البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الجمعة 62:1 – التحريم 66:12
المحتويات
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
- الطلاق 65:1
- الطلاق 65:2
- الطلاق 65:3
- الطلاق 65:4
- الطلاق 65:5
- الطلاق 65:6
- الطلاق 65:7
- الطلاق 65:8
- الطلاق 65:9
- الطلاق 65:10
- الطلاق 65:11
- الطلاق 65:12
- التحريم 66:1
- التحريم 66:2
- التحريم 66:3
- التحريم 66:4
- التحريم 66:5
- التحريم 66:6
- التحريم 66:7
- التحريم 66:8
- التحريم 66:9
- التحريم 66:10
- التحريم 66:11
- التحريم 66:12
الجمعة 62:1
يقول الحق جل جلاله: { يسبح لله ما في السموات وما في الأرض } ، وهذا التسبيح إما أن يكون: تسبيح خلقة، يعني: أنك إذا نظرت إلى شيء دلتك خلقته على وحدانيته تعالى، وتنزيهه عما لا يليق به، وإما أن يكون تسبيح معرفة بأن يخلق في كل شيء ما يعرفه به تعالى وينزهه، ألا ترى إلى قوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم
[الإسراء:44]، أو: تسبيح ضرورة، بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير معرفة له بذلك. قاله النسفي. { الملك القدس } أي: المنزه عما لا يليق به من الكمالات. ولا يقال: المنزه عن النقائص إذ لا يصح اتصافه بها حتى تنفى عنه، وربما يكون نقصا في حقه، كما يقال: الملك ليس بجزار. { العزيز الحكيم } وقرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح. { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } أي: بعث رجلا أميا في قوم أميين، وقيل: { منهم }: من أنفسهم، يعلمون نسبه وأحواله وصدقه. والأمي: منسوب إلى أمية العرب لأنهم لايقرؤون ولا يكتبون من بين الأمم. قيل. بدئت الكتابة في العرب بالطائف وهم أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. { يتلو عليهم آياته } القرآن { ويزكيهم } يطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية، { ويعلمهم الكتاب } القرآن { والحكمة } السنة، أو الفقه في الدين، أو إتقان العلم والعمل، { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } كفر وجهالة. و " إن " مخففة، أي: وإن الشأن كانوا في ضلال فظيع، وهو بيان لشدة افتقارهم لمن يرشدهم، وإزاحة لما عسى أن يتوهم من تعلمه صلى الله عليه وسلم من الغير إذ كلهم كانوا مغروقين في الجهل والضلال، ليس فيهم من يعلم شيئا. { وآخرين منهم }: عطف على " الأميين " أي: بعث في الأميين، الذين في عصره، وفي آخرين من الأميين { لما يلحقوا بهم } أي: لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون، وهم الذين يأتون بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل: هم العجم، أي: وآخرين من جنسهم، وقيل: عطف على " يعلمهم " أي: يعلم أخرين منهم، وعلى كل فدعوته صلى الله عليه وسلم عامة. { وهو العزيز الحكيم } المبالغ في العزة والحكمة، ولذلك مكن رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم، واصطفاه من بين كافة البشر. { ذلك } الذي امتاز به محمد صلى الله عليه وسلم من بين سائر البشر { فضل الله } وإحسانه، أو: ذلك التوفيق حتى يؤمنوا من فضل الله، لا باستحقاق، أو الاعتناء بالبعث وعدم الإهمال، مع ما حصل منه من النتائج المذكورة، فضل من الله، وقطع الأسباب في الجملة في استحقاق الفضل إذ علقه بالمشيئة في قوله: { يؤتيه من يشاء } تفضلا وعطية، { والله ذو الفضل العظيم } الذي يستحقر دونه نعم الدنيا والآخرة.
الإشارة: كل من لم يعرف الله معرفة العيان، فهو من الأميين، فكما من الله تعالى على عباده ببعثه الرسول، بعد أن كانوا في ضلال مبين، كذلك من على أمته بعده، فبعث مشايخ التربية يتلو عليهم آياته الدالة على شهوده وظهوره، ويزكيهم من الرذائل التي تحجبهم عن الله، ويعلمهم أسرار الكتاب، وأسرار الحكمة، وهي الشريعة، إذ لا يوقف على أسرارهما إلا بعد تطهير القلوب، وتزكية النفوس، وإن كانوا من قبل ملاقاة المشايخ لفي ضلال مبين، حائدين عن طريق الشهود، وبعث أيضا في آخرين منهم من يذكرهم ويعرفهم بالله، وهكذا لا ينقطع الداعي إلى يوم القيامة، لكن لا يصل إليه إلا من أراد الله أن يوصله إليه، ولذلك قال: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء... } الآية. ولما خص الله العرب بهذه المزية العظمى، قالت اليهود: نحن أهل الكتاب، وفينا العلم قبلكم، فأنزل الله تعالى: { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها }.
الجمعة 62:2
يقول الحق جل جلاله: { يسبح لله ما في السموات وما في الأرض } ، وهذا التسبيح إما أن يكون: تسبيح خلقة، يعني: أنك إذا نظرت إلى شيء دلتك خلقته على وحدانيته تعالى، وتنزيهه عما لا يليق به، وإما أن يكون تسبيح معرفة بأن يخلق في كل شيء ما يعرفه به تعالى وينزهه، ألا ترى إلى قوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم
[الإسراء:44]، أو: تسبيح ضرورة، بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير معرفة له بذلك. قاله النسفي. { الملك القدس } أي: المنزه عما لا يليق به من الكمالات. ولا يقال: المنزه عن النقائص إذ لا يصح اتصافه بها حتى تنفى عنه، وربما يكون نقصا في حقه، كما يقال: الملك ليس بجزار. { العزيز الحكيم } وقرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح. { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } أي: بعث رجلا أميا في قوم أميين، وقيل: { منهم }: من أنفسهم، يعلمون نسبه وأحواله وصدقه. والأمي: منسوب إلى أمية العرب لأنهم لايقرؤون ولا يكتبون من بين الأمم. قيل. بدئت الكتابة في العرب بالطائف وهم أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. { يتلو عليهم آياته } القرآن { ويزكيهم } يطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية، { ويعلمهم الكتاب } القرآن { والحكمة } السنة، أو الفقه في الدين، أو إتقان العلم والعمل، { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } كفر وجهالة. و " إن " مخففة، أي: وإن الشأن كانوا في ضلال فظيع، وهو بيان لشدة افتقارهم لمن يرشدهم، وإزاحة لما عسى أن يتوهم من تعلمه صلى الله عليه وسلم من الغير إذ كلهم كانوا مغروقين في الجهل والضلال، ليس فيهم من يعلم شيئا. { وآخرين منهم }: عطف على " الأميين " أي: بعث في الأميين، الذين في عصره، وفي آخرين من الأميين { لما يلحقوا بهم } أي: لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون، وهم الذين يأتون بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل: هم العجم، أي: وآخرين من جنسهم، وقيل: عطف على " يعلمهم " أي: يعلم أخرين منهم، وعلى كل فدعوته صلى الله عليه وسلم عامة. { وهو العزيز الحكيم } المبالغ في العزة والحكمة، ولذلك مكن رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم، واصطفاه من بين كافة البشر. { ذلك } الذي امتاز به محمد صلى الله عليه وسلم من بين سائر البشر { فضل الله } وإحسانه، أو: ذلك التوفيق حتى يؤمنوا من فضل الله، لا باستحقاق، أو الاعتناء بالبعث وعدم الإهمال، مع ما حصل منه من النتائج المذكورة، فضل من الله، وقطع الأسباب في الجملة في استحقاق الفضل إذ علقه بالمشيئة في قوله: { يؤتيه من يشاء } تفضلا وعطية، { والله ذو الفضل العظيم } الذي يستحقر دونه نعم الدنيا والآخرة.
الإشارة: كل من لم يعرف الله معرفة العيان، فهو من الأميين، فكما من الله تعالى على عباده ببعثه الرسول، بعد أن كانوا في ضلال مبين، كذلك من على أمته بعده، فبعث مشايخ التربية يتلو عليهم آياته الدالة على شهوده وظهوره، ويزكيهم من الرذائل التي تحجبهم عن الله، ويعلمهم أسرار الكتاب، وأسرار الحكمة، وهي الشريعة، إذ لا يوقف على أسرارهما إلا بعد تطهير القلوب، وتزكية النفوس، وإن كانوا من قبل ملاقاة المشايخ لفي ضلال مبين، حائدين عن طريق الشهود، وبعث أيضا في آخرين منهم من يذكرهم ويعرفهم بالله، وهكذا لا ينقطع الداعي إلى يوم القيامة، لكن لا يصل إليه إلا من أراد الله أن يوصله إليه، ولذلك قال: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء... } الآية. ولما خص الله العرب بهذه المزية العظمى، قالت اليهود: نحن أهل الكتاب، وفينا العلم قبلكم، فأنزل الله تعالى: { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها }.
الجمعة 62:3
يقول الحق جل جلاله: { يسبح لله ما في السموات وما في الأرض } ، وهذا التسبيح إما أن يكون: تسبيح خلقة، يعني: أنك إذا نظرت إلى شيء دلتك خلقته على وحدانيته تعالى، وتنزيهه عما لا يليق به، وإما أن يكون تسبيح معرفة بأن يخلق في كل شيء ما يعرفه به تعالى وينزهه، ألا ترى إلى قوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم
[الإسراء:44]، أو: تسبيح ضرورة، بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير معرفة له بذلك. قاله النسفي. { الملك القدس } أي: المنزه عما لا يليق به من الكمالات. ولا يقال: المنزه عن النقائص إذ لا يصح اتصافه بها حتى تنفى عنه، وربما يكون نقصا في حقه، كما يقال: الملك ليس بجزار. { العزيز الحكيم } وقرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح. { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } أي: بعث رجلا أميا في قوم أميين، وقيل: { منهم }: من أنفسهم، يعلمون نسبه وأحواله وصدقه. والأمي: منسوب إلى أمية العرب لأنهم لايقرؤون ولا يكتبون من بين الأمم. قيل. بدئت الكتابة في العرب بالطائف وهم أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. { يتلو عليهم آياته } القرآن { ويزكيهم } يطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية، { ويعلمهم الكتاب } القرآن { والحكمة } السنة، أو الفقه في الدين، أو إتقان العلم والعمل، { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } كفر وجهالة. و " إن " مخففة، أي: وإن الشأن كانوا في ضلال فظيع، وهو بيان لشدة افتقارهم لمن يرشدهم، وإزاحة لما عسى أن يتوهم من تعلمه صلى الله عليه وسلم من الغير إذ كلهم كانوا مغروقين في الجهل والضلال، ليس فيهم من يعلم شيئا. { وآخرين منهم }: عطف على " الأميين " أي: بعث في الأميين، الذين في عصره، وفي آخرين من الأميين { لما يلحقوا بهم } أي: لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون، وهم الذين يأتون بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل: هم العجم، أي: وآخرين من جنسهم، وقيل: عطف على " يعلمهم " أي: يعلم أخرين منهم، وعلى كل فدعوته صلى الله عليه وسلم عامة. { وهو العزيز الحكيم } المبالغ في العزة والحكمة، ولذلك مكن رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم، واصطفاه من بين كافة البشر. { ذلك } الذي امتاز به محمد صلى الله عليه وسلم من بين سائر البشر { فضل الله } وإحسانه، أو: ذلك التوفيق حتى يؤمنوا من فضل الله، لا باستحقاق، أو الاعتناء بالبعث وعدم الإهمال، مع ما حصل منه من النتائج المذكورة، فضل من الله، وقطع الأسباب في الجملة في استحقاق الفضل إذ علقه بالمشيئة في قوله: { يؤتيه من يشاء } تفضلا وعطية، { والله ذو الفضل العظيم } الذي يستحقر دونه نعم الدنيا والآخرة.
الإشارة: كل من لم يعرف الله معرفة العيان، فهو من الأميين، فكما من الله تعالى على عباده ببعثه الرسول، بعد أن كانوا في ضلال مبين، كذلك من على أمته بعده، فبعث مشايخ التربية يتلو عليهم آياته الدالة على شهوده وظهوره، ويزكيهم من الرذائل التي تحجبهم عن الله، ويعلمهم أسرار الكتاب، وأسرار الحكمة، وهي الشريعة، إذ لا يوقف على أسرارهما إلا بعد تطهير القلوب، وتزكية النفوس، وإن كانوا من قبل ملاقاة المشايخ لفي ضلال مبين، حائدين عن طريق الشهود، وبعث أيضا في آخرين منهم من يذكرهم ويعرفهم بالله، وهكذا لا ينقطع الداعي إلى يوم القيامة، لكن لا يصل إليه إلا من أراد الله أن يوصله إليه، ولذلك قال: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء... } الآية. ولما خص الله العرب بهذه المزية العظمى، قالت اليهود: نحن أهل الكتاب، وفينا العلم قبلكم، فأنزل الله تعالى: { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها }.
الجمعة 62:4
يقول الحق جل جلاله: { يسبح لله ما في السموات وما في الأرض } ، وهذا التسبيح إما أن يكون: تسبيح خلقة، يعني: أنك إذا نظرت إلى شيء دلتك خلقته على وحدانيته تعالى، وتنزيهه عما لا يليق به، وإما أن يكون تسبيح معرفة بأن يخلق في كل شيء ما يعرفه به تعالى وينزهه، ألا ترى إلى قوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم
[الإسراء:44]، أو: تسبيح ضرورة، بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير معرفة له بذلك. قاله النسفي. { الملك القدس } أي: المنزه عما لا يليق به من الكمالات. ولا يقال: المنزه عن النقائص إذ لا يصح اتصافه بها حتى تنفى عنه، وربما يكون نقصا في حقه، كما يقال: الملك ليس بجزار. { العزيز الحكيم } وقرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح. { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } أي: بعث رجلا أميا في قوم أميين، وقيل: { منهم }: من أنفسهم، يعلمون نسبه وأحواله وصدقه. والأمي: منسوب إلى أمية العرب لأنهم لايقرؤون ولا يكتبون من بين الأمم. قيل. بدئت الكتابة في العرب بالطائف وهم أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. { يتلو عليهم آياته } القرآن { ويزكيهم } يطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية، { ويعلمهم الكتاب } القرآن { والحكمة } السنة، أو الفقه في الدين، أو إتقان العلم والعمل، { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } كفر وجهالة. و " إن " مخففة، أي: وإن الشأن كانوا في ضلال فظيع، وهو بيان لشدة افتقارهم لمن يرشدهم، وإزاحة لما عسى أن يتوهم من تعلمه صلى الله عليه وسلم من الغير إذ كلهم كانوا مغروقين في الجهل والضلال، ليس فيهم من يعلم شيئا. { وآخرين منهم }: عطف على " الأميين " أي: بعث في الأميين، الذين في عصره، وفي آخرين من الأميين { لما يلحقوا بهم } أي: لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون، وهم الذين يأتون بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل: هم العجم، أي: وآخرين من جنسهم، وقيل: عطف على " يعلمهم " أي: يعلم أخرين منهم، وعلى كل فدعوته صلى الله عليه وسلم عامة. { وهو العزيز الحكيم } المبالغ في العزة والحكمة، ولذلك مكن رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم، واصطفاه من بين كافة البشر. { ذلك } الذي امتاز به محمد صلى الله عليه وسلم من بين سائر البشر { فضل الله } وإحسانه، أو: ذلك التوفيق حتى يؤمنوا من فضل الله، لا باستحقاق، أو الاعتناء بالبعث وعدم الإهمال، مع ما حصل منه من النتائج المذكورة، فضل من الله، وقطع الأسباب في الجملة في استحقاق الفضل إذ علقه بالمشيئة في قوله: { يؤتيه من يشاء } تفضلا وعطية، { والله ذو الفضل العظيم } الذي يستحقر دونه نعم الدنيا والآخرة.
الإشارة: كل من لم يعرف الله معرفة العيان، فهو من الأميين، فكما من الله تعالى على عباده ببعثه الرسول، بعد أن كانوا في ضلال مبين، كذلك من على أمته بعده، فبعث مشايخ التربية يتلو عليهم آياته الدالة على شهوده وظهوره، ويزكيهم من الرذائل التي تحجبهم عن الله، ويعلمهم أسرار الكتاب، وأسرار الحكمة، وهي الشريعة، إذ لا يوقف على أسرارهما إلا بعد تطهير القلوب، وتزكية النفوس، وإن كانوا من قبل ملاقاة المشايخ لفي ضلال مبين، حائدين عن طريق الشهود، وبعث أيضا في آخرين منهم من يذكرهم ويعرفهم بالله، وهكذا لا ينقطع الداعي إلى يوم القيامة، لكن لا يصل إليه إلا من أراد الله أن يوصله إليه، ولذلك قال: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء... } الآية. ولما خص الله العرب بهذه المزية العظمى، قالت اليهود: نحن أهل الكتاب، وفينا العلم قبلكم، فأنزل الله تعالى: { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها }.
الجمعة 62:5
يقول الحق جل جلاله: { مثل } اليهود { الذين حملوا التوراة } أي: كلفوا علمها، والعمل بما فيها، { ثم لم يحملوها } لم يعملوا بما فيها، فكأنهم لم يحملوها، { كمثل الحمار يحمل أسفارا } جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شبه اليهود بالحمار، فإنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك: أن فيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به، فلم يؤمنوا، فهم أشبه شيء بحمار حمل كتبا كبارا من كتب العلم، فهو يشمي بها، ولا يدري منها إلا ما يلحقه من الكد والتعب. وفي التلخيص: وجه الشبه: حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمل التعب في استصحابه، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله. قال الطيبي: لما تمسكت اليهود بقوله: " في الأميين " لأنه خاص بالعرب أتبعه بضرب المثل لمن تمسك بهذه الشبهة وترك الدلائل الواضحة المسطورة بعموم البعثة، وأنه كالحمار يحمل أسفارا، ولا يدري ما حمل، ولا ما فيه. ه. وجملة " يحمل " حال، والعامل فيها، معنى المثل، أو: صفة للحمار إذ ليس المراد به معينا فهو كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني...
{ بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } أي: بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا، أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم، وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { والله لا يهدي القوم الظالمين } وقت اختيارهم الظلم، أو: لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالما، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ، كانوا يقولون:
نحن أبناء الله وأحباؤه
[المائدة:18]، أي: إن كان قولكم حقا، وكنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتمكم ويبعثكم سريعا إلى دار كرامته، التي أعدها لأوليائه، فإن الحبيب يحب لقاء حبيبه، وينتقل من دار الأكدار، إلى دار السرور والهناء، قال تعالى: { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. والباء متعلقة بما يدل عليه النفي، أي: يأبون ذلك بسبب ما قدمت أيديهم، { والله عليم بالظالمين } أي: بهم. وإيثار الإظهار في موضع الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بالظلم في كل ما يأتون وما يذرون من الأمور، التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل من ولاية الله. ثم إنهم لم يجسر أحد منهم أن يتمناها، بل فروا منها، كما قال تعالى: { قل إن الموت الذي تفرون منه } ولم تجسروا أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم، { فإنه ملاقيكم } لا محالة، من خير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" لو تمنوه لماتوا من ساعتهم "
، وهذه إحدى المعجزات. ودخلت الباء في خبر " إن " مع أنه لا يجوز: إن زيدا فمنطلق لأن " الذي " قد عرف فيه معنى الشرط والجزاء، كأنه قيل: إن فررتم من أي موت كان من قتال أو غيره، فإنه ملاقيكم، { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } الذي لاتخفى عليه خافية، { فينبئكم بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، بأن يجازيكم عليها. قال الكواشي: أكذب الله اليهود في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله فكذبهم بقوله: { فتمنواالموت } وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبهوا بالحمار يحمل أسفارا، وبالسبت، وأنه ليس للمسلمين مثله، فجعل الله لهم الجمعة. ه. ولذلك ذكرها بإثر تكذيبهم. الإشارة: مثل الذي يقرأ القرآن ويتلوه ولا يتدبر معانيه، أو يقرأ العلم ولا يعمل به، كمثل الحمار..الخ. وعروض الموت على النفس، أو العمل أو الحال، ميزان صحيح، فكل حال وعمل، أو شخص هزمه الموت فهو معلول، وحب البقاء للترقي والتوسعة في المعرفة محمود، وغيره مذموم، وقد تقدم في البقرة تفصيل ذلك، فراجعه إن شئت. وأما تمني الموت فقد نهي عنه، إلا لخوف الفتنة، فقد قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهما: ما لك تكثر الدعاء بالموت؟ وما الذي مللت من العيش؟ أما تقوم فاسدا وتعين صالحا؟ فقال عمر: يا بن عباس! كيف لا أتمنى الموت، وأطلب القدوم على الله، ولست أرى في الناس إلا فاتحا فاه للعدة من الدنيا إما بحق لا يثق به، أو بباطل لا يناله، ولولا أن يسألني ربي عن الناس لفررت منهم، وتصبح الأرض مني بلاقع. ه. وقيل لسفيان الثوري: لم تتمن الموت، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه؟ فقال: إن سألني ربي عن ذلك أقول: لثقتي بك يا رب، وخوفي من الناس، ثم أنشد:
قد قلت لما مدحوا الحياة وأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تعرف فيها أمان لقائه بلقائه وفراق كل معاشر لا ينصف
وقال طاوس: لا يحرز المرء إلا حفرته، وأنشدوا:
يبكي الرجال على الحياة وقد أفنى دموعي شوقي إلى الأجل أموت من قبل أن يفر مني دهري فإني منه على وجل
ثم ذكر شأن الجمعة، ردا على افتخار اليهود بالسبت، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة }.
الجمعة 62:6
يقول الحق جل جلاله: { مثل } اليهود { الذين حملوا التوراة } أي: كلفوا علمها، والعمل بما فيها، { ثم لم يحملوها } لم يعملوا بما فيها، فكأنهم لم يحملوها، { كمثل الحمار يحمل أسفارا } جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شبه اليهود بالحمار، فإنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك: أن فيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به، فلم يؤمنوا، فهم أشبه شيء بحمار حمل كتبا كبارا من كتب العلم، فهو يشمي بها، ولا يدري منها إلا ما يلحقه من الكد والتعب. وفي التلخيص: وجه الشبه: حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمل التعب في استصحابه، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله. قال الطيبي: لما تمسكت اليهود بقوله: " في الأميين " لأنه خاص بالعرب أتبعه بضرب المثل لمن تمسك بهذه الشبهة وترك الدلائل الواضحة المسطورة بعموم البعثة، وأنه كالحمار يحمل أسفارا، ولا يدري ما حمل، ولا ما فيه. ه. وجملة " يحمل " حال، والعامل فيها، معنى المثل، أو: صفة للحمار إذ ليس المراد به معينا فهو كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني...
{ بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } أي: بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا، أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم، وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { والله لا يهدي القوم الظالمين } وقت اختيارهم الظلم، أو: لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالما، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ، كانوا يقولون:
نحن أبناء الله وأحباؤه
[المائدة:18]، أي: إن كان قولكم حقا، وكنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتمكم ويبعثكم سريعا إلى دار كرامته، التي أعدها لأوليائه، فإن الحبيب يحب لقاء حبيبه، وينتقل من دار الأكدار، إلى دار السرور والهناء، قال تعالى: { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. والباء متعلقة بما يدل عليه النفي، أي: يأبون ذلك بسبب ما قدمت أيديهم، { والله عليم بالظالمين } أي: بهم. وإيثار الإظهار في موضع الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بالظلم في كل ما يأتون وما يذرون من الأمور، التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل من ولاية الله. ثم إنهم لم يجسر أحد منهم أن يتمناها، بل فروا منها، كما قال تعالى: { قل إن الموت الذي تفرون منه } ولم تجسروا أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم، { فإنه ملاقيكم } لا محالة، من خير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" لو تمنوه لماتوا من ساعتهم "
، وهذه إحدى المعجزات. ودخلت الباء في خبر " إن " مع أنه لا يجوز: إن زيدا فمنطلق لأن " الذي " قد عرف فيه معنى الشرط والجزاء، كأنه قيل: إن فررتم من أي موت كان من قتال أو غيره، فإنه ملاقيكم، { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } الذي لاتخفى عليه خافية، { فينبئكم بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، بأن يجازيكم عليها. قال الكواشي: أكذب الله اليهود في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله فكذبهم بقوله: { فتمنواالموت } وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبهوا بالحمار يحمل أسفارا، وبالسبت، وأنه ليس للمسلمين مثله، فجعل الله لهم الجمعة. ه. ولذلك ذكرها بإثر تكذيبهم. الإشارة: مثل الذي يقرأ القرآن ويتلوه ولا يتدبر معانيه، أو يقرأ العلم ولا يعمل به، كمثل الحمار..الخ. وعروض الموت على النفس، أو العمل أو الحال، ميزان صحيح، فكل حال وعمل، أو شخص هزمه الموت فهو معلول، وحب البقاء للترقي والتوسعة في المعرفة محمود، وغيره مذموم، وقد تقدم في البقرة تفصيل ذلك، فراجعه إن شئت. وأما تمني الموت فقد نهي عنه، إلا لخوف الفتنة، فقد قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهما: ما لك تكثر الدعاء بالموت؟ وما الذي مللت من العيش؟ أما تقوم فاسدا وتعين صالحا؟ فقال عمر: يا بن عباس! كيف لا أتمنى الموت، وأطلب القدوم على الله، ولست أرى في الناس إلا فاتحا فاه للعدة من الدنيا إما بحق لا يثق به، أو بباطل لا يناله، ولولا أن يسألني ربي عن الناس لفررت منهم، وتصبح الأرض مني بلاقع. ه. وقيل لسفيان الثوري: لم تتمن الموت، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه؟ فقال: إن سألني ربي عن ذلك أقول: لثقتي بك يا رب، وخوفي من الناس، ثم أنشد:
قد قلت لما مدحوا الحياة وأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تعرف فيها أمان لقائه بلقائه وفراق كل معاشر لا ينصف
وقال طاوس: لا يحرز المرء إلا حفرته، وأنشدوا:
يبكي الرجال على الحياة وقد أفنى دموعي شوقي إلى الأجل أموت من قبل أن يفر مني دهري فإني منه على وجل
ثم ذكر شأن الجمعة، ردا على افتخار اليهود بالسبت، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة }.
الجمعة 62:7
يقول الحق جل جلاله: { مثل } اليهود { الذين حملوا التوراة } أي: كلفوا علمها، والعمل بما فيها، { ثم لم يحملوها } لم يعملوا بما فيها، فكأنهم لم يحملوها، { كمثل الحمار يحمل أسفارا } جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شبه اليهود بالحمار، فإنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك: أن فيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به، فلم يؤمنوا، فهم أشبه شيء بحمار حمل كتبا كبارا من كتب العلم، فهو يشمي بها، ولا يدري منها إلا ما يلحقه من الكد والتعب. وفي التلخيص: وجه الشبه: حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمل التعب في استصحابه، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله. قال الطيبي: لما تمسكت اليهود بقوله: " في الأميين " لأنه خاص بالعرب أتبعه بضرب المثل لمن تمسك بهذه الشبهة وترك الدلائل الواضحة المسطورة بعموم البعثة، وأنه كالحمار يحمل أسفارا، ولا يدري ما حمل، ولا ما فيه. ه. وجملة " يحمل " حال، والعامل فيها، معنى المثل، أو: صفة للحمار إذ ليس المراد به معينا فهو كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني...
{ بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } أي: بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا، أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم، وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { والله لا يهدي القوم الظالمين } وقت اختيارهم الظلم، أو: لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالما، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ، كانوا يقولون:
نحن أبناء الله وأحباؤه
[المائدة:18]، أي: إن كان قولكم حقا، وكنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتمكم ويبعثكم سريعا إلى دار كرامته، التي أعدها لأوليائه، فإن الحبيب يحب لقاء حبيبه، وينتقل من دار الأكدار، إلى دار السرور والهناء، قال تعالى: { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. والباء متعلقة بما يدل عليه النفي، أي: يأبون ذلك بسبب ما قدمت أيديهم، { والله عليم بالظالمين } أي: بهم. وإيثار الإظهار في موضع الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بالظلم في كل ما يأتون وما يذرون من الأمور، التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل من ولاية الله. ثم إنهم لم يجسر أحد منهم أن يتمناها، بل فروا منها، كما قال تعالى: { قل إن الموت الذي تفرون منه } ولم تجسروا أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم، { فإنه ملاقيكم } لا محالة، من خير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" لو تمنوه لماتوا من ساعتهم "
، وهذه إحدى المعجزات. ودخلت الباء في خبر " إن " مع أنه لا يجوز: إن زيدا فمنطلق لأن " الذي " قد عرف فيه معنى الشرط والجزاء، كأنه قيل: إن فررتم من أي موت كان من قتال أو غيره، فإنه ملاقيكم، { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } الذي لاتخفى عليه خافية، { فينبئكم بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، بأن يجازيكم عليها. قال الكواشي: أكذب الله اليهود في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله فكذبهم بقوله: { فتمنواالموت } وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبهوا بالحمار يحمل أسفارا، وبالسبت، وأنه ليس للمسلمين مثله، فجعل الله لهم الجمعة. ه. ولذلك ذكرها بإثر تكذيبهم. الإشارة: مثل الذي يقرأ القرآن ويتلوه ولا يتدبر معانيه، أو يقرأ العلم ولا يعمل به، كمثل الحمار..الخ. وعروض الموت على النفس، أو العمل أو الحال، ميزان صحيح، فكل حال وعمل، أو شخص هزمه الموت فهو معلول، وحب البقاء للترقي والتوسعة في المعرفة محمود، وغيره مذموم، وقد تقدم في البقرة تفصيل ذلك، فراجعه إن شئت. وأما تمني الموت فقد نهي عنه، إلا لخوف الفتنة، فقد قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهما: ما لك تكثر الدعاء بالموت؟ وما الذي مللت من العيش؟ أما تقوم فاسدا وتعين صالحا؟ فقال عمر: يا بن عباس! كيف لا أتمنى الموت، وأطلب القدوم على الله، ولست أرى في الناس إلا فاتحا فاه للعدة من الدنيا إما بحق لا يثق به، أو بباطل لا يناله، ولولا أن يسألني ربي عن الناس لفررت منهم، وتصبح الأرض مني بلاقع. ه. وقيل لسفيان الثوري: لم تتمن الموت، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه؟ فقال: إن سألني ربي عن ذلك أقول: لثقتي بك يا رب، وخوفي من الناس، ثم أنشد:
قد قلت لما مدحوا الحياة وأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تعرف فيها أمان لقائه بلقائه وفراق كل معاشر لا ينصف
وقال طاوس: لا يحرز المرء إلا حفرته، وأنشدوا:
يبكي الرجال على الحياة وقد أفنى دموعي شوقي إلى الأجل أموت من قبل أن يفر مني دهري فإني منه على وجل
ثم ذكر شأن الجمعة، ردا على افتخار اليهود بالسبت، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة }.
الجمعة 62:8
يقول الحق جل جلاله: { مثل } اليهود { الذين حملوا التوراة } أي: كلفوا علمها، والعمل بما فيها، { ثم لم يحملوها } لم يعملوا بما فيها، فكأنهم لم يحملوها، { كمثل الحمار يحمل أسفارا } جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شبه اليهود بالحمار، فإنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك: أن فيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به، فلم يؤمنوا، فهم أشبه شيء بحمار حمل كتبا كبارا من كتب العلم، فهو يشمي بها، ولا يدري منها إلا ما يلحقه من الكد والتعب. وفي التلخيص: وجه الشبه: حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمل التعب في استصحابه، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله. قال الطيبي: لما تمسكت اليهود بقوله: " في الأميين " لأنه خاص بالعرب أتبعه بضرب المثل لمن تمسك بهذه الشبهة وترك الدلائل الواضحة المسطورة بعموم البعثة، وأنه كالحمار يحمل أسفارا، ولا يدري ما حمل، ولا ما فيه. ه. وجملة " يحمل " حال، والعامل فيها، معنى المثل، أو: صفة للحمار إذ ليس المراد به معينا فهو كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني...
{ بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } أي: بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا، أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم، وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { والله لا يهدي القوم الظالمين } وقت اختيارهم الظلم، أو: لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالما، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ، كانوا يقولون:
نحن أبناء الله وأحباؤه
[المائدة:18]، أي: إن كان قولكم حقا، وكنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتمكم ويبعثكم سريعا إلى دار كرامته، التي أعدها لأوليائه، فإن الحبيب يحب لقاء حبيبه، وينتقل من دار الأكدار، إلى دار السرور والهناء، قال تعالى: { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. والباء متعلقة بما يدل عليه النفي، أي: يأبون ذلك بسبب ما قدمت أيديهم، { والله عليم بالظالمين } أي: بهم. وإيثار الإظهار في موضع الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بالظلم في كل ما يأتون وما يذرون من الأمور، التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل من ولاية الله. ثم إنهم لم يجسر أحد منهم أن يتمناها، بل فروا منها، كما قال تعالى: { قل إن الموت الذي تفرون منه } ولم تجسروا أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم، { فإنه ملاقيكم } لا محالة، من خير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" لو تمنوه لماتوا من ساعتهم "
، وهذه إحدى المعجزات. ودخلت الباء في خبر " إن " مع أنه لا يجوز: إن زيدا فمنطلق لأن " الذي " قد عرف فيه معنى الشرط والجزاء، كأنه قيل: إن فررتم من أي موت كان من قتال أو غيره، فإنه ملاقيكم، { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } الذي لاتخفى عليه خافية، { فينبئكم بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي، بأن يجازيكم عليها. قال الكواشي: أكذب الله اليهود في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله فكذبهم بقوله: { فتمنواالموت } وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبهوا بالحمار يحمل أسفارا، وبالسبت، وأنه ليس للمسلمين مثله، فجعل الله لهم الجمعة. ه. ولذلك ذكرها بإثر تكذيبهم. الإشارة: مثل الذي يقرأ القرآن ويتلوه ولا يتدبر معانيه، أو يقرأ العلم ولا يعمل به، كمثل الحمار..الخ. وعروض الموت على النفس، أو العمل أو الحال، ميزان صحيح، فكل حال وعمل، أو شخص هزمه الموت فهو معلول، وحب البقاء للترقي والتوسعة في المعرفة محمود، وغيره مذموم، وقد تقدم في البقرة تفصيل ذلك، فراجعه إن شئت. وأما تمني الموت فقد نهي عنه، إلا لخوف الفتنة، فقد قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهما: ما لك تكثر الدعاء بالموت؟ وما الذي مللت من العيش؟ أما تقوم فاسدا وتعين صالحا؟ فقال عمر: يا بن عباس! كيف لا أتمنى الموت، وأطلب القدوم على الله، ولست أرى في الناس إلا فاتحا فاه للعدة من الدنيا إما بحق لا يثق به، أو بباطل لا يناله، ولولا أن يسألني ربي عن الناس لفررت منهم، وتصبح الأرض مني بلاقع. ه. وقيل لسفيان الثوري: لم تتمن الموت، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه؟ فقال: إن سألني ربي عن ذلك أقول: لثقتي بك يا رب، وخوفي من الناس، ثم أنشد:
قد قلت لما مدحوا الحياة وأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تعرف فيها أمان لقائه بلقائه وفراق كل معاشر لا ينصف
وقال طاوس: لا يحرز المرء إلا حفرته، وأنشدوا:
يبكي الرجال على الحياة وقد أفنى دموعي شوقي إلى الأجل أموت من قبل أن يفر مني دهري فإني منه على وجل
ثم ذكر شأن الجمعة، ردا على افتخار اليهود بالسبت، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة }.
الجمعة 62:9
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } ، والإمام على المنبر، و " من " بيان ل " إذا " أو تفسير لها، وقيل: " من " بمعنى " في " كقوله:
ماذا خلقوا من ألأرض
[فاطر:40 و الأحقاف:4] أي: في الأرض. وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: أول من سماها جمعة: كعب بن لؤي، وكان يسمى العروبة، وقيل: إن الأنصار قالوا قبل الهجرة: لليهود يوم يجتمعون فيه في كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل يوما نجتمع فيه، فنذكر الله نصلي، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم الجمعة، فاجتعوا إلى سعد بن زرارة، فصلى بهم ركعتين، وذكرهم، فسموه يوم الجمعة، لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة أي: بعد ذلك تقريرا لفعلهم، فهي أول جمعة كانت في الإسلام. وأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي لما قدم المدينة مهاجرا، نزل قباء، على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء الأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا إلى المدينة، فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، في بطن واد لهم، وقد بنوا هناك مسجدا، فخطب، وصلى الجمعة فيه. انظر الثعلبي. ويوم الجمعة سيد الأيام، وفي الحديث:
" من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر ".
فإذا نودي للصلاة { فاسعوا إلى ذكر الله } أي: امشوا واحضروا الخطبة والصلاة { وذروا البيع } أي: اتركوا المعاملة كلها، وإنما خص البيع لأن يوم الجمعة كان سوقا يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال، فقيل لهم: بادروا إلى تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، { واسعوا إلى ذكر الله } الذي لا شيء أنفع منه، { ذالكم } أي: السعي إلى ذكر الله { خير لكم } من البيع والشراء { إن كنتم تعلمون } الخير والشر الحقيقيين، أو: إن كنتم من أهل العلم. { فإذا قضيت الصلاة } أي: أديت وفرغ منها { فانتشروا في الأرض } ، أمر إباحة، أي: اخرجوا لإقامة مصالحكم، { وابتغوا من فضل الله } الرزق، قال ابن عباس: " إنما هي عيادة المريض، وحضور الجنائز، وزيارة أخ في الله " ومثله في الحديث، وعن الحسن: طلب العلم، وقيل: صلاة التطوع. { واذكروا الله كثيرا } ، أي: ذكرا كثيرا أو زمنا كثيرا، ولا تخصوا ذكره بالصلاة، { لعلكم تفلحون } أي: كي تفوزوا بخير الدارين. { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ،
" روي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة، بتجارة من زيت الشام، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقاموا إليها خشية أن يسبقوا إليه، فما بقي معه عليه السلام إلا ثمانية، أو اثنا عشر العشرة المبشرون بالجنة، وبلال وابن مسعود، وقيل: أربعون، وهذا مبنى الخلاف في عدد الجماعة التي تنعقد بهم وتجب عليهم، فقال مالك: تنعقد باثني عشر غير الإمام، وتجب على قرية يمكنهم الإقامة والدفع عن أنفسهم في الغالب، وقال الشافعي: أربعون رجلا وقال أبو حنيفة: لا بد من المصر الجامع، والسلطان القاهر، وتصح الصلاة عنده بأربعة. ولما انفضوا قال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده لو قاموا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا "
وفي مراسيل أبي داود: إن الخطبة كانت بعد الصلاة، فتأولوا رضي الله عنهم أنهم قد قضوا ما عليهم، فحولت الخطبة بعد ذلك قبل الصلاة. ه. وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، وهو المراد باللهو. وتخصيص التجارة برجع الضمير إليها لأنها المقصودة، أو لأن الانفضاض إذا كان للتجارة مع الحاجة إليها مذموما، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو، فهو مذموم في نفسه، وقيل: التقدير: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه. وقال أبو حيان: وإنما قال: " إليها " ، ولم يقل: إليهما، لأن العطف ب " أو " لا يثنى فيه الضمير، بل يفرد، وقال الطيبي: الضمير راجع إلى اللهو، باعتبار المعنى، والسر فيه: أن التجارة إذا شغلت المكلف عن الذكر عدت لهوا، وتعد فضلا إن لم تشغله، كما ذكر قبل ذلك، فراجعه. { وتركوك قائما } على المنبر، وفيه دليل على طلب القيام في الخطبة إلا لعذر. { قل ما عند الله } من الثواب { خير من اللهو ومن التجارة } فإن في ذلك نفع محقق دائم، بخلاف ما فيهما من النفع المتوهم. { والله خير الرازقين } فإليه اسعوا،ومنه اطلبوا الرزق، أي: لا يفوتهم رزق الله بترك البيع، فهو خير الرازقين. الإشارة: إذا نودي لصلاة القلوب في مقام الجمع، من ناحية الداعي إليها، وهم المشايخ العارفون، فاسعوا إلى ذكر الله، ودوموا عليه باللسان والقلب، ثم بالقلب فقط، ثم بالروح، ثم بالسر، فإن الذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، قال الورتجبي بعد كلام: الساعي إلى الذكر مقام المريدين، والمحقق في المعرفة غلب عليه ذكر الله إياه بنعت تجلي نفسه لقلبه. ه. { وذروا البيع } أي: اتركوا كل ما يشغل عن الله، فلا تتجلى الحقائق إلا بعد ترك العلائق، ذلكم، أي: ترك كل شاغل، خير لكم إن كنتم تعلمون، أي: إن كنتم من أهل العلم بالله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض... الخ، أي: إذا حصل لكم البقاء بعد الفناء فانتشروا في أرض العبودية، واتسعوا في ميادين البشرية، بالاستمتاع بالشهوات المباحة بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، وابتغوا من فضل الله، بالتجارات الرابحة، وهي إرشاد العباد إلى الله، { واذكروا الله كثيرا } أي: في كل شيء وعند كل شيء، برؤية الحق في كل شيء، وإليه تشير وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ بقوله:
" واذكر الله عند كل حجر وشجر ".
وقوله تعالى: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ، قال القشيري: يشير إلى السالكين المحرومين من الجذبة وهو السالك الأبتر إذا رأوا تجارة، أي: طاعة توجب ثواب الآخرة، يقومون إليها، ويثبون عليها، نظرا إلى ثواب الآخرة، كما قال عليه السلام:
" لا تكونوا كالأجير السوء، إن أعطي عمل، وإن لم يعط لم يعمل "
، أو لهوا أطرب النفس برؤية الطاعة واستلذاذها بنظر الخلق إليها، انفضوا إليها وتركوك أيها السالك الحقيقي قائما بعبودية الحق، ومشاهدة قيوميته، قل: ما عند الله من المواهب العالية، والعطايا السنية، خير من لهو النفس برؤية الغير، ومن التجارات بثواب الآخرة، لقوله تعالى:
فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولآ يشرك بعبادة ربه أحدا
[الكهف:110] أو: ما عند الله نقدا للعارفين من واردات القلوب، وبواده الحقيقية، خير مما يؤمل من الدنيا والآخرة للغافلين، والله خير الرازقين، لإعطائه رزق النفس، وهو الطاعة على المنهاج والشرع، ورزق القلب، وهو الأعمال القلبية، كالزهد والورع والرضا والتسليم والمراقبة، والبسط والقبض، والأنس والهيبة، ورزق الروح بالتجليات والمشاهدات، والمعاينات والتنزلات، ورزق السر برفع رؤية الغير والغيرية، ورزق الخفاء بالفناء في الله والبقاء به. ه. قال الورتجبي: فيه تأديب المريدين حين اشتغلوا عن صحبة المشايخ، بخلواتهم وعباداتهم، لطلب الكرامة ولم يعلموا أن ما يجدون في خلواتهم بالإضافة إلى ما يجدون في صحبة مشايخهم لهو. ه. وهو حق. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد، عين عيان التحقيق وعلى آله وصحبه وسلم.
الجمعة 62:10
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } ، والإمام على المنبر، و " من " بيان ل " إذا " أو تفسير لها، وقيل: " من " بمعنى " في " كقوله:
ماذا خلقوا من ألأرض
[فاطر:40 و الأحقاف:4] أي: في الأرض. وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: أول من سماها جمعة: كعب بن لؤي، وكان يسمى العروبة، وقيل: إن الأنصار قالوا قبل الهجرة: لليهود يوم يجتمعون فيه في كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل يوما نجتمع فيه، فنذكر الله نصلي، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم الجمعة، فاجتعوا إلى سعد بن زرارة، فصلى بهم ركعتين، وذكرهم، فسموه يوم الجمعة، لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة أي: بعد ذلك تقريرا لفعلهم، فهي أول جمعة كانت في الإسلام. وأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي لما قدم المدينة مهاجرا، نزل قباء، على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء الأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا إلى المدينة، فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، في بطن واد لهم، وقد بنوا هناك مسجدا، فخطب، وصلى الجمعة فيه. انظر الثعلبي. ويوم الجمعة سيد الأيام، وفي الحديث:
" من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر ".
فإذا نودي للصلاة { فاسعوا إلى ذكر الله } أي: امشوا واحضروا الخطبة والصلاة { وذروا البيع } أي: اتركوا المعاملة كلها، وإنما خص البيع لأن يوم الجمعة كان سوقا يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال، فقيل لهم: بادروا إلى تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، { واسعوا إلى ذكر الله } الذي لا شيء أنفع منه، { ذالكم } أي: السعي إلى ذكر الله { خير لكم } من البيع والشراء { إن كنتم تعلمون } الخير والشر الحقيقيين، أو: إن كنتم من أهل العلم. { فإذا قضيت الصلاة } أي: أديت وفرغ منها { فانتشروا في الأرض } ، أمر إباحة، أي: اخرجوا لإقامة مصالحكم، { وابتغوا من فضل الله } الرزق، قال ابن عباس: " إنما هي عيادة المريض، وحضور الجنائز، وزيارة أخ في الله " ومثله في الحديث، وعن الحسن: طلب العلم، وقيل: صلاة التطوع. { واذكروا الله كثيرا } ، أي: ذكرا كثيرا أو زمنا كثيرا، ولا تخصوا ذكره بالصلاة، { لعلكم تفلحون } أي: كي تفوزوا بخير الدارين. { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ،
" روي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة، بتجارة من زيت الشام، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقاموا إليها خشية أن يسبقوا إليه، فما بقي معه عليه السلام إلا ثمانية، أو اثنا عشر العشرة المبشرون بالجنة، وبلال وابن مسعود، وقيل: أربعون، وهذا مبنى الخلاف في عدد الجماعة التي تنعقد بهم وتجب عليهم، فقال مالك: تنعقد باثني عشر غير الإمام، وتجب على قرية يمكنهم الإقامة والدفع عن أنفسهم في الغالب، وقال الشافعي: أربعون رجلا وقال أبو حنيفة: لا بد من المصر الجامع، والسلطان القاهر، وتصح الصلاة عنده بأربعة. ولما انفضوا قال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده لو قاموا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا "
وفي مراسيل أبي داود: إن الخطبة كانت بعد الصلاة، فتأولوا رضي الله عنهم أنهم قد قضوا ما عليهم، فحولت الخطبة بعد ذلك قبل الصلاة. ه. وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، وهو المراد باللهو. وتخصيص التجارة برجع الضمير إليها لأنها المقصودة، أو لأن الانفضاض إذا كان للتجارة مع الحاجة إليها مذموما، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو، فهو مذموم في نفسه، وقيل: التقدير: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه. وقال أبو حيان: وإنما قال: " إليها " ، ولم يقل: إليهما، لأن العطف ب " أو " لا يثنى فيه الضمير، بل يفرد، وقال الطيبي: الضمير راجع إلى اللهو، باعتبار المعنى، والسر فيه: أن التجارة إذا شغلت المكلف عن الذكر عدت لهوا، وتعد فضلا إن لم تشغله، كما ذكر قبل ذلك، فراجعه. { وتركوك قائما } على المنبر، وفيه دليل على طلب القيام في الخطبة إلا لعذر. { قل ما عند الله } من الثواب { خير من اللهو ومن التجارة } فإن في ذلك نفع محقق دائم، بخلاف ما فيهما من النفع المتوهم. { والله خير الرازقين } فإليه اسعوا،ومنه اطلبوا الرزق، أي: لا يفوتهم رزق الله بترك البيع، فهو خير الرازقين. الإشارة: إذا نودي لصلاة القلوب في مقام الجمع، من ناحية الداعي إليها، وهم المشايخ العارفون، فاسعوا إلى ذكر الله، ودوموا عليه باللسان والقلب، ثم بالقلب فقط، ثم بالروح، ثم بالسر، فإن الذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، قال الورتجبي بعد كلام: الساعي إلى الذكر مقام المريدين، والمحقق في المعرفة غلب عليه ذكر الله إياه بنعت تجلي نفسه لقلبه. ه. { وذروا البيع } أي: اتركوا كل ما يشغل عن الله، فلا تتجلى الحقائق إلا بعد ترك العلائق، ذلكم، أي: ترك كل شاغل، خير لكم إن كنتم تعلمون، أي: إن كنتم من أهل العلم بالله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض... الخ، أي: إذا حصل لكم البقاء بعد الفناء فانتشروا في أرض العبودية، واتسعوا في ميادين البشرية، بالاستمتاع بالشهوات المباحة بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، وابتغوا من فضل الله، بالتجارات الرابحة، وهي إرشاد العباد إلى الله، { واذكروا الله كثيرا } أي: في كل شيء وعند كل شيء، برؤية الحق في كل شيء، وإليه تشير وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ بقوله:
" واذكر الله عند كل حجر وشجر ".
وقوله تعالى: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ، قال القشيري: يشير إلى السالكين المحرومين من الجذبة وهو السالك الأبتر إذا رأوا تجارة، أي: طاعة توجب ثواب الآخرة، يقومون إليها، ويثبون عليها، نظرا إلى ثواب الآخرة، كما قال عليه السلام:
" لا تكونوا كالأجير السوء، إن أعطي عمل، وإن لم يعط لم يعمل "
، أو لهوا أطرب النفس برؤية الطاعة واستلذاذها بنظر الخلق إليها، انفضوا إليها وتركوك أيها السالك الحقيقي قائما بعبودية الحق، ومشاهدة قيوميته، قل: ما عند الله من المواهب العالية، والعطايا السنية، خير من لهو النفس برؤية الغير، ومن التجارات بثواب الآخرة، لقوله تعالى:
فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولآ يشرك بعبادة ربه أحدا
[الكهف:110] أو: ما عند الله نقدا للعارفين من واردات القلوب، وبواده الحقيقية، خير مما يؤمل من الدنيا والآخرة للغافلين، والله خير الرازقين، لإعطائه رزق النفس، وهو الطاعة على المنهاج والشرع، ورزق القلب، وهو الأعمال القلبية، كالزهد والورع والرضا والتسليم والمراقبة، والبسط والقبض، والأنس والهيبة، ورزق الروح بالتجليات والمشاهدات، والمعاينات والتنزلات، ورزق السر برفع رؤية الغير والغيرية، ورزق الخفاء بالفناء في الله والبقاء به. ه. قال الورتجبي: فيه تأديب المريدين حين اشتغلوا عن صحبة المشايخ، بخلواتهم وعباداتهم، لطلب الكرامة ولم يعلموا أن ما يجدون في خلواتهم بالإضافة إلى ما يجدون في صحبة مشايخهم لهو. ه. وهو حق. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد، عين عيان التحقيق وعلى آله وصحبه وسلم.
الجمعة 62:11
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } ، والإمام على المنبر، و " من " بيان ل " إذا " أو تفسير لها، وقيل: " من " بمعنى " في " كقوله:
ماذا خلقوا من ألأرض
[فاطر:40 و الأحقاف:4] أي: في الأرض. وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: أول من سماها جمعة: كعب بن لؤي، وكان يسمى العروبة، وقيل: إن الأنصار قالوا قبل الهجرة: لليهود يوم يجتمعون فيه في كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل يوما نجتمع فيه، فنذكر الله نصلي، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم الجمعة، فاجتعوا إلى سعد بن زرارة، فصلى بهم ركعتين، وذكرهم، فسموه يوم الجمعة، لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة أي: بعد ذلك تقريرا لفعلهم، فهي أول جمعة كانت في الإسلام. وأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي لما قدم المدينة مهاجرا، نزل قباء، على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء الأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا إلى المدينة، فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف، في بطن واد لهم، وقد بنوا هناك مسجدا، فخطب، وصلى الجمعة فيه. انظر الثعلبي. ويوم الجمعة سيد الأيام، وفي الحديث:
" من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر ".
فإذا نودي للصلاة { فاسعوا إلى ذكر الله } أي: امشوا واحضروا الخطبة والصلاة { وذروا البيع } أي: اتركوا المعاملة كلها، وإنما خص البيع لأن يوم الجمعة كان سوقا يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال، فقيل لهم: بادروا إلى تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، { واسعوا إلى ذكر الله } الذي لا شيء أنفع منه، { ذالكم } أي: السعي إلى ذكر الله { خير لكم } من البيع والشراء { إن كنتم تعلمون } الخير والشر الحقيقيين، أو: إن كنتم من أهل العلم. { فإذا قضيت الصلاة } أي: أديت وفرغ منها { فانتشروا في الأرض } ، أمر إباحة، أي: اخرجوا لإقامة مصالحكم، { وابتغوا من فضل الله } الرزق، قال ابن عباس: " إنما هي عيادة المريض، وحضور الجنائز، وزيارة أخ في الله " ومثله في الحديث، وعن الحسن: طلب العلم، وقيل: صلاة التطوع. { واذكروا الله كثيرا } ، أي: ذكرا كثيرا أو زمنا كثيرا، ولا تخصوا ذكره بالصلاة، { لعلكم تفلحون } أي: كي تفوزوا بخير الدارين. { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ،
" روي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة، بتجارة من زيت الشام، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقاموا إليها خشية أن يسبقوا إليه، فما بقي معه عليه السلام إلا ثمانية، أو اثنا عشر العشرة المبشرون بالجنة، وبلال وابن مسعود، وقيل: أربعون، وهذا مبنى الخلاف في عدد الجماعة التي تنعقد بهم وتجب عليهم، فقال مالك: تنعقد باثني عشر غير الإمام، وتجب على قرية يمكنهم الإقامة والدفع عن أنفسهم في الغالب، وقال الشافعي: أربعون رجلا وقال أبو حنيفة: لا بد من المصر الجامع، والسلطان القاهر، وتصح الصلاة عنده بأربعة. ولما انفضوا قال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده لو قاموا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا "
وفي مراسيل أبي داود: إن الخطبة كانت بعد الصلاة، فتأولوا رضي الله عنهم أنهم قد قضوا ما عليهم، فحولت الخطبة بعد ذلك قبل الصلاة. ه. وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، وهو المراد باللهو. وتخصيص التجارة برجع الضمير إليها لأنها المقصودة، أو لأن الانفضاض إذا كان للتجارة مع الحاجة إليها مذموما، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو، فهو مذموم في نفسه، وقيل: التقدير: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه. وقال أبو حيان: وإنما قال: " إليها " ، ولم يقل: إليهما، لأن العطف ب " أو " لا يثنى فيه الضمير، بل يفرد، وقال الطيبي: الضمير راجع إلى اللهو، باعتبار المعنى، والسر فيه: أن التجارة إذا شغلت المكلف عن الذكر عدت لهوا، وتعد فضلا إن لم تشغله، كما ذكر قبل ذلك، فراجعه. { وتركوك قائما } على المنبر، وفيه دليل على طلب القيام في الخطبة إلا لعذر. { قل ما عند الله } من الثواب { خير من اللهو ومن التجارة } فإن في ذلك نفع محقق دائم، بخلاف ما فيهما من النفع المتوهم. { والله خير الرازقين } فإليه اسعوا،ومنه اطلبوا الرزق، أي: لا يفوتهم رزق الله بترك البيع، فهو خير الرازقين. الإشارة: إذا نودي لصلاة القلوب في مقام الجمع، من ناحية الداعي إليها، وهم المشايخ العارفون، فاسعوا إلى ذكر الله، ودوموا عليه باللسان والقلب، ثم بالقلب فقط، ثم بالروح، ثم بالسر، فإن الذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، قال الورتجبي بعد كلام: الساعي إلى الذكر مقام المريدين، والمحقق في المعرفة غلب عليه ذكر الله إياه بنعت تجلي نفسه لقلبه. ه. { وذروا البيع } أي: اتركوا كل ما يشغل عن الله، فلا تتجلى الحقائق إلا بعد ترك العلائق، ذلكم، أي: ترك كل شاغل، خير لكم إن كنتم تعلمون، أي: إن كنتم من أهل العلم بالله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض... الخ، أي: إذا حصل لكم البقاء بعد الفناء فانتشروا في أرض العبودية، واتسعوا في ميادين البشرية، بالاستمتاع بالشهوات المباحة بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، وابتغوا من فضل الله، بالتجارات الرابحة، وهي إرشاد العباد إلى الله، { واذكروا الله كثيرا } أي: في كل شيء وعند كل شيء، برؤية الحق في كل شيء، وإليه تشير وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ بقوله:
" واذكر الله عند كل حجر وشجر ".
وقوله تعالى: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ، قال القشيري: يشير إلى السالكين المحرومين من الجذبة وهو السالك الأبتر إذا رأوا تجارة، أي: طاعة توجب ثواب الآخرة، يقومون إليها، ويثبون عليها، نظرا إلى ثواب الآخرة، كما قال عليه السلام:
" لا تكونوا كالأجير السوء، إن أعطي عمل، وإن لم يعط لم يعمل "
، أو لهوا أطرب النفس برؤية الطاعة واستلذاذها بنظر الخلق إليها، انفضوا إليها وتركوك أيها السالك الحقيقي قائما بعبودية الحق، ومشاهدة قيوميته، قل: ما عند الله من المواهب العالية، والعطايا السنية، خير من لهو النفس برؤية الغير، ومن التجارات بثواب الآخرة، لقوله تعالى:
فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولآ يشرك بعبادة ربه أحدا
[الكهف:110] أو: ما عند الله نقدا للعارفين من واردات القلوب، وبواده الحقيقية، خير مما يؤمل من الدنيا والآخرة للغافلين، والله خير الرازقين، لإعطائه رزق النفس، وهو الطاعة على المنهاج والشرع، ورزق القلب، وهو الأعمال القلبية، كالزهد والورع والرضا والتسليم والمراقبة، والبسط والقبض، والأنس والهيبة، ورزق الروح بالتجليات والمشاهدات، والمعاينات والتنزلات، ورزق السر برفع رؤية الغير والغيرية، ورزق الخفاء بالفناء في الله والبقاء به. ه. قال الورتجبي: فيه تأديب المريدين حين اشتغلوا عن صحبة المشايخ، بخلواتهم وعباداتهم، لطلب الكرامة ولم يعلموا أن ما يجدون في خلواتهم بالإضافة إلى ما يجدون في صحبة مشايخهم لهو. ه. وهو حق. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد، عين عيان التحقيق وعلى آله وصحبه وسلم.
المنافقون 63:1
يقول الحق جل جلاله: { إذا جاءك } أيها الرسول { المنافقون } أي: حضروا مجلسك، { قالوا نشهد إنك لرسول الله } ، أكدوا بإن واللام للإيذان بأن شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلبهم، وخلوص اعتقادهم، ووفور رغبتهم ونشاطهم، قال تعالى: { والله يعلم إنك لرسوله } حقيقة، كما يدل عليه ظاهر كلامهم. والجملة معترضة بين شهادتهم وتكذيبهم بقوله: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ، وحكمته: أنه لو لم يذكره لتوهم أن قوله: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } إبطال للرسالة، فوسطه بين حكاية قول المنافقين وبين تكذيبهم ليزيل هذا الوهم، ويحقق الرسالة. وقوله: " لكاذبون " أي: في ادعائهم أنهم قالوا ذلك عن اعتقاد وصميم قلب، كما يشير إليه ظاهر قولهم. قال القشيري: كذبهم فيما قالوا: إنا نشهد عن بصيرة، ونعتقد تصديقك، فلم يكذبهم في الشهادة، ولكن كذبهم في قولهم: إنا مخلصون مصدقون بك. ه. { اتخذوا أيمانهم } الفاجرة { جنة } وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة بالقتل والسبي، وغير ذلك، واتخاذها جنة عبارة عن إعدادهم وتهيئهم لها إلى وقت الحاجة، ليحلفوا بها، ويتخلصوا عن المؤاخذة، { فصدوا } بأنفسهم { عن سبيل الله } وضلوا عن طريق الحق، أو: فصدوا من أراد الدخول في الإسلام بإلقاء الشبه، وصدوا من أراد الإنفاق في سبيل الله بالنهي عنه، كما سيجيء عنهم، ولا ريب أن هذا الصد منهم متقدم على حلفهم بالفعل، ولذلك عبر بالاتخاذ. { إنهم ساء ما كانوا يعملون } من النفاق والصد. وفي " ساء " معنى التعجب وتعظيم أمرهم للسامعين. { ذلك } أي: ما تقدم من قولهم، الناعي عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا، أو: ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستتار بالأيمان الفاجرة. { بأنهم } بسبب أنهم { أمنوا } نطقوا بكلمة الشهادة، كسائر من دخل في الإسلام { ثم كفروا } أي: ظهر كفرهم بما شوهد منهم من شواهد الكفر ودلائله، أو: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ونطقوا بالكفر عند شياطينهم، { فطبع على قلوبهم } ختم عليها، حتى لا يدخلها الإيمان، جزاء على نفاقهم، فتمرنوا على الكفر، واطمأنوا به، { فهم لا يفقهون } شيئا، لا يعرفون حقية الإيمان ولا حقيقته أصلا. الإشارة: قد يأتي إلى مشايخ التربية من ينافقهم، طمعا في الدنيا، فيقول: نشهد إنك لمن العارفين، أو من أهل التربية، مثلا، فتجر الآية ذيلها عليه، وقد يكون مذبذبا، تارة تلوح له أنوار الولاية، وتارة تستر عنه، فيصدق ثم يرجع، ثم يطبع على قلبه. قال القشيري: { ذلك بأنهم آمنوا }: استضاؤوا بنور الإجابة، فلم ينبسط عليهم شعاع نور السعادة، فانطفأ نورهم بقهر الحرمان، وبقوا في ظلمة القسمة السابقة بحكم الشقاوة. ه. وهنا إشارة أخرى للقشيري، وهو: إذا جاءك أيها الروح الصافية منافق الهوى والنفس الأمارة، قالوا: نشهد إنك لرسول الله، أي: كاملة صافية، يريدون بذلك توقفها عن الترقي باستحسان ما أدركت، والوقوف معه، والله يعلم إنك لرسوله، حين تصفى، فتكون محل العلم الرباني، والوحي الإلهامي، والله يشهد إنهم لكاذبون في ادعاء الشهادة بلا حقيقة، اتخذوا أيمانهم جنة، لئلا تكر عليهم بأنوارها، فتخرجهم عن عوائدهم وشهواتهم، فصدوا عن سبيل الله، حيث بقوا مع عوائدهم، أو: فصدوا الروح إن صدقتهم وطاوعتهم، ذلك بأنهم أمنوا، حيث ترد عليهم أنوار الواردات، ثم كفروا رجعوا إلى وطنهم، من الحظوظ، حيث تخمد أنوار الواردات عنهم، فطبع على قلوبهم، حيث وقفوا مع عوائدهم فهم لا يفقهون: لا يعرفون سر إيجادهم، ولا لماذا خلقوا.
ه. بالمعنى. ثم وبخ المنافقين بكونهم أشباحا خاوية، فقال: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم }.
المنافقون 63:2
يقول الحق جل جلاله: { إذا جاءك } أيها الرسول { المنافقون } أي: حضروا مجلسك، { قالوا نشهد إنك لرسول الله } ، أكدوا بإن واللام للإيذان بأن شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلبهم، وخلوص اعتقادهم، ووفور رغبتهم ونشاطهم، قال تعالى: { والله يعلم إنك لرسوله } حقيقة، كما يدل عليه ظاهر كلامهم. والجملة معترضة بين شهادتهم وتكذيبهم بقوله: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ، وحكمته: أنه لو لم يذكره لتوهم أن قوله: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } إبطال للرسالة، فوسطه بين حكاية قول المنافقين وبين تكذيبهم ليزيل هذا الوهم، ويحقق الرسالة. وقوله: " لكاذبون " أي: في ادعائهم أنهم قالوا ذلك عن اعتقاد وصميم قلب، كما يشير إليه ظاهر قولهم. قال القشيري: كذبهم فيما قالوا: إنا نشهد عن بصيرة، ونعتقد تصديقك، فلم يكذبهم في الشهادة، ولكن كذبهم في قولهم: إنا مخلصون مصدقون بك. ه. { اتخذوا أيمانهم } الفاجرة { جنة } وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة بالقتل والسبي، وغير ذلك، واتخاذها جنة عبارة عن إعدادهم وتهيئهم لها إلى وقت الحاجة، ليحلفوا بها، ويتخلصوا عن المؤاخذة، { فصدوا } بأنفسهم { عن سبيل الله } وضلوا عن طريق الحق، أو: فصدوا من أراد الدخول في الإسلام بإلقاء الشبه، وصدوا من أراد الإنفاق في سبيل الله بالنهي عنه، كما سيجيء عنهم، ولا ريب أن هذا الصد منهم متقدم على حلفهم بالفعل، ولذلك عبر بالاتخاذ. { إنهم ساء ما كانوا يعملون } من النفاق والصد. وفي " ساء " معنى التعجب وتعظيم أمرهم للسامعين. { ذلك } أي: ما تقدم من قولهم، الناعي عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا، أو: ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستتار بالأيمان الفاجرة. { بأنهم } بسبب أنهم { أمنوا } نطقوا بكلمة الشهادة، كسائر من دخل في الإسلام { ثم كفروا } أي: ظهر كفرهم بما شوهد منهم من شواهد الكفر ودلائله، أو: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ونطقوا بالكفر عند شياطينهم، { فطبع على قلوبهم } ختم عليها، حتى لا يدخلها الإيمان، جزاء على نفاقهم، فتمرنوا على الكفر، واطمأنوا به، { فهم لا يفقهون } شيئا، لا يعرفون حقية الإيمان ولا حقيقته أصلا. الإشارة: قد يأتي إلى مشايخ التربية من ينافقهم، طمعا في الدنيا، فيقول: نشهد إنك لمن العارفين، أو من أهل التربية، مثلا، فتجر الآية ذيلها عليه، وقد يكون مذبذبا، تارة تلوح له أنوار الولاية، وتارة تستر عنه، فيصدق ثم يرجع، ثم يطبع على قلبه. قال القشيري: { ذلك بأنهم آمنوا }: استضاؤوا بنور الإجابة، فلم ينبسط عليهم شعاع نور السعادة، فانطفأ نورهم بقهر الحرمان، وبقوا في ظلمة القسمة السابقة بحكم الشقاوة. ه. وهنا إشارة أخرى للقشيري، وهو: إذا جاءك أيها الروح الصافية منافق الهوى والنفس الأمارة، قالوا: نشهد إنك لرسول الله، أي: كاملة صافية، يريدون بذلك توقفها عن الترقي باستحسان ما أدركت، والوقوف معه، والله يعلم إنك لرسوله، حين تصفى، فتكون محل العلم الرباني، والوحي الإلهامي، والله يشهد إنهم لكاذبون في ادعاء الشهادة بلا حقيقة، اتخذوا أيمانهم جنة، لئلا تكر عليهم بأنوارها، فتخرجهم عن عوائدهم وشهواتهم، فصدوا عن سبيل الله، حيث بقوا مع عوائدهم، أو: فصدوا الروح إن صدقتهم وطاوعتهم، ذلك بأنهم أمنوا، حيث ترد عليهم أنوار الواردات، ثم كفروا رجعوا إلى وطنهم، من الحظوظ، حيث تخمد أنوار الواردات عنهم، فطبع على قلوبهم، حيث وقفوا مع عوائدهم فهم لا يفقهون: لا يعرفون سر إيجادهم، ولا لماذا خلقوا.
ه. بالمعنى. ثم وبخ المنافقين بكونهم أشباحا خاوية، فقال: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم }.
المنافقون 63:3
يقول الحق جل جلاله: { إذا جاءك } أيها الرسول { المنافقون } أي: حضروا مجلسك، { قالوا نشهد إنك لرسول الله } ، أكدوا بإن واللام للإيذان بأن شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلبهم، وخلوص اعتقادهم، ووفور رغبتهم ونشاطهم، قال تعالى: { والله يعلم إنك لرسوله } حقيقة، كما يدل عليه ظاهر كلامهم. والجملة معترضة بين شهادتهم وتكذيبهم بقوله: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ، وحكمته: أنه لو لم يذكره لتوهم أن قوله: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } إبطال للرسالة، فوسطه بين حكاية قول المنافقين وبين تكذيبهم ليزيل هذا الوهم، ويحقق الرسالة. وقوله: " لكاذبون " أي: في ادعائهم أنهم قالوا ذلك عن اعتقاد وصميم قلب، كما يشير إليه ظاهر قولهم. قال القشيري: كذبهم فيما قالوا: إنا نشهد عن بصيرة، ونعتقد تصديقك، فلم يكذبهم في الشهادة، ولكن كذبهم في قولهم: إنا مخلصون مصدقون بك. ه. { اتخذوا أيمانهم } الفاجرة { جنة } وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة بالقتل والسبي، وغير ذلك، واتخاذها جنة عبارة عن إعدادهم وتهيئهم لها إلى وقت الحاجة، ليحلفوا بها، ويتخلصوا عن المؤاخذة، { فصدوا } بأنفسهم { عن سبيل الله } وضلوا عن طريق الحق، أو: فصدوا من أراد الدخول في الإسلام بإلقاء الشبه، وصدوا من أراد الإنفاق في سبيل الله بالنهي عنه، كما سيجيء عنهم، ولا ريب أن هذا الصد منهم متقدم على حلفهم بالفعل، ولذلك عبر بالاتخاذ. { إنهم ساء ما كانوا يعملون } من النفاق والصد. وفي " ساء " معنى التعجب وتعظيم أمرهم للسامعين. { ذلك } أي: ما تقدم من قولهم، الناعي عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا، أو: ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستتار بالأيمان الفاجرة. { بأنهم } بسبب أنهم { أمنوا } نطقوا بكلمة الشهادة، كسائر من دخل في الإسلام { ثم كفروا } أي: ظهر كفرهم بما شوهد منهم من شواهد الكفر ودلائله، أو: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ونطقوا بالكفر عند شياطينهم، { فطبع على قلوبهم } ختم عليها، حتى لا يدخلها الإيمان، جزاء على نفاقهم، فتمرنوا على الكفر، واطمأنوا به، { فهم لا يفقهون } شيئا، لا يعرفون حقية الإيمان ولا حقيقته أصلا. الإشارة: قد يأتي إلى مشايخ التربية من ينافقهم، طمعا في الدنيا، فيقول: نشهد إنك لمن العارفين، أو من أهل التربية، مثلا، فتجر الآية ذيلها عليه، وقد يكون مذبذبا، تارة تلوح له أنوار الولاية، وتارة تستر عنه، فيصدق ثم يرجع، ثم يطبع على قلبه. قال القشيري: { ذلك بأنهم آمنوا }: استضاؤوا بنور الإجابة، فلم ينبسط عليهم شعاع نور السعادة، فانطفأ نورهم بقهر الحرمان، وبقوا في ظلمة القسمة السابقة بحكم الشقاوة. ه. وهنا إشارة أخرى للقشيري، وهو: إذا جاءك أيها الروح الصافية منافق الهوى والنفس الأمارة، قالوا: نشهد إنك لرسول الله، أي: كاملة صافية، يريدون بذلك توقفها عن الترقي باستحسان ما أدركت، والوقوف معه، والله يعلم إنك لرسوله، حين تصفى، فتكون محل العلم الرباني، والوحي الإلهامي، والله يشهد إنهم لكاذبون في ادعاء الشهادة بلا حقيقة، اتخذوا أيمانهم جنة، لئلا تكر عليهم بأنوارها، فتخرجهم عن عوائدهم وشهواتهم، فصدوا عن سبيل الله، حيث بقوا مع عوائدهم، أو: فصدوا الروح إن صدقتهم وطاوعتهم، ذلك بأنهم أمنوا، حيث ترد عليهم أنوار الواردات، ثم كفروا رجعوا إلى وطنهم، من الحظوظ، حيث تخمد أنوار الواردات عنهم، فطبع على قلوبهم، حيث وقفوا مع عوائدهم فهم لا يفقهون: لا يعرفون سر إيجادهم، ولا لماذا خلقوا.
ه. بالمعنى. ثم وبخ المنافقين بكونهم أشباحا خاوية، فقال: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم }.
المنافقون 63:4
يقول الحق جل جلاله: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } لضخامتها، ويروقك منظرهم لصباحة وجوههم، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو: لكل سامع، { وإن يقولوا تسمع لقولهم } لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم، وحلاوة كلامهم، وكان ابن أبي رجلا جسيما صبيحا، وقوم من المنافقين في مثل صفته، فكانوا يحضرون مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، ويستندون فيه، ولهم جهارة المناظرة، وفصاحة الألسن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه يعجبون بهم، ويسمعون إلى كلامهم. { كأنهم خشب مسندة } أي: هم كخشب مسندة، شبهوا في جلوسهم في مجلس الرسول صلى الله عليهم وسلم مستندين فيها بخشب منظومة، مسندة إلى الحائط، في كونهم أشباحا خاليه من العلم والخير لأن الخشب إذا انتفع بها كانت في سقف، أو جدار، أو غير ذلك من مظان الانتفاع، وما دام متروكا غير منتفع به، أسند إلى الحائط فشبهوا به في عدم الانتفاع. أو: لأنهم أشباح بلا أرواح، وأجرام بلا أحلام. و " خشب " بضمتين، جمع خشبة، كثمرة وثمر، ويسكن، كبدنة وبدن. { يحسبون كل صيحة } واقعة { عليهم } ، ف " كل ": مفعول أول، و " عليهم ": مفعول ثان، أي: يظنون كل صيحة واقعة عليهم لاستقرار الرعب في قلوبهم، فإذا نادى مناد في العسكر، أو انفلتت دابة، أو نشدت ضالة ظنوه إيقاعا بهم. { هم العدو } أي: الكاملون في العداوة، الراسخون فيها، فإن أعدى الأعادي المكاشر، الذي يكاشر وتحت ضلوعه الداء. فالألف واللام للجنس، أو: للعهد، أي: العدو الذي يشهد لك، ويعتقد خلاف ما يشهد، { فاحذرهم } ولا تغتر بحلاوة منطقهم، { قاتلهم الله } ، دعاء عليهم، أو: تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم، { أنى يؤفكون } أي: كيف يعدلون عن الحق بعد وضوحه، تعجبا من جهلهم وضلالتهم. الإشارة: لا عبرة بالأجسام العريضة، ولا بالألسن الفصيحة، إنما العبرة بالقلوب المطهرة، والسرائر المنورة،
" إن الله لا ينظر إلى صوركم... "
الحديث، و
" رب أشعث أغبر، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره في قسمه "
قال القشيري: قوله تعالى: { وإذا رأيتهم.. } الخ، أي: هم أشباح وقوالب، ليس وراءهم ألباب وحقائق، والجوز الفارغ يؤنق ظاهره، ولكن للعب الصبيان. ه. وقال الشاعر:
وما الحسن في وجه الفتى شرفا له إذا لم يكن في فعله والخلائق
وقالت العامة: لا يتكلم إلا الجوز الفارغ، ذما لشقشقة اللسان، وفي الحديث أيضا ذمهم والتحذير منهم. أما قوله صلى الله عليه وسلم:
" التمسوا حوائجكم عن حسان الوجوه "
فإنما المراد: ما يظهر على الوجه من البهجة والنور، والخفة والملاحة، مما خامر الباطن من بشاشة الإيمان ونور المعرفة. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى في ذم المنافقين وافتضاحهم: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله }.
المنافقون 63:5
يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } عند ظهور نفاقهم: { تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } أي: عطفوا استكبارا. وقرأ غير نافع بالتشديد للمبالغة. { ورأيتهم يصدون } أي: يعرضون عن القائل، أوعن الاستغفار، { وهم مستكبرون } عن الاعتذار والاستغفار.
" روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهوماء لهم وهزمهم، وقتلهم، ازدحم على الماء " جهجاه " أجير لعمر مع سنان حليف لعبد الله بن أبي المنافق فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين! وصرخ سنان: يا للأنصار! فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين، ولطم سنانا، فقال ابن أبي: أوقد فعلوها، وقال: وما صحبنا محمدا إلا لنلطم! وما مثلنا ومثلهم إلا كما قائل القائل: سمن كلبك يأكلك! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم قال لقومه: كفوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ويتركوه، فسمع ذلك زيد بن أرقم، وكان حدثا، فقال: أنت والله الذليل، المبغض في قومك، ومحمد على رأسه تاج المعراج، في عز من الرحمن، وقوة من المسلمين، فقال عبدالله: اسكت، فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق المنافق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذن ترعد أنوف كثيرة بيثرب " قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري، فمر به أنصاريا، فقال: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ " فأرسل صلى الله عليه وسلم له، فأتى، فقال: " أنت صاحب الكلام الذي بلغني "؟ فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وهو قوله: { اتخذوا أيمانهم جنة } فقال الحاضرون: يا رسول الله! شيخنا وكبيرنا، لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم، قال زيد: فوجدت في نفسي، ولآمني الناس، فلزمت بيتي، فلما نزلت الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: " يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين "
، فلما بان كذب عبدالله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه، وقال: أمرتموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي مالي، فزكيت، ما بقي لي إلا أن أسجد لمحمد، فنزل: { وإذا قيل لهم تعالوا... } الآية، وما بقي إلا أياما حتى اشتكى ومات. قاله النسفي، فانظره، مع أن سورة براءة متأخرة عن هذه، وفيها:
ولآ تصل على أحد منهم...
[التوبة:84] التي نزلت فيه. قالت تعالى: { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم } ، أي: لا مساغ للنصح فيهم، { لن يغفر الله لهم } أي: ما داموا على النفاق.
والمعنى: سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه، ولا يعتدون به لكفرهم، أو لأن الله لا يغفر لهم أبدا، { إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } لإصرارهم على الفسق، ورسوخهم في الكفر والنفاق. والمراد: إما هم بأعيانهم، والإظهار في موضع الإضمار لبيان غلوهم في الفسق، أو: الجنس، وهم داخلون في زمرتهم دخولا أوليا. { هم الذين يقولون } للأنصار: { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } يتفرقوا، وهذه المقالة كانت السبب في استدعائه إلى الاستغفار، كما تقدم، فحقها التقديم قبل قوله: { وإذا قيل لهم تعالوا } وإنما أخرت ليتوجه العتاب إليه مرتين، كما تقدم في سورة البقرة. ثم قال تعالى، في الرد على الخبيث: { ولله خزائن السموات والأرض } ، فهو رد وإبطال لما زعموا من أن عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله صلى الله عليه وسلم ببيان أن خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، فيرزق منها المهاجرين، وإن أمسك أهل المدينة عنهم، { ولكن المنافقين لا يفقهون } ولكن عبد الله وأضرابه لايفقهون ذلك فيهتدون، بما يزين لهم الشيطان. { يقولون لئن رجعنا } من غزوة بني الصطلق { إلى المدينة ليخرجن الأعز منها } يعني: نفسه لعنه الله { الأذل } يعني: جانب المؤمنين، وإسناد القول بذلك إلى المنافقين لرضاهم به، فرد تعالى عليهم ذلك بقوله: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } أي: ولله الغلبة والعزة، ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين، لا لغيرهم، كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات، وكانت في هيئة رثة من الفقر: ألست على الإسلام، وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه؟ وعن الحسن بن علي رضي الله عنه: أن رجلا قال له: إن فيك تيها؟ قال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا هذه الآية. ه. { ولكن المنافقين لا يعلمون } ذلك لفرط جهلهم وغرورهم، فيهذون ما يهذون. روي أن ولد عبدالله بن أبي، واسمه عبدالله،
" وكان رجلا صالحا، لما سمع الآية جاء إلى أبيه، فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله العزيز، ووقف على باب السكة التي يسلكها أبوه، وجرد السيف، ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلت منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله في أذل حال، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه: " أن خله يمضي إلى منزله، وجزاه خيرا "
فقال: الآن فنعم. ه. الإشارة: من تكبر عن حط رأسه للأكابر ففيه خصلة من النفاق، والمراد بالأكابر: الأولياء العارفون بالله، من تكبر عنهم مات، وفيه بقية من النفاق، إذ لا يخلو منه إلا بالتطهير الكبير على أيدي المشايخ، وكذلك من منع الناس من الإنفاق على أهل النسبة، كائنا ما كانوا، فشؤمه الحرمان من نسيم أهل الوصلة، { ولله خزائن السماوات والأرض } أي: خزائن الأرزاق الحسية والمعنوية، فقد يعطي أحدهما دون الآخر، وقد يعطيهما معا، أو: يمنعهما معا، على حسب المشيئة، قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: { ولله خزائن السماوات والأرض } وقال الجنيد: خزائن السماوات: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب، وهم علام الغيوب، ومقلب القلوب.
وكان الشبلي يقرأ: { ولله خزائن السماوات والأرض } ويقول: فأين تذهبون. ه. أي: حين تهتمون بالرزق بعد هذه الآية. { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ، قال بعضهم: عزة الله: قهره، وعزته لرسوله: إظهاره، وعزته للمؤمنين: نصره إياهم على من آذاهم. وقيل: عزة الله: الولاية
هنالك الولاية لله الحق
[الكهف:44]، وعزة الرسول: الكفاية والعناية، وعزة المؤمنين: الرفعة والرعاية، وقيل: عزة الله: الربوبية، وعزة الرسول: النبوة، وعزة المؤمنين: العبودية، فإذا أردت أيها العبد أن تكون عزيزا فارفع همتك عن الخلق، وسد باب الطمع، وتحل بحلية الورع. قال بعضهم: والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق، وقال آخر: ما قذر لماضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه، فامضغه ويحك بعز، ولا تمضغه بذل. ه. ولما ذم المنافقين بأمرهم بالإمساك عن الإنفاق أمر المؤمنين به، وقدم الأمر بذكره، تمهيدا، فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم }.
المنافقون 63:6
يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } عند ظهور نفاقهم: { تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } أي: عطفوا استكبارا. وقرأ غير نافع بالتشديد للمبالغة. { ورأيتهم يصدون } أي: يعرضون عن القائل، أوعن الاستغفار، { وهم مستكبرون } عن الاعتذار والاستغفار.
" روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهوماء لهم وهزمهم، وقتلهم، ازدحم على الماء " جهجاه " أجير لعمر مع سنان حليف لعبد الله بن أبي المنافق فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين! وصرخ سنان: يا للأنصار! فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين، ولطم سنانا، فقال ابن أبي: أوقد فعلوها، وقال: وما صحبنا محمدا إلا لنلطم! وما مثلنا ومثلهم إلا كما قائل القائل: سمن كلبك يأكلك! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم قال لقومه: كفوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ويتركوه، فسمع ذلك زيد بن أرقم، وكان حدثا، فقال: أنت والله الذليل، المبغض في قومك، ومحمد على رأسه تاج المعراج، في عز من الرحمن، وقوة من المسلمين، فقال عبدالله: اسكت، فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق المنافق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذن ترعد أنوف كثيرة بيثرب " قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري، فمر به أنصاريا، فقال: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ " فأرسل صلى الله عليه وسلم له، فأتى، فقال: " أنت صاحب الكلام الذي بلغني "؟ فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وهو قوله: { اتخذوا أيمانهم جنة } فقال الحاضرون: يا رسول الله! شيخنا وكبيرنا، لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم، قال زيد: فوجدت في نفسي، ولآمني الناس، فلزمت بيتي، فلما نزلت الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: " يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين "
، فلما بان كذب عبدالله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه، وقال: أمرتموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي مالي، فزكيت، ما بقي لي إلا أن أسجد لمحمد، فنزل: { وإذا قيل لهم تعالوا... } الآية، وما بقي إلا أياما حتى اشتكى ومات. قاله النسفي، فانظره، مع أن سورة براءة متأخرة عن هذه، وفيها:
ولآ تصل على أحد منهم...
[التوبة:84] التي نزلت فيه. قالت تعالى: { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم } ، أي: لا مساغ للنصح فيهم، { لن يغفر الله لهم } أي: ما داموا على النفاق.
والمعنى: سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه، ولا يعتدون به لكفرهم، أو لأن الله لا يغفر لهم أبدا، { إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } لإصرارهم على الفسق، ورسوخهم في الكفر والنفاق. والمراد: إما هم بأعيانهم، والإظهار في موضع الإضمار لبيان غلوهم في الفسق، أو: الجنس، وهم داخلون في زمرتهم دخولا أوليا. { هم الذين يقولون } للأنصار: { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } يتفرقوا، وهذه المقالة كانت السبب في استدعائه إلى الاستغفار، كما تقدم، فحقها التقديم قبل قوله: { وإذا قيل لهم تعالوا } وإنما أخرت ليتوجه العتاب إليه مرتين، كما تقدم في سورة البقرة. ثم قال تعالى، في الرد على الخبيث: { ولله خزائن السموات والأرض } ، فهو رد وإبطال لما زعموا من أن عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله صلى الله عليه وسلم ببيان أن خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، فيرزق منها المهاجرين، وإن أمسك أهل المدينة عنهم، { ولكن المنافقين لا يفقهون } ولكن عبد الله وأضرابه لايفقهون ذلك فيهتدون، بما يزين لهم الشيطان. { يقولون لئن رجعنا } من غزوة بني الصطلق { إلى المدينة ليخرجن الأعز منها } يعني: نفسه لعنه الله { الأذل } يعني: جانب المؤمنين، وإسناد القول بذلك إلى المنافقين لرضاهم به، فرد تعالى عليهم ذلك بقوله: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } أي: ولله الغلبة والعزة، ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين، لا لغيرهم، كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات، وكانت في هيئة رثة من الفقر: ألست على الإسلام، وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه؟ وعن الحسن بن علي رضي الله عنه: أن رجلا قال له: إن فيك تيها؟ قال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا هذه الآية. ه. { ولكن المنافقين لا يعلمون } ذلك لفرط جهلهم وغرورهم، فيهذون ما يهذون. روي أن ولد عبدالله بن أبي، واسمه عبدالله،
" وكان رجلا صالحا، لما سمع الآية جاء إلى أبيه، فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله العزيز، ووقف على باب السكة التي يسلكها أبوه، وجرد السيف، ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلت منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله في أذل حال، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه: " أن خله يمضي إلى منزله، وجزاه خيرا "
فقال: الآن فنعم. ه. الإشارة: من تكبر عن حط رأسه للأكابر ففيه خصلة من النفاق، والمراد بالأكابر: الأولياء العارفون بالله، من تكبر عنهم مات، وفيه بقية من النفاق، إذ لا يخلو منه إلا بالتطهير الكبير على أيدي المشايخ، وكذلك من منع الناس من الإنفاق على أهل النسبة، كائنا ما كانوا، فشؤمه الحرمان من نسيم أهل الوصلة، { ولله خزائن السماوات والأرض } أي: خزائن الأرزاق الحسية والمعنوية، فقد يعطي أحدهما دون الآخر، وقد يعطيهما معا، أو: يمنعهما معا، على حسب المشيئة، قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: { ولله خزائن السماوات والأرض } وقال الجنيد: خزائن السماوات: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب، وهم علام الغيوب، ومقلب القلوب.
وكان الشبلي يقرأ: { ولله خزائن السماوات والأرض } ويقول: فأين تذهبون. ه. أي: حين تهتمون بالرزق بعد هذه الآية. { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ، قال بعضهم: عزة الله: قهره، وعزته لرسوله: إظهاره، وعزته للمؤمنين: نصره إياهم على من آذاهم. وقيل: عزة الله: الولاية
هنالك الولاية لله الحق
[الكهف:44]، وعزة الرسول: الكفاية والعناية، وعزة المؤمنين: الرفعة والرعاية، وقيل: عزة الله: الربوبية، وعزة الرسول: النبوة، وعزة المؤمنين: العبودية، فإذا أردت أيها العبد أن تكون عزيزا فارفع همتك عن الخلق، وسد باب الطمع، وتحل بحلية الورع. قال بعضهم: والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق، وقال آخر: ما قذر لماضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه، فامضغه ويحك بعز، ولا تمضغه بذل. ه. ولما ذم المنافقين بأمرهم بالإمساك عن الإنفاق أمر المؤمنين به، وقدم الأمر بذكره، تمهيدا، فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم }.
المنافقون 63:7
يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } عند ظهور نفاقهم: { تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } أي: عطفوا استكبارا. وقرأ غير نافع بالتشديد للمبالغة. { ورأيتهم يصدون } أي: يعرضون عن القائل، أوعن الاستغفار، { وهم مستكبرون } عن الاعتذار والاستغفار.
" روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهوماء لهم وهزمهم، وقتلهم، ازدحم على الماء " جهجاه " أجير لعمر مع سنان حليف لعبد الله بن أبي المنافق فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين! وصرخ سنان: يا للأنصار! فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين، ولطم سنانا، فقال ابن أبي: أوقد فعلوها، وقال: وما صحبنا محمدا إلا لنلطم! وما مثلنا ومثلهم إلا كما قائل القائل: سمن كلبك يأكلك! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم قال لقومه: كفوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ويتركوه، فسمع ذلك زيد بن أرقم، وكان حدثا، فقال: أنت والله الذليل، المبغض في قومك، ومحمد على رأسه تاج المعراج، في عز من الرحمن، وقوة من المسلمين، فقال عبدالله: اسكت، فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق المنافق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذن ترعد أنوف كثيرة بيثرب " قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري، فمر به أنصاريا، فقال: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ " فأرسل صلى الله عليه وسلم له، فأتى، فقال: " أنت صاحب الكلام الذي بلغني "؟ فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وهو قوله: { اتخذوا أيمانهم جنة } فقال الحاضرون: يا رسول الله! شيخنا وكبيرنا، لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم، قال زيد: فوجدت في نفسي، ولآمني الناس، فلزمت بيتي، فلما نزلت الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: " يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين "
، فلما بان كذب عبدالله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه، وقال: أمرتموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي مالي، فزكيت، ما بقي لي إلا أن أسجد لمحمد، فنزل: { وإذا قيل لهم تعالوا... } الآية، وما بقي إلا أياما حتى اشتكى ومات. قاله النسفي، فانظره، مع أن سورة براءة متأخرة عن هذه، وفيها:
ولآ تصل على أحد منهم...
[التوبة:84] التي نزلت فيه. قالت تعالى: { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم } ، أي: لا مساغ للنصح فيهم، { لن يغفر الله لهم } أي: ما داموا على النفاق.
والمعنى: سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه، ولا يعتدون به لكفرهم، أو لأن الله لا يغفر لهم أبدا، { إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } لإصرارهم على الفسق، ورسوخهم في الكفر والنفاق. والمراد: إما هم بأعيانهم، والإظهار في موضع الإضمار لبيان غلوهم في الفسق، أو: الجنس، وهم داخلون في زمرتهم دخولا أوليا. { هم الذين يقولون } للأنصار: { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } يتفرقوا، وهذه المقالة كانت السبب في استدعائه إلى الاستغفار، كما تقدم، فحقها التقديم قبل قوله: { وإذا قيل لهم تعالوا } وإنما أخرت ليتوجه العتاب إليه مرتين، كما تقدم في سورة البقرة. ثم قال تعالى، في الرد على الخبيث: { ولله خزائن السموات والأرض } ، فهو رد وإبطال لما زعموا من أن عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله صلى الله عليه وسلم ببيان أن خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، فيرزق منها المهاجرين، وإن أمسك أهل المدينة عنهم، { ولكن المنافقين لا يفقهون } ولكن عبد الله وأضرابه لايفقهون ذلك فيهتدون، بما يزين لهم الشيطان. { يقولون لئن رجعنا } من غزوة بني الصطلق { إلى المدينة ليخرجن الأعز منها } يعني: نفسه لعنه الله { الأذل } يعني: جانب المؤمنين، وإسناد القول بذلك إلى المنافقين لرضاهم به، فرد تعالى عليهم ذلك بقوله: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } أي: ولله الغلبة والعزة، ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين، لا لغيرهم، كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات، وكانت في هيئة رثة من الفقر: ألست على الإسلام، وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه؟ وعن الحسن بن علي رضي الله عنه: أن رجلا قال له: إن فيك تيها؟ قال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا هذه الآية. ه. { ولكن المنافقين لا يعلمون } ذلك لفرط جهلهم وغرورهم، فيهذون ما يهذون. روي أن ولد عبدالله بن أبي، واسمه عبدالله،
" وكان رجلا صالحا، لما سمع الآية جاء إلى أبيه، فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله العزيز، ووقف على باب السكة التي يسلكها أبوه، وجرد السيف، ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلت منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله في أذل حال، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه: " أن خله يمضي إلى منزله، وجزاه خيرا "
فقال: الآن فنعم. ه. الإشارة: من تكبر عن حط رأسه للأكابر ففيه خصلة من النفاق، والمراد بالأكابر: الأولياء العارفون بالله، من تكبر عنهم مات، وفيه بقية من النفاق، إذ لا يخلو منه إلا بالتطهير الكبير على أيدي المشايخ، وكذلك من منع الناس من الإنفاق على أهل النسبة، كائنا ما كانوا، فشؤمه الحرمان من نسيم أهل الوصلة، { ولله خزائن السماوات والأرض } أي: خزائن الأرزاق الحسية والمعنوية، فقد يعطي أحدهما دون الآخر، وقد يعطيهما معا، أو: يمنعهما معا، على حسب المشيئة، قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: { ولله خزائن السماوات والأرض } وقال الجنيد: خزائن السماوات: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب، وهم علام الغيوب، ومقلب القلوب.
وكان الشبلي يقرأ: { ولله خزائن السماوات والأرض } ويقول: فأين تذهبون. ه. أي: حين تهتمون بالرزق بعد هذه الآية. { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ، قال بعضهم: عزة الله: قهره، وعزته لرسوله: إظهاره، وعزته للمؤمنين: نصره إياهم على من آذاهم. وقيل: عزة الله: الولاية
هنالك الولاية لله الحق
[الكهف:44]، وعزة الرسول: الكفاية والعناية، وعزة المؤمنين: الرفعة والرعاية، وقيل: عزة الله: الربوبية، وعزة الرسول: النبوة، وعزة المؤمنين: العبودية، فإذا أردت أيها العبد أن تكون عزيزا فارفع همتك عن الخلق، وسد باب الطمع، وتحل بحلية الورع. قال بعضهم: والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق، وقال آخر: ما قذر لماضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه، فامضغه ويحك بعز، ولا تمضغه بذل. ه. ولما ذم المنافقين بأمرهم بالإمساك عن الإنفاق أمر المؤمنين به، وقدم الأمر بذكره، تمهيدا، فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم }.
المنافقون 63:8
يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } عند ظهور نفاقهم: { تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } أي: عطفوا استكبارا. وقرأ غير نافع بالتشديد للمبالغة. { ورأيتهم يصدون } أي: يعرضون عن القائل، أوعن الاستغفار، { وهم مستكبرون } عن الاعتذار والاستغفار.
" روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهوماء لهم وهزمهم، وقتلهم، ازدحم على الماء " جهجاه " أجير لعمر مع سنان حليف لعبد الله بن أبي المنافق فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين! وصرخ سنان: يا للأنصار! فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين، ولطم سنانا، فقال ابن أبي: أوقد فعلوها، وقال: وما صحبنا محمدا إلا لنلطم! وما مثلنا ومثلهم إلا كما قائل القائل: سمن كلبك يأكلك! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم قال لقومه: كفوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ويتركوه، فسمع ذلك زيد بن أرقم، وكان حدثا، فقال: أنت والله الذليل، المبغض في قومك، ومحمد على رأسه تاج المعراج، في عز من الرحمن، وقوة من المسلمين، فقال عبدالله: اسكت، فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق المنافق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذن ترعد أنوف كثيرة بيثرب " قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري، فمر به أنصاريا، فقال: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ " فأرسل صلى الله عليه وسلم له، فأتى، فقال: " أنت صاحب الكلام الذي بلغني "؟ فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وهو قوله: { اتخذوا أيمانهم جنة } فقال الحاضرون: يا رسول الله! شيخنا وكبيرنا، لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم، قال زيد: فوجدت في نفسي، ولآمني الناس، فلزمت بيتي، فلما نزلت الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: " يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين "
، فلما بان كذب عبدالله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه، وقال: أمرتموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي مالي، فزكيت، ما بقي لي إلا أن أسجد لمحمد، فنزل: { وإذا قيل لهم تعالوا... } الآية، وما بقي إلا أياما حتى اشتكى ومات. قاله النسفي، فانظره، مع أن سورة براءة متأخرة عن هذه، وفيها:
ولآ تصل على أحد منهم...
[التوبة:84] التي نزلت فيه. قالت تعالى: { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم } ، أي: لا مساغ للنصح فيهم، { لن يغفر الله لهم } أي: ما داموا على النفاق.
والمعنى: سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه، ولا يعتدون به لكفرهم، أو لأن الله لا يغفر لهم أبدا، { إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } لإصرارهم على الفسق، ورسوخهم في الكفر والنفاق. والمراد: إما هم بأعيانهم، والإظهار في موضع الإضمار لبيان غلوهم في الفسق، أو: الجنس، وهم داخلون في زمرتهم دخولا أوليا. { هم الذين يقولون } للأنصار: { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } يتفرقوا، وهذه المقالة كانت السبب في استدعائه إلى الاستغفار، كما تقدم، فحقها التقديم قبل قوله: { وإذا قيل لهم تعالوا } وإنما أخرت ليتوجه العتاب إليه مرتين، كما تقدم في سورة البقرة. ثم قال تعالى، في الرد على الخبيث: { ولله خزائن السموات والأرض } ، فهو رد وإبطال لما زعموا من أن عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله صلى الله عليه وسلم ببيان أن خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، فيرزق منها المهاجرين، وإن أمسك أهل المدينة عنهم، { ولكن المنافقين لا يفقهون } ولكن عبد الله وأضرابه لايفقهون ذلك فيهتدون، بما يزين لهم الشيطان. { يقولون لئن رجعنا } من غزوة بني الصطلق { إلى المدينة ليخرجن الأعز منها } يعني: نفسه لعنه الله { الأذل } يعني: جانب المؤمنين، وإسناد القول بذلك إلى المنافقين لرضاهم به، فرد تعالى عليهم ذلك بقوله: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } أي: ولله الغلبة والعزة، ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين، لا لغيرهم، كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات، وكانت في هيئة رثة من الفقر: ألست على الإسلام، وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه؟ وعن الحسن بن علي رضي الله عنه: أن رجلا قال له: إن فيك تيها؟ قال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا هذه الآية. ه. { ولكن المنافقين لا يعلمون } ذلك لفرط جهلهم وغرورهم، فيهذون ما يهذون. روي أن ولد عبدالله بن أبي، واسمه عبدالله،
" وكان رجلا صالحا، لما سمع الآية جاء إلى أبيه، فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله العزيز، ووقف على باب السكة التي يسلكها أبوه، وجرد السيف، ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلت منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله في أذل حال، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه: " أن خله يمضي إلى منزله، وجزاه خيرا "
فقال: الآن فنعم. ه. الإشارة: من تكبر عن حط رأسه للأكابر ففيه خصلة من النفاق، والمراد بالأكابر: الأولياء العارفون بالله، من تكبر عنهم مات، وفيه بقية من النفاق، إذ لا يخلو منه إلا بالتطهير الكبير على أيدي المشايخ، وكذلك من منع الناس من الإنفاق على أهل النسبة، كائنا ما كانوا، فشؤمه الحرمان من نسيم أهل الوصلة، { ولله خزائن السماوات والأرض } أي: خزائن الأرزاق الحسية والمعنوية، فقد يعطي أحدهما دون الآخر، وقد يعطيهما معا، أو: يمنعهما معا، على حسب المشيئة، قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: { ولله خزائن السماوات والأرض } وقال الجنيد: خزائن السماوات: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب، وهم علام الغيوب، ومقلب القلوب.
وكان الشبلي يقرأ: { ولله خزائن السماوات والأرض } ويقول: فأين تذهبون. ه. أي: حين تهتمون بالرزق بعد هذه الآية. { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ، قال بعضهم: عزة الله: قهره، وعزته لرسوله: إظهاره، وعزته للمؤمنين: نصره إياهم على من آذاهم. وقيل: عزة الله: الولاية
هنالك الولاية لله الحق
[الكهف:44]، وعزة الرسول: الكفاية والعناية، وعزة المؤمنين: الرفعة والرعاية، وقيل: عزة الله: الربوبية، وعزة الرسول: النبوة، وعزة المؤمنين: العبودية، فإذا أردت أيها العبد أن تكون عزيزا فارفع همتك عن الخلق، وسد باب الطمع، وتحل بحلية الورع. قال بعضهم: والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق، وقال آخر: ما قذر لماضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه، فامضغه ويحك بعز، ولا تمضغه بذل. ه. ولما ذم المنافقين بأمرهم بالإمساك عن الإنفاق أمر المؤمنين به، وقدم الأمر بذكره، تمهيدا، فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم }.
المنافقون 63:9
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم } أي: لايشغلكم الاهتمام بتدبير أمورها، والاعتناء بمصالحها، والتمتع بها، { ولا أولادكم } أي: سروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والاستغراق في الأسباب، للنفقة عليهم { عن ذكر الله } أي: عن الاشتغال بذكره عز وجل، من الصلاة، والذكر، وسائر العبادات، والمراد: نهيهم عن التلهي بها، وتوجيه النهي لهم للمبالغة، كقوله تعالى:
ولآ يجرمنكم شنئآن قوم
[المائدة:2]، { ومن يفعل ذلك } أي: التلهي بالدنيا عن الدين { فأولئك هم الخاسرون } الكاملون في الخسران، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. { وأنفقوا من ما رزقناكم } أي: بعض ما رزقناكم، تفضلا، من غير أن يكون حصوله من جهتكم ادخارا للآخرة، وهو عام في المفروض والمندوب، { من قبل أن يأتي أحدكم الموت } بأن يشاهد دلائله، ويعاين أمارته ومخايله. وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بما قدم، والتشويق لما أخر، { فيقول } حين تيقنه بحلوله: { لولا أخرتني } أمهلتني { إلى أجل قريب } أمد قصير، { فأصدق } بالنصب جواب التمني { وأكن من الصالحين } بالجزم، عطفا على محل { فأصدق } أو: على توهم إسقاط الفاء، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن، وقرأ أبو عمرو بالنصب عطفا على اللفظ. { ولن يؤخر الله نفسا } لن يمهلها { إذا جاء أجلها } آخر عمرها المكتوب في اللوح. { والله خبير بما تعملون } فيجازيكم عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فسارعوا إلى الخيرات، واستعدوا لما هو آت. قال ابن عباس: ما قصر أحد في الزكاة والحج إلا سأل الرجعة عند الموت. ه. والظاهر: أن كل من قصر في الاجتهاد، وتعمير الأوقات، كله يطلب الرجعة، وكل من أدركته المنية قبل الوصول إلى الله مغبون، ولذلك ذكر التغابن بعدها، وفي الحديث:
" ما من أحد إلا سيندم عند الموت، إن كان عاصيا أن لو تاب، وإن كان طائعا أن لو زاد "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قال في غريب المنتقى: إن العبد يقول عند كشف الغطاء: يا ملك الموت أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي، وأتوب وأتزود صالحا لنفسي، فيقول الملك: فنيت الأيام، فلا يوم، فيقول: أخرني ساعة، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة. ه. قيل: لما كانت سورة المنافقين رأس ثلاث وستين سورة، أشير فيها إلى وفاته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها } فإنه صلى الله عليه وسلم مات على رأس ثلاث وستين سنة وعقبها بالتغابن، ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم. ه. الإشارة: قد نهى الله تعالى عن الاشتغال عن ذكره بالأموال والأولاد، ويقاس عليه سائر القواطع، فلا عذر للعبد في تركه في وقت من الأوقات، فما من وقت من الأوقات إلا وله حق جديد، وأمر أكيد، لا يقضى في غيره، فحقوق الأوقات لا تقضى، بخلاف الحقوق التي لها أوقات محدودة، فإنها تقضى في غيرها، ولما كان الذكر يطهر القلب، ويخرج ما فيه من حب الدنيا وغيرها، أمر بالإنفاق بعد الأمر به ليسهل الإنفاق على العبد.
قال بعض الحكماء في مدح الذكر والترغيب فيه: الذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، وهو يثمر أحوالا شريفة، وماقامات عالية منيفة، وعلوما لطيفة، ويحيي عوالم طالما كانت قبل مواتا، ويلبس النفس وجنودها ذلة وسباتا، ونظيره إذا وصل للقلب: كدخول الماء في الأسراب، فإنه يخرج ما فيها من الحشرات والدواب، فكذلك الذكر، إذا صدم القلب، ودخل سويداءه، فإنه يخلصه من مساكنة صلصال النفس، ويزيل عن ناظره الغشاوة واللبس، ولهذا كان أفضل الأعمال، وأزكى الأحوال وفضل على جهاد السيف والقتال. ه. وأنفقوا مما رزقناكم من العلوم والمعارف، لمن يطلبها وكان أهلا لها، بعد إنفاق ما عنده من الحس، وإلا فلا خير في فقير شحيح، فإنه من أقبح كل قبيح. فانتهزوا الفرصة، وبادروا نفوذ الأجل، فالترقي إنما تهو في هذه الدار. قال القشيري: لا تغتروا بسلامة أوقاتكم، وترقبوا بغتات آجالكم، وتأهبوا لما بين أيديكم من الرحيل، ولا تعرجوا في أوطان التسويف. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المنافقون 63:10
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم } أي: لايشغلكم الاهتمام بتدبير أمورها، والاعتناء بمصالحها، والتمتع بها، { ولا أولادكم } أي: سروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والاستغراق في الأسباب، للنفقة عليهم { عن ذكر الله } أي: عن الاشتغال بذكره عز وجل، من الصلاة، والذكر، وسائر العبادات، والمراد: نهيهم عن التلهي بها، وتوجيه النهي لهم للمبالغة، كقوله تعالى:
ولآ يجرمنكم شنئآن قوم
[المائدة:2]، { ومن يفعل ذلك } أي: التلهي بالدنيا عن الدين { فأولئك هم الخاسرون } الكاملون في الخسران، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. { وأنفقوا من ما رزقناكم } أي: بعض ما رزقناكم، تفضلا، من غير أن يكون حصوله من جهتكم ادخارا للآخرة، وهو عام في المفروض والمندوب، { من قبل أن يأتي أحدكم الموت } بأن يشاهد دلائله، ويعاين أمارته ومخايله. وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بما قدم، والتشويق لما أخر، { فيقول } حين تيقنه بحلوله: { لولا أخرتني } أمهلتني { إلى أجل قريب } أمد قصير، { فأصدق } بالنصب جواب التمني { وأكن من الصالحين } بالجزم، عطفا على محل { فأصدق } أو: على توهم إسقاط الفاء، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن، وقرأ أبو عمرو بالنصب عطفا على اللفظ. { ولن يؤخر الله نفسا } لن يمهلها { إذا جاء أجلها } آخر عمرها المكتوب في اللوح. { والله خبير بما تعملون } فيجازيكم عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فسارعوا إلى الخيرات، واستعدوا لما هو آت. قال ابن عباس: ما قصر أحد في الزكاة والحج إلا سأل الرجعة عند الموت. ه. والظاهر: أن كل من قصر في الاجتهاد، وتعمير الأوقات، كله يطلب الرجعة، وكل من أدركته المنية قبل الوصول إلى الله مغبون، ولذلك ذكر التغابن بعدها، وفي الحديث:
" ما من أحد إلا سيندم عند الموت، إن كان عاصيا أن لو تاب، وإن كان طائعا أن لو زاد "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قال في غريب المنتقى: إن العبد يقول عند كشف الغطاء: يا ملك الموت أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي، وأتوب وأتزود صالحا لنفسي، فيقول الملك: فنيت الأيام، فلا يوم، فيقول: أخرني ساعة، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة. ه. قيل: لما كانت سورة المنافقين رأس ثلاث وستين سورة، أشير فيها إلى وفاته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها } فإنه صلى الله عليه وسلم مات على رأس ثلاث وستين سنة وعقبها بالتغابن، ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم. ه. الإشارة: قد نهى الله تعالى عن الاشتغال عن ذكره بالأموال والأولاد، ويقاس عليه سائر القواطع، فلا عذر للعبد في تركه في وقت من الأوقات، فما من وقت من الأوقات إلا وله حق جديد، وأمر أكيد، لا يقضى في غيره، فحقوق الأوقات لا تقضى، بخلاف الحقوق التي لها أوقات محدودة، فإنها تقضى في غيرها، ولما كان الذكر يطهر القلب، ويخرج ما فيه من حب الدنيا وغيرها، أمر بالإنفاق بعد الأمر به ليسهل الإنفاق على العبد.
قال بعض الحكماء في مدح الذكر والترغيب فيه: الذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، وهو يثمر أحوالا شريفة، وماقامات عالية منيفة، وعلوما لطيفة، ويحيي عوالم طالما كانت قبل مواتا، ويلبس النفس وجنودها ذلة وسباتا، ونظيره إذا وصل للقلب: كدخول الماء في الأسراب، فإنه يخرج ما فيها من الحشرات والدواب، فكذلك الذكر، إذا صدم القلب، ودخل سويداءه، فإنه يخلصه من مساكنة صلصال النفس، ويزيل عن ناظره الغشاوة واللبس، ولهذا كان أفضل الأعمال، وأزكى الأحوال وفضل على جهاد السيف والقتال. ه. وأنفقوا مما رزقناكم من العلوم والمعارف، لمن يطلبها وكان أهلا لها، بعد إنفاق ما عنده من الحس، وإلا فلا خير في فقير شحيح، فإنه من أقبح كل قبيح. فانتهزوا الفرصة، وبادروا نفوذ الأجل، فالترقي إنما تهو في هذه الدار. قال القشيري: لا تغتروا بسلامة أوقاتكم، وترقبوا بغتات آجالكم، وتأهبوا لما بين أيديكم من الرحيل، ولا تعرجوا في أوطان التسويف. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المنافقون 63:11
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم } أي: لايشغلكم الاهتمام بتدبير أمورها، والاعتناء بمصالحها، والتمتع بها، { ولا أولادكم } أي: سروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والاستغراق في الأسباب، للنفقة عليهم { عن ذكر الله } أي: عن الاشتغال بذكره عز وجل، من الصلاة، والذكر، وسائر العبادات، والمراد: نهيهم عن التلهي بها، وتوجيه النهي لهم للمبالغة، كقوله تعالى:
ولآ يجرمنكم شنئآن قوم
[المائدة:2]، { ومن يفعل ذلك } أي: التلهي بالدنيا عن الدين { فأولئك هم الخاسرون } الكاملون في الخسران، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. { وأنفقوا من ما رزقناكم } أي: بعض ما رزقناكم، تفضلا، من غير أن يكون حصوله من جهتكم ادخارا للآخرة، وهو عام في المفروض والمندوب، { من قبل أن يأتي أحدكم الموت } بأن يشاهد دلائله، ويعاين أمارته ومخايله. وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بما قدم، والتشويق لما أخر، { فيقول } حين تيقنه بحلوله: { لولا أخرتني } أمهلتني { إلى أجل قريب } أمد قصير، { فأصدق } بالنصب جواب التمني { وأكن من الصالحين } بالجزم، عطفا على محل { فأصدق } أو: على توهم إسقاط الفاء، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن، وقرأ أبو عمرو بالنصب عطفا على اللفظ. { ولن يؤخر الله نفسا } لن يمهلها { إذا جاء أجلها } آخر عمرها المكتوب في اللوح. { والله خبير بما تعملون } فيجازيكم عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فسارعوا إلى الخيرات، واستعدوا لما هو آت. قال ابن عباس: ما قصر أحد في الزكاة والحج إلا سأل الرجعة عند الموت. ه. والظاهر: أن كل من قصر في الاجتهاد، وتعمير الأوقات، كله يطلب الرجعة، وكل من أدركته المنية قبل الوصول إلى الله مغبون، ولذلك ذكر التغابن بعدها، وفي الحديث:
" ما من أحد إلا سيندم عند الموت، إن كان عاصيا أن لو تاب، وإن كان طائعا أن لو زاد "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قال في غريب المنتقى: إن العبد يقول عند كشف الغطاء: يا ملك الموت أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي، وأتوب وأتزود صالحا لنفسي، فيقول الملك: فنيت الأيام، فلا يوم، فيقول: أخرني ساعة، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة. ه. قيل: لما كانت سورة المنافقين رأس ثلاث وستين سورة، أشير فيها إلى وفاته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها } فإنه صلى الله عليه وسلم مات على رأس ثلاث وستين سنة وعقبها بالتغابن، ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم. ه. الإشارة: قد نهى الله تعالى عن الاشتغال عن ذكره بالأموال والأولاد، ويقاس عليه سائر القواطع، فلا عذر للعبد في تركه في وقت من الأوقات، فما من وقت من الأوقات إلا وله حق جديد، وأمر أكيد، لا يقضى في غيره، فحقوق الأوقات لا تقضى، بخلاف الحقوق التي لها أوقات محدودة، فإنها تقضى في غيرها، ولما كان الذكر يطهر القلب، ويخرج ما فيه من حب الدنيا وغيرها، أمر بالإنفاق بعد الأمر به ليسهل الإنفاق على العبد.
قال بعض الحكماء في مدح الذكر والترغيب فيه: الذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، وهو يثمر أحوالا شريفة، وماقامات عالية منيفة، وعلوما لطيفة، ويحيي عوالم طالما كانت قبل مواتا، ويلبس النفس وجنودها ذلة وسباتا، ونظيره إذا وصل للقلب: كدخول الماء في الأسراب، فإنه يخرج ما فيها من الحشرات والدواب، فكذلك الذكر، إذا صدم القلب، ودخل سويداءه، فإنه يخلصه من مساكنة صلصال النفس، ويزيل عن ناظره الغشاوة واللبس، ولهذا كان أفضل الأعمال، وأزكى الأحوال وفضل على جهاد السيف والقتال. ه. وأنفقوا مما رزقناكم من العلوم والمعارف، لمن يطلبها وكان أهلا لها، بعد إنفاق ما عنده من الحس، وإلا فلا خير في فقير شحيح، فإنه من أقبح كل قبيح. فانتهزوا الفرصة، وبادروا نفوذ الأجل، فالترقي إنما تهو في هذه الدار. قال القشيري: لا تغتروا بسلامة أوقاتكم، وترقبوا بغتات آجالكم، وتأهبوا لما بين أيديكم من الرحيل، ولا تعرجوا في أوطان التسويف. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
التغابن 64:1
يقول الحق جل جلاله: { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض } أي: ينزهه سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه، قال القشيري: المخلوقات بجملتها مسبحة لله، ولكن لا يسمع تسبيحها من فيه طرش النكرة. ه. { له الملك وله الحمد } لا لغيره إذ هو المبدىء لكل شيء، وهو القائم به، والمهيمن عليه، وهو المولي لأصول النعم وفروعها، وأما ملك غيره فاسترعاء من جنابه، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه. فتقديم الظرفين للاختصاص. { وهو على كل شيء قدير } لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى كل سواء. { هو الذي خلقكم } خلقا بديعا، حائزا لجميع الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك { فمنكم كافر } أي: فبعض منكم مختار للكفر كاسبا له، على خلاف ما تستدعيه خلقته، { ومنكم مؤمن } مختار للإيمان، كاسبا له، على حسب ما تقتضيه خلقته، وكان الواجب عليكم جميعا أن تكونوا مختارين للإيمان، شاكرين لنعم الخلق والإيجاد، وما يتفرع عليهما من سائر النعم، فما فعلتم ذلك مع تمام تمكنكم منه، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم فرقا. وتقديم الكفر لأنه الأغلب والأنسب للتوبيخ. قال القشيري: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } أي: في سابق علمه سماه كافرا، لعلمه أنه يكفر، وكذلك المؤمن. ه. قال أبو السعود: حمله على ذلك مما لا يليق بالمقام، فانظره. { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم بذلك، فاختاروا منه ما ينفعكم من الإيمان والطاعة، وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان. { خلق السماوات والأرض بالحق } بالحكمة البالغة، المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية، حيث جعلها مقرا للمكلفين ليعملوا فيجازيهم، { وصوركم فأحسن صوركم } حيث أنشأكم في أحسن تقويم، وأودع فيكم من القوى والمشاعر الظاهرة والباطنة، ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة، وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته، وجعلكم أنموذج جميع مخلوقاته، فالكائنات كلها منطوية في هذه النشأة. قال النسفي: أي: خلقكم أحسن الحيوان كله، وأبهاه، بدليل: أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته: أنه خلق منتصبا غير منكب، ومن كان دميما، مشوه الصورة، سمج الخلقة، فلا سماجة ثم، ولكن الحسن على طبقات، فلانحطاطها عما فوقها لا تستملح، ولكنها غير خارجة عن حد الحسن. وقال الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان. ه. قلت: وما أشار إليه هو الذي نظمه الجيلاني في عينيته، حيث قال:
وكل قبيح إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان. ولا ثم باشع
{ وإليه المصير } في النشأة الأخرى، لا إلى غيره، فأحسنوا سرائركم، باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خلقن له. { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون } أي: ما تسرونه فيما بينكم، وما تظهرونه من الأمور، والتصريح به مع اندراجه فيما سبق قبله لأنه الذي يدور عليه الجزاء، ففيه تأكيد للوعد والوعيد، وتشديد لهما.
وقوله تعالى: { والله عليم بذات الصدور }: تذييل لما قبله، ومقرر له، من شمول علمه تعالى لسرهم وعلنهم، أي: هو محيط بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس، بحيث لا يفارقها أصلا، فكيف يخفى عليه ما يسرونه وما يعلنونه، فحق أن يتقى ويحذر. وإظهار الجلالة للإشعار بعلية الحكم، وتأكيد استقلال الجملة. قيل: وتقدم تقرير القدرة على تقرير العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته تعالى بالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأوصاف، وكل ما ذكره بعد قوله: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمه. قال الطيبي: الفاء في " فمنكم " تفصيلية، والآية كلها واردة لبيان عظمة الله في ملكه وملكوته، وذلك أنه تعالى لما أثبت لذاته الأقدس التنزيه، وأن كل شيء ينزهه ويقدسه عما لا يليق بجلاله، ثم خص أنه لوصفه بالمالكية على الإطلاق، وكل كمال وجمال ونعمة وإفضال منه، وهو خالق كل مهتد وضال، ونظم دليل الآفاق مع ليل الأنفس، وبين أن إليه المصير، ختم ذلك بإثبات العلم الشامل للكليات والجزئيات، وكرره تكريرا، وأكده توكيدا، وكأن ذكر العلم في قوله: { والله بما تعملون بصير } استطراد لذكر الخلق وتفصيله، ولإثبات القضاء والقدر، ولما فرغ من بيان العظمة جاء بالتهديد والوعيد، وقال: { ألم يأتكم... } الآية. ه. الإشارة: هو الذي خلقكم، فمنكم كافر بطريق الخصوص، ومنكم مؤمن بها، داخل فيها، أي: فمنكم عام ومنكم خاص. قال القشيري: فمنكم كافر، أي: سائر للحق بالخلق، ومنكم مؤمن، أي: مصدق بظهور الحق في الخلق. ثم قسم الناس على ثلاثة: من لا يرى إلا الخلق، وهم أهل الفرق، ومن لا يرى إلا الحق، وهم أهل الجمع، ومن يرى الحق في الخلق، والخلق في الحق، لا يحجبه أحدهما عن الآخر، فهم أهل جمع الجمع. خلق سماوات الأرواح ليعرف بها، وأرض الأشباح ليعبد بها، وهو الواحد الأحد، وصوركم فأحسن صوركم، حيث جعلها جامعة للعوالم العلوية والسفلية لأن الله تعالى خلق آدم على صورته، وذاته المقدسة جامعة لمظاهر الصفات والأسماء، وتلك المظاهر كلها مجموعة في الصور الآدمية، بخلاف سائر الكائنات، فما في صورتها إلآ بعض الأسماء والصفات، فتأمله. وإليه المصير، أي: وإلى ذاته ترجع جميع الصور والأشكال، فما خرج شيء عن إحاطة الذات والصفات، يعلم ما تسرون من العقائد الصحيحة، وما تعلنون من العبادات الخالصة، أو: ما تسرون من الكشوفات الذوقية، وما تعلنون من العبودية الاختيارية، هذا في خاصة أهل الظاهر وأهل الباطن، أو: ما تسرون من العقائد الفاسدة، وما تعلنون من الأعمال الخبيثة، أو: ما تسرون من الاتحاد أو الحلول، وما تعلنون من العمل والمعلول، وهذا في طالحي الفريقين. ثم هدد من كفر بعد ظهور هذه الآيات العظيمة على عظمته تعالى ووحدانيته، فقال: { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا }.
التغابن 64:2
يقول الحق جل جلاله: { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض } أي: ينزهه سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه، قال القشيري: المخلوقات بجملتها مسبحة لله، ولكن لا يسمع تسبيحها من فيه طرش النكرة. ه. { له الملك وله الحمد } لا لغيره إذ هو المبدىء لكل شيء، وهو القائم به، والمهيمن عليه، وهو المولي لأصول النعم وفروعها، وأما ملك غيره فاسترعاء من جنابه، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه. فتقديم الظرفين للاختصاص. { وهو على كل شيء قدير } لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى كل سواء. { هو الذي خلقكم } خلقا بديعا، حائزا لجميع الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك { فمنكم كافر } أي: فبعض منكم مختار للكفر كاسبا له، على خلاف ما تستدعيه خلقته، { ومنكم مؤمن } مختار للإيمان، كاسبا له، على حسب ما تقتضيه خلقته، وكان الواجب عليكم جميعا أن تكونوا مختارين للإيمان، شاكرين لنعم الخلق والإيجاد، وما يتفرع عليهما من سائر النعم، فما فعلتم ذلك مع تمام تمكنكم منه، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم فرقا. وتقديم الكفر لأنه الأغلب والأنسب للتوبيخ. قال القشيري: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } أي: في سابق علمه سماه كافرا، لعلمه أنه يكفر، وكذلك المؤمن. ه. قال أبو السعود: حمله على ذلك مما لا يليق بالمقام، فانظره. { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم بذلك، فاختاروا منه ما ينفعكم من الإيمان والطاعة، وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان. { خلق السماوات والأرض بالحق } بالحكمة البالغة، المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية، حيث جعلها مقرا للمكلفين ليعملوا فيجازيهم، { وصوركم فأحسن صوركم } حيث أنشأكم في أحسن تقويم، وأودع فيكم من القوى والمشاعر الظاهرة والباطنة، ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة، وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته، وجعلكم أنموذج جميع مخلوقاته، فالكائنات كلها منطوية في هذه النشأة. قال النسفي: أي: خلقكم أحسن الحيوان كله، وأبهاه، بدليل: أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته: أنه خلق منتصبا غير منكب، ومن كان دميما، مشوه الصورة، سمج الخلقة، فلا سماجة ثم، ولكن الحسن على طبقات، فلانحطاطها عما فوقها لا تستملح، ولكنها غير خارجة عن حد الحسن. وقال الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان. ه. قلت: وما أشار إليه هو الذي نظمه الجيلاني في عينيته، حيث قال:
وكل قبيح إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان. ولا ثم باشع
{ وإليه المصير } في النشأة الأخرى، لا إلى غيره، فأحسنوا سرائركم، باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خلقن له. { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون } أي: ما تسرونه فيما بينكم، وما تظهرونه من الأمور، والتصريح به مع اندراجه فيما سبق قبله لأنه الذي يدور عليه الجزاء، ففيه تأكيد للوعد والوعيد، وتشديد لهما.
وقوله تعالى: { والله عليم بذات الصدور }: تذييل لما قبله، ومقرر له، من شمول علمه تعالى لسرهم وعلنهم، أي: هو محيط بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس، بحيث لا يفارقها أصلا، فكيف يخفى عليه ما يسرونه وما يعلنونه، فحق أن يتقى ويحذر. وإظهار الجلالة للإشعار بعلية الحكم، وتأكيد استقلال الجملة. قيل: وتقدم تقرير القدرة على تقرير العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته تعالى بالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأوصاف، وكل ما ذكره بعد قوله: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمه. قال الطيبي: الفاء في " فمنكم " تفصيلية، والآية كلها واردة لبيان عظمة الله في ملكه وملكوته، وذلك أنه تعالى لما أثبت لذاته الأقدس التنزيه، وأن كل شيء ينزهه ويقدسه عما لا يليق بجلاله، ثم خص أنه لوصفه بالمالكية على الإطلاق، وكل كمال وجمال ونعمة وإفضال منه، وهو خالق كل مهتد وضال، ونظم دليل الآفاق مع ليل الأنفس، وبين أن إليه المصير، ختم ذلك بإثبات العلم الشامل للكليات والجزئيات، وكرره تكريرا، وأكده توكيدا، وكأن ذكر العلم في قوله: { والله بما تعملون بصير } استطراد لذكر الخلق وتفصيله، ولإثبات القضاء والقدر، ولما فرغ من بيان العظمة جاء بالتهديد والوعيد، وقال: { ألم يأتكم... } الآية. ه. الإشارة: هو الذي خلقكم، فمنكم كافر بطريق الخصوص، ومنكم مؤمن بها، داخل فيها، أي: فمنكم عام ومنكم خاص. قال القشيري: فمنكم كافر، أي: سائر للحق بالخلق، ومنكم مؤمن، أي: مصدق بظهور الحق في الخلق. ثم قسم الناس على ثلاثة: من لا يرى إلا الخلق، وهم أهل الفرق، ومن لا يرى إلا الحق، وهم أهل الجمع، ومن يرى الحق في الخلق، والخلق في الحق، لا يحجبه أحدهما عن الآخر، فهم أهل جمع الجمع. خلق سماوات الأرواح ليعرف بها، وأرض الأشباح ليعبد بها، وهو الواحد الأحد، وصوركم فأحسن صوركم، حيث جعلها جامعة للعوالم العلوية والسفلية لأن الله تعالى خلق آدم على صورته، وذاته المقدسة جامعة لمظاهر الصفات والأسماء، وتلك المظاهر كلها مجموعة في الصور الآدمية، بخلاف سائر الكائنات، فما في صورتها إلآ بعض الأسماء والصفات، فتأمله. وإليه المصير، أي: وإلى ذاته ترجع جميع الصور والأشكال، فما خرج شيء عن إحاطة الذات والصفات، يعلم ما تسرون من العقائد الصحيحة، وما تعلنون من العبادات الخالصة، أو: ما تسرون من الكشوفات الذوقية، وما تعلنون من العبودية الاختيارية، هذا في خاصة أهل الظاهر وأهل الباطن، أو: ما تسرون من العقائد الفاسدة، وما تعلنون من الأعمال الخبيثة، أو: ما تسرون من الاتحاد أو الحلول، وما تعلنون من العمل والمعلول، وهذا في طالحي الفريقين. ثم هدد من كفر بعد ظهور هذه الآيات العظيمة على عظمته تعالى ووحدانيته، فقال: { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا }.
التغابن 64:3
يقول الحق جل جلاله: { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض } أي: ينزهه سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه، قال القشيري: المخلوقات بجملتها مسبحة لله، ولكن لا يسمع تسبيحها من فيه طرش النكرة. ه. { له الملك وله الحمد } لا لغيره إذ هو المبدىء لكل شيء، وهو القائم به، والمهيمن عليه، وهو المولي لأصول النعم وفروعها، وأما ملك غيره فاسترعاء من جنابه، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه. فتقديم الظرفين للاختصاص. { وهو على كل شيء قدير } لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى كل سواء. { هو الذي خلقكم } خلقا بديعا، حائزا لجميع الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك { فمنكم كافر } أي: فبعض منكم مختار للكفر كاسبا له، على خلاف ما تستدعيه خلقته، { ومنكم مؤمن } مختار للإيمان، كاسبا له، على حسب ما تقتضيه خلقته، وكان الواجب عليكم جميعا أن تكونوا مختارين للإيمان، شاكرين لنعم الخلق والإيجاد، وما يتفرع عليهما من سائر النعم، فما فعلتم ذلك مع تمام تمكنكم منه، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم فرقا. وتقديم الكفر لأنه الأغلب والأنسب للتوبيخ. قال القشيري: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } أي: في سابق علمه سماه كافرا، لعلمه أنه يكفر، وكذلك المؤمن. ه. قال أبو السعود: حمله على ذلك مما لا يليق بالمقام، فانظره. { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم بذلك، فاختاروا منه ما ينفعكم من الإيمان والطاعة، وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان. { خلق السماوات والأرض بالحق } بالحكمة البالغة، المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية، حيث جعلها مقرا للمكلفين ليعملوا فيجازيهم، { وصوركم فأحسن صوركم } حيث أنشأكم في أحسن تقويم، وأودع فيكم من القوى والمشاعر الظاهرة والباطنة، ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة، وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته، وجعلكم أنموذج جميع مخلوقاته، فالكائنات كلها منطوية في هذه النشأة. قال النسفي: أي: خلقكم أحسن الحيوان كله، وأبهاه، بدليل: أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته: أنه خلق منتصبا غير منكب، ومن كان دميما، مشوه الصورة، سمج الخلقة، فلا سماجة ثم، ولكن الحسن على طبقات، فلانحطاطها عما فوقها لا تستملح، ولكنها غير خارجة عن حد الحسن. وقال الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان. ه. قلت: وما أشار إليه هو الذي نظمه الجيلاني في عينيته، حيث قال:
وكل قبيح إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان. ولا ثم باشع
{ وإليه المصير } في النشأة الأخرى، لا إلى غيره، فأحسنوا سرائركم، باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خلقن له. { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون } أي: ما تسرونه فيما بينكم، وما تظهرونه من الأمور، والتصريح به مع اندراجه فيما سبق قبله لأنه الذي يدور عليه الجزاء، ففيه تأكيد للوعد والوعيد، وتشديد لهما.
وقوله تعالى: { والله عليم بذات الصدور }: تذييل لما قبله، ومقرر له، من شمول علمه تعالى لسرهم وعلنهم، أي: هو محيط بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس، بحيث لا يفارقها أصلا، فكيف يخفى عليه ما يسرونه وما يعلنونه، فحق أن يتقى ويحذر. وإظهار الجلالة للإشعار بعلية الحكم، وتأكيد استقلال الجملة. قيل: وتقدم تقرير القدرة على تقرير العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته تعالى بالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأوصاف، وكل ما ذكره بعد قوله: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمه. قال الطيبي: الفاء في " فمنكم " تفصيلية، والآية كلها واردة لبيان عظمة الله في ملكه وملكوته، وذلك أنه تعالى لما أثبت لذاته الأقدس التنزيه، وأن كل شيء ينزهه ويقدسه عما لا يليق بجلاله، ثم خص أنه لوصفه بالمالكية على الإطلاق، وكل كمال وجمال ونعمة وإفضال منه، وهو خالق كل مهتد وضال، ونظم دليل الآفاق مع ليل الأنفس، وبين أن إليه المصير، ختم ذلك بإثبات العلم الشامل للكليات والجزئيات، وكرره تكريرا، وأكده توكيدا، وكأن ذكر العلم في قوله: { والله بما تعملون بصير } استطراد لذكر الخلق وتفصيله، ولإثبات القضاء والقدر، ولما فرغ من بيان العظمة جاء بالتهديد والوعيد، وقال: { ألم يأتكم... } الآية. ه. الإشارة: هو الذي خلقكم، فمنكم كافر بطريق الخصوص، ومنكم مؤمن بها، داخل فيها، أي: فمنكم عام ومنكم خاص. قال القشيري: فمنكم كافر، أي: سائر للحق بالخلق، ومنكم مؤمن، أي: مصدق بظهور الحق في الخلق. ثم قسم الناس على ثلاثة: من لا يرى إلا الخلق، وهم أهل الفرق، ومن لا يرى إلا الحق، وهم أهل الجمع، ومن يرى الحق في الخلق، والخلق في الحق، لا يحجبه أحدهما عن الآخر، فهم أهل جمع الجمع. خلق سماوات الأرواح ليعرف بها، وأرض الأشباح ليعبد بها، وهو الواحد الأحد، وصوركم فأحسن صوركم، حيث جعلها جامعة للعوالم العلوية والسفلية لأن الله تعالى خلق آدم على صورته، وذاته المقدسة جامعة لمظاهر الصفات والأسماء، وتلك المظاهر كلها مجموعة في الصور الآدمية، بخلاف سائر الكائنات، فما في صورتها إلآ بعض الأسماء والصفات، فتأمله. وإليه المصير، أي: وإلى ذاته ترجع جميع الصور والأشكال، فما خرج شيء عن إحاطة الذات والصفات، يعلم ما تسرون من العقائد الصحيحة، وما تعلنون من العبادات الخالصة، أو: ما تسرون من الكشوفات الذوقية، وما تعلنون من العبودية الاختيارية، هذا في خاصة أهل الظاهر وأهل الباطن، أو: ما تسرون من العقائد الفاسدة، وما تعلنون من الأعمال الخبيثة، أو: ما تسرون من الاتحاد أو الحلول، وما تعلنون من العمل والمعلول، وهذا في طالحي الفريقين. ثم هدد من كفر بعد ظهور هذه الآيات العظيمة على عظمته تعالى ووحدانيته، فقال: { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا }.
التغابن 64:4
يقول الحق جل جلاله: { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض } أي: ينزهه سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه، قال القشيري: المخلوقات بجملتها مسبحة لله، ولكن لا يسمع تسبيحها من فيه طرش النكرة. ه. { له الملك وله الحمد } لا لغيره إذ هو المبدىء لكل شيء، وهو القائم به، والمهيمن عليه، وهو المولي لأصول النعم وفروعها، وأما ملك غيره فاسترعاء من جنابه، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه. فتقديم الظرفين للاختصاص. { وهو على كل شيء قدير } لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى كل سواء. { هو الذي خلقكم } خلقا بديعا، حائزا لجميع الكمالات العلمية والعملية، ومع ذلك { فمنكم كافر } أي: فبعض منكم مختار للكفر كاسبا له، على خلاف ما تستدعيه خلقته، { ومنكم مؤمن } مختار للإيمان، كاسبا له، على حسب ما تقتضيه خلقته، وكان الواجب عليكم جميعا أن تكونوا مختارين للإيمان، شاكرين لنعم الخلق والإيجاد، وما يتفرع عليهما من سائر النعم، فما فعلتم ذلك مع تمام تمكنكم منه، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم فرقا. وتقديم الكفر لأنه الأغلب والأنسب للتوبيخ. قال القشيري: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } أي: في سابق علمه سماه كافرا، لعلمه أنه يكفر، وكذلك المؤمن. ه. قال أبو السعود: حمله على ذلك مما لا يليق بالمقام، فانظره. { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم بذلك، فاختاروا منه ما ينفعكم من الإيمان والطاعة، وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان. { خلق السماوات والأرض بالحق } بالحكمة البالغة، المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية، حيث جعلها مقرا للمكلفين ليعملوا فيجازيهم، { وصوركم فأحسن صوركم } حيث أنشأكم في أحسن تقويم، وأودع فيكم من القوى والمشاعر الظاهرة والباطنة، ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة، وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته، وجعلكم أنموذج جميع مخلوقاته، فالكائنات كلها منطوية في هذه النشأة. قال النسفي: أي: خلقكم أحسن الحيوان كله، وأبهاه، بدليل: أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته: أنه خلق منتصبا غير منكب، ومن كان دميما، مشوه الصورة، سمج الخلقة، فلا سماجة ثم، ولكن الحسن على طبقات، فلانحطاطها عما فوقها لا تستملح، ولكنها غير خارجة عن حد الحسن. وقال الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان. ه. قلت: وما أشار إليه هو الذي نظمه الجيلاني في عينيته، حيث قال:
وكل قبيح إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان. ولا ثم باشع
{ وإليه المصير } في النشأة الأخرى، لا إلى غيره، فأحسنوا سرائركم، باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خلقن له. { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون } أي: ما تسرونه فيما بينكم، وما تظهرونه من الأمور، والتصريح به مع اندراجه فيما سبق قبله لأنه الذي يدور عليه الجزاء، ففيه تأكيد للوعد والوعيد، وتشديد لهما.
وقوله تعالى: { والله عليم بذات الصدور }: تذييل لما قبله، ومقرر له، من شمول علمه تعالى لسرهم وعلنهم، أي: هو محيط بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس، بحيث لا يفارقها أصلا، فكيف يخفى عليه ما يسرونه وما يعلنونه، فحق أن يتقى ويحذر. وإظهار الجلالة للإشعار بعلية الحكم، وتأكيد استقلال الجملة. قيل: وتقدم تقرير القدرة على تقرير العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته تعالى بالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأوصاف، وكل ما ذكره بعد قوله: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمه. قال الطيبي: الفاء في " فمنكم " تفصيلية، والآية كلها واردة لبيان عظمة الله في ملكه وملكوته، وذلك أنه تعالى لما أثبت لذاته الأقدس التنزيه، وأن كل شيء ينزهه ويقدسه عما لا يليق بجلاله، ثم خص أنه لوصفه بالمالكية على الإطلاق، وكل كمال وجمال ونعمة وإفضال منه، وهو خالق كل مهتد وضال، ونظم دليل الآفاق مع ليل الأنفس، وبين أن إليه المصير، ختم ذلك بإثبات العلم الشامل للكليات والجزئيات، وكرره تكريرا، وأكده توكيدا، وكأن ذكر العلم في قوله: { والله بما تعملون بصير } استطراد لذكر الخلق وتفصيله، ولإثبات القضاء والقدر، ولما فرغ من بيان العظمة جاء بالتهديد والوعيد، وقال: { ألم يأتكم... } الآية. ه. الإشارة: هو الذي خلقكم، فمنكم كافر بطريق الخصوص، ومنكم مؤمن بها، داخل فيها، أي: فمنكم عام ومنكم خاص. قال القشيري: فمنكم كافر، أي: سائر للحق بالخلق، ومنكم مؤمن، أي: مصدق بظهور الحق في الخلق. ثم قسم الناس على ثلاثة: من لا يرى إلا الخلق، وهم أهل الفرق، ومن لا يرى إلا الحق، وهم أهل الجمع، ومن يرى الحق في الخلق، والخلق في الحق، لا يحجبه أحدهما عن الآخر، فهم أهل جمع الجمع. خلق سماوات الأرواح ليعرف بها، وأرض الأشباح ليعبد بها، وهو الواحد الأحد، وصوركم فأحسن صوركم، حيث جعلها جامعة للعوالم العلوية والسفلية لأن الله تعالى خلق آدم على صورته، وذاته المقدسة جامعة لمظاهر الصفات والأسماء، وتلك المظاهر كلها مجموعة في الصور الآدمية، بخلاف سائر الكائنات، فما في صورتها إلآ بعض الأسماء والصفات، فتأمله. وإليه المصير، أي: وإلى ذاته ترجع جميع الصور والأشكال، فما خرج شيء عن إحاطة الذات والصفات، يعلم ما تسرون من العقائد الصحيحة، وما تعلنون من العبادات الخالصة، أو: ما تسرون من الكشوفات الذوقية، وما تعلنون من العبودية الاختيارية، هذا في خاصة أهل الظاهر وأهل الباطن، أو: ما تسرون من العقائد الفاسدة، وما تعلنون من الأعمال الخبيثة، أو: ما تسرون من الاتحاد أو الحلول، وما تعلنون من العمل والمعلول، وهذا في طالحي الفريقين. ثم هدد من كفر بعد ظهور هذه الآيات العظيمة على عظمته تعالى ووحدانيته، فقال: { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا }.
التغابن 64:5
يقول الحق جل جلاله: لكفار مكة { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل }؟ كقوم نوح، ومن بعدهم من الأمم المصرة على الكفر، { فذاقوا وبال أمرهم } أي: شؤم كفرهم في الدنيا من الهلاك والاستئصال. والوبال: الثقل والشدة، وأمرهم: كفرهم، عبر عنه بالأمر إيذانا بأنه أمر هائل، وجناية عظيمة، و " ذاقوا " عطف على " كفروا " أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا فذاقوا من غير مهلة ما يستتبعه كفرهم في الدنيا؟ { ولهم عذاب أليم } لا يقادر قدره. { ذلك } أي: ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا، وما سيذوقونه في الآخرة { بأنه } بسبب أن الشأن { كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات الظاهرة، { فقالوا أبشر يهدوننا } أي: قال كل قوم من المذكورين في حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين كون الرسول من البشر، متعجبين من ذلك { أبشر } من جنس البشر { يهدوننا } ، أنكروا رسالة البشر، ولم ينكروا عبادة الحجر، { فكفروا } بالرسل { وتولوا } عن التدبر فيما أتوا به من البينات، أو: عن الإيمان بهم، { واستغنى الله } أي: أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم، حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا استغناؤه تعالى عنها ما فعل ذلك، { والله غني } عن العالمين، فضلا عن إيمانهم وطاعتهم، { حميد } يحمده كل مخلوق بلسان الحال والمقال، أو: مستحق للحمد بذاته، وإن لم يحمده حامد. ثم ذكر كفرهم بالبعث، فقال: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } ، الزعم: ادعاء العلم، فيتعدى إلى مفعولين، سد مسدهما " أن " المخففة، أي: أدعى أهل مكة أن الشأن لن يبعثوا بعد موتهم، { قل بلى وربي لتبعثن } ، ردا لزعمهم وإبطالا لما نفوه مؤكدا بالقسم، فإن قلت: ما معنى اليمين على شيء أنكروه؟ قلت: هو جائز لأن التهديد به أعظم موقعا في القلب، فكأنه قيل: ما تنكرونه والله إنه لواقع لا محالة، { ثم لتنبؤن بما عملتم } أي: لتحاسبن وتجزون بأعمالكم، { وذلك } أي: ما ذكر من البعث والحساب { على الله يسير } هين، لتحقق القدرة التامة، وقبول المادة للإعادة. الإشارة: ألم يأتكم يا معشر المنكرين على أولياء زمانكم، خبر من أنكر قبلكم، ذاقوا وبال أمرهم حيث ماتوا محجوبين عن شهوده، مطرودين عن ساحة قربه، ذاقوا وبال أمرهم في الدنيا الجزع والهلع وتسليط الخواطر والشكوك، ولهم في الآخرة عذاب البعد والحجاب، وسبب ذلك: إنكار الخصوصية عند بشر مثلهم، فكفروا به، وتولوا عنه، والله غني عنهم، وعن توجههم، وعن جميع الخلق، زعم الذين كفروا ستروا الحق بالخلق، أي: احتجبوا بالخلق عن شهود الحق، أن لن يبعثوا على معتقدهم، قل: بلى وربي لتبعثن، كما عشتم محجوبين عن رؤية الحق إلا نادرا لأن العبد يموت على ما عاش، ويبعث على ما مات، من معرفة أو نكران، ثم لتحاسبن على أعمالكم، لا يغادر منها صغيرة ولا كبيرة، بخلاف العارفين، لا يرفع لهم ميزان، ولا يتوجه لهم حساب، حيث فنوا عن أنفسهم، وبقوا بالله، وهم من السبعين ألفا. وبالله التوفيق. ولما هدد على الكفر، أمر بالإيمان، ورغب فيه، فقال: { فآمنوا بالله ورسوله }.
التغابن 64:6
يقول الحق جل جلاله: لكفار مكة { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل }؟ كقوم نوح، ومن بعدهم من الأمم المصرة على الكفر، { فذاقوا وبال أمرهم } أي: شؤم كفرهم في الدنيا من الهلاك والاستئصال. والوبال: الثقل والشدة، وأمرهم: كفرهم، عبر عنه بالأمر إيذانا بأنه أمر هائل، وجناية عظيمة، و " ذاقوا " عطف على " كفروا " أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا فذاقوا من غير مهلة ما يستتبعه كفرهم في الدنيا؟ { ولهم عذاب أليم } لا يقادر قدره. { ذلك } أي: ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا، وما سيذوقونه في الآخرة { بأنه } بسبب أن الشأن { كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات الظاهرة، { فقالوا أبشر يهدوننا } أي: قال كل قوم من المذكورين في حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين كون الرسول من البشر، متعجبين من ذلك { أبشر } من جنس البشر { يهدوننا } ، أنكروا رسالة البشر، ولم ينكروا عبادة الحجر، { فكفروا } بالرسل { وتولوا } عن التدبر فيما أتوا به من البينات، أو: عن الإيمان بهم، { واستغنى الله } أي: أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم، حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا استغناؤه تعالى عنها ما فعل ذلك، { والله غني } عن العالمين، فضلا عن إيمانهم وطاعتهم، { حميد } يحمده كل مخلوق بلسان الحال والمقال، أو: مستحق للحمد بذاته، وإن لم يحمده حامد. ثم ذكر كفرهم بالبعث، فقال: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } ، الزعم: ادعاء العلم، فيتعدى إلى مفعولين، سد مسدهما " أن " المخففة، أي: أدعى أهل مكة أن الشأن لن يبعثوا بعد موتهم، { قل بلى وربي لتبعثن } ، ردا لزعمهم وإبطالا لما نفوه مؤكدا بالقسم، فإن قلت: ما معنى اليمين على شيء أنكروه؟ قلت: هو جائز لأن التهديد به أعظم موقعا في القلب، فكأنه قيل: ما تنكرونه والله إنه لواقع لا محالة، { ثم لتنبؤن بما عملتم } أي: لتحاسبن وتجزون بأعمالكم، { وذلك } أي: ما ذكر من البعث والحساب { على الله يسير } هين، لتحقق القدرة التامة، وقبول المادة للإعادة. الإشارة: ألم يأتكم يا معشر المنكرين على أولياء زمانكم، خبر من أنكر قبلكم، ذاقوا وبال أمرهم حيث ماتوا محجوبين عن شهوده، مطرودين عن ساحة قربه، ذاقوا وبال أمرهم في الدنيا الجزع والهلع وتسليط الخواطر والشكوك، ولهم في الآخرة عذاب البعد والحجاب، وسبب ذلك: إنكار الخصوصية عند بشر مثلهم، فكفروا به، وتولوا عنه، والله غني عنهم، وعن توجههم، وعن جميع الخلق، زعم الذين كفروا ستروا الحق بالخلق، أي: احتجبوا بالخلق عن شهود الحق، أن لن يبعثوا على معتقدهم، قل: بلى وربي لتبعثن، كما عشتم محجوبين عن رؤية الحق إلا نادرا لأن العبد يموت على ما عاش، ويبعث على ما مات، من معرفة أو نكران، ثم لتحاسبن على أعمالكم، لا يغادر منها صغيرة ولا كبيرة، بخلاف العارفين، لا يرفع لهم ميزان، ولا يتوجه لهم حساب، حيث فنوا عن أنفسهم، وبقوا بالله، وهم من السبعين ألفا. وبالله التوفيق. ولما هدد على الكفر، أمر بالإيمان، ورغب فيه، فقال: { فآمنوا بالله ورسوله }.
التغابن 64:7
يقول الحق جل جلاله: لكفار مكة { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل }؟ كقوم نوح، ومن بعدهم من الأمم المصرة على الكفر، { فذاقوا وبال أمرهم } أي: شؤم كفرهم في الدنيا من الهلاك والاستئصال. والوبال: الثقل والشدة، وأمرهم: كفرهم، عبر عنه بالأمر إيذانا بأنه أمر هائل، وجناية عظيمة، و " ذاقوا " عطف على " كفروا " أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا فذاقوا من غير مهلة ما يستتبعه كفرهم في الدنيا؟ { ولهم عذاب أليم } لا يقادر قدره. { ذلك } أي: ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا، وما سيذوقونه في الآخرة { بأنه } بسبب أن الشأن { كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات الظاهرة، { فقالوا أبشر يهدوننا } أي: قال كل قوم من المذكورين في حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين كون الرسول من البشر، متعجبين من ذلك { أبشر } من جنس البشر { يهدوننا } ، أنكروا رسالة البشر، ولم ينكروا عبادة الحجر، { فكفروا } بالرسل { وتولوا } عن التدبر فيما أتوا به من البينات، أو: عن الإيمان بهم، { واستغنى الله } أي: أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم، حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا استغناؤه تعالى عنها ما فعل ذلك، { والله غني } عن العالمين، فضلا عن إيمانهم وطاعتهم، { حميد } يحمده كل مخلوق بلسان الحال والمقال، أو: مستحق للحمد بذاته، وإن لم يحمده حامد. ثم ذكر كفرهم بالبعث، فقال: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } ، الزعم: ادعاء العلم، فيتعدى إلى مفعولين، سد مسدهما " أن " المخففة، أي: أدعى أهل مكة أن الشأن لن يبعثوا بعد موتهم، { قل بلى وربي لتبعثن } ، ردا لزعمهم وإبطالا لما نفوه مؤكدا بالقسم، فإن قلت: ما معنى اليمين على شيء أنكروه؟ قلت: هو جائز لأن التهديد به أعظم موقعا في القلب، فكأنه قيل: ما تنكرونه والله إنه لواقع لا محالة، { ثم لتنبؤن بما عملتم } أي: لتحاسبن وتجزون بأعمالكم، { وذلك } أي: ما ذكر من البعث والحساب { على الله يسير } هين، لتحقق القدرة التامة، وقبول المادة للإعادة. الإشارة: ألم يأتكم يا معشر المنكرين على أولياء زمانكم، خبر من أنكر قبلكم، ذاقوا وبال أمرهم حيث ماتوا محجوبين عن شهوده، مطرودين عن ساحة قربه، ذاقوا وبال أمرهم في الدنيا الجزع والهلع وتسليط الخواطر والشكوك، ولهم في الآخرة عذاب البعد والحجاب، وسبب ذلك: إنكار الخصوصية عند بشر مثلهم، فكفروا به، وتولوا عنه، والله غني عنهم، وعن توجههم، وعن جميع الخلق، زعم الذين كفروا ستروا الحق بالخلق، أي: احتجبوا بالخلق عن شهود الحق، أن لن يبعثوا على معتقدهم، قل: بلى وربي لتبعثن، كما عشتم محجوبين عن رؤية الحق إلا نادرا لأن العبد يموت على ما عاش، ويبعث على ما مات، من معرفة أو نكران، ثم لتحاسبن على أعمالكم، لا يغادر منها صغيرة ولا كبيرة، بخلاف العارفين، لا يرفع لهم ميزان، ولا يتوجه لهم حساب، حيث فنوا عن أنفسهم، وبقوا بالله، وهم من السبعين ألفا. وبالله التوفيق. ولما هدد على الكفر، أمر بالإيمان، ورغب فيه، فقال: { فآمنوا بالله ورسوله }.
التغابن 64:8
قلت: الفاء في قوله { فأمنوا } فصيحة، مفصحة عن شرط مقدر، أي: إذا كان الأمر كما ذكرنا من وقوع البعث لا محالة فآمنوا وتأهبوا له. يقول الحق جل جلاله: { فآمنوا بالله ورسوله } محمد صلى الله عليه وسلم، { والنور الذي أنزلنا } وهو القرآن، فإنه بين حقائق الأشياء، فيهتدي به كما يهتدى بالنور. والالتفات في " أنزلنا " لكمال العناية بالإنزال، { والله بما تعملون } من الامتثال وعدمه { خبير } ، فيجازيكم عليه. وإظهار اسم الجليل لتربية المهابة، وتأكيد استقلال الجملة. واذكر { يوم يجمعكم } أو: لتنبؤن، أو خبير { يوم يجمعكم ليوم الجمع } وهو يوم يجمع فيه الأولون والآخرون للحساب والجزاء، { ذلك يوم التغابن } ، مستعار من: تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء لو كانوا أشقياء، كما ورد في الحديث. وقد يتغابن الناس في ذلك اليوم بتفاوت الدرجات، وذلك هو التغابن الحقيقي، لا التغابن في أمور الدنيا، { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر } بنون العظمة لنافع والشامي، وبياء الغيبة، أي: يكفر الله { عنه سيئاته ويدخله جنات } أو: يدخله الله { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك } أي: ما ذكر من تكفير السيئات وإدخال الجنات { الفوز العظيم } الذي لا فوز وراءه لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات، والظفر بأجل الطلبات. { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير } المرجع، كأن هاتين الآيتين الكريمتين بيان لكيفية التغابن. والله تعالى أعلم. الإشارة: فأمنوا بالله ورسوله إيمان العيان، لا إيمان البرهان، أي: قدموا إيمان البرهان، ثم سيروا إلى مقام العيان، وآمنوا بالقرآن، وصفوا مرآة قلوبكم حتى تسمعوه منا بلا واسطة، واذكروا يوم يجمعكم ليوم الجمع الدائم لأهل الجمع في الدنيا، ذلك يوم التغابن، يغبن الذاكرون الغافلين، والمجتهدون المقصرين، والعارفون بالله والمحجوبين عنه، وهذا هو الغبن الكبير، ومن يؤمن بالله، ثم يجهد في شهود الله، ويعمل عملا صالحا، وهو العمل بالله، نكفر عنه سيئاته، أي رؤية أعماله ووجوده، أي: نغطي وصفه بوصفي، ونعته بنعتي، وندخله جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، وذلك هو الفوز العظيم، أي: خلع الوجود المجازي عنه، وإلباس الوجود الحقيقي هو الفوز العظيم. والذين كفروا بطريق الخصوص، وكذبوا بآياتنا، وهم العارفون الدالون على الله، أولئك أصحاب النار، أي: نار الحجاب وجحيم الاحتجاب، خالدين فيها، وبئس المصير الحجاب والاحتجاب. ولما كان الغين من جملة المصائب، ذكر أنها بقضائه وقدره، فقال: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله }.
التغابن 64:9
قلت: الفاء في قوله { فأمنوا } فصيحة، مفصحة عن شرط مقدر، أي: إذا كان الأمر كما ذكرنا من وقوع البعث لا محالة فآمنوا وتأهبوا له. يقول الحق جل جلاله: { فآمنوا بالله ورسوله } محمد صلى الله عليه وسلم، { والنور الذي أنزلنا } وهو القرآن، فإنه بين حقائق الأشياء، فيهتدي به كما يهتدى بالنور. والالتفات في " أنزلنا " لكمال العناية بالإنزال، { والله بما تعملون } من الامتثال وعدمه { خبير } ، فيجازيكم عليه. وإظهار اسم الجليل لتربية المهابة، وتأكيد استقلال الجملة. واذكر { يوم يجمعكم } أو: لتنبؤن، أو خبير { يوم يجمعكم ليوم الجمع } وهو يوم يجمع فيه الأولون والآخرون للحساب والجزاء، { ذلك يوم التغابن } ، مستعار من: تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء لو كانوا أشقياء، كما ورد في الحديث. وقد يتغابن الناس في ذلك اليوم بتفاوت الدرجات، وذلك هو التغابن الحقيقي، لا التغابن في أمور الدنيا، { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر } بنون العظمة لنافع والشامي، وبياء الغيبة، أي: يكفر الله { عنه سيئاته ويدخله جنات } أو: يدخله الله { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك } أي: ما ذكر من تكفير السيئات وإدخال الجنات { الفوز العظيم } الذي لا فوز وراءه لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات، والظفر بأجل الطلبات. { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير } المرجع، كأن هاتين الآيتين الكريمتين بيان لكيفية التغابن. والله تعالى أعلم. الإشارة: فأمنوا بالله ورسوله إيمان العيان، لا إيمان البرهان، أي: قدموا إيمان البرهان، ثم سيروا إلى مقام العيان، وآمنوا بالقرآن، وصفوا مرآة قلوبكم حتى تسمعوه منا بلا واسطة، واذكروا يوم يجمعكم ليوم الجمع الدائم لأهل الجمع في الدنيا، ذلك يوم التغابن، يغبن الذاكرون الغافلين، والمجتهدون المقصرين، والعارفون بالله والمحجوبين عنه، وهذا هو الغبن الكبير، ومن يؤمن بالله، ثم يجهد في شهود الله، ويعمل عملا صالحا، وهو العمل بالله، نكفر عنه سيئاته، أي رؤية أعماله ووجوده، أي: نغطي وصفه بوصفي، ونعته بنعتي، وندخله جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، وذلك هو الفوز العظيم، أي: خلع الوجود المجازي عنه، وإلباس الوجود الحقيقي هو الفوز العظيم. والذين كفروا بطريق الخصوص، وكذبوا بآياتنا، وهم العارفون الدالون على الله، أولئك أصحاب النار، أي: نار الحجاب وجحيم الاحتجاب، خالدين فيها، وبئس المصير الحجاب والاحتجاب. ولما كان الغين من جملة المصائب، ذكر أنها بقضائه وقدره، فقال: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله }.
التغابن 64:10
قلت: الفاء في قوله { فأمنوا } فصيحة، مفصحة عن شرط مقدر، أي: إذا كان الأمر كما ذكرنا من وقوع البعث لا محالة فآمنوا وتأهبوا له. يقول الحق جل جلاله: { فآمنوا بالله ورسوله } محمد صلى الله عليه وسلم، { والنور الذي أنزلنا } وهو القرآن، فإنه بين حقائق الأشياء، فيهتدي به كما يهتدى بالنور. والالتفات في " أنزلنا " لكمال العناية بالإنزال، { والله بما تعملون } من الامتثال وعدمه { خبير } ، فيجازيكم عليه. وإظهار اسم الجليل لتربية المهابة، وتأكيد استقلال الجملة. واذكر { يوم يجمعكم } أو: لتنبؤن، أو خبير { يوم يجمعكم ليوم الجمع } وهو يوم يجمع فيه الأولون والآخرون للحساب والجزاء، { ذلك يوم التغابن } ، مستعار من: تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء لو كانوا أشقياء، كما ورد في الحديث. وقد يتغابن الناس في ذلك اليوم بتفاوت الدرجات، وذلك هو التغابن الحقيقي، لا التغابن في أمور الدنيا، { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر } بنون العظمة لنافع والشامي، وبياء الغيبة، أي: يكفر الله { عنه سيئاته ويدخله جنات } أو: يدخله الله { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك } أي: ما ذكر من تكفير السيئات وإدخال الجنات { الفوز العظيم } الذي لا فوز وراءه لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات، والظفر بأجل الطلبات. { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير } المرجع، كأن هاتين الآيتين الكريمتين بيان لكيفية التغابن. والله تعالى أعلم. الإشارة: فأمنوا بالله ورسوله إيمان العيان، لا إيمان البرهان، أي: قدموا إيمان البرهان، ثم سيروا إلى مقام العيان، وآمنوا بالقرآن، وصفوا مرآة قلوبكم حتى تسمعوه منا بلا واسطة، واذكروا يوم يجمعكم ليوم الجمع الدائم لأهل الجمع في الدنيا، ذلك يوم التغابن، يغبن الذاكرون الغافلين، والمجتهدون المقصرين، والعارفون بالله والمحجوبين عنه، وهذا هو الغبن الكبير، ومن يؤمن بالله، ثم يجهد في شهود الله، ويعمل عملا صالحا، وهو العمل بالله، نكفر عنه سيئاته، أي رؤية أعماله ووجوده، أي: نغطي وصفه بوصفي، ونعته بنعتي، وندخله جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، وذلك هو الفوز العظيم، أي: خلع الوجود المجازي عنه، وإلباس الوجود الحقيقي هو الفوز العظيم. والذين كفروا بطريق الخصوص، وكذبوا بآياتنا، وهم العارفون الدالون على الله، أولئك أصحاب النار، أي: نار الحجاب وجحيم الاحتجاب، خالدين فيها، وبئس المصير الحجاب والاحتجاب. ولما كان الغين من جملة المصائب، ذكر أنها بقضائه وقدره، فقال: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله }.
التغابن 64:11
يقول الحق جل جلاله: { ما أصاب من مصيبة } دنيوية أو أخروية { إلا بإذن الله } أي: بتقديره وإرادته، كأنها بذاتها متوجهة إلى الإنسان، متوقفة على إذنه تعالى، { ومن يؤمن بالله } أي: يصدق بأن المقادير كلها بيد الله { يهد قلبه } للرضا والتسليم، أو الاسترجاع، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظلم غفر. ونقل ابن عطية عن المفسرين: أن المراد: من اعترف بالقدر هانت عليه المصيبة، وسلم لأمر الله تعالى. { والله بكل شيء عليم } فيعلم ما في القلوب من برد الرضا أو حرارة التدبير. { وأطيعوا الله } فيما أمركم به، ومن جملته: الرضا بقضائه عن المصائب، { وأطيعوا الرسول } فيما سن لكم من الأخلاق الطيبة، وكرر الأمر للتأكيد والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية، { فإن توليتم } عن طاعتهما { فإنما على رسولنا البلاغ المبين } ، وهو تعليل للجواب المحذوف، أي: فإن تعرضوا فلا بأس عليه إذ ما عليه إلا البلاغ، وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه. وإظهار الرسول مضافا إلى نون العظمة في مقام إضماره لتشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بأن مدار الحكم، الذين هو وظيفته عليه السلام هو محض التبليغ، ولتشنيع التولي عنه. { الله لا إله إلا هو } لا يستحق العبادة غيره، ف " الله ": مبتدأ، و " لا إله إلا هو ": خبره، { وعلى الله } دون غيره { فليتوكل المؤمنون } ، حث رسوله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه حتى ينصره الله، وهي عامة لغيره، وإظهار الجلالة في موضع الإضمار للإشعار بعلية التوكل والأمر به، فإن الألوهية مقتضية للتبتل إليه تعالى بالكلية، وقطع التوكل عما سواه بالمرة. الإشارة: ما من نفس تبديه، إلا وله قدر فيك يمضيه. ما أصاب من مصيبة قلبية أو نفسية، ظاهرة أو باطنة، إلا بإذن الله وقدره، وكذلك ما أصاب من مسرة أو زيادة إلا بإذنه تعالى. قال القشيري: أي: أي خصلة حصلت فمن قبله، خلقا، وبعلمه وإرادته حكما، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، حتى يهتدي إلى الله في السراء والضراء في الدنيا، وفي الآخرة يهديه إلى الجنة، وقيل: يهديه للأخلاق السنية، وقيل: لاتباع السنة، واجتناب البدعة. ه. وقال أبو بكر الوراق: ومن يؤمن بالله عند النعمة والرخاء فيعلم أنها من فضل الله يهد قلبه للشكر، ومن يؤمن بالله عن الشدة والبلاء، فيعلم أنها من الله يهد قلبه للصبر والرضا. ه. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر والمتبادر: أن قوله: { ما أصاب... } الآية جمع على الله، ورد من الأسباب، والوقوف معها، إلى الوقوف مع قضائه، وإنما يجد ذلك المؤمن بالله، وأما غيره فصدره ضيق حرج عن قبول المعرفة، ولذلك قال: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } لمعرفته والأطمئنان به، أي: ومن لم يؤمن يصلى نار القطيعة والبعد، وحرارة التدبير، ففيه ترغيب في الإيمان وتحذير من الكفر، وأن الإيمان تعقبه جنة الرضا والتسليم، عاجلا، والكفر بضد ذلك، فبعد أن ذكر الجزاء في الآخرة أشار إلى الجزاء المعجل من اليقين والرضا للمؤمن، وضده للكافر.
والله أعلم. ه. وأطيعوا الله في الفرائض والرسول في السنن، وقد بقي بعد الرسول خلفاؤه، يسنون السنن الخاصة، فمن أعرض عنهم، يقال له: { فإن توليتم... } الآية، وتقدم في آل عمران وغيرها الكلام على التوكل. وبالله التوفيق. ولما رغب في الرضا والإيمان، وأمر بالطاعة، حذر مما يشغل عنهما، فقال: { يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم }.
التغابن 64:12
يقول الحق جل جلاله: { ما أصاب من مصيبة } دنيوية أو أخروية { إلا بإذن الله } أي: بتقديره وإرادته، كأنها بذاتها متوجهة إلى الإنسان، متوقفة على إذنه تعالى، { ومن يؤمن بالله } أي: يصدق بأن المقادير كلها بيد الله { يهد قلبه } للرضا والتسليم، أو الاسترجاع، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظلم غفر. ونقل ابن عطية عن المفسرين: أن المراد: من اعترف بالقدر هانت عليه المصيبة، وسلم لأمر الله تعالى. { والله بكل شيء عليم } فيعلم ما في القلوب من برد الرضا أو حرارة التدبير. { وأطيعوا الله } فيما أمركم به، ومن جملته: الرضا بقضائه عن المصائب، { وأطيعوا الرسول } فيما سن لكم من الأخلاق الطيبة، وكرر الأمر للتأكيد والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية، { فإن توليتم } عن طاعتهما { فإنما على رسولنا البلاغ المبين } ، وهو تعليل للجواب المحذوف، أي: فإن تعرضوا فلا بأس عليه إذ ما عليه إلا البلاغ، وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه. وإظهار الرسول مضافا إلى نون العظمة في مقام إضماره لتشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بأن مدار الحكم، الذين هو وظيفته عليه السلام هو محض التبليغ، ولتشنيع التولي عنه. { الله لا إله إلا هو } لا يستحق العبادة غيره، ف " الله ": مبتدأ، و " لا إله إلا هو ": خبره، { وعلى الله } دون غيره { فليتوكل المؤمنون } ، حث رسوله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه حتى ينصره الله، وهي عامة لغيره، وإظهار الجلالة في موضع الإضمار للإشعار بعلية التوكل والأمر به، فإن الألوهية مقتضية للتبتل إليه تعالى بالكلية، وقطع التوكل عما سواه بالمرة. الإشارة: ما من نفس تبديه، إلا وله قدر فيك يمضيه. ما أصاب من مصيبة قلبية أو نفسية، ظاهرة أو باطنة، إلا بإذن الله وقدره، وكذلك ما أصاب من مسرة أو زيادة إلا بإذنه تعالى. قال القشيري: أي: أي خصلة حصلت فمن قبله، خلقا، وبعلمه وإرادته حكما، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، حتى يهتدي إلى الله في السراء والضراء في الدنيا، وفي الآخرة يهديه إلى الجنة، وقيل: يهديه للأخلاق السنية، وقيل: لاتباع السنة، واجتناب البدعة. ه. وقال أبو بكر الوراق: ومن يؤمن بالله عند النعمة والرخاء فيعلم أنها من فضل الله يهد قلبه للشكر، ومن يؤمن بالله عن الشدة والبلاء، فيعلم أنها من الله يهد قلبه للصبر والرضا. ه. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر والمتبادر: أن قوله: { ما أصاب... } الآية جمع على الله، ورد من الأسباب، والوقوف معها، إلى الوقوف مع قضائه، وإنما يجد ذلك المؤمن بالله، وأما غيره فصدره ضيق حرج عن قبول المعرفة، ولذلك قال: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } لمعرفته والأطمئنان به، أي: ومن لم يؤمن يصلى نار القطيعة والبعد، وحرارة التدبير، ففيه ترغيب في الإيمان وتحذير من الكفر، وأن الإيمان تعقبه جنة الرضا والتسليم، عاجلا، والكفر بضد ذلك، فبعد أن ذكر الجزاء في الآخرة أشار إلى الجزاء المعجل من اليقين والرضا للمؤمن، وضده للكافر.
والله أعلم. ه. وأطيعوا الله في الفرائض والرسول في السنن، وقد بقي بعد الرسول خلفاؤه، يسنون السنن الخاصة، فمن أعرض عنهم، يقال له: { فإن توليتم... } الآية، وتقدم في آل عمران وغيرها الكلام على التوكل. وبالله التوفيق. ولما رغب في الرضا والإيمان، وأمر بالطاعة، حذر مما يشغل عنهما، فقال: { يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم }.
التغابن 64:13
يقول الحق جل جلاله: { ما أصاب من مصيبة } دنيوية أو أخروية { إلا بإذن الله } أي: بتقديره وإرادته، كأنها بذاتها متوجهة إلى الإنسان، متوقفة على إذنه تعالى، { ومن يؤمن بالله } أي: يصدق بأن المقادير كلها بيد الله { يهد قلبه } للرضا والتسليم، أو الاسترجاع، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظلم غفر. ونقل ابن عطية عن المفسرين: أن المراد: من اعترف بالقدر هانت عليه المصيبة، وسلم لأمر الله تعالى. { والله بكل شيء عليم } فيعلم ما في القلوب من برد الرضا أو حرارة التدبير. { وأطيعوا الله } فيما أمركم به، ومن جملته: الرضا بقضائه عن المصائب، { وأطيعوا الرسول } فيما سن لكم من الأخلاق الطيبة، وكرر الأمر للتأكيد والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية، { فإن توليتم } عن طاعتهما { فإنما على رسولنا البلاغ المبين } ، وهو تعليل للجواب المحذوف، أي: فإن تعرضوا فلا بأس عليه إذ ما عليه إلا البلاغ، وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه. وإظهار الرسول مضافا إلى نون العظمة في مقام إضماره لتشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بأن مدار الحكم، الذين هو وظيفته عليه السلام هو محض التبليغ، ولتشنيع التولي عنه. { الله لا إله إلا هو } لا يستحق العبادة غيره، ف " الله ": مبتدأ، و " لا إله إلا هو ": خبره، { وعلى الله } دون غيره { فليتوكل المؤمنون } ، حث رسوله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه حتى ينصره الله، وهي عامة لغيره، وإظهار الجلالة في موضع الإضمار للإشعار بعلية التوكل والأمر به، فإن الألوهية مقتضية للتبتل إليه تعالى بالكلية، وقطع التوكل عما سواه بالمرة. الإشارة: ما من نفس تبديه، إلا وله قدر فيك يمضيه. ما أصاب من مصيبة قلبية أو نفسية، ظاهرة أو باطنة، إلا بإذن الله وقدره، وكذلك ما أصاب من مسرة أو زيادة إلا بإذنه تعالى. قال القشيري: أي: أي خصلة حصلت فمن قبله، خلقا، وبعلمه وإرادته حكما، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، حتى يهتدي إلى الله في السراء والضراء في الدنيا، وفي الآخرة يهديه إلى الجنة، وقيل: يهديه للأخلاق السنية، وقيل: لاتباع السنة، واجتناب البدعة. ه. وقال أبو بكر الوراق: ومن يؤمن بالله عند النعمة والرخاء فيعلم أنها من فضل الله يهد قلبه للشكر، ومن يؤمن بالله عن الشدة والبلاء، فيعلم أنها من الله يهد قلبه للصبر والرضا. ه. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر والمتبادر: أن قوله: { ما أصاب... } الآية جمع على الله، ورد من الأسباب، والوقوف معها، إلى الوقوف مع قضائه، وإنما يجد ذلك المؤمن بالله، وأما غيره فصدره ضيق حرج عن قبول المعرفة، ولذلك قال: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } لمعرفته والأطمئنان به، أي: ومن لم يؤمن يصلى نار القطيعة والبعد، وحرارة التدبير، ففيه ترغيب في الإيمان وتحذير من الكفر، وأن الإيمان تعقبه جنة الرضا والتسليم، عاجلا، والكفر بضد ذلك، فبعد أن ذكر الجزاء في الآخرة أشار إلى الجزاء المعجل من اليقين والرضا للمؤمن، وضده للكافر.
والله أعلم. ه. وأطيعوا الله في الفرائض والرسول في السنن، وقد بقي بعد الرسول خلفاؤه، يسنون السنن الخاصة، فمن أعرض عنهم، يقال له: { فإن توليتم... } الآية، وتقدم في آل عمران وغيرها الكلام على التوكل. وبالله التوفيق. ولما رغب في الرضا والإيمان، وأمر بالطاعة، حذر مما يشغل عنهما، فقال: { يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم }.
التغابن 64:14
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } يشغلونكم عن طاعة الله تعالى، ويخاصمونكم في أمور الدنيا، أي: إن من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم، { فاحذروهم } كونوا على حذر منهم إن شغلوكم عن الله، فالضمير للعدو، فإنه يطلق على الجمع، كقوله تعالى:
فإنهم عدو لي
[الشعراء:77]، أو: للأزواج والأولاد جميعا، فالمأمور به على الأول: الحذر عن الكل، وعلى الثاني: الحذر من البعض، لأن منهم من ليس بعدو، وإما الحذر عن عموم الفريقين، لاشتمالهما على العدو. { وإن تعفوا } عن ذنوبهم القابلة للعفو، بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن مع التوبة، أو: تعفوا إذا اطلعتم منهم على عداوة، { وتصفحوا } تعرضوا عن التوبيخ، { وتغفروا } تستروا ذنوبهم، { فإن الله غفور رحيم } يغفر لكم ذنوبكم، ويعاملكم مثل ما عاملتم. روي أن ناسا من أهل مكة أرادوا الهجرة، فتعلق بهم نساؤهم وأولادهم، وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا، فرقوا لهم، ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك، ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين، وحازوا رئاسة التقدم، أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فرغبهم في العفو. { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } بلاء ومحنة، يوقعون في الإثم والعقوبة، أو: امتحان واختبار، يختبر بهما عباده، هل يصدونهم عن الخير أم لا، فيعرف القوي في دينه من الضعيف. قال الحسن: أدخل " من " للتبعيض في الأزواج والأولاد لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر " من " في فتنة الأموال والأولاد لأنها لا تخلو من فتنة واشتغال قلب بها. كان لابن مسعود بنون كالبدور، فقيل له وهم بين يديه: أيسرونك؟ فقال: لا، إنما يسرني لو نفضت يدي من التراب عند دفنهم، فنفوز بأجورهم، قيل له: إن لك الأجر في تربيتهم، فقال: كل ما يشغل عن الله مشؤوم. ه. من اللباب. وعن ابن مسعود: لا يقل أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة إذ لا يخلو منها أحد، ولكن ليقل: اللهم إنني أعوذ بك من مضلات الفتن. قال أبو بريدة:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فجاءه الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يجرانهما، يعثران، ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، حتى أخذهما، ثم قرأ: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة }...الآية، ثم قال " إني رأيت هذين فلم أصبر " ثم أخذ في خطبته ".
{ والله عنده أجر عظيم } لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد، والسعي في تدبير مصالحهم، وليس في الآية ترهيب من مخالطة الأزواج والأولاد، إنما المراد النهي عن الاشتغال بهم عن ذكر الله وطاعته، فإذا تيسر ذلك معهم فالمخالطة أولى، فعن أنس رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله الجلوس مع العيال أحب إليك أم في المسجد؟ قال:
" جلوس ساعة مع العيال أحب إلي من الاعتكاف في مسجدي هذا، ودرهم تنفقه على العيال أفضل من أن تنفقه في سبيل الله "
انظر السمرقندي. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: ابذلوا جهدكم وطاقتكم في تقواه، قال ابن عطية: تقدم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] أو: مبينة لها، والمعنى: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وهذا هو الصحيح. ه. { واسمعوا } ما توعظون به، { وأطيعوا } فيما تؤمرون به { وأنفقوا } مما رزقناكم في الوجوه التي أمرتم، فالإنفاق فيها خالصا لوجهه { خيرا لأنفسكم } أي: وائتوا خيرا لأنفسكم { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير. { إن تقرضوا الله } بصرف أموالكم إلى المصارف التي عينها { قرضا حسنا } مقرونا بالإخلاص { يضاعفه لكم } بالواحدة عشرا إلى سبعمائة أو أكثر، { ويغفر لكم } ببركة الإنفاق ما فرط منكم، { والله شكور } يعطي الجزيل في مقابلة القليل، { حليم } لا يعاجل بالعقوبة، { عالم الغيب والشهادة } لا تخفى عليه خافية، { العزيز الحكيم } مبالغ في القدرة والحكمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما يشغلك عن السير إلى الحضرة، أو عن الترقي في معاريج الوصلة، فهو عدو لك، فاحذره، بالفرار من موافقته والوقوف معه، فكن إبراهيميا، حيث رمى أهله وولده في واد غير ذي زرع، وتركهم في كنف الله وحفظه، فانظر كيف حفظهم غاية الحفظ، وتولاهم غاية التولي، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم من كل جانب، وانصبت عليهم الأرزاق من كل ناحية، فهذه عادته تعالى مع أهل التوكل والانقطاع إليه. ومن الأزواج والأولاد من يزيد بالرجل ويعينه على ربه، فهؤلاء ليسوا بأعداء. قال سهل: من دعاك من أهلك وولدك للميل للدنيا فهو عدو، ومن واخاك على القناعة والتوكل فليس بعدو. ه. قال القشيري: إن من أزواجكم: نفوسكم الأمارة، وأولادكم: صفاتها ومناها وأخلاقها الشهوانية، عدوا لكم، يمنعكم عن الهجرة إلى مدينة القلب، الذي هو بيت الرب، فاحذروا متابعتهم بالكلية، وإن تعفوا عن هفواتكم الواقعة في بعض الأوقات، لكونهم مطية لكم، وتصفحوا عن التوبيخ، وتغفروا: تستروا ظلمتهم بنور إيمانكم وشعاع قلوبكم، فإن الله غفور سائر لكم بستر لطفه، رحيم بإفاضة رحمته عليكم. ه. ببعض المعنى. إنما أموالكم وأولادكم فتنة اختبار من الحق، ليعلم من يقف معها، أو ينفذ عنها، فأهل العناية لم يشغلهم عن الله شيء، فحين توجهوا إليه كفاهم أمرهم، أو: بالغيبة عنها بالخمرة القوية. قال القشيري: أموالكم: أعمالكم المشوبة، وأولادكم: أخلاقكم المكدرة، فكدورة الطبع فتنة توجب افتتانكم بالإعراض عن الحق، والإقبال على الدنيا، وحب الجاه عند الناس، والتفاتهم إليكم بحسن الاعتقاد، والله عنده أجر عظيم بالفناء عن الكل والبقاء بالحق.
ه. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: غيبوا عما سوى الله طاقة جهدكم، وتقدم أن قوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] خطاب لأهل التجريد، وهذا خطاب لأهل الأسباب، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطاء: الاستطاعة على الظواهر والأعمال، وحق تقاته على القلوب والأحوال. ه. أي: اتقوا الله حق تقاته بتوجيه القلوب إليه بلا التفات، واتقوا الله ما استطعتم بعمل الجوارح قدر الطاقات. قال القشيري: ما أنتم في الجملة مستطيعين، ويتوجه إليكم التكليف، فاتقوا الله، والتقوى عن شهود التقوى، بعد ألا يكون تقصير في التقوى غاية التقوى. ه. واسمعوا منا بلا واسطة، وأطيعوا فيما نأمركم به مما يقرب إلينا، وننهاكم عنه مما يبعد عنا. قال القشيري: أطيعوا بالنفس لأحكام الشريعة، وبالقلب لآداب الطريقة، وبالروح بطلوع الحقيقة. ه. وأنفقوا من أموالكم وعلومكم وأسراركم، على الطالبين والسالكين والواصلين، يكن خيرا لأنفسكم، لأن الناس نفس واحدة، فإنفاقك على غيرك إنفاق على نفسك، لانتفاء الغيرية في الأحدية. ومن يوق شح نفسه بإنفاقها في مرضاة الله، بأن يقدمها للمتالف والمتاعب في طلب الوصول، فأولئك هم المفلحون الظافرون بشهود الحق. قال القشيري: ومن يوق شح نفسه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرر من رق المكونات، فأولئك هم المفلحون. ه. وعن بعضهم: من أنفق بكره فهو شح، ومن أنفق بطوع فهو الفرض، ومن عوفي من بلاء الجمع والمنع، والرغبة والحرص، فقد دخل في ميدان الفلاح. ه. إن تقرضوا الله بإعطاء وجودكم قرضا حسنا، من غير اعتبار الغرض والعوض، بالفناء عن شهود القرض والحس، يضاعفه لكم بالوجود الحق، المشتمل على جميع الموجودات الإضافية، ويغفر لكم: يستر عنكم مساوئكم وحس وجودكم قبل فنائكم في الله وبقائكم به. والله شكور يقبل من توجه إليه بلا شيء، حليم يغيب العبد عن شهود مساوئه، بإغراقه في إحسانه. عالم الغيب: بواطن الأرواح، والشهادة: شهادة ظواهر الأشباح، العزيز: المعز لأوليائه ومكل من انتسب إليه، الحكيم في قسمه المراتب على حسب التوجه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التغابن 64:15
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } يشغلونكم عن طاعة الله تعالى، ويخاصمونكم في أمور الدنيا، أي: إن من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم، { فاحذروهم } كونوا على حذر منهم إن شغلوكم عن الله، فالضمير للعدو، فإنه يطلق على الجمع، كقوله تعالى:
فإنهم عدو لي
[الشعراء:77]، أو: للأزواج والأولاد جميعا، فالمأمور به على الأول: الحذر عن الكل، وعلى الثاني: الحذر من البعض، لأن منهم من ليس بعدو، وإما الحذر عن عموم الفريقين، لاشتمالهما على العدو. { وإن تعفوا } عن ذنوبهم القابلة للعفو، بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن مع التوبة، أو: تعفوا إذا اطلعتم منهم على عداوة، { وتصفحوا } تعرضوا عن التوبيخ، { وتغفروا } تستروا ذنوبهم، { فإن الله غفور رحيم } يغفر لكم ذنوبكم، ويعاملكم مثل ما عاملتم. روي أن ناسا من أهل مكة أرادوا الهجرة، فتعلق بهم نساؤهم وأولادهم، وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا، فرقوا لهم، ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك، ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين، وحازوا رئاسة التقدم، أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فرغبهم في العفو. { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } بلاء ومحنة، يوقعون في الإثم والعقوبة، أو: امتحان واختبار، يختبر بهما عباده، هل يصدونهم عن الخير أم لا، فيعرف القوي في دينه من الضعيف. قال الحسن: أدخل " من " للتبعيض في الأزواج والأولاد لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر " من " في فتنة الأموال والأولاد لأنها لا تخلو من فتنة واشتغال قلب بها. كان لابن مسعود بنون كالبدور، فقيل له وهم بين يديه: أيسرونك؟ فقال: لا، إنما يسرني لو نفضت يدي من التراب عند دفنهم، فنفوز بأجورهم، قيل له: إن لك الأجر في تربيتهم، فقال: كل ما يشغل عن الله مشؤوم. ه. من اللباب. وعن ابن مسعود: لا يقل أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة إذ لا يخلو منها أحد، ولكن ليقل: اللهم إنني أعوذ بك من مضلات الفتن. قال أبو بريدة:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فجاءه الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يجرانهما، يعثران، ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، حتى أخذهما، ثم قرأ: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة }...الآية، ثم قال " إني رأيت هذين فلم أصبر " ثم أخذ في خطبته ".
{ والله عنده أجر عظيم } لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد، والسعي في تدبير مصالحهم، وليس في الآية ترهيب من مخالطة الأزواج والأولاد، إنما المراد النهي عن الاشتغال بهم عن ذكر الله وطاعته، فإذا تيسر ذلك معهم فالمخالطة أولى، فعن أنس رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله الجلوس مع العيال أحب إليك أم في المسجد؟ قال:
" جلوس ساعة مع العيال أحب إلي من الاعتكاف في مسجدي هذا، ودرهم تنفقه على العيال أفضل من أن تنفقه في سبيل الله "
انظر السمرقندي. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: ابذلوا جهدكم وطاقتكم في تقواه، قال ابن عطية: تقدم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] أو: مبينة لها، والمعنى: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وهذا هو الصحيح. ه. { واسمعوا } ما توعظون به، { وأطيعوا } فيما تؤمرون به { وأنفقوا } مما رزقناكم في الوجوه التي أمرتم، فالإنفاق فيها خالصا لوجهه { خيرا لأنفسكم } أي: وائتوا خيرا لأنفسكم { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير. { إن تقرضوا الله } بصرف أموالكم إلى المصارف التي عينها { قرضا حسنا } مقرونا بالإخلاص { يضاعفه لكم } بالواحدة عشرا إلى سبعمائة أو أكثر، { ويغفر لكم } ببركة الإنفاق ما فرط منكم، { والله شكور } يعطي الجزيل في مقابلة القليل، { حليم } لا يعاجل بالعقوبة، { عالم الغيب والشهادة } لا تخفى عليه خافية، { العزيز الحكيم } مبالغ في القدرة والحكمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما يشغلك عن السير إلى الحضرة، أو عن الترقي في معاريج الوصلة، فهو عدو لك، فاحذره، بالفرار من موافقته والوقوف معه، فكن إبراهيميا، حيث رمى أهله وولده في واد غير ذي زرع، وتركهم في كنف الله وحفظه، فانظر كيف حفظهم غاية الحفظ، وتولاهم غاية التولي، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم من كل جانب، وانصبت عليهم الأرزاق من كل ناحية، فهذه عادته تعالى مع أهل التوكل والانقطاع إليه. ومن الأزواج والأولاد من يزيد بالرجل ويعينه على ربه، فهؤلاء ليسوا بأعداء. قال سهل: من دعاك من أهلك وولدك للميل للدنيا فهو عدو، ومن واخاك على القناعة والتوكل فليس بعدو. ه. قال القشيري: إن من أزواجكم: نفوسكم الأمارة، وأولادكم: صفاتها ومناها وأخلاقها الشهوانية، عدوا لكم، يمنعكم عن الهجرة إلى مدينة القلب، الذي هو بيت الرب، فاحذروا متابعتهم بالكلية، وإن تعفوا عن هفواتكم الواقعة في بعض الأوقات، لكونهم مطية لكم، وتصفحوا عن التوبيخ، وتغفروا: تستروا ظلمتهم بنور إيمانكم وشعاع قلوبكم، فإن الله غفور سائر لكم بستر لطفه، رحيم بإفاضة رحمته عليكم. ه. ببعض المعنى. إنما أموالكم وأولادكم فتنة اختبار من الحق، ليعلم من يقف معها، أو ينفذ عنها، فأهل العناية لم يشغلهم عن الله شيء، فحين توجهوا إليه كفاهم أمرهم، أو: بالغيبة عنها بالخمرة القوية. قال القشيري: أموالكم: أعمالكم المشوبة، وأولادكم: أخلاقكم المكدرة، فكدورة الطبع فتنة توجب افتتانكم بالإعراض عن الحق، والإقبال على الدنيا، وحب الجاه عند الناس، والتفاتهم إليكم بحسن الاعتقاد، والله عنده أجر عظيم بالفناء عن الكل والبقاء بالحق.
ه. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: غيبوا عما سوى الله طاقة جهدكم، وتقدم أن قوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] خطاب لأهل التجريد، وهذا خطاب لأهل الأسباب، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطاء: الاستطاعة على الظواهر والأعمال، وحق تقاته على القلوب والأحوال. ه. أي: اتقوا الله حق تقاته بتوجيه القلوب إليه بلا التفات، واتقوا الله ما استطعتم بعمل الجوارح قدر الطاقات. قال القشيري: ما أنتم في الجملة مستطيعين، ويتوجه إليكم التكليف، فاتقوا الله، والتقوى عن شهود التقوى، بعد ألا يكون تقصير في التقوى غاية التقوى. ه. واسمعوا منا بلا واسطة، وأطيعوا فيما نأمركم به مما يقرب إلينا، وننهاكم عنه مما يبعد عنا. قال القشيري: أطيعوا بالنفس لأحكام الشريعة، وبالقلب لآداب الطريقة، وبالروح بطلوع الحقيقة. ه. وأنفقوا من أموالكم وعلومكم وأسراركم، على الطالبين والسالكين والواصلين، يكن خيرا لأنفسكم، لأن الناس نفس واحدة، فإنفاقك على غيرك إنفاق على نفسك، لانتفاء الغيرية في الأحدية. ومن يوق شح نفسه بإنفاقها في مرضاة الله، بأن يقدمها للمتالف والمتاعب في طلب الوصول، فأولئك هم المفلحون الظافرون بشهود الحق. قال القشيري: ومن يوق شح نفسه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرر من رق المكونات، فأولئك هم المفلحون. ه. وعن بعضهم: من أنفق بكره فهو شح، ومن أنفق بطوع فهو الفرض، ومن عوفي من بلاء الجمع والمنع، والرغبة والحرص، فقد دخل في ميدان الفلاح. ه. إن تقرضوا الله بإعطاء وجودكم قرضا حسنا، من غير اعتبار الغرض والعوض، بالفناء عن شهود القرض والحس، يضاعفه لكم بالوجود الحق، المشتمل على جميع الموجودات الإضافية، ويغفر لكم: يستر عنكم مساوئكم وحس وجودكم قبل فنائكم في الله وبقائكم به. والله شكور يقبل من توجه إليه بلا شيء، حليم يغيب العبد عن شهود مساوئه، بإغراقه في إحسانه. عالم الغيب: بواطن الأرواح، والشهادة: شهادة ظواهر الأشباح، العزيز: المعز لأوليائه ومكل من انتسب إليه، الحكيم في قسمه المراتب على حسب التوجه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التغابن 64:16
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } يشغلونكم عن طاعة الله تعالى، ويخاصمونكم في أمور الدنيا، أي: إن من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم، { فاحذروهم } كونوا على حذر منهم إن شغلوكم عن الله، فالضمير للعدو، فإنه يطلق على الجمع، كقوله تعالى:
فإنهم عدو لي
[الشعراء:77]، أو: للأزواج والأولاد جميعا، فالمأمور به على الأول: الحذر عن الكل، وعلى الثاني: الحذر من البعض، لأن منهم من ليس بعدو، وإما الحذر عن عموم الفريقين، لاشتمالهما على العدو. { وإن تعفوا } عن ذنوبهم القابلة للعفو، بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن مع التوبة، أو: تعفوا إذا اطلعتم منهم على عداوة، { وتصفحوا } تعرضوا عن التوبيخ، { وتغفروا } تستروا ذنوبهم، { فإن الله غفور رحيم } يغفر لكم ذنوبكم، ويعاملكم مثل ما عاملتم. روي أن ناسا من أهل مكة أرادوا الهجرة، فتعلق بهم نساؤهم وأولادهم، وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا، فرقوا لهم، ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك، ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين، وحازوا رئاسة التقدم، أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فرغبهم في العفو. { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } بلاء ومحنة، يوقعون في الإثم والعقوبة، أو: امتحان واختبار، يختبر بهما عباده، هل يصدونهم عن الخير أم لا، فيعرف القوي في دينه من الضعيف. قال الحسن: أدخل " من " للتبعيض في الأزواج والأولاد لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر " من " في فتنة الأموال والأولاد لأنها لا تخلو من فتنة واشتغال قلب بها. كان لابن مسعود بنون كالبدور، فقيل له وهم بين يديه: أيسرونك؟ فقال: لا، إنما يسرني لو نفضت يدي من التراب عند دفنهم، فنفوز بأجورهم، قيل له: إن لك الأجر في تربيتهم، فقال: كل ما يشغل عن الله مشؤوم. ه. من اللباب. وعن ابن مسعود: لا يقل أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة إذ لا يخلو منها أحد، ولكن ليقل: اللهم إنني أعوذ بك من مضلات الفتن. قال أبو بريدة:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فجاءه الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يجرانهما، يعثران، ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، حتى أخذهما، ثم قرأ: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة }...الآية، ثم قال " إني رأيت هذين فلم أصبر " ثم أخذ في خطبته ".
{ والله عنده أجر عظيم } لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد، والسعي في تدبير مصالحهم، وليس في الآية ترهيب من مخالطة الأزواج والأولاد، إنما المراد النهي عن الاشتغال بهم عن ذكر الله وطاعته، فإذا تيسر ذلك معهم فالمخالطة أولى، فعن أنس رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله الجلوس مع العيال أحب إليك أم في المسجد؟ قال:
" جلوس ساعة مع العيال أحب إلي من الاعتكاف في مسجدي هذا، ودرهم تنفقه على العيال أفضل من أن تنفقه في سبيل الله "
انظر السمرقندي. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: ابذلوا جهدكم وطاقتكم في تقواه، قال ابن عطية: تقدم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] أو: مبينة لها، والمعنى: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وهذا هو الصحيح. ه. { واسمعوا } ما توعظون به، { وأطيعوا } فيما تؤمرون به { وأنفقوا } مما رزقناكم في الوجوه التي أمرتم، فالإنفاق فيها خالصا لوجهه { خيرا لأنفسكم } أي: وائتوا خيرا لأنفسكم { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير. { إن تقرضوا الله } بصرف أموالكم إلى المصارف التي عينها { قرضا حسنا } مقرونا بالإخلاص { يضاعفه لكم } بالواحدة عشرا إلى سبعمائة أو أكثر، { ويغفر لكم } ببركة الإنفاق ما فرط منكم، { والله شكور } يعطي الجزيل في مقابلة القليل، { حليم } لا يعاجل بالعقوبة، { عالم الغيب والشهادة } لا تخفى عليه خافية، { العزيز الحكيم } مبالغ في القدرة والحكمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما يشغلك عن السير إلى الحضرة، أو عن الترقي في معاريج الوصلة، فهو عدو لك، فاحذره، بالفرار من موافقته والوقوف معه، فكن إبراهيميا، حيث رمى أهله وولده في واد غير ذي زرع، وتركهم في كنف الله وحفظه، فانظر كيف حفظهم غاية الحفظ، وتولاهم غاية التولي، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم من كل جانب، وانصبت عليهم الأرزاق من كل ناحية، فهذه عادته تعالى مع أهل التوكل والانقطاع إليه. ومن الأزواج والأولاد من يزيد بالرجل ويعينه على ربه، فهؤلاء ليسوا بأعداء. قال سهل: من دعاك من أهلك وولدك للميل للدنيا فهو عدو، ومن واخاك على القناعة والتوكل فليس بعدو. ه. قال القشيري: إن من أزواجكم: نفوسكم الأمارة، وأولادكم: صفاتها ومناها وأخلاقها الشهوانية، عدوا لكم، يمنعكم عن الهجرة إلى مدينة القلب، الذي هو بيت الرب، فاحذروا متابعتهم بالكلية، وإن تعفوا عن هفواتكم الواقعة في بعض الأوقات، لكونهم مطية لكم، وتصفحوا عن التوبيخ، وتغفروا: تستروا ظلمتهم بنور إيمانكم وشعاع قلوبكم، فإن الله غفور سائر لكم بستر لطفه، رحيم بإفاضة رحمته عليكم. ه. ببعض المعنى. إنما أموالكم وأولادكم فتنة اختبار من الحق، ليعلم من يقف معها، أو ينفذ عنها، فأهل العناية لم يشغلهم عن الله شيء، فحين توجهوا إليه كفاهم أمرهم، أو: بالغيبة عنها بالخمرة القوية. قال القشيري: أموالكم: أعمالكم المشوبة، وأولادكم: أخلاقكم المكدرة، فكدورة الطبع فتنة توجب افتتانكم بالإعراض عن الحق، والإقبال على الدنيا، وحب الجاه عند الناس، والتفاتهم إليكم بحسن الاعتقاد، والله عنده أجر عظيم بالفناء عن الكل والبقاء بالحق.
ه. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: غيبوا عما سوى الله طاقة جهدكم، وتقدم أن قوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] خطاب لأهل التجريد، وهذا خطاب لأهل الأسباب، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطاء: الاستطاعة على الظواهر والأعمال، وحق تقاته على القلوب والأحوال. ه. أي: اتقوا الله حق تقاته بتوجيه القلوب إليه بلا التفات، واتقوا الله ما استطعتم بعمل الجوارح قدر الطاقات. قال القشيري: ما أنتم في الجملة مستطيعين، ويتوجه إليكم التكليف، فاتقوا الله، والتقوى عن شهود التقوى، بعد ألا يكون تقصير في التقوى غاية التقوى. ه. واسمعوا منا بلا واسطة، وأطيعوا فيما نأمركم به مما يقرب إلينا، وننهاكم عنه مما يبعد عنا. قال القشيري: أطيعوا بالنفس لأحكام الشريعة، وبالقلب لآداب الطريقة، وبالروح بطلوع الحقيقة. ه. وأنفقوا من أموالكم وعلومكم وأسراركم، على الطالبين والسالكين والواصلين، يكن خيرا لأنفسكم، لأن الناس نفس واحدة، فإنفاقك على غيرك إنفاق على نفسك، لانتفاء الغيرية في الأحدية. ومن يوق شح نفسه بإنفاقها في مرضاة الله، بأن يقدمها للمتالف والمتاعب في طلب الوصول، فأولئك هم المفلحون الظافرون بشهود الحق. قال القشيري: ومن يوق شح نفسه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرر من رق المكونات، فأولئك هم المفلحون. ه. وعن بعضهم: من أنفق بكره فهو شح، ومن أنفق بطوع فهو الفرض، ومن عوفي من بلاء الجمع والمنع، والرغبة والحرص، فقد دخل في ميدان الفلاح. ه. إن تقرضوا الله بإعطاء وجودكم قرضا حسنا، من غير اعتبار الغرض والعوض، بالفناء عن شهود القرض والحس، يضاعفه لكم بالوجود الحق، المشتمل على جميع الموجودات الإضافية، ويغفر لكم: يستر عنكم مساوئكم وحس وجودكم قبل فنائكم في الله وبقائكم به. والله شكور يقبل من توجه إليه بلا شيء، حليم يغيب العبد عن شهود مساوئه، بإغراقه في إحسانه. عالم الغيب: بواطن الأرواح، والشهادة: شهادة ظواهر الأشباح، العزيز: المعز لأوليائه ومكل من انتسب إليه، الحكيم في قسمه المراتب على حسب التوجه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التغابن 64:17
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } يشغلونكم عن طاعة الله تعالى، ويخاصمونكم في أمور الدنيا، أي: إن من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم، { فاحذروهم } كونوا على حذر منهم إن شغلوكم عن الله، فالضمير للعدو، فإنه يطلق على الجمع، كقوله تعالى:
فإنهم عدو لي
[الشعراء:77]، أو: للأزواج والأولاد جميعا، فالمأمور به على الأول: الحذر عن الكل، وعلى الثاني: الحذر من البعض، لأن منهم من ليس بعدو، وإما الحذر عن عموم الفريقين، لاشتمالهما على العدو. { وإن تعفوا } عن ذنوبهم القابلة للعفو، بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن مع التوبة، أو: تعفوا إذا اطلعتم منهم على عداوة، { وتصفحوا } تعرضوا عن التوبيخ، { وتغفروا } تستروا ذنوبهم، { فإن الله غفور رحيم } يغفر لكم ذنوبكم، ويعاملكم مثل ما عاملتم. روي أن ناسا من أهل مكة أرادوا الهجرة، فتعلق بهم نساؤهم وأولادهم، وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا، فرقوا لهم، ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك، ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين، وحازوا رئاسة التقدم، أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فرغبهم في العفو. { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } بلاء ومحنة، يوقعون في الإثم والعقوبة، أو: امتحان واختبار، يختبر بهما عباده، هل يصدونهم عن الخير أم لا، فيعرف القوي في دينه من الضعيف. قال الحسن: أدخل " من " للتبعيض في الأزواج والأولاد لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر " من " في فتنة الأموال والأولاد لأنها لا تخلو من فتنة واشتغال قلب بها. كان لابن مسعود بنون كالبدور، فقيل له وهم بين يديه: أيسرونك؟ فقال: لا، إنما يسرني لو نفضت يدي من التراب عند دفنهم، فنفوز بأجورهم، قيل له: إن لك الأجر في تربيتهم، فقال: كل ما يشغل عن الله مشؤوم. ه. من اللباب. وعن ابن مسعود: لا يقل أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة إذ لا يخلو منها أحد، ولكن ليقل: اللهم إنني أعوذ بك من مضلات الفتن. قال أبو بريدة:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فجاءه الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يجرانهما، يعثران، ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، حتى أخذهما، ثم قرأ: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة }...الآية، ثم قال " إني رأيت هذين فلم أصبر " ثم أخذ في خطبته ".
{ والله عنده أجر عظيم } لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد، والسعي في تدبير مصالحهم، وليس في الآية ترهيب من مخالطة الأزواج والأولاد، إنما المراد النهي عن الاشتغال بهم عن ذكر الله وطاعته، فإذا تيسر ذلك معهم فالمخالطة أولى، فعن أنس رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله الجلوس مع العيال أحب إليك أم في المسجد؟ قال:
" جلوس ساعة مع العيال أحب إلي من الاعتكاف في مسجدي هذا، ودرهم تنفقه على العيال أفضل من أن تنفقه في سبيل الله "
انظر السمرقندي. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: ابذلوا جهدكم وطاقتكم في تقواه، قال ابن عطية: تقدم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] أو: مبينة لها، والمعنى: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وهذا هو الصحيح. ه. { واسمعوا } ما توعظون به، { وأطيعوا } فيما تؤمرون به { وأنفقوا } مما رزقناكم في الوجوه التي أمرتم، فالإنفاق فيها خالصا لوجهه { خيرا لأنفسكم } أي: وائتوا خيرا لأنفسكم { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير. { إن تقرضوا الله } بصرف أموالكم إلى المصارف التي عينها { قرضا حسنا } مقرونا بالإخلاص { يضاعفه لكم } بالواحدة عشرا إلى سبعمائة أو أكثر، { ويغفر لكم } ببركة الإنفاق ما فرط منكم، { والله شكور } يعطي الجزيل في مقابلة القليل، { حليم } لا يعاجل بالعقوبة، { عالم الغيب والشهادة } لا تخفى عليه خافية، { العزيز الحكيم } مبالغ في القدرة والحكمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما يشغلك عن السير إلى الحضرة، أو عن الترقي في معاريج الوصلة، فهو عدو لك، فاحذره، بالفرار من موافقته والوقوف معه، فكن إبراهيميا، حيث رمى أهله وولده في واد غير ذي زرع، وتركهم في كنف الله وحفظه، فانظر كيف حفظهم غاية الحفظ، وتولاهم غاية التولي، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم من كل جانب، وانصبت عليهم الأرزاق من كل ناحية، فهذه عادته تعالى مع أهل التوكل والانقطاع إليه. ومن الأزواج والأولاد من يزيد بالرجل ويعينه على ربه، فهؤلاء ليسوا بأعداء. قال سهل: من دعاك من أهلك وولدك للميل للدنيا فهو عدو، ومن واخاك على القناعة والتوكل فليس بعدو. ه. قال القشيري: إن من أزواجكم: نفوسكم الأمارة، وأولادكم: صفاتها ومناها وأخلاقها الشهوانية، عدوا لكم، يمنعكم عن الهجرة إلى مدينة القلب، الذي هو بيت الرب، فاحذروا متابعتهم بالكلية، وإن تعفوا عن هفواتكم الواقعة في بعض الأوقات، لكونهم مطية لكم، وتصفحوا عن التوبيخ، وتغفروا: تستروا ظلمتهم بنور إيمانكم وشعاع قلوبكم، فإن الله غفور سائر لكم بستر لطفه، رحيم بإفاضة رحمته عليكم. ه. ببعض المعنى. إنما أموالكم وأولادكم فتنة اختبار من الحق، ليعلم من يقف معها، أو ينفذ عنها، فأهل العناية لم يشغلهم عن الله شيء، فحين توجهوا إليه كفاهم أمرهم، أو: بالغيبة عنها بالخمرة القوية. قال القشيري: أموالكم: أعمالكم المشوبة، وأولادكم: أخلاقكم المكدرة، فكدورة الطبع فتنة توجب افتتانكم بالإعراض عن الحق، والإقبال على الدنيا، وحب الجاه عند الناس، والتفاتهم إليكم بحسن الاعتقاد، والله عنده أجر عظيم بالفناء عن الكل والبقاء بالحق.
ه. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: غيبوا عما سوى الله طاقة جهدكم، وتقدم أن قوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] خطاب لأهل التجريد، وهذا خطاب لأهل الأسباب، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطاء: الاستطاعة على الظواهر والأعمال، وحق تقاته على القلوب والأحوال. ه. أي: اتقوا الله حق تقاته بتوجيه القلوب إليه بلا التفات، واتقوا الله ما استطعتم بعمل الجوارح قدر الطاقات. قال القشيري: ما أنتم في الجملة مستطيعين، ويتوجه إليكم التكليف، فاتقوا الله، والتقوى عن شهود التقوى، بعد ألا يكون تقصير في التقوى غاية التقوى. ه. واسمعوا منا بلا واسطة، وأطيعوا فيما نأمركم به مما يقرب إلينا، وننهاكم عنه مما يبعد عنا. قال القشيري: أطيعوا بالنفس لأحكام الشريعة، وبالقلب لآداب الطريقة، وبالروح بطلوع الحقيقة. ه. وأنفقوا من أموالكم وعلومكم وأسراركم، على الطالبين والسالكين والواصلين، يكن خيرا لأنفسكم، لأن الناس نفس واحدة، فإنفاقك على غيرك إنفاق على نفسك، لانتفاء الغيرية في الأحدية. ومن يوق شح نفسه بإنفاقها في مرضاة الله، بأن يقدمها للمتالف والمتاعب في طلب الوصول، فأولئك هم المفلحون الظافرون بشهود الحق. قال القشيري: ومن يوق شح نفسه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرر من رق المكونات، فأولئك هم المفلحون. ه. وعن بعضهم: من أنفق بكره فهو شح، ومن أنفق بطوع فهو الفرض، ومن عوفي من بلاء الجمع والمنع، والرغبة والحرص، فقد دخل في ميدان الفلاح. ه. إن تقرضوا الله بإعطاء وجودكم قرضا حسنا، من غير اعتبار الغرض والعوض، بالفناء عن شهود القرض والحس، يضاعفه لكم بالوجود الحق، المشتمل على جميع الموجودات الإضافية، ويغفر لكم: يستر عنكم مساوئكم وحس وجودكم قبل فنائكم في الله وبقائكم به. والله شكور يقبل من توجه إليه بلا شيء، حليم يغيب العبد عن شهود مساوئه، بإغراقه في إحسانه. عالم الغيب: بواطن الأرواح، والشهادة: شهادة ظواهر الأشباح، العزيز: المعز لأوليائه ومكل من انتسب إليه، الحكيم في قسمه المراتب على حسب التوجه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التغابن 64:18
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } يشغلونكم عن طاعة الله تعالى، ويخاصمونكم في أمور الدنيا، أي: إن من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم، ومن الأولاد أولادا يعادون آباءهم ويعقونهم، { فاحذروهم } كونوا على حذر منهم إن شغلوكم عن الله، فالضمير للعدو، فإنه يطلق على الجمع، كقوله تعالى:
فإنهم عدو لي
[الشعراء:77]، أو: للأزواج والأولاد جميعا، فالمأمور به على الأول: الحذر عن الكل، وعلى الثاني: الحذر من البعض، لأن منهم من ليس بعدو، وإما الحذر عن عموم الفريقين، لاشتمالهما على العدو. { وإن تعفوا } عن ذنوبهم القابلة للعفو، بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن مع التوبة، أو: تعفوا إذا اطلعتم منهم على عداوة، { وتصفحوا } تعرضوا عن التوبيخ، { وتغفروا } تستروا ذنوبهم، { فإن الله غفور رحيم } يغفر لكم ذنوبكم، ويعاملكم مثل ما عاملتم. روي أن ناسا من أهل مكة أرادوا الهجرة، فتعلق بهم نساؤهم وأولادهم، وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا، فرقوا لهم، ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك، ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين، وحازوا رئاسة التقدم، أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فرغبهم في العفو. { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } بلاء ومحنة، يوقعون في الإثم والعقوبة، أو: امتحان واختبار، يختبر بهما عباده، هل يصدونهم عن الخير أم لا، فيعرف القوي في دينه من الضعيف. قال الحسن: أدخل " من " للتبعيض في الأزواج والأولاد لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر " من " في فتنة الأموال والأولاد لأنها لا تخلو من فتنة واشتغال قلب بها. كان لابن مسعود بنون كالبدور، فقيل له وهم بين يديه: أيسرونك؟ فقال: لا، إنما يسرني لو نفضت يدي من التراب عند دفنهم، فنفوز بأجورهم، قيل له: إن لك الأجر في تربيتهم، فقال: كل ما يشغل عن الله مشؤوم. ه. من اللباب. وعن ابن مسعود: لا يقل أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة إذ لا يخلو منها أحد، ولكن ليقل: اللهم إنني أعوذ بك من مضلات الفتن. قال أبو بريدة:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فجاءه الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يجرانهما، يعثران، ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، حتى أخذهما، ثم قرأ: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة }...الآية، ثم قال " إني رأيت هذين فلم أصبر " ثم أخذ في خطبته ".
{ والله عنده أجر عظيم } لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد، والسعي في تدبير مصالحهم، وليس في الآية ترهيب من مخالطة الأزواج والأولاد، إنما المراد النهي عن الاشتغال بهم عن ذكر الله وطاعته، فإذا تيسر ذلك معهم فالمخالطة أولى، فعن أنس رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله الجلوس مع العيال أحب إليك أم في المسجد؟ قال:
" جلوس ساعة مع العيال أحب إلي من الاعتكاف في مسجدي هذا، ودرهم تنفقه على العيال أفضل من أن تنفقه في سبيل الله "
انظر السمرقندي. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: ابذلوا جهدكم وطاقتكم في تقواه، قال ابن عطية: تقدم الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] أو: مبينة لها، والمعنى: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وهذا هو الصحيح. ه. { واسمعوا } ما توعظون به، { وأطيعوا } فيما تؤمرون به { وأنفقوا } مما رزقناكم في الوجوه التي أمرتم، فالإنفاق فيها خالصا لوجهه { خيرا لأنفسكم } أي: وائتوا خيرا لأنفسكم { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل خير. { إن تقرضوا الله } بصرف أموالكم إلى المصارف التي عينها { قرضا حسنا } مقرونا بالإخلاص { يضاعفه لكم } بالواحدة عشرا إلى سبعمائة أو أكثر، { ويغفر لكم } ببركة الإنفاق ما فرط منكم، { والله شكور } يعطي الجزيل في مقابلة القليل، { حليم } لا يعاجل بالعقوبة، { عالم الغيب والشهادة } لا تخفى عليه خافية، { العزيز الحكيم } مبالغ في القدرة والحكمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما يشغلك عن السير إلى الحضرة، أو عن الترقي في معاريج الوصلة، فهو عدو لك، فاحذره، بالفرار من موافقته والوقوف معه، فكن إبراهيميا، حيث رمى أهله وولده في واد غير ذي زرع، وتركهم في كنف الله وحفظه، فانظر كيف حفظهم غاية الحفظ، وتولاهم غاية التولي، وجعل أفئدة الناس تهوي إليهم من كل جانب، وانصبت عليهم الأرزاق من كل ناحية، فهذه عادته تعالى مع أهل التوكل والانقطاع إليه. ومن الأزواج والأولاد من يزيد بالرجل ويعينه على ربه، فهؤلاء ليسوا بأعداء. قال سهل: من دعاك من أهلك وولدك للميل للدنيا فهو عدو، ومن واخاك على القناعة والتوكل فليس بعدو. ه. قال القشيري: إن من أزواجكم: نفوسكم الأمارة، وأولادكم: صفاتها ومناها وأخلاقها الشهوانية، عدوا لكم، يمنعكم عن الهجرة إلى مدينة القلب، الذي هو بيت الرب، فاحذروا متابعتهم بالكلية، وإن تعفوا عن هفواتكم الواقعة في بعض الأوقات، لكونهم مطية لكم، وتصفحوا عن التوبيخ، وتغفروا: تستروا ظلمتهم بنور إيمانكم وشعاع قلوبكم، فإن الله غفور سائر لكم بستر لطفه، رحيم بإفاضة رحمته عليكم. ه. ببعض المعنى. إنما أموالكم وأولادكم فتنة اختبار من الحق، ليعلم من يقف معها، أو ينفذ عنها، فأهل العناية لم يشغلهم عن الله شيء، فحين توجهوا إليه كفاهم أمرهم، أو: بالغيبة عنها بالخمرة القوية. قال القشيري: أموالكم: أعمالكم المشوبة، وأولادكم: أخلاقكم المكدرة، فكدورة الطبع فتنة توجب افتتانكم بالإعراض عن الحق، والإقبال على الدنيا، وحب الجاه عند الناس، والتفاتهم إليكم بحسن الاعتقاد، والله عنده أجر عظيم بالفناء عن الكل والبقاء بالحق.
ه. { فاتقوا الله ما استطعتم } أي: غيبوا عما سوى الله طاقة جهدكم، وتقدم أن قوله تعالى:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران:102] خطاب لأهل التجريد، وهذا خطاب لأهل الأسباب، والله تعالى أعلم. وقال ابن عطاء: الاستطاعة على الظواهر والأعمال، وحق تقاته على القلوب والأحوال. ه. أي: اتقوا الله حق تقاته بتوجيه القلوب إليه بلا التفات، واتقوا الله ما استطعتم بعمل الجوارح قدر الطاقات. قال القشيري: ما أنتم في الجملة مستطيعين، ويتوجه إليكم التكليف، فاتقوا الله، والتقوى عن شهود التقوى، بعد ألا يكون تقصير في التقوى غاية التقوى. ه. واسمعوا منا بلا واسطة، وأطيعوا فيما نأمركم به مما يقرب إلينا، وننهاكم عنه مما يبعد عنا. قال القشيري: أطيعوا بالنفس لأحكام الشريعة، وبالقلب لآداب الطريقة، وبالروح بطلوع الحقيقة. ه. وأنفقوا من أموالكم وعلومكم وأسراركم، على الطالبين والسالكين والواصلين، يكن خيرا لأنفسكم، لأن الناس نفس واحدة، فإنفاقك على غيرك إنفاق على نفسك، لانتفاء الغيرية في الأحدية. ومن يوق شح نفسه بإنفاقها في مرضاة الله، بأن يقدمها للمتالف والمتاعب في طلب الوصول، فأولئك هم المفلحون الظافرون بشهود الحق. قال القشيري: ومن يوق شح نفسه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرر من رق المكونات، فأولئك هم المفلحون. ه. وعن بعضهم: من أنفق بكره فهو شح، ومن أنفق بطوع فهو الفرض، ومن عوفي من بلاء الجمع والمنع، والرغبة والحرص، فقد دخل في ميدان الفلاح. ه. إن تقرضوا الله بإعطاء وجودكم قرضا حسنا، من غير اعتبار الغرض والعوض، بالفناء عن شهود القرض والحس، يضاعفه لكم بالوجود الحق، المشتمل على جميع الموجودات الإضافية، ويغفر لكم: يستر عنكم مساوئكم وحس وجودكم قبل فنائكم في الله وبقائكم به. والله شكور يقبل من توجه إليه بلا شيء، حليم يغيب العبد عن شهود مساوئه، بإغراقه في إحسانه. عالم الغيب: بواطن الأرواح، والشهادة: شهادة ظواهر الأشباح، العزيز: المعز لأوليائه ومكل من انتسب إليه، الحكيم في قسمه المراتب على حسب التوجه. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الطلاق 65:1
{ يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر... }. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } ، خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء، وعم بالخطاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم: يا فلان افعلوا كذا وكذا إظهارا لتقدمه، واعتبارا لترؤسه، وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادا مسد جميعهم. ومعنى " إذا طلقتم ": إذا أردتم تطليقهن، كقوله:
إذا قمتم إلى الصلاة
[المائدة:6]، تنزيلا للمقبل على الشيء المشارف له منزلة الشارع فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم:
" من قتل قتيلا فله سلبه "
، ومنه: كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي. { فطلقوهن لعدتهن } أي: مستقبلات لعدتهن، شارعة فيها، بمجرد الطلاق، من غير أن تكون في حيض أو نفاس، فإن المرأة إذا طلقت في طهر تعتد بذلك الطهر من أقرائها، فتخرج من العدة برؤية الحيض الثالث، بخلاف إذا طلقت في غير طهر، فتنتظر الطهر منه، فلا تخرج إلا برؤية الحيض الرابع. والمراد أن يطلق في طهر لم يمس فيه، وهذا هو طلاق السنة. قال ابن جزي: واختلف في الطلاق: هل هو مباح أو مكروه، وأما إن كان على غير وجه السنة فهو ممنوع. ه. وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" فطلقوهن في قبل عدتهن ".
قال ابن جزي: واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض، هل هو معلل بتطويل العدة، أو تعبد، والصحيح: أنه معلل بذلك، وينبني على هذا الخلاف فروع، منها: هل يجوز إذا رضيت به المرأة أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها في الحيض وهي حامل أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا؟ فالتعليل بتطويل العدة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبد يقتضي المنع، ومن طلق في الحيض لزمه الطلاق، ثم أمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك، ودون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر، حيث طلق امرأته، فأمره صلى الله عليه وسلم برجعتها ه. { وأحصوا العدة } اضبطوها، وأكملوها ثلاثة أقراء كوامل، لما ينبني عليها من الأحكام، كالرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك، { واتقوا الله ربكم } في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن.
وفي التعبير بعنوان الربوبية تأكيد لما أمر، ومبالغة في إيجاب الاتقاء. { لا تخرجوهن من بيوتهن } من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن مع أنها للأزواج لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكانها، كأنها أملاكهن. { ولا يخرجن } ولو بالإذن منكم، فإن الإذن في الخروج في حكم الإخراج، وقيل: لا يخرجن باستبدادهن، أما إذا اتفقا على الخروج جاز، وهو خلاف مذهب مالك، فلا يجوز لها في مذهبه المبيت عن بيتها، ولا أن تغيب عنه، إلا لضرورة التصرف، وذلك لحفظ النسب، وصيانة المرأة، فإن كان المسكن ملكا للزوج، أو مكترى عنده لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كراؤه مدة العدة، وإن كان قد استمتعته فيه مدة الزوجية ففي لزوم خراج العدة له قولان في المذهب، والصحيح لزومه لأن الاستمتاع قد انقطع بالطلاق. { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ، قيل: الزنا، فيخرجن لإقامة الحد، قاله الليثي والثعلبي، وقيل: سوء الكلام وإظهار الفحش مع الأصهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى، وتلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظا للنسب. قاله ابن عباس، ويؤيده: قراءة أبي: " إلا أن يفحشن عليكم " ، وقيل: جميع المعاصي من القذف والسرقة وغير ذلك. قاله ابن عباس أيضا. ومال إليه الطبري. وقيل: الخروج من بيتها خروج انتقال، متى فعلت ذلك سقط حقها. قاله ابن الفرس، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في العدة، وقيل: هو النشوز قبل الطلاق، فإذا طلقها بسبب نشوزها فلا سكنى على زوجها قاله قتادة. { وتلك حدود الله } أي: تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله التي عينها لعباده، { ومن يتعد حدود الله } المذكورة، بأن يخل بشيء منها، على أن الإظهار في محل الإضمار لتهويل أمر التعدي، والإشعار بعلة الحكم، { فقد ظلم نفسه } أضر بها، إذ لعله يندم. والتفسير بتعريضها للعذاب يأباه قوله: { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا: إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى: هو أن ينقلب قلبه بغضها إلى محبتها، أو: من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ويندم، فلا بد أن يكون الظلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه، وهو الندم إن كان طلق ثلاثا، فيمنع من الرجعة، أو: الحياء، إن كان إخراجها من المسكن بلا سبب، أو: فقد ظلم نفسه بتعريضها للعذاب الشامل الدنيوي والأخروي، حيث خالف ما أمره سيده. { لاتدري } أيها المخاطب { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } وهو الرجعة، والمعنى: أحصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به، لعل الله يحدث الرجعة لنسائكم. { فإذا بلغن أجلهن } أي: قاربن آخر العدة { فأمسكوهن } راجعوهن { بمعروف } بحسن معاشرة وإنفاق لائق، { أو فارقوهن بمعروف } بإعطاء الصداق والإمتاع حين الطلاق، والوفاء بالشروط.
والمعنى: فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرر، وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها، تطويلا لعدتها وتعذيبا لها، { وأشهدوا } عند الرجعة والمفارقة { ذوي عدل منكم } من المسلمين، وهذا الإشهاد مندوب على المشهور لئلا يقع بينهما التجاحد. وفي قوله: { ذوي عدل } دلالة على أنهم ذكور، فلا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق عند الجمهور. { وأقيموا الشهادة لله } أيها الشهود عند الحاجة إليها، خالصا لوجهه تعالى. { ذلكم } إشارة إلى الحث على الإشهاد في الرجعة، أو: إلى جميع ما ذكر، { يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } إذ هو المنتفع به، والمقصود بتذكيره. الإشارة: إذا طلقتم الدنيا وحظوظ نفوسكم فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأحصوا العدة: اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تخرجوا نفوسكم من أشباحها بشدة مجاهدتها، فإنها مغرفة السر، ومطية السير، نبر بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونخالف هواها، ولا يخرجن، إي:ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلا أن تطغى وتفحش، فبالغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حدها للسائر، ومن يتعد شيئا منها فقد ظلم نفسه، إما بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل الله يحدث بعد ذلك انقيادا وتسهيلا، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهدوا ذوي عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج من ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم. ثم حض على التقوى التي هي مجمع الخير، فقال: {... ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يتق الله } بأن طلق للسنة، ولم يضار بالمعتدة، ولم يخرجها من مسكنها، واحتاط في الإشهاد، وغير ذلك، { يجعل له مخرجا } مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والمضائق، ويفرج عنه ما يعتريه من الكروب. روي عن ابن عباس أنه قال لمن طلق ثلاثا: " إنك لم تتق الله، فبانت منك امرأتك ". والمختار: أن الآية عامة، أي: ومن يتق الله في أقواله وأفعاله وأحواله يجعل له مخرجا من كرب الدنيا والأخرة. و
" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها، فقال: " مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة "
، قال ابن جزي: وهذا أي العموم أرجح من خمسة أوجه، الأول: حمل اللفظ على عمومه، فيدخل فيه الطلاق وغيره. والثاني: روي: أنها نزلت في
" عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أسر ولده، وضيق عليه رزقه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالتقوى، وقال له: " أكثر من: لاحول ولا قوة إلا بالله " فلم يلبث إلا يسيرا، وانطلق ولده، ووسع عليه زرقه "
والثالث: أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } "
فما زال يكررها، انظر بقيته. { ويرزقه من حيث لا يحتسب } أي: من وجوه لاتخطر بباله ولا بحسبه، { ومن يتوكل على الله } أي: يكل أمره إليه من غير تعلق بغير، ولا تدبير نفس، { فهو حسبه } كافيه في جميع أموره، { إن الله بالغ أمره } ، بالإضافة في قراءة حفص، أي: منفذا أمره، وبالتنوين والنصب عند غيره، أي: مبلغ ما يريد، لا يفوته مراد، ولا يعجزه مطلوب. { قد جعل الله لكل شيء قدرا } تقديرا، أو توقيتا، أو مقدارا معلوما ووقتا محدودا، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهذا حث على التوكل وترغيب فيه، لأن العبد إذا علم أن الأمور كلها بيد الله، من الرزق وغيره وأن لها وقتا محدودا لا يجاوزه، توكل عليه، وانجمع بكليته عليه، ولم يبق له إلا التسليم للقدر السابق. قال ابن عطية: في الآية حض على التوكل، أي: لا بد من نفوذ أمر الله تعالى، توكلت أيها المرء أم لم تتوكل، فإن توكلت على الله كفاك، وتعجلت الراحة والبركة، وإن لم تتوكل وكلك إلى جحدك وتسخطك، وأمره نافذ في الوجهين. ه. الإشارة: ومن يتق الله التقوى الكاملة، يجعل له من كمل مشكل وشبهة ومتشابه مخرجا، فينحل له كل ما أشكل على الناس في أمر الدين والدنيا، ويرزقه من العلوم والأسرار والمعارف، ما لا يخطر على بال، من حيث لا يحتسب، من غير تعلم ولا مدارسة، وقال القشيري: إذا صدق العبد في تقواه أخرجه من أشغاله، كالشعرة من العجين، لا يتعلق بها شيء، يضرب على المتقي سرادقات عنايته، ويدخله في كنف الإيواء ويصرف الأشغال، عن قلبه، ويخرجه عن تدبيره، ويجرده عن كل شغل، ويكفيه كل أمر، وينقله إلى شهود قضاء تقديره. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى: أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوىء والدعاوى، أما من طهر ظاهره من المعاصي، وسد الأفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بشره، أي: فلا يدخل في الآية. ثم قال: إلا من وطن نفسه على الأرياح إلى أي وجهة تقلب، أي: دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال الله فيه:
تتجافى جنوبهم عن المضاجع
[السجدة:16]، أتراه منع جنوبهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجعون أسرارهم شيئا، فافهم هذا المعنى، تتجافى جنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفا وطمعا، فالخوف قطعهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهنم ينفقون. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { ويرزقه من حيث لا يحتسب } قال في الحاشية الفاسية: أي: يرزقه المقدر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومن عرف الله عرفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل: التقوى: التبري من الحول والقوة. ه. وقوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } قال القشيري: فالله حاسبه، أي: كافيه. { إن الله بالغ أمره } ، إذا سبق له شيء من التقدير، فلا محالة يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكن المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كاره لما يرد عليه، وهذا من أجل النعم. ثم قال في موضع آخر: التوكل: شهود نفسك خارجا من المنة، جاريا عليك أحكام التقدير من غير تدبير منك ولا اطلاع لك على حكمه، فسبيل العبد: الخمود والرضا دون استعلام الأمر. وفي الخبر:
" أعوذ بالله من علم لا ينفع "
ومن جملته: أن يكون قد وقع لك شغل، واستقبلك مهم، وقد اشتبه عليك وجه التدبير فيه، وتكون مطالبا بالسكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سبب؟ وعلى أي وجه؟ وعلى يد من؟ فهذا كله تخليط، وغير مسلم شيء من ذلك للأكابر، وهو من العلم الذي يجب التعوذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقت الكشف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبد في هذه الحالة تعريفا في المنام، أوينظر في فال من الجامع اي: ككتاب وشبهه أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كل هذا ترك للأدب، والله لا يرضى بذلك من أوليائه، بل الواجب السكون. ه. وقال في القوت: والحسب إلى الحسيب يجعله ما شاء كيف شاء، فقد قيل: { فهو حسبه } أي: التوكل حسبه من سائر المقامات، ثم قال معربا باللطافة، مسليا للجماعة: { إن الله بالغ أمره } أي: منفذ حكمه فيمن توكل، ومن لا يتوكل، إلا أن من توكل عليه يكون الله عز وجل حسبه، أي: يكفيه أيضا مهم الدنيا والآخرة، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه، ويرفعه مقاما في اليقين قدر تقواه، ويعزه بعزه، وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويشتت قلبه، ويشغل فكره، فالمتوكل عليه يجب له تكفير السيئات، ويلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أما الكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه، إلا أن الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم لأن العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين.
ه. ثم ذكر مدة اليائسة والحامل، فقال: { واللائي يئسن من المحيض }.
الطلاق 65:2
{ يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر... }. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } ، خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء، وعم بالخطاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم: يا فلان افعلوا كذا وكذا إظهارا لتقدمه، واعتبارا لترؤسه، وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادا مسد جميعهم. ومعنى " إذا طلقتم ": إذا أردتم تطليقهن، كقوله:
إذا قمتم إلى الصلاة
[المائدة:6]، تنزيلا للمقبل على الشيء المشارف له منزلة الشارع فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم:
" من قتل قتيلا فله سلبه "
، ومنه: كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي. { فطلقوهن لعدتهن } أي: مستقبلات لعدتهن، شارعة فيها، بمجرد الطلاق، من غير أن تكون في حيض أو نفاس، فإن المرأة إذا طلقت في طهر تعتد بذلك الطهر من أقرائها، فتخرج من العدة برؤية الحيض الثالث، بخلاف إذا طلقت في غير طهر، فتنتظر الطهر منه، فلا تخرج إلا برؤية الحيض الرابع. والمراد أن يطلق في طهر لم يمس فيه، وهذا هو طلاق السنة. قال ابن جزي: واختلف في الطلاق: هل هو مباح أو مكروه، وأما إن كان على غير وجه السنة فهو ممنوع. ه. وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" فطلقوهن في قبل عدتهن ".
قال ابن جزي: واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض، هل هو معلل بتطويل العدة، أو تعبد، والصحيح: أنه معلل بذلك، وينبني على هذا الخلاف فروع، منها: هل يجوز إذا رضيت به المرأة أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها في الحيض وهي حامل أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا؟ فالتعليل بتطويل العدة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبد يقتضي المنع، ومن طلق في الحيض لزمه الطلاق، ثم أمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك، ودون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر، حيث طلق امرأته، فأمره صلى الله عليه وسلم برجعتها ه. { وأحصوا العدة } اضبطوها، وأكملوها ثلاثة أقراء كوامل، لما ينبني عليها من الأحكام، كالرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك، { واتقوا الله ربكم } في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن.
وفي التعبير بعنوان الربوبية تأكيد لما أمر، ومبالغة في إيجاب الاتقاء. { لا تخرجوهن من بيوتهن } من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن مع أنها للأزواج لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكانها، كأنها أملاكهن. { ولا يخرجن } ولو بالإذن منكم، فإن الإذن في الخروج في حكم الإخراج، وقيل: لا يخرجن باستبدادهن، أما إذا اتفقا على الخروج جاز، وهو خلاف مذهب مالك، فلا يجوز لها في مذهبه المبيت عن بيتها، ولا أن تغيب عنه، إلا لضرورة التصرف، وذلك لحفظ النسب، وصيانة المرأة، فإن كان المسكن ملكا للزوج، أو مكترى عنده لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كراؤه مدة العدة، وإن كان قد استمتعته فيه مدة الزوجية ففي لزوم خراج العدة له قولان في المذهب، والصحيح لزومه لأن الاستمتاع قد انقطع بالطلاق. { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ، قيل: الزنا، فيخرجن لإقامة الحد، قاله الليثي والثعلبي، وقيل: سوء الكلام وإظهار الفحش مع الأصهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى، وتلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظا للنسب. قاله ابن عباس، ويؤيده: قراءة أبي: " إلا أن يفحشن عليكم " ، وقيل: جميع المعاصي من القذف والسرقة وغير ذلك. قاله ابن عباس أيضا. ومال إليه الطبري. وقيل: الخروج من بيتها خروج انتقال، متى فعلت ذلك سقط حقها. قاله ابن الفرس، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في العدة، وقيل: هو النشوز قبل الطلاق، فإذا طلقها بسبب نشوزها فلا سكنى على زوجها قاله قتادة. { وتلك حدود الله } أي: تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله التي عينها لعباده، { ومن يتعد حدود الله } المذكورة، بأن يخل بشيء منها، على أن الإظهار في محل الإضمار لتهويل أمر التعدي، والإشعار بعلة الحكم، { فقد ظلم نفسه } أضر بها، إذ لعله يندم. والتفسير بتعريضها للعذاب يأباه قوله: { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا: إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى: هو أن ينقلب قلبه بغضها إلى محبتها، أو: من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ويندم، فلا بد أن يكون الظلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه، وهو الندم إن كان طلق ثلاثا، فيمنع من الرجعة، أو: الحياء، إن كان إخراجها من المسكن بلا سبب، أو: فقد ظلم نفسه بتعريضها للعذاب الشامل الدنيوي والأخروي، حيث خالف ما أمره سيده. { لاتدري } أيها المخاطب { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } وهو الرجعة، والمعنى: أحصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به، لعل الله يحدث الرجعة لنسائكم. { فإذا بلغن أجلهن } أي: قاربن آخر العدة { فأمسكوهن } راجعوهن { بمعروف } بحسن معاشرة وإنفاق لائق، { أو فارقوهن بمعروف } بإعطاء الصداق والإمتاع حين الطلاق، والوفاء بالشروط.
والمعنى: فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرر، وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها، تطويلا لعدتها وتعذيبا لها، { وأشهدوا } عند الرجعة والمفارقة { ذوي عدل منكم } من المسلمين، وهذا الإشهاد مندوب على المشهور لئلا يقع بينهما التجاحد. وفي قوله: { ذوي عدل } دلالة على أنهم ذكور، فلا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق عند الجمهور. { وأقيموا الشهادة لله } أيها الشهود عند الحاجة إليها، خالصا لوجهه تعالى. { ذلكم } إشارة إلى الحث على الإشهاد في الرجعة، أو: إلى جميع ما ذكر، { يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } إذ هو المنتفع به، والمقصود بتذكيره. الإشارة: إذا طلقتم الدنيا وحظوظ نفوسكم فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأحصوا العدة: اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تخرجوا نفوسكم من أشباحها بشدة مجاهدتها، فإنها مغرفة السر، ومطية السير، نبر بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونخالف هواها، ولا يخرجن، إي:ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلا أن تطغى وتفحش، فبالغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حدها للسائر، ومن يتعد شيئا منها فقد ظلم نفسه، إما بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل الله يحدث بعد ذلك انقيادا وتسهيلا، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهدوا ذوي عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج من ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم. ثم حض على التقوى التي هي مجمع الخير، فقال: {... ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يتق الله } بأن طلق للسنة، ولم يضار بالمعتدة، ولم يخرجها من مسكنها، واحتاط في الإشهاد، وغير ذلك، { يجعل له مخرجا } مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والمضائق، ويفرج عنه ما يعتريه من الكروب. روي عن ابن عباس أنه قال لمن طلق ثلاثا: " إنك لم تتق الله، فبانت منك امرأتك ". والمختار: أن الآية عامة، أي: ومن يتق الله في أقواله وأفعاله وأحواله يجعل له مخرجا من كرب الدنيا والأخرة. و
" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها، فقال: " مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة "
، قال ابن جزي: وهذا أي العموم أرجح من خمسة أوجه، الأول: حمل اللفظ على عمومه، فيدخل فيه الطلاق وغيره. والثاني: روي: أنها نزلت في
" عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أسر ولده، وضيق عليه رزقه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالتقوى، وقال له: " أكثر من: لاحول ولا قوة إلا بالله " فلم يلبث إلا يسيرا، وانطلق ولده، ووسع عليه زرقه "
والثالث: أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } "
فما زال يكررها، انظر بقيته. { ويرزقه من حيث لا يحتسب } أي: من وجوه لاتخطر بباله ولا بحسبه، { ومن يتوكل على الله } أي: يكل أمره إليه من غير تعلق بغير، ولا تدبير نفس، { فهو حسبه } كافيه في جميع أموره، { إن الله بالغ أمره } ، بالإضافة في قراءة حفص، أي: منفذا أمره، وبالتنوين والنصب عند غيره، أي: مبلغ ما يريد، لا يفوته مراد، ولا يعجزه مطلوب. { قد جعل الله لكل شيء قدرا } تقديرا، أو توقيتا، أو مقدارا معلوما ووقتا محدودا، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهذا حث على التوكل وترغيب فيه، لأن العبد إذا علم أن الأمور كلها بيد الله، من الرزق وغيره وأن لها وقتا محدودا لا يجاوزه، توكل عليه، وانجمع بكليته عليه، ولم يبق له إلا التسليم للقدر السابق. قال ابن عطية: في الآية حض على التوكل، أي: لا بد من نفوذ أمر الله تعالى، توكلت أيها المرء أم لم تتوكل، فإن توكلت على الله كفاك، وتعجلت الراحة والبركة، وإن لم تتوكل وكلك إلى جحدك وتسخطك، وأمره نافذ في الوجهين. ه. الإشارة: ومن يتق الله التقوى الكاملة، يجعل له من كمل مشكل وشبهة ومتشابه مخرجا، فينحل له كل ما أشكل على الناس في أمر الدين والدنيا، ويرزقه من العلوم والأسرار والمعارف، ما لا يخطر على بال، من حيث لا يحتسب، من غير تعلم ولا مدارسة، وقال القشيري: إذا صدق العبد في تقواه أخرجه من أشغاله، كالشعرة من العجين، لا يتعلق بها شيء، يضرب على المتقي سرادقات عنايته، ويدخله في كنف الإيواء ويصرف الأشغال، عن قلبه، ويخرجه عن تدبيره، ويجرده عن كل شغل، ويكفيه كل أمر، وينقله إلى شهود قضاء تقديره. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى: أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوىء والدعاوى، أما من طهر ظاهره من المعاصي، وسد الأفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بشره، أي: فلا يدخل في الآية. ثم قال: إلا من وطن نفسه على الأرياح إلى أي وجهة تقلب، أي: دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال الله فيه:
تتجافى جنوبهم عن المضاجع
[السجدة:16]، أتراه منع جنوبهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجعون أسرارهم شيئا، فافهم هذا المعنى، تتجافى جنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفا وطمعا، فالخوف قطعهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهنم ينفقون. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { ويرزقه من حيث لا يحتسب } قال في الحاشية الفاسية: أي: يرزقه المقدر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومن عرف الله عرفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل: التقوى: التبري من الحول والقوة. ه. وقوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } قال القشيري: فالله حاسبه، أي: كافيه. { إن الله بالغ أمره } ، إذا سبق له شيء من التقدير، فلا محالة يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكن المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كاره لما يرد عليه، وهذا من أجل النعم. ثم قال في موضع آخر: التوكل: شهود نفسك خارجا من المنة، جاريا عليك أحكام التقدير من غير تدبير منك ولا اطلاع لك على حكمه، فسبيل العبد: الخمود والرضا دون استعلام الأمر. وفي الخبر:
" أعوذ بالله من علم لا ينفع "
ومن جملته: أن يكون قد وقع لك شغل، واستقبلك مهم، وقد اشتبه عليك وجه التدبير فيه، وتكون مطالبا بالسكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سبب؟ وعلى أي وجه؟ وعلى يد من؟ فهذا كله تخليط، وغير مسلم شيء من ذلك للأكابر، وهو من العلم الذي يجب التعوذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقت الكشف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبد في هذه الحالة تعريفا في المنام، أوينظر في فال من الجامع اي: ككتاب وشبهه أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كل هذا ترك للأدب، والله لا يرضى بذلك من أوليائه، بل الواجب السكون. ه. وقال في القوت: والحسب إلى الحسيب يجعله ما شاء كيف شاء، فقد قيل: { فهو حسبه } أي: التوكل حسبه من سائر المقامات، ثم قال معربا باللطافة، مسليا للجماعة: { إن الله بالغ أمره } أي: منفذ حكمه فيمن توكل، ومن لا يتوكل، إلا أن من توكل عليه يكون الله عز وجل حسبه، أي: يكفيه أيضا مهم الدنيا والآخرة، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه، ويرفعه مقاما في اليقين قدر تقواه، ويعزه بعزه، وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويشتت قلبه، ويشغل فكره، فالمتوكل عليه يجب له تكفير السيئات، ويلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أما الكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه، إلا أن الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم لأن العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين.
ه. ثم ذكر مدة اليائسة والحامل، فقال: { واللائي يئسن من المحيض }.
الطلاق 65:3
{ يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر... }. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } ، خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء، وعم بالخطاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم: يا فلان افعلوا كذا وكذا إظهارا لتقدمه، واعتبارا لترؤسه، وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادا مسد جميعهم. ومعنى " إذا طلقتم ": إذا أردتم تطليقهن، كقوله:
إذا قمتم إلى الصلاة
[المائدة:6]، تنزيلا للمقبل على الشيء المشارف له منزلة الشارع فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم:
" من قتل قتيلا فله سلبه "
، ومنه: كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي. { فطلقوهن لعدتهن } أي: مستقبلات لعدتهن، شارعة فيها، بمجرد الطلاق، من غير أن تكون في حيض أو نفاس، فإن المرأة إذا طلقت في طهر تعتد بذلك الطهر من أقرائها، فتخرج من العدة برؤية الحيض الثالث، بخلاف إذا طلقت في غير طهر، فتنتظر الطهر منه، فلا تخرج إلا برؤية الحيض الرابع. والمراد أن يطلق في طهر لم يمس فيه، وهذا هو طلاق السنة. قال ابن جزي: واختلف في الطلاق: هل هو مباح أو مكروه، وأما إن كان على غير وجه السنة فهو ممنوع. ه. وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" فطلقوهن في قبل عدتهن ".
قال ابن جزي: واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض، هل هو معلل بتطويل العدة، أو تعبد، والصحيح: أنه معلل بذلك، وينبني على هذا الخلاف فروع، منها: هل يجوز إذا رضيت به المرأة أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها في الحيض وهي حامل أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا؟ فالتعليل بتطويل العدة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبد يقتضي المنع، ومن طلق في الحيض لزمه الطلاق، ثم أمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك، ودون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر، حيث طلق امرأته، فأمره صلى الله عليه وسلم برجعتها ه. { وأحصوا العدة } اضبطوها، وأكملوها ثلاثة أقراء كوامل، لما ينبني عليها من الأحكام، كالرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك، { واتقوا الله ربكم } في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن.
وفي التعبير بعنوان الربوبية تأكيد لما أمر، ومبالغة في إيجاب الاتقاء. { لا تخرجوهن من بيوتهن } من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن مع أنها للأزواج لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكانها، كأنها أملاكهن. { ولا يخرجن } ولو بالإذن منكم، فإن الإذن في الخروج في حكم الإخراج، وقيل: لا يخرجن باستبدادهن، أما إذا اتفقا على الخروج جاز، وهو خلاف مذهب مالك، فلا يجوز لها في مذهبه المبيت عن بيتها، ولا أن تغيب عنه، إلا لضرورة التصرف، وذلك لحفظ النسب، وصيانة المرأة، فإن كان المسكن ملكا للزوج، أو مكترى عنده لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كراؤه مدة العدة، وإن كان قد استمتعته فيه مدة الزوجية ففي لزوم خراج العدة له قولان في المذهب، والصحيح لزومه لأن الاستمتاع قد انقطع بالطلاق. { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ، قيل: الزنا، فيخرجن لإقامة الحد، قاله الليثي والثعلبي، وقيل: سوء الكلام وإظهار الفحش مع الأصهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى، وتلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظا للنسب. قاله ابن عباس، ويؤيده: قراءة أبي: " إلا أن يفحشن عليكم " ، وقيل: جميع المعاصي من القذف والسرقة وغير ذلك. قاله ابن عباس أيضا. ومال إليه الطبري. وقيل: الخروج من بيتها خروج انتقال، متى فعلت ذلك سقط حقها. قاله ابن الفرس، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في العدة، وقيل: هو النشوز قبل الطلاق، فإذا طلقها بسبب نشوزها فلا سكنى على زوجها قاله قتادة. { وتلك حدود الله } أي: تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله التي عينها لعباده، { ومن يتعد حدود الله } المذكورة، بأن يخل بشيء منها، على أن الإظهار في محل الإضمار لتهويل أمر التعدي، والإشعار بعلة الحكم، { فقد ظلم نفسه } أضر بها، إذ لعله يندم. والتفسير بتعريضها للعذاب يأباه قوله: { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا: إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى: هو أن ينقلب قلبه بغضها إلى محبتها، أو: من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ويندم، فلا بد أن يكون الظلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه، وهو الندم إن كان طلق ثلاثا، فيمنع من الرجعة، أو: الحياء، إن كان إخراجها من المسكن بلا سبب، أو: فقد ظلم نفسه بتعريضها للعذاب الشامل الدنيوي والأخروي، حيث خالف ما أمره سيده. { لاتدري } أيها المخاطب { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } وهو الرجعة، والمعنى: أحصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به، لعل الله يحدث الرجعة لنسائكم. { فإذا بلغن أجلهن } أي: قاربن آخر العدة { فأمسكوهن } راجعوهن { بمعروف } بحسن معاشرة وإنفاق لائق، { أو فارقوهن بمعروف } بإعطاء الصداق والإمتاع حين الطلاق، والوفاء بالشروط.
والمعنى: فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرر، وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها، تطويلا لعدتها وتعذيبا لها، { وأشهدوا } عند الرجعة والمفارقة { ذوي عدل منكم } من المسلمين، وهذا الإشهاد مندوب على المشهور لئلا يقع بينهما التجاحد. وفي قوله: { ذوي عدل } دلالة على أنهم ذكور، فلا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق عند الجمهور. { وأقيموا الشهادة لله } أيها الشهود عند الحاجة إليها، خالصا لوجهه تعالى. { ذلكم } إشارة إلى الحث على الإشهاد في الرجعة، أو: إلى جميع ما ذكر، { يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } إذ هو المنتفع به، والمقصود بتذكيره. الإشارة: إذا طلقتم الدنيا وحظوظ نفوسكم فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأحصوا العدة: اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تخرجوا نفوسكم من أشباحها بشدة مجاهدتها، فإنها مغرفة السر، ومطية السير، نبر بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونخالف هواها، ولا يخرجن، إي:ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلا أن تطغى وتفحش، فبالغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حدها للسائر، ومن يتعد شيئا منها فقد ظلم نفسه، إما بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل الله يحدث بعد ذلك انقيادا وتسهيلا، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهدوا ذوي عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج من ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم. ثم حض على التقوى التي هي مجمع الخير، فقال: {... ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يتق الله } بأن طلق للسنة، ولم يضار بالمعتدة، ولم يخرجها من مسكنها، واحتاط في الإشهاد، وغير ذلك، { يجعل له مخرجا } مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والمضائق، ويفرج عنه ما يعتريه من الكروب. روي عن ابن عباس أنه قال لمن طلق ثلاثا: " إنك لم تتق الله، فبانت منك امرأتك ". والمختار: أن الآية عامة، أي: ومن يتق الله في أقواله وأفعاله وأحواله يجعل له مخرجا من كرب الدنيا والأخرة. و
" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها، فقال: " مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة "
، قال ابن جزي: وهذا أي العموم أرجح من خمسة أوجه، الأول: حمل اللفظ على عمومه، فيدخل فيه الطلاق وغيره. والثاني: روي: أنها نزلت في
" عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أسر ولده، وضيق عليه رزقه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالتقوى، وقال له: " أكثر من: لاحول ولا قوة إلا بالله " فلم يلبث إلا يسيرا، وانطلق ولده، ووسع عليه زرقه "
والثالث: أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } "
فما زال يكررها، انظر بقيته. { ويرزقه من حيث لا يحتسب } أي: من وجوه لاتخطر بباله ولا بحسبه، { ومن يتوكل على الله } أي: يكل أمره إليه من غير تعلق بغير، ولا تدبير نفس، { فهو حسبه } كافيه في جميع أموره، { إن الله بالغ أمره } ، بالإضافة في قراءة حفص، أي: منفذا أمره، وبالتنوين والنصب عند غيره، أي: مبلغ ما يريد، لا يفوته مراد، ولا يعجزه مطلوب. { قد جعل الله لكل شيء قدرا } تقديرا، أو توقيتا، أو مقدارا معلوما ووقتا محدودا، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهذا حث على التوكل وترغيب فيه، لأن العبد إذا علم أن الأمور كلها بيد الله، من الرزق وغيره وأن لها وقتا محدودا لا يجاوزه، توكل عليه، وانجمع بكليته عليه، ولم يبق له إلا التسليم للقدر السابق. قال ابن عطية: في الآية حض على التوكل، أي: لا بد من نفوذ أمر الله تعالى، توكلت أيها المرء أم لم تتوكل، فإن توكلت على الله كفاك، وتعجلت الراحة والبركة، وإن لم تتوكل وكلك إلى جحدك وتسخطك، وأمره نافذ في الوجهين. ه. الإشارة: ومن يتق الله التقوى الكاملة، يجعل له من كمل مشكل وشبهة ومتشابه مخرجا، فينحل له كل ما أشكل على الناس في أمر الدين والدنيا، ويرزقه من العلوم والأسرار والمعارف، ما لا يخطر على بال، من حيث لا يحتسب، من غير تعلم ولا مدارسة، وقال القشيري: إذا صدق العبد في تقواه أخرجه من أشغاله، كالشعرة من العجين، لا يتعلق بها شيء، يضرب على المتقي سرادقات عنايته، ويدخله في كنف الإيواء ويصرف الأشغال، عن قلبه، ويخرجه عن تدبيره، ويجرده عن كل شغل، ويكفيه كل أمر، وينقله إلى شهود قضاء تقديره. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى: أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوىء والدعاوى، أما من طهر ظاهره من المعاصي، وسد الأفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بشره، أي: فلا يدخل في الآية. ثم قال: إلا من وطن نفسه على الأرياح إلى أي وجهة تقلب، أي: دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال الله فيه:
تتجافى جنوبهم عن المضاجع
[السجدة:16]، أتراه منع جنوبهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجعون أسرارهم شيئا، فافهم هذا المعنى، تتجافى جنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفا وطمعا، فالخوف قطعهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهنم ينفقون. ه. مختصرا. وقوله تعالى: { ويرزقه من حيث لا يحتسب } قال في الحاشية الفاسية: أي: يرزقه المقدر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومن عرف الله عرفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل: التقوى: التبري من الحول والقوة. ه. وقوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } قال القشيري: فالله حاسبه، أي: كافيه. { إن الله بالغ أمره } ، إذا سبق له شيء من التقدير، فلا محالة يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكن المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كاره لما يرد عليه، وهذا من أجل النعم. ثم قال في موضع آخر: التوكل: شهود نفسك خارجا من المنة، جاريا عليك أحكام التقدير من غير تدبير منك ولا اطلاع لك على حكمه، فسبيل العبد: الخمود والرضا دون استعلام الأمر. وفي الخبر:
" أعوذ بالله من علم لا ينفع "
ومن جملته: أن يكون قد وقع لك شغل، واستقبلك مهم، وقد اشتبه عليك وجه التدبير فيه، وتكون مطالبا بالسكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سبب؟ وعلى أي وجه؟ وعلى يد من؟ فهذا كله تخليط، وغير مسلم شيء من ذلك للأكابر، وهو من العلم الذي يجب التعوذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقت الكشف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبد في هذه الحالة تعريفا في المنام، أوينظر في فال من الجامع اي: ككتاب وشبهه أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كل هذا ترك للأدب، والله لا يرضى بذلك من أوليائه، بل الواجب السكون. ه. وقال في القوت: والحسب إلى الحسيب يجعله ما شاء كيف شاء، فقد قيل: { فهو حسبه } أي: التوكل حسبه من سائر المقامات، ثم قال معربا باللطافة، مسليا للجماعة: { إن الله بالغ أمره } أي: منفذ حكمه فيمن توكل، ومن لا يتوكل، إلا أن من توكل عليه يكون الله عز وجل حسبه، أي: يكفيه أيضا مهم الدنيا والآخرة، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه، ويرفعه مقاما في اليقين قدر تقواه، ويعزه بعزه، وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويشتت قلبه، ويشغل فكره، فالمتوكل عليه يجب له تكفير السيئات، ويلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أما الكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه، إلا أن الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم لأن العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين.
ه. ثم ذكر مدة اليائسة والحامل، فقال: { واللائي يئسن من المحيض }.
الطلاق 65:4
يقول الحق جل جلاله: { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } لكبرهن، وقدروه بستين، أو: بخمس وخمسين. روي أن ناسا قالوا: قد عرفنا عدة الأقراء، فما عدة التي لم تحض؟ فنزلت. وقوله: { إن ارتبتم } أي: إن أشكل عليكم حكمهن كيف يعتددن، { فعدتهن ثلاثة أشهر } أو: إن ارتبتم في حيضها، هل انقطع أو لم ينقطع، فعدتها بالأشهر، وهي المرتابة التي غابت حيضتها، وهي في سن من يحيض، واختلف فيها، فقيل: ثلاثة أشهر على ظاهر الآية، وقيل: تسعة، وتستبرىء بثلاثة، وهو المشهور في مذهب مالك وقدوته في ذلك عمر بن الخطاب، لأن مذهبه عمري، وقيل: تعتد بالأقراء، ولو بلغت ثلاثين سنة، حتى تبلغ سن من لا يحيض، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. { واللائي لم يحضن } من صغر، فعدتهن ثلاثة أشهر، حذف لدلالة ما قبله، { وأولات الأحمال أجلهن } أي: عدتهن { أن يضعن حملهن } سواء كن مطلقات، أو متوفى عنهن أزواجهن، عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء. وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما: إنما هذا في المطلقات الحوامل، وأما المتوقى عنهن فعدتهن أقصى الأجلين، إما الوضع، أو انقضاء أربعة أشهر وعشر، وحجة الجمهور: حديث سبيعة، أنها لما مات زوجها، ووضعت، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتزوج، وقد روي أن ابن عباس رجع إليه، ولو بلغ عليا لرجع، فهذه الآية مخصصة لما في سورة البقرة من قوله تعالى:
والذين يتوفون منكم...
[البقرة:234]. تنبيه: وضع الحمل إنما يبرىء الرحم إذا كان من نكاح صحيح، وأما من الزنى فلا يبرئ، باتفاق، فمن حملت من زنى وهي متزوجة فلا تحل للهارب الذي حملت منه إذا طلقت بوضع حملها منه، بل لا بد من ثلاثة قروء بعد الوضع، نعم من لا زوج لها من حرة أو أمة إذا حملت من زنى تم استبراؤها بوضع حملها. { ومن يتق الله } في شأن أحكام العدة ومراعاة حقوقها { يجعل له من أمره يسرا } أي: يسهل عليه أمره. ويتحلل عليه ما تعقد ببركة التقوى، { ذلك } أي: ما علمكم من الأحكام { أمر الله أنزله إليكم } لتعملوا به. وإفراد الكاف مع أن المشار إليهم جماعة لأنها لتعيين الفرق بين البعد والقرب، لا لتعيين خصوصية المخاطبين { ومن يتق الله } بالمحافظة على أحكامه { يكفر عنه سيئاته } فإن الحسنات يذهبن السيئات، { ويعظم له أجرا } بالمضاعفة والتكثير. الإشارة: والنفوس التي يئسن من المساوىء والميل إلى الدنيا، ثم شككتم في تحقق طهارتها، تنتظر ثلاثة أشهر، فإذا مضت هذه المدة ولم يظهر منها ميل، فالغالب طهارتها، وكذلك النفوس الزكية، الباقية على الفطرة التي لم يظهر منها خلل، تنتظر هذه المدة، فإن ظهرت سلامتها فلا مجاهدة عليها، والنفوس الحوامل بكثرة الأشغال عدة تمام فتحها أن تضع كل ما يثقل عليها ويمنعها من السير، ولقد سمعت شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: إن شئتم أن أقسم لكم إنه لا يدخل أحد عالم الملكوت وفي قلبه علقة.
ه. { ومن يتق الله } أي: يعزم على البر والتقوى يجعل له تعالى من أمره يسرا، يسهل عليه طريق السلوك، ويكفيه كل ما يثقله ويشغله عنه، إما بإزالة ذلك له، أو بغيبته عن شؤونه، ومن يتق الله بالفعل يكفر عنه سيئاته، أي: يغطي عنه أوصافه الذميمة بأوصافه الحميدة، ويعظم له أجرا بأن يفتح له باب مشاهدته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكم السكنى والنفقة، فقال: { أسكنوهن من حيث سكنتم }.
الطلاق 65:5
يقول الحق جل جلاله: { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } لكبرهن، وقدروه بستين، أو: بخمس وخمسين. روي أن ناسا قالوا: قد عرفنا عدة الأقراء، فما عدة التي لم تحض؟ فنزلت. وقوله: { إن ارتبتم } أي: إن أشكل عليكم حكمهن كيف يعتددن، { فعدتهن ثلاثة أشهر } أو: إن ارتبتم في حيضها، هل انقطع أو لم ينقطع، فعدتها بالأشهر، وهي المرتابة التي غابت حيضتها، وهي في سن من يحيض، واختلف فيها، فقيل: ثلاثة أشهر على ظاهر الآية، وقيل: تسعة، وتستبرىء بثلاثة، وهو المشهور في مذهب مالك وقدوته في ذلك عمر بن الخطاب، لأن مذهبه عمري، وقيل: تعتد بالأقراء، ولو بلغت ثلاثين سنة، حتى تبلغ سن من لا يحيض، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. { واللائي لم يحضن } من صغر، فعدتهن ثلاثة أشهر، حذف لدلالة ما قبله، { وأولات الأحمال أجلهن } أي: عدتهن { أن يضعن حملهن } سواء كن مطلقات، أو متوفى عنهن أزواجهن، عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء. وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما: إنما هذا في المطلقات الحوامل، وأما المتوقى عنهن فعدتهن أقصى الأجلين، إما الوضع، أو انقضاء أربعة أشهر وعشر، وحجة الجمهور: حديث سبيعة، أنها لما مات زوجها، ووضعت، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتزوج، وقد روي أن ابن عباس رجع إليه، ولو بلغ عليا لرجع، فهذه الآية مخصصة لما في سورة البقرة من قوله تعالى:
والذين يتوفون منكم...
[البقرة:234]. تنبيه: وضع الحمل إنما يبرىء الرحم إذا كان من نكاح صحيح، وأما من الزنى فلا يبرئ، باتفاق، فمن حملت من زنى وهي متزوجة فلا تحل للهارب الذي حملت منه إذا طلقت بوضع حملها منه، بل لا بد من ثلاثة قروء بعد الوضع، نعم من لا زوج لها من حرة أو أمة إذا حملت من زنى تم استبراؤها بوضع حملها. { ومن يتق الله } في شأن أحكام العدة ومراعاة حقوقها { يجعل له من أمره يسرا } أي: يسهل عليه أمره. ويتحلل عليه ما تعقد ببركة التقوى، { ذلك } أي: ما علمكم من الأحكام { أمر الله أنزله إليكم } لتعملوا به. وإفراد الكاف مع أن المشار إليهم جماعة لأنها لتعيين الفرق بين البعد والقرب، لا لتعيين خصوصية المخاطبين { ومن يتق الله } بالمحافظة على أحكامه { يكفر عنه سيئاته } فإن الحسنات يذهبن السيئات، { ويعظم له أجرا } بالمضاعفة والتكثير. الإشارة: والنفوس التي يئسن من المساوىء والميل إلى الدنيا، ثم شككتم في تحقق طهارتها، تنتظر ثلاثة أشهر، فإذا مضت هذه المدة ولم يظهر منها ميل، فالغالب طهارتها، وكذلك النفوس الزكية، الباقية على الفطرة التي لم يظهر منها خلل، تنتظر هذه المدة، فإن ظهرت سلامتها فلا مجاهدة عليها، والنفوس الحوامل بكثرة الأشغال عدة تمام فتحها أن تضع كل ما يثقل عليها ويمنعها من السير، ولقد سمعت شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: إن شئتم أن أقسم لكم إنه لا يدخل أحد عالم الملكوت وفي قلبه علقة.
ه. { ومن يتق الله } أي: يعزم على البر والتقوى يجعل له تعالى من أمره يسرا، يسهل عليه طريق السلوك، ويكفيه كل ما يثقله ويشغله عنه، إما بإزالة ذلك له، أو بغيبته عن شؤونه، ومن يتق الله بالفعل يكفر عنه سيئاته، أي: يغطي عنه أوصافه الذميمة بأوصافه الحميدة، ويعظم له أجرا بأن يفتح له باب مشاهدته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكم السكنى والنفقة، فقال: { أسكنوهن من حيث سكنتم }.
الطلاق 65:6
يقول الحق جل جلاله: { أسكنوهن } أي: المطلقات { من حيث سكنتم } أي: مكانا من حيث سكنتم، ف " من " للتبعيض، أي: بعض مكان سكناكم. قال قتادة: لو لم يكن له إلا بيت واحد سكنها في بعض جوانبه. { من وجدكم } أي: وسعكم، أي: ما تطيقونه، فهو عطف بيان، أو بدل. قال أبو حيان: لا يعرف عطف بيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلا. ه. والوجد، يجوز فيه الضم وهو أشهر والفتح والكسر. قال ابن جزي: فأما المطلقات غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السكنى والنفقة اتفاقا، وأما المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها يجب لها السكنى دون الفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني: أنها يجب لها السكنى والنفقة، وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث: أنها ليس لها سكنى ولا نفقة، وهو قول محمد، وثابت البناني، وأبي بن كعب. فحجة مالك: حديث
" فاطمة بنت قيس، وهو أن زوجها طلقها البتة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس لك عليه نفقة "
، فيوخذ منه: أن لها السكنى، وحجة من أوجب لها السكنى والنفقة: قول عمر بن الخطاب: لا ندع آية من كتاب الله ربنا لقول امرأة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" لها السكنى والنفقة "
، وحجة من لم يجعل لها سكنى ولا نفقة: أن في بعض الروايات عنها أي: فاطمة بنت قيس أنها قالت: " لم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى ". { ولا تضاروهن } في السكنى { لتضيقوا عليهن } ويلجأن إلى الخروج، { وإن كن } أي: المطلقات { أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } فيخرجن من العدة. قال ابن جزي: اتفق العلماء على وجوب النفقة في العدة للمطلقة، عملا بالآية، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا. واتفقوا أن للمطلقة غير الحامل النفقة والسكنى في العدة إذا كان الطلاق رجعيا، فإن كان بائنا فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه، وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملا فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا أن هذه الآية إنما هي في المطلقات. وقال قوم: لها النفقة في التركة. ه. { فإن أرضعن لكم } هؤلاء المطلقات أولادكم { فآتوهن أجورهن } أي: أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن المفصل في كتب الفقه. { وأتمروا بينكم بمعروف } ، خطاب للرجال والنساء، أي: يأمر كل واحد منكم صاحبه بخير من المسامحة والرفق والإحسان، ولا يكن من الأب مماكسة، ومن الأم معاسرة، أو: تشاوروا بينكم على التراضي في الأجرة، ومنه:
إن الملأ يأتمرون بك
[القصص:20]. { وإن تعاسرتم } تضايقتم، فلم ترض الأم بما ترضع به الأجنبية، { فسترضع له أخرى } فستوجد مرضعة أخرى، غير متعاسرة، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. والمعنى: إن تشططت الأم على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيرا، فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق إلا ألا يقبل الولد غيرها، فتجبر على رضاعة بأجرة المثل. { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } أي: لينفق كل واحد من المعسر والموسر بما يبلغه وسعه، يعني: ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، { ومن قدر } أي: ضيق { عليه رزقه فلينفق } عليها { مما آتاه الله } فيفرض الحاكم عليه ما يطيقه، { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } أعطاها من الرزق، وفيه تطييب قلب المعسر، وترغيب له في بذل مجهوده، وقد أكد ذلك بالوعد، حيث قال: { سيجعل الله بعد عسر يسرا } أي: بعد ضيق في المعيشة سعة فيها، فإن عادته تعالى أن يعقب العسر باليسر، كما قال تعالى:
فإن مع العسر يسرا
[الشرح:5]، وكرره مرتين، فلن يغلب عسر يسرين. الإشارة: أسكنوا نفوسكم من حيث سكنتم بها قبل التوجه، فينبغي للمريد أن يسايس نفسه شيئا فشيئا، حتى يغيب عنها في شهود الحق، من غير تشديد في إخراجها عن طبعها بالكلية، فإنها حينئذ تمل وتكل، فقد قيل: من سار إلى الله بموافقة طبعه كان الوصول إليه أقرب إليه من طبعه، ومن سار إلى الله بمخالفة طبعه كان الوصول إليه على قدر بعده عن طبعه، وفيه مشقة وحرج. ولذا قال تعالى: { ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن } لئلا تمل وترجع من حيث جاءت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يكن أحدكم كالمنبت، فلا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى "
، نعم مخالفة طبعها في حب الظهور والجاه، أو حب الدنيا، واجب حتما لا رخصة فيه، وهذه سيرة أشياخنا رضي الله عنهم لا يضيقون على المريد في جوع ولا عطش، ولا كثرة رياضة، وإنما يأمرونه بالخمول وتخريب الظاهر والزهد التام، والورع الكامل، فقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي الحسني رضي الله عنه يقول: سدوا باب الطمع، وافتحوا باب الورع، والله إن فعلتم ذلك حتى يستولي باطنكم على ظاهركم. ه. أي: تستولي المعاني على الحس، فيتحقق الشهود الكامل. وكان أيضا يقول: نحن لسنا مع جوع ولا مع شبعة، نحن مع الله. ه. أي: غائبون عن الجوع والشبع في ذكر الله وشهوده. وإن كن أولات حمل، أي: ثقل من كثرة العلائق، فأنفقوا عليهن من الواردات الإلهية بصحبة الرجال، حتى تصادم تلك العلائق، فتهدمها، فتضع الحمل عنها، فإن أرضعن لكم، بإن تهذبت ورجعت روحانية تأتيك بالعلوم التي يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة، فأتوهن أجورهن من البر بها والرفق، وائتمروا بينكم بمعروف، فتؤمر أنت بالإحسان إليها، وتؤمر هي بالطاعة لك، وإن تعاسرتم، بأن ضعفت همتكم، وقلت أمدادكم، بعدم صحبة أهل الإمداد، فسترضع له نفس أخرى، أي: فليتخذ شيخا كاملا يرضع له نفسه من ثدي أسرار العلوم والمعارف، ولذلك قيل: من لا شيخ له فالشيطان شيخه، لينفق ذو سعة من سعته، وهم الواصلون العارفون، ينفقون من سعة علومهم وأسرارهم، على المريدين الذي استرضعوهم، ومن قدر عليه رزقه من المريدين السائرين فلينفق مما آتاه الله على من تعلق به من المريدين، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عسر وضيق في العلوم والأسرار يسرا، فتتسع عليه العلوم والأسرار بعد التمكين.
والله تعالى أعلم. ثم هدد من تعدى الحدود، فقال: { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها }.
الطلاق 65:7
يقول الحق جل جلاله: { أسكنوهن } أي: المطلقات { من حيث سكنتم } أي: مكانا من حيث سكنتم، ف " من " للتبعيض، أي: بعض مكان سكناكم. قال قتادة: لو لم يكن له إلا بيت واحد سكنها في بعض جوانبه. { من وجدكم } أي: وسعكم، أي: ما تطيقونه، فهو عطف بيان، أو بدل. قال أبو حيان: لا يعرف عطف بيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلا. ه. والوجد، يجوز فيه الضم وهو أشهر والفتح والكسر. قال ابن جزي: فأما المطلقات غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السكنى والنفقة اتفاقا، وأما المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها يجب لها السكنى دون الفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني: أنها يجب لها السكنى والنفقة، وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث: أنها ليس لها سكنى ولا نفقة، وهو قول محمد، وثابت البناني، وأبي بن كعب. فحجة مالك: حديث
" فاطمة بنت قيس، وهو أن زوجها طلقها البتة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس لك عليه نفقة "
، فيوخذ منه: أن لها السكنى، وحجة من أوجب لها السكنى والنفقة: قول عمر بن الخطاب: لا ندع آية من كتاب الله ربنا لقول امرأة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" لها السكنى والنفقة "
، وحجة من لم يجعل لها سكنى ولا نفقة: أن في بعض الروايات عنها أي: فاطمة بنت قيس أنها قالت: " لم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى ". { ولا تضاروهن } في السكنى { لتضيقوا عليهن } ويلجأن إلى الخروج، { وإن كن } أي: المطلقات { أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } فيخرجن من العدة. قال ابن جزي: اتفق العلماء على وجوب النفقة في العدة للمطلقة، عملا بالآية، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا. واتفقوا أن للمطلقة غير الحامل النفقة والسكنى في العدة إذا كان الطلاق رجعيا، فإن كان بائنا فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه، وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملا فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا أن هذه الآية إنما هي في المطلقات. وقال قوم: لها النفقة في التركة. ه. { فإن أرضعن لكم } هؤلاء المطلقات أولادكم { فآتوهن أجورهن } أي: أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن المفصل في كتب الفقه. { وأتمروا بينكم بمعروف } ، خطاب للرجال والنساء، أي: يأمر كل واحد منكم صاحبه بخير من المسامحة والرفق والإحسان، ولا يكن من الأب مماكسة، ومن الأم معاسرة، أو: تشاوروا بينكم على التراضي في الأجرة، ومنه:
إن الملأ يأتمرون بك
[القصص:20]. { وإن تعاسرتم } تضايقتم، فلم ترض الأم بما ترضع به الأجنبية، { فسترضع له أخرى } فستوجد مرضعة أخرى، غير متعاسرة، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. والمعنى: إن تشططت الأم على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيرا، فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق إلا ألا يقبل الولد غيرها، فتجبر على رضاعة بأجرة المثل. { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } أي: لينفق كل واحد من المعسر والموسر بما يبلغه وسعه، يعني: ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، { ومن قدر } أي: ضيق { عليه رزقه فلينفق } عليها { مما آتاه الله } فيفرض الحاكم عليه ما يطيقه، { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } أعطاها من الرزق، وفيه تطييب قلب المعسر، وترغيب له في بذل مجهوده، وقد أكد ذلك بالوعد، حيث قال: { سيجعل الله بعد عسر يسرا } أي: بعد ضيق في المعيشة سعة فيها، فإن عادته تعالى أن يعقب العسر باليسر، كما قال تعالى:
فإن مع العسر يسرا
[الشرح:5]، وكرره مرتين، فلن يغلب عسر يسرين. الإشارة: أسكنوا نفوسكم من حيث سكنتم بها قبل التوجه، فينبغي للمريد أن يسايس نفسه شيئا فشيئا، حتى يغيب عنها في شهود الحق، من غير تشديد في إخراجها عن طبعها بالكلية، فإنها حينئذ تمل وتكل، فقد قيل: من سار إلى الله بموافقة طبعه كان الوصول إليه أقرب إليه من طبعه، ومن سار إلى الله بمخالفة طبعه كان الوصول إليه على قدر بعده عن طبعه، وفيه مشقة وحرج. ولذا قال تعالى: { ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن } لئلا تمل وترجع من حيث جاءت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يكن أحدكم كالمنبت، فلا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى "
، نعم مخالفة طبعها في حب الظهور والجاه، أو حب الدنيا، واجب حتما لا رخصة فيه، وهذه سيرة أشياخنا رضي الله عنهم لا يضيقون على المريد في جوع ولا عطش، ولا كثرة رياضة، وإنما يأمرونه بالخمول وتخريب الظاهر والزهد التام، والورع الكامل، فقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي الحسني رضي الله عنه يقول: سدوا باب الطمع، وافتحوا باب الورع، والله إن فعلتم ذلك حتى يستولي باطنكم على ظاهركم. ه. أي: تستولي المعاني على الحس، فيتحقق الشهود الكامل. وكان أيضا يقول: نحن لسنا مع جوع ولا مع شبعة، نحن مع الله. ه. أي: غائبون عن الجوع والشبع في ذكر الله وشهوده. وإن كن أولات حمل، أي: ثقل من كثرة العلائق، فأنفقوا عليهن من الواردات الإلهية بصحبة الرجال، حتى تصادم تلك العلائق، فتهدمها، فتضع الحمل عنها، فإن أرضعن لكم، بإن تهذبت ورجعت روحانية تأتيك بالعلوم التي يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة، فأتوهن أجورهن من البر بها والرفق، وائتمروا بينكم بمعروف، فتؤمر أنت بالإحسان إليها، وتؤمر هي بالطاعة لك، وإن تعاسرتم، بأن ضعفت همتكم، وقلت أمدادكم، بعدم صحبة أهل الإمداد، فسترضع له نفس أخرى، أي: فليتخذ شيخا كاملا يرضع له نفسه من ثدي أسرار العلوم والمعارف، ولذلك قيل: من لا شيخ له فالشيطان شيخه، لينفق ذو سعة من سعته، وهم الواصلون العارفون، ينفقون من سعة علومهم وأسرارهم، على المريدين الذي استرضعوهم، ومن قدر عليه رزقه من المريدين السائرين فلينفق مما آتاه الله على من تعلق به من المريدين، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عسر وضيق في العلوم والأسرار يسرا، فتتسع عليه العلوم والأسرار بعد التمكين.
والله تعالى أعلم. ثم هدد من تعدى الحدود، فقال: { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها }.
الطلاق 65:8
يقول الحق جل جلاله: { وكأين من قرية } أي: كثير من أهل قرية { عتت } أعرضت { عن أمر ربها ورسله } أي: عن طاعتهما على وجه العتو والعناد، { فحاسبناها حسابا شديدا } بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير، { وعذبناها عذابا نكرا } منكرا فظيعا، والمراد: إما عذاب الآخرة، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه، أو عذاب الدنيا، وهو أرجح لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعد بقوله: { أعد الله لهم عذابا شديدا... } الخ، { فذاقت وبال أمرها } أي: وخامة شأنها، وعقوبة فعلها. قال في الصحاح: والوبلة بالتحريك: الثقل والوخامة، وقد وبل المرتع بالضم وبلا ووبالا، فهو وبيل، أي: وخيم. ه. وفي القاموس: وبل ككرم وبالة ووبالا ووبولا، وأرض وبيلة: وخيمة المرتع. ه. { وكان عاقبة أمرها خسرا } أي: خسارا وهلاكا. { أعد الله لهم } في الآخرة { عذابا شديدا } ، وعلى أن الكل في الآخرة يكون هذا تكريرا للوعيد وبيانا لكونه مترقبا، كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب الشديد، { فاتقوا الله يا أولي الألباب } في مخالفة أمره، واحذروا ما حل بمن طغى وعتا. وأولو الألباب هم أهل العقول الصافية، ثم فسرهم بقوله: { الذين آمنوا } إيمانا خالصا من شوائب الشرك والشك، فالموصول عطف بيان لأولي الألباب، أو نعت، أو منصوب بأعني، { قد أنزل الله إليكم ذكرا } أي: القرآن. وانتصب { رسولا } بفعل مضمر، أي: وأرسل رسولا، أو: هو بدل من " ذكرا " كأنه في نفسه ذكر، أو: على تقدير حذف مضاف، قد أنزل ذا ذكر رسولا، وأريد بالذكر: الشرف، كقوله:
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف:44] أي: ذو شرف ومجد عند الله، أو: للمنزل عليه، أو: لقارئه، وبالرسول: جبريل، أو محمد عليهما الصلاة والسلام { يتلوا } أي: الرسول، أو الله عز وجل { عليكم آيات الله مبينات } أي: واضحات، قد بينها الله تعالى لقوله:
قد بينا لكم الأيات
[آل عمران:118والحديد:17] وقرىء بكسر الياء، أي: تبين ما تحتاجون إليه من الأحكام، { ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور } متعلق ب " يتلو " ، أو: ب " أنزل " ، وفاعل " يخرج " إما الله، أو الرسول، أي: ليحصل لهم الله أو الرسول ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو: ليخرج من علم وقدر أنه سيؤمن، { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } حسبما بين في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وقرأ نافع والشامي بنون العظمة { خالدين فيها أبدا } ، والجمع باعتبار معنى " من " كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، { قد أحسن الله له رزقا } في الدنيا والآخرة. قال القشيري: الرزق الحسن: ما كان على حد الكفاية، لا نقصان فيه، ليضعف عن كفاية صاحبه، ولا زيادة فيه تشغله عن ربهم.
ه. بالمعنى. وسيأتي في الإشارة بقيته. الإشارة: وكأين من قرية من قرى القلوب عتت عن أمر ربها عن تحمل أعباء العبودية لأن القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عتا وتكبر، وقد حكم الله تعالى بالطبع على القلب المتكبر، بقوله:
كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار
[غافر:35] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل: الواردات القهرية، فالقلب أيضا شأنه الفرار منها لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها،وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب: القلوب الصافية، أي: دوموا على تقواكم، واحذروا مما حل بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكرا، أي: مذكرا، رسولا بعثه الله خليفة رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي: شواهده الموصلة إليه، ليخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومن يؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، ويعمل صالحا يعرض عما سوى الله، يدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن الله له رزقا لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام: وكذلك أرزاق القلوب أي: تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ثم قال: وحسنها: أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذب بتعطشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد من الله سماوي.ه. ثم ذكر دلائل قدرته، فقال: { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن }.
الطلاق 65:9
يقول الحق جل جلاله: { وكأين من قرية } أي: كثير من أهل قرية { عتت } أعرضت { عن أمر ربها ورسله } أي: عن طاعتهما على وجه العتو والعناد، { فحاسبناها حسابا شديدا } بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير، { وعذبناها عذابا نكرا } منكرا فظيعا، والمراد: إما عذاب الآخرة، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه، أو عذاب الدنيا، وهو أرجح لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعد بقوله: { أعد الله لهم عذابا شديدا... } الخ، { فذاقت وبال أمرها } أي: وخامة شأنها، وعقوبة فعلها. قال في الصحاح: والوبلة بالتحريك: الثقل والوخامة، وقد وبل المرتع بالضم وبلا ووبالا، فهو وبيل، أي: وخيم. ه. وفي القاموس: وبل ككرم وبالة ووبالا ووبولا، وأرض وبيلة: وخيمة المرتع. ه. { وكان عاقبة أمرها خسرا } أي: خسارا وهلاكا. { أعد الله لهم } في الآخرة { عذابا شديدا } ، وعلى أن الكل في الآخرة يكون هذا تكريرا للوعيد وبيانا لكونه مترقبا، كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب الشديد، { فاتقوا الله يا أولي الألباب } في مخالفة أمره، واحذروا ما حل بمن طغى وعتا. وأولو الألباب هم أهل العقول الصافية، ثم فسرهم بقوله: { الذين آمنوا } إيمانا خالصا من شوائب الشرك والشك، فالموصول عطف بيان لأولي الألباب، أو نعت، أو منصوب بأعني، { قد أنزل الله إليكم ذكرا } أي: القرآن. وانتصب { رسولا } بفعل مضمر، أي: وأرسل رسولا، أو: هو بدل من " ذكرا " كأنه في نفسه ذكر، أو: على تقدير حذف مضاف، قد أنزل ذا ذكر رسولا، وأريد بالذكر: الشرف، كقوله:
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف:44] أي: ذو شرف ومجد عند الله، أو: للمنزل عليه، أو: لقارئه، وبالرسول: جبريل، أو محمد عليهما الصلاة والسلام { يتلوا } أي: الرسول، أو الله عز وجل { عليكم آيات الله مبينات } أي: واضحات، قد بينها الله تعالى لقوله:
قد بينا لكم الأيات
[آل عمران:118والحديد:17] وقرىء بكسر الياء، أي: تبين ما تحتاجون إليه من الأحكام، { ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور } متعلق ب " يتلو " ، أو: ب " أنزل " ، وفاعل " يخرج " إما الله، أو الرسول، أي: ليحصل لهم الله أو الرسول ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو: ليخرج من علم وقدر أنه سيؤمن، { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } حسبما بين في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وقرأ نافع والشامي بنون العظمة { خالدين فيها أبدا } ، والجمع باعتبار معنى " من " كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، { قد أحسن الله له رزقا } في الدنيا والآخرة. قال القشيري: الرزق الحسن: ما كان على حد الكفاية، لا نقصان فيه، ليضعف عن كفاية صاحبه، ولا زيادة فيه تشغله عن ربهم.
ه. بالمعنى. وسيأتي في الإشارة بقيته. الإشارة: وكأين من قرية من قرى القلوب عتت عن أمر ربها عن تحمل أعباء العبودية لأن القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عتا وتكبر، وقد حكم الله تعالى بالطبع على القلب المتكبر، بقوله:
كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار
[غافر:35] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل: الواردات القهرية، فالقلب أيضا شأنه الفرار منها لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها،وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب: القلوب الصافية، أي: دوموا على تقواكم، واحذروا مما حل بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكرا، أي: مذكرا، رسولا بعثه الله خليفة رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي: شواهده الموصلة إليه، ليخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومن يؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، ويعمل صالحا يعرض عما سوى الله، يدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن الله له رزقا لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام: وكذلك أرزاق القلوب أي: تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ثم قال: وحسنها: أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذب بتعطشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد من الله سماوي.ه. ثم ذكر دلائل قدرته، فقال: { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن }.
الطلاق 65:10
يقول الحق جل جلاله: { وكأين من قرية } أي: كثير من أهل قرية { عتت } أعرضت { عن أمر ربها ورسله } أي: عن طاعتهما على وجه العتو والعناد، { فحاسبناها حسابا شديدا } بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير، { وعذبناها عذابا نكرا } منكرا فظيعا، والمراد: إما عذاب الآخرة، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه، أو عذاب الدنيا، وهو أرجح لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعد بقوله: { أعد الله لهم عذابا شديدا... } الخ، { فذاقت وبال أمرها } أي: وخامة شأنها، وعقوبة فعلها. قال في الصحاح: والوبلة بالتحريك: الثقل والوخامة، وقد وبل المرتع بالضم وبلا ووبالا، فهو وبيل، أي: وخيم. ه. وفي القاموس: وبل ككرم وبالة ووبالا ووبولا، وأرض وبيلة: وخيمة المرتع. ه. { وكان عاقبة أمرها خسرا } أي: خسارا وهلاكا. { أعد الله لهم } في الآخرة { عذابا شديدا } ، وعلى أن الكل في الآخرة يكون هذا تكريرا للوعيد وبيانا لكونه مترقبا، كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب الشديد، { فاتقوا الله يا أولي الألباب } في مخالفة أمره، واحذروا ما حل بمن طغى وعتا. وأولو الألباب هم أهل العقول الصافية، ثم فسرهم بقوله: { الذين آمنوا } إيمانا خالصا من شوائب الشرك والشك، فالموصول عطف بيان لأولي الألباب، أو نعت، أو منصوب بأعني، { قد أنزل الله إليكم ذكرا } أي: القرآن. وانتصب { رسولا } بفعل مضمر، أي: وأرسل رسولا، أو: هو بدل من " ذكرا " كأنه في نفسه ذكر، أو: على تقدير حذف مضاف، قد أنزل ذا ذكر رسولا، وأريد بالذكر: الشرف، كقوله:
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف:44] أي: ذو شرف ومجد عند الله، أو: للمنزل عليه، أو: لقارئه، وبالرسول: جبريل، أو محمد عليهما الصلاة والسلام { يتلوا } أي: الرسول، أو الله عز وجل { عليكم آيات الله مبينات } أي: واضحات، قد بينها الله تعالى لقوله:
قد بينا لكم الأيات
[آل عمران:118والحديد:17] وقرىء بكسر الياء، أي: تبين ما تحتاجون إليه من الأحكام، { ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور } متعلق ب " يتلو " ، أو: ب " أنزل " ، وفاعل " يخرج " إما الله، أو الرسول، أي: ليحصل لهم الله أو الرسول ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو: ليخرج من علم وقدر أنه سيؤمن، { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } حسبما بين في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وقرأ نافع والشامي بنون العظمة { خالدين فيها أبدا } ، والجمع باعتبار معنى " من " كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، { قد أحسن الله له رزقا } في الدنيا والآخرة. قال القشيري: الرزق الحسن: ما كان على حد الكفاية، لا نقصان فيه، ليضعف عن كفاية صاحبه، ولا زيادة فيه تشغله عن ربهم.
ه. بالمعنى. وسيأتي في الإشارة بقيته. الإشارة: وكأين من قرية من قرى القلوب عتت عن أمر ربها عن تحمل أعباء العبودية لأن القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عتا وتكبر، وقد حكم الله تعالى بالطبع على القلب المتكبر، بقوله:
كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار
[غافر:35] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل: الواردات القهرية، فالقلب أيضا شأنه الفرار منها لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها،وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب: القلوب الصافية، أي: دوموا على تقواكم، واحذروا مما حل بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكرا، أي: مذكرا، رسولا بعثه الله خليفة رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي: شواهده الموصلة إليه، ليخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومن يؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، ويعمل صالحا يعرض عما سوى الله، يدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن الله له رزقا لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام: وكذلك أرزاق القلوب أي: تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ثم قال: وحسنها: أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذب بتعطشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد من الله سماوي.ه. ثم ذكر دلائل قدرته، فقال: { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن }.
الطلاق 65:11
يقول الحق جل جلاله: { وكأين من قرية } أي: كثير من أهل قرية { عتت } أعرضت { عن أمر ربها ورسله } أي: عن طاعتهما على وجه العتو والعناد، { فحاسبناها حسابا شديدا } بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير، { وعذبناها عذابا نكرا } منكرا فظيعا، والمراد: إما عذاب الآخرة، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه، أو عذاب الدنيا، وهو أرجح لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعد بقوله: { أعد الله لهم عذابا شديدا... } الخ، { فذاقت وبال أمرها } أي: وخامة شأنها، وعقوبة فعلها. قال في الصحاح: والوبلة بالتحريك: الثقل والوخامة، وقد وبل المرتع بالضم وبلا ووبالا، فهو وبيل، أي: وخيم. ه. وفي القاموس: وبل ككرم وبالة ووبالا ووبولا، وأرض وبيلة: وخيمة المرتع. ه. { وكان عاقبة أمرها خسرا } أي: خسارا وهلاكا. { أعد الله لهم } في الآخرة { عذابا شديدا } ، وعلى أن الكل في الآخرة يكون هذا تكريرا للوعيد وبيانا لكونه مترقبا، كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب الشديد، { فاتقوا الله يا أولي الألباب } في مخالفة أمره، واحذروا ما حل بمن طغى وعتا. وأولو الألباب هم أهل العقول الصافية، ثم فسرهم بقوله: { الذين آمنوا } إيمانا خالصا من شوائب الشرك والشك، فالموصول عطف بيان لأولي الألباب، أو نعت، أو منصوب بأعني، { قد أنزل الله إليكم ذكرا } أي: القرآن. وانتصب { رسولا } بفعل مضمر، أي: وأرسل رسولا، أو: هو بدل من " ذكرا " كأنه في نفسه ذكر، أو: على تقدير حذف مضاف، قد أنزل ذا ذكر رسولا، وأريد بالذكر: الشرف، كقوله:
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف:44] أي: ذو شرف ومجد عند الله، أو: للمنزل عليه، أو: لقارئه، وبالرسول: جبريل، أو محمد عليهما الصلاة والسلام { يتلوا } أي: الرسول، أو الله عز وجل { عليكم آيات الله مبينات } أي: واضحات، قد بينها الله تعالى لقوله:
قد بينا لكم الأيات
[آل عمران:118والحديد:17] وقرىء بكسر الياء، أي: تبين ما تحتاجون إليه من الأحكام، { ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور } متعلق ب " يتلو " ، أو: ب " أنزل " ، وفاعل " يخرج " إما الله، أو الرسول، أي: ليحصل لهم الله أو الرسول ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو: ليخرج من علم وقدر أنه سيؤمن، { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } حسبما بين في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وقرأ نافع والشامي بنون العظمة { خالدين فيها أبدا } ، والجمع باعتبار معنى " من " كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، { قد أحسن الله له رزقا } في الدنيا والآخرة. قال القشيري: الرزق الحسن: ما كان على حد الكفاية، لا نقصان فيه، ليضعف عن كفاية صاحبه، ولا زيادة فيه تشغله عن ربهم.
ه. بالمعنى. وسيأتي في الإشارة بقيته. الإشارة: وكأين من قرية من قرى القلوب عتت عن أمر ربها عن تحمل أعباء العبودية لأن القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عتا وتكبر، وقد حكم الله تعالى بالطبع على القلب المتكبر، بقوله:
كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار
[غافر:35] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل: الواردات القهرية، فالقلب أيضا شأنه الفرار منها لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها،وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب: القلوب الصافية، أي: دوموا على تقواكم، واحذروا مما حل بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكرا، أي: مذكرا، رسولا بعثه الله خليفة رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي: شواهده الموصلة إليه، ليخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومن يؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، ويعمل صالحا يعرض عما سوى الله، يدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن الله له رزقا لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام: وكذلك أرزاق القلوب أي: تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ثم قال: وحسنها: أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذب بتعطشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد من الله سماوي.ه. ثم ذكر دلائل قدرته، فقال: { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن }.
الطلاق 65:12
يقول الحق جل جلاله: { الله الذي خلق سبع سموات }: مبتدأ وخبر، وقد أجمع المفسرون أن السموات سبع، { ومن الأرض مثلهن } ، وليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع غير هذه الآية، وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كل سماء كلذلك، والأرضون مثل السموات، والجمهور أنها طباق، بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة، كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان من خلق الله تعالى، قيل: الجن، وقيل: الملائكة، وقال الضحاك: مطبقة بعضها فوق بعض، من غير فتوق، بخلاف السموات. قال القرطبي: والأول هو الأصح لأن الأخبار دالة عليه، كما ورد في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا رأى قرية أو مدينة:
" اللهم رب السموات السبع، وما أظللن، ورب الأرضين السبع، وما أقللن... "
الحديث. وفي الحديث أيضا:
" من غصب شبرا من أرض طوقه الله له من سبع أرضين "
ه. واختلف: هل يرون السماء، ويستمدون منها الضوء، قولان، أحدهما: إنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم، ويستمدون الضياء منها، والثاني: أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه. وعن ابن عباس أيضا: " إنها سبع أرضين متفرقة بالبحار وتظل الجميع السماء ". وقيل: الأرض واحدة إلا أن الأقاليم سبعة، فالمثلية على هذا في عظم الجرم، وكثرة العمار، وغير ذلك. والأول أرجح لما تقدم. وقد ذكر المنذري حديثا بين فيه ما يعمر أرض، فبعضها فيها حجارة الكبريت وقوم جهنم، وبعضها فيها خزائن الريح، وفي أسفلها عرش إبليس، فانظره. { يتنزل الأمر بينهن } أي: يجري أمره وقضاؤه بينهن، وينفذ حكمه فيهن. وعن قتادة: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر نافذ من أمره، وقضاء من قضائه. وقيل: هو ما يدبر فيه من عجائب تدبيره، من إنزال المطر، وإنبات النبات، والإتيان بالليل والنهار، والصيف والشتاء، وخلق الحيوانات المختلفة. وقال الغزالي: يتنزل الأمر بالقدر من حضرة الربوبية إلى حملة العرش، ثم تتلقى ملائكة السموات ذلك منهم، ثم تصريفهم بذلك إلى أهل الأرض، وإجرائهم على مقتضاه. وقيل: يتنزل الأمر بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى، وهل لكل أرض رسول، أم لا؟ الله أعلم. { لتعلموا أن الله على كل شيء قدير } أي: فعل ذلك لتعلموا عموم قدرته، { وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } لاستحالة صدور هذه الأفاعيل المذكورة ممن ليس كذلك. ويجوز أن يكون العامل في اللام بيان ما ذكر من الخلق وتنزل الأمر، أي: أوضح ذلك بينه لتعلموا بما ذكر من الأمور التي تشاهدونها، والتي تتلقونها من الوحي، وعجائب المصنوعات، أنه لا يخرج عن قدرته وعلمه شيء أصلا.
الإشارة: سموات الأرواح سبع طبقات، تعرج فيها إلى عرش الحضرة. سماء التوبة، ثم سماء الصبر، ثم سماء الورع والزهد، ثم سماء الرضا والتسليم، ثم سماء المحبة، ثم سماء المراقبة، ثم سماء المشاهدة، ثم الاستواء على عرش الحضرة، في حضرة الأسرار. وأرض العبودية سبع أيضا، وبالتنزل فيها تهوي النفس إلى عرش إبليس، في حضرة الفرق، وبالخروج عنها تعرج في سماوات الأرواح، وهي أرض الشهوة، ثم أرض الغفلة، ثم أرض حب الدنيا، ثم أرض حب العلو والجاه، ثم أرض هم الرزق وخوف الفقر، ثم أرض التدبير والاختيار، ثم أرض الغضب والحقد والحسد، فبهذه الأخلاق المذمومة يهوي العبد إلى أسفل سافلين. فإذا ترقى عن هذه الأرضين، وسما في سماء الأرواح، يتنزل على قلبه الوحي الإلهامي، والكشف الرباني. قال تعالى: { يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير } ، أي: ليحصل لكم العلم الحقيقي بقدرة الله وعلمه وإحاطة ذاته. قال الورتجبي: لو كانت للأشباح قيمة في المعرفة كالأرواح لم يخاطبها بالعلل والاستدلال، لتعلم برؤية الأشياء وجود الحق، وكانت كالأرواح في الخطاب بلا علة في تعريف نفسه إياها بقوله:
ألست بربكم
[الأعراف:172] هناك خطاب وشهود وتعريف بلا علة، فلما علم عجزها عن حمل واردات الخطاب الصرف أحالها إلى الشواهد، وليس بعارف في الحقيقة من عرفه بشيء من الأشياء، وسبب من الأسباب، فمن نظر إلى خلق الكون يعرف أنه ذو قدرة واسعة وإحاطة شاملة، يخاف من قهره، ويذوب قلبه بعلمه في رؤية اطلاع الحق تعالى عليه. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
التحريم 66:1
يقول الحق
" جل جلاله: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله }. في سبب نزول هذه السورة روايتان إحداهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يوما إلى بيت زوجه حفصة، فوجدها ذهبت لزيارة أبيها، فبعث إلى جاريته مارية، فقال معها في البيت، فجاءت حفصة، فقالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون مني، أتفعل هذا في بيتي، وعلى فراشي؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام: " أيرضيك أن أحرمها "؟ فقالت: نعم، فقال: " إني قد حرمتها " زاد ابن عباس: وقال مع ذلك: " والله لا أطؤها أبدا " ، ثم قال لها: " لاتخبري بهذا أحدا، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي "
ثم إن حفصة قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها، وكانتا مصادقتين، ولم تر في إفشائها حرجا، واستكتمتها، فأوحى الله إلى نبيه بذلك. وروي أنه عليه السلام طلق حفصة، واعتزل نساءه، فمكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية، فنزل جبريل، وأمره بردها، وقال له: إنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة، فردها. والرواية الثانية:
" أنه عليه الصلاة والسلام كان يدخل على زوجه زينب بنت جحش، فتسقيه عسلا، فاتفقت عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له من دنا منهن: أكلت مغافير، وهو ضمغ العرفط، وهو حلو كريه الريح، ففعل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا، ولكني شربت عسلا " ، فقلن له: جرست نحله العرفط أي: أكلت، ويقال للنحل: جراس، فقال صلى الله عليه وسلم: " لا أشربه أبدا " ، وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فدخل بعد ذلك على زينب، فقالت: ألا أسقيك من ذلك العسل؟ فقال: " لا حاجة لي به " فنزلت الآية عتابا له على أن ضيق على نفسه تحريم الجارية والعسل "
والرواية الأولى أشهر عند المفسرين والثانية خرجها البخاري في صحيحه. فإن قلت: لم عاتبه الله على هذا التحريم، ولم يعاتب يعقوب على تحريم لحوم الإبل على ما ذكر في سورة آل عمران؟ قلت: رتبة نبينا عليه الصلاة والسلام أرفع في المحبة والاعتناء، فلم يرض منه أن يضيق على نفسه، أرأيت إن كان لك ولد تحبه، ووسعت عليه، ثم أراد أن يضيق على نفسه، فإنك لا ترضى له ذلك، محبة فيه، وشفقة عليه. وانظر تفسير ابن عرفة. قال ابن جزي: ولنتكلم على فقه التحريم: فأما تحريم الطعام والمال وسائر الاشياء ما عدا النساء فلا يلزم، ولا شيء عليه فيه عند مالك، وأوجب عليه أبو حنيفة كفارة اليمين، وأما تحريم الأمة فإن نوى به العتق لزم، وإن لم ينو به ذلك لم يلزم، وكان حكمه ما ذكرناه في الطعام، وأما تحريم الزوجة، فاختلف الناس فيه على أقوال كثيرة، فقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم: إنما يلزم فيه كفارة يمين.
ه. قلت: وظاهره: سواء قال لها: أنت حرام، أو حلف بالحرام واحدا أو ثلاثا، وسواء كان منجزا أومعلقا، كما إذا قال: كل امرأة تزوجتها عليك فهي حرام، مثلا، فلا يلزم من ذلك شيء على قول هؤلاء السادات رضي الله عنهم. ثم قال: وقال مالك في المشهور عنه: هي ثلاث تطليقات في المدخول بها وينوي في غيرها، وقال ابن الماجشون: هي ثلاث في الوجهين، وروي عن مالك: أنها طلقة بائنة قلت: وبهذا جرى العمل اليوم وقيل: رجعية. ه. { تبتغي مرضات أزواجك }: حال، أو استئناف مبين للحال الداعي، أي: تطلب رضا أزواجك بالتضييق على نفسك، والمراد: رضا حفصة، وهذا يؤيد أنها نزلت في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد به رضا أزواجه، وإنما تركه لرائحته. { والله غفور } أي: غفور لك ما كان تركه أولى من الصدع بالحق من غير مبالاة بأحد، ولا تضيق على نفسك، { رحيم } بك، حيث وسع عليك، ولم يرض لك أن تضيق على نفسك. قال القشيري: ظاهر هذا الخطاب عتاب على كونه حرم على نفسه ما أحله الله لمراعاة قلب امرأته، والإشارة فيه: وجوب تقديم حق الله على كل شيء في كل وقت. ثم قال تعالى، عناية بأمره: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وتجاوزا عنه بما كان تركه أولى. ه. والحاصل: أنه تعالى غفر له ميله للسوى سهوا، والسهو قهرية الحق تعالى، قهر بها عباده ليتميز ضعف العبودية من قوة الربوبية، وهو ليس بنقص في حق البشر، لكنه لما كان في الغالب لا يحصل إلا مع عدم العزم عد تفريطا وهفوة، كما قال تعالى في حق آدم:
فنسى ولم نجد له عزما
[طه:115]، فالمغفرة في الحقيقة، وطلب التوبة من السهو، إنما هو لقلة العزم وعدم الحزم، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، ولا تصغ بأذنك إلى ما قاله الزمخشري ومن تبعه من كون ما فعله عليه السلام زلة، حيث حرم ما أحل الله، فإنه تجاسر على منصب النبوة، وقلة أدب. وقوله تعالى: { ما أحل الله لك } زيادة " لك " ترد ما زعمه الزمخشري، ولو كان كما قال لقال له: لم تحرم ما أحل الله. ثم قال تعالى: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } أي: شرع لكم تحليلها، وهو حل ما عقده بالكفارة، أو بالاستثناء متصلا، والأول هو المراد هنا، وهل كفر عليه الصلاة والسلام؟ قال مقاتل: أعتق رقبة، وقال الحسن: لم يكفر لأنه مغفور له.
قال بعضهم: هذه التحلة إنما هي لليمين المقرونة بالتحريم، وقال بعضهم: بل هي لنفس التحريم، وبه تمسك أبو حنيفة في تحريم الحلال، فأوجب كفارة اليمين. { والله مولاكم } أي: سيدكم ومتولي أموركم، فلا يحب ما ضيق عليكم. قال في الحاشية الفاسية: ومن تأمل هذه السورة لاح له منزلة حبيب الله عند الله، وحقق معنى قول عائشة: " يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك " الحديث متفق على صحته ه { وهو العليم } بما يصلحكم، فيشرعه لكم، { الحكيم } المتقن في أفعاله وأحكامه، فلا يأمركم ولا ينهاكم ألا بما تقتضيه الحكمة البالغة. الإشارة: هذا العتاب يتوجه لكل من سبقت له عند الله عناية وزلفى، إذا ضيق على نفسه فيما أحل الله له، فلا يرضى منه ذلك، محبة فيه، وقد صدر مني مثل هذا زمان الوباء، فحلفت لبعض أزواجي: أني لا أتزوج عليها، وسبب ذلك أنها كانت مصارمة لي، في غاية الغضب والقطيعة، وقد كان غلب على ظني الموت، لما رأيت من الازدحام عليه، فخفت أن نموت متقاطعين، فلما حلفت لها رأى بعض الفقراء من أصحابنا: أنه يقرأ علي أو معي: { يا أيها النبي لم تحرم... } الخ السورة، ففهمت الإشارة على أن اليمين لا تلزم، والله أعلم، لأن بساط اليمين كان غلبة ظن الموت، فلما تخلف انحل اليمين، كقضية الرجل الذي وجد الزحام على اللحم، فحلف لا يشتري لحما أبدا، ثم وجد الفراغ، فقال مالك: لا يلزمه شيء. ه. وقال الورتجبي: أدب نبيه عليه الصلاة والسلام ألا يستبد برأيه، ويبتع ما يوحى إليه. ه. وجعل القشيري النبي إشارة إلى القلب، أي: يا أيها القلب المتوجه لم تحرم ما أحل الله من حلاوة الشهود، تبتغي مرضاة نفسك وحظوظها، فتتبع هواها، وتترخص في مباحات الشريعة، وهي تحجب عن أسرار الحقيقة، أو: لم تحرم ما أحل الله من الاستغراق في سكر بحر الحقيقة، تبتغي مرضاة بقاء نفسك، والشعور بوجودها. وكان صلى الله عليه وسلم يقول:
" لي وقت لا يسعني فيه غير ربي "
وكان يقول لعائشة حين يغلب عليه السكر والاضمحلال في الحق:
" كلميني حركيني يا حميراء "
وكذلك القلب إذا غلب عليه الوجد، وخاف من الاصطلام، أو من محق البشرية، يطلب من يبرد عليه من نفسه أو من غيره، وقد سمعت من شيخ شيخنا رضي الله عنه أنه قال: كان يغلب علي الوجد والسكر، فكنت أذهب إلى مجالسة العوام ليبرد علي الحال، خوفا من الاصطلام أو المحق، وذلك بعد وفاة شيخه. وقوله تعالى: { والله غفور رحيم } أي: فلا يؤاخذ العبد بهذا الميل اليسير إلى الحس، دواء لنفسه، قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، أي: الميل اليسير إلى الرفق بالنفس لأنها مطية القلب، بمجاهدتها يصل إلى كعبة الوصول، وهي حضرة الرب. وبالله التوفيق. ثم ذكر النازلة، فقال: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم }.
التحريم 66:2
يقول الحق
" جل جلاله: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله }. في سبب نزول هذه السورة روايتان إحداهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يوما إلى بيت زوجه حفصة، فوجدها ذهبت لزيارة أبيها، فبعث إلى جاريته مارية، فقال معها في البيت، فجاءت حفصة، فقالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون مني، أتفعل هذا في بيتي، وعلى فراشي؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام: " أيرضيك أن أحرمها "؟ فقالت: نعم، فقال: " إني قد حرمتها " زاد ابن عباس: وقال مع ذلك: " والله لا أطؤها أبدا " ، ثم قال لها: " لاتخبري بهذا أحدا، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي "
ثم إن حفصة قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها، وكانتا مصادقتين، ولم تر في إفشائها حرجا، واستكتمتها، فأوحى الله إلى نبيه بذلك. وروي أنه عليه السلام طلق حفصة، واعتزل نساءه، فمكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية، فنزل جبريل، وأمره بردها، وقال له: إنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة، فردها. والرواية الثانية:
" أنه عليه الصلاة والسلام كان يدخل على زوجه زينب بنت جحش، فتسقيه عسلا، فاتفقت عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له من دنا منهن: أكلت مغافير، وهو ضمغ العرفط، وهو حلو كريه الريح، ففعل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا، ولكني شربت عسلا " ، فقلن له: جرست نحله العرفط أي: أكلت، ويقال للنحل: جراس، فقال صلى الله عليه وسلم: " لا أشربه أبدا " ، وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فدخل بعد ذلك على زينب، فقالت: ألا أسقيك من ذلك العسل؟ فقال: " لا حاجة لي به " فنزلت الآية عتابا له على أن ضيق على نفسه تحريم الجارية والعسل "
والرواية الأولى أشهر عند المفسرين والثانية خرجها البخاري في صحيحه. فإن قلت: لم عاتبه الله على هذا التحريم، ولم يعاتب يعقوب على تحريم لحوم الإبل على ما ذكر في سورة آل عمران؟ قلت: رتبة نبينا عليه الصلاة والسلام أرفع في المحبة والاعتناء، فلم يرض منه أن يضيق على نفسه، أرأيت إن كان لك ولد تحبه، ووسعت عليه، ثم أراد أن يضيق على نفسه، فإنك لا ترضى له ذلك، محبة فيه، وشفقة عليه. وانظر تفسير ابن عرفة. قال ابن جزي: ولنتكلم على فقه التحريم: فأما تحريم الطعام والمال وسائر الاشياء ما عدا النساء فلا يلزم، ولا شيء عليه فيه عند مالك، وأوجب عليه أبو حنيفة كفارة اليمين، وأما تحريم الأمة فإن نوى به العتق لزم، وإن لم ينو به ذلك لم يلزم، وكان حكمه ما ذكرناه في الطعام، وأما تحريم الزوجة، فاختلف الناس فيه على أقوال كثيرة، فقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم: إنما يلزم فيه كفارة يمين.
ه. قلت: وظاهره: سواء قال لها: أنت حرام، أو حلف بالحرام واحدا أو ثلاثا، وسواء كان منجزا أومعلقا، كما إذا قال: كل امرأة تزوجتها عليك فهي حرام، مثلا، فلا يلزم من ذلك شيء على قول هؤلاء السادات رضي الله عنهم. ثم قال: وقال مالك في المشهور عنه: هي ثلاث تطليقات في المدخول بها وينوي في غيرها، وقال ابن الماجشون: هي ثلاث في الوجهين، وروي عن مالك: أنها طلقة بائنة قلت: وبهذا جرى العمل اليوم وقيل: رجعية. ه. { تبتغي مرضات أزواجك }: حال، أو استئناف مبين للحال الداعي، أي: تطلب رضا أزواجك بالتضييق على نفسك، والمراد: رضا حفصة، وهذا يؤيد أنها نزلت في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد به رضا أزواجه، وإنما تركه لرائحته. { والله غفور } أي: غفور لك ما كان تركه أولى من الصدع بالحق من غير مبالاة بأحد، ولا تضيق على نفسك، { رحيم } بك، حيث وسع عليك، ولم يرض لك أن تضيق على نفسك. قال القشيري: ظاهر هذا الخطاب عتاب على كونه حرم على نفسه ما أحله الله لمراعاة قلب امرأته، والإشارة فيه: وجوب تقديم حق الله على كل شيء في كل وقت. ثم قال تعالى، عناية بأمره: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وتجاوزا عنه بما كان تركه أولى. ه. والحاصل: أنه تعالى غفر له ميله للسوى سهوا، والسهو قهرية الحق تعالى، قهر بها عباده ليتميز ضعف العبودية من قوة الربوبية، وهو ليس بنقص في حق البشر، لكنه لما كان في الغالب لا يحصل إلا مع عدم العزم عد تفريطا وهفوة، كما قال تعالى في حق آدم:
فنسى ولم نجد له عزما
[طه:115]، فالمغفرة في الحقيقة، وطلب التوبة من السهو، إنما هو لقلة العزم وعدم الحزم، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، ولا تصغ بأذنك إلى ما قاله الزمخشري ومن تبعه من كون ما فعله عليه السلام زلة، حيث حرم ما أحل الله، فإنه تجاسر على منصب النبوة، وقلة أدب. وقوله تعالى: { ما أحل الله لك } زيادة " لك " ترد ما زعمه الزمخشري، ولو كان كما قال لقال له: لم تحرم ما أحل الله. ثم قال تعالى: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } أي: شرع لكم تحليلها، وهو حل ما عقده بالكفارة، أو بالاستثناء متصلا، والأول هو المراد هنا، وهل كفر عليه الصلاة والسلام؟ قال مقاتل: أعتق رقبة، وقال الحسن: لم يكفر لأنه مغفور له.
قال بعضهم: هذه التحلة إنما هي لليمين المقرونة بالتحريم، وقال بعضهم: بل هي لنفس التحريم، وبه تمسك أبو حنيفة في تحريم الحلال، فأوجب كفارة اليمين. { والله مولاكم } أي: سيدكم ومتولي أموركم، فلا يحب ما ضيق عليكم. قال في الحاشية الفاسية: ومن تأمل هذه السورة لاح له منزلة حبيب الله عند الله، وحقق معنى قول عائشة: " يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك " الحديث متفق على صحته ه { وهو العليم } بما يصلحكم، فيشرعه لكم، { الحكيم } المتقن في أفعاله وأحكامه، فلا يأمركم ولا ينهاكم ألا بما تقتضيه الحكمة البالغة. الإشارة: هذا العتاب يتوجه لكل من سبقت له عند الله عناية وزلفى، إذا ضيق على نفسه فيما أحل الله له، فلا يرضى منه ذلك، محبة فيه، وقد صدر مني مثل هذا زمان الوباء، فحلفت لبعض أزواجي: أني لا أتزوج عليها، وسبب ذلك أنها كانت مصارمة لي، في غاية الغضب والقطيعة، وقد كان غلب على ظني الموت، لما رأيت من الازدحام عليه، فخفت أن نموت متقاطعين، فلما حلفت لها رأى بعض الفقراء من أصحابنا: أنه يقرأ علي أو معي: { يا أيها النبي لم تحرم... } الخ السورة، ففهمت الإشارة على أن اليمين لا تلزم، والله أعلم، لأن بساط اليمين كان غلبة ظن الموت، فلما تخلف انحل اليمين، كقضية الرجل الذي وجد الزحام على اللحم، فحلف لا يشتري لحما أبدا، ثم وجد الفراغ، فقال مالك: لا يلزمه شيء. ه. وقال الورتجبي: أدب نبيه عليه الصلاة والسلام ألا يستبد برأيه، ويبتع ما يوحى إليه. ه. وجعل القشيري النبي إشارة إلى القلب، أي: يا أيها القلب المتوجه لم تحرم ما أحل الله من حلاوة الشهود، تبتغي مرضاة نفسك وحظوظها، فتتبع هواها، وتترخص في مباحات الشريعة، وهي تحجب عن أسرار الحقيقة، أو: لم تحرم ما أحل الله من الاستغراق في سكر بحر الحقيقة، تبتغي مرضاة بقاء نفسك، والشعور بوجودها. وكان صلى الله عليه وسلم يقول:
" لي وقت لا يسعني فيه غير ربي "
وكان يقول لعائشة حين يغلب عليه السكر والاضمحلال في الحق:
" كلميني حركيني يا حميراء "
وكذلك القلب إذا غلب عليه الوجد، وخاف من الاصطلام، أو من محق البشرية، يطلب من يبرد عليه من نفسه أو من غيره، وقد سمعت من شيخ شيخنا رضي الله عنه أنه قال: كان يغلب علي الوجد والسكر، فكنت أذهب إلى مجالسة العوام ليبرد علي الحال، خوفا من الاصطلام أو المحق، وذلك بعد وفاة شيخه. وقوله تعالى: { والله غفور رحيم } أي: فلا يؤاخذ العبد بهذا الميل اليسير إلى الحس، دواء لنفسه، قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، أي: الميل اليسير إلى الرفق بالنفس لأنها مطية القلب، بمجاهدتها يصل إلى كعبة الوصول، وهي حضرة الرب. وبالله التوفيق. ثم ذكر النازلة، فقال: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم }.
التحريم 66:3
يقول الحق جل جلاله: { وإذ أسر } أي: واذكر أيها السامع حين أسر { النبي إلى بعض أزواجه } يعني حفصة { حديثا } حديث تحريم مارية، أو العسل، أو إمامة الشيخين، { فلما نبأت به } أي: أخبرت حفصة عائشة بالحديث وأفشته، فحذف المفعول، وهو عائشة، { وأظهره الله عليه } أي: أطلع الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام على إفشاء حفصة على لسان جبريل عليه السلام، أو: أظهر الله عليه الحديث، من الظهور، { عرف بعضه } أي: عرف النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بعض الحديث الذي أفشته، قيل: هو حديث الإمامة، روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لها:
" ألم أقل لك اكتمي علي "
؟ قالت: " والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي " فرحا بالكرامة التي خص الله تعالى بها أباها. { وأعرض عن بعض } فلم يخبرها تكرما. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقال الحسن: ما استقصى كريم قط. وقرأ الكسائي: " عرف " بالتخفيف، أي: جازى عليه، من قولك للمسيء: لأعرفن لك ما فعلت، أي: لأجازينك عليه، فاجازاها عليه السلام بأن طلقها، وآلى من نسائه شهرا، وقعد في مشربة مارية حتى نزلت آية التخيير، وقيل: هم بطلاقها، فقال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوامة قوامة. ه. قيل: المعرف: حديث الإمامة، والمعرض عنه: حديث مارية. { فلما نبأها به } أي: أخبر صلى الله عليه وسلم حفصة بما عرفه من الحديث، قالت حفصة للنبي عليه السلام: { من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } الذي لا تخفى عليه خافية. { إن تتوبا إلى الله } ، الخطاب لحفصة وعائشة، على الالتفات للمبالغة في العتاب، { فقد صغت قلوبكما } مالت عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، وكان عليه الصلاة والسلام شق عليه تحريم مارية وكرهه، وهما فرحا بذلك. وجواب الشرط: محذوف، أي: إن تتوبا إلى الله فهو الواجب، فقد زالت قلوبكما عن الحق، أو: تقبل توبتكما، أو هو: " فقد صغت " أي: إن تتوبا فقد زاغب قلوبكما فاستوجبتما التوبة، أو: فقد كان منكما ما يقضي أن يتاب منه. قال ابن عطية: وهذا الجواب للشرط، وهو متقدم في المعنى، وإنما نزلت جوابا في اللفظ. ه. وقرىء " زاغت " من الزيغ. { وإن تظاهرا عليه } أي: تتعاونا عليه بما يسوؤه، من الإفراط في الغيرة، وإفشاء سره، والفرح بتحريم مارية، { فإن الله هو مولاه } وليه وناصره، وزيادة " هو " إيذان: أنه يتولى ذلك بذاته بلا واسطة، { وجبريل } أيضا وليه، الذي هو رئيس الملائكة المقربين، { وصالح المؤمنين } أي: ومن صلح من المؤمنين، أي: كل من آمن وعمل صالحا، وقيل: من برىء من النفاق، وقيل: الصحابة جملة، وقال ابن عباس: أبو بكر وعمر، وروي مرفوعا، وبه قال عكرمة ومقاتل، وهو اللائق لتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام، فإنه جمع بين التظاهر المعنوي والتظاهر الحسي، فجبريل ظاهره عليه السلام بالتأييدات الإلهية، وهما وزيراه وظهيراه في أمور الرسالة، وتمشية أحكامها الظاهرة، ولأن تظاهرهما له صلى الله عليه وسلم أشد تأثيرا في قلوب بنيتهما، وتوهينا في حقهما، فكانا حقيقا بالذكر، بخلاف ما إذا أريد به جنس الصالحين، كما هو المشهور.
قاله أبو السعود. { والملائكة } مع تكاثر عددهم وامتلاء السموات من جموعهم { بعد ذلك } أي: بعد نصرة الله عز وجل، وناموسه الأعظم، وصالح المؤمنين، { ظهيرا } أي: فوج ظهير معاون له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟ ولما كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، قال: { بعد ذلك } تعظيما لنصرتهم ومظاهرتهم. { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله } بالتخفيف والتشديد للتكثير، أي: يعطيه الله تعالى بدلكن { أزواجا خيرا منكن } ، قال النسفي: فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيرا من أمهات المؤمنين؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيرا منهن. ه. وأجاب أبو السعود: بأن ما علق بما لم يقع لا يجب وقوعه. ه. وليس فيه ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يطلق حفصة، فإن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة. ثم وصف المبدلات بقوله: { مسلمات مؤمنات } أي: مقرات مخلصات، أو: منقادات مصدقات، { قانتات } طائعات، فالقنوت: هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله، { تائبات } من الذنوب { عابدات } متعبدات متذللات، { سائحات } صائمات، وقيل للصائم: سائح لأن السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد من يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى وقت إفطاره، أو: مهاجرات. قال زيد بن أسلم: لم يكن في هذه الأمة سياحة إلا الهجرة، { ثيبات وأبكارا } ، إنما وسط العاطف بين الثيبات والأبكار، دون سائر الصفات لأنهما صفتان متباينتان، وعطف الأبكار على الثيبات من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى:
ولا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة...
[التوبة:121]. والله تعالى أعلم. الإشارة: توجه العتاب له صلى الله عليه وسلم مرتين في تحريم الجارية، وفي إخفائه لذلك، إذ فيه بعض مراقبة الخلق، والعارف لا يراقب إلا الحق، فهذا قريب من قوله تعالى:
وتخشى الناس والله أحق أن تخشه
[الأحزاب:37]، ففيه من التصوف: أن العارف يكون الناس عنده كالموتى، أو كالهباء في الهواء، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام:
" لا يؤمن أحدكم حتى يكون الناس عنده كالأباعر "
إذا ليس بيدهم نفع ولا ضر. وإشارة الآية على ما قال القشيري: وإذ أسر القلب إلى بعض أزواجه، وهي النفس والهوى، حديث المخالفة، على طريق
" شاوروهن وخالفوهن "
فلما نبأت النفس الهوى لتفعلا ذلك، وأظهره الله عليه بوحي الإلهام، عرف بعضه وأعرض عن بعض، أي: عاتبهما على البعض، وسامحهما في الآخر، فلما نبأ القلب النفس بما أفشت للهوى، قالت: من أنبأك هذا.. الخ، إن تتوبا إلى الله، وتنقادا لحكمه فقد وقع منكما ما يوجب التوبة، وإن تظاهرا على القلب بتزيين المخالفة وتتبع الحظوظ والشهوات، فإن الله هو مولاه، ينصره بالأجناد السماوية والأرضية، من التأييدات والواردات، عسى ربه إن طلقكن وغاب عنكن أن يبدله أخلاقا طيبة، ونفوسا مطمئنة، مسلمات مؤمنات قانتات تائبات، عابدات سائحات بأفكارها في ميادين الغيوب، وبحار التوحيد، ثيبات، أي: تأتي بعلوم الرسميات وأبكار الحقائق. ثم أمر الحق تعالى بإرشاد النساء وتأديبهن، فقال: { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم }.
التحريم 66:4
يقول الحق جل جلاله: { وإذ أسر } أي: واذكر أيها السامع حين أسر { النبي إلى بعض أزواجه } يعني حفصة { حديثا } حديث تحريم مارية، أو العسل، أو إمامة الشيخين، { فلما نبأت به } أي: أخبرت حفصة عائشة بالحديث وأفشته، فحذف المفعول، وهو عائشة، { وأظهره الله عليه } أي: أطلع الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام على إفشاء حفصة على لسان جبريل عليه السلام، أو: أظهر الله عليه الحديث، من الظهور، { عرف بعضه } أي: عرف النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بعض الحديث الذي أفشته، قيل: هو حديث الإمامة، روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لها:
" ألم أقل لك اكتمي علي "
؟ قالت: " والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي " فرحا بالكرامة التي خص الله تعالى بها أباها. { وأعرض عن بعض } فلم يخبرها تكرما. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقال الحسن: ما استقصى كريم قط. وقرأ الكسائي: " عرف " بالتخفيف، أي: جازى عليه، من قولك للمسيء: لأعرفن لك ما فعلت، أي: لأجازينك عليه، فاجازاها عليه السلام بأن طلقها، وآلى من نسائه شهرا، وقعد في مشربة مارية حتى نزلت آية التخيير، وقيل: هم بطلاقها، فقال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوامة قوامة. ه. قيل: المعرف: حديث الإمامة، والمعرض عنه: حديث مارية. { فلما نبأها به } أي: أخبر صلى الله عليه وسلم حفصة بما عرفه من الحديث، قالت حفصة للنبي عليه السلام: { من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } الذي لا تخفى عليه خافية. { إن تتوبا إلى الله } ، الخطاب لحفصة وعائشة، على الالتفات للمبالغة في العتاب، { فقد صغت قلوبكما } مالت عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، وكان عليه الصلاة والسلام شق عليه تحريم مارية وكرهه، وهما فرحا بذلك. وجواب الشرط: محذوف، أي: إن تتوبا إلى الله فهو الواجب، فقد زالت قلوبكما عن الحق، أو: تقبل توبتكما، أو هو: " فقد صغت " أي: إن تتوبا فقد زاغب قلوبكما فاستوجبتما التوبة، أو: فقد كان منكما ما يقضي أن يتاب منه. قال ابن عطية: وهذا الجواب للشرط، وهو متقدم في المعنى، وإنما نزلت جوابا في اللفظ. ه. وقرىء " زاغت " من الزيغ. { وإن تظاهرا عليه } أي: تتعاونا عليه بما يسوؤه، من الإفراط في الغيرة، وإفشاء سره، والفرح بتحريم مارية، { فإن الله هو مولاه } وليه وناصره، وزيادة " هو " إيذان: أنه يتولى ذلك بذاته بلا واسطة، { وجبريل } أيضا وليه، الذي هو رئيس الملائكة المقربين، { وصالح المؤمنين } أي: ومن صلح من المؤمنين، أي: كل من آمن وعمل صالحا، وقيل: من برىء من النفاق، وقيل: الصحابة جملة، وقال ابن عباس: أبو بكر وعمر، وروي مرفوعا، وبه قال عكرمة ومقاتل، وهو اللائق لتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام، فإنه جمع بين التظاهر المعنوي والتظاهر الحسي، فجبريل ظاهره عليه السلام بالتأييدات الإلهية، وهما وزيراه وظهيراه في أمور الرسالة، وتمشية أحكامها الظاهرة، ولأن تظاهرهما له صلى الله عليه وسلم أشد تأثيرا في قلوب بنيتهما، وتوهينا في حقهما، فكانا حقيقا بالذكر، بخلاف ما إذا أريد به جنس الصالحين، كما هو المشهور.
قاله أبو السعود. { والملائكة } مع تكاثر عددهم وامتلاء السموات من جموعهم { بعد ذلك } أي: بعد نصرة الله عز وجل، وناموسه الأعظم، وصالح المؤمنين، { ظهيرا } أي: فوج ظهير معاون له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟ ولما كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، قال: { بعد ذلك } تعظيما لنصرتهم ومظاهرتهم. { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله } بالتخفيف والتشديد للتكثير، أي: يعطيه الله تعالى بدلكن { أزواجا خيرا منكن } ، قال النسفي: فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيرا من أمهات المؤمنين؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيرا منهن. ه. وأجاب أبو السعود: بأن ما علق بما لم يقع لا يجب وقوعه. ه. وليس فيه ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يطلق حفصة، فإن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة. ثم وصف المبدلات بقوله: { مسلمات مؤمنات } أي: مقرات مخلصات، أو: منقادات مصدقات، { قانتات } طائعات، فالقنوت: هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله، { تائبات } من الذنوب { عابدات } متعبدات متذللات، { سائحات } صائمات، وقيل للصائم: سائح لأن السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد من يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى وقت إفطاره، أو: مهاجرات. قال زيد بن أسلم: لم يكن في هذه الأمة سياحة إلا الهجرة، { ثيبات وأبكارا } ، إنما وسط العاطف بين الثيبات والأبكار، دون سائر الصفات لأنهما صفتان متباينتان، وعطف الأبكار على الثيبات من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى:
ولا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة...
[التوبة:121]. والله تعالى أعلم. الإشارة: توجه العتاب له صلى الله عليه وسلم مرتين في تحريم الجارية، وفي إخفائه لذلك، إذ فيه بعض مراقبة الخلق، والعارف لا يراقب إلا الحق، فهذا قريب من قوله تعالى:
وتخشى الناس والله أحق أن تخشه
[الأحزاب:37]، ففيه من التصوف: أن العارف يكون الناس عنده كالموتى، أو كالهباء في الهواء، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام:
" لا يؤمن أحدكم حتى يكون الناس عنده كالأباعر "
إذا ليس بيدهم نفع ولا ضر. وإشارة الآية على ما قال القشيري: وإذ أسر القلب إلى بعض أزواجه، وهي النفس والهوى، حديث المخالفة، على طريق
" شاوروهن وخالفوهن "
فلما نبأت النفس الهوى لتفعلا ذلك، وأظهره الله عليه بوحي الإلهام، عرف بعضه وأعرض عن بعض، أي: عاتبهما على البعض، وسامحهما في الآخر، فلما نبأ القلب النفس بما أفشت للهوى، قالت: من أنبأك هذا.. الخ، إن تتوبا إلى الله، وتنقادا لحكمه فقد وقع منكما ما يوجب التوبة، وإن تظاهرا على القلب بتزيين المخالفة وتتبع الحظوظ والشهوات، فإن الله هو مولاه، ينصره بالأجناد السماوية والأرضية، من التأييدات والواردات، عسى ربه إن طلقكن وغاب عنكن أن يبدله أخلاقا طيبة، ونفوسا مطمئنة، مسلمات مؤمنات قانتات تائبات، عابدات سائحات بأفكارها في ميادين الغيوب، وبحار التوحيد، ثيبات، أي: تأتي بعلوم الرسميات وأبكار الحقائق. ثم أمر الحق تعالى بإرشاد النساء وتأديبهن، فقال: { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم }.
التحريم 66:5
يقول الحق جل جلاله: { وإذ أسر } أي: واذكر أيها السامع حين أسر { النبي إلى بعض أزواجه } يعني حفصة { حديثا } حديث تحريم مارية، أو العسل، أو إمامة الشيخين، { فلما نبأت به } أي: أخبرت حفصة عائشة بالحديث وأفشته، فحذف المفعول، وهو عائشة، { وأظهره الله عليه } أي: أطلع الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام على إفشاء حفصة على لسان جبريل عليه السلام، أو: أظهر الله عليه الحديث، من الظهور، { عرف بعضه } أي: عرف النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بعض الحديث الذي أفشته، قيل: هو حديث الإمامة، روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لها:
" ألم أقل لك اكتمي علي "
؟ قالت: " والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي " فرحا بالكرامة التي خص الله تعالى بها أباها. { وأعرض عن بعض } فلم يخبرها تكرما. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقال الحسن: ما استقصى كريم قط. وقرأ الكسائي: " عرف " بالتخفيف، أي: جازى عليه، من قولك للمسيء: لأعرفن لك ما فعلت، أي: لأجازينك عليه، فاجازاها عليه السلام بأن طلقها، وآلى من نسائه شهرا، وقعد في مشربة مارية حتى نزلت آية التخيير، وقيل: هم بطلاقها، فقال له جبريل: لا تطلقها، فإنها صوامة قوامة. ه. قيل: المعرف: حديث الإمامة، والمعرض عنه: حديث مارية. { فلما نبأها به } أي: أخبر صلى الله عليه وسلم حفصة بما عرفه من الحديث، قالت حفصة للنبي عليه السلام: { من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } الذي لا تخفى عليه خافية. { إن تتوبا إلى الله } ، الخطاب لحفصة وعائشة، على الالتفات للمبالغة في العتاب، { فقد صغت قلوبكما } مالت عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، وكان عليه الصلاة والسلام شق عليه تحريم مارية وكرهه، وهما فرحا بذلك. وجواب الشرط: محذوف، أي: إن تتوبا إلى الله فهو الواجب، فقد زالت قلوبكما عن الحق، أو: تقبل توبتكما، أو هو: " فقد صغت " أي: إن تتوبا فقد زاغب قلوبكما فاستوجبتما التوبة، أو: فقد كان منكما ما يقضي أن يتاب منه. قال ابن عطية: وهذا الجواب للشرط، وهو متقدم في المعنى، وإنما نزلت جوابا في اللفظ. ه. وقرىء " زاغت " من الزيغ. { وإن تظاهرا عليه } أي: تتعاونا عليه بما يسوؤه، من الإفراط في الغيرة، وإفشاء سره، والفرح بتحريم مارية، { فإن الله هو مولاه } وليه وناصره، وزيادة " هو " إيذان: أنه يتولى ذلك بذاته بلا واسطة، { وجبريل } أيضا وليه، الذي هو رئيس الملائكة المقربين، { وصالح المؤمنين } أي: ومن صلح من المؤمنين، أي: كل من آمن وعمل صالحا، وقيل: من برىء من النفاق، وقيل: الصحابة جملة، وقال ابن عباس: أبو بكر وعمر، وروي مرفوعا، وبه قال عكرمة ومقاتل، وهو اللائق لتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام، فإنه جمع بين التظاهر المعنوي والتظاهر الحسي، فجبريل ظاهره عليه السلام بالتأييدات الإلهية، وهما وزيراه وظهيراه في أمور الرسالة، وتمشية أحكامها الظاهرة، ولأن تظاهرهما له صلى الله عليه وسلم أشد تأثيرا في قلوب بنيتهما، وتوهينا في حقهما، فكانا حقيقا بالذكر، بخلاف ما إذا أريد به جنس الصالحين، كما هو المشهور.
قاله أبو السعود. { والملائكة } مع تكاثر عددهم وامتلاء السموات من جموعهم { بعد ذلك } أي: بعد نصرة الله عز وجل، وناموسه الأعظم، وصالح المؤمنين، { ظهيرا } أي: فوج ظهير معاون له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟ ولما كانت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، قال: { بعد ذلك } تعظيما لنصرتهم ومظاهرتهم. { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله } بالتخفيف والتشديد للتكثير، أي: يعطيه الله تعالى بدلكن { أزواجا خيرا منكن } ، قال النسفي: فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خيرا من أمهات المؤمنين؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف خيرا منهن. ه. وأجاب أبو السعود: بأن ما علق بما لم يقع لا يجب وقوعه. ه. وليس فيه ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يطلق حفصة، فإن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة. ثم وصف المبدلات بقوله: { مسلمات مؤمنات } أي: مقرات مخلصات، أو: منقادات مصدقات، { قانتات } طائعات، فالقنوت: هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله، { تائبات } من الذنوب { عابدات } متعبدات متذللات، { سائحات } صائمات، وقيل للصائم: سائح لأن السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد من يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى وقت إفطاره، أو: مهاجرات. قال زيد بن أسلم: لم يكن في هذه الأمة سياحة إلا الهجرة، { ثيبات وأبكارا } ، إنما وسط العاطف بين الثيبات والأبكار، دون سائر الصفات لأنهما صفتان متباينتان، وعطف الأبكار على الثيبات من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى:
ولا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة...
[التوبة:121]. والله تعالى أعلم. الإشارة: توجه العتاب له صلى الله عليه وسلم مرتين في تحريم الجارية، وفي إخفائه لذلك، إذ فيه بعض مراقبة الخلق، والعارف لا يراقب إلا الحق، فهذا قريب من قوله تعالى:
وتخشى الناس والله أحق أن تخشه
[الأحزاب:37]، ففيه من التصوف: أن العارف يكون الناس عنده كالموتى، أو كالهباء في الهواء، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام:
" لا يؤمن أحدكم حتى يكون الناس عنده كالأباعر "
إذا ليس بيدهم نفع ولا ضر. وإشارة الآية على ما قال القشيري: وإذ أسر القلب إلى بعض أزواجه، وهي النفس والهوى، حديث المخالفة، على طريق
" شاوروهن وخالفوهن "
فلما نبأت النفس الهوى لتفعلا ذلك، وأظهره الله عليه بوحي الإلهام، عرف بعضه وأعرض عن بعض، أي: عاتبهما على البعض، وسامحهما في الآخر، فلما نبأ القلب النفس بما أفشت للهوى، قالت: من أنبأك هذا.. الخ، إن تتوبا إلى الله، وتنقادا لحكمه فقد وقع منكما ما يوجب التوبة، وإن تظاهرا على القلب بتزيين المخالفة وتتبع الحظوظ والشهوات، فإن الله هو مولاه، ينصره بالأجناد السماوية والأرضية، من التأييدات والواردات، عسى ربه إن طلقكن وغاب عنكن أن يبدله أخلاقا طيبة، ونفوسا مطمئنة، مسلمات مؤمنات قانتات تائبات، عابدات سائحات بأفكارها في ميادين الغيوب، وبحار التوحيد، ثيبات، أي: تأتي بعلوم الرسميات وأبكار الحقائق. ثم أمر الحق تعالى بإرشاد النساء وتأديبهن، فقال: { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم }.
التحريم 66:6
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم } أي: نجوها من النار، بترك المعاصي وفعل الطاعات، { وأهليكم } بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم، أو بان تعلموهم وترشدوهم. قال القشيري: أظهروا من أنفسكم الطاعات ليتعلموا منكم ويقتادوا بأفعالكم. ه. وفي الحديث:
" رحم الله امرءا قال: يا أهلاه، صلاتكم صيامكم مسكينكم، يتيمكم "
أي: الزموا ما ينفعكم، فمن له أهل وأهملهم من التعلم والإرشاد عوتب عليهم، أي: احملوهم على الطاعة، لتقوهم { نارا وقودها الناس والحجارة } أي: نوعا من النار لا تتقد إلا بالناس والحجارة، كما تتقد غيرها بالحطب. قال ابن عباس: هي حجارة الكبريت، فهي أشد الأشياء حرا. { عليها ملائكة } تلي أمرها والتعذيب بها، وهي الزبانية، { غلاظ شداد } غلاظ الأقوال، شداد الأحوال، أو: غلاظ الخلق، شداد الخلق، أقوياء على الأفعال الشديدة، لم يخلق الله فيهم رحمة، { لا يعصون الله ما أمرهم } أي: لا يعصون أمره، فهو بدل اشتمال من " الله " أو: فيما أمرهم، على نزع الخافض { ويفعلون ما يؤمرون } من غير تراخ ولاتثاقل، وليست الجملتان في معنى واحد إذ معنى الأولى: أنهم يمتثلون أمره ويلتزمونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. ويقال للكفرة يوم القيامة عند دخولهم النار: { يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم } إذ لا ينفعكم عذركم حيث فرطتم في الدنيا، { إنما تجزون } اليوم { ما كنتم تعملون } في الدنيا من الكفر والمعاصي، بعدما نهيتم عنها، وأمرتم بالإيمان والطاعة، فلا عذر لكم قطعا. الإشارة: قوا أنفسكم نار الحجبة والقطيعة، بتخليتها من الرذائل، وتحليتها بالفضائل، ليلحقوا بكم في درجاكم. ونار القطيعة وقودها الناس، أي: عامة الناس والقلوب القاسية، عليها ملائكة غلاظ شداد، وهم القواطع القهرية، فمن كفر بطريق الخصوصية لا ينفعه يوم القيامة اعتذاره، حين يسقط عن درجة المقربين الأبرار وبالله التوفيق. ولما حض المتظاهرين على الرسول صلى الله عليه وسلم على التوبة، أمر بها الجميع، إذ لا يخلو أحد من ذنب أو عيب، فقال: { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله }.
التحريم 66:7
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم } أي: نجوها من النار، بترك المعاصي وفعل الطاعات، { وأهليكم } بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم، أو بان تعلموهم وترشدوهم. قال القشيري: أظهروا من أنفسكم الطاعات ليتعلموا منكم ويقتادوا بأفعالكم. ه. وفي الحديث:
" رحم الله امرءا قال: يا أهلاه، صلاتكم صيامكم مسكينكم، يتيمكم "
أي: الزموا ما ينفعكم، فمن له أهل وأهملهم من التعلم والإرشاد عوتب عليهم، أي: احملوهم على الطاعة، لتقوهم { نارا وقودها الناس والحجارة } أي: نوعا من النار لا تتقد إلا بالناس والحجارة، كما تتقد غيرها بالحطب. قال ابن عباس: هي حجارة الكبريت، فهي أشد الأشياء حرا. { عليها ملائكة } تلي أمرها والتعذيب بها، وهي الزبانية، { غلاظ شداد } غلاظ الأقوال، شداد الأحوال، أو: غلاظ الخلق، شداد الخلق، أقوياء على الأفعال الشديدة، لم يخلق الله فيهم رحمة، { لا يعصون الله ما أمرهم } أي: لا يعصون أمره، فهو بدل اشتمال من " الله " أو: فيما أمرهم، على نزع الخافض { ويفعلون ما يؤمرون } من غير تراخ ولاتثاقل، وليست الجملتان في معنى واحد إذ معنى الأولى: أنهم يمتثلون أمره ويلتزمونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. ويقال للكفرة يوم القيامة عند دخولهم النار: { يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم } إذ لا ينفعكم عذركم حيث فرطتم في الدنيا، { إنما تجزون } اليوم { ما كنتم تعملون } في الدنيا من الكفر والمعاصي، بعدما نهيتم عنها، وأمرتم بالإيمان والطاعة، فلا عذر لكم قطعا. الإشارة: قوا أنفسكم نار الحجبة والقطيعة، بتخليتها من الرذائل، وتحليتها بالفضائل، ليلحقوا بكم في درجاكم. ونار القطيعة وقودها الناس، أي: عامة الناس والقلوب القاسية، عليها ملائكة غلاظ شداد، وهم القواطع القهرية، فمن كفر بطريق الخصوصية لا ينفعه يوم القيامة اعتذاره، حين يسقط عن درجة المقربين الأبرار وبالله التوفيق. ولما حض المتظاهرين على الرسول صلى الله عليه وسلم على التوبة، أمر بها الجميع، إذ لا يخلو أحد من ذنب أو عيب، فقال: { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله }.
التحريم 66:8
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا } أي: بالغة في النصح، وصفت بذلك مجازا، وهي وصف للتائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا بها على طريقتها، وذلك أن يتوبوا عن القبائح، لقبحها، نادمين عليها، مغتمين أشد الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا يعودون إلى قبيح من القبائح، وقيل: نصوحا: صادقة، وقيل: خالصة، يقال: عسل ناصح: إذا خلص من شمعه، وقيل: من نصاحة الثوب، أي: ترقيعه، لأنها ترقع خروقك في دينك وترم خللك، وقيل: توبة تنصح الناس، أي: تدعوهم إلى مثلها لظهور آثارها في صاحبها، باستعمال الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها، ومن قرأ بضم النون فمصدر، أي: ذات نصوح، أو تنصح نصوحا. وفي الحديث:
" التوبة النصوح أن يتوب، ثم لا يعود إلى الذنب إلى أن يعود اللبن في الضرع "
وعن حذيفة:
" بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه "
وعن ابن عباس رضي الله عنه:
" هي الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان ".
{ عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم } ، هذا على ما جرى به عادة الملوك من الإجابة بعسى ولعل، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. وقيل: عبر ب " عسى " للإشعار أن المغفرة تفضل وإحسان، وأن التوبة غير موجبة لها، وليبقى العبد بين خوف ورجاء ولو عمل ما عمل. { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي }. هو ظرف ل " يدخلكم " { والذين آمنوا معه }: عطف على " النبي " و " معه ": ظرف لآمنوا، وفيه تعريض بمن أخزاهم الله من الكفرة. { نورهم }: مبتدأ، و { يسعى } خبره، أي: يضيء { بين أيديهم وبأيمانهم } أي: على الصراط وفي مواطن القيامة، { يقولون } حال، أي: قائلين حين ينطفىء نور المنافقين: { ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير } ، وقيل: يدعون بذلك تقربا إلى الله مع تمام نورهم، وقيل: تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم، فيسألون إتمامه تفضلا، وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط وبعضهم كالريح وبعضهم كأجاود الخيل، وبعضهم حبوا، وزحفا، وهم الذين يقولون: { ربنا أتمم لنا نورنا }. وقد تقدم: أن من المقربين من تقرب لهم غرف الجنات فيركبون فيها، ويسرحون إلى الجنة، ومنهم من يطير في الهواء إلى باب الجنة، فيقول الخزنة: من أنتم؟ فيقولون: نحن المتحابون في الله، فيقول: اذهبوا فنعم أجر العاملين، ويقول بعضهم لبعض: أين الصراط الذي وعدنه، فيقال لهم: جزتموه ولم تشعروا. والله تعالى أعلم. الإشارة: توبة العامة من الذنوب، وتوبة الخاصة من العيوب، وتوبة خاصة الخاصة من الغيبة عن حضرة علام الغيوب، فهؤلاء أشد الناس افتقارا إلى التوبة إذ لا بد للعبد من سهو وسنة حتى يجول بقلبه في الأكوان، أو يميل عن الاعتدال، فيجب في حقهم الاستغفار منها، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يستغفر في المجلس الواحد سبعين أو مائة مرة.
وقد تكلم السلف عن التوبة النصوح دون ما تقدم، فقال ابن جبير: هي التوبة المقبولة، ولا تقبل إلا بثلاثة شروط: خوف ألا تقبل منه، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعة. وقال ابن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم، وقال القرظي: يجمعها أربعة: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وترك العود بالجنان، ومهاجرة سيىء الخلان. وقال الثوري: علامتها أربعة: القلة، والعلة، والذلة، والغربة. وقال الفضيل: هو أن يكون الذنب نصب عينيه. وقال الواسطي: تكون لا لعرض دنيوي ولا أخروي. وقال أبو بكر الوراق: هي أن تضيق عليك الدنيا بما رحبت، كحالة الذين خلفوا. وقال رويم: أن تكون لله وجها بلا قفا، كما كنت عند المعصية قفا بلا وجه، وقالت رابعة: توبة لا ارتياب فيها، وقال السري: لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله، وقال الجنيد: هي أن تنسى الذنب فلا تذكره أبدا لأن من أحب الله نسي ما دونه. ه. ثم أمر بالجهاد بعد التوبة لأن النصر لا يكون إلا مع التطهر من دنس الخالفة، فقال: { يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين }.
التحريم 66:9
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي جاهد الكفار } بالسيف { والمنافقين } بالحجة، أو: بالقول الغليظ والوعظ البليغ، أو: بإقامة الحدود، ولم يؤمر بقتالهم لتستر ظاهرهم بالإسلام،
" أمرت أن أحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر "
، { واغلظ عليهم } واستعمل الخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمخاصمة باللسان. { ومأواهم جهنم } يباشرون فيها عذابا غليظا، { وبئس المصير } جهنم، أو مصيرهم. الإشارة: كل إنسان مأمور بجهاد أعدائه، من النفس، والهوى، والشيطان، وسائر القواطع، وبالغلاظ عليهم، حتى يسلموا وينقادوا لحكمه أو تقل شوكتهم، وهذا هو الجهاد الأكبر، لدوامه واتصاله، فمن دام عليه حتى ظفر بعدوه، أو لقي ربه، كان من الصديقين، الذين درجتهم فوق درجة الشهداء، تلي درجة المرسلين. وبالله التوفيق. ثم ضرب مثلا بمن صحب أهل الخذلان، فلم يضره خذلانهم، حيث لم يوافقهم، وبمن صحب أهل التوفيق فلم تنفعه صحبتهم، حيث خالف أمرهم، تهديدا لمن تظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه، فقال: { ضرب الله مثلا للذين كفروا }.
التحريم 66:10
قلت: " مثلا ": مفعول ثان لضرب، أي: جعل، و " امرأة ": مفعول أول، أي: جعل امرأة نوح وامرأة لوط مثلا مضروبا للذين كفروا. يقول الحق جل جلاله: { ضرب الله مثلا للذين كفروا } ، ضرب المثل في أمثال هذه المواقع عبارة عن: إيراد حالة غريبة ليعرف بها حالة أخرى، مشاكلة لها في الغرابة، أي: ضرب الله مثلا لحال الذين كفروا حيث يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين، ولا ينفعهم ما كان بينهم وبين المؤمنين من النسب والمصاهرة بهاتين المرأتين، { امرأت نوح وامرأت لوط } قيل: اسم الأولى: واهلة، والثانية: راعلة، { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين } أي: كانتا في عصمة نبيين عظيمين، متمكنين من تحصيل خير الدنيا والأخرة، وحيازة سعادتهما، { فخانتاهما } بإفشاء سرهما، أو بالكفر والنفاق، { فلم يغنيا عنهما من الله شيئا } أي: فلم يغن الرسولان عن المرأتين بحق ما بينهما من الزواج شيئا من الإغناء من عذاب الله تعالى، { وقيل } لهما عند موتهما، أو يوم القيامة: { ادخلا النار مع الداخلين } أي: مع سائر الداخلين من الكفرة، الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. قال القشيري: لما سبقت للمرأتين الفرقة يوم القسمة لم تنفعهما القرابة يوم العقوبة. ه. قال ابن عطية: وقول من قال: إن في المثلين عبرة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعيد. ه. قلت: لا بعد فيه لذكره إثر تأديب المرأتين، وليس فيه غض لجانبهن المعظم، إنما فيه إيقاظ وإرشاد لما يزيدهم شرفا وقربا من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، وصيانة سره، والمسارعة إلى ما فيه محبته ورضاه، وكل من نصحك فقد أحبك، وكل من أهملك فقد مقتك. { وضرب الله مثلا للذين آمنوا } في أنهم ينفعهم إيمانهم، ولو كانوا تحت قهرية الكفرة، حيث لم يميلوا عنه، { امرأة فرعون } ، وهي أسية بنت مزاحم، وهي عمة موسى عليه السلام، آمنت به فعذبها بالأوتاد الأربعة، وتد يديها ورجليها وألقاها في الشمس على ظهرها، وألقى عليها صخرة عظيمة، فأبصرت بيتها في الجنة، من درة، وانتزع الله روحها، فلقيتها الصخرة بلا روح، فلم تجد ألما، وقال سلمان: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، وفيه بيان أنها لم تمل عن الإيمان مع شدة ما قاست من العذاب، وكذا فليكن صوالح النساء، وأمر عائشة وحفصة أن يكونا كآسية هذه. ه. من الثعلبي. { إذ قالت }: ظرف لمحذوف أي: ضرب مثلا لحالها حين قالت: { رب ابن لي عندك } أي: قريبا من رضوانك { بيتا في الجنة } أو: في أعلى درجات المقربين، روي: أنها لما قالت ذلك أريت بيتها في الجنة. { ونجني من فرعون وعمله } أي: من نفسه الخبيثة وعمله السيىء { ونجني من القوم الظالمين } أي: من القبط التابعين له في الظلم قال الحسن وابن كيسان: نجاها الله أكرم نجاة، ورفعها إلى الجنة، فهي فيها تأكل وتشرب.
ه. { ومريم ابنة عمران }: عطف على " امرأة فرعون " أي: وضرب الله مثلا للذين آمنوا حالها وما أتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع كون قومها كفارا، { التي أحصنت فرجها } حفظته { فنفخنا في من روحنا } المخلوقة لنا، أو: من روح خلقته بلا واسطة، { وصدقت بكلمات ربها } بصحفه المنزلة، أو: بما أوحى الله إلى أنبيائه، { وكتابه } أي: جنس الكتاب الشامل للكل، وقرأ البصري وحفص بالجمع، أي: كتبه الأربعة، وقرىء: " بكلمة الله وكتابه " أي: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه الإنجيل، { وكانت من القانتين } أي: من عدة المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب، والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال، حتى عدت من جملتهم، أو كانت من نسل القانتين لأنها من أعقاب هارون، أخي موسى عليهما السلام. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ".
قال النسفي: وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الأخلاق كهاتين المؤمنتين، وألا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى عليه وسلم. ه. وفي الثعلبي: وقال ابن عباس وجماعة: قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية، ورجا أن ينفعه صلاح غيره، وأخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا. ه. الإشارة: قال القشيري: المرأتان الكافرتان إشارة إلى النفس الأمارة والهوى المتبع، أي: كانتا تحت القلب والروح، فخانتاهما، حيث غلبتا القلب والروح، وجذبتاهما إليهما، فمال القلب إلى الحظوظ الجسمانية، ومالت الروح إلى الحروف الظلمانية، كحب الجاه والرئاسة والكرامة، فلم تغنيا عنهما من الله شيئا، حيث فاتهما اليقين والمعرفة العيانية، والمرأتان المؤمنتان إشارة إلى النفس المطمئنة والقلب المطمئن، حيث غلبا النفس الأمارة والهوى، لم يضرهما صحبتهما، فقالت النفس المطمئنة: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والقلب لما حفظ نفسه من دخول العلل، نفخ الحق فيه من روحه، فأحياه به، وأشهده أنوار قدسه، فصدق بكلمات الله الدالة على ذاته، ثم ترقى إلى شهود المتكلم، وكان من القانتين، فجمع بين شهود عظمة الربوبية وآداب العبودية. قال الورتجبي: { فنفخنا فيه... } الآية، أي: ظهر فيه نور الفعل، ثم ظهر في نور الفعل نور الصفة، فظهر في نور الصفة نور الذات، فكان بنور الذات والصفات حيا موصوفا بصفاته، ناظرا إلى مشاهدة نور ذاته، لم تنقطع عنه أنوار الذات والصفات والفعل أبدا.
وهذه خاصية لمن له أثر من روحه. قال بعضهم: نفخ من نوره في روح عبده، ليحيي بذلك الروح، ويحيى به، ويطلب النور ولا يغفل عن طلب المنور، فيعيش في الدنيا حميدا، ويبعث في الآخرة شهيدا، فلما وجدت روح روح الله صدقت بظهوره في العالم، وشبيه قلوب العالمين بأنه يكون مرآة الحق للخلق، وذلك قوله: { وصدقت بكلمات ربها } ولما باشر أنوار القدس وروح الأنس كادت نفسها أن تميل إلى السكر في الأنانية، فسبق لها العناية، وأبقاها في درجة العبودية، حتى لا تسقط بالسكر عن مقام الصحو، ألآ ترى كيف قال: { وكانت من القانتين } أي: من المستقيمين في معرفتها بربها، ومعرفتها بقيمة نفسها أنها مسخرة عاجزة لربها. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التحريم 66:11
قلت: " مثلا ": مفعول ثان لضرب، أي: جعل، و " امرأة ": مفعول أول، أي: جعل امرأة نوح وامرأة لوط مثلا مضروبا للذين كفروا. يقول الحق جل جلاله: { ضرب الله مثلا للذين كفروا } ، ضرب المثل في أمثال هذه المواقع عبارة عن: إيراد حالة غريبة ليعرف بها حالة أخرى، مشاكلة لها في الغرابة، أي: ضرب الله مثلا لحال الذين كفروا حيث يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين، ولا ينفعهم ما كان بينهم وبين المؤمنين من النسب والمصاهرة بهاتين المرأتين، { امرأت نوح وامرأت لوط } قيل: اسم الأولى: واهلة، والثانية: راعلة، { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين } أي: كانتا في عصمة نبيين عظيمين، متمكنين من تحصيل خير الدنيا والأخرة، وحيازة سعادتهما، { فخانتاهما } بإفشاء سرهما، أو بالكفر والنفاق، { فلم يغنيا عنهما من الله شيئا } أي: فلم يغن الرسولان عن المرأتين بحق ما بينهما من الزواج شيئا من الإغناء من عذاب الله تعالى، { وقيل } لهما عند موتهما، أو يوم القيامة: { ادخلا النار مع الداخلين } أي: مع سائر الداخلين من الكفرة، الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. قال القشيري: لما سبقت للمرأتين الفرقة يوم القسمة لم تنفعهما القرابة يوم العقوبة. ه. قال ابن عطية: وقول من قال: إن في المثلين عبرة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعيد. ه. قلت: لا بعد فيه لذكره إثر تأديب المرأتين، وليس فيه غض لجانبهن المعظم، إنما فيه إيقاظ وإرشاد لما يزيدهم شرفا وقربا من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، وصيانة سره، والمسارعة إلى ما فيه محبته ورضاه، وكل من نصحك فقد أحبك، وكل من أهملك فقد مقتك. { وضرب الله مثلا للذين آمنوا } في أنهم ينفعهم إيمانهم، ولو كانوا تحت قهرية الكفرة، حيث لم يميلوا عنه، { امرأة فرعون } ، وهي أسية بنت مزاحم، وهي عمة موسى عليه السلام، آمنت به فعذبها بالأوتاد الأربعة، وتد يديها ورجليها وألقاها في الشمس على ظهرها، وألقى عليها صخرة عظيمة، فأبصرت بيتها في الجنة، من درة، وانتزع الله روحها، فلقيتها الصخرة بلا روح، فلم تجد ألما، وقال سلمان: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، وفيه بيان أنها لم تمل عن الإيمان مع شدة ما قاست من العذاب، وكذا فليكن صوالح النساء، وأمر عائشة وحفصة أن يكونا كآسية هذه. ه. من الثعلبي. { إذ قالت }: ظرف لمحذوف أي: ضرب مثلا لحالها حين قالت: { رب ابن لي عندك } أي: قريبا من رضوانك { بيتا في الجنة } أو: في أعلى درجات المقربين، روي: أنها لما قالت ذلك أريت بيتها في الجنة. { ونجني من فرعون وعمله } أي: من نفسه الخبيثة وعمله السيىء { ونجني من القوم الظالمين } أي: من القبط التابعين له في الظلم قال الحسن وابن كيسان: نجاها الله أكرم نجاة، ورفعها إلى الجنة، فهي فيها تأكل وتشرب.
ه. { ومريم ابنة عمران }: عطف على " امرأة فرعون " أي: وضرب الله مثلا للذين آمنوا حالها وما أتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع كون قومها كفارا، { التي أحصنت فرجها } حفظته { فنفخنا في من روحنا } المخلوقة لنا، أو: من روح خلقته بلا واسطة، { وصدقت بكلمات ربها } بصحفه المنزلة، أو: بما أوحى الله إلى أنبيائه، { وكتابه } أي: جنس الكتاب الشامل للكل، وقرأ البصري وحفص بالجمع، أي: كتبه الأربعة، وقرىء: " بكلمة الله وكتابه " أي: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه الإنجيل، { وكانت من القانتين } أي: من عدة المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب، والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال، حتى عدت من جملتهم، أو كانت من نسل القانتين لأنها من أعقاب هارون، أخي موسى عليهما السلام. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ".
قال النسفي: وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الأخلاق كهاتين المؤمنتين، وألا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى عليه وسلم. ه. وفي الثعلبي: وقال ابن عباس وجماعة: قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية، ورجا أن ينفعه صلاح غيره، وأخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا. ه. الإشارة: قال القشيري: المرأتان الكافرتان إشارة إلى النفس الأمارة والهوى المتبع، أي: كانتا تحت القلب والروح، فخانتاهما، حيث غلبتا القلب والروح، وجذبتاهما إليهما، فمال القلب إلى الحظوظ الجسمانية، ومالت الروح إلى الحروف الظلمانية، كحب الجاه والرئاسة والكرامة، فلم تغنيا عنهما من الله شيئا، حيث فاتهما اليقين والمعرفة العيانية، والمرأتان المؤمنتان إشارة إلى النفس المطمئنة والقلب المطمئن، حيث غلبا النفس الأمارة والهوى، لم يضرهما صحبتهما، فقالت النفس المطمئنة: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والقلب لما حفظ نفسه من دخول العلل، نفخ الحق فيه من روحه، فأحياه به، وأشهده أنوار قدسه، فصدق بكلمات الله الدالة على ذاته، ثم ترقى إلى شهود المتكلم، وكان من القانتين، فجمع بين شهود عظمة الربوبية وآداب العبودية. قال الورتجبي: { فنفخنا فيه... } الآية، أي: ظهر فيه نور الفعل، ثم ظهر في نور الفعل نور الصفة، فظهر في نور الصفة نور الذات، فكان بنور الذات والصفات حيا موصوفا بصفاته، ناظرا إلى مشاهدة نور ذاته، لم تنقطع عنه أنوار الذات والصفات والفعل أبدا.
وهذه خاصية لمن له أثر من روحه. قال بعضهم: نفخ من نوره في روح عبده، ليحيي بذلك الروح، ويحيى به، ويطلب النور ولا يغفل عن طلب المنور، فيعيش في الدنيا حميدا، ويبعث في الآخرة شهيدا، فلما وجدت روح روح الله صدقت بظهوره في العالم، وشبيه قلوب العالمين بأنه يكون مرآة الحق للخلق، وذلك قوله: { وصدقت بكلمات ربها } ولما باشر أنوار القدس وروح الأنس كادت نفسها أن تميل إلى السكر في الأنانية، فسبق لها العناية، وأبقاها في درجة العبودية، حتى لا تسقط بالسكر عن مقام الصحو، ألآ ترى كيف قال: { وكانت من القانتين } أي: من المستقيمين في معرفتها بربها، ومعرفتها بقيمة نفسها أنها مسخرة عاجزة لربها. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التحريم 66:12
قلت: " مثلا ": مفعول ثان لضرب، أي: جعل، و " امرأة ": مفعول أول، أي: جعل امرأة نوح وامرأة لوط مثلا مضروبا للذين كفروا. يقول الحق جل جلاله: { ضرب الله مثلا للذين كفروا } ، ضرب المثل في أمثال هذه المواقع عبارة عن: إيراد حالة غريبة ليعرف بها حالة أخرى، مشاكلة لها في الغرابة، أي: ضرب الله مثلا لحال الذين كفروا حيث يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين، ولا ينفعهم ما كان بينهم وبين المؤمنين من النسب والمصاهرة بهاتين المرأتين، { امرأت نوح وامرأت لوط } قيل: اسم الأولى: واهلة، والثانية: راعلة، { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين } أي: كانتا في عصمة نبيين عظيمين، متمكنين من تحصيل خير الدنيا والأخرة، وحيازة سعادتهما، { فخانتاهما } بإفشاء سرهما، أو بالكفر والنفاق، { فلم يغنيا عنهما من الله شيئا } أي: فلم يغن الرسولان عن المرأتين بحق ما بينهما من الزواج شيئا من الإغناء من عذاب الله تعالى، { وقيل } لهما عند موتهما، أو يوم القيامة: { ادخلا النار مع الداخلين } أي: مع سائر الداخلين من الكفرة، الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. قال القشيري: لما سبقت للمرأتين الفرقة يوم القسمة لم تنفعهما القرابة يوم العقوبة. ه. قال ابن عطية: وقول من قال: إن في المثلين عبرة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعيد. ه. قلت: لا بعد فيه لذكره إثر تأديب المرأتين، وليس فيه غض لجانبهن المعظم، إنما فيه إيقاظ وإرشاد لما يزيدهم شرفا وقربا من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، وصيانة سره، والمسارعة إلى ما فيه محبته ورضاه، وكل من نصحك فقد أحبك، وكل من أهملك فقد مقتك. { وضرب الله مثلا للذين آمنوا } في أنهم ينفعهم إيمانهم، ولو كانوا تحت قهرية الكفرة، حيث لم يميلوا عنه، { امرأة فرعون } ، وهي أسية بنت مزاحم، وهي عمة موسى عليه السلام، آمنت به فعذبها بالأوتاد الأربعة، وتد يديها ورجليها وألقاها في الشمس على ظهرها، وألقى عليها صخرة عظيمة، فأبصرت بيتها في الجنة، من درة، وانتزع الله روحها، فلقيتها الصخرة بلا روح، فلم تجد ألما، وقال سلمان: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، وفيه بيان أنها لم تمل عن الإيمان مع شدة ما قاست من العذاب، وكذا فليكن صوالح النساء، وأمر عائشة وحفصة أن يكونا كآسية هذه. ه. من الثعلبي. { إذ قالت }: ظرف لمحذوف أي: ضرب مثلا لحالها حين قالت: { رب ابن لي عندك } أي: قريبا من رضوانك { بيتا في الجنة } أو: في أعلى درجات المقربين، روي: أنها لما قالت ذلك أريت بيتها في الجنة. { ونجني من فرعون وعمله } أي: من نفسه الخبيثة وعمله السيىء { ونجني من القوم الظالمين } أي: من القبط التابعين له في الظلم قال الحسن وابن كيسان: نجاها الله أكرم نجاة، ورفعها إلى الجنة، فهي فيها تأكل وتشرب.
ه. { ومريم ابنة عمران }: عطف على " امرأة فرعون " أي: وضرب الله مثلا للذين آمنوا حالها وما أتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع كون قومها كفارا، { التي أحصنت فرجها } حفظته { فنفخنا في من روحنا } المخلوقة لنا، أو: من روح خلقته بلا واسطة، { وصدقت بكلمات ربها } بصحفه المنزلة، أو: بما أوحى الله إلى أنبيائه، { وكتابه } أي: جنس الكتاب الشامل للكل، وقرأ البصري وحفص بالجمع، أي: كتبه الأربعة، وقرىء: " بكلمة الله وكتابه " أي: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه الإنجيل، { وكانت من القانتين } أي: من عدة المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب، والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال، حتى عدت من جملتهم، أو كانت من نسل القانتين لأنها من أعقاب هارون، أخي موسى عليهما السلام. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ".
قال النسفي: وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الأخلاق كهاتين المؤمنتين، وألا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى عليه وسلم. ه. وفي الثعلبي: وقال ابن عباس وجماعة: قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية، ورجا أن ينفعه صلاح غيره، وأخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا. ه. الإشارة: قال القشيري: المرأتان الكافرتان إشارة إلى النفس الأمارة والهوى المتبع، أي: كانتا تحت القلب والروح، فخانتاهما، حيث غلبتا القلب والروح، وجذبتاهما إليهما، فمال القلب إلى الحظوظ الجسمانية، ومالت الروح إلى الحروف الظلمانية، كحب الجاه والرئاسة والكرامة، فلم تغنيا عنهما من الله شيئا، حيث فاتهما اليقين والمعرفة العيانية، والمرأتان المؤمنتان إشارة إلى النفس المطمئنة والقلب المطمئن، حيث غلبا النفس الأمارة والهوى، لم يضرهما صحبتهما، فقالت النفس المطمئنة: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والقلب لما حفظ نفسه من دخول العلل، نفخ الحق فيه من روحه، فأحياه به، وأشهده أنوار قدسه، فصدق بكلمات الله الدالة على ذاته، ثم ترقى إلى شهود المتكلم، وكان من القانتين، فجمع بين شهود عظمة الربوبية وآداب العبودية. قال الورتجبي: { فنفخنا فيه... } الآية، أي: ظهر فيه نور الفعل، ثم ظهر في نور الفعل نور الصفة، فظهر في نور الصفة نور الذات، فكان بنور الذات والصفات حيا موصوفا بصفاته، ناظرا إلى مشاهدة نور ذاته، لم تنقطع عنه أنوار الذات والصفات والفعل أبدا.
وهذه خاصية لمن له أثر من روحه. قال بعضهم: نفخ من نوره في روح عبده، ليحيي بذلك الروح، ويحيى به، ويطلب النور ولا يغفل عن طلب المنور، فيعيش في الدنيا حميدا، ويبعث في الآخرة شهيدا، فلما وجدت روح روح الله صدقت بظهوره في العالم، وشبيه قلوب العالمين بأنه يكون مرآة الحق للخلق، وذلك قوله: { وصدقت بكلمات ربها } ولما باشر أنوار القدس وروح الأنس كادت نفسها أن تميل إلى السكر في الأنانية، فسبق لها العناية، وأبقاها في درجة العبودية، حتى لا تسقط بالسكر عن مقام الصحو، ألآ ترى كيف قال: { وكانت من القانتين } أي: من المستقيمين في معرفتها بربها، ومعرفتها بقيمة نفسها أنها مسخرة عاجزة لربها. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.