداية، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي والضعف، حتى يصلوا إلى مولاهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى لله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.
محمد 47:34
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله } فيما يأمركم به من الجهاد وغيره { وأطيعوا الرسول } فيما سنه لكم، { ولا تبطلوا أعمالكم } بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، وغير ذلك من مفسدات الأعمال، كالعجب والرياء، والمن والأذى، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر، خلافا للمعتزلة، أو: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبها احتج الفقهاء على وجوب إتمام العمل فأوجبوا على من شرع في نافلة إتمامها، وأخذه عن الآية ضعيف لأن السياق إنما هو في إحباط العمل بالكفر، لقوله قبل: { وسيحبط أعمالهم } ثم قال: { يا أيها الذين آمنوا } لا تكونوا كهؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ومشاقتهم الرسول، ويؤيده أيضا: قوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } هذا عام في كل من مات على الكفر، وإن صح نزوله في أهل القليب. { فلا تهنوا } لا تضعفوا عن الجهاد { وتدعوا إلى السلم } أي: لا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة فإن ذلك إعطاء الدنية - أي: الذلة - في الدين، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أن " في جواب النهي أي: لا تهنوا مع إعطاء السلم، { وأنتم الأعلون } الأغلبون، { والله معكم } بالنصر والمعونة، ومن كان غالبا ومنصورا والله معه، لا يتصور منه إظهار الذلة والضراعة لعدوه، { ولن يتركم أعمالكم } لن يضيعها، من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلا، من ولد أو أخ أو حميم، فأفردته منه، حتى صار وترا، عبر عن ترك الإثابة في مقابلة العمل بالوتر، الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس والأموال، مع أن الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة، إبرازا لغاية للطف، بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق، وتنزيل ترك الإثابة منزلة إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها، سبحانه من رب رحيم!. { إنما الحياة لعب ولهو } لا ثبات لها، ولا اعتداد بها، فلا تؤثروا حياتها الفانية على الحياة الأبدية بالموت في الجهاد الأصغر أو الأكبر، { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } أي: ثواب إيمانكم وأعمالكم من الباقيات الصالحات، التي فيها يتنافس المتنافسون، { ولا يسألكم أموالكم } بحيث يخل أداؤها بمعايشكم، وإنما سألكم نزرا يسيرا هو ربع العشر، تؤدونه إلى فقرائكم. { إن يسألكموها } أي: جميع أموالكم { فيحفكم } أي: يجهدكم بطلب الكل، فالإحفاء والإلحاف: المبالغة في السؤال: وبلوغ الغاية، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله، أي: إن يسألكم جميعها { تبخلوا } فلا تعطوا شيئا، { ويخرج أضغانكم } أي: أحقادكم لأن عند سؤال المال يظهر الصادق من الكاذب، وضمير " لا يسألكم " وما بعدها لله أو لرسوله.
وضمير " يخرج " لله تعالى، ويؤيده القراءة بنون العظمة، أو البخل لأنه سبب الأضغان. { ها أنتم هؤلاء } أي: يا هؤلاء، وقيل: { ها }: للتنبيه، و { هؤلاء }: موصول بمعنى " الذين " ، وصلته: { تدعون } أي: أنتم الذي تدعون { لتنفقوا في سبيل الله } هي النفقة في الغزو والزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، { فمنكم من يبخل } أي: فمنكم ناس يبخلون به، { ومن يبخل } بالصدقة وأداء الفريضة { فإنما يبخل على نفسه } فإن كلا من نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه، وفي حديث الترمذي:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل "
وفي رواية:
" من عالم بخيل "
والبخيل يتعدى ب " عن " ، و " على " لتضمنه معنى: الإمساك والعدي. { والله الغني } عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كل ما عداه، { وأنتم الفقراء } أي: إنه - تعالى - لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه الغني عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب، { وإن تتولوا } أي: وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته، وطاعة رسوله، والإنفاق في سبيله { يستبدل قوما غيركم } يخلف قوما خيرا منكم وأطوع، { ثم لا يكونوا أمثالكم } في الطاعة، بل أطوع، راغبين فيما يقرب إلى الله ورسوله، وهم فارس، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم - وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال: " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من فارس ". قلت: صدق الصادق المصدوق، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء، وأكابر الأولياء، كالجنيد، إما الصوفية، والغزالي، حبر هذه الأمة، وأضرابهما. وقيل: الملائكة، وقيل: الأنصار، وقيل: كندة، وقيل: الروم، والأول أشهر. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أو خليفته، وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان، ولا تبطلوا أعمالكم، برجوعكم عن السير، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إن الذين كفروا بوجود خصوصية التربية، وصدوا الناس عنها، ثم ماتوا على ذلك، لن يستر الله مساوئهم، ولا يغيبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا: ولا تضعفوا، أيها المترفهون، عن مجاهدة نفوسكم، فينقطع سيركم، وذلك بالرجوع إلى الدنيا، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم، وأنتم الأعلون، قد أشرفتم على الظفر بها، والله معكم لقوله:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنآ وإن الله لمع المحسنين
[العنكبوت: 69] ولن ينقصكم شيئا من أعمالكم، بل يريكم ثمرتها، عاجلا وآجلا، ولا يفترنكم عن المجاهدة طول الأمل.
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي: ساعة من نهار، وإن تؤمنوا بكل ما وعد الله، وتتقوا كل ما يشغل عن الله، يؤتكم أجوركم عاجلا وآجلا، ولا يسألكم الداعي إليه جميع أموالكم، إنما يسألكم ما يخف عليكم، تقدموه بين يدي نجواكم، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم، ويخرج إضغانكم، وهذا في حق عامة المريدين، وأما الخاصة الأقوياء، فلو سئلوا أرواحهم لبذلوها، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها، ويقال لعامة الطالبين للوصول: { ها أنتم هؤلاء تدعون... } الآية. قال القشيري: والله الغني لذاته بذاته، ومن غنائه: تمكنه من تنفيذ مراده، واستغناؤه عما سواه، وأنتم الفقراء إلى الله، في نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، في الابتداء ليخلقكم، وفي الوسط ليربيكم، وفي الانتهاء يفنيكم عن أنانيتكم، ويبقيكم بهويته، فالله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. ه. وإن تتولوا عن السير، وتركنوا إلى الرخص والشهوات قبل التمكين، يستبدل قوما غيركم، يكونوا أحزم منكم، وأشد مجاهدة، صادقين في الطلب، ثابتين القدم في آداب العبودية، قد أدركتهم جذبات العناية، وهبت عليهم ريح الهداية، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي والضعف، حتى يصلوا إلى مولاهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى لله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.
محمد 47:35
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله } فيما يأمركم به من الجهاد وغيره { وأطيعوا الرسول } فيما سنه لكم، { ولا تبطلوا أعمالكم } بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، وغير ذلك من مفسدات الأعمال، كالعجب والرياء، والمن والأذى، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر، خلافا للمعتزلة، أو: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبها احتج الفقهاء على وجوب إتمام العمل فأوجبوا على من شرع في نافلة إتمامها، وأخذه عن الآية ضعيف لأن السياق إنما هو في إحباط العمل بالكفر، لقوله قبل: { وسيحبط أعمالهم } ثم قال: { يا أيها الذين آمنوا } لا تكونوا كهؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ومشاقتهم الرسول، ويؤيده أيضا: قوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } هذا عام في كل من مات على الكفر، وإن صح نزوله في أهل القليب. { فلا تهنوا } لا تضعفوا عن الجهاد { وتدعوا إلى السلم } أي: لا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة فإن ذلك إعطاء الدنية - أي: الذلة - في الدين، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أن " في جواب النهي أي: لا تهنوا مع إعطاء السلم، { وأنتم الأعلون } الأغلبون، { والله معكم } بالنصر والمعونة، ومن كان غالبا ومنصورا والله معه، لا يتصور منه إظهار الذلة والضراعة لعدوه، { ولن يتركم أعمالكم } لن يضيعها، من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلا، من ولد أو أخ أو حميم، فأفردته منه، حتى صار وترا، عبر عن ترك الإثابة في مقابلة العمل بالوتر، الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس والأموال، مع أن الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة، إبرازا لغاية للطف، بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق، وتنزيل ترك الإثابة منزلة إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها، سبحانه من رب رحيم!. { إنما الحياة لعب ولهو } لا ثبات لها، ولا اعتداد بها، فلا تؤثروا حياتها الفانية على الحياة الأبدية بالموت في الجهاد الأصغر أو الأكبر، { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } أي: ثواب إيمانكم وأعمالكم من الباقيات الصالحات، التي فيها يتنافس المتنافسون، { ولا يسألكم أموالكم } بحيث يخل أداؤها بمعايشكم، وإنما سألكم نزرا يسيرا هو ربع العشر، تؤدونه إلى فقرائكم. { إن يسألكموها } أي: جميع أموالكم { فيحفكم } أي: يجهدكم بطلب الكل، فالإحفاء والإلحاف: المبالغة في السؤال: وبلوغ الغاية، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله، أي: إن يسألكم جميعها { تبخلوا } فلا تعطوا شيئا، { ويخرج أضغانكم } أي: أحقادكم لأن عند سؤال المال يظهر الصادق من الكاذب، وضمير " لا يسألكم " وما بعدها لله أو لرسوله.
وضمير " يخرج " لله تعالى، ويؤيده القراءة بنون العظمة، أو البخل لأنه سبب الأضغان. { ها أنتم هؤلاء } أي: يا هؤلاء، وقيل: { ها }: للتنبيه، و { هؤلاء }: موصول بمعنى " الذين " ، وصلته: { تدعون } أي: أنتم الذي تدعون { لتنفقوا في سبيل الله } هي النفقة في الغزو والزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، { فمنكم من يبخل } أي: فمنكم ناس يبخلون به، { ومن يبخل } بالصدقة وأداء الفريضة { فإنما يبخل على نفسه } فإن كلا من نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه، وفي حديث الترمذي:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل "
وفي رواية:
" من عالم بخيل "
والبخيل يتعدى ب " عن " ، و " على " لتضمنه معنى: الإمساك والعدي. { والله الغني } عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كل ما عداه، { وأنتم الفقراء } أي: إنه - تعالى - لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه الغني عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب، { وإن تتولوا } أي: وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته، وطاعة رسوله، والإنفاق في سبيله { يستبدل قوما غيركم } يخلف قوما خيرا منكم وأطوع، { ثم لا يكونوا أمثالكم } في الطاعة، بل أطوع، راغبين فيما يقرب إلى الله ورسوله، وهم فارس، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم - وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال: " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من فارس ". قلت: صدق الصادق المصدوق، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء، وأكابر الأولياء، كالجنيد، إما الصوفية، والغزالي، حبر هذه الأمة، وأضرابهما. وقيل: الملائكة، وقيل: الأنصار، وقيل: كندة، وقيل: الروم، والأول أشهر. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أو خليفته، وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان، ولا تبطلوا أعمالكم، برجوعكم عن السير، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إن الذين كفروا بوجود خصوصية التربية، وصدوا الناس عنها، ثم ماتوا على ذلك، لن يستر الله مساوئهم، ولا يغيبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا: ولا تضعفوا، أيها المترفهون، عن مجاهدة نفوسكم، فينقطع سيركم، وذلك بالرجوع إلى الدنيا، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم، وأنتم الأعلون، قد أشرفتم على الظفر بها، والله معكم لقوله:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنآ وإن الله لمع المحسنين
[العنكبوت: 69] ولن ينقصكم شيئا من أعمالكم، بل يريكم ثمرتها، عاجلا وآجلا، ولا يفترنكم عن المجاهدة طول الأمل.
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي: ساعة من نهار، وإن تؤمنوا بكل ما وعد الله، وتتقوا كل ما يشغل عن الله، يؤتكم أجوركم عاجلا وآجلا، ولا يسألكم الداعي إليه جميع أموالكم، إنما يسألكم ما يخف عليكم، تقدموه بين يدي نجواكم، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم، ويخرج إضغانكم، وهذا في حق عامة المريدين، وأما الخاصة الأقوياء، فلو سئلوا أرواحهم لبذلوها، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها، ويقال لعامة الطالبين للوصول: { ها أنتم هؤلاء تدعون... } الآية. قال القشيري: والله الغني لذاته بذاته، ومن غنائه: تمكنه من تنفيذ مراده، واستغناؤه عما سواه، وأنتم الفقراء إلى الله، في نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، في الابتداء ليخلقكم، وفي الوسط ليربيكم، وفي الانتهاء يفنيكم عن أنانيتكم، ويبقيكم بهويته، فالله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. ه. وإن تتولوا عن السير، وتركنوا إلى الرخص والشهوات قبل التمكين، يستبدل قوما غيركم، يكونوا أحزم منكم، وأشد مجاهدة، صادقين في الطلب، ثابتين القدم في آداب العبودية، قد أدركتهم جذبات العناية، وهبت عليهم ريح الهداية، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي والضعف، حتى يصلوا إلى مولاهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى لله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.
محمد 47:36
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله } فيما يأمركم به من الجهاد وغيره { وأطيعوا الرسول } فيما سنه لكم، { ولا تبطلوا أعمالكم } بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، وغير ذلك من مفسدات الأعمال، كالعجب والرياء، والمن والأذى، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر، خلافا للمعتزلة، أو: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبها احتج الفقهاء على وجوب إتمام العمل فأوجبوا على من شرع في نافلة إتمامها، وأخذه عن الآية ضعيف لأن السياق إنما هو في إحباط العمل بالكفر، لقوله قبل: { وسيحبط أعمالهم } ثم قال: { يا أيها الذين آمنوا } لا تكونوا كهؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ومشاقتهم الرسول، ويؤيده أيضا: قوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } هذا عام في كل من مات على الكفر، وإن صح نزوله في أهل القليب. { فلا تهنوا } لا تضعفوا عن الجهاد { وتدعوا إلى السلم } أي: لا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة فإن ذلك إعطاء الدنية - أي: الذلة - في الدين، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أن " في جواب النهي أي: لا تهنوا مع إعطاء السلم، { وأنتم الأعلون } الأغلبون، { والله معكم } بالنصر والمعونة، ومن كان غالبا ومنصورا والله معه، لا يتصور منه إظهار الذلة والضراعة لعدوه، { ولن يتركم أعمالكم } لن يضيعها، من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلا، من ولد أو أخ أو حميم، فأفردته منه، حتى صار وترا، عبر عن ترك الإثابة في مقابلة العمل بالوتر، الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس والأموال، مع أن الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة، إبرازا لغاية للطف، بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق، وتنزيل ترك الإثابة منزلة إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها، سبحانه من رب رحيم!. { إنما الحياة لعب ولهو } لا ثبات لها، ولا اعتداد بها، فلا تؤثروا حياتها الفانية على الحياة الأبدية بالموت في الجهاد الأصغر أو الأكبر، { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } أي: ثواب إيمانكم وأعمالكم من الباقيات الصالحات، التي فيها يتنافس المتنافسون، { ولا يسألكم أموالكم } بحيث يخل أداؤها بمعايشكم، وإنما سألكم نزرا يسيرا هو ربع العشر، تؤدونه إلى فقرائكم. { إن يسألكموها } أي: جميع أموالكم { فيحفكم } أي: يجهدكم بطلب الكل، فالإحفاء والإلحاف: المبالغة في السؤال: وبلوغ الغاية، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله، أي: إن يسألكم جميعها { تبخلوا } فلا تعطوا شيئا، { ويخرج أضغانكم } أي: أحقادكم لأن عند سؤال المال يظهر الصادق من الكاذب، وضمير " لا يسألكم " وما بعدها لله أو لرسوله.
وضمير " يخرج " لله تعالى، ويؤيده القراءة بنون العظمة، أو البخل لأنه سبب الأضغان. { ها أنتم هؤلاء } أي: يا هؤلاء، وقيل: { ها }: للتنبيه، و { هؤلاء }: موصول بمعنى " الذين " ، وصلته: { تدعون } أي: أنتم الذي تدعون { لتنفقوا في سبيل الله } هي النفقة في الغزو والزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، { فمنكم من يبخل } أي: فمنكم ناس يبخلون به، { ومن يبخل } بالصدقة وأداء الفريضة { فإنما يبخل على نفسه } فإن كلا من نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه، وفي حديث الترمذي:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل "
وفي رواية:
" من عالم بخيل "
والبخيل يتعدى ب " عن " ، و " على " لتضمنه معنى: الإمساك والعدي. { والله الغني } عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كل ما عداه، { وأنتم الفقراء } أي: إنه - تعالى - لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه الغني عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب، { وإن تتولوا } أي: وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته، وطاعة رسوله، والإنفاق في سبيله { يستبدل قوما غيركم } يخلف قوما خيرا منكم وأطوع، { ثم لا يكونوا أمثالكم } في الطاعة، بل أطوع، راغبين فيما يقرب إلى الله ورسوله، وهم فارس، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم - وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال: " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من فارس ". قلت: صدق الصادق المصدوق، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء، وأكابر الأولياء، كالجنيد، إما الصوفية، والغزالي، حبر هذه الأمة، وأضرابهما. وقيل: الملائكة، وقيل: الأنصار، وقيل: كندة، وقيل: الروم، والأول أشهر. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أو خليفته، وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان، ولا تبطلوا أعمالكم، برجوعكم عن السير، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إن الذين كفروا بوجود خصوصية التربية، وصدوا الناس عنها، ثم ماتوا على ذلك، لن يستر الله مساوئهم، ولا يغيبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا: ولا تضعفوا، أيها المترفهون، عن مجاهدة نفوسكم، فينقطع سيركم، وذلك بالرجوع إلى الدنيا، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم، وأنتم الأعلون، قد أشرفتم على الظفر بها، والله معكم لقوله:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنآ وإن الله لمع المحسنين
[العنكبوت: 69] ولن ينقصكم شيئا من أعمالكم، بل يريكم ثمرتها، عاجلا وآجلا، ولا يفترنكم عن المجاهدة طول الأمل.
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي: ساعة من نهار، وإن تؤمنوا بكل ما وعد الله، وتتقوا كل ما يشغل عن الله، يؤتكم أجوركم عاجلا وآجلا، ولا يسألكم الداعي إليه جميع أموالكم، إنما يسألكم ما يخف عليكم، تقدموه بين يدي نجواكم، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم، ويخرج إضغانكم، وهذا في حق عامة المريدين، وأما الخاصة الأقوياء، فلو سئلوا أرواحهم لبذلوها، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها، ويقال لعامة الطالبين للوصول: { ها أنتم هؤلاء تدعون... } الآية. قال القشيري: والله الغني لذاته بذاته، ومن غنائه: تمكنه من تنفيذ مراده، واستغناؤه عما سواه، وأنتم الفقراء إلى الله، في نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، في الابتداء ليخلقكم، وفي الوسط ليربيكم، وفي الانتهاء يفنيكم عن أنانيتكم، ويبقيكم بهويته، فالله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. ه. وإن تتولوا عن السير، وتركنوا إلى الرخص والشهوات قبل التمكين، يستبدل قوما غيركم، يكونوا أحزم منكم، وأشد مجاهدة، صادقين في الطلب، ثابتين القدم في آداب العبودية، قد أدركتهم جذبات العناية، وهبت عليهم ريح الهداية، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي والضعف، حتى يصلوا إلى مولاهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى لله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.
محمد 47:37
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله } فيما يأمركم به من الجهاد وغيره { وأطيعوا الرسول } فيما سنه لكم، { ولا تبطلوا أعمالكم } بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، وغير ذلك من مفسدات الأعمال، كالعجب والرياء، والمن والأذى، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر، خلافا للمعتزلة، أو: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبها احتج الفقهاء على وجوب إتمام العمل فأوجبوا على من شرع في نافلة إتمامها، وأخذه عن الآية ضعيف لأن السياق إنما هو في إحباط العمل بالكفر، لقوله قبل: { وسيحبط أعمالهم } ثم قال: { يا أيها الذين آمنوا } لا تكونوا كهؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ومشاقتهم الرسول، ويؤيده أيضا: قوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } هذا عام في كل من مات على الكفر، وإن صح نزوله في أهل القليب. { فلا تهنوا } لا تضعفوا عن الجهاد { وتدعوا إلى السلم } أي: لا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة فإن ذلك إعطاء الدنية - أي: الذلة - في الدين، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أن " في جواب النهي أي: لا تهنوا مع إعطاء السلم، { وأنتم الأعلون } الأغلبون، { والله معكم } بالنصر والمعونة، ومن كان غالبا ومنصورا والله معه، لا يتصور منه إظهار الذلة والضراعة لعدوه، { ولن يتركم أعمالكم } لن يضيعها، من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلا، من ولد أو أخ أو حميم، فأفردته منه، حتى صار وترا، عبر عن ترك الإثابة في مقابلة العمل بالوتر، الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس والأموال، مع أن الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة، إبرازا لغاية للطف، بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق، وتنزيل ترك الإثابة منزلة إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها، سبحانه من رب رحيم!. { إنما الحياة لعب ولهو } لا ثبات لها، ولا اعتداد بها، فلا تؤثروا حياتها الفانية على الحياة الأبدية بالموت في الجهاد الأصغر أو الأكبر، { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } أي: ثواب إيمانكم وأعمالكم من الباقيات الصالحات، التي فيها يتنافس المتنافسون، { ولا يسألكم أموالكم } بحيث يخل أداؤها بمعايشكم، وإنما سألكم نزرا يسيرا هو ربع العشر، تؤدونه إلى فقرائكم. { إن يسألكموها } أي: جميع أموالكم { فيحفكم } أي: يجهدكم بطلب الكل، فالإحفاء والإلحاف: المبالغة في السؤال: وبلوغ الغاية، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله، أي: إن يسألكم جميعها { تبخلوا } فلا تعطوا شيئا، { ويخرج أضغانكم } أي: أحقادكم لأن عند سؤال المال يظهر الصادق من الكاذب، وضمير " لا يسألكم " وما بعدها لله أو لرسوله.
وضمير " يخرج " لله تعالى، ويؤيده القراءة بنون العظمة، أو البخل لأنه سبب الأضغان. { ها أنتم هؤلاء } أي: يا هؤلاء، وقيل: { ها }: للتنبيه، و { هؤلاء }: موصول بمعنى " الذين " ، وصلته: { تدعون } أي: أنتم الذي تدعون { لتنفقوا في سبيل الله } هي النفقة في الغزو والزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، { فمنكم من يبخل } أي: فمنكم ناس يبخلون به، { ومن يبخل } بالصدقة وأداء الفريضة { فإنما يبخل على نفسه } فإن كلا من نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه، وفي حديث الترمذي:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل "
وفي رواية:
" من عالم بخيل "
والبخيل يتعدى ب " عن " ، و " على " لتضمنه معنى: الإمساك والعدي. { والله الغني } عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كل ما عداه، { وأنتم الفقراء } أي: إنه - تعالى - لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه الغني عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب، { وإن تتولوا } أي: وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته، وطاعة رسوله، والإنفاق في سبيله { يستبدل قوما غيركم } يخلف قوما خيرا منكم وأطوع، { ثم لا يكونوا أمثالكم } في الطاعة، بل أطوع، راغبين فيما يقرب إلى الله ورسوله، وهم فارس، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم - وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال: " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من فارس ". قلت: صدق الصادق المصدوق، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء، وأكابر الأولياء، كالجنيد، إما الصوفية، والغزالي، حبر هذه الأمة، وأضرابهما. وقيل: الملائكة، وقيل: الأنصار، وقيل: كندة، وقيل: الروم، والأول أشهر. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أو خليفته، وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان، ولا تبطلوا أعمالكم، برجوعكم عن السير، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إن الذين كفروا بوجود خصوصية التربية، وصدوا الناس عنها، ثم ماتوا على ذلك، لن يستر الله مساوئهم، ولا يغيبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا: ولا تضعفوا، أيها المترفهون، عن مجاهدة نفوسكم، فينقطع سيركم، وذلك بالرجوع إلى الدنيا، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم، وأنتم الأعلون، قد أشرفتم على الظفر بها، والله معكم لقوله:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنآ وإن الله لمع المحسنين
[العنكبوت: 69] ولن ينقصكم شيئا من أعمالكم، بل يريكم ثمرتها، عاجلا وآجلا، ولا يفترنكم عن المجاهدة طول الأمل.
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي: ساعة من نهار، وإن تؤمنوا بكل ما وعد الله، وتتقوا كل ما يشغل عن الله، يؤتكم أجوركم عاجلا وآجلا، ولا يسألكم الداعي إليه جميع أموالكم، إنما يسألكم ما يخف عليكم، تقدموه بين يدي نجواكم، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم، ويخرج إضغانكم، وهذا في حق عامة المريدين، وأما الخاصة الأقوياء، فلو سئلوا أرواحهم لبذلوها، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها، ويقال لعامة الطالبين للوصول: { ها أنتم هؤلاء تدعون... } الآية. قال القشيري: والله الغني لذاته بذاته، ومن غنائه: تمكنه من تنفيذ مراده، واستغناؤه عما سواه، وأنتم الفقراء إلى الله، في نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، في الابتداء ليخلقكم، وفي الوسط ليربيكم، وفي الانتهاء يفنيكم عن أنانيتكم، ويبقيكم بهويته، فالله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. ه. وإن تتولوا عن السير، وتركنوا إلى الرخص والشهوات قبل التمكين، يستبدل قوما غيركم، يكونوا أحزم منكم، وأشد مجاهدة، صادقين في الطلب، ثابتين القدم في آداب العبودية، قد أدركتهم جذبات العناية، وهبت عليهم ريح الهداية، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي والضعف، حتى يصلوا إلى مولاهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى لله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.
محمد 47:38
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله } فيما يأمركم به من الجهاد وغيره { وأطيعوا الرسول } فيما سنه لكم، { ولا تبطلوا أعمالكم } بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، وغير ذلك من مفسدات الأعمال، كالعجب والرياء، والمن والأذى، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر، خلافا للمعتزلة، أو: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبها احتج الفقهاء على وجوب إتمام العمل فأوجبوا على من شرع في نافلة إتمامها، وأخذه عن الآية ضعيف لأن السياق إنما هو في إحباط العمل بالكفر، لقوله قبل: { وسيحبط أعمالهم } ثم قال: { يا أيها الذين آمنوا } لا تكونوا كهؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ومشاقتهم الرسول، ويؤيده أيضا: قوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } هذا عام في كل من مات على الكفر، وإن صح نزوله في أهل القليب. { فلا تهنوا } لا تضعفوا عن الجهاد { وتدعوا إلى السلم } أي: لا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة فإن ذلك إعطاء الدنية - أي: الذلة - في الدين، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أن " في جواب النهي أي: لا تهنوا مع إعطاء السلم، { وأنتم الأعلون } الأغلبون، { والله معكم } بالنصر والمعونة، ومن كان غالبا ومنصورا والله معه، لا يتصور منه إظهار الذلة والضراعة لعدوه، { ولن يتركم أعمالكم } لن يضيعها، من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلا، من ولد أو أخ أو حميم، فأفردته منه، حتى صار وترا، عبر عن ترك الإثابة في مقابلة العمل بالوتر، الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس والأموال، مع أن الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة، إبرازا لغاية للطف، بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق، وتنزيل ترك الإثابة منزلة إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها، سبحانه من رب رحيم!. { إنما الحياة لعب ولهو } لا ثبات لها، ولا اعتداد بها، فلا تؤثروا حياتها الفانية على الحياة الأبدية بالموت في الجهاد الأصغر أو الأكبر، { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } أي: ثواب إيمانكم وأعمالكم من الباقيات الصالحات، التي فيها يتنافس المتنافسون، { ولا يسألكم أموالكم } بحيث يخل أداؤها بمعايشكم، وإنما سألكم نزرا يسيرا هو ربع العشر، تؤدونه إلى فقرائكم. { إن يسألكموها } أي: جميع أموالكم { فيحفكم } أي: يجهدكم بطلب الكل، فالإحفاء والإلحاف: المبالغة في السؤال: وبلوغ الغاية، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله، أي: إن يسألكم جميعها { تبخلوا } فلا تعطوا شيئا، { ويخرج أضغانكم } أي: أحقادكم لأن عند سؤال المال يظهر الصادق من الكاذب، وضمير " لا يسألكم " وما بعدها لله أو لرسوله.
وضمير " يخرج " لله تعالى، ويؤيده القراءة بنون العظمة، أو البخل لأنه سبب الأضغان. { ها أنتم هؤلاء } أي: يا هؤلاء، وقيل: { ها }: للتنبيه، و { هؤلاء }: موصول بمعنى " الذين " ، وصلته: { تدعون } أي: أنتم الذي تدعون { لتنفقوا في سبيل الله } هي النفقة في الغزو والزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، { فمنكم من يبخل } أي: فمنكم ناس يبخلون به، { ومن يبخل } بالصدقة وأداء الفريضة { فإنما يبخل على نفسه } فإن كلا من نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه، وفي حديث الترمذي:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل "
وفي رواية:
" من عالم بخيل "
والبخيل يتعدى ب " عن " ، و " على " لتضمنه معنى: الإمساك والعدي. { والله الغني } عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كل ما عداه، { وأنتم الفقراء } أي: إنه - تعالى - لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه الغني عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب، { وإن تتولوا } أي: وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته، وطاعة رسوله، والإنفاق في سبيله { يستبدل قوما غيركم } يخلف قوما خيرا منكم وأطوع، { ثم لا يكونوا أمثالكم } في الطاعة، بل أطوع، راغبين فيما يقرب إلى الله ورسوله، وهم فارس، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم - وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال: " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من فارس ". قلت: صدق الصادق المصدوق، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء، وأكابر الأولياء، كالجنيد، إما الصوفية، والغزالي، حبر هذه الأمة، وأضرابهما. وقيل: الملائكة، وقيل: الأنصار، وقيل: كندة، وقيل: الروم، والأول أشهر. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أو خليفته، وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان، ولا تبطلوا أعمالكم، برجوعكم عن السير، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إن الذين كفروا بوجود خصوصية التربية، وصدوا الناس عنها، ثم ماتوا على ذلك، لن يستر الله مساوئهم، ولا يغيبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا: ولا تضعفوا، أيها المترفهون، عن مجاهدة نفوسكم، فينقطع سيركم، وذلك بالرجوع إلى الدنيا، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم، وأنتم الأعلون، قد أشرفتم على الظفر بها، والله معكم لقوله:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنآ وإن الله لمع المحسنين
[العنكبوت: 69] ولن ينقصكم شيئا من أعمالكم، بل يريكم ثمرتها، عاجلا وآجلا، ولا يفترنكم عن المجاهدة طول الأمل.
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي: ساعة من نهار، وإن تؤمنوا بكل ما وعد الله، وتتقوا كل ما يشغل عن الله، يؤتكم أجوركم عاجلا وآجلا، ولا يسألكم الداعي إليه جميع أموالكم، إنما يسألكم ما يخف عليكم، تقدموه بين يدي نجواكم، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم، ويخرج إضغانكم، وهذا في حق عامة المريدين، وأما الخاصة الأقوياء، فلو سئلوا أرواحهم لبذلوها، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها، ويقال لعامة الطالبين للوصول: { ها أنتم هؤلاء تدعون... } الآية. قال القشيري: والله الغني لذاته بذاته، ومن غنائه: تمكنه من تنفيذ مراده، واستغناؤه عما سواه، وأنتم الفقراء إلى الله، في نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، في الابتداء ليخلقكم، وفي الوسط ليربيكم، وفي الانتهاء يفنيكم عن أنانيتكم، ويبقيكم بهويته، فالله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. ه. وإن تتولوا عن السير، وتركنوا إلى الرخص والشهوات قبل التمكين، يستبدل قوما غيركم، يكونوا أحزم منكم، وأشد مجاهدة، صادقين في الطلب، ثابتين القدم في آداب العبودية، قد أدركتهم جذبات العناية، وهبت عليهم ريح الهداية، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي والضعف، حتى يصلوا إلى مولاهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى لله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.
الفتح 48:1
يقول الحق جل جلاله: { إنا فتحنا لك } الفتح عبارة عن الظفر بالبلدة عنوة أو صلحا، بحرب أو بدون، فإنه ما لم يقع الظفر منغلق، مأخوذ من: فتح باب الدار. وإسناده إلى نون العظمة لإسناد الفعل إلى الله تعالى خلقا وإيجادا. قيل: المراد به فتح مكة، وهو المروي عن أنس رضي الله عنه، بشر به صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من الحديبية. والتعبير عنه بصيغة الماضي على سنن الأخبار الإلهية المحققة الوقوع، للإذيان بتحققه، تأكيدا للتبشير، وتصدير الكلام بحرف التحقيق لذلك، وفيه من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر به - وهو الفتح - ما لا يخفى. وقيل: هو فتح الحديبية، وهو الذي عند البخاري عن أنس، وهو الصحيح عند ابن عطية، وعليه الجمهور. وفيها أخذت البيعة على الجهاد، وهو كان سبب إظهار الإسلام وفشوه، وذلك أن المشركين كانوا ممنوعين من مخالطة أهل الإسلام، للحرب التي كانت بينهم، فلما وقع الصلح اختلط الناس بعضهم مع بعض، وجعل الكفار يرون أنوار الإسلام، ويسمعون القرآن، فأسلم حينئذ بشر كثير قبل فتح مكة. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن رجلا قال: ما هذا بفتح، لقد صدونا عن البيت، ومنعونا، قال:
" بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما يكرهون "
وعن الشعبي أنه قال: نزلت سورة الفتح بالحديبية، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، حيث بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبلغ الهدي محله، وبشروا بخيبر، وظهرت الروم على فارس، ففرح به المسلمون، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة، وهي أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت بالماء، حتى شرب جميع من كان معه، وقيل: جاش بالماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد. وقيل: هو جميع ما فتح له صلى الله عليه وسلم، من الإسلام، والدعوة، والنبوة، والحجة، والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كافة إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا هو شعبة من شعبه، وفرع من فروعه. وقيل: الفتح: بمعنى القضاء، والمعنى: قضينا لك على أهل مكة أن تدخلها من قابل، وأيا ما كان فحذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل، والإيذان بأن مناط التبشير هو نفس الفتح الصادر عنه سبحانه، لا خصوصية المفتوح. قاله أبو السعود. { فتحا مبينا } ظاهر الأمر، مكشوف الحال، فارقا بين الحق والباطل. وقوله تعالى: { ليغفر لك الله } غاية للفتح، من حيث إنه مترتب على سعيه صلى الله عليه وسلم في إعلاء كلمة الله، بمكابدة مشاق الحروب، واقتحام موارد الخطوب، أي: جعلنا الفتح على يديك، وبسبب سعيك، ليكون سببا لغفران الله لك { ما تقدم من ذنبك وما تأخر } أي: جميع ما فرط منك من ترك الأولى، وما سيقع، وتسميته ذنبا بالنظر إلى منصبه الجليل، وتقدم قريبا تحقيقه.
وقول الجلال: " اللام للعلة الغائبة فمدخولها مسبب لا سبب، لا يريد التعليل على حقيقته العقلية، فإنه عليه تعالى محال، وإنما يريد صورة التعليل، الذي هو حكمة الشيء، وفائدته العائدة على خلقه، فضلا وإحسانا، فالحكم والمصالح غاية لأفعاله تعالى، ومنافع راجعة إلى المخلوقات، وليس شيء منها غرضا وعلة غائية لفعله، بحيث يكون سببا لإقدامه على الفعل، وعلة غائية للفعل لغناه تعالى، وكماله في ذاته عن الاستكمال بفعل من الأفعال، وما ورد في الآيات والأحاديث مما يوهم الغرض والعلة فإنه يحمل على الغايات المترتبة والحكمة، فاحتفظ بذلك. قاله صابح الحاشية الفاسية. واللائق أن المعنى: إنا فتحنا لك وقضينا لك بأمر عاقبته أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة، بأن غفر لك، وأتم نعمته عليك وهداك، ونصرك. فاللام لام العاقبة لا لام العلة فإن إفضال الله على رسوله لا يعلل ولا يوازي بعمل. ه. { ويتم نعمته عليك } بإعلاء الدين، وضم الملك إلى النبوة، وغيرها مما أفاض عليه من النعم الدينية والدنيوية، { ويهيديك صراطا مستقيما } أي: يثبتك على الطريق القويم، والدين المستقيم، والاستقامة وإن كانت حاصلة قبل الفتح، لكن حاصل بعد ذلك من اتضاح سبيل الحق، واستقامة مناهجه، ما لم يكن حاصلا قبل. { وينصرك الله } أي: يظهر دينك، ويعزك، فإظهار الاسم الجليل لكونه خاتمة الغايات، ولإظهار كمال العناية، بشأن النصر، كما يعرب عنه تأكيده بقوله: { نصرا عزيزا } أي: نصرا فيه عزة ومنعه، أو: قويا منيعا، على وصف المصدر بوصف صاحبه، مجازا، للمبالغة، أو: عزيزا صاحبه. الإشارة: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } بأن كشفنا لك عن أسرار ذاتنا، وأنوار صفاتنا، وجمال أفعالنا، فشاهدتنا بنا، ليغفر لك الله، أي: ليغيبك عن وجودك في شعور محبوبك، ويستر عنك حسك ورسمك، حتى تكون بنا في كل شيء، قديما وحديثا، قال القشيري: وذنب الوجود هو الشرك في الوجود، وغفره: ستره بنور الوحدة، لمحو ظلمة الأثينية ه. ويتم نعمته عليك بالجمع بين شهود الربوبية، والقيام بآداب العبودية، ودلالة الخلق على شهود قيام الديمومية، ويهديك طريقا مستقيما توصل إلى حضرتنا، فتسلكها وتبينها لمن يكون على قدمك، وينصرك الله نصرا عزيزا، بالتمكن في شهود ذاتنا، والعكوف في حضرتنا، محفوفا بالنصرة والعناية، محمولا في محفة الرعاية. ولما نزل قوله: { ليغفر لك الله } قال المؤمنون: هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين }.
الفتح 48:2
يقول الحق جل جلاله: { إنا فتحنا لك } الفتح عبارة عن الظفر بالبلدة عنوة أو صلحا، بحرب أو بدون، فإنه ما لم يقع الظفر منغلق، مأخوذ من: فتح باب الدار. وإسناده إلى نون العظمة لإسناد الفعل إلى الله تعالى خلقا وإيجادا. قيل: المراد به فتح مكة، وهو المروي عن أنس رضي الله عنه، بشر به صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من الحديبية. والتعبير عنه بصيغة الماضي على سنن الأخبار الإلهية المحققة الوقوع، للإذيان بتحققه، تأكيدا للتبشير، وتصدير الكلام بحرف التحقيق لذلك، وفيه من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر به - وهو الفتح - ما لا يخفى. وقيل: هو فتح الحديبية، وهو الذي عند البخاري عن أنس، وهو الصحيح عند ابن عطية، وعليه الجمهور. وفيها أخذت البيعة على الجهاد، وهو كان سبب إظهار الإسلام وفشوه، وذلك أن المشركين كانوا ممنوعين من مخالطة أهل الإسلام، للحرب التي كانت بينهم، فلما وقع الصلح اختلط الناس بعضهم مع بعض، وجعل الكفار يرون أنوار الإسلام، ويسمعون القرآن، فأسلم حينئذ بشر كثير قبل فتح مكة. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن رجلا قال: ما هذا بفتح، لقد صدونا عن البيت، ومنعونا، قال:
" بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما يكرهون "
وعن الشعبي أنه قال: نزلت سورة الفتح بالحديبية، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، حيث بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبلغ الهدي محله، وبشروا بخيبر، وظهرت الروم على فارس، ففرح به المسلمون، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة، وهي أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت بالماء، حتى شرب جميع من كان معه، وقيل: جاش بالماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد. وقيل: هو جميع ما فتح له صلى الله عليه وسلم، من الإسلام، والدعوة، والنبوة، والحجة، والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كافة إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا هو شعبة من شعبه، وفرع من فروعه. وقيل: الفتح: بمعنى القضاء، والمعنى: قضينا لك على أهل مكة أن تدخلها من قابل، وأيا ما كان فحذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل، والإيذان بأن مناط التبشير هو نفس الفتح الصادر عنه سبحانه، لا خصوصية المفتوح. قاله أبو السعود. { فتحا مبينا } ظاهر الأمر، مكشوف الحال، فارقا بين الحق والباطل. وقوله تعالى: { ليغفر لك الله } غاية للفتح، من حيث إنه مترتب على سعيه صلى الله عليه وسلم في إعلاء كلمة الله، بمكابدة مشاق الحروب، واقتحام موارد الخطوب، أي: جعلنا الفتح على يديك، وبسبب سعيك، ليكون سببا لغفران الله لك { ما تقدم من ذنبك وما تأخر } أي: جميع ما فرط منك من ترك الأولى، وما سيقع، وتسميته ذنبا بالنظر إلى منصبه الجليل، وتقدم قريبا تحقيقه.
وقول الجلال: " اللام للعلة الغائبة فمدخولها مسبب لا سبب، لا يريد التعليل على حقيقته العقلية، فإنه عليه تعالى محال، وإنما يريد صورة التعليل، الذي هو حكمة الشيء، وفائدته العائدة على خلقه، فضلا وإحسانا، فالحكم والمصالح غاية لأفعاله تعالى، ومنافع راجعة إلى المخلوقات، وليس شيء منها غرضا وعلة غائية لفعله، بحيث يكون سببا لإقدامه على الفعل، وعلة غائية للفعل لغناه تعالى، وكماله في ذاته عن الاستكمال بفعل من الأفعال، وما ورد في الآيات والأحاديث مما يوهم الغرض والعلة فإنه يحمل على الغايات المترتبة والحكمة، فاحتفظ بذلك. قاله صابح الحاشية الفاسية. واللائق أن المعنى: إنا فتحنا لك وقضينا لك بأمر عاقبته أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة، بأن غفر لك، وأتم نعمته عليك وهداك، ونصرك. فاللام لام العاقبة لا لام العلة فإن إفضال الله على رسوله لا يعلل ولا يوازي بعمل. ه. { ويتم نعمته عليك } بإعلاء الدين، وضم الملك إلى النبوة، وغيرها مما أفاض عليه من النعم الدينية والدنيوية، { ويهيديك صراطا مستقيما } أي: يثبتك على الطريق القويم، والدين المستقيم، والاستقامة وإن كانت حاصلة قبل الفتح، لكن حاصل بعد ذلك من اتضاح سبيل الحق، واستقامة مناهجه، ما لم يكن حاصلا قبل. { وينصرك الله } أي: يظهر دينك، ويعزك، فإظهار الاسم الجليل لكونه خاتمة الغايات، ولإظهار كمال العناية، بشأن النصر، كما يعرب عنه تأكيده بقوله: { نصرا عزيزا } أي: نصرا فيه عزة ومنعه، أو: قويا منيعا، على وصف المصدر بوصف صاحبه، مجازا، للمبالغة، أو: عزيزا صاحبه. الإشارة: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } بأن كشفنا لك عن أسرار ذاتنا، وأنوار صفاتنا، وجمال أفعالنا، فشاهدتنا بنا، ليغفر لك الله، أي: ليغيبك عن وجودك في شعور محبوبك، ويستر عنك حسك ورسمك، حتى تكون بنا في كل شيء، قديما وحديثا، قال القشيري: وذنب الوجود هو الشرك في الوجود، وغفره: ستره بنور الوحدة، لمحو ظلمة الأثينية ه. ويتم نعمته عليك بالجمع بين شهود الربوبية، والقيام بآداب العبودية، ودلالة الخلق على شهود قيام الديمومية، ويهديك طريقا مستقيما توصل إلى حضرتنا، فتسلكها وتبينها لمن يكون على قدمك، وينصرك الله نصرا عزيزا، بالتمكن في شهود ذاتنا، والعكوف في حضرتنا، محفوفا بالنصرة والعناية، محمولا في محفة الرعاية. ولما نزل قوله: { ليغفر لك الله } قال المؤمنون: هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين }.
الفتح 48:3
يقول الحق جل جلاله: { إنا فتحنا لك } الفتح عبارة عن الظفر بالبلدة عنوة أو صلحا، بحرب أو بدون، فإنه ما لم يقع الظفر منغلق، مأخوذ من: فتح باب الدار. وإسناده إلى نون العظمة لإسناد الفعل إلى الله تعالى خلقا وإيجادا. قيل: المراد به فتح مكة، وهو المروي عن أنس رضي الله عنه، بشر به صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من الحديبية. والتعبير عنه بصيغة الماضي على سنن الأخبار الإلهية المحققة الوقوع، للإذيان بتحققه، تأكيدا للتبشير، وتصدير الكلام بحرف التحقيق لذلك، وفيه من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر به - وهو الفتح - ما لا يخفى. وقيل: هو فتح الحديبية، وهو الذي عند البخاري عن أنس، وهو الصحيح عند ابن عطية، وعليه الجمهور. وفيها أخذت البيعة على الجهاد، وهو كان سبب إظهار الإسلام وفشوه، وذلك أن المشركين كانوا ممنوعين من مخالطة أهل الإسلام، للحرب التي كانت بينهم، فلما وقع الصلح اختلط الناس بعضهم مع بعض، وجعل الكفار يرون أنوار الإسلام، ويسمعون القرآن، فأسلم حينئذ بشر كثير قبل فتح مكة. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن رجلا قال: ما هذا بفتح، لقد صدونا عن البيت، ومنعونا، قال:
" بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما يكرهون "
وعن الشعبي أنه قال: نزلت سورة الفتح بالحديبية، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، حيث بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبلغ الهدي محله، وبشروا بخيبر، وظهرت الروم على فارس، ففرح به المسلمون، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة، وهي أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت بالماء، حتى شرب جميع من كان معه، وقيل: جاش بالماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد. وقيل: هو جميع ما فتح له صلى الله عليه وسلم، من الإسلام، والدعوة، والنبوة، والحجة، والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كافة إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا هو شعبة من شعبه، وفرع من فروعه. وقيل: الفتح: بمعنى القضاء، والمعنى: قضينا لك على أهل مكة أن تدخلها من قابل، وأيا ما كان فحذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل، والإيذان بأن مناط التبشير هو نفس الفتح الصادر عنه سبحانه، لا خصوصية المفتوح. قاله أبو السعود. { فتحا مبينا } ظاهر الأمر، مكشوف الحال، فارقا بين الحق والباطل. وقوله تعالى: { ليغفر لك الله } غاية للفتح، من حيث إنه مترتب على سعيه صلى الله عليه وسلم في إعلاء كلمة الله، بمكابدة مشاق الحروب، واقتحام موارد الخطوب، أي: جعلنا الفتح على يديك، وبسبب سعيك، ليكون سببا لغفران الله لك { ما تقدم من ذنبك وما تأخر } أي: جميع ما فرط منك من ترك الأولى، وما سيقع، وتسميته ذنبا بالنظر إلى منصبه الجليل، وتقدم قريبا تحقيقه.
وقول الجلال: " اللام للعلة الغائبة فمدخولها مسبب لا سبب، لا يريد التعليل على حقيقته العقلية، فإنه عليه تعالى محال، وإنما يريد صورة التعليل، الذي هو حكمة الشيء، وفائدته العائدة على خلقه، فضلا وإحسانا، فالحكم والمصالح غاية لأفعاله تعالى، ومنافع راجعة إلى المخلوقات، وليس شيء منها غرضا وعلة غائية لفعله، بحيث يكون سببا لإقدامه على الفعل، وعلة غائية للفعل لغناه تعالى، وكماله في ذاته عن الاستكمال بفعل من الأفعال، وما ورد في الآيات والأحاديث مما يوهم الغرض والعلة فإنه يحمل على الغايات المترتبة والحكمة، فاحتفظ بذلك. قاله صابح الحاشية الفاسية. واللائق أن المعنى: إنا فتحنا لك وقضينا لك بأمر عاقبته أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة، بأن غفر لك، وأتم نعمته عليك وهداك، ونصرك. فاللام لام العاقبة لا لام العلة فإن إفضال الله على رسوله لا يعلل ولا يوازي بعمل. ه. { ويتم نعمته عليك } بإعلاء الدين، وضم الملك إلى النبوة، وغيرها مما أفاض عليه من النعم الدينية والدنيوية، { ويهيديك صراطا مستقيما } أي: يثبتك على الطريق القويم، والدين المستقيم، والاستقامة وإن كانت حاصلة قبل الفتح، لكن حاصل بعد ذلك من اتضاح سبيل الحق، واستقامة مناهجه، ما لم يكن حاصلا قبل. { وينصرك الله } أي: يظهر دينك، ويعزك، فإظهار الاسم الجليل لكونه خاتمة الغايات، ولإظهار كمال العناية، بشأن النصر، كما يعرب عنه تأكيده بقوله: { نصرا عزيزا } أي: نصرا فيه عزة ومنعه، أو: قويا منيعا، على وصف المصدر بوصف صاحبه، مجازا، للمبالغة، أو: عزيزا صاحبه. الإشارة: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } بأن كشفنا لك عن أسرار ذاتنا، وأنوار صفاتنا، وجمال أفعالنا، فشاهدتنا بنا، ليغفر لك الله، أي: ليغيبك عن وجودك في شعور محبوبك، ويستر عنك حسك ورسمك، حتى تكون بنا في كل شيء، قديما وحديثا، قال القشيري: وذنب الوجود هو الشرك في الوجود، وغفره: ستره بنور الوحدة، لمحو ظلمة الأثينية ه. ويتم نعمته عليك بالجمع بين شهود الربوبية، والقيام بآداب العبودية، ودلالة الخلق على شهود قيام الديمومية، ويهديك طريقا مستقيما توصل إلى حضرتنا، فتسلكها وتبينها لمن يكون على قدمك، وينصرك الله نصرا عزيزا، بالتمكن في شهود ذاتنا، والعكوف في حضرتنا، محفوفا بالنصرة والعناية، محمولا في محفة الرعاية. ولما نزل قوله: { ليغفر لك الله } قال المؤمنون: هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين }.
الفتح 48:4
يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل السكينة } أي: السكون والطمأنينة، فعلة، من: السكون، كالبهيتة من البهتان، { في قلوب المؤمنين } حتى لم يتضعضعوا من الشروط التي عقدها صلى الله عليه وسلم مع المشركين، من رد من أسلم منهم، وعدم ردهم من رجع إليهم، ومن دخول مكة قابلا بلا سلاح، وغير ذلك مما فعله صلى الله عليه وسلم معهم بالوحي، وما صدر عن عمر رضي الله عنه فلشدة قوته وصلابته، وما زال يعتق ويفعل أمورا كفارة لذلك. وقيل: { السكينة }: الصبر على ما أمر به الله من الشرائع والثقة بوعد الله، والتعظيم لأمر الله، { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي: يقينا إلى يقينهم، أو: إيمانا بالشرائع مع إيمانهم بالعقائد. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: بعث الله نبيه بشهادة " ألا إله إلا الله " فلما صدقوه فيها، زادهم الصلاة، فلام صدقوه، زادهم الزكاة، فلما صدقوه، زادهم الحج، فلما صدقوا زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فذلك قوله: { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض } يدبرها كما يريد، يسلط بعضها على بعض تارة، ويوقع الصلح بينهما أخرى، حسبنا تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، { وكان الله عليما } مبالغا في العلم بجميع الأمور { حكيما } في تدبيره وتقديره. { ليدخل المؤمنين والمؤمنات } اللام متعلق بما يدل عليه ما ذكر من قوله: { ولله جنود السماوات والأرض } من معنى التصرف، أي: دبر ما دبر من تسليط المؤمنين، ليعرفوا نعمة الله ويشكروها، فيدخلهم { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم } أي: يغطي عنهم مساوئهم، فلا يظهرها لهم ولا لغيرهم. وتقديم الإدخال على التكفير، مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى. { وكان ذلك } أي: ما ذكر من الإدخال والتكفير { عند الله فوزا عظميا } لا يقادر قدره لأنه منتهى ما امتدت إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر. و " عند الله ": حال من " فوزا عظيما " لأنه صفته في الأصل، فلما قدم عليه صار حالا، أي: كائنا عند الله في علمه وقضائه. والجملة اعتراض مقرر لما قبله. { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } لما أغاظهم من ذلك وكرهوه، وهو عطف على " يدخل " ، وفي تقديم المنافقين على المشركين ما لا يخفى من الدلالة على أنهم أحق منهم بالعذاب. { الظانين بالله ظن السوء } أي: ظن الأمر السوء، وهو ألا ينصر الله رسوله والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة، فالسوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده، يقال: فعل سوء، أي: مسخوط فاسد. { عليهم دائرة السوء } أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين، وهو دائر عليهم وحائق بهم.
وفيه لغتان: فتح السين وضمها، كالكره والكره، والضعف والضعف، غير أن المفتوح غلب عليه أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما السوء فجار مجرى الشيء الذي هو نقيض الخير، أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها دائرة عليهم، ولاحقة بهم، { وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } لهم، وهو عطف لما استوجبوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا، وعطف " ولعنهم " وما بعده بالواو، مع أن حقهما الفاء المفيدة للسببية إيذانا باستقلال كل واحد منها بالوعيد، وأصالته، من غير استتباع بعضها لبعض. { ولله جنود السماوات والأرض } إعادة لما سبق، وفائدتها: التنبيه على أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، كما ينبئ عنه التعرض لوصف العزة في قوله: { وكان الله عزيزا } أي: غالبا فلا يرد بأسمه { حكيما } فلا يعترض صنعه. والله تعالى أعلم. الإشارة: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المتوجهين، حتى سكنوا لصدمات تجلي الجلال، وأنوار الجمال، وسكنوا تحت مجاري الأقدار، كيفما برزت، بمرارة أو حلاوة، قال القشيري: والسكينة: ما يسكن إليه القلب من أنوار الإيمان والإيقان، أو العرفان بمشاهدة العيان، بل الاستغراق في بحر العين بلا أين. ه. ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، فيترقوا من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان، ومن مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، أو من علم اليقين إلى عين اليقين، ومن عين اليقين إلى حق اليقين، أو من المراقبة إلى المشاهدة، أو من رؤية الأسباب إلى مسبب الأسباب. { ولله جنود السماوات والأرض } وهي الجنود التي يمد الله بها الروح في محاربتها للنفس، حتى تغلبها وتستولي عليها، وهي اليقين، العلم، والذكر، والفكر، والواردات الإلهية، التي تأتي من حضرة القهار، فتدمغ كل ما تصادمه من الأغيار والأكدار، وكان الله عليما بمن يستحق هذه الواردات، حكيما في ترتيبها وتدبيرها، ليدخل من تأيد بها جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ويغطي عنهم مساوئهم حتى يصلوا إليه، بما منه إليهم، لا بما منهم إليه وهذا هو الفوز العظيم، يفوز صاحبه بالنعيم المقيم، في جوار الكريم. ويعذب أهل النفاق المنتقدين على أولياء الله، المتوجهين إليه، الظانين بالله ظن السوء، وهو أن خصوصية التربية انقطعت. { ولله جنود السماوات والأرض } أي: جنود الحجاب، وهو جند النفس، من الهوى والشيطان، والدنيا والناس، يسلطها على من يشاء من عباده، إن يبقى في ظلمة الحجاب، والله غالب على أمره. ثم شهد لرسوله بالرسالة، بعد بشارته بالفتح والعصمة، فقال: { إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا }.
الفتح 48:5
يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل السكينة } أي: السكون والطمأنينة، فعلة، من: السكون، كالبهيتة من البهتان، { في قلوب المؤمنين } حتى لم يتضعضعوا من الشروط التي عقدها صلى الله عليه وسلم مع المشركين، من رد من أسلم منهم، وعدم ردهم من رجع إليهم، ومن دخول مكة قابلا بلا سلاح، وغير ذلك مما فعله صلى الله عليه وسلم معهم بالوحي، وما صدر عن عمر رضي الله عنه فلشدة قوته وصلابته، وما زال يعتق ويفعل أمورا كفارة لذلك. وقيل: { السكينة }: الصبر على ما أمر به الله من الشرائع والثقة بوعد الله، والتعظيم لأمر الله، { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي: يقينا إلى يقينهم، أو: إيمانا بالشرائع مع إيمانهم بالعقائد. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: بعث الله نبيه بشهادة " ألا إله إلا الله " فلما صدقوه فيها، زادهم الصلاة، فلام صدقوه، زادهم الزكاة، فلما صدقوه، زادهم الحج، فلما صدقوا زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فذلك قوله: { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض } يدبرها كما يريد، يسلط بعضها على بعض تارة، ويوقع الصلح بينهما أخرى، حسبنا تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، { وكان الله عليما } مبالغا في العلم بجميع الأمور { حكيما } في تدبيره وتقديره. { ليدخل المؤمنين والمؤمنات } اللام متعلق بما يدل عليه ما ذكر من قوله: { ولله جنود السماوات والأرض } من معنى التصرف، أي: دبر ما دبر من تسليط المؤمنين، ليعرفوا نعمة الله ويشكروها، فيدخلهم { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم } أي: يغطي عنهم مساوئهم، فلا يظهرها لهم ولا لغيرهم. وتقديم الإدخال على التكفير، مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى. { وكان ذلك } أي: ما ذكر من الإدخال والتكفير { عند الله فوزا عظميا } لا يقادر قدره لأنه منتهى ما امتدت إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر. و " عند الله ": حال من " فوزا عظيما " لأنه صفته في الأصل، فلما قدم عليه صار حالا، أي: كائنا عند الله في علمه وقضائه. والجملة اعتراض مقرر لما قبله. { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } لما أغاظهم من ذلك وكرهوه، وهو عطف على " يدخل " ، وفي تقديم المنافقين على المشركين ما لا يخفى من الدلالة على أنهم أحق منهم بالعذاب. { الظانين بالله ظن السوء } أي: ظن الأمر السوء، وهو ألا ينصر الله رسوله والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة، فالسوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده، يقال: فعل سوء، أي: مسخوط فاسد. { عليهم دائرة السوء } أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين، وهو دائر عليهم وحائق بهم.
وفيه لغتان: فتح السين وضمها، كالكره والكره، والضعف والضعف، غير أن المفتوح غلب عليه أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما السوء فجار مجرى الشيء الذي هو نقيض الخير، أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها دائرة عليهم، ولاحقة بهم، { وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } لهم، وهو عطف لما استوجبوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا، وعطف " ولعنهم " وما بعده بالواو، مع أن حقهما الفاء المفيدة للسببية إيذانا باستقلال كل واحد منها بالوعيد، وأصالته، من غير استتباع بعضها لبعض. { ولله جنود السماوات والأرض } إعادة لما سبق، وفائدتها: التنبيه على أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، كما ينبئ عنه التعرض لوصف العزة في قوله: { وكان الله عزيزا } أي: غالبا فلا يرد بأسمه { حكيما } فلا يعترض صنعه. والله تعالى أعلم. الإشارة: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المتوجهين، حتى سكنوا لصدمات تجلي الجلال، وأنوار الجمال، وسكنوا تحت مجاري الأقدار، كيفما برزت، بمرارة أو حلاوة، قال القشيري: والسكينة: ما يسكن إليه القلب من أنوار الإيمان والإيقان، أو العرفان بمشاهدة العيان، بل الاستغراق في بحر العين بلا أين. ه. ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، فيترقوا من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان، ومن مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، أو من علم اليقين إلى عين اليقين، ومن عين اليقين إلى حق اليقين، أو من المراقبة إلى المشاهدة، أو من رؤية الأسباب إلى مسبب الأسباب. { ولله جنود السماوات والأرض } وهي الجنود التي يمد الله بها الروح في محاربتها للنفس، حتى تغلبها وتستولي عليها، وهي اليقين، العلم، والذكر، والفكر، والواردات الإلهية، التي تأتي من حضرة القهار، فتدمغ كل ما تصادمه من الأغيار والأكدار، وكان الله عليما بمن يستحق هذه الواردات، حكيما في ترتيبها وتدبيرها، ليدخل من تأيد بها جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ويغطي عنهم مساوئهم حتى يصلوا إليه، بما منه إليهم، لا بما منهم إليه وهذا هو الفوز العظيم، يفوز صاحبه بالنعيم المقيم، في جوار الكريم. ويعذب أهل النفاق المنتقدين على أولياء الله، المتوجهين إليه، الظانين بالله ظن السوء، وهو أن خصوصية التربية انقطعت. { ولله جنود السماوات والأرض } أي: جنود الحجاب، وهو جند النفس، من الهوى والشيطان، والدنيا والناس، يسلطها على من يشاء من عباده، إن يبقى في ظلمة الحجاب، والله غالب على أمره. ثم شهد لرسوله بالرسالة، بعد بشارته بالفتح والعصمة، فقال: { إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا }.
الفتح 48:6
يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل السكينة } أي: السكون والطمأنينة، فعلة، من: السكون، كالبهيتة من البهتان، { في قلوب المؤمنين } حتى لم يتضعضعوا من الشروط التي عقدها صلى الله عليه وسلم مع المشركين، من رد من أسلم منهم، وعدم ردهم من رجع إليهم، ومن دخول مكة قابلا بلا سلاح، وغير ذلك مما فعله صلى الله عليه وسلم معهم بالوحي، وما صدر عن عمر رضي الله عنه فلشدة قوته وصلابته، وما زال يعتق ويفعل أمورا كفارة لذلك. وقيل: { السكينة }: الصبر على ما أمر به الله من الشرائع والثقة بوعد الله، والتعظيم لأمر الله، { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي: يقينا إلى يقينهم، أو: إيمانا بالشرائع مع إيمانهم بالعقائد. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: بعث الله نبيه بشهادة " ألا إله إلا الله " فلما صدقوه فيها، زادهم الصلاة، فلام صدقوه، زادهم الزكاة، فلما صدقوه، زادهم الحج، فلما صدقوا زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فذلك قوله: { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض } يدبرها كما يريد، يسلط بعضها على بعض تارة، ويوقع الصلح بينهما أخرى، حسبنا تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، { وكان الله عليما } مبالغا في العلم بجميع الأمور { حكيما } في تدبيره وتقديره. { ليدخل المؤمنين والمؤمنات } اللام متعلق بما يدل عليه ما ذكر من قوله: { ولله جنود السماوات والأرض } من معنى التصرف، أي: دبر ما دبر من تسليط المؤمنين، ليعرفوا نعمة الله ويشكروها، فيدخلهم { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم } أي: يغطي عنهم مساوئهم، فلا يظهرها لهم ولا لغيرهم. وتقديم الإدخال على التكفير، مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى. { وكان ذلك } أي: ما ذكر من الإدخال والتكفير { عند الله فوزا عظميا } لا يقادر قدره لأنه منتهى ما امتدت إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر. و " عند الله ": حال من " فوزا عظيما " لأنه صفته في الأصل، فلما قدم عليه صار حالا، أي: كائنا عند الله في علمه وقضائه. والجملة اعتراض مقرر لما قبله. { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } لما أغاظهم من ذلك وكرهوه، وهو عطف على " يدخل " ، وفي تقديم المنافقين على المشركين ما لا يخفى من الدلالة على أنهم أحق منهم بالعذاب. { الظانين بالله ظن السوء } أي: ظن الأمر السوء، وهو ألا ينصر الله رسوله والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة، فالسوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده، يقال: فعل سوء، أي: مسخوط فاسد. { عليهم دائرة السوء } أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين، وهو دائر عليهم وحائق بهم.
وفيه لغتان: فتح السين وضمها، كالكره والكره، والضعف والضعف، غير أن المفتوح غلب عليه أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما السوء فجار مجرى الشيء الذي هو نقيض الخير، أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها دائرة عليهم، ولاحقة بهم، { وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } لهم، وهو عطف لما استوجبوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا، وعطف " ولعنهم " وما بعده بالواو، مع أن حقهما الفاء المفيدة للسببية إيذانا باستقلال كل واحد منها بالوعيد، وأصالته، من غير استتباع بعضها لبعض. { ولله جنود السماوات والأرض } إعادة لما سبق، وفائدتها: التنبيه على أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، كما ينبئ عنه التعرض لوصف العزة في قوله: { وكان الله عزيزا } أي: غالبا فلا يرد بأسمه { حكيما } فلا يعترض صنعه. والله تعالى أعلم. الإشارة: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المتوجهين، حتى سكنوا لصدمات تجلي الجلال، وأنوار الجمال، وسكنوا تحت مجاري الأقدار، كيفما برزت، بمرارة أو حلاوة، قال القشيري: والسكينة: ما يسكن إليه القلب من أنوار الإيمان والإيقان، أو العرفان بمشاهدة العيان، بل الاستغراق في بحر العين بلا أين. ه. ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، فيترقوا من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان، ومن مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، أو من علم اليقين إلى عين اليقين، ومن عين اليقين إلى حق اليقين، أو من المراقبة إلى المشاهدة، أو من رؤية الأسباب إلى مسبب الأسباب. { ولله جنود السماوات والأرض } وهي الجنود التي يمد الله بها الروح في محاربتها للنفس، حتى تغلبها وتستولي عليها، وهي اليقين، العلم، والذكر، والفكر، والواردات الإلهية، التي تأتي من حضرة القهار، فتدمغ كل ما تصادمه من الأغيار والأكدار، وكان الله عليما بمن يستحق هذه الواردات، حكيما في ترتيبها وتدبيرها، ليدخل من تأيد بها جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ويغطي عنهم مساوئهم حتى يصلوا إليه، بما منه إليهم، لا بما منهم إليه وهذا هو الفوز العظيم، يفوز صاحبه بالنعيم المقيم، في جوار الكريم. ويعذب أهل النفاق المنتقدين على أولياء الله، المتوجهين إليه، الظانين بالله ظن السوء، وهو أن خصوصية التربية انقطعت. { ولله جنود السماوات والأرض } أي: جنود الحجاب، وهو جند النفس، من الهوى والشيطان، والدنيا والناس، يسلطها على من يشاء من عباده، إن يبقى في ظلمة الحجاب، والله غالب على أمره. ثم شهد لرسوله بالرسالة، بعد بشارته بالفتح والعصمة، فقال: { إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا }.
الفتح 48:7
يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل السكينة } أي: السكون والطمأنينة، فعلة، من: السكون، كالبهيتة من البهتان، { في قلوب المؤمنين } حتى لم يتضعضعوا من الشروط التي عقدها صلى الله عليه وسلم مع المشركين، من رد من أسلم منهم، وعدم ردهم من رجع إليهم، ومن دخول مكة قابلا بلا سلاح، وغير ذلك مما فعله صلى الله عليه وسلم معهم بالوحي، وما صدر عن عمر رضي الله عنه فلشدة قوته وصلابته، وما زال يعتق ويفعل أمورا كفارة لذلك. وقيل: { السكينة }: الصبر على ما أمر به الله من الشرائع والثقة بوعد الله، والتعظيم لأمر الله، { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي: يقينا إلى يقينهم، أو: إيمانا بالشرائع مع إيمانهم بالعقائد. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: بعث الله نبيه بشهادة " ألا إله إلا الله " فلما صدقوه فيها، زادهم الصلاة، فلام صدقوه، زادهم الزكاة، فلما صدقوه، زادهم الحج، فلما صدقوا زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فذلك قوله: { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض } يدبرها كما يريد، يسلط بعضها على بعض تارة، ويوقع الصلح بينهما أخرى، حسبنا تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، { وكان الله عليما } مبالغا في العلم بجميع الأمور { حكيما } في تدبيره وتقديره. { ليدخل المؤمنين والمؤمنات } اللام متعلق بما يدل عليه ما ذكر من قوله: { ولله جنود السماوات والأرض } من معنى التصرف، أي: دبر ما دبر من تسليط المؤمنين، ليعرفوا نعمة الله ويشكروها، فيدخلهم { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم } أي: يغطي عنهم مساوئهم، فلا يظهرها لهم ولا لغيرهم. وتقديم الإدخال على التكفير، مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى. { وكان ذلك } أي: ما ذكر من الإدخال والتكفير { عند الله فوزا عظميا } لا يقادر قدره لأنه منتهى ما امتدت إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر. و " عند الله ": حال من " فوزا عظيما " لأنه صفته في الأصل، فلما قدم عليه صار حالا، أي: كائنا عند الله في علمه وقضائه. والجملة اعتراض مقرر لما قبله. { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } لما أغاظهم من ذلك وكرهوه، وهو عطف على " يدخل " ، وفي تقديم المنافقين على المشركين ما لا يخفى من الدلالة على أنهم أحق منهم بالعذاب. { الظانين بالله ظن السوء } أي: ظن الأمر السوء، وهو ألا ينصر الله رسوله والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة، فالسوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده، يقال: فعل سوء، أي: مسخوط فاسد. { عليهم دائرة السوء } أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين، وهو دائر عليهم وحائق بهم.
وفيه لغتان: فتح السين وضمها، كالكره والكره، والضعف والضعف، غير أن المفتوح غلب عليه أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما السوء فجار مجرى الشيء الذي هو نقيض الخير، أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها دائرة عليهم، ولاحقة بهم، { وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } لهم، وهو عطف لما استوجبوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا، وعطف " ولعنهم " وما بعده بالواو، مع أن حقهما الفاء المفيدة للسببية إيذانا باستقلال كل واحد منها بالوعيد، وأصالته، من غير استتباع بعضها لبعض. { ولله جنود السماوات والأرض } إعادة لما سبق، وفائدتها: التنبيه على أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، كما ينبئ عنه التعرض لوصف العزة في قوله: { وكان الله عزيزا } أي: غالبا فلا يرد بأسمه { حكيما } فلا يعترض صنعه. والله تعالى أعلم. الإشارة: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المتوجهين، حتى سكنوا لصدمات تجلي الجلال، وأنوار الجمال، وسكنوا تحت مجاري الأقدار، كيفما برزت، بمرارة أو حلاوة، قال القشيري: والسكينة: ما يسكن إليه القلب من أنوار الإيمان والإيقان، أو العرفان بمشاهدة العيان، بل الاستغراق في بحر العين بلا أين. ه. ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، فيترقوا من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان، ومن مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، أو من علم اليقين إلى عين اليقين، ومن عين اليقين إلى حق اليقين، أو من المراقبة إلى المشاهدة، أو من رؤية الأسباب إلى مسبب الأسباب. { ولله جنود السماوات والأرض } وهي الجنود التي يمد الله بها الروح في محاربتها للنفس، حتى تغلبها وتستولي عليها، وهي اليقين، العلم، والذكر، والفكر، والواردات الإلهية، التي تأتي من حضرة القهار، فتدمغ كل ما تصادمه من الأغيار والأكدار، وكان الله عليما بمن يستحق هذه الواردات، حكيما في ترتيبها وتدبيرها، ليدخل من تأيد بها جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ويغطي عنهم مساوئهم حتى يصلوا إليه، بما منه إليهم، لا بما منهم إليه وهذا هو الفوز العظيم، يفوز صاحبه بالنعيم المقيم، في جوار الكريم. ويعذب أهل النفاق المنتقدين على أولياء الله، المتوجهين إليه، الظانين بالله ظن السوء، وهو أن خصوصية التربية انقطعت. { ولله جنود السماوات والأرض } أي: جنود الحجاب، وهو جند النفس، من الهوى والشيطان، والدنيا والناس، يسلطها على من يشاء من عباده، إن يبقى في ظلمة الحجاب، والله غالب على أمره. ثم شهد لرسوله بالرسالة، بعد بشارته بالفتح والعصمة، فقال: { إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا }.
الفتح 48:8
يقول الحق جل جلاله: { إنا أرسلناك شاهدا } تشهد على أمتك يوم القيامة، كقوله:
ويكون الرسول عليكم شهيدا
[البقرة: 143] وهو حال مقدرة، { ومبشرا } لأهل الطاعة بالجنة، { ونذيرا } لأهل المعصية بالنار، { لتؤمنوا بالله ورسوله } والخطاب للرسول والأمة، { وتعزروه } تقووه بنصر دينه، { وتوقروه } أي: تعظموه بتعظيم رسوله وسائر حرماته، { وتسبحوه } تنزهوه، أو تصلوا له، من: السبحة، { بكرة وأصيلا } غدوة وعشية، قيل: غدوة: صلاة الفجر، وعشية: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. والضمائر لله تعالى. ومن فرق فجعل الأولين للنبي صلى الله عليه وسلم والأخير لله تعالى، فقد أبعد. وقرأ المكي والبصري بالغيب في الأربعة، والضمائر للناس، وقرأ ابن السميفع: " وتعززوه " بزاءين، أي: تنصروه وتعزوا دينه. { إن الذين يبايعونك } على الجهاد، بيعة الرضوان { إنما يبايعون الله } لأنه خليفة عنه، فعقد البيعة معه صلى الله عليه وسلم كعقدها مع الله من غير تفاوت بينهما، كقوله:
من يطع الرسول فقد أطاع الله
[النساء: 80] ثم أكد ذلك بقوله: { يد الله فوق أيديهم } يعني: أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، من باب مبالغة التشبيه، { فمن نكث } نقض البيعة، ولم يف بها { فإنما ينكث على نفسه } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر رضي الله عنه: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت، وعلى ألا نفر، فما نكث أحد منا البيعة، إلا جد بن قيس المنافق، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع قومه ". { ومن أوفى بما عاهد عليه الله } يقال: وفيت بالعهد وأوفيت. وقرأ حفص بضم الهاء من " عليه " توسلا لتفخيم لام الجلالة، وقيل: هو الأصل، وإنما كسر لمناسبة الياء. أي: ومن وفى بعهده بالبيعة { فسيؤتيه أجرا عظيما } الجنة وما فيها. الإشارة: لكل جيل من الناس يبعث الله من يذكرهم، ويدعوهم إلى الله، بمعرفته، أو بإقامة دينه، ليدوم الإيمان بالله ورسوله، ويحصل النصر والتعظيم للدين إلى يوم الدين، ولولا هؤلاء الخلفاء لضاع الدين، وقوله تعالى: { إن الذين يبايعونك } الآية، قال الورتجبي: ثم صرح بأنه عليه السلام مرآة لظهور ذاته وصفاته، وهو مقام الاتصاف بأنوار الذات والصفات في نور الفعل، فصار هو هو، إذا غاب الفعل في الصفة، وغابت الصفة في الذات. فقال: { إن الذين يبايعونك... } الآية. وإلى ذلك يشير الحلاج وغيره. وقال في القوت: هذه أمدح آية في كتاب الله عز وجل، وأبلغ فضيلة فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه جعله في اللفظ بدلا عنه، فيقول: لله، وليس هذا من الربوبية للخلق سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ه. وقال الحسن بن منصور الحلاج: لم يظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد بالتصريح إلا على أخص نسمه وأشرفه، فقال: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله }.
ه. قال القشيري: وفي هذه الآية تصريح بعين الجمع، كما قال:
وما رميت إذ رميت
[الأنفال: 17] وقال في مختصره: يشير إلى كمال فنائه وجوده عليه السلام في الله وبقائه بالله. ه. فالآية تشير إلى مقام الجمع، المنبه عليه في الحديث:
" فإذا أحببته كنت سمعه، وبصره، ويده "
وسائر قواه، الذي هو سر الخلافة والبقاء بالله وهذا الأمر حاصل لخلفائه صلى الله عليه وسلم من العارفين بالله، أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التربية النبوية في كل زمان، فمن بايعهم فقد بايع الله، ومن نظر إليهم فقد نظر إلى الله، فمن نكث العهد بعد عقده معهم فإنما ينكثه على نفسه، فتيبس شجرة إرادته، ويطمس نور بصيرته، فيرجع إلى مقام عامة أهل اليمين ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما شهود ذاته المقدسة على الدوام، والظفر بمقام المقربين، ثبتنا الله على منهاجه القويم، من غير انتكاص ولا رجوع، آمين. ثم ذكر من تخلف عن البيعة، فقال: { سيقول لك المخلفون من الأعراب }.
الفتح 48:9
يقول الحق جل جلاله: { إنا أرسلناك شاهدا } تشهد على أمتك يوم القيامة، كقوله:
ويكون الرسول عليكم شهيدا
[البقرة: 143] وهو حال مقدرة، { ومبشرا } لأهل الطاعة بالجنة، { ونذيرا } لأهل المعصية بالنار، { لتؤمنوا بالله ورسوله } والخطاب للرسول والأمة، { وتعزروه } تقووه بنصر دينه، { وتوقروه } أي: تعظموه بتعظيم رسوله وسائر حرماته، { وتسبحوه } تنزهوه، أو تصلوا له، من: السبحة، { بكرة وأصيلا } غدوة وعشية، قيل: غدوة: صلاة الفجر، وعشية: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. والضمائر لله تعالى. ومن فرق فجعل الأولين للنبي صلى الله عليه وسلم والأخير لله تعالى، فقد أبعد. وقرأ المكي والبصري بالغيب في الأربعة، والضمائر للناس، وقرأ ابن السميفع: " وتعززوه " بزاءين، أي: تنصروه وتعزوا دينه. { إن الذين يبايعونك } على الجهاد، بيعة الرضوان { إنما يبايعون الله } لأنه خليفة عنه، فعقد البيعة معه صلى الله عليه وسلم كعقدها مع الله من غير تفاوت بينهما، كقوله:
من يطع الرسول فقد أطاع الله
[النساء: 80] ثم أكد ذلك بقوله: { يد الله فوق أيديهم } يعني: أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، من باب مبالغة التشبيه، { فمن نكث } نقض البيعة، ولم يف بها { فإنما ينكث على نفسه } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر رضي الله عنه: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت، وعلى ألا نفر، فما نكث أحد منا البيعة، إلا جد بن قيس المنافق، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع قومه ". { ومن أوفى بما عاهد عليه الله } يقال: وفيت بالعهد وأوفيت. وقرأ حفص بضم الهاء من " عليه " توسلا لتفخيم لام الجلالة، وقيل: هو الأصل، وإنما كسر لمناسبة الياء. أي: ومن وفى بعهده بالبيعة { فسيؤتيه أجرا عظيما } الجنة وما فيها. الإشارة: لكل جيل من الناس يبعث الله من يذكرهم، ويدعوهم إلى الله، بمعرفته، أو بإقامة دينه، ليدوم الإيمان بالله ورسوله، ويحصل النصر والتعظيم للدين إلى يوم الدين، ولولا هؤلاء الخلفاء لضاع الدين، وقوله تعالى: { إن الذين يبايعونك } الآية، قال الورتجبي: ثم صرح بأنه عليه السلام مرآة لظهور ذاته وصفاته، وهو مقام الاتصاف بأنوار الذات والصفات في نور الفعل، فصار هو هو، إذا غاب الفعل في الصفة، وغابت الصفة في الذات. فقال: { إن الذين يبايعونك... } الآية. وإلى ذلك يشير الحلاج وغيره. وقال في القوت: هذه أمدح آية في كتاب الله عز وجل، وأبلغ فضيلة فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه جعله في اللفظ بدلا عنه، فيقول: لله، وليس هذا من الربوبية للخلق سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ه. وقال الحسن بن منصور الحلاج: لم يظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد بالتصريح إلا على أخص نسمه وأشرفه، فقال: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله }.
ه. قال القشيري: وفي هذه الآية تصريح بعين الجمع، كما قال:
وما رميت إذ رميت
[الأنفال: 17] وقال في مختصره: يشير إلى كمال فنائه وجوده عليه السلام في الله وبقائه بالله. ه. فالآية تشير إلى مقام الجمع، المنبه عليه في الحديث:
" فإذا أحببته كنت سمعه، وبصره، ويده "
وسائر قواه، الذي هو سر الخلافة والبقاء بالله وهذا الأمر حاصل لخلفائه صلى الله عليه وسلم من العارفين بالله، أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التربية النبوية في كل زمان، فمن بايعهم فقد بايع الله، ومن نظر إليهم فقد نظر إلى الله، فمن نكث العهد بعد عقده معهم فإنما ينكثه على نفسه، فتيبس شجرة إرادته، ويطمس نور بصيرته، فيرجع إلى مقام عامة أهل اليمين ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما شهود ذاته المقدسة على الدوام، والظفر بمقام المقربين، ثبتنا الله على منهاجه القويم، من غير انتكاص ولا رجوع، آمين. ثم ذكر من تخلف عن البيعة، فقال: { سيقول لك المخلفون من الأعراب }.
الفتح 48:10
يقول الحق جل جلاله: { إنا أرسلناك شاهدا } تشهد على أمتك يوم القيامة، كقوله:
ويكون الرسول عليكم شهيدا
[البقرة: 143] وهو حال مقدرة، { ومبشرا } لأهل الطاعة بالجنة، { ونذيرا } لأهل المعصية بالنار، { لتؤمنوا بالله ورسوله } والخطاب للرسول والأمة، { وتعزروه } تقووه بنصر دينه، { وتوقروه } أي: تعظموه بتعظيم رسوله وسائر حرماته، { وتسبحوه } تنزهوه، أو تصلوا له، من: السبحة، { بكرة وأصيلا } غدوة وعشية، قيل: غدوة: صلاة الفجر، وعشية: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. والضمائر لله تعالى. ومن فرق فجعل الأولين للنبي صلى الله عليه وسلم والأخير لله تعالى، فقد أبعد. وقرأ المكي والبصري بالغيب في الأربعة، والضمائر للناس، وقرأ ابن السميفع: " وتعززوه " بزاءين، أي: تنصروه وتعزوا دينه. { إن الذين يبايعونك } على الجهاد، بيعة الرضوان { إنما يبايعون الله } لأنه خليفة عنه، فعقد البيعة معه صلى الله عليه وسلم كعقدها مع الله من غير تفاوت بينهما، كقوله:
من يطع الرسول فقد أطاع الله
[النساء: 80] ثم أكد ذلك بقوله: { يد الله فوق أيديهم } يعني: أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، من باب مبالغة التشبيه، { فمن نكث } نقض البيعة، ولم يف بها { فإنما ينكث على نفسه } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر رضي الله عنه: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت، وعلى ألا نفر، فما نكث أحد منا البيعة، إلا جد بن قيس المنافق، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع قومه ". { ومن أوفى بما عاهد عليه الله } يقال: وفيت بالعهد وأوفيت. وقرأ حفص بضم الهاء من " عليه " توسلا لتفخيم لام الجلالة، وقيل: هو الأصل، وإنما كسر لمناسبة الياء. أي: ومن وفى بعهده بالبيعة { فسيؤتيه أجرا عظيما } الجنة وما فيها. الإشارة: لكل جيل من الناس يبعث الله من يذكرهم، ويدعوهم إلى الله، بمعرفته، أو بإقامة دينه، ليدوم الإيمان بالله ورسوله، ويحصل النصر والتعظيم للدين إلى يوم الدين، ولولا هؤلاء الخلفاء لضاع الدين، وقوله تعالى: { إن الذين يبايعونك } الآية، قال الورتجبي: ثم صرح بأنه عليه السلام مرآة لظهور ذاته وصفاته، وهو مقام الاتصاف بأنوار الذات والصفات في نور الفعل، فصار هو هو، إذا غاب الفعل في الصفة، وغابت الصفة في الذات. فقال: { إن الذين يبايعونك... } الآية. وإلى ذلك يشير الحلاج وغيره. وقال في القوت: هذه أمدح آية في كتاب الله عز وجل، وأبلغ فضيلة فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه جعله في اللفظ بدلا عنه، فيقول: لله، وليس هذا من الربوبية للخلق سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ه. وقال الحسن بن منصور الحلاج: لم يظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد بالتصريح إلا على أخص نسمه وأشرفه، فقال: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله }.
ه. قال القشيري: وفي هذه الآية تصريح بعين الجمع، كما قال:
وما رميت إذ رميت
[الأنفال: 17] وقال في مختصره: يشير إلى كمال فنائه وجوده عليه السلام في الله وبقائه بالله. ه. فالآية تشير إلى مقام الجمع، المنبه عليه في الحديث:
" فإذا أحببته كنت سمعه، وبصره، ويده "
وسائر قواه، الذي هو سر الخلافة والبقاء بالله وهذا الأمر حاصل لخلفائه صلى الله عليه وسلم من العارفين بالله، أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التربية النبوية في كل زمان، فمن بايعهم فقد بايع الله، ومن نظر إليهم فقد نظر إلى الله، فمن نكث العهد بعد عقده معهم فإنما ينكثه على نفسه، فتيبس شجرة إرادته، ويطمس نور بصيرته، فيرجع إلى مقام عامة أهل اليمين ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما شهود ذاته المقدسة على الدوام، والظفر بمقام المقربين، ثبتنا الله على منهاجه القويم، من غير انتكاص ولا رجوع، آمين. ثم ذكر من تخلف عن البيعة، فقال: { سيقول لك المخلفون من الأعراب }.
الفتح 48:11
يقول الحق جل جلاله: { سيقول لك } يا محمد إذا رجعت من الحديبية { المخلفون من الأعراب } وهم الذين تخلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، والديل، وذلك انه صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة، عام الحديبية، معتمرا، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي، ليخرجوا معه، حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، وأحرم صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا، فتثاقل كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب إلى قوم غزوه في داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فنقاتلهم، وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة، فأوحى الله تعالى إليه ما قالوا، حيث تعللوا وقالوا: { شغلنا أموالنا وأهلونا } ولم يكن تخلفنا عنك اختيارا، بل عن اضطرار، { فاستغفر لنا } فأكذبهم الله بقوله: { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } فليس تخلفهم لأجل ذلك، وإنما تخلفوا شكا ونفاقا، وطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة. { قل } لهم: { فمن يملك لكم من الله شيئا } فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه { إن أراد بكم ضرا } أي: ما يضركم من هلاك الأهل، والمال وضياعها، حتى تخلفتم عن الخروج لحفظها، { أو أراد بكم نفعا } أي: من يقدر على ضركم إن أراد بكم نزول من ينفعكم، من حفظ أموالكم وأهليكم، فأي حاجة إلى التخلف لأجل القيام بحفظهما والأمر كله بيد الله؟ { بل كان الله بما تعملون خبيرا } إضراب عما قالوه، وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه، أي: ليس الأمر كما يقولون، بل كان الله خبيرا بجميع الأعمال، التي من جملتها تخلفكم وما هو سببه، فلا ينفعكم الكذب مع علم الله بجميع أسراركم. { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } بأن يستأصلهم المشركون بالموت، فخشيتم إن كنتم معهم أن يصيبكم ذلك، فتخلفتم لأجل ذلك، لا لما ذكرتم من المعاذيرالباطلة، { وزين ذلك في قلوبكم } زينه الشيطان وقبلتموه، واشتغلتم بشأن أنفسكم، غير مبالين بهم، { وظننتم ظن السوء } والمراد به الظن الأول، والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء، أو ما يعمه وغيره من الظنون الفاسدة، كعلو الكفر، وظهور الفساد، وعدم صحة رسالته صلى الله عليه وسلم، فإن الجازم بصحتها لا يحول حول فكره هذه الظنون الباطلة، { وكنتم قوما بورا } هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه، جمع: بائر، كعائذ وعوذ، من بار الشيء: هلك وفسد، أي: كنتم قوما فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم. { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا } أعددنا { للكافرين } أي: لهم، فأقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر مستوجب العسير.
ونكر { سعيرا } لأنها نار مخصوصة، كما نكر { نارا تلظى } [الليل: 14]. وهذا كلام وارد من قبله تعالى، غر داخل في الكلام المتقدم، مقرر لبوارهم، ومبين لكيفيته، أي: ومن لم يؤمن كهؤلاء المتخلفين، فإنا أعتدنا له سعيرا يحترق بها. { ولله ملك السماوات والأرض } يدبره تدبير قادر حكيم، ويتصرف فيهما وفيما بينهما كيف يشاء، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } بقدرته وحكمته، من غير دخل لأحد في شيء، ومن حكمته: مغفرته للمؤمنين وتعذيبه للكافرين. { وكان الله غفورا رحيما } مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يشاء، أي: لمن تقتضي الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله، وأما من عداه من الكفر فبمعزل من ذلك قطعا. الإشارة: هذه الآية تجر ذيلها على من تخلف من المريدين عن زيادة المشايخ من غير عذر بين، واعتذر بأعذار كاذبة، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وما زالت الأشياخ تقول: كل شيء يسمح فيه إلا القدوم إذ به تحصل التربية والترقية، وتقول أيضا: من جلس عنا لعذر صحيح عذرناه، وربما يصل إليه المدد في موضعه، ومن جلس لغير عذر لا نسامح له، بل يحرم من زيادة الإمداد، ومن الترقي في المقامات والأسرار، وما قطع الناس عن الله إلا أموالهم وأهلوهم اشتغلوا بهم، وحرموا السير والوصول، فكل مريد شغله عن زيادة شيخه أهله وماله لا يأتي منه شيء. قل: فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا، بأن قطعكم عنه بعلة الأهل والمال، أو: أراد بكم نفعا، بأن وصلكم إليه، وغيب عنكم أهلكم ومالكم، بل كان الله بما تعملون خبيرا، يعلم من تخلف لعذر صحيح، أو لعذر باطل، وبالله التوفيق. ثم قال: { سيقول المخلفون إذا انطلقتم }.
الفتح 48:12
يقول الحق جل جلاله: { سيقول لك } يا محمد إذا رجعت من الحديبية { المخلفون من الأعراب } وهم الذين تخلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، والديل، وذلك انه صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة، عام الحديبية، معتمرا، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي، ليخرجوا معه، حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، وأحرم صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا، فتثاقل كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب إلى قوم غزوه في داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فنقاتلهم، وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة، فأوحى الله تعالى إليه ما قالوا، حيث تعللوا وقالوا: { شغلنا أموالنا وأهلونا } ولم يكن تخلفنا عنك اختيارا، بل عن اضطرار، { فاستغفر لنا } فأكذبهم الله بقوله: { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } فليس تخلفهم لأجل ذلك، وإنما تخلفوا شكا ونفاقا، وطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة. { قل } لهم: { فمن يملك لكم من الله شيئا } فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه { إن أراد بكم ضرا } أي: ما يضركم من هلاك الأهل، والمال وضياعها، حتى تخلفتم عن الخروج لحفظها، { أو أراد بكم نفعا } أي: من يقدر على ضركم إن أراد بكم نزول من ينفعكم، من حفظ أموالكم وأهليكم، فأي حاجة إلى التخلف لأجل القيام بحفظهما والأمر كله بيد الله؟ { بل كان الله بما تعملون خبيرا } إضراب عما قالوه، وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه، أي: ليس الأمر كما يقولون، بل كان الله خبيرا بجميع الأعمال، التي من جملتها تخلفكم وما هو سببه، فلا ينفعكم الكذب مع علم الله بجميع أسراركم. { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } بأن يستأصلهم المشركون بالموت، فخشيتم إن كنتم معهم أن يصيبكم ذلك، فتخلفتم لأجل ذلك، لا لما ذكرتم من المعاذيرالباطلة، { وزين ذلك في قلوبكم } زينه الشيطان وقبلتموه، واشتغلتم بشأن أنفسكم، غير مبالين بهم، { وظننتم ظن السوء } والمراد به الظن الأول، والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء، أو ما يعمه وغيره من الظنون الفاسدة، كعلو الكفر، وظهور الفساد، وعدم صحة رسالته صلى الله عليه وسلم، فإن الجازم بصحتها لا يحول حول فكره هذه الظنون الباطلة، { وكنتم قوما بورا } هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه، جمع: بائر، كعائذ وعوذ، من بار الشيء: هلك وفسد، أي: كنتم قوما فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم. { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا } أعددنا { للكافرين } أي: لهم، فأقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر مستوجب العسير.
ونكر { سعيرا } لأنها نار مخصوصة، كما نكر { نارا تلظى } [الليل: 14]. وهذا كلام وارد من قبله تعالى، غر داخل في الكلام المتقدم، مقرر لبوارهم، ومبين لكيفيته، أي: ومن لم يؤمن كهؤلاء المتخلفين، فإنا أعتدنا له سعيرا يحترق بها. { ولله ملك السماوات والأرض } يدبره تدبير قادر حكيم، ويتصرف فيهما وفيما بينهما كيف يشاء، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } بقدرته وحكمته، من غير دخل لأحد في شيء، ومن حكمته: مغفرته للمؤمنين وتعذيبه للكافرين. { وكان الله غفورا رحيما } مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يشاء، أي: لمن تقتضي الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله، وأما من عداه من الكفر فبمعزل من ذلك قطعا. الإشارة: هذه الآية تجر ذيلها على من تخلف من المريدين عن زيادة المشايخ من غير عذر بين، واعتذر بأعذار كاذبة، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وما زالت الأشياخ تقول: كل شيء يسمح فيه إلا القدوم إذ به تحصل التربية والترقية، وتقول أيضا: من جلس عنا لعذر صحيح عذرناه، وربما يصل إليه المدد في موضعه، ومن جلس لغير عذر لا نسامح له، بل يحرم من زيادة الإمداد، ومن الترقي في المقامات والأسرار، وما قطع الناس عن الله إلا أموالهم وأهلوهم اشتغلوا بهم، وحرموا السير والوصول، فكل مريد شغله عن زيادة شيخه أهله وماله لا يأتي منه شيء. قل: فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا، بأن قطعكم عنه بعلة الأهل والمال، أو: أراد بكم نفعا، بأن وصلكم إليه، وغيب عنكم أهلكم ومالكم، بل كان الله بما تعملون خبيرا، يعلم من تخلف لعذر صحيح، أو لعذر باطل، وبالله التوفيق. ثم قال: { سيقول المخلفون إذا انطلقتم }.
الفتح 48:13
يقول الحق جل جلاله: { سيقول لك } يا محمد إذا رجعت من الحديبية { المخلفون من الأعراب } وهم الذين تخلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، والديل، وذلك انه صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة، عام الحديبية، معتمرا، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي، ليخرجوا معه، حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، وأحرم صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا، فتثاقل كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب إلى قوم غزوه في داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فنقاتلهم، وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة، فأوحى الله تعالى إليه ما قالوا، حيث تعللوا وقالوا: { شغلنا أموالنا وأهلونا } ولم يكن تخلفنا عنك اختيارا، بل عن اضطرار، { فاستغفر لنا } فأكذبهم الله بقوله: { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } فليس تخلفهم لأجل ذلك، وإنما تخلفوا شكا ونفاقا، وطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة. { قل } لهم: { فمن يملك لكم من الله شيئا } فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه { إن أراد بكم ضرا } أي: ما يضركم من هلاك الأهل، والمال وضياعها، حتى تخلفتم عن الخروج لحفظها، { أو أراد بكم نفعا } أي: من يقدر على ضركم إن أراد بكم نزول من ينفعكم، من حفظ أموالكم وأهليكم، فأي حاجة إلى التخلف لأجل القيام بحفظهما والأمر كله بيد الله؟ { بل كان الله بما تعملون خبيرا } إضراب عما قالوه، وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه، أي: ليس الأمر كما يقولون، بل كان الله خبيرا بجميع الأعمال، التي من جملتها تخلفكم وما هو سببه، فلا ينفعكم الكذب مع علم الله بجميع أسراركم. { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } بأن يستأصلهم المشركون بالموت، فخشيتم إن كنتم معهم أن يصيبكم ذلك، فتخلفتم لأجل ذلك، لا لما ذكرتم من المعاذيرالباطلة، { وزين ذلك في قلوبكم } زينه الشيطان وقبلتموه، واشتغلتم بشأن أنفسكم، غير مبالين بهم، { وظننتم ظن السوء } والمراد به الظن الأول، والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء، أو ما يعمه وغيره من الظنون الفاسدة، كعلو الكفر، وظهور الفساد، وعدم صحة رسالته صلى الله عليه وسلم، فإن الجازم بصحتها لا يحول حول فكره هذه الظنون الباطلة، { وكنتم قوما بورا } هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه، جمع: بائر، كعائذ وعوذ، من بار الشيء: هلك وفسد، أي: كنتم قوما فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم. { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا } أعددنا { للكافرين } أي: لهم، فأقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر مستوجب العسير.
ونكر { سعيرا } لأنها نار مخصوصة، كما نكر { نارا تلظى } [الليل: 14]. وهذا كلام وارد من قبله تعالى، غر داخل في الكلام المتقدم، مقرر لبوارهم، ومبين لكيفيته، أي: ومن لم يؤمن كهؤلاء المتخلفين، فإنا أعتدنا له سعيرا يحترق بها. { ولله ملك السماوات والأرض } يدبره تدبير قادر حكيم، ويتصرف فيهما وفيما بينهما كيف يشاء، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } بقدرته وحكمته، من غير دخل لأحد في شيء، ومن حكمته: مغفرته للمؤمنين وتعذيبه للكافرين. { وكان الله غفورا رحيما } مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يشاء، أي: لمن تقتضي الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله، وأما من عداه من الكفر فبمعزل من ذلك قطعا. الإشارة: هذه الآية تجر ذيلها على من تخلف من المريدين عن زيادة المشايخ من غير عذر بين، واعتذر بأعذار كاذبة، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وما زالت الأشياخ تقول: كل شيء يسمح فيه إلا القدوم إذ به تحصل التربية والترقية، وتقول أيضا: من جلس عنا لعذر صحيح عذرناه، وربما يصل إليه المدد في موضعه، ومن جلس لغير عذر لا نسامح له، بل يحرم من زيادة الإمداد، ومن الترقي في المقامات والأسرار، وما قطع الناس عن الله إلا أموالهم وأهلوهم اشتغلوا بهم، وحرموا السير والوصول، فكل مريد شغله عن زيادة شيخه أهله وماله لا يأتي منه شيء. قل: فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا، بأن قطعكم عنه بعلة الأهل والمال، أو: أراد بكم نفعا، بأن وصلكم إليه، وغيب عنكم أهلكم ومالكم، بل كان الله بما تعملون خبيرا، يعلم من تخلف لعذر صحيح، أو لعذر باطل، وبالله التوفيق. ثم قال: { سيقول المخلفون إذا انطلقتم }.
الفتح 48:14
يقول الحق جل جلاله: { سيقول لك } يا محمد إذا رجعت من الحديبية { المخلفون من الأعراب } وهم الذين تخلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، والديل، وذلك انه صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة، عام الحديبية، معتمرا، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي، ليخرجوا معه، حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، وأحرم صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا، فتثاقل كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب إلى قوم غزوه في داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فنقاتلهم، وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة، فأوحى الله تعالى إليه ما قالوا، حيث تعللوا وقالوا: { شغلنا أموالنا وأهلونا } ولم يكن تخلفنا عنك اختيارا، بل عن اضطرار، { فاستغفر لنا } فأكذبهم الله بقوله: { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } فليس تخلفهم لأجل ذلك، وإنما تخلفوا شكا ونفاقا، وطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة. { قل } لهم: { فمن يملك لكم من الله شيئا } فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه { إن أراد بكم ضرا } أي: ما يضركم من هلاك الأهل، والمال وضياعها، حتى تخلفتم عن الخروج لحفظها، { أو أراد بكم نفعا } أي: من يقدر على ضركم إن أراد بكم نزول من ينفعكم، من حفظ أموالكم وأهليكم، فأي حاجة إلى التخلف لأجل القيام بحفظهما والأمر كله بيد الله؟ { بل كان الله بما تعملون خبيرا } إضراب عما قالوه، وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه، أي: ليس الأمر كما يقولون، بل كان الله خبيرا بجميع الأعمال، التي من جملتها تخلفكم وما هو سببه، فلا ينفعكم الكذب مع علم الله بجميع أسراركم. { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } بأن يستأصلهم المشركون بالموت، فخشيتم إن كنتم معهم أن يصيبكم ذلك، فتخلفتم لأجل ذلك، لا لما ذكرتم من المعاذيرالباطلة، { وزين ذلك في قلوبكم } زينه الشيطان وقبلتموه، واشتغلتم بشأن أنفسكم، غير مبالين بهم، { وظننتم ظن السوء } والمراد به الظن الأول، والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء، أو ما يعمه وغيره من الظنون الفاسدة، كعلو الكفر، وظهور الفساد، وعدم صحة رسالته صلى الله عليه وسلم، فإن الجازم بصحتها لا يحول حول فكره هذه الظنون الباطلة، { وكنتم قوما بورا } هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه، جمع: بائر، كعائذ وعوذ، من بار الشيء: هلك وفسد، أي: كنتم قوما فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم. { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا } أعددنا { للكافرين } أي: لهم، فأقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر مستوجب العسير.
ونكر { سعيرا } لأنها نار مخصوصة، كما نكر { نارا تلظى } [الليل: 14]. وهذا كلام وارد من قبله تعالى، غر داخل في الكلام المتقدم، مقرر لبوارهم، ومبين لكيفيته، أي: ومن لم يؤمن كهؤلاء المتخلفين، فإنا أعتدنا له سعيرا يحترق بها. { ولله ملك السماوات والأرض } يدبره تدبير قادر حكيم، ويتصرف فيهما وفيما بينهما كيف يشاء، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } بقدرته وحكمته، من غير دخل لأحد في شيء، ومن حكمته: مغفرته للمؤمنين وتعذيبه للكافرين. { وكان الله غفورا رحيما } مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يشاء، أي: لمن تقتضي الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله، وأما من عداه من الكفر فبمعزل من ذلك قطعا. الإشارة: هذه الآية تجر ذيلها على من تخلف من المريدين عن زيادة المشايخ من غير عذر بين، واعتذر بأعذار كاذبة، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وما زالت الأشياخ تقول: كل شيء يسمح فيه إلا القدوم إذ به تحصل التربية والترقية، وتقول أيضا: من جلس عنا لعذر صحيح عذرناه، وربما يصل إليه المدد في موضعه، ومن جلس لغير عذر لا نسامح له، بل يحرم من زيادة الإمداد، ومن الترقي في المقامات والأسرار، وما قطع الناس عن الله إلا أموالهم وأهلوهم اشتغلوا بهم، وحرموا السير والوصول، فكل مريد شغله عن زيادة شيخه أهله وماله لا يأتي منه شيء. قل: فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا، بأن قطعكم عنه بعلة الأهل والمال، أو: أراد بكم نفعا، بأن وصلكم إليه، وغيب عنكم أهلكم ومالكم، بل كان الله بما تعملون خبيرا، يعلم من تخلف لعذر صحيح، أو لعذر باطل، وبالله التوفيق. ثم قال: { سيقول المخلفون إذا انطلقتم }.
الفتح 48:15
يقول الحق جل جلاله: { سيقول المخلفون } المذكورون آنفا { إذا انطلقتم إلى مغانم } أي: مغانم خيبر { تأخذونها } حسبما وعدكم الله بها، وخصكم بها، عوض ما فاتكم من مغانم مكة. و { إذا }: ظرف لما قبله، لا شرط لما بعده، أي: سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم خيبر: { ذرونا نتبعكم } إلى خيبر، ونشهد معكم قتال أهلها { يريدون إن يبدلوا كلام الله } الذي وعد به أهل الحديبية بأن يخصهم بغنائم خيبر ولا يشاركهم فيها أحد، فأراد المخلفون أن يشاركوهم ويبدلوا وعد الله. وكانت وقعة الحديبية في ذي الحجة سنة ست، فلما رجع إلى المدينة أقام بها بقية ذي الحجة، ثم غزا في أول السابعة خيبر، ففتحها، وغنم أموالا كثيرة، فخصصها بأهل الحديبية، بأمره تعالى، { قل } لهم إقناطا لهم: { لن تتبعونا } إلى خيبر، وهو نفي بمعنى النهي، للمبالغة، أي: لا تتبعونا، أو: نفي محض، إخبار من الله تعالى بعدم اتباعهم وألا يبدل القول لديه. { كذلكم قال الله من قبل } أي: من قبل انصرافهم إلى الغنيمة، وأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية فقط، { فسيقولون } للمؤمنين عند سماع هذا النهي: { بل تحسدوننا } أي: ليس ذلك النهي من عند الله، بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائم، { بل كانوا لا يفقهون } كلام الله { إلا قليلا } شيئا قليلا، يعني: مجرد اللفظ، أو: لا يفهمون إلا فهما قليلا وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون الدين، وهو رد لقولهم الباطل، ووصف لهم بسوء الفهم والجهل المفرط. والفرق بين الإضرابين: أن الأول رد أن يكون حكم الله ألا يتبعوهم وإثبات الحسد، والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أعظم منه، وهو الجهل وقلة الفقه. { قل للمخلفين من الأعراب } وهم الذين تخلفوا عن الحديبية: { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } يعني: بني حنيفة، قوم مسليمة الكذاب، وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه، لأن المشركين وأهل الردة هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. واستدل بالآية على حقية خلافة أبي بكر، وأخذها من القرآن بقوله: { ستدعون } فكان الداعي لهؤلاء الأعراب إلى قتال بني حنيفة، وكانوا أولي بأس شديد، هو أبو بكر، بلا خلاف، قاتلوهم ليسلموا لا ليعطوا الجزية بأمر الصديق، وقيل: هم فارس، والداعي لقتالهم " عمر " ، فدلت على صحة إمامته، وهو يدل على صحة إمامة أبي بكر. { تقاتلونهم أو يسلمون } أي: يكون أحد الأمرين، إما المقاتلة أو الإسلام، ومعنى " يسلمون " على هذا التأويل: ينقادون لأن فارس مجوس، تقبل منهم الجزية، { فإن تطيعوا } من دعاكم إلى قتالهم { يؤتكم الله أجرا حسنا } هو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة، { وإن تتولوا } عن الدعوة، كما توليتم من قبل في الحديبية، { يعذبكم عذابا أليما } لتضاعف جرمكم.
وقد تضمنت الآية إيجاب طاعة الأمراء بالوعد بالثواب عليها، والوعيد بالعقاب على التولي، وقد تقدم في النساء. الإشارة: سيقول المخلفون عن السير بترك مجاهة النفوس، التي بها يتحقق سير السائرين: ذرونا نتبعكم في السير إلى الله من غير مجاهدة ولا تجريد، يريدون أن يبدلوا كلام الله، وهو قوله:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]، فخص الهداية إلى الوصول بالمجاهدة، لا بالبقاء مع حظوظ النفوس، قل: لن تتبعونا في السير، ولو فعلتم ما فعلتم بلا مجاهدة، كذلك حكم الحكيم العليم، فإن قالوا: حسدتمونا، حيث لم تسيرونا على ما نحن عليه، فقد دل ذلك على جهلهم، وعدم فهمهم، قل للمخلفين على السير، بالبقاء مع حظوظهم: ستدعون إلى مجاهدة قوم أولي بأس شديد، وهو النفس، بتحميلها ما يثقل عليها، كالذل، والفقر، والهوى بمخالفته، والدنيا بالزهد فيها ورميها وراء الظهر، والناس بالفرار منهم جملة، إلا من يدل على الله، تقاتلوهم، أو يسلمون، بأن ينقادوا لكم، ويصيروا طوع أيديكم، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا، وهو لذة الشهة، ورؤية الملك الودود، عاجلا وآجلا، وإن تتولوا كما توليتم في زمان البطالة، وبقيتم مع هوى نفوسكم، يعذبكم عذابا أليما، بغم الحجاب وسوء العقاب. قال القشيري: قوله تعالى { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا } دلت الآية على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مرضية، ثم تتغير للصلاح، وأنشدوا:
إذا فسد الإنسان بعد صلاحه فرج له بعد الفساد صلاحا
قلت: وجه الاستدلال: أن طاعتهم كانت بعد التخلف والعصيان، فقبلت منهم. ثم استثنى أهل الأعذار الصحيحة، فقال: { ليس على الأعمى حرج }.
الفتح 48:16
يقول الحق جل جلاله: { سيقول المخلفون } المذكورون آنفا { إذا انطلقتم إلى مغانم } أي: مغانم خيبر { تأخذونها } حسبما وعدكم الله بها، وخصكم بها، عوض ما فاتكم من مغانم مكة. و { إذا }: ظرف لما قبله، لا شرط لما بعده، أي: سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم خيبر: { ذرونا نتبعكم } إلى خيبر، ونشهد معكم قتال أهلها { يريدون إن يبدلوا كلام الله } الذي وعد به أهل الحديبية بأن يخصهم بغنائم خيبر ولا يشاركهم فيها أحد، فأراد المخلفون أن يشاركوهم ويبدلوا وعد الله. وكانت وقعة الحديبية في ذي الحجة سنة ست، فلما رجع إلى المدينة أقام بها بقية ذي الحجة، ثم غزا في أول السابعة خيبر، ففتحها، وغنم أموالا كثيرة، فخصصها بأهل الحديبية، بأمره تعالى، { قل } لهم إقناطا لهم: { لن تتبعونا } إلى خيبر، وهو نفي بمعنى النهي، للمبالغة، أي: لا تتبعونا، أو: نفي محض، إخبار من الله تعالى بعدم اتباعهم وألا يبدل القول لديه. { كذلكم قال الله من قبل } أي: من قبل انصرافهم إلى الغنيمة، وأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية فقط، { فسيقولون } للمؤمنين عند سماع هذا النهي: { بل تحسدوننا } أي: ليس ذلك النهي من عند الله، بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائم، { بل كانوا لا يفقهون } كلام الله { إلا قليلا } شيئا قليلا، يعني: مجرد اللفظ، أو: لا يفهمون إلا فهما قليلا وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون الدين، وهو رد لقولهم الباطل، ووصف لهم بسوء الفهم والجهل المفرط. والفرق بين الإضرابين: أن الأول رد أن يكون حكم الله ألا يتبعوهم وإثبات الحسد، والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أعظم منه، وهو الجهل وقلة الفقه. { قل للمخلفين من الأعراب } وهم الذين تخلفوا عن الحديبية: { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } يعني: بني حنيفة، قوم مسليمة الكذاب، وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه، لأن المشركين وأهل الردة هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. واستدل بالآية على حقية خلافة أبي بكر، وأخذها من القرآن بقوله: { ستدعون } فكان الداعي لهؤلاء الأعراب إلى قتال بني حنيفة، وكانوا أولي بأس شديد، هو أبو بكر، بلا خلاف، قاتلوهم ليسلموا لا ليعطوا الجزية بأمر الصديق، وقيل: هم فارس، والداعي لقتالهم " عمر " ، فدلت على صحة إمامته، وهو يدل على صحة إمامة أبي بكر. { تقاتلونهم أو يسلمون } أي: يكون أحد الأمرين، إما المقاتلة أو الإسلام، ومعنى " يسلمون " على هذا التأويل: ينقادون لأن فارس مجوس، تقبل منهم الجزية، { فإن تطيعوا } من دعاكم إلى قتالهم { يؤتكم الله أجرا حسنا } هو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة، { وإن تتولوا } عن الدعوة، كما توليتم من قبل في الحديبية، { يعذبكم عذابا أليما } لتضاعف جرمكم.
وقد تضمنت الآية إيجاب طاعة الأمراء بالوعد بالثواب عليها، والوعيد بالعقاب على التولي، وقد تقدم في النساء. الإشارة: سيقول المخلفون عن السير بترك مجاهة النفوس، التي بها يتحقق سير السائرين: ذرونا نتبعكم في السير إلى الله من غير مجاهدة ولا تجريد، يريدون أن يبدلوا كلام الله، وهو قوله:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]، فخص الهداية إلى الوصول بالمجاهدة، لا بالبقاء مع حظوظ النفوس، قل: لن تتبعونا في السير، ولو فعلتم ما فعلتم بلا مجاهدة، كذلك حكم الحكيم العليم، فإن قالوا: حسدتمونا، حيث لم تسيرونا على ما نحن عليه، فقد دل ذلك على جهلهم، وعدم فهمهم، قل للمخلفين على السير، بالبقاء مع حظوظهم: ستدعون إلى مجاهدة قوم أولي بأس شديد، وهو النفس، بتحميلها ما يثقل عليها، كالذل، والفقر، والهوى بمخالفته، والدنيا بالزهد فيها ورميها وراء الظهر، والناس بالفرار منهم جملة، إلا من يدل على الله، تقاتلوهم، أو يسلمون، بأن ينقادوا لكم، ويصيروا طوع أيديكم، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا، وهو لذة الشهة، ورؤية الملك الودود، عاجلا وآجلا، وإن تتولوا كما توليتم في زمان البطالة، وبقيتم مع هوى نفوسكم، يعذبكم عذابا أليما، بغم الحجاب وسوء العقاب. قال القشيري: قوله تعالى { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا } دلت الآية على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مرضية، ثم تتغير للصلاح، وأنشدوا:
إذا فسد الإنسان بعد صلاحه فرج له بعد الفساد صلاحا
قلت: وجه الاستدلال: أن طاعتهم كانت بعد التخلف والعصيان، فقبلت منهم. ثم استثنى أهل الأعذار الصحيحة، فقال: { ليس على الأعمى حرج }.
الفتح 48:17
يقول الحق جل جلاله: { ليس على الأعمى حرج } في التخلف عن الغزو { ولاعلى الأعرج حرج ولا على المريض } الذي لا يقدر على الحرب { حرج } لأن الجهاد منوط بالاستطاعة ونفي الحرج، وهؤلاء أعذارهم ظاهرة صحيحة، فلا حرج عليهم في التخلف. وفي التصريح بنفي الحرج مع كل طائفة مزيد اعتناء بأمرهم، وتوسيع لدائرة الرخصة. { ومن يطع الله ورسوله } فيما ذكر من الأوامر والنواهي، { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول } يعرض عن الطاعة { يعذبه عذابا أليما } لا يقادر قدره. وقرأ نافع والشامي بنون العظمة، والباقي بيان الغيبة. الإشارة: أصحاب هذه الأعذار إن صحبوا الرجال، وحطوا رؤوسهم لهم، وبذلوا نفوسهم وفلوسهم، سقط عنهم السفر إلى صحبة أشياخهم، ووصفت الواردات والأمداد إليهم في أمكانهم، ونالوا مراتب الرجال، حيث حبسهم العذر من العمى والعرج والمرض المزمن، والله يزرق العبد على قدر نيته وهمته. ثم ذكر شأن بيعة الرضوان، فقال: { لقد رضي الله عن المؤمنين }.
الفتح 48:18
يقول الحق جل جلاله: { لقد رضي الله عن المؤمنين } وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم بقوله: { إن الذين يبايعونك... } الآية، وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان و " إذ " منصوب ب " رضي " ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة، و { تحت الشجرة }: متعلق به، أو: بمحذوف، حال من مفعوله، أي: رضي عنهم وقت مبايعتهم لك { تحت الشجرة } أو: حاصلا تحتها. روي: أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية، بعث خراش بن أمية الخزاعي، رسولا إلى أهل مكة، فهموا به، وأنزلوا عن بعيره، فمنعته الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني، ولكن عثمان أعز بمكة مني، فبعث عثمان إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم جاء زائرا إلى البيت، معظما لحرمته، ولم يرد حربا، فوقروه، وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبس عندهم، فأرجف بأنهم قتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا نبرح حتى نناجز القوم "
ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة - وكانت سمرة وقيل: سدرة - على أن يقاتلوا قريشا، ولا يفروا، وأول من بايع " أبو سنان الأسدي " ، واسمه: وهب بن عبد الله بن محصن، ابن اخي عكاشة بن محصن. وقيل: بايعوه على الموت عنده، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنتم اليوم خير أهل الأرض "
وقال أيضا:
" لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة "
وكانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفا وأربعمائة. والحديبية بتخفيف الياء، قاله في المصباح، وهي على عشرة أميال من مكة. { فعلم ما في قلوبهم } من الإخلاص، وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه. وقال القشيري: علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكيك، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشر أصحابه، فلمام صدوا خامر قلوبهم شك، { فأنزل } الله { السكينة عليهم } أي: اليقين والطمأنينة، فذهب عنهم. ثم قال: وفي الآية دليل على أنه قد يخطر ببال الإنسان خواطر مشككة، وفي الريب موقعة، ثم لا عبرة، فإن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا ألزم التوحيد قلبه، وقارن التحقيق سره، فلا يضره كيد الشيطان. قال تعالى:
إن الذين اتقوا...
[الأعراف: 201]الآية. { فأنزل السكينة عليهم } أي: الطمأنينة والأمن، وسكون النفس، بالربط على قلوبهم، { وأثابهم } أي: جازاهم { فتحا قريبا } وهو فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما تقدم. { ومغانم كثيرة يأخذونها } وهي مغانم خيبر، وكانت أرضا ذات عقار وأموال، فقسمها بينهم، { وكان الله عزيزا } منيعا فلا يغالب، { حكيما } فيما يحكم به فلا يعارض.
{ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } هو ما فتح على المؤمنين، وغنموه مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة. والالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان. { فعجل لكم هذه } المغانم، يعني مغانم خيبر، { وكف أيدي الناس عنكم } أي: أيدي أهل خيبر وحلفاءهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا، وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، { ولتكون } هذه الكفة { آية للمؤمنين } وعبرة يعرفون أنهم من الله بمكان، وأنه ضامن لنصرتهم والفتح عليهم، أو: لتكون آية يعرفون بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية بما ذكر من المغانم، ودخول مكة، ودخول المسجد الحرام آمنين. واللام إما متعلقة بمحذوف مؤخر، أي: وليكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف، وإما يتعلق بعلة أخرى محذوفة من أحد الفعلين، أي: فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم لتغنموها ولتكون... الخ، { ويهديكم صراطا مستقيما } أي: يزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بوعد الله حتى تثقوا في أموركم كلها بوعد الله تعالى. قال الثعلبي، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم حصون خيبر سمع أهل فدك ما صنع عليه السلام بأهل خيبر، فأرسلوا له يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل، ثم صالح أهل خيبر، على أن يعملوا في أموالهم على النصف، على أنه إن شاء أجلاهم متى شاء، ففعلوا، فكانت خيبر فيئا للمسلمين، وكانت فدك خالصة له صلى الله عليه وسلم، إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولما اطمأن صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر أهدت له زينب الحارث اليهودية شاة مصلية مسمومة، أكثرت في ذراعها السم، فأخذ صلى الله عليه وسلم الذراع، فأكل منه، ثم كلمه، فأمسك، وأكل معه بشر بن البراء بن معرور، فمات من ساعته، وسلم صلى الله عليه وسلم حتى قام عليه بعد سنتين، فمات به، فجمع له بين الشهادة والنبوة. ثم قال تعالى: { وأخرى لم تقدروا عليها } أي: وعجل لكم مغانم أخرى، وهي مغانم هوازن في غزوة حنين. ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة. { قد أحاط الله بها } قدر عليها واستولى، وأظهركم عليها، وهي صفة أخرى ل " أخرى " مفيدة لسهولة بأسها بالنسبة إلى قدرته تعالى، بعد بيان صعوبة منالها بالنظر إلى حذرهم. ويجوز في " أخرى " النصب بفعل مضمر، يفسره { قد أحاط الله بها } أي: وقضى الله أخرى، ولا ريب في أن الإخبار بقضاء إياها بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعودة بقوله: { وعدكم الله مغانم كثيرة } فيه مزيد فائدة، وإنما الفائدة في بيان تعجيلها وتأخير هذه.
وقال ابن عباس والحسن ومقاتل: { وأخرى لم تقدروا عليها } هي فارس والروم. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم. ه. قلت: بل إلى يوم القيامة وهذا أظهر الأقوال أي: لم تقدروا على أخذها الآن وستأخذونها، { وكان الله على كل شيء قديرا } لأن قدرته تعالى عامة التعلق، لا تختص بشيء دون شيء. قال ابن عرفة: مذهبنا أن المستحيل لا يصدق عليه شيء، فيبقى النظر: هل يطلق على الواجب شيء، لقوله تعالى:
قل أى شىء أكبر شهادة قل الله
[الأنعام: 19] أم لا يطلق عليه شيء؟ فإن قلنا: يصلح الإطلاق وجب التخصيص في الآية، فيكون عاما مخصوصا، وإن قلنا بعدم صحته، فيبقى النظر: هل المراد بالقدرة الإحداث أو الصلاحية، فإن أريد الإحداث فهي مخصوصة، وإن أريد الصلاحية فهو عام غير مخصوص. ه. الأشارة: مشايخ التربية خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فحين بايعهم على عقد الإرادة فكأنما بايع الرسول، فيقال على طريق الإشارة: لقد رضي الله عن المؤمنين المتوجهين، إذ يبايعونك أيها العارف تحت الشجرة، تحت ظل شجرة همتك، فعلم ما في قلوبهم من الصدق، فأنزل السكينة عليهم، حتى سكنوا تحت مشاق التربية والرياضة، وأثابهم فتحا قريبا، وهو الوصول إلى حضرة العيان، ومغانم كثيرة فتوحات ومكاشفات، وأسرار، وترقيات كثيرة، إلى ما لا نهاية له، يأخذونها. ووعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها بعد الفتح، من الرجوع إلى البقاء وبقاء البقاء، والتوسع في المقامات، والترقي في معارج المكاشفات، فعجل لكم هذه، هو مقام الفناء، وكف أيدي القواطع عنكم، لتتوجهوا إلى مولاكم، لتكون عبرة للمؤمنين المتخلفين عن السير، يهتدون بهديكم، ويهديكم صراطا مستقيما: طريق الوصول إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، وأخرى لم تقدروا عليها في الدنيا، ادخرها لكم يوم القيامة، وهو المقام في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقال الورتجبي: { لقد رضي الله عن المؤمنين } أي: رضي عنهم في الأزل، وسابق علم القدم، ويبقى رضاه إلى الأبد لأن رضاه صفة الأزلية الباقية الأبدية، لا تتغير بتغير الحدثان، ولا بالوقت والزمان، ولا بالطاعة والعصيان، فإذا هم في اصطفائيته باقون إلى الأبد، لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالبشرية، ولا بالشهوات، لأن أهل الرضا محروسون برعايته، لا تجري عليهم نعوت أهل البعد، وصاروا متصفين بوصف رضاه، فرضوا عنه كما رضي عنهم، قال تعالى:
رضى الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119] وهذا بعد قذف نور الأنس في قلوبهم بقوله: { فأنزل السكينة عليهم } فسكنت قلوبهم إليه، واطمأنت به لتنزل اليقين. ه. قلت: هذا لمن تحققت محبوبيته ممن رسخت قدمه في شهود الحق، واطمأن به، وأما قبل هذا فالأمر مبهم. قال اللجائي، في كتابه " قطب العارفين ": وإياك أن تعتقد أن في الناس شرا منك، وإن كان عاصيا وأنت مطيع، فإن الأمر يحدث بعد الأمر، وسر الله تعالى في خلقه غامض، لا يدرى من يبوء بالشقاوة، ولا من يفوز بالسعادة، وقد يتلقى العبد رضا الله تعالى بحسنة واحدة، ويتلقى سخطه بذنب واحد، فإن أمر الله خفي في غموض المشيئة... الخ. ثم بشرهم بالنصر، فقال: { ولو قاتلكم الذين كفروا }.
الفتح 48:19
يقول الحق جل جلاله: { لقد رضي الله عن المؤمنين } وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم بقوله: { إن الذين يبايعونك... } الآية، وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان و " إذ " منصوب ب " رضي " ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة، و { تحت الشجرة }: متعلق به، أو: بمحذوف، حال من مفعوله، أي: رضي عنهم وقت مبايعتهم لك { تحت الشجرة } أو: حاصلا تحتها. روي: أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية، بعث خراش بن أمية الخزاعي، رسولا إلى أهل مكة، فهموا به، وأنزلوا عن بعيره، فمنعته الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني، ولكن عثمان أعز بمكة مني، فبعث عثمان إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم جاء زائرا إلى البيت، معظما لحرمته، ولم يرد حربا، فوقروه، وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبس عندهم، فأرجف بأنهم قتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا نبرح حتى نناجز القوم "
ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة - وكانت سمرة وقيل: سدرة - على أن يقاتلوا قريشا، ولا يفروا، وأول من بايع " أبو سنان الأسدي " ، واسمه: وهب بن عبد الله بن محصن، ابن اخي عكاشة بن محصن. وقيل: بايعوه على الموت عنده، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنتم اليوم خير أهل الأرض "
وقال أيضا:
" لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة "
وكانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفا وأربعمائة. والحديبية بتخفيف الياء، قاله في المصباح، وهي على عشرة أميال من مكة. { فعلم ما في قلوبهم } من الإخلاص، وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه. وقال القشيري: علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكيك، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشر أصحابه، فلمام صدوا خامر قلوبهم شك، { فأنزل } الله { السكينة عليهم } أي: اليقين والطمأنينة، فذهب عنهم. ثم قال: وفي الآية دليل على أنه قد يخطر ببال الإنسان خواطر مشككة، وفي الريب موقعة، ثم لا عبرة، فإن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا ألزم التوحيد قلبه، وقارن التحقيق سره، فلا يضره كيد الشيطان. قال تعالى:
إن الذين اتقوا...
[الأعراف: 201]الآية. { فأنزل السكينة عليهم } أي: الطمأنينة والأمن، وسكون النفس، بالربط على قلوبهم، { وأثابهم } أي: جازاهم { فتحا قريبا } وهو فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما تقدم. { ومغانم كثيرة يأخذونها } وهي مغانم خيبر، وكانت أرضا ذات عقار وأموال، فقسمها بينهم، { وكان الله عزيزا } منيعا فلا يغالب، { حكيما } فيما يحكم به فلا يعارض.
{ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } هو ما فتح على المؤمنين، وغنموه مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة. والالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان. { فعجل لكم هذه } المغانم، يعني مغانم خيبر، { وكف أيدي الناس عنكم } أي: أيدي أهل خيبر وحلفاءهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا، وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، { ولتكون } هذه الكفة { آية للمؤمنين } وعبرة يعرفون أنهم من الله بمكان، وأنه ضامن لنصرتهم والفتح عليهم، أو: لتكون آية يعرفون بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية بما ذكر من المغانم، ودخول مكة، ودخول المسجد الحرام آمنين. واللام إما متعلقة بمحذوف مؤخر، أي: وليكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف، وإما يتعلق بعلة أخرى محذوفة من أحد الفعلين، أي: فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم لتغنموها ولتكون... الخ، { ويهديكم صراطا مستقيما } أي: يزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بوعد الله حتى تثقوا في أموركم كلها بوعد الله تعالى. قال الثعلبي، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم حصون خيبر سمع أهل فدك ما صنع عليه السلام بأهل خيبر، فأرسلوا له يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل، ثم صالح أهل خيبر، على أن يعملوا في أموالهم على النصف، على أنه إن شاء أجلاهم متى شاء، ففعلوا، فكانت خيبر فيئا للمسلمين، وكانت فدك خالصة له صلى الله عليه وسلم، إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولما اطمأن صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر أهدت له زينب الحارث اليهودية شاة مصلية مسمومة، أكثرت في ذراعها السم، فأخذ صلى الله عليه وسلم الذراع، فأكل منه، ثم كلمه، فأمسك، وأكل معه بشر بن البراء بن معرور، فمات من ساعته، وسلم صلى الله عليه وسلم حتى قام عليه بعد سنتين، فمات به، فجمع له بين الشهادة والنبوة. ثم قال تعالى: { وأخرى لم تقدروا عليها } أي: وعجل لكم مغانم أخرى، وهي مغانم هوازن في غزوة حنين. ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة. { قد أحاط الله بها } قدر عليها واستولى، وأظهركم عليها، وهي صفة أخرى ل " أخرى " مفيدة لسهولة بأسها بالنسبة إلى قدرته تعالى، بعد بيان صعوبة منالها بالنظر إلى حذرهم. ويجوز في " أخرى " النصب بفعل مضمر، يفسره { قد أحاط الله بها } أي: وقضى الله أخرى، ولا ريب في أن الإخبار بقضاء إياها بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعودة بقوله: { وعدكم الله مغانم كثيرة } فيه مزيد فائدة، وإنما الفائدة في بيان تعجيلها وتأخير هذه.
وقال ابن عباس والحسن ومقاتل: { وأخرى لم تقدروا عليها } هي فارس والروم. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم. ه. قلت: بل إلى يوم القيامة وهذا أظهر الأقوال أي: لم تقدروا على أخذها الآن وستأخذونها، { وكان الله على كل شيء قديرا } لأن قدرته تعالى عامة التعلق، لا تختص بشيء دون شيء. قال ابن عرفة: مذهبنا أن المستحيل لا يصدق عليه شيء، فيبقى النظر: هل يطلق على الواجب شيء، لقوله تعالى:
قل أى شىء أكبر شهادة قل الله
[الأنعام: 19] أم لا يطلق عليه شيء؟ فإن قلنا: يصلح الإطلاق وجب التخصيص في الآية، فيكون عاما مخصوصا، وإن قلنا بعدم صحته، فيبقى النظر: هل المراد بالقدرة الإحداث أو الصلاحية، فإن أريد الإحداث فهي مخصوصة، وإن أريد الصلاحية فهو عام غير مخصوص. ه. الأشارة: مشايخ التربية خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فحين بايعهم على عقد الإرادة فكأنما بايع الرسول، فيقال على طريق الإشارة: لقد رضي الله عن المؤمنين المتوجهين، إذ يبايعونك أيها العارف تحت الشجرة، تحت ظل شجرة همتك، فعلم ما في قلوبهم من الصدق، فأنزل السكينة عليهم، حتى سكنوا تحت مشاق التربية والرياضة، وأثابهم فتحا قريبا، وهو الوصول إلى حضرة العيان، ومغانم كثيرة فتوحات ومكاشفات، وأسرار، وترقيات كثيرة، إلى ما لا نهاية له، يأخذونها. ووعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها بعد الفتح، من الرجوع إلى البقاء وبقاء البقاء، والتوسع في المقامات، والترقي في معارج المكاشفات، فعجل لكم هذه، هو مقام الفناء، وكف أيدي القواطع عنكم، لتتوجهوا إلى مولاكم، لتكون عبرة للمؤمنين المتخلفين عن السير، يهتدون بهديكم، ويهديكم صراطا مستقيما: طريق الوصول إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، وأخرى لم تقدروا عليها في الدنيا، ادخرها لكم يوم القيامة، وهو المقام في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقال الورتجبي: { لقد رضي الله عن المؤمنين } أي: رضي عنهم في الأزل، وسابق علم القدم، ويبقى رضاه إلى الأبد لأن رضاه صفة الأزلية الباقية الأبدية، لا تتغير بتغير الحدثان، ولا بالوقت والزمان، ولا بالطاعة والعصيان، فإذا هم في اصطفائيته باقون إلى الأبد، لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالبشرية، ولا بالشهوات، لأن أهل الرضا محروسون برعايته، لا تجري عليهم نعوت أهل البعد، وصاروا متصفين بوصف رضاه، فرضوا عنه كما رضي عنهم، قال تعالى:
رضى الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119] وهذا بعد قذف نور الأنس في قلوبهم بقوله: { فأنزل السكينة عليهم } فسكنت قلوبهم إليه، واطمأنت به لتنزل اليقين. ه. قلت: هذا لمن تحققت محبوبيته ممن رسخت قدمه في شهود الحق، واطمأن به، وأما قبل هذا فالأمر مبهم. قال اللجائي، في كتابه " قطب العارفين ": وإياك أن تعتقد أن في الناس شرا منك، وإن كان عاصيا وأنت مطيع، فإن الأمر يحدث بعد الأمر، وسر الله تعالى في خلقه غامض، لا يدرى من يبوء بالشقاوة، ولا من يفوز بالسعادة، وقد يتلقى العبد رضا الله تعالى بحسنة واحدة، ويتلقى سخطه بذنب واحد، فإن أمر الله خفي في غموض المشيئة... الخ. ثم بشرهم بالنصر، فقال: { ولو قاتلكم الذين كفروا }.
الفتح 48:20
يقول الحق جل جلاله: { لقد رضي الله عن المؤمنين } وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم بقوله: { إن الذين يبايعونك... } الآية، وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان و " إذ " منصوب ب " رضي " ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة، و { تحت الشجرة }: متعلق به، أو: بمحذوف، حال من مفعوله، أي: رضي عنهم وقت مبايعتهم لك { تحت الشجرة } أو: حاصلا تحتها. روي: أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية، بعث خراش بن أمية الخزاعي، رسولا إلى أهل مكة، فهموا به، وأنزلوا عن بعيره، فمنعته الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني، ولكن عثمان أعز بمكة مني، فبعث عثمان إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم جاء زائرا إلى البيت، معظما لحرمته، ولم يرد حربا، فوقروه، وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبس عندهم، فأرجف بأنهم قتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا نبرح حتى نناجز القوم "
ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة - وكانت سمرة وقيل: سدرة - على أن يقاتلوا قريشا، ولا يفروا، وأول من بايع " أبو سنان الأسدي " ، واسمه: وهب بن عبد الله بن محصن، ابن اخي عكاشة بن محصن. وقيل: بايعوه على الموت عنده، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنتم اليوم خير أهل الأرض "
وقال أيضا:
" لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة "
وكانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفا وأربعمائة. والحديبية بتخفيف الياء، قاله في المصباح، وهي على عشرة أميال من مكة. { فعلم ما في قلوبهم } من الإخلاص، وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه. وقال القشيري: علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكيك، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشر أصحابه، فلمام صدوا خامر قلوبهم شك، { فأنزل } الله { السكينة عليهم } أي: اليقين والطمأنينة، فذهب عنهم. ثم قال: وفي الآية دليل على أنه قد يخطر ببال الإنسان خواطر مشككة، وفي الريب موقعة، ثم لا عبرة، فإن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا ألزم التوحيد قلبه، وقارن التحقيق سره، فلا يضره كيد الشيطان. قال تعالى:
إن الذين اتقوا...
[الأعراف: 201]الآية. { فأنزل السكينة عليهم } أي: الطمأنينة والأمن، وسكون النفس، بالربط على قلوبهم، { وأثابهم } أي: جازاهم { فتحا قريبا } وهو فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما تقدم. { ومغانم كثيرة يأخذونها } وهي مغانم خيبر، وكانت أرضا ذات عقار وأموال، فقسمها بينهم، { وكان الله عزيزا } منيعا فلا يغالب، { حكيما } فيما يحكم به فلا يعارض.
{ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } هو ما فتح على المؤمنين، وغنموه مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة. والالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان. { فعجل لكم هذه } المغانم، يعني مغانم خيبر، { وكف أيدي الناس عنكم } أي: أيدي أهل خيبر وحلفاءهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا، وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، { ولتكون } هذه الكفة { آية للمؤمنين } وعبرة يعرفون أنهم من الله بمكان، وأنه ضامن لنصرتهم والفتح عليهم، أو: لتكون آية يعرفون بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية بما ذكر من المغانم، ودخول مكة، ودخول المسجد الحرام آمنين. واللام إما متعلقة بمحذوف مؤخر، أي: وليكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف، وإما يتعلق بعلة أخرى محذوفة من أحد الفعلين، أي: فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم لتغنموها ولتكون... الخ، { ويهديكم صراطا مستقيما } أي: يزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بوعد الله حتى تثقوا في أموركم كلها بوعد الله تعالى. قال الثعلبي، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم حصون خيبر سمع أهل فدك ما صنع عليه السلام بأهل خيبر، فأرسلوا له يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل، ثم صالح أهل خيبر، على أن يعملوا في أموالهم على النصف، على أنه إن شاء أجلاهم متى شاء، ففعلوا، فكانت خيبر فيئا للمسلمين، وكانت فدك خالصة له صلى الله عليه وسلم، إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولما اطمأن صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر أهدت له زينب الحارث اليهودية شاة مصلية مسمومة، أكثرت في ذراعها السم، فأخذ صلى الله عليه وسلم الذراع، فأكل منه، ثم كلمه، فأمسك، وأكل معه بشر بن البراء بن معرور، فمات من ساعته، وسلم صلى الله عليه وسلم حتى قام عليه بعد سنتين، فمات به، فجمع له بين الشهادة والنبوة. ثم قال تعالى: { وأخرى لم تقدروا عليها } أي: وعجل لكم مغانم أخرى، وهي مغانم هوازن في غزوة حنين. ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة. { قد أحاط الله بها } قدر عليها واستولى، وأظهركم عليها، وهي صفة أخرى ل " أخرى " مفيدة لسهولة بأسها بالنسبة إلى قدرته تعالى، بعد بيان صعوبة منالها بالنظر إلى حذرهم. ويجوز في " أخرى " النصب بفعل مضمر، يفسره { قد أحاط الله بها } أي: وقضى الله أخرى، ولا ريب في أن الإخبار بقضاء إياها بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعودة بقوله: { وعدكم الله مغانم كثيرة } فيه مزيد فائدة، وإنما الفائدة في بيان تعجيلها وتأخير هذه.
وقال ابن عباس والحسن ومقاتل: { وأخرى لم تقدروا عليها } هي فارس والروم. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم. ه. قلت: بل إلى يوم القيامة وهذا أظهر الأقوال أي: لم تقدروا على أخذها الآن وستأخذونها، { وكان الله على كل شيء قديرا } لأن قدرته تعالى عامة التعلق، لا تختص بشيء دون شيء. قال ابن عرفة: مذهبنا أن المستحيل لا يصدق عليه شيء، فيبقى النظر: هل يطلق على الواجب شيء، لقوله تعالى:
قل أى شىء أكبر شهادة قل الله
[الأنعام: 19] أم لا يطلق عليه شيء؟ فإن قلنا: يصلح الإطلاق وجب التخصيص في الآية، فيكون عاما مخصوصا، وإن قلنا بعدم صحته، فيبقى النظر: هل المراد بالقدرة الإحداث أو الصلاحية، فإن أريد الإحداث فهي مخصوصة، وإن أريد الصلاحية فهو عام غير مخصوص. ه. الأشارة: مشايخ التربية خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فحين بايعهم على عقد الإرادة فكأنما بايع الرسول، فيقال على طريق الإشارة: لقد رضي الله عن المؤمنين المتوجهين، إذ يبايعونك أيها العارف تحت الشجرة، تحت ظل شجرة همتك، فعلم ما في قلوبهم من الصدق، فأنزل السكينة عليهم، حتى سكنوا تحت مشاق التربية والرياضة، وأثابهم فتحا قريبا، وهو الوصول إلى حضرة العيان، ومغانم كثيرة فتوحات ومكاشفات، وأسرار، وترقيات كثيرة، إلى ما لا نهاية له، يأخذونها. ووعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها بعد الفتح، من الرجوع إلى البقاء وبقاء البقاء، والتوسع في المقامات، والترقي في معارج المكاشفات، فعجل لكم هذه، هو مقام الفناء، وكف أيدي القواطع عنكم، لتتوجهوا إلى مولاكم، لتكون عبرة للمؤمنين المتخلفين عن السير، يهتدون بهديكم، ويهديكم صراطا مستقيما: طريق الوصول إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، وأخرى لم تقدروا عليها في الدنيا، ادخرها لكم يوم القيامة، وهو المقام في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقال الورتجبي: { لقد رضي الله عن المؤمنين } أي: رضي عنهم في الأزل، وسابق علم القدم، ويبقى رضاه إلى الأبد لأن رضاه صفة الأزلية الباقية الأبدية، لا تتغير بتغير الحدثان، ولا بالوقت والزمان، ولا بالطاعة والعصيان، فإذا هم في اصطفائيته باقون إلى الأبد، لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالبشرية، ولا بالشهوات، لأن أهل الرضا محروسون برعايته، لا تجري عليهم نعوت أهل البعد، وصاروا متصفين بوصف رضاه، فرضوا عنه كما رضي عنهم، قال تعالى:
رضى الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119] وهذا بعد قذف نور الأنس في قلوبهم بقوله: { فأنزل السكينة عليهم } فسكنت قلوبهم إليه، واطمأنت به لتنزل اليقين. ه. قلت: هذا لمن تحققت محبوبيته ممن رسخت قدمه في شهود الحق، واطمأن به، وأما قبل هذا فالأمر مبهم. قال اللجائي، في كتابه " قطب العارفين ": وإياك أن تعتقد أن في الناس شرا منك، وإن كان عاصيا وأنت مطيع، فإن الأمر يحدث بعد الأمر، وسر الله تعالى في خلقه غامض، لا يدرى من يبوء بالشقاوة، ولا من يفوز بالسعادة، وقد يتلقى العبد رضا الله تعالى بحسنة واحدة، ويتلقى سخطه بذنب واحد، فإن أمر الله خفي في غموض المشيئة... الخ. ثم بشرهم بالنصر، فقال: { ولو قاتلكم الذين كفروا }.
الفتح 48:21
يقول الحق جل جلاله: { لقد رضي الله عن المؤمنين } وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم بقوله: { إن الذين يبايعونك... } الآية، وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان و " إذ " منصوب ب " رضي " ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة، و { تحت الشجرة }: متعلق به، أو: بمحذوف، حال من مفعوله، أي: رضي عنهم وقت مبايعتهم لك { تحت الشجرة } أو: حاصلا تحتها. روي: أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية، بعث خراش بن أمية الخزاعي، رسولا إلى أهل مكة، فهموا به، وأنزلوا عن بعيره، فمنعته الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني، ولكن عثمان أعز بمكة مني، فبعث عثمان إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم جاء زائرا إلى البيت، معظما لحرمته، ولم يرد حربا، فوقروه، وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبس عندهم، فأرجف بأنهم قتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا نبرح حتى نناجز القوم "
ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة - وكانت سمرة وقيل: سدرة - على أن يقاتلوا قريشا، ولا يفروا، وأول من بايع " أبو سنان الأسدي " ، واسمه: وهب بن عبد الله بن محصن، ابن اخي عكاشة بن محصن. وقيل: بايعوه على الموت عنده، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنتم اليوم خير أهل الأرض "
وقال أيضا:
" لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة "
وكانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفا وأربعمائة. والحديبية بتخفيف الياء، قاله في المصباح، وهي على عشرة أميال من مكة. { فعلم ما في قلوبهم } من الإخلاص، وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه. وقال القشيري: علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكيك، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشر أصحابه، فلمام صدوا خامر قلوبهم شك، { فأنزل } الله { السكينة عليهم } أي: اليقين والطمأنينة، فذهب عنهم. ثم قال: وفي الآية دليل على أنه قد يخطر ببال الإنسان خواطر مشككة، وفي الريب موقعة، ثم لا عبرة، فإن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا ألزم التوحيد قلبه، وقارن التحقيق سره، فلا يضره كيد الشيطان. قال تعالى:
إن الذين اتقوا...
[الأعراف: 201]الآية. { فأنزل السكينة عليهم } أي: الطمأنينة والأمن، وسكون النفس، بالربط على قلوبهم، { وأثابهم } أي: جازاهم { فتحا قريبا } وهو فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما تقدم. { ومغانم كثيرة يأخذونها } وهي مغانم خيبر، وكانت أرضا ذات عقار وأموال، فقسمها بينهم، { وكان الله عزيزا } منيعا فلا يغالب، { حكيما } فيما يحكم به فلا يعارض.
{ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } هو ما فتح على المؤمنين، وغنموه مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة. والالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان. { فعجل لكم هذه } المغانم، يعني مغانم خيبر، { وكف أيدي الناس عنكم } أي: أيدي أهل خيبر وحلفاءهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا، وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، { ولتكون } هذه الكفة { آية للمؤمنين } وعبرة يعرفون أنهم من الله بمكان، وأنه ضامن لنصرتهم والفتح عليهم، أو: لتكون آية يعرفون بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية بما ذكر من المغانم، ودخول مكة، ودخول المسجد الحرام آمنين. واللام إما متعلقة بمحذوف مؤخر، أي: وليكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف، وإما يتعلق بعلة أخرى محذوفة من أحد الفعلين، أي: فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم لتغنموها ولتكون... الخ، { ويهديكم صراطا مستقيما } أي: يزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بوعد الله حتى تثقوا في أموركم كلها بوعد الله تعالى. قال الثعلبي، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم حصون خيبر سمع أهل فدك ما صنع عليه السلام بأهل خيبر، فأرسلوا له يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل، ثم صالح أهل خيبر، على أن يعملوا في أموالهم على النصف، على أنه إن شاء أجلاهم متى شاء، ففعلوا، فكانت خيبر فيئا للمسلمين، وكانت فدك خالصة له صلى الله عليه وسلم، إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولما اطمأن صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر أهدت له زينب الحارث اليهودية شاة مصلية مسمومة، أكثرت في ذراعها السم، فأخذ صلى الله عليه وسلم الذراع، فأكل منه، ثم كلمه، فأمسك، وأكل معه بشر بن البراء بن معرور، فمات من ساعته، وسلم صلى الله عليه وسلم حتى قام عليه بعد سنتين، فمات به، فجمع له بين الشهادة والنبوة. ثم قال تعالى: { وأخرى لم تقدروا عليها } أي: وعجل لكم مغانم أخرى، وهي مغانم هوازن في غزوة حنين. ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة. { قد أحاط الله بها } قدر عليها واستولى، وأظهركم عليها، وهي صفة أخرى ل " أخرى " مفيدة لسهولة بأسها بالنسبة إلى قدرته تعالى، بعد بيان صعوبة منالها بالنظر إلى حذرهم. ويجوز في " أخرى " النصب بفعل مضمر، يفسره { قد أحاط الله بها } أي: وقضى الله أخرى، ولا ريب في أن الإخبار بقضاء إياها بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعودة بقوله: { وعدكم الله مغانم كثيرة } فيه مزيد فائدة، وإنما الفائدة في بيان تعجيلها وتأخير هذه.
وقال ابن عباس والحسن ومقاتل: { وأخرى لم تقدروا عليها } هي فارس والروم. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم. ه. قلت: بل إلى يوم القيامة وهذا أظهر الأقوال أي: لم تقدروا على أخذها الآن وستأخذونها، { وكان الله على كل شيء قديرا } لأن قدرته تعالى عامة التعلق، لا تختص بشيء دون شيء. قال ابن عرفة: مذهبنا أن المستحيل لا يصدق عليه شيء، فيبقى النظر: هل يطلق على الواجب شيء، لقوله تعالى:
قل أى شىء أكبر شهادة قل الله
[الأنعام: 19] أم لا يطلق عليه شيء؟ فإن قلنا: يصلح الإطلاق وجب التخصيص في الآية، فيكون عاما مخصوصا، وإن قلنا بعدم صحته، فيبقى النظر: هل المراد بالقدرة الإحداث أو الصلاحية، فإن أريد الإحداث فهي مخصوصة، وإن أريد الصلاحية فهو عام غير مخصوص. ه. الأشارة: مشايخ التربية خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فحين بايعهم على عقد الإرادة فكأنما بايع الرسول، فيقال على طريق الإشارة: لقد رضي الله عن المؤمنين المتوجهين، إذ يبايعونك أيها العارف تحت الشجرة، تحت ظل شجرة همتك، فعلم ما في قلوبهم من الصدق، فأنزل السكينة عليهم، حتى سكنوا تحت مشاق التربية والرياضة، وأثابهم فتحا قريبا، وهو الوصول إلى حضرة العيان، ومغانم كثيرة فتوحات ومكاشفات، وأسرار، وترقيات كثيرة، إلى ما لا نهاية له، يأخذونها. ووعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها بعد الفتح، من الرجوع إلى البقاء وبقاء البقاء، والتوسع في المقامات، والترقي في معارج المكاشفات، فعجل لكم هذه، هو مقام الفناء، وكف أيدي القواطع عنكم، لتتوجهوا إلى مولاكم، لتكون عبرة للمؤمنين المتخلفين عن السير، يهتدون بهديكم، ويهديكم صراطا مستقيما: طريق الوصول إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، وأخرى لم تقدروا عليها في الدنيا، ادخرها لكم يوم القيامة، وهو المقام في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقال الورتجبي: { لقد رضي الله عن المؤمنين } أي: رضي عنهم في الأزل، وسابق علم القدم، ويبقى رضاه إلى الأبد لأن رضاه صفة الأزلية الباقية الأبدية، لا تتغير بتغير الحدثان، ولا بالوقت والزمان، ولا بالطاعة والعصيان، فإذا هم في اصطفائيته باقون إلى الأبد، لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالبشرية، ولا بالشهوات، لأن أهل الرضا محروسون برعايته، لا تجري عليهم نعوت أهل البعد، وصاروا متصفين بوصف رضاه، فرضوا عنه كما رضي عنهم، قال تعالى:
رضى الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119] وهذا بعد قذف نور الأنس في قلوبهم بقوله: { فأنزل السكينة عليهم } فسكنت قلوبهم إليه، واطمأنت به لتنزل اليقين. ه. قلت: هذا لمن تحققت محبوبيته ممن رسخت قدمه في شهود الحق، واطمأن به، وأما قبل هذا فالأمر مبهم. قال اللجائي، في كتابه " قطب العارفين ": وإياك أن تعتقد أن في الناس شرا منك، وإن كان عاصيا وأنت مطيع، فإن الأمر يحدث بعد الأمر، وسر الله تعالى في خلقه غامض، لا يدرى من يبوء بالشقاوة، ولا من يفوز بالسعادة، وقد يتلقى العبد رضا الله تعالى بحسنة واحدة، ويتلقى سخطه بذنب واحد، فإن أمر الله خفي في غموض المشيئة... الخ. ثم بشرهم بالنصر، فقال: { ولو قاتلكم الذين كفروا }.
الفتح 48:22
{ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله... } يقول الحق جل جلاله: { ولو قاتلكم الذين كفروا } من أهل مكة ولم يصالحوا، أو من خلفاء خيبر، الذين جاؤوا لنصرهم { لولوا الأدبار } منهزمين { ثم لا يجدون وليا } يلي أمرهم، { ولا نصيرا } ينصرهم. { سنة الله التي قد خلت من قبل } مصدر مؤكد، أي: سن الله غلبة أنبيائه سنة ماضية، وهو قوله:
لأغلبن أنا ورسلى
[المجادلة: 21] { ولن تجد لسنة الله تبديلا } تغيرا. { وهو الذي كف أيديهم عنكم } أي: أيدي كفار أهل مكة { وأيديكم عنهم } عن أهل مكة { ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } أي: أقدركم وسلطكم عليهم، يعني: قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، يطلب غرة بالمسلمين، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جند، فهزمهم، حتى أدخلهم حيطان مكة، ثم عاد ثانيا فهمزمه، ثم عاد فهزمه، هكذا نقله الثعلبي وغيره. فانظره مع ما في الاكتفاء للكلاعي: أن خالدا كان مع المشركين في الحديبية، وإنما أسلم بعد الحديبية قبل الفتح، وكان في السنة الثامة، والحديبية في السادسة، والذي ذكر النسفي أنه عليه السلام بعث من هزمهم، ولم يسمه، وهزم خالد لبعض قريش إنما كان في الفتح، لا في الحديبية، فلعل الراوي غلط. وقال أنس: إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر، عام الحديبية، ليقاتلوا المسلمين، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلما، فأعتقهم، فنزلت الآية. ووجه المنة في كف أيدي المؤمنين عن الكافرين: ما ذكر بعد من قوله: { ولولا رجال مؤمنون }... الآية، أو: ما تطرق بسببه من الصلح وانقيادهم إليه، فإنهم لما رأوا أصحابهم انهزموا أذعنوا للصلح، وقال القشيري: بعد أن اضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، أنزل الله هذه الآية يمن عليهم، حيث كف أيدي بعضهم عن بعض، عن قدرة من المسلمين، لا عن عجز، فأما الكفار فكفوا أيديهم رعبا وخوفا، وأما المسلمون فنهيا من قبل الله، لما في أصلابهم من المؤمنين. ه. { وكان الله بما تعملون } من مقاتلتهم وهزمهم أولا، والكف عنهم ثانيا، لتعظيم بيته الحرام، وقرأ البصري بياء الغيب، أي: بما يعمل المشركون { بصيرا } فيجازي كلا بما يستحقه.
{ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } { و } صدوا { الهدي } حال كونه { معكوفا } أي: محبوسا عن { أن يبلغ محله } أي: مكانه الذي يحل به نحره، وهو منى وكان صلى الله عليه وسلم ساق سبعين بدنة، فلما صد، نحرها بموضعه، وبه استدل من قال: إن المحصر ينحر هداياه بموضعه، وروي أن خيامه صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه في الحرم، وهناك نحرت هداياه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال لمن سبقت لهم العناية، وحفت بهم الرعاية: لو قاتلكم الذين كفروا من النفس الأمارة، والشيطان، والهوى، وسائر القواطع، لولوا الأدبار، ثم لا يجدون تسلطا عليكم أبدا، سنة الله التي قد خلت فيمن توجه إليه بصدق الطلب، ودخل تحت تربية الرجال، فإن همتهم دائرة عليه، ولن تجد لسنة الله تبيدلا. وهو الذي كف أيدي الأعداء من القواطع عنكم، وكف أيديكم عنهم، من بعد أن أظفركم عليهم، فإن النفس إذا تعذبت واطمأنت وجب الكف عن مجاهدتها، ووجب البرور بها، وتصديقها فيما تحدثه، وكذا سائر القواطع تجب الغيبة عنها، وعدم الالتفات إليها غيبة في الله واشتغالا بشهوده. وقيل لبعضهم: متى ينتهي سير الطالبين؟ قال: " الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا ". وأيضا: لا تجتمع المجاهدة مع المشاهدة، فإذا تحققت المشاهدة فلا مجاهدة. هم الذين كفروا من النفوس المتمردة، والهوى، وصدوكم عن مسجد الحضرة، والهدي معكوفا، وحبسوكم عن التقرب إلى الله بالنفس والمال أن يبلغ محله، بأن تمنعكم من إعطائه، أو تشيبه بما يفسده من الرياء والعجب، لئلا تبلغ محل الإخلاص. ثم ذكر حكمة منعهم من دخول مكة عام الحديبية، فقال: {... ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } قلت: { أن تطؤوهم }: بدل اشتمال من رجال ونساء، ومن ضمير " تعلموهم " وبغير متعلق بتطؤوهم، وجواب " لولا " محذوف، أغنى عنه جواب " لو " أي: لما كف أيديكم عنهم. يقول الحق جل جلاله: { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } بمكة، ضعفوا عن الهجرة { لم تعلموهم } لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم مع المشركين، { أن تطأوهم بغير علم } أي: غير عالمين بهم { فتصيبكم منهم معرة } أي: مشقة ومكروه. وفي تفسير المحلي " المعرة " بالإثم نظر، مع فرض عدم العلم، إلا أن يحمل على صورة الإثم، وهو الخطأ، وفيه الكفارة. والمعرة: مفعلة من: عراه: إذا دهاه ما يكرهه وشق عليه، وهو هنا الكفارة إذا قتله خطأ، وسوء مقالة المشركين أنهم فعلو بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والإثم إذا قصد قتله. والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة.
والحاصل أنه كان بمكة قوم مسلمون مختلطون بالمشركين، غير متميزين منهم، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا من المؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مشقة ومكروه، ولما كففنا أيديكم عنهم، ولسلطانكم عليهم. وكان ذلك الكف { ليدخل الله في رحمته } أي: في توفيقه لزيادة الخير والطاعة لمؤمنيهم، أو: ليدخلهم في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم { من يشاء } زيادته أو هدايته، فاللام متعلقة بمحذوف، تعليل لما دلت عليه الآية، وسيقت له، من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم، صونا لما بين أظهرهم من المؤمنين. { لو تزيلوا } أي: تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين، { لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } بقتل مقاتلهتم، وسبي ذراريهم. ويجوز أن يكون: " لو تزيلوا " كالتكرير ل " لولا.. " لمرجعهما لمعنى واحد ويكون { لعذبنا... } الخ، هو جواب " لولا " والتقدير: ولولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات من غير علم، ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف. الإشارة: إذا اختلط أهل الانتقاد مع أهل الاعتقاد، لا يعم البلاء المعد لأهل الانتقاد، ولو تزيلوا لعذبنا المنكرين عذابا أليما، وكذلك إذا اختلط الفجار مع الأبرار، وغلب جمع الأبرار، لا يعم البلاء، ويصرف عن الجميع، فلو تزيل الفجار لعذبوا عذابا أليما. قال القشيري: قد تكون في النفس أوصاف مستحسنة، تليق بالفيض الألهي، مع أوصاف مذمومة، فلو سلطناكم على إهلاكها بالمرة، لفاتكم ما فيها من الأوصاف الحسنة، فتصيبكم معرة، ليدخل الله في رحمته بالوصول إلى حضرته من يشاء من النفوس، بتصفية ما فيها من الرذائل. لو تزيلوا تميز ما يصلح قلعه، كالكبر، والشر، والحرص والحقد، أو ما يصلح تبديله، كالبخل بالسخاء، والحرص بالقناعة، والغضب بالحلم، والجبن بالشجاعة، والشهوة بالعفة، لعذبنا النفوس المتمردة عذابا أليما، بإهلاكها بالكلية. بالمعنى. ثم وصف أهل الكفر المتقدمين الآن بالحمية، فقال: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية }.
الفتح 48:23
{ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله... } يقول الحق جل جلاله: { ولو قاتلكم الذين كفروا } من أهل مكة ولم يصالحوا، أو من خلفاء خيبر، الذين جاؤوا لنصرهم { لولوا الأدبار } منهزمين { ثم لا يجدون وليا } يلي أمرهم، { ولا نصيرا } ينصرهم. { سنة الله التي قد خلت من قبل } مصدر مؤكد، أي: سن الله غلبة أنبيائه سنة ماضية، وهو قوله:
لأغلبن أنا ورسلى
[المجادلة: 21] { ولن تجد لسنة الله تبديلا } تغيرا. { وهو الذي كف أيديهم عنكم } أي: أيدي كفار أهل مكة { وأيديكم عنهم } عن أهل مكة { ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } أي: أقدركم وسلطكم عليهم، يعني: قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، يطلب غرة بالمسلمين، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جند، فهزمهم، حتى أدخلهم حيطان مكة، ثم عاد ثانيا فهمزمه، ثم عاد فهزمه، هكذا نقله الثعلبي وغيره. فانظره مع ما في الاكتفاء للكلاعي: أن خالدا كان مع المشركين في الحديبية، وإنما أسلم بعد الحديبية قبل الفتح، وكان في السنة الثامة، والحديبية في السادسة، والذي ذكر النسفي أنه عليه السلام بعث من هزمهم، ولم يسمه، وهزم خالد لبعض قريش إنما كان في الفتح، لا في الحديبية، فلعل الراوي غلط. وقال أنس: إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر، عام الحديبية، ليقاتلوا المسلمين، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلما، فأعتقهم، فنزلت الآية. ووجه المنة في كف أيدي المؤمنين عن الكافرين: ما ذكر بعد من قوله: { ولولا رجال مؤمنون }... الآية، أو: ما تطرق بسببه من الصلح وانقيادهم إليه، فإنهم لما رأوا أصحابهم انهزموا أذعنوا للصلح، وقال القشيري: بعد أن اضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، أنزل الله هذه الآية يمن عليهم، حيث كف أيدي بعضهم عن بعض، عن قدرة من المسلمين، لا عن عجز، فأما الكفار فكفوا أيديهم رعبا وخوفا، وأما المسلمون فنهيا من قبل الله، لما في أصلابهم من المؤمنين. ه. { وكان الله بما تعملون } من مقاتلتهم وهزمهم أولا، والكف عنهم ثانيا، لتعظيم بيته الحرام، وقرأ البصري بياء الغيب، أي: بما يعمل المشركون { بصيرا } فيجازي كلا بما يستحقه.
{ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } { و } صدوا { الهدي } حال كونه { معكوفا } أي: محبوسا عن { أن يبلغ محله } أي: مكانه الذي يحل به نحره، وهو منى وكان صلى الله عليه وسلم ساق سبعين بدنة، فلما صد، نحرها بموضعه، وبه استدل من قال: إن المحصر ينحر هداياه بموضعه، وروي أن خيامه صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه في الحرم، وهناك نحرت هداياه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال لمن سبقت لهم العناية، وحفت بهم الرعاية: لو قاتلكم الذين كفروا من النفس الأمارة، والشيطان، والهوى، وسائر القواطع، لولوا الأدبار، ثم لا يجدون تسلطا عليكم أبدا، سنة الله التي قد خلت فيمن توجه إليه بصدق الطلب، ودخل تحت تربية الرجال، فإن همتهم دائرة عليه، ولن تجد لسنة الله تبيدلا. وهو الذي كف أيدي الأعداء من القواطع عنكم، وكف أيديكم عنهم، من بعد أن أظفركم عليهم، فإن النفس إذا تعذبت واطمأنت وجب الكف عن مجاهدتها، ووجب البرور بها، وتصديقها فيما تحدثه، وكذا سائر القواطع تجب الغيبة عنها، وعدم الالتفات إليها غيبة في الله واشتغالا بشهوده. وقيل لبعضهم: متى ينتهي سير الطالبين؟ قال: " الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا ". وأيضا: لا تجتمع المجاهدة مع المشاهدة، فإذا تحققت المشاهدة فلا مجاهدة. هم الذين كفروا من النفوس المتمردة، والهوى، وصدوكم عن مسجد الحضرة، والهدي معكوفا، وحبسوكم عن التقرب إلى الله بالنفس والمال أن يبلغ محله، بأن تمنعكم من إعطائه، أو تشيبه بما يفسده من الرياء والعجب، لئلا تبلغ محل الإخلاص. ثم ذكر حكمة منعهم من دخول مكة عام الحديبية، فقال: {... ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } قلت: { أن تطؤوهم }: بدل اشتمال من رجال ونساء، ومن ضمير " تعلموهم " وبغير متعلق بتطؤوهم، وجواب " لولا " محذوف، أغنى عنه جواب " لو " أي: لما كف أيديكم عنهم. يقول الحق جل جلاله: { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } بمكة، ضعفوا عن الهجرة { لم تعلموهم } لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم مع المشركين، { أن تطأوهم بغير علم } أي: غير عالمين بهم { فتصيبكم منهم معرة } أي: مشقة ومكروه. وفي تفسير المحلي " المعرة " بالإثم نظر، مع فرض عدم العلم، إلا أن يحمل على صورة الإثم، وهو الخطأ، وفيه الكفارة. والمعرة: مفعلة من: عراه: إذا دهاه ما يكرهه وشق عليه، وهو هنا الكفارة إذا قتله خطأ، وسوء مقالة المشركين أنهم فعلو بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والإثم إذا قصد قتله. والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة.
والحاصل أنه كان بمكة قوم مسلمون مختلطون بالمشركين، غير متميزين منهم، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا من المؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مشقة ومكروه، ولما كففنا أيديكم عنهم، ولسلطانكم عليهم. وكان ذلك الكف { ليدخل الله في رحمته } أي: في توفيقه لزيادة الخير والطاعة لمؤمنيهم، أو: ليدخلهم في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم { من يشاء } زيادته أو هدايته، فاللام متعلقة بمحذوف، تعليل لما دلت عليه الآية، وسيقت له، من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم، صونا لما بين أظهرهم من المؤمنين. { لو تزيلوا } أي: تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين، { لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } بقتل مقاتلهتم، وسبي ذراريهم. ويجوز أن يكون: " لو تزيلوا " كالتكرير ل " لولا.. " لمرجعهما لمعنى واحد ويكون { لعذبنا... } الخ، هو جواب " لولا " والتقدير: ولولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات من غير علم، ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف. الإشارة: إذا اختلط أهل الانتقاد مع أهل الاعتقاد، لا يعم البلاء المعد لأهل الانتقاد، ولو تزيلوا لعذبنا المنكرين عذابا أليما، وكذلك إذا اختلط الفجار مع الأبرار، وغلب جمع الأبرار، لا يعم البلاء، ويصرف عن الجميع، فلو تزيل الفجار لعذبوا عذابا أليما. قال القشيري: قد تكون في النفس أوصاف مستحسنة، تليق بالفيض الألهي، مع أوصاف مذمومة، فلو سلطناكم على إهلاكها بالمرة، لفاتكم ما فيها من الأوصاف الحسنة، فتصيبكم معرة، ليدخل الله في رحمته بالوصول إلى حضرته من يشاء من النفوس، بتصفية ما فيها من الرذائل. لو تزيلوا تميز ما يصلح قلعه، كالكبر، والشر، والحرص والحقد، أو ما يصلح تبديله، كالبخل بالسخاء، والحرص بالقناعة، والغضب بالحلم، والجبن بالشجاعة، والشهوة بالعفة، لعذبنا النفوس المتمردة عذابا أليما، بإهلاكها بالكلية. بالمعنى. ثم وصف أهل الكفر المتقدمين الآن بالحمية، فقال: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية }.
الفتح 48:24
{ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله... } يقول الحق جل جلاله: { ولو قاتلكم الذين كفروا } من أهل مكة ولم يصالحوا، أو من خلفاء خيبر، الذين جاؤوا لنصرهم { لولوا الأدبار } منهزمين { ثم لا يجدون وليا } يلي أمرهم، { ولا نصيرا } ينصرهم. { سنة الله التي قد خلت من قبل } مصدر مؤكد، أي: سن الله غلبة أنبيائه سنة ماضية، وهو قوله:
لأغلبن أنا ورسلى
[المجادلة: 21] { ولن تجد لسنة الله تبديلا } تغيرا. { وهو الذي كف أيديهم عنكم } أي: أيدي كفار أهل مكة { وأيديكم عنهم } عن أهل مكة { ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } أي: أقدركم وسلطكم عليهم، يعني: قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، يطلب غرة بالمسلمين، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جند، فهزمهم، حتى أدخلهم حيطان مكة، ثم عاد ثانيا فهمزمه، ثم عاد فهزمه، هكذا نقله الثعلبي وغيره. فانظره مع ما في الاكتفاء للكلاعي: أن خالدا كان مع المشركين في الحديبية، وإنما أسلم بعد الحديبية قبل الفتح، وكان في السنة الثامة، والحديبية في السادسة، والذي ذكر النسفي أنه عليه السلام بعث من هزمهم، ولم يسمه، وهزم خالد لبعض قريش إنما كان في الفتح، لا في الحديبية، فلعل الراوي غلط. وقال أنس: إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر، عام الحديبية، ليقاتلوا المسلمين، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلما، فأعتقهم، فنزلت الآية. ووجه المنة في كف أيدي المؤمنين عن الكافرين: ما ذكر بعد من قوله: { ولولا رجال مؤمنون }... الآية، أو: ما تطرق بسببه من الصلح وانقيادهم إليه، فإنهم لما رأوا أصحابهم انهزموا أذعنوا للصلح، وقال القشيري: بعد أن اضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، أنزل الله هذه الآية يمن عليهم، حيث كف أيدي بعضهم عن بعض، عن قدرة من المسلمين، لا عن عجز، فأما الكفار فكفوا أيديهم رعبا وخوفا، وأما المسلمون فنهيا من قبل الله، لما في أصلابهم من المؤمنين. ه. { وكان الله بما تعملون } من مقاتلتهم وهزمهم أولا، والكف عنهم ثانيا، لتعظيم بيته الحرام، وقرأ البصري بياء الغيب، أي: بما يعمل المشركون { بصيرا } فيجازي كلا بما يستحقه.
{ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } { و } صدوا { الهدي } حال كونه { معكوفا } أي: محبوسا عن { أن يبلغ محله } أي: مكانه الذي يحل به نحره، وهو منى وكان صلى الله عليه وسلم ساق سبعين بدنة، فلما صد، نحرها بموضعه، وبه استدل من قال: إن المحصر ينحر هداياه بموضعه، وروي أن خيامه صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه في الحرم، وهناك نحرت هداياه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال لمن سبقت لهم العناية، وحفت بهم الرعاية: لو قاتلكم الذين كفروا من النفس الأمارة، والشيطان، والهوى، وسائر القواطع، لولوا الأدبار، ثم لا يجدون تسلطا عليكم أبدا، سنة الله التي قد خلت فيمن توجه إليه بصدق الطلب، ودخل تحت تربية الرجال، فإن همتهم دائرة عليه، ولن تجد لسنة الله تبيدلا. وهو الذي كف أيدي الأعداء من القواطع عنكم، وكف أيديكم عنهم، من بعد أن أظفركم عليهم، فإن النفس إذا تعذبت واطمأنت وجب الكف عن مجاهدتها، ووجب البرور بها، وتصديقها فيما تحدثه، وكذا سائر القواطع تجب الغيبة عنها، وعدم الالتفات إليها غيبة في الله واشتغالا بشهوده. وقيل لبعضهم: متى ينتهي سير الطالبين؟ قال: " الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا ". وأيضا: لا تجتمع المجاهدة مع المشاهدة، فإذا تحققت المشاهدة فلا مجاهدة. هم الذين كفروا من النفوس المتمردة، والهوى، وصدوكم عن مسجد الحضرة، والهدي معكوفا، وحبسوكم عن التقرب إلى الله بالنفس والمال أن يبلغ محله، بأن تمنعكم من إعطائه، أو تشيبه بما يفسده من الرياء والعجب، لئلا تبلغ محل الإخلاص. ثم ذكر حكمة منعهم من دخول مكة عام الحديبية، فقال: {... ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } قلت: { أن تطؤوهم }: بدل اشتمال من رجال ونساء، ومن ضمير " تعلموهم " وبغير متعلق بتطؤوهم، وجواب " لولا " محذوف، أغنى عنه جواب " لو " أي: لما كف أيديكم عنهم. يقول الحق جل جلاله: { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } بمكة، ضعفوا عن الهجرة { لم تعلموهم } لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم مع المشركين، { أن تطأوهم بغير علم } أي: غير عالمين بهم { فتصيبكم منهم معرة } أي: مشقة ومكروه. وفي تفسير المحلي " المعرة " بالإثم نظر، مع فرض عدم العلم، إلا أن يحمل على صورة الإثم، وهو الخطأ، وفيه الكفارة. والمعرة: مفعلة من: عراه: إذا دهاه ما يكرهه وشق عليه، وهو هنا الكفارة إذا قتله خطأ، وسوء مقالة المشركين أنهم فعلو بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والإثم إذا قصد قتله. والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة.
والحاصل أنه كان بمكة قوم مسلمون مختلطون بالمشركين، غير متميزين منهم، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا من المؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مشقة ومكروه، ولما كففنا أيديكم عنهم، ولسلطانكم عليهم. وكان ذلك الكف { ليدخل الله في رحمته } أي: في توفيقه لزيادة الخير والطاعة لمؤمنيهم، أو: ليدخلهم في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم { من يشاء } زيادته أو هدايته، فاللام متعلقة بمحذوف، تعليل لما دلت عليه الآية، وسيقت له، من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم، صونا لما بين أظهرهم من المؤمنين. { لو تزيلوا } أي: تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين، { لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } بقتل مقاتلهتم، وسبي ذراريهم. ويجوز أن يكون: " لو تزيلوا " كالتكرير ل " لولا.. " لمرجعهما لمعنى واحد ويكون { لعذبنا... } الخ، هو جواب " لولا " والتقدير: ولولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات من غير علم، ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف. الإشارة: إذا اختلط أهل الانتقاد مع أهل الاعتقاد، لا يعم البلاء المعد لأهل الانتقاد، ولو تزيلوا لعذبنا المنكرين عذابا أليما، وكذلك إذا اختلط الفجار مع الأبرار، وغلب جمع الأبرار، لا يعم البلاء، ويصرف عن الجميع، فلو تزيل الفجار لعذبوا عذابا أليما. قال القشيري: قد تكون في النفس أوصاف مستحسنة، تليق بالفيض الألهي، مع أوصاف مذمومة، فلو سلطناكم على إهلاكها بالمرة، لفاتكم ما فيها من الأوصاف الحسنة، فتصيبكم معرة، ليدخل الله في رحمته بالوصول إلى حضرته من يشاء من النفوس، بتصفية ما فيها من الرذائل. لو تزيلوا تميز ما يصلح قلعه، كالكبر، والشر، والحرص والحقد، أو ما يصلح تبديله، كالبخل بالسخاء، والحرص بالقناعة، والغضب بالحلم، والجبن بالشجاعة، والشهوة بالعفة، لعذبنا النفوس المتمردة عذابا أليما، بإهلاكها بالكلية. بالمعنى. ثم وصف أهل الكفر المتقدمين الآن بالحمية، فقال: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية }.
الفتح 48:25
{ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله... } يقول الحق جل جلاله: { ولو قاتلكم الذين كفروا } من أهل مكة ولم يصالحوا، أو من خلفاء خيبر، الذين جاؤوا لنصرهم { لولوا الأدبار } منهزمين { ثم لا يجدون وليا } يلي أمرهم، { ولا نصيرا } ينصرهم. { سنة الله التي قد خلت من قبل } مصدر مؤكد، أي: سن الله غلبة أنبيائه سنة ماضية، وهو قوله:
لأغلبن أنا ورسلى
[المجادلة: 21] { ولن تجد لسنة الله تبديلا } تغيرا. { وهو الذي كف أيديهم عنكم } أي: أيدي كفار أهل مكة { وأيديكم عنهم } عن أهل مكة { ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } أي: أقدركم وسلطكم عليهم، يعني: قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، يطلب غرة بالمسلمين، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جند، فهزمهم، حتى أدخلهم حيطان مكة، ثم عاد ثانيا فهمزمه، ثم عاد فهزمه، هكذا نقله الثعلبي وغيره. فانظره مع ما في الاكتفاء للكلاعي: أن خالدا كان مع المشركين في الحديبية، وإنما أسلم بعد الحديبية قبل الفتح، وكان في السنة الثامة، والحديبية في السادسة، والذي ذكر النسفي أنه عليه السلام بعث من هزمهم، ولم يسمه، وهزم خالد لبعض قريش إنما كان في الفتح، لا في الحديبية، فلعل الراوي غلط. وقال أنس: إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر، عام الحديبية، ليقاتلوا المسلمين، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلما، فأعتقهم، فنزلت الآية. ووجه المنة في كف أيدي المؤمنين عن الكافرين: ما ذكر بعد من قوله: { ولولا رجال مؤمنون }... الآية، أو: ما تطرق بسببه من الصلح وانقيادهم إليه، فإنهم لما رأوا أصحابهم انهزموا أذعنوا للصلح، وقال القشيري: بعد أن اضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، أنزل الله هذه الآية يمن عليهم، حيث كف أيدي بعضهم عن بعض، عن قدرة من المسلمين، لا عن عجز، فأما الكفار فكفوا أيديهم رعبا وخوفا، وأما المسلمون فنهيا من قبل الله، لما في أصلابهم من المؤمنين. ه. { وكان الله بما تعملون } من مقاتلتهم وهزمهم أولا، والكف عنهم ثانيا، لتعظيم بيته الحرام، وقرأ البصري بياء الغيب، أي: بما يعمل المشركون { بصيرا } فيجازي كلا بما يستحقه.
{ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } { و } صدوا { الهدي } حال كونه { معكوفا } أي: محبوسا عن { أن يبلغ محله } أي: مكانه الذي يحل به نحره، وهو منى وكان صلى الله عليه وسلم ساق سبعين بدنة، فلما صد، نحرها بموضعه، وبه استدل من قال: إن المحصر ينحر هداياه بموضعه، وروي أن خيامه صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه في الحرم، وهناك نحرت هداياه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال لمن سبقت لهم العناية، وحفت بهم الرعاية: لو قاتلكم الذين كفروا من النفس الأمارة، والشيطان، والهوى، وسائر القواطع، لولوا الأدبار، ثم لا يجدون تسلطا عليكم أبدا، سنة الله التي قد خلت فيمن توجه إليه بصدق الطلب، ودخل تحت تربية الرجال، فإن همتهم دائرة عليه، ولن تجد لسنة الله تبيدلا. وهو الذي كف أيدي الأعداء من القواطع عنكم، وكف أيديكم عنهم، من بعد أن أظفركم عليهم، فإن النفس إذا تعذبت واطمأنت وجب الكف عن مجاهدتها، ووجب البرور بها، وتصديقها فيما تحدثه، وكذا سائر القواطع تجب الغيبة عنها، وعدم الالتفات إليها غيبة في الله واشتغالا بشهوده. وقيل لبعضهم: متى ينتهي سير الطالبين؟ قال: " الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا ". وأيضا: لا تجتمع المجاهدة مع المشاهدة، فإذا تحققت المشاهدة فلا مجاهدة. هم الذين كفروا من النفوس المتمردة، والهوى، وصدوكم عن مسجد الحضرة، والهدي معكوفا، وحبسوكم عن التقرب إلى الله بالنفس والمال أن يبلغ محله، بأن تمنعكم من إعطائه، أو تشيبه بما يفسده من الرياء والعجب، لئلا تبلغ محل الإخلاص. ثم ذكر حكمة منعهم من دخول مكة عام الحديبية، فقال: {... ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } قلت: { أن تطؤوهم }: بدل اشتمال من رجال ونساء، ومن ضمير " تعلموهم " وبغير متعلق بتطؤوهم، وجواب " لولا " محذوف، أغنى عنه جواب " لو " أي: لما كف أيديكم عنهم. يقول الحق جل جلاله: { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } بمكة، ضعفوا عن الهجرة { لم تعلموهم } لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم مع المشركين، { أن تطأوهم بغير علم } أي: غير عالمين بهم { فتصيبكم منهم معرة } أي: مشقة ومكروه. وفي تفسير المحلي " المعرة " بالإثم نظر، مع فرض عدم العلم، إلا أن يحمل على صورة الإثم، وهو الخطأ، وفيه الكفارة. والمعرة: مفعلة من: عراه: إذا دهاه ما يكرهه وشق عليه، وهو هنا الكفارة إذا قتله خطأ، وسوء مقالة المشركين أنهم فعلو بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والإثم إذا قصد قتله. والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة.
والحاصل أنه كان بمكة قوم مسلمون مختلطون بالمشركين، غير متميزين منهم، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا من المؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مشقة ومكروه، ولما كففنا أيديكم عنهم، ولسلطانكم عليهم. وكان ذلك الكف { ليدخل الله في رحمته } أي: في توفيقه لزيادة الخير والطاعة لمؤمنيهم، أو: ليدخلهم في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم { من يشاء } زيادته أو هدايته، فاللام متعلقة بمحذوف، تعليل لما دلت عليه الآية، وسيقت له، من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم، صونا لما بين أظهرهم من المؤمنين. { لو تزيلوا } أي: تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين، { لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } بقتل مقاتلهتم، وسبي ذراريهم. ويجوز أن يكون: " لو تزيلوا " كالتكرير ل " لولا.. " لمرجعهما لمعنى واحد ويكون { لعذبنا... } الخ، هو جواب " لولا " والتقدير: ولولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات من غير علم، ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف. الإشارة: إذا اختلط أهل الانتقاد مع أهل الاعتقاد، لا يعم البلاء المعد لأهل الانتقاد، ولو تزيلوا لعذبنا المنكرين عذابا أليما، وكذلك إذا اختلط الفجار مع الأبرار، وغلب جمع الأبرار، لا يعم البلاء، ويصرف عن الجميع، فلو تزيل الفجار لعذبوا عذابا أليما. قال القشيري: قد تكون في النفس أوصاف مستحسنة، تليق بالفيض الألهي، مع أوصاف مذمومة، فلو سلطناكم على إهلاكها بالمرة، لفاتكم ما فيها من الأوصاف الحسنة، فتصيبكم معرة، ليدخل الله في رحمته بالوصول إلى حضرته من يشاء من النفوس، بتصفية ما فيها من الرذائل. لو تزيلوا تميز ما يصلح قلعه، كالكبر، والشر، والحرص والحقد، أو ما يصلح تبديله، كالبخل بالسخاء، والحرص بالقناعة، والغضب بالحلم، والجبن بالشجاعة، والشهوة بالعفة، لعذبنا النفوس المتمردة عذابا أليما، بإهلاكها بالكلية. بالمعنى. ثم وصف أهل الكفر المتقدمين الآن بالحمية، فقال: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية }.
الفتح 48:26
يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ جعل الذين كفروا } من قريش أي: ألقوا { في قلوبهم الحمية } أي: الأنفة والتكبر، أو: صيروا الحمية راسخة في قلوبهم { حمية الجاهلية } بدل، أي: حمية الملة الجاهلية، أو الحمية الناشئة من الجاهلية، ووضع الموصول موضع ضميرهم، إذ تقدم ذكرهم، لذمهم بما في حيز الصلة، وتعليل الحكم به. والجعل بمعنى الإلقاء، فلا يتعدى إلى مفعولين، أوك بمعنى التصيير، فالمفعول الثاني محذوف، كما تقدم. و " الذين ": فاعل، على كل حال. { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } أي: أنزل في قلوبهم الطمأنينة والوقار، فلم يتضعضعوا من الشروط التي شرطت قريش. روي: أن رسول الله لما نزل الحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص، على أن يعرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك، على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك، وكتب بينهم كتابا، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه:
" اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم "
فقال سهيل وأصحابه ما نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، ثم قال:
" اكتب: هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة "
فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال صلى الله عليه وسلم:
" اكتب ما يريدون، فأنا أشهد أني رسول، وأنا محمد بن عبد الله "
فهم المسلمون أن يأبوا ذلك، ويبطشوا بهم، فأنزل الله السكينة عليهم، فتوقروا وحلموا. وفي رواية البخاري: فكتب علي رضي الله عنه:
" هذا ما قضى عليه محمد رسول الله "
فلما أبوا ذلك، قال صلى الله عليه وسلم لعلي:
" امح رسول الله، واكتب: محمد بن عبد الله "
، فقال: والله لا أمحوك أبدا، فأخذ صلى الله عليه وسلم الصحيفة وكتب ما أرادوا. قيل: كتب بيده معجزة، وقيل: أمر من كتب، وهو الأصح. { وإلزمهم كلمة التقوى } شهادة " لا إله إلا الله " وقيل: بسم الله الرحمن الرحيم، وقيل: محمد رسول الله، وقيل: الوفاء بالعهد، والثابت عليه. وإضافتها إلى التقوى لأنها سببها وأساسها، وقيل: كلمة أهل التقوى. { وكانوا أحق بها } أي: متصفين بمزيد استحقاق بها، على أن صيغة التفضيل للزيادة مطلقا، أو: أحق بها من غيرهم من سائر الأمم { و } كانوا أيضا { أهلها } المتأهلون لها بتأهيل الله إياهم. قال القشيري: كلمة التقوى هي التوحيد عن قلب صادق، وأن يكون مع الكلمة الاتقاء الشرك، وكانوا أحق بها في سابق حكمه، وقديم علمه، وهذا إلزام إكرام ولطف، لا إلزام إكراه وعنف، وإلزام بر، لا إلزام جبر.
ه. { وكان الله بكل شيء عليما } فيجري الأمور على مساقها، فيسوق كلا إلى ما يستحقه. الإشارة: لا يصل العبد إلى مولاه حتى تكون نفسه أرضية، وروحه سماوية، يدور مع الحق أينما دار، ويخضع للحق أينما ظهر، ولأهله أينما ظهروا، لم تبق فيه حمية ولا أنفة، بل يكون كالأرض يطأها البار والفاجر، ولا تميز بينهما، وأما من فيه حمية الجاهلية، فهو من أهل الخذلان، وأما أهل العناية، فأشار إليهم بقوله: { فأنزل الله سكينته على رسوله } فكان متواضعا سهلا لينا، كما قال تعالى:
وإنك لعلى خلق عظيم
[القلم: 4] وعلى المؤمنين فأخبر عنهم بقوله: { أشدآء على الكفار رحمآء بينهم } [الفتح: 29] الآية، و " ألزمهم كلمة التقوى " ، " لا إله إلا الله " لأنها تهذب الأخلاق، وتخرج ما في القلب من الأمراض والنفاق لأن النفي: تنزيه وتخلية، والإثبات: نور وتحلية، فلا يزال النفي يخرج من القلب ما فيه هي الظلمة والمساوئ، حتى يتطهر ويتصف بكمال المحاسن. قال في نوادر الأصول، لما تكلم على { وألزمهم كلمة التقوى }: هو " لا إله إلا الله " ، وجه تسميتها بذلك: أنه اتقى بها ونفى ما أحدث من الشرك، حمية للتوحيد وعصبية وغيرة، اقتضاها نور التوحيد والمحبة، فنفى القلب كل رب ادعى العباد ربوبيته، وولهت قلوبهم إليه، فابتدأ هذا القلب - الذي وصفنا - بالنفي لأرباب الأرض، ثم سما عاليا حتى انتهى إلى الرب الأعلى، فوقف عنده، وتذلل وخشع له، واطمأن ووله إليه. وقال لنبيه:
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1] أي: إن هذه أرباب متفرقون، والرب الله الواحد القهار، فهداه إلى الرب الأعلى، وقال:
وأن إلى ربك المنتهى
[النجم: 42]. ثم قال: ألزم قلوبهم هذه الكلمة بنور المحبة، كما قال:
حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم
[الحجرات: 7]، فبحلاوة الحب، وزينة البهاء، صارت الكلمة لازمة لقلوبهم. وأما قوله: { وكانوا أحق بها وأهلها } فإنما صاروا كذلك لأن الله كان ولا شيء، فخلق المقادير، وخلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فقد علم من يخطئه ممن يصيبه. ثم ذكر أحاديث، من ذلك: حديث ابن عمرو:
" إن الله خلق خلقه، ثم جعلهم في ظلمة، ثم أخذ من نوره ما شاء، فألقاه عليهم، فأصاب النور من شاء أن يصيبه، وأخطأ من شاء أن يخطئه... "
الحديث. ثم قال بعد كلام طويل: ثم لما نفخ الروح في آدم أخرج نسم بنيه، أهل اليمين، من كتفه الأيمن في صفاء وتلألؤ، وأصحاب الشمال كالحمة سود من كتفه الأيسر، والسابقون أمام الفريقين، المقربون، وهم الرسل والأنبياء والأولياء، فقربهم كلهم، وأخذ عليهم ميثاق على الإقرار بالعبودية، وأشهدهم على أنفسهم، وشهد عليهم بذلك. ثم ردهم إلى الأصلاب ليخرجهم تناسلا إلى الأرحام. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه في قوله: { وكانوا أحق بها وأهلها }: من أدركه عناية السبق في الأزل جرى عليه عنوان المواصلة، وهو أحق بها، لما سبق إليه من كرامة الأزل. ه. والحاصل: أنهم أحق بها بالسبق بالاصطفائية، وبقيت نعوتها وأنوارها في قلوبهم، دون الذي حجبهم الله عن رؤية نورها. قاله في الحاشية. ثم بشرهم بفتح مكة، وصدق الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: { لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق }.
الفتح 48:27
يقول الحق جل جلاله: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا } أي: صدقه في رؤياه ولم يكذبه - تعالى الله عن الكذب - فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله:
صدقوا ما عاهدوا الله عليه
[الأحزاب: 23] يقال: صدقه الحديث: إذا حققه وبينه له، أو: أخبره بصدق روي أنه صلى الله عليه وسلم رأى في النوم، قبل خروجه إلى الحديبية، كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه، ففرحوا، وحسبوا أنهم داخلوها، وقالوا: إن رؤيا رسول الله حق. والله تعالى قد أبهم الأمر عليهم لينفرد بالعلم الحقيقي، فلما صدوا، قال عبد الله بن أبي وغيره من المنافقين: والله ما حلقنا ولا قصرنا، ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت: { لقد صدق الله رسوله } فيما أراه، وما كذب عليه، ولكن في الوقت الذي يريد. وقوله: { بالحق } إما صفة لمصدر محذوف، أي: صدقا ملتبسا بالحق، أي: بالغرض الصحيح، والحكمة البالغة التي تميز بين الراسخ في الإيمان، والمتزلزل فيه، أو: حال من الرؤيا، أي: ملتبسة بالحق ليست من قبيل أضغاث الأحلام، ويجوز أن يكون قسما، أي: أقسم بالحق { لتدخلن المسجد الحرام } وعلى الأول: جواب القسم محذوف، أي: والله لتدخلن المسجد الحرام، والجملة القسمية: استنئاف بياني، كأن قائلا قال: ففيم صدقه؟ فقال: { لتدخلن المسجد إن شاء الله } وهو تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العبادة. قال ثعلب: استثنى الله فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. وقال في القوت: استثنى الله معلما لعباده ورادا لهم إلى مشيئته، وهو أصدق القائلين، وأعلم العالمين. ه. أو: للإشعار بأن بعضهم لا يدخلونه، لموت، أو غيبة، أو غير ذلك، أو: هو حكاية لما قاله ملك الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لما قاله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، حين قص عليهم، أي: والله لتدخلنها { آمنين } من غائلة العدو، فهو حال من فاعل " لتدخلن " والشرط معترض. { محلقين رؤوسكم ومقصرين } أي: محلقا بعضكم، ومقصرا آخرون، { لا تخافون } بعد ذلك أبدا، فهو حال أيضا، أو استئناف، { فعلم ما لم تعلموا } من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل، { فجعل من دون ذلك } فتح مكة { فتحا قريبا } وهو فتح خيبر، لتستروح إليه قلوب المؤمنين، إلى أن يتيسر الفتح الموعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: العارف الكامل لا يركن إلى شيء دون الله تعالى، فلا يطمئن إلى وعد، ولا يخاف من وعيد، بل هو عبد بين يدي سيده، ينظر ما يبرز من زمن عنصر قدرته، فإن بشر بشيء في النوم أو اليقظة، لا يركن إليه، ولا يقف معه لأن غيب المشيئة غامض، وإن خوف بشيء في النوم أو غيره، لا يفزع ولا يجزع لأن الغنى بالله والأنس به غيبه عن كل شيء، وفي الله خلف من كل تلف " ماذا فقد من وجدك؟ " والله يتولى الصالحين،
ومن يتق الله يجعل له مخرجا...
[الطلاق: 2] الآية. قال في الإبريز: الرؤيا المحزنة إنما هي اختبار من الله للعبد، هل يبقى مع ربه أو ينقطع عنه، فإن كان العبد متعلقا به تعالى، ورأى الرؤيا المحزنة، لم يلتفت إليها، ولما يبال بها لعلمه بأنه منسوب إلى من بيده تصاريف الأمور، وأن ما اختاره تعالى سبقت به المشيئة، فلا يهوله أمر الرؤيا، ولا يلقي إليها بالا، وهذه لا تضره بإذن الله تعالى: وإذا كان العبد غير متعلق بربه، ورأى رؤيا محزنة، جعلها نصب عينيه، وعمر بها باطنه، وانقطع بها عن ربه، ويقدر أنها لا محالة نازلة به، فهذا هو الذي تضره لأن من خاف من شيء سلطه عليه. ه. وسئل سهل التستري رضي الله عنه عن الاستثناء في هذه الآية، فقال: تأكيدا في الافتقار إليه، وتأديبا لعباده في كل حال ووقت. ه. أي: أدبهم لئلا يقفوا مع شيء دونه. ثم رد حمية الجاهلية في عدم إقرارهم برسالته صلى الله عليه وسلم، فقال: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى }.
الفتح 48:28
يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } بالتوحيد، أي: ملتبسا به، أو: بسببه، أو: لأجله، { ودين الحق } وبدين الإسلام، وبيان الإيمان والإحسان، وقال الورتجبي: ودين الحق: هو بيان معرفته والأدب بين يديه. ه. { ليظهره على الدين كله } ليعليه على جنس الدين، يريد الأديان كلها من أديان المشركين وأهل الكتاب، وقد حقق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى دينا قط إلا والإسلام فوقه بالعزة والغلبة، إلا ما كان من النصارى بالجزيرة، حيث فرط أهل الإسلام، وقيل: هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات. { وكفى بالله شهيدا } على أن ما وعده كائن. وعن الحسن: شهد على نفسه أنه سيظهر دينه، أو: كفى به شهيدا على نبوة محمد صلى عليه وسلم وهو تمييز، أو حال. { محمد رسول الله } أي: ذلك المرسل بالهدى ودين الحق هو محمد رسول الله، فهو خبر عن مضمر، و " رسول ": نعت، أو: بدل، أو: بيان، أو: " محمد ": مبتدأ و " رسول ": خبر، { والذين معه } مبتدأ، خبره: { أشداء على الكفار رحماء بينهم } أو: " الذين ": عطف على " محمد " ، و " أشداء ": خبر الجميع، أي: غلاظ شداد على الكفار في حربهم، رحماء متعاطفون بينهم، يعني: أنهم كانوا يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافق دينهم الرأفة والرحمة، وهذا كقوله تعالى:
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين
[المائدة: 54]، وبلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثياب الكفار، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من تراحمهم فيما بينهم: أنهم كانوا لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه. وهذا الوصف الذي مدح الله به الصحابة رضي الله عنهم مطلوب من جميع المؤمنين، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "
رواه البخاري، وقال أيضا:
" نظر الرجل إلى أخيه شوقا خيرا من اعتكاف سنة في مسجدي هذا "
، ذكره في الجامع. { تراهم ركعا سجدا } أي: تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين لمواظبتهم على الصلوات، أو: على قيام الليل، كما قال من شاهد حالهم: رهبان بالليل أسد بالنهار، وهو استئناف، أو: خبر، { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } أي: ثوابا ورضا وتقريبا { سيماهم } علاماتهم { في وجوههم } في جباههم { من أثر السجود } أي: من التأثير الذي يؤثره كثرة السجود. وما روي عنه عليه السلام:
" لا تعلموا صوركم "
أي: لا تسموها، إنما هو فيمن يتعمد ذلك باعتماد جبهته على الأرض، ليحدث ذلك فيها، وذلك رياء ونفاق، وأما إن حدث بغير تعمد، فلا ينهى عنه، وقد ظهر على كثير من السلف الصالح غرة في جباههم مع تحقق إخلاصهم.
وقال منصور: سألت مجاهدا عن قوله: { سيماهم في وجوههم } أهو الأثر يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنه نور في وجوهم من الخشوع. وقال ابن جيرح: هو الوقار والبهاء، وقيل: صفرة الوجوه، وأثر السهر. وقال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم مرضى. وقال سفيان وعطاء: استنارت وجوههم من طول ما وصلوا بالليل، لقوله عليه السلام:
" من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار "
وقال ابن عطية: إنه من قول شريك لا حديث، فانظره، وقال ابن جبير: في وجوههم يوم القيامة يعرفون به أنهم سجدوا في الدنيا لله تعالى. ه. { ذلك مثلهم في التوراة } الإشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة، وما فيها من معنى البعد مع قرب العهد للإيذان بعلو شأنه، وبعد منزلته في الفضل، أي: ذلك وصفهم العجيب الجاري في الغرابة مجرى الأمثال، هو نعتهم في التوراة، أي: كونهم أشداء على الكفار، رحماء بينهم، سيماهم في وجوههم. ثم ذكر وصفهم في الإنجيل فقال: { ومثلهم في الإنجيل كزرع.. } الخ، وقيل عطف على ما قبله، بزيادة " مثل " ، أي: ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل، ثم بين المثل فقال: هم كزرع { أخرج شطأه } فراخه، يقال: أشطأ الزرع: أفرخ، فهو مشطىء، وفيه لغات: شطأه بالسكون والفتح، وحذف الهمزة، كقضاة. و " شطه " ، بالقصر، { فآزره } فقواه، من: المؤازرة، وهي الإعانة، { فاستغلظ } فصار من الرقة إلى الغلظ، { فاستوى على سوقه } فاستوى على قصبه، جمع: ساق، { يعجب الزراع } يتعجبون من قوته، وكثافته، وغلظه، وحسن نباته ومنظره. وهو مثل ضربه الله لأصحابه صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام، ثم كثروا واستحكموا، بترقي أمرهم يوما بيوم، بحيث أعجب الناس أمرهم، فكان الإسلام يتقوى كما تقوى الطاقة من الزرع، بما يحتف بها مما يتولد منها. وقيل: مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآرزه بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي. وحكى النقاش عن ابن عباس، أنه قال: الزرع النبي صلى الله عليه وسلم، فآزره علي بن أبي طالب، فاسغلظ بأبي بكر، فاستوى على سوقه بعمر. ه. واختار ابن عطية: أن المثل شامل للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وحده، فهو الزرع، حبة واحدة، ثم كثر المسلمون، فهم كالشطء، تقوى بهم صلى الله عليه وسلم.
{ ليغيظ بهم الكفار } تعليل لما يعرب عنه الكلام من تشبيههم بالزرع في ذكائه واستحكامه، أي: جعلهم كذلك ليغيظ بهم من كفر بالله. { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما } استئناف مبين لما خصهم به من الكرامة في الآخرة، بعد بيان ما خصهم به في الدنيا، ويجوز أن يرجع لقوله: { ليغيظ بهم... } الخ: أي: ليغيظ بهم وعدهم بالمغفرة والأجر العظيم لأن الكفار إذا سمعوا ما أعد لهم في الآخرة مع ما خصهم في الدنيا من العزة والنصر غاظهم ذلك أشد الغيظ، و " من " في " منهم " للبيان، كقوله:
فاجتنبوا الرجس من الأوثان
[الحج: 30] أي: وعد الله الذين آمنوا من هؤلاء. الإشارة: هو الذي أرسل رسول بالهدى: بيان الشرائع، ودين الحق: بيان الحقائق، فمن جمع بينهما من أمته ظهر دينه وطريقته، وهذا هو الولي المحمدي، أعني: ظاهره شريعة، وباطنه حقيقة، وما وصف به سبحانه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هو وصف الصوفية، أهل التربية النبوية، خصوصا طريق الشاذلية، حتى قال بعضهم: من حلف أن طريق الشاذلية عليها كانت بواطن الصحابة ما حنث. وقوله تعالى: { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } قال الورتجبي: أي: يطلبون مزيد كشف في الذات والدنو والوصال والبقاء مع بقائه بلا عتاب ولا حجاب، وهذا محل الرضوان الأكبر. ه. وقوله تعالى: { سيماهم في وجوههم } أي: نورهم في وجوههم، لتوجههم نحو الحق، فإن من قرب من نور الحق ظهرت عليه أنورا المعرفة، وجمالها وبهاؤها، ولو كان زنجيا أو حبشيا، وفي ذلك قيل:
وعلى العارفين أيضا بهاء وعليهم من المحبة نور
ويقال: السيما للعارفين، والبهجة للمحبين، فالسيما هي الطمأنينة، والرزانة، والهيبة، والوقار، كل من رآهم بديهة هابهم، ومن خالطهم معرفة أحبهم، والبهجة: حسن السمت والهدي، وغلبة الشوق، والعشق، واللهج بالذكر اللساني. والله تعالى أعلم. وروى السلمي عن عبد العزيز المكي: ليس السيما النحولة والصفرة، ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين، يبدو من باطنهم على ظاهرهم، يتبين ذلك للمؤمنين، ولو كان ذلك في زنجي أو حبشي. وعن بعضهم: ترى على وجوههم هيئة لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم. وقال ابن عطاء: ترى عليهم طلع الأنوار لائحة. وقال الورتجبي: المؤمن وجه لله بلا قفا، مقبلا عليه، غير معرض عنه، وذلك سيما المؤمن. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الفتح 48:29
يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } بالتوحيد، أي: ملتبسا به، أو: بسببه، أو: لأجله، { ودين الحق } وبدين الإسلام، وبيان الإيمان والإحسان، وقال الورتجبي: ودين الحق: هو بيان معرفته والأدب بين يديه. ه. { ليظهره على الدين كله } ليعليه على جنس الدين، يريد الأديان كلها من أديان المشركين وأهل الكتاب، وقد حقق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى دينا قط إلا والإسلام فوقه بالعزة والغلبة، إلا ما كان من النصارى بالجزيرة، حيث فرط أهل الإسلام، وقيل: هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات. { وكفى بالله شهيدا } على أن ما وعده كائن. وعن الحسن: شهد على نفسه أنه سيظهر دينه، أو: كفى به شهيدا على نبوة محمد صلى عليه وسلم وهو تمييز، أو حال. { محمد رسول الله } أي: ذلك المرسل بالهدى ودين الحق هو محمد رسول الله، فهو خبر عن مضمر، و " رسول ": نعت، أو: بدل، أو: بيان، أو: " محمد ": مبتدأ و " رسول ": خبر، { والذين معه } مبتدأ، خبره: { أشداء على الكفار رحماء بينهم } أو: " الذين ": عطف على " محمد " ، و " أشداء ": خبر الجميع، أي: غلاظ شداد على الكفار في حربهم، رحماء متعاطفون بينهم، يعني: أنهم كانوا يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافق دينهم الرأفة والرحمة، وهذا كقوله تعالى:
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين
[المائدة: 54]، وبلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثياب الكفار، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من تراحمهم فيما بينهم: أنهم كانوا لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه. وهذا الوصف الذي مدح الله به الصحابة رضي الله عنهم مطلوب من جميع المؤمنين، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "
رواه البخاري، وقال أيضا:
" نظر الرجل إلى أخيه شوقا خيرا من اعتكاف سنة في مسجدي هذا "
، ذكره في الجامع. { تراهم ركعا سجدا } أي: تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين لمواظبتهم على الصلوات، أو: على قيام الليل، كما قال من شاهد حالهم: رهبان بالليل أسد بالنهار، وهو استئناف، أو: خبر، { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } أي: ثوابا ورضا وتقريبا { سيماهم } علاماتهم { في وجوههم } في جباههم { من أثر السجود } أي: من التأثير الذي يؤثره كثرة السجود. وما روي عنه عليه السلام:
" لا تعلموا صوركم "
أي: لا تسموها، إنما هو فيمن يتعمد ذلك باعتماد جبهته على الأرض، ليحدث ذلك فيها، وذلك رياء ونفاق، وأما إن حدث بغير تعمد، فلا ينهى عنه، وقد ظهر على كثير من السلف الصالح غرة في جباههم مع تحقق إخلاصهم.
وقال منصور: سألت مجاهدا عن قوله: { سيماهم في وجوههم } أهو الأثر يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنه نور في وجوهم من الخشوع. وقال ابن جيرح: هو الوقار والبهاء، وقيل: صفرة الوجوه، وأثر السهر. وقال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم مرضى. وقال سفيان وعطاء: استنارت وجوههم من طول ما وصلوا بالليل، لقوله عليه السلام:
" من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار "
وقال ابن عطية: إنه من قول شريك لا حديث، فانظره، وقال ابن جبير: في وجوههم يوم القيامة يعرفون به أنهم سجدوا في الدنيا لله تعالى. ه. { ذلك مثلهم في التوراة } الإشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة، وما فيها من معنى البعد مع قرب العهد للإيذان بعلو شأنه، وبعد منزلته في الفضل، أي: ذلك وصفهم العجيب الجاري في الغرابة مجرى الأمثال، هو نعتهم في التوراة، أي: كونهم أشداء على الكفار، رحماء بينهم، سيماهم في وجوههم. ثم ذكر وصفهم في الإنجيل فقال: { ومثلهم في الإنجيل كزرع.. } الخ، وقيل عطف على ما قبله، بزيادة " مثل " ، أي: ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل، ثم بين المثل فقال: هم كزرع { أخرج شطأه } فراخه، يقال: أشطأ الزرع: أفرخ، فهو مشطىء، وفيه لغات: شطأه بالسكون والفتح، وحذف الهمزة، كقضاة. و " شطه " ، بالقصر، { فآزره } فقواه، من: المؤازرة، وهي الإعانة، { فاستغلظ } فصار من الرقة إلى الغلظ، { فاستوى على سوقه } فاستوى على قصبه، جمع: ساق، { يعجب الزراع } يتعجبون من قوته، وكثافته، وغلظه، وحسن نباته ومنظره. وهو مثل ضربه الله لأصحابه صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام، ثم كثروا واستحكموا، بترقي أمرهم يوما بيوم، بحيث أعجب الناس أمرهم، فكان الإسلام يتقوى كما تقوى الطاقة من الزرع، بما يحتف بها مما يتولد منها. وقيل: مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآرزه بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي. وحكى النقاش عن ابن عباس، أنه قال: الزرع النبي صلى الله عليه وسلم، فآزره علي بن أبي طالب، فاسغلظ بأبي بكر، فاستوى على سوقه بعمر. ه. واختار ابن عطية: أن المثل شامل للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وحده، فهو الزرع، حبة واحدة، ثم كثر المسلمون، فهم كالشطء، تقوى بهم صلى الله عليه وسلم.
{ ليغيظ بهم الكفار } تعليل لما يعرب عنه الكلام من تشبيههم بالزرع في ذكائه واستحكامه، أي: جعلهم كذلك ليغيظ بهم من كفر بالله. { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما } استئناف مبين لما خصهم به من الكرامة في الآخرة، بعد بيان ما خصهم به في الدنيا، ويجوز أن يرجع لقوله: { ليغيظ بهم... } الخ: أي: ليغيظ بهم وعدهم بالمغفرة والأجر العظيم لأن الكفار إذا سمعوا ما أعد لهم في الآخرة مع ما خصهم في الدنيا من العزة والنصر غاظهم ذلك أشد الغيظ، و " من " في " منهم " للبيان، كقوله:
فاجتنبوا الرجس من الأوثان
[الحج: 30] أي: وعد الله الذين آمنوا من هؤلاء. الإشارة: هو الذي أرسل رسول بالهدى: بيان الشرائع، ودين الحق: بيان الحقائق، فمن جمع بينهما من أمته ظهر دينه وطريقته، وهذا هو الولي المحمدي، أعني: ظاهره شريعة، وباطنه حقيقة، وما وصف به سبحانه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هو وصف الصوفية، أهل التربية النبوية، خصوصا طريق الشاذلية، حتى قال بعضهم: من حلف أن طريق الشاذلية عليها كانت بواطن الصحابة ما حنث. وقوله تعالى: { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } قال الورتجبي: أي: يطلبون مزيد كشف في الذات والدنو والوصال والبقاء مع بقائه بلا عتاب ولا حجاب، وهذا محل الرضوان الأكبر. ه. وقوله تعالى: { سيماهم في وجوههم } أي: نورهم في وجوههم، لتوجههم نحو الحق، فإن من قرب من نور الحق ظهرت عليه أنورا المعرفة، وجمالها وبهاؤها، ولو كان زنجيا أو حبشيا، وفي ذلك قيل:
وعلى العارفين أيضا بهاء وعليهم من المحبة نور
ويقال: السيما للعارفين، والبهجة للمحبين، فالسيما هي الطمأنينة، والرزانة، والهيبة، والوقار، كل من رآهم بديهة هابهم، ومن خالطهم معرفة أحبهم، والبهجة: حسن السمت والهدي، وغلبة الشوق، والعشق، واللهج بالذكر اللساني. والله تعالى أعلم. وروى السلمي عن عبد العزيز المكي: ليس السيما النحولة والصفرة، ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين، يبدو من باطنهم على ظاهرهم، يتبين ذلك للمؤمنين، ولو كان ذلك في زنجي أو حبشي. وعن بعضهم: ترى على وجوههم هيئة لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم. وقال ابن عطاء: ترى عليهم طلع الأنوار لائحة. وقال الورتجبي: المؤمن وجه لله بلا قفا، مقبلا عليه، غير معرض عنه، وذلك سيما المؤمن. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.