Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الطور 52:1 – النجم 53:32

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. الطور 52:1
  2. الطور 52:2
  3. الطور 52:3
  4. الطور 52:4
  5. الطور 52:5
  6. الطور 52:6
  7. الطور 52:7
  8. الطور 52:8
  9. الطور 52:9
  10. الطور 52:10
  11. الطور 52:11
  12. الطور 52:12
  13. الطور 52:13
  14. الطور 52:14
  15. الطور 52:15
  16. الطور 52:16
  17. الطور 52:17
  18. الطور 52:18
  19. الطور 52:19
  20. الطور 52:20
  21. الطور 52:21
  22. الطور 52:22
  23. الطور 52:23
  24. الطور 52:24
  25. الطور 52:25
  26. الطور 52:26
  27. الطور 52:27
  28. الطور 52:28
  29. الطور 52:29
  30. الطور 52:30
  31. الطور 52:31
  32. الطور 52:32
  33. الطور 52:33
  34. الطور 52:34
  35. الطور 52:35
  36. الطور 52:36
  37. الطور 52:37
  38. الطور 52:38
  39. الطور 52:39
  40. الطور 52:40
  41. الطور 52:41
  42. الطور 52:42
  43. الطور 52:43
  44. الطور 52:44
  45. الطور 52:45
  46. الطور 52:46
  47. الطور 52:47
  48. الطور 52:48
  49. الطور 52:49
  50. النجم 53:1
  51. النجم 53:2
  52. النجم 53:3
  53. النجم 53:4
  54. النجم 53:5
  55. النجم 53:6
  56. النجم 53:7
  57. النجم 53:8
  58. النجم 53:9
  59. النجم 53:10
  60. النجم 53:11
  61. النجم 53:12
  62. النجم 53:13
  63. النجم 53:14
  64. النجم 53:15
  65. النجم 53:16
  66. النجم 53:17
  67. النجم 53:18
  68. النجم 53:19
  69. النجم 53:20
  70. النجم 53:21
  71. النجم 53:22
  72. النجم 53:23
  73. النجم 53:24
  74. النجم 53:25
  75. النجم 53:26
  76. النجم 53:27
  77. النجم 53:28
  78. النجم 53:29
  79. النجم 53:30
  80. النجم 53:31
  81. النجم 53:32

الطور 52:1

يقول الحق جل جلاله: { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين، { وكتاب مسطور } وهو القرآن العظيم، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو: اللوح المحفوظ، أو: التوراة، كتبه الله لموسى، وهو يسمع صرير القلم، { في رق منشور } الرق: الجلد الذي يكتب فيه، والمراد: الصحيفة، وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس، والمنشور: المفتوح لا ختم عليه، أو: الظاهر للناس، { والبيت المعمور } وهو بيت في السماء السابعة، حيال الكعبة، ويقال له: الضراح، وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة، روي: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يطوفون به، ويخرجون، ومن دخله لا يعود إليه أبدا، وخازنه ملك يقال له: " رزين ". وقيل الكعبة، وعمارته بالحجاج والعمار والمجاورين. { والسقف المرفوع } أي: السماء، أو: العرش، { والبحر المسجور } أي: المملوء، وهو البحر المحيط، أو الموقد، من قوله تعالى: وإذا البحار سجرت [التكوير: 6] والمراد الجنس، روي " أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة نارا، تسجر بها نار جهنم، كما يسجر التنوير بالحطب " وعن ابن عباس: المسجور: المحبوس، أي: الملجم بالقدرة. والواو الأولى للقسم، والتوالي للعطف، والمقسم عليه: { إن عذاب ربك لواقع } لنازل حتما، { ما له من دافع } أي: لا يمنعه مانع، والجملة: صفة لواقع، أي: وقع غير مدفوع. و " من " مزيدة للتأكيد، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها لأنها أمور عظام، تنبئ عن عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد، وضطبها، الشاهدة بصدق أخباره، التي من جملتها: الجملة المقسم عليها. الإشارة: أقسم الله تعالى بجبل العقل، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما فيه هلاكها، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين، والعلوم، والأسرار، قال تعالى: أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] وذلك حين رقت وصفت من الإغيار، ثم أقسم أيضا بذلك القلب، وهو البيت المعمور لأن القلب بيت الرب، " يا داوود طهر بيتا أسكنه... " الحديث، وهو معمور بالمعارف والأنوار، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح، وهو سقف بيت القلب، وبحر الأحدية الذي عمر كل شيء، وأحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، فالوجود كله بحر متصل، أوله وآخره، وظاهره وباطنه. إن عذاب ربك لأهل العذاب، وهم أهل الحجاب، لواقع، وأعظم العذاب: غم الحجاب وسوء الحساب، ومن دعاء السري السقطي: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب. اه. ماله من دافع لا يدفعه أحد من الخلق، إلا من رحم الله، أو: من أهله الله لذلك من أهل التربية النبوية. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: { يوم تمور السمآء مورا }.

الطور 52:2

يقول الحق جل جلاله: { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين، { وكتاب مسطور } وهو القرآن العظيم، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو: اللوح المحفوظ، أو: التوراة، كتبه الله لموسى، وهو يسمع صرير القلم، { في رق منشور } الرق: الجلد الذي يكتب فيه، والمراد: الصحيفة، وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس، والمنشور: المفتوح لا ختم عليه، أو: الظاهر للناس، { والبيت المعمور } وهو بيت في السماء السابعة، حيال الكعبة، ويقال له: الضراح، وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة، روي: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يطوفون به، ويخرجون، ومن دخله لا يعود إليه أبدا، وخازنه ملك يقال له: " رزين ". وقيل الكعبة، وعمارته بالحجاج والعمار والمجاورين. { والسقف المرفوع } أي: السماء، أو: العرش، { والبحر المسجور } أي: المملوء، وهو البحر المحيط، أو الموقد، من قوله تعالى: وإذا البحار سجرت [التكوير: 6] والمراد الجنس، روي " أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة نارا، تسجر بها نار جهنم، كما يسجر التنوير بالحطب " وعن ابن عباس: المسجور: المحبوس، أي: الملجم بالقدرة. والواو الأولى للقسم، والتوالي للعطف، والمقسم عليه: { إن عذاب ربك لواقع } لنازل حتما، { ما له من دافع } أي: لا يمنعه مانع، والجملة: صفة لواقع، أي: وقع غير مدفوع. و " من " مزيدة للتأكيد، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها لأنها أمور عظام، تنبئ عن عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد، وضطبها، الشاهدة بصدق أخباره، التي من جملتها: الجملة المقسم عليها. الإشارة: أقسم الله تعالى بجبل العقل، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما فيه هلاكها، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين، والعلوم، والأسرار، قال تعالى: أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] وذلك حين رقت وصفت من الإغيار، ثم أقسم أيضا بذلك القلب، وهو البيت المعمور لأن القلب بيت الرب، " يا داوود طهر بيتا أسكنه... " الحديث، وهو معمور بالمعارف والأنوار، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح، وهو سقف بيت القلب، وبحر الأحدية الذي عمر كل شيء، وأحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، فالوجود كله بحر متصل، أوله وآخره، وظاهره وباطنه. إن عذاب ربك لأهل العذاب، وهم أهل الحجاب، لواقع، وأعظم العذاب: غم الحجاب وسوء الحساب، ومن دعاء السري السقطي: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب. اه. ماله من دافع لا يدفعه أحد من الخلق، إلا من رحم الله، أو: من أهله الله لذلك من أهل التربية النبوية. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: { يوم تمور السمآء مورا }.

الطور 52:3

يقول الحق جل جلاله: { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين، { وكتاب مسطور } وهو القرآن العظيم، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو: اللوح المحفوظ، أو: التوراة، كتبه الله لموسى، وهو يسمع صرير القلم، { في رق منشور } الرق: الجلد الذي يكتب فيه، والمراد: الصحيفة، وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس، والمنشور: المفتوح لا ختم عليه، أو: الظاهر للناس، { والبيت المعمور } وهو بيت في السماء السابعة، حيال الكعبة، ويقال له: الضراح، وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة، روي: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يطوفون به، ويخرجون، ومن دخله لا يعود إليه أبدا، وخازنه ملك يقال له: " رزين ". وقيل الكعبة، وعمارته بالحجاج والعمار والمجاورين. { والسقف المرفوع } أي: السماء، أو: العرش، { والبحر المسجور } أي: المملوء، وهو البحر المحيط، أو الموقد، من قوله تعالى: وإذا البحار سجرت [التكوير: 6] والمراد الجنس، روي " أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة نارا، تسجر بها نار جهنم، كما يسجر التنوير بالحطب " وعن ابن عباس: المسجور: المحبوس، أي: الملجم بالقدرة. والواو الأولى للقسم، والتوالي للعطف، والمقسم عليه: { إن عذاب ربك لواقع } لنازل حتما، { ما له من دافع } أي: لا يمنعه مانع، والجملة: صفة لواقع، أي: وقع غير مدفوع. و " من " مزيدة للتأكيد، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها لأنها أمور عظام، تنبئ عن عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد، وضطبها، الشاهدة بصدق أخباره، التي من جملتها: الجملة المقسم عليها. الإشارة: أقسم الله تعالى بجبل العقل، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما فيه هلاكها، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين، والعلوم، والأسرار، قال تعالى: أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] وذلك حين رقت وصفت من الإغيار، ثم أقسم أيضا بذلك القلب، وهو البيت المعمور لأن القلب بيت الرب، " يا داوود طهر بيتا أسكنه... " الحديث، وهو معمور بالمعارف والأنوار، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح، وهو سقف بيت القلب، وبحر الأحدية الذي عمر كل شيء، وأحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، فالوجود كله بحر متصل، أوله وآخره، وظاهره وباطنه. إن عذاب ربك لأهل العذاب، وهم أهل الحجاب، لواقع، وأعظم العذاب: غم الحجاب وسوء الحساب، ومن دعاء السري السقطي: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب. اه. ماله من دافع لا يدفعه أحد من الخلق، إلا من رحم الله، أو: من أهله الله لذلك من أهل التربية النبوية. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: { يوم تمور السمآء مورا }.

الطور 52:4

يقول الحق جل جلاله: { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين، { وكتاب مسطور } وهو القرآن العظيم، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو: اللوح المحفوظ، أو: التوراة، كتبه الله لموسى، وهو يسمع صرير القلم، { في رق منشور } الرق: الجلد الذي يكتب فيه، والمراد: الصحيفة، وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس، والمنشور: المفتوح لا ختم عليه، أو: الظاهر للناس، { والبيت المعمور } وهو بيت في السماء السابعة، حيال الكعبة، ويقال له: الضراح، وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة، روي: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يطوفون به، ويخرجون، ومن دخله لا يعود إليه أبدا، وخازنه ملك يقال له: " رزين ". وقيل الكعبة، وعمارته بالحجاج والعمار والمجاورين. { والسقف المرفوع } أي: السماء، أو: العرش، { والبحر المسجور } أي: المملوء، وهو البحر المحيط، أو الموقد، من قوله تعالى: وإذا البحار سجرت [التكوير: 6] والمراد الجنس، روي " أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة نارا، تسجر بها نار جهنم، كما يسجر التنوير بالحطب " وعن ابن عباس: المسجور: المحبوس، أي: الملجم بالقدرة. والواو الأولى للقسم، والتوالي للعطف، والمقسم عليه: { إن عذاب ربك لواقع } لنازل حتما، { ما له من دافع } أي: لا يمنعه مانع، والجملة: صفة لواقع، أي: وقع غير مدفوع. و " من " مزيدة للتأكيد، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها لأنها أمور عظام، تنبئ عن عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد، وضطبها، الشاهدة بصدق أخباره، التي من جملتها: الجملة المقسم عليها. الإشارة: أقسم الله تعالى بجبل العقل، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما فيه هلاكها، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين، والعلوم، والأسرار، قال تعالى: أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] وذلك حين رقت وصفت من الإغيار، ثم أقسم أيضا بذلك القلب، وهو البيت المعمور لأن القلب بيت الرب، " يا داوود طهر بيتا أسكنه... " الحديث، وهو معمور بالمعارف والأنوار، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح، وهو سقف بيت القلب، وبحر الأحدية الذي عمر كل شيء، وأحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، فالوجود كله بحر متصل، أوله وآخره، وظاهره وباطنه. إن عذاب ربك لأهل العذاب، وهم أهل الحجاب، لواقع، وأعظم العذاب: غم الحجاب وسوء الحساب، ومن دعاء السري السقطي: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب. اه. ماله من دافع لا يدفعه أحد من الخلق، إلا من رحم الله، أو: من أهله الله لذلك من أهل التربية النبوية. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: { يوم تمور السمآء مورا }.

الطور 52:5

يقول الحق جل جلاله: { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين، { وكتاب مسطور } وهو القرآن العظيم، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو: اللوح المحفوظ، أو: التوراة، كتبه الله لموسى، وهو يسمع صرير القلم، { في رق منشور } الرق: الجلد الذي يكتب فيه، والمراد: الصحيفة، وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس، والمنشور: المفتوح لا ختم عليه، أو: الظاهر للناس، { والبيت المعمور } وهو بيت في السماء السابعة، حيال الكعبة، ويقال له: الضراح، وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة، روي: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يطوفون به، ويخرجون، ومن دخله لا يعود إليه أبدا، وخازنه ملك يقال له: " رزين ". وقيل الكعبة، وعمارته بالحجاج والعمار والمجاورين. { والسقف المرفوع } أي: السماء، أو: العرش، { والبحر المسجور } أي: المملوء، وهو البحر المحيط، أو الموقد، من قوله تعالى: وإذا البحار سجرت [التكوير: 6] والمراد الجنس، روي " أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة نارا، تسجر بها نار جهنم، كما يسجر التنوير بالحطب " وعن ابن عباس: المسجور: المحبوس، أي: الملجم بالقدرة. والواو الأولى للقسم، والتوالي للعطف، والمقسم عليه: { إن عذاب ربك لواقع } لنازل حتما، { ما له من دافع } أي: لا يمنعه مانع، والجملة: صفة لواقع، أي: وقع غير مدفوع. و " من " مزيدة للتأكيد، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها لأنها أمور عظام، تنبئ عن عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد، وضطبها، الشاهدة بصدق أخباره، التي من جملتها: الجملة المقسم عليها. الإشارة: أقسم الله تعالى بجبل العقل، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما فيه هلاكها، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين، والعلوم، والأسرار، قال تعالى: أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] وذلك حين رقت وصفت من الإغيار، ثم أقسم أيضا بذلك القلب، وهو البيت المعمور لأن القلب بيت الرب، " يا داوود طهر بيتا أسكنه... " الحديث، وهو معمور بالمعارف والأنوار، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح، وهو سقف بيت القلب، وبحر الأحدية الذي عمر كل شيء، وأحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، فالوجود كله بحر متصل، أوله وآخره، وظاهره وباطنه. إن عذاب ربك لأهل العذاب، وهم أهل الحجاب، لواقع، وأعظم العذاب: غم الحجاب وسوء الحساب، ومن دعاء السري السقطي: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب. اه. ماله من دافع لا يدفعه أحد من الخلق، إلا من رحم الله، أو: من أهله الله لذلك من أهل التربية النبوية. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: { يوم تمور السمآء مورا }.

الطور 52:6

يقول الحق جل جلاله: { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين، { وكتاب مسطور } وهو القرآن العظيم، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو: اللوح المحفوظ، أو: التوراة، كتبه الله لموسى، وهو يسمع صرير القلم، { في رق منشور } الرق: الجلد الذي يكتب فيه، والمراد: الصحيفة، وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس، والمنشور: المفتوح لا ختم عليه، أو: الظاهر للناس، { والبيت المعمور } وهو بيت في السماء السابعة، حيال الكعبة، ويقال له: الضراح، وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة، روي: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يطوفون به، ويخرجون، ومن دخله لا يعود إليه أبدا، وخازنه ملك يقال له: " رزين ". وقيل الكعبة، وعمارته بالحجاج والعمار والمجاورين. { والسقف المرفوع } أي: السماء، أو: العرش، { والبحر المسجور } أي: المملوء، وهو البحر المحيط، أو الموقد، من قوله تعالى: وإذا البحار سجرت [التكوير: 6] والمراد الجنس، روي " أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة نارا، تسجر بها نار جهنم، كما يسجر التنوير بالحطب " وعن ابن عباس: المسجور: المحبوس، أي: الملجم بالقدرة. والواو الأولى للقسم، والتوالي للعطف، والمقسم عليه: { إن عذاب ربك لواقع } لنازل حتما، { ما له من دافع } أي: لا يمنعه مانع، والجملة: صفة لواقع، أي: وقع غير مدفوع. و " من " مزيدة للتأكيد، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها لأنها أمور عظام، تنبئ عن عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد، وضطبها، الشاهدة بصدق أخباره، التي من جملتها: الجملة المقسم عليها. الإشارة: أقسم الله تعالى بجبل العقل، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما فيه هلاكها، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين، والعلوم، والأسرار، قال تعالى: أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] وذلك حين رقت وصفت من الإغيار، ثم أقسم أيضا بذلك القلب، وهو البيت المعمور لأن القلب بيت الرب، " يا داوود طهر بيتا أسكنه... " الحديث، وهو معمور بالمعارف والأنوار، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح، وهو سقف بيت القلب، وبحر الأحدية الذي عمر كل شيء، وأحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، فالوجود كله بحر متصل، أوله وآخره، وظاهره وباطنه. إن عذاب ربك لأهل العذاب، وهم أهل الحجاب، لواقع، وأعظم العذاب: غم الحجاب وسوء الحساب، ومن دعاء السري السقطي: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب. اه. ماله من دافع لا يدفعه أحد من الخلق، إلا من رحم الله، أو: من أهله الله لذلك من أهل التربية النبوية. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: { يوم تمور السمآء مورا }.

الطور 52:7

يقول الحق جل جلاله: { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين، { وكتاب مسطور } وهو القرآن العظيم، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو: اللوح المحفوظ، أو: التوراة، كتبه الله لموسى، وهو يسمع صرير القلم، { في رق منشور } الرق: الجلد الذي يكتب فيه، والمراد: الصحيفة، وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس، والمنشور: المفتوح لا ختم عليه، أو: الظاهر للناس، { والبيت المعمور } وهو بيت في السماء السابعة، حيال الكعبة، ويقال له: الضراح، وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة، روي: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يطوفون به، ويخرجون، ومن دخله لا يعود إليه أبدا، وخازنه ملك يقال له: " رزين ". وقيل الكعبة، وعمارته بالحجاج والعمار والمجاورين. { والسقف المرفوع } أي: السماء، أو: العرش، { والبحر المسجور } أي: المملوء، وهو البحر المحيط، أو الموقد، من قوله تعالى: وإذا البحار سجرت [التكوير: 6] والمراد الجنس، روي " أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة نارا، تسجر بها نار جهنم، كما يسجر التنوير بالحطب " وعن ابن عباس: المسجور: المحبوس، أي: الملجم بالقدرة. والواو الأولى للقسم، والتوالي للعطف، والمقسم عليه: { إن عذاب ربك لواقع } لنازل حتما، { ما له من دافع } أي: لا يمنعه مانع، والجملة: صفة لواقع، أي: وقع غير مدفوع. و " من " مزيدة للتأكيد، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها لأنها أمور عظام، تنبئ عن عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد، وضطبها، الشاهدة بصدق أخباره، التي من جملتها: الجملة المقسم عليها. الإشارة: أقسم الله تعالى بجبل العقل، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما فيه هلاكها، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين، والعلوم، والأسرار، قال تعالى: أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] وذلك حين رقت وصفت من الإغيار، ثم أقسم أيضا بذلك القلب، وهو البيت المعمور لأن القلب بيت الرب، " يا داوود طهر بيتا أسكنه... " الحديث، وهو معمور بالمعارف والأنوار، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح، وهو سقف بيت القلب، وبحر الأحدية الذي عمر كل شيء، وأحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، فالوجود كله بحر متصل، أوله وآخره، وظاهره وباطنه. إن عذاب ربك لأهل العذاب، وهم أهل الحجاب، لواقع، وأعظم العذاب: غم الحجاب وسوء الحساب، ومن دعاء السري السقطي: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب. اه. ماله من دافع لا يدفعه أحد من الخلق، إلا من رحم الله، أو: من أهله الله لذلك من أهل التربية النبوية. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: { يوم تمور السمآء مورا }.

الطور 52:8

يقول الحق جل جلاله: { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بمدين، { وكتاب مسطور } وهو القرآن العظيم، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو: اللوح المحفوظ، أو: التوراة، كتبه الله لموسى، وهو يسمع صرير القلم، { في رق منشور } الرق: الجلد الذي يكتب فيه، والمراد: الصحيفة، وتنكيره للتخفيم والإشعار بأنها ليست مما يتعارفه الناس، والمنشور: المفتوح لا ختم عليه، أو: الظاهر للناس، { والبيت المعمور } وهو بيت في السماء السابعة، حيال الكعبة، ويقال له: الضراح، وعمرانه بكثرة زواره من الملائكة، روي: أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يطوفون به، ويخرجون، ومن دخله لا يعود إليه أبدا، وخازنه ملك يقال له: " رزين ". وقيل الكعبة، وعمارته بالحجاج والعمار والمجاورين. { والسقف المرفوع } أي: السماء، أو: العرش، { والبحر المسجور } أي: المملوء، وهو البحر المحيط، أو الموقد، من قوله تعالى: وإذا البحار سجرت [التكوير: 6] والمراد الجنس، روي " أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة نارا، تسجر بها نار جهنم، كما يسجر التنوير بالحطب " وعن ابن عباس: المسجور: المحبوس، أي: الملجم بالقدرة. والواو الأولى للقسم، والتوالي للعطف، والمقسم عليه: { إن عذاب ربك لواقع } لنازل حتما، { ما له من دافع } أي: لا يمنعه مانع، والجملة: صفة لواقع، أي: وقع غير مدفوع. و " من " مزيدة للتأكيد، وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها لأنها أمور عظام، تنبئ عن عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد، وضطبها، الشاهدة بصدق أخباره، التي من جملتها: الجملة المقسم عليها. الإشارة: أقسم الله تعالى بجبل العقل، الذي أرسى به النفس أن تميل إلى ما فيه هلاكها، وبما كتب في قلوب أوليائه من اليقين، والعلوم، والأسرار، قال تعالى: أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] وذلك حين رقت وصفت من الإغيار، ثم أقسم أيضا بذلك القلب، وهو البيت المعمور لأن القلب بيت الرب، " يا داوود طهر بيتا أسكنه... " الحديث، وهو معمور بالمعارف والأنوار، وأقسم بسماء الأرواح المرفوعة عن خوض عالم الأشباح، وهو سقف بيت القلب، وبحر الأحدية الذي عمر كل شيء، وأحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، فالوجود كله بحر متصل، أوله وآخره، وظاهره وباطنه. إن عذاب ربك لأهل العذاب، وهم أهل الحجاب، لواقع، وأعظم العذاب: غم الحجاب وسوء الحساب، ومن دعاء السري السقطي: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب. اه. ماله من دافع لا يدفعه أحد من الخلق، إلا من رحم الله، أو: من أهله الله لذلك من أهل التربية النبوية. ثم ذكر وقت ما أقسم عليه، فقال: { يوم تمور السمآء مورا }.

الطور 52:9

يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم تمور } أو: لواقع يوم تمور { السماء } أي: تدور كالرحى مضطربة { مورا } عظيما تتكفأ بأهلها كالسفينة، { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول عن وجه الأرض، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: مورا عجيبا وسيرا بديعا، لا يدرك كنههما. { فويل يومئذ للمكذبين } إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، { الذين هم في خوض } أي: في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب { يلعبون }. يلهون، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع في الباطل والكذب، ومنه قوله: وكنا نخوض مع الخآئضين [المدثر: 45]. { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا، بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار على وجوههم، ويقال لهم: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. { أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم، حيث كانوا يسمون الوحي الناطق بذلك العذاب سحرا، كأنه قيل: كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحرا، أفهذا أيضا سحر؟ وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. { أم أنتم لا تبصرون } أم أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكم، { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي: ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه، { سواء عليكم } الأمران: الصبر وعدمه، ف " سواء ": مبتدأ حذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله: { إنما تجزون ما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، وأما الصبر على العذاب، الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: يوم تمور سماء الأرواح، أي: تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات الإلهية، شوقا إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة، ولذلك قيل: " المحبة أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون ". وسبب هذا الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته: أن جند الأنوار إذا أراد أن يدخل على جند الأغيار، ويخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما تجارب وتضارب، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد، ويسكن هو، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه، فلا يزال القتال بينهما، حتى يغلب واحد منهما، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن، وسكن الظاهر، ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد، أو ما يقرب إلى الحق تعالى، وإذا غلب جند الأغيار، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل، سكن الظاهر أيضا، ويبقى باطن البعد محشوا بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان، ورجع العبد إلى مقام العمومية. وقوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول جبال وجود العبد عند إشراق أنوار الحقائق، { فويل يومئذ للمكذبين } أي: بعد لأهل الإنكار عن حضرة الأسرار، حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون، لا حديث لهم إلا عليها، ولا فكرة إلا فيها. يوم يدعون إلى النار القطيعة والبعد، دعا، لا خلاص منها، ولا رجوع، فتناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون: لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا، وترمون أهل التربية بالسحر، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني؟ اصلوا نار القطيعة، فاصبروا على غم الحجاب، { أو لا تصبروا } إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا، من إيثار الهوى والحظوظ، على مجاهدة النفوس. ثم ذكر أضدادهم، فقال: { إن المتقين في جنات ونعيم }.

الطور 52:10

يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم تمور } أو: لواقع يوم تمور { السماء } أي: تدور كالرحى مضطربة { مورا } عظيما تتكفأ بأهلها كالسفينة، { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول عن وجه الأرض، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: مورا عجيبا وسيرا بديعا، لا يدرك كنههما. { فويل يومئذ للمكذبين } إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، { الذين هم في خوض } أي: في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب { يلعبون }. يلهون، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع في الباطل والكذب، ومنه قوله: وكنا نخوض مع الخآئضين [المدثر: 45]. { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا، بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار على وجوههم، ويقال لهم: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. { أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم، حيث كانوا يسمون الوحي الناطق بذلك العذاب سحرا، كأنه قيل: كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحرا، أفهذا أيضا سحر؟ وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. { أم أنتم لا تبصرون } أم أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكم، { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي: ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه، { سواء عليكم } الأمران: الصبر وعدمه، ف " سواء ": مبتدأ حذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله: { إنما تجزون ما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، وأما الصبر على العذاب، الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: يوم تمور سماء الأرواح، أي: تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات الإلهية، شوقا إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة، ولذلك قيل: " المحبة أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون ". وسبب هذا الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته: أن جند الأنوار إذا أراد أن يدخل على جند الأغيار، ويخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما تجارب وتضارب، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد، ويسكن هو، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه، فلا يزال القتال بينهما، حتى يغلب واحد منهما، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن، وسكن الظاهر، ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد، أو ما يقرب إلى الحق تعالى، وإذا غلب جند الأغيار، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل، سكن الظاهر أيضا، ويبقى باطن البعد محشوا بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان، ورجع العبد إلى مقام العمومية. وقوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول جبال وجود العبد عند إشراق أنوار الحقائق، { فويل يومئذ للمكذبين } أي: بعد لأهل الإنكار عن حضرة الأسرار، حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون، لا حديث لهم إلا عليها، ولا فكرة إلا فيها. يوم يدعون إلى النار القطيعة والبعد، دعا، لا خلاص منها، ولا رجوع، فتناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون: لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا، وترمون أهل التربية بالسحر، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني؟ اصلوا نار القطيعة، فاصبروا على غم الحجاب، { أو لا تصبروا } إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا، من إيثار الهوى والحظوظ، على مجاهدة النفوس. ثم ذكر أضدادهم، فقال: { إن المتقين في جنات ونعيم }.

الطور 52:11

يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم تمور } أو: لواقع يوم تمور { السماء } أي: تدور كالرحى مضطربة { مورا } عظيما تتكفأ بأهلها كالسفينة، { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول عن وجه الأرض، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: مورا عجيبا وسيرا بديعا، لا يدرك كنههما. { فويل يومئذ للمكذبين } إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، { الذين هم في خوض } أي: في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب { يلعبون }. يلهون، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع في الباطل والكذب، ومنه قوله: وكنا نخوض مع الخآئضين [المدثر: 45]. { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا، بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار على وجوههم، ويقال لهم: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. { أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم، حيث كانوا يسمون الوحي الناطق بذلك العذاب سحرا، كأنه قيل: كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحرا، أفهذا أيضا سحر؟ وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. { أم أنتم لا تبصرون } أم أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكم، { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي: ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه، { سواء عليكم } الأمران: الصبر وعدمه، ف " سواء ": مبتدأ حذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله: { إنما تجزون ما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، وأما الصبر على العذاب، الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: يوم تمور سماء الأرواح، أي: تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات الإلهية، شوقا إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة، ولذلك قيل: " المحبة أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون ". وسبب هذا الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته: أن جند الأنوار إذا أراد أن يدخل على جند الأغيار، ويخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما تجارب وتضارب، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد، ويسكن هو، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه، فلا يزال القتال بينهما، حتى يغلب واحد منهما، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن، وسكن الظاهر، ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد، أو ما يقرب إلى الحق تعالى، وإذا غلب جند الأغيار، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل، سكن الظاهر أيضا، ويبقى باطن البعد محشوا بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان، ورجع العبد إلى مقام العمومية. وقوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول جبال وجود العبد عند إشراق أنوار الحقائق، { فويل يومئذ للمكذبين } أي: بعد لأهل الإنكار عن حضرة الأسرار، حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون، لا حديث لهم إلا عليها، ولا فكرة إلا فيها. يوم يدعون إلى النار القطيعة والبعد، دعا، لا خلاص منها، ولا رجوع، فتناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون: لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا، وترمون أهل التربية بالسحر، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني؟ اصلوا نار القطيعة، فاصبروا على غم الحجاب، { أو لا تصبروا } إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا، من إيثار الهوى والحظوظ، على مجاهدة النفوس. ثم ذكر أضدادهم، فقال: { إن المتقين في جنات ونعيم }.

الطور 52:12

يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم تمور } أو: لواقع يوم تمور { السماء } أي: تدور كالرحى مضطربة { مورا } عظيما تتكفأ بأهلها كالسفينة، { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول عن وجه الأرض، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: مورا عجيبا وسيرا بديعا، لا يدرك كنههما. { فويل يومئذ للمكذبين } إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، { الذين هم في خوض } أي: في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب { يلعبون }. يلهون، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع في الباطل والكذب، ومنه قوله: وكنا نخوض مع الخآئضين [المدثر: 45]. { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا، بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار على وجوههم، ويقال لهم: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. { أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم، حيث كانوا يسمون الوحي الناطق بذلك العذاب سحرا، كأنه قيل: كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحرا، أفهذا أيضا سحر؟ وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. { أم أنتم لا تبصرون } أم أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكم، { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي: ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه، { سواء عليكم } الأمران: الصبر وعدمه، ف " سواء ": مبتدأ حذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله: { إنما تجزون ما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، وأما الصبر على العذاب، الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: يوم تمور سماء الأرواح، أي: تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات الإلهية، شوقا إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة، ولذلك قيل: " المحبة أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون ". وسبب هذا الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته: أن جند الأنوار إذا أراد أن يدخل على جند الأغيار، ويخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما تجارب وتضارب، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد، ويسكن هو، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه، فلا يزال القتال بينهما، حتى يغلب واحد منهما، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن، وسكن الظاهر، ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد، أو ما يقرب إلى الحق تعالى، وإذا غلب جند الأغيار، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل، سكن الظاهر أيضا، ويبقى باطن البعد محشوا بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان، ورجع العبد إلى مقام العمومية. وقوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول جبال وجود العبد عند إشراق أنوار الحقائق، { فويل يومئذ للمكذبين } أي: بعد لأهل الإنكار عن حضرة الأسرار، حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون، لا حديث لهم إلا عليها، ولا فكرة إلا فيها. يوم يدعون إلى النار القطيعة والبعد، دعا، لا خلاص منها، ولا رجوع، فتناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون: لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا، وترمون أهل التربية بالسحر، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني؟ اصلوا نار القطيعة، فاصبروا على غم الحجاب، { أو لا تصبروا } إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا، من إيثار الهوى والحظوظ، على مجاهدة النفوس. ثم ذكر أضدادهم، فقال: { إن المتقين في جنات ونعيم }.

الطور 52:13

يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم تمور } أو: لواقع يوم تمور { السماء } أي: تدور كالرحى مضطربة { مورا } عظيما تتكفأ بأهلها كالسفينة، { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول عن وجه الأرض، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: مورا عجيبا وسيرا بديعا، لا يدرك كنههما. { فويل يومئذ للمكذبين } إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، { الذين هم في خوض } أي: في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب { يلعبون }. يلهون، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع في الباطل والكذب، ومنه قوله: وكنا نخوض مع الخآئضين [المدثر: 45]. { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا، بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار على وجوههم، ويقال لهم: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. { أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم، حيث كانوا يسمون الوحي الناطق بذلك العذاب سحرا، كأنه قيل: كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحرا، أفهذا أيضا سحر؟ وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. { أم أنتم لا تبصرون } أم أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكم، { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي: ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه، { سواء عليكم } الأمران: الصبر وعدمه، ف " سواء ": مبتدأ حذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله: { إنما تجزون ما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، وأما الصبر على العذاب، الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: يوم تمور سماء الأرواح، أي: تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات الإلهية، شوقا إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة، ولذلك قيل: " المحبة أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون ". وسبب هذا الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته: أن جند الأنوار إذا أراد أن يدخل على جند الأغيار، ويخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما تجارب وتضارب، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد، ويسكن هو، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه، فلا يزال القتال بينهما، حتى يغلب واحد منهما، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن، وسكن الظاهر، ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد، أو ما يقرب إلى الحق تعالى، وإذا غلب جند الأغيار، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل، سكن الظاهر أيضا، ويبقى باطن البعد محشوا بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان، ورجع العبد إلى مقام العمومية. وقوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول جبال وجود العبد عند إشراق أنوار الحقائق، { فويل يومئذ للمكذبين } أي: بعد لأهل الإنكار عن حضرة الأسرار، حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون، لا حديث لهم إلا عليها، ولا فكرة إلا فيها. يوم يدعون إلى النار القطيعة والبعد، دعا، لا خلاص منها، ولا رجوع، فتناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون: لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا، وترمون أهل التربية بالسحر، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني؟ اصلوا نار القطيعة، فاصبروا على غم الحجاب، { أو لا تصبروا } إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا، من إيثار الهوى والحظوظ، على مجاهدة النفوس. ثم ذكر أضدادهم، فقال: { إن المتقين في جنات ونعيم }.

الطور 52:14

يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم تمور } أو: لواقع يوم تمور { السماء } أي: تدور كالرحى مضطربة { مورا } عظيما تتكفأ بأهلها كالسفينة، { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول عن وجه الأرض، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: مورا عجيبا وسيرا بديعا، لا يدرك كنههما. { فويل يومئذ للمكذبين } إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، { الذين هم في خوض } أي: في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب { يلعبون }. يلهون، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع في الباطل والكذب، ومنه قوله: وكنا نخوض مع الخآئضين [المدثر: 45]. { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا، بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار على وجوههم، ويقال لهم: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. { أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم، حيث كانوا يسمون الوحي الناطق بذلك العذاب سحرا، كأنه قيل: كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحرا، أفهذا أيضا سحر؟ وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. { أم أنتم لا تبصرون } أم أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكم، { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي: ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه، { سواء عليكم } الأمران: الصبر وعدمه، ف " سواء ": مبتدأ حذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله: { إنما تجزون ما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، وأما الصبر على العذاب، الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: يوم تمور سماء الأرواح، أي: تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات الإلهية، شوقا إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة، ولذلك قيل: " المحبة أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون ". وسبب هذا الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته: أن جند الأنوار إذا أراد أن يدخل على جند الأغيار، ويخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما تجارب وتضارب، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد، ويسكن هو، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه، فلا يزال القتال بينهما، حتى يغلب واحد منهما، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن، وسكن الظاهر، ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد، أو ما يقرب إلى الحق تعالى، وإذا غلب جند الأغيار، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل، سكن الظاهر أيضا، ويبقى باطن البعد محشوا بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان، ورجع العبد إلى مقام العمومية. وقوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول جبال وجود العبد عند إشراق أنوار الحقائق، { فويل يومئذ للمكذبين } أي: بعد لأهل الإنكار عن حضرة الأسرار، حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون، لا حديث لهم إلا عليها، ولا فكرة إلا فيها. يوم يدعون إلى النار القطيعة والبعد، دعا، لا خلاص منها، ولا رجوع، فتناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون: لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا، وترمون أهل التربية بالسحر، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني؟ اصلوا نار القطيعة، فاصبروا على غم الحجاب، { أو لا تصبروا } إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا، من إيثار الهوى والحظوظ، على مجاهدة النفوس. ثم ذكر أضدادهم، فقال: { إن المتقين في جنات ونعيم }.

الطور 52:15

يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم تمور } أو: لواقع يوم تمور { السماء } أي: تدور كالرحى مضطربة { مورا } عظيما تتكفأ بأهلها كالسفينة، { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول عن وجه الأرض، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: مورا عجيبا وسيرا بديعا، لا يدرك كنههما. { فويل يومئذ للمكذبين } إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، { الذين هم في خوض } أي: في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب { يلعبون }. يلهون، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع في الباطل والكذب، ومنه قوله: وكنا نخوض مع الخآئضين [المدثر: 45]. { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا، بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار على وجوههم، ويقال لهم: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. { أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم، حيث كانوا يسمون الوحي الناطق بذلك العذاب سحرا، كأنه قيل: كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحرا، أفهذا أيضا سحر؟ وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. { أم أنتم لا تبصرون } أم أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكم، { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي: ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه، { سواء عليكم } الأمران: الصبر وعدمه، ف " سواء ": مبتدأ حذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله: { إنما تجزون ما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، وأما الصبر على العذاب، الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: يوم تمور سماء الأرواح، أي: تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات الإلهية، شوقا إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة، ولذلك قيل: " المحبة أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون ". وسبب هذا الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته: أن جند الأنوار إذا أراد أن يدخل على جند الأغيار، ويخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما تجارب وتضارب، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد، ويسكن هو، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه، فلا يزال القتال بينهما، حتى يغلب واحد منهما، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن، وسكن الظاهر، ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد، أو ما يقرب إلى الحق تعالى، وإذا غلب جند الأغيار، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل، سكن الظاهر أيضا، ويبقى باطن البعد محشوا بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان، ورجع العبد إلى مقام العمومية. وقوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول جبال وجود العبد عند إشراق أنوار الحقائق، { فويل يومئذ للمكذبين } أي: بعد لأهل الإنكار عن حضرة الأسرار، حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون، لا حديث لهم إلا عليها، ولا فكرة إلا فيها. يوم يدعون إلى النار القطيعة والبعد، دعا، لا خلاص منها، ولا رجوع، فتناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون: لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا، وترمون أهل التربية بالسحر، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني؟ اصلوا نار القطيعة، فاصبروا على غم الحجاب، { أو لا تصبروا } إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا، من إيثار الهوى والحظوظ، على مجاهدة النفوس. ثم ذكر أضدادهم، فقال: { إن المتقين في جنات ونعيم }.

الطور 52:16

يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم تمور } أو: لواقع يوم تمور { السماء } أي: تدور كالرحى مضطربة { مورا } عظيما تتكفأ بأهلها كالسفينة، { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول عن وجه الأرض، فتصير في الهواء كالهباء. وتأكيد الفعل بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود المعهودة، أي: مورا عجيبا وسيرا بديعا، لا يدرك كنههما. { فويل يومئذ للمكذبين } إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، أو: إذا كان الأمر كما ذكر، فويل لهم إذا وقع ذلك، { الذين هم في خوض } أي: في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب { يلعبون }. يلهون، فالخوض غلب بإطلاقه في الاندفاع في الباطل والكذب، ومنه قوله: وكنا نخوض مع الخآئضين [المدثر: 45]. { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا، بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار على وجوههم، ويقال لهم: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. { أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم، حيث كانوا يسمون الوحي الناطق بذلك العذاب سحرا، كأنه قيل: كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحرا، أفهذا أيضا سحر؟ وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ. { أم أنتم لا تبصرون } أم أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكم، { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي: ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه، { سواء عليكم } الأمران: الصبر وعدمه، ف " سواء ": مبتدأ حذف خبره. وعلل استواء الصبر وعدمه بقوله: { إنما تجزون ما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، فالصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، وأما الصبر على العذاب، الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: يوم تمور سماء الأرواح، أي: تتحرك الأرواح وتهيج بالواردات الإلهية، شوقا إلى اللقاء، فإذا حصل اللقاء وقع لها السكون والطمأنينة، ولذلك قيل: " المحبة أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون ". وسبب هذا الاضطراب الذي يظهر على المريد في أول بدايته: أن جند الأنوار إذا أراد أن يدخل على جند الأغيار، ويخرجه من وطنه - الذي هو باطن العبد - وقع بينهما تجارب وتضارب، فجند الأنوار يريد أن يقلع جند الأغيار من باطن العبد، ويسكن هو، وجند الأغيار يريد المقام في وطنه، فلا يزال القتال بينهما، حتى يغلب واحد منهما، فإذا غلب جند الأنوار سكن في الباطن، وسكن الظاهر، ولم تقع فكرة العبد إلا في التوحيد، أو ما يقرب إلى الحق تعالى، وإذا غلب جند الأغيار، ولم يترك جند الأنوار يدخل إلى الباطل، سكن الظاهر أيضا، ويبقى باطن البعد محشوا بالخواطر والوساوس الدنيوية كما كان، ورجع العبد إلى مقام العمومية. وقوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا } أي: تزول جبال وجود العبد عند إشراق أنوار الحقائق، { فويل يومئذ للمكذبين } أي: بعد لأهل الإنكار عن حضرة الأسرار، حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون، لا حديث لهم إلا عليها، ولا فكرة إلا فيها. يوم يدعون إلى النار القطيعة والبعد، دعا، لا خلاص منها، ولا رجوع، فتناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون: لا يقطعنا عن الله شيء من الدنيا، وترمون أهل التربية بالسحر، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني؟ اصلوا نار القطيعة، فاصبروا على غم الحجاب، { أو لا تصبروا } إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا، من إيثار الهوى والحظوظ، على مجاهدة النفوس. ثم ذكر أضدادهم، فقال: { إن المتقين في جنات ونعيم }.

الطور 52:17

يقول الحق جل جلاله: { إن المتقين } الشرك والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونعيم } أي نعيم، فالتنكير للتفخيم، أو: للتنوع، أي: جنات مخصوصة بهم، ونعيم مخصوص، { فاكهين } ناعمين متلذذين { بما آتاهم ربهم } بما أتحفهم، { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } عطف على " آتاهم " على أن " ما " مصدرية، أي: فاكهين بإتياهنم وبوقايتهم، أو: على " في جنات النعيم " أي: استقروا في جنات ووقاهم، أو: حال، إما من المستكن في الخبر، أو: من فاعل " آتى " ، أو: مفعوله بإضمار " قد ". وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافا إلى ضمير { هم } لتشريفهم، ويقال لهم: { كلوا واشربوا } ما شئتم { هنيئا } أي: أكلا وشربا هنيئا، أو: طعاما وشرابا هنيئا، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو فواته، { بما كنتم } أي: عوض ما كنتم { تعملون } في الدنيا من الخير، أو جزاءه. { متكئين على سرر مصفوفة } مصطفة، وهو حال من الضمير في { كلوا واشربوا } ، { وزوجناهم } أي: قرناهم { بحور } جمع حوراء { عين }: جمع عيناء، أي: عظام الأعين حسانها. وفي الكشاف: وإنما دخلت الباء في { بحور } لتضمن معنى زوجناهم قرناهم. ه. وقال الهروي: { زوجناهم } أي: قرناهم، والأزواج: الأشكال والقرناء، وليس في الجنة تزويج. ه. والمنفي: تحمل مؤنة التزويج والمعاقدة، وإنما يقع التمليك والإقران. { والذين آمنوا } مبتدأ، { واتبعتهم ذريتهم } عطف على { آمنوا } ، و { بإيمان } متعلق بالاتباع، والخبر: { ألحقنا بهم ذرياتهم } أي: تلحق الأولاد بدرجات الآباء إذ شاركوهم في الإيمان، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء، وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء لتقر بذلك أعينهم، فيلحق بعضهم ببعض، إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر من هو أحسن عملا شيئا، بزيادته في درجة الأنقص، ولا فرق بين من بلغ من الذرية، أو لم يبلغ، إذا كان الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي. وفي حديث ابن عباس: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، يسأل الرجل عن أبويه، وزوجته، وولده، فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: لقد عملت لي ولهم أجمعين، فيؤمر بإلحاقهم به " قال القشيري: ليكمل عليهم سرورهم بذلك فإن الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش، وكذلك من يلاحظ قلبا من صديق وقريب وولي وخادم، قال تعالى في قصة يوسف: وأتونى بأهلكم أجمعين [يوسف: 93].ه. قال في الحاشية: وربما يستأنس بما ذكر في الجملة بقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم... [النساء: 69] الآية، وما قيل في سبب نزولها، وكذلك حديث: " المرء مع من أحب " ، وحال الجنة مما لا يخطر على بال، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه، مع مباينته له بحقيقته، كما أن حيطة الحق تعالى شاملة للكل، وكل يتعرف له على قدره، فالكل معه بمطلق التعرف، مع تحقق التفاوت، وأهل الجنة فيها على حكم الأرواح، وأحكامها لا تكيف، واعتبر بالفروع مع الأصول، مع تفاوتها. والله أعلم. ه. والحاصل: أنهم يلحقون بهم في الطبقة، ويتفاوتون في نعيم الأرواح والأشباح، وفي الرؤية والزيادة. والله تعالى أعلم. { وما ألتناهم } أي: ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق { من عملهم } من ثواب عملهم { من شيء } بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم، فتنقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان. والألت: البخس. وقرأ المكي: ألتناهم بكسر اللام، من: ألت يألت، كعلم يعلم، و " من " الأولى متعلقة ب " ألتناهم " ، والثانية زائدة لتأكيد النفي. { كل امرئ بما كسب رهين } أي: كل امرئ مرهون عند الله بعمله، فإن كان صالحا فله، وإلا أهلكه. والجملة: استئناف بياني، كأنه لما قال: ما نقصناهم من عملهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقو بهم على سبيل التفضل، قيل: لم كان الإلحاق تفضلا؟ قال: لأن كل امرىء بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه بهم، فألحقوا تفضلا. { وأمددناهم } أي: وزودناهم في وقت بعد وقت { بفاكهة ولحم مما يشتهون } من فنون النعماء وألوان اللآلئ، وإن لم يطلبوا ذلك. { يتنازعون فيها كأسا } أي: يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم كأسا فيها خمر، يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا، بكمال رغبة واشتياق، { لا لغو فيها } أي: في شربها، فلا يتكلمون في أثناء الشراب إلا بكلام طيب، فلا يجري بينهم باطل، { ولا تأثيم } أي: لا يفعلون ما يوجب إثما لصاحبه لو فعله في دار التكليف، كما هو شأن المنادمين في الدنيا، وإنما يتكلمون بالحكم واحاسن الكلام، ويفعلون ما يفعله الكرام. قال القشيري: { لا لغو فيها ولا تأثيم } لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه لوم، كما يجري من الشرب اليوم في الدنيا، ولا تذهب عقولهم، فيجري بينهم ما يخرج عن حد الأدب والاستقامة، وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة، على المعلوم من يسقيهم بمشهد من مجلوسهم، وعلى رؤية من شربهم، والقوم عن الدار وعن ما فيها مختطفون باستيلاء ما يستغرقهم، فالشراب يؤنسهم، ولكن لا يمر بحاستهم. ه. وقرأ المكي والبصري بالفتح فيها على إعمال " لا " النافية للجنس. الإشارة: إن المتقين ما سوى الله في جنات المعارف عاجلا، وجنات الزخارف والمعارف آجلا، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة، فاكهين، معجبين، متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه، وتقريبه، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم، أي: نار شهوة نفوسهم، فبردت عنهم، وسلموا منها، كلوا من طعام المشاهدات، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات، هنيئا بما كنتم تعملون من المجاهدات والمكابدات، متكئين على سرر المقامات، والدرجات، مصفوفة في منازل العبودية، وزوجناهم بحور عين من أبكار الحقائق، وثيبات العلوم، والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها، واتبعتهم ذريتهم ومن تعلق بهم من طلاب الحق، ألحقنا بهم ذريتهم ومن تعلق بهم، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من الوصال والاتصال، فيكونون معهم في الدرجة، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة، وما ألتناهم من عملهم من شيء، بل ألحقناهم بهم فضلا وكرما، مع توفر ثواب عمل الملحق بهم، كل امرئ بما كسب رهين، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في الدنيا ومجاهدته، وإن تساوى في الدرجة مع غيره. وأمددناهم بفاكهة من حلاوة المعاملة، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة، يتنازعون فيها في جنة المعارف، كأس خمر المحبة والفناء، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم. يتناولون ذلك من أشياخهم واحدا بعد واحد، وقد يجتمعون في كأس واحدة، لا لغو فيها، أي: لا حديث للنفس في حال شربها، بل الهم كله مجموع يها، كما قال القائل: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكأس فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم بنزوع الروح إلى طبع النفس، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، بل تكون في ذلك بالله، ومن الله، وإلى الله، تنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، جلعنا الله من ذلك القبيل بمنه وكرمه. وقال الورتجبي: { يتنازعون... } الآية: وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة، ثم وصف شرابهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السكر، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق، ولا يشابه حال أهل الحضرة حال أهل الدنيا من جميع المعاني. ه. ثم قال تعالى: { ويطوف عليهم غلمان }.

الطور 52:18

يقول الحق جل جلاله: { إن المتقين } الشرك والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونعيم } أي نعيم، فالتنكير للتفخيم، أو: للتنوع، أي: جنات مخصوصة بهم، ونعيم مخصوص، { فاكهين } ناعمين متلذذين { بما آتاهم ربهم } بما أتحفهم، { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } عطف على " آتاهم " على أن " ما " مصدرية، أي: فاكهين بإتياهنم وبوقايتهم، أو: على " في جنات النعيم " أي: استقروا في جنات ووقاهم، أو: حال، إما من المستكن في الخبر، أو: من فاعل " آتى " ، أو: مفعوله بإضمار " قد ". وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافا إلى ضمير { هم } لتشريفهم، ويقال لهم: { كلوا واشربوا } ما شئتم { هنيئا } أي: أكلا وشربا هنيئا، أو: طعاما وشرابا هنيئا، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو فواته، { بما كنتم } أي: عوض ما كنتم { تعملون } في الدنيا من الخير، أو جزاءه. { متكئين على سرر مصفوفة } مصطفة، وهو حال من الضمير في { كلوا واشربوا } ، { وزوجناهم } أي: قرناهم { بحور } جمع حوراء { عين }: جمع عيناء، أي: عظام الأعين حسانها. وفي الكشاف: وإنما دخلت الباء في { بحور } لتضمن معنى زوجناهم قرناهم. ه. وقال الهروي: { زوجناهم } أي: قرناهم، والأزواج: الأشكال والقرناء، وليس في الجنة تزويج. ه. والمنفي: تحمل مؤنة التزويج والمعاقدة، وإنما يقع التمليك والإقران. { والذين آمنوا } مبتدأ، { واتبعتهم ذريتهم } عطف على { آمنوا } ، و { بإيمان } متعلق بالاتباع، والخبر: { ألحقنا بهم ذرياتهم } أي: تلحق الأولاد بدرجات الآباء إذ شاركوهم في الإيمان، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء، وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء لتقر بذلك أعينهم، فيلحق بعضهم ببعض، إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر من هو أحسن عملا شيئا، بزيادته في درجة الأنقص، ولا فرق بين من بلغ من الذرية، أو لم يبلغ، إذا كان الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي. وفي حديث ابن عباس: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، يسأل الرجل عن أبويه، وزوجته، وولده، فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: لقد عملت لي ولهم أجمعين، فيؤمر بإلحاقهم به " قال القشيري: ليكمل عليهم سرورهم بذلك فإن الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش، وكذلك من يلاحظ قلبا من صديق وقريب وولي وخادم، قال تعالى في قصة يوسف: وأتونى بأهلكم أجمعين [يوسف: 93].ه. قال في الحاشية: وربما يستأنس بما ذكر في الجملة بقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم... [النساء: 69] الآية، وما قيل في سبب نزولها، وكذلك حديث: " المرء مع من أحب " ، وحال الجنة مما لا يخطر على بال، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه، مع مباينته له بحقيقته، كما أن حيطة الحق تعالى شاملة للكل، وكل يتعرف له على قدره، فالكل معه بمطلق التعرف، مع تحقق التفاوت، وأهل الجنة فيها على حكم الأرواح، وأحكامها لا تكيف، واعتبر بالفروع مع الأصول، مع تفاوتها. والله أعلم. ه. والحاصل: أنهم يلحقون بهم في الطبقة، ويتفاوتون في نعيم الأرواح والأشباح، وفي الرؤية والزيادة. والله تعالى أعلم. { وما ألتناهم } أي: ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق { من عملهم } من ثواب عملهم { من شيء } بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم، فتنقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان. والألت: البخس. وقرأ المكي: ألتناهم بكسر اللام، من: ألت يألت، كعلم يعلم، و " من " الأولى متعلقة ب " ألتناهم " ، والثانية زائدة لتأكيد النفي. { كل امرئ بما كسب رهين } أي: كل امرئ مرهون عند الله بعمله، فإن كان صالحا فله، وإلا أهلكه. والجملة: استئناف بياني، كأنه لما قال: ما نقصناهم من عملهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقو بهم على سبيل التفضل، قيل: لم كان الإلحاق تفضلا؟ قال: لأن كل امرىء بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه بهم، فألحقوا تفضلا. { وأمددناهم } أي: وزودناهم في وقت بعد وقت { بفاكهة ولحم مما يشتهون } من فنون النعماء وألوان اللآلئ، وإن لم يطلبوا ذلك. { يتنازعون فيها كأسا } أي: يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم كأسا فيها خمر، يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا، بكمال رغبة واشتياق، { لا لغو فيها } أي: في شربها، فلا يتكلمون في أثناء الشراب إلا بكلام طيب، فلا يجري بينهم باطل، { ولا تأثيم } أي: لا يفعلون ما يوجب إثما لصاحبه لو فعله في دار التكليف، كما هو شأن المنادمين في الدنيا، وإنما يتكلمون بالحكم واحاسن الكلام، ويفعلون ما يفعله الكرام. قال القشيري: { لا لغو فيها ولا تأثيم } لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه لوم، كما يجري من الشرب اليوم في الدنيا، ولا تذهب عقولهم، فيجري بينهم ما يخرج عن حد الأدب والاستقامة، وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة، على المعلوم من يسقيهم بمشهد من مجلوسهم، وعلى رؤية من شربهم، والقوم عن الدار وعن ما فيها مختطفون باستيلاء ما يستغرقهم، فالشراب يؤنسهم، ولكن لا يمر بحاستهم. ه. وقرأ المكي والبصري بالفتح فيها على إعمال " لا " النافية للجنس. الإشارة: إن المتقين ما سوى الله في جنات المعارف عاجلا، وجنات الزخارف والمعارف آجلا، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة، فاكهين، معجبين، متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه، وتقريبه، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم، أي: نار شهوة نفوسهم، فبردت عنهم، وسلموا منها، كلوا من طعام المشاهدات، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات، هنيئا بما كنتم تعملون من المجاهدات والمكابدات، متكئين على سرر المقامات، والدرجات، مصفوفة في منازل العبودية، وزوجناهم بحور عين من أبكار الحقائق، وثيبات العلوم، والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها، واتبعتهم ذريتهم ومن تعلق بهم من طلاب الحق، ألحقنا بهم ذريتهم ومن تعلق بهم، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من الوصال والاتصال، فيكونون معهم في الدرجة، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة، وما ألتناهم من عملهم من شيء، بل ألحقناهم بهم فضلا وكرما، مع توفر ثواب عمل الملحق بهم، كل امرئ بما كسب رهين، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في الدنيا ومجاهدته، وإن تساوى في الدرجة مع غيره. وأمددناهم بفاكهة من حلاوة المعاملة، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة، يتنازعون فيها في جنة المعارف، كأس خمر المحبة والفناء، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم. يتناولون ذلك من أشياخهم واحدا بعد واحد، وقد يجتمعون في كأس واحدة، لا لغو فيها، أي: لا حديث للنفس في حال شربها، بل الهم كله مجموع يها، كما قال القائل: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكأس فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم بنزوع الروح إلى طبع النفس، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، بل تكون في ذلك بالله، ومن الله، وإلى الله، تنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، جلعنا الله من ذلك القبيل بمنه وكرمه. وقال الورتجبي: { يتنازعون... } الآية: وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة، ثم وصف شرابهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السكر، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق، ولا يشابه حال أهل الحضرة حال أهل الدنيا من جميع المعاني. ه. ثم قال تعالى: { ويطوف عليهم غلمان }.

الطور 52:19

يقول الحق جل جلاله: { إن المتقين } الشرك والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونعيم } أي نعيم، فالتنكير للتفخيم، أو: للتنوع، أي: جنات مخصوصة بهم، ونعيم مخصوص، { فاكهين } ناعمين متلذذين { بما آتاهم ربهم } بما أتحفهم، { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } عطف على " آتاهم " على أن " ما " مصدرية، أي: فاكهين بإتياهنم وبوقايتهم، أو: على " في جنات النعيم " أي: استقروا في جنات ووقاهم، أو: حال، إما من المستكن في الخبر، أو: من فاعل " آتى " ، أو: مفعوله بإضمار " قد ". وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافا إلى ضمير { هم } لتشريفهم، ويقال لهم: { كلوا واشربوا } ما شئتم { هنيئا } أي: أكلا وشربا هنيئا، أو: طعاما وشرابا هنيئا، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو فواته، { بما كنتم } أي: عوض ما كنتم { تعملون } في الدنيا من الخير، أو جزاءه. { متكئين على سرر مصفوفة } مصطفة، وهو حال من الضمير في { كلوا واشربوا } ، { وزوجناهم } أي: قرناهم { بحور } جمع حوراء { عين }: جمع عيناء، أي: عظام الأعين حسانها. وفي الكشاف: وإنما دخلت الباء في { بحور } لتضمن معنى زوجناهم قرناهم. ه. وقال الهروي: { زوجناهم } أي: قرناهم، والأزواج: الأشكال والقرناء، وليس في الجنة تزويج. ه. والمنفي: تحمل مؤنة التزويج والمعاقدة، وإنما يقع التمليك والإقران. { والذين آمنوا } مبتدأ، { واتبعتهم ذريتهم } عطف على { آمنوا } ، و { بإيمان } متعلق بالاتباع، والخبر: { ألحقنا بهم ذرياتهم } أي: تلحق الأولاد بدرجات الآباء إذ شاركوهم في الإيمان، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء، وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء لتقر بذلك أعينهم، فيلحق بعضهم ببعض، إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر من هو أحسن عملا شيئا، بزيادته في درجة الأنقص، ولا فرق بين من بلغ من الذرية، أو لم يبلغ، إذا كان الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي. وفي حديث ابن عباس: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، يسأل الرجل عن أبويه، وزوجته، وولده، فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: لقد عملت لي ولهم أجمعين، فيؤمر بإلحاقهم به " قال القشيري: ليكمل عليهم سرورهم بذلك فإن الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش، وكذلك من يلاحظ قلبا من صديق وقريب وولي وخادم، قال تعالى في قصة يوسف: وأتونى بأهلكم أجمعين [يوسف: 93].ه. قال في الحاشية: وربما يستأنس بما ذكر في الجملة بقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم... [النساء: 69] الآية، وما قيل في سبب نزولها، وكذلك حديث: " المرء مع من أحب " ، وحال الجنة مما لا يخطر على بال، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه، مع مباينته له بحقيقته، كما أن حيطة الحق تعالى شاملة للكل، وكل يتعرف له على قدره، فالكل معه بمطلق التعرف، مع تحقق التفاوت، وأهل الجنة فيها على حكم الأرواح، وأحكامها لا تكيف، واعتبر بالفروع مع الأصول، مع تفاوتها. والله أعلم. ه. والحاصل: أنهم يلحقون بهم في الطبقة، ويتفاوتون في نعيم الأرواح والأشباح، وفي الرؤية والزيادة. والله تعالى أعلم. { وما ألتناهم } أي: ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق { من عملهم } من ثواب عملهم { من شيء } بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم، فتنقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان. والألت: البخس. وقرأ المكي: ألتناهم بكسر اللام، من: ألت يألت، كعلم يعلم، و " من " الأولى متعلقة ب " ألتناهم " ، والثانية زائدة لتأكيد النفي. { كل امرئ بما كسب رهين } أي: كل امرئ مرهون عند الله بعمله، فإن كان صالحا فله، وإلا أهلكه. والجملة: استئناف بياني، كأنه لما قال: ما نقصناهم من عملهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقو بهم على سبيل التفضل، قيل: لم كان الإلحاق تفضلا؟ قال: لأن كل امرىء بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه بهم، فألحقوا تفضلا. { وأمددناهم } أي: وزودناهم في وقت بعد وقت { بفاكهة ولحم مما يشتهون } من فنون النعماء وألوان اللآلئ، وإن لم يطلبوا ذلك. { يتنازعون فيها كأسا } أي: يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم كأسا فيها خمر، يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا، بكمال رغبة واشتياق، { لا لغو فيها } أي: في شربها، فلا يتكلمون في أثناء الشراب إلا بكلام طيب، فلا يجري بينهم باطل، { ولا تأثيم } أي: لا يفعلون ما يوجب إثما لصاحبه لو فعله في دار التكليف، كما هو شأن المنادمين في الدنيا، وإنما يتكلمون بالحكم واحاسن الكلام، ويفعلون ما يفعله الكرام. قال القشيري: { لا لغو فيها ولا تأثيم } لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه لوم، كما يجري من الشرب اليوم في الدنيا، ولا تذهب عقولهم، فيجري بينهم ما يخرج عن حد الأدب والاستقامة، وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة، على المعلوم من يسقيهم بمشهد من مجلوسهم، وعلى رؤية من شربهم، والقوم عن الدار وعن ما فيها مختطفون باستيلاء ما يستغرقهم، فالشراب يؤنسهم، ولكن لا يمر بحاستهم. ه. وقرأ المكي والبصري بالفتح فيها على إعمال " لا " النافية للجنس. الإشارة: إن المتقين ما سوى الله في جنات المعارف عاجلا، وجنات الزخارف والمعارف آجلا، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة، فاكهين، معجبين، متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه، وتقريبه، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم، أي: نار شهوة نفوسهم، فبردت عنهم، وسلموا منها، كلوا من طعام المشاهدات، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات، هنيئا بما كنتم تعملون من المجاهدات والمكابدات، متكئين على سرر المقامات، والدرجات، مصفوفة في منازل العبودية، وزوجناهم بحور عين من أبكار الحقائق، وثيبات العلوم، والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها، واتبعتهم ذريتهم ومن تعلق بهم من طلاب الحق، ألحقنا بهم ذريتهم ومن تعلق بهم، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من الوصال والاتصال، فيكونون معهم في الدرجة، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة، وما ألتناهم من عملهم من شيء، بل ألحقناهم بهم فضلا وكرما، مع توفر ثواب عمل الملحق بهم، كل امرئ بما كسب رهين، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في الدنيا ومجاهدته، وإن تساوى في الدرجة مع غيره. وأمددناهم بفاكهة من حلاوة المعاملة، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة، يتنازعون فيها في جنة المعارف، كأس خمر المحبة والفناء، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم. يتناولون ذلك من أشياخهم واحدا بعد واحد، وقد يجتمعون في كأس واحدة، لا لغو فيها، أي: لا حديث للنفس في حال شربها، بل الهم كله مجموع يها، كما قال القائل: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكأس فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم بنزوع الروح إلى طبع النفس، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، بل تكون في ذلك بالله، ومن الله، وإلى الله، تنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، جلعنا الله من ذلك القبيل بمنه وكرمه. وقال الورتجبي: { يتنازعون... } الآية: وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة، ثم وصف شرابهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السكر، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق، ولا يشابه حال أهل الحضرة حال أهل الدنيا من جميع المعاني. ه. ثم قال تعالى: { ويطوف عليهم غلمان }.

الطور 52:20

يقول الحق جل جلاله: { إن المتقين } الشرك والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونعيم } أي نعيم، فالتنكير للتفخيم، أو: للتنوع، أي: جنات مخصوصة بهم، ونعيم مخصوص، { فاكهين } ناعمين متلذذين { بما آتاهم ربهم } بما أتحفهم، { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } عطف على " آتاهم " على أن " ما " مصدرية، أي: فاكهين بإتياهنم وبوقايتهم، أو: على " في جنات النعيم " أي: استقروا في جنات ووقاهم، أو: حال، إما من المستكن في الخبر، أو: من فاعل " آتى " ، أو: مفعوله بإضمار " قد ". وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافا إلى ضمير { هم } لتشريفهم، ويقال لهم: { كلوا واشربوا } ما شئتم { هنيئا } أي: أكلا وشربا هنيئا، أو: طعاما وشرابا هنيئا، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو فواته، { بما كنتم } أي: عوض ما كنتم { تعملون } في الدنيا من الخير، أو جزاءه. { متكئين على سرر مصفوفة } مصطفة، وهو حال من الضمير في { كلوا واشربوا } ، { وزوجناهم } أي: قرناهم { بحور } جمع حوراء { عين }: جمع عيناء، أي: عظام الأعين حسانها. وفي الكشاف: وإنما دخلت الباء في { بحور } لتضمن معنى زوجناهم قرناهم. ه. وقال الهروي: { زوجناهم } أي: قرناهم، والأزواج: الأشكال والقرناء، وليس في الجنة تزويج. ه. والمنفي: تحمل مؤنة التزويج والمعاقدة، وإنما يقع التمليك والإقران. { والذين آمنوا } مبتدأ، { واتبعتهم ذريتهم } عطف على { آمنوا } ، و { بإيمان } متعلق بالاتباع، والخبر: { ألحقنا بهم ذرياتهم } أي: تلحق الأولاد بدرجات الآباء إذ شاركوهم في الإيمان، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء، وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء لتقر بذلك أعينهم، فيلحق بعضهم ببعض، إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر من هو أحسن عملا شيئا، بزيادته في درجة الأنقص، ولا فرق بين من بلغ من الذرية، أو لم يبلغ، إذا كان الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي. وفي حديث ابن عباس: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، يسأل الرجل عن أبويه، وزوجته، وولده، فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: لقد عملت لي ولهم أجمعين، فيؤمر بإلحاقهم به " قال القشيري: ليكمل عليهم سرورهم بذلك فإن الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش، وكذلك من يلاحظ قلبا من صديق وقريب وولي وخادم، قال تعالى في قصة يوسف: وأتونى بأهلكم أجمعين [يوسف: 93].ه. قال في الحاشية: وربما يستأنس بما ذكر في الجملة بقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم... [النساء: 69] الآية، وما قيل في سبب نزولها، وكذلك حديث: " المرء مع من أحب " ، وحال الجنة مما لا يخطر على بال، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه، مع مباينته له بحقيقته، كما أن حيطة الحق تعالى شاملة للكل، وكل يتعرف له على قدره، فالكل معه بمطلق التعرف، مع تحقق التفاوت، وأهل الجنة فيها على حكم الأرواح، وأحكامها لا تكيف، واعتبر بالفروع مع الأصول، مع تفاوتها. والله أعلم. ه. والحاصل: أنهم يلحقون بهم في الطبقة، ويتفاوتون في نعيم الأرواح والأشباح، وفي الرؤية والزيادة. والله تعالى أعلم. { وما ألتناهم } أي: ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق { من عملهم } من ثواب عملهم { من شيء } بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم، فتنقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان. والألت: البخس. وقرأ المكي: ألتناهم بكسر اللام، من: ألت يألت، كعلم يعلم، و " من " الأولى متعلقة ب " ألتناهم " ، والثانية زائدة لتأكيد النفي. { كل امرئ بما كسب رهين } أي: كل امرئ مرهون عند الله بعمله، فإن كان صالحا فله، وإلا أهلكه. والجملة: استئناف بياني، كأنه لما قال: ما نقصناهم من عملهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقو بهم على سبيل التفضل، قيل: لم كان الإلحاق تفضلا؟ قال: لأن كل امرىء بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه بهم، فألحقوا تفضلا. { وأمددناهم } أي: وزودناهم في وقت بعد وقت { بفاكهة ولحم مما يشتهون } من فنون النعماء وألوان اللآلئ، وإن لم يطلبوا ذلك. { يتنازعون فيها كأسا } أي: يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم كأسا فيها خمر، يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا، بكمال رغبة واشتياق، { لا لغو فيها } أي: في شربها، فلا يتكلمون في أثناء الشراب إلا بكلام طيب، فلا يجري بينهم باطل، { ولا تأثيم } أي: لا يفعلون ما يوجب إثما لصاحبه لو فعله في دار التكليف، كما هو شأن المنادمين في الدنيا، وإنما يتكلمون بالحكم واحاسن الكلام، ويفعلون ما يفعله الكرام. قال القشيري: { لا لغو فيها ولا تأثيم } لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه لوم، كما يجري من الشرب اليوم في الدنيا، ولا تذهب عقولهم، فيجري بينهم ما يخرج عن حد الأدب والاستقامة، وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة، على المعلوم من يسقيهم بمشهد من مجلوسهم، وعلى رؤية من شربهم، والقوم عن الدار وعن ما فيها مختطفون باستيلاء ما يستغرقهم، فالشراب يؤنسهم، ولكن لا يمر بحاستهم. ه. وقرأ المكي والبصري بالفتح فيها على إعمال " لا " النافية للجنس. الإشارة: إن المتقين ما سوى الله في جنات المعارف عاجلا، وجنات الزخارف والمعارف آجلا، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة، فاكهين، معجبين، متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه، وتقريبه، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم، أي: نار شهوة نفوسهم، فبردت عنهم، وسلموا منها، كلوا من طعام المشاهدات، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات، هنيئا بما كنتم تعملون من المجاهدات والمكابدات، متكئين على سرر المقامات، والدرجات، مصفوفة في منازل العبودية، وزوجناهم بحور عين من أبكار الحقائق، وثيبات العلوم، والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها، واتبعتهم ذريتهم ومن تعلق بهم من طلاب الحق، ألحقنا بهم ذريتهم ومن تعلق بهم، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من الوصال والاتصال، فيكونون معهم في الدرجة، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة، وما ألتناهم من عملهم من شيء، بل ألحقناهم بهم فضلا وكرما، مع توفر ثواب عمل الملحق بهم، كل امرئ بما كسب رهين، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في الدنيا ومجاهدته، وإن تساوى في الدرجة مع غيره. وأمددناهم بفاكهة من حلاوة المعاملة، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة، يتنازعون فيها في جنة المعارف، كأس خمر المحبة والفناء، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم. يتناولون ذلك من أشياخهم واحدا بعد واحد، وقد يجتمعون في كأس واحدة، لا لغو فيها، أي: لا حديث للنفس في حال شربها، بل الهم كله مجموع يها، كما قال القائل: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكأس فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم بنزوع الروح إلى طبع النفس، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، بل تكون في ذلك بالله، ومن الله، وإلى الله، تنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، جلعنا الله من ذلك القبيل بمنه وكرمه. وقال الورتجبي: { يتنازعون... } الآية: وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة، ثم وصف شرابهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السكر، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق، ولا يشابه حال أهل الحضرة حال أهل الدنيا من جميع المعاني. ه. ثم قال تعالى: { ويطوف عليهم غلمان }.

الطور 52:21

يقول الحق جل جلاله: { إن المتقين } الشرك والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونعيم } أي نعيم، فالتنكير للتفخيم، أو: للتنوع، أي: جنات مخصوصة بهم، ونعيم مخصوص، { فاكهين } ناعمين متلذذين { بما آتاهم ربهم } بما أتحفهم، { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } عطف على " آتاهم " على أن " ما " مصدرية، أي: فاكهين بإتياهنم وبوقايتهم، أو: على " في جنات النعيم " أي: استقروا في جنات ووقاهم، أو: حال، إما من المستكن في الخبر، أو: من فاعل " آتى " ، أو: مفعوله بإضمار " قد ". وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافا إلى ضمير { هم } لتشريفهم، ويقال لهم: { كلوا واشربوا } ما شئتم { هنيئا } أي: أكلا وشربا هنيئا، أو: طعاما وشرابا هنيئا، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو فواته، { بما كنتم } أي: عوض ما كنتم { تعملون } في الدنيا من الخير، أو جزاءه. { متكئين على سرر مصفوفة } مصطفة، وهو حال من الضمير في { كلوا واشربوا } ، { وزوجناهم } أي: قرناهم { بحور } جمع حوراء { عين }: جمع عيناء، أي: عظام الأعين حسانها. وفي الكشاف: وإنما دخلت الباء في { بحور } لتضمن معنى زوجناهم قرناهم. ه. وقال الهروي: { زوجناهم } أي: قرناهم، والأزواج: الأشكال والقرناء، وليس في الجنة تزويج. ه. والمنفي: تحمل مؤنة التزويج والمعاقدة، وإنما يقع التمليك والإقران. { والذين آمنوا } مبتدأ، { واتبعتهم ذريتهم } عطف على { آمنوا } ، و { بإيمان } متعلق بالاتباع، والخبر: { ألحقنا بهم ذرياتهم } أي: تلحق الأولاد بدرجات الآباء إذ شاركوهم في الإيمان، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء، وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء لتقر بذلك أعينهم، فيلحق بعضهم ببعض، إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر من هو أحسن عملا شيئا، بزيادته في درجة الأنقص، ولا فرق بين من بلغ من الذرية، أو لم يبلغ، إذا كان الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي. وفي حديث ابن عباس: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، يسأل الرجل عن أبويه، وزوجته، وولده، فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: لقد عملت لي ولهم أجمعين، فيؤمر بإلحاقهم به " قال القشيري: ليكمل عليهم سرورهم بذلك فإن الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش، وكذلك من يلاحظ قلبا من صديق وقريب وولي وخادم، قال تعالى في قصة يوسف: وأتونى بأهلكم أجمعين [يوسف: 93].ه. قال في الحاشية: وربما يستأنس بما ذكر في الجملة بقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم... [النساء: 69] الآية، وما قيل في سبب نزولها، وكذلك حديث: " المرء مع من أحب " ، وحال الجنة مما لا يخطر على بال، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه، مع مباينته له بحقيقته، كما أن حيطة الحق تعالى شاملة للكل، وكل يتعرف له على قدره، فالكل معه بمطلق التعرف، مع تحقق التفاوت، وأهل الجنة فيها على حكم الأرواح، وأحكامها لا تكيف، واعتبر بالفروع مع الأصول، مع تفاوتها. والله أعلم. ه. والحاصل: أنهم يلحقون بهم في الطبقة، ويتفاوتون في نعيم الأرواح والأشباح، وفي الرؤية والزيادة. والله تعالى أعلم. { وما ألتناهم } أي: ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق { من عملهم } من ثواب عملهم { من شيء } بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم، فتنقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان. والألت: البخس. وقرأ المكي: ألتناهم بكسر اللام، من: ألت يألت، كعلم يعلم، و " من " الأولى متعلقة ب " ألتناهم " ، والثانية زائدة لتأكيد النفي. { كل امرئ بما كسب رهين } أي: كل امرئ مرهون عند الله بعمله، فإن كان صالحا فله، وإلا أهلكه. والجملة: استئناف بياني، كأنه لما قال: ما نقصناهم من عملهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقو بهم على سبيل التفضل، قيل: لم كان الإلحاق تفضلا؟ قال: لأن كل امرىء بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه بهم، فألحقوا تفضلا. { وأمددناهم } أي: وزودناهم في وقت بعد وقت { بفاكهة ولحم مما يشتهون } من فنون النعماء وألوان اللآلئ، وإن لم يطلبوا ذلك. { يتنازعون فيها كأسا } أي: يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم كأسا فيها خمر، يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا، بكمال رغبة واشتياق، { لا لغو فيها } أي: في شربها، فلا يتكلمون في أثناء الشراب إلا بكلام طيب، فلا يجري بينهم باطل، { ولا تأثيم } أي: لا يفعلون ما يوجب إثما لصاحبه لو فعله في دار التكليف، كما هو شأن المنادمين في الدنيا، وإنما يتكلمون بالحكم واحاسن الكلام، ويفعلون ما يفعله الكرام. قال القشيري: { لا لغو فيها ولا تأثيم } لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه لوم، كما يجري من الشرب اليوم في الدنيا، ولا تذهب عقولهم، فيجري بينهم ما يخرج عن حد الأدب والاستقامة، وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة، على المعلوم من يسقيهم بمشهد من مجلوسهم، وعلى رؤية من شربهم، والقوم عن الدار وعن ما فيها مختطفون باستيلاء ما يستغرقهم، فالشراب يؤنسهم، ولكن لا يمر بحاستهم. ه. وقرأ المكي والبصري بالفتح فيها على إعمال " لا " النافية للجنس. الإشارة: إن المتقين ما سوى الله في جنات المعارف عاجلا، وجنات الزخارف والمعارف آجلا، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة، فاكهين، معجبين، متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه، وتقريبه، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم، أي: نار شهوة نفوسهم، فبردت عنهم، وسلموا منها، كلوا من طعام المشاهدات، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات، هنيئا بما كنتم تعملون من المجاهدات والمكابدات، متكئين على سرر المقامات، والدرجات، مصفوفة في منازل العبودية، وزوجناهم بحور عين من أبكار الحقائق، وثيبات العلوم، والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها، واتبعتهم ذريتهم ومن تعلق بهم من طلاب الحق، ألحقنا بهم ذريتهم ومن تعلق بهم، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من الوصال والاتصال، فيكونون معهم في الدرجة، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة، وما ألتناهم من عملهم من شيء، بل ألحقناهم بهم فضلا وكرما، مع توفر ثواب عمل الملحق بهم، كل امرئ بما كسب رهين، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في الدنيا ومجاهدته، وإن تساوى في الدرجة مع غيره. وأمددناهم بفاكهة من حلاوة المعاملة، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة، يتنازعون فيها في جنة المعارف، كأس خمر المحبة والفناء، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم. يتناولون ذلك من أشياخهم واحدا بعد واحد، وقد يجتمعون في كأس واحدة، لا لغو فيها، أي: لا حديث للنفس في حال شربها، بل الهم كله مجموع يها، كما قال القائل: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكأس فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم بنزوع الروح إلى طبع النفس، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، بل تكون في ذلك بالله، ومن الله، وإلى الله، تنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، جلعنا الله من ذلك القبيل بمنه وكرمه. وقال الورتجبي: { يتنازعون... } الآية: وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة، ثم وصف شرابهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السكر، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق، ولا يشابه حال أهل الحضرة حال أهل الدنيا من جميع المعاني. ه. ثم قال تعالى: { ويطوف عليهم غلمان }.

الطور 52:22

يقول الحق جل جلاله: { إن المتقين } الشرك والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونعيم } أي نعيم، فالتنكير للتفخيم، أو: للتنوع، أي: جنات مخصوصة بهم، ونعيم مخصوص، { فاكهين } ناعمين متلذذين { بما آتاهم ربهم } بما أتحفهم، { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } عطف على " آتاهم " على أن " ما " مصدرية، أي: فاكهين بإتياهنم وبوقايتهم، أو: على " في جنات النعيم " أي: استقروا في جنات ووقاهم، أو: حال، إما من المستكن في الخبر، أو: من فاعل " آتى " ، أو: مفعوله بإضمار " قد ". وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافا إلى ضمير { هم } لتشريفهم، ويقال لهم: { كلوا واشربوا } ما شئتم { هنيئا } أي: أكلا وشربا هنيئا، أو: طعاما وشرابا هنيئا، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو فواته، { بما كنتم } أي: عوض ما كنتم { تعملون } في الدنيا من الخير، أو جزاءه. { متكئين على سرر مصفوفة } مصطفة، وهو حال من الضمير في { كلوا واشربوا } ، { وزوجناهم } أي: قرناهم { بحور } جمع حوراء { عين }: جمع عيناء، أي: عظام الأعين حسانها. وفي الكشاف: وإنما دخلت الباء في { بحور } لتضمن معنى زوجناهم قرناهم. ه. وقال الهروي: { زوجناهم } أي: قرناهم، والأزواج: الأشكال والقرناء، وليس في الجنة تزويج. ه. والمنفي: تحمل مؤنة التزويج والمعاقدة، وإنما يقع التمليك والإقران. { والذين آمنوا } مبتدأ، { واتبعتهم ذريتهم } عطف على { آمنوا } ، و { بإيمان } متعلق بالاتباع، والخبر: { ألحقنا بهم ذرياتهم } أي: تلحق الأولاد بدرجات الآباء إذ شاركوهم في الإيمان، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء، وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء لتقر بذلك أعينهم، فيلحق بعضهم ببعض، إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر من هو أحسن عملا شيئا، بزيادته في درجة الأنقص، ولا فرق بين من بلغ من الذرية، أو لم يبلغ، إذا كان الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي. وفي حديث ابن عباس: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، يسأل الرجل عن أبويه، وزوجته، وولده، فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: لقد عملت لي ولهم أجمعين، فيؤمر بإلحاقهم به " قال القشيري: ليكمل عليهم سرورهم بذلك فإن الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش، وكذلك من يلاحظ قلبا من صديق وقريب وولي وخادم، قال تعالى في قصة يوسف: وأتونى بأهلكم أجمعين [يوسف: 93].ه. قال في الحاشية: وربما يستأنس بما ذكر في الجملة بقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم... [النساء: 69] الآية، وما قيل في سبب نزولها، وكذلك حديث: " المرء مع من أحب " ، وحال الجنة مما لا يخطر على بال، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه، مع مباينته له بحقيقته، كما أن حيطة الحق تعالى شاملة للكل، وكل يتعرف له على قدره، فالكل معه بمطلق التعرف، مع تحقق التفاوت، وأهل الجنة فيها على حكم الأرواح، وأحكامها لا تكيف، واعتبر بالفروع مع الأصول، مع تفاوتها. والله أعلم. ه. والحاصل: أنهم يلحقون بهم في الطبقة، ويتفاوتون في نعيم الأرواح والأشباح، وفي الرؤية والزيادة. والله تعالى أعلم. { وما ألتناهم } أي: ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق { من عملهم } من ثواب عملهم { من شيء } بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم، فتنقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان. والألت: البخس. وقرأ المكي: ألتناهم بكسر اللام، من: ألت يألت، كعلم يعلم، و " من " الأولى متعلقة ب " ألتناهم " ، والثانية زائدة لتأكيد النفي. { كل امرئ بما كسب رهين } أي: كل امرئ مرهون عند الله بعمله، فإن كان صالحا فله، وإلا أهلكه. والجملة: استئناف بياني، كأنه لما قال: ما نقصناهم من عملهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقو بهم على سبيل التفضل، قيل: لم كان الإلحاق تفضلا؟ قال: لأن كل امرىء بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه بهم، فألحقوا تفضلا. { وأمددناهم } أي: وزودناهم في وقت بعد وقت { بفاكهة ولحم مما يشتهون } من فنون النعماء وألوان اللآلئ، وإن لم يطلبوا ذلك. { يتنازعون فيها كأسا } أي: يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم كأسا فيها خمر، يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا، بكمال رغبة واشتياق، { لا لغو فيها } أي: في شربها، فلا يتكلمون في أثناء الشراب إلا بكلام طيب، فلا يجري بينهم باطل، { ولا تأثيم } أي: لا يفعلون ما يوجب إثما لصاحبه لو فعله في دار التكليف، كما هو شأن المنادمين في الدنيا، وإنما يتكلمون بالحكم واحاسن الكلام، ويفعلون ما يفعله الكرام. قال القشيري: { لا لغو فيها ولا تأثيم } لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه لوم، كما يجري من الشرب اليوم في الدنيا، ولا تذهب عقولهم، فيجري بينهم ما يخرج عن حد الأدب والاستقامة، وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة، على المعلوم من يسقيهم بمشهد من مجلوسهم، وعلى رؤية من شربهم، والقوم عن الدار وعن ما فيها مختطفون باستيلاء ما يستغرقهم، فالشراب يؤنسهم، ولكن لا يمر بحاستهم. ه. وقرأ المكي والبصري بالفتح فيها على إعمال " لا " النافية للجنس. الإشارة: إن المتقين ما سوى الله في جنات المعارف عاجلا، وجنات الزخارف والمعارف آجلا، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة، فاكهين، معجبين، متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه، وتقريبه، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم، أي: نار شهوة نفوسهم، فبردت عنهم، وسلموا منها، كلوا من طعام المشاهدات، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات، هنيئا بما كنتم تعملون من المجاهدات والمكابدات، متكئين على سرر المقامات، والدرجات، مصفوفة في منازل العبودية، وزوجناهم بحور عين من أبكار الحقائق، وثيبات العلوم، والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها، واتبعتهم ذريتهم ومن تعلق بهم من طلاب الحق، ألحقنا بهم ذريتهم ومن تعلق بهم، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من الوصال والاتصال، فيكونون معهم في الدرجة، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة، وما ألتناهم من عملهم من شيء، بل ألحقناهم بهم فضلا وكرما، مع توفر ثواب عمل الملحق بهم، كل امرئ بما كسب رهين، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في الدنيا ومجاهدته، وإن تساوى في الدرجة مع غيره. وأمددناهم بفاكهة من حلاوة المعاملة، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة، يتنازعون فيها في جنة المعارف، كأس خمر المحبة والفناء، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم. يتناولون ذلك من أشياخهم واحدا بعد واحد، وقد يجتمعون في كأس واحدة، لا لغو فيها، أي: لا حديث للنفس في حال شربها، بل الهم كله مجموع يها، كما قال القائل: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكأس فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم بنزوع الروح إلى طبع النفس، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، بل تكون في ذلك بالله، ومن الله، وإلى الله، تنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، جلعنا الله من ذلك القبيل بمنه وكرمه. وقال الورتجبي: { يتنازعون... } الآية: وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة، ثم وصف شرابهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السكر، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق، ولا يشابه حال أهل الحضرة حال أهل الدنيا من جميع المعاني. ه. ثم قال تعالى: { ويطوف عليهم غلمان }.

الطور 52:23

يقول الحق جل جلاله: { إن المتقين } الشرك والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونعيم } أي نعيم، فالتنكير للتفخيم، أو: للتنوع، أي: جنات مخصوصة بهم، ونعيم مخصوص، { فاكهين } ناعمين متلذذين { بما آتاهم ربهم } بما أتحفهم، { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } عطف على " آتاهم " على أن " ما " مصدرية، أي: فاكهين بإتياهنم وبوقايتهم، أو: على " في جنات النعيم " أي: استقروا في جنات ووقاهم، أو: حال، إما من المستكن في الخبر، أو: من فاعل " آتى " ، أو: مفعوله بإضمار " قد ". وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافا إلى ضمير { هم } لتشريفهم، ويقال لهم: { كلوا واشربوا } ما شئتم { هنيئا } أي: أكلا وشربا هنيئا، أو: طعاما وشرابا هنيئا، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو فواته، { بما كنتم } أي: عوض ما كنتم { تعملون } في الدنيا من الخير، أو جزاءه. { متكئين على سرر مصفوفة } مصطفة، وهو حال من الضمير في { كلوا واشربوا } ، { وزوجناهم } أي: قرناهم { بحور } جمع حوراء { عين }: جمع عيناء، أي: عظام الأعين حسانها. وفي الكشاف: وإنما دخلت الباء في { بحور } لتضمن معنى زوجناهم قرناهم. ه. وقال الهروي: { زوجناهم } أي: قرناهم، والأزواج: الأشكال والقرناء، وليس في الجنة تزويج. ه. والمنفي: تحمل مؤنة التزويج والمعاقدة، وإنما يقع التمليك والإقران. { والذين آمنوا } مبتدأ، { واتبعتهم ذريتهم } عطف على { آمنوا } ، و { بإيمان } متعلق بالاتباع، والخبر: { ألحقنا بهم ذرياتهم } أي: تلحق الأولاد بدرجات الآباء إذ شاركوهم في الإيمان، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء، وكذلك الآباء تلحق بدرجة الأبناء لتقر بذلك أعينهم، فيلحق بعضهم ببعض، إذا اجتمعوا في الإيمان من غير أن ينقص أجر من هو أحسن عملا شيئا، بزيادته في درجة الأنقص، ولا فرق بين من بلغ من الذرية، أو لم يبلغ، إذا كان الآباء مؤمنين. انظر الثعلبي. وفي حديث ابن عباس: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، يسأل الرجل عن أبويه، وزوجته، وولده، فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: لقد عملت لي ولهم أجمعين، فيؤمر بإلحاقهم به " قال القشيري: ليكمل عليهم سرورهم بذلك فإن الانفراد بالنعمة والقلب مشتغل بالأهل والذرية ينغص العيش، وكذلك من يلاحظ قلبا من صديق وقريب وولي وخادم، قال تعالى في قصة يوسف: وأتونى بأهلكم أجمعين [يوسف: 93].ه. قال في الحاشية: وربما يستأنس بما ذكر في الجملة بقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم... [النساء: 69] الآية، وما قيل في سبب نزولها، وكذلك حديث: " المرء مع من أحب " ، وحال الجنة مما لا يخطر على بال، فيجوز أن يكون الأدنى مع الأعلى بمنازلته معه، مع مباينته له بحقيقته، كما أن حيطة الحق تعالى شاملة للكل، وكل يتعرف له على قدره، فالكل معه بمطلق التعرف، مع تحقق التفاوت، وأهل الجنة فيها على حكم الأرواح، وأحكامها لا تكيف، واعتبر بالفروع مع الأصول، مع تفاوتها. والله أعلم. ه. والحاصل: أنهم يلحقون بهم في الطبقة، ويتفاوتون في نعيم الأرواح والأشباح، وفي الرؤية والزيادة. والله تعالى أعلم. { وما ألتناهم } أي: ما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق { من عملهم } من ثواب عملهم { من شيء } بأن أعطينا بعض مثوباتهم لأبنائهم، فتنقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم، وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان. والألت: البخس. وقرأ المكي: ألتناهم بكسر اللام، من: ألت يألت، كعلم يعلم، و " من " الأولى متعلقة ب " ألتناهم " ، والثانية زائدة لتأكيد النفي. { كل امرئ بما كسب رهين } أي: كل امرئ مرهون عند الله بعمله، فإن كان صالحا فله، وإلا أهلكه. والجملة: استئناف بياني، كأنه لما قال: ما نقصناهم من عملهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقو بهم على سبيل التفضل، قيل: لم كان الإلحاق تفضلا؟ قال: لأن كل امرىء بما كسب رهين، وهؤلاء لم يكن لهم عمل يلحقوا بسببه بهم، فألحقوا تفضلا. { وأمددناهم } أي: وزودناهم في وقت بعد وقت { بفاكهة ولحم مما يشتهون } من فنون النعماء وألوان اللآلئ، وإن لم يطلبوا ذلك. { يتنازعون فيها كأسا } أي: يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم كأسا فيها خمر، يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا، بكمال رغبة واشتياق، { لا لغو فيها } أي: في شربها، فلا يتكلمون في أثناء الشراب إلا بكلام طيب، فلا يجري بينهم باطل، { ولا تأثيم } أي: لا يفعلون ما يوجب إثما لصاحبه لو فعله في دار التكليف، كما هو شأن المنادمين في الدنيا، وإنما يتكلمون بالحكم واحاسن الكلام، ويفعلون ما يفعله الكرام. قال القشيري: { لا لغو فيها ولا تأثيم } لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه لوم، كما يجري من الشرب اليوم في الدنيا، ولا تذهب عقولهم، فيجري بينهم ما يخرج عن حد الأدب والاستقامة، وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة، على المعلوم من يسقيهم بمشهد من مجلوسهم، وعلى رؤية من شربهم، والقوم عن الدار وعن ما فيها مختطفون باستيلاء ما يستغرقهم، فالشراب يؤنسهم، ولكن لا يمر بحاستهم. ه. وقرأ المكي والبصري بالفتح فيها على إعمال " لا " النافية للجنس. الإشارة: إن المتقين ما سوى الله في جنات المعارف عاجلا، وجنات الزخارف والمعارف آجلا، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة، فاكهين، معجبين، متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه، وتقريبه، ووقاهم ربهم عذاب الجحيم، أي: نار شهوة نفوسهم، فبردت عنهم، وسلموا منها، كلوا من طعام المشاهدات، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات، هنيئا بما كنتم تعملون من المجاهدات والمكابدات، متكئين على سرر المقامات، والدرجات، مصفوفة في منازل العبودية، وزوجناهم بحور عين من أبكار الحقائق، وثيبات العلوم، والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها، واتبعتهم ذريتهم ومن تعلق بهم من طلاب الحق، ألحقنا بهم ذريتهم ومن تعلق بهم، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من الوصال والاتصال، فيكونون معهم في الدرجة، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة، وما ألتناهم من عملهم من شيء، بل ألحقناهم بهم فضلا وكرما، مع توفر ثواب عمل الملحق بهم، كل امرئ بما كسب رهين، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في الدنيا ومجاهدته، وإن تساوى في الدرجة مع غيره. وأمددناهم بفاكهة من حلاوة المعاملة، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة، يتنازعون فيها في جنة المعارف، كأس خمر المحبة والفناء، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم. يتناولون ذلك من أشياخهم واحدا بعد واحد، وقد يجتمعون في كأس واحدة، لا لغو فيها، أي: لا حديث للنفس في حال شربها، بل الهم كله مجموع يها، كما قال القائل: وإذا جلست إلى المدام وشربه فاجعل حديثك كله في الكأس فالخمرة التي يشوبها شيء من حديث النفس ليس بصافية من الأكدار. ولا تأثيم بنزوع الروح إلى طبع النفس، وإذا نزلت إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، بل تكون في ذلك بالله، ومن الله، وإلى الله، تنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، جلعنا الله من ذلك القبيل بمنه وكرمه. وقال الورتجبي: { يتنازعون... } الآية: وصفهم الله في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة، ثم وصف شرابهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السكر، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق، ولا يشابه حال أهل الحضرة حال أهل الدنيا من جميع المعاني. ه. ثم قال تعالى: { ويطوف عليهم غلمان }.

الطور 52:24

يقول الحق جل جلاله: { ويطوف عليهم } أي: بالكأس أو: في شأن الخدمة كلها { غلمان لهم } أي: مماليك مخصصون بهم، قيل: أولاد الكفار الذين ماتوا صغارا، وقيل: توجدهم القدرة من الغيب، وفي الحديث: " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه، فيجيبه ألف، كلهم يناديه: لبيك لبيك " قلت: هذا في مقام أهل اليمين، وأما المقربون فإذا اهتموا بشيء حضر، بغلام أو بغير غلام، من غير احتياج إلى نداء، وقال ابن عمر رضي الله عنه: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، كل غلام على عمل ما عليه صاحبه. { كأنهم } من بياضهم وصفائهم { لؤلؤ مكنون } مصوف في الصدف لأنه حينئذ يكون أصفى وأبهى، أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمن الغالي القيمة. قيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم ". { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله، وما استحق به نيل ما عند الله، فكل بعض سائر ومسؤول. { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { إنا كنا قبل في أهلنا } أي: في الدنيا { مشفقين } أرقاء القلوب من خشية الله، أو: خائفين من نزع الإيمان وفوت الأمان، أو: من رد الحسنات وأخذ بالسيئات، أو: واجلين من العاقبة، { فمن الله علينا } بالمغفرة والرحمة { ووقانا عذاب السموم } وهي الريح الحارة، التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة. { إنا كنا قبل } أي: من قبل لقاء الله والمصير إليه - يعنون: في الدنيا: { ندعوه } نعبده ولا نعبد غيره، أو نسأله الوقاية، { إنه هو البر } المحسن { الرحيم } الكثير الرحمة، الذي إذا عبد أثاب، وإذا سئل أجاب، وقرأ نافع والكسائي بالفتح، أي: لأنه، أو بأنه. الإشارة: ويطوف على قلوبهم علوم وهبية، وحكم غيبية، تزهو على اليواقيت المكنونة. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: كيف سلكوا طريق الوصول، وكيف كانت مجاهدة كل واحد ومسيره إلى الله، إما تحدثا بالنعم، أو: للاقتداء بهم، وفي الحكم: " عبارتهم إما لفيضان وجد أو: لهداية مريد ". إنا كنا قبل الوصول في أهلنا، أي: في عالم الإنسانية مشفقين من الانقطاع والرجوع، خائفين من سموم صفات البهيمية والشيطانية، والشهوات الدنيوية، فإنها تهب بسموم قهر الحق، قهر بها جل عباده فانقطعوا عنه، فمن الله علينا، ووصلنا بما منه إلينا، لا بما منا إليه، ووقانا عذاب السموم، وهو الحرص والجزع، والانقطاع عن الحبيب، ولولا فضله ما تخلصنا منه، إنا كنا من قبل الوصول ندعوه أن يأخذ بأيدينا، ويجذبنا إلى حضرته، ويرحمنا بالوصول، ويبر بنا، إنه هو البر بمزيده، الرحيم بمن ينيب إليه. ثم أمر نبيه باستمراره على ما أمره به من التذكير فيما سلف، فقال: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك }.

الطور 52:25

يقول الحق جل جلاله: { ويطوف عليهم } أي: بالكأس أو: في شأن الخدمة كلها { غلمان لهم } أي: مماليك مخصصون بهم، قيل: أولاد الكفار الذين ماتوا صغارا، وقيل: توجدهم القدرة من الغيب، وفي الحديث: " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه، فيجيبه ألف، كلهم يناديه: لبيك لبيك " قلت: هذا في مقام أهل اليمين، وأما المقربون فإذا اهتموا بشيء حضر، بغلام أو بغير غلام، من غير احتياج إلى نداء، وقال ابن عمر رضي الله عنه: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، كل غلام على عمل ما عليه صاحبه. { كأنهم } من بياضهم وصفائهم { لؤلؤ مكنون } مصوف في الصدف لأنه حينئذ يكون أصفى وأبهى، أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمن الغالي القيمة. قيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم ". { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله، وما استحق به نيل ما عند الله، فكل بعض سائر ومسؤول. { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { إنا كنا قبل في أهلنا } أي: في الدنيا { مشفقين } أرقاء القلوب من خشية الله، أو: خائفين من نزع الإيمان وفوت الأمان، أو: من رد الحسنات وأخذ بالسيئات، أو: واجلين من العاقبة، { فمن الله علينا } بالمغفرة والرحمة { ووقانا عذاب السموم } وهي الريح الحارة، التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة. { إنا كنا قبل } أي: من قبل لقاء الله والمصير إليه - يعنون: في الدنيا: { ندعوه } نعبده ولا نعبد غيره، أو نسأله الوقاية، { إنه هو البر } المحسن { الرحيم } الكثير الرحمة، الذي إذا عبد أثاب، وإذا سئل أجاب، وقرأ نافع والكسائي بالفتح، أي: لأنه، أو بأنه. الإشارة: ويطوف على قلوبهم علوم وهبية، وحكم غيبية، تزهو على اليواقيت المكنونة. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: كيف سلكوا طريق الوصول، وكيف كانت مجاهدة كل واحد ومسيره إلى الله، إما تحدثا بالنعم، أو: للاقتداء بهم، وفي الحكم: " عبارتهم إما لفيضان وجد أو: لهداية مريد ". إنا كنا قبل الوصول في أهلنا، أي: في عالم الإنسانية مشفقين من الانقطاع والرجوع، خائفين من سموم صفات البهيمية والشيطانية، والشهوات الدنيوية، فإنها تهب بسموم قهر الحق، قهر بها جل عباده فانقطعوا عنه، فمن الله علينا، ووصلنا بما منه إلينا، لا بما منا إليه، ووقانا عذاب السموم، وهو الحرص والجزع، والانقطاع عن الحبيب، ولولا فضله ما تخلصنا منه، إنا كنا من قبل الوصول ندعوه أن يأخذ بأيدينا، ويجذبنا إلى حضرته، ويرحمنا بالوصول، ويبر بنا، إنه هو البر بمزيده، الرحيم بمن ينيب إليه. ثم أمر نبيه باستمراره على ما أمره به من التذكير فيما سلف، فقال: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك }.

الطور 52:26

يقول الحق جل جلاله: { ويطوف عليهم } أي: بالكأس أو: في شأن الخدمة كلها { غلمان لهم } أي: مماليك مخصصون بهم، قيل: أولاد الكفار الذين ماتوا صغارا، وقيل: توجدهم القدرة من الغيب، وفي الحديث: " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه، فيجيبه ألف، كلهم يناديه: لبيك لبيك " قلت: هذا في مقام أهل اليمين، وأما المقربون فإذا اهتموا بشيء حضر، بغلام أو بغير غلام، من غير احتياج إلى نداء، وقال ابن عمر رضي الله عنه: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، كل غلام على عمل ما عليه صاحبه. { كأنهم } من بياضهم وصفائهم { لؤلؤ مكنون } مصوف في الصدف لأنه حينئذ يكون أصفى وأبهى، أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمن الغالي القيمة. قيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم ". { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله، وما استحق به نيل ما عند الله، فكل بعض سائر ومسؤول. { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { إنا كنا قبل في أهلنا } أي: في الدنيا { مشفقين } أرقاء القلوب من خشية الله، أو: خائفين من نزع الإيمان وفوت الأمان، أو: من رد الحسنات وأخذ بالسيئات، أو: واجلين من العاقبة، { فمن الله علينا } بالمغفرة والرحمة { ووقانا عذاب السموم } وهي الريح الحارة، التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة. { إنا كنا قبل } أي: من قبل لقاء الله والمصير إليه - يعنون: في الدنيا: { ندعوه } نعبده ولا نعبد غيره، أو نسأله الوقاية، { إنه هو البر } المحسن { الرحيم } الكثير الرحمة، الذي إذا عبد أثاب، وإذا سئل أجاب، وقرأ نافع والكسائي بالفتح، أي: لأنه، أو بأنه. الإشارة: ويطوف على قلوبهم علوم وهبية، وحكم غيبية، تزهو على اليواقيت المكنونة. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: كيف سلكوا طريق الوصول، وكيف كانت مجاهدة كل واحد ومسيره إلى الله، إما تحدثا بالنعم، أو: للاقتداء بهم، وفي الحكم: " عبارتهم إما لفيضان وجد أو: لهداية مريد ". إنا كنا قبل الوصول في أهلنا، أي: في عالم الإنسانية مشفقين من الانقطاع والرجوع، خائفين من سموم صفات البهيمية والشيطانية، والشهوات الدنيوية، فإنها تهب بسموم قهر الحق، قهر بها جل عباده فانقطعوا عنه، فمن الله علينا، ووصلنا بما منه إلينا، لا بما منا إليه، ووقانا عذاب السموم، وهو الحرص والجزع، والانقطاع عن الحبيب، ولولا فضله ما تخلصنا منه، إنا كنا من قبل الوصول ندعوه أن يأخذ بأيدينا، ويجذبنا إلى حضرته، ويرحمنا بالوصول، ويبر بنا، إنه هو البر بمزيده، الرحيم بمن ينيب إليه. ثم أمر نبيه باستمراره على ما أمره به من التذكير فيما سلف، فقال: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك }.

الطور 52:27

يقول الحق جل جلاله: { ويطوف عليهم } أي: بالكأس أو: في شأن الخدمة كلها { غلمان لهم } أي: مماليك مخصصون بهم، قيل: أولاد الكفار الذين ماتوا صغارا، وقيل: توجدهم القدرة من الغيب، وفي الحديث: " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه، فيجيبه ألف، كلهم يناديه: لبيك لبيك " قلت: هذا في مقام أهل اليمين، وأما المقربون فإذا اهتموا بشيء حضر، بغلام أو بغير غلام، من غير احتياج إلى نداء، وقال ابن عمر رضي الله عنه: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، كل غلام على عمل ما عليه صاحبه. { كأنهم } من بياضهم وصفائهم { لؤلؤ مكنون } مصوف في الصدف لأنه حينئذ يكون أصفى وأبهى، أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمن الغالي القيمة. قيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم ". { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله، وما استحق به نيل ما عند الله، فكل بعض سائر ومسؤول. { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { إنا كنا قبل في أهلنا } أي: في الدنيا { مشفقين } أرقاء القلوب من خشية الله، أو: خائفين من نزع الإيمان وفوت الأمان، أو: من رد الحسنات وأخذ بالسيئات، أو: واجلين من العاقبة، { فمن الله علينا } بالمغفرة والرحمة { ووقانا عذاب السموم } وهي الريح الحارة، التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة. { إنا كنا قبل } أي: من قبل لقاء الله والمصير إليه - يعنون: في الدنيا: { ندعوه } نعبده ولا نعبد غيره، أو نسأله الوقاية، { إنه هو البر } المحسن { الرحيم } الكثير الرحمة، الذي إذا عبد أثاب، وإذا سئل أجاب، وقرأ نافع والكسائي بالفتح، أي: لأنه، أو بأنه. الإشارة: ويطوف على قلوبهم علوم وهبية، وحكم غيبية، تزهو على اليواقيت المكنونة. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: كيف سلكوا طريق الوصول، وكيف كانت مجاهدة كل واحد ومسيره إلى الله، إما تحدثا بالنعم، أو: للاقتداء بهم، وفي الحكم: " عبارتهم إما لفيضان وجد أو: لهداية مريد ". إنا كنا قبل الوصول في أهلنا، أي: في عالم الإنسانية مشفقين من الانقطاع والرجوع، خائفين من سموم صفات البهيمية والشيطانية، والشهوات الدنيوية، فإنها تهب بسموم قهر الحق، قهر بها جل عباده فانقطعوا عنه، فمن الله علينا، ووصلنا بما منه إلينا، لا بما منا إليه، ووقانا عذاب السموم، وهو الحرص والجزع، والانقطاع عن الحبيب، ولولا فضله ما تخلصنا منه، إنا كنا من قبل الوصول ندعوه أن يأخذ بأيدينا، ويجذبنا إلى حضرته، ويرحمنا بالوصول، ويبر بنا، إنه هو البر بمزيده، الرحيم بمن ينيب إليه. ثم أمر نبيه باستمراره على ما أمره به من التذكير فيما سلف، فقال: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك }.

الطور 52:28

يقول الحق جل جلاله: { ويطوف عليهم } أي: بالكأس أو: في شأن الخدمة كلها { غلمان لهم } أي: مماليك مخصصون بهم، قيل: أولاد الكفار الذين ماتوا صغارا، وقيل: توجدهم القدرة من الغيب، وفي الحديث: " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه، فيجيبه ألف، كلهم يناديه: لبيك لبيك " قلت: هذا في مقام أهل اليمين، وأما المقربون فإذا اهتموا بشيء حضر، بغلام أو بغير غلام، من غير احتياج إلى نداء، وقال ابن عمر رضي الله عنه: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، كل غلام على عمل ما عليه صاحبه. { كأنهم } من بياضهم وصفائهم { لؤلؤ مكنون } مصوف في الصدف لأنه حينئذ يكون أصفى وأبهى، أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمن الغالي القيمة. قيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم ". { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله، وما استحق به نيل ما عند الله، فكل بعض سائر ومسؤول. { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { قالوا } أي: المسؤولون في جوابهم، وهم كل واحد منهم في الحقيقة: { إنا كنا قبل في أهلنا } أي: في الدنيا { مشفقين } أرقاء القلوب من خشية الله، أو: خائفين من نزع الإيمان وفوت الأمان، أو: من رد الحسنات وأخذ بالسيئات، أو: واجلين من العاقبة، { فمن الله علينا } بالمغفرة والرحمة { ووقانا عذاب السموم } وهي الريح الحارة، التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة. { إنا كنا قبل } أي: من قبل لقاء الله والمصير إليه - يعنون: في الدنيا: { ندعوه } نعبده ولا نعبد غيره، أو نسأله الوقاية، { إنه هو البر } المحسن { الرحيم } الكثير الرحمة، الذي إذا عبد أثاب، وإذا سئل أجاب، وقرأ نافع والكسائي بالفتح، أي: لأنه، أو بأنه. الإشارة: ويطوف على قلوبهم علوم وهبية، وحكم غيبية، تزهو على اليواقيت المكنونة. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: كيف سلكوا طريق الوصول، وكيف كانت مجاهدة كل واحد ومسيره إلى الله، إما تحدثا بالنعم، أو: للاقتداء بهم، وفي الحكم: " عبارتهم إما لفيضان وجد أو: لهداية مريد ". إنا كنا قبل الوصول في أهلنا، أي: في عالم الإنسانية مشفقين من الانقطاع والرجوع، خائفين من سموم صفات البهيمية والشيطانية، والشهوات الدنيوية، فإنها تهب بسموم قهر الحق، قهر بها جل عباده فانقطعوا عنه، فمن الله علينا، ووصلنا بما منه إلينا، لا بما منا إليه، ووقانا عذاب السموم، وهو الحرص والجزع، والانقطاع عن الحبيب، ولولا فضله ما تخلصنا منه، إنا كنا من قبل الوصول ندعوه أن يأخذ بأيدينا، ويجذبنا إلى حضرته، ويرحمنا بالوصول، ويبر بنا، إنه هو البر بمزيده، الرحيم بمن ينيب إليه. ثم أمر نبيه باستمراره على ما أمره به من التذكير فيما سلف، فقال: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك }.

الطور 52:29

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:30

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:31

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:32

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:33

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:34

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:35

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:36

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:37

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:38

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:39

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:40

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:41

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:42

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:43

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } أي: فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، { فما أنت بنعمت ربك } أي: بحمده وإنعامه عليك بالنبوة ورجاحة العقل { بكاهن ولا مجنون } كما زعموا، قاتلهم الله أنى يؤفكون، { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به نوائب الزمان حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله، زهير والنابغة. و " أم " في هذه الآي منقطعة بمعنى " بل ". { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. وفيه عدة كريمة بإهلاكهم، وقد جرب أن من تربص موت أحد لينال رئاسته، أو ما عنده، لا يموت إلا قبله. { أم تأمرهم أحلامهم } أي: عقولهم { بهذا } التناقض في المقالات، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله، مختل فكره، والشاعر يقول ما لا يفعل، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة، { أم هم قوم طاغون } يجازون الحدود في المكابرة والعناد، ولا يحومون حول الرشد والسداد. وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز. { أم يقولون تقوله } اختلقته من تلقاء نفسه، { بل لا يؤمنون } رد عليهم، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل، التي لا يخفى بطلانها على أحد، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، { فليأتوا بحديث مثله } أي: مثل القرآن في البلاغة والإعجاز { إن كانوا صادقين } في أن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لأنه بلغاتهم، وهم فصحاء، مشاركون له صلى الله عليه وسلم في العربية والبلاغة، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المقاولة للنظم والثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم. { أم خلقوا من غير شيء } أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع، الذي عليه فطرتهم، من غير محدث ومقدر. أو: أم خلقوا من غير شيء من الحكمة، بأن خلقوا عبثا، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب؟ { أم هم الخالقون } الموجدون لأنفسهم؟ فيلزم عليه الدور، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها، { أم خلقوا السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بل لا يوقنون } لا يتدبرون في الآيات، فيعلمون خالقهم، وخالق السموات والأرض، فيفردونه بالعبادة. { أم عندهم خزائن ربك } من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا بما شاؤوا من شاؤوا، { أم هم المصيطرون } أي: الأرباب الغالبون، المسلطون على الأمور يدبرونها كيف شاؤوا، حتى يدبروا أمر الربوبية، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم. وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل. { أم لهم سلم } منصوب يرتقون به إلى السماء، { يستمعون فيه } كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق، وما عليه غيرهم باطل، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوهون بها رجما بالغيب، ويعلقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلى الله عليه وسلم قبلهم، وانفرادهم بالرئاسة. و " في ": سببية، أي: يستمعون بسبب حصولهم فيه، أو: ضمن " يستمعون " يعرجون. وقال الزجاج: { يستمعون فيه } أي: عليه، { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } بحجة واضحة، تصدق استماع مستمعهم. ثم سفه أحلامهم بقوله: { أم له البنات ولكم البنون } حيث اختاروا لله ما يكروهون وهم حكماء في زعمهم، { أم تسألهم أجرا } على التبليغ والإنذار { فهم } لأجل ذلك { من مغرم مثقلون } أي: من التزام غرامة فادحة محملون الثقل، فلذلك لا يتبعونك. والمغرم: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه. { أم عندهم الغيب } أي: اللوح المحفوظ، المكتوب فيه الغيوب، { فهم يكتبون } ما فيه، حتى يتكلمون في ذلك بنفي أو إثبات. { أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، { فالذين كفروا } وهم المذكورون، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، أي: ف { هم المكيدون } الذين يحيق بهم كيدهم، ويعود عليه وباله، لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر وغيره. { أم لهم إله غير الله } يمنعهم من عذابه، { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها له عن إشراكهم، أو: عن شركة ما يشركونه به. وحاصل ما ذكر الحق وتعالى من الإضرابات: أحد عشر، ثمانية طعنوا بها في جانب النبوة، وثلاثة في جانب الربوبية، وهو قوله: { أم خلقوا من غير شيء } ، { أم خلقوا السماوات والأرض } ، { أم لهم إله غير الله } ذكرها الحق تعالى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كما طعنوا في جنابك طعنوا في جانبي، فاصبر حتى نأخذهم. الإشارة: فذكر أيها الخليفة للرسول، فما أنت بحمد الله بكاهن ولا مجنون، وإن رموك بشيء من ذلك. قال القشيري: قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم بريء من الكهانة والجنون، ولكنهم قالوه على جهة الاشتفاء، كالسفيه إذا بسط لسانه فيمن يشنأه، بما يعلم أنه بريء مما يقوله. ه. وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية، سنة ماضية.قال القشيري: طبع الإنسان متنفرة من حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا والحظوظ، لا يمكن الخروج منها إلا بجهد جهيد، على قانون الشريعة، ومتابعة الرسول عليه السلام وخلفائه، وهم العلماء الربانيون، الراسخون في العلم بالله، من المشايخ المسلكين في كل زمان، والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب، ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة، والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الأمن. كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب، وحسن الإرادة المنتجة من بذر { يحبهم ويحبونه } وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { قل تربصوا... } الآية، قال القشيري: ولا ينبغي لأحد أن يتمنى نفاق سوقه بموت أحد، لتنتهي النوبة إليه، قل ما تكون هذه صفته إلا سبقته منيته، ولا يدرك ما تمناه. ه. وقال في مختصره: الآية تشير إلى التصبر في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله، والتوكل على الله فيما يجري على يد عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. ه. وقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذا }... إلى قوله: { عما يشركون } هذه صفة أهل الانتقاد على أهل الخصوصية في كل زمان، وهي تدل على غاية حمقهم وسفههم، نجانا الله من جميع ذلك. ثم هددهم بعد تبيين عنادهم، فقال: { وإن يروا كسفا من السمآء }.

الطور 52:44

يقول الحق جل جلاله: { وإن يروا كسفا } قطعة { من السماء ساقطا } عليهم لتعذيبهم، { يقولوا } من فرط طغيانهم وعنادهم: هذا { سحاب مركوم } أي: تراكم بعضها على بعض لمطرنا، ولم يصدقوا أنه ساقط عليهم لعذابهم، يعني: أنهم بلغوا في الطغيان بحث لو أسقطناه عليهم حسبنا قالوا: أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا [الإسراء: 92] لعاندوا وقالوا سحاب مركوم. { فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون } ، وهو اليوم الذي صعقوا فيه بالتقل يوم بدر، لا عند النفخة الأولى، كما قيل إذ لا يصعق بها إلا من كان حيا حينئذ. وقرأ عاصم والشامي بضم الياء، يقال: صعقه، فصعق، أو: من أصعقه. { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } من الإغناء، بدل من " يومهم " ولا يخفى أن التعرض لبيان عدم نفع كيدهم يستدعي استعمالهم له في الانتفاع به، وليس ذلك إلا ما دبروه في أمره صلى الله عليه وسلم من الكيد يوم بدر، من مناشبتهم القتال، وقصد قتله خفية، وليس يجري في نفخة الصعق شيء من الكيد والحيل، فلا يليق حمله عليه. { ولا هم ينصرون } من جهة الغير في دفع العذاب عنهم. { وإن للذين ظلموا } أي: لهم، ووضع الموصول موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم، أي: وإن لهؤلاء الظلمة { عذابا } آخر { دون ذلك } دون ما لاقوه من القتل، أي: قبله، وهو القحط الذي أصابهم، حتى أكلوا الجلود الميتة. أو: وإن لهم عذابا دون ذلك، أي: وراءه، وهو عذاب القبر وما بعده من فنون عذاب الآخرة. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كما ذكر، وفيه إشارة إلى أن فيهم من يعلم ذلك، وإنما يصر على ذلك عنادا: أو لا يعلمون شيئا أصلا إذ هم جاهلية جهلاء. الإشارة: أهل الحسد والعناد لا ينفعهم ما يرونه من المعجزات والكرامات، أو الحسد يغطي نور البصيرة، فذرهم في غفلتهم وحيرتهم، وكثافة حجابهم، حتى يصعقوا بالموت فيعرفون الحق، حين لا تنفع المعرفة فيقع الندم والتحسر، وإن لهم عذابا دون ذلك، وهو عيشهم في الدنيا عيش ضنك في هم وغم وجزع وهلع، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك لأنهم لا يرون إلا من هو مثلهم. ومن توسعت دائرة معرفته، فعاش في روح وريحان، فهو غائب عنهم، لا يعرفون مقامه، ولا منزلته. ثم أمر بالصبر، الذي هو عنوان الظفر بكل مطلوب، فقال: { واصبر لحكم ربك }.

الطور 52:45

يقول الحق جل جلاله: { وإن يروا كسفا } قطعة { من السماء ساقطا } عليهم لتعذيبهم، { يقولوا } من فرط طغيانهم وعنادهم: هذا { سحاب مركوم } أي: تراكم بعضها على بعض لمطرنا، ولم يصدقوا أنه ساقط عليهم لعذابهم، يعني: أنهم بلغوا في الطغيان بحث لو أسقطناه عليهم حسبنا قالوا: أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا [الإسراء: 92] لعاندوا وقالوا سحاب مركوم. { فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون } ، وهو اليوم الذي صعقوا فيه بالتقل يوم بدر، لا عند النفخة الأولى، كما قيل إذ لا يصعق بها إلا من كان حيا حينئذ. وقرأ عاصم والشامي بضم الياء، يقال: صعقه، فصعق، أو: من أصعقه. { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } من الإغناء، بدل من " يومهم " ولا يخفى أن التعرض لبيان عدم نفع كيدهم يستدعي استعمالهم له في الانتفاع به، وليس ذلك إلا ما دبروه في أمره صلى الله عليه وسلم من الكيد يوم بدر، من مناشبتهم القتال، وقصد قتله خفية، وليس يجري في نفخة الصعق شيء من الكيد والحيل، فلا يليق حمله عليه. { ولا هم ينصرون } من جهة الغير في دفع العذاب عنهم. { وإن للذين ظلموا } أي: لهم، ووضع الموصول موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم، أي: وإن لهؤلاء الظلمة { عذابا } آخر { دون ذلك } دون ما لاقوه من القتل، أي: قبله، وهو القحط الذي أصابهم، حتى أكلوا الجلود الميتة. أو: وإن لهم عذابا دون ذلك، أي: وراءه، وهو عذاب القبر وما بعده من فنون عذاب الآخرة. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كما ذكر، وفيه إشارة إلى أن فيهم من يعلم ذلك، وإنما يصر على ذلك عنادا: أو لا يعلمون شيئا أصلا إذ هم جاهلية جهلاء. الإشارة: أهل الحسد والعناد لا ينفعهم ما يرونه من المعجزات والكرامات، أو الحسد يغطي نور البصيرة، فذرهم في غفلتهم وحيرتهم، وكثافة حجابهم، حتى يصعقوا بالموت فيعرفون الحق، حين لا تنفع المعرفة فيقع الندم والتحسر، وإن لهم عذابا دون ذلك، وهو عيشهم في الدنيا عيش ضنك في هم وغم وجزع وهلع، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك لأنهم لا يرون إلا من هو مثلهم. ومن توسعت دائرة معرفته، فعاش في روح وريحان، فهو غائب عنهم، لا يعرفون مقامه، ولا منزلته. ثم أمر بالصبر، الذي هو عنوان الظفر بكل مطلوب، فقال: { واصبر لحكم ربك }.

الطور 52:46

يقول الحق جل جلاله: { وإن يروا كسفا } قطعة { من السماء ساقطا } عليهم لتعذيبهم، { يقولوا } من فرط طغيانهم وعنادهم: هذا { سحاب مركوم } أي: تراكم بعضها على بعض لمطرنا، ولم يصدقوا أنه ساقط عليهم لعذابهم، يعني: أنهم بلغوا في الطغيان بحث لو أسقطناه عليهم حسبنا قالوا: أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا [الإسراء: 92] لعاندوا وقالوا سحاب مركوم. { فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون } ، وهو اليوم الذي صعقوا فيه بالتقل يوم بدر، لا عند النفخة الأولى، كما قيل إذ لا يصعق بها إلا من كان حيا حينئذ. وقرأ عاصم والشامي بضم الياء، يقال: صعقه، فصعق، أو: من أصعقه. { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } من الإغناء، بدل من " يومهم " ولا يخفى أن التعرض لبيان عدم نفع كيدهم يستدعي استعمالهم له في الانتفاع به، وليس ذلك إلا ما دبروه في أمره صلى الله عليه وسلم من الكيد يوم بدر، من مناشبتهم القتال، وقصد قتله خفية، وليس يجري في نفخة الصعق شيء من الكيد والحيل، فلا يليق حمله عليه. { ولا هم ينصرون } من جهة الغير في دفع العذاب عنهم. { وإن للذين ظلموا } أي: لهم، ووضع الموصول موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم، أي: وإن لهؤلاء الظلمة { عذابا } آخر { دون ذلك } دون ما لاقوه من القتل، أي: قبله، وهو القحط الذي أصابهم، حتى أكلوا الجلود الميتة. أو: وإن لهم عذابا دون ذلك، أي: وراءه، وهو عذاب القبر وما بعده من فنون عذاب الآخرة. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كما ذكر، وفيه إشارة إلى أن فيهم من يعلم ذلك، وإنما يصر على ذلك عنادا: أو لا يعلمون شيئا أصلا إذ هم جاهلية جهلاء. الإشارة: أهل الحسد والعناد لا ينفعهم ما يرونه من المعجزات والكرامات، أو الحسد يغطي نور البصيرة، فذرهم في غفلتهم وحيرتهم، وكثافة حجابهم، حتى يصعقوا بالموت فيعرفون الحق، حين لا تنفع المعرفة فيقع الندم والتحسر، وإن لهم عذابا دون ذلك، وهو عيشهم في الدنيا عيش ضنك في هم وغم وجزع وهلع، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك لأنهم لا يرون إلا من هو مثلهم. ومن توسعت دائرة معرفته، فعاش في روح وريحان، فهو غائب عنهم، لا يعرفون مقامه، ولا منزلته. ثم أمر بالصبر، الذي هو عنوان الظفر بكل مطلوب، فقال: { واصبر لحكم ربك }.

الطور 52:47

يقول الحق جل جلاله: { وإن يروا كسفا } قطعة { من السماء ساقطا } عليهم لتعذيبهم، { يقولوا } من فرط طغيانهم وعنادهم: هذا { سحاب مركوم } أي: تراكم بعضها على بعض لمطرنا، ولم يصدقوا أنه ساقط عليهم لعذابهم، يعني: أنهم بلغوا في الطغيان بحث لو أسقطناه عليهم حسبنا قالوا: أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا [الإسراء: 92] لعاندوا وقالوا سحاب مركوم. { فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون } ، وهو اليوم الذي صعقوا فيه بالتقل يوم بدر، لا عند النفخة الأولى، كما قيل إذ لا يصعق بها إلا من كان حيا حينئذ. وقرأ عاصم والشامي بضم الياء، يقال: صعقه، فصعق، أو: من أصعقه. { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } من الإغناء، بدل من " يومهم " ولا يخفى أن التعرض لبيان عدم نفع كيدهم يستدعي استعمالهم له في الانتفاع به، وليس ذلك إلا ما دبروه في أمره صلى الله عليه وسلم من الكيد يوم بدر، من مناشبتهم القتال، وقصد قتله خفية، وليس يجري في نفخة الصعق شيء من الكيد والحيل، فلا يليق حمله عليه. { ولا هم ينصرون } من جهة الغير في دفع العذاب عنهم. { وإن للذين ظلموا } أي: لهم، ووضع الموصول موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم، أي: وإن لهؤلاء الظلمة { عذابا } آخر { دون ذلك } دون ما لاقوه من القتل، أي: قبله، وهو القحط الذي أصابهم، حتى أكلوا الجلود الميتة. أو: وإن لهم عذابا دون ذلك، أي: وراءه، وهو عذاب القبر وما بعده من فنون عذاب الآخرة. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كما ذكر، وفيه إشارة إلى أن فيهم من يعلم ذلك، وإنما يصر على ذلك عنادا: أو لا يعلمون شيئا أصلا إذ هم جاهلية جهلاء. الإشارة: أهل الحسد والعناد لا ينفعهم ما يرونه من المعجزات والكرامات، أو الحسد يغطي نور البصيرة، فذرهم في غفلتهم وحيرتهم، وكثافة حجابهم، حتى يصعقوا بالموت فيعرفون الحق، حين لا تنفع المعرفة فيقع الندم والتحسر، وإن لهم عذابا دون ذلك، وهو عيشهم في الدنيا عيش ضنك في هم وغم وجزع وهلع، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك لأنهم لا يرون إلا من هو مثلهم. ومن توسعت دائرة معرفته، فعاش في روح وريحان، فهو غائب عنهم، لا يعرفون مقامه، ولا منزلته. ثم أمر بالصبر، الذي هو عنوان الظفر بكل مطلوب، فقال: { واصبر لحكم ربك }.

الطور 52:48

يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن كان على قدمه: { واصبر لحكم ربك } بإمهالهم إلى اليوم الموعود مع مقاساتك آذاهم، أو: واصبر لما حكم به عليك من شدائد الوقت، وإذاية الخلق، { فإنك بأعيننا } أي: حفظنا وحمايتنا، بحيث نراقبك ونكلؤك. والمراد بالحكم: القضاء السابق، أي: لما قضي به عليك، وفي إضافة الحكم إلى عنوان الربوبية تهييج على الصبر، وحل عليه، أي: إنما هو حكم سيدك الذي يربيك ويقوم بأمورك وحفظك، فما فيه إلا نفعك ورفعة قدرك. وجمع العين والضمير للإيذان بغاية الاعتناء بالحفظ والرعاية. { وسبح بحمد ربك } أي: نزهه ملتبسا بحمده على نعمائه الفائتة للحصر، { حين تقوم } أي: من أي مكان قمت، أو: من منامك. وقال سعيد بن جبير: حين تقوم من مجلسك تقوم: سبحانك اللهم وبحمدك. وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. ه. { ومن الليل فسبحه } أي: في بعض الليل وأفراده لأن العبادة فيه أشق على النفس، وأبعد من الرياء، كما يلوح به تقدميه على الفعل، والمراد إما الصلة في الليل، أو التسبيح باللسان سبحان الله وبحمده، { وإدبار النجوم } أي: وقت إدبارها، أي: غيبتها بضوء الصبح، والمراد: آخر الليل، وقيل: التسبيح من الليل: صلاة العشاء، وإدبار النجوم: صلاة الفجر. وقرأ زيد عن يعقوب بفتح الهمز، أي: أعقابها إذا غربت. الإشارة: في هذه تسلية لأهل البلاء والجلال، فإن من علم أن ما أصابه إنما هو حكم ربه، الذي يقوم به ويحفظه، وهو بمرئ منه ومسمع، لا يهوله ما نزل، بل يزيده غبطة وسرورا لعلمه بأنه ما أنزله به إلا لرفعة قدره، وتشحير ذهب نفسه، وقطع البقايا منه، فهو في الحقيقة نعمة لا نقمة، وفي الحكم: " من ظن انفكاك لطف الله عن قدره، فذلك لقصور نظره ". قال القشيري: أي: اصبر لما حكم به في الأزل، فإنه لا يتغير حكمنا الأول إن صبرت وإن لم تصبر، لكن إن صبرت على قضائي جزيت ثواب الصابرين بغير حساب، وفيه إشارة أخرى، أي: اصبر فإنك بأعيينا نعينك على الصبر لأحكامنا الأزلية، كما قال تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله [النحل: 127]. ه. وقيل المعنى: فإنك من جملة أعيننا، وأعيان الحق الكمل من الأنبياء، والرسل، والملائكة، وأكابر أوليائه، فإنهم أعيان تجلياته، ولذلك الإشارة بقوله عمر رضي الله عنه في شأن علي - كرم الله وجهه - حين ضرب شخصا فشكاه: " أصابته عين من عيون الله " ، وذلك لما تمكنوا من سر الحقيقة، صاروا عين العين. ومن ذلك قولهم: ليس الشأن أن تعرف الاسم، إنما الشأن أن تكون عين الاسم، أي: عين المسمى، وهو سر التصرف بالهوية عند التمكين فيها، وتمكن غيبة الشهود في الملك المعبود، وقوله تعالى: { وسبح بحمد ربك... } الخ، فيه إشارة إلى مداومة الذكر، والاستغراق فيه، ودوام التنزيه لله تعالى عن رؤية شيء معه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الطور 52:49

يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن كان على قدمه: { واصبر لحكم ربك } بإمهالهم إلى اليوم الموعود مع مقاساتك آذاهم، أو: واصبر لما حكم به عليك من شدائد الوقت، وإذاية الخلق، { فإنك بأعيننا } أي: حفظنا وحمايتنا، بحيث نراقبك ونكلؤك. والمراد بالحكم: القضاء السابق، أي: لما قضي به عليك، وفي إضافة الحكم إلى عنوان الربوبية تهييج على الصبر، وحل عليه، أي: إنما هو حكم سيدك الذي يربيك ويقوم بأمورك وحفظك، فما فيه إلا نفعك ورفعة قدرك. وجمع العين والضمير للإيذان بغاية الاعتناء بالحفظ والرعاية. { وسبح بحمد ربك } أي: نزهه ملتبسا بحمده على نعمائه الفائتة للحصر، { حين تقوم } أي: من أي مكان قمت، أو: من منامك. وقال سعيد بن جبير: حين تقوم من مجلسك تقوم: سبحانك اللهم وبحمدك. وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. ه. { ومن الليل فسبحه } أي: في بعض الليل وأفراده لأن العبادة فيه أشق على النفس، وأبعد من الرياء، كما يلوح به تقدميه على الفعل، والمراد إما الصلة في الليل، أو التسبيح باللسان سبحان الله وبحمده، { وإدبار النجوم } أي: وقت إدبارها، أي: غيبتها بضوء الصبح، والمراد: آخر الليل، وقيل: التسبيح من الليل: صلاة العشاء، وإدبار النجوم: صلاة الفجر. وقرأ زيد عن يعقوب بفتح الهمز، أي: أعقابها إذا غربت. الإشارة: في هذه تسلية لأهل البلاء والجلال، فإن من علم أن ما أصابه إنما هو حكم ربه، الذي يقوم به ويحفظه، وهو بمرئ منه ومسمع، لا يهوله ما نزل، بل يزيده غبطة وسرورا لعلمه بأنه ما أنزله به إلا لرفعة قدره، وتشحير ذهب نفسه، وقطع البقايا منه، فهو في الحقيقة نعمة لا نقمة، وفي الحكم: " من ظن انفكاك لطف الله عن قدره، فذلك لقصور نظره ". قال القشيري: أي: اصبر لما حكم به في الأزل، فإنه لا يتغير حكمنا الأول إن صبرت وإن لم تصبر، لكن إن صبرت على قضائي جزيت ثواب الصابرين بغير حساب، وفيه إشارة أخرى، أي: اصبر فإنك بأعيينا نعينك على الصبر لأحكامنا الأزلية، كما قال تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله [النحل: 127]. ه. وقيل المعنى: فإنك من جملة أعيننا، وأعيان الحق الكمل من الأنبياء، والرسل، والملائكة، وأكابر أوليائه، فإنهم أعيان تجلياته، ولذلك الإشارة بقوله عمر رضي الله عنه في شأن علي - كرم الله وجهه - حين ضرب شخصا فشكاه: " أصابته عين من عيون الله " ، وذلك لما تمكنوا من سر الحقيقة، صاروا عين العين. ومن ذلك قولهم: ليس الشأن أن تعرف الاسم، إنما الشأن أن تكون عين الاسم، أي: عين المسمى، وهو سر التصرف بالهوية عند التمكين فيها، وتمكن غيبة الشهود في الملك المعبود، وقوله تعالى: { وسبح بحمد ربك... } الخ، فيه إشارة إلى مداومة الذكر، والاستغراق فيه، ودوام التنزيه لله تعالى عن رؤية شيء معه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:1

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:2

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:3

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:4

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:5

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:6

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:7

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:8

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:9

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:10

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:11

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:12

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:13

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:14

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:15

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:16

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:17

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:18

يقول الحق جل جلاله: { والنجم } أي: الثريا، أو: جنس النجم { إذا هوى } إذا غرب، أو: انتثر يوم القيامة، أو طلع، يقال: هوى هويا، بوزن " قيول " إذا غرب، وهوى هويا، بوزن دخول: إذا طلع. والعامل في { إذا } فعل القسم، أي: أقسم بالنجم وقت غروبه أو طلوعه. وجواب القسم: { ما ضل } عن قصد الحق { صاحبكم } أي: محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لقريش. { وما غوى } في اتباع الباطل، أو: ما اعتقد باطلا قط، أي: هو في غاية الهدى والرشد، وليس مما تتوهموه من الضلالة والغواية في شيء. فالضلال، نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، ومرجعهما لشيء واحد، وهو عدم اتباع طريق الحق. وقال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي والضلال، والفرق بينهما: أن الغي في مقابلة الرشد، والضلال أعم منه، والاسم من الغي: الغواية - بالفتح - والحاصل: أن الغي أقبح من الضلال، إذ لا يرجى فلاحه. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسلام - مما نفى عنه بالكلية، وباتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الهدى والرشد فإن كون صحبتهم له صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. وتقييد القسم بوقت الهوى لأن النجم لا يهتدي به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدي به، ولا يعرف المشرق من المغرب، ولا الشمال من الجنوب. ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا، { إن هو إلا وحي } من الله تعالى { يوحى } إليه، وهي صفة مؤكدة لوحي، لرفع المجاز، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليه السلام - ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحي، لا نطقا عن الهوى. { علمه شديد القوى } أي: ملك شديد قواه، وهو جبريل عليه السلام: فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى، وحملها على جناحه، ورفعاه إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة. { ذو مرة } أي: ذو خصابة في عقله، ورزانة ومتانة في دينه. وأصل المرة: الشدة، من مراير الحبل، وهو فتله فتلا شديدا، أو: ذو حسن في منظره، { فاستوى }: عطف على " علمه " بطريق التفسير، فإنه إلى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم، أو: فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه الله عليها، وكان صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، وسد الأرض من المغرب، وملأ الأفق، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في صورة الأدمي، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه. قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. { وهو } أي: جبريل { بالأفق الأعلى } أفق الشمس، أي: مطلعها، { ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم { فتدلى } أي: زاد في القرب، أو: استرسل من الأفق مع تعلق به. يقال: تدلت الشجرة، ودلى رجله من السرير، ودلى دلوه، والدوالي: الثمر المعلق. { فكان قاب قوسين } أي: مقدار قوسين عربيين. والقاب: المقدار. قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال مجاهد والحسن: من الوتر إلى العود في وسط القوس، أي: فكان بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، { أو أدنى } في تقديركم، كقوله: أو يزيدون [الصافات: 147] وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم، وهم يقولون: هذا مقدار قوسين أو أدنى. { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي: فأوحى الله تعالى إلى عبده بواسطة تجلي جبريل { ما أوحى } من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة، وقيل: أوحى إليه: " أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك " ويمكن حمل الآية على قصة المعراج، أي: { علمه شديد القوى } وهو الله تعالى، { ذو مرة } أي: شدة ومتانة، ومنه: أسمه " المتين " ، { فاستوى } بنوره أي: تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق، أي: العلو فتدلى ذلك النور { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي البخاري: " فدنا رب العزة دنو يليق بجلاله ومجده " ويرجع لتجليه لنبيه، وتنزله له، وتعرفه له، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسلام -: " سمع النداء من العلي الأعلى: أدن يا خير البرية، أدن يا محمد، فأدناني ربي حتى كنت كما قال تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } " قال القشيري: ويقال: كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. { ما كذب الفؤاد } أي: فؤاد محمد عليه السلام { ما رأى } أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية، أو: من نور الحق تعالى الذي تجلى له، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه، كما عرفه ببصره، وقيل: على إسقاط الخافض، أي: ما كذب القلب فيما رآه البصر، بل ما رآه ببصره حققه، وفي الحديث: سئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: " رأيت ربي بفؤادي مرتين " ، حديث آخر: " جعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي " ، يعني أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة، وجاء أيضا: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصرا، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله عليه السلام حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال " نوراني أراه " وفي رواية: " نور أنى أراه " ؟ بالاستفهام، وفي طريق آخر: " رأيت نورا " وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر: وليست تنال الذات من غير مظهر ولو هتك الإنسان من شدة الحرص وقال كعب لابن عباس: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ذلك إذا تجلى بنوره. الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره " { أفتمارونه } أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مري الناقة، وهو استخراج لبنها، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرئ في التواتر: " أفتمرونه " أي: أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: { على ما يرى } فعدى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقه: جحدته، وتعديته ب " على " على مذهب التضمين، والمعنى: أفتخاصمونه على ما يرى معانية، وحققه باطنا. { ولقد رآه } أي: رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، أو: رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام، { نزلة أخرى } مرة أخرى، والحاصل: أنه عليه السلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش، عند السدرة، وأما رؤيته عليه السلام لله تعالى في مظاهر الكائنات ففي كل حين، لا يغيب عنه طرفة عين. والنزلة: فعلة من النزول، نصب نصب الظرف الذي هو " مرة ". { عند سدرة المنتهى } الجمهور: أنها شجرة النبق في السماء السابعة، عن يمين العرش، وتسميتها المنتهى إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها، أو: لأنها لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد ما وراءها، أو: إليها ينتهي أرواح الخلائق، أو: أرواح الشهداء، وفي الحديث: " أنها شجرة يسير الراكب في ظلها ألف عام، لا يقطعها، والورقة منها تظل الأمة، وتمرها كالقلال الكبار ". { عندها جنة المأوى } أي: الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها، أو: تأوي إليها أرواح الشهداء والصديقين والأنبياء. قال ابن جزي: يعني أن الجنة التي وعد الله بها عباده هي عند سدرة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى، والأول أظهر وأشهر. ه. ويؤيده ما في الحديث: " إن النيل والفرات يخرجان من أصلها " وهما من الجنة، كما في الصحيح. { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف للرؤية، أي: لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها، مما لا يكتنهه الوصف، ولا يفي به البيان، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، استحضارا لصوتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: يزورونها متبركين بها، كما يزور الناس الكعبة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب. { ما زاغ البصر } أي: بصر محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي مكن من رؤيتها، { وما طغى } وما جاوز ما أمر برؤيته، { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: والله لقد رأى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. الإشارة: أقسم الله تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية، إن هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم بالله، وأشرقت عليه شمس الحقائق، لا يضل صاحبه ولا يغوى، وما ينطق عن الهوى لأنه مستغرق في شهود الحق، لا يتجلى فيه إلا الحق، { إن هو } أي: ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهي، علمه شديد القوى، وهو الوارد الرباني، ذو مرة وشدة لأنه من حضرة قهار، ولا يصادم شيئا إلا دفعه، فاستوى وهو بالأفق الإعلى على من سماء الغيوب، ثم دنا من القلب فتدلى، فكان من القلب قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله تعالى بواسطة ذلك الوارد إلى عبده ما أوحى من علوم الحقائق والأسرار، ومن مكاشفات غيوب الأقدار، ما كذب الفؤاد فيما رأى لأنه حق، لكن قهرية العبودية غيبت عنه تعيين وقت وقوعه. ولقد رآه، أي: رأى القلب أسرار ذات الحق، نزلة أخرى في عالم الجبروت، الخارج عن دائرة التجليات الكونية، وهي الأسرار اللطيفة، المحيطة في الأنوار الملكوتية والملكية، عند سدرة المنتهى، وهي شجرة القبضة المحمدية، التي انتهى إليها علم العلماء، وأرواح الشهداء، إذ لا يخرج عن دائرتها أفكار العارفين. عندها جنة المأوى التي يأوي إليها أفكار العارفين وأسرار الراسخين، إذا يغشى السدرة - أي: شجرة الكون - ما يغشى من الفناء والتلاشي عند سطوع شمس الحقائق، ما زاغ بصر البصيرة عن شهود تلك الأسرار، وما حجبه عنها أرض، ولا سماء، ولا عرش، ولا كرسي لتلطف تلك العوالم في نظر العارف، وما طغى: وما جاوز العبودية حتى يطمع في الإحاطة بعظمة كنه الربوبية، فإن الإحاطة لا تمكن، لا في هذه الدار، ولا في تلك الدار، بل يبقى الترقي في الكشوفات، والمزيد من حلاوة الشهود أبدا سرمدا، لقد رأى هذا القلب الصافي من عجائب ربه الكبرى، حيث وسع من لم تسعه أرضه ولا سماؤه. وقال الروتجبي بعد كلام: في هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه، إذ رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، ظن صلى الله عليه وسلم أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون - أي: في مظهر الكون - لكمال علمه بتنزيه الحق، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان، وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان عليهم كريم، فهذا منه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه. وحقيقة الإشارة: أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس، فلبس الأمر، وظهر المكر، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى، كما بان من شجرة العناب لموسى، ليعرفه حبيبه بكمال المعرفة، إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة، وبيان ذلك في قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } وأبهم ما غشيه لأن العقول لا تدرك حقائق ما يغشاها، وكيف يغشاها، والقدم منزه عن الحلول في الأماكن؟! كان ولا شجرة، وكانت الشجرة مرآه لظهوره سبحانه، ما ألطف ظهوره، لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به بعد عرفانهم به. ه. ولما فرغ من ذكر عظمة الله وكبريائه، ذكر حقارة من عبد من دونه، ترهيبا وترغيبا، فقال: { أفرأيتم اللات والعزى }.

النجم 53:19

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } أي: أخبروني عن هذه الأشياء التي تبعدونها من دون الله، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة، أم لا؟ واللات وما بعدها: أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة، من: لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء، على أنه اسم فاعل، اشتهر برجلا كان يلت السويق بالزيت، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفواعلى قبره يبعدونه. { والعزى } كانت لغفطان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شياطنة ناشرة شعرها، واضعة يدها على رأسها، وهي تولول، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تلك العزى، لن تعبد بعد اليوم أبدا ". { ومناة }: صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة، وقيل: بيت بالمشلل يعبدوه بنو كعب، وسميت مناة لأن دماء النسائك تمنى، أي: تراق عندها لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ بان كثير بالهمزة بعد الألف، مشتق من النوء لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها، تبركا بها، وقيل: سموا هذه الأصنام بأسماء الله، وأنثوها، كأنها بنات الله في زعمهم الفاسد، فاللات من " الله " ، كما قالوا: عمر وعمرة، وعباس وعباسة، فالتاء للتأنيث. والعزى: تأنيث العزيز، ومناة: تأنيث منان، فغير تخفيفا، ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عيهم: { ألكم الذكر وله الأنثى }. و { الأخرى }: صفة ذم لها، وهي المتأخرة الوضيعة القدر، كقوله: قالت أخراهم لأولاهم [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم، وقيل: وصفها بالوصفين لأنهم كانوا يعظمونها أكثر من اللات والعزى، والفاء في قوله: { أفرأيتم } للعطف على محذوف، وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: عقب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته، وأحكام قدرته، ونفوذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات الله، مع وأدكم البنات، وكراهتكم لهن؟. { ألكم الذكر وله الأنثى } أي: أتحبون لكم الذكر وتنسبون له الأنثى كهذه الأصنام والملائكة؟ { تلك إذا قسمة ضيزى } أي: جائرة، من: ضازه يضيزه: إذا ظلمه، وصرح في القاموس بأنه مثلث الضاد ضيزى وضوزى وضازى، وهو هنا فعلى بالضم، من الضيز، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء، كما فعل في " بيض " ، فإن " فعلى " بالكسر لم تأت وصفا، وإنما هي من بناء الأسماء، كالشعرى والدفلى. وقال ابن هشام: فإن كانت فعلى صفة محضة وجب قلب الضمة كسرة، ولم يسمع من ذلك إلا " قسمة ضيزى " " ومشية حيكى " ،أي: يتحرك فيها المنكبان. ه. وقرأ المكي بالهمز، من: ضأزه: ظلمه، فهو مصدر نعت به. { إن هي } أي: هذه الأصنام { إلا أسماء } وليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون لها الألوهية، وهي أبعد شيء منها، { سميتموها } آلهة، أو: سميتم بها هذه الأصنام، واعتقدتم أنها آلهة، بمقتضى أهوائكم الباطلة، { أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها } بعبادتها { من سلطان } من حجة. { إن يتبعون } فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها { إلا الظن }: إلا توهم أن ما هم عليه حق، توهما باطلا، { وما تهوى الأنفس } أي: ما تشتهيه أنفسهم الأمارة، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } الرسول والكتاب فتركوه. { أم للإنسان ما تمنى }. " أم ": منقطعة، والهمزة للإنكار، أي: ليس للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة ونظائرها، كقول بعضهم: ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى [فصلت: 50]، وكتمني بعضهم أن يكون هو النبي، { فلله الآخرة والأولى } أي: الدنيا والآخرة، هو مالكهما والحاكم فيهما، يعطي الشفاعة والنبوة من شاء، لا من تمناها بمجرد الهوى، وهو تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى، فإن ختصاص أمور الآخرة والأولى به تعالى مقتض لانتفاء أن يكون للإنسان شيء مما تمنى إلا ان يشاء ويرضى. الإشارة: هذه الأصنام موجودة في كل إنسان، فاللات: حب اللذات والشهوات الجسمانية الفانية، فمن كان حريصا عليها، جامعا لأسبابها، فهو عابد لها، والعزى: حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية، فمن طلبها فهو عبد لها، ومناة: تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة، وطول الأمل فيها، وكراهية الموت، فمن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا، كاره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر } حيث تحبون ما هو كمال لأنفسكم، { وله الأنثى }؟ حيث جعلتم هذه الأشياء الحقيرة شريكة لله في استحقاق العبادة والمحبة، تلك إذا قسمة ضيزى جائرة، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل، تفنى ويبقى عليها العذاب والعتاب، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها، أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان، إن يتبعون في ابتاعها والحرص عليها إلا الظن، ظنوا أنها كانت مباحة في ظاهر الشرع لا تضر القلب ولا تحجبه عن شهود الرب، وهو رأي فاسد إذ ليس للقلب إلا وجهة واحدة، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن الله قطعا، وإن توجه لله أعرض عما سواه، وراجع ما تقدم في قوله: أذهبتم طيباتكم [الأحقاف: 20] الآية. ويتبعون أيضا ما تهوى الأنفس الأمارة لأنها لا تهوى إلا ما فيه حظها وهواها، ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أي: من يهدي إلى طريق السلوك، بقطع العلائق النفسانية والقلبية، وهم خلفاء الرسول عليه السلام، الدعوان إلى الله، من شيوخ التربية في كل زمان، أم للإنسان ما تمنى، ليس له ما يتمنى إلا بسابق العناية، فلا يدرك العبد من الدنيا والآخرة، ومن الله تعالى، إلا ما سبق به القدر، كما قال الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فلله الآخرة والأولى، قال القشيري: يشير إلى قهرمانية الحق تعالى على العالم كله، ملكه وملكوته، الأخروي والدنيوي، فلا يملك الإنسان من أمر الدارين شيئا، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى، المتقضية لموجبات حصول الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، يهبه باسمه الواهب لمن شاء أن يكون مظهرا للطفه وجماله، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى، المقتضية لأسباب حصول الدنيا، من حب الدنيا الدنية، المنتجة للخطيئة ومتابعة النفس الخبيثة، وموافقة الطبيعة اللئيمة، باسمه المقسط، لمن شاء أن يكون مظهر قهره وجلاله، وليس ذلك يزيد في ملكه، ولا هذا ينقص من ملكه، وكلتا يديه ملأى سحاء، أي: فياضة. ه. ثم نفى الشفاعة عمن يستحقها من الملائكة الكرام، فضلا عمن لا يستحقها من الأصنام اللئام، فقال: { وكم من ملك في السماوات }.

النجم 53:20

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } أي: أخبروني عن هذه الأشياء التي تبعدونها من دون الله، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة، أم لا؟ واللات وما بعدها: أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة، من: لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء، على أنه اسم فاعل، اشتهر برجلا كان يلت السويق بالزيت، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفواعلى قبره يبعدونه. { والعزى } كانت لغفطان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شياطنة ناشرة شعرها، واضعة يدها على رأسها، وهي تولول، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تلك العزى، لن تعبد بعد اليوم أبدا ". { ومناة }: صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة، وقيل: بيت بالمشلل يعبدوه بنو كعب، وسميت مناة لأن دماء النسائك تمنى، أي: تراق عندها لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ بان كثير بالهمزة بعد الألف، مشتق من النوء لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها، تبركا بها، وقيل: سموا هذه الأصنام بأسماء الله، وأنثوها، كأنها بنات الله في زعمهم الفاسد، فاللات من " الله " ، كما قالوا: عمر وعمرة، وعباس وعباسة، فالتاء للتأنيث. والعزى: تأنيث العزيز، ومناة: تأنيث منان، فغير تخفيفا، ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عيهم: { ألكم الذكر وله الأنثى }. و { الأخرى }: صفة ذم لها، وهي المتأخرة الوضيعة القدر، كقوله: قالت أخراهم لأولاهم [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم، وقيل: وصفها بالوصفين لأنهم كانوا يعظمونها أكثر من اللات والعزى، والفاء في قوله: { أفرأيتم } للعطف على محذوف، وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: عقب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته، وأحكام قدرته، ونفوذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات الله، مع وأدكم البنات، وكراهتكم لهن؟. { ألكم الذكر وله الأنثى } أي: أتحبون لكم الذكر وتنسبون له الأنثى كهذه الأصنام والملائكة؟ { تلك إذا قسمة ضيزى } أي: جائرة، من: ضازه يضيزه: إذا ظلمه، وصرح في القاموس بأنه مثلث الضاد ضيزى وضوزى وضازى، وهو هنا فعلى بالضم، من الضيز، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء، كما فعل في " بيض " ، فإن " فعلى " بالكسر لم تأت وصفا، وإنما هي من بناء الأسماء، كالشعرى والدفلى. وقال ابن هشام: فإن كانت فعلى صفة محضة وجب قلب الضمة كسرة، ولم يسمع من ذلك إلا " قسمة ضيزى " " ومشية حيكى " ،أي: يتحرك فيها المنكبان. ه. وقرأ المكي بالهمز، من: ضأزه: ظلمه، فهو مصدر نعت به. { إن هي } أي: هذه الأصنام { إلا أسماء } وليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون لها الألوهية، وهي أبعد شيء منها، { سميتموها } آلهة، أو: سميتم بها هذه الأصنام، واعتقدتم أنها آلهة، بمقتضى أهوائكم الباطلة، { أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها } بعبادتها { من سلطان } من حجة. { إن يتبعون } فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها { إلا الظن }: إلا توهم أن ما هم عليه حق، توهما باطلا، { وما تهوى الأنفس } أي: ما تشتهيه أنفسهم الأمارة، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } الرسول والكتاب فتركوه. { أم للإنسان ما تمنى }. " أم ": منقطعة، والهمزة للإنكار، أي: ليس للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة ونظائرها، كقول بعضهم: ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى [فصلت: 50]، وكتمني بعضهم أن يكون هو النبي، { فلله الآخرة والأولى } أي: الدنيا والآخرة، هو مالكهما والحاكم فيهما، يعطي الشفاعة والنبوة من شاء، لا من تمناها بمجرد الهوى، وهو تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى، فإن ختصاص أمور الآخرة والأولى به تعالى مقتض لانتفاء أن يكون للإنسان شيء مما تمنى إلا ان يشاء ويرضى. الإشارة: هذه الأصنام موجودة في كل إنسان، فاللات: حب اللذات والشهوات الجسمانية الفانية، فمن كان حريصا عليها، جامعا لأسبابها، فهو عابد لها، والعزى: حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية، فمن طلبها فهو عبد لها، ومناة: تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة، وطول الأمل فيها، وكراهية الموت، فمن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا، كاره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر } حيث تحبون ما هو كمال لأنفسكم، { وله الأنثى }؟ حيث جعلتم هذه الأشياء الحقيرة شريكة لله في استحقاق العبادة والمحبة، تلك إذا قسمة ضيزى جائرة، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل، تفنى ويبقى عليها العذاب والعتاب، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها، أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان، إن يتبعون في ابتاعها والحرص عليها إلا الظن، ظنوا أنها كانت مباحة في ظاهر الشرع لا تضر القلب ولا تحجبه عن شهود الرب، وهو رأي فاسد إذ ليس للقلب إلا وجهة واحدة، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن الله قطعا، وإن توجه لله أعرض عما سواه، وراجع ما تقدم في قوله: أذهبتم طيباتكم [الأحقاف: 20] الآية. ويتبعون أيضا ما تهوى الأنفس الأمارة لأنها لا تهوى إلا ما فيه حظها وهواها، ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أي: من يهدي إلى طريق السلوك، بقطع العلائق النفسانية والقلبية، وهم خلفاء الرسول عليه السلام، الدعوان إلى الله، من شيوخ التربية في كل زمان، أم للإنسان ما تمنى، ليس له ما يتمنى إلا بسابق العناية، فلا يدرك العبد من الدنيا والآخرة، ومن الله تعالى، إلا ما سبق به القدر، كما قال الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فلله الآخرة والأولى، قال القشيري: يشير إلى قهرمانية الحق تعالى على العالم كله، ملكه وملكوته، الأخروي والدنيوي، فلا يملك الإنسان من أمر الدارين شيئا، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى، المتقضية لموجبات حصول الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، يهبه باسمه الواهب لمن شاء أن يكون مظهرا للطفه وجماله، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى، المقتضية لأسباب حصول الدنيا، من حب الدنيا الدنية، المنتجة للخطيئة ومتابعة النفس الخبيثة، وموافقة الطبيعة اللئيمة، باسمه المقسط، لمن شاء أن يكون مظهر قهره وجلاله، وليس ذلك يزيد في ملكه، ولا هذا ينقص من ملكه، وكلتا يديه ملأى سحاء، أي: فياضة. ه. ثم نفى الشفاعة عمن يستحقها من الملائكة الكرام، فضلا عمن لا يستحقها من الأصنام اللئام، فقال: { وكم من ملك في السماوات }.

النجم 53:21

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } أي: أخبروني عن هذه الأشياء التي تبعدونها من دون الله، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة، أم لا؟ واللات وما بعدها: أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة، من: لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء، على أنه اسم فاعل، اشتهر برجلا كان يلت السويق بالزيت، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفواعلى قبره يبعدونه. { والعزى } كانت لغفطان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شياطنة ناشرة شعرها، واضعة يدها على رأسها، وهي تولول، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تلك العزى، لن تعبد بعد اليوم أبدا ". { ومناة }: صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة، وقيل: بيت بالمشلل يعبدوه بنو كعب، وسميت مناة لأن دماء النسائك تمنى، أي: تراق عندها لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ بان كثير بالهمزة بعد الألف، مشتق من النوء لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها، تبركا بها، وقيل: سموا هذه الأصنام بأسماء الله، وأنثوها، كأنها بنات الله في زعمهم الفاسد، فاللات من " الله " ، كما قالوا: عمر وعمرة، وعباس وعباسة، فالتاء للتأنيث. والعزى: تأنيث العزيز، ومناة: تأنيث منان، فغير تخفيفا، ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عيهم: { ألكم الذكر وله الأنثى }. و { الأخرى }: صفة ذم لها، وهي المتأخرة الوضيعة القدر، كقوله: قالت أخراهم لأولاهم [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم، وقيل: وصفها بالوصفين لأنهم كانوا يعظمونها أكثر من اللات والعزى، والفاء في قوله: { أفرأيتم } للعطف على محذوف، وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: عقب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته، وأحكام قدرته، ونفوذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات الله، مع وأدكم البنات، وكراهتكم لهن؟. { ألكم الذكر وله الأنثى } أي: أتحبون لكم الذكر وتنسبون له الأنثى كهذه الأصنام والملائكة؟ { تلك إذا قسمة ضيزى } أي: جائرة، من: ضازه يضيزه: إذا ظلمه، وصرح في القاموس بأنه مثلث الضاد ضيزى وضوزى وضازى، وهو هنا فعلى بالضم، من الضيز، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء، كما فعل في " بيض " ، فإن " فعلى " بالكسر لم تأت وصفا، وإنما هي من بناء الأسماء، كالشعرى والدفلى. وقال ابن هشام: فإن كانت فعلى صفة محضة وجب قلب الضمة كسرة، ولم يسمع من ذلك إلا " قسمة ضيزى " " ومشية حيكى " ،أي: يتحرك فيها المنكبان. ه. وقرأ المكي بالهمز، من: ضأزه: ظلمه، فهو مصدر نعت به. { إن هي } أي: هذه الأصنام { إلا أسماء } وليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون لها الألوهية، وهي أبعد شيء منها، { سميتموها } آلهة، أو: سميتم بها هذه الأصنام، واعتقدتم أنها آلهة، بمقتضى أهوائكم الباطلة، { أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها } بعبادتها { من سلطان } من حجة. { إن يتبعون } فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها { إلا الظن }: إلا توهم أن ما هم عليه حق، توهما باطلا، { وما تهوى الأنفس } أي: ما تشتهيه أنفسهم الأمارة، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } الرسول والكتاب فتركوه. { أم للإنسان ما تمنى }. " أم ": منقطعة، والهمزة للإنكار، أي: ليس للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة ونظائرها، كقول بعضهم: ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى [فصلت: 50]، وكتمني بعضهم أن يكون هو النبي، { فلله الآخرة والأولى } أي: الدنيا والآخرة، هو مالكهما والحاكم فيهما، يعطي الشفاعة والنبوة من شاء، لا من تمناها بمجرد الهوى، وهو تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى، فإن ختصاص أمور الآخرة والأولى به تعالى مقتض لانتفاء أن يكون للإنسان شيء مما تمنى إلا ان يشاء ويرضى. الإشارة: هذه الأصنام موجودة في كل إنسان، فاللات: حب اللذات والشهوات الجسمانية الفانية، فمن كان حريصا عليها، جامعا لأسبابها، فهو عابد لها، والعزى: حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية، فمن طلبها فهو عبد لها، ومناة: تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة، وطول الأمل فيها، وكراهية الموت، فمن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا، كاره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر } حيث تحبون ما هو كمال لأنفسكم، { وله الأنثى }؟ حيث جعلتم هذه الأشياء الحقيرة شريكة لله في استحقاق العبادة والمحبة، تلك إذا قسمة ضيزى جائرة، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل، تفنى ويبقى عليها العذاب والعتاب، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها، أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان، إن يتبعون في ابتاعها والحرص عليها إلا الظن، ظنوا أنها كانت مباحة في ظاهر الشرع لا تضر القلب ولا تحجبه عن شهود الرب، وهو رأي فاسد إذ ليس للقلب إلا وجهة واحدة، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن الله قطعا، وإن توجه لله أعرض عما سواه، وراجع ما تقدم في قوله: أذهبتم طيباتكم [الأحقاف: 20] الآية. ويتبعون أيضا ما تهوى الأنفس الأمارة لأنها لا تهوى إلا ما فيه حظها وهواها، ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أي: من يهدي إلى طريق السلوك، بقطع العلائق النفسانية والقلبية، وهم خلفاء الرسول عليه السلام، الدعوان إلى الله، من شيوخ التربية في كل زمان، أم للإنسان ما تمنى، ليس له ما يتمنى إلا بسابق العناية، فلا يدرك العبد من الدنيا والآخرة، ومن الله تعالى، إلا ما سبق به القدر، كما قال الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فلله الآخرة والأولى، قال القشيري: يشير إلى قهرمانية الحق تعالى على العالم كله، ملكه وملكوته، الأخروي والدنيوي، فلا يملك الإنسان من أمر الدارين شيئا، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى، المتقضية لموجبات حصول الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، يهبه باسمه الواهب لمن شاء أن يكون مظهرا للطفه وجماله، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى، المقتضية لأسباب حصول الدنيا، من حب الدنيا الدنية، المنتجة للخطيئة ومتابعة النفس الخبيثة، وموافقة الطبيعة اللئيمة، باسمه المقسط، لمن شاء أن يكون مظهر قهره وجلاله، وليس ذلك يزيد في ملكه، ولا هذا ينقص من ملكه، وكلتا يديه ملأى سحاء، أي: فياضة. ه. ثم نفى الشفاعة عمن يستحقها من الملائكة الكرام، فضلا عمن لا يستحقها من الأصنام اللئام، فقال: { وكم من ملك في السماوات }.

النجم 53:22

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } أي: أخبروني عن هذه الأشياء التي تبعدونها من دون الله، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة، أم لا؟ واللات وما بعدها: أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة، من: لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء، على أنه اسم فاعل، اشتهر برجلا كان يلت السويق بالزيت، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفواعلى قبره يبعدونه. { والعزى } كانت لغفطان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شياطنة ناشرة شعرها، واضعة يدها على رأسها، وهي تولول، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تلك العزى، لن تعبد بعد اليوم أبدا ". { ومناة }: صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة، وقيل: بيت بالمشلل يعبدوه بنو كعب، وسميت مناة لأن دماء النسائك تمنى، أي: تراق عندها لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ بان كثير بالهمزة بعد الألف، مشتق من النوء لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها، تبركا بها، وقيل: سموا هذه الأصنام بأسماء الله، وأنثوها، كأنها بنات الله في زعمهم الفاسد، فاللات من " الله " ، كما قالوا: عمر وعمرة، وعباس وعباسة، فالتاء للتأنيث. والعزى: تأنيث العزيز، ومناة: تأنيث منان، فغير تخفيفا، ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عيهم: { ألكم الذكر وله الأنثى }. و { الأخرى }: صفة ذم لها، وهي المتأخرة الوضيعة القدر، كقوله: قالت أخراهم لأولاهم [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم، وقيل: وصفها بالوصفين لأنهم كانوا يعظمونها أكثر من اللات والعزى، والفاء في قوله: { أفرأيتم } للعطف على محذوف، وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: عقب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته، وأحكام قدرته، ونفوذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات الله، مع وأدكم البنات، وكراهتكم لهن؟. { ألكم الذكر وله الأنثى } أي: أتحبون لكم الذكر وتنسبون له الأنثى كهذه الأصنام والملائكة؟ { تلك إذا قسمة ضيزى } أي: جائرة، من: ضازه يضيزه: إذا ظلمه، وصرح في القاموس بأنه مثلث الضاد ضيزى وضوزى وضازى، وهو هنا فعلى بالضم، من الضيز، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء، كما فعل في " بيض " ، فإن " فعلى " بالكسر لم تأت وصفا، وإنما هي من بناء الأسماء، كالشعرى والدفلى. وقال ابن هشام: فإن كانت فعلى صفة محضة وجب قلب الضمة كسرة، ولم يسمع من ذلك إلا " قسمة ضيزى " " ومشية حيكى " ،أي: يتحرك فيها المنكبان. ه. وقرأ المكي بالهمز، من: ضأزه: ظلمه، فهو مصدر نعت به. { إن هي } أي: هذه الأصنام { إلا أسماء } وليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون لها الألوهية، وهي أبعد شيء منها، { سميتموها } آلهة، أو: سميتم بها هذه الأصنام، واعتقدتم أنها آلهة، بمقتضى أهوائكم الباطلة، { أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها } بعبادتها { من سلطان } من حجة. { إن يتبعون } فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها { إلا الظن }: إلا توهم أن ما هم عليه حق، توهما باطلا، { وما تهوى الأنفس } أي: ما تشتهيه أنفسهم الأمارة، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } الرسول والكتاب فتركوه. { أم للإنسان ما تمنى }. " أم ": منقطعة، والهمزة للإنكار، أي: ليس للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة ونظائرها، كقول بعضهم: ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى [فصلت: 50]، وكتمني بعضهم أن يكون هو النبي، { فلله الآخرة والأولى } أي: الدنيا والآخرة، هو مالكهما والحاكم فيهما، يعطي الشفاعة والنبوة من شاء، لا من تمناها بمجرد الهوى، وهو تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى، فإن ختصاص أمور الآخرة والأولى به تعالى مقتض لانتفاء أن يكون للإنسان شيء مما تمنى إلا ان يشاء ويرضى. الإشارة: هذه الأصنام موجودة في كل إنسان، فاللات: حب اللذات والشهوات الجسمانية الفانية، فمن كان حريصا عليها، جامعا لأسبابها، فهو عابد لها، والعزى: حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية، فمن طلبها فهو عبد لها، ومناة: تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة، وطول الأمل فيها، وكراهية الموت، فمن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا، كاره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر } حيث تحبون ما هو كمال لأنفسكم، { وله الأنثى }؟ حيث جعلتم هذه الأشياء الحقيرة شريكة لله في استحقاق العبادة والمحبة، تلك إذا قسمة ضيزى جائرة، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل، تفنى ويبقى عليها العذاب والعتاب، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها، أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان، إن يتبعون في ابتاعها والحرص عليها إلا الظن، ظنوا أنها كانت مباحة في ظاهر الشرع لا تضر القلب ولا تحجبه عن شهود الرب، وهو رأي فاسد إذ ليس للقلب إلا وجهة واحدة، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن الله قطعا، وإن توجه لله أعرض عما سواه، وراجع ما تقدم في قوله: أذهبتم طيباتكم [الأحقاف: 20] الآية. ويتبعون أيضا ما تهوى الأنفس الأمارة لأنها لا تهوى إلا ما فيه حظها وهواها، ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أي: من يهدي إلى طريق السلوك، بقطع العلائق النفسانية والقلبية، وهم خلفاء الرسول عليه السلام، الدعوان إلى الله، من شيوخ التربية في كل زمان، أم للإنسان ما تمنى، ليس له ما يتمنى إلا بسابق العناية، فلا يدرك العبد من الدنيا والآخرة، ومن الله تعالى، إلا ما سبق به القدر، كما قال الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فلله الآخرة والأولى، قال القشيري: يشير إلى قهرمانية الحق تعالى على العالم كله، ملكه وملكوته، الأخروي والدنيوي، فلا يملك الإنسان من أمر الدارين شيئا، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى، المتقضية لموجبات حصول الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، يهبه باسمه الواهب لمن شاء أن يكون مظهرا للطفه وجماله، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى، المقتضية لأسباب حصول الدنيا، من حب الدنيا الدنية، المنتجة للخطيئة ومتابعة النفس الخبيثة، وموافقة الطبيعة اللئيمة، باسمه المقسط، لمن شاء أن يكون مظهر قهره وجلاله، وليس ذلك يزيد في ملكه، ولا هذا ينقص من ملكه، وكلتا يديه ملأى سحاء، أي: فياضة. ه. ثم نفى الشفاعة عمن يستحقها من الملائكة الكرام، فضلا عمن لا يستحقها من الأصنام اللئام، فقال: { وكم من ملك في السماوات }.

النجم 53:23

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } أي: أخبروني عن هذه الأشياء التي تبعدونها من دون الله، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة، أم لا؟ واللات وما بعدها: أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة، من: لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء، على أنه اسم فاعل، اشتهر برجلا كان يلت السويق بالزيت، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفواعلى قبره يبعدونه. { والعزى } كانت لغفطان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شياطنة ناشرة شعرها، واضعة يدها على رأسها، وهي تولول، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تلك العزى، لن تعبد بعد اليوم أبدا ". { ومناة }: صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة، وقيل: بيت بالمشلل يعبدوه بنو كعب، وسميت مناة لأن دماء النسائك تمنى، أي: تراق عندها لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ بان كثير بالهمزة بعد الألف، مشتق من النوء لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها، تبركا بها، وقيل: سموا هذه الأصنام بأسماء الله، وأنثوها، كأنها بنات الله في زعمهم الفاسد، فاللات من " الله " ، كما قالوا: عمر وعمرة، وعباس وعباسة، فالتاء للتأنيث. والعزى: تأنيث العزيز، ومناة: تأنيث منان، فغير تخفيفا، ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عيهم: { ألكم الذكر وله الأنثى }. و { الأخرى }: صفة ذم لها، وهي المتأخرة الوضيعة القدر، كقوله: قالت أخراهم لأولاهم [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم، وقيل: وصفها بالوصفين لأنهم كانوا يعظمونها أكثر من اللات والعزى، والفاء في قوله: { أفرأيتم } للعطف على محذوف، وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: عقب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته، وأحكام قدرته، ونفوذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات الله، مع وأدكم البنات، وكراهتكم لهن؟. { ألكم الذكر وله الأنثى } أي: أتحبون لكم الذكر وتنسبون له الأنثى كهذه الأصنام والملائكة؟ { تلك إذا قسمة ضيزى } أي: جائرة، من: ضازه يضيزه: إذا ظلمه، وصرح في القاموس بأنه مثلث الضاد ضيزى وضوزى وضازى، وهو هنا فعلى بالضم، من الضيز، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء، كما فعل في " بيض " ، فإن " فعلى " بالكسر لم تأت وصفا، وإنما هي من بناء الأسماء، كالشعرى والدفلى. وقال ابن هشام: فإن كانت فعلى صفة محضة وجب قلب الضمة كسرة، ولم يسمع من ذلك إلا " قسمة ضيزى " " ومشية حيكى " ،أي: يتحرك فيها المنكبان. ه. وقرأ المكي بالهمز، من: ضأزه: ظلمه، فهو مصدر نعت به. { إن هي } أي: هذه الأصنام { إلا أسماء } وليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون لها الألوهية، وهي أبعد شيء منها، { سميتموها } آلهة، أو: سميتم بها هذه الأصنام، واعتقدتم أنها آلهة، بمقتضى أهوائكم الباطلة، { أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها } بعبادتها { من سلطان } من حجة. { إن يتبعون } فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها { إلا الظن }: إلا توهم أن ما هم عليه حق، توهما باطلا، { وما تهوى الأنفس } أي: ما تشتهيه أنفسهم الأمارة، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } الرسول والكتاب فتركوه. { أم للإنسان ما تمنى }. " أم ": منقطعة، والهمزة للإنكار، أي: ليس للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة ونظائرها، كقول بعضهم: ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى [فصلت: 50]، وكتمني بعضهم أن يكون هو النبي، { فلله الآخرة والأولى } أي: الدنيا والآخرة، هو مالكهما والحاكم فيهما، يعطي الشفاعة والنبوة من شاء، لا من تمناها بمجرد الهوى، وهو تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى، فإن ختصاص أمور الآخرة والأولى به تعالى مقتض لانتفاء أن يكون للإنسان شيء مما تمنى إلا ان يشاء ويرضى. الإشارة: هذه الأصنام موجودة في كل إنسان، فاللات: حب اللذات والشهوات الجسمانية الفانية، فمن كان حريصا عليها، جامعا لأسبابها، فهو عابد لها، والعزى: حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية، فمن طلبها فهو عبد لها، ومناة: تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة، وطول الأمل فيها، وكراهية الموت، فمن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا، كاره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر } حيث تحبون ما هو كمال لأنفسكم، { وله الأنثى }؟ حيث جعلتم هذه الأشياء الحقيرة شريكة لله في استحقاق العبادة والمحبة، تلك إذا قسمة ضيزى جائرة، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل، تفنى ويبقى عليها العذاب والعتاب، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها، أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان، إن يتبعون في ابتاعها والحرص عليها إلا الظن، ظنوا أنها كانت مباحة في ظاهر الشرع لا تضر القلب ولا تحجبه عن شهود الرب، وهو رأي فاسد إذ ليس للقلب إلا وجهة واحدة، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن الله قطعا، وإن توجه لله أعرض عما سواه، وراجع ما تقدم في قوله: أذهبتم طيباتكم [الأحقاف: 20] الآية. ويتبعون أيضا ما تهوى الأنفس الأمارة لأنها لا تهوى إلا ما فيه حظها وهواها، ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أي: من يهدي إلى طريق السلوك، بقطع العلائق النفسانية والقلبية، وهم خلفاء الرسول عليه السلام، الدعوان إلى الله، من شيوخ التربية في كل زمان، أم للإنسان ما تمنى، ليس له ما يتمنى إلا بسابق العناية، فلا يدرك العبد من الدنيا والآخرة، ومن الله تعالى، إلا ما سبق به القدر، كما قال الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فلله الآخرة والأولى، قال القشيري: يشير إلى قهرمانية الحق تعالى على العالم كله، ملكه وملكوته، الأخروي والدنيوي، فلا يملك الإنسان من أمر الدارين شيئا، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى، المتقضية لموجبات حصول الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، يهبه باسمه الواهب لمن شاء أن يكون مظهرا للطفه وجماله، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى، المقتضية لأسباب حصول الدنيا، من حب الدنيا الدنية، المنتجة للخطيئة ومتابعة النفس الخبيثة، وموافقة الطبيعة اللئيمة، باسمه المقسط، لمن شاء أن يكون مظهر قهره وجلاله، وليس ذلك يزيد في ملكه، ولا هذا ينقص من ملكه، وكلتا يديه ملأى سحاء، أي: فياضة. ه. ثم نفى الشفاعة عمن يستحقها من الملائكة الكرام، فضلا عمن لا يستحقها من الأصنام اللئام، فقال: { وكم من ملك في السماوات }.

النجم 53:24

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } أي: أخبروني عن هذه الأشياء التي تبعدونها من دون الله، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة، أم لا؟ واللات وما بعدها: أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة، من: لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء، على أنه اسم فاعل، اشتهر برجلا كان يلت السويق بالزيت، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفواعلى قبره يبعدونه. { والعزى } كانت لغفطان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شياطنة ناشرة شعرها، واضعة يدها على رأسها، وهي تولول، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تلك العزى، لن تعبد بعد اليوم أبدا ". { ومناة }: صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة، وقيل: بيت بالمشلل يعبدوه بنو كعب، وسميت مناة لأن دماء النسائك تمنى، أي: تراق عندها لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ بان كثير بالهمزة بعد الألف، مشتق من النوء لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها، تبركا بها، وقيل: سموا هذه الأصنام بأسماء الله، وأنثوها، كأنها بنات الله في زعمهم الفاسد، فاللات من " الله " ، كما قالوا: عمر وعمرة، وعباس وعباسة، فالتاء للتأنيث. والعزى: تأنيث العزيز، ومناة: تأنيث منان، فغير تخفيفا، ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عيهم: { ألكم الذكر وله الأنثى }. و { الأخرى }: صفة ذم لها، وهي المتأخرة الوضيعة القدر، كقوله: قالت أخراهم لأولاهم [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم، وقيل: وصفها بالوصفين لأنهم كانوا يعظمونها أكثر من اللات والعزى، والفاء في قوله: { أفرأيتم } للعطف على محذوف، وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: عقب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته، وأحكام قدرته، ونفوذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات الله، مع وأدكم البنات، وكراهتكم لهن؟. { ألكم الذكر وله الأنثى } أي: أتحبون لكم الذكر وتنسبون له الأنثى كهذه الأصنام والملائكة؟ { تلك إذا قسمة ضيزى } أي: جائرة، من: ضازه يضيزه: إذا ظلمه، وصرح في القاموس بأنه مثلث الضاد ضيزى وضوزى وضازى، وهو هنا فعلى بالضم، من الضيز، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء، كما فعل في " بيض " ، فإن " فعلى " بالكسر لم تأت وصفا، وإنما هي من بناء الأسماء، كالشعرى والدفلى. وقال ابن هشام: فإن كانت فعلى صفة محضة وجب قلب الضمة كسرة، ولم يسمع من ذلك إلا " قسمة ضيزى " " ومشية حيكى " ،أي: يتحرك فيها المنكبان. ه. وقرأ المكي بالهمز، من: ضأزه: ظلمه، فهو مصدر نعت به. { إن هي } أي: هذه الأصنام { إلا أسماء } وليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون لها الألوهية، وهي أبعد شيء منها، { سميتموها } آلهة، أو: سميتم بها هذه الأصنام، واعتقدتم أنها آلهة، بمقتضى أهوائكم الباطلة، { أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها } بعبادتها { من سلطان } من حجة. { إن يتبعون } فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها { إلا الظن }: إلا توهم أن ما هم عليه حق، توهما باطلا، { وما تهوى الأنفس } أي: ما تشتهيه أنفسهم الأمارة، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } الرسول والكتاب فتركوه. { أم للإنسان ما تمنى }. " أم ": منقطعة، والهمزة للإنكار، أي: ليس للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة ونظائرها، كقول بعضهم: ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى [فصلت: 50]، وكتمني بعضهم أن يكون هو النبي، { فلله الآخرة والأولى } أي: الدنيا والآخرة، هو مالكهما والحاكم فيهما، يعطي الشفاعة والنبوة من شاء، لا من تمناها بمجرد الهوى، وهو تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى، فإن ختصاص أمور الآخرة والأولى به تعالى مقتض لانتفاء أن يكون للإنسان شيء مما تمنى إلا ان يشاء ويرضى. الإشارة: هذه الأصنام موجودة في كل إنسان، فاللات: حب اللذات والشهوات الجسمانية الفانية، فمن كان حريصا عليها، جامعا لأسبابها، فهو عابد لها، والعزى: حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية، فمن طلبها فهو عبد لها، ومناة: تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة، وطول الأمل فيها، وكراهية الموت، فمن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا، كاره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر } حيث تحبون ما هو كمال لأنفسكم، { وله الأنثى }؟ حيث جعلتم هذه الأشياء الحقيرة شريكة لله في استحقاق العبادة والمحبة، تلك إذا قسمة ضيزى جائرة، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل، تفنى ويبقى عليها العذاب والعتاب، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها، أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان، إن يتبعون في ابتاعها والحرص عليها إلا الظن، ظنوا أنها كانت مباحة في ظاهر الشرع لا تضر القلب ولا تحجبه عن شهود الرب، وهو رأي فاسد إذ ليس للقلب إلا وجهة واحدة، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن الله قطعا، وإن توجه لله أعرض عما سواه، وراجع ما تقدم في قوله: أذهبتم طيباتكم [الأحقاف: 20] الآية. ويتبعون أيضا ما تهوى الأنفس الأمارة لأنها لا تهوى إلا ما فيه حظها وهواها، ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أي: من يهدي إلى طريق السلوك، بقطع العلائق النفسانية والقلبية، وهم خلفاء الرسول عليه السلام، الدعوان إلى الله، من شيوخ التربية في كل زمان، أم للإنسان ما تمنى، ليس له ما يتمنى إلا بسابق العناية، فلا يدرك العبد من الدنيا والآخرة، ومن الله تعالى، إلا ما سبق به القدر، كما قال الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فلله الآخرة والأولى، قال القشيري: يشير إلى قهرمانية الحق تعالى على العالم كله، ملكه وملكوته، الأخروي والدنيوي، فلا يملك الإنسان من أمر الدارين شيئا، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى، المتقضية لموجبات حصول الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، يهبه باسمه الواهب لمن شاء أن يكون مظهرا للطفه وجماله، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى، المقتضية لأسباب حصول الدنيا، من حب الدنيا الدنية، المنتجة للخطيئة ومتابعة النفس الخبيثة، وموافقة الطبيعة اللئيمة، باسمه المقسط، لمن شاء أن يكون مظهر قهره وجلاله، وليس ذلك يزيد في ملكه، ولا هذا ينقص من ملكه، وكلتا يديه ملأى سحاء، أي: فياضة. ه. ثم نفى الشفاعة عمن يستحقها من الملائكة الكرام، فضلا عمن لا يستحقها من الأصنام اللئام، فقال: { وكم من ملك في السماوات }.

النجم 53:25

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } أي: أخبروني عن هذه الأشياء التي تبعدونها من دون الله، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة، أم لا؟ واللات وما بعدها: أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة، من: لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها. وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء، على أنه اسم فاعل، اشتهر برجلا كان يلت السويق بالزيت، ويطعمه الحاج، فلما مات عكفواعلى قبره يبعدونه. { والعزى } كانت لغفطان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شياطنة ناشرة شعرها، واضعة يدها على رأسها، وهي تولول، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تلك العزى، لن تعبد بعد اليوم أبدا ". { ومناة }: صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة، وقيل: بيت بالمشلل يعبدوه بنو كعب، وسميت مناة لأن دماء النسائك تمنى، أي: تراق عندها لأنهم كانوا يذبحون عندها. وقرأ بان كثير بالهمزة بعد الألف، مشتق من النوء لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها، تبركا بها، وقيل: سموا هذه الأصنام بأسماء الله، وأنثوها، كأنها بنات الله في زعمهم الفاسد، فاللات من " الله " ، كما قالوا: عمر وعمرة، وعباس وعباسة، فالتاء للتأنيث. والعزى: تأنيث العزيز، ومناة: تأنيث منان، فغير تخفيفا، ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عيهم: { ألكم الذكر وله الأنثى }. و { الأخرى }: صفة ذم لها، وهي المتأخرة الوضيعة القدر، كقوله: قالت أخراهم لأولاهم [الأعراف: 38] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم، وقيل: وصفها بالوصفين لأنهم كانوا يعظمونها أكثر من اللات والعزى، والفاء في قوله: { أفرأيتم } للعطف على محذوف، وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: عقب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته، وأحكام قدرته، ونفوذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات الله، مع وأدكم البنات، وكراهتكم لهن؟. { ألكم الذكر وله الأنثى } أي: أتحبون لكم الذكر وتنسبون له الأنثى كهذه الأصنام والملائكة؟ { تلك إذا قسمة ضيزى } أي: جائرة، من: ضازه يضيزه: إذا ظلمه، وصرح في القاموس بأنه مثلث الضاد ضيزى وضوزى وضازى، وهو هنا فعلى بالضم، من الضيز، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء، كما فعل في " بيض " ، فإن " فعلى " بالكسر لم تأت وصفا، وإنما هي من بناء الأسماء، كالشعرى والدفلى. وقال ابن هشام: فإن كانت فعلى صفة محضة وجب قلب الضمة كسرة، ولم يسمع من ذلك إلا " قسمة ضيزى " " ومشية حيكى " ،أي: يتحرك فيها المنكبان. ه. وقرأ المكي بالهمز، من: ضأزه: ظلمه، فهو مصدر نعت به. { إن هي } أي: هذه الأصنام { إلا أسماء } وليس تحتها في الحقيقة مسميات لأنكم تدعون لها الألوهية، وهي أبعد شيء منها، { سميتموها } آلهة، أو: سميتم بها هذه الأصنام، واعتقدتم أنها آلهة، بمقتضى أهوائكم الباطلة، { أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها } بعبادتها { من سلطان } من حجة. { إن يتبعون } فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها { إلا الظن }: إلا توهم أن ما هم عليه حق، توهما باطلا، { وما تهوى الأنفس } أي: ما تشتهيه أنفسهم الأمارة، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } الرسول والكتاب فتركوه. { أم للإنسان ما تمنى }. " أم ": منقطعة، والهمزة للإنكار، أي: ليس للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة ونظائرها، كقول بعضهم: ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى [فصلت: 50]، وكتمني بعضهم أن يكون هو النبي، { فلله الآخرة والأولى } أي: الدنيا والآخرة، هو مالكهما والحاكم فيهما، يعطي الشفاعة والنبوة من شاء، لا من تمناها بمجرد الهوى، وهو تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى، فإن ختصاص أمور الآخرة والأولى به تعالى مقتض لانتفاء أن يكون للإنسان شيء مما تمنى إلا ان يشاء ويرضى. الإشارة: هذه الأصنام موجودة في كل إنسان، فاللات: حب اللذات والشهوات الجسمانية الفانية، فمن كان حريصا عليها، جامعا لأسبابها، فهو عابد لها، والعزى: حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية، فمن طلبها فهو عبد لها، ومناة: تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة، وطول الأمل فيها، وكراهية الموت، فمن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا، كاره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر } حيث تحبون ما هو كمال لأنفسكم، { وله الأنثى }؟ حيث جعلتم هذه الأشياء الحقيرة شريكة لله في استحقاق العبادة والمحبة، تلك إذا قسمة ضيزى جائرة، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل، تفنى ويبقى عليها العذاب والعتاب، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها، أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان، إن يتبعون في ابتاعها والحرص عليها إلا الظن، ظنوا أنها كانت مباحة في ظاهر الشرع لا تضر القلب ولا تحجبه عن شهود الرب، وهو رأي فاسد إذ ليس للقلب إلا وجهة واحدة، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن الله قطعا، وإن توجه لله أعرض عما سواه، وراجع ما تقدم في قوله: أذهبتم طيباتكم [الأحقاف: 20] الآية. ويتبعون أيضا ما تهوى الأنفس الأمارة لأنها لا تهوى إلا ما فيه حظها وهواها، ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أي: من يهدي إلى طريق السلوك، بقطع العلائق النفسانية والقلبية، وهم خلفاء الرسول عليه السلام، الدعوان إلى الله، من شيوخ التربية في كل زمان، أم للإنسان ما تمنى، ليس له ما يتمنى إلا بسابق العناية، فلا يدرك العبد من الدنيا والآخرة، ومن الله تعالى، إلا ما سبق به القدر، كما قال الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فلله الآخرة والأولى، قال القشيري: يشير إلى قهرمانية الحق تعالى على العالم كله، ملكه وملكوته، الأخروي والدنيوي، فلا يملك الإنسان من أمر الدارين شيئا، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى، المتقضية لموجبات حصول الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، يهبه باسمه الواهب لمن شاء أن يكون مظهرا للطفه وجماله، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى، المقتضية لأسباب حصول الدنيا، من حب الدنيا الدنية، المنتجة للخطيئة ومتابعة النفس الخبيثة، وموافقة الطبيعة اللئيمة، باسمه المقسط، لمن شاء أن يكون مظهر قهره وجلاله، وليس ذلك يزيد في ملكه، ولا هذا ينقص من ملكه، وكلتا يديه ملأى سحاء، أي: فياضة. ه. ثم نفى الشفاعة عمن يستحقها من الملائكة الكرام، فضلا عمن لا يستحقها من الأصنام اللئام، فقال: { وكم من ملك في السماوات }.

النجم 53:26

قلت: { كم }: خبرية، تفيد التكثير، ومحلها: رفع بالابتداء، والجملة المنفية: خبر، وجمع الضمير في { شفاعتهم } لأن النكرة المنفية نعم. يقول الحق جل جلاله: { وكم من ملك في السماوات } أي: كثير من الملائكة { لا تغني شفاعتهم } عند الله تعالى { شيئا } من الإغناء في وقت من الأوقات، { إلا من بعد أن يأذن الله } لهم في الشفاعة { لمن يشاء } أن يشفعوا له، { ويرضى } ويراه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان، وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فيهم عن إذن الله بمعزل، وعن الشفاعة بألف معزل، فإذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر، فما ظنهم بحال الأصنام؟! ثم شنع عليهم في اعتقادهم الفاسد في الملائكة، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } وما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي { ليسمون الملائكة } المنزهين عن سمات النقص { تسمية الأنثى } فإن قولهم: الملائكة بنات الله، قول منهم بأن كلا منهم بنته - سبحانه، وهي التسمية بالأنثى، وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنهم في الشناعة واستتباع العقوبة بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن رأسا. { وما لهم به من علم } أي: بما يقولون. وقرىء " بها " أي " بالتسمية، أو بالملائكة. { إن يتبعون إلا الظن } وهو تقليد الآباء، { وإن الظن } أي: جنس الظن، ولذلك أظهر في موضع الإضمار، { لا يغني من الحق شيئا } من الإغناء لأن الحق عبارة عن حقيقة الشيء، وهو لا يدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتداد به في باب المعارف الحقيقية، وإنما يعتد به في العمليات وما يؤدي إليها. { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } أي: عنهم، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوصل إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة، ولتعليل الحكم، أي: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني، وهو القرآن المنطوي على علوم الأولين والآخرين، المذكر بالأمور الآخرة، أو: عن ذكرنا كما ينبغي، فإن ذلك يستتبع ذكر الآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها والمرهوب عنها، قال الطيبي: أعرض عن دعوة من تدعوه إلى لقاء ربه والدار الآخرة، وهو يقول: { ماهي إلا حياتنا الدنيا... } الخ، { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، قاصرا نظره إليها، والمراد بالإعراض عنه: إهماله والغيبة عنه، فإن من أعرض عن الذكر، وانهمك في الدنيا، بحيث كانت هي منتهى همته، وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عنادا، وإصرارا على الباطل. { ذلك } أي: ما هم فيه من التولي، وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو { مبلغهم من العلم } أي: منتهى علمهم، لا يكادون يجاوزونه إلى غيره، فلا تجدي فيهم الدعوة والإرشاد شيئا. وجمع الضمير بعد أن أفرده باعتبار معنى " من " ولفظها، والمراد بالعلم: مطلق الإدراك الشامل للظن الفاسد. { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } أي: هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازاتهما، وهو تعليل الأمر بالإعراض، وتكرير " هو أعلم " لزيادة التقرير، وللإيذان بكمال تباين المعلومين، أي: هو المبالغ في العلم بمن لا يرعوي عن الضلال، ومن يقبل الاهتداء في الجملة، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، فإنهم من القبيل الأول. الإشارة: شفاعة كل أحد على قدر جاهه وتمكنه من الله، فقد يشفع الولي في أهل زمانه، كما تقدم في مريم. والاعتقاد في الملائكة: أنهم أنوار لطيفة من تجليات الحق، اللطافة فيهم أغلب، لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، يتشكلون كيف شاؤوا. وقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية، فيه تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم، فإن صحبتهم سم قاتل، والجلوس معهم تضييع وبطالة، إلا أن يستولي نور من يصحبهم على ظلمتهم، فيجرهم إلى الله، فهذا جلوسه معهم كمال، وقال بعضهم: الوحدة أفضل من الجلوس مع العامة، والجلوس مع الخاصة أفضل من العزلة، إلا من تحقق كماله، فلا كلام معه. إشارة أخرى: { وكم من ملك... } الخ، أي: كثير من الأرواح الصافية السماوية لا تغني شفاعتها في الأنفس الظلمانية الطبيعية، لتنقلها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء انتقاله وعروجه إلى سماء الأرواح، ويرضى أن يسكنه في الحضرة القدسية. إن الذين لا يؤمنون بالحالة الآخرة، هي الانتقال من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وينكرون على من يوصل إليها، ليسمون الخواطر القلبية بتسمية الخواطر النفسانية، أي: لا يميزون بينهما، لجهلهم بأحوال القلوب، ما لهم به - أي: بهذا التمييز - من علم، إن يتبعون في جل اعتقاداتهم إلا الظن القوي، وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا، فلا ينفع مقام الإيمان إلا الجزم عن دليل وبرهان، ولا في مقام الإحسان إلا شهود الحق بالعيان، فمن لم يحصل هذا فهو غافل عن ذكر الله الحقيقي، يجب الإعراض عنه، قال تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، ذلك مبلغهم من العلم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون. وقال اللجائي، في قطبه: وإياك أن تكون دنياك إرادة قلبك تبعا لشهوات نفسك، أو تكون دنياك أحب إليك من آخرتك، وقلبك من ذكر مولاك خاليا معرضا، فإنها صفة الهالكين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية. وقيل لأبي الحسن الشاذلي: يا سيدي، بم فقت أهل عصرك، ولم نر كل كبير عمل؟ فقال: بخصلة، أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وتمسكت بها أنا، وهي الإعراض عنكم وعن دنياكم. ه. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن طريق الوصول إليه، وهو أعلم بمن اهتدى إليها، فيعينه، ويجذبه إلى حضرته، فإن الأمر كله بيده، كما قال تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض }.

النجم 53:27

قلت: { كم }: خبرية، تفيد التكثير، ومحلها: رفع بالابتداء، والجملة المنفية: خبر، وجمع الضمير في { شفاعتهم } لأن النكرة المنفية نعم. يقول الحق جل جلاله: { وكم من ملك في السماوات } أي: كثير من الملائكة { لا تغني شفاعتهم } عند الله تعالى { شيئا } من الإغناء في وقت من الأوقات، { إلا من بعد أن يأذن الله } لهم في الشفاعة { لمن يشاء } أن يشفعوا له، { ويرضى } ويراه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان، وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فيهم عن إذن الله بمعزل، وعن الشفاعة بألف معزل، فإذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر، فما ظنهم بحال الأصنام؟! ثم شنع عليهم في اعتقادهم الفاسد في الملائكة، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } وما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي { ليسمون الملائكة } المنزهين عن سمات النقص { تسمية الأنثى } فإن قولهم: الملائكة بنات الله، قول منهم بأن كلا منهم بنته - سبحانه، وهي التسمية بالأنثى، وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنهم في الشناعة واستتباع العقوبة بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن رأسا. { وما لهم به من علم } أي: بما يقولون. وقرىء " بها " أي " بالتسمية، أو بالملائكة. { إن يتبعون إلا الظن } وهو تقليد الآباء، { وإن الظن } أي: جنس الظن، ولذلك أظهر في موضع الإضمار، { لا يغني من الحق شيئا } من الإغناء لأن الحق عبارة عن حقيقة الشيء، وهو لا يدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتداد به في باب المعارف الحقيقية، وإنما يعتد به في العمليات وما يؤدي إليها. { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } أي: عنهم، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوصل إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة، ولتعليل الحكم، أي: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني، وهو القرآن المنطوي على علوم الأولين والآخرين، المذكر بالأمور الآخرة، أو: عن ذكرنا كما ينبغي، فإن ذلك يستتبع ذكر الآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها والمرهوب عنها، قال الطيبي: أعرض عن دعوة من تدعوه إلى لقاء ربه والدار الآخرة، وهو يقول: { ماهي إلا حياتنا الدنيا... } الخ، { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، قاصرا نظره إليها، والمراد بالإعراض عنه: إهماله والغيبة عنه، فإن من أعرض عن الذكر، وانهمك في الدنيا، بحيث كانت هي منتهى همته، وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عنادا، وإصرارا على الباطل. { ذلك } أي: ما هم فيه من التولي، وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو { مبلغهم من العلم } أي: منتهى علمهم، لا يكادون يجاوزونه إلى غيره، فلا تجدي فيهم الدعوة والإرشاد شيئا. وجمع الضمير بعد أن أفرده باعتبار معنى " من " ولفظها، والمراد بالعلم: مطلق الإدراك الشامل للظن الفاسد. { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } أي: هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازاتهما، وهو تعليل الأمر بالإعراض، وتكرير " هو أعلم " لزيادة التقرير، وللإيذان بكمال تباين المعلومين، أي: هو المبالغ في العلم بمن لا يرعوي عن الضلال، ومن يقبل الاهتداء في الجملة، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، فإنهم من القبيل الأول. الإشارة: شفاعة كل أحد على قدر جاهه وتمكنه من الله، فقد يشفع الولي في أهل زمانه، كما تقدم في مريم. والاعتقاد في الملائكة: أنهم أنوار لطيفة من تجليات الحق، اللطافة فيهم أغلب، لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، يتشكلون كيف شاؤوا. وقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية، فيه تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم، فإن صحبتهم سم قاتل، والجلوس معهم تضييع وبطالة، إلا أن يستولي نور من يصحبهم على ظلمتهم، فيجرهم إلى الله، فهذا جلوسه معهم كمال، وقال بعضهم: الوحدة أفضل من الجلوس مع العامة، والجلوس مع الخاصة أفضل من العزلة، إلا من تحقق كماله، فلا كلام معه. إشارة أخرى: { وكم من ملك... } الخ، أي: كثير من الأرواح الصافية السماوية لا تغني شفاعتها في الأنفس الظلمانية الطبيعية، لتنقلها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء انتقاله وعروجه إلى سماء الأرواح، ويرضى أن يسكنه في الحضرة القدسية. إن الذين لا يؤمنون بالحالة الآخرة، هي الانتقال من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وينكرون على من يوصل إليها، ليسمون الخواطر القلبية بتسمية الخواطر النفسانية، أي: لا يميزون بينهما، لجهلهم بأحوال القلوب، ما لهم به - أي: بهذا التمييز - من علم، إن يتبعون في جل اعتقاداتهم إلا الظن القوي، وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا، فلا ينفع مقام الإيمان إلا الجزم عن دليل وبرهان، ولا في مقام الإحسان إلا شهود الحق بالعيان، فمن لم يحصل هذا فهو غافل عن ذكر الله الحقيقي، يجب الإعراض عنه، قال تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، ذلك مبلغهم من العلم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون. وقال اللجائي، في قطبه: وإياك أن تكون دنياك إرادة قلبك تبعا لشهوات نفسك، أو تكون دنياك أحب إليك من آخرتك، وقلبك من ذكر مولاك خاليا معرضا، فإنها صفة الهالكين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية. وقيل لأبي الحسن الشاذلي: يا سيدي، بم فقت أهل عصرك، ولم نر كل كبير عمل؟ فقال: بخصلة، أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وتمسكت بها أنا، وهي الإعراض عنكم وعن دنياكم. ه. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن طريق الوصول إليه، وهو أعلم بمن اهتدى إليها، فيعينه، ويجذبه إلى حضرته، فإن الأمر كله بيده، كما قال تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض }.

النجم 53:28

قلت: { كم }: خبرية، تفيد التكثير، ومحلها: رفع بالابتداء، والجملة المنفية: خبر، وجمع الضمير في { شفاعتهم } لأن النكرة المنفية نعم. يقول الحق جل جلاله: { وكم من ملك في السماوات } أي: كثير من الملائكة { لا تغني شفاعتهم } عند الله تعالى { شيئا } من الإغناء في وقت من الأوقات، { إلا من بعد أن يأذن الله } لهم في الشفاعة { لمن يشاء } أن يشفعوا له، { ويرضى } ويراه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان، وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فيهم عن إذن الله بمعزل، وعن الشفاعة بألف معزل، فإذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر، فما ظنهم بحال الأصنام؟! ثم شنع عليهم في اعتقادهم الفاسد في الملائكة، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } وما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي { ليسمون الملائكة } المنزهين عن سمات النقص { تسمية الأنثى } فإن قولهم: الملائكة بنات الله، قول منهم بأن كلا منهم بنته - سبحانه، وهي التسمية بالأنثى، وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنهم في الشناعة واستتباع العقوبة بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن رأسا. { وما لهم به من علم } أي: بما يقولون. وقرىء " بها " أي " بالتسمية، أو بالملائكة. { إن يتبعون إلا الظن } وهو تقليد الآباء، { وإن الظن } أي: جنس الظن، ولذلك أظهر في موضع الإضمار، { لا يغني من الحق شيئا } من الإغناء لأن الحق عبارة عن حقيقة الشيء، وهو لا يدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتداد به في باب المعارف الحقيقية، وإنما يعتد به في العمليات وما يؤدي إليها. { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } أي: عنهم، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوصل إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة، ولتعليل الحكم، أي: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني، وهو القرآن المنطوي على علوم الأولين والآخرين، المذكر بالأمور الآخرة، أو: عن ذكرنا كما ينبغي، فإن ذلك يستتبع ذكر الآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها والمرهوب عنها، قال الطيبي: أعرض عن دعوة من تدعوه إلى لقاء ربه والدار الآخرة، وهو يقول: { ماهي إلا حياتنا الدنيا... } الخ، { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، قاصرا نظره إليها، والمراد بالإعراض عنه: إهماله والغيبة عنه، فإن من أعرض عن الذكر، وانهمك في الدنيا، بحيث كانت هي منتهى همته، وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عنادا، وإصرارا على الباطل. { ذلك } أي: ما هم فيه من التولي، وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو { مبلغهم من العلم } أي: منتهى علمهم، لا يكادون يجاوزونه إلى غيره، فلا تجدي فيهم الدعوة والإرشاد شيئا. وجمع الضمير بعد أن أفرده باعتبار معنى " من " ولفظها، والمراد بالعلم: مطلق الإدراك الشامل للظن الفاسد. { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } أي: هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازاتهما، وهو تعليل الأمر بالإعراض، وتكرير " هو أعلم " لزيادة التقرير، وللإيذان بكمال تباين المعلومين، أي: هو المبالغ في العلم بمن لا يرعوي عن الضلال، ومن يقبل الاهتداء في الجملة، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، فإنهم من القبيل الأول. الإشارة: شفاعة كل أحد على قدر جاهه وتمكنه من الله، فقد يشفع الولي في أهل زمانه، كما تقدم في مريم. والاعتقاد في الملائكة: أنهم أنوار لطيفة من تجليات الحق، اللطافة فيهم أغلب، لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، يتشكلون كيف شاؤوا. وقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية، فيه تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم، فإن صحبتهم سم قاتل، والجلوس معهم تضييع وبطالة، إلا أن يستولي نور من يصحبهم على ظلمتهم، فيجرهم إلى الله، فهذا جلوسه معهم كمال، وقال بعضهم: الوحدة أفضل من الجلوس مع العامة، والجلوس مع الخاصة أفضل من العزلة، إلا من تحقق كماله، فلا كلام معه. إشارة أخرى: { وكم من ملك... } الخ، أي: كثير من الأرواح الصافية السماوية لا تغني شفاعتها في الأنفس الظلمانية الطبيعية، لتنقلها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء انتقاله وعروجه إلى سماء الأرواح، ويرضى أن يسكنه في الحضرة القدسية. إن الذين لا يؤمنون بالحالة الآخرة، هي الانتقال من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وينكرون على من يوصل إليها، ليسمون الخواطر القلبية بتسمية الخواطر النفسانية، أي: لا يميزون بينهما، لجهلهم بأحوال القلوب، ما لهم به - أي: بهذا التمييز - من علم، إن يتبعون في جل اعتقاداتهم إلا الظن القوي، وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا، فلا ينفع مقام الإيمان إلا الجزم عن دليل وبرهان، ولا في مقام الإحسان إلا شهود الحق بالعيان، فمن لم يحصل هذا فهو غافل عن ذكر الله الحقيقي، يجب الإعراض عنه، قال تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، ذلك مبلغهم من العلم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون. وقال اللجائي، في قطبه: وإياك أن تكون دنياك إرادة قلبك تبعا لشهوات نفسك، أو تكون دنياك أحب إليك من آخرتك، وقلبك من ذكر مولاك خاليا معرضا، فإنها صفة الهالكين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية. وقيل لأبي الحسن الشاذلي: يا سيدي، بم فقت أهل عصرك، ولم نر كل كبير عمل؟ فقال: بخصلة، أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وتمسكت بها أنا، وهي الإعراض عنكم وعن دنياكم. ه. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن طريق الوصول إليه، وهو أعلم بمن اهتدى إليها، فيعينه، ويجذبه إلى حضرته، فإن الأمر كله بيده، كما قال تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض }.

النجم 53:29

قلت: { كم }: خبرية، تفيد التكثير، ومحلها: رفع بالابتداء، والجملة المنفية: خبر، وجمع الضمير في { شفاعتهم } لأن النكرة المنفية نعم. يقول الحق جل جلاله: { وكم من ملك في السماوات } أي: كثير من الملائكة { لا تغني شفاعتهم } عند الله تعالى { شيئا } من الإغناء في وقت من الأوقات، { إلا من بعد أن يأذن الله } لهم في الشفاعة { لمن يشاء } أن يشفعوا له، { ويرضى } ويراه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان، وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فيهم عن إذن الله بمعزل، وعن الشفاعة بألف معزل، فإذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر، فما ظنهم بحال الأصنام؟! ثم شنع عليهم في اعتقادهم الفاسد في الملائكة، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } وما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي { ليسمون الملائكة } المنزهين عن سمات النقص { تسمية الأنثى } فإن قولهم: الملائكة بنات الله، قول منهم بأن كلا منهم بنته - سبحانه، وهي التسمية بالأنثى، وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنهم في الشناعة واستتباع العقوبة بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن رأسا. { وما لهم به من علم } أي: بما يقولون. وقرىء " بها " أي " بالتسمية، أو بالملائكة. { إن يتبعون إلا الظن } وهو تقليد الآباء، { وإن الظن } أي: جنس الظن، ولذلك أظهر في موضع الإضمار، { لا يغني من الحق شيئا } من الإغناء لأن الحق عبارة عن حقيقة الشيء، وهو لا يدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتداد به في باب المعارف الحقيقية، وإنما يعتد به في العمليات وما يؤدي إليها. { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } أي: عنهم، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوصل إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة، ولتعليل الحكم، أي: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني، وهو القرآن المنطوي على علوم الأولين والآخرين، المذكر بالأمور الآخرة، أو: عن ذكرنا كما ينبغي، فإن ذلك يستتبع ذكر الآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها والمرهوب عنها، قال الطيبي: أعرض عن دعوة من تدعوه إلى لقاء ربه والدار الآخرة، وهو يقول: { ماهي إلا حياتنا الدنيا... } الخ، { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، قاصرا نظره إليها، والمراد بالإعراض عنه: إهماله والغيبة عنه، فإن من أعرض عن الذكر، وانهمك في الدنيا، بحيث كانت هي منتهى همته، وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عنادا، وإصرارا على الباطل. { ذلك } أي: ما هم فيه من التولي، وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو { مبلغهم من العلم } أي: منتهى علمهم، لا يكادون يجاوزونه إلى غيره، فلا تجدي فيهم الدعوة والإرشاد شيئا. وجمع الضمير بعد أن أفرده باعتبار معنى " من " ولفظها، والمراد بالعلم: مطلق الإدراك الشامل للظن الفاسد. { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } أي: هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازاتهما، وهو تعليل الأمر بالإعراض، وتكرير " هو أعلم " لزيادة التقرير، وللإيذان بكمال تباين المعلومين، أي: هو المبالغ في العلم بمن لا يرعوي عن الضلال، ومن يقبل الاهتداء في الجملة، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، فإنهم من القبيل الأول. الإشارة: شفاعة كل أحد على قدر جاهه وتمكنه من الله، فقد يشفع الولي في أهل زمانه، كما تقدم في مريم. والاعتقاد في الملائكة: أنهم أنوار لطيفة من تجليات الحق، اللطافة فيهم أغلب، لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، يتشكلون كيف شاؤوا. وقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية، فيه تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم، فإن صحبتهم سم قاتل، والجلوس معهم تضييع وبطالة، إلا أن يستولي نور من يصحبهم على ظلمتهم، فيجرهم إلى الله، فهذا جلوسه معهم كمال، وقال بعضهم: الوحدة أفضل من الجلوس مع العامة، والجلوس مع الخاصة أفضل من العزلة، إلا من تحقق كماله، فلا كلام معه. إشارة أخرى: { وكم من ملك... } الخ، أي: كثير من الأرواح الصافية السماوية لا تغني شفاعتها في الأنفس الظلمانية الطبيعية، لتنقلها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء انتقاله وعروجه إلى سماء الأرواح، ويرضى أن يسكنه في الحضرة القدسية. إن الذين لا يؤمنون بالحالة الآخرة، هي الانتقال من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وينكرون على من يوصل إليها، ليسمون الخواطر القلبية بتسمية الخواطر النفسانية، أي: لا يميزون بينهما، لجهلهم بأحوال القلوب، ما لهم به - أي: بهذا التمييز - من علم، إن يتبعون في جل اعتقاداتهم إلا الظن القوي، وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا، فلا ينفع مقام الإيمان إلا الجزم عن دليل وبرهان، ولا في مقام الإحسان إلا شهود الحق بالعيان، فمن لم يحصل هذا فهو غافل عن ذكر الله الحقيقي، يجب الإعراض عنه، قال تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، ذلك مبلغهم من العلم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون. وقال اللجائي، في قطبه: وإياك أن تكون دنياك إرادة قلبك تبعا لشهوات نفسك، أو تكون دنياك أحب إليك من آخرتك، وقلبك من ذكر مولاك خاليا معرضا، فإنها صفة الهالكين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية. وقيل لأبي الحسن الشاذلي: يا سيدي، بم فقت أهل عصرك، ولم نر كل كبير عمل؟ فقال: بخصلة، أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وتمسكت بها أنا، وهي الإعراض عنكم وعن دنياكم. ه. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن طريق الوصول إليه، وهو أعلم بمن اهتدى إليها، فيعينه، ويجذبه إلى حضرته، فإن الأمر كله بيده، كما قال تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض }.

النجم 53:30

قلت: { كم }: خبرية، تفيد التكثير، ومحلها: رفع بالابتداء، والجملة المنفية: خبر، وجمع الضمير في { شفاعتهم } لأن النكرة المنفية نعم. يقول الحق جل جلاله: { وكم من ملك في السماوات } أي: كثير من الملائكة { لا تغني شفاعتهم } عند الله تعالى { شيئا } من الإغناء في وقت من الأوقات، { إلا من بعد أن يأذن الله } لهم في الشفاعة { لمن يشاء } أن يشفعوا له، { ويرضى } ويراه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان، وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فيهم عن إذن الله بمعزل، وعن الشفاعة بألف معزل، فإذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر، فما ظنهم بحال الأصنام؟! ثم شنع عليهم في اعتقادهم الفاسد في الملائكة، فقال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } وما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي { ليسمون الملائكة } المنزهين عن سمات النقص { تسمية الأنثى } فإن قولهم: الملائكة بنات الله، قول منهم بأن كلا منهم بنته - سبحانه، وهي التسمية بالأنثى، وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنهم في الشناعة واستتباع العقوبة بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن رأسا. { وما لهم به من علم } أي: بما يقولون. وقرىء " بها " أي " بالتسمية، أو بالملائكة. { إن يتبعون إلا الظن } وهو تقليد الآباء، { وإن الظن } أي: جنس الظن، ولذلك أظهر في موضع الإضمار، { لا يغني من الحق شيئا } من الإغناء لأن الحق عبارة عن حقيقة الشيء، وهو لا يدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتداد به في باب المعارف الحقيقية، وإنما يعتد به في العمليات وما يؤدي إليها. { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } أي: عنهم، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوصل إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة، ولتعليل الحكم، أي: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني، وهو القرآن المنطوي على علوم الأولين والآخرين، المذكر بالأمور الآخرة، أو: عن ذكرنا كما ينبغي، فإن ذلك يستتبع ذكر الآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها والمرهوب عنها، قال الطيبي: أعرض عن دعوة من تدعوه إلى لقاء ربه والدار الآخرة، وهو يقول: { ماهي إلا حياتنا الدنيا... } الخ، { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، قاصرا نظره إليها، والمراد بالإعراض عنه: إهماله والغيبة عنه، فإن من أعرض عن الذكر، وانهمك في الدنيا، بحيث كانت هي منتهى همته، وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عنادا، وإصرارا على الباطل. { ذلك } أي: ما هم فيه من التولي، وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو { مبلغهم من العلم } أي: منتهى علمهم، لا يكادون يجاوزونه إلى غيره، فلا تجدي فيهم الدعوة والإرشاد شيئا. وجمع الضمير بعد أن أفرده باعتبار معنى " من " ولفظها، والمراد بالعلم: مطلق الإدراك الشامل للظن الفاسد. { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } أي: هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازاتهما، وهو تعليل الأمر بالإعراض، وتكرير " هو أعلم " لزيادة التقرير، وللإيذان بكمال تباين المعلومين، أي: هو المبالغ في العلم بمن لا يرعوي عن الضلال، ومن يقبل الاهتداء في الجملة، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، فإنهم من القبيل الأول. الإشارة: شفاعة كل أحد على قدر جاهه وتمكنه من الله، فقد يشفع الولي في أهل زمانه، كما تقدم في مريم. والاعتقاد في الملائكة: أنهم أنوار لطيفة من تجليات الحق، اللطافة فيهم أغلب، لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، يتشكلون كيف شاؤوا. وقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية، فيه تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم، فإن صحبتهم سم قاتل، والجلوس معهم تضييع وبطالة، إلا أن يستولي نور من يصحبهم على ظلمتهم، فيجرهم إلى الله، فهذا جلوسه معهم كمال، وقال بعضهم: الوحدة أفضل من الجلوس مع العامة، والجلوس مع الخاصة أفضل من العزلة، إلا من تحقق كماله، فلا كلام معه. إشارة أخرى: { وكم من ملك... } الخ، أي: كثير من الأرواح الصافية السماوية لا تغني شفاعتها في الأنفس الظلمانية الطبيعية، لتنقلها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء انتقاله وعروجه إلى سماء الأرواح، ويرضى أن يسكنه في الحضرة القدسية. إن الذين لا يؤمنون بالحالة الآخرة، هي الانتقال من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وينكرون على من يوصل إليها، ليسمون الخواطر القلبية بتسمية الخواطر النفسانية، أي: لا يميزون بينهما، لجهلهم بأحوال القلوب، ما لهم به - أي: بهذا التمييز - من علم، إن يتبعون في جل اعتقاداتهم إلا الظن القوي، وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا، فلا ينفع مقام الإيمان إلا الجزم عن دليل وبرهان، ولا في مقام الإحسان إلا شهود الحق بالعيان، فمن لم يحصل هذا فهو غافل عن ذكر الله الحقيقي، يجب الإعراض عنه، قال تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وزخارفها، ذلك مبلغهم من العلم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون. وقال اللجائي، في قطبه: وإياك أن تكون دنياك إرادة قلبك تبعا لشهوات نفسك، أو تكون دنياك أحب إليك من آخرتك، وقلبك من ذكر مولاك خاليا معرضا، فإنها صفة الهالكين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا... } الآية. وقيل لأبي الحسن الشاذلي: يا سيدي، بم فقت أهل عصرك، ولم نر كل كبير عمل؟ فقال: بخصلة، أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وتمسكت بها أنا، وهي الإعراض عنكم وعن دنياكم. ه. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن طريق الوصول إليه، وهو أعلم بمن اهتدى إليها، فيعينه، ويجذبه إلى حضرته، فإن الأمر كله بيده، كما قال تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض }.

النجم 53:31

يقول الحق جل جلاله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } خلقا وملكا، لا لغيره، لا استقالا ولا اشتراكا، { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا } بعقاب ما عملوا من السوء، أو: بسبب ما عملوا، { ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والمعنى: أن الله تعالى إنما خلق هذا العالم والعلوي والسفلي، وتصرف فيه بقدرته بين جلاله وجماله، ليجزي المحسن من المكلفين، والمسيء منهم إذ من شأن الملك أن ينصر أولياءه ويكرمهم، ويقهر أعدائه ويهينهم. وقال الطيبي: " ليجزي " راجع لقوله: { هو أعلم بمن ضل... } الآية، والمعنى: إن ربك هو أعلم بمن ضل وبمن اهتدى ليجزي كل واحد بما يستحقه، يعني: أنه عالم، كامل العلم، قادر، تام القدرة، يعلم أحوال المكلفين فيجازيهم، لا يمنعه أحد مما يريده لأن كل شيء من السموات والأرض ملكه، وتحت قهره وسلطانه، فقوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض }: جملة معترضة، توكيد للاقتدار وعدم المعارض. ه. { الذين يجتنبون كبائر الإثم }: بدل من الموصول الثاني، أو: رفع على المدح، أي: هم الذين يجتنبون. والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره. وكبائر الإثم: ما يكبر عقابه من الذنوب، وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه. قال ابن عطية: وتحرير القول في الكبائر: إنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد عليها بنار في الآخرة، أو بلعنة ونحوها. وقرأ الأخوان: كبير الإثم على إرادة الجنس، أو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهو ما فحش من الكبائر، كأنه قيل: يجتنبون الكبائر وما فحش منها خصوصا، فيحتمل أن يريد بالكبائر: ما فيه حق الله وحده، والفواحش منها: ما فيه حق الله وحق عباده، { إلا اللمم } أي: إلا ما قل وصغر، فإنه مغفور لمن يجتنب الكبائر، وقيل: هي النظرة والغمزة والقبلة، وقيل: الخطرة من الذنب، وقيل: كل ذنب لم يجعل الله فيه حدا ولا عذابا. والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر ولا من الفواحش. { إن ربك واسع المغفرة } حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، أو: حيث يغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة، وهذا أحسن، { هو أعلم بكم إذا أنشأكم } في ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السلام { من الأرض } إنشاء إجماليا، حسبما مر تحقيقه مرارا، { وإذا أنتم أجنة } أي: يعلم وقت كونكم أجنة { في بطون أمهاتكم } على أطوار مختلفة، لا يخفى عليه حال من أحوالكم، ولا عمل من أعمالكم. { فلا تزكوا أنفسكم } فلا تنسبوها إلى زكاء الأعمال، وزيادة الخير والطاعات، أو: إلى الزكاة والطهارة من المساوئ، ولا تثنوا عليها، واهضموها، فقد علم الله الزكي منكم والتقي، قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل: كان ناس يعملون أعمالا حسنة، ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا، فنزلت. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، لا على سبيل الاعتراف بالنعمة، والتحدث بها، فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكرها. والأحسن في إيراد الاعتراف والشكر أن يقدم ذكر نقصه، فيقول مثلا: كنا جهالا فعلمنا الله، وكنا ضلالا فهدانا الله، وكنا غافلين فأيقظنا الله، وهكذا نحن اليوم كذا وكذا. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون نهيا عن أن يزكي بعض الناس بعضا، وإذا كان هذا، فإنما ينهى عن تزكية السمع، أو القطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في " عثمان بن مظعون " عند موته، وأما تزكية القدوة أو الإمام، أو أحدا، ليؤتم به أو ليتهمم الناس بالخير، فجائز، وقد زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة؟ للضرورة إليها، وأصل التزكية: التقوى، والله تعالى أعلم بتقوى الناس منكم. ه. وقال في القوت: هذه الذنوب تدخل على النفوس من معاني صفاتها، وغرائز جبلاتها، وأول إنشائها من نبات الأرض، وتركيب الأطوار في الأرحام، خلق من بعد خلق، ومن اختلاط الامشاج بعضها مع بعض، ولذلك عقبه بقوله: { هو أعلم بكم إذ أنشأكم... } الآية. ه. ثم قال تعالى: { هو أعلم بمن اتقى } فاكتفوا بعلمه عن علم الناس، وبجزائه عن ثناء الناس. وبالله التوفيق. الإشارة: ولله ما في سموات الأرواح من أنوار الشهود، وما في أرض النفوس من آداب العبودية، رتب ذلك ليجزي الذين أساؤوا بوقوفهم مع أرض النفوس في العالم المحسوس، ويجزي الذين آمنوا بترقيهم إلى مقام الإحسان، بالحسنى، وهي المعرفة، حيث ترقوا من أرض الأشباح إلى عالم سماء الأرواح،، وهم الذين يجتنبون كبائر الإثم وهو شهود وجودهم مع وجود الحق محبوبهم، ووقوفهم مع عالم الحس، والفواحش، وهو اعتراضهم على الله فيما يبرز من عنصر قدرته، وتصغيرهم شيئا مما عظم الله، إلا اللمم خواطر تخطر ولا تثبت. قال القشيري: كبائر الإثم ثلاث: محبة النفس الأمارة، ومحبة الهوى النافخ في نيران النفس، ومحبة الدنيا، التي هي رأس كل خطيئة، ولكل واحدة من هذه الثلاث فاحشة لازمة لها، أما فاحشة محبة النفس: فموافقة الطبيعة ومخالفة الشريعة، وأما فاحشة محبة الهوى: فحب الدنيا وشهواتها، وأما فاحشة محبة الدنيا فالإعراض عن الله، والإقبال على ما سواه. وقوله { إلا اللمم } أي: الميل اليسير إلى الهوى والنفس والدنيا، بحسب ضرورته البشرية من استراحة البدن، ونيل قليل من حظوظ الدنيا، بحسب الحقوق، لا بحسب الحظوظ، فإن مباشر الحقوق مغفور، ومباشر الحظوظ مغرور. ه. { إن ربك واسع المغفرة } يستر العيوب، ويوصل إلى حضرة الغيوب. هو أعلم بكم إذ أنشأكم من أرض البشرية، ورقاكم إلى عالم الروحانية، وإذ أنتم أجنة في أول بدايتكم في بطون أمهاتكم، في بطون الهوى والغفلة، ودائرة الكون، فأخرجكم منها بمحض فضله، فلا تزكوا أنفسكم، فتنظروا إليها بعين الرضا، أو تنسبوا إليها شيئا من الكمالات قبل صفائها. قال القشيري: تزيكة المرء نفسه علامة كونه محجوبا لأن المجذوب عن بقائه، المستغرق في شهود ربه، لا يزكي نفسه. ه. قلت: هذا ما دام في السير، وأما إن حصل له الوصول فلا نفس له، وإنما يزكي ربه إذا زكاها، هو أعلم بمن اتقى ما سواه. ثم ذكر وبال من زكى نفسه، فقال: { أفرأيت الذي تولى }.

النجم 53:32

يقول الحق جل جلاله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } خلقا وملكا، لا لغيره، لا استقالا ولا اشتراكا، { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا } بعقاب ما عملوا من السوء، أو: بسبب ما عملوا، { ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والمعنى: أن الله تعالى إنما خلق هذا العالم والعلوي والسفلي، وتصرف فيه بقدرته بين جلاله وجماله، ليجزي المحسن من المكلفين، والمسيء منهم إذ من شأن الملك أن ينصر أولياءه ويكرمهم، ويقهر أعدائه ويهينهم. وقال الطيبي: " ليجزي " راجع لقوله: { هو أعلم بمن ضل... } الآية، والمعنى: إن ربك هو أعلم بمن ضل وبمن اهتدى ليجزي كل واحد بما يستحقه، يعني: أنه عالم، كامل العلم، قادر، تام القدرة، يعلم أحوال المكلفين فيجازيهم، لا يمنعه أحد مما يريده لأن كل شيء من السموات والأرض ملكه، وتحت قهره وسلطانه، فقوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض }: جملة معترضة، توكيد للاقتدار وعدم المعارض. ه. { الذين يجتنبون كبائر الإثم }: بدل من الموصول الثاني، أو: رفع على المدح، أي: هم الذين يجتنبون. والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره. وكبائر الإثم: ما يكبر عقابه من الذنوب، وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه. قال ابن عطية: وتحرير القول في الكبائر: إنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد عليها بنار في الآخرة، أو بلعنة ونحوها. وقرأ الأخوان: كبير الإثم على إرادة الجنس، أو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهو ما فحش من الكبائر، كأنه قيل: يجتنبون الكبائر وما فحش منها خصوصا، فيحتمل أن يريد بالكبائر: ما فيه حق الله وحده، والفواحش منها: ما فيه حق الله وحق عباده، { إلا اللمم } أي: إلا ما قل وصغر، فإنه مغفور لمن يجتنب الكبائر، وقيل: هي النظرة والغمزة والقبلة، وقيل: الخطرة من الذنب، وقيل: كل ذنب لم يجعل الله فيه حدا ولا عذابا. والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر ولا من الفواحش. { إن ربك واسع المغفرة } حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، أو: حيث يغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة، وهذا أحسن، { هو أعلم بكم إذا أنشأكم } في ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السلام { من الأرض } إنشاء إجماليا، حسبما مر تحقيقه مرارا، { وإذا أنتم أجنة } أي: يعلم وقت كونكم أجنة { في بطون أمهاتكم } على أطوار مختلفة، لا يخفى عليه حال من أحوالكم، ولا عمل من أعمالكم. { فلا تزكوا أنفسكم } فلا تنسبوها إلى زكاء الأعمال، وزيادة الخير والطاعات، أو: إلى الزكاة والطهارة من المساوئ، ولا تثنوا عليها، واهضموها، فقد علم الله الزكي منكم والتقي، قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل: كان ناس يعملون أعمالا حسنة، ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا، فنزلت. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، لا على سبيل الاعتراف بالنعمة، والتحدث بها، فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكرها. والأحسن في إيراد الاعتراف والشكر أن يقدم ذكر نقصه، فيقول مثلا: كنا جهالا فعلمنا الله، وكنا ضلالا فهدانا الله، وكنا غافلين فأيقظنا الله، وهكذا نحن اليوم كذا وكذا. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون نهيا عن أن يزكي بعض الناس بعضا، وإذا كان هذا، فإنما ينهى عن تزكية السمع، أو القطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في " عثمان بن مظعون " عند موته، وأما تزكية القدوة أو الإمام، أو أحدا، ليؤتم به أو ليتهمم الناس بالخير، فجائز، وقد زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة؟ للضرورة إليها، وأصل التزكية: التقوى، والله تعالى أعلم بتقوى الناس منكم. ه. وقال في القوت: هذه الذنوب تدخل على النفوس من معاني صفاتها، وغرائز جبلاتها، وأول إنشائها من نبات الأرض، وتركيب الأطوار في الأرحام، خلق من بعد خلق، ومن اختلاط الامشاج بعضها مع بعض، ولذلك عقبه بقوله: { هو أعلم بكم إذ أنشأكم... } الآية. ه. ثم قال تعالى: { هو أعلم بمن اتقى } فاكتفوا بعلمه عن علم الناس، وبجزائه عن ثناء الناس. وبالله التوفيق. الإشارة: ولله ما في سموات الأرواح من أنوار الشهود، وما في أرض النفوس من آداب العبودية، رتب ذلك ليجزي الذين أساؤوا بوقوفهم مع أرض النفوس في العالم المحسوس، ويجزي الذين آمنوا بترقيهم إلى مقام الإحسان، بالحسنى، وهي المعرفة، حيث ترقوا من أرض الأشباح إلى عالم سماء الأرواح،، وهم الذين يجتنبون كبائر الإثم وهو شهود وجودهم مع وجود الحق محبوبهم، ووقوفهم مع عالم الحس، والفواحش، وهو اعتراضهم على الله فيما يبرز من عنصر قدرته، وتصغيرهم شيئا مما عظم الله، إلا اللمم خواطر تخطر ولا تثبت. قال القشيري: كبائر الإثم ثلاث: محبة النفس الأمارة، ومحبة الهوى النافخ في نيران النفس، ومحبة الدنيا، التي هي رأس كل خطيئة، ولكل واحدة من هذه الثلاث فاحشة لازمة لها، أما فاحشة محبة النفس: فموافقة الطبيعة ومخالفة الشريعة، وأما فاحشة محبة الهوى: فحب الدنيا وشهواتها، وأما فاحشة محبة الدنيا فالإعراض عن الله، والإقبال على ما سواه. وقوله { إلا اللمم } أي: الميل اليسير إلى الهوى والنفس والدنيا، بحسب ضرورته البشرية من استراحة البدن، ونيل قليل من حظوظ الدنيا، بحسب الحقوق، لا بحسب الحظوظ، فإن مباشر الحقوق مغفور، ومباشر الحظوظ مغرور. ه. { إن ربك واسع المغفرة } يستر العيوب، ويوصل إلى حضرة الغيوب. هو أعلم بكم إذ أنشأكم من أرض البشرية، ورقاكم إلى عالم الروحانية، وإذ أنتم أجنة في أول بدايتكم في بطون أمهاتكم، في بطون الهوى والغفلة، ودائرة الكون، فأخرجكم منها بمحض فضله، فلا تزكوا أنفسكم، فتنظروا إليها بعين الرضا، أو تنسبوا إليها شيئا من الكمالات قبل صفائها. قال القشيري: تزيكة المرء نفسه علامة كونه محجوبا لأن المجذوب عن بقائه، المستغرق في شهود ربه، لا يزكي نفسه. ه. قلت: هذا ما دام في السير، وأما إن حصل له الوصول فلا نفس له، وإنما يزكي ربه إذا زكاها، هو أعلم بمن اتقى ما سواه. ثم ذكر وبال من زكى نفسه، فقال: { أفرأيت الذي تولى }.