Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — النجم 53:33 – القمر 54:55

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. النجم 53:33
  2. النجم 53:34
  3. النجم 53:35
  4. النجم 53:36
  5. النجم 53:37
  6. النجم 53:38
  7. النجم 53:39
  8. النجم 53:40
  9. النجم 53:41
  10. النجم 53:42
  11. النجم 53:43
  12. النجم 53:44
  13. النجم 53:45
  14. النجم 53:46
  15. النجم 53:47
  16. النجم 53:48
  17. النجم 53:49
  18. النجم 53:50
  19. النجم 53:51
  20. النجم 53:52
  21. النجم 53:53
  22. النجم 53:54
  23. النجم 53:55
  24. النجم 53:56
  25. النجم 53:57
  26. النجم 53:58
  27. النجم 53:59
  28. النجم 53:60
  29. النجم 53:61
  30. النجم 53:62
  31. القمر 54:1
  32. القمر 54:2
  33. القمر 54:3
  34. القمر 54:4
  35. القمر 54:5
  36. القمر 54:6
  37. القمر 54:7
  38. القمر 54:8
  39. القمر 54:9
  40. القمر 54:10
  41. القمر 54:11
  42. القمر 54:12
  43. القمر 54:13
  44. القمر 54:14
  45. القمر 54:15
  46. القمر 54:16
  47. القمر 54:17
  48. القمر 54:18
  49. القمر 54:19
  50. القمر 54:20
  51. القمر 54:21
  52. القمر 54:22
  53. القمر 54:23
  54. القمر 54:24
  55. القمر 54:25
  56. القمر 54:26
  57. القمر 54:27
  58. القمر 54:28
  59. القمر 54:29
  60. القمر 54:30
  61. القمر 54:31
  62. القمر 54:32
  63. القمر 54:33
  64. القمر 54:34
  65. القمر 54:35
  66. القمر 54:36
  67. القمر 54:37
  68. القمر 54:38
  69. القمر 54:39
  70. القمر 54:40
  71. القمر 54:41
  72. القمر 54:42
  73. القمر 54:43
  74. القمر 54:44
  75. القمر 54:45
  76. القمر 54:46
  77. القمر 54:47
  78. القمر 54:48
  79. القمر 54:49
  80. القمر 54:50
  81. القمر 54:51
  82. القمر 54:52
  83. القمر 54:53
  84. القمر 54:54
  85. القمر 54:55

النجم 53:33

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان { وأعطى قليلا وأكدى } أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: " هو فيمن كفر بعد الإيمان " ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين، وقال: تركت دين الأشياخ، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: يعلم هذا المغرور أن له حق؟ { أم لم ينبأ } يخبر { بما في صحف موسى } أي: التوراة، { وإبراهيم } أي: وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي: أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفى بمقتضى قوله: { حسبي الله } وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار " وهي صلاة الضحى. وروي: " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: { فسبحان الله حين تمسون... } إلى { تظهرون } وقيل: وفى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة: التآئبون [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: إن المسلمين... [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون }. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. وروي: أنه كان يوم يضيف ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسر ما في تلك الصحف فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وزرا، و " أن " مخففة، وكأن قائلا قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لما نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. ه يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان ": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، { ثم يجزاه } أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: { الجزاء الأوفى } أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلسه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منته نفسه، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غره أحد حتى رده، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأن فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأن سعيه سوف يرى؟ أي: يظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيم الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: { وأن إلى ربك المنتهى }.

النجم 53:34

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان { وأعطى قليلا وأكدى } أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: " هو فيمن كفر بعد الإيمان " ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين، وقال: تركت دين الأشياخ، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: يعلم هذا المغرور أن له حق؟ { أم لم ينبأ } يخبر { بما في صحف موسى } أي: التوراة، { وإبراهيم } أي: وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي: أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفى بمقتضى قوله: { حسبي الله } وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار " وهي صلاة الضحى. وروي: " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: { فسبحان الله حين تمسون... } إلى { تظهرون } وقيل: وفى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة: التآئبون [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: إن المسلمين... [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون }. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. وروي: أنه كان يوم يضيف ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسر ما في تلك الصحف فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وزرا، و " أن " مخففة، وكأن قائلا قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لما نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. ه يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان ": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، { ثم يجزاه } أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: { الجزاء الأوفى } أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلسه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منته نفسه، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غره أحد حتى رده، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأن فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأن سعيه سوف يرى؟ أي: يظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيم الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: { وأن إلى ربك المنتهى }.

النجم 53:35

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان { وأعطى قليلا وأكدى } أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: " هو فيمن كفر بعد الإيمان " ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين، وقال: تركت دين الأشياخ، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: يعلم هذا المغرور أن له حق؟ { أم لم ينبأ } يخبر { بما في صحف موسى } أي: التوراة، { وإبراهيم } أي: وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي: أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفى بمقتضى قوله: { حسبي الله } وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار " وهي صلاة الضحى. وروي: " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: { فسبحان الله حين تمسون... } إلى { تظهرون } وقيل: وفى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة: التآئبون [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: إن المسلمين... [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون }. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. وروي: أنه كان يوم يضيف ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسر ما في تلك الصحف فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وزرا، و " أن " مخففة، وكأن قائلا قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لما نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. ه يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان ": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، { ثم يجزاه } أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: { الجزاء الأوفى } أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلسه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منته نفسه، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غره أحد حتى رده، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأن فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأن سعيه سوف يرى؟ أي: يظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيم الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: { وأن إلى ربك المنتهى }.

النجم 53:36

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان { وأعطى قليلا وأكدى } أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: " هو فيمن كفر بعد الإيمان " ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين، وقال: تركت دين الأشياخ، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: يعلم هذا المغرور أن له حق؟ { أم لم ينبأ } يخبر { بما في صحف موسى } أي: التوراة، { وإبراهيم } أي: وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي: أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفى بمقتضى قوله: { حسبي الله } وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار " وهي صلاة الضحى. وروي: " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: { فسبحان الله حين تمسون... } إلى { تظهرون } وقيل: وفى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة: التآئبون [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: إن المسلمين... [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون }. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. وروي: أنه كان يوم يضيف ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسر ما في تلك الصحف فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وزرا، و " أن " مخففة، وكأن قائلا قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لما نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. ه يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان ": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، { ثم يجزاه } أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: { الجزاء الأوفى } أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلسه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منته نفسه، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غره أحد حتى رده، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأن فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأن سعيه سوف يرى؟ أي: يظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيم الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: { وأن إلى ربك المنتهى }.

النجم 53:37

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان { وأعطى قليلا وأكدى } أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: " هو فيمن كفر بعد الإيمان " ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين، وقال: تركت دين الأشياخ، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: يعلم هذا المغرور أن له حق؟ { أم لم ينبأ } يخبر { بما في صحف موسى } أي: التوراة، { وإبراهيم } أي: وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي: أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفى بمقتضى قوله: { حسبي الله } وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار " وهي صلاة الضحى. وروي: " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: { فسبحان الله حين تمسون... } إلى { تظهرون } وقيل: وفى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة: التآئبون [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: إن المسلمين... [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون }. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. وروي: أنه كان يوم يضيف ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسر ما في تلك الصحف فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وزرا، و " أن " مخففة، وكأن قائلا قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لما نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. ه يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان ": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، { ثم يجزاه } أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: { الجزاء الأوفى } أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلسه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منته نفسه، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غره أحد حتى رده، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأن فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأن سعيه سوف يرى؟ أي: يظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيم الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: { وأن إلى ربك المنتهى }.

النجم 53:38

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان { وأعطى قليلا وأكدى } أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: " هو فيمن كفر بعد الإيمان " ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين، وقال: تركت دين الأشياخ، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: يعلم هذا المغرور أن له حق؟ { أم لم ينبأ } يخبر { بما في صحف موسى } أي: التوراة، { وإبراهيم } أي: وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي: أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفى بمقتضى قوله: { حسبي الله } وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار " وهي صلاة الضحى. وروي: " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: { فسبحان الله حين تمسون... } إلى { تظهرون } وقيل: وفى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة: التآئبون [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: إن المسلمين... [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون }. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. وروي: أنه كان يوم يضيف ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسر ما في تلك الصحف فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وزرا، و " أن " مخففة، وكأن قائلا قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لما نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. ه يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان ": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، { ثم يجزاه } أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: { الجزاء الأوفى } أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلسه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منته نفسه، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غره أحد حتى رده، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأن فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأن سعيه سوف يرى؟ أي: يظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيم الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: { وأن إلى ربك المنتهى }.

النجم 53:39

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان { وأعطى قليلا وأكدى } أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: " هو فيمن كفر بعد الإيمان " ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين، وقال: تركت دين الأشياخ، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: يعلم هذا المغرور أن له حق؟ { أم لم ينبأ } يخبر { بما في صحف موسى } أي: التوراة، { وإبراهيم } أي: وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي: أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفى بمقتضى قوله: { حسبي الله } وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار " وهي صلاة الضحى. وروي: " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: { فسبحان الله حين تمسون... } إلى { تظهرون } وقيل: وفى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة: التآئبون [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: إن المسلمين... [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون }. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. وروي: أنه كان يوم يضيف ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسر ما في تلك الصحف فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وزرا، و " أن " مخففة، وكأن قائلا قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لما نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. ه يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان ": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، { ثم يجزاه } أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: { الجزاء الأوفى } أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلسه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منته نفسه، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غره أحد حتى رده، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأن فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأن سعيه سوف يرى؟ أي: يظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيم الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: { وأن إلى ربك المنتهى }.

النجم 53:40

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان { وأعطى قليلا وأكدى } أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: " هو فيمن كفر بعد الإيمان " ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين، وقال: تركت دين الأشياخ، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: يعلم هذا المغرور أن له حق؟ { أم لم ينبأ } يخبر { بما في صحف موسى } أي: التوراة، { وإبراهيم } أي: وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي: أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفى بمقتضى قوله: { حسبي الله } وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار " وهي صلاة الضحى. وروي: " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: { فسبحان الله حين تمسون... } إلى { تظهرون } وقيل: وفى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة: التآئبون [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: إن المسلمين... [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون }. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. وروي: أنه كان يوم يضيف ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسر ما في تلك الصحف فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وزرا، و " أن " مخففة، وكأن قائلا قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لما نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. ه يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان ": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، { ثم يجزاه } أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: { الجزاء الأوفى } أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلسه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منته نفسه، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غره أحد حتى رده، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأن فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأن سعيه سوف يرى؟ أي: يظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيم الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: { وأن إلى ربك المنتهى }.

النجم 53:41

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان { وأعطى قليلا وأكدى } أي: قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية - وهي صلابة، كالصخرة - فيمسك عن الحفر. قال ابن عباس: " هو فيمن كفر بعد الإيمان " ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض الكافرين، وقال: تركت دين الأشياخ، وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه، أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل ذلك المغرور، وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل به ومنعه. { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: يعلم هذا المغرور أن له حق؟ { أم لم ينبأ } يخبر { بما في صحف موسى } أي: التوراة، { وإبراهيم } أي: وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي: أكمل وأتم ما ابتلي به من الكلمات، أو: ما أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن عطاء بن السائب: عهد ألا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وقال الشيخ المرسي: وفى بمقتضى قوله: { حسبي الله } وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار " وهي صلاة الضحى. وروي: " ألا أخبركم لم سمى خليله " الذي وفى " كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: { فسبحان الله حين تمسون... } إلى { تظهرون } وقيل: وفى سهام الإسلام، وهي ثلاثون، عشرة في التوبة: التآئبون [التوبة: 112] الخ، وعشرة في الأحزاب: إن المسلمين... [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون }. وقيل: وفي حيث أسلم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان. وروي: أنه كان يوم يضيف ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى لأن صحفه وهي التوراة أكثر وأشهر. ثم فسر ما في تلك الصحف فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، بل كل نفس تستقل بحمل وزرها، يقال: وزر يزر إذا اكتسب وزرا، و " أن " مخففة، وكأن قائلا قال: ما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: ألا تحمل نفس مثقلة بوزرها وزر نفس أخرى. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } هو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم، وهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم انتفاعه من حيث رفع الضرر عنه به، وأما ما صح من الأخبار في الصدقة عن الميت والحج عنه، فلأنه لما نواه عنه كان كالوكيل عنه، فهو نائب عنه. قال ابن عطية: الجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. ه يعني: أن المراد: الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلا لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان ": وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلا. والحاصل: أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي: وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال: وجدنا الأمر خلاف ذلك. قلت: أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم. ثم قال: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه، { ثم يجزاه } أي: يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، وجزاه عليه، بحذف الجار وإيصال الفعل، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: { الجزاء الأوفى } أو: أبدله منه، أي: الجزاء الأكمل بحيث يزيده ولا ينقصه. الإشارة: أفرأيت الذي تولى عن طريق السلوك، بعد أن أعطى نفسه وفلسه، وتوجه إلى حضرة مولاه، ثم منته نفسه، وغرته أنه يصل بلا عطاء ولا مجاهدة، فقطع ذلك واشتغل بنفسه، أو غره أحد حتى رده، وضمن له الوصول، بلا ذلك، أعنده علم الغيب حتى علم أنه يصل بلا واسطة ولا مجاهدة؟ فهو يرى عاقبة ما هو سائر إليه. وتصدق الإشارة بمن صحب شيخا، وأعطاء بعض ماله أو نفسه، ثم رجع ومال إلى غيره، فلا يأتي منه شيء، أعنده علم الغيب، وأن فتحه على يد ذلك الشخصن فهو يرى ما فيه صلاح وفساده؟ وهذا إن كان شيخه أهلا للتربية، وإلا فلا. أم لم ينبأ هذا المنقطع بما في صحف موسى وإبراهيم، أنه لا يتحمل أحد عن أحد مجاهدة النفوس ورياضتها؟ وأن ليس للإنسان من لذة الشهود والعيان إلا ما سعى فيه بالمجاهدة، وبذل النفس والفلس، وأن سعيه سوف يرى؟ أي: يظهر أثره من الأخلاق الحسنة، والرزانة والطمأنينة، وبهجة المحبين، وسيما العارفين. وقسم القشيري السعي على أربعة أقسام: الأول: السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته: النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيم الجنان. الثاني: السعي في تصفية القلب من صداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته: صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث: السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع: السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. ه. بالمعنى. وإلى هذا الأنتهاء أشار تعالى بقوله: { وأن إلى ربك المنتهى }.

النجم 53:42

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:43

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:44

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:45

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:46

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:47

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:48

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:49

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:50

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:51

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:52

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:53

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:54

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:55

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:56

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:57

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:58

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:59

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:60

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:61

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النجم 53:62

يقول الحق جل جلاله في بقية ذكر ما في الصحف الأولى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون، إليه كقوله: وإلى المصير [الحج: 48] أو: ينتهي علم العلماء إليه ثم يقفون، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا فكرة في الرب " أي: كنه الذات، وسيأتي في الإشارة: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: خلق الضحك والبكاء، أو: خلق الفرح والحزن، أو: أضحك المؤمنين في الأخرة، وأبكى الكافرين، أو: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، { وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات الآباء وأحياء الأبناء، أو: أمات بالكفر وأحيا بالإيمان. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى }: إذ تدفق وتدفع في الرحم. يقال: منى وأمنى، { وأن عليه النشأة الأخرى } الإحياء بعد الموت، { وأنه هو أغنى } أي: صير الفقير غنيا { وأقنى } أي: أعطى القنية، وهو المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك. { وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها. سن لهم ذلك " ابن أبي كبشة " رجل من أشرافهم، قال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى طولا، ويقال لها: شعرى العبور. انظر الثعلبي. وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة، تشبيها له صلى الله عليه وسلم به، لمخالفته إياهم في دينهم، فأخبر تعالى أنه رب معبودهم، فهو أحق بالعبادة وحده. { وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود، وعاد الأخرى: عاد إرم، وقيل: معنى الأولى العدمي لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح، وقال الطبري وغيره: سميت " أولى " لأن ثم عادا آخرة، وهي قبلية كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال. والله أعلم. ه. { قلت }: والتحقيق: أن عادا الأولى هي عاد إرم، وهي قبيلة هود التي هلكت بالريح، ثم بقيت منهم بقايا، فكثروا وعمروا بعدهم، فقيل لهم عاد الأخيرة، وانظر أبا السعود في سورة الفجر. وها هنا قراءات، وجهناها في كتاب الدرر. { وثمودا } أي: وأهلك ثمودا، وهم قوم صالح، { فما أبقى } أحدا منهم، { وقم نوح من قبل } وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم كانوا أظلم وأطغى } من عاد وثمود لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون منه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، { والمؤتفكة } أي: والقرى التي ائتفكت، أي: انقلبت بأهلها، وهم قوم لوط. يقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب، { والمؤتفكة } منصوب ب { أهوى } أي: رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها، { فغشاها } ألبسها من فنون العذاب { ما غشى } وفيه تهويل لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود. { فبأي آلاء ربك } أيها المخاطب { تتمارى } أي: تتشكك؟ أي: فبأي نعم من نعم مولاك تجحد ولا تشكر؟ فكم أولاك من النعم، ودفع عنك من النقم، وتسمية الأمور المتعددة قبل نعما مع أن بعضها نقم لأنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة الأنبياء والمرسلين، وعظة وعبرة للمعتبرين. { هذا نذير } أي: محمد منذر { من النذر الأولى } من المنذرين الأولين، وقال: " الأولى " على تأويل الجماعة، أو: هذا القرآن نذير من النذر الأولى، أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي إنذر بها من قبلكم. { أزفت الآزفة } أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب من قوله: اقتربت الساعة [القمر: 1]، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس لها نفس مبينة وقت قيامها إلا الله تعالى، وهذا كقوله: لا يجليها لوقتهآ إلا هو [الأعراف: 187] أو: ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا الله تعالى، فيكشفها عمن شاء، ويعذب بها من شاء. ولما استهزؤوا بالقرآن، الناطق بأهوال القيامة، نزل قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون } إنكارا، { وتضحكون } استهزاء، { ولا تبكون } خشوعا، { وأنتم سامدون } غافلون، أو: لاهون لاعبون، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، { فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا معه غيره، من اللات والعزى ومناة والشعرى، وغيرها من الأصنام، أي: اعبدوا رب الأرباب، وسارعوا له، رجاء في رحمته. والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع، أي: إذا كان الأمر كذلك فساجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. الإشارة: { وأن إلى ربك المنتهى } انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى الله، والعكوف في حضرته. ومعنى في حضرته. ومعنى الوصول إلى الله: العلم بأحدية وجوده، فيمتحي وجود العبد في وجود الرب، وتضمحل الكائنات في وجود المكون، فتسقط شفيعة الأثر، وتثبت وترية المؤثر، كما قال القائل: وبروح وراح عاد شفعي وترى وقال الآخر: فلم يبق إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين إلى غير ذلك مما غنوا به من أذواقهم ووجدانهم. ثم قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: قبض وبسط، أو: أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب، وأبكى نفوسا بذل الحجاب، أو: أضحك إذا تجلى بصف الجمال، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة، بمقتضى اسمه القهار، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة، بمقتضى اسمه الغفار، أو: أمات نفوسا عن شهواتها الفانية، وأحيا سبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة فاتصفت بالأوصاف الربانية، أو: أمات أرواحا بغلبة ظلمة النفس واتسيلائها عليها، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها، وغلبة ونورها، فحييت وانقلبت روحا. وأنه خلق الزوجين، أي: الصنفين: الذكر والأنثى، الحس والمعنى، الحقيقية والشريعة، القدرة والحكمة، كما تقدم. وقال القشيري: الروح كأنه ذكر موصوفة بصفة الفاعلية، والنفس أنثى موصوفة بصفة القابلية، لتحصل نتيجة القلب، بحصول المطالب الدنيوية والأخروية. ه. مختصرا. وقال بعضهم: والشيطان كالذكر، والنفس كالأنثى، يتولد بينهما المعصية. ه. { وأن عليه النشأة الأخرى } وهو بعث الأرواح من موت الغفلة، وحشرها إلى موقف المراقبة والمحاسبة، ثم إدخالها جنة المعارف، فلا تتشاق إلى جنة الزخارف أبدا، أو: { النشأة الأخرى }: الجذب بعد السلوك، والفناء بعد البقاء، ثم البقاء بعد الفناء، البقاء الأول بوجود النفس، والثاني بالله. وأنه هو أغنى به بوصول العبد إلى مشاهدته، وأفنى بأن مكنه منه فزاد غناه. وطبل على ماله، { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كل ما عبد من الهوى والدنيا، فكيف يعبد المربوب اللئيم، ويترك الرب الكريم؟! وأنه أهلك عادا الأولى النفوس المتفرعنة، والأهوية المغوية، أرسل عليهم ريح الهداية القوية، حتى اضمحلت وخضعت لمولاها، وثمود الخواطر، فما أبقى منها إلا خواطر الخير، التي تأمر بالخير، وقوم نوح من القواطع الأربعة: النفس، والشيطان، والناس، والدنيا، فطعنهم عن المتوجه من قبل، أي: من قبل أن يتوجه إلينا، لما سبق في علمنا أنهم كانوا هم أظلم وأطغى من بقية العلائق، والنفس المؤتفكة، أي: المنقلبة عن التوجه، أهوى بها في أسفل سافلين، باعتبار أهل عليين، فغشاها من الدنيا ومن الخواطر والهموم والغموم، ما غشى. فإذا سلمت أيها العبد من هؤلاء القواطع والعلائق، وتوجهت إلى مولاك، { فبأي آلاء ربك تتمارى؟ } بل الواجب عليك أن تشكر الله آناء الليل والنهار. هذا الذي أخذ بيدك نذير من النذر الأولى، المتقدمين الداعين إلى الله في كل زمان، أزفت الآزفة، أي: قربت ساعة الفتح حين توجهت وانقطعت عنك العلائق، ووجدت من يدخلك بحر الحقائق، ليس لها من دون الله كاشفة، لا يكشف لك هذه الحقائق إلا الذي من عليك بصحبة من يدلك عليه. قال القشيري: أزفت الآزفة: قربت الحقيقة بالقرب والدنو، وأنت أيها السالك في عينها، وما لك بها شعور، لفنائك في أوصافك النفسانية، ه مختصرا. أفمن هذا الحديث العجيب، والغزل الرقيق الغريب، تعجبون، إنكارا، وتضحكون استهزاء؟ قلت: وقد رأيت كثيرا ممن ينكر الإشارة، ويستهزئ بها، ويتنكب مطالعتها، وقد قيل: من كره شيئا عاداه. ولا تبكون على أنفسكم، حيث حرمت من هذه المواهب، وأنتم سامدون غافلون لاهون، للدنيا طالبون، فاسجدوا لله واعبدوا، وتضرعوا إليه، حتى يخرجكم من سجن هواكم ونفوسكم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

القمر 54:1

يقول الحق جل جلاله: { اقتربت الساعة } قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أن ما بقي من الزمان إلى القيامة قليل بالإضافة إلى ما مضى. ه. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. ه. { وانشق القمر } نصفين، وقرئ: و " قد انشق القمر " ، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير، وقد جاء البشير بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " قال ابن عباس: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين، فقال: " إن فعلت أتؤمنون؟ " فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه فانشق فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين. وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. ه. وقيل: معناه: انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يقال: لو انشق لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواترا لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلا، وجل الناس نائمون، وأيضا: عادة الله تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلا من ظهرت لأجله في الغالب. تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير. ه. { وإن يروا } أي: أهل مكة { آية } تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم { يعرضوا } عن الإيمان { ويقولوا سحر مستمر } محكم شديد قوي، من: المرة، وهي القوة، أو: دائم مطرد. روي: أنه لما انشق قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السفار، فلما قدموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأيته، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت. قال البيضاوي: دل قوله: { مستمر } على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. ه. أو: مستمر، ذاهب ومار، يزول ولا يبقى، من: مر الشيء واستمر: ذهب. { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } الباطلة، وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحر القمر، أو: سحر أعيننا، { وكل أمر } وعدهم الله به { مستقر } كائن في وقته، أو: كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقرئ " مستقر " بالجر، فيعطف على " الساعة " ، أي: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، يعني: أشراطها. { ولقد جاءهم } أي: اهل مكة في القرآن { من الأنباء } من أخبار القرون الماضية، وكيف أهلكوا بالتكذيب { ما فيه مزدجر } أي: ازدجار عن الكفر والعناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال ليناسب الميم. { حكمة بالغة } بدل من " ما " ، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم، قال القشيري: والحكمة البالغة: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكر فيها. ه. قال المحلي: وصفت بالبلاغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه. { فما تغن النذر } شيئا، حيث سبق القدر بكفرهم، و " ما " نافية، أو استفهامية منصوبة ب " تغن " ، أي: فأي إغناء تغني النذر مع سابق القدر؟ والنذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الإغناء، واستمراره حسب تجدد مجيء الزواجر واستمرارها. { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم شيئا، واذكر { يوم يدع الداع } وهو إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: منكر فظيع، تنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. { خشعا أبصارهم يخرجون } ف " خشعا ": حال من فاعل " يخرجون " ، أي: { يخرجون من الأجداث } أذلة أبصارهم من شدة الهول لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومن قرأ: " خاشعا " فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما من قرأ بالجمع، فهو على لغة: " أكلوني البراغيث " ، { كأنهم جراد منتشر } في الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد فقال: اللهم أعشها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. ه. ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، { يقول الكافرون } استئناف بياني، وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأن قائلا قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: { يقول الكافرون هذا يوم عسر } صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمن جد في السير، ولازم صحبة أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان: كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. قال: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " راجعة إلى الساعة الصغرى. ه. أي: من مات عن رؤية نفسه قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: { وانشق القمر } أي: قمر الإيمان فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبق لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يروا - أي: أهل الغفلة والحجاب - آية تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يعرضوا منكرين، ويقولوا: { هذا سحر مستمر... } الآية، وكل أمر قدره الحق - تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدم ولا يتأخر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فربما عوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهل الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: " من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب " فما تغن النذر إذا سبق الخذلان، فتول أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على من طغى وتجبر. ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيرا لقوله: { ولقد جاءهم من الأنباء } فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح }.

القمر 54:2

يقول الحق جل جلاله: { اقتربت الساعة } قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أن ما بقي من الزمان إلى القيامة قليل بالإضافة إلى ما مضى. ه. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. ه. { وانشق القمر } نصفين، وقرئ: و " قد انشق القمر " ، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير، وقد جاء البشير بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " قال ابن عباس: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين، فقال: " إن فعلت أتؤمنون؟ " فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه فانشق فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين. وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. ه. وقيل: معناه: انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يقال: لو انشق لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواترا لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلا، وجل الناس نائمون، وأيضا: عادة الله تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلا من ظهرت لأجله في الغالب. تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير. ه. { وإن يروا } أي: أهل مكة { آية } تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم { يعرضوا } عن الإيمان { ويقولوا سحر مستمر } محكم شديد قوي، من: المرة، وهي القوة، أو: دائم مطرد. روي: أنه لما انشق قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السفار، فلما قدموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأيته، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت. قال البيضاوي: دل قوله: { مستمر } على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. ه. أو: مستمر، ذاهب ومار، يزول ولا يبقى، من: مر الشيء واستمر: ذهب. { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } الباطلة، وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحر القمر، أو: سحر أعيننا، { وكل أمر } وعدهم الله به { مستقر } كائن في وقته، أو: كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقرئ " مستقر " بالجر، فيعطف على " الساعة " ، أي: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، يعني: أشراطها. { ولقد جاءهم } أي: اهل مكة في القرآن { من الأنباء } من أخبار القرون الماضية، وكيف أهلكوا بالتكذيب { ما فيه مزدجر } أي: ازدجار عن الكفر والعناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال ليناسب الميم. { حكمة بالغة } بدل من " ما " ، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم، قال القشيري: والحكمة البالغة: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكر فيها. ه. قال المحلي: وصفت بالبلاغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه. { فما تغن النذر } شيئا، حيث سبق القدر بكفرهم، و " ما " نافية، أو استفهامية منصوبة ب " تغن " ، أي: فأي إغناء تغني النذر مع سابق القدر؟ والنذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الإغناء، واستمراره حسب تجدد مجيء الزواجر واستمرارها. { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم شيئا، واذكر { يوم يدع الداع } وهو إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: منكر فظيع، تنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. { خشعا أبصارهم يخرجون } ف " خشعا ": حال من فاعل " يخرجون " ، أي: { يخرجون من الأجداث } أذلة أبصارهم من شدة الهول لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومن قرأ: " خاشعا " فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما من قرأ بالجمع، فهو على لغة: " أكلوني البراغيث " ، { كأنهم جراد منتشر } في الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد فقال: اللهم أعشها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. ه. ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، { يقول الكافرون } استئناف بياني، وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأن قائلا قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: { يقول الكافرون هذا يوم عسر } صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمن جد في السير، ولازم صحبة أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان: كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. قال: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " راجعة إلى الساعة الصغرى. ه. أي: من مات عن رؤية نفسه قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: { وانشق القمر } أي: قمر الإيمان فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبق لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يروا - أي: أهل الغفلة والحجاب - آية تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يعرضوا منكرين، ويقولوا: { هذا سحر مستمر... } الآية، وكل أمر قدره الحق - تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدم ولا يتأخر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فربما عوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهل الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: " من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب " فما تغن النذر إذا سبق الخذلان، فتول أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على من طغى وتجبر. ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيرا لقوله: { ولقد جاءهم من الأنباء } فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح }.

القمر 54:3

يقول الحق جل جلاله: { اقتربت الساعة } قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أن ما بقي من الزمان إلى القيامة قليل بالإضافة إلى ما مضى. ه. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. ه. { وانشق القمر } نصفين، وقرئ: و " قد انشق القمر " ، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير، وقد جاء البشير بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " قال ابن عباس: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين، فقال: " إن فعلت أتؤمنون؟ " فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه فانشق فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين. وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. ه. وقيل: معناه: انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يقال: لو انشق لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواترا لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلا، وجل الناس نائمون، وأيضا: عادة الله تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلا من ظهرت لأجله في الغالب. تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير. ه. { وإن يروا } أي: أهل مكة { آية } تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم { يعرضوا } عن الإيمان { ويقولوا سحر مستمر } محكم شديد قوي، من: المرة، وهي القوة، أو: دائم مطرد. روي: أنه لما انشق قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السفار، فلما قدموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأيته، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت. قال البيضاوي: دل قوله: { مستمر } على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. ه. أو: مستمر، ذاهب ومار، يزول ولا يبقى، من: مر الشيء واستمر: ذهب. { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } الباطلة، وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحر القمر، أو: سحر أعيننا، { وكل أمر } وعدهم الله به { مستقر } كائن في وقته، أو: كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقرئ " مستقر " بالجر، فيعطف على " الساعة " ، أي: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، يعني: أشراطها. { ولقد جاءهم } أي: اهل مكة في القرآن { من الأنباء } من أخبار القرون الماضية، وكيف أهلكوا بالتكذيب { ما فيه مزدجر } أي: ازدجار عن الكفر والعناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال ليناسب الميم. { حكمة بالغة } بدل من " ما " ، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم، قال القشيري: والحكمة البالغة: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكر فيها. ه. قال المحلي: وصفت بالبلاغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه. { فما تغن النذر } شيئا، حيث سبق القدر بكفرهم، و " ما " نافية، أو استفهامية منصوبة ب " تغن " ، أي: فأي إغناء تغني النذر مع سابق القدر؟ والنذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الإغناء، واستمراره حسب تجدد مجيء الزواجر واستمرارها. { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم شيئا، واذكر { يوم يدع الداع } وهو إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: منكر فظيع، تنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. { خشعا أبصارهم يخرجون } ف " خشعا ": حال من فاعل " يخرجون " ، أي: { يخرجون من الأجداث } أذلة أبصارهم من شدة الهول لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومن قرأ: " خاشعا " فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما من قرأ بالجمع، فهو على لغة: " أكلوني البراغيث " ، { كأنهم جراد منتشر } في الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد فقال: اللهم أعشها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. ه. ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، { يقول الكافرون } استئناف بياني، وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأن قائلا قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: { يقول الكافرون هذا يوم عسر } صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمن جد في السير، ولازم صحبة أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان: كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. قال: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " راجعة إلى الساعة الصغرى. ه. أي: من مات عن رؤية نفسه قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: { وانشق القمر } أي: قمر الإيمان فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبق لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يروا - أي: أهل الغفلة والحجاب - آية تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يعرضوا منكرين، ويقولوا: { هذا سحر مستمر... } الآية، وكل أمر قدره الحق - تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدم ولا يتأخر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فربما عوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهل الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: " من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب " فما تغن النذر إذا سبق الخذلان، فتول أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على من طغى وتجبر. ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيرا لقوله: { ولقد جاءهم من الأنباء } فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح }.

القمر 54:4

يقول الحق جل جلاله: { اقتربت الساعة } قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أن ما بقي من الزمان إلى القيامة قليل بالإضافة إلى ما مضى. ه. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. ه. { وانشق القمر } نصفين، وقرئ: و " قد انشق القمر " ، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير، وقد جاء البشير بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " قال ابن عباس: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين، فقال: " إن فعلت أتؤمنون؟ " فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه فانشق فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين. وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. ه. وقيل: معناه: انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يقال: لو انشق لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواترا لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلا، وجل الناس نائمون، وأيضا: عادة الله تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلا من ظهرت لأجله في الغالب. تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير. ه. { وإن يروا } أي: أهل مكة { آية } تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم { يعرضوا } عن الإيمان { ويقولوا سحر مستمر } محكم شديد قوي، من: المرة، وهي القوة، أو: دائم مطرد. روي: أنه لما انشق قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السفار، فلما قدموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأيته، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت. قال البيضاوي: دل قوله: { مستمر } على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. ه. أو: مستمر، ذاهب ومار، يزول ولا يبقى، من: مر الشيء واستمر: ذهب. { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } الباطلة، وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحر القمر، أو: سحر أعيننا، { وكل أمر } وعدهم الله به { مستقر } كائن في وقته، أو: كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقرئ " مستقر " بالجر، فيعطف على " الساعة " ، أي: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، يعني: أشراطها. { ولقد جاءهم } أي: اهل مكة في القرآن { من الأنباء } من أخبار القرون الماضية، وكيف أهلكوا بالتكذيب { ما فيه مزدجر } أي: ازدجار عن الكفر والعناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال ليناسب الميم. { حكمة بالغة } بدل من " ما " ، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم، قال القشيري: والحكمة البالغة: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكر فيها. ه. قال المحلي: وصفت بالبلاغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه. { فما تغن النذر } شيئا، حيث سبق القدر بكفرهم، و " ما " نافية، أو استفهامية منصوبة ب " تغن " ، أي: فأي إغناء تغني النذر مع سابق القدر؟ والنذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الإغناء، واستمراره حسب تجدد مجيء الزواجر واستمرارها. { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم شيئا، واذكر { يوم يدع الداع } وهو إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: منكر فظيع، تنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. { خشعا أبصارهم يخرجون } ف " خشعا ": حال من فاعل " يخرجون " ، أي: { يخرجون من الأجداث } أذلة أبصارهم من شدة الهول لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومن قرأ: " خاشعا " فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما من قرأ بالجمع، فهو على لغة: " أكلوني البراغيث " ، { كأنهم جراد منتشر } في الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد فقال: اللهم أعشها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. ه. ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، { يقول الكافرون } استئناف بياني، وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأن قائلا قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: { يقول الكافرون هذا يوم عسر } صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمن جد في السير، ولازم صحبة أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان: كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. قال: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " راجعة إلى الساعة الصغرى. ه. أي: من مات عن رؤية نفسه قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: { وانشق القمر } أي: قمر الإيمان فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبق لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يروا - أي: أهل الغفلة والحجاب - آية تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يعرضوا منكرين، ويقولوا: { هذا سحر مستمر... } الآية، وكل أمر قدره الحق - تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدم ولا يتأخر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فربما عوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهل الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: " من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب " فما تغن النذر إذا سبق الخذلان، فتول أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على من طغى وتجبر. ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيرا لقوله: { ولقد جاءهم من الأنباء } فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح }.

القمر 54:5

يقول الحق جل جلاله: { اقتربت الساعة } قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أن ما بقي من الزمان إلى القيامة قليل بالإضافة إلى ما مضى. ه. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. ه. { وانشق القمر } نصفين، وقرئ: و " قد انشق القمر " ، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير، وقد جاء البشير بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " قال ابن عباس: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين، فقال: " إن فعلت أتؤمنون؟ " فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه فانشق فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين. وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. ه. وقيل: معناه: انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يقال: لو انشق لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواترا لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلا، وجل الناس نائمون، وأيضا: عادة الله تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلا من ظهرت لأجله في الغالب. تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير. ه. { وإن يروا } أي: أهل مكة { آية } تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم { يعرضوا } عن الإيمان { ويقولوا سحر مستمر } محكم شديد قوي، من: المرة، وهي القوة، أو: دائم مطرد. روي: أنه لما انشق قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السفار، فلما قدموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأيته، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت. قال البيضاوي: دل قوله: { مستمر } على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. ه. أو: مستمر، ذاهب ومار، يزول ولا يبقى، من: مر الشيء واستمر: ذهب. { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } الباطلة، وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحر القمر، أو: سحر أعيننا، { وكل أمر } وعدهم الله به { مستقر } كائن في وقته، أو: كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقرئ " مستقر " بالجر، فيعطف على " الساعة " ، أي: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، يعني: أشراطها. { ولقد جاءهم } أي: اهل مكة في القرآن { من الأنباء } من أخبار القرون الماضية، وكيف أهلكوا بالتكذيب { ما فيه مزدجر } أي: ازدجار عن الكفر والعناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال ليناسب الميم. { حكمة بالغة } بدل من " ما " ، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم، قال القشيري: والحكمة البالغة: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكر فيها. ه. قال المحلي: وصفت بالبلاغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه. { فما تغن النذر } شيئا، حيث سبق القدر بكفرهم، و " ما " نافية، أو استفهامية منصوبة ب " تغن " ، أي: فأي إغناء تغني النذر مع سابق القدر؟ والنذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الإغناء، واستمراره حسب تجدد مجيء الزواجر واستمرارها. { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم شيئا، واذكر { يوم يدع الداع } وهو إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: منكر فظيع، تنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. { خشعا أبصارهم يخرجون } ف " خشعا ": حال من فاعل " يخرجون " ، أي: { يخرجون من الأجداث } أذلة أبصارهم من شدة الهول لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومن قرأ: " خاشعا " فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما من قرأ بالجمع، فهو على لغة: " أكلوني البراغيث " ، { كأنهم جراد منتشر } في الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد فقال: اللهم أعشها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. ه. ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، { يقول الكافرون } استئناف بياني، وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأن قائلا قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: { يقول الكافرون هذا يوم عسر } صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمن جد في السير، ولازم صحبة أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان: كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. قال: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " راجعة إلى الساعة الصغرى. ه. أي: من مات عن رؤية نفسه قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: { وانشق القمر } أي: قمر الإيمان فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبق لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يروا - أي: أهل الغفلة والحجاب - آية تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يعرضوا منكرين، ويقولوا: { هذا سحر مستمر... } الآية، وكل أمر قدره الحق - تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدم ولا يتأخر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فربما عوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهل الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: " من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب " فما تغن النذر إذا سبق الخذلان، فتول أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على من طغى وتجبر. ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيرا لقوله: { ولقد جاءهم من الأنباء } فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح }.

القمر 54:6

يقول الحق جل جلاله: { اقتربت الساعة } قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أن ما بقي من الزمان إلى القيامة قليل بالإضافة إلى ما مضى. ه. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. ه. { وانشق القمر } نصفين، وقرئ: و " قد انشق القمر " ، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير، وقد جاء البشير بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " قال ابن عباس: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين، فقال: " إن فعلت أتؤمنون؟ " فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه فانشق فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين. وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. ه. وقيل: معناه: انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يقال: لو انشق لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواترا لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلا، وجل الناس نائمون، وأيضا: عادة الله تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلا من ظهرت لأجله في الغالب. تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير. ه. { وإن يروا } أي: أهل مكة { آية } تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم { يعرضوا } عن الإيمان { ويقولوا سحر مستمر } محكم شديد قوي، من: المرة، وهي القوة، أو: دائم مطرد. روي: أنه لما انشق قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السفار، فلما قدموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأيته، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت. قال البيضاوي: دل قوله: { مستمر } على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. ه. أو: مستمر، ذاهب ومار، يزول ولا يبقى، من: مر الشيء واستمر: ذهب. { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } الباطلة، وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحر القمر، أو: سحر أعيننا، { وكل أمر } وعدهم الله به { مستقر } كائن في وقته، أو: كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقرئ " مستقر " بالجر، فيعطف على " الساعة " ، أي: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، يعني: أشراطها. { ولقد جاءهم } أي: اهل مكة في القرآن { من الأنباء } من أخبار القرون الماضية، وكيف أهلكوا بالتكذيب { ما فيه مزدجر } أي: ازدجار عن الكفر والعناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال ليناسب الميم. { حكمة بالغة } بدل من " ما " ، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم، قال القشيري: والحكمة البالغة: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكر فيها. ه. قال المحلي: وصفت بالبلاغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه. { فما تغن النذر } شيئا، حيث سبق القدر بكفرهم، و " ما " نافية، أو استفهامية منصوبة ب " تغن " ، أي: فأي إغناء تغني النذر مع سابق القدر؟ والنذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الإغناء، واستمراره حسب تجدد مجيء الزواجر واستمرارها. { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم شيئا، واذكر { يوم يدع الداع } وهو إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: منكر فظيع، تنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. { خشعا أبصارهم يخرجون } ف " خشعا ": حال من فاعل " يخرجون " ، أي: { يخرجون من الأجداث } أذلة أبصارهم من شدة الهول لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومن قرأ: " خاشعا " فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما من قرأ بالجمع، فهو على لغة: " أكلوني البراغيث " ، { كأنهم جراد منتشر } في الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد فقال: اللهم أعشها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. ه. ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، { يقول الكافرون } استئناف بياني، وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأن قائلا قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: { يقول الكافرون هذا يوم عسر } صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمن جد في السير، ولازم صحبة أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان: كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. قال: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " راجعة إلى الساعة الصغرى. ه. أي: من مات عن رؤية نفسه قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: { وانشق القمر } أي: قمر الإيمان فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبق لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يروا - أي: أهل الغفلة والحجاب - آية تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يعرضوا منكرين، ويقولوا: { هذا سحر مستمر... } الآية، وكل أمر قدره الحق - تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدم ولا يتأخر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فربما عوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهل الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: " من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب " فما تغن النذر إذا سبق الخذلان، فتول أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على من طغى وتجبر. ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيرا لقوله: { ولقد جاءهم من الأنباء } فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح }.

القمر 54:7

يقول الحق جل جلاله: { اقتربت الساعة } قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أن ما بقي من الزمان إلى القيامة قليل بالإضافة إلى ما مضى. ه. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. ه. { وانشق القمر } نصفين، وقرئ: و " قد انشق القمر " ، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير، وقد جاء البشير بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " قال ابن عباس: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين، فقال: " إن فعلت أتؤمنون؟ " فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه فانشق فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين. وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. ه. وقيل: معناه: انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يقال: لو انشق لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواترا لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلا، وجل الناس نائمون، وأيضا: عادة الله تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلا من ظهرت لأجله في الغالب. تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير. ه. { وإن يروا } أي: أهل مكة { آية } تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم { يعرضوا } عن الإيمان { ويقولوا سحر مستمر } محكم شديد قوي، من: المرة، وهي القوة، أو: دائم مطرد. روي: أنه لما انشق قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السفار، فلما قدموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأيته، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت. قال البيضاوي: دل قوله: { مستمر } على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. ه. أو: مستمر، ذاهب ومار، يزول ولا يبقى، من: مر الشيء واستمر: ذهب. { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } الباطلة، وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحر القمر، أو: سحر أعيننا، { وكل أمر } وعدهم الله به { مستقر } كائن في وقته، أو: كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقرئ " مستقر " بالجر، فيعطف على " الساعة " ، أي: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، يعني: أشراطها. { ولقد جاءهم } أي: اهل مكة في القرآن { من الأنباء } من أخبار القرون الماضية، وكيف أهلكوا بالتكذيب { ما فيه مزدجر } أي: ازدجار عن الكفر والعناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال ليناسب الميم. { حكمة بالغة } بدل من " ما " ، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم، قال القشيري: والحكمة البالغة: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكر فيها. ه. قال المحلي: وصفت بالبلاغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه. { فما تغن النذر } شيئا، حيث سبق القدر بكفرهم، و " ما " نافية، أو استفهامية منصوبة ب " تغن " ، أي: فأي إغناء تغني النذر مع سابق القدر؟ والنذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الإغناء، واستمراره حسب تجدد مجيء الزواجر واستمرارها. { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم شيئا، واذكر { يوم يدع الداع } وهو إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: منكر فظيع، تنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. { خشعا أبصارهم يخرجون } ف " خشعا ": حال من فاعل " يخرجون " ، أي: { يخرجون من الأجداث } أذلة أبصارهم من شدة الهول لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومن قرأ: " خاشعا " فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما من قرأ بالجمع، فهو على لغة: " أكلوني البراغيث " ، { كأنهم جراد منتشر } في الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد فقال: اللهم أعشها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. ه. ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، { يقول الكافرون } استئناف بياني، وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأن قائلا قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: { يقول الكافرون هذا يوم عسر } صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمن جد في السير، ولازم صحبة أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان: كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. قال: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " راجعة إلى الساعة الصغرى. ه. أي: من مات عن رؤية نفسه قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: { وانشق القمر } أي: قمر الإيمان فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبق لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يروا - أي: أهل الغفلة والحجاب - آية تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يعرضوا منكرين، ويقولوا: { هذا سحر مستمر... } الآية، وكل أمر قدره الحق - تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدم ولا يتأخر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فربما عوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهل الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: " من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب " فما تغن النذر إذا سبق الخذلان، فتول أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على من طغى وتجبر. ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيرا لقوله: { ولقد جاءهم من الأنباء } فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح }.

القمر 54:8

يقول الحق جل جلاله: { اقتربت الساعة } قربت القيامة، قال القشيري: ومعنى قربها: أن ما بقي من الزمان إلى القيامة قليل بالإضافة إلى ما مضى. ه. قال ابن عطية: وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف. ه. { وانشق القمر } نصفين، وقرئ: و " قد انشق القمر " ، أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير، وقد جاء البشير بقدومه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فكانت أحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا " قال ابن عباس: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين، فقال: " إن فعلت أتؤمنون؟ " فقالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل صلى الله عليه وسلم ربه فانشق فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، وقيل: سألوا آية مجملة، فأراهم انشقاق القمر. قال ابن عطية: وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين. وفي صحيح مسلم: أنه انشق مرتين وصرح في شرح مرتين وصرح في شرح المواقف بأن انشقاقه متواتر. ه. وقيل: معناه: انشق، أي: ينشق يوم القيامة، وهو ضعيف، ولا يقال: لو انشق لما خفي على أهل الأقطار، ولو ظهر عندهم لنقل متواترا لأن الطباع جبلت على نشر العجائب، لأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم أو غيره، مع أنه كان ليلا، وجل الناس نائمون، وأيضا: عادة الله تعالى في معجزاته أنه لا يراها إلا من ظهرت لأجله في الغالب. تنبيه: قال القسطلاني في المواهب اللدنية: ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه، ليس له أصل، كما حكاه الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير. ه. { وإن يروا } أي: أهل مكة { آية } تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم { يعرضوا } عن الإيمان { ويقولوا سحر مستمر } محكم شديد قوي، من: المرة، وهي القوة، أو: دائم مطرد. روي: أنه لما انشق قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة؟ فسلوا السفار، فلما قدموا سألوهم، فقالوا: إنهم قد رأيته، فقالوا: قد استمر سحره في البلاد، فنزلت. قال البيضاوي: دل قوله: { مستمر } على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات سابقة. ه. أو: مستمر، ذاهب ومار، يزول ولا يبقى، من: مر الشيء واستمر: ذهب. { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } الباطلة، وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره، حتى قالوا: سحر القمر، أو: سحر أعيننا، { وكل أمر } وعدهم الله به { مستقر } كائن في وقته، أو: كل أمر قدر واقع لا محالة يستقر في وقته، أو: كل أمر من الخير والشر يقع بأهله من الثواب والعقاب، وقرئ " مستقر " بالجر، فيعطف على " الساعة " ، أي: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، يعني: أشراطها. { ولقد جاءهم } أي: اهل مكة في القرآن { من الأنباء } من أخبار القرون الماضية، وكيف أهلكوا بالتكذيب { ما فيه مزدجر } أي: ازدجار عن الكفر والعناد، يقول: زجرته وازدجرته، أي: منعته، وأصله: ازتجر، افتعل، من الزجر، ولكن التاء إذا وقعت بعد زاي ساكنة أبدلت دالا لأن التاء حرف مهموس، والزاي حرف مجهور. فأبدل من التاء حرف مجهور، وهو الدال ليناسب الميم. { حكمة بالغة } بدل من " ما " ، أو: خبر، أي: هو حكمة بالغة ناهية في الرشد والصواب، أو: بالغة من الله إليهم، قال القشيري: والحكمة البالغة: الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن فكر فيها. ه. قال المحلي: وصفت بالبلاغة لأنها تبلغ من مقصد الوعظ والبيان ما لا يبلغ غيرها ه. { فما تغن النذر } شيئا، حيث سبق القدر بكفرهم، و " ما " نافية، أو استفهامية منصوبة ب " تغن " ، أي: فأي إغناء تغني النذر مع سابق القدر؟ والنذر: جمع نذير، وهم الرسل، أو: المنذر به، أو: مصدر بمعنى الإنذار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد الإغناء، واستمراره حسب تجدد مجيء الزواجر واستمرارها. { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم شيئا، واذكر { يوم يدع الداع } وهو إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: منكر فظيع، تنكره النفوس، لعدم العهد بمثله، وهو هول القيامة. { خشعا أبصارهم يخرجون } ف " خشعا ": حال من فاعل " يخرجون " ، أي: { يخرجون من الأجداث } أذلة أبصارهم من شدة الهول لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهرن في أعينهما، ومن قرأ: " خاشعا " فوجهه: أنه أسند إلى ظاهر، فيجب تجريده كالفعل، وأما من قرأ بالجمع، فهو على لغة: " أكلوني البراغيث " ، { كأنهم جراد منتشر } في الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار. قال ابن عطية: في الحديث: أن مريم دعت للجراد فقال: اللهم أعشها بغير رضاع، وتتابع بينها بغير شباع. ه. ثم وصف خروجهم من القبور، فقال: { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه، { يقول الكافرون } استئناف بياني، وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال، كأن قائلا قال: فماذا يكون حينئذ؟ فقال: { يقول الكافرون هذا يوم عسر } صعب شديد. وفي إسناد هذا القول إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتربت ساعة الفتح لمن جد في السير، ولازم صحبة أهل القرب، قال القشيري: الساعة ساعتان: كبرى، وهي عامة، وصغرى، وهي خاصة بالنسبة إلى السالك إلى الله، برفع الأوصاف البشرية، وقطع العلائق الطبيعية. قال: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " راجعة إلى الساعة الصغرى. ه. أي: من مات عن رؤية نفسه قامت قيامته بلقاء ربه وشهوده. وقوله تعالى: { وانشق القمر } أي: قمر الإيمان فإنه إذا أشرقت عليه شمس العيان، لم يبق لنوره أثر، ليس الخبر كالعيان، وإن يروا - أي: أهل الغفلة والحجاب - آية تدل على طلوع شمس العيان على العبد المخصوص، يعرضوا منكرين، ويقولوا: { هذا سحر مستمر... } الآية، وكل أمر قدره الحق - تعالى في الأزل، من أوقات الفتح أو غيره، مستقر، يستقر ويقع في وقته، لا يتقدم ولا يتأخر، فلا ينبغي للمريد أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فربما عوقب بحرمانه، ولقد جاءهم من الأخبار عن منكري أهل الخصوصية، وما لحق أهل الانتقاد من الهلاك أو الطرد والبعد ما فيه مزدجر، كما فعل بابن البراء وأمثاله، حكمة من الله بالغة، وسنة ماضية، يقول: " من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب " فما تغن النذر إذا سبق الخذلان، فتول أيها السالك عنهم، وعن خوضهم، واشتغل بالله عنهم { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } واذكر الموت وما بعده، فإنه حينئذ يظهر عز الأولياء، وذل الأغبياء، يقولون: هذا يوم عسر على من طغى وتجبر. ثم سرد قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيرا لقوله: { ولقد جاءهم من الأنباء } فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح }.

القمر 54:9

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذبوا تكذيبا عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذب، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، { فكذبوا عبدنا } لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذبيه، { وقالوا مجنون } أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، { وازدجر } أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبطته وذهبت بلبه. { فدعا ربه } حين أيس منهم { أني مغلوب } أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم علي، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. { ففتحنا أبواب السماء بما منهمر } منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. { وفجرنا الأرض عيونا } وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، { فالتقى الماء } أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: " الماءان " ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. { على أمر قد قدر } أي: قضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أن الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء باردا كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إن الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بقي حارا. { وحملناه على ذات ألواح } أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، { ودسر } ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره: إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. { تجري بأعيننا } أي بمرأى منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل " تجري " ، أي: تجري محفوظة { جزاء } مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاء { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقابا لمن كفر بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. { ولقد تركناها } أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها { آية } يعتبر بها من يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجودي، حتى رآها أوائل هذه الأمة. { فهل من مدكر } من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، { فكيف كان عذابي ونذر }؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يحيط بها الوصف، والنذر: جمع نذير، معنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. { فهل من مدكر }؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ قال القشيري: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشف الأرواح من قوم قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. ه. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن، وفي القوت: مما خص الله به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصحف، كلما خلقت صحيفة جددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان، ويسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجعل لنآ إلها [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف، وإلا فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب، وقومه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفس وجنودها القلب، فيما يرد عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر }.

القمر 54:10

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذبوا تكذيبا عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذب، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، { فكذبوا عبدنا } لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذبيه، { وقالوا مجنون } أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، { وازدجر } أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبطته وذهبت بلبه. { فدعا ربه } حين أيس منهم { أني مغلوب } أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم علي، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. { ففتحنا أبواب السماء بما منهمر } منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. { وفجرنا الأرض عيونا } وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، { فالتقى الماء } أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: " الماءان " ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. { على أمر قد قدر } أي: قضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أن الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء باردا كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إن الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بقي حارا. { وحملناه على ذات ألواح } أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، { ودسر } ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره: إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. { تجري بأعيننا } أي بمرأى منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل " تجري " ، أي: تجري محفوظة { جزاء } مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاء { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقابا لمن كفر بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. { ولقد تركناها } أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها { آية } يعتبر بها من يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجودي، حتى رآها أوائل هذه الأمة. { فهل من مدكر } من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، { فكيف كان عذابي ونذر }؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يحيط بها الوصف، والنذر: جمع نذير، معنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. { فهل من مدكر }؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ قال القشيري: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشف الأرواح من قوم قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. ه. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن، وفي القوت: مما خص الله به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصحف، كلما خلقت صحيفة جددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان، ويسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجعل لنآ إلها [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف، وإلا فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب، وقومه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفس وجنودها القلب، فيما يرد عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر }.

القمر 54:11

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذبوا تكذيبا عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذب، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، { فكذبوا عبدنا } لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذبيه، { وقالوا مجنون } أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، { وازدجر } أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبطته وذهبت بلبه. { فدعا ربه } حين أيس منهم { أني مغلوب } أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم علي، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. { ففتحنا أبواب السماء بما منهمر } منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. { وفجرنا الأرض عيونا } وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، { فالتقى الماء } أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: " الماءان " ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. { على أمر قد قدر } أي: قضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أن الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء باردا كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إن الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بقي حارا. { وحملناه على ذات ألواح } أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، { ودسر } ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره: إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. { تجري بأعيننا } أي بمرأى منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل " تجري " ، أي: تجري محفوظة { جزاء } مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاء { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقابا لمن كفر بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. { ولقد تركناها } أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها { آية } يعتبر بها من يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجودي، حتى رآها أوائل هذه الأمة. { فهل من مدكر } من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، { فكيف كان عذابي ونذر }؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يحيط بها الوصف، والنذر: جمع نذير، معنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. { فهل من مدكر }؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ قال القشيري: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشف الأرواح من قوم قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. ه. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن، وفي القوت: مما خص الله به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصحف، كلما خلقت صحيفة جددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان، ويسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجعل لنآ إلها [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف، وإلا فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب، وقومه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفس وجنودها القلب، فيما يرد عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر }.

القمر 54:12

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذبوا تكذيبا عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذب، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، { فكذبوا عبدنا } لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذبيه، { وقالوا مجنون } أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، { وازدجر } أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبطته وذهبت بلبه. { فدعا ربه } حين أيس منهم { أني مغلوب } أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم علي، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. { ففتحنا أبواب السماء بما منهمر } منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. { وفجرنا الأرض عيونا } وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، { فالتقى الماء } أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: " الماءان " ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. { على أمر قد قدر } أي: قضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أن الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء باردا كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إن الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بقي حارا. { وحملناه على ذات ألواح } أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، { ودسر } ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره: إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. { تجري بأعيننا } أي بمرأى منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل " تجري " ، أي: تجري محفوظة { جزاء } مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاء { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقابا لمن كفر بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. { ولقد تركناها } أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها { آية } يعتبر بها من يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجودي، حتى رآها أوائل هذه الأمة. { فهل من مدكر } من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، { فكيف كان عذابي ونذر }؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يحيط بها الوصف، والنذر: جمع نذير، معنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. { فهل من مدكر }؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ قال القشيري: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشف الأرواح من قوم قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. ه. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن، وفي القوت: مما خص الله به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصحف، كلما خلقت صحيفة جددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان، ويسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجعل لنآ إلها [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف، وإلا فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب، وقومه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفس وجنودها القلب، فيما يرد عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر }.

القمر 54:13

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذبوا تكذيبا عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذب، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، { فكذبوا عبدنا } لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذبيه، { وقالوا مجنون } أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، { وازدجر } أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبطته وذهبت بلبه. { فدعا ربه } حين أيس منهم { أني مغلوب } أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم علي، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. { ففتحنا أبواب السماء بما منهمر } منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. { وفجرنا الأرض عيونا } وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، { فالتقى الماء } أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: " الماءان " ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. { على أمر قد قدر } أي: قضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أن الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء باردا كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إن الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بقي حارا. { وحملناه على ذات ألواح } أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، { ودسر } ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره: إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. { تجري بأعيننا } أي بمرأى منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل " تجري " ، أي: تجري محفوظة { جزاء } مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاء { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقابا لمن كفر بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. { ولقد تركناها } أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها { آية } يعتبر بها من يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجودي، حتى رآها أوائل هذه الأمة. { فهل من مدكر } من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، { فكيف كان عذابي ونذر }؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يحيط بها الوصف، والنذر: جمع نذير، معنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. { فهل من مدكر }؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ قال القشيري: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشف الأرواح من قوم قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. ه. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن، وفي القوت: مما خص الله به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصحف، كلما خلقت صحيفة جددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان، ويسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجعل لنآ إلها [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف، وإلا فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب، وقومه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفس وجنودها القلب، فيما يرد عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر }.

القمر 54:14

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذبوا تكذيبا عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذب، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، { فكذبوا عبدنا } لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذبيه، { وقالوا مجنون } أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، { وازدجر } أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبطته وذهبت بلبه. { فدعا ربه } حين أيس منهم { أني مغلوب } أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم علي، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. { ففتحنا أبواب السماء بما منهمر } منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. { وفجرنا الأرض عيونا } وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، { فالتقى الماء } أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: " الماءان " ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. { على أمر قد قدر } أي: قضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أن الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء باردا كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إن الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بقي حارا. { وحملناه على ذات ألواح } أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، { ودسر } ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره: إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. { تجري بأعيننا } أي بمرأى منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل " تجري " ، أي: تجري محفوظة { جزاء } مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاء { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقابا لمن كفر بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. { ولقد تركناها } أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها { آية } يعتبر بها من يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجودي، حتى رآها أوائل هذه الأمة. { فهل من مدكر } من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، { فكيف كان عذابي ونذر }؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يحيط بها الوصف، والنذر: جمع نذير، معنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. { فهل من مدكر }؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ قال القشيري: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشف الأرواح من قوم قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. ه. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن، وفي القوت: مما خص الله به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصحف، كلما خلقت صحيفة جددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان، ويسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجعل لنآ إلها [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف، وإلا فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب، وقومه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفس وجنودها القلب، فيما يرد عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر }.

القمر 54:15

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذبوا تكذيبا عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذب، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، { فكذبوا عبدنا } لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذبيه، { وقالوا مجنون } أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، { وازدجر } أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبطته وذهبت بلبه. { فدعا ربه } حين أيس منهم { أني مغلوب } أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم علي، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. { ففتحنا أبواب السماء بما منهمر } منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. { وفجرنا الأرض عيونا } وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، { فالتقى الماء } أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: " الماءان " ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. { على أمر قد قدر } أي: قضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أن الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء باردا كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إن الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بقي حارا. { وحملناه على ذات ألواح } أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، { ودسر } ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره: إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. { تجري بأعيننا } أي بمرأى منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل " تجري " ، أي: تجري محفوظة { جزاء } مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاء { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقابا لمن كفر بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. { ولقد تركناها } أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها { آية } يعتبر بها من يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجودي، حتى رآها أوائل هذه الأمة. { فهل من مدكر } من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، { فكيف كان عذابي ونذر }؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يحيط بها الوصف، والنذر: جمع نذير، معنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. { فهل من مدكر }؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ قال القشيري: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشف الأرواح من قوم قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. ه. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن، وفي القوت: مما خص الله به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصحف، كلما خلقت صحيفة جددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان، ويسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجعل لنآ إلها [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف، وإلا فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب، وقومه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفس وجنودها القلب، فيما يرد عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر }.

القمر 54:16

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذبوا تكذيبا عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذب، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، { فكذبوا عبدنا } لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذبيه، { وقالوا مجنون } أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، { وازدجر } أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبطته وذهبت بلبه. { فدعا ربه } حين أيس منهم { أني مغلوب } أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم علي، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. { ففتحنا أبواب السماء بما منهمر } منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. { وفجرنا الأرض عيونا } وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، { فالتقى الماء } أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: " الماءان " ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. { على أمر قد قدر } أي: قضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أن الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء باردا كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إن الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بقي حارا. { وحملناه على ذات ألواح } أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، { ودسر } ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره: إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. { تجري بأعيننا } أي بمرأى منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل " تجري " ، أي: تجري محفوظة { جزاء } مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاء { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقابا لمن كفر بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. { ولقد تركناها } أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها { آية } يعتبر بها من يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجودي، حتى رآها أوائل هذه الأمة. { فهل من مدكر } من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، { فكيف كان عذابي ونذر }؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يحيط بها الوصف، والنذر: جمع نذير، معنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. { فهل من مدكر }؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ قال القشيري: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشف الأرواح من قوم قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. ه. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن، وفي القوت: مما خص الله به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصحف، كلما خلقت صحيفة جددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان، ويسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجعل لنآ إلها [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف، وإلا فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب، وقومه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفس وجنودها القلب، فيما يرد عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر }.

القمر 54:17

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب: أنهم كذبوا تكذيبا عقب تكذيب، كلما خلا منهم قرن مكذب، جاء عقبه قرن آخر مكذب مثله، وقيل: كذبت قوم نوح الرسل، { فكذبوا عبدنا } لأنه من جملتهم. وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع إضافته لنون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله، وزيادة تشينع لمكذبيه، { وقالوا مجنون } أي: لم يقتصروا على مجرد التكذيب، بل نسبوه للجنون، { وازدجر } أي: زجر عن أداء الرسالة بالشتم، وهدد بالقتل، أو: هو من جملة قولهم، أي: قالوا: هو مجنون وقد ازدجرته الجن، أي: تخبطته وذهبت بلبه. { فدعا ربه } حين أيس منهم { أني مغلوب } أي: بأني مغلوب من جهة قومي، بتسليطهم علي، فلم يسمعوني، واستحكم اليأس من إجابتهم. قال القشيري: مغلوب بالتسلط لا بالحجة، إذ الحجة كانت له. ه. وهذا جار فيمن لم يستجب لك، تقول: غلبني. ثم دعى عليهم بقوله: { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه، فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. { ففتحنا أبواب السماء بما منهمر } منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما، قال يمان: حتى طبق بين السماء والأرض، وقيل: كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكوا بمطلوبهم. وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار، وشدة إنصابها، وقيل: كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة. { وفجرنا الأرض عيونا } وجلعنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ومثله: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] في إفادة العموم والشمول، { فالتقى الماء } أي: مياه السماء ومياه الأرض، وقرئ: " الماءان " ، أي: النوعان من الماء السمائي والأرضي. { على أمر قد قدر } أي: قضي في أم الكتاب، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، أو: قدر أن الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت. قيل: كان ماء السماء باردا كالثلج، وماء الأرض مثل الحميم، ويقال: إن الماء الذي نبع من الأرض نضب، والذي نزل من السماء بقي حارا. { وحملناه على ذات ألواح } أي: أخشاب عريضة، والمراد: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه، { ودسر } ومسامير، جمع: دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره: إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. { تجري بأعيننا } أي بمرأى منا، أو: بحفظنا، وهو حال من فاعل " تجري " ، أي: تجري محفوظة { جزاء } مفعول له، أي: فعلنا ذلك جزاء { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. وقرأ مجاهد بفتح الكاف، أي: عقابا لمن كفر بالله. قيل: ما نجا من الغرق إلا عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته، وسبب نجاته: أن نوحا احتاج إلى خشب الساج للسفية، فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشب إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. قال الثعلبي. قلت: وقد تقدم إبطاله في سورة العقود، وأنه من وضع الزنادقة. ذكره القسطلاني. { ولقد تركناها } أي: السفينة، أو: الفعلة، أي: جعلناها { آية } يعتبر بها من يقف على خبرها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل: على الجودي، حتى رآها أوائل هذه الأمة. { فهل من مدكر } من متعظ يتعظ ويعتبر، وأصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالا مهملة، وأدغمت الذال فيها لقرب المخرج، { فكيف كان عذابي ونذر }؟ استفهام تعظيم وتعجيب، أي: كان عذابي وإنذاري لهم على هيئة هائلة، لا يحيط بها الوصف، والنذر: جمع نذير، معنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ما فيه شفاء وكفاية. { فهل من مدكر }؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه، أي: فهل من متعظ يقبل الاتعاظ، وقيل: ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ قال القشيري: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله وخاصته. ويقال: كاشف الأرواح من قوم قبل إدخالها في الأجساد، فهل من مدكر يذكر العهد الذي جرى لنا معه؟. ه. ويروى: أن كتب أهل الأديان من التوراة في الإنجيل والزبور لا يتلوها أهلها إلا نظرا، ولا يحفظونها ظاهرا كالقرآن، وفي القوت: مما خص الله به هذه الأمة ثلاثة أشياء: حفظ كتابنا هذا، إلا ما ألهم الله عزيزا من التوراة بعد أن كان بختنصر أحرق جميعها، ومنها: تبقية الإسناد فيهم، يأثره خلف عن سلف، متصلا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يستنسخون الصحف، كلما خلقت صحيفة جددت، فكان ذلك أثرة العلم فيهم، والثالثة: أن كان مؤمن من هذه الأمة يسأل عن علم الإيمان، ويسمع قوله مع حداثة سنه، ولم يكن مما مضى يسمعون العلم إلا من الأحبار والقسيسين والرهبان. وزاد رابعة: وهي ثبات الإيمان في قلوبهم، لا يعتوره شك، ولا يختلجه شرك، مع تقليب الجوارح في المعاصي. وقد قال قوم موسى: اجعل لنآ إلها [الأعراف: 138] بعد أن رأوا الآيات العظيمة، من انفلاق البحر وغيره. ه. قال أبو السعود: وحمل تيسيره على حفظه لا يساعده المقام. ه. الإشارة: في الآية تسلية لمن أوذي من الأولياء، وإجابة الدعاء على الظالم، لهم إن أذن لهم في ذلك بإلهام أو هاتف، وإلا فالصبر أولى، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب، وقومه جنود النفس، من الهوى والدنيا وسائر العلائق، فيكون التقدير: كذبت النفس وجنودها القلب، فيما يرد عليه من تجليات الحق، وكشوفات الغيب، وقالوا: إنما هو مجنون فيما يخبر به، فزجرته، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها، فدعا ربه وقال: أني مغلوب في يد النفس وجنودها، فانتصر لي حتى تغيبني عنهم، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهارية، لتمحق تلك الظلمات النفسانية، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية، فالتقى ماء الواردات، التي هي من حضرة الربوبية، مع ماء علوم العبودية، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب، ويرقيه إلى حضرة القدس، وحملناه على سفينة الجذب والعناية، تجري بحفظنا، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النفس وجنودها، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا، والطالبون لنا، فهل من مدكر؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النفس وجنودها؟ وكيف كان إنذاري من غم الحجاب، وسوء الحساب، ولقد يسرنا القرآن للذكر للاتعاظ، فهل من مدكر، فينهض من غفلته إلى مولاه؟. ثم ذكر قصة عاد، فقال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر }.

القمر 54:18

يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد } هودا عليه السلام، { فكيف كان عذابي ونذر }؟! أي: وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، والاستفهام لتوجيه قلوب السامعين للإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لتهويله وتعظيمه، وتعجيبهم من حاله قبل بيانه، كما قبله وما بعده، كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم ما حل بهم؟ أو: فاسمعوا، فكيف كان عذابي وإنذاري لهم. ثم بين ما أجمل فقال: { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } باردة أو: شديدة الصوت، { في يوم نحس } شؤم { مستمر } شؤمه عليهم إلى أن أهلكهم، وكان في أربعاء آخر شوال، { تنزع الناس } أي: تقلعهم، وجاء بالظاهر مكان المضمر ليشمل ذكورهم وإناثهم، صغيرهم وكبيرهم. روي: أنهم كانوا يتداخلون الشعاب، ويحفرون الحفر، ويندسون فيها، ويمسك بعضهم ببعض فتزعجهم الريح، وتصرعهم موتى. قال ابن إسحاق: ولما هاجت عليهم الريح، قام سبعة نفر من عاد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب، ليردوا الريح عنهم، فجعلت الريح تجعفهم رجلا رجلا. ه. ثم صاروا بعد موتهم { كأنهم أعجاز نخل منقعر } أي: أصول نخل منقلع من مغارسه، وشبهوا بأعجاز النخلة، وهي أصولها التي قطعت روؤسها لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم، فتبقى أجسادا بلا رؤوس، فيتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال. وتذكير صفة النخل بالنظر إلى اللفظ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى: أعجاز نخل خاوية [الحافة: 7] بالنظر للمعنى. { فكيف كان عذابي ونذر }؟! تهويل وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما، فليس فيها شائبة تكرار، وما قيل: من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة، يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي. { ولقد يسرنا القرآن للذكرفهل من مدكر }؟! وفي تكريره بعد كل قصة تنبيه على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار، وللانزجار عن مثل فعلهم، لا لمجرد السماع والتلذذ بأخبارهم، كما هي عادة القصاص. الإشارة: من شأن النفوس العاتية المتجبرة العادية تكذيب أهل الخصوصية كيفهما كانوا، ولا ترضى بحط رأسها لمن يدعوها إلى ربها، فيرسل الله عليهم ريح الهوى والخذلان، فتصرعهم في محل الذل والهوان، وتتركهم عبيدا لنفوسهم الخسيسة، وللدنيا الدنية، فكيف كان عذابي هؤلاء وإنذاري لهم؟! ولقد يسرنا القرآن للذكر، وبينا فيه ما فعلنا بأهل التكبر والعناد من الإهانة والطرد والإبعاد، فهل من مدكر، يتيقظ من سنة غفلته، ويرحل من دنياه لآخرته، ومن نفسه إلى ربه؟ ثم ذكر قصة ثمود، فقال: { كذبت ثمود بالنذر }.

القمر 54:19

يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد } هودا عليه السلام، { فكيف كان عذابي ونذر }؟! أي: وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، والاستفهام لتوجيه قلوب السامعين للإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لتهويله وتعظيمه، وتعجيبهم من حاله قبل بيانه، كما قبله وما بعده، كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم ما حل بهم؟ أو: فاسمعوا، فكيف كان عذابي وإنذاري لهم. ثم بين ما أجمل فقال: { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } باردة أو: شديدة الصوت، { في يوم نحس } شؤم { مستمر } شؤمه عليهم إلى أن أهلكهم، وكان في أربعاء آخر شوال، { تنزع الناس } أي: تقلعهم، وجاء بالظاهر مكان المضمر ليشمل ذكورهم وإناثهم، صغيرهم وكبيرهم. روي: أنهم كانوا يتداخلون الشعاب، ويحفرون الحفر، ويندسون فيها، ويمسك بعضهم ببعض فتزعجهم الريح، وتصرعهم موتى. قال ابن إسحاق: ولما هاجت عليهم الريح، قام سبعة نفر من عاد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب، ليردوا الريح عنهم، فجعلت الريح تجعفهم رجلا رجلا. ه. ثم صاروا بعد موتهم { كأنهم أعجاز نخل منقعر } أي: أصول نخل منقلع من مغارسه، وشبهوا بأعجاز النخلة، وهي أصولها التي قطعت روؤسها لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم، فتبقى أجسادا بلا رؤوس، فيتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال. وتذكير صفة النخل بالنظر إلى اللفظ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى: أعجاز نخل خاوية [الحافة: 7] بالنظر للمعنى. { فكيف كان عذابي ونذر }؟! تهويل وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما، فليس فيها شائبة تكرار، وما قيل: من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة، يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي. { ولقد يسرنا القرآن للذكرفهل من مدكر }؟! وفي تكريره بعد كل قصة تنبيه على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار، وللانزجار عن مثل فعلهم، لا لمجرد السماع والتلذذ بأخبارهم، كما هي عادة القصاص. الإشارة: من شأن النفوس العاتية المتجبرة العادية تكذيب أهل الخصوصية كيفهما كانوا، ولا ترضى بحط رأسها لمن يدعوها إلى ربها، فيرسل الله عليهم ريح الهوى والخذلان، فتصرعهم في محل الذل والهوان، وتتركهم عبيدا لنفوسهم الخسيسة، وللدنيا الدنية، فكيف كان عذابي هؤلاء وإنذاري لهم؟! ولقد يسرنا القرآن للذكر، وبينا فيه ما فعلنا بأهل التكبر والعناد من الإهانة والطرد والإبعاد، فهل من مدكر، يتيقظ من سنة غفلته، ويرحل من دنياه لآخرته، ومن نفسه إلى ربه؟ ثم ذكر قصة ثمود، فقال: { كذبت ثمود بالنذر }.

القمر 54:20

يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد } هودا عليه السلام، { فكيف كان عذابي ونذر }؟! أي: وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، والاستفهام لتوجيه قلوب السامعين للإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لتهويله وتعظيمه، وتعجيبهم من حاله قبل بيانه، كما قبله وما بعده، كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم ما حل بهم؟ أو: فاسمعوا، فكيف كان عذابي وإنذاري لهم. ثم بين ما أجمل فقال: { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } باردة أو: شديدة الصوت، { في يوم نحس } شؤم { مستمر } شؤمه عليهم إلى أن أهلكهم، وكان في أربعاء آخر شوال، { تنزع الناس } أي: تقلعهم، وجاء بالظاهر مكان المضمر ليشمل ذكورهم وإناثهم، صغيرهم وكبيرهم. روي: أنهم كانوا يتداخلون الشعاب، ويحفرون الحفر، ويندسون فيها، ويمسك بعضهم ببعض فتزعجهم الريح، وتصرعهم موتى. قال ابن إسحاق: ولما هاجت عليهم الريح، قام سبعة نفر من عاد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب، ليردوا الريح عنهم، فجعلت الريح تجعفهم رجلا رجلا. ه. ثم صاروا بعد موتهم { كأنهم أعجاز نخل منقعر } أي: أصول نخل منقلع من مغارسه، وشبهوا بأعجاز النخلة، وهي أصولها التي قطعت روؤسها لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم، فتبقى أجسادا بلا رؤوس، فيتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال. وتذكير صفة النخل بالنظر إلى اللفظ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى: أعجاز نخل خاوية [الحافة: 7] بالنظر للمعنى. { فكيف كان عذابي ونذر }؟! تهويل وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما، فليس فيها شائبة تكرار، وما قيل: من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة، يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي. { ولقد يسرنا القرآن للذكرفهل من مدكر }؟! وفي تكريره بعد كل قصة تنبيه على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار، وللانزجار عن مثل فعلهم، لا لمجرد السماع والتلذذ بأخبارهم، كما هي عادة القصاص. الإشارة: من شأن النفوس العاتية المتجبرة العادية تكذيب أهل الخصوصية كيفهما كانوا، ولا ترضى بحط رأسها لمن يدعوها إلى ربها، فيرسل الله عليهم ريح الهوى والخذلان، فتصرعهم في محل الذل والهوان، وتتركهم عبيدا لنفوسهم الخسيسة، وللدنيا الدنية، فكيف كان عذابي هؤلاء وإنذاري لهم؟! ولقد يسرنا القرآن للذكر، وبينا فيه ما فعلنا بأهل التكبر والعناد من الإهانة والطرد والإبعاد، فهل من مدكر، يتيقظ من سنة غفلته، ويرحل من دنياه لآخرته، ومن نفسه إلى ربه؟ ثم ذكر قصة ثمود، فقال: { كذبت ثمود بالنذر }.

القمر 54:21

يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد } هودا عليه السلام، { فكيف كان عذابي ونذر }؟! أي: وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، والاستفهام لتوجيه قلوب السامعين للإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لتهويله وتعظيمه، وتعجيبهم من حاله قبل بيانه، كما قبله وما بعده، كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم ما حل بهم؟ أو: فاسمعوا، فكيف كان عذابي وإنذاري لهم. ثم بين ما أجمل فقال: { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } باردة أو: شديدة الصوت، { في يوم نحس } شؤم { مستمر } شؤمه عليهم إلى أن أهلكهم، وكان في أربعاء آخر شوال، { تنزع الناس } أي: تقلعهم، وجاء بالظاهر مكان المضمر ليشمل ذكورهم وإناثهم، صغيرهم وكبيرهم. روي: أنهم كانوا يتداخلون الشعاب، ويحفرون الحفر، ويندسون فيها، ويمسك بعضهم ببعض فتزعجهم الريح، وتصرعهم موتى. قال ابن إسحاق: ولما هاجت عليهم الريح، قام سبعة نفر من عاد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب، ليردوا الريح عنهم، فجعلت الريح تجعفهم رجلا رجلا. ه. ثم صاروا بعد موتهم { كأنهم أعجاز نخل منقعر } أي: أصول نخل منقلع من مغارسه، وشبهوا بأعجاز النخلة، وهي أصولها التي قطعت روؤسها لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم، فتبقى أجسادا بلا رؤوس، فيتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال. وتذكير صفة النخل بالنظر إلى اللفظ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى: أعجاز نخل خاوية [الحافة: 7] بالنظر للمعنى. { فكيف كان عذابي ونذر }؟! تهويل وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما، فليس فيها شائبة تكرار، وما قيل: من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة، يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي. { ولقد يسرنا القرآن للذكرفهل من مدكر }؟! وفي تكريره بعد كل قصة تنبيه على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار، وللانزجار عن مثل فعلهم، لا لمجرد السماع والتلذذ بأخبارهم، كما هي عادة القصاص. الإشارة: من شأن النفوس العاتية المتجبرة العادية تكذيب أهل الخصوصية كيفهما كانوا، ولا ترضى بحط رأسها لمن يدعوها إلى ربها، فيرسل الله عليهم ريح الهوى والخذلان، فتصرعهم في محل الذل والهوان، وتتركهم عبيدا لنفوسهم الخسيسة، وللدنيا الدنية، فكيف كان عذابي هؤلاء وإنذاري لهم؟! ولقد يسرنا القرآن للذكر، وبينا فيه ما فعلنا بأهل التكبر والعناد من الإهانة والطرد والإبعاد، فهل من مدكر، يتيقظ من سنة غفلته، ويرحل من دنياه لآخرته، ومن نفسه إلى ربه؟ ثم ذكر قصة ثمود، فقال: { كذبت ثمود بالنذر }.

القمر 54:22

يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد } هودا عليه السلام، { فكيف كان عذابي ونذر }؟! أي: وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، والاستفهام لتوجيه قلوب السامعين للإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لتهويله وتعظيمه، وتعجيبهم من حاله قبل بيانه، كما قبله وما بعده، كأنه قيل: كذبت عاد فهل سمعتم ما حل بهم؟ أو: فاسمعوا، فكيف كان عذابي وإنذاري لهم. ثم بين ما أجمل فقال: { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } باردة أو: شديدة الصوت، { في يوم نحس } شؤم { مستمر } شؤمه عليهم إلى أن أهلكهم، وكان في أربعاء آخر شوال، { تنزع الناس } أي: تقلعهم، وجاء بالظاهر مكان المضمر ليشمل ذكورهم وإناثهم، صغيرهم وكبيرهم. روي: أنهم كانوا يتداخلون الشعاب، ويحفرون الحفر، ويندسون فيها، ويمسك بعضهم ببعض فتزعجهم الريح، وتصرعهم موتى. قال ابن إسحاق: ولما هاجت عليهم الريح، قام سبعة نفر من عاد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب، ليردوا الريح عنهم، فجعلت الريح تجعفهم رجلا رجلا. ه. ثم صاروا بعد موتهم { كأنهم أعجاز نخل منقعر } أي: أصول نخل منقلع من مغارسه، وشبهوا بأعجاز النخلة، وهي أصولها التي قطعت روؤسها لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم، فتبقى أجسادا بلا رؤوس، فيتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال. وتذكير صفة النخل بالنظر إلى اللفظ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى: أعجاز نخل خاوية [الحافة: 7] بالنظر للمعنى. { فكيف كان عذابي ونذر }؟! تهويل وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما، فليس فيها شائبة تكرار، وما قيل: من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة، يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي. { ولقد يسرنا القرآن للذكرفهل من مدكر }؟! وفي تكريره بعد كل قصة تنبيه على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار، وللانزجار عن مثل فعلهم، لا لمجرد السماع والتلذذ بأخبارهم، كما هي عادة القصاص. الإشارة: من شأن النفوس العاتية المتجبرة العادية تكذيب أهل الخصوصية كيفهما كانوا، ولا ترضى بحط رأسها لمن يدعوها إلى ربها، فيرسل الله عليهم ريح الهوى والخذلان، فتصرعهم في محل الذل والهوان، وتتركهم عبيدا لنفوسهم الخسيسة، وللدنيا الدنية، فكيف كان عذابي هؤلاء وإنذاري لهم؟! ولقد يسرنا القرآن للذكر، وبينا فيه ما فعلنا بأهل التكبر والعناد من الإهانة والطرد والإبعاد، فهل من مدكر، يتيقظ من سنة غفلته، ويرحل من دنياه لآخرته، ومن نفسه إلى ربه؟ ثم ذكر قصة ثمود، فقال: { كذبت ثمود بالنذر }.

القمر 54:23

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:24

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:25

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:26

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:27

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:28

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:29

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:30

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:31

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:32

يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود بالنذر } بصالح عليه السلام لأن من كذب واحدا فقد كذب الجميع لاتفاقهم في الشرائع، أو: كذبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح، { فقالوا أبشرا منا } أي: كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره " نتبعه " أي: أنتبع بشرا منا { واحدا } منفردا لا تباعة له؟ أو: واحدا من الناس لا شرف له { نتبه } وندع ديننا؟ { إنا إذا } أي: على تقدير اتباعنا له، وهو مفرد ونحن أمة جمة { لفي ضلال } عن الصواب { وسعر } نيران تحرق، جمع " سعير ". كان صالح يقول فعكسوا عليه، لغاية عتوهم، وقالوا: إن اتبعناك كنا كنا تقول. وقيل: المراد بالسعر: الجنون، لأنها تشوه صاحبها، أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وطلبوا أن يكون من الملائكة، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا، أو: رجلا لا شرف له في زعمهم، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا. ويؤيد التأويل الثاني قوله: { أألقي الذكر } أي: الوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟ { بل هو كذاب أشر } أي: بطر متكبر، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك. قال تعالى: { سيعلمون غدا } أي: عن قريب، وهو عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، { من الكذاب الأشر } أصالح أم من كذبه؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم. { إنا مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، { فتنة لهم } ابتلاء وامتحانا لهم، مفعول له، أو: حال، { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم، ولا تعجل حتى ياتيك أمري. { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، وقال: " بينهم " تغليبا للعقلاء. { كل شرب محتضر } محضور، يحضر القوم الشرب يوما، وتحضر الناقة يوما، { فنادوا صاحبهم } قدار بن سالف، حمير ثمود، { فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم، غير مكترث به، { فعقر } الناقة، أو: فتعاطى الناقة فعقرها، أو: تعاطى السيف فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. وقال أبو حيان: هو مضارع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. { فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم } في اليوم الرابع من عقرها، { صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السلام { فكانوا } فصاروا { كهشيم المحتظر } كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة، فالهشيم: الشجرة اليابس المتكسر، الذي يبس من طول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. قال ابن عباس: " هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم " شبههم في تبددهم، وتفرق أوصالهم، بالشوك الساقط على الأرض، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } فيتعظ بما يسمع من هذه القصص. الإشارة: سبب إنكار الناس على أهل الخصوصية ظهور وصف البشرية عليهم، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، ووصف البشرية على قسمين: قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال لإنها صوان لسر الخصوصية. قال في الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها. وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها: كذبت ثمود النفس الأمارة وجنودها: صالح القلب حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهر من أوصافها المذمومة، فقالت النفس وجنودها: أنتبع واحدا منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عصبة؟ إنا إذا لفي ضلال سعر، أألقي الذكر الإلهامي عليه من بيننا؟ بل هذ كذاب أشر، سيعلمون غدا، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، من الكذاب الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب؟. إنا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاء ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أن ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، من شرب منها، صفا، ومن تنكب عنها أظلم، كل شرب يحضره من يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. ه. بالمعنى مع تخالف له. ثم قال القشيري: اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليا سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا سميت أمارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى سميت لوامة. ه مختصرا. ثم ذكر قصة لوط، فقال: { كذبت قوم لوط بالنذر }.

القمر 54:33

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط بالنذر } وقد تقدم، { إنا أرسلنا عليهم } أي: على قوم لوط { حاصبا } أي: ريحا تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، { إلا آل لوط } ابنتيه ومن آمن معه، { نجيناهم بسحر } ملتبسين بسحر من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، { نعمة من عندنا } أي: إنعاما منا، وهو علة لنجينا، { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزي من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة. { ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذتنا الشديدة بالعذاب، { فتماروا } فكذبوا { بالنذر } بإنذاره متشاكين فيه، { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بأضيافه، { فطمسنا أعينهم } فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. روي أنهم لما قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خل بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك. وفي رواية: لما منعوا من الباب تسوروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه فتركهم عميا يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال: { فذوقوا عذابي ونذر } أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس فإنه من جملة ما أنذروا به. { ولقد صبحهم بكرة } أول النهار { عذاب مستقر } لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن عذاب الطمس ينتهي إليه، { فذوقوا عذابي ونذر } حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب. { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية، أن يجددوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله: فبأي ءالآء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة في الأذهان، مذكرة غير منسية في كل أوان. ه. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى أن كل من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر " لا إله إلا الله " ، ويعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. ه. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذب الروح حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد الله نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحت أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: { إنا أرسلنا عليه حاصبا إلا آل لوط } يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنس بأوصاف النفس الأمارة، نعمة من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نجزي من شكر نعمة العناية، وشكر من جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروح النفس وهواها وجنودها بطشتنا: قهرنا، بوارد قهري، من خوف مزعج، أو شوق مقلق، حتى يخرجها من وطنها، فتماروا بالنذر، وقالوا: لم يبق من يخرجنا من وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروح عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيقال للنفس وجنودها، ذوقوا عذابي ونذري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو محق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قوم فرعون، تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر }.

القمر 54:34

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط بالنذر } وقد تقدم، { إنا أرسلنا عليهم } أي: على قوم لوط { حاصبا } أي: ريحا تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، { إلا آل لوط } ابنتيه ومن آمن معه، { نجيناهم بسحر } ملتبسين بسحر من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، { نعمة من عندنا } أي: إنعاما منا، وهو علة لنجينا، { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزي من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة. { ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذتنا الشديدة بالعذاب، { فتماروا } فكذبوا { بالنذر } بإنذاره متشاكين فيه، { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بأضيافه، { فطمسنا أعينهم } فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. روي أنهم لما قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خل بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك. وفي رواية: لما منعوا من الباب تسوروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه فتركهم عميا يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال: { فذوقوا عذابي ونذر } أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس فإنه من جملة ما أنذروا به. { ولقد صبحهم بكرة } أول النهار { عذاب مستقر } لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن عذاب الطمس ينتهي إليه، { فذوقوا عذابي ونذر } حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب. { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية، أن يجددوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله: فبأي ءالآء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة في الأذهان، مذكرة غير منسية في كل أوان. ه. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى أن كل من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر " لا إله إلا الله " ، ويعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. ه. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذب الروح حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد الله نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحت أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: { إنا أرسلنا عليه حاصبا إلا آل لوط } يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنس بأوصاف النفس الأمارة، نعمة من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نجزي من شكر نعمة العناية، وشكر من جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروح النفس وهواها وجنودها بطشتنا: قهرنا، بوارد قهري، من خوف مزعج، أو شوق مقلق، حتى يخرجها من وطنها، فتماروا بالنذر، وقالوا: لم يبق من يخرجنا من وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروح عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيقال للنفس وجنودها، ذوقوا عذابي ونذري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو محق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قوم فرعون، تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر }.

القمر 54:35

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط بالنذر } وقد تقدم، { إنا أرسلنا عليهم } أي: على قوم لوط { حاصبا } أي: ريحا تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، { إلا آل لوط } ابنتيه ومن آمن معه، { نجيناهم بسحر } ملتبسين بسحر من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، { نعمة من عندنا } أي: إنعاما منا، وهو علة لنجينا، { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزي من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة. { ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذتنا الشديدة بالعذاب، { فتماروا } فكذبوا { بالنذر } بإنذاره متشاكين فيه، { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بأضيافه، { فطمسنا أعينهم } فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. روي أنهم لما قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خل بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك. وفي رواية: لما منعوا من الباب تسوروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه فتركهم عميا يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال: { فذوقوا عذابي ونذر } أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس فإنه من جملة ما أنذروا به. { ولقد صبحهم بكرة } أول النهار { عذاب مستقر } لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن عذاب الطمس ينتهي إليه، { فذوقوا عذابي ونذر } حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب. { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية، أن يجددوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله: فبأي ءالآء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة في الأذهان، مذكرة غير منسية في كل أوان. ه. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى أن كل من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر " لا إله إلا الله " ، ويعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. ه. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذب الروح حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد الله نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحت أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: { إنا أرسلنا عليه حاصبا إلا آل لوط } يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنس بأوصاف النفس الأمارة، نعمة من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نجزي من شكر نعمة العناية، وشكر من جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروح النفس وهواها وجنودها بطشتنا: قهرنا، بوارد قهري، من خوف مزعج، أو شوق مقلق، حتى يخرجها من وطنها، فتماروا بالنذر، وقالوا: لم يبق من يخرجنا من وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروح عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيقال للنفس وجنودها، ذوقوا عذابي ونذري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو محق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قوم فرعون، تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر }.

القمر 54:36

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط بالنذر } وقد تقدم، { إنا أرسلنا عليهم } أي: على قوم لوط { حاصبا } أي: ريحا تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، { إلا آل لوط } ابنتيه ومن آمن معه، { نجيناهم بسحر } ملتبسين بسحر من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، { نعمة من عندنا } أي: إنعاما منا، وهو علة لنجينا، { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزي من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة. { ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذتنا الشديدة بالعذاب، { فتماروا } فكذبوا { بالنذر } بإنذاره متشاكين فيه، { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بأضيافه، { فطمسنا أعينهم } فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. روي أنهم لما قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خل بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك. وفي رواية: لما منعوا من الباب تسوروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه فتركهم عميا يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال: { فذوقوا عذابي ونذر } أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس فإنه من جملة ما أنذروا به. { ولقد صبحهم بكرة } أول النهار { عذاب مستقر } لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن عذاب الطمس ينتهي إليه، { فذوقوا عذابي ونذر } حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب. { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية، أن يجددوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله: فبأي ءالآء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة في الأذهان، مذكرة غير منسية في كل أوان. ه. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى أن كل من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر " لا إله إلا الله " ، ويعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. ه. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذب الروح حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد الله نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحت أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: { إنا أرسلنا عليه حاصبا إلا آل لوط } يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنس بأوصاف النفس الأمارة، نعمة من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نجزي من شكر نعمة العناية، وشكر من جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروح النفس وهواها وجنودها بطشتنا: قهرنا، بوارد قهري، من خوف مزعج، أو شوق مقلق، حتى يخرجها من وطنها، فتماروا بالنذر، وقالوا: لم يبق من يخرجنا من وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروح عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيقال للنفس وجنودها، ذوقوا عذابي ونذري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو محق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قوم فرعون، تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر }.

القمر 54:37

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط بالنذر } وقد تقدم، { إنا أرسلنا عليهم } أي: على قوم لوط { حاصبا } أي: ريحا تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، { إلا آل لوط } ابنتيه ومن آمن معه، { نجيناهم بسحر } ملتبسين بسحر من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، { نعمة من عندنا } أي: إنعاما منا، وهو علة لنجينا، { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزي من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة. { ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذتنا الشديدة بالعذاب، { فتماروا } فكذبوا { بالنذر } بإنذاره متشاكين فيه، { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بأضيافه، { فطمسنا أعينهم } فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. روي أنهم لما قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خل بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك. وفي رواية: لما منعوا من الباب تسوروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه فتركهم عميا يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال: { فذوقوا عذابي ونذر } أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس فإنه من جملة ما أنذروا به. { ولقد صبحهم بكرة } أول النهار { عذاب مستقر } لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن عذاب الطمس ينتهي إليه، { فذوقوا عذابي ونذر } حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب. { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية، أن يجددوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله: فبأي ءالآء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة في الأذهان، مذكرة غير منسية في كل أوان. ه. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى أن كل من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر " لا إله إلا الله " ، ويعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. ه. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذب الروح حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد الله نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحت أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: { إنا أرسلنا عليه حاصبا إلا آل لوط } يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنس بأوصاف النفس الأمارة، نعمة من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نجزي من شكر نعمة العناية، وشكر من جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروح النفس وهواها وجنودها بطشتنا: قهرنا، بوارد قهري، من خوف مزعج، أو شوق مقلق، حتى يخرجها من وطنها، فتماروا بالنذر، وقالوا: لم يبق من يخرجنا من وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروح عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيقال للنفس وجنودها، ذوقوا عذابي ونذري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو محق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قوم فرعون، تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر }.

القمر 54:38

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط بالنذر } وقد تقدم، { إنا أرسلنا عليهم } أي: على قوم لوط { حاصبا } أي: ريحا تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، { إلا آل لوط } ابنتيه ومن آمن معه، { نجيناهم بسحر } ملتبسين بسحر من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، { نعمة من عندنا } أي: إنعاما منا، وهو علة لنجينا، { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزي من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة. { ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذتنا الشديدة بالعذاب، { فتماروا } فكذبوا { بالنذر } بإنذاره متشاكين فيه، { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بأضيافه، { فطمسنا أعينهم } فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. روي أنهم لما قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خل بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك. وفي رواية: لما منعوا من الباب تسوروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه فتركهم عميا يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال: { فذوقوا عذابي ونذر } أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس فإنه من جملة ما أنذروا به. { ولقد صبحهم بكرة } أول النهار { عذاب مستقر } لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن عذاب الطمس ينتهي إليه، { فذوقوا عذابي ونذر } حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب. { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية، أن يجددوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله: فبأي ءالآء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة في الأذهان، مذكرة غير منسية في كل أوان. ه. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى أن كل من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر " لا إله إلا الله " ، ويعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. ه. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذب الروح حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد الله نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحت أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: { إنا أرسلنا عليه حاصبا إلا آل لوط } يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنس بأوصاف النفس الأمارة، نعمة من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نجزي من شكر نعمة العناية، وشكر من جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروح النفس وهواها وجنودها بطشتنا: قهرنا، بوارد قهري، من خوف مزعج، أو شوق مقلق، حتى يخرجها من وطنها، فتماروا بالنذر، وقالوا: لم يبق من يخرجنا من وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروح عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيقال للنفس وجنودها، ذوقوا عذابي ونذري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو محق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قوم فرعون، تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر }.

القمر 54:39

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط بالنذر } وقد تقدم، { إنا أرسلنا عليهم } أي: على قوم لوط { حاصبا } أي: ريحا تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، { إلا آل لوط } ابنتيه ومن آمن معه، { نجيناهم بسحر } ملتبسين بسحر من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، { نعمة من عندنا } أي: إنعاما منا، وهو علة لنجينا، { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزي من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة. { ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذتنا الشديدة بالعذاب، { فتماروا } فكذبوا { بالنذر } بإنذاره متشاكين فيه، { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بأضيافه، { فطمسنا أعينهم } فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. روي أنهم لما قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خل بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك. وفي رواية: لما منعوا من الباب تسوروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه فتركهم عميا يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال: { فذوقوا عذابي ونذر } أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس فإنه من جملة ما أنذروا به. { ولقد صبحهم بكرة } أول النهار { عذاب مستقر } لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن عذاب الطمس ينتهي إليه، { فذوقوا عذابي ونذر } حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب. { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية، أن يجددوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله: فبأي ءالآء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة في الأذهان، مذكرة غير منسية في كل أوان. ه. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى أن كل من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر " لا إله إلا الله " ، ويعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. ه. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذب الروح حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد الله نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحت أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: { إنا أرسلنا عليه حاصبا إلا آل لوط } يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنس بأوصاف النفس الأمارة، نعمة من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نجزي من شكر نعمة العناية، وشكر من جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروح النفس وهواها وجنودها بطشتنا: قهرنا، بوارد قهري، من خوف مزعج، أو شوق مقلق، حتى يخرجها من وطنها، فتماروا بالنذر، وقالوا: لم يبق من يخرجنا من وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروح عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيقال للنفس وجنودها، ذوقوا عذابي ونذري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو محق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قوم فرعون، تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر }.

القمر 54:40

يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط بالنذر } وقد تقدم، { إنا أرسلنا عليهم } أي: على قوم لوط { حاصبا } أي: ريحا تحصبهم، أي: ترميهم بالحصباء، { إلا آل لوط } ابنتيه ومن آمن معه، { نجيناهم بسحر } ملتبسين بسحر من الأسحار، ولذا صرفه، وهو آخر الليل، أو: السدس الأخير منه، وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى: قبل انصداع الفجر، والآخر: عند انصداعه، { نعمة من عندنا } أي: إنعاما منا، وهو علة لنجينا، { كذلك } أي: مثل ذلك الجزاء العجيب { نجزي من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة. { ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذتنا الشديدة بالعذاب، { فتماروا } فكذبوا { بالنذر } بإنذاره متشاكين فيه، { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بأضيافه، { فطمسنا أعينهم } فمسخناها وسويناها كسائر الوجه، أي: صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها. روي أنهم لما قصدوا دار لوط، وعالجوا بابها ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خل بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك. وفي رواية: لما منعوا من الباب تسوروا الحائط، فدخلوا، فصفعهم جبريل بجناحه فتركهم عميا يترددون، ولا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا. وقلنا لهم على ألسنة الرسل، أو بلسان الحال: { فذوقوا عذابي ونذر } أي: وبال إنذاري، والمراد به: الطمس فإنه من جملة ما أنذروا به. { ولقد صبحهم بكرة } أول النهار { عذاب مستقر } لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن عذاب الطمس ينتهي إليه، { فذوقوا عذابي ونذر } حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب. { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قال النسفي: وفائدة تكرير هذه الآية، أن يجددوا عند سماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وهكذا حكم التكرير في قوله: فبأي ءالآء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة في الأذهان، مذكرة غير منسية في كل أوان. ه. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى أن كل من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة، ويكسرها بأحجار ذكر " لا إله إلا الله " ، ويعالج تلك الصفة بضدها، وهو العفة. ه. فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية، فقد كذب الروح حين دعتها إلى مقام الصفا، ودعتها النفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل، فإذا أراد الله نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات، فمحت أوصافها الذميمة، ونقلتها إلى مقام الروحانية، قال تعالى: { إنا أرسلنا عليه حاصبا إلا آل لوط } يعني الأوصاف المحمودة، نجيناهم في آخر ليل القطيعة، أو: الروح وأوصافها الحميدة، نجيناها في وقت النفحات من التدنس بأوصاف النفس الأمارة، نعمة من عندنا، لا بمجاهدة ولا سبب، كذلك نجزي من شكر نعمة العناية، وشكر من جاءت على يديه الهداية، وهم الوسائط من شيوخ التربية. ولقد أنذر الروح النفس وهواها وجنودها بطشتنا: قهرنا، بوارد قهري، من خوف مزعج، أو شوق مقلق، حتى يخرجها من وطنها، فتماروا بالنذر، وقالوا: لم يبق من يخرجنا من وطننا، فقد انقطعت التربية، ولا يمكن إخراجنا بغيرها، ولقد راودوه عن ضيفه، راودوا الروح عن نور معرفته ويقينه، بالميل إلى شهوات النفس فطمسنا أعينهم، فلم يتمكنوا من رد الروح إذا سبقت لها العناية، فيقال للنفس وجنودها، ذوقوا عذابي ونذري بالبقاء مع الخواطر والهموم، ولقد صبحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر، وهو محق أوصاف النفس، والغيبة عنها أبدا سرمدا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قوم فرعون، تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر }.

القمر 54:41

يقول الحق جل جلاله: { ولقد جاء آل فرعون النذر } موسى وهارون، جمعهما لغاية ما عالجا في إنذارهم، أو: بمعنى الإنذار، وصدر قصتهم بالتوكيد القسمي لإبراز كمال الإعتناء بشأنها لغاية عظم ما فيها من الآيات، وكثرتها، وهول ما لاقوه من العذاب، واكتفى بذكر آل فرعون للعلم بأن نفسه أولى بذلك، { كذبوا بآياتنا كلها } وهي التسع { فأخذناهم أخذ عزيز } لا يغالب { مقتدر } لا يعجزه شيء. الإشارة: النفوس الفراعنة، التي حكمت المشيئة بشقائها، لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير لأن الكبرياء من صفة الحق، فمن نازع الله فيها قصمة الله وأبعده. ثم هدد قريشا بما نزل على من قبلهم، فقال: { أم يقولون نحن جميع منتصر }.

القمر 54:42

يقول الحق جل جلاله: { ولقد جاء آل فرعون النذر } موسى وهارون، جمعهما لغاية ما عالجا في إنذارهم، أو: بمعنى الإنذار، وصدر قصتهم بالتوكيد القسمي لإبراز كمال الإعتناء بشأنها لغاية عظم ما فيها من الآيات، وكثرتها، وهول ما لاقوه من العذاب، واكتفى بذكر آل فرعون للعلم بأن نفسه أولى بذلك، { كذبوا بآياتنا كلها } وهي التسع { فأخذناهم أخذ عزيز } لا يغالب { مقتدر } لا يعجزه شيء. الإشارة: النفوس الفراعنة، التي حكمت المشيئة بشقائها، لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير لأن الكبرياء من صفة الحق، فمن نازع الله فيها قصمة الله وأبعده. ثم هدد قريشا بما نزل على من قبلهم، فقال: { أم يقولون نحن جميع منتصر }.

القمر 54:43

يقول الحق جل جلاله: { أكفاركم } يا معشر العرب: أو: يا أهل مكة { خير من أولئكم } الكفار المعدودين في السورة قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمعنى: أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم قوة وآلة ومكانة في الدنيا، أو: كانوا أقل منكم كفرا وعنادا، فهل تطمعون ألا يصيبكم مثل ما أصابهم، وأنتم شر منهم مكانة، وأسوأ حالا؟ { أم لكم براءة في الزبر } أم نزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم وكذب الرسول كان آمنا من عذاب الله، فأمنتم بتلك البراءة؟ { أم يقولون نحن جميع } أي: جماعة أمرنا جميع { منتصر } ممتنع لا نرام ولا نضام، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي: أيقولون واثقين بشوكتهم: نحن أولو حزم ورأي، أمرنا مجتمع لا يقدر علينا، أو: منتصرون من الأعداء، لا نغلب، أو: متناصرون، ينصر بعضنا بعضا. والإفراد باعتبار لفظ " جميع ". { سيهزم الجمع } جمع أهل مكة، { ويولون الدبر } الأدبار. والتوحيد لإرادة الجنس، أو: إرادة أن كل منهم يولي دبره، وقد كان كذلك يوم بدر. قال عمر رضي الله عنه: لما نزلت: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } كنت لا أدري أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الدرع، ويقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فعرفت تأويلها، فالآية مكية على الصحيح، { بل الساعة موعدهم } أي: ليس هذا تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم، وهذا طلائعه، { والساعة أدهى وأمر } أي: أقصى غاية من الفظاعة والمرارة من عذاب الدنيا. والداهية: الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه، وإظهار الساعة في موضع إضمارها تربية لهولها. { إن المجرمين } من الأولين والآخرين { في ضلال } عن الحق في الدنيا { وسعر } ونيران تحرق في الآخرة، أو: لفي هلاك ونيران مسعرة، { يوم يسحبون في النار } يجرون فيها { على وجوههم } ويقال لهم: { ذوقوا مس سقر } أي: قيسوا حرها وألمها، كقولك: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مسا بذلك، و " سقر " غير مصروف للعلمية والتعريف لأنها علم لجهنم، من: سقرته النار: إذا لوحته. الإشارة: ما قيل في منكري خصوصية النبوة، يقال في منكري خصوصية الولاية إذا استغل بأذاهم، يعني: أن من أنكر على الأولياء المتقدمين قد أصابهم ما أصابهم، إما ذل في الظاهر، أو طرد في الباطن، وأنتم أيها المنكرون على أهل زمانكم مثلهم. أمنتقدكم خير من أولئكم أم لكم براءة من العذاب في كتب الله تعالى؟ أم يقولون: نحن جميع، أي: مجتمعون على الدين، لا يصيبنا ما أصاب الكفار، فيقال لهم: سيهزم جمعكم، ويتفرق شملكم، وتفضوا إلى ما أسلفتم، نادمين على ما فعلتم، ولن ينفع الندم حين تزل القدم، فتبقون في حسرة البعد على الدوام، فالكفار حرموا من جنة الزخارف، وأنتم تحرمون من جنة المعارف، مع غم الحجاب وذل البعد عن الحضرة القدسية، إن المجرمين - وهم أهل الطعن والانتقاد - في ضلال عن طريق الوصول إلى الله، ونيران القطيعة، يوم يسبحون على وجوههم، فينهمكون في الدنيا في الحظوظ والشهوات، وفي الآخرة في نار البعد والقطيعة، على دوام الأوقات، ويقال لهم: ذوقوا مرارة الحجاب وسوء الحساب، وكل هذا بقدر وقضاء سابق، كما قال تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر }.

القمر 54:44

يقول الحق جل جلاله: { أكفاركم } يا معشر العرب: أو: يا أهل مكة { خير من أولئكم } الكفار المعدودين في السورة قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمعنى: أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم قوة وآلة ومكانة في الدنيا، أو: كانوا أقل منكم كفرا وعنادا، فهل تطمعون ألا يصيبكم مثل ما أصابهم، وأنتم شر منهم مكانة، وأسوأ حالا؟ { أم لكم براءة في الزبر } أم نزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم وكذب الرسول كان آمنا من عذاب الله، فأمنتم بتلك البراءة؟ { أم يقولون نحن جميع } أي: جماعة أمرنا جميع { منتصر } ممتنع لا نرام ولا نضام، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي: أيقولون واثقين بشوكتهم: نحن أولو حزم ورأي، أمرنا مجتمع لا يقدر علينا، أو: منتصرون من الأعداء، لا نغلب، أو: متناصرون، ينصر بعضنا بعضا. والإفراد باعتبار لفظ " جميع ". { سيهزم الجمع } جمع أهل مكة، { ويولون الدبر } الأدبار. والتوحيد لإرادة الجنس، أو: إرادة أن كل منهم يولي دبره، وقد كان كذلك يوم بدر. قال عمر رضي الله عنه: لما نزلت: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } كنت لا أدري أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الدرع، ويقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فعرفت تأويلها، فالآية مكية على الصحيح، { بل الساعة موعدهم } أي: ليس هذا تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم، وهذا طلائعه، { والساعة أدهى وأمر } أي: أقصى غاية من الفظاعة والمرارة من عذاب الدنيا. والداهية: الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه، وإظهار الساعة في موضع إضمارها تربية لهولها. { إن المجرمين } من الأولين والآخرين { في ضلال } عن الحق في الدنيا { وسعر } ونيران تحرق في الآخرة، أو: لفي هلاك ونيران مسعرة، { يوم يسحبون في النار } يجرون فيها { على وجوههم } ويقال لهم: { ذوقوا مس سقر } أي: قيسوا حرها وألمها، كقولك: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مسا بذلك، و " سقر " غير مصروف للعلمية والتعريف لأنها علم لجهنم، من: سقرته النار: إذا لوحته. الإشارة: ما قيل في منكري خصوصية النبوة، يقال في منكري خصوصية الولاية إذا استغل بأذاهم، يعني: أن من أنكر على الأولياء المتقدمين قد أصابهم ما أصابهم، إما ذل في الظاهر، أو طرد في الباطن، وأنتم أيها المنكرون على أهل زمانكم مثلهم. أمنتقدكم خير من أولئكم أم لكم براءة من العذاب في كتب الله تعالى؟ أم يقولون: نحن جميع، أي: مجتمعون على الدين، لا يصيبنا ما أصاب الكفار، فيقال لهم: سيهزم جمعكم، ويتفرق شملكم، وتفضوا إلى ما أسلفتم، نادمين على ما فعلتم، ولن ينفع الندم حين تزل القدم، فتبقون في حسرة البعد على الدوام، فالكفار حرموا من جنة الزخارف، وأنتم تحرمون من جنة المعارف، مع غم الحجاب وذل البعد عن الحضرة القدسية، إن المجرمين - وهم أهل الطعن والانتقاد - في ضلال عن طريق الوصول إلى الله، ونيران القطيعة، يوم يسبحون على وجوههم، فينهمكون في الدنيا في الحظوظ والشهوات، وفي الآخرة في نار البعد والقطيعة، على دوام الأوقات، ويقال لهم: ذوقوا مرارة الحجاب وسوء الحساب، وكل هذا بقدر وقضاء سابق، كما قال تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر }.

القمر 54:45

يقول الحق جل جلاله: { أكفاركم } يا معشر العرب: أو: يا أهل مكة { خير من أولئكم } الكفار المعدودين في السورة قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمعنى: أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم قوة وآلة ومكانة في الدنيا، أو: كانوا أقل منكم كفرا وعنادا، فهل تطمعون ألا يصيبكم مثل ما أصابهم، وأنتم شر منهم مكانة، وأسوأ حالا؟ { أم لكم براءة في الزبر } أم نزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم وكذب الرسول كان آمنا من عذاب الله، فأمنتم بتلك البراءة؟ { أم يقولون نحن جميع } أي: جماعة أمرنا جميع { منتصر } ممتنع لا نرام ولا نضام، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي: أيقولون واثقين بشوكتهم: نحن أولو حزم ورأي، أمرنا مجتمع لا يقدر علينا، أو: منتصرون من الأعداء، لا نغلب، أو: متناصرون، ينصر بعضنا بعضا. والإفراد باعتبار لفظ " جميع ". { سيهزم الجمع } جمع أهل مكة، { ويولون الدبر } الأدبار. والتوحيد لإرادة الجنس، أو: إرادة أن كل منهم يولي دبره، وقد كان كذلك يوم بدر. قال عمر رضي الله عنه: لما نزلت: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } كنت لا أدري أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الدرع، ويقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فعرفت تأويلها، فالآية مكية على الصحيح، { بل الساعة موعدهم } أي: ليس هذا تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم، وهذا طلائعه، { والساعة أدهى وأمر } أي: أقصى غاية من الفظاعة والمرارة من عذاب الدنيا. والداهية: الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه، وإظهار الساعة في موضع إضمارها تربية لهولها. { إن المجرمين } من الأولين والآخرين { في ضلال } عن الحق في الدنيا { وسعر } ونيران تحرق في الآخرة، أو: لفي هلاك ونيران مسعرة، { يوم يسحبون في النار } يجرون فيها { على وجوههم } ويقال لهم: { ذوقوا مس سقر } أي: قيسوا حرها وألمها، كقولك: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مسا بذلك، و " سقر " غير مصروف للعلمية والتعريف لأنها علم لجهنم، من: سقرته النار: إذا لوحته. الإشارة: ما قيل في منكري خصوصية النبوة، يقال في منكري خصوصية الولاية إذا استغل بأذاهم، يعني: أن من أنكر على الأولياء المتقدمين قد أصابهم ما أصابهم، إما ذل في الظاهر، أو طرد في الباطن، وأنتم أيها المنكرون على أهل زمانكم مثلهم. أمنتقدكم خير من أولئكم أم لكم براءة من العذاب في كتب الله تعالى؟ أم يقولون: نحن جميع، أي: مجتمعون على الدين، لا يصيبنا ما أصاب الكفار، فيقال لهم: سيهزم جمعكم، ويتفرق شملكم، وتفضوا إلى ما أسلفتم، نادمين على ما فعلتم، ولن ينفع الندم حين تزل القدم، فتبقون في حسرة البعد على الدوام، فالكفار حرموا من جنة الزخارف، وأنتم تحرمون من جنة المعارف، مع غم الحجاب وذل البعد عن الحضرة القدسية، إن المجرمين - وهم أهل الطعن والانتقاد - في ضلال عن طريق الوصول إلى الله، ونيران القطيعة، يوم يسبحون على وجوههم، فينهمكون في الدنيا في الحظوظ والشهوات، وفي الآخرة في نار البعد والقطيعة، على دوام الأوقات، ويقال لهم: ذوقوا مرارة الحجاب وسوء الحساب، وكل هذا بقدر وقضاء سابق، كما قال تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر }.

القمر 54:46

يقول الحق جل جلاله: { أكفاركم } يا معشر العرب: أو: يا أهل مكة { خير من أولئكم } الكفار المعدودين في السورة قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمعنى: أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم قوة وآلة ومكانة في الدنيا، أو: كانوا أقل منكم كفرا وعنادا، فهل تطمعون ألا يصيبكم مثل ما أصابهم، وأنتم شر منهم مكانة، وأسوأ حالا؟ { أم لكم براءة في الزبر } أم نزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم وكذب الرسول كان آمنا من عذاب الله، فأمنتم بتلك البراءة؟ { أم يقولون نحن جميع } أي: جماعة أمرنا جميع { منتصر } ممتنع لا نرام ولا نضام، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي: أيقولون واثقين بشوكتهم: نحن أولو حزم ورأي، أمرنا مجتمع لا يقدر علينا، أو: منتصرون من الأعداء، لا نغلب، أو: متناصرون، ينصر بعضنا بعضا. والإفراد باعتبار لفظ " جميع ". { سيهزم الجمع } جمع أهل مكة، { ويولون الدبر } الأدبار. والتوحيد لإرادة الجنس، أو: إرادة أن كل منهم يولي دبره، وقد كان كذلك يوم بدر. قال عمر رضي الله عنه: لما نزلت: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } كنت لا أدري أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الدرع، ويقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فعرفت تأويلها، فالآية مكية على الصحيح، { بل الساعة موعدهم } أي: ليس هذا تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم، وهذا طلائعه، { والساعة أدهى وأمر } أي: أقصى غاية من الفظاعة والمرارة من عذاب الدنيا. والداهية: الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه، وإظهار الساعة في موضع إضمارها تربية لهولها. { إن المجرمين } من الأولين والآخرين { في ضلال } عن الحق في الدنيا { وسعر } ونيران تحرق في الآخرة، أو: لفي هلاك ونيران مسعرة، { يوم يسحبون في النار } يجرون فيها { على وجوههم } ويقال لهم: { ذوقوا مس سقر } أي: قيسوا حرها وألمها، كقولك: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مسا بذلك، و " سقر " غير مصروف للعلمية والتعريف لأنها علم لجهنم، من: سقرته النار: إذا لوحته. الإشارة: ما قيل في منكري خصوصية النبوة، يقال في منكري خصوصية الولاية إذا استغل بأذاهم، يعني: أن من أنكر على الأولياء المتقدمين قد أصابهم ما أصابهم، إما ذل في الظاهر، أو طرد في الباطن، وأنتم أيها المنكرون على أهل زمانكم مثلهم. أمنتقدكم خير من أولئكم أم لكم براءة من العذاب في كتب الله تعالى؟ أم يقولون: نحن جميع، أي: مجتمعون على الدين، لا يصيبنا ما أصاب الكفار، فيقال لهم: سيهزم جمعكم، ويتفرق شملكم، وتفضوا إلى ما أسلفتم، نادمين على ما فعلتم، ولن ينفع الندم حين تزل القدم، فتبقون في حسرة البعد على الدوام، فالكفار حرموا من جنة الزخارف، وأنتم تحرمون من جنة المعارف، مع غم الحجاب وذل البعد عن الحضرة القدسية، إن المجرمين - وهم أهل الطعن والانتقاد - في ضلال عن طريق الوصول إلى الله، ونيران القطيعة، يوم يسبحون على وجوههم، فينهمكون في الدنيا في الحظوظ والشهوات، وفي الآخرة في نار البعد والقطيعة، على دوام الأوقات، ويقال لهم: ذوقوا مرارة الحجاب وسوء الحساب، وكل هذا بقدر وقضاء سابق، كما قال تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر }.

القمر 54:47

يقول الحق جل جلاله: { أكفاركم } يا معشر العرب: أو: يا أهل مكة { خير من أولئكم } الكفار المعدودين في السورة قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمعنى: أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم قوة وآلة ومكانة في الدنيا، أو: كانوا أقل منكم كفرا وعنادا، فهل تطمعون ألا يصيبكم مثل ما أصابهم، وأنتم شر منهم مكانة، وأسوأ حالا؟ { أم لكم براءة في الزبر } أم نزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم وكذب الرسول كان آمنا من عذاب الله، فأمنتم بتلك البراءة؟ { أم يقولون نحن جميع } أي: جماعة أمرنا جميع { منتصر } ممتنع لا نرام ولا نضام، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي: أيقولون واثقين بشوكتهم: نحن أولو حزم ورأي، أمرنا مجتمع لا يقدر علينا، أو: منتصرون من الأعداء، لا نغلب، أو: متناصرون، ينصر بعضنا بعضا. والإفراد باعتبار لفظ " جميع ". { سيهزم الجمع } جمع أهل مكة، { ويولون الدبر } الأدبار. والتوحيد لإرادة الجنس، أو: إرادة أن كل منهم يولي دبره، وقد كان كذلك يوم بدر. قال عمر رضي الله عنه: لما نزلت: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } كنت لا أدري أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الدرع، ويقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فعرفت تأويلها، فالآية مكية على الصحيح، { بل الساعة موعدهم } أي: ليس هذا تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم، وهذا طلائعه، { والساعة أدهى وأمر } أي: أقصى غاية من الفظاعة والمرارة من عذاب الدنيا. والداهية: الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه، وإظهار الساعة في موضع إضمارها تربية لهولها. { إن المجرمين } من الأولين والآخرين { في ضلال } عن الحق في الدنيا { وسعر } ونيران تحرق في الآخرة، أو: لفي هلاك ونيران مسعرة، { يوم يسحبون في النار } يجرون فيها { على وجوههم } ويقال لهم: { ذوقوا مس سقر } أي: قيسوا حرها وألمها، كقولك: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مسا بذلك، و " سقر " غير مصروف للعلمية والتعريف لأنها علم لجهنم، من: سقرته النار: إذا لوحته. الإشارة: ما قيل في منكري خصوصية النبوة، يقال في منكري خصوصية الولاية إذا استغل بأذاهم، يعني: أن من أنكر على الأولياء المتقدمين قد أصابهم ما أصابهم، إما ذل في الظاهر، أو طرد في الباطن، وأنتم أيها المنكرون على أهل زمانكم مثلهم. أمنتقدكم خير من أولئكم أم لكم براءة من العذاب في كتب الله تعالى؟ أم يقولون: نحن جميع، أي: مجتمعون على الدين، لا يصيبنا ما أصاب الكفار، فيقال لهم: سيهزم جمعكم، ويتفرق شملكم، وتفضوا إلى ما أسلفتم، نادمين على ما فعلتم، ولن ينفع الندم حين تزل القدم، فتبقون في حسرة البعد على الدوام، فالكفار حرموا من جنة الزخارف، وأنتم تحرمون من جنة المعارف، مع غم الحجاب وذل البعد عن الحضرة القدسية، إن المجرمين - وهم أهل الطعن والانتقاد - في ضلال عن طريق الوصول إلى الله، ونيران القطيعة، يوم يسبحون على وجوههم، فينهمكون في الدنيا في الحظوظ والشهوات، وفي الآخرة في نار البعد والقطيعة، على دوام الأوقات، ويقال لهم: ذوقوا مرارة الحجاب وسوء الحساب، وكل هذا بقدر وقضاء سابق، كما قال تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر }.

القمر 54:48

يقول الحق جل جلاله: { أكفاركم } يا معشر العرب: أو: يا أهل مكة { خير من أولئكم } الكفار المعدودين في السورة قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، والمعنى: أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم قوة وآلة ومكانة في الدنيا، أو: كانوا أقل منكم كفرا وعنادا، فهل تطمعون ألا يصيبكم مثل ما أصابهم، وأنتم شر منهم مكانة، وأسوأ حالا؟ { أم لكم براءة في الزبر } أم نزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم وكذب الرسول كان آمنا من عذاب الله، فأمنتم بتلك البراءة؟ { أم يقولون نحن جميع } أي: جماعة أمرنا جميع { منتصر } ممتنع لا نرام ولا نضام، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي: أيقولون واثقين بشوكتهم: نحن أولو حزم ورأي، أمرنا مجتمع لا يقدر علينا، أو: منتصرون من الأعداء، لا نغلب، أو: متناصرون، ينصر بعضنا بعضا. والإفراد باعتبار لفظ " جميع ". { سيهزم الجمع } جمع أهل مكة، { ويولون الدبر } الأدبار. والتوحيد لإرادة الجنس، أو: إرادة أن كل منهم يولي دبره، وقد كان كذلك يوم بدر. قال عمر رضي الله عنه: لما نزلت: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } كنت لا أدري أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الدرع، ويقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فعرفت تأويلها، فالآية مكية على الصحيح، { بل الساعة موعدهم } أي: ليس هذا تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم، وهذا طلائعه، { والساعة أدهى وأمر } أي: أقصى غاية من الفظاعة والمرارة من عذاب الدنيا. والداهية: الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه، وإظهار الساعة في موضع إضمارها تربية لهولها. { إن المجرمين } من الأولين والآخرين { في ضلال } عن الحق في الدنيا { وسعر } ونيران تحرق في الآخرة، أو: لفي هلاك ونيران مسعرة، { يوم يسحبون في النار } يجرون فيها { على وجوههم } ويقال لهم: { ذوقوا مس سقر } أي: قيسوا حرها وألمها، كقولك: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مسا بذلك، و " سقر " غير مصروف للعلمية والتعريف لأنها علم لجهنم، من: سقرته النار: إذا لوحته. الإشارة: ما قيل في منكري خصوصية النبوة، يقال في منكري خصوصية الولاية إذا استغل بأذاهم، يعني: أن من أنكر على الأولياء المتقدمين قد أصابهم ما أصابهم، إما ذل في الظاهر، أو طرد في الباطن، وأنتم أيها المنكرون على أهل زمانكم مثلهم. أمنتقدكم خير من أولئكم أم لكم براءة من العذاب في كتب الله تعالى؟ أم يقولون: نحن جميع، أي: مجتمعون على الدين، لا يصيبنا ما أصاب الكفار، فيقال لهم: سيهزم جمعكم، ويتفرق شملكم، وتفضوا إلى ما أسلفتم، نادمين على ما فعلتم، ولن ينفع الندم حين تزل القدم، فتبقون في حسرة البعد على الدوام، فالكفار حرموا من جنة الزخارف، وأنتم تحرمون من جنة المعارف، مع غم الحجاب وذل البعد عن الحضرة القدسية، إن المجرمين - وهم أهل الطعن والانتقاد - في ضلال عن طريق الوصول إلى الله، ونيران القطيعة، يوم يسبحون على وجوههم، فينهمكون في الدنيا في الحظوظ والشهوات، وفي الآخرة في نار البعد والقطيعة، على دوام الأوقات، ويقال لهم: ذوقوا مرارة الحجاب وسوء الحساب، وكل هذا بقدر وقضاء سابق، كما قال تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر }.

القمر 54:49

يقول الحق جل جلاله: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حاله وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، و " كل ": منصوب بفعل يفسره الظاهر. وقرئ بالرفع شاذا، والنصب ألأولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون " خلقنا " صفة لشيء، ويكون الخبر مقدرا، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: " خلقناه " ، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون " خلقنا " صفة لشيء لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب. { وما أمرنا إلا واحدة } أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: { كن } أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له: كن، فيكون، أو: إلا فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، { كلمح بالبصر } في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى: ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر [النحل: 77]. { ولقد أهلكنا أشياعكم } أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، { فهل من مدكر } من متعظ بذلك { وكل شيء فعلوه } من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل { في الزبر } في ديوان الحفظة، { وكل صغير وكبير } من الأعمال، ومن كل ما هو كائن { مستطر } مسطور في اللوح بتفاصيله. ولما بين سوء حال الكفرة بقوله: { إن المجرمين... } الخ، بين حسن حال المؤمنين، جمعا بين الترهيب والترغيب فقال: { إن المتقين } أي: الكفر والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونهر } أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرئ: " ونهر " جمع " نهر " ، كأسد وأسد. { في مقعد صدق } في مكان مرضي، وقرئ " فيمقاعد صدق " ، { عند مليك مقتدر } أي: مقربين عند مليك قادر لا يقادر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسة. الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كد التدبير والاختيار لأن العاقل إذا علم علم يقين أن شؤونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمه القدر، لا يتقدم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيرا كان أو شرا، كما قال الشاعر: إذا كانت الأقدار من مالك الملك فسيان عندي ما يسر وما يبكي وقال آخر: تسل الهموم تسل فما الدنيا سوى ثوب يعار وسلم للمهيمن في قضاه ولا تختر فليس لك اختيار فما تدري إذا ما الليل ولى بأي غريبة ياتي النهار وقوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة.. } الخ، هذا في عالم الأمر، ويسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالم الحكمة، فجله بالتدريج والترتيب، سترا لأسرار الربوبية، وصونا لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن؟ ويقال لأهل العناد المتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبعد، فهل من متعظ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إن المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحكم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستر والحجاب لذلك سماه " مقعد صدق " أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدر قادر. انظر تمام كلامه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

القمر 54:50

يقول الحق جل جلاله: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حاله وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، و " كل ": منصوب بفعل يفسره الظاهر. وقرئ بالرفع شاذا، والنصب ألأولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون " خلقنا " صفة لشيء، ويكون الخبر مقدرا، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: " خلقناه " ، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون " خلقنا " صفة لشيء لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب. { وما أمرنا إلا واحدة } أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: { كن } أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له: كن، فيكون، أو: إلا فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، { كلمح بالبصر } في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى: ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر [النحل: 77]. { ولقد أهلكنا أشياعكم } أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، { فهل من مدكر } من متعظ بذلك { وكل شيء فعلوه } من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل { في الزبر } في ديوان الحفظة، { وكل صغير وكبير } من الأعمال، ومن كل ما هو كائن { مستطر } مسطور في اللوح بتفاصيله. ولما بين سوء حال الكفرة بقوله: { إن المجرمين... } الخ، بين حسن حال المؤمنين، جمعا بين الترهيب والترغيب فقال: { إن المتقين } أي: الكفر والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونهر } أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرئ: " ونهر " جمع " نهر " ، كأسد وأسد. { في مقعد صدق } في مكان مرضي، وقرئ " فيمقاعد صدق " ، { عند مليك مقتدر } أي: مقربين عند مليك قادر لا يقادر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسة. الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كد التدبير والاختيار لأن العاقل إذا علم علم يقين أن شؤونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمه القدر، لا يتقدم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيرا كان أو شرا، كما قال الشاعر: إذا كانت الأقدار من مالك الملك فسيان عندي ما يسر وما يبكي وقال آخر: تسل الهموم تسل فما الدنيا سوى ثوب يعار وسلم للمهيمن في قضاه ولا تختر فليس لك اختيار فما تدري إذا ما الليل ولى بأي غريبة ياتي النهار وقوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة.. } الخ، هذا في عالم الأمر، ويسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالم الحكمة، فجله بالتدريج والترتيب، سترا لأسرار الربوبية، وصونا لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن؟ ويقال لأهل العناد المتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبعد، فهل من متعظ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إن المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحكم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستر والحجاب لذلك سماه " مقعد صدق " أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدر قادر. انظر تمام كلامه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

القمر 54:51

يقول الحق جل جلاله: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حاله وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، و " كل ": منصوب بفعل يفسره الظاهر. وقرئ بالرفع شاذا، والنصب ألأولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون " خلقنا " صفة لشيء، ويكون الخبر مقدرا، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: " خلقناه " ، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون " خلقنا " صفة لشيء لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب. { وما أمرنا إلا واحدة } أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: { كن } أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له: كن، فيكون، أو: إلا فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، { كلمح بالبصر } في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى: ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر [النحل: 77]. { ولقد أهلكنا أشياعكم } أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، { فهل من مدكر } من متعظ بذلك { وكل شيء فعلوه } من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل { في الزبر } في ديوان الحفظة، { وكل صغير وكبير } من الأعمال، ومن كل ما هو كائن { مستطر } مسطور في اللوح بتفاصيله. ولما بين سوء حال الكفرة بقوله: { إن المجرمين... } الخ، بين حسن حال المؤمنين، جمعا بين الترهيب والترغيب فقال: { إن المتقين } أي: الكفر والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونهر } أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرئ: " ونهر " جمع " نهر " ، كأسد وأسد. { في مقعد صدق } في مكان مرضي، وقرئ " فيمقاعد صدق " ، { عند مليك مقتدر } أي: مقربين عند مليك قادر لا يقادر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسة. الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كد التدبير والاختيار لأن العاقل إذا علم علم يقين أن شؤونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمه القدر، لا يتقدم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيرا كان أو شرا، كما قال الشاعر: إذا كانت الأقدار من مالك الملك فسيان عندي ما يسر وما يبكي وقال آخر: تسل الهموم تسل فما الدنيا سوى ثوب يعار وسلم للمهيمن في قضاه ولا تختر فليس لك اختيار فما تدري إذا ما الليل ولى بأي غريبة ياتي النهار وقوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة.. } الخ، هذا في عالم الأمر، ويسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالم الحكمة، فجله بالتدريج والترتيب، سترا لأسرار الربوبية، وصونا لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن؟ ويقال لأهل العناد المتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبعد، فهل من متعظ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إن المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحكم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستر والحجاب لذلك سماه " مقعد صدق " أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدر قادر. انظر تمام كلامه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

القمر 54:52

يقول الحق جل جلاله: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حاله وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، و " كل ": منصوب بفعل يفسره الظاهر. وقرئ بالرفع شاذا، والنصب ألأولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون " خلقنا " صفة لشيء، ويكون الخبر مقدرا، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: " خلقناه " ، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون " خلقنا " صفة لشيء لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب. { وما أمرنا إلا واحدة } أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: { كن } أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له: كن، فيكون، أو: إلا فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، { كلمح بالبصر } في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى: ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر [النحل: 77]. { ولقد أهلكنا أشياعكم } أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، { فهل من مدكر } من متعظ بذلك { وكل شيء فعلوه } من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل { في الزبر } في ديوان الحفظة، { وكل صغير وكبير } من الأعمال، ومن كل ما هو كائن { مستطر } مسطور في اللوح بتفاصيله. ولما بين سوء حال الكفرة بقوله: { إن المجرمين... } الخ، بين حسن حال المؤمنين، جمعا بين الترهيب والترغيب فقال: { إن المتقين } أي: الكفر والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونهر } أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرئ: " ونهر " جمع " نهر " ، كأسد وأسد. { في مقعد صدق } في مكان مرضي، وقرئ " فيمقاعد صدق " ، { عند مليك مقتدر } أي: مقربين عند مليك قادر لا يقادر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسة. الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كد التدبير والاختيار لأن العاقل إذا علم علم يقين أن شؤونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمه القدر، لا يتقدم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيرا كان أو شرا، كما قال الشاعر: إذا كانت الأقدار من مالك الملك فسيان عندي ما يسر وما يبكي وقال آخر: تسل الهموم تسل فما الدنيا سوى ثوب يعار وسلم للمهيمن في قضاه ولا تختر فليس لك اختيار فما تدري إذا ما الليل ولى بأي غريبة ياتي النهار وقوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة.. } الخ، هذا في عالم الأمر، ويسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالم الحكمة، فجله بالتدريج والترتيب، سترا لأسرار الربوبية، وصونا لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن؟ ويقال لأهل العناد المتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبعد، فهل من متعظ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إن المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحكم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستر والحجاب لذلك سماه " مقعد صدق " أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدر قادر. انظر تمام كلامه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

القمر 54:53

يقول الحق جل جلاله: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حاله وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، و " كل ": منصوب بفعل يفسره الظاهر. وقرئ بالرفع شاذا، والنصب ألأولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون " خلقنا " صفة لشيء، ويكون الخبر مقدرا، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: " خلقناه " ، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون " خلقنا " صفة لشيء لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب. { وما أمرنا إلا واحدة } أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: { كن } أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له: كن، فيكون، أو: إلا فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، { كلمح بالبصر } في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى: ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر [النحل: 77]. { ولقد أهلكنا أشياعكم } أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، { فهل من مدكر } من متعظ بذلك { وكل شيء فعلوه } من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل { في الزبر } في ديوان الحفظة، { وكل صغير وكبير } من الأعمال، ومن كل ما هو كائن { مستطر } مسطور في اللوح بتفاصيله. ولما بين سوء حال الكفرة بقوله: { إن المجرمين... } الخ، بين حسن حال المؤمنين، جمعا بين الترهيب والترغيب فقال: { إن المتقين } أي: الكفر والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونهر } أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرئ: " ونهر " جمع " نهر " ، كأسد وأسد. { في مقعد صدق } في مكان مرضي، وقرئ " فيمقاعد صدق " ، { عند مليك مقتدر } أي: مقربين عند مليك قادر لا يقادر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسة. الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كد التدبير والاختيار لأن العاقل إذا علم علم يقين أن شؤونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمه القدر، لا يتقدم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيرا كان أو شرا، كما قال الشاعر: إذا كانت الأقدار من مالك الملك فسيان عندي ما يسر وما يبكي وقال آخر: تسل الهموم تسل فما الدنيا سوى ثوب يعار وسلم للمهيمن في قضاه ولا تختر فليس لك اختيار فما تدري إذا ما الليل ولى بأي غريبة ياتي النهار وقوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة.. } الخ، هذا في عالم الأمر، ويسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالم الحكمة، فجله بالتدريج والترتيب، سترا لأسرار الربوبية، وصونا لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن؟ ويقال لأهل العناد المتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبعد، فهل من متعظ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إن المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحكم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستر والحجاب لذلك سماه " مقعد صدق " أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدر قادر. انظر تمام كلامه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

القمر 54:54

يقول الحق جل جلاله: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حاله وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، و " كل ": منصوب بفعل يفسره الظاهر. وقرئ بالرفع شاذا، والنصب ألأولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون " خلقنا " صفة لشيء، ويكون الخبر مقدرا، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: " خلقناه " ، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون " خلقنا " صفة لشيء لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب. { وما أمرنا إلا واحدة } أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: { كن } أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له: كن، فيكون، أو: إلا فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، { كلمح بالبصر } في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى: ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر [النحل: 77]. { ولقد أهلكنا أشياعكم } أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، { فهل من مدكر } من متعظ بذلك { وكل شيء فعلوه } من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل { في الزبر } في ديوان الحفظة، { وكل صغير وكبير } من الأعمال، ومن كل ما هو كائن { مستطر } مسطور في اللوح بتفاصيله. ولما بين سوء حال الكفرة بقوله: { إن المجرمين... } الخ، بين حسن حال المؤمنين، جمعا بين الترهيب والترغيب فقال: { إن المتقين } أي: الكفر والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونهر } أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرئ: " ونهر " جمع " نهر " ، كأسد وأسد. { في مقعد صدق } في مكان مرضي، وقرئ " فيمقاعد صدق " ، { عند مليك مقتدر } أي: مقربين عند مليك قادر لا يقادر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسة. الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كد التدبير والاختيار لأن العاقل إذا علم علم يقين أن شؤونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمه القدر، لا يتقدم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيرا كان أو شرا، كما قال الشاعر: إذا كانت الأقدار من مالك الملك فسيان عندي ما يسر وما يبكي وقال آخر: تسل الهموم تسل فما الدنيا سوى ثوب يعار وسلم للمهيمن في قضاه ولا تختر فليس لك اختيار فما تدري إذا ما الليل ولى بأي غريبة ياتي النهار وقوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة.. } الخ، هذا في عالم الأمر، ويسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالم الحكمة، فجله بالتدريج والترتيب، سترا لأسرار الربوبية، وصونا لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن؟ ويقال لأهل العناد المتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبعد، فهل من متعظ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إن المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحكم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستر والحجاب لذلك سماه " مقعد صدق " أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدر قادر. انظر تمام كلامه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

القمر 54:55

يقول الحق جل جلاله: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي: بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه، قد علمنا حاله وزمانه قبل ظهوره، أو: خلقناه كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، و " كل ": منصوب بفعل يفسره الظاهر. وقرئ بالرفع شاذا، والنصب ألأولى لأنه لو رفع لأمكن أن يكون " خلقنا " صفة لشيء، ويكون الخبر مقدرا، أي: إنا كل شيء مخلوق لنا حاصل بقدر، فيكون حجة للمعتزلة، باعتبار المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم يسبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، المفهوم، وأن أفعال العباد غير مخلوقة لله. فلم سبق لها قدر، تعالى الله عن قولهم، ويجوز أن يكون الخبر: " خلقناه " ، فلا حجة فيه، ولا يجوز في النصب أن يكون " خلقنا " صفة لشيء لأنه يفسر الناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا. قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت الآية، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي: على طريق الإخبار بالغيب. { وما أمرنا إلا واحدة } أي: كلمة واحدة، سريعة التكوين، وهو قوله تعالى: { كن } أي: وما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له: كن، فيكون، أو: إلا فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة، { كلمح بالبصر } في السرعة، أي: على قد ما يلمح أحد ببصره، وقيل: المراد سرعة القيامة، لقوله تعالى: ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر [النحل: 77]. { ولقد أهلكنا أشياعكم } أي: أشباهكم في الكفر من الأمم، وقيل: أتباعكم، { فهل من مدكر } من متعظ بذلك { وكل شيء فعلوه } من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل { في الزبر } في ديوان الحفظة، { وكل صغير وكبير } من الأعمال، ومن كل ما هو كائن { مستطر } مسطور في اللوح بتفاصيله. ولما بين سوء حال الكفرة بقوله: { إن المجرمين... } الخ، بين حسن حال المؤمنين، جمعا بين الترهيب والترغيب فقال: { إن المتقين } أي: الكفر والمعاصي { في جنات } عظيمة { ونهر } أي: أنهار كذلك، والإفراد للاكتفاء بذكر الجنس، مراعاة للفواصل، وقرئ: " ونهر " جمع " نهر " ، كأسد وأسد. { في مقعد صدق } في مكان مرضي، وقرئ " فيمقاعد صدق " ، { عند مليك مقتدر } أي: مقربين عند مليك قادر لا يقادر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، سبحانه، ما أعظم شأنه. والعندية: عندية منزلة وكرامة وزلفى، لا مسافة ولا محاسة. الإشارة: هذه الآية وأشباهها هي التي غسلت القلوب من الأحزان والأغيار، وأراحت العبد من كد التدبير والاختيار لأن العاقل إذا علم علم يقين أن شؤونه وأحواله، وكل ما ينزل به، قد عمه القدر، لا يتقدم شيء عن وقته ولا يتأخر، فوض أمره إلى الله، واستسلم لأحكام مولاه، وتلقى ما ينزل به من النوازل بالرضا والقبول، خيرا كان أو شرا، كما قال الشاعر: إذا كانت الأقدار من مالك الملك فسيان عندي ما يسر وما يبكي وقال آخر: تسل الهموم تسل فما الدنيا سوى ثوب يعار وسلم للمهيمن في قضاه ولا تختر فليس لك اختيار فما تدري إذا ما الليل ولى بأي غريبة ياتي النهار وقوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة.. } الخ، هذا في عالم الأمر، ويسمى عالم القدرة، وأما في عالم الخلق، ويسمى عالم الحكمة، فجله بالتدريج والترتيب، سترا لأسرار الربوبية، وصونا لسر القدرة الإلهية، ليبقى الإيمان بالغيب، فتظهر مزية المؤمن؟ ويقال لأهل العناد المتجبرة: ولقد أهلكنا أشياعكم إما بالهلاك الحسي، أو المعنوي، كالطرد والبعد، فهل من متعظ، يرجع عن عناده؟ وكل شيء فعلوه في ديوان صحائفهم، وكل صغير وكبير من أعمال العباد مسطورة في العلم القديم. إن المتقين ما سوى الله، في جنات المعارف، وأنهار العلوم والحكم، في مقعد صدق، هو حضرة القدس، ومحل الأنس، عند مليك مقتدر. قال الورتجبي: مقامات العندية جنانها زفارف الأنس، وأنهارها أنوار القدس، أجلسهم الله في بساط الزلفة والمداناة، التي لا يتغير صاحبها بعلة القهر، ولا يزول عنها بالتستر والحجاب لذلك سماه " مقعد صدق " أي: محل كرامة دائمة، ومزية قائمة، ومواصلة سرمدية، والله مقدر قادر. انظر تمام كلامه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.