Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الرحمن 55:65 – الواقعة 56:66

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. الرحمن 55:65
  2. الرحمن 55:66
  3. الرحمن 55:67
  4. الرحمن 55:68
  5. الرحمن 55:69
  6. الرحمن 55:70
  7. الرحمن 55:71
  8. الرحمن 55:72
  9. الرحمن 55:73
  10. الرحمن 55:74
  11. الرحمن 55:75
  12. الرحمن 55:76
  13. الرحمن 55:77
  14. الرحمن 55:78
  15. الواقعة 56:1
  16. الواقعة 56:2
  17. الواقعة 56:3
  18. الواقعة 56:4
  19. الواقعة 56:5
  20. الواقعة 56:6
  21. الواقعة 56:7
  22. الواقعة 56:8
  23. الواقعة 56:9
  24. الواقعة 56:10
  25. الواقعة 56:11
  26. الواقعة 56:12
  27. الواقعة 56:13
  28. الواقعة 56:14
  29. الواقعة 56:15
  30. الواقعة 56:16
  31. الواقعة 56:17
  32. الواقعة 56:18
  33. الواقعة 56:19
  34. الواقعة 56:20
  35. الواقعة 56:21
  36. الواقعة 56:22
  37. الواقعة 56:23
  38. الواقعة 56:24
  39. الواقعة 56:25
  40. الواقعة 56:26
  41. الواقعة 56:27
  42. الواقعة 56:28
  43. الواقعة 56:29
  44. الواقعة 56:30
  45. الواقعة 56:31
  46. الواقعة 56:32
  47. الواقعة 56:33
  48. الواقعة 56:34
  49. الواقعة 56:35
  50. الواقعة 56:36
  51. الواقعة 56:37
  52. الواقعة 56:38
  53. الواقعة 56:39
  54. الواقعة 56:40
  55. الواقعة 56:41
  56. الواقعة 56:42
  57. الواقعة 56:43
  58. الواقعة 56:44
  59. الواقعة 56:45
  60. الواقعة 56:46
  61. الواقعة 56:47
  62. الواقعة 56:48
  63. الواقعة 56:49
  64. الواقعة 56:50
  65. الواقعة 56:51
  66. الواقعة 56:52
  67. الواقعة 56:53
  68. الواقعة 56:54
  69. الواقعة 56:55
  70. الواقعة 56:56
  71. الواقعة 56:57
  72. الواقعة 56:58
  73. الواقعة 56:59
  74. الواقعة 56:60
  75. الواقعة 56:61
  76. الواقعة 56:62
  77. الواقعة 56:63
  78. الواقعة 56:64
  79. الواقعة 56:65
  80. الواقعة 56:66

الرحمن 55:65

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:66

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:67

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:68

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:69

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:70

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:71

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:72

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:73

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:74

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:75

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:76

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:77

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الرحمن 55:78

يقول الحق جل جلاله: { ومن دونهما جنتان } أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { جنتان } أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين، ويؤيده حديث أبي موسى، قال في هذه الآية. { ولمن خاف مقام ربه } قال: " جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين " ورفعه، ولا شك أن الذهب أرفع من الورق، فلا يلتفت إلى الفضة من له الذهب، خلافا لمن قال: يلزم حرمان أهل الطبقة الأولى - وهم السابقون - ما ذكر في الحديث من الفضة، واختار في نوادر الأصول أن قوله: { ومن دونهما } أي: في القرب إلى العرش، وأن هذه أعلى وصفا مما ذكر قبل، إلى العرش، وبسط القول في ذلك، ومثله ذكره ابن عطية عن ابن عباس، واحتج لذلك، ولكن الأكثرعلى خلاف ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله. { فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان } خضراوان تميلان إلى السواد، من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، ومن اشتهى فيها شيئا يعطاه، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } كرر التوبيخ مع ذكر الموصوف ومع صفته تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة حقيق بالإنكار، { فيهما عينان نضاختان } فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح - بالمهملة - وهو الرش، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { فيهما فاكهة ونخل ورمان } عطف الأخيرين على الفاكهة عطف خاص على عام لفضلهما، فإن ثمر النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء. قال أبو حنيفة: من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وقوفا مع ظاهر العطف، وعندنا الأيمان مبنية على الأعراف، وهي تختلف باختلاف الأقطار. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولا شيء منها يقبل الإنكار. { فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين المشتملتين على قصور ومساكن نساء { خيرات } أي: فاضلات الخلق، حسان الخلق، وهو مخفف من " خير " بالتشديد، وقرئ خيرات على الأصل، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { حور } بدل من " خيرات " { مقصورات في الخيام } قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ومقصورة، أي مخدرة، أو: مقصورات الطرف على أزواجهن ساكنة في الخيام. قال القشيري: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. ه. يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. وفي خبر: أن عائشة قالت: " إن المؤمنات أجبنهن، نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن ". والخيام من الدر المجوف، { فبأي آلاء ربكنما تكذبان }. { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان }. { متكئين } نصب على الاختصاص، { على رفرف } هو كل ثوب عريض، وقيل: هو الوسائد، والأظهر من الحديث أنه سرير مفروش بثياب خضر، يركب فيه أهل الجنة، ويسير بهم حيث شاؤوا، وقوله: { خضر } ، وصف لرفرف لأنه محلى بثياب خضر، والرفرف: إما اسم جنس، أو اسم جمع، واحده: رفرفة. { وعبقري حسان } أي: طنافس، وهي جياد البسط، كالزرابي وشبهها. والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، يسبون إليه كل شيء عجيب. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل مبالغ في الوصف، وقال الخليل: كل جليل فاضل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقري، ومنه " قوله صلى الله عليه وسلم في عمر: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " والمراد به الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: [ومن دونهما] لأن { مدهامتان } دون { ذواتا أفنان } ، و { نضاختان } دون { تجريان } ، و { فاكهة } دون { من كل فاكهة زوجان } ، وكذلك صفة الحور والمتكأ. ه. { تبارك اسم ربك } أي: تنزه وتقدس، أو تكاثر خيره. وفيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، { ذي الجلال } ذي العظمة. وقرأ الشامي بالرفع، صفة لاسم، { والإكرام } لأوليائه بالإنعام. قيل: لم ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: { ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } ختم نعم الآخرة بقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وناسب هذا ذكر البقاء والديمومية له تعالى، إذ ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر ما امتن به من البركة، وهي الخير والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته. روى جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، فقال: " ما لي أراكم سكوتا، للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما أتيت على قول الله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ولا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر ". وكررت هذه الآية في هذه السورة إحد وثلاثين مرة، ذكرت ثمانية منها عقب آيات فيها عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبوب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها، على عدد أبوب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم. قاله النسفي. الإشارة: ومن دون جنتي أهل المقربين جنتا أهل اليمين، وهما جنة حلاوة الطاعة وكمال الاستقامة، أو حلاوة المعاملات وظهور الكرامات، أو حلاوة المناجاة وحصول المداناة، أو: جنة معجلة في البرزخ لأرواحهم، وأخرى بعد البعث لأشباحهم، وهذا يجري أيضا في حق المقربين. وقوله: { مدهامتان } شديدة خضرتها لان النظر إلى الخضرة أميل، وكذلك أهل العبادة الظاهرية حين يجدون حلاوتها، ويقفون معها، ترمقهم أبصار العامة بالتعظيم والتكريم، فربما يجنون بعض جزاء أعمالهم، بخلاف أهل الباطن، أهل الفناء والبقاء، لا ترى منهم إلا النيران لفرارهم من الخلق، ولخفاء عبادتهم بين فكرة ونظرة، فيهما عينان نضاختان فوارتان بالعلوم الظاهرة التي أثمرتها التقوى، لقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة: 282]، وكثرة العلوم كمال عند أهل الظاهر، ولا يعتبره أهل الباطن إذ المدار عندهم على الأذواق والوجدان، وتحقيق عين العيان. وفي كتاب شيخ شيوخنا، سيدي " علي العمراني " رضي الله عنه قال: علم الحرب وما جرى بينهم إنما يوجد عند المستشرف على المعركة، وأما المباشر للحرب فهو في شغل شاغل عنه. فيها فاكهة، أي: تفنن في تحقيق المسائل، ونخل تضلع من علم الحديث، ورمان تغلغل في التفسير، أو: فيهما فاكهة تحقيق علم المعاملة، ونخل تحقيق علم الاعتقادات المجازية، ورمان تمسك بعلم التصوف، الذي هو دواء القلوب، فيهن خيرات حسان في تلك الجنان أخلاق حسان، وهي ثمرة العلم النافع، حور مقصورات في الخيام، أي: تلك الأخلاق الطيبة مقصورة على قلوب أهل الصفا، لا تظهر إلا لهم، أو: في تلك الجنان الذي هي القلوب، علوم غريبة، لم تكشف لغيرهم، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان لم يفك انغلاقها أحد قبلهم. وفي التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ه. متكئين على رفرف، أي: بساط فكرة الاعتبار، يستخرج بها جواهر العلوم، ووصفه بالخضرة لظهور أثر فكرهة الاعتبار بما تجليه من العلوم، وفي الحديث: " ساعة من العالم يتفكر في علمه خير من عبادة الجاهل ألف سنة " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكذلك وصفه بالعبقرية والجودة لكماله في محله. { تبارك اسم ربك } أي: تعاظم قدره { ذي الجلال والإكرام } حيث من بهذه النعم الجسام على الفريقين، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الواقعة 56:1

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:2

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:3

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:4

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:5

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:6

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:7

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:8

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:9

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:10

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:11

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:12

قال ابن عطية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا " ، ودعا عثمان عبد الله بن مسعود إلى عطائه، فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال، فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأها لم يفتقر أبدا " قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. ه. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. ه. يقول الحق جل جلاله: { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، ووصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنها واقعة في نفسها، كأنه قيل: أذا وقعت التي لا بد من وقوعها. ووقوع الأمر: نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه، وانتصاب { إذا } بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة، كأنه قيل: إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، أو: بالنفي المفهوم من قوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا كذب وقت وقوعها، أو: باذكر، أو: بمضمون السورة قبلها، أي: يكون ما ذكر من نعيم الفريقين إذا وقعت الواقعة، ثم استأنف بقوله: { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، أو: تكذب في نفسها كما تكذب اليوم، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله: قدمت لحياتى [الفجر: 24]، أي: ظرفية، أي: ليس عند وقوعها كذب، أو: تعليلية، قال الفراء: { كاذبة }: مصدر، كالعاقبة والعالية، وقيل: صفة لمحذوف، كما تقدم. { خافضة رافعة } أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين، وهو تقرير لعظمها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو: بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها، بنثر الكواكب وتسيير الجبال، كما أبان ذلك بقوله: { إذا رجت الأرض رجا }: حركت تحريكا شديدا حتى تهدم كل شيء فوقها، من جبل وبناء، وهو متعلق بخافضه، أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، أي: عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض، أو: بدل من: { إذا وقعت } ، وجواب الشرط: { فأصحاب الميمنة } ، والمعنى: إذا كان كذا فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، وما أعظم رتبتهم عند الله في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. { وبست الجبال بسا } أي: فتنت حتى صارت كالسويق الملتت، من: بس السويق: إذا لته، أو: سيقت وسيرت عن أماكنها، من: بس الغنم: إذا ساقها، كقوله تعالى: وسيرت الجبال [النبأ: 20]. { فكانت } أي: فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } منتشرا متفرقا في الهواء، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت في كوة، { وكنتم } معاشر الخلق، أو: أيتها الأمة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } صنفان في الجنة، وصنف النار، قال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة. ثم فسر تلك الأزواج، فقال: { فأصحاب الميمنة } وهم الذي يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ما أصحاب الميمنة } ، تعظيم لشأنهم، و " ما ": استفهام تعجب مبتدأ، و " أصحاب ": خبر، والجملة: خبر المتبدأ الأول، والأصل: فأصحاب الميمنة ما هم؟ أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ فوضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم، ومثله: الحآقة ما الحآقة [الحاقة: 1، 2] ونظائرها. { وأصحاب المشئمة } أي: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم { ما أصحاب المشئمة } أي: أي شيء هم؟! تعجيب من حالهم الفظيع، أو: فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك: فلان مني باليمين، وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما عندك بالرفعة والوضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأل النار ذات الشمال. وقال القشيري: أصحاب الميمنة: هم الذين في جانب اليمين من آدم وقت ذر الذرية من صلبه، وأصحاب المشئمة الذين كانوا في جانب شماله. ه. قلت: وكذلك رآهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة المعراج. { والسابقون السابقون } مبتدأ وخبر، على معنى تعظيم الأمر وتفخيمه لأن المبتدأ إذا أعيد بنفسه خبرا دل على التفخيم، كقوله الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم، أو: والسابقون إلى الخيرات هم السابقون إلى الجنات، وقال أبو السعود: الذي تقتضيه جزالة النظم أن " أصحاب الميمنة ": خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: { والسابقون } فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليه، والتقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشئمة، والثالث السابقون. ثم أطال الكلام في ذلك، فانظره. واختلف في تعيينهم، فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان، وإيضاحه، عند ظهور الحق من غير تلعثم ولا توان، وقيل: الذين سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات، وقيل: هم الذي صلوا إلى القبلتين، كما قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] وقيل: السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات. والتحقيق: أنهم السابقون إلى الله بالمجاهدة والمكابدة، حتى أفضوا إلى مقام المشاهدة، وهو مقام الإحسان. { أولئك المقربون } أشار إليهم بإشارة البعد مع قرب العهد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف، أي: أولئك السابقون إلى الله هم المقربون إلى الله في الكرامة والتعظيم، الذي تلي درجاتهم درجات الأنبياء، وهم { في جنات النعيم } أي: ذات التنعم، فتصدق بالفردوس، التي هي مسكن المقربين، وإنما أخر ذكر السابقين مع كونهم أحق بالتقدم في الذكر ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، ويتخلص إلى ذكر نعيمهم الآتي، على أن إيرادهم بعنوان المسبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الأمور. الإشارة: إذا وقعت الحقيقة المتوقعة للمتوجهين كان من العلوم والأسرار ما لا تحيط به عامة الأفكار، ووقوع الحقيقة: برزوها معهم، وإشراق أنوارها على قلوبهم، فتفنى الكائنات وتضمحل الرسوم والإشارات، ويبقى الحي القيوم وحده، كما كان وحده، ليس لوقعتها كاذبة لا كذب في وقوعها، ولا شك في إظهارها على من توجه إليها، وصحب أهلها، وحط رأسه لأربابها، وامتثل كل ما يأمرونه به، خافضة لمن توجه إليها، ووصل لأنوارها، وتحقق بأسرارها. يعني: هكذا شأنها في الجملة، تخفض قوما وترفع آخرين، وإنما تقع لمن توجه إليها إذا رجت أرض النفوس منه رجا، أي: تحركت واضطربت، بمنازلة الأحوال، وارتكاب الشدائد والأهوال، وتوالي الأذكار، والاضطراب في الأسفار، فإن كمون سرها في الإنسان ككمون الزبد في اللبن، فلا بد من مخضه لاستخراج زبده. وبست جبال العقل منه بسا، فكانت هباء منبثا لأن نور العقل يتغطى بنور شمس العرفان، ويضمحل كما يضمحل نور القمر إذا طلعت الشمس، وكنتم أيها الطالبون المتوجهون أصنافا ثلاثة: قوم توجهوا إليها، ثم قنعوا بما برز لهم من شعاع أنوارها، وهم عامة المتوجهين. وقوم استشرفوا عليها فلم يطيقوا أنوارها، فرجعوا القهقرى، وهم أهل الحرمان، من أهل المشأمه. وقوم أدركوها، وتحققوا بها ذوقا وكشفا، ففنوا وبقوا، سكروا وصحوا، وهم السابقون المقربون في جنات المعارف، ونعيم الشهود، أبدا سرمدا، جعلنا من خواصهم آمين، وسيأتي إن شاء الله في آخر السورة تحقيق الفرق بين المقربين وأصحاب اليمين. ثم بين تعالى كثرة السابقين وقتلهم باعتبار الزمان، فقال: { ثلة من الأولين }.

الواقعة 56:13

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:14

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:15

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:16

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:17

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:18

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:19

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:20

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:21

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:22

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:23

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:24

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:25

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:26

يقول الحق جل جلاله: { ثلة } أي: هم ثلة، أي: جماعة كثيرة { من الأولين } والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، { وقليل من الآخرين } ممن يتأخر من هذه الأمة، والمعنى: أن السابقين في أول الأمة المحمدية كثير، وفي آخرها قليل، وذلك أن صدر هذه الأمة كثر فيها خير، وظهرت فيها أنوار وأسرار، وخرج منها جهابذة من العلماء والأولياء، بخلاف آخرها، السابقون فيها قليلون بالنسبة إلى عامة أهل اليمين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ، وصرح في حديث آخر أنهم جميعا من أمته، فقال: " الفرقتان من أمتي " ، فسابق أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل. ه. من الثعالبي. وقيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: الأمة المحمدية، وهو بعيد أو فاسد، واقتصر في نوادر الأصول على أن الثلة الأنبياء، وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده الأولياء، وعددهم قليل في كل زمان. ه. وفي المحلي هنا تخليط. انظر الحاشية. { على سرر } جمع سرير، { موضونة } قال ابن عباس: " مرمولة " ، أي: منسوجة بقضبان الذهب، وقضبان اللؤلؤ الرطب، طول السرير: ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد الجلوس تواضع، فإذا استوى عليه ارتفع، { متكئين عليها } حال من الضمير في الظرف، وهو العامل فيه، أي: استقروا على سرر متكئين عليها اتكاء الملوك على الأسرة، { متقابلين } ينظر بعضهم في وجوه بعض، ولا ينظر بعضهم من أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة. وهو أيضا حال. { يطوف عليهم } يخدمهم { ولدان } غلمان، جمع وليد، { مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكبر، وقيل: مقرطون، والخلدة: القرط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل: هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث: " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " وهذا هو الصحيح. { بأكواب } جمع كوب، وهو آنية لا عروة لها ولا خرطوم، { وأباريق } جمع إبريق، وهو ما له خرطوم وعروة، { وكأس } أي: قدح فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فلا يسمى كأسا، { من معين } من خمر، يجري من العيون، { لا يصدعون عنها } أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صداع، وهو وجع الرأس، { ولا ينزفون } ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل: ذهب عقله بالسكر، فهو نزيف ومنزوف. وقرأ أهل الكوفة بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا ينفذ شرابهم، يقال: أنزف القوم: إذا نفد شرابهم. وفي الحديث: " زمزم لا تنزف ولا تذم " أي: لا ينفذ ماؤها. { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يختارونه ويأخذون خيره وأفضله، يجنونه بأيديهم، وهو أشد نعيما وسرورا من أخذه مجنيا، { ولحم طير مما يشتهون } مما يتمنون مشويا أو مطبوخا، { وحور عين } أي: وفيها حور عين، أو: لهم حور عين، ويجوز أن يعطف على " ولدان " أي: وتخدمهم حور عين، زيادة في التعظيم، ومن قرأ بالخفض عطفه على " جنات النعيم " كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم طير وحور { كأمثال اللؤلؤ المكنون } في الصفاء والنقاء. والمكنون: المصون في صدفه. وقال الزجاج: كأمثال الدر حين يخرج من صدفه، لم يغيره الزمان واختلاف الأيدي عليه، { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك لجزاء أعمالهم الصالحة أو: مصدر، أي: يجزون جزاء، فنفس الدخول للجنة بمحض الرحمة، وكثرة النعيم والغرف بالعمل، والترقي باليقين والمعرفة - والله تعالى أعلم - فلا تعارض. { لا يسمعون فيها } في الجنة { لغوا } باطلا { ولا تأثيما } هذيانا، أو: ما يؤهم صاحبه لو كف، { إلا قيلا } أي: قولا { سلاما سلاما } أي: ذا سلامة. والاستثناء منقطع، و " سلاما " بدل من " قيلا " أو: مفعول به ل " قيلا " ، أي: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، أو: لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا سلام الآخر بدءا وردا. والله تعالى أعلم. الإشارة: أخبر تعالى أن المقربين في الصدر الأول أكثر من الزمان الأخير، وهو كذلك من جهة الكمية، وأما من جهة الكيفية فالمقربون في آخر الزمان أعظم رتبة، وأوسع علما وتحقيقا لأنهم نهضوا في زمان الغفلة، وجدوا في زمان الفترة، لم يجدوا من أهل الجد إلا قليلا، ولا من أهل الحق إلا نذرا يسيرا، فحيث نهضوا وحدهم عوضهم الله مرتبة لم يعطها لغيرهم، ويشهد لهذا قوله عليه السلام: " اشتقت إلى إخواني " قال أصحابه، نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، من نعتهم كذا وكذا " ثم قال: " يعدل عمل واحد منهم سبعين منكم " قالوا: يا رسول الله منهم؟ قال: " منكم " قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: " إنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لم يجدوا عليه أعوانا " وفي حديث آخر، رواته ثقات: " قالوا: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: " قوم يجيئون بعدكم، فيجدون كتابا بين لوحين، يؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي، ولم يروني، ويصدقون بما جئت به، ويعملون به، فهم خير منكم " ، ولا يلزم من تفضيلهم من جهة تفضيلهم مطلقا. ثم وصف المقربين بكونهم على سرر الهداية، منسوجة بالعز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي: يواجه بعضهم بعضا بقلوبهم وأسرارهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ": يسقون بأكواب وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدعون من أجلها إذ ليست كخمر الدوالي، ولا ينزفون: لا يسكرون سكر اصطلام، وإنما يسكرون سكرا مشوبا بصحو، إذا كان الساقي عارفا ماهرا. وفاكهة حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول: خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي: المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحورق عين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغوا ولا تأثيما لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: تهذب أخلاق الندامى، فيهتدي بها لطريقه العزم من لا له عزم ويكرم من لا يعرف الجود كفثه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم فلا تسمع من الصوفية إلا قيلا سلاما سلاما، كما قيل في حقيقة التصوف: أخلاق كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم.ه. ثم ذكر أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }.

الواقعة 56:27

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:28

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:29

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:30

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:31

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:32

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:33

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:34

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:35

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:36

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:37

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:38

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:39

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:40

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } استفهام تعجيب، تفخيما لحالهم، وتعظيما لشأنهم، ثم ذكر نعيمهم فقال: { في سدر مخضود } والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له، كأنه خضد شوكه، أي: قطع، أي: ليس هو كسدر الدنيا، وقيل: مخضود، أي: ثنى إغصانه من كثرة حمله، من خضد الغصن: إذا ثناه وهو رطب. قال ابن جبير: ثمرها أعظم من القلال، وثمار الجنة كلها بادية، ليس شيء منها في غلاف. روي أن المسلمين نظروا إلى واد بالطائف مخصب، فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثله في الجنة، فنزلت، وقال أمية بن أبي الصلت في وصف الجنة: إن الحدائق في الجنان ظليلة فيها الكواعب، سدرها مخضود { وطلح منضود } الطلح: شجرة الموز، والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة، وفي جامع العتبية عن مالك، قال: بلغني أن الطلح المنضود، المذكور في الآية، هو الموز، وهو مما يشبه ثمار الجنة، لقوله تعالى: أكلها دآئم [الرعد: 35]، والموز يؤكل في الشتاء والصيف.ه. { وظل ممدود } منبسط، لا يتقلص ولا ينقطع، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. { وماء مسكوب } جار بلا أخدود، يسكب لهم أين شاؤوا، وكيف شاؤوا، بلا تعب. { وفاكهة كثيرة } بحسب الأنواع والأجناس، { لا مقطوعة } لا تنقطع في بعض الأوقات، كفواكه الدنيا، بل هي دائمة، { ولا ممنوعة } عن تناولها بوجه من الوجوه، أو: لا يحظر عليها، كبساتين الدنيا، أو: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. { وفرش مرفوعة } رفيعة القدر، أو: مرفوعة على الأسرة، وارتفاع السرير خمسمائة سنة، وقيل: كنى بالفرش عن النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال تعالى: هم وأزواجهم فى ظلال على الأرآئك متكئون [يس: 65]، ويؤيده قوله: { إنا أنشأناهن إنشاء } أي: ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة. فإما أن يراد: اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، وهن الحور، أو: اللاتي أعيد إنشاؤن، وهن نساء الدنيا، وعلى غير هذا التأويل أضمر لهن لأن ذكر الفرش، وهي المضاجع، دل عليه. { فجعلناهن أبكارا } أي: عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. { عربا } جمع عروب، وهي المحببة لزوجها، الحسنة التبعل، { أترابا }: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهن كذلك. { لأصحاب } أي: أنشأناهن أصحاب { اليمين }. { ثلة } أي: أصحاب اليمين ثلة: جماعة كثيرة { من الأولين } ، { وثلة } وجماعة كثيرة { من الآخرين } فالسابقون كثيرون من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين كثيرون من الأولين والآخرين. هذا المتعين في تفسير الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب اليمين هم أهل الحجاب، المحصورون في سجن الأكوان، المحيط بهم دوائر حسهم، من العباد والزهاد، والعلماء بالشرائع، والصالحين الأبرار، وعامة المسلمين. هم في سدر مخضود كثرة الأعمال المخضودة من شوك الرياء والعجب، المنزهة من الفتور والقصور، وطلح منضود حلاوة الطاعات، وتحقيق المقامات، وظل ممدود ظل راحة القناعة لمن أعطيها، وروح الرضا والتسليم لمن منحه. وماء مسكوب علم التوحيد البرهاني أو الإلهامي، وفاكهة كثيرة: حلاوة المناجاة، وظهور الكرامات، ولذة التفنن في العلوم الرسمية، لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن رسخ فيها. وفرش مرفوعة تفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم: إنا أنشأناهن إنشاء، لكل فريق مما تقدم، زيادة في عمله، أو علمه، أو زهده، على ما يليق بحاله، فكل صنف له ترق في فنه وزيادة في محله. فجعلناهن أبكارا لأن كل زيادة تكون جديدة لم يعهدها صاحبها، عربا يعشقها وتعشقه، أترابا، تكون على قدر حاله وفهمه وذوقه. هذا لعامة أصحاب اليمين، وهم كثيرون، سلفا وخلفا. ثم ذكر أصحاب الشمال، فقال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال }.

الواقعة 56:41

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:42

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:43

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:44

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:45

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:46

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:47

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:48

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:49

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:50

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:51

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:52

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:53

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:54

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:55

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:56

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:57

يقول الحق جل جلاله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. { في سموم } في حر نار تنفذ في المسام، { وحميم } وماء حار، تناهي في الحرارة، { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم، { لا بارد } كسائر الظلال، { ولا كريم } فيه خير ما في الجملة، سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظل حار ضار. { إنهم كانوا قبل ذلك } أي: في الدنيا { مترفين } منعمين بأنواع النعم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، { وكانوا يصرون } يداومون { على الحنث العظيم } أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: 38]، ثم صار يطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلام الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم: { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها ترابا، وبعضها عظاما نخرة، نبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيوانا. والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: { أئنا لمبعوثون } أي: أنبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه لأن " إن " والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، { أو آباؤنا الأولون } يبعثون أيضا؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير توكيد ب " نحن " للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم رد عليهم بقوله: { قل إن الأولين والآخرين } أي: إن الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم " الأولين " مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، { لمجموعون } بالبعث { إلى ميقات يوم معلوم } أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى " من " كخاتم فضة. { ثم إنكم أيها الضالون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، { لآكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من زقوم } " من " الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. { فمالئون منها البطون } أي: بطونكم من شدة الجوع، { فشاربون عليه } عقب ذلك بلا ريث { من الحميم } الماء الحار. أنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في " منها " و " عليه ". { فشاربون شرب الهيم } وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى، أي: لا يكون شربكم شرابا معتادا، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: " هيماء وأهيم " وحاصل الآية: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يسلط عليهم ما يضطرهم إلى شرب الحميم، الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم، وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، لأن كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانت صفتين مختلفتين. { هذا نزلهم } النزل: هو الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، { يوم الدين } يوم الجزاء، فإذا كان نزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكم ما لا يخفى. { نحن خلقناكم فلولا } فلا { تصدقون } تحضيض على التصديق، إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا أنه لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به، وإما بالعبث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجهال، في سموم الجهل والبعد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظل من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، موقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك قبل وقت وصول العارفين مترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا ينكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: { أئذا متنا وكنا ترابا } ، أي: أرضيين بشريين، وعظاما يابسين بالقسوة والبعد، { أئنا لمبعوثون } من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية الذي يحيي الله بهم القلوب والأرواح الميتة بالجهل والغفلة. قل إن الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صحبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذبون المنكرون لوجود الطبيب، الذي يحيي الأرواح الميتة والقلوب، { لآكلون من شجر من زقوم } وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، { فشاربون شرب الهيم } ، لا يملون منه ليلا ولا نهارا، كذا يظلون يبنون ويهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. { هذا نزلهم يوم الدين } ، أي: يوم يجازي الحق المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. { نحن خلقناكم }: أنشأناكم من العدم، فلولا تصدقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإن القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: { أفرأيتم ما تمنون }.

الواقعة 56:58

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى: يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ثم أنشأناه خلقا ءاخر [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.

الواقعة 56:59

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى: يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ثم أنشأناه خلقا ءاخر [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.

الواقعة 56:60

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى: يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ثم أنشأناه خلقا ءاخر [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.

الواقعة 56:61

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى: يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ثم أنشأناه خلقا ءاخر [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.

الواقعة 56:62

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى: يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ثم أنشأناه خلقا ءاخر [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.

الواقعة 56:63

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى: يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ثم أنشأناه خلقا ءاخر [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.

الواقعة 56:64

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى: يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ثم أنشأناه خلقا ءاخر [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.

الواقعة 56:65

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى: يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ثم أنشأناه خلقا ءاخر [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.

الواقعة 56:66

يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى: يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث: " لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت " { لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله: ثم أنشأناه خلقا ءاخر [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم " وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها. وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.