البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الواقعة 56:67 – الحديد 57:29
المحتويات
- الواقعة 56:67
- الواقعة 56:68
- الواقعة 56:69
- الواقعة 56:70
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:72
- الواقعة 56:73
- الواقعة 56:74
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:76
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:86
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:90
- الواقعة 56:91
- الواقعة 56:92
- الواقعة 56:93
- الواقعة 56:94
- الواقعة 56:95
- الواقعة 56:96
- الحديد 57:1
- الحديد 57:2
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:5
- الحديد 57:6
- الحديد 57:7
- الحديد 57:8
- الحديد 57:9
- الحديد 57:10
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:14
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:17
- الحديد 57:18
- الحديد 57:19
- الحديد 57:20
- الحديد 57:21
- الحديد 57:22
- الحديد 57:23
- الحديد 57:24
- الحديد 57:25
- الحديد 57:26
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- الحديد 57:29
الواقعة 56:67
يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى:
يخرج من بين الصلب والترآئب
[الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث:
" لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت "
{ لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله:
ثم أنشأناه خلقا ءاخر
[المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم "
وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها.
والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها.
وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.
الواقعة 56:68
يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى:
يخرج من بين الصلب والترآئب
[الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث:
" لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت "
{ لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله:
ثم أنشأناه خلقا ءاخر
[المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم "
وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها.
والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها.
وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.
الواقعة 56:69
يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى:
يخرج من بين الصلب والترآئب
[الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث:
" لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت "
{ لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله:
ثم أنشأناه خلقا ءاخر
[المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم "
وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها.
والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها.
وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.
الواقعة 56:70
يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى:
يخرج من بين الصلب والترآئب
[الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث:
" لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت "
{ لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله:
ثم أنشأناه خلقا ءاخر
[المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم "
وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها.
والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها.
وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.
الواقعة 56:71
يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى:
يخرج من بين الصلب والترآئب
[الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث:
" لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت "
{ لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله:
ثم أنشأناه خلقا ءاخر
[المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم "
وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها.
والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها.
وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.
الواقعة 56:72
يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى:
يخرج من بين الصلب والترآئب
[الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث:
" لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت "
{ لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله:
ثم أنشأناه خلقا ءاخر
[المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم "
وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها.
والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها.
وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.
الواقعة 56:73
يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى:
يخرج من بين الصلب والترآئب
[الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث:
" لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت "
{ لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله:
ثم أنشأناه خلقا ءاخر
[المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم "
وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها.
والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها.
وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.
الواقعة 56:74
يقول الحق جل جلاله: { أفرأيتم ما تمنون } أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، { أأنتم تخلقونه } تقدرونه وتصورونه وتجعلونه بشرا سويا { أم نحن الخالقون } من غير علة ولا علاج "؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يقال: إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله سبحانه وتعالى يسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفترقة جدا أولا في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المني، فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم، فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. ه. وذكر عند قوله تعالى:
يخرج من بين الصلب والترآئب
[الطارق: 7] أن المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمه يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنوية فيه. انظر بقيته في الحاشية. { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: قسمناه ووقتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحكم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم من يموت طفلا، ومنكم من يموت شابا، وكهلا وشيخا، وبعلل مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقات مختلفة. ه. { وما نحن بمسبوقين } بعاجزين { على أن نبدل أمثالكم } بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، { وننشئكم فيما لا تعلمون } ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردة وخنازير، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و { أمثال } إما جمع " مثل " بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: " مثل " بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، { فلولا تذكرون } فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولما ذكرهم بنعمة الإيجاد، ذكرهم بنعمة الإمداد، فقال: { أفرأيتم ما تحرثون } أي: ما تبذرون حبه وتقلبون الأرض عليه، { أأنتم تزرعونه } أن: تنبتونه وتخرجونه من الأرض نباتا { أم نحن الزارعون } المنبتون له؟ وفي الحديث:
" لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت "
{ لو نشاء لجعلناه حطاما } هشيما منكسرا قبل إدراكه، { فظلتم } بسبب ذلك { تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم لذلك من أجلها، و " تفكه " من أفعال الإزالة، كتخرج، وتأثم، أي: أزال الفكاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، { إنا لمغرمون } أي: قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا فيها، أو: لمهلكون لهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، { بل نحن محرومون } حرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: " هو المحارف " الذي انحرف عنه رزقه. { أفرأيتم الماء الذي تشربون } أي: الماء العذب الصالح للشرب، { أأنتم أنزلتموه من المزن } السحاب الأبيض، وهو أعذب ماء، أو مطلق السحاب، واحدها " مزنة " ، { أم نحن المنزلون } بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيونا وأنهارا؟ { لو نشاء جعلناه أجاجا } أي: ملحا، أو مرا لا يقدر على شربه، { فلولا } فهلا { تشكرون } تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى لأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. { أفرأيتم النار التي تورون } أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة. { أأنتم أنشأتم شجرتها } التي بها الزناد، وهي المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون } الخالقون لها ابتداء بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، كما أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله:
ثم أنشأناه خلقا ءاخر
[المؤمنون: 14] كذلك. ثم بين منافعها، فقال: { نحن جعلناها تذكرة } تذكيرا لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم هي جزء من سبعين جزءا من حر جهنم "
وقيل: تبصرة في أمر البعث فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، { ومتاعا للمقوين } منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القواء، وهو القفر. وفي القاموس: القي: فقر الأرض، كالقواء - بالكسر والمد: القفر. ه. وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من ساكنها.
والأول أحسن. بدأ أولا بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به فلا يؤكل الطعام إلا بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيا في حكم العادة. ولما ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عما لا يليق بحاله لأن العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: { فسبح باسم ربك } أي: فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزه ربك { العظيم } أو: نزه ربك ملتبسا بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تمنون من نطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت، فمنكم من يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم من يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلا قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، ونغير صفاتكم، فإن القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تنبتونه حتى يقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباء منثورا، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقه الشيخ لروح المريد، كما يزق الطير أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فتمجه الروح بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تورون تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظا توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحكم: " وحرك عليك النفس ليديم إقبالك عليه ": وجعلناها متاعا للسائرين إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيرا، ما ربحت إلا منها.
وقال القشيري: { أفرأيتم النار... } الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدس الله سره - حين سئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعا للموقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياما وليالي من الطعام والشراب، كا روي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوما، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. ه. وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } قال الورتجبي: أمره أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: { العظيم } أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصفة البرية. ه. ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: { فلا أقسم بمواقع النجوم }.
الواقعة 56:75
قلت: " فلا ": صلة، كقوله:
فلا وربك...
[النساء: 65]. ومن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أقسم، ولا يصح أن تكون للقسم لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بمواقع النجوم } بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخوان " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأن ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله: { إنه لقرآن كريم } أي: حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته ب { لو تعلمون } وجواب " لو " متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقة، والتقدير: وإنه لقسم لو تعلمون ذلك، لكن لا تعلمون كنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، { في كتاب مكنون } مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهو اللوح المحفوظ. { لا يمسه إلا المطهرون } أي: الملائكة المنزهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد به الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين لأنهم مطهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يمسه } خبرا أو نهيا، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهيا، وقال: لو كان نهيا لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما واتصل به ضمير المفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين، اتباعا لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر فيحتمل أن يراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبرا بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث الحدث الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضا: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر.
القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا " المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يراد من الحدث: الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء لمعلم الصبيان لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا، وأجازه الظاهرية مطلقا، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ه. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقا. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلا من طهر سره من الأكوان. ه. وفي آخر البخاري " لا يمسه ": لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله:
مثل الذين حملوا التوراة
[الجمعة: 5]. ه. { تنزيل من رب العالمين }: صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وصف بالمصدر لأنه نزل منجما من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، { أفبهذا الحديث } أي: القرآن { أنتم مدهنون } متهاونون به، كمن يدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلب فيه تهاونا به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. ه. { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقا، سدا للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا ذكرت النجوم فأمسكوا "
، ومنهم من فصل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" تعوذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب "
وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبق لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية:
تبدت لنا شمس النهار وأشرقت فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما تعلمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله. ه. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبق للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك "؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري: كنت الصاحب في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيما لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علما وتجليا،
" لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ".
فالقسم عظيم، والمقسم به أعظم، والمقسم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، { لا يسمه إلا المطهرون } قال الجنيد: لا يمسه إلا العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. ه. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلا القلوب المطهرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: { تنزيل من رب العالمين } على سيد المرسلين، ثم غرفت أسراره قلوب خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. ه. والعتاب لمن يتهاون بعلم الإشارة وينكرها. ويتنكب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. ثم أظهر عجزهم عند نزول قهرية الموت، فقال: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }.
الواقعة 56:76
قلت: " فلا ": صلة، كقوله:
فلا وربك...
[النساء: 65]. ومن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أقسم، ولا يصح أن تكون للقسم لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بمواقع النجوم } بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخوان " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأن ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله: { إنه لقرآن كريم } أي: حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته ب { لو تعلمون } وجواب " لو " متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقة، والتقدير: وإنه لقسم لو تعلمون ذلك، لكن لا تعلمون كنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، { في كتاب مكنون } مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهو اللوح المحفوظ. { لا يمسه إلا المطهرون } أي: الملائكة المنزهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد به الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين لأنهم مطهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يمسه } خبرا أو نهيا، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهيا، وقال: لو كان نهيا لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما واتصل به ضمير المفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين، اتباعا لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر فيحتمل أن يراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبرا بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث الحدث الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضا: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر.
القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا " المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يراد من الحدث: الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء لمعلم الصبيان لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا، وأجازه الظاهرية مطلقا، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ه. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقا. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلا من طهر سره من الأكوان. ه. وفي آخر البخاري " لا يمسه ": لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله:
مثل الذين حملوا التوراة
[الجمعة: 5]. ه. { تنزيل من رب العالمين }: صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وصف بالمصدر لأنه نزل منجما من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، { أفبهذا الحديث } أي: القرآن { أنتم مدهنون } متهاونون به، كمن يدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلب فيه تهاونا به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. ه. { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقا، سدا للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا ذكرت النجوم فأمسكوا "
، ومنهم من فصل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" تعوذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب "
وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبق لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية:
تبدت لنا شمس النهار وأشرقت فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما تعلمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله. ه. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبق للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك "؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري: كنت الصاحب في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيما لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علما وتجليا،
" لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ".
فالقسم عظيم، والمقسم به أعظم، والمقسم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، { لا يسمه إلا المطهرون } قال الجنيد: لا يمسه إلا العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. ه. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلا القلوب المطهرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: { تنزيل من رب العالمين } على سيد المرسلين، ثم غرفت أسراره قلوب خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. ه. والعتاب لمن يتهاون بعلم الإشارة وينكرها. ويتنكب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. ثم أظهر عجزهم عند نزول قهرية الموت، فقال: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }.
الواقعة 56:77
قلت: " فلا ": صلة، كقوله:
فلا وربك...
[النساء: 65]. ومن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أقسم، ولا يصح أن تكون للقسم لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بمواقع النجوم } بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخوان " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأن ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله: { إنه لقرآن كريم } أي: حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته ب { لو تعلمون } وجواب " لو " متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقة، والتقدير: وإنه لقسم لو تعلمون ذلك، لكن لا تعلمون كنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، { في كتاب مكنون } مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهو اللوح المحفوظ. { لا يمسه إلا المطهرون } أي: الملائكة المنزهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد به الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين لأنهم مطهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يمسه } خبرا أو نهيا، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهيا، وقال: لو كان نهيا لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما واتصل به ضمير المفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين، اتباعا لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر فيحتمل أن يراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبرا بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث الحدث الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضا: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر.
القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا " المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يراد من الحدث: الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء لمعلم الصبيان لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا، وأجازه الظاهرية مطلقا، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ه. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقا. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلا من طهر سره من الأكوان. ه. وفي آخر البخاري " لا يمسه ": لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله:
مثل الذين حملوا التوراة
[الجمعة: 5]. ه. { تنزيل من رب العالمين }: صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وصف بالمصدر لأنه نزل منجما من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، { أفبهذا الحديث } أي: القرآن { أنتم مدهنون } متهاونون به، كمن يدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلب فيه تهاونا به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. ه. { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقا، سدا للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا ذكرت النجوم فأمسكوا "
، ومنهم من فصل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" تعوذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب "
وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبق لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية:
تبدت لنا شمس النهار وأشرقت فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما تعلمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله. ه. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبق للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك "؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري: كنت الصاحب في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيما لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علما وتجليا،
" لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ".
فالقسم عظيم، والمقسم به أعظم، والمقسم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، { لا يسمه إلا المطهرون } قال الجنيد: لا يمسه إلا العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. ه. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلا القلوب المطهرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: { تنزيل من رب العالمين } على سيد المرسلين، ثم غرفت أسراره قلوب خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. ه. والعتاب لمن يتهاون بعلم الإشارة وينكرها. ويتنكب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. ثم أظهر عجزهم عند نزول قهرية الموت، فقال: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }.
الواقعة 56:78
قلت: " فلا ": صلة، كقوله:
فلا وربك...
[النساء: 65]. ومن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أقسم، ولا يصح أن تكون للقسم لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بمواقع النجوم } بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخوان " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأن ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله: { إنه لقرآن كريم } أي: حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته ب { لو تعلمون } وجواب " لو " متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقة، والتقدير: وإنه لقسم لو تعلمون ذلك، لكن لا تعلمون كنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، { في كتاب مكنون } مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهو اللوح المحفوظ. { لا يمسه إلا المطهرون } أي: الملائكة المنزهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد به الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين لأنهم مطهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يمسه } خبرا أو نهيا، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهيا، وقال: لو كان نهيا لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما واتصل به ضمير المفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين، اتباعا لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر فيحتمل أن يراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبرا بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث الحدث الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضا: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر.
القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا " المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يراد من الحدث: الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء لمعلم الصبيان لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا، وأجازه الظاهرية مطلقا، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ه. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقا. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلا من طهر سره من الأكوان. ه. وفي آخر البخاري " لا يمسه ": لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله:
مثل الذين حملوا التوراة
[الجمعة: 5]. ه. { تنزيل من رب العالمين }: صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وصف بالمصدر لأنه نزل منجما من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، { أفبهذا الحديث } أي: القرآن { أنتم مدهنون } متهاونون به، كمن يدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلب فيه تهاونا به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. ه. { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقا، سدا للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا ذكرت النجوم فأمسكوا "
، ومنهم من فصل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" تعوذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب "
وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبق لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية:
تبدت لنا شمس النهار وأشرقت فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما تعلمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله. ه. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبق للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك "؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري: كنت الصاحب في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيما لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علما وتجليا،
" لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ".
فالقسم عظيم، والمقسم به أعظم، والمقسم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، { لا يسمه إلا المطهرون } قال الجنيد: لا يمسه إلا العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. ه. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلا القلوب المطهرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: { تنزيل من رب العالمين } على سيد المرسلين، ثم غرفت أسراره قلوب خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. ه. والعتاب لمن يتهاون بعلم الإشارة وينكرها. ويتنكب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. ثم أظهر عجزهم عند نزول قهرية الموت، فقال: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }.
الواقعة 56:79
قلت: " فلا ": صلة، كقوله:
فلا وربك...
[النساء: 65]. ومن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أقسم، ولا يصح أن تكون للقسم لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بمواقع النجوم } بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخوان " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأن ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله: { إنه لقرآن كريم } أي: حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته ب { لو تعلمون } وجواب " لو " متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقة، والتقدير: وإنه لقسم لو تعلمون ذلك، لكن لا تعلمون كنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، { في كتاب مكنون } مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهو اللوح المحفوظ. { لا يمسه إلا المطهرون } أي: الملائكة المنزهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد به الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين لأنهم مطهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يمسه } خبرا أو نهيا، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهيا، وقال: لو كان نهيا لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما واتصل به ضمير المفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين، اتباعا لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر فيحتمل أن يراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبرا بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث الحدث الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضا: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر.
القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا " المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يراد من الحدث: الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء لمعلم الصبيان لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا، وأجازه الظاهرية مطلقا، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ه. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقا. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلا من طهر سره من الأكوان. ه. وفي آخر البخاري " لا يمسه ": لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله:
مثل الذين حملوا التوراة
[الجمعة: 5]. ه. { تنزيل من رب العالمين }: صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وصف بالمصدر لأنه نزل منجما من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، { أفبهذا الحديث } أي: القرآن { أنتم مدهنون } متهاونون به، كمن يدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلب فيه تهاونا به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. ه. { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقا، سدا للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا ذكرت النجوم فأمسكوا "
، ومنهم من فصل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" تعوذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب "
وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبق لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية:
تبدت لنا شمس النهار وأشرقت فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما تعلمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله. ه. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبق للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك "؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري: كنت الصاحب في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيما لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علما وتجليا،
" لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ".
فالقسم عظيم، والمقسم به أعظم، والمقسم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، { لا يسمه إلا المطهرون } قال الجنيد: لا يمسه إلا العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. ه. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلا القلوب المطهرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: { تنزيل من رب العالمين } على سيد المرسلين، ثم غرفت أسراره قلوب خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. ه. والعتاب لمن يتهاون بعلم الإشارة وينكرها. ويتنكب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. ثم أظهر عجزهم عند نزول قهرية الموت، فقال: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }.
الواقعة 56:80
قلت: " فلا ": صلة، كقوله:
فلا وربك...
[النساء: 65]. ومن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أقسم، ولا يصح أن تكون للقسم لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بمواقع النجوم } بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخوان " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأن ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله: { إنه لقرآن كريم } أي: حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته ب { لو تعلمون } وجواب " لو " متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقة، والتقدير: وإنه لقسم لو تعلمون ذلك، لكن لا تعلمون كنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، { في كتاب مكنون } مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهو اللوح المحفوظ. { لا يمسه إلا المطهرون } أي: الملائكة المنزهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد به الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين لأنهم مطهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يمسه } خبرا أو نهيا، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهيا، وقال: لو كان نهيا لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما واتصل به ضمير المفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين، اتباعا لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر فيحتمل أن يراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبرا بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث الحدث الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضا: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر.
القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا " المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يراد من الحدث: الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء لمعلم الصبيان لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا، وأجازه الظاهرية مطلقا، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ه. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقا. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلا من طهر سره من الأكوان. ه. وفي آخر البخاري " لا يمسه ": لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله:
مثل الذين حملوا التوراة
[الجمعة: 5]. ه. { تنزيل من رب العالمين }: صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وصف بالمصدر لأنه نزل منجما من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، { أفبهذا الحديث } أي: القرآن { أنتم مدهنون } متهاونون به، كمن يدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلب فيه تهاونا به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. ه. { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقا، سدا للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا ذكرت النجوم فأمسكوا "
، ومنهم من فصل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" تعوذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب "
وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبق لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية:
تبدت لنا شمس النهار وأشرقت فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما تعلمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله. ه. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبق للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك "؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري: كنت الصاحب في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيما لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علما وتجليا،
" لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ".
فالقسم عظيم، والمقسم به أعظم، والمقسم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، { لا يسمه إلا المطهرون } قال الجنيد: لا يمسه إلا العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. ه. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلا القلوب المطهرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: { تنزيل من رب العالمين } على سيد المرسلين، ثم غرفت أسراره قلوب خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. ه. والعتاب لمن يتهاون بعلم الإشارة وينكرها. ويتنكب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. ثم أظهر عجزهم عند نزول قهرية الموت، فقال: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }.
الواقعة 56:81
قلت: " فلا ": صلة، كقوله:
فلا وربك...
[النساء: 65]. ومن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أقسم، ولا يصح أن تكون للقسم لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بمواقع النجوم } بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخوان " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأن ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله: { إنه لقرآن كريم } أي: حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته ب { لو تعلمون } وجواب " لو " متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقة، والتقدير: وإنه لقسم لو تعلمون ذلك، لكن لا تعلمون كنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، { في كتاب مكنون } مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهو اللوح المحفوظ. { لا يمسه إلا المطهرون } أي: الملائكة المنزهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد به الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين لأنهم مطهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يمسه } خبرا أو نهيا، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهيا، وقال: لو كان نهيا لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما واتصل به ضمير المفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين، اتباعا لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر فيحتمل أن يراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبرا بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث الحدث الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضا: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر.
القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا " المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يراد من الحدث: الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء لمعلم الصبيان لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا، وأجازه الظاهرية مطلقا، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ه. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقا. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلا من طهر سره من الأكوان. ه. وفي آخر البخاري " لا يمسه ": لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله:
مثل الذين حملوا التوراة
[الجمعة: 5]. ه. { تنزيل من رب العالمين }: صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وصف بالمصدر لأنه نزل منجما من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، { أفبهذا الحديث } أي: القرآن { أنتم مدهنون } متهاونون به، كمن يدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلب فيه تهاونا به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. ه. { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقا، سدا للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا ذكرت النجوم فأمسكوا "
، ومنهم من فصل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" تعوذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب "
وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبق لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية:
تبدت لنا شمس النهار وأشرقت فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما تعلمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله. ه. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبق للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك "؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري: كنت الصاحب في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيما لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علما وتجليا،
" لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ".
فالقسم عظيم، والمقسم به أعظم، والمقسم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، { لا يسمه إلا المطهرون } قال الجنيد: لا يمسه إلا العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. ه. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلا القلوب المطهرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: { تنزيل من رب العالمين } على سيد المرسلين، ثم غرفت أسراره قلوب خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. ه. والعتاب لمن يتهاون بعلم الإشارة وينكرها. ويتنكب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. ثم أظهر عجزهم عند نزول قهرية الموت، فقال: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }.
الواقعة 56:82
قلت: " فلا ": صلة، كقوله:
فلا وربك...
[النساء: 65]. ومن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أقسم، ولا يصح أن تكون للقسم لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بمواقع النجوم } بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخوان " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأن ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه بقوله: { إنه لقرآن كريم } أي: حسن مرضي، أو نفاع جم المنافع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته ب { لو تعلمون } وجواب " لو " متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقة، والتقدير: وإنه لقسم لو تعلمون ذلك، لكن لا تعلمون كنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، { في كتاب مكنون } مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهو اللوح المحفوظ. { لا يمسه إلا المطهرون } أي: الملائكة المنزهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد به الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين لأنهم مطهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يمسه } خبرا أو نهيا، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهيا، وقال: لو كان نهيا لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما واتصل به ضمير المفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين، اتباعا لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر فيحتمل أن يراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبرا بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث الحدث الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضا: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر.
القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا " المطهرين " على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول " المطهرين " على أن يراد من الحدث: الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء لمعلم الصبيان لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا، وأجازه الظاهرية مطلقا، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ه. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقا. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلا من طهر سره من الأكوان. ه. وفي آخر البخاري " لا يمسه ": لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله:
مثل الذين حملوا التوراة
[الجمعة: 5]. ه. { تنزيل من رب العالمين }: صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وصف بالمصدر لأنه نزل منجما من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، { أفبهذا الحديث } أي: القرآن { أنتم مدهنون } متهاونون به، كمن يدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلب فيه تهاونا به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. ه. { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقا، سدا للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا ذكرت النجوم فأمسكوا "
، ومنهم من فصل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" تعوذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب "
وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبق لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية:
تبدت لنا شمس النهار وأشرقت فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما تعلمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله. ه. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبق للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك "؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري: كنت الصاحب في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيما لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علما وتجليا،
" لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ".
فالقسم عظيم، والمقسم به أعظم، والمقسم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، { لا يسمه إلا المطهرون } قال الجنيد: لا يمسه إلا العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. ه. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلا القلوب المطهرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: { تنزيل من رب العالمين } على سيد المرسلين، ثم غرفت أسراره قلوب خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. ه. والعتاب لمن يتهاون بعلم الإشارة وينكرها. ويتنكب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. ثم أظهر عجزهم عند نزول قهرية الموت، فقال: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }.
الواقعة 56:83
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:84
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:85
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:86
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:87
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:88
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:89
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:90
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:91
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:92
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:93
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:94
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:95
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الواقعة 56:96
يقول الحق جل جلاله لما وبخهم على تكذيبهم بالقرآن الناطق بقوله:
نحن خلقناكم
[الواقعة: 75]، ثم أوقفهم على أنهم تحت قهر ملكوته، من حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معاشهم، عجزهم بقهرية الموت، فقال: { فلولا } أي: هلا { إذا بلغت } الروح عند الموت { الحلقوم } وهو ممر الطعام والشراب، وتداعت للخروج { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } إلى ما هو فيه من الغمرات، { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة وإحاطة { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدون من أثر الشدة، من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها، ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها، ونحن المتولون لتفاصيل أحواله، { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤوننا، { فلولا إن كنتم غير مدينين } غير مربوبين مقهورين، من: دان السطلان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم، والمحضض عليه قوله: { ترجعونها } تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم { إن كنتم صادقين } أنكم غير مربوبين مقهورين. وترتيب الآية: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون إليه، يعالج سكرات الموت، ترجعونها إلى الجسد إن كنتم غير مربوبين، ف " لولا " الثانية مكررة للأولى للتأكيد، والمعنى: إنكم في عموم جحودكم إن أنزلت عليكم كتابا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسلت إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقتكم مطرا يحييكم قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب التعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن إذا بلغ الحلقوم، إن كنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المييت، المبدئ المعيد، وأنكم غير مربوبين مقهورين؟!. ثم ذكر أحوال الأرواح عبد الموت في البرزخ، فقال: { فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين، من الأزواج الثلاثة المذكورة أول السورة، عبر عنهم هنا بأجل أوصافهم، وهو شدة القرب، بعد أن عبر عنهم أولا بالسبق، فالسابقون هم المقربون، وهم العارفون بالله معرفة العيان، أهل الفناء في الذات، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله "
الحديث. فالسابقون هم المولعون بذكر الله، حتى امتزج مع لحمهم ودمهم، فحصل لهم القرب من الحق. { فروح } أي: فلهم روح، أي: راحة للروح لأرواحهم من هموم الدنيا وغمومها، ومن ضيق عالم الأشباح إلى خالص عالم الأرواح، مع أن هذا حاصل لهم قبل الموت، لكن يتسع ميدانه بعد الموت، أو: رحمة تخصهم، أو: نسيم يهب عليهم. وفي القاموس: الروح - بالفتح: الراحة والرحمة ونعيم الريح. ه. وقرئ بالضم، وهي مروية عنه صلى الله عليه وسلم، أي: الحياة والبقاء، أو: فله حياة طيبة دائمة لا موت فيها { وريحان } أي: رزق، بلغة حمير، والمراد: رزق أرواحهم من العلوم والأسرار، أو: أشباحهم، فإن أرواحهم تتطور على شكر صاحبها، فتأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها.
كما في حديث الشهداء، والصديقون أعظم منهم، أو: جنة، أو: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: " لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى ببعض من ريحان الجنة فيشمه، فتفيض روحه " ، { وجنة نعيم } تتنعم فيها روحه في عالم البرزخ، ثم جسمه وروحه بعد البعث، وهذا يقتضي أن الأرواح تدخل الجنة قبل البعث، وهو خاص بالشهداء والصديقين. { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك فإن الروح إذا سئلت في القبر عرج بها إلى أرواح أهلها، فيتلقونه ويسلمون عليه، ويهنونه بالخروج من سجن الدنيا، أو: سلامة لك يا محمد من أصحاب اليمين، فلا ترى فيهم إلا السلامة. { وأما إن كان من المكذبين الضالين } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلالثة، وهم الذين قبل لهم: { ثم إنكم إيها الضالون المكذبون }... الخ، { فنزل من حميم } أي: فله نزل من حميم يشربه، { وتصليه جحيم } إدخال في النار، ومقاساة ألوان عذابها. وهذا يدل على أن الكافر بمجرد موته يدخل النار. وقيل: معنى ذلك: ما يجده في القبر من سموم النار ودخانها. ويحتمل: أن الآية لا تختص بعالم البرزخ، بل تعم البرزخ وما بعده. وقد تكلم الناس عن الأرواح في عالم البرزخ، وحاصل ما ظهر لنا من الأحاديث والأخبار: أن أرواح الصديقين، وهم المقربون، تتشكل على صورة أجسامهم، وتذهب حيث شاءت في الجنان وغيرها. وأرواح الشهداء تدخل في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، لما كانت أرواحهم في الدنيا مسجونة في هيكل ذاتهم، سجنت في حواصل الطيور، بخلاف العارفين لما سرحت أفكارهم في الملكوت والجبروت أطلقت أرواحهم بعد الموت، وأرواح الصالحين الأبرار وعامة المؤمنين، ممن لم ينفذ فيه الوعيد متفرقة في البرزخ، فمنهم في ظل شجرة المنتهى، ومنهم في السموات، على قدر سعيهم في الدنيا. وكل صنف يجمع مع صنفه جماعة، فالعلماء مع صنفهم، والقراء كذلك، والصالحون كذلك، والأولياء كذلك، والمنهمكون في الدنيا إذا سلموا من العذاب تكون أرواحهم كالنائم المستغرق، لا يشعر بمرور الأيام، حتى يستيقظ بنفخة البعث، وأما من نفذ فيهم الوعيد، فهم يعذبون بأنواع من العذاب، وتذكر حديث البخاري في الرؤيا التي رآها صلى الله عليه وسلم في شأن الزناة وأكل الربا، وغيرهم. وفي ابن حجر: أن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافر في سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي، لا يشبه الاتصال في الحيلة الدنيا، بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا قال: وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقل ابن عبد البر عن الجمهور: أنها عند أفنية قبورها.
قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين، وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور متصل، وكذا إذا تفرقت الأجزاء. ه. وفي الأصل الرابع والخمسين من نوادر الأصول: إذا قدم المؤمن على ربه لقاه روحا وريحانا وبشرى على ألسنة الرسل، وهو قوله:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة
[فصلت: 30]، ثم يأمر له في قبره بكسوة من فراش ودثار ورياحين، وهو قوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
{ الروم: 44]، وينور له في مضجعه، ويؤنسه بملائكته الكرام، إلى أن يلقاه عرصة القيامة، فيبعثه إلى الموطن الذي هيأ له نزلا. ه. وقال في الأصل السبعين: إن الشهداء يعجل لهم تعالى اللقاء، ويحييهم قبل نفخة الصور، ويكلمهم كفاحا، كما لأهل الجنة، وليس لمن دونهم من الأموات هذه الدرجة إلا للصديقين، فهم أجدر بذلك لبذلهم نفوسهم لله تعالى مدة أعمارهم، والشهداء بذلوها في طاعة الله ساعة، فظهر أن للشهيد حياة خاصة على من دونه، وأحرى منه الصديق. ه. وبالجملة: فالأرواح منها في البرزخ تجول وتبصر أحوال أهل الدنيا، ومنها تحت العرش، ومنها طيارة في الجنان وإلى حيث شاءت، على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة، ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يلقى أرواح المقبوضين. وعن سلمان: إن الأرواح المؤمنين - أي:الكمل - تذهب في برازخ من الأرض حيث شاءت، بين السماء والأرض، حتى يردها الله إلى جسدها، فإذا ترددت هذه الأرواح علمت بأحوال الأحياء، وإذا ورد عليهم من الأحياء ميت، التفوا وتساءلوا عن الأخبار. ه. قلت: وهذه أرواح العارفين دون غيرهم. والله تعالى أعلم. وفي بعض الأثر: إذا مات العارف قبل لروحه: جل حيث شئت. { إن هذا } أي: الذي ذكر في السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي: الحق الثابت من اليقين، أو: حق الخبر اليقين، { فسبح باسم ربك العظيم } الفاء لترتيب التسبيح، أو الأمر به على ما قبلها، فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. الإشارة: فأما إن كان من المقربين فروح الوصال، وريحان الجمال، ومنة الكمال، أو: فروح الفضاء، وريحان العطاء، وجنة البقاء، أو: فروح الفناء، وريحان البقاء، وجنة الترقي أبدا سرمدا، أو: فروح الأنس لقلبه، وريحان القدس لروحه، وجنة الفردوس لنفسه، { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك } أي: فسلام عليك يا محمد { من أصحاب اليمين } فهم يسلمون عليك، ويشتاقون إلى لقائك، ويرتاحون للقدوم عليك وصحبتك. والحاصل: أن المقرب راحته ونعيمه في وصاله بربه، وصاحب اليمين اشتياقه لرسوله، وراحته ونعيمه في حصبته وجواره، فالمقرب فان في ذات الحق، وصاحب اليمين فان في رسوله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، فأهل الفناء في الذات هم المقربون، وأهل الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحاب اليمين، فحاصل الآية: { فأما إن كان من المقربين } فهو لي، وأجازيه بروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فمسلم لك، وهو من أصحاب اليمين، هذا حاصل ما حرره شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته.
وفي الإحياء ما حاصله: أن المقرب له الوصال إلى سعادة الملك، وصاحب اليمين له النجاة، وهو سالك، والمقرب واصل، والمعرض عن الله له الجحيم. والخبر عن ذلك كله حق يقين عند العارف بالله لأنه أدرك ذلك كله مشاهدة. وفي القوت بعد كلام: وأيضا للمقربين من كل هول روح به لشهادتهم القريب، وفي كل كرب ريحان لقرب الحبيب، كما لأهل اليمين من كل ذلك سلامة. ه. قال النسفي: روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته، فقال: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقال: ما تشتهي؟ فقال: رحمة ربي - وفي رواية: ما يقضي ربي - فقال: أفلا تدعوا الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، فقال: ألا نأمر لك بعطاء؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: ندفعه إلى بناتك، قال: لا حاجة لهن فيه، قد أمرتهن بأن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا "
وليس في هذه السور الثلاث ذكر لفظ " الله " اقتربت، والرحمن، والواقعة. ه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
الحديد 57:1
قلت: وقعت مادة التسبيح في القرآن بلفظ الماضي والمضارع والأمر والمصدر استيفاء لهذه المادة، فقال هنا: { سبح } وفي الجمعة:
يسبح
[الجمعة: 1] و
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1] و
سبحان الذي أسرى
[الإسراء: 1]. وهذا الفعل قد عدي باللام تارة، وبنفسه أخرى في قوله:
وسبحوه
[الأحزاب: 42]، وأصله: التعدي بنفسه لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، من: سبح: إذا ذهب وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في: نصحته ونصحت له، وإما أن يراد ب " سبح لله ": اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا. قاله النسفي. يقول الحق جل جلاله: { سبح لله } أي: نزه الله عما لا يليق بجلاله، اعتقادا، أو قولا وعملا، من استقر { في السماوات والأرض } من الملائكة والجن والإنس والجمادات، بلسان الحال والمقال، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم، الواجب الوجود، المتصف بالكمال، المنزه عن النقائص، وهو المراد بقوله تعالى:
وإن من شىء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44] قيل: إنما استغنى عن إعادة الموصل في خصوص هذه السورة لتكرر ذكر الأرض هنا في أربعة مواضع. ه. { وهو العزيز } المنتقم ممن لم يسبح له عنادا، { الحكيم } في مجازاة من سبح له انقيادا. { وله ملك السماوات والأرض } أي: التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات، من نعت الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. قال الورتجبي: ذكر الله سبحانه ملكه على قدر أفهام الخليقة، وإلا فأين السموات والأرض من ملكه، والسموات والأرضون في ميادين مملكته أقل من خردلة! لما علم عجز خلقه عن إدراك ما فوق رؤيتهم، ذكر أن ملك السموات والأرض ملك قدرته الواسعة، التي إذا أراد الله إيجاد شيء يقول كن فيكون بقدرته، وليس لقدرته نهاية، ولا لإرادته منتهى. ه. { يحيي ويميت } استئناف مبين لبعض أحكام الملك، أي: هو يحيي الموتى ويميت الأحياء، { وهو على كل شيء } من الأشياء، التي من جملتها الإحياء والإماتة { قدير } لا يعجزه شيء. { وهو الأول } القديم قبل كل شيء، { والآخر } الذي يبقى بعد فناء كل شيء، { والظاهر } الذي ظهر بكل شيء، { والباطن } الذي اختفى بعد ظهوره في كل شيء، وقد جاء في الحديث:
" اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء "
قال الطيبي: فالمعني بالظاهر على التفسير النبوي: الغالب الذي يغلب ولا يغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن ألا ملجأ ولا منجا دونه، ينجي ملتجئا له. ه. وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. { وهو بكل شيء عليم } لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفي.
{ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } من أيام الدنيا، ولو أراد أن يخلقها في طرفة عين لفعل، ولكن جعل الست أصلا ليكون عليها المدار، وتعليما للتأني، { ثم استوى } أي: استولى { على العرش } حتى صار العرش وما احتوى عليه غيبا في عظمة أسرار ذاته، { يعلم ما يلج في الأرض } ما يدخل فيها، من البذر، والقطر، والكنوز، والأمطار، { وما يعرج فيها } من الملائكة والأموات والأعمال، { وهو معكم أينما كنتم } بالعلم والقدرة والإحاطة الذاتية، وما ادعاه ابن عطية من الإجماع أنه بالعلم، فإن كان مراده من أهل الظاهر فمسلم، وأما أهل الباطن فمجمعون على خلافه، انظر الإشارة. { والله بما تعملون بصير } فيجازي كلا بعمله. { له ملك السماوات والأرض } تكرير للتأكيد، وتمهيد لقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } أي: إليه وحده لا إلى غيره استقلالا واشتراكا ترجع جميع الأمور، { يولج الليل في النهار } يدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار، { ويولج النهار في الليل } بأن ينقص من النهار ويزيد الليل، { وهو عليم بذات الصدور } أي: بمكنونها اللازمة لها من الهواجس والخواطر، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم وخواطرهم، بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها على جوارحهم، أو بحقائق الصدور من صلاحها وفسادها، كنى بها عن القلوب. والله تعالى أعلم. الإشارة: التسبيح مأخوذ من السبح، وهو العوم، فأفكار العارفين تعوم في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، وترجع إلى ساحل البر لتقوم بوظائف العبودية والعبادات، وقد سبح في بحر الذات وغرق فيه أهل السموات والأرض، شعروا أم لم يشعروا، بل كل الكائنات غريقة في بحر الذات، ممحوة بأحديتها. قال القشيري: تنزيها لله تعالى من حيث الاسم الجامع لجميع الأسماء والصفات الجلالية والجمالية ما في السموات الذات من الأسماء الذاتية، المتجلية في المظاهر الكلية، وما في أرض الصفات من الأسماء الصفاتية، المتجلية في المظاهر الجزئية. اعلم أن فلك الذات سماء الصفات، وفلك الصفات أرض الذات، وكذلك فلك الصفات سماء الأسماء، وفلك الأسماء أرض الصفات، وهذه السموات والأرضون كلها مظاهر اسم الله الأعظم، وهو المسبح - بالفتح - في مقام التفصيل، والمسبح - بالكسر - في مقام الجمع، كما ذكرنا. ه. قلت: ومعنى قوله: " فلك الذات سماء الصفات "... الخ، أن أسرار الذات اللطيفة الأصلية سقف لأنوار الصفات، المتجلي بها، وأنوار الصفات، أرض لتلك الأسرار، وكذلك أنوار الصفات سقف لأرض الأسماء، والأسماء أرض لسماء الصفات، وبقي عليه أن يقول: وفلك الأسماء سماء للأثر، والأثر أرض لسماء الأسماء، فكل مقام سماء لما تحته، وأرض لما فوقه، فالأثار أرض لسماء الأسماء، والأسماء أرض للصفات، والصفات أرض للذات، دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه على وجود صفاته، وبوجود صفاته على وجود ذاته، وهذا مقام الترقي، ومقام التدلي بالعكس، انظر الحكم، وهو العزيز أن يدرك كنه ربوبيته، الحكيم في اختفائه بعد ظهوره.
له ملك سموات الأرواح وأرض الأشباح، أو: ملك سموات أفلاك الذات والصفات والأسماء، وفلك أرضها، على ما تقدم. يحيي قلوب أوليائه بمعرفته، ويميت قلوب أعدائه بالجهل به، أو يحيي القلوب بالعلم به، ويميت النفوس بالفناء عنها، وهو على كل شيء قدير من الأحياء والإماتة وغيرهما. هو الأول بلا بداية والآخر بل نهاية، وهو الظاهر، فلا ظاهر معه، وهو الباطن في حال ظهوره. أو: هو الظاهر بتجلياته، والباطن بما نشر عليها من رداء كبريائه، أو: الظاهر بقدرته، والباطن بحكمته، أو: الظاهر بالتعريف، والباطن باعتبار التكييف. والحاصل: أنه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، وما بطن فيه هو الذي ظهر به، اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء واستهلاكها وتلاشيها إذ لا ظاهر معه، واسمه الباطن يقتضي ظهور حسها، ليكون باطنا فيها. وفي الحكم قال: " أظهر كل شيء بأنه الباطن، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر ". ولا يفهم هذا إلا أهل الأذواق. قال القشيري: هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته، والظاهر في عين باطنيته، والباطن في عين ظاهريته، من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد لأنها ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة، والحيثيات المتنافرة لإحاطته بالكل، واستغنائه عن الكل. قيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الأضداد، ثم تلا هذه الآية: { هو الأول والآخر... } الخ، ولا يتصور الجمع بين الأضداد إلا من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد. ه. { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } قال القشيري: يشير إلى مراتب الصفات الستة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، أي: هو الذي تجلى للأشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفاة بالصفات الستة. انظر بقيته فيه. وتقدم الكلام على الاستواء في سورة الأعراف والسجدة. يعلم ما يلج في أرض البشرية من المساوئ، وما يخرج منها بالتخلية والمجاهدة، وما ينزل من سماء الغيوب على القلوب المطهرة، من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من حلاوة الشهود، وهو معكم أينما كنتم بذاته وصفاته، على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه إذ الصفة لا تفارق الموصوف فإذا كانت المعية بالعلم لزم أن تكون بالذات، فافهم، وسلم إن لم تذق. حدثني شيخي، الفقيه المحرر " الجنوي ": أن علماء مصر اجتمعوا للمناظرة في صفة المعية، فانفصل مجلسهم على أنها بالذات، على ما يليق به. وسمعته أيضا يقول: إن الفقيه العلامة " سيدي أحمد بن مبارك " لقي الرجل الصالح سيدي " أحمد الصقلي " ، فقال له: كيف تعتقد: { وهو معكم أين ما كنتم }؟ فقال: بالذات، فقال له: أشهد أنك من العارفين.
ه. قلت: فبحر الذات متصل، لا يتصور فيه انفصال، ولا يخلو منه مكان ولا زمان، كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. وقال الورتجبي: للعارفين في هذا مقامان: مقام عين الجمع، ومقام إفراد القديم من الحدوث. فمن حيث الوحدة والقدم تتصاغر الأكوان في عزة الرحمن، وسطوات عظمته، حتى لا يبقى أثرها. ثم قال: ومن حيث الجمع باشر نور الصفة نور العقل، ونور الصفة قائم بالذات، فيتجلى بنوره لفعله من ذاته وصفاته، ثم يتجلى من الفعل، فترى جميع الوجوه مرآة وجوده، وهو ظاهر لكل شيء، من كل شيء للعموم بالفعل، وللخصوص بالاسم والنعت، ولخصوص الخصوص بالصفة، وللقائمين بمشاهدة ذاته بالذات، فهو تعالى منزه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع، وإنما هو ذوق العشق، ولا يعلم تأويله إلا العاشقون. ه. وحاصل كلامه: أنك إن نظرت للوحدة لم يبق من تحصل معه المعية إذ لا شيء معه، وإن نظرت من حيث الجمع والفرق أثبت الفرق في عين الجمع فتحصل المعية منه له جمعا، ومنه لأثره فرقا، ولا فرق حقيقة، فافهم، ولا يفهم هذا إلا أهل العشق الكامل، وهم أهل الفناء، كما قال ابن الفارض:
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
ولما ذكر تعالى تسبيح العالم له، وما احتوى عليه من الملك والتصرف، وما وصف به نفسه من الصفات العلى، وختمها بالعلم بخفيات الصدور، أمر تعالى عباده المؤمنين بالثبات على الإيمان فقال: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين }.
الحديد 57:2
قلت: وقعت مادة التسبيح في القرآن بلفظ الماضي والمضارع والأمر والمصدر استيفاء لهذه المادة، فقال هنا: { سبح } وفي الجمعة:
يسبح
[الجمعة: 1] و
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1] و
سبحان الذي أسرى
[الإسراء: 1]. وهذا الفعل قد عدي باللام تارة، وبنفسه أخرى في قوله:
وسبحوه
[الأحزاب: 42]، وأصله: التعدي بنفسه لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، من: سبح: إذا ذهب وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في: نصحته ونصحت له، وإما أن يراد ب " سبح لله ": اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا. قاله النسفي. يقول الحق جل جلاله: { سبح لله } أي: نزه الله عما لا يليق بجلاله، اعتقادا، أو قولا وعملا، من استقر { في السماوات والأرض } من الملائكة والجن والإنس والجمادات، بلسان الحال والمقال، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم، الواجب الوجود، المتصف بالكمال، المنزه عن النقائص، وهو المراد بقوله تعالى:
وإن من شىء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44] قيل: إنما استغنى عن إعادة الموصل في خصوص هذه السورة لتكرر ذكر الأرض هنا في أربعة مواضع. ه. { وهو العزيز } المنتقم ممن لم يسبح له عنادا، { الحكيم } في مجازاة من سبح له انقيادا. { وله ملك السماوات والأرض } أي: التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات، من نعت الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. قال الورتجبي: ذكر الله سبحانه ملكه على قدر أفهام الخليقة، وإلا فأين السموات والأرض من ملكه، والسموات والأرضون في ميادين مملكته أقل من خردلة! لما علم عجز خلقه عن إدراك ما فوق رؤيتهم، ذكر أن ملك السموات والأرض ملك قدرته الواسعة، التي إذا أراد الله إيجاد شيء يقول كن فيكون بقدرته، وليس لقدرته نهاية، ولا لإرادته منتهى. ه. { يحيي ويميت } استئناف مبين لبعض أحكام الملك، أي: هو يحيي الموتى ويميت الأحياء، { وهو على كل شيء } من الأشياء، التي من جملتها الإحياء والإماتة { قدير } لا يعجزه شيء. { وهو الأول } القديم قبل كل شيء، { والآخر } الذي يبقى بعد فناء كل شيء، { والظاهر } الذي ظهر بكل شيء، { والباطن } الذي اختفى بعد ظهوره في كل شيء، وقد جاء في الحديث:
" اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء "
قال الطيبي: فالمعني بالظاهر على التفسير النبوي: الغالب الذي يغلب ولا يغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن ألا ملجأ ولا منجا دونه، ينجي ملتجئا له. ه. وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. { وهو بكل شيء عليم } لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفي.
{ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } من أيام الدنيا، ولو أراد أن يخلقها في طرفة عين لفعل، ولكن جعل الست أصلا ليكون عليها المدار، وتعليما للتأني، { ثم استوى } أي: استولى { على العرش } حتى صار العرش وما احتوى عليه غيبا في عظمة أسرار ذاته، { يعلم ما يلج في الأرض } ما يدخل فيها، من البذر، والقطر، والكنوز، والأمطار، { وما يعرج فيها } من الملائكة والأموات والأعمال، { وهو معكم أينما كنتم } بالعلم والقدرة والإحاطة الذاتية، وما ادعاه ابن عطية من الإجماع أنه بالعلم، فإن كان مراده من أهل الظاهر فمسلم، وأما أهل الباطن فمجمعون على خلافه، انظر الإشارة. { والله بما تعملون بصير } فيجازي كلا بعمله. { له ملك السماوات والأرض } تكرير للتأكيد، وتمهيد لقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } أي: إليه وحده لا إلى غيره استقلالا واشتراكا ترجع جميع الأمور، { يولج الليل في النهار } يدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار، { ويولج النهار في الليل } بأن ينقص من النهار ويزيد الليل، { وهو عليم بذات الصدور } أي: بمكنونها اللازمة لها من الهواجس والخواطر، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم وخواطرهم، بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها على جوارحهم، أو بحقائق الصدور من صلاحها وفسادها، كنى بها عن القلوب. والله تعالى أعلم. الإشارة: التسبيح مأخوذ من السبح، وهو العوم، فأفكار العارفين تعوم في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، وترجع إلى ساحل البر لتقوم بوظائف العبودية والعبادات، وقد سبح في بحر الذات وغرق فيه أهل السموات والأرض، شعروا أم لم يشعروا، بل كل الكائنات غريقة في بحر الذات، ممحوة بأحديتها. قال القشيري: تنزيها لله تعالى من حيث الاسم الجامع لجميع الأسماء والصفات الجلالية والجمالية ما في السموات الذات من الأسماء الذاتية، المتجلية في المظاهر الكلية، وما في أرض الصفات من الأسماء الصفاتية، المتجلية في المظاهر الجزئية. اعلم أن فلك الذات سماء الصفات، وفلك الصفات أرض الذات، وكذلك فلك الصفات سماء الأسماء، وفلك الأسماء أرض الصفات، وهذه السموات والأرضون كلها مظاهر اسم الله الأعظم، وهو المسبح - بالفتح - في مقام التفصيل، والمسبح - بالكسر - في مقام الجمع، كما ذكرنا. ه. قلت: ومعنى قوله: " فلك الذات سماء الصفات "... الخ، أن أسرار الذات اللطيفة الأصلية سقف لأنوار الصفات، المتجلي بها، وأنوار الصفات، أرض لتلك الأسرار، وكذلك أنوار الصفات سقف لأرض الأسماء، والأسماء أرض لسماء الصفات، وبقي عليه أن يقول: وفلك الأسماء سماء للأثر، والأثر أرض لسماء الأسماء، فكل مقام سماء لما تحته، وأرض لما فوقه، فالأثار أرض لسماء الأسماء، والأسماء أرض للصفات، والصفات أرض للذات، دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه على وجود صفاته، وبوجود صفاته على وجود ذاته، وهذا مقام الترقي، ومقام التدلي بالعكس، انظر الحكم، وهو العزيز أن يدرك كنه ربوبيته، الحكيم في اختفائه بعد ظهوره.
له ملك سموات الأرواح وأرض الأشباح، أو: ملك سموات أفلاك الذات والصفات والأسماء، وفلك أرضها، على ما تقدم. يحيي قلوب أوليائه بمعرفته، ويميت قلوب أعدائه بالجهل به، أو يحيي القلوب بالعلم به، ويميت النفوس بالفناء عنها، وهو على كل شيء قدير من الأحياء والإماتة وغيرهما. هو الأول بلا بداية والآخر بل نهاية، وهو الظاهر، فلا ظاهر معه، وهو الباطن في حال ظهوره. أو: هو الظاهر بتجلياته، والباطن بما نشر عليها من رداء كبريائه، أو: الظاهر بقدرته، والباطن بحكمته، أو: الظاهر بالتعريف، والباطن باعتبار التكييف. والحاصل: أنه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، وما بطن فيه هو الذي ظهر به، اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء واستهلاكها وتلاشيها إذ لا ظاهر معه، واسمه الباطن يقتضي ظهور حسها، ليكون باطنا فيها. وفي الحكم قال: " أظهر كل شيء بأنه الباطن، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر ". ولا يفهم هذا إلا أهل الأذواق. قال القشيري: هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته، والظاهر في عين باطنيته، والباطن في عين ظاهريته، من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد لأنها ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة، والحيثيات المتنافرة لإحاطته بالكل، واستغنائه عن الكل. قيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الأضداد، ثم تلا هذه الآية: { هو الأول والآخر... } الخ، ولا يتصور الجمع بين الأضداد إلا من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد. ه. { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } قال القشيري: يشير إلى مراتب الصفات الستة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، أي: هو الذي تجلى للأشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفاة بالصفات الستة. انظر بقيته فيه. وتقدم الكلام على الاستواء في سورة الأعراف والسجدة. يعلم ما يلج في أرض البشرية من المساوئ، وما يخرج منها بالتخلية والمجاهدة، وما ينزل من سماء الغيوب على القلوب المطهرة، من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من حلاوة الشهود، وهو معكم أينما كنتم بذاته وصفاته، على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه إذ الصفة لا تفارق الموصوف فإذا كانت المعية بالعلم لزم أن تكون بالذات، فافهم، وسلم إن لم تذق. حدثني شيخي، الفقيه المحرر " الجنوي ": أن علماء مصر اجتمعوا للمناظرة في صفة المعية، فانفصل مجلسهم على أنها بالذات، على ما يليق به. وسمعته أيضا يقول: إن الفقيه العلامة " سيدي أحمد بن مبارك " لقي الرجل الصالح سيدي " أحمد الصقلي " ، فقال له: كيف تعتقد: { وهو معكم أين ما كنتم }؟ فقال: بالذات، فقال له: أشهد أنك من العارفين.
ه. قلت: فبحر الذات متصل، لا يتصور فيه انفصال، ولا يخلو منه مكان ولا زمان، كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. وقال الورتجبي: للعارفين في هذا مقامان: مقام عين الجمع، ومقام إفراد القديم من الحدوث. فمن حيث الوحدة والقدم تتصاغر الأكوان في عزة الرحمن، وسطوات عظمته، حتى لا يبقى أثرها. ثم قال: ومن حيث الجمع باشر نور الصفة نور العقل، ونور الصفة قائم بالذات، فيتجلى بنوره لفعله من ذاته وصفاته، ثم يتجلى من الفعل، فترى جميع الوجوه مرآة وجوده، وهو ظاهر لكل شيء، من كل شيء للعموم بالفعل، وللخصوص بالاسم والنعت، ولخصوص الخصوص بالصفة، وللقائمين بمشاهدة ذاته بالذات، فهو تعالى منزه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع، وإنما هو ذوق العشق، ولا يعلم تأويله إلا العاشقون. ه. وحاصل كلامه: أنك إن نظرت للوحدة لم يبق من تحصل معه المعية إذ لا شيء معه، وإن نظرت من حيث الجمع والفرق أثبت الفرق في عين الجمع فتحصل المعية منه له جمعا، ومنه لأثره فرقا، ولا فرق حقيقة، فافهم، ولا يفهم هذا إلا أهل العشق الكامل، وهم أهل الفناء، كما قال ابن الفارض:
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
ولما ذكر تعالى تسبيح العالم له، وما احتوى عليه من الملك والتصرف، وما وصف به نفسه من الصفات العلى، وختمها بالعلم بخفيات الصدور، أمر تعالى عباده المؤمنين بالثبات على الإيمان فقال: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين }.
الحديد 57:3
قلت: وقعت مادة التسبيح في القرآن بلفظ الماضي والمضارع والأمر والمصدر استيفاء لهذه المادة، فقال هنا: { سبح } وفي الجمعة:
يسبح
[الجمعة: 1] و
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1] و
سبحان الذي أسرى
[الإسراء: 1]. وهذا الفعل قد عدي باللام تارة، وبنفسه أخرى في قوله:
وسبحوه
[الأحزاب: 42]، وأصله: التعدي بنفسه لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، من: سبح: إذا ذهب وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في: نصحته ونصحت له، وإما أن يراد ب " سبح لله ": اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا. قاله النسفي. يقول الحق جل جلاله: { سبح لله } أي: نزه الله عما لا يليق بجلاله، اعتقادا، أو قولا وعملا، من استقر { في السماوات والأرض } من الملائكة والجن والإنس والجمادات، بلسان الحال والمقال، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم، الواجب الوجود، المتصف بالكمال، المنزه عن النقائص، وهو المراد بقوله تعالى:
وإن من شىء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44] قيل: إنما استغنى عن إعادة الموصل في خصوص هذه السورة لتكرر ذكر الأرض هنا في أربعة مواضع. ه. { وهو العزيز } المنتقم ممن لم يسبح له عنادا، { الحكيم } في مجازاة من سبح له انقيادا. { وله ملك السماوات والأرض } أي: التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات، من نعت الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. قال الورتجبي: ذكر الله سبحانه ملكه على قدر أفهام الخليقة، وإلا فأين السموات والأرض من ملكه، والسموات والأرضون في ميادين مملكته أقل من خردلة! لما علم عجز خلقه عن إدراك ما فوق رؤيتهم، ذكر أن ملك السموات والأرض ملك قدرته الواسعة، التي إذا أراد الله إيجاد شيء يقول كن فيكون بقدرته، وليس لقدرته نهاية، ولا لإرادته منتهى. ه. { يحيي ويميت } استئناف مبين لبعض أحكام الملك، أي: هو يحيي الموتى ويميت الأحياء، { وهو على كل شيء } من الأشياء، التي من جملتها الإحياء والإماتة { قدير } لا يعجزه شيء. { وهو الأول } القديم قبل كل شيء، { والآخر } الذي يبقى بعد فناء كل شيء، { والظاهر } الذي ظهر بكل شيء، { والباطن } الذي اختفى بعد ظهوره في كل شيء، وقد جاء في الحديث:
" اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء "
قال الطيبي: فالمعني بالظاهر على التفسير النبوي: الغالب الذي يغلب ولا يغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن ألا ملجأ ولا منجا دونه، ينجي ملتجئا له. ه. وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. { وهو بكل شيء عليم } لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفي.
{ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } من أيام الدنيا، ولو أراد أن يخلقها في طرفة عين لفعل، ولكن جعل الست أصلا ليكون عليها المدار، وتعليما للتأني، { ثم استوى } أي: استولى { على العرش } حتى صار العرش وما احتوى عليه غيبا في عظمة أسرار ذاته، { يعلم ما يلج في الأرض } ما يدخل فيها، من البذر، والقطر، والكنوز، والأمطار، { وما يعرج فيها } من الملائكة والأموات والأعمال، { وهو معكم أينما كنتم } بالعلم والقدرة والإحاطة الذاتية، وما ادعاه ابن عطية من الإجماع أنه بالعلم، فإن كان مراده من أهل الظاهر فمسلم، وأما أهل الباطن فمجمعون على خلافه، انظر الإشارة. { والله بما تعملون بصير } فيجازي كلا بعمله. { له ملك السماوات والأرض } تكرير للتأكيد، وتمهيد لقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } أي: إليه وحده لا إلى غيره استقلالا واشتراكا ترجع جميع الأمور، { يولج الليل في النهار } يدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار، { ويولج النهار في الليل } بأن ينقص من النهار ويزيد الليل، { وهو عليم بذات الصدور } أي: بمكنونها اللازمة لها من الهواجس والخواطر، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم وخواطرهم، بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها على جوارحهم، أو بحقائق الصدور من صلاحها وفسادها، كنى بها عن القلوب. والله تعالى أعلم. الإشارة: التسبيح مأخوذ من السبح، وهو العوم، فأفكار العارفين تعوم في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، وترجع إلى ساحل البر لتقوم بوظائف العبودية والعبادات، وقد سبح في بحر الذات وغرق فيه أهل السموات والأرض، شعروا أم لم يشعروا، بل كل الكائنات غريقة في بحر الذات، ممحوة بأحديتها. قال القشيري: تنزيها لله تعالى من حيث الاسم الجامع لجميع الأسماء والصفات الجلالية والجمالية ما في السموات الذات من الأسماء الذاتية، المتجلية في المظاهر الكلية، وما في أرض الصفات من الأسماء الصفاتية، المتجلية في المظاهر الجزئية. اعلم أن فلك الذات سماء الصفات، وفلك الصفات أرض الذات، وكذلك فلك الصفات سماء الأسماء، وفلك الأسماء أرض الصفات، وهذه السموات والأرضون كلها مظاهر اسم الله الأعظم، وهو المسبح - بالفتح - في مقام التفصيل، والمسبح - بالكسر - في مقام الجمع، كما ذكرنا. ه. قلت: ومعنى قوله: " فلك الذات سماء الصفات "... الخ، أن أسرار الذات اللطيفة الأصلية سقف لأنوار الصفات، المتجلي بها، وأنوار الصفات، أرض لتلك الأسرار، وكذلك أنوار الصفات سقف لأرض الأسماء، والأسماء أرض لسماء الصفات، وبقي عليه أن يقول: وفلك الأسماء سماء للأثر، والأثر أرض لسماء الأسماء، فكل مقام سماء لما تحته، وأرض لما فوقه، فالأثار أرض لسماء الأسماء، والأسماء أرض للصفات، والصفات أرض للذات، دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه على وجود صفاته، وبوجود صفاته على وجود ذاته، وهذا مقام الترقي، ومقام التدلي بالعكس، انظر الحكم، وهو العزيز أن يدرك كنه ربوبيته، الحكيم في اختفائه بعد ظهوره.
له ملك سموات الأرواح وأرض الأشباح، أو: ملك سموات أفلاك الذات والصفات والأسماء، وفلك أرضها، على ما تقدم. يحيي قلوب أوليائه بمعرفته، ويميت قلوب أعدائه بالجهل به، أو يحيي القلوب بالعلم به، ويميت النفوس بالفناء عنها، وهو على كل شيء قدير من الأحياء والإماتة وغيرهما. هو الأول بلا بداية والآخر بل نهاية، وهو الظاهر، فلا ظاهر معه، وهو الباطن في حال ظهوره. أو: هو الظاهر بتجلياته، والباطن بما نشر عليها من رداء كبريائه، أو: الظاهر بقدرته، والباطن بحكمته، أو: الظاهر بالتعريف، والباطن باعتبار التكييف. والحاصل: أنه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، وما بطن فيه هو الذي ظهر به، اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء واستهلاكها وتلاشيها إذ لا ظاهر معه، واسمه الباطن يقتضي ظهور حسها، ليكون باطنا فيها. وفي الحكم قال: " أظهر كل شيء بأنه الباطن، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر ". ولا يفهم هذا إلا أهل الأذواق. قال القشيري: هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته، والظاهر في عين باطنيته، والباطن في عين ظاهريته، من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد لأنها ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة، والحيثيات المتنافرة لإحاطته بالكل، واستغنائه عن الكل. قيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الأضداد، ثم تلا هذه الآية: { هو الأول والآخر... } الخ، ولا يتصور الجمع بين الأضداد إلا من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد. ه. { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } قال القشيري: يشير إلى مراتب الصفات الستة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، أي: هو الذي تجلى للأشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفاة بالصفات الستة. انظر بقيته فيه. وتقدم الكلام على الاستواء في سورة الأعراف والسجدة. يعلم ما يلج في أرض البشرية من المساوئ، وما يخرج منها بالتخلية والمجاهدة، وما ينزل من سماء الغيوب على القلوب المطهرة، من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من حلاوة الشهود، وهو معكم أينما كنتم بذاته وصفاته، على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه إذ الصفة لا تفارق الموصوف فإذا كانت المعية بالعلم لزم أن تكون بالذات، فافهم، وسلم إن لم تذق. حدثني شيخي، الفقيه المحرر " الجنوي ": أن علماء مصر اجتمعوا للمناظرة في صفة المعية، فانفصل مجلسهم على أنها بالذات، على ما يليق به. وسمعته أيضا يقول: إن الفقيه العلامة " سيدي أحمد بن مبارك " لقي الرجل الصالح سيدي " أحمد الصقلي " ، فقال له: كيف تعتقد: { وهو معكم أين ما كنتم }؟ فقال: بالذات، فقال له: أشهد أنك من العارفين.
ه. قلت: فبحر الذات متصل، لا يتصور فيه انفصال، ولا يخلو منه مكان ولا زمان، كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. وقال الورتجبي: للعارفين في هذا مقامان: مقام عين الجمع، ومقام إفراد القديم من الحدوث. فمن حيث الوحدة والقدم تتصاغر الأكوان في عزة الرحمن، وسطوات عظمته، حتى لا يبقى أثرها. ثم قال: ومن حيث الجمع باشر نور الصفة نور العقل، ونور الصفة قائم بالذات، فيتجلى بنوره لفعله من ذاته وصفاته، ثم يتجلى من الفعل، فترى جميع الوجوه مرآة وجوده، وهو ظاهر لكل شيء، من كل شيء للعموم بالفعل، وللخصوص بالاسم والنعت، ولخصوص الخصوص بالصفة، وللقائمين بمشاهدة ذاته بالذات، فهو تعالى منزه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع، وإنما هو ذوق العشق، ولا يعلم تأويله إلا العاشقون. ه. وحاصل كلامه: أنك إن نظرت للوحدة لم يبق من تحصل معه المعية إذ لا شيء معه، وإن نظرت من حيث الجمع والفرق أثبت الفرق في عين الجمع فتحصل المعية منه له جمعا، ومنه لأثره فرقا، ولا فرق حقيقة، فافهم، ولا يفهم هذا إلا أهل العشق الكامل، وهم أهل الفناء، كما قال ابن الفارض:
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
ولما ذكر تعالى تسبيح العالم له، وما احتوى عليه من الملك والتصرف، وما وصف به نفسه من الصفات العلى، وختمها بالعلم بخفيات الصدور، أمر تعالى عباده المؤمنين بالثبات على الإيمان فقال: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين }.
الحديد 57:4
قلت: وقعت مادة التسبيح في القرآن بلفظ الماضي والمضارع والأمر والمصدر استيفاء لهذه المادة، فقال هنا: { سبح } وفي الجمعة:
يسبح
[الجمعة: 1] و
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1] و
سبحان الذي أسرى
[الإسراء: 1]. وهذا الفعل قد عدي باللام تارة، وبنفسه أخرى في قوله:
وسبحوه
[الأحزاب: 42]، وأصله: التعدي بنفسه لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، من: سبح: إذا ذهب وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في: نصحته ونصحت له، وإما أن يراد ب " سبح لله ": اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا. قاله النسفي. يقول الحق جل جلاله: { سبح لله } أي: نزه الله عما لا يليق بجلاله، اعتقادا، أو قولا وعملا، من استقر { في السماوات والأرض } من الملائكة والجن والإنس والجمادات، بلسان الحال والمقال، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم، الواجب الوجود، المتصف بالكمال، المنزه عن النقائص، وهو المراد بقوله تعالى:
وإن من شىء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44] قيل: إنما استغنى عن إعادة الموصل في خصوص هذه السورة لتكرر ذكر الأرض هنا في أربعة مواضع. ه. { وهو العزيز } المنتقم ممن لم يسبح له عنادا، { الحكيم } في مجازاة من سبح له انقيادا. { وله ملك السماوات والأرض } أي: التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات، من نعت الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. قال الورتجبي: ذكر الله سبحانه ملكه على قدر أفهام الخليقة، وإلا فأين السموات والأرض من ملكه، والسموات والأرضون في ميادين مملكته أقل من خردلة! لما علم عجز خلقه عن إدراك ما فوق رؤيتهم، ذكر أن ملك السموات والأرض ملك قدرته الواسعة، التي إذا أراد الله إيجاد شيء يقول كن فيكون بقدرته، وليس لقدرته نهاية، ولا لإرادته منتهى. ه. { يحيي ويميت } استئناف مبين لبعض أحكام الملك، أي: هو يحيي الموتى ويميت الأحياء، { وهو على كل شيء } من الأشياء، التي من جملتها الإحياء والإماتة { قدير } لا يعجزه شيء. { وهو الأول } القديم قبل كل شيء، { والآخر } الذي يبقى بعد فناء كل شيء، { والظاهر } الذي ظهر بكل شيء، { والباطن } الذي اختفى بعد ظهوره في كل شيء، وقد جاء في الحديث:
" اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء "
قال الطيبي: فالمعني بالظاهر على التفسير النبوي: الغالب الذي يغلب ولا يغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن ألا ملجأ ولا منجا دونه، ينجي ملتجئا له. ه. وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. { وهو بكل شيء عليم } لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفي.
{ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } من أيام الدنيا، ولو أراد أن يخلقها في طرفة عين لفعل، ولكن جعل الست أصلا ليكون عليها المدار، وتعليما للتأني، { ثم استوى } أي: استولى { على العرش } حتى صار العرش وما احتوى عليه غيبا في عظمة أسرار ذاته، { يعلم ما يلج في الأرض } ما يدخل فيها، من البذر، والقطر، والكنوز، والأمطار، { وما يعرج فيها } من الملائكة والأموات والأعمال، { وهو معكم أينما كنتم } بالعلم والقدرة والإحاطة الذاتية، وما ادعاه ابن عطية من الإجماع أنه بالعلم، فإن كان مراده من أهل الظاهر فمسلم، وأما أهل الباطن فمجمعون على خلافه، انظر الإشارة. { والله بما تعملون بصير } فيجازي كلا بعمله. { له ملك السماوات والأرض } تكرير للتأكيد، وتمهيد لقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } أي: إليه وحده لا إلى غيره استقلالا واشتراكا ترجع جميع الأمور، { يولج الليل في النهار } يدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار، { ويولج النهار في الليل } بأن ينقص من النهار ويزيد الليل، { وهو عليم بذات الصدور } أي: بمكنونها اللازمة لها من الهواجس والخواطر، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم وخواطرهم، بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها على جوارحهم، أو بحقائق الصدور من صلاحها وفسادها، كنى بها عن القلوب. والله تعالى أعلم. الإشارة: التسبيح مأخوذ من السبح، وهو العوم، فأفكار العارفين تعوم في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، وترجع إلى ساحل البر لتقوم بوظائف العبودية والعبادات، وقد سبح في بحر الذات وغرق فيه أهل السموات والأرض، شعروا أم لم يشعروا، بل كل الكائنات غريقة في بحر الذات، ممحوة بأحديتها. قال القشيري: تنزيها لله تعالى من حيث الاسم الجامع لجميع الأسماء والصفات الجلالية والجمالية ما في السموات الذات من الأسماء الذاتية، المتجلية في المظاهر الكلية، وما في أرض الصفات من الأسماء الصفاتية، المتجلية في المظاهر الجزئية. اعلم أن فلك الذات سماء الصفات، وفلك الصفات أرض الذات، وكذلك فلك الصفات سماء الأسماء، وفلك الأسماء أرض الصفات، وهذه السموات والأرضون كلها مظاهر اسم الله الأعظم، وهو المسبح - بالفتح - في مقام التفصيل، والمسبح - بالكسر - في مقام الجمع، كما ذكرنا. ه. قلت: ومعنى قوله: " فلك الذات سماء الصفات "... الخ، أن أسرار الذات اللطيفة الأصلية سقف لأنوار الصفات، المتجلي بها، وأنوار الصفات، أرض لتلك الأسرار، وكذلك أنوار الصفات سقف لأرض الأسماء، والأسماء أرض لسماء الصفات، وبقي عليه أن يقول: وفلك الأسماء سماء للأثر، والأثر أرض لسماء الأسماء، فكل مقام سماء لما تحته، وأرض لما فوقه، فالأثار أرض لسماء الأسماء، والأسماء أرض للصفات، والصفات أرض للذات، دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه على وجود صفاته، وبوجود صفاته على وجود ذاته، وهذا مقام الترقي، ومقام التدلي بالعكس، انظر الحكم، وهو العزيز أن يدرك كنه ربوبيته، الحكيم في اختفائه بعد ظهوره.
له ملك سموات الأرواح وأرض الأشباح، أو: ملك سموات أفلاك الذات والصفات والأسماء، وفلك أرضها، على ما تقدم. يحيي قلوب أوليائه بمعرفته، ويميت قلوب أعدائه بالجهل به، أو يحيي القلوب بالعلم به، ويميت النفوس بالفناء عنها، وهو على كل شيء قدير من الأحياء والإماتة وغيرهما. هو الأول بلا بداية والآخر بل نهاية، وهو الظاهر، فلا ظاهر معه، وهو الباطن في حال ظهوره. أو: هو الظاهر بتجلياته، والباطن بما نشر عليها من رداء كبريائه، أو: الظاهر بقدرته، والباطن بحكمته، أو: الظاهر بالتعريف، والباطن باعتبار التكييف. والحاصل: أنه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، وما بطن فيه هو الذي ظهر به، اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء واستهلاكها وتلاشيها إذ لا ظاهر معه، واسمه الباطن يقتضي ظهور حسها، ليكون باطنا فيها. وفي الحكم قال: " أظهر كل شيء بأنه الباطن، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر ". ولا يفهم هذا إلا أهل الأذواق. قال القشيري: هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته، والظاهر في عين باطنيته، والباطن في عين ظاهريته، من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد لأنها ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة، والحيثيات المتنافرة لإحاطته بالكل، واستغنائه عن الكل. قيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الأضداد، ثم تلا هذه الآية: { هو الأول والآخر... } الخ، ولا يتصور الجمع بين الأضداد إلا من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد. ه. { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } قال القشيري: يشير إلى مراتب الصفات الستة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، أي: هو الذي تجلى للأشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفاة بالصفات الستة. انظر بقيته فيه. وتقدم الكلام على الاستواء في سورة الأعراف والسجدة. يعلم ما يلج في أرض البشرية من المساوئ، وما يخرج منها بالتخلية والمجاهدة، وما ينزل من سماء الغيوب على القلوب المطهرة، من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من حلاوة الشهود، وهو معكم أينما كنتم بذاته وصفاته، على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه إذ الصفة لا تفارق الموصوف فإذا كانت المعية بالعلم لزم أن تكون بالذات، فافهم، وسلم إن لم تذق. حدثني شيخي، الفقيه المحرر " الجنوي ": أن علماء مصر اجتمعوا للمناظرة في صفة المعية، فانفصل مجلسهم على أنها بالذات، على ما يليق به. وسمعته أيضا يقول: إن الفقيه العلامة " سيدي أحمد بن مبارك " لقي الرجل الصالح سيدي " أحمد الصقلي " ، فقال له: كيف تعتقد: { وهو معكم أين ما كنتم }؟ فقال: بالذات، فقال له: أشهد أنك من العارفين.
ه. قلت: فبحر الذات متصل، لا يتصور فيه انفصال، ولا يخلو منه مكان ولا زمان، كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. وقال الورتجبي: للعارفين في هذا مقامان: مقام عين الجمع، ومقام إفراد القديم من الحدوث. فمن حيث الوحدة والقدم تتصاغر الأكوان في عزة الرحمن، وسطوات عظمته، حتى لا يبقى أثرها. ثم قال: ومن حيث الجمع باشر نور الصفة نور العقل، ونور الصفة قائم بالذات، فيتجلى بنوره لفعله من ذاته وصفاته، ثم يتجلى من الفعل، فترى جميع الوجوه مرآة وجوده، وهو ظاهر لكل شيء، من كل شيء للعموم بالفعل، وللخصوص بالاسم والنعت، ولخصوص الخصوص بالصفة، وللقائمين بمشاهدة ذاته بالذات، فهو تعالى منزه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع، وإنما هو ذوق العشق، ولا يعلم تأويله إلا العاشقون. ه. وحاصل كلامه: أنك إن نظرت للوحدة لم يبق من تحصل معه المعية إذ لا شيء معه، وإن نظرت من حيث الجمع والفرق أثبت الفرق في عين الجمع فتحصل المعية منه له جمعا، ومنه لأثره فرقا، ولا فرق حقيقة، فافهم، ولا يفهم هذا إلا أهل العشق الكامل، وهم أهل الفناء، كما قال ابن الفارض:
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
ولما ذكر تعالى تسبيح العالم له، وما احتوى عليه من الملك والتصرف، وما وصف به نفسه من الصفات العلى، وختمها بالعلم بخفيات الصدور، أمر تعالى عباده المؤمنين بالثبات على الإيمان فقال: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين }.
الحديد 57:5
قلت: وقعت مادة التسبيح في القرآن بلفظ الماضي والمضارع والأمر والمصدر استيفاء لهذه المادة، فقال هنا: { سبح } وفي الجمعة:
يسبح
[الجمعة: 1] و
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1] و
سبحان الذي أسرى
[الإسراء: 1]. وهذا الفعل قد عدي باللام تارة، وبنفسه أخرى في قوله:
وسبحوه
[الأحزاب: 42]، وأصله: التعدي بنفسه لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، من: سبح: إذا ذهب وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في: نصحته ونصحت له، وإما أن يراد ب " سبح لله ": اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا. قاله النسفي. يقول الحق جل جلاله: { سبح لله } أي: نزه الله عما لا يليق بجلاله، اعتقادا، أو قولا وعملا، من استقر { في السماوات والأرض } من الملائكة والجن والإنس والجمادات، بلسان الحال والمقال، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم، الواجب الوجود، المتصف بالكمال، المنزه عن النقائص، وهو المراد بقوله تعالى:
وإن من شىء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44] قيل: إنما استغنى عن إعادة الموصل في خصوص هذه السورة لتكرر ذكر الأرض هنا في أربعة مواضع. ه. { وهو العزيز } المنتقم ممن لم يسبح له عنادا، { الحكيم } في مجازاة من سبح له انقيادا. { وله ملك السماوات والأرض } أي: التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات، من نعت الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. قال الورتجبي: ذكر الله سبحانه ملكه على قدر أفهام الخليقة، وإلا فأين السموات والأرض من ملكه، والسموات والأرضون في ميادين مملكته أقل من خردلة! لما علم عجز خلقه عن إدراك ما فوق رؤيتهم، ذكر أن ملك السموات والأرض ملك قدرته الواسعة، التي إذا أراد الله إيجاد شيء يقول كن فيكون بقدرته، وليس لقدرته نهاية، ولا لإرادته منتهى. ه. { يحيي ويميت } استئناف مبين لبعض أحكام الملك، أي: هو يحيي الموتى ويميت الأحياء، { وهو على كل شيء } من الأشياء، التي من جملتها الإحياء والإماتة { قدير } لا يعجزه شيء. { وهو الأول } القديم قبل كل شيء، { والآخر } الذي يبقى بعد فناء كل شيء، { والظاهر } الذي ظهر بكل شيء، { والباطن } الذي اختفى بعد ظهوره في كل شيء، وقد جاء في الحديث:
" اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء "
قال الطيبي: فالمعني بالظاهر على التفسير النبوي: الغالب الذي يغلب ولا يغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن ألا ملجأ ولا منجا دونه، ينجي ملتجئا له. ه. وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. { وهو بكل شيء عليم } لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفي.
{ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } من أيام الدنيا، ولو أراد أن يخلقها في طرفة عين لفعل، ولكن جعل الست أصلا ليكون عليها المدار، وتعليما للتأني، { ثم استوى } أي: استولى { على العرش } حتى صار العرش وما احتوى عليه غيبا في عظمة أسرار ذاته، { يعلم ما يلج في الأرض } ما يدخل فيها، من البذر، والقطر، والكنوز، والأمطار، { وما يعرج فيها } من الملائكة والأموات والأعمال، { وهو معكم أينما كنتم } بالعلم والقدرة والإحاطة الذاتية، وما ادعاه ابن عطية من الإجماع أنه بالعلم، فإن كان مراده من أهل الظاهر فمسلم، وأما أهل الباطن فمجمعون على خلافه، انظر الإشارة. { والله بما تعملون بصير } فيجازي كلا بعمله. { له ملك السماوات والأرض } تكرير للتأكيد، وتمهيد لقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } أي: إليه وحده لا إلى غيره استقلالا واشتراكا ترجع جميع الأمور، { يولج الليل في النهار } يدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار، { ويولج النهار في الليل } بأن ينقص من النهار ويزيد الليل، { وهو عليم بذات الصدور } أي: بمكنونها اللازمة لها من الهواجس والخواطر، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم وخواطرهم، بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها على جوارحهم، أو بحقائق الصدور من صلاحها وفسادها، كنى بها عن القلوب. والله تعالى أعلم. الإشارة: التسبيح مأخوذ من السبح، وهو العوم، فأفكار العارفين تعوم في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، وترجع إلى ساحل البر لتقوم بوظائف العبودية والعبادات، وقد سبح في بحر الذات وغرق فيه أهل السموات والأرض، شعروا أم لم يشعروا، بل كل الكائنات غريقة في بحر الذات، ممحوة بأحديتها. قال القشيري: تنزيها لله تعالى من حيث الاسم الجامع لجميع الأسماء والصفات الجلالية والجمالية ما في السموات الذات من الأسماء الذاتية، المتجلية في المظاهر الكلية، وما في أرض الصفات من الأسماء الصفاتية، المتجلية في المظاهر الجزئية. اعلم أن فلك الذات سماء الصفات، وفلك الصفات أرض الذات، وكذلك فلك الصفات سماء الأسماء، وفلك الأسماء أرض الصفات، وهذه السموات والأرضون كلها مظاهر اسم الله الأعظم، وهو المسبح - بالفتح - في مقام التفصيل، والمسبح - بالكسر - في مقام الجمع، كما ذكرنا. ه. قلت: ومعنى قوله: " فلك الذات سماء الصفات "... الخ، أن أسرار الذات اللطيفة الأصلية سقف لأنوار الصفات، المتجلي بها، وأنوار الصفات، أرض لتلك الأسرار، وكذلك أنوار الصفات سقف لأرض الأسماء، والأسماء أرض لسماء الصفات، وبقي عليه أن يقول: وفلك الأسماء سماء للأثر، والأثر أرض لسماء الأسماء، فكل مقام سماء لما تحته، وأرض لما فوقه، فالأثار أرض لسماء الأسماء، والأسماء أرض للصفات، والصفات أرض للذات، دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه على وجود صفاته، وبوجود صفاته على وجود ذاته، وهذا مقام الترقي، ومقام التدلي بالعكس، انظر الحكم، وهو العزيز أن يدرك كنه ربوبيته، الحكيم في اختفائه بعد ظهوره.
له ملك سموات الأرواح وأرض الأشباح، أو: ملك سموات أفلاك الذات والصفات والأسماء، وفلك أرضها، على ما تقدم. يحيي قلوب أوليائه بمعرفته، ويميت قلوب أعدائه بالجهل به، أو يحيي القلوب بالعلم به، ويميت النفوس بالفناء عنها، وهو على كل شيء قدير من الأحياء والإماتة وغيرهما. هو الأول بلا بداية والآخر بل نهاية، وهو الظاهر، فلا ظاهر معه، وهو الباطن في حال ظهوره. أو: هو الظاهر بتجلياته، والباطن بما نشر عليها من رداء كبريائه، أو: الظاهر بقدرته، والباطن بحكمته، أو: الظاهر بالتعريف، والباطن باعتبار التكييف. والحاصل: أنه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، وما بطن فيه هو الذي ظهر به، اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء واستهلاكها وتلاشيها إذ لا ظاهر معه، واسمه الباطن يقتضي ظهور حسها، ليكون باطنا فيها. وفي الحكم قال: " أظهر كل شيء بأنه الباطن، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر ". ولا يفهم هذا إلا أهل الأذواق. قال القشيري: هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته، والظاهر في عين باطنيته، والباطن في عين ظاهريته، من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد لأنها ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة، والحيثيات المتنافرة لإحاطته بالكل، واستغنائه عن الكل. قيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الأضداد، ثم تلا هذه الآية: { هو الأول والآخر... } الخ، ولا يتصور الجمع بين الأضداد إلا من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد. ه. { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } قال القشيري: يشير إلى مراتب الصفات الستة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، أي: هو الذي تجلى للأشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفاة بالصفات الستة. انظر بقيته فيه. وتقدم الكلام على الاستواء في سورة الأعراف والسجدة. يعلم ما يلج في أرض البشرية من المساوئ، وما يخرج منها بالتخلية والمجاهدة، وما ينزل من سماء الغيوب على القلوب المطهرة، من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من حلاوة الشهود، وهو معكم أينما كنتم بذاته وصفاته، على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه إذ الصفة لا تفارق الموصوف فإذا كانت المعية بالعلم لزم أن تكون بالذات، فافهم، وسلم إن لم تذق. حدثني شيخي، الفقيه المحرر " الجنوي ": أن علماء مصر اجتمعوا للمناظرة في صفة المعية، فانفصل مجلسهم على أنها بالذات، على ما يليق به. وسمعته أيضا يقول: إن الفقيه العلامة " سيدي أحمد بن مبارك " لقي الرجل الصالح سيدي " أحمد الصقلي " ، فقال له: كيف تعتقد: { وهو معكم أين ما كنتم }؟ فقال: بالذات، فقال له: أشهد أنك من العارفين.
ه. قلت: فبحر الذات متصل، لا يتصور فيه انفصال، ولا يخلو منه مكان ولا زمان، كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. وقال الورتجبي: للعارفين في هذا مقامان: مقام عين الجمع، ومقام إفراد القديم من الحدوث. فمن حيث الوحدة والقدم تتصاغر الأكوان في عزة الرحمن، وسطوات عظمته، حتى لا يبقى أثرها. ثم قال: ومن حيث الجمع باشر نور الصفة نور العقل، ونور الصفة قائم بالذات، فيتجلى بنوره لفعله من ذاته وصفاته، ثم يتجلى من الفعل، فترى جميع الوجوه مرآة وجوده، وهو ظاهر لكل شيء، من كل شيء للعموم بالفعل، وللخصوص بالاسم والنعت، ولخصوص الخصوص بالصفة، وللقائمين بمشاهدة ذاته بالذات، فهو تعالى منزه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع، وإنما هو ذوق العشق، ولا يعلم تأويله إلا العاشقون. ه. وحاصل كلامه: أنك إن نظرت للوحدة لم يبق من تحصل معه المعية إذ لا شيء معه، وإن نظرت من حيث الجمع والفرق أثبت الفرق في عين الجمع فتحصل المعية منه له جمعا، ومنه لأثره فرقا، ولا فرق حقيقة، فافهم، ولا يفهم هذا إلا أهل العشق الكامل، وهم أهل الفناء، كما قال ابن الفارض:
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
ولما ذكر تعالى تسبيح العالم له، وما احتوى عليه من الملك والتصرف، وما وصف به نفسه من الصفات العلى، وختمها بالعلم بخفيات الصدور، أمر تعالى عباده المؤمنين بالثبات على الإيمان فقال: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين }.
الحديد 57:6
قلت: وقعت مادة التسبيح في القرآن بلفظ الماضي والمضارع والأمر والمصدر استيفاء لهذه المادة، فقال هنا: { سبح } وفي الجمعة:
يسبح
[الجمعة: 1] و
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1] و
سبحان الذي أسرى
[الإسراء: 1]. وهذا الفعل قد عدي باللام تارة، وبنفسه أخرى في قوله:
وسبحوه
[الأحزاب: 42]، وأصله: التعدي بنفسه لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، من: سبح: إذا ذهب وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في: نصحته ونصحت له، وإما أن يراد ب " سبح لله ": اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا. قاله النسفي. يقول الحق جل جلاله: { سبح لله } أي: نزه الله عما لا يليق بجلاله، اعتقادا، أو قولا وعملا، من استقر { في السماوات والأرض } من الملائكة والجن والإنس والجمادات، بلسان الحال والمقال، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم، الواجب الوجود، المتصف بالكمال، المنزه عن النقائص، وهو المراد بقوله تعالى:
وإن من شىء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44] قيل: إنما استغنى عن إعادة الموصل في خصوص هذه السورة لتكرر ذكر الأرض هنا في أربعة مواضع. ه. { وهو العزيز } المنتقم ممن لم يسبح له عنادا، { الحكيم } في مجازاة من سبح له انقيادا. { وله ملك السماوات والأرض } أي: التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات، من نعت الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. قال الورتجبي: ذكر الله سبحانه ملكه على قدر أفهام الخليقة، وإلا فأين السموات والأرض من ملكه، والسموات والأرضون في ميادين مملكته أقل من خردلة! لما علم عجز خلقه عن إدراك ما فوق رؤيتهم، ذكر أن ملك السموات والأرض ملك قدرته الواسعة، التي إذا أراد الله إيجاد شيء يقول كن فيكون بقدرته، وليس لقدرته نهاية، ولا لإرادته منتهى. ه. { يحيي ويميت } استئناف مبين لبعض أحكام الملك، أي: هو يحيي الموتى ويميت الأحياء، { وهو على كل شيء } من الأشياء، التي من جملتها الإحياء والإماتة { قدير } لا يعجزه شيء. { وهو الأول } القديم قبل كل شيء، { والآخر } الذي يبقى بعد فناء كل شيء، { والظاهر } الذي ظهر بكل شيء، { والباطن } الذي اختفى بعد ظهوره في كل شيء، وقد جاء في الحديث:
" اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء "
قال الطيبي: فالمعني بالظاهر على التفسير النبوي: الغالب الذي يغلب ولا يغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن ألا ملجأ ولا منجا دونه، ينجي ملتجئا له. ه. وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. { وهو بكل شيء عليم } لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفي.
{ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } من أيام الدنيا، ولو أراد أن يخلقها في طرفة عين لفعل، ولكن جعل الست أصلا ليكون عليها المدار، وتعليما للتأني، { ثم استوى } أي: استولى { على العرش } حتى صار العرش وما احتوى عليه غيبا في عظمة أسرار ذاته، { يعلم ما يلج في الأرض } ما يدخل فيها، من البذر، والقطر، والكنوز، والأمطار، { وما يعرج فيها } من الملائكة والأموات والأعمال، { وهو معكم أينما كنتم } بالعلم والقدرة والإحاطة الذاتية، وما ادعاه ابن عطية من الإجماع أنه بالعلم، فإن كان مراده من أهل الظاهر فمسلم، وأما أهل الباطن فمجمعون على خلافه، انظر الإشارة. { والله بما تعملون بصير } فيجازي كلا بعمله. { له ملك السماوات والأرض } تكرير للتأكيد، وتمهيد لقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } أي: إليه وحده لا إلى غيره استقلالا واشتراكا ترجع جميع الأمور، { يولج الليل في النهار } يدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار، { ويولج النهار في الليل } بأن ينقص من النهار ويزيد الليل، { وهو عليم بذات الصدور } أي: بمكنونها اللازمة لها من الهواجس والخواطر، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم وخواطرهم، بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها على جوارحهم، أو بحقائق الصدور من صلاحها وفسادها، كنى بها عن القلوب. والله تعالى أعلم. الإشارة: التسبيح مأخوذ من السبح، وهو العوم، فأفكار العارفين تعوم في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، وترجع إلى ساحل البر لتقوم بوظائف العبودية والعبادات، وقد سبح في بحر الذات وغرق فيه أهل السموات والأرض، شعروا أم لم يشعروا، بل كل الكائنات غريقة في بحر الذات، ممحوة بأحديتها. قال القشيري: تنزيها لله تعالى من حيث الاسم الجامع لجميع الأسماء والصفات الجلالية والجمالية ما في السموات الذات من الأسماء الذاتية، المتجلية في المظاهر الكلية، وما في أرض الصفات من الأسماء الصفاتية، المتجلية في المظاهر الجزئية. اعلم أن فلك الذات سماء الصفات، وفلك الصفات أرض الذات، وكذلك فلك الصفات سماء الأسماء، وفلك الأسماء أرض الصفات، وهذه السموات والأرضون كلها مظاهر اسم الله الأعظم، وهو المسبح - بالفتح - في مقام التفصيل، والمسبح - بالكسر - في مقام الجمع، كما ذكرنا. ه. قلت: ومعنى قوله: " فلك الذات سماء الصفات "... الخ، أن أسرار الذات اللطيفة الأصلية سقف لأنوار الصفات، المتجلي بها، وأنوار الصفات، أرض لتلك الأسرار، وكذلك أنوار الصفات سقف لأرض الأسماء، والأسماء أرض لسماء الصفات، وبقي عليه أن يقول: وفلك الأسماء سماء للأثر، والأثر أرض لسماء الأسماء، فكل مقام سماء لما تحته، وأرض لما فوقه، فالأثار أرض لسماء الأسماء، والأسماء أرض للصفات، والصفات أرض للذات، دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه على وجود صفاته، وبوجود صفاته على وجود ذاته، وهذا مقام الترقي، ومقام التدلي بالعكس، انظر الحكم، وهو العزيز أن يدرك كنه ربوبيته، الحكيم في اختفائه بعد ظهوره.
له ملك سموات الأرواح وأرض الأشباح، أو: ملك سموات أفلاك الذات والصفات والأسماء، وفلك أرضها، على ما تقدم. يحيي قلوب أوليائه بمعرفته، ويميت قلوب أعدائه بالجهل به، أو يحيي القلوب بالعلم به، ويميت النفوس بالفناء عنها، وهو على كل شيء قدير من الأحياء والإماتة وغيرهما. هو الأول بلا بداية والآخر بل نهاية، وهو الظاهر، فلا ظاهر معه، وهو الباطن في حال ظهوره. أو: هو الظاهر بتجلياته، والباطن بما نشر عليها من رداء كبريائه، أو: الظاهر بقدرته، والباطن بحكمته، أو: الظاهر بالتعريف، والباطن باعتبار التكييف. والحاصل: أنه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، وما بطن فيه هو الذي ظهر به، اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء واستهلاكها وتلاشيها إذ لا ظاهر معه، واسمه الباطن يقتضي ظهور حسها، ليكون باطنا فيها. وفي الحكم قال: " أظهر كل شيء بأنه الباطن، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر ". ولا يفهم هذا إلا أهل الأذواق. قال القشيري: هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته، والظاهر في عين باطنيته، والباطن في عين ظاهريته، من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد لأنها ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة، والحيثيات المتنافرة لإحاطته بالكل، واستغنائه عن الكل. قيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الأضداد، ثم تلا هذه الآية: { هو الأول والآخر... } الخ، ولا يتصور الجمع بين الأضداد إلا من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آن واحد. ه. { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } قال القشيري: يشير إلى مراتب الصفات الستة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، أي: هو الذي تجلى للأشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفاة بالصفات الستة. انظر بقيته فيه. وتقدم الكلام على الاستواء في سورة الأعراف والسجدة. يعلم ما يلج في أرض البشرية من المساوئ، وما يخرج منها بالتخلية والمجاهدة، وما ينزل من سماء الغيوب على القلوب المطهرة، من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من حلاوة الشهود، وهو معكم أينما كنتم بذاته وصفاته، على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه إذ الصفة لا تفارق الموصوف فإذا كانت المعية بالعلم لزم أن تكون بالذات، فافهم، وسلم إن لم تذق. حدثني شيخي، الفقيه المحرر " الجنوي ": أن علماء مصر اجتمعوا للمناظرة في صفة المعية، فانفصل مجلسهم على أنها بالذات، على ما يليق به. وسمعته أيضا يقول: إن الفقيه العلامة " سيدي أحمد بن مبارك " لقي الرجل الصالح سيدي " أحمد الصقلي " ، فقال له: كيف تعتقد: { وهو معكم أين ما كنتم }؟ فقال: بالذات، فقال له: أشهد أنك من العارفين.
ه. قلت: فبحر الذات متصل، لا يتصور فيه انفصال، ولا يخلو منه مكان ولا زمان، كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. وقال الورتجبي: للعارفين في هذا مقامان: مقام عين الجمع، ومقام إفراد القديم من الحدوث. فمن حيث الوحدة والقدم تتصاغر الأكوان في عزة الرحمن، وسطوات عظمته، حتى لا يبقى أثرها. ثم قال: ومن حيث الجمع باشر نور الصفة نور العقل، ونور الصفة قائم بالذات، فيتجلى بنوره لفعله من ذاته وصفاته، ثم يتجلى من الفعل، فترى جميع الوجوه مرآة وجوده، وهو ظاهر لكل شيء، من كل شيء للعموم بالفعل، وللخصوص بالاسم والنعت، ولخصوص الخصوص بالصفة، وللقائمين بمشاهدة ذاته بالذات، فهو تعالى منزه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع، وإنما هو ذوق العشق، ولا يعلم تأويله إلا العاشقون. ه. وحاصل كلامه: أنك إن نظرت للوحدة لم يبق من تحصل معه المعية إذ لا شيء معه، وإن نظرت من حيث الجمع والفرق أثبت الفرق في عين الجمع فتحصل المعية منه له جمعا، ومنه لأثره فرقا، ولا فرق حقيقة، فافهم، ولا يفهم هذا إلا أهل العشق الكامل، وهم أهل الفناء، كما قال ابن الفارض:
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
ولما ذكر تعالى تسبيح العالم له، وما احتوى عليه من الملك والتصرف، وما وصف به نفسه من الصفات العلى، وختمها بالعلم بخفيات الصدور، أمر تعالى عباده المؤمنين بالثبات على الإيمان فقال: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين }.
الحديد 57:7
يقول الحق جل جلاله: { آمنوا بالله ورسوله } أي: دوموا على إيمانكم، إن كان خطابا للمؤمنين، فيكون توطئة لدعائهم إلى ما بعده من الإنفاق وغيره لأنهم أهل لهذه الرتب الرفيعة، أو: أحدثوا الإيمان، إن كان خطابا للكفار، { وأنفقوا } أي: تصدقوا، فيشمل الزكاة وغيرها، { مما جعلكم مستخلفين فيه } أي: جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، وما أنتم فيه إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له، أو: جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما كان في أيديهم بتوريثكم إياه، وسينقله منكم إلى غيركم، فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به، { فالذين آمنوا } بالله ورسوله { منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } لا يقادر قدره. { وما لكم لا تؤمنون بالله } هو حال، أي: أي شيء حصل لكم غير مؤمنين، وهو توبيخ على ترك الإيمان حسبما أمروا به، بإنكار أن يكون لهم عذر ما في الجملة، { والرسول يدعوكم } وينبهكم عيله، ويقيم لكم الحجج على ذلك، { لتؤمنوا بربكم وقد أخذ } قبل ذلك عليكم ميثاقه في عالم الذر، على الإقرار بالربوبية، والتصديق بالداعي، بعد أن ركب فيكم العقول، فلم يبق لكم عذر في ترك الإيمان، أو: أخذ ميثاقه بنصب الأدلة والتمكين من النظر، فانظروا واعتبروا وآمنوا، { إن كنتم مؤمنين } بأخذ هذا الميثاق، أو: بموجب ما، فإن هذا موجب لا موجب وراءه. { هو الذي ينزل على عبده } محمد صلى الله عليه وسلم { آيات بينات } واضحات، يعني القرآن، { ليخرجكم } أي: الله تعالى، أو العبد { من الظلمات } أي: من ظلمات الكفر والمعاصي والغفلة، إلى نور الإيمان والتوبة واليقظة، { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } حيث يهديكم إلى سعادة الدارين، بإرسال الرسول، وتنزيل الآيات، بعد نصب الحجج العقلية. ثم وبخهم على ترك الإنفاق، بعد توبيخهم على ترك الإيمان، على ترتيب قوله: { آمنوا } و { أنفقوا } فقال: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } أي: أي شيء حصل لكم في ألا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى، وهو له حقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عينه من المصارف؟ { ولله ميراث السماوات والأرض } يرث كل شيء فيهما، لا يبقى لأحد شيء من ذلك، وإذا كان كذلك فأي عذر لكم في ترك إنفاقه { في سبيل الله } والله مهلككم، فوارث أموالكم؟ فتقديمها لله أولى، وهي أبلغ آية في الحث على الصدقة. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار في " لله " لزيادة التقرير، وتربية المهابة. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم باعتبار الزمان، فقال: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } مع من أنفق بعد الفتح وقاتل، حذفه لدلالة ما بعده عليه من قوله: { أولئك أعظم درجة.
.. } الخ، والمراد: فتح مكة، أي: لا يستوي من أنفق قبل عز الإسلام وظهوره، مع من أنفق بعد لك، { أولئك } الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصفه "
، فهم { أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } لأن من أنفق وقت الحاجة والاضطرار، أعظم ممن أنفق في حال السعة والبسط، { وكلا } أي: كل واحد من الفريقين { وعد الله الحسنى } وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ الشامي بالرفع، مبتدأ، أي: وعده الله الحسنى، { والله بما تعملون خبير } فيجازيكم على قدر أعمالكم. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } هو ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله، بعد الأمر به، والتوبيخ على تركه، وبيان درجات المنفقين، أي: من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه مثل ذلك وأكثر، فإنه كمن يقرضه. وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات، { فيضاعفه له } أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا أضعافا كثيرة من فضله، { وله أجر كريم } وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه، حقيق بأن يتنافس فيه وإن لم يضاعف، فكيف وقد ضوعف أضعافا كثيرة! ومن نصب فعلى جواب الاستفهام. الإشارة: أمر الحق تعالى مشايخ التربية، والعلماء الأتقيا، أن يؤمنوا إيمان شهود وعيان، أو إيمان تحقيق وبرهان، فالأول للأولياء، والثاني للعلماء، ثم قال: { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } من العلوم الوهبية، أو الرسمية، فالذين آمنوا منكم كما تقدم، مما عندهم سعة العلوم الوهبية، أو من ضيق العلوم الرسمية، لهم أجر كبير: سكنى الحضرة، في مقعد صدق، أو بحبوحة الجنة في نعيم الأشباح. وما لكم لا تؤمنون بالله، أي: تجددوا إيمانكم كل ساعة، بفكرة الاستبصار والاعتبار، والرسول يدعوكم لتجددوا إيمانكم، وقد أخذ ميثاقكم في عالم الذر، ثم جدده ببعث الرسل وخلفائهم من شيوخ التربية، الداعين إلى الله، إن كنتم مؤمنين بهذا الميثاق. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات، وهو القرآن، ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ليخرجكم من الظلمات إلى النور، من ظلمة المعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ظلمة الهوى والحظوظ إلى نور الزهد والعفة، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم بالله. وما لكم ألا تنفقوا مهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ببذلها في مرضاة الله، ولله ميراث السموات والأرض، فيرثكم بأشباحكم وأرواحكم، فمن بذلها عوضه دوام الشهود، ومن بخل بها عقبه حسرة الحجاب، لا يستوي منكم من أنفق نفسه وقاتلها قبل ظهور الطريق، مع من أنفق وجاهد بعد ظهورها، فالسابقون لم يجدوا أعوانا، والمتأخرون وجدوا أعوانا، وكلا وعد الله الحسنى الجنة الحسية، وزاد السابقين الجنة المعنوية، جنة المعارف.
والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من تقدم ممن تأخر. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ، قال القشيري: هو أن يقرض وينقطع عن قلبه حب الدارين، ففي الخبر: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ". ه. فيضاعفه له بالترفي إلى ما لا نهاية له، وله أجر كريم، وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم ذكر ثمرة الإيمان، الذي أمر به، فقال: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات }.
الحديد 57:8
يقول الحق جل جلاله: { آمنوا بالله ورسوله } أي: دوموا على إيمانكم، إن كان خطابا للمؤمنين، فيكون توطئة لدعائهم إلى ما بعده من الإنفاق وغيره لأنهم أهل لهذه الرتب الرفيعة، أو: أحدثوا الإيمان، إن كان خطابا للكفار، { وأنفقوا } أي: تصدقوا، فيشمل الزكاة وغيرها، { مما جعلكم مستخلفين فيه } أي: جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، وما أنتم فيه إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له، أو: جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما كان في أيديهم بتوريثكم إياه، وسينقله منكم إلى غيركم، فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به، { فالذين آمنوا } بالله ورسوله { منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } لا يقادر قدره. { وما لكم لا تؤمنون بالله } هو حال، أي: أي شيء حصل لكم غير مؤمنين، وهو توبيخ على ترك الإيمان حسبما أمروا به، بإنكار أن يكون لهم عذر ما في الجملة، { والرسول يدعوكم } وينبهكم عيله، ويقيم لكم الحجج على ذلك، { لتؤمنوا بربكم وقد أخذ } قبل ذلك عليكم ميثاقه في عالم الذر، على الإقرار بالربوبية، والتصديق بالداعي، بعد أن ركب فيكم العقول، فلم يبق لكم عذر في ترك الإيمان، أو: أخذ ميثاقه بنصب الأدلة والتمكين من النظر، فانظروا واعتبروا وآمنوا، { إن كنتم مؤمنين } بأخذ هذا الميثاق، أو: بموجب ما، فإن هذا موجب لا موجب وراءه. { هو الذي ينزل على عبده } محمد صلى الله عليه وسلم { آيات بينات } واضحات، يعني القرآن، { ليخرجكم } أي: الله تعالى، أو العبد { من الظلمات } أي: من ظلمات الكفر والمعاصي والغفلة، إلى نور الإيمان والتوبة واليقظة، { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } حيث يهديكم إلى سعادة الدارين، بإرسال الرسول، وتنزيل الآيات، بعد نصب الحجج العقلية. ثم وبخهم على ترك الإنفاق، بعد توبيخهم على ترك الإيمان، على ترتيب قوله: { آمنوا } و { أنفقوا } فقال: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } أي: أي شيء حصل لكم في ألا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى، وهو له حقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عينه من المصارف؟ { ولله ميراث السماوات والأرض } يرث كل شيء فيهما، لا يبقى لأحد شيء من ذلك، وإذا كان كذلك فأي عذر لكم في ترك إنفاقه { في سبيل الله } والله مهلككم، فوارث أموالكم؟ فتقديمها لله أولى، وهي أبلغ آية في الحث على الصدقة. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار في " لله " لزيادة التقرير، وتربية المهابة. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم باعتبار الزمان، فقال: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } مع من أنفق بعد الفتح وقاتل، حذفه لدلالة ما بعده عليه من قوله: { أولئك أعظم درجة.
.. } الخ، والمراد: فتح مكة، أي: لا يستوي من أنفق قبل عز الإسلام وظهوره، مع من أنفق بعد لك، { أولئك } الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصفه "
، فهم { أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } لأن من أنفق وقت الحاجة والاضطرار، أعظم ممن أنفق في حال السعة والبسط، { وكلا } أي: كل واحد من الفريقين { وعد الله الحسنى } وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ الشامي بالرفع، مبتدأ، أي: وعده الله الحسنى، { والله بما تعملون خبير } فيجازيكم على قدر أعمالكم. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } هو ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله، بعد الأمر به، والتوبيخ على تركه، وبيان درجات المنفقين، أي: من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه مثل ذلك وأكثر، فإنه كمن يقرضه. وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات، { فيضاعفه له } أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا أضعافا كثيرة من فضله، { وله أجر كريم } وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه، حقيق بأن يتنافس فيه وإن لم يضاعف، فكيف وقد ضوعف أضعافا كثيرة! ومن نصب فعلى جواب الاستفهام. الإشارة: أمر الحق تعالى مشايخ التربية، والعلماء الأتقيا، أن يؤمنوا إيمان شهود وعيان، أو إيمان تحقيق وبرهان، فالأول للأولياء، والثاني للعلماء، ثم قال: { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } من العلوم الوهبية، أو الرسمية، فالذين آمنوا منكم كما تقدم، مما عندهم سعة العلوم الوهبية، أو من ضيق العلوم الرسمية، لهم أجر كبير: سكنى الحضرة، في مقعد صدق، أو بحبوحة الجنة في نعيم الأشباح. وما لكم لا تؤمنون بالله، أي: تجددوا إيمانكم كل ساعة، بفكرة الاستبصار والاعتبار، والرسول يدعوكم لتجددوا إيمانكم، وقد أخذ ميثاقكم في عالم الذر، ثم جدده ببعث الرسل وخلفائهم من شيوخ التربية، الداعين إلى الله، إن كنتم مؤمنين بهذا الميثاق. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات، وهو القرآن، ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ليخرجكم من الظلمات إلى النور، من ظلمة المعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ظلمة الهوى والحظوظ إلى نور الزهد والعفة، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم بالله. وما لكم ألا تنفقوا مهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ببذلها في مرضاة الله، ولله ميراث السموات والأرض، فيرثكم بأشباحكم وأرواحكم، فمن بذلها عوضه دوام الشهود، ومن بخل بها عقبه حسرة الحجاب، لا يستوي منكم من أنفق نفسه وقاتلها قبل ظهور الطريق، مع من أنفق وجاهد بعد ظهورها، فالسابقون لم يجدوا أعوانا، والمتأخرون وجدوا أعوانا، وكلا وعد الله الحسنى الجنة الحسية، وزاد السابقين الجنة المعنوية، جنة المعارف.
والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من تقدم ممن تأخر. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ، قال القشيري: هو أن يقرض وينقطع عن قلبه حب الدارين، ففي الخبر: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ". ه. فيضاعفه له بالترفي إلى ما لا نهاية له، وله أجر كريم، وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم ذكر ثمرة الإيمان، الذي أمر به، فقال: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات }.
الحديد 57:9
يقول الحق جل جلاله: { آمنوا بالله ورسوله } أي: دوموا على إيمانكم، إن كان خطابا للمؤمنين، فيكون توطئة لدعائهم إلى ما بعده من الإنفاق وغيره لأنهم أهل لهذه الرتب الرفيعة، أو: أحدثوا الإيمان، إن كان خطابا للكفار، { وأنفقوا } أي: تصدقوا، فيشمل الزكاة وغيرها، { مما جعلكم مستخلفين فيه } أي: جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، وما أنتم فيه إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له، أو: جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما كان في أيديهم بتوريثكم إياه، وسينقله منكم إلى غيركم، فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به، { فالذين آمنوا } بالله ورسوله { منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } لا يقادر قدره. { وما لكم لا تؤمنون بالله } هو حال، أي: أي شيء حصل لكم غير مؤمنين، وهو توبيخ على ترك الإيمان حسبما أمروا به، بإنكار أن يكون لهم عذر ما في الجملة، { والرسول يدعوكم } وينبهكم عيله، ويقيم لكم الحجج على ذلك، { لتؤمنوا بربكم وقد أخذ } قبل ذلك عليكم ميثاقه في عالم الذر، على الإقرار بالربوبية، والتصديق بالداعي، بعد أن ركب فيكم العقول، فلم يبق لكم عذر في ترك الإيمان، أو: أخذ ميثاقه بنصب الأدلة والتمكين من النظر، فانظروا واعتبروا وآمنوا، { إن كنتم مؤمنين } بأخذ هذا الميثاق، أو: بموجب ما، فإن هذا موجب لا موجب وراءه. { هو الذي ينزل على عبده } محمد صلى الله عليه وسلم { آيات بينات } واضحات، يعني القرآن، { ليخرجكم } أي: الله تعالى، أو العبد { من الظلمات } أي: من ظلمات الكفر والمعاصي والغفلة، إلى نور الإيمان والتوبة واليقظة، { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } حيث يهديكم إلى سعادة الدارين، بإرسال الرسول، وتنزيل الآيات، بعد نصب الحجج العقلية. ثم وبخهم على ترك الإنفاق، بعد توبيخهم على ترك الإيمان، على ترتيب قوله: { آمنوا } و { أنفقوا } فقال: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } أي: أي شيء حصل لكم في ألا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى، وهو له حقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عينه من المصارف؟ { ولله ميراث السماوات والأرض } يرث كل شيء فيهما، لا يبقى لأحد شيء من ذلك، وإذا كان كذلك فأي عذر لكم في ترك إنفاقه { في سبيل الله } والله مهلككم، فوارث أموالكم؟ فتقديمها لله أولى، وهي أبلغ آية في الحث على الصدقة. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار في " لله " لزيادة التقرير، وتربية المهابة. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم باعتبار الزمان، فقال: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } مع من أنفق بعد الفتح وقاتل، حذفه لدلالة ما بعده عليه من قوله: { أولئك أعظم درجة.
.. } الخ، والمراد: فتح مكة، أي: لا يستوي من أنفق قبل عز الإسلام وظهوره، مع من أنفق بعد لك، { أولئك } الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصفه "
، فهم { أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } لأن من أنفق وقت الحاجة والاضطرار، أعظم ممن أنفق في حال السعة والبسط، { وكلا } أي: كل واحد من الفريقين { وعد الله الحسنى } وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ الشامي بالرفع، مبتدأ، أي: وعده الله الحسنى، { والله بما تعملون خبير } فيجازيكم على قدر أعمالكم. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } هو ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله، بعد الأمر به، والتوبيخ على تركه، وبيان درجات المنفقين، أي: من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه مثل ذلك وأكثر، فإنه كمن يقرضه. وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات، { فيضاعفه له } أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا أضعافا كثيرة من فضله، { وله أجر كريم } وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه، حقيق بأن يتنافس فيه وإن لم يضاعف، فكيف وقد ضوعف أضعافا كثيرة! ومن نصب فعلى جواب الاستفهام. الإشارة: أمر الحق تعالى مشايخ التربية، والعلماء الأتقيا، أن يؤمنوا إيمان شهود وعيان، أو إيمان تحقيق وبرهان، فالأول للأولياء، والثاني للعلماء، ثم قال: { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } من العلوم الوهبية، أو الرسمية، فالذين آمنوا منكم كما تقدم، مما عندهم سعة العلوم الوهبية، أو من ضيق العلوم الرسمية، لهم أجر كبير: سكنى الحضرة، في مقعد صدق، أو بحبوحة الجنة في نعيم الأشباح. وما لكم لا تؤمنون بالله، أي: تجددوا إيمانكم كل ساعة، بفكرة الاستبصار والاعتبار، والرسول يدعوكم لتجددوا إيمانكم، وقد أخذ ميثاقكم في عالم الذر، ثم جدده ببعث الرسل وخلفائهم من شيوخ التربية، الداعين إلى الله، إن كنتم مؤمنين بهذا الميثاق. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات، وهو القرآن، ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ليخرجكم من الظلمات إلى النور، من ظلمة المعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ظلمة الهوى والحظوظ إلى نور الزهد والعفة، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم بالله. وما لكم ألا تنفقوا مهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ببذلها في مرضاة الله، ولله ميراث السموات والأرض، فيرثكم بأشباحكم وأرواحكم، فمن بذلها عوضه دوام الشهود، ومن بخل بها عقبه حسرة الحجاب، لا يستوي منكم من أنفق نفسه وقاتلها قبل ظهور الطريق، مع من أنفق وجاهد بعد ظهورها، فالسابقون لم يجدوا أعوانا، والمتأخرون وجدوا أعوانا، وكلا وعد الله الحسنى الجنة الحسية، وزاد السابقين الجنة المعنوية، جنة المعارف.
والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من تقدم ممن تأخر. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ، قال القشيري: هو أن يقرض وينقطع عن قلبه حب الدارين، ففي الخبر: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ". ه. فيضاعفه له بالترفي إلى ما لا نهاية له، وله أجر كريم، وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم ذكر ثمرة الإيمان، الذي أمر به، فقال: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات }.
الحديد 57:10
يقول الحق جل جلاله: { آمنوا بالله ورسوله } أي: دوموا على إيمانكم، إن كان خطابا للمؤمنين، فيكون توطئة لدعائهم إلى ما بعده من الإنفاق وغيره لأنهم أهل لهذه الرتب الرفيعة، أو: أحدثوا الإيمان، إن كان خطابا للكفار، { وأنفقوا } أي: تصدقوا، فيشمل الزكاة وغيرها، { مما جعلكم مستخلفين فيه } أي: جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، وما أنتم فيه إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له، أو: جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما كان في أيديهم بتوريثكم إياه، وسينقله منكم إلى غيركم، فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به، { فالذين آمنوا } بالله ورسوله { منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } لا يقادر قدره. { وما لكم لا تؤمنون بالله } هو حال، أي: أي شيء حصل لكم غير مؤمنين، وهو توبيخ على ترك الإيمان حسبما أمروا به، بإنكار أن يكون لهم عذر ما في الجملة، { والرسول يدعوكم } وينبهكم عيله، ويقيم لكم الحجج على ذلك، { لتؤمنوا بربكم وقد أخذ } قبل ذلك عليكم ميثاقه في عالم الذر، على الإقرار بالربوبية، والتصديق بالداعي، بعد أن ركب فيكم العقول، فلم يبق لكم عذر في ترك الإيمان، أو: أخذ ميثاقه بنصب الأدلة والتمكين من النظر، فانظروا واعتبروا وآمنوا، { إن كنتم مؤمنين } بأخذ هذا الميثاق، أو: بموجب ما، فإن هذا موجب لا موجب وراءه. { هو الذي ينزل على عبده } محمد صلى الله عليه وسلم { آيات بينات } واضحات، يعني القرآن، { ليخرجكم } أي: الله تعالى، أو العبد { من الظلمات } أي: من ظلمات الكفر والمعاصي والغفلة، إلى نور الإيمان والتوبة واليقظة، { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } حيث يهديكم إلى سعادة الدارين، بإرسال الرسول، وتنزيل الآيات، بعد نصب الحجج العقلية. ثم وبخهم على ترك الإنفاق، بعد توبيخهم على ترك الإيمان، على ترتيب قوله: { آمنوا } و { أنفقوا } فقال: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } أي: أي شيء حصل لكم في ألا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى، وهو له حقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عينه من المصارف؟ { ولله ميراث السماوات والأرض } يرث كل شيء فيهما، لا يبقى لأحد شيء من ذلك، وإذا كان كذلك فأي عذر لكم في ترك إنفاقه { في سبيل الله } والله مهلككم، فوارث أموالكم؟ فتقديمها لله أولى، وهي أبلغ آية في الحث على الصدقة. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار في " لله " لزيادة التقرير، وتربية المهابة. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم باعتبار الزمان، فقال: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } مع من أنفق بعد الفتح وقاتل، حذفه لدلالة ما بعده عليه من قوله: { أولئك أعظم درجة.
.. } الخ، والمراد: فتح مكة، أي: لا يستوي من أنفق قبل عز الإسلام وظهوره، مع من أنفق بعد لك، { أولئك } الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصفه "
، فهم { أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } لأن من أنفق وقت الحاجة والاضطرار، أعظم ممن أنفق في حال السعة والبسط، { وكلا } أي: كل واحد من الفريقين { وعد الله الحسنى } وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ الشامي بالرفع، مبتدأ، أي: وعده الله الحسنى، { والله بما تعملون خبير } فيجازيكم على قدر أعمالكم. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } هو ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله، بعد الأمر به، والتوبيخ على تركه، وبيان درجات المنفقين، أي: من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه مثل ذلك وأكثر، فإنه كمن يقرضه. وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات، { فيضاعفه له } أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا أضعافا كثيرة من فضله، { وله أجر كريم } وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه، حقيق بأن يتنافس فيه وإن لم يضاعف، فكيف وقد ضوعف أضعافا كثيرة! ومن نصب فعلى جواب الاستفهام. الإشارة: أمر الحق تعالى مشايخ التربية، والعلماء الأتقيا، أن يؤمنوا إيمان شهود وعيان، أو إيمان تحقيق وبرهان، فالأول للأولياء، والثاني للعلماء، ثم قال: { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } من العلوم الوهبية، أو الرسمية، فالذين آمنوا منكم كما تقدم، مما عندهم سعة العلوم الوهبية، أو من ضيق العلوم الرسمية، لهم أجر كبير: سكنى الحضرة، في مقعد صدق، أو بحبوحة الجنة في نعيم الأشباح. وما لكم لا تؤمنون بالله، أي: تجددوا إيمانكم كل ساعة، بفكرة الاستبصار والاعتبار، والرسول يدعوكم لتجددوا إيمانكم، وقد أخذ ميثاقكم في عالم الذر، ثم جدده ببعث الرسل وخلفائهم من شيوخ التربية، الداعين إلى الله، إن كنتم مؤمنين بهذا الميثاق. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات، وهو القرآن، ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ليخرجكم من الظلمات إلى النور، من ظلمة المعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ظلمة الهوى والحظوظ إلى نور الزهد والعفة، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم بالله. وما لكم ألا تنفقوا مهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ببذلها في مرضاة الله، ولله ميراث السموات والأرض، فيرثكم بأشباحكم وأرواحكم، فمن بذلها عوضه دوام الشهود، ومن بخل بها عقبه حسرة الحجاب، لا يستوي منكم من أنفق نفسه وقاتلها قبل ظهور الطريق، مع من أنفق وجاهد بعد ظهورها، فالسابقون لم يجدوا أعوانا، والمتأخرون وجدوا أعوانا، وكلا وعد الله الحسنى الجنة الحسية، وزاد السابقين الجنة المعنوية، جنة المعارف.
والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من تقدم ممن تأخر. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ، قال القشيري: هو أن يقرض وينقطع عن قلبه حب الدارين، ففي الخبر: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ". ه. فيضاعفه له بالترفي إلى ما لا نهاية له، وله أجر كريم، وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم ذكر ثمرة الإيمان، الذي أمر به، فقال: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات }.
الحديد 57:11
يقول الحق جل جلاله: { آمنوا بالله ورسوله } أي: دوموا على إيمانكم، إن كان خطابا للمؤمنين، فيكون توطئة لدعائهم إلى ما بعده من الإنفاق وغيره لأنهم أهل لهذه الرتب الرفيعة، أو: أحدثوا الإيمان، إن كان خطابا للكفار، { وأنفقوا } أي: تصدقوا، فيشمل الزكاة وغيرها، { مما جعلكم مستخلفين فيه } أي: جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، وما أنتم فيه إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له، أو: جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما كان في أيديهم بتوريثكم إياه، وسينقله منكم إلى غيركم، فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به، { فالذين آمنوا } بالله ورسوله { منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } لا يقادر قدره. { وما لكم لا تؤمنون بالله } هو حال، أي: أي شيء حصل لكم غير مؤمنين، وهو توبيخ على ترك الإيمان حسبما أمروا به، بإنكار أن يكون لهم عذر ما في الجملة، { والرسول يدعوكم } وينبهكم عيله، ويقيم لكم الحجج على ذلك، { لتؤمنوا بربكم وقد أخذ } قبل ذلك عليكم ميثاقه في عالم الذر، على الإقرار بالربوبية، والتصديق بالداعي، بعد أن ركب فيكم العقول، فلم يبق لكم عذر في ترك الإيمان، أو: أخذ ميثاقه بنصب الأدلة والتمكين من النظر، فانظروا واعتبروا وآمنوا، { إن كنتم مؤمنين } بأخذ هذا الميثاق، أو: بموجب ما، فإن هذا موجب لا موجب وراءه. { هو الذي ينزل على عبده } محمد صلى الله عليه وسلم { آيات بينات } واضحات، يعني القرآن، { ليخرجكم } أي: الله تعالى، أو العبد { من الظلمات } أي: من ظلمات الكفر والمعاصي والغفلة، إلى نور الإيمان والتوبة واليقظة، { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } حيث يهديكم إلى سعادة الدارين، بإرسال الرسول، وتنزيل الآيات، بعد نصب الحجج العقلية. ثم وبخهم على ترك الإنفاق، بعد توبيخهم على ترك الإيمان، على ترتيب قوله: { آمنوا } و { أنفقوا } فقال: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } أي: أي شيء حصل لكم في ألا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى، وهو له حقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عينه من المصارف؟ { ولله ميراث السماوات والأرض } يرث كل شيء فيهما، لا يبقى لأحد شيء من ذلك، وإذا كان كذلك فأي عذر لكم في ترك إنفاقه { في سبيل الله } والله مهلككم، فوارث أموالكم؟ فتقديمها لله أولى، وهي أبلغ آية في الحث على الصدقة. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار في " لله " لزيادة التقرير، وتربية المهابة. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم باعتبار الزمان، فقال: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } مع من أنفق بعد الفتح وقاتل، حذفه لدلالة ما بعده عليه من قوله: { أولئك أعظم درجة.
.. } الخ، والمراد: فتح مكة، أي: لا يستوي من أنفق قبل عز الإسلام وظهوره، مع من أنفق بعد لك، { أولئك } الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصفه "
، فهم { أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } لأن من أنفق وقت الحاجة والاضطرار، أعظم ممن أنفق في حال السعة والبسط، { وكلا } أي: كل واحد من الفريقين { وعد الله الحسنى } وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ الشامي بالرفع، مبتدأ، أي: وعده الله الحسنى، { والله بما تعملون خبير } فيجازيكم على قدر أعمالكم. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } هو ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله، بعد الأمر به، والتوبيخ على تركه، وبيان درجات المنفقين، أي: من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه مثل ذلك وأكثر، فإنه كمن يقرضه. وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات، { فيضاعفه له } أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا أضعافا كثيرة من فضله، { وله أجر كريم } وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه، حقيق بأن يتنافس فيه وإن لم يضاعف، فكيف وقد ضوعف أضعافا كثيرة! ومن نصب فعلى جواب الاستفهام. الإشارة: أمر الحق تعالى مشايخ التربية، والعلماء الأتقيا، أن يؤمنوا إيمان شهود وعيان، أو إيمان تحقيق وبرهان، فالأول للأولياء، والثاني للعلماء، ثم قال: { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } من العلوم الوهبية، أو الرسمية، فالذين آمنوا منكم كما تقدم، مما عندهم سعة العلوم الوهبية، أو من ضيق العلوم الرسمية، لهم أجر كبير: سكنى الحضرة، في مقعد صدق، أو بحبوحة الجنة في نعيم الأشباح. وما لكم لا تؤمنون بالله، أي: تجددوا إيمانكم كل ساعة، بفكرة الاستبصار والاعتبار، والرسول يدعوكم لتجددوا إيمانكم، وقد أخذ ميثاقكم في عالم الذر، ثم جدده ببعث الرسل وخلفائهم من شيوخ التربية، الداعين إلى الله، إن كنتم مؤمنين بهذا الميثاق. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات، وهو القرآن، ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ليخرجكم من الظلمات إلى النور، من ظلمة المعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ظلمة الهوى والحظوظ إلى نور الزهد والعفة، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم بالله. وما لكم ألا تنفقوا مهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ببذلها في مرضاة الله، ولله ميراث السموات والأرض، فيرثكم بأشباحكم وأرواحكم، فمن بذلها عوضه دوام الشهود، ومن بخل بها عقبه حسرة الحجاب، لا يستوي منكم من أنفق نفسه وقاتلها قبل ظهور الطريق، مع من أنفق وجاهد بعد ظهورها، فالسابقون لم يجدوا أعوانا، والمتأخرون وجدوا أعوانا، وكلا وعد الله الحسنى الجنة الحسية، وزاد السابقين الجنة المعنوية، جنة المعارف.
والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من تقدم ممن تأخر. { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ، قال القشيري: هو أن يقرض وينقطع عن قلبه حب الدارين، ففي الخبر: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ". ه. فيضاعفه له بالترفي إلى ما لا نهاية له، وله أجر كريم، وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم ذكر ثمرة الإيمان، الذي أمر به، فقال: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات }.
الحديد 57:12
يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم ترى } أو: لهم أجر كبير { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم } وهو نور الإيمان في الدنيا، يكون هناك حسيا يسعى { بين أيديهم وبأيمانهم } وقيل: هو القرآن، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهك كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله، يطفأ تارة ويلمع تارة. قلت: ومنهم من نوره كالقمر ليلة البدر، ومنهم من نوره كالشمس الضاحية، يضيء خمسمائة عام، كما في أحاديث أخرى، وذلك على قدر إيمانهم وعرفانهم. قال الحسن: يستضيئون به على الصراط، وهم متفاوتون في السرعة، قال أبو نصر الهمداني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سبعة أنواع: الصديقون، والعلماء، والبدلاء، والشهداء، والحجاج، والمطيعون، والعاصون، فالصديقون يمرون كالبرق، والعلماء، أي: العاملون، كالريح العاصف، والبدلاء كالطير في ساعة، والشهداء كالجواد المسرع، يمرون في نصف يوم، والحجاج يمرون يوم كامل، والمطيعون في شهر، والعاصون يضعون أقدامهم على الصراط، وأوزارهم على ظهرهم، فيعثرون، فتقصد جهنم أن تحرقهم، فترى نور الإيمان في قلوبهم، فتقول: جز يا مؤمن، فإن نورك قد أطفا لهبي. ه. قلت: الصديقون على قسمين، أما أهل الاقتداء، الدالون على الله، المسلكون، فتقرب الغرف لهم، فيركبونها، ويمرون، وأما الأفراد فيطيرون كالبرق. والله تعالى أعلم. وقال مقاتل: يكون هذا النور لهم دليلا إلى الجنة، وتخصيص الجهتين لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين { من بين أيديهم وعن إيمانهم } كما أن الأشقياء يؤتون صحائفهم من شمائلهم ووراء ظهورهم، فجعل النور في الجهتين إشعارا لهم بأنهم بحسناتهم وبصحائفهم البيض أفلحوا. وتقول لهم الملائكة: { بشراكم اليوم جنات } أي: دخول جنات لأن البشارة تقع بالإجداث دون الجثث، { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم }. { يوم } بدل من " يوم ترى " { يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا } أي: انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف، ويبقى المنافقون في ظلمة، فيقولون للمؤمنين: قفوا في سيركم لنستضيء بنوركم. وقرأ حمزة: " أنظرونا " ، من الإنظار، وهو التأخير، أي: أمهلوا علينا. وقال الفراء: تقول العرب: أنظرني، أي: انتظرني، فتتفق القراءتان. وقيل: من النظر، أي: التفتوا إلينا وأبصرونا { نقتبس من نوركم } لأن نورهم بين أيديهم، فيقال طردا لهم وتهكما بهم من جهة المؤمنين أو الملائكة: { ارجعوا وراءكم } أي: إلى الموقف، إلى حيث أعطينا هذا النور { فالتمسوا نورا } فإنا هناك اقتبسناه، أو: التفتوا وراءكم، فيلتفتون فيحال بينهم، { فضرب } حينئذ { بينهم } بين الفريقين { بسور } بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار، { له باب } يلي المنافقين، ليروا ما فيه من المؤمنون من الأنوار والرحمة، فيزدادون حسرة، { باطنه } أي: باطن ذلك السور، وهو الجهة التي تلي المؤمنين { فيه الرحمة وظاهره } الذي يلي المنافقين { من قبله العذاب } أي: العذاب حاصل من قبله.
فالعذاب: مبتدأ، و { من قبله }: خبر، أي: ظاهر السور تليه جهنم أو الظلمة، فيقابله العذاب، فهم بين النار والسور. { ينادونهم } أي: ينادي المنافقون المؤمنين: { ألم نكن معكم } في الدنيا؟ يريدون موافقتهم لهم في الظاهر، { قالوا } أي: المؤمنون: { بلى } كنتم معنا في الظاهر { ولكنكم فتنتم أنفسكم } أي: محنتموها وأهلكتموها بالنفاق والكفر، { وتربصتم } بالمؤمنين الدوائر، { وارتبتم } في أمر الدين { وغرتكم الأماني } الفارغة، التي من جملتها أطماعكم في انتكاس الإسلام، أو: طول الأمل وامتداد الأعمار { حتى جاء أمر الله } الموت، { وغركم بالله } الكريم { الغرور } أي: الشيطان بأن الله غفور كريم لا يعذبكم، أو: بأنه لا بعث ولا حساب. { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } فداء { ولا من الذين كفروا } جهرا، { مأواكم النار } أي: مرجعكم، لا تبرحون عنها أبدا { هي مولاكم } أي: المتصرفة فيكم تصرف المولى في ملكه، أو: هي أولى بكم، وحقيقة مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، أو: ناصركم، على طريق:
تحية بينهم ضرب وجيع
فيكون تهكما بهم، { وبئس المصير } أي: النار. الإشارة: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، الكاملين في الإيمان، الطالبين الوصول، يسعى نورهم، وهو نور التوجه بين أيديهم وبأيمانهم، فيهتدون إلى أنوار المواجهة، وهي المشاهدة، فيقال لهم: بشراكم اليوم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم. قال القشيري: قوله تعالى: { يسعى نورهم... } الخ كما أن لهم في العرصة هذا النور فاليوم لهم نور في قلوبهم وبواطنهم، يمشون في نورهم، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن ينظر بنور الله "
، وقال تعالى:
فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]. وربما سقط ذلك النور على من يقرب إليهم، وربما يقع من ذلك على القلوب، فلا محالة لأوليائه هذه الخصوصية. ه. قال الورتجبي: ونور الحق الذي ألبس العارف تخضع له الأكوان ومن فيها، ومثله لسهل. فانظره مستوف. يوم يقول المنافقون والمنافقات، وهم الذين اعتنوا بتزيين الظواهر، وغفلوا عن البواطن، فصارت خرابا من النور، يقولون في الدنيا: انظرونا والتفتوا إلينا، نقتبس من نوركم، قيل: ارجعوا وراءكم، إلى دنياكم وحظوظكم، فاتلمسوا نورا، تهكما بهم، فضرب بينهم بسور معنوي، وهو خرق العوائد، وتخريب الظواهر إذ لا يقدرون على ارتكابه، له باب ليدخل معهم من أراد نورهم، باطن ذلك السور فيه الرحمة، وهي الراحة، والطمأنينة، والبسط، وبهجة المعارف، وظاهره الذي يلي العامة من قبله العذاب، وهو ما هم فيه من الحرص، والتعب، والجزع، والهلع، والقبض. ينادونهم: ألم نكن معكم في عالم الحس؟ وهو عالم الأشباح، قالوا: بلى، ولكنكم لم ترتقوا إلى عالم المعاني، وهو عالم الأرواح، الذي هو محل الراحة والهنا والسرور، بل فتنتم أنفسكم بأشغال الدنيا، واشتغلتم بطلب حظوظها وجاهها، ورئاستها وطيب مأكلها، ومشربها وملبسها، وتربصتم بأهل التوجه الدوائر، أو الرجوع إلى ما أنتم فيه، وارتبتم في وجود خصوصية التربية، وغرتكم الأماني: المطامع الكاذبة، وأنكم تنالون الخصوصية بغير صحبة ولا مجاهدة، وغركم طول الأمل والتسويف، عن التوبة والتوجه، وغرك بحلمه الغرور، فزين لكم القعود والتخلف عن مقامات الرجال، فاليوم، أي: حين ظهرت مقامات الرجال في الدنيا والآخرة، لا يؤخذ منكم فدية في التخلص من غم الحجاب، ولا من الذين كفروا، مأواكم نار القطيعة، هي مولاكم ومنسحبة عليكم، وبئس المصير.
ثم وبخهم على التقعد عن النهوض إليه، فقال: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله }.
الحديد 57:13
يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم ترى } أو: لهم أجر كبير { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم } وهو نور الإيمان في الدنيا، يكون هناك حسيا يسعى { بين أيديهم وبأيمانهم } وقيل: هو القرآن، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهك كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله، يطفأ تارة ويلمع تارة. قلت: ومنهم من نوره كالقمر ليلة البدر، ومنهم من نوره كالشمس الضاحية، يضيء خمسمائة عام، كما في أحاديث أخرى، وذلك على قدر إيمانهم وعرفانهم. قال الحسن: يستضيئون به على الصراط، وهم متفاوتون في السرعة، قال أبو نصر الهمداني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سبعة أنواع: الصديقون، والعلماء، والبدلاء، والشهداء، والحجاج، والمطيعون، والعاصون، فالصديقون يمرون كالبرق، والعلماء، أي: العاملون، كالريح العاصف، والبدلاء كالطير في ساعة، والشهداء كالجواد المسرع، يمرون في نصف يوم، والحجاج يمرون يوم كامل، والمطيعون في شهر، والعاصون يضعون أقدامهم على الصراط، وأوزارهم على ظهرهم، فيعثرون، فتقصد جهنم أن تحرقهم، فترى نور الإيمان في قلوبهم، فتقول: جز يا مؤمن، فإن نورك قد أطفا لهبي. ه. قلت: الصديقون على قسمين، أما أهل الاقتداء، الدالون على الله، المسلكون، فتقرب الغرف لهم، فيركبونها، ويمرون، وأما الأفراد فيطيرون كالبرق. والله تعالى أعلم. وقال مقاتل: يكون هذا النور لهم دليلا إلى الجنة، وتخصيص الجهتين لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين { من بين أيديهم وعن إيمانهم } كما أن الأشقياء يؤتون صحائفهم من شمائلهم ووراء ظهورهم، فجعل النور في الجهتين إشعارا لهم بأنهم بحسناتهم وبصحائفهم البيض أفلحوا. وتقول لهم الملائكة: { بشراكم اليوم جنات } أي: دخول جنات لأن البشارة تقع بالإجداث دون الجثث، { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم }. { يوم } بدل من " يوم ترى " { يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا } أي: انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف، ويبقى المنافقون في ظلمة، فيقولون للمؤمنين: قفوا في سيركم لنستضيء بنوركم. وقرأ حمزة: " أنظرونا " ، من الإنظار، وهو التأخير، أي: أمهلوا علينا. وقال الفراء: تقول العرب: أنظرني، أي: انتظرني، فتتفق القراءتان. وقيل: من النظر، أي: التفتوا إلينا وأبصرونا { نقتبس من نوركم } لأن نورهم بين أيديهم، فيقال طردا لهم وتهكما بهم من جهة المؤمنين أو الملائكة: { ارجعوا وراءكم } أي: إلى الموقف، إلى حيث أعطينا هذا النور { فالتمسوا نورا } فإنا هناك اقتبسناه، أو: التفتوا وراءكم، فيلتفتون فيحال بينهم، { فضرب } حينئذ { بينهم } بين الفريقين { بسور } بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار، { له باب } يلي المنافقين، ليروا ما فيه من المؤمنون من الأنوار والرحمة، فيزدادون حسرة، { باطنه } أي: باطن ذلك السور، وهو الجهة التي تلي المؤمنين { فيه الرحمة وظاهره } الذي يلي المنافقين { من قبله العذاب } أي: العذاب حاصل من قبله.
فالعذاب: مبتدأ، و { من قبله }: خبر، أي: ظاهر السور تليه جهنم أو الظلمة، فيقابله العذاب، فهم بين النار والسور. { ينادونهم } أي: ينادي المنافقون المؤمنين: { ألم نكن معكم } في الدنيا؟ يريدون موافقتهم لهم في الظاهر، { قالوا } أي: المؤمنون: { بلى } كنتم معنا في الظاهر { ولكنكم فتنتم أنفسكم } أي: محنتموها وأهلكتموها بالنفاق والكفر، { وتربصتم } بالمؤمنين الدوائر، { وارتبتم } في أمر الدين { وغرتكم الأماني } الفارغة، التي من جملتها أطماعكم في انتكاس الإسلام، أو: طول الأمل وامتداد الأعمار { حتى جاء أمر الله } الموت، { وغركم بالله } الكريم { الغرور } أي: الشيطان بأن الله غفور كريم لا يعذبكم، أو: بأنه لا بعث ولا حساب. { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } فداء { ولا من الذين كفروا } جهرا، { مأواكم النار } أي: مرجعكم، لا تبرحون عنها أبدا { هي مولاكم } أي: المتصرفة فيكم تصرف المولى في ملكه، أو: هي أولى بكم، وحقيقة مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، أو: ناصركم، على طريق:
تحية بينهم ضرب وجيع
فيكون تهكما بهم، { وبئس المصير } أي: النار. الإشارة: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، الكاملين في الإيمان، الطالبين الوصول، يسعى نورهم، وهو نور التوجه بين أيديهم وبأيمانهم، فيهتدون إلى أنوار المواجهة، وهي المشاهدة، فيقال لهم: بشراكم اليوم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم. قال القشيري: قوله تعالى: { يسعى نورهم... } الخ كما أن لهم في العرصة هذا النور فاليوم لهم نور في قلوبهم وبواطنهم، يمشون في نورهم، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن ينظر بنور الله "
، وقال تعالى:
فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]. وربما سقط ذلك النور على من يقرب إليهم، وربما يقع من ذلك على القلوب، فلا محالة لأوليائه هذه الخصوصية. ه. قال الورتجبي: ونور الحق الذي ألبس العارف تخضع له الأكوان ومن فيها، ومثله لسهل. فانظره مستوف. يوم يقول المنافقون والمنافقات، وهم الذين اعتنوا بتزيين الظواهر، وغفلوا عن البواطن، فصارت خرابا من النور، يقولون في الدنيا: انظرونا والتفتوا إلينا، نقتبس من نوركم، قيل: ارجعوا وراءكم، إلى دنياكم وحظوظكم، فاتلمسوا نورا، تهكما بهم، فضرب بينهم بسور معنوي، وهو خرق العوائد، وتخريب الظواهر إذ لا يقدرون على ارتكابه، له باب ليدخل معهم من أراد نورهم، باطن ذلك السور فيه الرحمة، وهي الراحة، والطمأنينة، والبسط، وبهجة المعارف، وظاهره الذي يلي العامة من قبله العذاب، وهو ما هم فيه من الحرص، والتعب، والجزع، والهلع، والقبض. ينادونهم: ألم نكن معكم في عالم الحس؟ وهو عالم الأشباح، قالوا: بلى، ولكنكم لم ترتقوا إلى عالم المعاني، وهو عالم الأرواح، الذي هو محل الراحة والهنا والسرور، بل فتنتم أنفسكم بأشغال الدنيا، واشتغلتم بطلب حظوظها وجاهها، ورئاستها وطيب مأكلها، ومشربها وملبسها، وتربصتم بأهل التوجه الدوائر، أو الرجوع إلى ما أنتم فيه، وارتبتم في وجود خصوصية التربية، وغرتكم الأماني: المطامع الكاذبة، وأنكم تنالون الخصوصية بغير صحبة ولا مجاهدة، وغركم طول الأمل والتسويف، عن التوبة والتوجه، وغرك بحلمه الغرور، فزين لكم القعود والتخلف عن مقامات الرجال، فاليوم، أي: حين ظهرت مقامات الرجال في الدنيا والآخرة، لا يؤخذ منكم فدية في التخلص من غم الحجاب، ولا من الذين كفروا، مأواكم نار القطيعة، هي مولاكم ومنسحبة عليكم، وبئس المصير.
ثم وبخهم على التقعد عن النهوض إليه، فقال: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله }.
الحديد 57:14
يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم ترى } أو: لهم أجر كبير { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم } وهو نور الإيمان في الدنيا، يكون هناك حسيا يسعى { بين أيديهم وبأيمانهم } وقيل: هو القرآن، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهك كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله، يطفأ تارة ويلمع تارة. قلت: ومنهم من نوره كالقمر ليلة البدر، ومنهم من نوره كالشمس الضاحية، يضيء خمسمائة عام، كما في أحاديث أخرى، وذلك على قدر إيمانهم وعرفانهم. قال الحسن: يستضيئون به على الصراط، وهم متفاوتون في السرعة، قال أبو نصر الهمداني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سبعة أنواع: الصديقون، والعلماء، والبدلاء، والشهداء، والحجاج، والمطيعون، والعاصون، فالصديقون يمرون كالبرق، والعلماء، أي: العاملون، كالريح العاصف، والبدلاء كالطير في ساعة، والشهداء كالجواد المسرع، يمرون في نصف يوم، والحجاج يمرون يوم كامل، والمطيعون في شهر، والعاصون يضعون أقدامهم على الصراط، وأوزارهم على ظهرهم، فيعثرون، فتقصد جهنم أن تحرقهم، فترى نور الإيمان في قلوبهم، فتقول: جز يا مؤمن، فإن نورك قد أطفا لهبي. ه. قلت: الصديقون على قسمين، أما أهل الاقتداء، الدالون على الله، المسلكون، فتقرب الغرف لهم، فيركبونها، ويمرون، وأما الأفراد فيطيرون كالبرق. والله تعالى أعلم. وقال مقاتل: يكون هذا النور لهم دليلا إلى الجنة، وتخصيص الجهتين لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين { من بين أيديهم وعن إيمانهم } كما أن الأشقياء يؤتون صحائفهم من شمائلهم ووراء ظهورهم، فجعل النور في الجهتين إشعارا لهم بأنهم بحسناتهم وبصحائفهم البيض أفلحوا. وتقول لهم الملائكة: { بشراكم اليوم جنات } أي: دخول جنات لأن البشارة تقع بالإجداث دون الجثث، { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم }. { يوم } بدل من " يوم ترى " { يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا } أي: انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف، ويبقى المنافقون في ظلمة، فيقولون للمؤمنين: قفوا في سيركم لنستضيء بنوركم. وقرأ حمزة: " أنظرونا " ، من الإنظار، وهو التأخير، أي: أمهلوا علينا. وقال الفراء: تقول العرب: أنظرني، أي: انتظرني، فتتفق القراءتان. وقيل: من النظر، أي: التفتوا إلينا وأبصرونا { نقتبس من نوركم } لأن نورهم بين أيديهم، فيقال طردا لهم وتهكما بهم من جهة المؤمنين أو الملائكة: { ارجعوا وراءكم } أي: إلى الموقف، إلى حيث أعطينا هذا النور { فالتمسوا نورا } فإنا هناك اقتبسناه، أو: التفتوا وراءكم، فيلتفتون فيحال بينهم، { فضرب } حينئذ { بينهم } بين الفريقين { بسور } بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار، { له باب } يلي المنافقين، ليروا ما فيه من المؤمنون من الأنوار والرحمة، فيزدادون حسرة، { باطنه } أي: باطن ذلك السور، وهو الجهة التي تلي المؤمنين { فيه الرحمة وظاهره } الذي يلي المنافقين { من قبله العذاب } أي: العذاب حاصل من قبله.
فالعذاب: مبتدأ، و { من قبله }: خبر، أي: ظاهر السور تليه جهنم أو الظلمة، فيقابله العذاب، فهم بين النار والسور. { ينادونهم } أي: ينادي المنافقون المؤمنين: { ألم نكن معكم } في الدنيا؟ يريدون موافقتهم لهم في الظاهر، { قالوا } أي: المؤمنون: { بلى } كنتم معنا في الظاهر { ولكنكم فتنتم أنفسكم } أي: محنتموها وأهلكتموها بالنفاق والكفر، { وتربصتم } بالمؤمنين الدوائر، { وارتبتم } في أمر الدين { وغرتكم الأماني } الفارغة، التي من جملتها أطماعكم في انتكاس الإسلام، أو: طول الأمل وامتداد الأعمار { حتى جاء أمر الله } الموت، { وغركم بالله } الكريم { الغرور } أي: الشيطان بأن الله غفور كريم لا يعذبكم، أو: بأنه لا بعث ولا حساب. { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } فداء { ولا من الذين كفروا } جهرا، { مأواكم النار } أي: مرجعكم، لا تبرحون عنها أبدا { هي مولاكم } أي: المتصرفة فيكم تصرف المولى في ملكه، أو: هي أولى بكم، وحقيقة مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، أو: ناصركم، على طريق:
تحية بينهم ضرب وجيع
فيكون تهكما بهم، { وبئس المصير } أي: النار. الإشارة: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، الكاملين في الإيمان، الطالبين الوصول، يسعى نورهم، وهو نور التوجه بين أيديهم وبأيمانهم، فيهتدون إلى أنوار المواجهة، وهي المشاهدة، فيقال لهم: بشراكم اليوم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم. قال القشيري: قوله تعالى: { يسعى نورهم... } الخ كما أن لهم في العرصة هذا النور فاليوم لهم نور في قلوبهم وبواطنهم، يمشون في نورهم، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن ينظر بنور الله "
، وقال تعالى:
فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]. وربما سقط ذلك النور على من يقرب إليهم، وربما يقع من ذلك على القلوب، فلا محالة لأوليائه هذه الخصوصية. ه. قال الورتجبي: ونور الحق الذي ألبس العارف تخضع له الأكوان ومن فيها، ومثله لسهل. فانظره مستوف. يوم يقول المنافقون والمنافقات، وهم الذين اعتنوا بتزيين الظواهر، وغفلوا عن البواطن، فصارت خرابا من النور، يقولون في الدنيا: انظرونا والتفتوا إلينا، نقتبس من نوركم، قيل: ارجعوا وراءكم، إلى دنياكم وحظوظكم، فاتلمسوا نورا، تهكما بهم، فضرب بينهم بسور معنوي، وهو خرق العوائد، وتخريب الظواهر إذ لا يقدرون على ارتكابه، له باب ليدخل معهم من أراد نورهم، باطن ذلك السور فيه الرحمة، وهي الراحة، والطمأنينة، والبسط، وبهجة المعارف، وظاهره الذي يلي العامة من قبله العذاب، وهو ما هم فيه من الحرص، والتعب، والجزع، والهلع، والقبض. ينادونهم: ألم نكن معكم في عالم الحس؟ وهو عالم الأشباح، قالوا: بلى، ولكنكم لم ترتقوا إلى عالم المعاني، وهو عالم الأرواح، الذي هو محل الراحة والهنا والسرور، بل فتنتم أنفسكم بأشغال الدنيا، واشتغلتم بطلب حظوظها وجاهها، ورئاستها وطيب مأكلها، ومشربها وملبسها، وتربصتم بأهل التوجه الدوائر، أو الرجوع إلى ما أنتم فيه، وارتبتم في وجود خصوصية التربية، وغرتكم الأماني: المطامع الكاذبة، وأنكم تنالون الخصوصية بغير صحبة ولا مجاهدة، وغركم طول الأمل والتسويف، عن التوبة والتوجه، وغرك بحلمه الغرور، فزين لكم القعود والتخلف عن مقامات الرجال، فاليوم، أي: حين ظهرت مقامات الرجال في الدنيا والآخرة، لا يؤخذ منكم فدية في التخلص من غم الحجاب، ولا من الذين كفروا، مأواكم نار القطيعة، هي مولاكم ومنسحبة عليكم، وبئس المصير.
ثم وبخهم على التقعد عن النهوض إليه، فقال: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله }.
الحديد 57:15
يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم ترى } أو: لهم أجر كبير { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم } وهو نور الإيمان في الدنيا، يكون هناك حسيا يسعى { بين أيديهم وبأيمانهم } وقيل: هو القرآن، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهك كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله، يطفأ تارة ويلمع تارة. قلت: ومنهم من نوره كالقمر ليلة البدر، ومنهم من نوره كالشمس الضاحية، يضيء خمسمائة عام، كما في أحاديث أخرى، وذلك على قدر إيمانهم وعرفانهم. قال الحسن: يستضيئون به على الصراط، وهم متفاوتون في السرعة، قال أبو نصر الهمداني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سبعة أنواع: الصديقون، والعلماء، والبدلاء، والشهداء، والحجاج، والمطيعون، والعاصون، فالصديقون يمرون كالبرق، والعلماء، أي: العاملون، كالريح العاصف، والبدلاء كالطير في ساعة، والشهداء كالجواد المسرع، يمرون في نصف يوم، والحجاج يمرون يوم كامل، والمطيعون في شهر، والعاصون يضعون أقدامهم على الصراط، وأوزارهم على ظهرهم، فيعثرون، فتقصد جهنم أن تحرقهم، فترى نور الإيمان في قلوبهم، فتقول: جز يا مؤمن، فإن نورك قد أطفا لهبي. ه. قلت: الصديقون على قسمين، أما أهل الاقتداء، الدالون على الله، المسلكون، فتقرب الغرف لهم، فيركبونها، ويمرون، وأما الأفراد فيطيرون كالبرق. والله تعالى أعلم. وقال مقاتل: يكون هذا النور لهم دليلا إلى الجنة، وتخصيص الجهتين لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين { من بين أيديهم وعن إيمانهم } كما أن الأشقياء يؤتون صحائفهم من شمائلهم ووراء ظهورهم، فجعل النور في الجهتين إشعارا لهم بأنهم بحسناتهم وبصحائفهم البيض أفلحوا. وتقول لهم الملائكة: { بشراكم اليوم جنات } أي: دخول جنات لأن البشارة تقع بالإجداث دون الجثث، { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم }. { يوم } بدل من " يوم ترى " { يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا } أي: انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف، ويبقى المنافقون في ظلمة، فيقولون للمؤمنين: قفوا في سيركم لنستضيء بنوركم. وقرأ حمزة: " أنظرونا " ، من الإنظار، وهو التأخير، أي: أمهلوا علينا. وقال الفراء: تقول العرب: أنظرني، أي: انتظرني، فتتفق القراءتان. وقيل: من النظر، أي: التفتوا إلينا وأبصرونا { نقتبس من نوركم } لأن نورهم بين أيديهم، فيقال طردا لهم وتهكما بهم من جهة المؤمنين أو الملائكة: { ارجعوا وراءكم } أي: إلى الموقف، إلى حيث أعطينا هذا النور { فالتمسوا نورا } فإنا هناك اقتبسناه، أو: التفتوا وراءكم، فيلتفتون فيحال بينهم، { فضرب } حينئذ { بينهم } بين الفريقين { بسور } بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار، { له باب } يلي المنافقين، ليروا ما فيه من المؤمنون من الأنوار والرحمة، فيزدادون حسرة، { باطنه } أي: باطن ذلك السور، وهو الجهة التي تلي المؤمنين { فيه الرحمة وظاهره } الذي يلي المنافقين { من قبله العذاب } أي: العذاب حاصل من قبله.
فالعذاب: مبتدأ، و { من قبله }: خبر، أي: ظاهر السور تليه جهنم أو الظلمة، فيقابله العذاب، فهم بين النار والسور. { ينادونهم } أي: ينادي المنافقون المؤمنين: { ألم نكن معكم } في الدنيا؟ يريدون موافقتهم لهم في الظاهر، { قالوا } أي: المؤمنون: { بلى } كنتم معنا في الظاهر { ولكنكم فتنتم أنفسكم } أي: محنتموها وأهلكتموها بالنفاق والكفر، { وتربصتم } بالمؤمنين الدوائر، { وارتبتم } في أمر الدين { وغرتكم الأماني } الفارغة، التي من جملتها أطماعكم في انتكاس الإسلام، أو: طول الأمل وامتداد الأعمار { حتى جاء أمر الله } الموت، { وغركم بالله } الكريم { الغرور } أي: الشيطان بأن الله غفور كريم لا يعذبكم، أو: بأنه لا بعث ولا حساب. { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } فداء { ولا من الذين كفروا } جهرا، { مأواكم النار } أي: مرجعكم، لا تبرحون عنها أبدا { هي مولاكم } أي: المتصرفة فيكم تصرف المولى في ملكه، أو: هي أولى بكم، وحقيقة مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، أو: ناصركم، على طريق:
تحية بينهم ضرب وجيع
فيكون تهكما بهم، { وبئس المصير } أي: النار. الإشارة: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، الكاملين في الإيمان، الطالبين الوصول، يسعى نورهم، وهو نور التوجه بين أيديهم وبأيمانهم، فيهتدون إلى أنوار المواجهة، وهي المشاهدة، فيقال لهم: بشراكم اليوم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم. قال القشيري: قوله تعالى: { يسعى نورهم... } الخ كما أن لهم في العرصة هذا النور فاليوم لهم نور في قلوبهم وبواطنهم، يمشون في نورهم، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن ينظر بنور الله "
، وقال تعالى:
فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]. وربما سقط ذلك النور على من يقرب إليهم، وربما يقع من ذلك على القلوب، فلا محالة لأوليائه هذه الخصوصية. ه. قال الورتجبي: ونور الحق الذي ألبس العارف تخضع له الأكوان ومن فيها، ومثله لسهل. فانظره مستوف. يوم يقول المنافقون والمنافقات، وهم الذين اعتنوا بتزيين الظواهر، وغفلوا عن البواطن، فصارت خرابا من النور، يقولون في الدنيا: انظرونا والتفتوا إلينا، نقتبس من نوركم، قيل: ارجعوا وراءكم، إلى دنياكم وحظوظكم، فاتلمسوا نورا، تهكما بهم، فضرب بينهم بسور معنوي، وهو خرق العوائد، وتخريب الظواهر إذ لا يقدرون على ارتكابه، له باب ليدخل معهم من أراد نورهم، باطن ذلك السور فيه الرحمة، وهي الراحة، والطمأنينة، والبسط، وبهجة المعارف، وظاهره الذي يلي العامة من قبله العذاب، وهو ما هم فيه من الحرص، والتعب، والجزع، والهلع، والقبض. ينادونهم: ألم نكن معكم في عالم الحس؟ وهو عالم الأشباح، قالوا: بلى، ولكنكم لم ترتقوا إلى عالم المعاني، وهو عالم الأرواح، الذي هو محل الراحة والهنا والسرور، بل فتنتم أنفسكم بأشغال الدنيا، واشتغلتم بطلب حظوظها وجاهها، ورئاستها وطيب مأكلها، ومشربها وملبسها، وتربصتم بأهل التوجه الدوائر، أو الرجوع إلى ما أنتم فيه، وارتبتم في وجود خصوصية التربية، وغرتكم الأماني: المطامع الكاذبة، وأنكم تنالون الخصوصية بغير صحبة ولا مجاهدة، وغركم طول الأمل والتسويف، عن التوبة والتوجه، وغرك بحلمه الغرور، فزين لكم القعود والتخلف عن مقامات الرجال، فاليوم، أي: حين ظهرت مقامات الرجال في الدنيا والآخرة، لا يؤخذ منكم فدية في التخلص من غم الحجاب، ولا من الذين كفروا، مأواكم نار القطيعة، هي مولاكم ومنسحبة عليكم، وبئس المصير.
ثم وبخهم على التقعد عن النهوض إليه، فقال: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله }.
الحديد 57:16
قلت: { ألم يأن }: مجزوم بحذف الياء، من: أنى يأني، كمضى يمضي: إذا حان وقرب. و { أن تخشع }: فاعل. و { لا يكونوا }: عطف على " تخشع " ، وقرأ رويس عن يعقوب بالخطاب، فيكون التفاتا للاعتناء بالتحذير، أو نهيا. يقول الحق جل جلاله: { ألم يأن } ألم يحضر، أو يقرب { للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } أو: ألم يجيء وقت خشوع قلوب المؤمنين لذكر الله تعالى، وتطمئن به، ويسارعون إلى طاعته، بالامثال لأوامره والاجتناب لنواهيه. قيل: كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا وأصابوا الرزق والنعمة، ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت. وبه تعلم أن الشدة هي عين الرخاء، وأن الجلال هو الجمال، وأين هو حبيبك ثم هو عدوك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عباس رضي الله عنه: استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وعن أبي بكر رضي الله عنه: إن هذه الآية قرئت بين يديه، وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاء شديدا، فنظر إليهم فقال: " هكذا كنا حتى قست قلوبنا ". قلت: مراده بالقسوة: التصلب والتثبت للورادات، وذلك أن القلب في البدايات يكون رطبا مغلوبا للأحوال والواردات، يتأثر بأدنى شيء، فإذا استمر مع الأنوار والواردات استأنس بها وتصلب واشتد، فلا تؤثر فيه الواردات، فيكون مالكا للأحوال، لا مملوكا، وهذا أمر ذوقي، يرتفع البكاء عن العارفين، ويظهر على الصالحين والطالبين. وهذه الآية أيضا كانت سبب توبة الفضيل، كان صاعدا لجارية، فسمع قارئا يقرأها، فقال: قد آن الخشوع والرجوع، فتاب. والمراد بذكر الله ذكر اسمه تعالى على أي لفظ كان، كقوله:
إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله...
[الأنفال: 2] الآية، أو: القرآن، فيكون قوله: { وما نزل من الحق } عطف تفسير، أو لتغاير العنوانين، فإنه ذكر وموعظة، كما أنه حق نازل من السماء. والمراد بالخشوع: الإنابة والخضوع، ومتابعة الأمر والنهي. { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل } أي: اليهود والنصارى، { فطال عليهم الأمد } الزمن بينهم وبين أنبيائهم، { فقست قلوبهم } باتباع الشهوات، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة خشعوا له، ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلب عليهم الجفاء والقسوة، واختلفوا. قال ابن مسعود: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم، استحلته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، ثم قالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فاتركوهم، وإلا فاقتلوهم.
ثم اتفقوا أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، [وقالوا]: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإلا قتلتموه، فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة، وجعلها في قرن، وعلقها في عنقه، ثم لبس عليه ثيابه، وأتاهم، فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومئ إلى صدره، وقال: آمنت بهذا - يعني المعلق على صدره - فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة. ه. قال تعالى: { وكثير منهم فاسقون } خارجون عن دينهم، رافضون لما في الكتابين، أي: وقليل منهم مؤمنون، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. وقال ابن عطية: الإشارة بقوله: { أوتوا الكتاب } إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى عليه السلام، ولذلك قال: { من قبل } ، وإنما شبه أهل عصر نبي بأهل عصر نبي، وقوله: { فطال عليهم الأمد } قيل: أمد الحياة، وقيل: أمد انتظار القيامة. ه. وقال مقاتل: { الأمد } هنا: الأمل، أي: لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم. ه. قيل: إن الصحابة ملوا ملالة، فقالوا: حدثنا، فنزل:
نحن نقص عليك أحسن القصص
[يوسف: 3]، وبعد مدة قالوا: لو ذكرتنا، فنزلت هذه السورة. وهذه الآية { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها } قيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض، وفيه إرشاد إلى أن طريق زوال القسوة ليس إلا الالتجاء إلى الله، ونفى الحول والقوة لأنه تعالى القادر وحده على ذلك، كما أنه وحده يحيي الأرض، { قد بينا لكم الآيات } التي من جملتها هذه الآية، { لعلكم تعقلون } كي تعقلوا ما فيها، وتعملوا بموجبها، فتفوزوا بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم. الإشارة: خشوع القلب لذكر الله هو ذهوله وغيبته عند سطوع أنوار المذكور، فيغيب الذاكر في المذكور، وهو الفناء، والخشوع لسماع ما نزل من الحق: أن يسمعه من الحق، لا من الخلق، وهو أقصى درجات المقربين. ثم نهى تعالى الخواص أن يتشبهوا بأهل العلوم الرسمية اللسانية لأنه طال بهم الأمل، وتنافسوا في الرئاسة، وتهالكوا في الحظوظ العاجلة، حتى قست قلوبهم، وخرجوا عن الإرادة بالكلية، قال القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل من اتباع الشهوة فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان، وموجب القسوة: انحراف القلب عن مراقبة الرب، ويقال: موجب القسوة أوله خطرة، فإن لم تتدارك صارت فكرة، وإن لم تتدارك صارت عزيمة، فإن لم تتدارك صارت مخالفة، فإن لم تتلاف صارت قسوة، وبعد ذلك طبع ودين. ه. وحينئذ لا ينفع الوعظ والتذكير، كما قال:
إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر
اعلموا أن الله يحيي أرض القلوب بالعلم والمعرفة، بعد موتها بالغفلة والجهل، قد بينا الآيات لمن يتدبر ويعقل. ثم رغب في الصدقة، فقال: { إن المصدقين والمصدقات }.
الحديد 57:17
قلت: { ألم يأن }: مجزوم بحذف الياء، من: أنى يأني، كمضى يمضي: إذا حان وقرب. و { أن تخشع }: فاعل. و { لا يكونوا }: عطف على " تخشع " ، وقرأ رويس عن يعقوب بالخطاب، فيكون التفاتا للاعتناء بالتحذير، أو نهيا. يقول الحق جل جلاله: { ألم يأن } ألم يحضر، أو يقرب { للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } أو: ألم يجيء وقت خشوع قلوب المؤمنين لذكر الله تعالى، وتطمئن به، ويسارعون إلى طاعته، بالامثال لأوامره والاجتناب لنواهيه. قيل: كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا وأصابوا الرزق والنعمة، ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت. وبه تعلم أن الشدة هي عين الرخاء، وأن الجلال هو الجمال، وأين هو حبيبك ثم هو عدوك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عباس رضي الله عنه: استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وعن أبي بكر رضي الله عنه: إن هذه الآية قرئت بين يديه، وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاء شديدا، فنظر إليهم فقال: " هكذا كنا حتى قست قلوبنا ". قلت: مراده بالقسوة: التصلب والتثبت للورادات، وذلك أن القلب في البدايات يكون رطبا مغلوبا للأحوال والواردات، يتأثر بأدنى شيء، فإذا استمر مع الأنوار والواردات استأنس بها وتصلب واشتد، فلا تؤثر فيه الواردات، فيكون مالكا للأحوال، لا مملوكا، وهذا أمر ذوقي، يرتفع البكاء عن العارفين، ويظهر على الصالحين والطالبين. وهذه الآية أيضا كانت سبب توبة الفضيل، كان صاعدا لجارية، فسمع قارئا يقرأها، فقال: قد آن الخشوع والرجوع، فتاب. والمراد بذكر الله ذكر اسمه تعالى على أي لفظ كان، كقوله:
إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله...
[الأنفال: 2] الآية، أو: القرآن، فيكون قوله: { وما نزل من الحق } عطف تفسير، أو لتغاير العنوانين، فإنه ذكر وموعظة، كما أنه حق نازل من السماء. والمراد بالخشوع: الإنابة والخضوع، ومتابعة الأمر والنهي. { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل } أي: اليهود والنصارى، { فطال عليهم الأمد } الزمن بينهم وبين أنبيائهم، { فقست قلوبهم } باتباع الشهوات، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة خشعوا له، ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلب عليهم الجفاء والقسوة، واختلفوا. قال ابن مسعود: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم، استحلته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، ثم قالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فاتركوهم، وإلا فاقتلوهم.
ثم اتفقوا أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، [وقالوا]: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإلا قتلتموه، فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة، وجعلها في قرن، وعلقها في عنقه، ثم لبس عليه ثيابه، وأتاهم، فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومئ إلى صدره، وقال: آمنت بهذا - يعني المعلق على صدره - فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة. ه. قال تعالى: { وكثير منهم فاسقون } خارجون عن دينهم، رافضون لما في الكتابين، أي: وقليل منهم مؤمنون، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. وقال ابن عطية: الإشارة بقوله: { أوتوا الكتاب } إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى عليه السلام، ولذلك قال: { من قبل } ، وإنما شبه أهل عصر نبي بأهل عصر نبي، وقوله: { فطال عليهم الأمد } قيل: أمد الحياة، وقيل: أمد انتظار القيامة. ه. وقال مقاتل: { الأمد } هنا: الأمل، أي: لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم. ه. قيل: إن الصحابة ملوا ملالة، فقالوا: حدثنا، فنزل:
نحن نقص عليك أحسن القصص
[يوسف: 3]، وبعد مدة قالوا: لو ذكرتنا، فنزلت هذه السورة. وهذه الآية { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها } قيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض، وفيه إرشاد إلى أن طريق زوال القسوة ليس إلا الالتجاء إلى الله، ونفى الحول والقوة لأنه تعالى القادر وحده على ذلك، كما أنه وحده يحيي الأرض، { قد بينا لكم الآيات } التي من جملتها هذه الآية، { لعلكم تعقلون } كي تعقلوا ما فيها، وتعملوا بموجبها، فتفوزوا بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم. الإشارة: خشوع القلب لذكر الله هو ذهوله وغيبته عند سطوع أنوار المذكور، فيغيب الذاكر في المذكور، وهو الفناء، والخشوع لسماع ما نزل من الحق: أن يسمعه من الحق، لا من الخلق، وهو أقصى درجات المقربين. ثم نهى تعالى الخواص أن يتشبهوا بأهل العلوم الرسمية اللسانية لأنه طال بهم الأمل، وتنافسوا في الرئاسة، وتهالكوا في الحظوظ العاجلة، حتى قست قلوبهم، وخرجوا عن الإرادة بالكلية، قال القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل من اتباع الشهوة فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان، وموجب القسوة: انحراف القلب عن مراقبة الرب، ويقال: موجب القسوة أوله خطرة، فإن لم تتدارك صارت فكرة، وإن لم تتدارك صارت عزيمة، فإن لم تتدارك صارت مخالفة، فإن لم تتلاف صارت قسوة، وبعد ذلك طبع ودين. ه. وحينئذ لا ينفع الوعظ والتذكير، كما قال:
إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر
اعلموا أن الله يحيي أرض القلوب بالعلم والمعرفة، بعد موتها بالغفلة والجهل، قد بينا الآيات لمن يتدبر ويعقل. ثم رغب في الصدقة، فقال: { إن المصدقين والمصدقات }.
الحديد 57:18
قلت: { المصدقين } من قرأ بالتشديد فيهما فاسم فاعل، من: تصدق، أدغمت التاء في الصاد، ومن قرأ بتخفيف الصاد فاسم فاعل صدق. و { أقرضوا }: عطف على الصلة، أي: إن الذين تصدقوا وأقرضوا. يقول الحق جل جلاله: { إن المصدقين والمصدقات } أي: المتصدقين بأموالهم والمتصدقات أو: المصدقين بالله ورسوله والمصدقات، { وأقرضوا الله قرضا حسنا } وهو أن تتصدق من كسب طيب، بقلب طيب، { يضاعف لهم } بأضعاف كثيرة إلى سبعمائة، { ولهم أجر كريم } الجنة وما فيها. وقد ورد في الصدقات أحاديث، منها: أنها تدفع سبعين بابا من السوء، وتزيد البركة في العمر. روي أن شابا وشابة دخلا على سليمان عليه السلام فعقد لهما النكاح، وخرجا من عنده مسرورين، وحضر ملك الموت، فقال: لا تعجب من سرورهما، فقد أمرت أن أقبض روح هذا الشاب بعد خمسة أيام، فجعل سليمان يراعي حال الشاب، حتى ذهبت ستة أيام، ثم خمسة أشهر، فعجب من ذلك، فدخل عليه ملك الموت، فسأله عن ذلك، فقال: إني أمرت أن أقبض روحه كما ذكرت لك، فلما خرج من عندك لقيه سائل، فدفع له درهما، فدعا له بالبقاء، فأمرت بتأخير الأمر عنه ببركة صدقته. ه. وانظر عند قوله:
يمحوا الله ما يشآء
[الرعد: 38]، ومثله قضية الرجل الذي آذى جيرانه، فدعا موسى عليه السلام عليه، ثم تصدق صبيحة اليوم برغيف، فنزل الثعبان، فلقيته الصدقة فسقط ميتا على حزمة حطبه. { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } المبالغون في التصديق، أو الصدق، وهو أولى لأن وزن المبالغة لا يساغ من غير الثلاثي في الأكثر إلا نادرا، كمسيك من أمسك. { و } هم أيضا { الشهداء عند ربهم } وظاهره: أن كل من آمن بالله ورسله ينال درجة الصديقين، الذين درجتهم دون درجة الأنبياء، وفوق درجة الخواص، وأن كل من آمن ينال درجة الشهداء، وليس كذلك، فينبغي حمل قوله: { آمنوا } على خصوص إيمان وكماله، وهم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم، ولم يتوقفوا ساعة، أي: سبقوا إلى الإيمان، واستشهدوا في سبيل الله. وسيأتي في الإشارة حقيقة الصديق. وقيل: كل من آمن بالله ورسله مطلق الإيمان فهو صديق وشهيد، أي: ملحق بهما، وإن لم يتساووا في النعيم، كقوله:
ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين...
[النساء: 69]. والحاصل على هذه العبارة: الترغيب في الإيمان والحث عليه، وهو وارد في كلام العرب في مبالغة التشبيه، تقول: فلان هو حاتم بعينه، إذا شابهه في الجود، ويؤيد هذا حديث البراء بن عازب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" مؤمنو أمتي شهداء "
قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد، أي: على ما تقدم، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء السبعة تشريفا على رتب الشهداء غيرهم، ألا ترى أن المقتول في سبيل الله مخصوص أيضا بتشريف ينفرد به، وقال بعضهم: معنى الشهداء هنا: أنهم يشهدون على الأمم.
قال ابن عباس ومسروق والضحاك: الكلام تام في قوله: " الصديقون " ، وقوله: " الشهداء " استئناف كلام، أي: والشهداء حاضرون عند ربهم، أو: والشهداء { لهم أجرهم ونورهم } عند ربهم، قال أبو حيان: والظاهر: أن " الشهداء " مبتدأ، خبره ما بعده. ه. قلت: الظاهر: أن الآية متصلة، فكل مؤمن حقيقي صديق وشهيد، أي: يلحق بهم، وقوله: { لهم أجرهم ونورهم } أي: لهم أجر الصديقين ونورهم، على التشبيه، ولا يبلغ المشبه درجة المشبه به. وإذا قيدنا الإيمان بالسبق، فالمعنى لهم أجرهم كامل ونورهم تام، ويؤيد عدم التقييد: ذكر ضده عقبه، كما هو عادة التنزيل، بقوله: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم }. الإشارة: إن المصدقين والمصدقات، وهم الذين بذلوا مهجهم وأرواحهم في مرضاة الله - ومن كان في الله تلفه كان على الله خلفه - وأقرضوا الله قرضا حسنا، أي: قطعوا قلوبهم عن محبة ما سواه، وحصروه في حضرة الله، يضاعف لهم أنوارهم وأسرارهم، ولهم أجر كريم، شهود الذات الأقدس، وهؤلاء هم الصديقون المشار إليهم بقوله: { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } فهذا الإيمان عند الصوفية مقيد، قال الورتجبي: هم الذين شاهدوا الله بالله بنعت المعرفة والمحبة، وتبعوا رسوله بنعت المحبة والمعرفة بشرفه وفضله، والانقياد بين يدي أمره ونهيه، فأولئك هم الصديقون لأنهم معادن الإخلاص واليقين، وتصديق الله في قوله بعد أن شاهدوه مشاهدة الصديقية، التي لا اضطراب فيها من جهة معارضة النفس والشيطان، وهم شهداء الله المقتولون بسيوف محبته، مطروحون في بحر وصلته، يحيون بجماله، يشهدون على وجودهم بفنائه في الله، وبفناء الكون في عظمة الله، وهم قوم يستشرفون على هموم الخلائق بنور الله، يشهدون لهم وعليهم لصدق الفراسة لأنهم أمناء الله، خصهم الله بالصديقية والسعادة والولاية والخلافة.ه. وقال القشيري: الصديق من استوى ظاهره وباطنه، ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق، لا ينزل إلى الرخص، ولا يجنح إلى التأويلات، والشهداء: الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة، ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة، ونورهم: ما كحل الحق به بصائرهم من أنوار التوحيد. ه. ولما كان الزهد شرطا في هذا المقام ذكر تحقير الدنيا ليقع الزهد فيها، فقال: { اعلموا أنما الحياة الدنيا }.
الحديد 57:19
قلت: { المصدقين } من قرأ بالتشديد فيهما فاسم فاعل، من: تصدق، أدغمت التاء في الصاد، ومن قرأ بتخفيف الصاد فاسم فاعل صدق. و { أقرضوا }: عطف على الصلة، أي: إن الذين تصدقوا وأقرضوا. يقول الحق جل جلاله: { إن المصدقين والمصدقات } أي: المتصدقين بأموالهم والمتصدقات أو: المصدقين بالله ورسوله والمصدقات، { وأقرضوا الله قرضا حسنا } وهو أن تتصدق من كسب طيب، بقلب طيب، { يضاعف لهم } بأضعاف كثيرة إلى سبعمائة، { ولهم أجر كريم } الجنة وما فيها. وقد ورد في الصدقات أحاديث، منها: أنها تدفع سبعين بابا من السوء، وتزيد البركة في العمر. روي أن شابا وشابة دخلا على سليمان عليه السلام فعقد لهما النكاح، وخرجا من عنده مسرورين، وحضر ملك الموت، فقال: لا تعجب من سرورهما، فقد أمرت أن أقبض روح هذا الشاب بعد خمسة أيام، فجعل سليمان يراعي حال الشاب، حتى ذهبت ستة أيام، ثم خمسة أشهر، فعجب من ذلك، فدخل عليه ملك الموت، فسأله عن ذلك، فقال: إني أمرت أن أقبض روحه كما ذكرت لك، فلما خرج من عندك لقيه سائل، فدفع له درهما، فدعا له بالبقاء، فأمرت بتأخير الأمر عنه ببركة صدقته. ه. وانظر عند قوله:
يمحوا الله ما يشآء
[الرعد: 38]، ومثله قضية الرجل الذي آذى جيرانه، فدعا موسى عليه السلام عليه، ثم تصدق صبيحة اليوم برغيف، فنزل الثعبان، فلقيته الصدقة فسقط ميتا على حزمة حطبه. { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } المبالغون في التصديق، أو الصدق، وهو أولى لأن وزن المبالغة لا يساغ من غير الثلاثي في الأكثر إلا نادرا، كمسيك من أمسك. { و } هم أيضا { الشهداء عند ربهم } وظاهره: أن كل من آمن بالله ورسله ينال درجة الصديقين، الذين درجتهم دون درجة الأنبياء، وفوق درجة الخواص، وأن كل من آمن ينال درجة الشهداء، وليس كذلك، فينبغي حمل قوله: { آمنوا } على خصوص إيمان وكماله، وهم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم، ولم يتوقفوا ساعة، أي: سبقوا إلى الإيمان، واستشهدوا في سبيل الله. وسيأتي في الإشارة حقيقة الصديق. وقيل: كل من آمن بالله ورسله مطلق الإيمان فهو صديق وشهيد، أي: ملحق بهما، وإن لم يتساووا في النعيم، كقوله:
ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين...
[النساء: 69]. والحاصل على هذه العبارة: الترغيب في الإيمان والحث عليه، وهو وارد في كلام العرب في مبالغة التشبيه، تقول: فلان هو حاتم بعينه، إذا شابهه في الجود، ويؤيد هذا حديث البراء بن عازب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" مؤمنو أمتي شهداء "
قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد، أي: على ما تقدم، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء السبعة تشريفا على رتب الشهداء غيرهم، ألا ترى أن المقتول في سبيل الله مخصوص أيضا بتشريف ينفرد به، وقال بعضهم: معنى الشهداء هنا: أنهم يشهدون على الأمم.
قال ابن عباس ومسروق والضحاك: الكلام تام في قوله: " الصديقون " ، وقوله: " الشهداء " استئناف كلام، أي: والشهداء حاضرون عند ربهم، أو: والشهداء { لهم أجرهم ونورهم } عند ربهم، قال أبو حيان: والظاهر: أن " الشهداء " مبتدأ، خبره ما بعده. ه. قلت: الظاهر: أن الآية متصلة، فكل مؤمن حقيقي صديق وشهيد، أي: يلحق بهم، وقوله: { لهم أجرهم ونورهم } أي: لهم أجر الصديقين ونورهم، على التشبيه، ولا يبلغ المشبه درجة المشبه به. وإذا قيدنا الإيمان بالسبق، فالمعنى لهم أجرهم كامل ونورهم تام، ويؤيد عدم التقييد: ذكر ضده عقبه، كما هو عادة التنزيل، بقوله: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم }. الإشارة: إن المصدقين والمصدقات، وهم الذين بذلوا مهجهم وأرواحهم في مرضاة الله - ومن كان في الله تلفه كان على الله خلفه - وأقرضوا الله قرضا حسنا، أي: قطعوا قلوبهم عن محبة ما سواه، وحصروه في حضرة الله، يضاعف لهم أنوارهم وأسرارهم، ولهم أجر كريم، شهود الذات الأقدس، وهؤلاء هم الصديقون المشار إليهم بقوله: { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } فهذا الإيمان عند الصوفية مقيد، قال الورتجبي: هم الذين شاهدوا الله بالله بنعت المعرفة والمحبة، وتبعوا رسوله بنعت المحبة والمعرفة بشرفه وفضله، والانقياد بين يدي أمره ونهيه، فأولئك هم الصديقون لأنهم معادن الإخلاص واليقين، وتصديق الله في قوله بعد أن شاهدوه مشاهدة الصديقية، التي لا اضطراب فيها من جهة معارضة النفس والشيطان، وهم شهداء الله المقتولون بسيوف محبته، مطروحون في بحر وصلته، يحيون بجماله، يشهدون على وجودهم بفنائه في الله، وبفناء الكون في عظمة الله، وهم قوم يستشرفون على هموم الخلائق بنور الله، يشهدون لهم وعليهم لصدق الفراسة لأنهم أمناء الله، خصهم الله بالصديقية والسعادة والولاية والخلافة.ه. وقال القشيري: الصديق من استوى ظاهره وباطنه، ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق، لا ينزل إلى الرخص، ولا يجنح إلى التأويلات، والشهداء: الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة، ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة، ونورهم: ما كحل الحق به بصائرهم من أنوار التوحيد. ه. ولما كان الزهد شرطا في هذا المقام ذكر تحقير الدنيا ليقع الزهد فيها، فقال: { اعلموا أنما الحياة الدنيا }.
الحديد 57:20
يقول الحق جل جلاله: { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب } كلعب الصبيان، { ولهو } كلهو الفتيان، { وزينة } كزينة النسوان، { وتفاخر بينكم } كتفاخر الأقران، { وتكاثر } كتكاثر الدهقان - أي الفلاحين - { في الأموال والأولاد } أي: مباهاة بهما. والتكاثر: الاستكثار، والحاصل: أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء، فضلا عن الاطمئنان بها، وأنها مع ذلك سريعة الزوال، وشيكة الاضمحلال، ولذلك قال: { كمثل غيث أعجب الكفار } أي: الحراث، من: كفر الحب: ستره، ويقال: كفرت الغمام النجوم: سترتها، أي: أعجب الزراع { نباته } أي: النبات الحاصل منه، { ثم يهيج } أي: يجف بعد خضرته ونضارته، { فتراه مصفرا } بعد ما رأيته ناضرا مونعا، وإنما لم يقل: ثم تراه إيذانا بأن اصفراره مقارن لجفافه. { ثم يكون حطاما } متفتتا متكسرا، شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث، فاستوى وقوي، وأعجب به حراثه، أو: الكفار الجاحدون لنعمة الله تعالى فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة، فهاج، واصفر وصار حطاما. وهذا المثل هو لمن اشتغل بالدنيا، والجري عليها، وأما ما كان منها في طاعة الله، أو في الضرورات التي تقيم الأولاد، وتعين الطاعات، فلا يدخل في هذا المثل، وهذا مثال للإنسان ينشأ شابا قويا، حسن المنظر والهيئة، ثم يأخذ في النقص والهرم، ثم يموت، ويضمحل أمره، وتصير الأموال لغيره. قال القشيري: الدنيا حقيرة، وأحقر منها قدرا: طالبها، وأقل منها خطرا: المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة، وطلاب الجيفة ليس لهم خطر، وأخسهم من يبخل بها. وهذه الدنيا المذمومة هي ما شغل العبد عن الآخرة، فكل ما شغله عن الآخرة فهي الدنيا. ه. { وفي الآخرة عذاب شديد } لمن أعرض عن الله، { ومغفرة من الله ورضوان } لمن أقبل على الله، وزهد فيما سواه. والحاصل: أن الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور، وهي اللعب، واللهو، والزينة، والتفاخر، والتكاثر، وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي العذاب الشديد، والمغفرة، والرضوان من الله الحميد. والكاف في " كمثل " في محل رفع، خبر بعد خبر، { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } لمن ركن إليها، واعتمد عليها، ومتاع الغرور: هو الذي يظهر ما حسن منه، ويبطن ما قبح، يفعله من يغر الناس ويغشهم، وكذلك الدنيا تظهر لطلابها حلاوة وولوعا، وتزداد عليهم شيئا فشيئا، فينهمكون في حلاوة شهواتها وبهجتها، ويغفلون عن الاستعداد، والعمر يفنى من يدهم في البطالة، فهي تغرهم وتخدعهم حتى تسوقهم إلى الموت مفلسين. قال ذو النون: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا، وإن طلبتموها فلا تحبوها، فإن الزاد منها، والمقيل في غيرها. ولما حقر الدنيا، وصغ أمرها، وعظم أمر الآخرة، حث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك، وهي المغفرة والرضوان، فقال: { سابقوا } بالأعمال الصالحة { إلى مغفرة من ربكم } أو: سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار، { وجنة عرضها كعرض السماء والأرض } أي: كعرض سبع سموات، وسبع أرضين، إذا مدت إحداها حذو الأخرى، وذكر العرض دون الطول لأن كل ما له عرض وطول فعرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسط عرف أن طوله أبسط، وهذا تقريب لأفهام العرب، وإلا فالجنة أعظم من ذلك مرارا، كيف لا والمؤمن الواحد يعطي قدر الدنيا عشر مرات! { أعدت } تلك الجنة { للذين آمنوا بالله ورسله } وهو دليل أنها مخلوقة، { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } وهم المؤمنون، وفيه دليل أنه
" لا يدخل الجنة أحد بعمله "
كما في الحديث: { والله ذو الفضل العظيم } وبذلك يؤتي من شاء ذلك الفضل، الذي لا غاية وراءه. الإشارة: قد شبه بعض الحكماء الدنيا بسبعة أشياء، شبهها بالماء المالح، يغرق ولا يروي، ويضر ولا ينفع، وشبهها بظل الغمام، يغر ويخذل، وشببها بالبرق الخاطف في سرعة الذهاب والإضرار، وبسحاب الصيف، يضر ولا ينفع، وبزهر الربيع، يغر بزهرته، ثم يصفر فتراه هشيما، بأحلام النائم، يرى السرور في منامه، فإذا استيقظ لم يجد في يديه شيئا إلا الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الرعاف، يغر ويقتل. ه. قال حفيده: فتأملت هذه الحروف سبعين سنة، ثم زدت فيها حرفا واحدا فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها، وتترك من أعرض عنها. ه. وفي كتاب قطب العارفين، لسيدي عبد الرحمن اللجائي، قال: فأول درجة الذاهبين إلى الله تعالى: بغض الدنيا، التي هي ظلمة القلوب، وحجاب لوائح الغيوب، والحاجزة بين المحب والمحبوب، فبقدر رفضها يستعد للسفر، ويصح للقلوب النظر، فإن كانت الدنيا من قلب العبد مرفوضة، حتى لا تعدل عنده جناح بعوضة، فقد وضع قدمه في أول درجة من درجات المريدين، فينظر العبد بعد ذلك ما قدمت دنياه، ويقبل على أخراه. ه. وذكر القشيري في إشارة الآية: أنها إشارة إلى أطوار النفس والقلب والروح والسر، فقال بعد كلام: وأيضا يشير إلى تعب صبا النفس الأمارة بملاعب المخالفات الشرعية، والموافقات الطبيعية، وإلى لهو شاب القلب بالصفات القلبية، مثل الزهد، والورع، والتوكل والتقييد بها، وإلى زينة كهل السر بالأحوال السرية، والمنازلات الغيبية، مثل الكشوفات والمشاهدات والمعاينات، وإلى تفاخر شيخ الروح بإنبات التجليات والتنزلات، وإلى تكاثر سر السر بالفناء عن ناسوتيته، والبقاء بلاهوتيته الجامع. ه. إلا أنه قدم السر على الروح، والمعهود العكس، فانظره. قوله: { سابقوا... } الآية، فيه إغراء على النهوض إلى الله، وسرعة السير إلى الحق تعالى، التنافس في السبق، كما قال الشاعر:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
حكي عن أبي خالد القيرواني، وكان من العباد، المجتهدين: أنه رأى خيلا يسابق بها، فتقدمها فرسان، ثم تقدم أحدهما الآخر، ثم جد الثاني حتى سبق الأول، فتخلل أبو خالد، حتى وصل إلى الفرس السابق، فجعل يقبله، ويقول: بارك الله فيك، صبرت فظفرت، ثم سقط مغشيا.
ه. قال الورتجبي: دعا المريدين إلى مغفرته بنعت الإسراع، يعني في قوله: { سارعوا } ودعا المشتاقين إلى جماله بنعت الاشتياق، وقد دخل الكل في مظنة الخطاب لأن الكل قد وقعوا في بحار الذنوب، حين لم يعرفوه حق معرفته، فدعاهم إلى التطهير برحمته من الغرور بأنهم عرفوه. ه. أي: دعاهم إلى التطهير من الاغترار بمعرفته، وهي لم تحصل. والله تعالى أعلم. ثم سلى عباده عما يصيبهم، ومن جملة ذلك: الاغترار بالدنيا، فقال: { مآ أصاب من مصيبة في الأرض }.
الحديد 57:21
يقول الحق جل جلاله: { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب } كلعب الصبيان، { ولهو } كلهو الفتيان، { وزينة } كزينة النسوان، { وتفاخر بينكم } كتفاخر الأقران، { وتكاثر } كتكاثر الدهقان - أي الفلاحين - { في الأموال والأولاد } أي: مباهاة بهما. والتكاثر: الاستكثار، والحاصل: أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء، فضلا عن الاطمئنان بها، وأنها مع ذلك سريعة الزوال، وشيكة الاضمحلال، ولذلك قال: { كمثل غيث أعجب الكفار } أي: الحراث، من: كفر الحب: ستره، ويقال: كفرت الغمام النجوم: سترتها، أي: أعجب الزراع { نباته } أي: النبات الحاصل منه، { ثم يهيج } أي: يجف بعد خضرته ونضارته، { فتراه مصفرا } بعد ما رأيته ناضرا مونعا، وإنما لم يقل: ثم تراه إيذانا بأن اصفراره مقارن لجفافه. { ثم يكون حطاما } متفتتا متكسرا، شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث، فاستوى وقوي، وأعجب به حراثه، أو: الكفار الجاحدون لنعمة الله تعالى فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة، فهاج، واصفر وصار حطاما. وهذا المثل هو لمن اشتغل بالدنيا، والجري عليها، وأما ما كان منها في طاعة الله، أو في الضرورات التي تقيم الأولاد، وتعين الطاعات، فلا يدخل في هذا المثل، وهذا مثال للإنسان ينشأ شابا قويا، حسن المنظر والهيئة، ثم يأخذ في النقص والهرم، ثم يموت، ويضمحل أمره، وتصير الأموال لغيره. قال القشيري: الدنيا حقيرة، وأحقر منها قدرا: طالبها، وأقل منها خطرا: المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة، وطلاب الجيفة ليس لهم خطر، وأخسهم من يبخل بها. وهذه الدنيا المذمومة هي ما شغل العبد عن الآخرة، فكل ما شغله عن الآخرة فهي الدنيا. ه. { وفي الآخرة عذاب شديد } لمن أعرض عن الله، { ومغفرة من الله ورضوان } لمن أقبل على الله، وزهد فيما سواه. والحاصل: أن الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور، وهي اللعب، واللهو، والزينة، والتفاخر، والتكاثر، وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي العذاب الشديد، والمغفرة، والرضوان من الله الحميد. والكاف في " كمثل " في محل رفع، خبر بعد خبر، { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } لمن ركن إليها، واعتمد عليها، ومتاع الغرور: هو الذي يظهر ما حسن منه، ويبطن ما قبح، يفعله من يغر الناس ويغشهم، وكذلك الدنيا تظهر لطلابها حلاوة وولوعا، وتزداد عليهم شيئا فشيئا، فينهمكون في حلاوة شهواتها وبهجتها، ويغفلون عن الاستعداد، والعمر يفنى من يدهم في البطالة، فهي تغرهم وتخدعهم حتى تسوقهم إلى الموت مفلسين. قال ذو النون: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا، وإن طلبتموها فلا تحبوها، فإن الزاد منها، والمقيل في غيرها. ولما حقر الدنيا، وصغ أمرها، وعظم أمر الآخرة، حث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك، وهي المغفرة والرضوان، فقال: { سابقوا } بالأعمال الصالحة { إلى مغفرة من ربكم } أو: سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار، { وجنة عرضها كعرض السماء والأرض } أي: كعرض سبع سموات، وسبع أرضين، إذا مدت إحداها حذو الأخرى، وذكر العرض دون الطول لأن كل ما له عرض وطول فعرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسط عرف أن طوله أبسط، وهذا تقريب لأفهام العرب، وإلا فالجنة أعظم من ذلك مرارا، كيف لا والمؤمن الواحد يعطي قدر الدنيا عشر مرات! { أعدت } تلك الجنة { للذين آمنوا بالله ورسله } وهو دليل أنها مخلوقة، { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } وهم المؤمنون، وفيه دليل أنه
" لا يدخل الجنة أحد بعمله "
كما في الحديث: { والله ذو الفضل العظيم } وبذلك يؤتي من شاء ذلك الفضل، الذي لا غاية وراءه. الإشارة: قد شبه بعض الحكماء الدنيا بسبعة أشياء، شبهها بالماء المالح، يغرق ولا يروي، ويضر ولا ينفع، وشبهها بظل الغمام، يغر ويخذل، وشببها بالبرق الخاطف في سرعة الذهاب والإضرار، وبسحاب الصيف، يضر ولا ينفع، وبزهر الربيع، يغر بزهرته، ثم يصفر فتراه هشيما، بأحلام النائم، يرى السرور في منامه، فإذا استيقظ لم يجد في يديه شيئا إلا الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الرعاف، يغر ويقتل. ه. قال حفيده: فتأملت هذه الحروف سبعين سنة، ثم زدت فيها حرفا واحدا فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها، وتترك من أعرض عنها. ه. وفي كتاب قطب العارفين، لسيدي عبد الرحمن اللجائي، قال: فأول درجة الذاهبين إلى الله تعالى: بغض الدنيا، التي هي ظلمة القلوب، وحجاب لوائح الغيوب، والحاجزة بين المحب والمحبوب، فبقدر رفضها يستعد للسفر، ويصح للقلوب النظر، فإن كانت الدنيا من قلب العبد مرفوضة، حتى لا تعدل عنده جناح بعوضة، فقد وضع قدمه في أول درجة من درجات المريدين، فينظر العبد بعد ذلك ما قدمت دنياه، ويقبل على أخراه. ه. وذكر القشيري في إشارة الآية: أنها إشارة إلى أطوار النفس والقلب والروح والسر، فقال بعد كلام: وأيضا يشير إلى تعب صبا النفس الأمارة بملاعب المخالفات الشرعية، والموافقات الطبيعية، وإلى لهو شاب القلب بالصفات القلبية، مثل الزهد، والورع، والتوكل والتقييد بها، وإلى زينة كهل السر بالأحوال السرية، والمنازلات الغيبية، مثل الكشوفات والمشاهدات والمعاينات، وإلى تفاخر شيخ الروح بإنبات التجليات والتنزلات، وإلى تكاثر سر السر بالفناء عن ناسوتيته، والبقاء بلاهوتيته الجامع. ه. إلا أنه قدم السر على الروح، والمعهود العكس، فانظره. قوله: { سابقوا... } الآية، فيه إغراء على النهوض إلى الله، وسرعة السير إلى الحق تعالى، التنافس في السبق، كما قال الشاعر:
السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق
حكي عن أبي خالد القيرواني، وكان من العباد، المجتهدين: أنه رأى خيلا يسابق بها، فتقدمها فرسان، ثم تقدم أحدهما الآخر، ثم جد الثاني حتى سبق الأول، فتخلل أبو خالد، حتى وصل إلى الفرس السابق، فجعل يقبله، ويقول: بارك الله فيك، صبرت فظفرت، ثم سقط مغشيا.
ه. قال الورتجبي: دعا المريدين إلى مغفرته بنعت الإسراع، يعني في قوله: { سارعوا } ودعا المشتاقين إلى جماله بنعت الاشتياق، وقد دخل الكل في مظنة الخطاب لأن الكل قد وقعوا في بحار الذنوب، حين لم يعرفوه حق معرفته، فدعاهم إلى التطهير برحمته من الغرور بأنهم عرفوه. ه. أي: دعاهم إلى التطهير من الاغترار بمعرفته، وهي لم تحصل. والله تعالى أعلم. ثم سلى عباده عما يصيبهم، ومن جملة ذلك: الاغترار بالدنيا، فقال: { مآ أصاب من مصيبة في الأرض }.
الحديد 57:22
قلت: { في الأرض }: نعت لمصيبة، أي: كائنة في الأرض، وفي كتاب: حال. يقول الحق جل جلاله: { ما أصاب من مصيبة في الأرض } من الجدب وآفات الزروع والفواكه، { ولا في أنفسكم } من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد { إلا } مكتوب { في كتاب } اللوح { من قبل أن نبرأها } أي: من قبل أن تخلق الأنفس أو المصائب، { إن ذلك على الله يسير } أي: إن إثباتها في اللوح سهل على قدرته كلحظة، وكما كتبت المصائب، كتبت المسرات والمواهب، وقد يدل عليها قوله تعالى: { لكيلا تأسوا } أي: أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا { على ما فاتكم } من الدنيا حزنا يقنطكم، { ولا تفرحوا } فرح المختال الفخور { بما آتاكم } من الدنيا وسعتها، ومن العافية وصحتها، فإن من علم أن الكل مقدر، يفوت ما قدر فواته، ويأتي ما قدر إتيانه، لا محالة، لا يعظم جزعه على ما فات، ولا فرحه بما هو آت، ومع هذا كل ما ينزل بالنفس من المصائب زيادة في درجاته، وتطهير من سيئاته، ففي صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما يصيب المسلم من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر به من سيئاته "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن: إن قضى له بالسراء رضي وكان خيرا، وإن قضى له بالضراء ورضي كان خيرا له "
، وقال أيضا:
" ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها، إلا كتبت له درجة، ومحيت عنه بها خطيئة ".
وليس أحد إلا وهو يفرح بمنفعة تصيبه، ويحزن عند مضرة تنزل به، لأنه طبع بشري، ولذلك كان عمر رضي الله عنه إذا أوتي بغنيمة أو خير يقول: اللهم إنا لا نستيطع إلا أن نفرح بما آتيتنا، ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكرا، والحزن صبرا، وإنما يذم من الحزن الجزع المنافي للصبر، ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر، والمؤدي إلى الفخر، { والله لا يحب كل مختال فخور } فإن من فرح بحظوظ الدنيا، وعظمت في نفسه، اختال وافتخر بها، لا محالة. وفي تخصيص التنزيل الذم بالفرح المذكور إيذان بأنه أقبح من الأسى. ثم أبدل من " كل مختال " تفسيرا له فقال: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي: لا يحب الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالا أو حظا من الدنيا، فلأجل فرحهم به عز في نفوسهم، فبخلوا به، وأمروا غيرهم بإمساكه، ويحضونهم على البخل والادخار، { ومن يتول } يعرض عن الإنفاق، أو عن أوامر الله تعالى ونواهيه، ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت، والفرح بالآتي، { فإن الله هو الغني الحميد } أي: غني عنه وعن أنفاقه، محمود في ذاته، لا يضره إعراض من أعرض عن شكره، بالتقرب إليه بشيء من نعمه.
وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإنفاق إنما هلو لمصحلة المنفق فقط. وقرأ المدنيان وابن عامر بغير " هو " الذي يفيد الحصر، اكتفاء عنها بتعريف الجزأين، مع تأكيد " إن " ، وقرأ الباقون بزيادتها للتنصيص على الحصر والتأكيد، وهو ضمير فصل عن البصريين، أي: الفرق لأنه يفرق بين الخبر والصفة، وعماد عند الكوفيين، ورابطة عند المنطقيين. الإشارة: ما أصاب من مصيبة في أرض البشرية، من غلبة الطبع، والميل إلى الحظوظ النفسانية، ولا في أنفسكم ولا في باطن أنفسكم، مما يصيب القلب من الأمراض، كالعجب والرياء والكبر والحسد، وغيرها، وما يصيب الروح من الوقوف مع المقامات، أو الكرامات، أو الكشوفات، إلا في كتاب سابق، وهو العلم القديم، والقضاء المحتوم، فمن وافقته رياح القضاء نهض رغما عن أنفه، ومن انتكبته نكس على عقبيه، أو وقف عن سيره، فالرجوع إلى الله واجب في الحالتين، عبودية وأدبا، فعلنا ذلك لكيلا تأسوا على ما فاتكم. فمن تحقق بالعبودية لا يفوته شيء، ولا تفرحوا بما آتاكم مما شأنه يزول. قال القشيري: هذه صفة المتحررين من رق النفس، وقيمة الرجال إنما تتبين بتغيرهم، فمن لم يتغير بما يرد عليه مما لا يريده من جفاء أو مكروه أو محبة فهو كامل، ومن لم يتغير بالمضار، ولا يسره الوجد، كما لا يحزنه العدم، فهو سيد وقته. ه. قلت: وهذه كانت سيرة الصحابة رضي الله عنهم كما قال كعب بن زهير في وصفهم:
لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
ثم قال: ويقال: إذا أردت أن تعرف الرجل فاطلبه عند الموارد، والتغيرات من علامات بقاء النفس بأي وجه كان. ه. وقال الورتجبي عن الواسطي: العارف مستهلك في كنه المعروف، فإذا حصل بمقام المعرفة لا يبقى عليه قصد فرح ولا أسى، قال الله تعالى: { لكيلا تأسوا... } الآية. ه. قلت: وإليه أشار في الحكم بقوله: " ما تجده القلوب من الأحزان فلما منعت من الشهود والعيان " ، وقال ابن الفارض، في شان الخمرة إذا دخلت القلب:
وإن خطرت يوما على خاطر امرىء أقامت به الأفراح وارتحل الهم
أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: " يا داود، قل للصديقين: بي فليفرحوا، وبذكري فليتنعموا ". واحتج الغزالي بهذه الآية على أن الرزق لا يزيد بالطلب، ولا ينقص بتركه، ولو كان يزيد بالطلب وينقص بالترك لكان للأسى والفرح موضع، إذ هو قصر وتوانى حتى فاته، وشمر وجد حتى حصله، وقد قال صلى الله عليه وسلم للسائل:
" ما لك، لو لم تأتها لأتتك "
، ثم أورد كون الثواب والعقاب مكتوبين، ويزيد بالطلب وينقص بتركه، ثم فرق بأن المكتوب قسمان: قسم مكتوب مطلقا، من غير شرط وتعليق بفعل العبد، وهو الأرزاق والآجال، وقسم معلق بفعل العبد، وهو الثواب والعقاب.
ه. قلت: في تفريقه نظر، والحق: التفصيل في النظر، فمن نظر لعالم الحكمة، وهو عالم التشريع، وجدهما معا مقيدين بفعل العبد، أما الرزق الحسي فيأتي بسبب الفعل، إن توجه للأسباب ونقص من التقوى، وبغير سبب إن تجرد من الأسباب، وحصل مقام التقوى لقوله تعالى:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا...
[الطلاق: 2] الآية، فالمتقي المنقطع إلى الله ناب الله عنه في الفعل، ومن نظر لعالم القدرة، وهو عالم الحقيقة، وجد الفعل كله من الله بلا واسطة { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } وكذلك أمر الرزق المعنوي، وهو الطاعة واليقين، التي يتربت عليهما الثواب والعقاب، فمن نظر لعالم الحكمة وجده مقيدا بسبب العبد واجتهاده، وبها جاءت الشريعة، ومن نظر لعالم القدرة امتحى العبد ووجوده، فضلا عن فعله وتسببه، فتأمله. قوله تعالى: { والله لا يحب كل مختال فخور } قال القشيري: لأن الاختيال من بقاء النفس، والفخر رؤية خطر ما به يفتخر. ه. { الذين يبخلون } بما عندهم من الأرزاق الحسية والمعنوية، والبخل بها علامة الفرح بها، والوقوف معها، وأما من وصل إلى شهود معطيهما ومجريها فلا يبخل بشيء لغناه بالله عن كل شيء، ومن يتول عن هذا كله، فإن الله الغني عنه وعن جميع الخلق، المحمود قبل وجود الخلق. والله تعالى أعلم. ثم ذكر منة الواسطة إذ لا تعرف هذه الأحكام إلا من جهتها، فقال: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات }.
الحديد 57:23
قلت: { في الأرض }: نعت لمصيبة، أي: كائنة في الأرض، وفي كتاب: حال. يقول الحق جل جلاله: { ما أصاب من مصيبة في الأرض } من الجدب وآفات الزروع والفواكه، { ولا في أنفسكم } من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد { إلا } مكتوب { في كتاب } اللوح { من قبل أن نبرأها } أي: من قبل أن تخلق الأنفس أو المصائب، { إن ذلك على الله يسير } أي: إن إثباتها في اللوح سهل على قدرته كلحظة، وكما كتبت المصائب، كتبت المسرات والمواهب، وقد يدل عليها قوله تعالى: { لكيلا تأسوا } أي: أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا { على ما فاتكم } من الدنيا حزنا يقنطكم، { ولا تفرحوا } فرح المختال الفخور { بما آتاكم } من الدنيا وسعتها، ومن العافية وصحتها، فإن من علم أن الكل مقدر، يفوت ما قدر فواته، ويأتي ما قدر إتيانه، لا محالة، لا يعظم جزعه على ما فات، ولا فرحه بما هو آت، ومع هذا كل ما ينزل بالنفس من المصائب زيادة في درجاته، وتطهير من سيئاته، ففي صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما يصيب المسلم من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر به من سيئاته "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن: إن قضى له بالسراء رضي وكان خيرا، وإن قضى له بالضراء ورضي كان خيرا له "
، وقال أيضا:
" ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها، إلا كتبت له درجة، ومحيت عنه بها خطيئة ".
وليس أحد إلا وهو يفرح بمنفعة تصيبه، ويحزن عند مضرة تنزل به، لأنه طبع بشري، ولذلك كان عمر رضي الله عنه إذا أوتي بغنيمة أو خير يقول: اللهم إنا لا نستيطع إلا أن نفرح بما آتيتنا، ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكرا، والحزن صبرا، وإنما يذم من الحزن الجزع المنافي للصبر، ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر، والمؤدي إلى الفخر، { والله لا يحب كل مختال فخور } فإن من فرح بحظوظ الدنيا، وعظمت في نفسه، اختال وافتخر بها، لا محالة. وفي تخصيص التنزيل الذم بالفرح المذكور إيذان بأنه أقبح من الأسى. ثم أبدل من " كل مختال " تفسيرا له فقال: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي: لا يحب الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالا أو حظا من الدنيا، فلأجل فرحهم به عز في نفوسهم، فبخلوا به، وأمروا غيرهم بإمساكه، ويحضونهم على البخل والادخار، { ومن يتول } يعرض عن الإنفاق، أو عن أوامر الله تعالى ونواهيه، ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت، والفرح بالآتي، { فإن الله هو الغني الحميد } أي: غني عنه وعن أنفاقه، محمود في ذاته، لا يضره إعراض من أعرض عن شكره، بالتقرب إليه بشيء من نعمه.
وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإنفاق إنما هلو لمصحلة المنفق فقط. وقرأ المدنيان وابن عامر بغير " هو " الذي يفيد الحصر، اكتفاء عنها بتعريف الجزأين، مع تأكيد " إن " ، وقرأ الباقون بزيادتها للتنصيص على الحصر والتأكيد، وهو ضمير فصل عن البصريين، أي: الفرق لأنه يفرق بين الخبر والصفة، وعماد عند الكوفيين، ورابطة عند المنطقيين. الإشارة: ما أصاب من مصيبة في أرض البشرية، من غلبة الطبع، والميل إلى الحظوظ النفسانية، ولا في أنفسكم ولا في باطن أنفسكم، مما يصيب القلب من الأمراض، كالعجب والرياء والكبر والحسد، وغيرها، وما يصيب الروح من الوقوف مع المقامات، أو الكرامات، أو الكشوفات، إلا في كتاب سابق، وهو العلم القديم، والقضاء المحتوم، فمن وافقته رياح القضاء نهض رغما عن أنفه، ومن انتكبته نكس على عقبيه، أو وقف عن سيره، فالرجوع إلى الله واجب في الحالتين، عبودية وأدبا، فعلنا ذلك لكيلا تأسوا على ما فاتكم. فمن تحقق بالعبودية لا يفوته شيء، ولا تفرحوا بما آتاكم مما شأنه يزول. قال القشيري: هذه صفة المتحررين من رق النفس، وقيمة الرجال إنما تتبين بتغيرهم، فمن لم يتغير بما يرد عليه مما لا يريده من جفاء أو مكروه أو محبة فهو كامل، ومن لم يتغير بالمضار، ولا يسره الوجد، كما لا يحزنه العدم، فهو سيد وقته. ه. قلت: وهذه كانت سيرة الصحابة رضي الله عنهم كما قال كعب بن زهير في وصفهم:
لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
ثم قال: ويقال: إذا أردت أن تعرف الرجل فاطلبه عند الموارد، والتغيرات من علامات بقاء النفس بأي وجه كان. ه. وقال الورتجبي عن الواسطي: العارف مستهلك في كنه المعروف، فإذا حصل بمقام المعرفة لا يبقى عليه قصد فرح ولا أسى، قال الله تعالى: { لكيلا تأسوا... } الآية. ه. قلت: وإليه أشار في الحكم بقوله: " ما تجده القلوب من الأحزان فلما منعت من الشهود والعيان " ، وقال ابن الفارض، في شان الخمرة إذا دخلت القلب:
وإن خطرت يوما على خاطر امرىء أقامت به الأفراح وارتحل الهم
أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: " يا داود، قل للصديقين: بي فليفرحوا، وبذكري فليتنعموا ". واحتج الغزالي بهذه الآية على أن الرزق لا يزيد بالطلب، ولا ينقص بتركه، ولو كان يزيد بالطلب وينقص بالترك لكان للأسى والفرح موضع، إذ هو قصر وتوانى حتى فاته، وشمر وجد حتى حصله، وقد قال صلى الله عليه وسلم للسائل:
" ما لك، لو لم تأتها لأتتك "
، ثم أورد كون الثواب والعقاب مكتوبين، ويزيد بالطلب وينقص بتركه، ثم فرق بأن المكتوب قسمان: قسم مكتوب مطلقا، من غير شرط وتعليق بفعل العبد، وهو الأرزاق والآجال، وقسم معلق بفعل العبد، وهو الثواب والعقاب.
ه. قلت: في تفريقه نظر، والحق: التفصيل في النظر، فمن نظر لعالم الحكمة، وهو عالم التشريع، وجدهما معا مقيدين بفعل العبد، أما الرزق الحسي فيأتي بسبب الفعل، إن توجه للأسباب ونقص من التقوى، وبغير سبب إن تجرد من الأسباب، وحصل مقام التقوى لقوله تعالى:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا...
[الطلاق: 2] الآية، فالمتقي المنقطع إلى الله ناب الله عنه في الفعل، ومن نظر لعالم القدرة، وهو عالم الحقيقة، وجد الفعل كله من الله بلا واسطة { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } وكذلك أمر الرزق المعنوي، وهو الطاعة واليقين، التي يتربت عليهما الثواب والعقاب، فمن نظر لعالم الحكمة وجده مقيدا بسبب العبد واجتهاده، وبها جاءت الشريعة، ومن نظر لعالم القدرة امتحى العبد ووجوده، فضلا عن فعله وتسببه، فتأمله. قوله تعالى: { والله لا يحب كل مختال فخور } قال القشيري: لأن الاختيال من بقاء النفس، والفخر رؤية خطر ما به يفتخر. ه. { الذين يبخلون } بما عندهم من الأرزاق الحسية والمعنوية، والبخل بها علامة الفرح بها، والوقوف معها، وأما من وصل إلى شهود معطيهما ومجريها فلا يبخل بشيء لغناه بالله عن كل شيء، ومن يتول عن هذا كله، فإن الله الغني عنه وعن جميع الخلق، المحمود قبل وجود الخلق. والله تعالى أعلم. ثم ذكر منة الواسطة إذ لا تعرف هذه الأحكام إلا من جهتها، فقال: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات }.
الحديد 57:24
قلت: { في الأرض }: نعت لمصيبة، أي: كائنة في الأرض، وفي كتاب: حال. يقول الحق جل جلاله: { ما أصاب من مصيبة في الأرض } من الجدب وآفات الزروع والفواكه، { ولا في أنفسكم } من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد { إلا } مكتوب { في كتاب } اللوح { من قبل أن نبرأها } أي: من قبل أن تخلق الأنفس أو المصائب، { إن ذلك على الله يسير } أي: إن إثباتها في اللوح سهل على قدرته كلحظة، وكما كتبت المصائب، كتبت المسرات والمواهب، وقد يدل عليها قوله تعالى: { لكيلا تأسوا } أي: أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا { على ما فاتكم } من الدنيا حزنا يقنطكم، { ولا تفرحوا } فرح المختال الفخور { بما آتاكم } من الدنيا وسعتها، ومن العافية وصحتها، فإن من علم أن الكل مقدر، يفوت ما قدر فواته، ويأتي ما قدر إتيانه، لا محالة، لا يعظم جزعه على ما فات، ولا فرحه بما هو آت، ومع هذا كل ما ينزل بالنفس من المصائب زيادة في درجاته، وتطهير من سيئاته، ففي صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما يصيب المسلم من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر به من سيئاته "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن: إن قضى له بالسراء رضي وكان خيرا، وإن قضى له بالضراء ورضي كان خيرا له "
، وقال أيضا:
" ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها، إلا كتبت له درجة، ومحيت عنه بها خطيئة ".
وليس أحد إلا وهو يفرح بمنفعة تصيبه، ويحزن عند مضرة تنزل به، لأنه طبع بشري، ولذلك كان عمر رضي الله عنه إذا أوتي بغنيمة أو خير يقول: اللهم إنا لا نستيطع إلا أن نفرح بما آتيتنا، ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكرا، والحزن صبرا، وإنما يذم من الحزن الجزع المنافي للصبر، ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر، والمؤدي إلى الفخر، { والله لا يحب كل مختال فخور } فإن من فرح بحظوظ الدنيا، وعظمت في نفسه، اختال وافتخر بها، لا محالة. وفي تخصيص التنزيل الذم بالفرح المذكور إيذان بأنه أقبح من الأسى. ثم أبدل من " كل مختال " تفسيرا له فقال: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي: لا يحب الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالا أو حظا من الدنيا، فلأجل فرحهم به عز في نفوسهم، فبخلوا به، وأمروا غيرهم بإمساكه، ويحضونهم على البخل والادخار، { ومن يتول } يعرض عن الإنفاق، أو عن أوامر الله تعالى ونواهيه، ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت، والفرح بالآتي، { فإن الله هو الغني الحميد } أي: غني عنه وعن أنفاقه، محمود في ذاته، لا يضره إعراض من أعرض عن شكره، بالتقرب إليه بشيء من نعمه.
وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإنفاق إنما هلو لمصحلة المنفق فقط. وقرأ المدنيان وابن عامر بغير " هو " الذي يفيد الحصر، اكتفاء عنها بتعريف الجزأين، مع تأكيد " إن " ، وقرأ الباقون بزيادتها للتنصيص على الحصر والتأكيد، وهو ضمير فصل عن البصريين، أي: الفرق لأنه يفرق بين الخبر والصفة، وعماد عند الكوفيين، ورابطة عند المنطقيين. الإشارة: ما أصاب من مصيبة في أرض البشرية، من غلبة الطبع، والميل إلى الحظوظ النفسانية، ولا في أنفسكم ولا في باطن أنفسكم، مما يصيب القلب من الأمراض، كالعجب والرياء والكبر والحسد، وغيرها، وما يصيب الروح من الوقوف مع المقامات، أو الكرامات، أو الكشوفات، إلا في كتاب سابق، وهو العلم القديم، والقضاء المحتوم، فمن وافقته رياح القضاء نهض رغما عن أنفه، ومن انتكبته نكس على عقبيه، أو وقف عن سيره، فالرجوع إلى الله واجب في الحالتين، عبودية وأدبا، فعلنا ذلك لكيلا تأسوا على ما فاتكم. فمن تحقق بالعبودية لا يفوته شيء، ولا تفرحوا بما آتاكم مما شأنه يزول. قال القشيري: هذه صفة المتحررين من رق النفس، وقيمة الرجال إنما تتبين بتغيرهم، فمن لم يتغير بما يرد عليه مما لا يريده من جفاء أو مكروه أو محبة فهو كامل، ومن لم يتغير بالمضار، ولا يسره الوجد، كما لا يحزنه العدم، فهو سيد وقته. ه. قلت: وهذه كانت سيرة الصحابة رضي الله عنهم كما قال كعب بن زهير في وصفهم:
لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
ثم قال: ويقال: إذا أردت أن تعرف الرجل فاطلبه عند الموارد، والتغيرات من علامات بقاء النفس بأي وجه كان. ه. وقال الورتجبي عن الواسطي: العارف مستهلك في كنه المعروف، فإذا حصل بمقام المعرفة لا يبقى عليه قصد فرح ولا أسى، قال الله تعالى: { لكيلا تأسوا... } الآية. ه. قلت: وإليه أشار في الحكم بقوله: " ما تجده القلوب من الأحزان فلما منعت من الشهود والعيان " ، وقال ابن الفارض، في شان الخمرة إذا دخلت القلب:
وإن خطرت يوما على خاطر امرىء أقامت به الأفراح وارتحل الهم
أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: " يا داود، قل للصديقين: بي فليفرحوا، وبذكري فليتنعموا ". واحتج الغزالي بهذه الآية على أن الرزق لا يزيد بالطلب، ولا ينقص بتركه، ولو كان يزيد بالطلب وينقص بالترك لكان للأسى والفرح موضع، إذ هو قصر وتوانى حتى فاته، وشمر وجد حتى حصله، وقد قال صلى الله عليه وسلم للسائل:
" ما لك، لو لم تأتها لأتتك "
، ثم أورد كون الثواب والعقاب مكتوبين، ويزيد بالطلب وينقص بتركه، ثم فرق بأن المكتوب قسمان: قسم مكتوب مطلقا، من غير شرط وتعليق بفعل العبد، وهو الأرزاق والآجال، وقسم معلق بفعل العبد، وهو الثواب والعقاب.
ه. قلت: في تفريقه نظر، والحق: التفصيل في النظر، فمن نظر لعالم الحكمة، وهو عالم التشريع، وجدهما معا مقيدين بفعل العبد، أما الرزق الحسي فيأتي بسبب الفعل، إن توجه للأسباب ونقص من التقوى، وبغير سبب إن تجرد من الأسباب، وحصل مقام التقوى لقوله تعالى:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا...
[الطلاق: 2] الآية، فالمتقي المنقطع إلى الله ناب الله عنه في الفعل، ومن نظر لعالم القدرة، وهو عالم الحقيقة، وجد الفعل كله من الله بلا واسطة { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } وكذلك أمر الرزق المعنوي، وهو الطاعة واليقين، التي يتربت عليهما الثواب والعقاب، فمن نظر لعالم الحكمة وجده مقيدا بسبب العبد واجتهاده، وبها جاءت الشريعة، ومن نظر لعالم القدرة امتحى العبد ووجوده، فضلا عن فعله وتسببه، فتأمله. قوله تعالى: { والله لا يحب كل مختال فخور } قال القشيري: لأن الاختيال من بقاء النفس، والفخر رؤية خطر ما به يفتخر. ه. { الذين يبخلون } بما عندهم من الأرزاق الحسية والمعنوية، والبخل بها علامة الفرح بها، والوقوف معها، وأما من وصل إلى شهود معطيهما ومجريها فلا يبخل بشيء لغناه بالله عن كل شيء، ومن يتول عن هذا كله، فإن الله الغني عنه وعن جميع الخلق، المحمود قبل وجود الخلق. والله تعالى أعلم. ثم ذكر منة الواسطة إذ لا تعرف هذه الأحكام إلا من جهتها، فقال: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات }.
الحديد 57:25
يقول الحق جل جلاله: { لقد أرسلنا رسلنا } من البشر { بالبينات } الحجج والمعجزات، أو: لقد أرسلنا الملائكة إلى الإنبياء، والأنبياء إلى الأمم، ويؤيده قوله تعالى: { وأنزلنا معهم الكتاب } أي: جنس الكتاب الشامل للكل لأن الكتاب من شأنه أن ينزل مع الملائكة، ويجاب: بأن التقدير: وأنزلنا عليه الكتاب مصحوبا معهم لا تفارقهم أحكامه، { و } أنزلنا { الميزان } أي: الشرع لأنه عيار الأحكام الصحيحة والفاسدة، { ليقوم الناس بالقسط } أي: العدل، وقيل المراد: الميزان الحسي. روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان، فدفعه إلى نوح عليه السلام، وقال: " مر قومك يزنوا به ". { وأنزلنا الحديد } قال ابن عباس: " نزل آدم من الجنة ومعه آلة الحدادين، خمسة أشياء: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة ". أو: { أنزلنا الحديد } أخرجناه من المعادن، والمعادن تتكون من الماء النازل في الأرض، فينعقد في عروق المعادن، وقيل: المراد به السلاح. وحاصل مضمن الآية: أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب، فمن تبع طوعا نجا، ومن أعرض فقد أنزلنا الحديد يحارب به حتى يستقيم كرها. { فيه بأس شديد } أي: قوة وشدة يتمنع بها ويحارب، { ومنافع للناس } يستعملونه في أدواتهم، فلا تجد صنعة تستغني عن الحديد، { وليعلم الله } علم ظهور { من ينصره ورسله } باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين، { بالغيب } غائبا عنهم في مقام الإيمان بالغيب، { إن الله قوي عزيز } فيدفع بقوته من يعرض عن ملته، وينصر بعزته من ينصر دينه، فيقوى جأشه على الثبوت في مداحض الحرب. قال النسفي: والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة: أن الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية، يبين سبيل المراشد والعهود، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، ويأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن البغي والطغيان، والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة بها يقع التعامل، ويحصل بها التساوي والتعادل، وهي الميزان. ومن المعلوم: أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والآلة الموضوعة للتعامل بالتسوية، إنما يحافظ العوام على اتباعها بالسيف، الذي هو حجة الله على من جحد وعند، ونزع من صفقة الجماعة اليد، وهو الحديد، الذي وصف بالبأس الشديد. ه. { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم } خصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء عليهم السلام { وجعلنا في ذريتهما } أولادهما { النبوة } الوحي { والكتاب } جنس الكتاب. وعن ابن عباس: " الخط بالقلم ". يقال: كتب كتابا وكتابة. { فمنهم } من الذرية، أو: من المرسل إليهم، المدلول عليه من الإرسال، { مهتد } إلى الحق، { وكثير منهم فاسقون } خارجون عن الطريق المستقيم، والعدول عن سبيل المقابلة للمبالغة في الذم، والإيذان بكثرة الضلال والفساق. { ثم قفينا على آثارهم } أي: نوح وإبراهيم، ومن مضى من الأنبياء، أو: من عاصروهم من الرسل، { برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم } أي: أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم.
والتقفية: من القفا، كأن كل واحد جاء في قفا صاحبه من ورائه، { وآتيناه } أي: عيسى { الإنجيل } وفيه لغتان كسر الهمزة وفتحه، وهو عجمي لا يلزم فيه أبنية العرب، { وجعلنا في قلوب الذين ابتعوه } وهم النصارى { رأفة } مودة ولينا، { ورحمة } تعطفا على إخوانهم، وهذا ظاهر في النصارى دون اليهود، فأتباع عيسى أولا كانوا الحواريين، وطائفة من اليهود، وكفرت به الطائفة الباقية، فالنصارى أشياع الحواريين، فما زالت الرحمة فيهم، وأما اليهود فقلوبهم أقسى من الحجر. { ورهبانية ابتدعوها } من باب الاشتغال، أي: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها من عند أنفسهم. أو: معطوفة على ما قبلها، أي: وجعلنا في قلوبهم رهبانية مبتدعة من عندهم، أي: وقفيناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهابنية واستحداثها، وهي: المبالغة في الرهبة بالعبادة، والانقطاع عن الناس، وهي منسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف، فعلان من: رهب، كخشيان، من خشي. وقرئ بضم الراء، نسبة إلى الرهبان جمع راهب، كراكب وركبان. وسبب ابتداعهم إياها: أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى عليه السلام، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتل المؤمنون حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتونهم في دينهم، فاختاروا الرهبانية في قلل الجبال، فارين بدينهم، مختلصين أنفسهم. انظر الثعلبي فقد نقله حديثا. { ما كتبناها عليهم } أي: لم نفرضها عليهم، ولكن نذروها على أنفسهم. ما فعلوا ذلك { إلا ابتغاء رضوان الله } عليهم، قيل: الاستثناء منقطع، أي: ما كتبناها عليهم لكن فعلوها ابتغاء رضوان الله، وقيل: متصل من أعم الأحوال، أي: ما كتبناها عليهم في حال من الأحوال إلا ابتغاء الرضوان، { فما رعوها حق رعايتها } كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله، لا يحل نكثه، وقيل: في حق من أدرك البعثة فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أي: فما رعوا تلك الرهبانية حقها، حيث لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيده قوله تعالى: { فآتينا الذين آمنوا منهم } إيمانا صحيحا، وهو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم { أجرهم } ما يخصهم من الأجر، { وكثير منهم فاسقون } خارجون عن حد الاتباع، كافرون بالله ورسوله. الإشارة: كل زمان يبعث الله رسلا يدعون إلى الله، وهم الأولياء العارفون، خلفاء الرسل، بالبينات الواضحة على ولايتهم، لمن سبقت له العناية، وأنزلنا معهم الكتاب، أي: الواردات الإلهية، والميزان، وهو إلهام اصطلاح التربية المناسبة لذلك الزمان، فيزن بها أحوال المريدين، ويعطي كل واحد ما يناسبه من الأوراد، والأعمال، والأحوال، ليقوم الناس في أنفسهم بالقسط، من غير إفراط ولا تفريط، وأنزلنا الحديد، إشارة إلى الجذب، الذي في قلوب العارفين، فيه بأس شديد، يذهب العقول، ومنافع للناس، لأنه هو النور الذي يمشي به الولي في الناس، إذ بذلك الجذب يجذب قلوب المريدين، ومن لم يكن له ذلك الجذب، فلا يصلح للتربية لأنه ظاهري محض، ولا بد لهذا الجذب أن يصحبه سلوك في الظاهر، وإلا فلا يصلح أيضا للتربية كالمصطلمين.
خص هذا النور بأوليائه ليعلم من ينصر دينه وسنة رسوله منهم، بالغيب، أي: مع غيب المشيئة عنهم، فهم يجتهدون في نصر الدين، وينظرون ما يفعل الله، وما سبق به القدر، وأما أمر الربوبية فهم في مقام العيان منها، إن الله قوي، يقوي قلوب المتوجهين، عزيز يعز من يجتهد في نصر الدين. ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم، خص هذين الرسولين لأن نوحا عليه السلام كان في غاية القوة والشدة، وإبراهيم كان في غاية الليونة، وهكذا أولياء كل زمان، بعضهم يميل للقوة جدا، وبعضهم يميل للرطوبة، فإذا أراد الله أن يظهر طريقة أ ملة جعل فيها هذين الضدين، من الأولياء من يميل لليونة ومن يميل للقوة، ليعتدل الأمر في الوجود، فإن انفرد صاحب القوة احترق الوجود، أو غرق، كما جرى في زمان نوح عليه السلام، حين انفرد بالقوة، وإن انفرد صاحب الليونة وقعت برودة في الدين، كما وقع في زمن إبراهيم عليه السلام إذ لم تكن أمته كثيرة، ولما اجتمعا في زمان موسى كثرت أتباعه لأن موسى عليه السلام كان قويا، وهارون كان لينا، فكثرت أتباعه. وعظمت هذه المة المحمدية لدوام اجتماعهما في أمته، فكان عليه الصلاة والسلام سهلا لينا، وكان في مقابلته عمر من وزرائه قويا صلبا في دين الله، ثم استخلف أبو بكر على قدم الرسول صلى الله عليه وسلم فقابله عمر رضي الله عنه، فلما استخلف عمر ولان قابله علي رضي الله عنه، وهكذا كل طائفة كثرت أتباعها تجد فيها هذين الضدين. سبحان المدبر الحكيم، الجامع للأضداد. وقوله تعالى: { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة } هي صفة المريدين المتوجهين، ورهبانية هذه الأمة: المساجد والزوايا، كما في الحديث. وليس من شأن العارفين الانفراد في الجبال والفيافي، إنما شأنهم خلط الناس وإرشادهم. قال الورتجبي: وصف الله تعالى هنا أهل السنة وأهل البدعة، أهل السنة: أهل الرحمة والرأفة، وأهل البدعة: أهل الرهبانية المبتدعة من أنفسهم. وصف الله قلوب المتمسكين بسنة الأنبياء بالمودة والشفقة في دينه ومتابعة رسله، فتلك المودة من مودة الله إياهم، وتلك الرحمة من رحمة الله عليهم، حيث اختارهم في الأزل لأنهم خلفاء الأنبياء، وقادة الأمة، ووصف المتكلفين الذي ابتدعوا رهبانية من أنفسهم، مثل ترك أكل اللحم، والجلوس في الزوايا للأربعين، عن الإتيان إلى الجمعة والجماعات، لأجل قبول العامة، فإنهم ليسوا على الطريق المستقيم، بل هم يتبعون شياطينهم، الذي غوتهم في دينهم، بل زينوا في قلوبهم المحالات والمزخافات، وما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، ورضوان الله هو في الشريعة والطريقة الأحمدية صلى الله عليه وسلم. ه. وقوله: " الأربعين " كان العباد ينذرون خلوة أربعين يوما، فيتخلفون عن الجمعة والجماعة، والأمر كما قيل: إذا ثبت عدالة المرء فليترك وما فعل، فهو أسلم. والله تعالى أعلم. ثم أمر أهل الكتاب بالدخول في الإسلام، أو: أهل الإيمان بدوامه، فقال: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله }.
الحديد 57:26
يقول الحق جل جلاله: { لقد أرسلنا رسلنا } من البشر { بالبينات } الحجج والمعجزات، أو: لقد أرسلنا الملائكة إلى الإنبياء، والأنبياء إلى الأمم، ويؤيده قوله تعالى: { وأنزلنا معهم الكتاب } أي: جنس الكتاب الشامل للكل لأن الكتاب من شأنه أن ينزل مع الملائكة، ويجاب: بأن التقدير: وأنزلنا عليه الكتاب مصحوبا معهم لا تفارقهم أحكامه، { و } أنزلنا { الميزان } أي: الشرع لأنه عيار الأحكام الصحيحة والفاسدة، { ليقوم الناس بالقسط } أي: العدل، وقيل المراد: الميزان الحسي. روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان، فدفعه إلى نوح عليه السلام، وقال: " مر قومك يزنوا به ". { وأنزلنا الحديد } قال ابن عباس: " نزل آدم من الجنة ومعه آلة الحدادين، خمسة أشياء: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة ". أو: { أنزلنا الحديد } أخرجناه من المعادن، والمعادن تتكون من الماء النازل في الأرض، فينعقد في عروق المعادن، وقيل: المراد به السلاح. وحاصل مضمن الآية: أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب، فمن تبع طوعا نجا، ومن أعرض فقد أنزلنا الحديد يحارب به حتى يستقيم كرها. { فيه بأس شديد } أي: قوة وشدة يتمنع بها ويحارب، { ومنافع للناس } يستعملونه في أدواتهم، فلا تجد صنعة تستغني عن الحديد، { وليعلم الله } علم ظهور { من ينصره ورسله } باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين، { بالغيب } غائبا عنهم في مقام الإيمان بالغيب، { إن الله قوي عزيز } فيدفع بقوته من يعرض عن ملته، وينصر بعزته من ينصر دينه، فيقوى جأشه على الثبوت في مداحض الحرب. قال النسفي: والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة: أن الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية، يبين سبيل المراشد والعهود، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، ويأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن البغي والطغيان، والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة بها يقع التعامل، ويحصل بها التساوي والتعادل، وهي الميزان. ومن المعلوم: أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والآلة الموضوعة للتعامل بالتسوية، إنما يحافظ العوام على اتباعها بالسيف، الذي هو حجة الله على من جحد وعند، ونزع من صفقة الجماعة اليد، وهو الحديد، الذي وصف بالبأس الشديد. ه. { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم } خصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء عليهم السلام { وجعلنا في ذريتهما } أولادهما { النبوة } الوحي { والكتاب } جنس الكتاب. وعن ابن عباس: " الخط بالقلم ". يقال: كتب كتابا وكتابة. { فمنهم } من الذرية، أو: من المرسل إليهم، المدلول عليه من الإرسال، { مهتد } إلى الحق، { وكثير منهم فاسقون } خارجون عن الطريق المستقيم، والعدول عن سبيل المقابلة للمبالغة في الذم، والإيذان بكثرة الضلال والفساق. { ثم قفينا على آثارهم } أي: نوح وإبراهيم، ومن مضى من الأنبياء، أو: من عاصروهم من الرسل، { برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم } أي: أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم.
والتقفية: من القفا، كأن كل واحد جاء في قفا صاحبه من ورائه، { وآتيناه } أي: عيسى { الإنجيل } وفيه لغتان كسر الهمزة وفتحه، وهو عجمي لا يلزم فيه أبنية العرب، { وجعلنا في قلوب الذين ابتعوه } وهم النصارى { رأفة } مودة ولينا، { ورحمة } تعطفا على إخوانهم، وهذا ظاهر في النصارى دون اليهود، فأتباع عيسى أولا كانوا الحواريين، وطائفة من اليهود، وكفرت به الطائفة الباقية، فالنصارى أشياع الحواريين، فما زالت الرحمة فيهم، وأما اليهود فقلوبهم أقسى من الحجر. { ورهبانية ابتدعوها } من باب الاشتغال، أي: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها من عند أنفسهم. أو: معطوفة على ما قبلها، أي: وجعلنا في قلوبهم رهبانية مبتدعة من عندهم، أي: وقفيناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهابنية واستحداثها، وهي: المبالغة في الرهبة بالعبادة، والانقطاع عن الناس، وهي منسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف، فعلان من: رهب، كخشيان، من خشي. وقرئ بضم الراء، نسبة إلى الرهبان جمع راهب، كراكب وركبان. وسبب ابتداعهم إياها: أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى عليه السلام، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتل المؤمنون حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتونهم في دينهم، فاختاروا الرهبانية في قلل الجبال، فارين بدينهم، مختلصين أنفسهم. انظر الثعلبي فقد نقله حديثا. { ما كتبناها عليهم } أي: لم نفرضها عليهم، ولكن نذروها على أنفسهم. ما فعلوا ذلك { إلا ابتغاء رضوان الله } عليهم، قيل: الاستثناء منقطع، أي: ما كتبناها عليهم لكن فعلوها ابتغاء رضوان الله، وقيل: متصل من أعم الأحوال، أي: ما كتبناها عليهم في حال من الأحوال إلا ابتغاء الرضوان، { فما رعوها حق رعايتها } كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله، لا يحل نكثه، وقيل: في حق من أدرك البعثة فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أي: فما رعوا تلك الرهبانية حقها، حيث لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيده قوله تعالى: { فآتينا الذين آمنوا منهم } إيمانا صحيحا، وهو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم { أجرهم } ما يخصهم من الأجر، { وكثير منهم فاسقون } خارجون عن حد الاتباع، كافرون بالله ورسوله. الإشارة: كل زمان يبعث الله رسلا يدعون إلى الله، وهم الأولياء العارفون، خلفاء الرسل، بالبينات الواضحة على ولايتهم، لمن سبقت له العناية، وأنزلنا معهم الكتاب، أي: الواردات الإلهية، والميزان، وهو إلهام اصطلاح التربية المناسبة لذلك الزمان، فيزن بها أحوال المريدين، ويعطي كل واحد ما يناسبه من الأوراد، والأعمال، والأحوال، ليقوم الناس في أنفسهم بالقسط، من غير إفراط ولا تفريط، وأنزلنا الحديد، إشارة إلى الجذب، الذي في قلوب العارفين، فيه بأس شديد، يذهب العقول، ومنافع للناس، لأنه هو النور الذي يمشي به الولي في الناس، إذ بذلك الجذب يجذب قلوب المريدين، ومن لم يكن له ذلك الجذب، فلا يصلح للتربية لأنه ظاهري محض، ولا بد لهذا الجذب أن يصحبه سلوك في الظاهر، وإلا فلا يصلح أيضا للتربية كالمصطلمين.
خص هذا النور بأوليائه ليعلم من ينصر دينه وسنة رسوله منهم، بالغيب، أي: مع غيب المشيئة عنهم، فهم يجتهدون في نصر الدين، وينظرون ما يفعل الله، وما سبق به القدر، وأما أمر الربوبية فهم في مقام العيان منها، إن الله قوي، يقوي قلوب المتوجهين، عزيز يعز من يجتهد في نصر الدين. ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم، خص هذين الرسولين لأن نوحا عليه السلام كان في غاية القوة والشدة، وإبراهيم كان في غاية الليونة، وهكذا أولياء كل زمان، بعضهم يميل للقوة جدا، وبعضهم يميل للرطوبة، فإذا أراد الله أن يظهر طريقة أ ملة جعل فيها هذين الضدين، من الأولياء من يميل لليونة ومن يميل للقوة، ليعتدل الأمر في الوجود، فإن انفرد صاحب القوة احترق الوجود، أو غرق، كما جرى في زمان نوح عليه السلام، حين انفرد بالقوة، وإن انفرد صاحب الليونة وقعت برودة في الدين، كما وقع في زمن إبراهيم عليه السلام إذ لم تكن أمته كثيرة، ولما اجتمعا في زمان موسى كثرت أتباعه لأن موسى عليه السلام كان قويا، وهارون كان لينا، فكثرت أتباعه. وعظمت هذه المة المحمدية لدوام اجتماعهما في أمته، فكان عليه الصلاة والسلام سهلا لينا، وكان في مقابلته عمر من وزرائه قويا صلبا في دين الله، ثم استخلف أبو بكر على قدم الرسول صلى الله عليه وسلم فقابله عمر رضي الله عنه، فلما استخلف عمر ولان قابله علي رضي الله عنه، وهكذا كل طائفة كثرت أتباعها تجد فيها هذين الضدين. سبحان المدبر الحكيم، الجامع للأضداد. وقوله تعالى: { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة } هي صفة المريدين المتوجهين، ورهبانية هذه الأمة: المساجد والزوايا، كما في الحديث. وليس من شأن العارفين الانفراد في الجبال والفيافي، إنما شأنهم خلط الناس وإرشادهم. قال الورتجبي: وصف الله تعالى هنا أهل السنة وأهل البدعة، أهل السنة: أهل الرحمة والرأفة، وأهل البدعة: أهل الرهبانية المبتدعة من أنفسهم. وصف الله قلوب المتمسكين بسنة الأنبياء بالمودة والشفقة في دينه ومتابعة رسله، فتلك المودة من مودة الله إياهم، وتلك الرحمة من رحمة الله عليهم، حيث اختارهم في الأزل لأنهم خلفاء الأنبياء، وقادة الأمة، ووصف المتكلفين الذي ابتدعوا رهبانية من أنفسهم، مثل ترك أكل اللحم، والجلوس في الزوايا للأربعين، عن الإتيان إلى الجمعة والجماعات، لأجل قبول العامة، فإنهم ليسوا على الطريق المستقيم، بل هم يتبعون شياطينهم، الذي غوتهم في دينهم، بل زينوا في قلوبهم المحالات والمزخافات، وما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، ورضوان الله هو في الشريعة والطريقة الأحمدية صلى الله عليه وسلم. ه. وقوله: " الأربعين " كان العباد ينذرون خلوة أربعين يوما، فيتخلفون عن الجمعة والجماعة، والأمر كما قيل: إذا ثبت عدالة المرء فليترك وما فعل، فهو أسلم. والله تعالى أعلم. ثم أمر أهل الكتاب بالدخول في الإسلام، أو: أهل الإيمان بدوامه، فقال: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله }.
الحديد 57:27
يقول الحق جل جلاله: { لقد أرسلنا رسلنا } من البشر { بالبينات } الحجج والمعجزات، أو: لقد أرسلنا الملائكة إلى الإنبياء، والأنبياء إلى الأمم، ويؤيده قوله تعالى: { وأنزلنا معهم الكتاب } أي: جنس الكتاب الشامل للكل لأن الكتاب من شأنه أن ينزل مع الملائكة، ويجاب: بأن التقدير: وأنزلنا عليه الكتاب مصحوبا معهم لا تفارقهم أحكامه، { و } أنزلنا { الميزان } أي: الشرع لأنه عيار الأحكام الصحيحة والفاسدة، { ليقوم الناس بالقسط } أي: العدل، وقيل المراد: الميزان الحسي. روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان، فدفعه إلى نوح عليه السلام، وقال: " مر قومك يزنوا به ". { وأنزلنا الحديد } قال ابن عباس: " نزل آدم من الجنة ومعه آلة الحدادين، خمسة أشياء: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة ". أو: { أنزلنا الحديد } أخرجناه من المعادن، والمعادن تتكون من الماء النازل في الأرض، فينعقد في عروق المعادن، وقيل: المراد به السلاح. وحاصل مضمن الآية: أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب، فمن تبع طوعا نجا، ومن أعرض فقد أنزلنا الحديد يحارب به حتى يستقيم كرها. { فيه بأس شديد } أي: قوة وشدة يتمنع بها ويحارب، { ومنافع للناس } يستعملونه في أدواتهم، فلا تجد صنعة تستغني عن الحديد، { وليعلم الله } علم ظهور { من ينصره ورسله } باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين، { بالغيب } غائبا عنهم في مقام الإيمان بالغيب، { إن الله قوي عزيز } فيدفع بقوته من يعرض عن ملته، وينصر بعزته من ينصر دينه، فيقوى جأشه على الثبوت في مداحض الحرب. قال النسفي: والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة: أن الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية، يبين سبيل المراشد والعهود، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، ويأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن البغي والطغيان، والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة بها يقع التعامل، ويحصل بها التساوي والتعادل، وهي الميزان. ومن المعلوم: أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والآلة الموضوعة للتعامل بالتسوية، إنما يحافظ العوام على اتباعها بالسيف، الذي هو حجة الله على من جحد وعند، ونزع من صفقة الجماعة اليد، وهو الحديد، الذي وصف بالبأس الشديد. ه. { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم } خصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء عليهم السلام { وجعلنا في ذريتهما } أولادهما { النبوة } الوحي { والكتاب } جنس الكتاب. وعن ابن عباس: " الخط بالقلم ". يقال: كتب كتابا وكتابة. { فمنهم } من الذرية، أو: من المرسل إليهم، المدلول عليه من الإرسال، { مهتد } إلى الحق، { وكثير منهم فاسقون } خارجون عن الطريق المستقيم، والعدول عن سبيل المقابلة للمبالغة في الذم، والإيذان بكثرة الضلال والفساق. { ثم قفينا على آثارهم } أي: نوح وإبراهيم، ومن مضى من الأنبياء، أو: من عاصروهم من الرسل، { برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم } أي: أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم.
والتقفية: من القفا، كأن كل واحد جاء في قفا صاحبه من ورائه، { وآتيناه } أي: عيسى { الإنجيل } وفيه لغتان كسر الهمزة وفتحه، وهو عجمي لا يلزم فيه أبنية العرب، { وجعلنا في قلوب الذين ابتعوه } وهم النصارى { رأفة } مودة ولينا، { ورحمة } تعطفا على إخوانهم، وهذا ظاهر في النصارى دون اليهود، فأتباع عيسى أولا كانوا الحواريين، وطائفة من اليهود، وكفرت به الطائفة الباقية، فالنصارى أشياع الحواريين، فما زالت الرحمة فيهم، وأما اليهود فقلوبهم أقسى من الحجر. { ورهبانية ابتدعوها } من باب الاشتغال، أي: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها من عند أنفسهم. أو: معطوفة على ما قبلها، أي: وجعلنا في قلوبهم رهبانية مبتدعة من عندهم، أي: وقفيناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهابنية واستحداثها، وهي: المبالغة في الرهبة بالعبادة، والانقطاع عن الناس، وهي منسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف، فعلان من: رهب، كخشيان، من خشي. وقرئ بضم الراء، نسبة إلى الرهبان جمع راهب، كراكب وركبان. وسبب ابتداعهم إياها: أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى عليه السلام، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتل المؤمنون حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتونهم في دينهم، فاختاروا الرهبانية في قلل الجبال، فارين بدينهم، مختلصين أنفسهم. انظر الثعلبي فقد نقله حديثا. { ما كتبناها عليهم } أي: لم نفرضها عليهم، ولكن نذروها على أنفسهم. ما فعلوا ذلك { إلا ابتغاء رضوان الله } عليهم، قيل: الاستثناء منقطع، أي: ما كتبناها عليهم لكن فعلوها ابتغاء رضوان الله، وقيل: متصل من أعم الأحوال، أي: ما كتبناها عليهم في حال من الأحوال إلا ابتغاء الرضوان، { فما رعوها حق رعايتها } كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله، لا يحل نكثه، وقيل: في حق من أدرك البعثة فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أي: فما رعوا تلك الرهبانية حقها، حيث لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيده قوله تعالى: { فآتينا الذين آمنوا منهم } إيمانا صحيحا، وهو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم { أجرهم } ما يخصهم من الأجر، { وكثير منهم فاسقون } خارجون عن حد الاتباع، كافرون بالله ورسوله. الإشارة: كل زمان يبعث الله رسلا يدعون إلى الله، وهم الأولياء العارفون، خلفاء الرسل، بالبينات الواضحة على ولايتهم، لمن سبقت له العناية، وأنزلنا معهم الكتاب، أي: الواردات الإلهية، والميزان، وهو إلهام اصطلاح التربية المناسبة لذلك الزمان، فيزن بها أحوال المريدين، ويعطي كل واحد ما يناسبه من الأوراد، والأعمال، والأحوال، ليقوم الناس في أنفسهم بالقسط، من غير إفراط ولا تفريط، وأنزلنا الحديد، إشارة إلى الجذب، الذي في قلوب العارفين، فيه بأس شديد، يذهب العقول، ومنافع للناس، لأنه هو النور الذي يمشي به الولي في الناس، إذ بذلك الجذب يجذب قلوب المريدين، ومن لم يكن له ذلك الجذب، فلا يصلح للتربية لأنه ظاهري محض، ولا بد لهذا الجذب أن يصحبه سلوك في الظاهر، وإلا فلا يصلح أيضا للتربية كالمصطلمين.
خص هذا النور بأوليائه ليعلم من ينصر دينه وسنة رسوله منهم، بالغيب، أي: مع غيب المشيئة عنهم، فهم يجتهدون في نصر الدين، وينظرون ما يفعل الله، وما سبق به القدر، وأما أمر الربوبية فهم في مقام العيان منها، إن الله قوي، يقوي قلوب المتوجهين، عزيز يعز من يجتهد في نصر الدين. ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم، خص هذين الرسولين لأن نوحا عليه السلام كان في غاية القوة والشدة، وإبراهيم كان في غاية الليونة، وهكذا أولياء كل زمان، بعضهم يميل للقوة جدا، وبعضهم يميل للرطوبة، فإذا أراد الله أن يظهر طريقة أ ملة جعل فيها هذين الضدين، من الأولياء من يميل لليونة ومن يميل للقوة، ليعتدل الأمر في الوجود، فإن انفرد صاحب القوة احترق الوجود، أو غرق، كما جرى في زمان نوح عليه السلام، حين انفرد بالقوة، وإن انفرد صاحب الليونة وقعت برودة في الدين، كما وقع في زمن إبراهيم عليه السلام إذ لم تكن أمته كثيرة، ولما اجتمعا في زمان موسى كثرت أتباعه لأن موسى عليه السلام كان قويا، وهارون كان لينا، فكثرت أتباعه. وعظمت هذه المة المحمدية لدوام اجتماعهما في أمته، فكان عليه الصلاة والسلام سهلا لينا، وكان في مقابلته عمر من وزرائه قويا صلبا في دين الله، ثم استخلف أبو بكر على قدم الرسول صلى الله عليه وسلم فقابله عمر رضي الله عنه، فلما استخلف عمر ولان قابله علي رضي الله عنه، وهكذا كل طائفة كثرت أتباعها تجد فيها هذين الضدين. سبحان المدبر الحكيم، الجامع للأضداد. وقوله تعالى: { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة } هي صفة المريدين المتوجهين، ورهبانية هذه الأمة: المساجد والزوايا، كما في الحديث. وليس من شأن العارفين الانفراد في الجبال والفيافي، إنما شأنهم خلط الناس وإرشادهم. قال الورتجبي: وصف الله تعالى هنا أهل السنة وأهل البدعة، أهل السنة: أهل الرحمة والرأفة، وأهل البدعة: أهل الرهبانية المبتدعة من أنفسهم. وصف الله قلوب المتمسكين بسنة الأنبياء بالمودة والشفقة في دينه ومتابعة رسله، فتلك المودة من مودة الله إياهم، وتلك الرحمة من رحمة الله عليهم، حيث اختارهم في الأزل لأنهم خلفاء الأنبياء، وقادة الأمة، ووصف المتكلفين الذي ابتدعوا رهبانية من أنفسهم، مثل ترك أكل اللحم، والجلوس في الزوايا للأربعين، عن الإتيان إلى الجمعة والجماعات، لأجل قبول العامة، فإنهم ليسوا على الطريق المستقيم، بل هم يتبعون شياطينهم، الذي غوتهم في دينهم، بل زينوا في قلوبهم المحالات والمزخافات، وما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، ورضوان الله هو في الشريعة والطريقة الأحمدية صلى الله عليه وسلم. ه. وقوله: " الأربعين " كان العباد ينذرون خلوة أربعين يوما، فيتخلفون عن الجمعة والجماعة، والأمر كما قيل: إذا ثبت عدالة المرء فليترك وما فعل، فهو أسلم. والله تعالى أعلم. ثم أمر أهل الكتاب بالدخول في الإسلام، أو: أهل الإيمان بدوامه، فقال: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله }.
الحديد 57:28
يقول الحق جل جلاله: { يأيها الذين آمنوا } بالرسل المتقدمة { اتقوا الله } أي: خافوه { وآمنوا برسوله } محمد صلى الله عليه وسلم، المذكور في كتابكم، { يؤتكم كفلين } نصيبين { من رحمته } لإيمانكم بالرسول صلى الله عليه وسلم وبمن قبله، لكن لا بمعنى أن شريعتهم باقية بعد البعثة، بل على أنها كانت حقا قبل النسخ، وإنما أعطى من آمن بنبينا كفلين مع بطلان شريعته، لصعوبة الخروج عن الإلف والعادة، { ويجعل لكم نورا تمشون به } يوم القيامة، كما سبق للمؤمنين في قوله:
يسعى نورهم...
[الحديد: 12] الخ، { ويغفر لكم } ما أسلفتم من الكفر والمعاصي، { والله غفور رحيم } ويؤيد هذا التأويل وأن الخطاب لأهل الكتاب: قوله صلى الله عليه وسلم:
" ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي... "
الحديث. وقيل: الخطاب للمؤمنين، أي: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله فيما نهاكم عنه، ودوموا على إيمانكم، يؤتكم كفلين...الخ، ويؤيد هذا حديث الصحيحين:
" مثل أهل الكتاب قبلنا كمثل رجل استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار، ثم عجزوا، ثم عملت النصارى إلى العصر، فعجزوا، ثم عملتم إلى الليل، فاستوفيتم أجر الفريقين، فقيل: ما شأن هؤلاء أقل عملا وأعظم أجرا؟ فقال: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء ".
قيل: لما نزل قوله: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزل. { يا أيها الذين آمنوا... } الخ. ولما نزلت هذه الآية الكريمة في هذا الوعد الكريم للمؤمنين حسدتهم اليهود، فأنزل الله: { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء... } الخ، أي: إنما خصصت المسلمين بذلك ليعلم أهل الكتاب أنه، أي: الأمر والشأن لا يملكون فضل الله، ولا يدخل تحت قدرتهم، ف " إن " مخففة، واسمها: ضمير الشأن، ولا مزيدة، أي: ليعلم أهل الكتاب أنه لا يقدرون { على شيء من فضل الله } ولا يملكونه، حتى يخصوا به من شاؤوا، { و } ليعلموا أيضا { أن الفضل بيد الله } في ملكه وتصرفه، { يؤتيه من يشاء } من عباده { والله ذو الفضل العظيم } لا نهاية لفضله. وعلى أن الخطاب لأهل الكتاب يكون قوله: { لئلا يعلم أهل الكتاب } أي: من لم يؤمن منهم، فيكون راجعا لمضمون الجملة الطلبية، المتضمنة لمعنى الشرط، أي: { يا أيها الذين آمنوا } بموسى وعيسى { اتقوا الله وآمنوا برسوله } فإن فعلتم ذلك { يؤتكم كفلين من رحمته... } الخ، وإنما جعلت هذا لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا به أنهم لا يملكون من فضل الله شيئا، وأن الفضل بيد الله... الخ. الإشارة: تنسحب هذه الآية من طريق الإشارة على من كانت في أسلافه خصوصية ولاية، أو صلاح، أو شرف علم أو رئاسة ما، ثم ظهرت التربية الحقيقية في غير أسلافه، فإن حط رأسه وصدق بالخصوصية لغيره أعطي أجره مرتين، وعظم قدره في مقام الولاية، وإنما كانت تنتقل دولة الولاية ليعلم أهل الخصوصية المتقدمة أن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه، وسلم.
الحديد 57:29
يقول الحق جل جلاله: { يأيها الذين آمنوا } بالرسل المتقدمة { اتقوا الله } أي: خافوه { وآمنوا برسوله } محمد صلى الله عليه وسلم، المذكور في كتابكم، { يؤتكم كفلين } نصيبين { من رحمته } لإيمانكم بالرسول صلى الله عليه وسلم وبمن قبله، لكن لا بمعنى أن شريعتهم باقية بعد البعثة، بل على أنها كانت حقا قبل النسخ، وإنما أعطى من آمن بنبينا كفلين مع بطلان شريعته، لصعوبة الخروج عن الإلف والعادة، { ويجعل لكم نورا تمشون به } يوم القيامة، كما سبق للمؤمنين في قوله:
يسعى نورهم...
[الحديد: 12] الخ، { ويغفر لكم } ما أسلفتم من الكفر والمعاصي، { والله غفور رحيم } ويؤيد هذا التأويل وأن الخطاب لأهل الكتاب: قوله صلى الله عليه وسلم:
" ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي... "
الحديث. وقيل: الخطاب للمؤمنين، أي: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله فيما نهاكم عنه، ودوموا على إيمانكم، يؤتكم كفلين...الخ، ويؤيد هذا حديث الصحيحين:
" مثل أهل الكتاب قبلنا كمثل رجل استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار، ثم عجزوا، ثم عملت النصارى إلى العصر، فعجزوا، ثم عملتم إلى الليل، فاستوفيتم أجر الفريقين، فقيل: ما شأن هؤلاء أقل عملا وأعظم أجرا؟ فقال: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء ".
قيل: لما نزل قوله: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزل. { يا أيها الذين آمنوا... } الخ. ولما نزلت هذه الآية الكريمة في هذا الوعد الكريم للمؤمنين حسدتهم اليهود، فأنزل الله: { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء... } الخ، أي: إنما خصصت المسلمين بذلك ليعلم أهل الكتاب أنه، أي: الأمر والشأن لا يملكون فضل الله، ولا يدخل تحت قدرتهم، ف " إن " مخففة، واسمها: ضمير الشأن، ولا مزيدة، أي: ليعلم أهل الكتاب أنه لا يقدرون { على شيء من فضل الله } ولا يملكونه، حتى يخصوا به من شاؤوا، { و } ليعلموا أيضا { أن الفضل بيد الله } في ملكه وتصرفه، { يؤتيه من يشاء } من عباده { والله ذو الفضل العظيم } لا نهاية لفضله. وعلى أن الخطاب لأهل الكتاب يكون قوله: { لئلا يعلم أهل الكتاب } أي: من لم يؤمن منهم، فيكون راجعا لمضمون الجملة الطلبية، المتضمنة لمعنى الشرط، أي: { يا أيها الذين آمنوا } بموسى وعيسى { اتقوا الله وآمنوا برسوله } فإن فعلتم ذلك { يؤتكم كفلين من رحمته... } الخ، وإنما جعلت هذا لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا به أنهم لا يملكون من فضل الله شيئا، وأن الفضل بيد الله... الخ. الإشارة: تنسحب هذه الآية من طريق الإشارة على من كانت في أسلافه خصوصية ولاية، أو صلاح، أو شرف علم أو رئاسة ما، ثم ظهرت التربية الحقيقية في غير أسلافه، فإن حط رأسه وصدق بالخصوصية لغيره أعطي أجره مرتين، وعظم قدره في مقام الولاية، وإنما كانت تنتقل دولة الولاية ليعلم أهل الخصوصية المتقدمة أن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه، وسلم.