Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — المجادلة 58:1 – الصف 61:14

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. المجادلة 58:1
  2. المجادلة 58:2
  3. المجادلة 58:3
  4. المجادلة 58:4
  5. المجادلة 58:5
  6. المجادلة 58:6
  7. المجادلة 58:7
  8. المجادلة 58:8
  9. المجادلة 58:9
  10. المجادلة 58:10
  11. المجادلة 58:11
  12. المجادلة 58:12
  13. المجادلة 58:13
  14. المجادلة 58:14
  15. المجادلة 58:15
  16. المجادلة 58:16
  17. المجادلة 58:17
  18. المجادلة 58:18
  19. المجادلة 58:19
  20. المجادلة 58:20
  21. المجادلة 58:21
  22. المجادلة 58:22
  23. الحشر 59:1
  24. الحشر 59:2
  25. الحشر 59:3
  26. الحشر 59:4
  27. الحشر 59:5
  28. الحشر 59:6
  29. الحشر 59:7
  30. الحشر 59:8
  31. الحشر 59:9
  32. الحشر 59:10
  33. الحشر 59:11
  34. الحشر 59:12
  35. الحشر 59:13
  36. الحشر 59:14
  37. الحشر 59:15
  38. الحشر 59:16
  39. الحشر 59:17
  40. الحشر 59:18
  41. الحشر 59:19
  42. الحشر 59:20
  43. الحشر 59:21
  44. الحشر 59:22
  45. الحشر 59:23
  46. الحشر 59:24
  47. الممتحنة 60:1
  48. الممتحنة 60:2
  49. الممتحنة 60:3
  50. الممتحنة 60:4
  51. الممتحنة 60:5
  52. الممتحنة 60:6
  53. الممتحنة 60:7
  54. الممتحنة 60:8
  55. الممتحنة 60:9
  56. الممتحنة 60:10
  57. الممتحنة 60:11
  58. الممتحنة 60:12
  59. الممتحنة 60:13
  60. الصف 61:1
  61. الصف 61:2
  62. الصف 61:3
  63. الصف 61:4
  64. الصف 61:5
  65. الصف 61:6
  66. الصف 61:7
  67. الصف 61:8
  68. الصف 61:9
  69. الصف 61:10
  70. الصف 61:11
  71. الصف 61:12
  72. الصف 61:13
  73. الصف 61:14

المجادلة 58:1

يقول الحق جل جلاله: { قد سمع الله قول التي تجادلك } وهي خولة، { في زوجها } أوس، أي: تراجعك الكلام في شانه، وفيما صدر منه صدر منه في حقها من الظهار، أو تسألك وتستفيتك. وقال الكواشي: " قد سمع " أي: علم وأجاب قولها، أي: دعاءها. وفي " قد " هنا معنى التوق لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرأة كانا يتوقعان أن ينزل الله في مجادلتهما ما يفرج الله به عنهما. ه. وقال الفخر: هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه من الخلق، ولم يبق له في مهمه أحد إلا الخالق، كفاه الله ذلك المهم. وقال القشيري: لما صدقت في شكواها إلى الله، وأيست من كشف ضرها من غير الله، أنزل الله في شأنها: { قد سمع الله... } ويقال: صارت قصتها فرجة ورحمة للمؤمنين إلى يوم القيامة، في قضية الظهار، ليعلم العالمون أنه لا يخسر على الله أحد. ه. ولما نزلت السورة بإثر الشكوى، قالت عائشة رضي الله عنها: " ما أسمع الله " تعجبا من سرعة نزولها. { وتشتكي إلى الله } أي: تتضرع إليه، وتظهر ما بها من الكرب، { والله يسمع تحاوركما } مراجعتكما الكلام، من: حاور إذا رجع. وصيغة المضارع للدلالة على استمرار السمع، حسب استمرار التحاور وتجدده، وفي نظمها في سلك الخطاب تشريف لها. والجملة استئناف، جار مجرى التعليل لما قبله، فإن إلحافها في المسألة، ومبالغتها في التضرع إلى الله تعالى، ومدافعته صلى الله عليه وسلم إياها، منبئ عن التوقف وترقب الوحي، وعلمه تعالى بحالهما من دواعي الإجابة، أي: قد سمع قول المرأة وأجاب طلبتها لأنه يسمع تحاوركما. وقيل: هو حال، وهو بعيد. { إن الله سميع بصير } تعليل لما قبله، أي: مبالغ في العلم بالمسموعات والمبصرات، ومن قضيته: أن يسمع تحاوركما، ويرى ما يقارنه من الهيئات، التي من جملتها: رفع رأسها إلى السماء، وإثارة التضرع، وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة، وتعليل الحكم بوصف الألوهية، وتأكيد الجملتين. الإشارة: قد سمع الله قول الروح، التي تجادل في شأن القلب لأنه مقرها ومسكنها، إن صلح صلحت، وإن فسد بحب الدنيا ومتابعة الهوى، فسدت، فهي تجادل رسول الإلهام وتشتكي إلى الله من القلب الفاسد، والله يسمع تحاورهما وتضرعها إن صدقت في طلب الحق، فيجيب دعاءها، ويقيض لها طبيبا يعالجه، حتى ترجع لأصلها منه، إن الله سميع بصير. ثم عاتبهم على استعمال الظهار، وذكر حكمه، فقال: { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم }.

المجادلة 58:2

يقول الحق جل جلاله: { والذين يظهرون } وأصله: يتظهرون، فأدمغت التاء في الظاء، وقرأ عاصم: بضم الياء وتخفيف الظاء، مضارع ظاهر لأن كل واحد يباعد صاحبه، وقرأ ابن عامر والأخوان وأبو جعفر وخلف بفتح الياء وشد الظاء بالمد، مضارع " تظاهر " ، والحاصل في فعل الظهار ثلاث لغات: ظاهر وتظاهر وتظهر، مأخذة من الظهر لأنه يشبه امرأته بظهر أمه، ولا مفهوم للظهر، بل كل جزء منها مثل الظهر. وفي قوله: { منكم } توبيخ للعرب، لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم، { من نسائهم } من زوجاتهم، { ما هن أمهاتهم }: خبر الموصول، أي: ليسوا بأمهاتهم حقيقة، فهو كذب محض، { إن أمهاتهم } حقيقة { إلا اللائي ولدنهم } من بطونهن، فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الشرع بهن من المرضعات وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخلن بذلك في حكم الأمهات، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة. { وزورا } كذبا باطلا، منحرفا عن الحق، { وإن الله لعفو غفور } لما سلف منهم. ثم ذكر الحكم بعد بيان إنكاره، فقال: { والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } أي: والذين يقولون ذلك القول المنكر، ثم يعودون إلى ما قالوا بالتدارك والتلافي ورفع التضرر، أو: لنقيض ما قالوا: قال ابن جزي: في معنى العود ستة أقوال: الأول: إيقاع الظهار في الإسلام، فالمعنى أنهم كانوا يظاهرون في الجاهلية، فإذا فعلوه في الإسلام فذلك عود إليه، هذا قول ابن قتيبة، فتجب الكفارة عنده بنفس الظهار، بخلاف أقوال غيره، فإن الكفارة لا تجب إلا بالظهار والعود معا. القول الثاني: إن العود هو وطء الزوجة، روي ذلك عن مالك، فلا تجب الكفارة على هذا حتى يطأ، فإذا وطئها وجبت عليه الكفارة، أمسك الزوجة أو طلقها، أو ماتت. الثالث: إن العود هو العزم على الوطء، وروي هذا أيضا عن مالك، فإذا عزم على الوطء وجبت الكفارة، أمسك، أو طلق، أو ماتت. الرابع: إن العود هو العزم على الوطء والإمساك، وهذا أصح الروايات عن مالك. الخامس: إنه العزم على الإمساك خاصة، وهذا مذهب الشافعي، فإذا ظاهر ولم يطلقها بعد الظهار لزمته الكفارة. السادس: إنه تكرار الظهار مرة أخرى، وهذا مذهب الظاهرية، وهو ضعيف، لأنهم لا يرون الظهار موجبا حكما في أول مرة، وإنما يوجبه في الثانية، وإنما نزلت فيما ظاهر أول مرة، فذلك يرد عليهم، ويختلف معنى " لما قالوه " باختلاف هذه الأقوال، فالمعنى: يعودون للوطء الذي حرموه، أو للعزم عليه، أو للإمساك الذي تركوه، أو للعزم عليه. ه. { فتحرير رقبة } أي: فتداركه، أو فعليه، أو فالواجب تحرير رقبة. واشترط مالك والشافعي أن تكون مؤمنة، حملا للمطلق على المقيد لأنه قيدها في القتل بالإيمان، والفاء للسببية، ومن فوائدها: الدلالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار. { من قبل أن يتماسا } أي: المظاهر والمظاهر منها، ومذهب مالك والجمهور: أن المس هنا يراد به الوطء، وما دونه من اللمس والقبلة، فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئا من ذلك حتى يكفر، فإن فعل شيئا من ذلك تاب ولا يعود. وقال الحسن والثوري: أراد الوطء خاصة، فأباحا ما دونه من قبل الكفارة. { ذالكم } الحكم { توعظون به } لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار، وتخافوا عقاب الله عليه، { والله بما تعملون خبير } مطلع على ما ظهر من أعمالكم، التي من جملتها الظاهر. { فمن لم يجد } الرقبة { فصيام شهرين } أي: فعليه صيام شهرين { متتابعين من قبل أن يتماسا } فإن أفسده باختياره من أوله باتفاق، وإن أفسده بعذر، كمرض أو نسيان، فقال مالك: يبني على ما كان معه، في رواية عنه، وقال أبو حنيفة: يبتدئ، وروي القولان عن الشافعي. { فمن لا يستطع } الصيام { فإطعام ستين مسكينا } بمد هشام على مذهب مالك. واختلف في قدره، فقيل: إنه مدان غير ثلث بمد النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنه مد وثلث، وقيل: إنه مدان، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي وابن القصار: يطعم مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين، ولا يجزئه إلا كمال الستين، فإن أطعم مسكينا واحدا ستين يوما لم يجزه عند مالك والشافعي، خلافا لأبي حنيفة، وكذلك إن أطعم ثلاثين مرتين، والطعام يكون من غالب قوت البلد. وذكر الحق جل جلاله: { من قبل أن يتماسا } في العتق والصوم، ولم يذكره في الإطعام، فاختلف العلماء في ذلك، فحمل مالك الإطعام على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلا قبل المسيس، وجعل ذلك من المطلق الذي يحمل على المقيد. وقال ابو حنيفة: يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس، وقال الشافعي: يجب تقديمه على المسيس، لكن لا يستانف إن مس في حال الإطعام. وجعل الأطعام. وجعل الحق جل جلاله كفارة الظهار مرتبة، فلا ينتقل عن الأول حتى يعجز عنه، ومثلها كفارة القتل والتمتع، وقد نظم بعضهم أنواع الكفارات، ما فيه الترتيب وما فيه التخيير، فقال: خير بصوم ثم صيد وأذى وقل لكل خصلة يا حبذا ورتب الظهار والتمتعا والقتل ثم في اليمين اجتمعا { ذلك لتؤمنوا } الإشارة إلى ما مر من البيان والتعليم للأحكام، ومحله رفع أو نصب، أي: ذلك واقع، أو فصلنا ذلك لتؤمنوا { بالله ورسوله } وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم، وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم، { وتلك } أي: الأحكام التي وصفنا في الظهار والكفارة، { حدود الله } التي لا يجوز تعديها، { وللكافرين } أي: الذين لا يعملون بها { عذاب أليم } عبر عنه بالكفر تغليظا على طريق: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين [آل عمران: 97]. الإشارة: الذين يباعدون من أنفسهم، فيحرمون عليها التمتع بما أحل الله من الطيبات، تضييقا وتشديدا عليها، مفرطين في ذلك، محتجين لذلك بأنهم كانوا في بطن الشهوات، فقد ملكتهم ملك الأم لولدها، قال تعالى: { ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } حيث حرموا ما أحل الله، والمراد بذلك الإفراط المؤدي إلى التلف. قال القشيري: لأن النفس مطية الروح، فلا تسلك طريق السير إلا بها، وهي مددها ومعونتها، كما قال عليه السلام: " إن لنفسك عليك حقا " فلا بد للروح من مسامحة النفس ومداراتها في بضع الأوقات، لتميل النفس إلى تصرفها وحكمها فيها، وإلا ضعفت وكلت عن موافقتها، فتنقطع الروح عن السلوك إلى الله.ه. قلت: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يكن أحدكم كالمنبت، لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى " { وإن الله لعفو غفور } لمن وقع له شيء من هذا ورجع. والذين يظاهرون من نسائهم، يباعدون من أنفسهم، ثم يعودون إلى الترفق بها والاستمتاع بما أحل الله لها، فكفارته تحرير رقبة من ملك الشهوة، فلا يتناول شيئا من المباحات الطيبة، إلا بنية التقرب إلى الله والشكر، لا بنية مجرد الاستمتاع، ولا يتناول من الشهوات التي شرهت إليها النفس، وحرصت على تحصيلها قبل حصولها، شيئا قط، فإن لم يقدر عليها على هذا النمط، فعليه صيام شهرين أو أكثر، مجاهدة ورياضة، حتى تقف على حد الضرورة، فإن لم يتسطع فإطعام ستين مسكينا أو أكثر، بكل ما يدخل عليه من الحظوظ. وقال القشيري: وإن لم يقدر على تحرير رقبته على هذا الارتباط فيجب على الروح أن تصوم شهرين متتابعين، يعني يمسك نفسه عن الالتفات إلى الكونين على الدوام والاستمرار، من غير تخلل التفات، وإن لم يتمكن من قطع هذا الالتفات، لبقية من بقايا أنانيته، فيجب عليه إطعام ستين مسكينا من مساكين القوى الروحانية، المستهلك لسلطنة النفس وصفاتها، ليقيمهم على التخلق بالأخلاق الإلهية، والتحقق بالصفات الروحانية، ه. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله الإيمان الكامل، وتلك حدود الله لا يجوز تعديها بالأهوية والبدع، وللكافرين لهذه الحكم عذاب البعد ونار القطيعة، المؤلم للروح والقلب، بغم الحجاب وسوء الحساب. ثم ذكر وبال من خالف أمره، فقال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله }.

المجادلة 58:3

يقول الحق جل جلاله: { والذين يظهرون } وأصله: يتظهرون، فأدمغت التاء في الظاء، وقرأ عاصم: بضم الياء وتخفيف الظاء، مضارع ظاهر لأن كل واحد يباعد صاحبه، وقرأ ابن عامر والأخوان وأبو جعفر وخلف بفتح الياء وشد الظاء بالمد، مضارع " تظاهر " ، والحاصل في فعل الظهار ثلاث لغات: ظاهر وتظاهر وتظهر، مأخذة من الظهر لأنه يشبه امرأته بظهر أمه، ولا مفهوم للظهر، بل كل جزء منها مثل الظهر. وفي قوله: { منكم } توبيخ للعرب، لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم، { من نسائهم } من زوجاتهم، { ما هن أمهاتهم }: خبر الموصول، أي: ليسوا بأمهاتهم حقيقة، فهو كذب محض، { إن أمهاتهم } حقيقة { إلا اللائي ولدنهم } من بطونهن، فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الشرع بهن من المرضعات وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخلن بذلك في حكم الأمهات، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة. { وزورا } كذبا باطلا، منحرفا عن الحق، { وإن الله لعفو غفور } لما سلف منهم. ثم ذكر الحكم بعد بيان إنكاره، فقال: { والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } أي: والذين يقولون ذلك القول المنكر، ثم يعودون إلى ما قالوا بالتدارك والتلافي ورفع التضرر، أو: لنقيض ما قالوا: قال ابن جزي: في معنى العود ستة أقوال: الأول: إيقاع الظهار في الإسلام، فالمعنى أنهم كانوا يظاهرون في الجاهلية، فإذا فعلوه في الإسلام فذلك عود إليه، هذا قول ابن قتيبة، فتجب الكفارة عنده بنفس الظهار، بخلاف أقوال غيره، فإن الكفارة لا تجب إلا بالظهار والعود معا. القول الثاني: إن العود هو وطء الزوجة، روي ذلك عن مالك، فلا تجب الكفارة على هذا حتى يطأ، فإذا وطئها وجبت عليه الكفارة، أمسك الزوجة أو طلقها، أو ماتت. الثالث: إن العود هو العزم على الوطء، وروي هذا أيضا عن مالك، فإذا عزم على الوطء وجبت الكفارة، أمسك، أو طلق، أو ماتت. الرابع: إن العود هو العزم على الوطء والإمساك، وهذا أصح الروايات عن مالك. الخامس: إنه العزم على الإمساك خاصة، وهذا مذهب الشافعي، فإذا ظاهر ولم يطلقها بعد الظهار لزمته الكفارة. السادس: إنه تكرار الظهار مرة أخرى، وهذا مذهب الظاهرية، وهو ضعيف، لأنهم لا يرون الظهار موجبا حكما في أول مرة، وإنما يوجبه في الثانية، وإنما نزلت فيما ظاهر أول مرة، فذلك يرد عليهم، ويختلف معنى " لما قالوه " باختلاف هذه الأقوال، فالمعنى: يعودون للوطء الذي حرموه، أو للعزم عليه، أو للإمساك الذي تركوه، أو للعزم عليه. ه. { فتحرير رقبة } أي: فتداركه، أو فعليه، أو فالواجب تحرير رقبة. واشترط مالك والشافعي أن تكون مؤمنة، حملا للمطلق على المقيد لأنه قيدها في القتل بالإيمان، والفاء للسببية، ومن فوائدها: الدلالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار. { من قبل أن يتماسا } أي: المظاهر والمظاهر منها، ومذهب مالك والجمهور: أن المس هنا يراد به الوطء، وما دونه من اللمس والقبلة، فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئا من ذلك حتى يكفر، فإن فعل شيئا من ذلك تاب ولا يعود. وقال الحسن والثوري: أراد الوطء خاصة، فأباحا ما دونه من قبل الكفارة. { ذالكم } الحكم { توعظون به } لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار، وتخافوا عقاب الله عليه، { والله بما تعملون خبير } مطلع على ما ظهر من أعمالكم، التي من جملتها الظاهر. { فمن لم يجد } الرقبة { فصيام شهرين } أي: فعليه صيام شهرين { متتابعين من قبل أن يتماسا } فإن أفسده باختياره من أوله باتفاق، وإن أفسده بعذر، كمرض أو نسيان، فقال مالك: يبني على ما كان معه، في رواية عنه، وقال أبو حنيفة: يبتدئ، وروي القولان عن الشافعي. { فمن لا يستطع } الصيام { فإطعام ستين مسكينا } بمد هشام على مذهب مالك. واختلف في قدره، فقيل: إنه مدان غير ثلث بمد النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنه مد وثلث، وقيل: إنه مدان، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي وابن القصار: يطعم مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين، ولا يجزئه إلا كمال الستين، فإن أطعم مسكينا واحدا ستين يوما لم يجزه عند مالك والشافعي، خلافا لأبي حنيفة، وكذلك إن أطعم ثلاثين مرتين، والطعام يكون من غالب قوت البلد. وذكر الحق جل جلاله: { من قبل أن يتماسا } في العتق والصوم، ولم يذكره في الإطعام، فاختلف العلماء في ذلك، فحمل مالك الإطعام على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلا قبل المسيس، وجعل ذلك من المطلق الذي يحمل على المقيد. وقال ابو حنيفة: يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس، وقال الشافعي: يجب تقديمه على المسيس، لكن لا يستانف إن مس في حال الإطعام. وجعل الأطعام. وجعل الحق جل جلاله كفارة الظهار مرتبة، فلا ينتقل عن الأول حتى يعجز عنه، ومثلها كفارة القتل والتمتع، وقد نظم بعضهم أنواع الكفارات، ما فيه الترتيب وما فيه التخيير، فقال: خير بصوم ثم صيد وأذى وقل لكل خصلة يا حبذا ورتب الظهار والتمتعا والقتل ثم في اليمين اجتمعا { ذلك لتؤمنوا } الإشارة إلى ما مر من البيان والتعليم للأحكام، ومحله رفع أو نصب، أي: ذلك واقع، أو فصلنا ذلك لتؤمنوا { بالله ورسوله } وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم، وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم، { وتلك } أي: الأحكام التي وصفنا في الظهار والكفارة، { حدود الله } التي لا يجوز تعديها، { وللكافرين } أي: الذين لا يعملون بها { عذاب أليم } عبر عنه بالكفر تغليظا على طريق: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين [آل عمران: 97]. الإشارة: الذين يباعدون من أنفسهم، فيحرمون عليها التمتع بما أحل الله من الطيبات، تضييقا وتشديدا عليها، مفرطين في ذلك، محتجين لذلك بأنهم كانوا في بطن الشهوات، فقد ملكتهم ملك الأم لولدها، قال تعالى: { ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } حيث حرموا ما أحل الله، والمراد بذلك الإفراط المؤدي إلى التلف. قال القشيري: لأن النفس مطية الروح، فلا تسلك طريق السير إلا بها، وهي مددها ومعونتها، كما قال عليه السلام: " إن لنفسك عليك حقا " فلا بد للروح من مسامحة النفس ومداراتها في بضع الأوقات، لتميل النفس إلى تصرفها وحكمها فيها، وإلا ضعفت وكلت عن موافقتها، فتنقطع الروح عن السلوك إلى الله.ه. قلت: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يكن أحدكم كالمنبت، لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى " { وإن الله لعفو غفور } لمن وقع له شيء من هذا ورجع. والذين يظاهرون من نسائهم، يباعدون من أنفسهم، ثم يعودون إلى الترفق بها والاستمتاع بما أحل الله لها، فكفارته تحرير رقبة من ملك الشهوة، فلا يتناول شيئا من المباحات الطيبة، إلا بنية التقرب إلى الله والشكر، لا بنية مجرد الاستمتاع، ولا يتناول من الشهوات التي شرهت إليها النفس، وحرصت على تحصيلها قبل حصولها، شيئا قط، فإن لم يقدر عليها على هذا النمط، فعليه صيام شهرين أو أكثر، مجاهدة ورياضة، حتى تقف على حد الضرورة، فإن لم يتسطع فإطعام ستين مسكينا أو أكثر، بكل ما يدخل عليه من الحظوظ. وقال القشيري: وإن لم يقدر على تحرير رقبته على هذا الارتباط فيجب على الروح أن تصوم شهرين متتابعين، يعني يمسك نفسه عن الالتفات إلى الكونين على الدوام والاستمرار، من غير تخلل التفات، وإن لم يتمكن من قطع هذا الالتفات، لبقية من بقايا أنانيته، فيجب عليه إطعام ستين مسكينا من مساكين القوى الروحانية، المستهلك لسلطنة النفس وصفاتها، ليقيمهم على التخلق بالأخلاق الإلهية، والتحقق بالصفات الروحانية، ه. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله الإيمان الكامل، وتلك حدود الله لا يجوز تعديها بالأهوية والبدع، وللكافرين لهذه الحكم عذاب البعد ونار القطيعة، المؤلم للروح والقلب، بغم الحجاب وسوء الحساب. ثم ذكر وبال من خالف أمره، فقال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله }.

المجادلة 58:4

يقول الحق جل جلاله: { والذين يظهرون } وأصله: يتظهرون، فأدمغت التاء في الظاء، وقرأ عاصم: بضم الياء وتخفيف الظاء، مضارع ظاهر لأن كل واحد يباعد صاحبه، وقرأ ابن عامر والأخوان وأبو جعفر وخلف بفتح الياء وشد الظاء بالمد، مضارع " تظاهر " ، والحاصل في فعل الظهار ثلاث لغات: ظاهر وتظاهر وتظهر، مأخذة من الظهر لأنه يشبه امرأته بظهر أمه، ولا مفهوم للظهر، بل كل جزء منها مثل الظهر. وفي قوله: { منكم } توبيخ للعرب، لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم، { من نسائهم } من زوجاتهم، { ما هن أمهاتهم }: خبر الموصول، أي: ليسوا بأمهاتهم حقيقة، فهو كذب محض، { إن أمهاتهم } حقيقة { إلا اللائي ولدنهم } من بطونهن، فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الشرع بهن من المرضعات وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخلن بذلك في حكم الأمهات، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة. { وزورا } كذبا باطلا، منحرفا عن الحق، { وإن الله لعفو غفور } لما سلف منهم. ثم ذكر الحكم بعد بيان إنكاره، فقال: { والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } أي: والذين يقولون ذلك القول المنكر، ثم يعودون إلى ما قالوا بالتدارك والتلافي ورفع التضرر، أو: لنقيض ما قالوا: قال ابن جزي: في معنى العود ستة أقوال: الأول: إيقاع الظهار في الإسلام، فالمعنى أنهم كانوا يظاهرون في الجاهلية، فإذا فعلوه في الإسلام فذلك عود إليه، هذا قول ابن قتيبة، فتجب الكفارة عنده بنفس الظهار، بخلاف أقوال غيره، فإن الكفارة لا تجب إلا بالظهار والعود معا. القول الثاني: إن العود هو وطء الزوجة، روي ذلك عن مالك، فلا تجب الكفارة على هذا حتى يطأ، فإذا وطئها وجبت عليه الكفارة، أمسك الزوجة أو طلقها، أو ماتت. الثالث: إن العود هو العزم على الوطء، وروي هذا أيضا عن مالك، فإذا عزم على الوطء وجبت الكفارة، أمسك، أو طلق، أو ماتت. الرابع: إن العود هو العزم على الوطء والإمساك، وهذا أصح الروايات عن مالك. الخامس: إنه العزم على الإمساك خاصة، وهذا مذهب الشافعي، فإذا ظاهر ولم يطلقها بعد الظهار لزمته الكفارة. السادس: إنه تكرار الظهار مرة أخرى، وهذا مذهب الظاهرية، وهو ضعيف، لأنهم لا يرون الظهار موجبا حكما في أول مرة، وإنما يوجبه في الثانية، وإنما نزلت فيما ظاهر أول مرة، فذلك يرد عليهم، ويختلف معنى " لما قالوه " باختلاف هذه الأقوال، فالمعنى: يعودون للوطء الذي حرموه، أو للعزم عليه، أو للإمساك الذي تركوه، أو للعزم عليه. ه. { فتحرير رقبة } أي: فتداركه، أو فعليه، أو فالواجب تحرير رقبة. واشترط مالك والشافعي أن تكون مؤمنة، حملا للمطلق على المقيد لأنه قيدها في القتل بالإيمان، والفاء للسببية، ومن فوائدها: الدلالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار. { من قبل أن يتماسا } أي: المظاهر والمظاهر منها، ومذهب مالك والجمهور: أن المس هنا يراد به الوطء، وما دونه من اللمس والقبلة، فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئا من ذلك حتى يكفر، فإن فعل شيئا من ذلك تاب ولا يعود. وقال الحسن والثوري: أراد الوطء خاصة، فأباحا ما دونه من قبل الكفارة. { ذالكم } الحكم { توعظون به } لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار، وتخافوا عقاب الله عليه، { والله بما تعملون خبير } مطلع على ما ظهر من أعمالكم، التي من جملتها الظاهر. { فمن لم يجد } الرقبة { فصيام شهرين } أي: فعليه صيام شهرين { متتابعين من قبل أن يتماسا } فإن أفسده باختياره من أوله باتفاق، وإن أفسده بعذر، كمرض أو نسيان، فقال مالك: يبني على ما كان معه، في رواية عنه، وقال أبو حنيفة: يبتدئ، وروي القولان عن الشافعي. { فمن لا يستطع } الصيام { فإطعام ستين مسكينا } بمد هشام على مذهب مالك. واختلف في قدره، فقيل: إنه مدان غير ثلث بمد النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنه مد وثلث، وقيل: إنه مدان، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي وابن القصار: يطعم مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين، ولا يجزئه إلا كمال الستين، فإن أطعم مسكينا واحدا ستين يوما لم يجزه عند مالك والشافعي، خلافا لأبي حنيفة، وكذلك إن أطعم ثلاثين مرتين، والطعام يكون من غالب قوت البلد. وذكر الحق جل جلاله: { من قبل أن يتماسا } في العتق والصوم، ولم يذكره في الإطعام، فاختلف العلماء في ذلك، فحمل مالك الإطعام على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلا قبل المسيس، وجعل ذلك من المطلق الذي يحمل على المقيد. وقال ابو حنيفة: يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس، وقال الشافعي: يجب تقديمه على المسيس، لكن لا يستانف إن مس في حال الإطعام. وجعل الأطعام. وجعل الحق جل جلاله كفارة الظهار مرتبة، فلا ينتقل عن الأول حتى يعجز عنه، ومثلها كفارة القتل والتمتع، وقد نظم بعضهم أنواع الكفارات، ما فيه الترتيب وما فيه التخيير، فقال: خير بصوم ثم صيد وأذى وقل لكل خصلة يا حبذا ورتب الظهار والتمتعا والقتل ثم في اليمين اجتمعا { ذلك لتؤمنوا } الإشارة إلى ما مر من البيان والتعليم للأحكام، ومحله رفع أو نصب، أي: ذلك واقع، أو فصلنا ذلك لتؤمنوا { بالله ورسوله } وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم، وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم، { وتلك } أي: الأحكام التي وصفنا في الظهار والكفارة، { حدود الله } التي لا يجوز تعديها، { وللكافرين } أي: الذين لا يعملون بها { عذاب أليم } عبر عنه بالكفر تغليظا على طريق: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين [آل عمران: 97]. الإشارة: الذين يباعدون من أنفسهم، فيحرمون عليها التمتع بما أحل الله من الطيبات، تضييقا وتشديدا عليها، مفرطين في ذلك، محتجين لذلك بأنهم كانوا في بطن الشهوات، فقد ملكتهم ملك الأم لولدها، قال تعالى: { ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } حيث حرموا ما أحل الله، والمراد بذلك الإفراط المؤدي إلى التلف. قال القشيري: لأن النفس مطية الروح، فلا تسلك طريق السير إلا بها، وهي مددها ومعونتها، كما قال عليه السلام: " إن لنفسك عليك حقا " فلا بد للروح من مسامحة النفس ومداراتها في بضع الأوقات، لتميل النفس إلى تصرفها وحكمها فيها، وإلا ضعفت وكلت عن موافقتها، فتنقطع الروح عن السلوك إلى الله.ه. قلت: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يكن أحدكم كالمنبت، لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى " { وإن الله لعفو غفور } لمن وقع له شيء من هذا ورجع. والذين يظاهرون من نسائهم، يباعدون من أنفسهم، ثم يعودون إلى الترفق بها والاستمتاع بما أحل الله لها، فكفارته تحرير رقبة من ملك الشهوة، فلا يتناول شيئا من المباحات الطيبة، إلا بنية التقرب إلى الله والشكر، لا بنية مجرد الاستمتاع، ولا يتناول من الشهوات التي شرهت إليها النفس، وحرصت على تحصيلها قبل حصولها، شيئا قط، فإن لم يقدر عليها على هذا النمط، فعليه صيام شهرين أو أكثر، مجاهدة ورياضة، حتى تقف على حد الضرورة، فإن لم يتسطع فإطعام ستين مسكينا أو أكثر، بكل ما يدخل عليه من الحظوظ. وقال القشيري: وإن لم يقدر على تحرير رقبته على هذا الارتباط فيجب على الروح أن تصوم شهرين متتابعين، يعني يمسك نفسه عن الالتفات إلى الكونين على الدوام والاستمرار، من غير تخلل التفات، وإن لم يتمكن من قطع هذا الالتفات، لبقية من بقايا أنانيته، فيجب عليه إطعام ستين مسكينا من مساكين القوى الروحانية، المستهلك لسلطنة النفس وصفاتها، ليقيمهم على التخلق بالأخلاق الإلهية، والتحقق بالصفات الروحانية، ه. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله الإيمان الكامل، وتلك حدود الله لا يجوز تعديها بالأهوية والبدع، وللكافرين لهذه الحكم عذاب البعد ونار القطيعة، المؤلم للروح والقلب، بغم الحجاب وسوء الحساب. ثم ذكر وبال من خالف أمره، فقال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله }.

المجادلة 58:5

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يحادون الله ورسوله } أي: يعادونهما ويشاقونهما فإن كلا من المتعادين في عدوة وشق غير الآخر، وكذلك يكون كل واحد منهما في حد غير حد الآخر،غير أن لذكر المحادة هنا لما ذكر حدود الله من حسن الموقع ما لا غاية وراءه. ثم أخبر عنهم فقال: { كبتوا } أي: أخذوا وأهلكوا، أو: لعنوا { كما كبت الذين من قبلهم } من كفار الأمم الماضية المعادين للرسل عليهم السلام. وقال القشيري: يحادون: يخالفون أمر الله، ويتركون طاعة رسول الله، أذلوا وأخزوا كما أذل من قبلهم من الكفار والعصاة. نزلت في المستهزئين يوم ا لخندق، إذ الله أجرى سنته بالانتقام من أهل الإجرام، ومن ضيع لرسول الله سنة واحدة في دينه ببدعة انخرط في سلك هذا الخزي، ووقع في هذا الذل. ه. وقال ابن عطية: الآية نزلت في المنافقين واليهود، وكانوا يتربصون بالرسول والمؤمنين الدوائر، ويتمنون فيهم المكروه، ويتناجون بذلك. ه. { وقد أنزلنا آيات بينات }: حال من ضمير " كبتوا " أي: كبتوا بمحادتهم، والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ورسوله، ممن قبلهم من الأمم وفيما فعلنا بهم، أو: آيات على صدق الرسول وصحة ما جاء به، { وللكافرين } بهذه الآيات، أو: بكل ما يجب الإيمان به، فيدخل فيه تلك الآيات دخولا أوليا، { عذاب مهين } يذهب بعزهم وكبرهم. واذكر { يوم يبعثهم الله جميعا } أو: لهم ذلك العذاب { يوم يبعثهم الله جميعا } أي: لا يترك أحدا منهم، أو مجتمعين في حال واحد وصعيد واحد، { فينبئهم بما عملوا } من القبائح، تخجيلا لهم، وتشهيرا لحالهم، وتشديدا لعذابهم، فيتمنون حينئذ المسارعة إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد، { أحصاه الله } أحاط به عددا، لم يفته منه شيء، والجملة استئناف بياني، كأنه قيل: كيف ينبئهم بما عملوا، وهي أعراض منقضية متلاشية، فقيل: { أحصاه الله ونسوه } أي: قد نسوه لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه وإنما تحفظ معظمات الأمور. وهو حال أيضا. { والله على كل شيء شهيد } لا يغيب عنه شيء. والجملة اعتراض تذييلي، مقررة لإحصائه تعالى. ثم استشهد على شمول شهادته تعالى، فقال: { ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض } فهو كقوله تعالى: ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم فى ربه [البقرة: 258]، ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون [الشعراء: 225] أي: ألم تعلم علما مزاحما للمشاهدة أن الله يعلم ما استقر في السماوات وما في الأرض من الموجودات، { ما يكون من نجوى ثلاثة }: استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه تعالى، ومبين لكيفيته، و " كان " تامة، أي: ما يقع من تناجي ثلاثة نفر في مساررتهم { إلا هو } أي: الله تعالى { رابعهم } أي: جاعلهم أربعة من حيث إنه تعالى يشاركهم في الاطلاع عليها، { ولا خمسة } أي: ولا نجوى خمسة { إلا هو سادسهم ولا أدنى } ولا أقل { من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم } يعلم ما يتناجون به، فلا يخفى عليهم ما هم فيه. وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة، فإن الآية نزلت في المنافقين، وكانوا يتناجون مغايظة للمؤمنين على هذين العددين، وقيل: المعنى: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عددهم ولا أكثر، إلا والله معهم، يسمع ما يقولون، ولأن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعدا، إلى خمسة، إلى ستة، إلى ما اقتضته الحال، فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة، وقال: { ولا أدنى من ذلك } فدل على الاثنين والأربعة، وقال: { ولا أكثر } فدل على ما فوق هذا العدد. قاله النسفي. { ثم ينبئهم } يخبرهم { بما عملوا } تفضيحا وإظهارا لما يوجب عذابهم. { إن الله بكل شيء عليم } لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل سواء، فلا يخلو منه زمان ولا مكان. الإشارة: في الحديث: " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " فمن حاد أولياء الله فقد حاد الله ورسوله، فيكبت كما كبت من قبله ممن اشتغل بإذايتهم، وقد أنزلنا آيات واضحات على ثبوت الولاية في كل زمان، قال تعالى: ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلها [البقرة: 106]، وللكافرين الجاحدين لخصوصيتهم عذاب مهين، وهو البعد والطرد وغم الحجاب وسوء الحساب. يوم يبعثهم الله جميعا، أي: أهل الإنكار، فينبئهم بما عملوا من الانتقاد والإذاية، أحصاه الله ونسوه، لأنهم يعتقدون أنهم في ذلك على صواب لجهلهم المركب، فإذا تناجوا في شأنهم بما يسؤوهم فيقال في حقهم: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم... } الآية. قال القشيري: { إن الذين يحادون الله ورسوله } ، يعني: يحادون مظاهر الله، وهم الأولياء المحققون، العارفون القائمون بأسرار الحقائق، ومظاهر رسول الله، وهم العلماء العاملون، القائمون بأحكام الشرائع، كبتوا: أفحموا بالحجج وإظهار البراهين من الكرامات الظاهرة، وخرق العادات الباهرة، أو نشر العلوم الشريعة، ونشر الأحكام الفرعية، وقد أنزلنا بصحة ولايتهم، وقوة وراثتهم، علامات ظاهرة، ودلالات زاهرة، من المشاهدات والمعاينات، أو الحجج القاطعة والبراهين الساطعة، ومن ستر أنوار ولايتهم، وآثار وراثتهم، بساتر إنكاره، فله عذاب القطيعة والفضيحة مع إهانة من غير إبانة ه. ببعض البيان. قال الورتجبي: قوله تعالى: { إلا هو معهم } المعية بالعلم عموم، وبالقرب خصوص، والقرب بالعلم عموم، وبظهور التجلي خصوص، وذلك دنو { دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } ، فإذا ارتفع الأين والبين والمكان والجهات، واتصل أنوار كشوف الذات والصفات بالعارف، فذلك حقيقة المعية، إذ هو سبحانه منزه عن الانفصال والاتصال بالحدث. ولو ترى أهل النجوى، الذين مجالستهم لله وفي الله، لترى من وجوههم أنوار المعية، أين أنت من العلم الظاهر، الذي يدل على الرسوم. ألم تعلم أن علمه تعالى أزلي، وبالعلم يتجلى للمعلومات، فالصفات شاملة على الأفعال، ظاهرة من مشاهد الملعومات، فإذا كان الذرات لا تخلو من قرب الصفات، كيف تخلو عن قرب الذات الأرواح العالية المقدسة العاشقة المستغرقة في بحر وجوده، لا تظن في حقي أني جاهل بأن القديم لا يكون محل للحوادث، فإنه حديث المحدثين، أعبر من هذا البحر حتى لا تجد الحدثان ولا الإنسان في مشاهدة الرحمان ه. قلت: وحاصل كلامه: أن المعية بالعلم تستلزم المعية بالذات، إذا الصفة لا تفارق الموصوف، وإن بحر الذات اللطيف محيط بالكثيف منه من غير انفصال، وأما كون القديم لا يكون محل الحوادث فصحيح، لكن الحوادث عندنا فانية متلاشية، إذ ما ثم إلا تلوينات الخمرة الأزلية، وقد قال الجنيد: " إذا قرن الحادث بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم " ، فاعبر عن عالم الحس إلى بحر المعاني، حتى لا تجد إلا القديم الأزلي، فافهم وسلم. إن لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر الحادين المخالفين لها، فقال { ألم تر... } الخ. وأحسن منه: أنه لما هددهم في النجوى بقوله: { فينبئهم بما عملوا } وبكونه مطلعا عليهم، عقبه بقوله: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى }.

المجادلة 58:6

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يحادون الله ورسوله } أي: يعادونهما ويشاقونهما فإن كلا من المتعادين في عدوة وشق غير الآخر، وكذلك يكون كل واحد منهما في حد غير حد الآخر،غير أن لذكر المحادة هنا لما ذكر حدود الله من حسن الموقع ما لا غاية وراءه. ثم أخبر عنهم فقال: { كبتوا } أي: أخذوا وأهلكوا، أو: لعنوا { كما كبت الذين من قبلهم } من كفار الأمم الماضية المعادين للرسل عليهم السلام. وقال القشيري: يحادون: يخالفون أمر الله، ويتركون طاعة رسول الله، أذلوا وأخزوا كما أذل من قبلهم من الكفار والعصاة. نزلت في المستهزئين يوم ا لخندق، إذ الله أجرى سنته بالانتقام من أهل الإجرام، ومن ضيع لرسول الله سنة واحدة في دينه ببدعة انخرط في سلك هذا الخزي، ووقع في هذا الذل. ه. وقال ابن عطية: الآية نزلت في المنافقين واليهود، وكانوا يتربصون بالرسول والمؤمنين الدوائر، ويتمنون فيهم المكروه، ويتناجون بذلك. ه. { وقد أنزلنا آيات بينات }: حال من ضمير " كبتوا " أي: كبتوا بمحادتهم، والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ورسوله، ممن قبلهم من الأمم وفيما فعلنا بهم، أو: آيات على صدق الرسول وصحة ما جاء به، { وللكافرين } بهذه الآيات، أو: بكل ما يجب الإيمان به، فيدخل فيه تلك الآيات دخولا أوليا، { عذاب مهين } يذهب بعزهم وكبرهم. واذكر { يوم يبعثهم الله جميعا } أو: لهم ذلك العذاب { يوم يبعثهم الله جميعا } أي: لا يترك أحدا منهم، أو مجتمعين في حال واحد وصعيد واحد، { فينبئهم بما عملوا } من القبائح، تخجيلا لهم، وتشهيرا لحالهم، وتشديدا لعذابهم، فيتمنون حينئذ المسارعة إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد، { أحصاه الله } أحاط به عددا، لم يفته منه شيء، والجملة استئناف بياني، كأنه قيل: كيف ينبئهم بما عملوا، وهي أعراض منقضية متلاشية، فقيل: { أحصاه الله ونسوه } أي: قد نسوه لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه وإنما تحفظ معظمات الأمور. وهو حال أيضا. { والله على كل شيء شهيد } لا يغيب عنه شيء. والجملة اعتراض تذييلي، مقررة لإحصائه تعالى. ثم استشهد على شمول شهادته تعالى، فقال: { ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض } فهو كقوله تعالى: ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم فى ربه [البقرة: 258]، ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون [الشعراء: 225] أي: ألم تعلم علما مزاحما للمشاهدة أن الله يعلم ما استقر في السماوات وما في الأرض من الموجودات، { ما يكون من نجوى ثلاثة }: استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه تعالى، ومبين لكيفيته، و " كان " تامة، أي: ما يقع من تناجي ثلاثة نفر في مساررتهم { إلا هو } أي: الله تعالى { رابعهم } أي: جاعلهم أربعة من حيث إنه تعالى يشاركهم في الاطلاع عليها، { ولا خمسة } أي: ولا نجوى خمسة { إلا هو سادسهم ولا أدنى } ولا أقل { من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم } يعلم ما يتناجون به، فلا يخفى عليهم ما هم فيه. وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة، فإن الآية نزلت في المنافقين، وكانوا يتناجون مغايظة للمؤمنين على هذين العددين، وقيل: المعنى: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عددهم ولا أكثر، إلا والله معهم، يسمع ما يقولون، ولأن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعدا، إلى خمسة، إلى ستة، إلى ما اقتضته الحال، فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة، وقال: { ولا أدنى من ذلك } فدل على الاثنين والأربعة، وقال: { ولا أكثر } فدل على ما فوق هذا العدد. قاله النسفي. { ثم ينبئهم } يخبرهم { بما عملوا } تفضيحا وإظهارا لما يوجب عذابهم. { إن الله بكل شيء عليم } لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل سواء، فلا يخلو منه زمان ولا مكان. الإشارة: في الحديث: " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " فمن حاد أولياء الله فقد حاد الله ورسوله، فيكبت كما كبت من قبله ممن اشتغل بإذايتهم، وقد أنزلنا آيات واضحات على ثبوت الولاية في كل زمان، قال تعالى: ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلها [البقرة: 106]، وللكافرين الجاحدين لخصوصيتهم عذاب مهين، وهو البعد والطرد وغم الحجاب وسوء الحساب. يوم يبعثهم الله جميعا، أي: أهل الإنكار، فينبئهم بما عملوا من الانتقاد والإذاية، أحصاه الله ونسوه، لأنهم يعتقدون أنهم في ذلك على صواب لجهلهم المركب، فإذا تناجوا في شأنهم بما يسؤوهم فيقال في حقهم: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم... } الآية. قال القشيري: { إن الذين يحادون الله ورسوله } ، يعني: يحادون مظاهر الله، وهم الأولياء المحققون، العارفون القائمون بأسرار الحقائق، ومظاهر رسول الله، وهم العلماء العاملون، القائمون بأحكام الشرائع، كبتوا: أفحموا بالحجج وإظهار البراهين من الكرامات الظاهرة، وخرق العادات الباهرة، أو نشر العلوم الشريعة، ونشر الأحكام الفرعية، وقد أنزلنا بصحة ولايتهم، وقوة وراثتهم، علامات ظاهرة، ودلالات زاهرة، من المشاهدات والمعاينات، أو الحجج القاطعة والبراهين الساطعة، ومن ستر أنوار ولايتهم، وآثار وراثتهم، بساتر إنكاره، فله عذاب القطيعة والفضيحة مع إهانة من غير إبانة ه. ببعض البيان. قال الورتجبي: قوله تعالى: { إلا هو معهم } المعية بالعلم عموم، وبالقرب خصوص، والقرب بالعلم عموم، وبظهور التجلي خصوص، وذلك دنو { دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } ، فإذا ارتفع الأين والبين والمكان والجهات، واتصل أنوار كشوف الذات والصفات بالعارف، فذلك حقيقة المعية، إذ هو سبحانه منزه عن الانفصال والاتصال بالحدث. ولو ترى أهل النجوى، الذين مجالستهم لله وفي الله، لترى من وجوههم أنوار المعية، أين أنت من العلم الظاهر، الذي يدل على الرسوم. ألم تعلم أن علمه تعالى أزلي، وبالعلم يتجلى للمعلومات، فالصفات شاملة على الأفعال، ظاهرة من مشاهد الملعومات، فإذا كان الذرات لا تخلو من قرب الصفات، كيف تخلو عن قرب الذات الأرواح العالية المقدسة العاشقة المستغرقة في بحر وجوده، لا تظن في حقي أني جاهل بأن القديم لا يكون محل للحوادث، فإنه حديث المحدثين، أعبر من هذا البحر حتى لا تجد الحدثان ولا الإنسان في مشاهدة الرحمان ه. قلت: وحاصل كلامه: أن المعية بالعلم تستلزم المعية بالذات، إذا الصفة لا تفارق الموصوف، وإن بحر الذات اللطيف محيط بالكثيف منه من غير انفصال، وأما كون القديم لا يكون محل الحوادث فصحيح، لكن الحوادث عندنا فانية متلاشية، إذ ما ثم إلا تلوينات الخمرة الأزلية، وقد قال الجنيد: " إذا قرن الحادث بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم " ، فاعبر عن عالم الحس إلى بحر المعاني، حتى لا تجد إلا القديم الأزلي، فافهم وسلم. إن لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر الحادين المخالفين لها، فقال { ألم تر... } الخ. وأحسن منه: أنه لما هددهم في النجوى بقوله: { فينبئهم بما عملوا } وبكونه مطلعا عليهم، عقبه بقوله: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى }.

المجادلة 58:7

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يحادون الله ورسوله } أي: يعادونهما ويشاقونهما فإن كلا من المتعادين في عدوة وشق غير الآخر، وكذلك يكون كل واحد منهما في حد غير حد الآخر،غير أن لذكر المحادة هنا لما ذكر حدود الله من حسن الموقع ما لا غاية وراءه. ثم أخبر عنهم فقال: { كبتوا } أي: أخذوا وأهلكوا، أو: لعنوا { كما كبت الذين من قبلهم } من كفار الأمم الماضية المعادين للرسل عليهم السلام. وقال القشيري: يحادون: يخالفون أمر الله، ويتركون طاعة رسول الله، أذلوا وأخزوا كما أذل من قبلهم من الكفار والعصاة. نزلت في المستهزئين يوم ا لخندق، إذ الله أجرى سنته بالانتقام من أهل الإجرام، ومن ضيع لرسول الله سنة واحدة في دينه ببدعة انخرط في سلك هذا الخزي، ووقع في هذا الذل. ه. وقال ابن عطية: الآية نزلت في المنافقين واليهود، وكانوا يتربصون بالرسول والمؤمنين الدوائر، ويتمنون فيهم المكروه، ويتناجون بذلك. ه. { وقد أنزلنا آيات بينات }: حال من ضمير " كبتوا " أي: كبتوا بمحادتهم، والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ورسوله، ممن قبلهم من الأمم وفيما فعلنا بهم، أو: آيات على صدق الرسول وصحة ما جاء به، { وللكافرين } بهذه الآيات، أو: بكل ما يجب الإيمان به، فيدخل فيه تلك الآيات دخولا أوليا، { عذاب مهين } يذهب بعزهم وكبرهم. واذكر { يوم يبعثهم الله جميعا } أو: لهم ذلك العذاب { يوم يبعثهم الله جميعا } أي: لا يترك أحدا منهم، أو مجتمعين في حال واحد وصعيد واحد، { فينبئهم بما عملوا } من القبائح، تخجيلا لهم، وتشهيرا لحالهم، وتشديدا لعذابهم، فيتمنون حينئذ المسارعة إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد، { أحصاه الله } أحاط به عددا، لم يفته منه شيء، والجملة استئناف بياني، كأنه قيل: كيف ينبئهم بما عملوا، وهي أعراض منقضية متلاشية، فقيل: { أحصاه الله ونسوه } أي: قد نسوه لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه وإنما تحفظ معظمات الأمور. وهو حال أيضا. { والله على كل شيء شهيد } لا يغيب عنه شيء. والجملة اعتراض تذييلي، مقررة لإحصائه تعالى. ثم استشهد على شمول شهادته تعالى، فقال: { ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض } فهو كقوله تعالى: ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم فى ربه [البقرة: 258]، ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون [الشعراء: 225] أي: ألم تعلم علما مزاحما للمشاهدة أن الله يعلم ما استقر في السماوات وما في الأرض من الموجودات، { ما يكون من نجوى ثلاثة }: استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه تعالى، ومبين لكيفيته، و " كان " تامة، أي: ما يقع من تناجي ثلاثة نفر في مساررتهم { إلا هو } أي: الله تعالى { رابعهم } أي: جاعلهم أربعة من حيث إنه تعالى يشاركهم في الاطلاع عليها، { ولا خمسة } أي: ولا نجوى خمسة { إلا هو سادسهم ولا أدنى } ولا أقل { من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم } يعلم ما يتناجون به، فلا يخفى عليهم ما هم فيه. وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة، فإن الآية نزلت في المنافقين، وكانوا يتناجون مغايظة للمؤمنين على هذين العددين، وقيل: المعنى: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عددهم ولا أكثر، إلا والله معهم، يسمع ما يقولون، ولأن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعدا، إلى خمسة، إلى ستة، إلى ما اقتضته الحال، فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة، وقال: { ولا أدنى من ذلك } فدل على الاثنين والأربعة، وقال: { ولا أكثر } فدل على ما فوق هذا العدد. قاله النسفي. { ثم ينبئهم } يخبرهم { بما عملوا } تفضيحا وإظهارا لما يوجب عذابهم. { إن الله بكل شيء عليم } لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل سواء، فلا يخلو منه زمان ولا مكان. الإشارة: في الحديث: " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " فمن حاد أولياء الله فقد حاد الله ورسوله، فيكبت كما كبت من قبله ممن اشتغل بإذايتهم، وقد أنزلنا آيات واضحات على ثبوت الولاية في كل زمان، قال تعالى: ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلها [البقرة: 106]، وللكافرين الجاحدين لخصوصيتهم عذاب مهين، وهو البعد والطرد وغم الحجاب وسوء الحساب. يوم يبعثهم الله جميعا، أي: أهل الإنكار، فينبئهم بما عملوا من الانتقاد والإذاية، أحصاه الله ونسوه، لأنهم يعتقدون أنهم في ذلك على صواب لجهلهم المركب، فإذا تناجوا في شأنهم بما يسؤوهم فيقال في حقهم: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم... } الآية. قال القشيري: { إن الذين يحادون الله ورسوله } ، يعني: يحادون مظاهر الله، وهم الأولياء المحققون، العارفون القائمون بأسرار الحقائق، ومظاهر رسول الله، وهم العلماء العاملون، القائمون بأحكام الشرائع، كبتوا: أفحموا بالحجج وإظهار البراهين من الكرامات الظاهرة، وخرق العادات الباهرة، أو نشر العلوم الشريعة، ونشر الأحكام الفرعية، وقد أنزلنا بصحة ولايتهم، وقوة وراثتهم، علامات ظاهرة، ودلالات زاهرة، من المشاهدات والمعاينات، أو الحجج القاطعة والبراهين الساطعة، ومن ستر أنوار ولايتهم، وآثار وراثتهم، بساتر إنكاره، فله عذاب القطيعة والفضيحة مع إهانة من غير إبانة ه. ببعض البيان. قال الورتجبي: قوله تعالى: { إلا هو معهم } المعية بالعلم عموم، وبالقرب خصوص، والقرب بالعلم عموم، وبظهور التجلي خصوص، وذلك دنو { دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } ، فإذا ارتفع الأين والبين والمكان والجهات، واتصل أنوار كشوف الذات والصفات بالعارف، فذلك حقيقة المعية، إذ هو سبحانه منزه عن الانفصال والاتصال بالحدث. ولو ترى أهل النجوى، الذين مجالستهم لله وفي الله، لترى من وجوههم أنوار المعية، أين أنت من العلم الظاهر، الذي يدل على الرسوم. ألم تعلم أن علمه تعالى أزلي، وبالعلم يتجلى للمعلومات، فالصفات شاملة على الأفعال، ظاهرة من مشاهد الملعومات، فإذا كان الذرات لا تخلو من قرب الصفات، كيف تخلو عن قرب الذات الأرواح العالية المقدسة العاشقة المستغرقة في بحر وجوده، لا تظن في حقي أني جاهل بأن القديم لا يكون محل للحوادث، فإنه حديث المحدثين، أعبر من هذا البحر حتى لا تجد الحدثان ولا الإنسان في مشاهدة الرحمان ه. قلت: وحاصل كلامه: أن المعية بالعلم تستلزم المعية بالذات، إذا الصفة لا تفارق الموصوف، وإن بحر الذات اللطيف محيط بالكثيف منه من غير انفصال، وأما كون القديم لا يكون محل الحوادث فصحيح، لكن الحوادث عندنا فانية متلاشية، إذ ما ثم إلا تلوينات الخمرة الأزلية، وقد قال الجنيد: " إذا قرن الحادث بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم " ، فاعبر عن عالم الحس إلى بحر المعاني، حتى لا تجد إلا القديم الأزلي، فافهم وسلم. إن لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر الحادين المخالفين لها، فقال { ألم تر... } الخ. وأحسن منه: أنه لما هددهم في النجوى بقوله: { فينبئهم بما عملوا } وبكونه مطلعا عليهم، عقبه بقوله: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى }.

المجادلة 58:8

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه } نزلت في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم، ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعادوا لمثل فعلهم. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والهمزة للتعجيب من حالهم، وصيغة المضارع للدلالة على تكرير عودهم وتجدده، واستحضار صورته العجيبة. وفي السير: أنه أمر بإخراجهم من المسجد، فأخرجوا مجرورين، كما في الاكتفاء. { ويتناجون بالإثم والعدوان } أي: بما هو إثم في نفسه وعدوان للمؤمنين، { ومعصيت الرسول } أي: وتواص بمعصية الرسول. وذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة بين الخطابين المتوجهين إليه عليه السلام لزيادة تشنعهم واستعظام معصيتهم، { وإذا جاؤوا حيوك } أي: سلموا عليك { بما لم يحيك به الله } بما لا يسلم عليك الله تعالى، فكانوا يقولون في تحيتهم: السام عليك يا محمد. والسام: الموت، والله تعالى يقول في سلامه على رسوله: وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: 29] وسلام على المرسلين [الصفات: 181]. { ويقولون في أنفسهم } أي: فيما بينهم، أو في ضمائرهم، { لولا يعذبنا الله بما نقول } هلا يعذبنا الله بذلك، فلو كان نبيا لعاقبنا بالهلاك، قال تعالى: { حسبهم } عذابا { جهنم يصلونها } يدخلونها فيحترقون فيها، { فبئس المصير } المرجع جهنم. الإشارة: ألم تر إلى الذين نهوا عن الوقوع في أهل الخصوصية، والتناجي بما يسؤوهم ثم يعودون لما نهوا عنه، ويتناجون بالإثم والعدوان، وما فيه فساد البين وتشتيت القلوب، ومعصية الرسول بمخالفة سنته، وإذا جاؤوك أيها العارف، الخليفة للرسول، حيوك بما لم يحيك به الله، أي: خاطبوك بما لم يأمر الله أن تخاطب به من التعظيم، ويقولون في أنفسهم، لولا يعذبنا الله بن نفعل من تصغيرهم، حسبهم نار القطيعة والبعد، مخلدون فيها، فبئس المصير. ثم أمر المؤمنين بعكس ذلك، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم }.

المجادلة 58:9

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم } في أنديتكم وفي خلواتكم { فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } كفعل هؤلاء المنافقين، { وتناجوا بالبر والتقوى } أي: بما تضمن خير المؤمنين، والاتقاء عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم، أو: بأداء الفرائض وترك المعاصي، { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } فيجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر، { إنما النجوى } المعهودة التي هي التناجي بالإثم والعدوان، { من الشيطان } لا من غيره، فإنه المزين لها والحامل عليها { ليحزن } بها { الذين آمنوا } بتوهيمه أنها في نكبة أصابتهم، أو أصابت إخوانهم، او في الاشتغال بثلمهم وتنقيصهم. ولهذا نهى الشارع أن يتناجى اثنان دون الثالث، لئلا يتوهم أنهم يتكلمون فهي. قال تعالى { وليس بضارهم } أن يتناجى اثنان دون الثالث، لئلا يتوهم أنهم يتكلمون فهي. قال تعالى { وليس بضارهم } أي: وليس الشيطان أو الحزن بضارهم { شيئا } من الأشياء، أو شيئا من الضرر { إلا بإذن الله } بمشيئته، { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فلا تبالوا بنجواهم، فإن الله تعالى يعصمهم من شره وضرره، فيلكلوا أمرهم إلى الله، ويتعوذوا من شر الشيطان، فإن كيده ضعيف. قال القشيري: إنما قبح التناجي منهم، وعظم خطره لأنه تضمن فساد ذات البين، وخير الأمور ما عاد بإصلاح ذات البين، وبعكسه يكون الأمر بالضد، يعني: فيعظم خطر التناجي بالبر والتقوى، وبما يقرب إلى الله. ثم قال: إذا كانت المشاهدة غالبة، والقلوب حاضرة، والتوكل صحيحا، والنظر في موضعه صائبا، فلا تأثير لهذه الحالات، أي: لحزن الشيطان وتوهيمه وإضراره، وإنما هذا للضعفاء. ه. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم مع قلوبكم وأسراركم فلا تتناجوا بالإثم، وهو تدبير أمر الدنيا وشؤونها، بل غيبوا عنها يأتيكم نصيبكم منها، مع الفوز بالحضور مع الله، ولا تتناجوا بالعدوان، وهو شغل القلب بأمر الخلق، دفعا وجلبا، ضرا ونفعا، إذ ليس بيدهم شيء، ومعصية الرسول، وهو إضمار ترك السنة، أو مخالفة أمر المشايخ، وتناجوا بالبر، وهو الفكرة في عظمة الله، والتقوى، وهو الغيبة عما سوى الله بحصر القلب عن الخروج من الحضرة، واتقوا الله بترك ما سواه، الذي إليه تحشرون فيدخلكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. إنما النجوى، أي: الفكرة في الدنيا، من الشيطان لأن له بيتا في القلب لجهة الشمال، إذا ذكر الله انخنس، وإذا غفل القلب وسوس بهموم الدنيا، ليحزن الذين آمنوا ليكدر عليهم وقتهم، وليس بضارهم شيئا إذا قوي نور الإيمان إلا بإذن الله ومشيئته، فلا تسليط له من نفسه. وليس بضارهم شيئا إذا قوي نور الإيمان إلا بإذن الله ومشيئته، فلا تسليط له من نفسه. وعلى الله فليتوكل المؤمنون، فإذا صح توكلهم حفظهم منه، لقوله تعالى: إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون [النحل: 99]، وقد تقدم عن القشيري: أن الأقوياء لا يلحقهم شيء من حزنه وإضراره. وبالله التوفيق. ولما نهى المؤمنين عما هو سبب التباغض، أمرهم بما هو سبب التودد والتقارب، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا }.

المجادلة 58:10

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم } في أنديتكم وفي خلواتكم { فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } كفعل هؤلاء المنافقين، { وتناجوا بالبر والتقوى } أي: بما تضمن خير المؤمنين، والاتقاء عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم، أو: بأداء الفرائض وترك المعاصي، { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } فيجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر، { إنما النجوى } المعهودة التي هي التناجي بالإثم والعدوان، { من الشيطان } لا من غيره، فإنه المزين لها والحامل عليها { ليحزن } بها { الذين آمنوا } بتوهيمه أنها في نكبة أصابتهم، أو أصابت إخوانهم، او في الاشتغال بثلمهم وتنقيصهم. ولهذا نهى الشارع أن يتناجى اثنان دون الثالث، لئلا يتوهم أنهم يتكلمون فهي. قال تعالى { وليس بضارهم } أن يتناجى اثنان دون الثالث، لئلا يتوهم أنهم يتكلمون فهي. قال تعالى { وليس بضارهم } أي: وليس الشيطان أو الحزن بضارهم { شيئا } من الأشياء، أو شيئا من الضرر { إلا بإذن الله } بمشيئته، { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فلا تبالوا بنجواهم، فإن الله تعالى يعصمهم من شره وضرره، فيلكلوا أمرهم إلى الله، ويتعوذوا من شر الشيطان، فإن كيده ضعيف. قال القشيري: إنما قبح التناجي منهم، وعظم خطره لأنه تضمن فساد ذات البين، وخير الأمور ما عاد بإصلاح ذات البين، وبعكسه يكون الأمر بالضد، يعني: فيعظم خطر التناجي بالبر والتقوى، وبما يقرب إلى الله. ثم قال: إذا كانت المشاهدة غالبة، والقلوب حاضرة، والتوكل صحيحا، والنظر في موضعه صائبا، فلا تأثير لهذه الحالات، أي: لحزن الشيطان وتوهيمه وإضراره، وإنما هذا للضعفاء. ه. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم مع قلوبكم وأسراركم فلا تتناجوا بالإثم، وهو تدبير أمر الدنيا وشؤونها، بل غيبوا عنها يأتيكم نصيبكم منها، مع الفوز بالحضور مع الله، ولا تتناجوا بالعدوان، وهو شغل القلب بأمر الخلق، دفعا وجلبا، ضرا ونفعا، إذ ليس بيدهم شيء، ومعصية الرسول، وهو إضمار ترك السنة، أو مخالفة أمر المشايخ، وتناجوا بالبر، وهو الفكرة في عظمة الله، والتقوى، وهو الغيبة عما سوى الله بحصر القلب عن الخروج من الحضرة، واتقوا الله بترك ما سواه، الذي إليه تحشرون فيدخلكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. إنما النجوى، أي: الفكرة في الدنيا، من الشيطان لأن له بيتا في القلب لجهة الشمال، إذا ذكر الله انخنس، وإذا غفل القلب وسوس بهموم الدنيا، ليحزن الذين آمنوا ليكدر عليهم وقتهم، وليس بضارهم شيئا إذا قوي نور الإيمان إلا بإذن الله ومشيئته، فلا تسليط له من نفسه. وليس بضارهم شيئا إذا قوي نور الإيمان إلا بإذن الله ومشيئته، فلا تسليط له من نفسه. وعلى الله فليتوكل المؤمنون، فإذا صح توكلهم حفظهم منه، لقوله تعالى: إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون [النحل: 99]، وقد تقدم عن القشيري: أن الأقوياء لا يلحقهم شيء من حزنه وإضراره. وبالله التوفيق. ولما نهى المؤمنين عما هو سبب التباغض، أمرهم بما هو سبب التودد والتقارب، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا }.

المجادلة 58:11

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس } [المجادلة: 11] أي: توسعوا فيه، وقيل: " في المجلس " متعلق بقيل، أي: إذا قيل لكم في المجلس تفسحوا فافسحوا، والمراد: مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتضامون فيه تنافسا فيه صلى الله عليه وسلم وحرصا على استماع كلامه. وقرأ عاصم " مجالس " أي: في مجالس الرسول التي تجلسونها. وقيل: المراد: مجالس القتال، وهي مراكز الغزاة، كقوله تعالى: مقاعد للقتال [آل عمران: 121] قيل: كان الرجل يأتي الصف، فيقول: تفسحوا، فيأبوا، لحرصهم. والأول أنسب بذكر النجوى أولا وثانيا. فإن امتثلتم وتفسحتم { يفسح الله لكم } في كل ما تريدون التفسح فيه، من الرزق، والدار، والصدر، والقبر، والجنة، والعلم، والمعرفة. { وإذا قيل انشزوا } أي: ارتفعوا من مجلسه، وانهضوا للصلاة، أو الجهاد، أو غيرهما من أعمال البر، أو: انشزوا للتوسعة في المجلس على المقبلين، { فانشزوا } أي: فانهضوا ولا تبطئوا، وقيل: كانوا يطيلون الجلوس معه صلى الله عليه وسلم وربما جلس قوم حتى يؤمروا بالقيام، فأمروا بالقيام وعدم التثقيل. وفي مضارع " نشز " لغتان الضم والكسر، والأمر تابع له. { يرفع الله الذين آمنوا منكم } بامتثال أوامره وأمر رسوله، بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، والإيواء إلى غرف الجنان في الآخرة. { و } يرفع { الذين أوتوا العلم } خصوصا { درجات } عالية، بما جمعوا من أثري العلم والعمل، فإن العلم مع علو رتبته يزيد مع العمل رفعة لا يدرك شأوها، بخلاف العلم العاري عن العمل، وإن كان له شرف في الجملة، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله فقط. وفي هذه الدرجات قولان، أحدهما: في الدنيا، في الرتبة والشرف والتعظيم، والآخر: في الآخرة، وهو أرجح. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: " يرفع العالم فوق المؤمن سبعمائة درجة، بين كل درجة كما بين السماء والأرض " ، ومثل هذا لا يقال بالرأي. وتقدير الآية: يرفع الله الذي آمنوا منكم درجة، والذين أوتوا العلم درجات، وقيل: " درجات " يرجع لهما معا، وتفضيل أهل العلم يؤخذ من خارج. وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه كان إذا قرأها قال: " يا أيها الناس افهموا هذه الآية، ولترغبكم في العلم ". وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدرعلى سائر الكواكب " ، وعنه صلى الله عليه وسلم: " عبادة العالم يوما واحدا تعدل عبادة العابد أربعين سنة " يعني الجاهل، وعنه صلى الله عليه وسلم: " يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء " ، فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشمل الحديث العلماء بالله وبأحكام الله، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: خير سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك، فاخترا العلم، فأعطى المال والملك معه. وقال صلى الله عليه وسلم: " أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام: يا إبراهيم إني عليم، أحب كل عليم " وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم؟ وأي شيء فات من أدرك العلم؟ والعلوم أنواع، وشرفها باعتبار المعلوم، فأفضل العلوم: العلم بالذات العلية، على نعت الكشف والعيان، ثم العلم بالصفات والأسماء، ثم العلم بالأحكام، ثم العلم بالآلات الموصلة إليه. { والله بما تعملون خبير } تهديد لمن لم يمتثل الأمر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما قيل في مجلس العلم يقال في مجلس الوعظ، بل هو عينه لأنه العلم النافع، فإذا قدم واحد من الفقراء أو غيرهم لمجلس الشيخ، فوجد فرجة جلس فيها، وإلا جلس خلف الحلقة، ولو مع النعال، فلا يزاحم ولا يقم أحدا ليجلس، إلا أن يأمره الشيخ بالتقدم لمنفعة فيه في إعانة الشيخ، فليتقدم برفق ولطافة وأدب. وإذا قيل لأهل المجلس: تفسحوا فليتفسحوا، يفسح الله لهم في العلم والعرفان، والأخلاق والوجدان، والمقامات، وسائر ما يطلب التوسع فيه. وإذا قيل: انشزوا لصلاة أو خدمة أو ملاقاة، فانشزوا، يرفع الله الذين آمنوا منكم، وليس فيهم أهلية لصريح المعرفة درجة عن العامة، حيث صحبوا العارفين للتبرك والحرمة. ويرفع الذين أتوا العلم بالذات، على سبيل الكشف والعيان، درجات، سبعمائة درجة، على العالم صاحب الدليل والبرهان، فيرفع العالم فوق الجاهل سبعمائة درجة، ويرفع العارف فوق العالم سبعمائة. فالناس أربع طبقات: الطبعة العيا الأولياء والعارفون بالله، ثم العلماء، ثم الصالحون، ثم عامة المؤمنين. والمراد بالأولياء من من الله عليه بملاقاة شيخ التربية، حتى دخل مقام الفناء والبقاء، زاح عنه حجاب الكائنات، وأفضى إلى شهود المكون، فهؤلاء هم المقربون الصديقون، والمراد بالعلماء العاملون المخلصون. قال في " لطائف المنن ": وحيثما وقع العلم في كتاب الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما المراد به النافع، المخمد للهوى، القامع للنفس، الذي تكتنفه الخشية، وتكون معه الإنابة، قال الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28]، فلم يجعل علم من لم يخش من العلماء علما، فشاهد العلم الذي هو مطلوب الله: الخشية، وشاهد الخشية: موافقة الأمر، وأما علم من يكوم معه الرغبة في الدنيا، والتملق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها، والجمع والإدخار، والمباهاة والاستكثار، وطول الأمل ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا وصفه من أن يكون من ورثة الأنبياء عليهم السلام، وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث، ومثل من هذه الأوصاف وصفه كمثل الشمعة تضيء على غيرها وهي تحرق نفسها، جعل الله علم من هذا وصفه حجة عليه، وسببا في تكثير العقوبة لديه، ولا يغرنك أن يكون به انتفاع للبادي والحاضر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " ، ومثل من تعلم العلم لاكتساب الدنيا، وتحصيل الرفعة بها، كمثل من رفع العذرة بملعقة من ياقوت، فما أشرف الوسيلة، وما أخس المتوسل إليه! ومثل من قطع الأوقات في طلب العلم، فمكث أربعين سنة يتعلم العلم ولا يعمل به، كمثل من قعد هذه المدة يتطهر ويجدد الطهارة، ولم يصل صلاة واحدة، إذ مقصود العلم العمل، كما أن المقصود بالطهارة وجود الصلاة، ولقد سأل رجل الحسن البصري عن مسألة، فأفتاه فيها، فقال الرجل للحسن: قد خالفك الفقهاء، فزجره الحسن، وقال: ويحك، وهل رأيت فقيها، إنما الفقيه من فقه عن الله أمره ونهيه. وسمعت شيخنا أبا العباس رضي الله عنه يقول: الفقيه من انفقأ الحجاب عن عيني قلبه، فشاهد ملكوت ربه. انتهى كلامه. فالعلماء المخلصون الذين عرفوا الله من طريق البرهان، تلي درجتهم درجة الأولياء الذين هم أهل الشهود والعيان، ثم الصالحون الأبرار، ثم عامة المؤمنين، ومن قال خلاف هذا فهو جاهل بمرتبة الولاية، قال صلى الله عليه وسلم: " عامة أهل الجنة البله " وعليون لذوي الألباب، وذووا الألباب هم أهل البصائر، الذين فتح الله بصيرتهم، وتطهرت سريرتهم بالمجاهدة والرياضة، حتى شاهدوا الحق وعرفوه، وقال تعالى: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب [الزمر: 17، 18]، وراجع ما تقدم في تفسيرها، وكل من كان محجوبا عن الله، يتسدل بغيره عليه، فهو من البله، إلا أن صاحب الاستدلال أربع من المقلد، أي: سلم من الوسواس، وإلا فالمقلد أحسن منه. ولما تكلم في الإحياء على درجات التوحيد، قال: " والدرجة العليا في ذلك للأنبياء، ثم للأوياء العارفين، ثم للعلماء الراسخين، ثم الصالحين " ، فقدم الأولياء على العلماء. وقال الأستاذ القشيري في أول رسالته: فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه. ه. سئل ابن رشد - رحمه الله - عن قول الغزالي والقشيري بتفضيل الأولياء على العلماء، فقال: أما تفضيل العارفين بالله على العارفين بأحكام الله فقول الأستاذ أبي حامد متفق عليه، ولا يشك عاقل أن العارفين بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال أفضل من العارفين بالأحكام، بل العارفون بالله أفضل من أهل الأصول والفروع لأن العلم يشرف بشرف المعلوم. ثم أطال الكلام في الاستدلال على ذلك، فانظر. ذكره في المعيار. وقال بعضهم في تفضيل العارف على العالم: إن العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول، يعني: أن العارف إذا تكلم في مقام من مقامات اليقين، كان قدمه فوق ما وصف، لأنه يسلكه دوما ثم يصفه، والعالم إنما يصفه بالنعت، وأيضا: العالم يدلك على العمل، والعارف يخرجك عن شهود العمل، العالم يحملك حمل التكليف، والعارف يروحك بشهود التعريف، العالم يدلك على علم الرسوم، والعارف يعرفك بذات الحي القيوم، العالم يدلك على الأسباب، والعارف يدلك على مسبب الأسباب، العالم يدلك على شهود الوسائط، والعارف يدلك على محرك الوسائط، العالم يحذرك من الوقوف مع الأغيار، والعارف يحذرك من الوقوف مع الأنوار، ويزج بك في حضرة الأسرار، العالم يحذرك من الشرك الجلي، والعارف يخلصك من الشرك الخفي، إلى غير من الفروقات بين العارف والعالم. ومن اصطلاحات الصوفية، أن العالم بالأحكام يسمى عالما، والعالم بالذات عيانا وكشفا يسمى عارفا، كما في القوت. وبالله التوفيق. ثم ذكر آداب مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول }.

المجادلة 58:12

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول } أي: إذا أردتم مناجاته في بعض شؤونكم المهمة، { فقدموا بين يدي نجواكم } أي: قبل نجواكم { صدقة } وهي استعارة ممن له يدان، كقول عمر رضي الله عنه: " من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدمه الرجل أما حاجته، فيستمطر به الكريم، ويستنزل به اللئيم " يريد: قبل حاجته. وفي هذا الأمر تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتفاع الفقراء، والزجر عن الإفراط في مناجاته وسؤاله عليه الصلاة والسلام، والتمييز بين المخلص والمنافق، وبين محب الآخرة ومحب الدنيا، وهل الأمر للندب، أو للوجوب لكنه نسخ بقوله: { أأشفقتم.. } الخ؟ وعن علي رضي الله عنه: " إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته صلى الله عليه وسلم تصدقت به ". وقال أيضا: " أنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين " ، قال رضي الله عنه: فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس، فقال: " يا علي كم ترى حد هذه الصدقة؟ أتراه دينارا؟ " قلت: لا، قال: " فنصف دينار "؟ قلت: لا، قال: " فكم "؟ قلت: حبة من شعير، قال: " إنك لزهيد " فأنزل الله الرخصة ". قال الفخر: قوله صلى الله عليه وسلم لعلي: " إنك لزهيد " معناه: إنك قليل المال، فقدرت على حسب حالك. وفي رواية: " شعيرة من ذهب " ، فقال: إنك لزهيد " أي: مصعر مقلل للدنيا. قاله في القوت. { ذلك } التقديم للصدقة { خير لكم } في دينكم { وأطهر } لنفوسكم من رذيلة البخل، ولأن الصدقة طهرة. { فإن لم تجدوا } ما تتصدقون به { فإن الله غفور رحيم } في ترخيص المناجاة من غير صدقة. قيل: كان ذلك عشر ليال، ثم نسخ، وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار. و " عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر مسائل، فأجابني عنها، ثم نزل نسخ الصدقة، قلت: يا رسول الله ما الوفاء؟ قال: " التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " قلت: وما الفساد؟ قال: " الكفر والشرك بالله " قلت: وما الحق؟ قال: " الإسلام، والقرآن والولاية إذا انتهت إليك " قلت: وما الحيلة؟ قال: " ترك الحيلة " ، قلت: وما علي؟ قال: " طاعة الله وطاعة رسوله " ، قلت: وكيف أدعو الله تعالى؟ قال: " بالصدق واليقين " قلت: وماذا أسأل الله؟ قال: " العافية " قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: " كل حلالا، وقل صدقا " قلت: وما السرور؟ قال: " الجنة " قلت: وما الراحة؟ قال: " لقاء الله " فلما فرغت منها نزل نسخ الصدقة. { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } أي: أخفتم الفقر من تقديم الصدقات، أو: أخفتم من هذا الأمر لما فيه من الإنفاق الذي تكرهه النفوس، { فإذ لم تفعلوا } ما أمرتم به وشق عليكم، { وتاب الله عليكم } أي: خفف عنكم، وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة، كما أزال المؤاخذة بالذنب عن التائب عنه، { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أي: فإذا فرطتم فيما أمرتم به من تقديم الصدقات، فتداركوه بالمثابرة على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، { وأطيعوا الله ورسوله } في سائر الأوامر، فإن القيام بها كالجابر لما وقع في ذلك من التفريط، { والله خبير بما تعملون } ظاهرا وباطنا، وهو وعد ووعيد. الإشارة: إذا أردتم مناجاة المشايخ في زيارتكم، فقدموا بين يدي نجواكم صدقة، تدفع للشيخ، أو لأهل داره، فإنها مفتاح لفيض المواهب، مثالها كالدلو، لا يمكن رفع الماء إلا به، ذلك خير لكم، وأطهر لقلوبكم من رذيلة من البخل، فإن لم تجدوا شيئا فإن الله غفور رحيم. أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات لثقل ذلك على النفس؟ فإذ لم تفعلوا وزرتم بلا صدقة، وقد تاب الله عليكم من هذا التفريط، فأقيموا صلاة القلوب، وهو التعظيم، ودوام العكوف في حضرة علام الغيوب، وآتوا زكاة أبدانكم، بإجهادها في خدمة المشايخ والإخوان، وأطيعوا الله ورسوله وخلفاءه فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه، { والله خبير بما تعملون }. ثم رجع إلى عتاب المنافقين، فقال: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما }.

المجادلة 58:13

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول } أي: إذا أردتم مناجاته في بعض شؤونكم المهمة، { فقدموا بين يدي نجواكم } أي: قبل نجواكم { صدقة } وهي استعارة ممن له يدان، كقول عمر رضي الله عنه: " من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدمه الرجل أما حاجته، فيستمطر به الكريم، ويستنزل به اللئيم " يريد: قبل حاجته. وفي هذا الأمر تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتفاع الفقراء، والزجر عن الإفراط في مناجاته وسؤاله عليه الصلاة والسلام، والتمييز بين المخلص والمنافق، وبين محب الآخرة ومحب الدنيا، وهل الأمر للندب، أو للوجوب لكنه نسخ بقوله: { أأشفقتم.. } الخ؟ وعن علي رضي الله عنه: " إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته صلى الله عليه وسلم تصدقت به ". وقال أيضا: " أنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين " ، قال رضي الله عنه: فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس، فقال: " يا علي كم ترى حد هذه الصدقة؟ أتراه دينارا؟ " قلت: لا، قال: " فنصف دينار "؟ قلت: لا، قال: " فكم "؟ قلت: حبة من شعير، قال: " إنك لزهيد " فأنزل الله الرخصة ". قال الفخر: قوله صلى الله عليه وسلم لعلي: " إنك لزهيد " معناه: إنك قليل المال، فقدرت على حسب حالك. وفي رواية: " شعيرة من ذهب " ، فقال: إنك لزهيد " أي: مصعر مقلل للدنيا. قاله في القوت. { ذلك } التقديم للصدقة { خير لكم } في دينكم { وأطهر } لنفوسكم من رذيلة البخل، ولأن الصدقة طهرة. { فإن لم تجدوا } ما تتصدقون به { فإن الله غفور رحيم } في ترخيص المناجاة من غير صدقة. قيل: كان ذلك عشر ليال، ثم نسخ، وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار. و " عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر مسائل، فأجابني عنها، ثم نزل نسخ الصدقة، قلت: يا رسول الله ما الوفاء؟ قال: " التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله " قلت: وما الفساد؟ قال: " الكفر والشرك بالله " قلت: وما الحق؟ قال: " الإسلام، والقرآن والولاية إذا انتهت إليك " قلت: وما الحيلة؟ قال: " ترك الحيلة " ، قلت: وما علي؟ قال: " طاعة الله وطاعة رسوله " ، قلت: وكيف أدعو الله تعالى؟ قال: " بالصدق واليقين " قلت: وماذا أسأل الله؟ قال: " العافية " قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: " كل حلالا، وقل صدقا " قلت: وما السرور؟ قال: " الجنة " قلت: وما الراحة؟ قال: " لقاء الله " فلما فرغت منها نزل نسخ الصدقة. { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } أي: أخفتم الفقر من تقديم الصدقات، أو: أخفتم من هذا الأمر لما فيه من الإنفاق الذي تكرهه النفوس، { فإذ لم تفعلوا } ما أمرتم به وشق عليكم، { وتاب الله عليكم } أي: خفف عنكم، وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة، كما أزال المؤاخذة بالذنب عن التائب عنه، { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أي: فإذا فرطتم فيما أمرتم به من تقديم الصدقات، فتداركوه بالمثابرة على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، { وأطيعوا الله ورسوله } في سائر الأوامر، فإن القيام بها كالجابر لما وقع في ذلك من التفريط، { والله خبير بما تعملون } ظاهرا وباطنا، وهو وعد ووعيد. الإشارة: إذا أردتم مناجاة المشايخ في زيارتكم، فقدموا بين يدي نجواكم صدقة، تدفع للشيخ، أو لأهل داره، فإنها مفتاح لفيض المواهب، مثالها كالدلو، لا يمكن رفع الماء إلا به، ذلك خير لكم، وأطهر لقلوبكم من رذيلة من البخل، فإن لم تجدوا شيئا فإن الله غفور رحيم. أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات لثقل ذلك على النفس؟ فإذ لم تفعلوا وزرتم بلا صدقة، وقد تاب الله عليكم من هذا التفريط، فأقيموا صلاة القلوب، وهو التعظيم، ودوام العكوف في حضرة علام الغيوب، وآتوا زكاة أبدانكم، بإجهادها في خدمة المشايخ والإخوان، وأطيعوا الله ورسوله وخلفاءه فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه، { والله خبير بما تعملون }. ثم رجع إلى عتاب المنافقين، فقال: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما }.

المجادلة 58:14

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم } وهم اليهود، لقوله: من لعنه الله وغضب عليه [المائدة: 60]. والغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام. كان المنافقون يتولون اليهود، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، ففضحهم الله. ثم قال تعالى: { ما هم منكم } يا معشر المسلمين { ولا منهم } أي: من اليهود، بل كانوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143]. { ويحلفون على الكذب } أي: يقولون: والله إنا لمسلمون لا منافقون، { وهم يعلمون } أنهم كاذبون منافقون، { أعد الله لهم عذابا شديدا } نوعا من العذاب متفاقما، { إنهم ساء ما كانوا يعملون } فيما مضى من الزمان، كانوا مصرين على سوء العمل، وتمرنوا عليه، أو: هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. { اتخذوا أيمانهم } الكاذبة { جنة } وقاية دون أموالهم ودمائهم، { فصدوا } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم، أو: فصدوا بأنفسهم { عن سبيل الله } عن طاعته والإيمان به، { فلهم عذاب مهين } يهينهم ويخزيهم، وأعد لهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب [النحل: 88]. { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله } من عذاب الله { شيئا } قليلا من الإغناء، أي: ما يخافون عليه من الأموال والأولاد فيحلفون لأجله، لا ينفعهم عند الله. روي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. فنزلت. { أولئك } الموصوفون بما ذكر من القبائح { أصحاب النار } ملازموها { هم فيها خالدون }. { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له } أي: لله تعالى في الآخرة أنهم كانوا مخلصين غير منافقين، { كما يحلفون لكم } في الدنيا على ذلك، { ويحسبون أنهم } في الدنيا { على شيء } من النفع، أو: يحسبون في الآخرة أنهم على شيء من النفع، من جلب منفعة أو دفع مضرة، كما كانوا في الدنيا، حيث كانوا يدفعون بها عن أزواجهم وأموالهم، { ألا إنهم هم الكاذبون } البالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب. { استحوذ عليهم الشيطان } استولى عليهم وملكهم، { فأنساهم ذكر الله } بحيث لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، { أولئك حزب الشيطان } أي: جنوده وأتباعه، { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غياية وراءه، حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم، وفي تصدير الجمة بحرفي التنبيه والتحقيق، وإظهار الشيطان معا في موضع الإضمار، وتوسيط ضمير الفصل، من فنون التأكيد ما لا يخفى. الإشارة: منافقون الصوفية هم الذين يقرون أهل الظاهر وينصرونهم، وينكرون على أهل الباطن، فإذا لقوهم أظهروا لهم المودة والوفاق، وادعوا أنهم منهم، فهم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليسوا من أهل الظاهر المحض، ولا من أهل الباطن، لعدم تحققهم به، تجر الآية ذيلها عليهم. والعذاب المعد لهم غم الحجاب، وتخلفهم عن درجات المقربين. قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة } قال القشيري: من استتر بحجة طاعته لأجل دنياه انكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى، ولا دنياه تسلم. قال تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } الآية. ه. يوم يبعثهم الله جميعا فيتحاشون إلى المقربين، ويحلفون بلسان حالهم: أنهم كانوا منهم، كما يحلفون اليوم، ويظنون أنهم من أهل الباطن، ويحسبون أنهم على شيء، فيبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وذلك لعدم صحبتهم للعارفين المخلصين، حصل لهم الغلظ، فوقفوا مع حسبانهم الضال، ولو دامت صحبتهم لأهل التوحيد الخاص لتنبهوا لغلطهم. استحوذ عليهم الشيطان، فزين لهم الوقوف مع ما هم فيه، فأنساهم ذكر العيان، فكانوا من حزب الشيطان في الجملة، بالنسبة إلى من فوقهم. قال شاة الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره، من المأكل والملبس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه، بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل قلبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها. ه. ثم ذكر مآل حزب الشيطان، فقال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله }.

المجادلة 58:15

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم } وهم اليهود، لقوله: من لعنه الله وغضب عليه [المائدة: 60]. والغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام. كان المنافقون يتولون اليهود، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، ففضحهم الله. ثم قال تعالى: { ما هم منكم } يا معشر المسلمين { ولا منهم } أي: من اليهود، بل كانوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143]. { ويحلفون على الكذب } أي: يقولون: والله إنا لمسلمون لا منافقون، { وهم يعلمون } أنهم كاذبون منافقون، { أعد الله لهم عذابا شديدا } نوعا من العذاب متفاقما، { إنهم ساء ما كانوا يعملون } فيما مضى من الزمان، كانوا مصرين على سوء العمل، وتمرنوا عليه، أو: هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. { اتخذوا أيمانهم } الكاذبة { جنة } وقاية دون أموالهم ودمائهم، { فصدوا } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم، أو: فصدوا بأنفسهم { عن سبيل الله } عن طاعته والإيمان به، { فلهم عذاب مهين } يهينهم ويخزيهم، وأعد لهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب [النحل: 88]. { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله } من عذاب الله { شيئا } قليلا من الإغناء، أي: ما يخافون عليه من الأموال والأولاد فيحلفون لأجله، لا ينفعهم عند الله. روي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. فنزلت. { أولئك } الموصوفون بما ذكر من القبائح { أصحاب النار } ملازموها { هم فيها خالدون }. { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له } أي: لله تعالى في الآخرة أنهم كانوا مخلصين غير منافقين، { كما يحلفون لكم } في الدنيا على ذلك، { ويحسبون أنهم } في الدنيا { على شيء } من النفع، أو: يحسبون في الآخرة أنهم على شيء من النفع، من جلب منفعة أو دفع مضرة، كما كانوا في الدنيا، حيث كانوا يدفعون بها عن أزواجهم وأموالهم، { ألا إنهم هم الكاذبون } البالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب. { استحوذ عليهم الشيطان } استولى عليهم وملكهم، { فأنساهم ذكر الله } بحيث لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، { أولئك حزب الشيطان } أي: جنوده وأتباعه، { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غياية وراءه، حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم، وفي تصدير الجمة بحرفي التنبيه والتحقيق، وإظهار الشيطان معا في موضع الإضمار، وتوسيط ضمير الفصل، من فنون التأكيد ما لا يخفى. الإشارة: منافقون الصوفية هم الذين يقرون أهل الظاهر وينصرونهم، وينكرون على أهل الباطن، فإذا لقوهم أظهروا لهم المودة والوفاق، وادعوا أنهم منهم، فهم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليسوا من أهل الظاهر المحض، ولا من أهل الباطن، لعدم تحققهم به، تجر الآية ذيلها عليهم. والعذاب المعد لهم غم الحجاب، وتخلفهم عن درجات المقربين. قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة } قال القشيري: من استتر بحجة طاعته لأجل دنياه انكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى، ولا دنياه تسلم. قال تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } الآية. ه. يوم يبعثهم الله جميعا فيتحاشون إلى المقربين، ويحلفون بلسان حالهم: أنهم كانوا منهم، كما يحلفون اليوم، ويظنون أنهم من أهل الباطن، ويحسبون أنهم على شيء، فيبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وذلك لعدم صحبتهم للعارفين المخلصين، حصل لهم الغلظ، فوقفوا مع حسبانهم الضال، ولو دامت صحبتهم لأهل التوحيد الخاص لتنبهوا لغلطهم. استحوذ عليهم الشيطان، فزين لهم الوقوف مع ما هم فيه، فأنساهم ذكر العيان، فكانوا من حزب الشيطان في الجملة، بالنسبة إلى من فوقهم. قال شاة الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره، من المأكل والملبس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه، بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل قلبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها. ه. ثم ذكر مآل حزب الشيطان، فقال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله }.

المجادلة 58:16

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم } وهم اليهود، لقوله: من لعنه الله وغضب عليه [المائدة: 60]. والغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام. كان المنافقون يتولون اليهود، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، ففضحهم الله. ثم قال تعالى: { ما هم منكم } يا معشر المسلمين { ولا منهم } أي: من اليهود، بل كانوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143]. { ويحلفون على الكذب } أي: يقولون: والله إنا لمسلمون لا منافقون، { وهم يعلمون } أنهم كاذبون منافقون، { أعد الله لهم عذابا شديدا } نوعا من العذاب متفاقما، { إنهم ساء ما كانوا يعملون } فيما مضى من الزمان، كانوا مصرين على سوء العمل، وتمرنوا عليه، أو: هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. { اتخذوا أيمانهم } الكاذبة { جنة } وقاية دون أموالهم ودمائهم، { فصدوا } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم، أو: فصدوا بأنفسهم { عن سبيل الله } عن طاعته والإيمان به، { فلهم عذاب مهين } يهينهم ويخزيهم، وأعد لهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب [النحل: 88]. { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله } من عذاب الله { شيئا } قليلا من الإغناء، أي: ما يخافون عليه من الأموال والأولاد فيحلفون لأجله، لا ينفعهم عند الله. روي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. فنزلت. { أولئك } الموصوفون بما ذكر من القبائح { أصحاب النار } ملازموها { هم فيها خالدون }. { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له } أي: لله تعالى في الآخرة أنهم كانوا مخلصين غير منافقين، { كما يحلفون لكم } في الدنيا على ذلك، { ويحسبون أنهم } في الدنيا { على شيء } من النفع، أو: يحسبون في الآخرة أنهم على شيء من النفع، من جلب منفعة أو دفع مضرة، كما كانوا في الدنيا، حيث كانوا يدفعون بها عن أزواجهم وأموالهم، { ألا إنهم هم الكاذبون } البالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب. { استحوذ عليهم الشيطان } استولى عليهم وملكهم، { فأنساهم ذكر الله } بحيث لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، { أولئك حزب الشيطان } أي: جنوده وأتباعه، { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غياية وراءه، حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم، وفي تصدير الجمة بحرفي التنبيه والتحقيق، وإظهار الشيطان معا في موضع الإضمار، وتوسيط ضمير الفصل، من فنون التأكيد ما لا يخفى. الإشارة: منافقون الصوفية هم الذين يقرون أهل الظاهر وينصرونهم، وينكرون على أهل الباطن، فإذا لقوهم أظهروا لهم المودة والوفاق، وادعوا أنهم منهم، فهم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليسوا من أهل الظاهر المحض، ولا من أهل الباطن، لعدم تحققهم به، تجر الآية ذيلها عليهم. والعذاب المعد لهم غم الحجاب، وتخلفهم عن درجات المقربين. قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة } قال القشيري: من استتر بحجة طاعته لأجل دنياه انكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى، ولا دنياه تسلم. قال تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } الآية. ه. يوم يبعثهم الله جميعا فيتحاشون إلى المقربين، ويحلفون بلسان حالهم: أنهم كانوا منهم، كما يحلفون اليوم، ويظنون أنهم من أهل الباطن، ويحسبون أنهم على شيء، فيبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وذلك لعدم صحبتهم للعارفين المخلصين، حصل لهم الغلظ، فوقفوا مع حسبانهم الضال، ولو دامت صحبتهم لأهل التوحيد الخاص لتنبهوا لغلطهم. استحوذ عليهم الشيطان، فزين لهم الوقوف مع ما هم فيه، فأنساهم ذكر العيان، فكانوا من حزب الشيطان في الجملة، بالنسبة إلى من فوقهم. قال شاة الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره، من المأكل والملبس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه، بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل قلبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها. ه. ثم ذكر مآل حزب الشيطان، فقال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله }.

المجادلة 58:17

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم } وهم اليهود، لقوله: من لعنه الله وغضب عليه [المائدة: 60]. والغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام. كان المنافقون يتولون اليهود، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، ففضحهم الله. ثم قال تعالى: { ما هم منكم } يا معشر المسلمين { ولا منهم } أي: من اليهود، بل كانوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143]. { ويحلفون على الكذب } أي: يقولون: والله إنا لمسلمون لا منافقون، { وهم يعلمون } أنهم كاذبون منافقون، { أعد الله لهم عذابا شديدا } نوعا من العذاب متفاقما، { إنهم ساء ما كانوا يعملون } فيما مضى من الزمان، كانوا مصرين على سوء العمل، وتمرنوا عليه، أو: هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. { اتخذوا أيمانهم } الكاذبة { جنة } وقاية دون أموالهم ودمائهم، { فصدوا } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم، أو: فصدوا بأنفسهم { عن سبيل الله } عن طاعته والإيمان به، { فلهم عذاب مهين } يهينهم ويخزيهم، وأعد لهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب [النحل: 88]. { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله } من عذاب الله { شيئا } قليلا من الإغناء، أي: ما يخافون عليه من الأموال والأولاد فيحلفون لأجله، لا ينفعهم عند الله. روي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. فنزلت. { أولئك } الموصوفون بما ذكر من القبائح { أصحاب النار } ملازموها { هم فيها خالدون }. { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له } أي: لله تعالى في الآخرة أنهم كانوا مخلصين غير منافقين، { كما يحلفون لكم } في الدنيا على ذلك، { ويحسبون أنهم } في الدنيا { على شيء } من النفع، أو: يحسبون في الآخرة أنهم على شيء من النفع، من جلب منفعة أو دفع مضرة، كما كانوا في الدنيا، حيث كانوا يدفعون بها عن أزواجهم وأموالهم، { ألا إنهم هم الكاذبون } البالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب. { استحوذ عليهم الشيطان } استولى عليهم وملكهم، { فأنساهم ذكر الله } بحيث لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، { أولئك حزب الشيطان } أي: جنوده وأتباعه، { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غياية وراءه، حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم، وفي تصدير الجمة بحرفي التنبيه والتحقيق، وإظهار الشيطان معا في موضع الإضمار، وتوسيط ضمير الفصل، من فنون التأكيد ما لا يخفى. الإشارة: منافقون الصوفية هم الذين يقرون أهل الظاهر وينصرونهم، وينكرون على أهل الباطن، فإذا لقوهم أظهروا لهم المودة والوفاق، وادعوا أنهم منهم، فهم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليسوا من أهل الظاهر المحض، ولا من أهل الباطن، لعدم تحققهم به، تجر الآية ذيلها عليهم. والعذاب المعد لهم غم الحجاب، وتخلفهم عن درجات المقربين. قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة } قال القشيري: من استتر بحجة طاعته لأجل دنياه انكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى، ولا دنياه تسلم. قال تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } الآية. ه. يوم يبعثهم الله جميعا فيتحاشون إلى المقربين، ويحلفون بلسان حالهم: أنهم كانوا منهم، كما يحلفون اليوم، ويظنون أنهم من أهل الباطن، ويحسبون أنهم على شيء، فيبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وذلك لعدم صحبتهم للعارفين المخلصين، حصل لهم الغلظ، فوقفوا مع حسبانهم الضال، ولو دامت صحبتهم لأهل التوحيد الخاص لتنبهوا لغلطهم. استحوذ عليهم الشيطان، فزين لهم الوقوف مع ما هم فيه، فأنساهم ذكر العيان، فكانوا من حزب الشيطان في الجملة، بالنسبة إلى من فوقهم. قال شاة الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره، من المأكل والملبس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه، بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل قلبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها. ه. ثم ذكر مآل حزب الشيطان، فقال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله }.

المجادلة 58:18

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم } وهم اليهود، لقوله: من لعنه الله وغضب عليه [المائدة: 60]. والغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام. كان المنافقون يتولون اليهود، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، ففضحهم الله. ثم قال تعالى: { ما هم منكم } يا معشر المسلمين { ولا منهم } أي: من اليهود، بل كانوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143]. { ويحلفون على الكذب } أي: يقولون: والله إنا لمسلمون لا منافقون، { وهم يعلمون } أنهم كاذبون منافقون، { أعد الله لهم عذابا شديدا } نوعا من العذاب متفاقما، { إنهم ساء ما كانوا يعملون } فيما مضى من الزمان، كانوا مصرين على سوء العمل، وتمرنوا عليه، أو: هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. { اتخذوا أيمانهم } الكاذبة { جنة } وقاية دون أموالهم ودمائهم، { فصدوا } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم، أو: فصدوا بأنفسهم { عن سبيل الله } عن طاعته والإيمان به، { فلهم عذاب مهين } يهينهم ويخزيهم، وأعد لهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب [النحل: 88]. { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله } من عذاب الله { شيئا } قليلا من الإغناء، أي: ما يخافون عليه من الأموال والأولاد فيحلفون لأجله، لا ينفعهم عند الله. روي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. فنزلت. { أولئك } الموصوفون بما ذكر من القبائح { أصحاب النار } ملازموها { هم فيها خالدون }. { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له } أي: لله تعالى في الآخرة أنهم كانوا مخلصين غير منافقين، { كما يحلفون لكم } في الدنيا على ذلك، { ويحسبون أنهم } في الدنيا { على شيء } من النفع، أو: يحسبون في الآخرة أنهم على شيء من النفع، من جلب منفعة أو دفع مضرة، كما كانوا في الدنيا، حيث كانوا يدفعون بها عن أزواجهم وأموالهم، { ألا إنهم هم الكاذبون } البالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب. { استحوذ عليهم الشيطان } استولى عليهم وملكهم، { فأنساهم ذكر الله } بحيث لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، { أولئك حزب الشيطان } أي: جنوده وأتباعه، { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غياية وراءه، حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم، وفي تصدير الجمة بحرفي التنبيه والتحقيق، وإظهار الشيطان معا في موضع الإضمار، وتوسيط ضمير الفصل، من فنون التأكيد ما لا يخفى. الإشارة: منافقون الصوفية هم الذين يقرون أهل الظاهر وينصرونهم، وينكرون على أهل الباطن، فإذا لقوهم أظهروا لهم المودة والوفاق، وادعوا أنهم منهم، فهم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليسوا من أهل الظاهر المحض، ولا من أهل الباطن، لعدم تحققهم به، تجر الآية ذيلها عليهم. والعذاب المعد لهم غم الحجاب، وتخلفهم عن درجات المقربين. قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة } قال القشيري: من استتر بحجة طاعته لأجل دنياه انكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى، ولا دنياه تسلم. قال تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } الآية. ه. يوم يبعثهم الله جميعا فيتحاشون إلى المقربين، ويحلفون بلسان حالهم: أنهم كانوا منهم، كما يحلفون اليوم، ويظنون أنهم من أهل الباطن، ويحسبون أنهم على شيء، فيبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وذلك لعدم صحبتهم للعارفين المخلصين، حصل لهم الغلظ، فوقفوا مع حسبانهم الضال، ولو دامت صحبتهم لأهل التوحيد الخاص لتنبهوا لغلطهم. استحوذ عليهم الشيطان، فزين لهم الوقوف مع ما هم فيه، فأنساهم ذكر العيان، فكانوا من حزب الشيطان في الجملة، بالنسبة إلى من فوقهم. قال شاة الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره، من المأكل والملبس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه، بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل قلبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها. ه. ثم ذكر مآل حزب الشيطان، فقال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله }.

المجادلة 58:19

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم } وهم اليهود، لقوله: من لعنه الله وغضب عليه [المائدة: 60]. والغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام. كان المنافقون يتولون اليهود، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، ففضحهم الله. ثم قال تعالى: { ما هم منكم } يا معشر المسلمين { ولا منهم } أي: من اليهود، بل كانوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143]. { ويحلفون على الكذب } أي: يقولون: والله إنا لمسلمون لا منافقون، { وهم يعلمون } أنهم كاذبون منافقون، { أعد الله لهم عذابا شديدا } نوعا من العذاب متفاقما، { إنهم ساء ما كانوا يعملون } فيما مضى من الزمان، كانوا مصرين على سوء العمل، وتمرنوا عليه، أو: هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. { اتخذوا أيمانهم } الكاذبة { جنة } وقاية دون أموالهم ودمائهم، { فصدوا } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم، أو: فصدوا بأنفسهم { عن سبيل الله } عن طاعته والإيمان به، { فلهم عذاب مهين } يهينهم ويخزيهم، وأعد لهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب [النحل: 88]. { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله } من عذاب الله { شيئا } قليلا من الإغناء، أي: ما يخافون عليه من الأموال والأولاد فيحلفون لأجله، لا ينفعهم عند الله. روي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. فنزلت. { أولئك } الموصوفون بما ذكر من القبائح { أصحاب النار } ملازموها { هم فيها خالدون }. { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له } أي: لله تعالى في الآخرة أنهم كانوا مخلصين غير منافقين، { كما يحلفون لكم } في الدنيا على ذلك، { ويحسبون أنهم } في الدنيا { على شيء } من النفع، أو: يحسبون في الآخرة أنهم على شيء من النفع، من جلب منفعة أو دفع مضرة، كما كانوا في الدنيا، حيث كانوا يدفعون بها عن أزواجهم وأموالهم، { ألا إنهم هم الكاذبون } البالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب. { استحوذ عليهم الشيطان } استولى عليهم وملكهم، { فأنساهم ذكر الله } بحيث لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، { أولئك حزب الشيطان } أي: جنوده وأتباعه، { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غياية وراءه، حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم، وفي تصدير الجمة بحرفي التنبيه والتحقيق، وإظهار الشيطان معا في موضع الإضمار، وتوسيط ضمير الفصل، من فنون التأكيد ما لا يخفى. الإشارة: منافقون الصوفية هم الذين يقرون أهل الظاهر وينصرونهم، وينكرون على أهل الباطن، فإذا لقوهم أظهروا لهم المودة والوفاق، وادعوا أنهم منهم، فهم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليسوا من أهل الظاهر المحض، ولا من أهل الباطن، لعدم تحققهم به، تجر الآية ذيلها عليهم. والعذاب المعد لهم غم الحجاب، وتخلفهم عن درجات المقربين. قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة } قال القشيري: من استتر بحجة طاعته لأجل دنياه انكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى، ولا دنياه تسلم. قال تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } الآية. ه. يوم يبعثهم الله جميعا فيتحاشون إلى المقربين، ويحلفون بلسان حالهم: أنهم كانوا منهم، كما يحلفون اليوم، ويظنون أنهم من أهل الباطن، ويحسبون أنهم على شيء، فيبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وذلك لعدم صحبتهم للعارفين المخلصين، حصل لهم الغلظ، فوقفوا مع حسبانهم الضال، ولو دامت صحبتهم لأهل التوحيد الخاص لتنبهوا لغلطهم. استحوذ عليهم الشيطان، فزين لهم الوقوف مع ما هم فيه، فأنساهم ذكر العيان، فكانوا من حزب الشيطان في الجملة، بالنسبة إلى من فوقهم. قال شاة الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره، من المأكل والملبس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه، بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل قلبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها. ه. ثم ذكر مآل حزب الشيطان، فقال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله }.

المجادلة 58:20

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يحادون الله ورسوله } أي: يخالفونهما، ويجعلون بينهم وبينهما حدا، وهم حزب الشيطان المتقدم، { أولئك في } جملة { الأذلين } لا ترى أحدا أذل منهم من الأولين والآخرين لأن ذلة أحد المتخاصمين على قدر عزة الآخر، وحيث كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة من يحاده كذلك. { كتب الله } في اللوح وقضاه، وحيث جرى مجرى القسم أجيب بما يجاب به، فقال: { لأغلبن أنا ورسلي } بالحجة والسيف، أو بأحدهما، وهو تعليل لما قبله من كون من حاد الله في الأذلين. { إن الله قوي } على نصرة أوليائه، { عزيز } لا يمتنع عليه ما يريد. الإشارة: كل من يعادي أهل الله مخذول، عاقبته الذل في الدنيا والآخرة، { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } وخلفاؤهم من أولئك، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز [الحج: 40]، إلا من تعدى منهم طوره، كمن تعرض للظهور، وهو من أهل الباطن، فإن القدرة تخدمه وتؤدبه لأن الباطن لا ينقلب ظاهرا، ولا عكسه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر شأن حزب الله، فقال: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر }.

المجادلة 58:21

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يحادون الله ورسوله } أي: يخالفونهما، ويجعلون بينهم وبينهما حدا، وهم حزب الشيطان المتقدم، { أولئك في } جملة { الأذلين } لا ترى أحدا أذل منهم من الأولين والآخرين لأن ذلة أحد المتخاصمين على قدر عزة الآخر، وحيث كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة من يحاده كذلك. { كتب الله } في اللوح وقضاه، وحيث جرى مجرى القسم أجيب بما يجاب به، فقال: { لأغلبن أنا ورسلي } بالحجة والسيف، أو بأحدهما، وهو تعليل لما قبله من كون من حاد الله في الأذلين. { إن الله قوي } على نصرة أوليائه، { عزيز } لا يمتنع عليه ما يريد. الإشارة: كل من يعادي أهل الله مخذول، عاقبته الذل في الدنيا والآخرة، { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } وخلفاؤهم من أولئك، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز [الحج: 40]، إلا من تعدى منهم طوره، كمن تعرض للظهور، وهو من أهل الباطن، فإن القدرة تخدمه وتؤدبه لأن الباطن لا ينقلب ظاهرا، ولا عكسه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر شأن حزب الله، فقال: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر }.

المجادلة 58:22

قلت: { تجد } إما متعد إلى اثنين، و " يوادون " الثاني، أو إلى واحد، بمعنى: تصادف. و " يوادون ": حال من " قوم " ، لتخصيصه بالصفة، أو صفة ثانية. يقول الحق جل جلاله: { لا تجد } أيها الرسول، أو: كل من يسمع { قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله } أي: خالفه { ورسوله } أي: عاده، أي: لا تجد قوما مؤمنين يوالون المشركين، أي: لا ينبغي أن يكون ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في الزجر عن موالاة أعداء الله، والاحتراز عن مخالطتهم ومعاشرتهم، وزاد ذلك الأمر تأكيدا وتشديدا بقوله: { ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } أي: لو كان من حاد الله ورسله من أقرب الناس إليه، فإن قضية الإيمان بالله تعالى أن يهجر كل من حاد عنه بالمرة، وهذه حال أهل الصدق في الإيمان، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يقاتلون آباءهم وأبناءهم وإخوانهم، فقد قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه، وأتى برأسه للنبي صلى الله عليه وسلم، طاعة لله ورسوله، وقال سعد بن أبي وقاص: " كنت جاهدا على قتل أخي عتبة، يوم بدر ". وفيهم نزلت الآية. والجمع باعتبار معنى " من " كما أن الإفراد فيما قبله باعتبار لفظها. { أولئك } الموصوفون بما ذكر، وما فيه من معنى البعد لرفع درجتهم في الفضل، وهو مبتدأ خبره: { كتب في قلوبهم الإيمان } أي: أثبته فيها، وفيه دلالة على خروج الأعمال من مفهوم الإيمان، فإن جزء الثابت في القلب ثابت، فيه، ولا شيء من أعمال الجوارح يثبت فيه. { وأيدهم } أي: قواهم { بروح منه } أي: من عنده تعالى، وهو نور اليقين، أو: القرآن، أو: النصر على العدو، ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي: بروح من الإيمان، على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به. وعن الثوري: أنهم كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان، أي: ويداهنه ولا ينصحه. وقال سهل: من صحح إيمانه، وأخلص توحيده، لا يأنس بمبتدع، ولا يجالسه، ويظهر له من نفسه العداوة، ومن داهن مبتدعا سلبه الله حلاوة السنن، ومن أجابه لطلب عز الدنيا، أو عرضها، أذله الله بذلك العز، وأفقره بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله نور الإيمان من قلبه، ومن لم يصدق فليجرب. ه من النسفي. ثم بين ما يتحفهم به في الآخرة، بعد بيان ما أكرمهم به في الدنيا، بقوله: { ويدخلهم جنات تجري من تحتها الإنهار خالدين فيها } أبد الآبدين، { رضي الله عنهم } لتوحيدهم الخالص وطاعتهم، { ورضوا عنه } لثوابه الجسيم في الآخرة، وبما قضى بهم في الدنيا، وهو بيان لابتهاجهم بما أوتوه عاجلا وآجلا. { أولئك حزب الله } أنصار حقه، ورعاة خلقه، وهو بيان لاختصاصهم به - عز وجل - وفي مقابلة اختصاص حزب الشيطان به. وقوله تعالى: { ألا إن حزب الله هم المفلحون } بيان لاختصاصهم بالفوز بسعادة النشأتين، أي: هم الباقون في النعيم المقيم، الفائزون بكل محبوب، الآمنون من كل مرهوب. الإشارة: لا تجد قوما يريدون تحقيق الإيمان وخلوص العرفان يوادون أهل الغفلة والعصيان، ولو كانوا من أقرب الناس إليهم، فالأخ الحقيقي والصاحب الخالص هو الذي يوافقك في النسبة، ويرافقك على الطاعة، ويغيبك عن مواطن الغفلة، وأما من يجرك إلى الغفلة فلا نسبة بينك وبينه، ولو كان أبا أو أما أو أخا شقيقا. وقد تقدم الكلام على المسألة في قوله تعالى: الأخلآء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: 67]. قال القشيري: من جنح إلى منحرف في دينه، أو داهن مبتدعا في عقده، نزع الله نور التوحيد من قلبه، فهو في حياته جان على عقيدته، سيذوق قريبا وبال أمره، وإن الأولياء كتب الله الإيمان في قلوبهم وأثبته. ويقال: جعل قلوبهم مطرزة باسمه، وأعزز بحلة أسرار قوم، طرازهم اسم " الله " عز وجل!!. ه. وقال الورتجبي: { لا تجد قوما يؤمنون بالله... } الخ، أي: آثروا الله على من دونه، وذلك بأن الله غرس أشجار التوحيد والمعرفة في قلوبهم، وتجلى لأرواحهم بنفسه، فصار معنى حقيقة التجلي منقوشا في نفس أرواحهم وعقولهم. ه. وقوله تعالى: { وأيدهم بروح منه } قال في في الحاشية الفاسية: هو مقام الشهود والتجلي العياني، وهو حقيقة السر عند القوم، وهو علم يمتد ظله في الأرواح المواجهة على حسب قابليتها واستعدادها، كما خصصتها المشيئة الإلهية، وهو التعليم الإلهامي للأولياء، والتنزل الوحيي للأنبياء عليهم السلام. وعن ذلك الأمداد عبر بالنفخ والإلقاء، وباعتبار حياة الروح به وقوتها سمي روحا، وإضافته إلى الله تعالى لأنه مقتبس من نور أوصافه. ومثال انفعالي عن علمه، وآثار عن قدرته وكلامه. وبالجملة فالعلم الحقيقي الذاتي لله، وكذا سائر صفاته، والعلم العرضي المثالي الانفعالي لمن خص سبحانه من عباده، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } وكما أن الصور المنطبعة في المرآة الصيقلة آثار ناشئة منها، وحادثة من مواجهة الصور الحسية، كذلك العلوم الممتدة في الأرواح المواجهة، ظلال وآثار عارضة، منفعلة حادثة من حضرة الوجود الحقيقي، والعلم الذاتي، وهذا واضح لا شك فيه. الله الموفق. وقال الورتجبي: وأيدهم بتجلي ذاته لأرواحهم، وما وفقهم في الصفات، بل أغرقهم في بحر الذات. ه. وقوله تعالى: { أولئك حزب الله } قال سهل: الحزب: الشيعة، وهم الأبدال: وأرفع منهم الصديقون. وقال بعضهم: حزب الله، إذا نطقوا بهروا، وإن سكتوا ظهروا، وإن غابوا حضروا، إن ناموا سهروا. ه. وقال ابن عطاء: إن لله عبادا اتصالهم به دائم، وأعينهم به قريرة أبدا، لا حياة لهم إلا به لاتصال قلوبهم به، والنظر إليه بصفاء اليقين، فحياتهم بحياته موصولة، لا موت لهم ابدا، ولا صبر لهم عنه، لأنه قد سبى أرواحهم به، فعلقها عنده، فثم مأواها، قد غشي قلوبهم من النور ما أضاءت به، فأشرقت، ونما زيادتها على الجوارح، وصاروا في حرز حماية، أولئك حزب الله. وقال أبو عثمان: حزب الله من يغضب في الله، ولا يأخذه فيه لومة لائم. جعلنا الله ممن تحقق بجميع هذه الأوصاف بمنه وكرمه. آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الحشر 59:1

يقول الحق جل جلاله: { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } أي: نزهه أهل السماوات السبع، وأهل الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي: فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يسبح لمنه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، { وهو العزيز الحكيم } ، قال ابن عطية: صفتان مناسبتان لما يأتي بعد، من قصة العدو الذي أخرجهم من ديارهم. ه. روي أن هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهو رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم بقية الحبرين اللذين كانا مع تبع، فنزلا المدينة انتظارا له صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة صالحهم على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر، قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة: لا ترد له راية، فلما كان يوم أحد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعبا غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنة ونقض عهد، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعلي، ليستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، غلطا، فأجابوه على ذلك، وأجسلوه تحت الحصن، وأمروا رجلا منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رحى، فنزل جبريل فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقرية يقال لها: زهرة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس إليهم عبد الله بن أبي وأصحابهمن المنافقين: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فحصنوا أسوارهم، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلا بيتين آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم } بالمدينة، أي: هو الذي تولى إخراجهم، لا بسبب فيه لأحد غيره. واللام في قوله: { لأول الحشر } متعلق بأخرج، وهو اللام في قوله: قدمت لحياتي [الفجر: 24] أي: أخرجهم عند أول الحشر، وكونه أول الحشر لأن هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وآخر حشرهم: إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو: آخر حشرهم: حشر يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه: " من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية " فهم الحشر الأول، وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجوا: " امضوا، فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر " { ما ظننتم أن يخرجوا } ، لشدة بأسهم، ومنعتهم، ووثاقه حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } أي: ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفرق بين هذا التركيب والنظم الذي جاء عليه التنزيل: أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلا على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي مصير ضميرهم اسما ل " أن " ، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغازيهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. { فأتاهم الله } أي: أمره وعقابه { من حيث لم يحتسبوا } من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، حتى قتل " كعب " رئيسهم على يد أخيه رضاعا. { وقذف في قلوبهم الرعب } الخوف والجزع، { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ، فكانوا يخربون بواطنها، والمسلمون ظواهرها، لما أراد الله من استئصال شأفتهم، وألا تبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم ديار. والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدوا بها أفواه الأزفة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج، وأما المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة متحصنهم، وأن تتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين: أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك، وكان السبب فيه فكأنهم أمروهم به، وكلفوهم إياه. { فاعتبروا يا أولي الأبصار } أي: فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا تهتدي إليه الأفكار، أو: فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم، فتعاقبوا مثل عقوبتهم. قال البيضاوي: اتعظوا بحالهم، فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله. ه. وهذا دليل على جواز القياس. { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } الخروج من الوطن، على ذلك الوجه الفظيع { لعذبهم في الدنيا } بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة، { ولهم في الآخرة عذاب النار } الذي لا أشد منه، { ذلك بأنهم } أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم { شاقوا الله } خالفوه { ورسوله } وفعلوا ما فعلوا، مما حكي عنهم من القبائح، { ومن يشاق الله } ، وقرئ: " يشاقق " على الأصل. والاقتصار على مشاققته لتضمنها مشاققته عليه السلام، وليوافق قوله تعالى: { فإن الله شديد العقاب } ، والجملة: إما نفس الجزاء على حذف العائد، أي: شديد العقاب له، أو: تعليل للجزاء المحذوف، أي: يعاقبه لأن الله شديد العقاب. الإشارة: " سبح لله " نزه الله تعالى من وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته: وإياك والتنزيه فهو مقيد وإياك والتشبيه فهو مخادع أي: لا تقف مع واحد منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزه المعاني عن شيء، فتقيد عن الشهود فيه، وإياك أن تشببها بشيء إذ ليس مثلها شيء في الوجود. والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير. ثم قال تعالى: { هو الذي أخرج } الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، حيث تحصنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، حيث قيض لها شيخا عارفا، وقذف في القلب خوفا مزعجا، أو شوقا مقلقا، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهرا، يخربون بيوتهم، أي: بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي: بإعانة المشايخ والإخوان، فطهروا بواطنهم من الخبائث، وخربوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمرت بواطنهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب لعذبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة. ثم قال تعالى: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة }.

الحشر 59:2

يقول الحق جل جلاله: { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } أي: نزهه أهل السماوات السبع، وأهل الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي: فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يسبح لمنه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، { وهو العزيز الحكيم } ، قال ابن عطية: صفتان مناسبتان لما يأتي بعد، من قصة العدو الذي أخرجهم من ديارهم. ه. روي أن هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهو رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم بقية الحبرين اللذين كانا مع تبع، فنزلا المدينة انتظارا له صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة صالحهم على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر، قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة: لا ترد له راية، فلما كان يوم أحد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعبا غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنة ونقض عهد، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعلي، ليستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، غلطا، فأجابوه على ذلك، وأجسلوه تحت الحصن، وأمروا رجلا منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رحى، فنزل جبريل فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقرية يقال لها: زهرة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس إليهم عبد الله بن أبي وأصحابهمن المنافقين: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فحصنوا أسوارهم، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلا بيتين آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم } بالمدينة، أي: هو الذي تولى إخراجهم، لا بسبب فيه لأحد غيره. واللام في قوله: { لأول الحشر } متعلق بأخرج، وهو اللام في قوله: قدمت لحياتي [الفجر: 24] أي: أخرجهم عند أول الحشر، وكونه أول الحشر لأن هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وآخر حشرهم: إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو: آخر حشرهم: حشر يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه: " من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية " فهم الحشر الأول، وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجوا: " امضوا، فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر " { ما ظننتم أن يخرجوا } ، لشدة بأسهم، ومنعتهم، ووثاقه حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } أي: ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفرق بين هذا التركيب والنظم الذي جاء عليه التنزيل: أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلا على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي مصير ضميرهم اسما ل " أن " ، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغازيهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. { فأتاهم الله } أي: أمره وعقابه { من حيث لم يحتسبوا } من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، حتى قتل " كعب " رئيسهم على يد أخيه رضاعا. { وقذف في قلوبهم الرعب } الخوف والجزع، { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ، فكانوا يخربون بواطنها، والمسلمون ظواهرها، لما أراد الله من استئصال شأفتهم، وألا تبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم ديار. والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدوا بها أفواه الأزفة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج، وأما المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة متحصنهم، وأن تتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين: أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك، وكان السبب فيه فكأنهم أمروهم به، وكلفوهم إياه. { فاعتبروا يا أولي الأبصار } أي: فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا تهتدي إليه الأفكار، أو: فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم، فتعاقبوا مثل عقوبتهم. قال البيضاوي: اتعظوا بحالهم، فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله. ه. وهذا دليل على جواز القياس. { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } الخروج من الوطن، على ذلك الوجه الفظيع { لعذبهم في الدنيا } بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة، { ولهم في الآخرة عذاب النار } الذي لا أشد منه، { ذلك بأنهم } أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم { شاقوا الله } خالفوه { ورسوله } وفعلوا ما فعلوا، مما حكي عنهم من القبائح، { ومن يشاق الله } ، وقرئ: " يشاقق " على الأصل. والاقتصار على مشاققته لتضمنها مشاققته عليه السلام، وليوافق قوله تعالى: { فإن الله شديد العقاب } ، والجملة: إما نفس الجزاء على حذف العائد، أي: شديد العقاب له، أو: تعليل للجزاء المحذوف، أي: يعاقبه لأن الله شديد العقاب. الإشارة: " سبح لله " نزه الله تعالى من وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته: وإياك والتنزيه فهو مقيد وإياك والتشبيه فهو مخادع أي: لا تقف مع واحد منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزه المعاني عن شيء، فتقيد عن الشهود فيه، وإياك أن تشببها بشيء إذ ليس مثلها شيء في الوجود. والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير. ثم قال تعالى: { هو الذي أخرج } الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، حيث تحصنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، حيث قيض لها شيخا عارفا، وقذف في القلب خوفا مزعجا، أو شوقا مقلقا، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهرا، يخربون بيوتهم، أي: بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي: بإعانة المشايخ والإخوان، فطهروا بواطنهم من الخبائث، وخربوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمرت بواطنهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب لعذبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة. ثم قال تعالى: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة }.

الحشر 59:3

يقول الحق جل جلاله: { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } أي: نزهه أهل السماوات السبع، وأهل الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي: فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يسبح لمنه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، { وهو العزيز الحكيم } ، قال ابن عطية: صفتان مناسبتان لما يأتي بعد، من قصة العدو الذي أخرجهم من ديارهم. ه. روي أن هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهو رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم بقية الحبرين اللذين كانا مع تبع، فنزلا المدينة انتظارا له صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة صالحهم على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر، قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة: لا ترد له راية، فلما كان يوم أحد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعبا غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنة ونقض عهد، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعلي، ليستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، غلطا، فأجابوه على ذلك، وأجسلوه تحت الحصن، وأمروا رجلا منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رحى، فنزل جبريل فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقرية يقال لها: زهرة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس إليهم عبد الله بن أبي وأصحابهمن المنافقين: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فحصنوا أسوارهم، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلا بيتين آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم } بالمدينة، أي: هو الذي تولى إخراجهم، لا بسبب فيه لأحد غيره. واللام في قوله: { لأول الحشر } متعلق بأخرج، وهو اللام في قوله: قدمت لحياتي [الفجر: 24] أي: أخرجهم عند أول الحشر، وكونه أول الحشر لأن هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وآخر حشرهم: إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو: آخر حشرهم: حشر يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه: " من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية " فهم الحشر الأول، وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجوا: " امضوا، فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر " { ما ظننتم أن يخرجوا } ، لشدة بأسهم، ومنعتهم، ووثاقه حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } أي: ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفرق بين هذا التركيب والنظم الذي جاء عليه التنزيل: أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلا على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي مصير ضميرهم اسما ل " أن " ، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغازيهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. { فأتاهم الله } أي: أمره وعقابه { من حيث لم يحتسبوا } من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، حتى قتل " كعب " رئيسهم على يد أخيه رضاعا. { وقذف في قلوبهم الرعب } الخوف والجزع، { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ، فكانوا يخربون بواطنها، والمسلمون ظواهرها، لما أراد الله من استئصال شأفتهم، وألا تبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم ديار. والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدوا بها أفواه الأزفة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج، وأما المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة متحصنهم، وأن تتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين: أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك، وكان السبب فيه فكأنهم أمروهم به، وكلفوهم إياه. { فاعتبروا يا أولي الأبصار } أي: فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا تهتدي إليه الأفكار، أو: فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم، فتعاقبوا مثل عقوبتهم. قال البيضاوي: اتعظوا بحالهم، فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله. ه. وهذا دليل على جواز القياس. { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } الخروج من الوطن، على ذلك الوجه الفظيع { لعذبهم في الدنيا } بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة، { ولهم في الآخرة عذاب النار } الذي لا أشد منه، { ذلك بأنهم } أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم { شاقوا الله } خالفوه { ورسوله } وفعلوا ما فعلوا، مما حكي عنهم من القبائح، { ومن يشاق الله } ، وقرئ: " يشاقق " على الأصل. والاقتصار على مشاققته لتضمنها مشاققته عليه السلام، وليوافق قوله تعالى: { فإن الله شديد العقاب } ، والجملة: إما نفس الجزاء على حذف العائد، أي: شديد العقاب له، أو: تعليل للجزاء المحذوف، أي: يعاقبه لأن الله شديد العقاب. الإشارة: " سبح لله " نزه الله تعالى من وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته: وإياك والتنزيه فهو مقيد وإياك والتشبيه فهو مخادع أي: لا تقف مع واحد منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزه المعاني عن شيء، فتقيد عن الشهود فيه، وإياك أن تشببها بشيء إذ ليس مثلها شيء في الوجود. والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير. ثم قال تعالى: { هو الذي أخرج } الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، حيث تحصنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، حيث قيض لها شيخا عارفا، وقذف في القلب خوفا مزعجا، أو شوقا مقلقا، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهرا، يخربون بيوتهم، أي: بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي: بإعانة المشايخ والإخوان، فطهروا بواطنهم من الخبائث، وخربوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمرت بواطنهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب لعذبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة. ثم قال تعالى: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة }.

الحشر 59:4

يقول الحق جل جلاله: { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } أي: نزهه أهل السماوات السبع، وأهل الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي: فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يسبح لمنه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، { وهو العزيز الحكيم } ، قال ابن عطية: صفتان مناسبتان لما يأتي بعد، من قصة العدو الذي أخرجهم من ديارهم. ه. روي أن هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهو رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم بقية الحبرين اللذين كانا مع تبع، فنزلا المدينة انتظارا له صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة صالحهم على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر، قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة: لا ترد له راية، فلما كان يوم أحد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعبا غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنة ونقض عهد، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعلي، ليستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، غلطا، فأجابوه على ذلك، وأجسلوه تحت الحصن، وأمروا رجلا منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رحى، فنزل جبريل فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقرية يقال لها: زهرة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس إليهم عبد الله بن أبي وأصحابهمن المنافقين: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فحصنوا أسوارهم، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلا بيتين آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم } بالمدينة، أي: هو الذي تولى إخراجهم، لا بسبب فيه لأحد غيره. واللام في قوله: { لأول الحشر } متعلق بأخرج، وهو اللام في قوله: قدمت لحياتي [الفجر: 24] أي: أخرجهم عند أول الحشر، وكونه أول الحشر لأن هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وآخر حشرهم: إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو: آخر حشرهم: حشر يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه: " من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية " فهم الحشر الأول، وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجوا: " امضوا، فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر " { ما ظننتم أن يخرجوا } ، لشدة بأسهم، ومنعتهم، ووثاقه حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } أي: ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفرق بين هذا التركيب والنظم الذي جاء عليه التنزيل: أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلا على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي مصير ضميرهم اسما ل " أن " ، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغازيهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. { فأتاهم الله } أي: أمره وعقابه { من حيث لم يحتسبوا } من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، حتى قتل " كعب " رئيسهم على يد أخيه رضاعا. { وقذف في قلوبهم الرعب } الخوف والجزع، { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ، فكانوا يخربون بواطنها، والمسلمون ظواهرها، لما أراد الله من استئصال شأفتهم، وألا تبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم ديار. والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدوا بها أفواه الأزفة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج، وأما المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة متحصنهم، وأن تتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين: أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك، وكان السبب فيه فكأنهم أمروهم به، وكلفوهم إياه. { فاعتبروا يا أولي الأبصار } أي: فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا تهتدي إليه الأفكار، أو: فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم، فتعاقبوا مثل عقوبتهم. قال البيضاوي: اتعظوا بحالهم، فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله. ه. وهذا دليل على جواز القياس. { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } الخروج من الوطن، على ذلك الوجه الفظيع { لعذبهم في الدنيا } بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة، { ولهم في الآخرة عذاب النار } الذي لا أشد منه، { ذلك بأنهم } أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم { شاقوا الله } خالفوه { ورسوله } وفعلوا ما فعلوا، مما حكي عنهم من القبائح، { ومن يشاق الله } ، وقرئ: " يشاقق " على الأصل. والاقتصار على مشاققته لتضمنها مشاققته عليه السلام، وليوافق قوله تعالى: { فإن الله شديد العقاب } ، والجملة: إما نفس الجزاء على حذف العائد، أي: شديد العقاب له، أو: تعليل للجزاء المحذوف، أي: يعاقبه لأن الله شديد العقاب. الإشارة: " سبح لله " نزه الله تعالى من وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته: وإياك والتنزيه فهو مقيد وإياك والتشبيه فهو مخادع أي: لا تقف مع واحد منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزه المعاني عن شيء، فتقيد عن الشهود فيه، وإياك أن تشببها بشيء إذ ليس مثلها شيء في الوجود. والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير. ثم قال تعالى: { هو الذي أخرج } الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، حيث تحصنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، حيث قيض لها شيخا عارفا، وقذف في القلب خوفا مزعجا، أو شوقا مقلقا، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهرا، يخربون بيوتهم، أي: بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي: بإعانة المشايخ والإخوان، فطهروا بواطنهم من الخبائث، وخربوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمرت بواطنهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب لعذبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة. ثم قال تعالى: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة }.

الحشر 59:5

{ ما قطعتم من لينة } ، قال القشيري: هو نوع من النخل ما عدا العجوة والبرني، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعها من مال بني النضير، فقطع بعضها، فقالت اليهود: أي فائدة في هذا؟ فبقي المسلمون في الجواب، فأنزل الله هذه الآية. ه. وأصلها: لونة، من الألوان، فقلبت ياء، وقيل: اللينة: النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين، أي: أي شيء قطعتم من لينة { أو تركتموها قائمة على أصولها } من غير أن تتعرضوا لها بشيء { فبإذن الله } فقطعها وتركها بإذن الله، { وليخزي الفاسقين } أي: وليذل اليهود ويغيظهم أذن في قطعها وقلعها وفي تركها، وأمر المؤمنين أن يحتكموا في أموالهم كيف شاؤوا. واستدل به على جواز هدم ديار الكفرة، وقطع أشجارهم، وحرق زروعهم، إذا لم يرج وكان فيه إنكاء للعدو. وتخصيص اللينة بالقطع ليكون غيظهم أشد. الإشارة: قطع شجرة حب الدنيا من القلب واجب على المريد في بدايته، ولو أدى إلى إفساد المال لإصلاح قلبه، ارتكابا لأخف الضررين، ومنه: قضية الشبلي في إحراق ثوب وقلنسوته، في حكاية التلميذ، فإذا تمكن من المعرفة خير، وله يقال: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها... } الآية. وقال القشيري بعد تفسير الظاهر: وفيه دليل على أن الشرع غير معلل، فإذا جاء الأمر الشرعي بطل طلب التعليل، وسكتت الألسن عن المطالبة ب " لم " وخطور الاعتراض والاستقباح بالبال خروج عن حد العرفان، والشيوخ قالوا: من قال لأستاذه: " لم " لا يفلح، وكل مريد يكون لأمثال هذه الخواطر جولان في قلبه لا يجيء منه شيء، ومن لم يتجرد قلبه عن طلب الإعلال، ولم يباشر حسن الرضا بكل ما يجري، واستحسان، كل ما يبدو من الغيب من الله سره وقلبه فليس من الله في شيء. ه. ومثله قول الحكم: " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه ". ثم ذكر حكم الفيء، فقال: { ومآ أفآء الله على رسوله منهم }.

الحشر 59:6

قلت: جملة { وما أفاء }: شرطية معطوفة على مثلها، وهو: { ما قطعتم.. } الآية، وكلتاهما إخبار وإعلام، أي: اعلموا أن ذلك القطع والترك كان بإذن الله، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم، لكنه لم يعلم منه كيفية القسمة، فبينها بعد بقوله: { وما أفاء الله على رسوله... } الخ، وقيل: غير ذلك على ما سيأتي. يقول الحق جل جلاله: { وما أفاء الله على رسوله منهم } أي: ما أعاده الله من مالهم، وفيه إشعار بأنه كان حقيقا بأن يكون له صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع في أيديهم بغير حق، فرده الله تعالى إلى مستحقه، لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق ليتوسلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمؤمنين. { فما أوجفتم عليه } أي: فما أجريتم على تحصيله وتغنيمه، من: الوجيف، وهو: سرعة السير، و " من " في قوله: { من خيل ولا ركاب } زائدة لتأكيد النفي، أي: فما أجريتم على تحصيله خيلا ولا ركابا، وهو ما يركب من الإبل خاصة، كما أن الراكب عندهم راكبها لا غير، وأما راكب الفرس فإنما يسمونه فارسا، ولا واحد لها من لفظها، وإنما الواحد منها: راحلة. والمعنى: ما قطعتم لها شقة بعيدة، ولا لقيتم مشقة شديدة، وذلك لأن قراهم كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشيا، وما كان فيهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم ففتحها صلحا، كأنه قيل: ما أفاء الله على رسوله فما حصلتموه بكد اليمين ولا بعرق الجبين، { ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } أي: ولكن جرت سنة الله أن يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم، وقد سلط رسوله صلى الله عليه وسلم تسليطا غير معتاد من غير أن تقتحموا الخطوب، وتقاسموا شدائد الحروب، فلا حق لكم في أموالهم. { والله على كل شيء قدير } يفعل ما يشاء، تارة على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها. ثم بين قسمة الفيء، فقال: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } ، فلم يدخل العاطف لأن الجملة بيان للأولى، وقيل: الأولى نزلت في أموال بني النضير، وقد جعلها الله لرسوله خاصة، فقسمها على المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها، إلا لثلاثة، لفقرهم، أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة، والثانية: نزلت في كل قرية فتحت عنوة، وهو الظاهر، فقال في بيان مصرف الفيء: { فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل }. واختلف في قسمته، فقيل: يسدس لظاهر الآية، ويصرف سهم الله إلى عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل: يخمس، وذكر الله للتعظيم، ويصرف سهم الرسول للإمام على قول، وإلى العساكر والثغور على قول، وإلى مصالح المسلمين على قول. وقد تقدم في سورة الأنفال تحقيقه. وإنما بينا قسمته، { كي لا يكون دولة } أي: كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء يعيشون به { دولة بين الأغنياء منكم } أي: يتداوله الأغنياء بينهم، ويختصون به. والدولة: ما يدول للإنسان، أي: ما يدور له من الغنى والجد والغلبة وغيرها، وقيل: الدولة - بالفتح - من الملك، وبالضم من الملك - بالكسر-. { وما آتاكم الرسول } أي: ما أعطاكموه من الفيء أو من الأمر، { فخذوه } فاقبلوه، أو: افعلوه، فإنه واجب، { وما نهاكم عنه } أي: عن أخذه، أو عن تعاطيه { فانتهوا } عنه، ولا تطلبوه، أو: لا تفعلوه، لما خص عليه السلام المهاجرين بفيء بني النضير وما حولها من القرى، قالت الأنصار: لنا معهم سهم، فنزلت { واتقوا الله } في مخالفته عليه السلام، { إن الله شديد العقاب } لمن خالف رسوله صلى الله عليه وسلم، والأحسن: أن يكون عاما في كل ما جاء به الرسول، والفيء داخل في العموم. الإشارة: العلم على قسمين علم وهبي إلهي، يفيض على رسول القلب، بمحض الفضل والجود، وهو ما يختص بأسرار الربوبية فهذا يختص به صاحبه، ولا يبذله لغيره إلا من بذل نفسه له، وإليه تشير الآية الأولى. وعلم كسبي، يكتسب بالجد والتشمير في تعلمه وأخذه، فهذا يجب بذله لعامة الناس وخاصتهم، وإليه تشير الآية الثانية. وإنما اختص علم السر بأهله كي لا يكون دولة بين الأغنياء من أهل الظاهر، فيبتذل ويشتهر، وهو فساد نظام العالم. وقوله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه } قال القشيري: هذا أصل في وجوب متابعة الرسول، ولزوم طريقته وسنته، على ما في العلم تفصيله. والواجب على العبد عرض ما وقع له من الخواطر، ويكاشف به من الأحوال، على العلم، فما لم يقبله الكتاب والسنة فهو ضلال. ه. ثم بين المساكين المذكورين قبل، فقال: { للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم }.

الحشر 59:7

قلت: جملة { وما أفاء }: شرطية معطوفة على مثلها، وهو: { ما قطعتم.. } الآية، وكلتاهما إخبار وإعلام، أي: اعلموا أن ذلك القطع والترك كان بإذن الله، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم، لكنه لم يعلم منه كيفية القسمة، فبينها بعد بقوله: { وما أفاء الله على رسوله... } الخ، وقيل: غير ذلك على ما سيأتي. يقول الحق جل جلاله: { وما أفاء الله على رسوله منهم } أي: ما أعاده الله من مالهم، وفيه إشعار بأنه كان حقيقا بأن يكون له صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع في أيديهم بغير حق، فرده الله تعالى إلى مستحقه، لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق ليتوسلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمؤمنين. { فما أوجفتم عليه } أي: فما أجريتم على تحصيله وتغنيمه، من: الوجيف، وهو: سرعة السير، و " من " في قوله: { من خيل ولا ركاب } زائدة لتأكيد النفي، أي: فما أجريتم على تحصيله خيلا ولا ركابا، وهو ما يركب من الإبل خاصة، كما أن الراكب عندهم راكبها لا غير، وأما راكب الفرس فإنما يسمونه فارسا، ولا واحد لها من لفظها، وإنما الواحد منها: راحلة. والمعنى: ما قطعتم لها شقة بعيدة، ولا لقيتم مشقة شديدة، وذلك لأن قراهم كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشيا، وما كان فيهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم ففتحها صلحا، كأنه قيل: ما أفاء الله على رسوله فما حصلتموه بكد اليمين ولا بعرق الجبين، { ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } أي: ولكن جرت سنة الله أن يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم، وقد سلط رسوله صلى الله عليه وسلم تسليطا غير معتاد من غير أن تقتحموا الخطوب، وتقاسموا شدائد الحروب، فلا حق لكم في أموالهم. { والله على كل شيء قدير } يفعل ما يشاء، تارة على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها. ثم بين قسمة الفيء، فقال: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } ، فلم يدخل العاطف لأن الجملة بيان للأولى، وقيل: الأولى نزلت في أموال بني النضير، وقد جعلها الله لرسوله خاصة، فقسمها على المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها، إلا لثلاثة، لفقرهم، أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة، والثانية: نزلت في كل قرية فتحت عنوة، وهو الظاهر، فقال في بيان مصرف الفيء: { فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل }. واختلف في قسمته، فقيل: يسدس لظاهر الآية، ويصرف سهم الله إلى عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل: يخمس، وذكر الله للتعظيم، ويصرف سهم الرسول للإمام على قول، وإلى العساكر والثغور على قول، وإلى مصالح المسلمين على قول. وقد تقدم في سورة الأنفال تحقيقه. وإنما بينا قسمته، { كي لا يكون دولة } أي: كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء يعيشون به { دولة بين الأغنياء منكم } أي: يتداوله الأغنياء بينهم، ويختصون به. والدولة: ما يدول للإنسان، أي: ما يدور له من الغنى والجد والغلبة وغيرها، وقيل: الدولة - بالفتح - من الملك، وبالضم من الملك - بالكسر-. { وما آتاكم الرسول } أي: ما أعطاكموه من الفيء أو من الأمر، { فخذوه } فاقبلوه، أو: افعلوه، فإنه واجب، { وما نهاكم عنه } أي: عن أخذه، أو عن تعاطيه { فانتهوا } عنه، ولا تطلبوه، أو: لا تفعلوه، لما خص عليه السلام المهاجرين بفيء بني النضير وما حولها من القرى، قالت الأنصار: لنا معهم سهم، فنزلت { واتقوا الله } في مخالفته عليه السلام، { إن الله شديد العقاب } لمن خالف رسوله صلى الله عليه وسلم، والأحسن: أن يكون عاما في كل ما جاء به الرسول، والفيء داخل في العموم. الإشارة: العلم على قسمين علم وهبي إلهي، يفيض على رسول القلب، بمحض الفضل والجود، وهو ما يختص بأسرار الربوبية فهذا يختص به صاحبه، ولا يبذله لغيره إلا من بذل نفسه له، وإليه تشير الآية الأولى. وعلم كسبي، يكتسب بالجد والتشمير في تعلمه وأخذه، فهذا يجب بذله لعامة الناس وخاصتهم، وإليه تشير الآية الثانية. وإنما اختص علم السر بأهله كي لا يكون دولة بين الأغنياء من أهل الظاهر، فيبتذل ويشتهر، وهو فساد نظام العالم. وقوله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه } قال القشيري: هذا أصل في وجوب متابعة الرسول، ولزوم طريقته وسنته، على ما في العلم تفصيله. والواجب على العبد عرض ما وقع له من الخواطر، ويكاشف به من الأحوال، على العلم، فما لم يقبله الكتاب والسنة فهو ضلال. ه. ثم بين المساكين المذكورين قبل، فقال: { للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم }.

الحشر 59:8

قلت: " للفقراء " يتعلق بمحذوف، أي: يعطي، أو: اعجبوا، على أنه استئناف، وقيل: بدل من " ذي القربى ". و " وتبوؤوا الدار والإيمان " أي: وألفوا الإيمان، ولا يصح العطف لئلا يلزم أن الإيمان متبوأ، وإنما يتبوأ المنزل إذ التبوء: التهيؤ، يقال: بوأت له منزلا، أي: هيأته له، وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران: يقال تبوأ فلان الدار إذا لزمها. ه. فعلى هذا يصح العطف، ولا يحتاج إلى تقدير عامل آخر. قال ابن هشام: ولا يجوز كون الإيمان مفعولا معه لعدم الفائدة في تقييد الأنصار المعطوفين على المهاجرين بمصاحبة الإيمان إذ هو أمر معلوم. ه. وانظر ابن جزي، فإنه هو الوجه المستحسن عنده في توجيه الآية، والمعنى: أنهم جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان، لا بنزول الدار، قال: فيكون الإيمان على هذا مفعولا معه، وأصله لابن عطية، وبهذا الاقتراح يصح معنى قوله: { من قبلهم } فتأمله. انظر الحاشية. يقول الحق جل جلاله: { للفقراء } أي: يعطى الفيء للفقراء { المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } حيث اضطرهم كفار مكة إلى الخروج من مكة، وكانوا مائة رجل. وفيه دليل على أن الكفار يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين لأن الله تعالى سماهم فقراء، مع أنهم كانت لهم ديار وأموال بمكة، فخرجوا { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } أي: طالبين منه تعالى رزقا في الدنيا، ورضا في الآخرة، أو: يطلبون الجنة ورضوان الله أو: زيادة في الإيمان والرضوان، { وينصرون الله ورسوله } أي: ناوين نصرة دين الله وإعانة رسوله، { أولئك } الموصوفون بما فصل من الصفات الحميدة { هم الصادقون } الراسخون في الصدق، حيث ظهر ذلك عليهم بما فعلوا من مفارقة الأوطان والأهل والولدان. { والذين تبوؤوا الدار والإيمان } ، هذا استئناف مسوق لمدح الأنصار بخصال حميدة، من جملتها: محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاصهم بالفيء أكمل رضا، أي: اتخذوا المدينة والإيمان مباءة وسكنا وتمكنوا فيهما أشد تمكين، { من قبلهم } أي: من قبل هجرة المهاجرين أو تبوؤوا الدار ولزموا الإيمان، ولزومه: إخلاصه وظهور شعائره وأحكامه، ولا ريب في تقدم الأنصار في ذلك على المهاجرين لأن المهاجرين لم يتأت لهم أظهاره قبل الهجرة، فتقدمهم في إظهاره فقط، لا في إخلاصه إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك. { يحبون من هاجر إليهم } حتى شاطروهم أموالهم، وأنزلوهم منازلهم، ونزل من كانت له امرأتان عن إحداهما ليتزوجها المهاجري، ومحبتهم للمهاجرين من حيث هجرتهم لنصرة الدين لشدة محبتهم للإيمان، { ولا يجدون في صدورهم } في نفوسهم { حاجة } أي: شيئا محتاجا إليه، يقال: خذ منه حاجتك، أي: ما تحتاج إليه، يعني: أن نفوسهم لم تتبع ما أوتوا من الفيء، ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، وقيل: حاجة: حسدا أو كزازة، مما أعطي المهاجرون من الفيء، حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم به. { ويؤثرون على أنفسهم } أي: يقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من أسباب المعاش، { ولو كان بهم خصاصة } أي: حاجة وخلة، وأصلها: خصاص البيت، أي: فروجه. والجملة: حال، أي: يؤثرون في حال خصاصتهم. قال ابن عباس: لما ظفر النبي صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير، قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها، فنزلت. وهذا صريح في أن قوله تعالى: { والذين تبوؤوا الدار } استئناف غير معطوف على الفقراء المهاجرين، نعم يجوز عطفه عليهم باعتبار شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، دون الفيء، فيكون قوله تعالى: { يحبون } وما عطف عليه استئنافا مقررا لصدقهم، أو حال. قاله أبو السعود. قلت: إذا جعلنا قوله تعالى: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } استئنافا غير مبين لما قبله، بل في كل فيء يأتي بعد بني النضير، صح عطف الأنصار على فقراء المهاجرين في كل شيء، وكذا قوله: { والذين جاؤوا من بعدهم } عطف عليهم، فيكون المعنى: يقسم الفيء للفقراء المهاجرين، وللذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، وللذين جاؤوا من بعدهم. ويؤيد هذا ما روي أن عمر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية إلى آخرها قال: هذه الآية استوعبت المسلمين، ما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيمانهم. ه. وقيل: نزلت في " ضيف نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يجد عنده شيئا، فقال صلى الله عليه وسلم: " من يضيف هذا؟ " فقال: رجل من الأنصار - قيل: أبو طلحة، أنا يا رسول الله، فلم يجد من الطعام إلا ما يكفي الصبية، فقال لامرأته: نومي الصبيان، وأطفئي السراج، وقربي الطعام، فنظهر للضيف أنا نأكل معه، ونمضغ ألسنتنا ليأكل، فأكل الضيف وحده، فلما أصبح قال صلى الله عليه وسلم للرجل: " إن الله ضحك من فعلكما " عن أنس: أهدي لبعضهم رأس مشوي، وهو مجهود، فوجهه إلى جاره، وجاره وجهه إلى جاره، فتداولته تسعة أنفس، حتى عاد إلى الأول. { ومن يوق شح نفسه } أي: من يقيه الله شح نفسه حتى يغالبها فيما يغلب عليها، من حب المال وبغض الإنفاق، { فأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل مطلوب، والناجون من كل مرهوب. والشح - بالضم والكسر -: اللؤم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع. وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهم المنع نفسه، وقيل: الشح: أكل مال أخيك ظلما، والبخل: منع مالك، وقيل: الشح: منع ما عندك والطمع في غيرك، والبخل: منع مالك من غير طمع، فالشح أقبح من البخل. والجملة: اعتراض وارد لمدح الأنصار بالسخاء، بعد مدحهم بالإيثار. وجميع الإشارة باعتبار " من " لأنها واقعة على الجمع. ثم ذكر التابعين، فقال: { والذين جاؤوا من بعدهم } هم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام، { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } ، وصفوهم بذلك اعترافا بفضلهم، وعن عائشة رضي الله عنها: " أمروا بأن يستغفروا لهم، فسبوهم " { ولا تجعل في قلوبنا غلا } أي: حقدا وعداوة { للذين آمنوا } على الإطلاق، { ربنا إنك رؤوف رحيم } مبالغ في الرأفة والرحمة، فأنت حقيق بأن تجيب دعاءنا برأفتك ورحمتك. الإشارة: الذين يستحقون المواهب، والفيض الإلهي والاصطفاء، ثلاث أصناف، الأول: الفقراء الذين هاجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم وعشائرهم طلبا لصلاح قلوبهم وأسرارهم، والثاني: القوم الذين نزلوا بهم إذا آووهم وآثروهم بأموالهم وأنفسهم، الثالث: من جاء بعدهم طلبا لذلك، على الوصف الذي ذكره الحق { يقولون ربنا اغفر لنا... } الخ. قال الورتجبي: قوله تعالى: { والذين تبوؤوا الدار والإيمان... } الخ، أثنى الله سبحانه على الفقراء، ووصفهم بأحسن الوصف، إذ كانوا صادقين في فقرهم، ثم أثنى على الأغنياء لصدقهم في غناهم، ووصفهم بالإيمان والمعرفة بالله من قبلهم ولزومهم مواضع قربه، وخفضهم جناحهم لإخوانهم من الفقراء، ومحبتهم، وتقديسهم من الحسد والشح والبغض وحب الدنيا، ثم وصفهم بالسخاء والإيثار، فلم يبق في قلوبهم من حب الدنيا وجاهها ذرة. ومن سجيته مقدسة من حرص نفسه أفلح وظفر برؤية ربه. ه. قلت: كأنه يشير إلى أن قوله تعالى: { للفقراء المهاجرين } هم أهل السير من المريدين، وقوله تعالى: { والذين تبوؤوا الدار... } هو الواصلون العارفون، أي: تبوؤوا دار المعرفة، حيث سكنوها، ورسخوا فيها، وألفوا الإيمان وذاقوا حلاوته. وقوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم... } الخ، بعد أن وصفهم بقطع الطمع والحرص، والزهد فيما لم يملكوا بقوله: { ولا يجدون في صدورهم حاجة } وصفهم بالإيثار فيما ملكوا، وبذلك يتم تحقيق خروج الدنيا من قلوبهم، بحيث لا يتعلق القلب بما فات منها، ولا يمسك ما وجد منها، بل يؤثر به مع الحاجة إليه، فالآية تشير إلى سلامة الصدور، وسخاوة الأنفس، وهذا كان وصف الصحابة - رضي الله عنهم - وبهذين الخصلتين فاقوا جميع الناس، وهي أخلاق الصوفية - رضي الله عنهم - قال الشيخ أبو يزيد: ما غلبني أحد غير شاب من بلخ، قدم حاجا، فقال: يا أبا يزيد، ما الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا عندنا الكلاب ببلخ، فقلت: وما الزهد عندكم؟ فقال: إذا وجدنا آثرنا، وإذا فقدنا شكرنا. ه. وسئل ذو النون: ما حد الزاهد المشروح صدره؟ فقال: ثلاثة تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. ه. ثم عجب من المنافقين، فقال: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم }.

الحشر 59:9

قلت: " للفقراء " يتعلق بمحذوف، أي: يعطي، أو: اعجبوا، على أنه استئناف، وقيل: بدل من " ذي القربى ". و " وتبوؤوا الدار والإيمان " أي: وألفوا الإيمان، ولا يصح العطف لئلا يلزم أن الإيمان متبوأ، وإنما يتبوأ المنزل إذ التبوء: التهيؤ، يقال: بوأت له منزلا، أي: هيأته له، وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران: يقال تبوأ فلان الدار إذا لزمها. ه. فعلى هذا يصح العطف، ولا يحتاج إلى تقدير عامل آخر. قال ابن هشام: ولا يجوز كون الإيمان مفعولا معه لعدم الفائدة في تقييد الأنصار المعطوفين على المهاجرين بمصاحبة الإيمان إذ هو أمر معلوم. ه. وانظر ابن جزي، فإنه هو الوجه المستحسن عنده في توجيه الآية، والمعنى: أنهم جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان، لا بنزول الدار، قال: فيكون الإيمان على هذا مفعولا معه، وأصله لابن عطية، وبهذا الاقتراح يصح معنى قوله: { من قبلهم } فتأمله. انظر الحاشية. يقول الحق جل جلاله: { للفقراء } أي: يعطى الفيء للفقراء { المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } حيث اضطرهم كفار مكة إلى الخروج من مكة، وكانوا مائة رجل. وفيه دليل على أن الكفار يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين لأن الله تعالى سماهم فقراء، مع أنهم كانت لهم ديار وأموال بمكة، فخرجوا { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } أي: طالبين منه تعالى رزقا في الدنيا، ورضا في الآخرة، أو: يطلبون الجنة ورضوان الله أو: زيادة في الإيمان والرضوان، { وينصرون الله ورسوله } أي: ناوين نصرة دين الله وإعانة رسوله، { أولئك } الموصوفون بما فصل من الصفات الحميدة { هم الصادقون } الراسخون في الصدق، حيث ظهر ذلك عليهم بما فعلوا من مفارقة الأوطان والأهل والولدان. { والذين تبوؤوا الدار والإيمان } ، هذا استئناف مسوق لمدح الأنصار بخصال حميدة، من جملتها: محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاصهم بالفيء أكمل رضا، أي: اتخذوا المدينة والإيمان مباءة وسكنا وتمكنوا فيهما أشد تمكين، { من قبلهم } أي: من قبل هجرة المهاجرين أو تبوؤوا الدار ولزموا الإيمان، ولزومه: إخلاصه وظهور شعائره وأحكامه، ولا ريب في تقدم الأنصار في ذلك على المهاجرين لأن المهاجرين لم يتأت لهم أظهاره قبل الهجرة، فتقدمهم في إظهاره فقط، لا في إخلاصه إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك. { يحبون من هاجر إليهم } حتى شاطروهم أموالهم، وأنزلوهم منازلهم، ونزل من كانت له امرأتان عن إحداهما ليتزوجها المهاجري، ومحبتهم للمهاجرين من حيث هجرتهم لنصرة الدين لشدة محبتهم للإيمان، { ولا يجدون في صدورهم } في نفوسهم { حاجة } أي: شيئا محتاجا إليه، يقال: خذ منه حاجتك، أي: ما تحتاج إليه، يعني: أن نفوسهم لم تتبع ما أوتوا من الفيء، ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، وقيل: حاجة: حسدا أو كزازة، مما أعطي المهاجرون من الفيء، حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم به. { ويؤثرون على أنفسهم } أي: يقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من أسباب المعاش، { ولو كان بهم خصاصة } أي: حاجة وخلة، وأصلها: خصاص البيت، أي: فروجه. والجملة: حال، أي: يؤثرون في حال خصاصتهم. قال ابن عباس: لما ظفر النبي صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير، قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها، فنزلت. وهذا صريح في أن قوله تعالى: { والذين تبوؤوا الدار } استئناف غير معطوف على الفقراء المهاجرين، نعم يجوز عطفه عليهم باعتبار شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، دون الفيء، فيكون قوله تعالى: { يحبون } وما عطف عليه استئنافا مقررا لصدقهم، أو حال. قاله أبو السعود. قلت: إذا جعلنا قوله تعالى: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } استئنافا غير مبين لما قبله، بل في كل فيء يأتي بعد بني النضير، صح عطف الأنصار على فقراء المهاجرين في كل شيء، وكذا قوله: { والذين جاؤوا من بعدهم } عطف عليهم، فيكون المعنى: يقسم الفيء للفقراء المهاجرين، وللذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، وللذين جاؤوا من بعدهم. ويؤيد هذا ما روي أن عمر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية إلى آخرها قال: هذه الآية استوعبت المسلمين، ما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيمانهم. ه. وقيل: نزلت في " ضيف نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يجد عنده شيئا، فقال صلى الله عليه وسلم: " من يضيف هذا؟ " فقال: رجل من الأنصار - قيل: أبو طلحة، أنا يا رسول الله، فلم يجد من الطعام إلا ما يكفي الصبية، فقال لامرأته: نومي الصبيان، وأطفئي السراج، وقربي الطعام، فنظهر للضيف أنا نأكل معه، ونمضغ ألسنتنا ليأكل، فأكل الضيف وحده، فلما أصبح قال صلى الله عليه وسلم للرجل: " إن الله ضحك من فعلكما " عن أنس: أهدي لبعضهم رأس مشوي، وهو مجهود، فوجهه إلى جاره، وجاره وجهه إلى جاره، فتداولته تسعة أنفس، حتى عاد إلى الأول. { ومن يوق شح نفسه } أي: من يقيه الله شح نفسه حتى يغالبها فيما يغلب عليها، من حب المال وبغض الإنفاق، { فأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل مطلوب، والناجون من كل مرهوب. والشح - بالضم والكسر -: اللؤم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع. وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهم المنع نفسه، وقيل: الشح: أكل مال أخيك ظلما، والبخل: منع مالك، وقيل: الشح: منع ما عندك والطمع في غيرك، والبخل: منع مالك من غير طمع، فالشح أقبح من البخل. والجملة: اعتراض وارد لمدح الأنصار بالسخاء، بعد مدحهم بالإيثار. وجميع الإشارة باعتبار " من " لأنها واقعة على الجمع. ثم ذكر التابعين، فقال: { والذين جاؤوا من بعدهم } هم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام، { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } ، وصفوهم بذلك اعترافا بفضلهم، وعن عائشة رضي الله عنها: " أمروا بأن يستغفروا لهم، فسبوهم " { ولا تجعل في قلوبنا غلا } أي: حقدا وعداوة { للذين آمنوا } على الإطلاق، { ربنا إنك رؤوف رحيم } مبالغ في الرأفة والرحمة، فأنت حقيق بأن تجيب دعاءنا برأفتك ورحمتك. الإشارة: الذين يستحقون المواهب، والفيض الإلهي والاصطفاء، ثلاث أصناف، الأول: الفقراء الذين هاجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم وعشائرهم طلبا لصلاح قلوبهم وأسرارهم، والثاني: القوم الذين نزلوا بهم إذا آووهم وآثروهم بأموالهم وأنفسهم، الثالث: من جاء بعدهم طلبا لذلك، على الوصف الذي ذكره الحق { يقولون ربنا اغفر لنا... } الخ. قال الورتجبي: قوله تعالى: { والذين تبوؤوا الدار والإيمان... } الخ، أثنى الله سبحانه على الفقراء، ووصفهم بأحسن الوصف، إذ كانوا صادقين في فقرهم، ثم أثنى على الأغنياء لصدقهم في غناهم، ووصفهم بالإيمان والمعرفة بالله من قبلهم ولزومهم مواضع قربه، وخفضهم جناحهم لإخوانهم من الفقراء، ومحبتهم، وتقديسهم من الحسد والشح والبغض وحب الدنيا، ثم وصفهم بالسخاء والإيثار، فلم يبق في قلوبهم من حب الدنيا وجاهها ذرة. ومن سجيته مقدسة من حرص نفسه أفلح وظفر برؤية ربه. ه. قلت: كأنه يشير إلى أن قوله تعالى: { للفقراء المهاجرين } هم أهل السير من المريدين، وقوله تعالى: { والذين تبوؤوا الدار... } هو الواصلون العارفون، أي: تبوؤوا دار المعرفة، حيث سكنوها، ورسخوا فيها، وألفوا الإيمان وذاقوا حلاوته. وقوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم... } الخ، بعد أن وصفهم بقطع الطمع والحرص، والزهد فيما لم يملكوا بقوله: { ولا يجدون في صدورهم حاجة } وصفهم بالإيثار فيما ملكوا، وبذلك يتم تحقيق خروج الدنيا من قلوبهم، بحيث لا يتعلق القلب بما فات منها، ولا يمسك ما وجد منها، بل يؤثر به مع الحاجة إليه، فالآية تشير إلى سلامة الصدور، وسخاوة الأنفس، وهذا كان وصف الصحابة - رضي الله عنهم - وبهذين الخصلتين فاقوا جميع الناس، وهي أخلاق الصوفية - رضي الله عنهم - قال الشيخ أبو يزيد: ما غلبني أحد غير شاب من بلخ، قدم حاجا، فقال: يا أبا يزيد، ما الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا عندنا الكلاب ببلخ، فقلت: وما الزهد عندكم؟ فقال: إذا وجدنا آثرنا، وإذا فقدنا شكرنا. ه. وسئل ذو النون: ما حد الزاهد المشروح صدره؟ فقال: ثلاثة تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. ه. ثم عجب من المنافقين، فقال: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم }.

الحشر 59:10

قلت: " للفقراء " يتعلق بمحذوف، أي: يعطي، أو: اعجبوا، على أنه استئناف، وقيل: بدل من " ذي القربى ". و " وتبوؤوا الدار والإيمان " أي: وألفوا الإيمان، ولا يصح العطف لئلا يلزم أن الإيمان متبوأ، وإنما يتبوأ المنزل إذ التبوء: التهيؤ، يقال: بوأت له منزلا، أي: هيأته له، وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران: يقال تبوأ فلان الدار إذا لزمها. ه. فعلى هذا يصح العطف، ولا يحتاج إلى تقدير عامل آخر. قال ابن هشام: ولا يجوز كون الإيمان مفعولا معه لعدم الفائدة في تقييد الأنصار المعطوفين على المهاجرين بمصاحبة الإيمان إذ هو أمر معلوم. ه. وانظر ابن جزي، فإنه هو الوجه المستحسن عنده في توجيه الآية، والمعنى: أنهم جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان، لا بنزول الدار، قال: فيكون الإيمان على هذا مفعولا معه، وأصله لابن عطية، وبهذا الاقتراح يصح معنى قوله: { من قبلهم } فتأمله. انظر الحاشية. يقول الحق جل جلاله: { للفقراء } أي: يعطى الفيء للفقراء { المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } حيث اضطرهم كفار مكة إلى الخروج من مكة، وكانوا مائة رجل. وفيه دليل على أن الكفار يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين لأن الله تعالى سماهم فقراء، مع أنهم كانت لهم ديار وأموال بمكة، فخرجوا { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } أي: طالبين منه تعالى رزقا في الدنيا، ورضا في الآخرة، أو: يطلبون الجنة ورضوان الله أو: زيادة في الإيمان والرضوان، { وينصرون الله ورسوله } أي: ناوين نصرة دين الله وإعانة رسوله، { أولئك } الموصوفون بما فصل من الصفات الحميدة { هم الصادقون } الراسخون في الصدق، حيث ظهر ذلك عليهم بما فعلوا من مفارقة الأوطان والأهل والولدان. { والذين تبوؤوا الدار والإيمان } ، هذا استئناف مسوق لمدح الأنصار بخصال حميدة، من جملتها: محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاصهم بالفيء أكمل رضا، أي: اتخذوا المدينة والإيمان مباءة وسكنا وتمكنوا فيهما أشد تمكين، { من قبلهم } أي: من قبل هجرة المهاجرين أو تبوؤوا الدار ولزموا الإيمان، ولزومه: إخلاصه وظهور شعائره وأحكامه، ولا ريب في تقدم الأنصار في ذلك على المهاجرين لأن المهاجرين لم يتأت لهم أظهاره قبل الهجرة، فتقدمهم في إظهاره فقط، لا في إخلاصه إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك. { يحبون من هاجر إليهم } حتى شاطروهم أموالهم، وأنزلوهم منازلهم، ونزل من كانت له امرأتان عن إحداهما ليتزوجها المهاجري، ومحبتهم للمهاجرين من حيث هجرتهم لنصرة الدين لشدة محبتهم للإيمان، { ولا يجدون في صدورهم } في نفوسهم { حاجة } أي: شيئا محتاجا إليه، يقال: خذ منه حاجتك، أي: ما تحتاج إليه، يعني: أن نفوسهم لم تتبع ما أوتوا من الفيء، ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، وقيل: حاجة: حسدا أو كزازة، مما أعطي المهاجرون من الفيء، حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم به. { ويؤثرون على أنفسهم } أي: يقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من أسباب المعاش، { ولو كان بهم خصاصة } أي: حاجة وخلة، وأصلها: خصاص البيت، أي: فروجه. والجملة: حال، أي: يؤثرون في حال خصاصتهم. قال ابن عباس: لما ظفر النبي صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير، قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها، فنزلت. وهذا صريح في أن قوله تعالى: { والذين تبوؤوا الدار } استئناف غير معطوف على الفقراء المهاجرين، نعم يجوز عطفه عليهم باعتبار شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، دون الفيء، فيكون قوله تعالى: { يحبون } وما عطف عليه استئنافا مقررا لصدقهم، أو حال. قاله أبو السعود. قلت: إذا جعلنا قوله تعالى: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } استئنافا غير مبين لما قبله، بل في كل فيء يأتي بعد بني النضير، صح عطف الأنصار على فقراء المهاجرين في كل شيء، وكذا قوله: { والذين جاؤوا من بعدهم } عطف عليهم، فيكون المعنى: يقسم الفيء للفقراء المهاجرين، وللذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، وللذين جاؤوا من بعدهم. ويؤيد هذا ما روي أن عمر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية إلى آخرها قال: هذه الآية استوعبت المسلمين، ما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيمانهم. ه. وقيل: نزلت في " ضيف نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يجد عنده شيئا، فقال صلى الله عليه وسلم: " من يضيف هذا؟ " فقال: رجل من الأنصار - قيل: أبو طلحة، أنا يا رسول الله، فلم يجد من الطعام إلا ما يكفي الصبية، فقال لامرأته: نومي الصبيان، وأطفئي السراج، وقربي الطعام، فنظهر للضيف أنا نأكل معه، ونمضغ ألسنتنا ليأكل، فأكل الضيف وحده، فلما أصبح قال صلى الله عليه وسلم للرجل: " إن الله ضحك من فعلكما " عن أنس: أهدي لبعضهم رأس مشوي، وهو مجهود، فوجهه إلى جاره، وجاره وجهه إلى جاره، فتداولته تسعة أنفس، حتى عاد إلى الأول. { ومن يوق شح نفسه } أي: من يقيه الله شح نفسه حتى يغالبها فيما يغلب عليها، من حب المال وبغض الإنفاق، { فأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل مطلوب، والناجون من كل مرهوب. والشح - بالضم والكسر -: اللؤم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع. وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهم المنع نفسه، وقيل: الشح: أكل مال أخيك ظلما، والبخل: منع مالك، وقيل: الشح: منع ما عندك والطمع في غيرك، والبخل: منع مالك من غير طمع، فالشح أقبح من البخل. والجملة: اعتراض وارد لمدح الأنصار بالسخاء، بعد مدحهم بالإيثار. وجميع الإشارة باعتبار " من " لأنها واقعة على الجمع. ثم ذكر التابعين، فقال: { والذين جاؤوا من بعدهم } هم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام، { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } ، وصفوهم بذلك اعترافا بفضلهم، وعن عائشة رضي الله عنها: " أمروا بأن يستغفروا لهم، فسبوهم " { ولا تجعل في قلوبنا غلا } أي: حقدا وعداوة { للذين آمنوا } على الإطلاق، { ربنا إنك رؤوف رحيم } مبالغ في الرأفة والرحمة، فأنت حقيق بأن تجيب دعاءنا برأفتك ورحمتك. الإشارة: الذين يستحقون المواهب، والفيض الإلهي والاصطفاء، ثلاث أصناف، الأول: الفقراء الذين هاجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم وعشائرهم طلبا لصلاح قلوبهم وأسرارهم، والثاني: القوم الذين نزلوا بهم إذا آووهم وآثروهم بأموالهم وأنفسهم، الثالث: من جاء بعدهم طلبا لذلك، على الوصف الذي ذكره الحق { يقولون ربنا اغفر لنا... } الخ. قال الورتجبي: قوله تعالى: { والذين تبوؤوا الدار والإيمان... } الخ، أثنى الله سبحانه على الفقراء، ووصفهم بأحسن الوصف، إذ كانوا صادقين في فقرهم، ثم أثنى على الأغنياء لصدقهم في غناهم، ووصفهم بالإيمان والمعرفة بالله من قبلهم ولزومهم مواضع قربه، وخفضهم جناحهم لإخوانهم من الفقراء، ومحبتهم، وتقديسهم من الحسد والشح والبغض وحب الدنيا، ثم وصفهم بالسخاء والإيثار، فلم يبق في قلوبهم من حب الدنيا وجاهها ذرة. ومن سجيته مقدسة من حرص نفسه أفلح وظفر برؤية ربه. ه. قلت: كأنه يشير إلى أن قوله تعالى: { للفقراء المهاجرين } هم أهل السير من المريدين، وقوله تعالى: { والذين تبوؤوا الدار... } هو الواصلون العارفون، أي: تبوؤوا دار المعرفة، حيث سكنوها، ورسخوا فيها، وألفوا الإيمان وذاقوا حلاوته. وقوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم... } الخ، بعد أن وصفهم بقطع الطمع والحرص، والزهد فيما لم يملكوا بقوله: { ولا يجدون في صدورهم حاجة } وصفهم بالإيثار فيما ملكوا، وبذلك يتم تحقيق خروج الدنيا من قلوبهم، بحيث لا يتعلق القلب بما فات منها، ولا يمسك ما وجد منها، بل يؤثر به مع الحاجة إليه، فالآية تشير إلى سلامة الصدور، وسخاوة الأنفس، وهذا كان وصف الصحابة - رضي الله عنهم - وبهذين الخصلتين فاقوا جميع الناس، وهي أخلاق الصوفية - رضي الله عنهم - قال الشيخ أبو يزيد: ما غلبني أحد غير شاب من بلخ، قدم حاجا، فقال: يا أبا يزيد، ما الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا عندنا الكلاب ببلخ، فقلت: وما الزهد عندكم؟ فقال: إذا وجدنا آثرنا، وإذا فقدنا شكرنا. ه. وسئل ذو النون: ما حد الزاهد المشروح صدره؟ فقال: ثلاثة تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. ه. ثم عجب من المنافقين، فقال: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم }.

الحشر 59:11

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين نافقوا } أي: ألم تر يا محمد، أو: يا من يسمع، إلى عبد الله بن أبي وأشياعه؟ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى: { يقولون } استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو: لاستحضار صورته. واللام في قوله: { لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } للتبليغ، والمراد بالأخوة: أخوة الكفر، واللام في قوله: { لئن أخرجتم } موطئة للقسم، و { لنخرجن } جوابه، أي: والله لئن أخرجتم من دياركم { لنخرجن معكم } ، روي أن ابن أبي وأصحابه دسوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، { ولا نطيع فيكم } في قتالكم { أحدا أبدا } ، يعني رسول الله والمسلمين، أو: لا نطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحدا، وإن طال الزمان، { وإن قوتلتم لننصرنكم } ، قال تعالى في تكذيبهم: { والله يشهد إنهم لكاذبون } في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة. { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } ، وكان الأمر كذلك، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم، ففيه معجزة واضحة، { ولئن نصروهم } على الفرض والتقدير، { ليولن الأدبار } فرارا { ثم لا ينصرون } أبدا، إما المنافقون أو اليهود، أي: لا تكون لهم شوكة أبدا. وإنما قال: { ولئن نصروهم } بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، أي: على الفرض والتقدير كقوله: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65]، والحق تعالى كما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون. { لأنتم أشد رهبة } أي: أشد مرهوبية، مصدر: رهب، المبني للمفعول، أي: أنتم أشد خوفا { في صدورهم من الله } دلالة على نفاقهم، يعني: إنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله، { ذلك } أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله { بأنهم قوم لا يفقهون } شيئا حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته. { لا يقاتلونكم } أي: اليهود والمنافقون، أي: لا يقدرون على قتالكم { جميعا } مجتمعين متفقين في موطن من المواطن، { إلا في قرى محصنة } ، بالدروب والخنادق، { أو من وراء جدر } دون أن يصحروا ويبارزوكم لفرط رهبتهم. وقرأ المكي: " جدار " بالإفراد. { بأسهم بينهم شديد } ، بيان لما ذكر من أن رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم، فإن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم، بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب. { تحسبهم } أي: المنافقين واليهود { جميعا } أي: مجتمعين ذوي ألفة واتحاد، { وقلوبهم شتى } متفرقة لا ألفة بينها. قال ابن عطية: وهذه حالة الجماعة المتخاذلة. ه. يعني: أن بينهم إحنا وعداوات، فلا يتعاضدون حق التناصر ولا ينصرون أبدا. قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصل كل فساد، وموجب كل تخاذل، واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمة، والتساوي في القصد، يوجب كل ظفر وسعادة. ه. وما وصف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. { ذلك } التفرق { بأنهم قوم لا يعقلون } شيئا، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه، وتطئمن به قلوبهم، وتتحد كلمتهم، ويرموا عن قوس واحدة، لكن لما جهلوا الحق تشتتت طرقهم، وتشتتت القلوب حسب تشتت الطرق، وأما ما قيل من أن المعنى: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قلوبهم، فبعيد. الإشارة: إذا حاصر المريد قرية القلب ليخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ لسكنى سلطان المعرفة، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس، وأوصافها اليهودية: لا تخرجوا، فنحن نعاونكم، وفي نصرتكم، لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة لننصرنكم بالتخاذل والتثبط، والله يشهد أنهم لكاذبون إذ لا قدرة لشيء إلا بإذن الله. { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم... } الآية. لا يقاتلونكم جميعا، أي: لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم، إلا في قلوب غافلة شديدة العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق أو: توسوس من وراء جدر الإيمان وأما القلوب الفارغة من الشواغل المطهرة من المساوئ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها. بأسهم بينهم شديد، أي: الحرب بينهم سجال، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح، وإذا غلب جند القلب والروح استولى النور على ظلمة النفس، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، أي: تظنون أن مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة وقلوبهم شتى فالأهواء مختلفة، والحظوظ متفاوتة، والمساوىء متفرقة، فلكل شخص حظ، ولكل نفس هوى غير ما يشتهي الآخر، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم في محبة الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به ". ثم شبه بني النضير بقتلى أهل بدر، فقال: { كمثل الذين من قبلهم قريبا }.

الحشر 59:12

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين نافقوا } أي: ألم تر يا محمد، أو: يا من يسمع، إلى عبد الله بن أبي وأشياعه؟ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى: { يقولون } استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو: لاستحضار صورته. واللام في قوله: { لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } للتبليغ، والمراد بالأخوة: أخوة الكفر، واللام في قوله: { لئن أخرجتم } موطئة للقسم، و { لنخرجن } جوابه، أي: والله لئن أخرجتم من دياركم { لنخرجن معكم } ، روي أن ابن أبي وأصحابه دسوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، { ولا نطيع فيكم } في قتالكم { أحدا أبدا } ، يعني رسول الله والمسلمين، أو: لا نطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحدا، وإن طال الزمان، { وإن قوتلتم لننصرنكم } ، قال تعالى في تكذيبهم: { والله يشهد إنهم لكاذبون } في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة. { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } ، وكان الأمر كذلك، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم، ففيه معجزة واضحة، { ولئن نصروهم } على الفرض والتقدير، { ليولن الأدبار } فرارا { ثم لا ينصرون } أبدا، إما المنافقون أو اليهود، أي: لا تكون لهم شوكة أبدا. وإنما قال: { ولئن نصروهم } بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، أي: على الفرض والتقدير كقوله: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65]، والحق تعالى كما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون. { لأنتم أشد رهبة } أي: أشد مرهوبية، مصدر: رهب، المبني للمفعول، أي: أنتم أشد خوفا { في صدورهم من الله } دلالة على نفاقهم، يعني: إنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله، { ذلك } أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله { بأنهم قوم لا يفقهون } شيئا حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته. { لا يقاتلونكم } أي: اليهود والمنافقون، أي: لا يقدرون على قتالكم { جميعا } مجتمعين متفقين في موطن من المواطن، { إلا في قرى محصنة } ، بالدروب والخنادق، { أو من وراء جدر } دون أن يصحروا ويبارزوكم لفرط رهبتهم. وقرأ المكي: " جدار " بالإفراد. { بأسهم بينهم شديد } ، بيان لما ذكر من أن رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم، فإن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم، بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب. { تحسبهم } أي: المنافقين واليهود { جميعا } أي: مجتمعين ذوي ألفة واتحاد، { وقلوبهم شتى } متفرقة لا ألفة بينها. قال ابن عطية: وهذه حالة الجماعة المتخاذلة. ه. يعني: أن بينهم إحنا وعداوات، فلا يتعاضدون حق التناصر ولا ينصرون أبدا. قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصل كل فساد، وموجب كل تخاذل، واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمة، والتساوي في القصد، يوجب كل ظفر وسعادة. ه. وما وصف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. { ذلك } التفرق { بأنهم قوم لا يعقلون } شيئا، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه، وتطئمن به قلوبهم، وتتحد كلمتهم، ويرموا عن قوس واحدة، لكن لما جهلوا الحق تشتتت طرقهم، وتشتتت القلوب حسب تشتت الطرق، وأما ما قيل من أن المعنى: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قلوبهم، فبعيد. الإشارة: إذا حاصر المريد قرية القلب ليخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ لسكنى سلطان المعرفة، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس، وأوصافها اليهودية: لا تخرجوا، فنحن نعاونكم، وفي نصرتكم، لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة لننصرنكم بالتخاذل والتثبط، والله يشهد أنهم لكاذبون إذ لا قدرة لشيء إلا بإذن الله. { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم... } الآية. لا يقاتلونكم جميعا، أي: لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم، إلا في قلوب غافلة شديدة العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق أو: توسوس من وراء جدر الإيمان وأما القلوب الفارغة من الشواغل المطهرة من المساوئ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها. بأسهم بينهم شديد، أي: الحرب بينهم سجال، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح، وإذا غلب جند القلب والروح استولى النور على ظلمة النفس، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، أي: تظنون أن مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة وقلوبهم شتى فالأهواء مختلفة، والحظوظ متفاوتة، والمساوىء متفرقة، فلكل شخص حظ، ولكل نفس هوى غير ما يشتهي الآخر، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم في محبة الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به ". ثم شبه بني النضير بقتلى أهل بدر، فقال: { كمثل الذين من قبلهم قريبا }.

الحشر 59:13

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين نافقوا } أي: ألم تر يا محمد، أو: يا من يسمع، إلى عبد الله بن أبي وأشياعه؟ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى: { يقولون } استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو: لاستحضار صورته. واللام في قوله: { لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } للتبليغ، والمراد بالأخوة: أخوة الكفر، واللام في قوله: { لئن أخرجتم } موطئة للقسم، و { لنخرجن } جوابه، أي: والله لئن أخرجتم من دياركم { لنخرجن معكم } ، روي أن ابن أبي وأصحابه دسوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، { ولا نطيع فيكم } في قتالكم { أحدا أبدا } ، يعني رسول الله والمسلمين، أو: لا نطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحدا، وإن طال الزمان، { وإن قوتلتم لننصرنكم } ، قال تعالى في تكذيبهم: { والله يشهد إنهم لكاذبون } في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة. { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } ، وكان الأمر كذلك، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم، ففيه معجزة واضحة، { ولئن نصروهم } على الفرض والتقدير، { ليولن الأدبار } فرارا { ثم لا ينصرون } أبدا، إما المنافقون أو اليهود، أي: لا تكون لهم شوكة أبدا. وإنما قال: { ولئن نصروهم } بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، أي: على الفرض والتقدير كقوله: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65]، والحق تعالى كما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون. { لأنتم أشد رهبة } أي: أشد مرهوبية، مصدر: رهب، المبني للمفعول، أي: أنتم أشد خوفا { في صدورهم من الله } دلالة على نفاقهم، يعني: إنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله، { ذلك } أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله { بأنهم قوم لا يفقهون } شيئا حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته. { لا يقاتلونكم } أي: اليهود والمنافقون، أي: لا يقدرون على قتالكم { جميعا } مجتمعين متفقين في موطن من المواطن، { إلا في قرى محصنة } ، بالدروب والخنادق، { أو من وراء جدر } دون أن يصحروا ويبارزوكم لفرط رهبتهم. وقرأ المكي: " جدار " بالإفراد. { بأسهم بينهم شديد } ، بيان لما ذكر من أن رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم، فإن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم، بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب. { تحسبهم } أي: المنافقين واليهود { جميعا } أي: مجتمعين ذوي ألفة واتحاد، { وقلوبهم شتى } متفرقة لا ألفة بينها. قال ابن عطية: وهذه حالة الجماعة المتخاذلة. ه. يعني: أن بينهم إحنا وعداوات، فلا يتعاضدون حق التناصر ولا ينصرون أبدا. قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصل كل فساد، وموجب كل تخاذل، واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمة، والتساوي في القصد، يوجب كل ظفر وسعادة. ه. وما وصف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. { ذلك } التفرق { بأنهم قوم لا يعقلون } شيئا، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه، وتطئمن به قلوبهم، وتتحد كلمتهم، ويرموا عن قوس واحدة، لكن لما جهلوا الحق تشتتت طرقهم، وتشتتت القلوب حسب تشتت الطرق، وأما ما قيل من أن المعنى: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قلوبهم، فبعيد. الإشارة: إذا حاصر المريد قرية القلب ليخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ لسكنى سلطان المعرفة، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس، وأوصافها اليهودية: لا تخرجوا، فنحن نعاونكم، وفي نصرتكم، لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة لننصرنكم بالتخاذل والتثبط، والله يشهد أنهم لكاذبون إذ لا قدرة لشيء إلا بإذن الله. { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم... } الآية. لا يقاتلونكم جميعا، أي: لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم، إلا في قلوب غافلة شديدة العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق أو: توسوس من وراء جدر الإيمان وأما القلوب الفارغة من الشواغل المطهرة من المساوئ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها. بأسهم بينهم شديد، أي: الحرب بينهم سجال، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح، وإذا غلب جند القلب والروح استولى النور على ظلمة النفس، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، أي: تظنون أن مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة وقلوبهم شتى فالأهواء مختلفة، والحظوظ متفاوتة، والمساوىء متفرقة، فلكل شخص حظ، ولكل نفس هوى غير ما يشتهي الآخر، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم في محبة الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به ". ثم شبه بني النضير بقتلى أهل بدر، فقال: { كمثل الذين من قبلهم قريبا }.

الحشر 59:14

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين نافقوا } أي: ألم تر يا محمد، أو: يا من يسمع، إلى عبد الله بن أبي وأشياعه؟ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى: { يقولون } استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو: لاستحضار صورته. واللام في قوله: { لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } للتبليغ، والمراد بالأخوة: أخوة الكفر، واللام في قوله: { لئن أخرجتم } موطئة للقسم، و { لنخرجن } جوابه، أي: والله لئن أخرجتم من دياركم { لنخرجن معكم } ، روي أن ابن أبي وأصحابه دسوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، { ولا نطيع فيكم } في قتالكم { أحدا أبدا } ، يعني رسول الله والمسلمين، أو: لا نطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحدا، وإن طال الزمان، { وإن قوتلتم لننصرنكم } ، قال تعالى في تكذيبهم: { والله يشهد إنهم لكاذبون } في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة. { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } ، وكان الأمر كذلك، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم، ففيه معجزة واضحة، { ولئن نصروهم } على الفرض والتقدير، { ليولن الأدبار } فرارا { ثم لا ينصرون } أبدا، إما المنافقون أو اليهود، أي: لا تكون لهم شوكة أبدا. وإنما قال: { ولئن نصروهم } بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، أي: على الفرض والتقدير كقوله: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65]، والحق تعالى كما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون. { لأنتم أشد رهبة } أي: أشد مرهوبية، مصدر: رهب، المبني للمفعول، أي: أنتم أشد خوفا { في صدورهم من الله } دلالة على نفاقهم، يعني: إنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله، { ذلك } أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله { بأنهم قوم لا يفقهون } شيئا حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته. { لا يقاتلونكم } أي: اليهود والمنافقون، أي: لا يقدرون على قتالكم { جميعا } مجتمعين متفقين في موطن من المواطن، { إلا في قرى محصنة } ، بالدروب والخنادق، { أو من وراء جدر } دون أن يصحروا ويبارزوكم لفرط رهبتهم. وقرأ المكي: " جدار " بالإفراد. { بأسهم بينهم شديد } ، بيان لما ذكر من أن رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم، فإن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم، بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب. { تحسبهم } أي: المنافقين واليهود { جميعا } أي: مجتمعين ذوي ألفة واتحاد، { وقلوبهم شتى } متفرقة لا ألفة بينها. قال ابن عطية: وهذه حالة الجماعة المتخاذلة. ه. يعني: أن بينهم إحنا وعداوات، فلا يتعاضدون حق التناصر ولا ينصرون أبدا. قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصل كل فساد، وموجب كل تخاذل، واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمة، والتساوي في القصد، يوجب كل ظفر وسعادة. ه. وما وصف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. { ذلك } التفرق { بأنهم قوم لا يعقلون } شيئا، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه، وتطئمن به قلوبهم، وتتحد كلمتهم، ويرموا عن قوس واحدة، لكن لما جهلوا الحق تشتتت طرقهم، وتشتتت القلوب حسب تشتت الطرق، وأما ما قيل من أن المعنى: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قلوبهم، فبعيد. الإشارة: إذا حاصر المريد قرية القلب ليخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ لسكنى سلطان المعرفة، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس، وأوصافها اليهودية: لا تخرجوا، فنحن نعاونكم، وفي نصرتكم، لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة لننصرنكم بالتخاذل والتثبط، والله يشهد أنهم لكاذبون إذ لا قدرة لشيء إلا بإذن الله. { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم... } الآية. لا يقاتلونكم جميعا، أي: لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم، إلا في قلوب غافلة شديدة العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق أو: توسوس من وراء جدر الإيمان وأما القلوب الفارغة من الشواغل المطهرة من المساوئ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها. بأسهم بينهم شديد، أي: الحرب بينهم سجال، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح، وإذا غلب جند القلب والروح استولى النور على ظلمة النفس، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، أي: تظنون أن مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة وقلوبهم شتى فالأهواء مختلفة، والحظوظ متفاوتة، والمساوىء متفرقة، فلكل شخص حظ، ولكل نفس هوى غير ما يشتهي الآخر، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم في محبة الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به ". ثم شبه بني النضير بقتلى أهل بدر، فقال: { كمثل الذين من قبلهم قريبا }.

الحشر 59:15

يقول الحق جل جلاله: مثلهم، أي: مثل اليهود في حلول البأس بهم { كمثل الذين من قبلهم } وهم أهل بدر { قريبا } أي: استقر من قبلهم زمنا قريبا، فكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من بدر، كما صدر به البخاري عن الزهري. ثم قال: وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد. ه. قلت: وهو الموافق لما تقدم في صدر السورة، وهو المشهور، { ذاقوا وبال أمرهم } أي: ذاقوا سوء عاقبة أمرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القتل في الدنيا، { ولهم } مع ذلك في الآخرة { عذاب أليم }. ومثل المنافقين { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين } أي: مثل المنافقين في أغوائهم اليهود على القتال، ووعدهم إياهم النصر، ثم مشاركتهم لهم وخذلانهم كمثل الشيطان إذ استغوى الإنسان بكيده، ثم تبرأ منه في العاقبة. وقيل: المراد: استغواؤه قريشا يوم بدر، وقوله: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم [الأنفال: 48] إلى قوله: إني بريء منكم [الأنفال: 48]. قال أبو السعود: وقد أجمل في النظم الكريم، حيث أسند كلا من الخبرين إلى المقدر المضاف إلى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه، ثقة بأن السامع يرد كلا من المثالين إلى ما يماثله، كأنه قيل: مثل اليهود في حلول العذاب، كمثل الذين من قبلهم... الخ، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما تقدم عنهم كمثل الشيطان...الخ. ه. { فكان عاقبتهما } أي: عاقبة الإنسان الكافر والشيطان، { أنهما في النار خالدين فيها } ، ف " عاقبتهما ": خبر كان، و " أنهما " اسمها، و " خالدين ": حال. { وذلك جزاء الظالمين } أي: الخلود في النار جزاء كل ظالم. وذكر الثعلبي هنا قصة برصيصا الراهب الطويلة، فانظرها فيه، ففيها عبرة، وقيل: فيه نزلت الآية. الإشارة: مثل الأوصاف المذمومة حيث ترد عليها أنوار الشهود كمثل كفار قريش حين استولت عليها الأنصار والمهاجرون، وأمدهم الله بملائكة السماء، فهزموهم وقتلوهم، ودفنوهم في القليب، ومثل النفوس الأمارة وجنودها، كمثل الشيطان يوسوس بالمعاصي، ثم يرجع، فكان عاقبتهما إذا أطاعه الإنسان أنهما في النار القطيعة خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين لنفوسهم، حيث حرموها الوصول. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتقوى، التي هي ملاك الخير كله، والتزود لدار البقاء، فقال: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله }.

الحشر 59:16

يقول الحق جل جلاله: مثلهم، أي: مثل اليهود في حلول البأس بهم { كمثل الذين من قبلهم } وهم أهل بدر { قريبا } أي: استقر من قبلهم زمنا قريبا، فكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من بدر، كما صدر به البخاري عن الزهري. ثم قال: وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد. ه. قلت: وهو الموافق لما تقدم في صدر السورة، وهو المشهور، { ذاقوا وبال أمرهم } أي: ذاقوا سوء عاقبة أمرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القتل في الدنيا، { ولهم } مع ذلك في الآخرة { عذاب أليم }. ومثل المنافقين { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين } أي: مثل المنافقين في أغوائهم اليهود على القتال، ووعدهم إياهم النصر، ثم مشاركتهم لهم وخذلانهم كمثل الشيطان إذ استغوى الإنسان بكيده، ثم تبرأ منه في العاقبة. وقيل: المراد: استغواؤه قريشا يوم بدر، وقوله: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم [الأنفال: 48] إلى قوله: إني بريء منكم [الأنفال: 48]. قال أبو السعود: وقد أجمل في النظم الكريم، حيث أسند كلا من الخبرين إلى المقدر المضاف إلى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه، ثقة بأن السامع يرد كلا من المثالين إلى ما يماثله، كأنه قيل: مثل اليهود في حلول العذاب، كمثل الذين من قبلهم... الخ، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما تقدم عنهم كمثل الشيطان...الخ. ه. { فكان عاقبتهما } أي: عاقبة الإنسان الكافر والشيطان، { أنهما في النار خالدين فيها } ، ف " عاقبتهما ": خبر كان، و " أنهما " اسمها، و " خالدين ": حال. { وذلك جزاء الظالمين } أي: الخلود في النار جزاء كل ظالم. وذكر الثعلبي هنا قصة برصيصا الراهب الطويلة، فانظرها فيه، ففيها عبرة، وقيل: فيه نزلت الآية. الإشارة: مثل الأوصاف المذمومة حيث ترد عليها أنوار الشهود كمثل كفار قريش حين استولت عليها الأنصار والمهاجرون، وأمدهم الله بملائكة السماء، فهزموهم وقتلوهم، ودفنوهم في القليب، ومثل النفوس الأمارة وجنودها، كمثل الشيطان يوسوس بالمعاصي، ثم يرجع، فكان عاقبتهما إذا أطاعه الإنسان أنهما في النار القطيعة خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين لنفوسهم، حيث حرموها الوصول. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتقوى، التي هي ملاك الخير كله، والتزود لدار البقاء، فقال: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله }.

الحشر 59:17

يقول الحق جل جلاله: مثلهم، أي: مثل اليهود في حلول البأس بهم { كمثل الذين من قبلهم } وهم أهل بدر { قريبا } أي: استقر من قبلهم زمنا قريبا، فكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من بدر، كما صدر به البخاري عن الزهري. ثم قال: وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد. ه. قلت: وهو الموافق لما تقدم في صدر السورة، وهو المشهور، { ذاقوا وبال أمرهم } أي: ذاقوا سوء عاقبة أمرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القتل في الدنيا، { ولهم } مع ذلك في الآخرة { عذاب أليم }. ومثل المنافقين { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين } أي: مثل المنافقين في أغوائهم اليهود على القتال، ووعدهم إياهم النصر، ثم مشاركتهم لهم وخذلانهم كمثل الشيطان إذ استغوى الإنسان بكيده، ثم تبرأ منه في العاقبة. وقيل: المراد: استغواؤه قريشا يوم بدر، وقوله: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم [الأنفال: 48] إلى قوله: إني بريء منكم [الأنفال: 48]. قال أبو السعود: وقد أجمل في النظم الكريم، حيث أسند كلا من الخبرين إلى المقدر المضاف إلى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه، ثقة بأن السامع يرد كلا من المثالين إلى ما يماثله، كأنه قيل: مثل اليهود في حلول العذاب، كمثل الذين من قبلهم... الخ، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما تقدم عنهم كمثل الشيطان...الخ. ه. { فكان عاقبتهما } أي: عاقبة الإنسان الكافر والشيطان، { أنهما في النار خالدين فيها } ، ف " عاقبتهما ": خبر كان، و " أنهما " اسمها، و " خالدين ": حال. { وذلك جزاء الظالمين } أي: الخلود في النار جزاء كل ظالم. وذكر الثعلبي هنا قصة برصيصا الراهب الطويلة، فانظرها فيه، ففيها عبرة، وقيل: فيه نزلت الآية. الإشارة: مثل الأوصاف المذمومة حيث ترد عليها أنوار الشهود كمثل كفار قريش حين استولت عليها الأنصار والمهاجرون، وأمدهم الله بملائكة السماء، فهزموهم وقتلوهم، ودفنوهم في القليب، ومثل النفوس الأمارة وجنودها، كمثل الشيطان يوسوس بالمعاصي، ثم يرجع، فكان عاقبتهما إذا أطاعه الإنسان أنهما في النار القطيعة خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين لنفوسهم، حيث حرموها الوصول. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتقوى، التي هي ملاك الخير كله، والتزود لدار البقاء، فقال: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله }.

الحشر 59:18

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } في كل ما تأتون وتذرون، { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي: أي شيء قدمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة. سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له، أو عبر عن الآخرة بالغد، كأن الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد، وتنكيره لتفخيمه وتهويله، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لغاية عظمه. وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدمنا، خسرنا ما خلفنا. { واتقوا الله } ، كرر تأكيدا للأمر بالتقوى، أو الأول في أداء الواجبات، كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل، وهذا في ترك المعاصي، كما يؤذن به الوعيد في قوله: { إن الله خبير بما تعملون } أي: من المعاصي. { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي: نسوا حقوقه تعالى أو: تركوا ذكره، { فأنساهم أنفسهم } فأهملهم ولم يذكرهم بتوفيق ولا هداية، أو: جعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها، أو: أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم، { أولئك هم الفاسقون } الكاملون في الفسق. { لا يستوي أصحاب النار } الذي نسوا الله فاستحقوا الخلود في النار { وأصحاب الجنة } الذين اتقوا الله، فاستحقوا الخلود في الجنة، { أصحاب الجنة هم الفائزون } ، وهذا تنبيه وإيقاظ وإيذان بأن غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم، على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لايعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم بين أصحابها، وأن الفوز العظيم لأصحاب الجنة، والعذاب الأليم لأصحاب النار، فمن حقهم أن يعلموا وينتبهوا له، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه لتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطف. واستدل بالآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين، ورد بأن عدم الاستواء إنما هو في الأحوال الأخروية، لا الدنيوية. والله تعالى أعلم. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } ، أن تشهدوا معه سواه { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } من المعرفة، فإن الشهود يوم القيامة على قدر المعرفة هنا، " واتقوا الله " فلا تؤثروا عليه سواه، { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي: ذكره والتوجه إليه، " فأنساهم أنفسهم " أي: غيبهم عن إصلاحها وعلاجها، حتى ماتت في أودية الخواطر والشكوك، " أولئك هم الفاسقون " الخارجون عن الحضرة المقدسة. " لا يستوي أصحاب النار " أي: نار القطيعة والحجاب " وأصحاب الجنة " أي: جنة المعارف " أصحاب الجنة هم الفائزون " بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب. ولما لم تؤثر هذه المواعظ في بعض القلوب، صارت أقبح من الحجر، فإن الجبل لو نزل عليه هذا القرآن لخشع، كما قال تعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا }.

الحشر 59:19

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } في كل ما تأتون وتذرون، { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي: أي شيء قدمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة. سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له، أو عبر عن الآخرة بالغد، كأن الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد، وتنكيره لتفخيمه وتهويله، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لغاية عظمه. وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدمنا، خسرنا ما خلفنا. { واتقوا الله } ، كرر تأكيدا للأمر بالتقوى، أو الأول في أداء الواجبات، كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل، وهذا في ترك المعاصي، كما يؤذن به الوعيد في قوله: { إن الله خبير بما تعملون } أي: من المعاصي. { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي: نسوا حقوقه تعالى أو: تركوا ذكره، { فأنساهم أنفسهم } فأهملهم ولم يذكرهم بتوفيق ولا هداية، أو: جعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها، أو: أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم، { أولئك هم الفاسقون } الكاملون في الفسق. { لا يستوي أصحاب النار } الذي نسوا الله فاستحقوا الخلود في النار { وأصحاب الجنة } الذين اتقوا الله، فاستحقوا الخلود في الجنة، { أصحاب الجنة هم الفائزون } ، وهذا تنبيه وإيقاظ وإيذان بأن غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم، على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لايعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم بين أصحابها، وأن الفوز العظيم لأصحاب الجنة، والعذاب الأليم لأصحاب النار، فمن حقهم أن يعلموا وينتبهوا له، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه لتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطف. واستدل بالآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين، ورد بأن عدم الاستواء إنما هو في الأحوال الأخروية، لا الدنيوية. والله تعالى أعلم. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } ، أن تشهدوا معه سواه { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } من المعرفة، فإن الشهود يوم القيامة على قدر المعرفة هنا، " واتقوا الله " فلا تؤثروا عليه سواه، { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي: ذكره والتوجه إليه، " فأنساهم أنفسهم " أي: غيبهم عن إصلاحها وعلاجها، حتى ماتت في أودية الخواطر والشكوك، " أولئك هم الفاسقون " الخارجون عن الحضرة المقدسة. " لا يستوي أصحاب النار " أي: نار القطيعة والحجاب " وأصحاب الجنة " أي: جنة المعارف " أصحاب الجنة هم الفائزون " بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب. ولما لم تؤثر هذه المواعظ في بعض القلوب، صارت أقبح من الحجر، فإن الجبل لو نزل عليه هذا القرآن لخشع، كما قال تعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا }.

الحشر 59:20

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } في كل ما تأتون وتذرون، { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي: أي شيء قدمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة. سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له، أو عبر عن الآخرة بالغد، كأن الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد، وتنكيره لتفخيمه وتهويله، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لغاية عظمه. وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدمنا، خسرنا ما خلفنا. { واتقوا الله } ، كرر تأكيدا للأمر بالتقوى، أو الأول في أداء الواجبات، كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل، وهذا في ترك المعاصي، كما يؤذن به الوعيد في قوله: { إن الله خبير بما تعملون } أي: من المعاصي. { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي: نسوا حقوقه تعالى أو: تركوا ذكره، { فأنساهم أنفسهم } فأهملهم ولم يذكرهم بتوفيق ولا هداية، أو: جعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها، أو: أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم، { أولئك هم الفاسقون } الكاملون في الفسق. { لا يستوي أصحاب النار } الذي نسوا الله فاستحقوا الخلود في النار { وأصحاب الجنة } الذين اتقوا الله، فاستحقوا الخلود في الجنة، { أصحاب الجنة هم الفائزون } ، وهذا تنبيه وإيقاظ وإيذان بأن غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم، على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لايعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم بين أصحابها، وأن الفوز العظيم لأصحاب الجنة، والعذاب الأليم لأصحاب النار، فمن حقهم أن يعلموا وينتبهوا له، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه لتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطف. واستدل بالآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين، ورد بأن عدم الاستواء إنما هو في الأحوال الأخروية، لا الدنيوية. والله تعالى أعلم. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } ، أن تشهدوا معه سواه { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } من المعرفة، فإن الشهود يوم القيامة على قدر المعرفة هنا، " واتقوا الله " فلا تؤثروا عليه سواه، { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي: ذكره والتوجه إليه، " فأنساهم أنفسهم " أي: غيبهم عن إصلاحها وعلاجها، حتى ماتت في أودية الخواطر والشكوك، " أولئك هم الفاسقون " الخارجون عن الحضرة المقدسة. " لا يستوي أصحاب النار " أي: نار القطيعة والحجاب " وأصحاب الجنة " أي: جنة المعارف " أصحاب الجنة هم الفائزون " بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب. ولما لم تؤثر هذه المواعظ في بعض القلوب، صارت أقبح من الحجر، فإن الجبل لو نزل عليه هذا القرآن لخشع، كما قال تعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا }.

الحشر 59:21

يقول الحق جل جلاله: { لو أنزلنا هذا القرآن } العظيم الشأن، المنطوي على فنون القوارع، { على جبل } من الجبال، مع كونه علما في القسوة وعدم التأثير بما يصادمه، { لرأيته خاشعا } خاضعا متصدعا متشققا { من خشية الله } أي: من شأن القرآن وعظمته أنه لو جعل في الجبل تمييز، ونزل عليه، لخضع وتطأطأ وتشقق من خشية الله، وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه من المواعظ، كما ينطق به قوله تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون } ، وهي إشارة إلى هذا المثل، وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل. والمراد: توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن، وتدبر قوارعه وزواجره. الإشارة: قال ابن عطاء: أشار إلى فضله على أوليائه وأهل معرفته، أن شيئا من الأشياء لا يقوم لصفاته، ولا يبقى مع تجليه، إلا من قواه الله على ذلك، وهو قلوب العارفين. ه. قلت: وهذا في تجلي الصفات، فما بالك بتجلي الذات؟! فلا يطيقه إلا قلوب الراسخين المقربين، وقال العارف الورتجبي: لو كانت الجبال مقام الإنسان في الخطاب لتدكدكت الجبال، وتذررت، وانفلتت الصخور الصم، وانهدمت الشامخات العاليات، في سطوات أنواره، وهجوم سنا أقداره، وذلك بأنها عرفت حقيقة، وأقرت بالعجز عن حمل هذا الخطاب العظيم حيث قال سبحانه: فأبين أن يحملنها وأشفقن منها [الأحزاب: 72]. قلت: وكأنه يشير إلى أن تجلي صفة كلامه من جملة الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وهذه الأمانة هي تجلي الذات وتجلي الصفات، فلم يطق حملها إلا الإنسان الكامل، وهو العارف الحقيقي، أما عن تجلي الذات فقد أشفقت من حمله السموات والأرض والجبال، حسبما تقدم. أما تجلي الصفات فذكر هنا أنه لو تجلت للجبل لخضع وتشقق ولم يطق حملها، فلو زالت حجب الغفلة عن القلوب لذابت من هيبة تجلي صفة كلامه وخطابه تعالى، إلا أن الله تعالى قوى قلوب أوليائه حتى أطاقوا شهود ذاته، وسماع خطابه، بعد انقشاع الحجب عن قلوبهم. ثم قال الورتجبي: ولا تخض يا أخي في بحر كلام المتكلمين أن الجبال ليس لها عقل، فإن هناك أرواحا وعقولا لا يعلمها إلا الله يآجبال أوبي معه [سبأ:10] ولو لا هناك ما يقبل الخطاب لما خاطبها، فإن ببعض الخطاب ومباشرة الأمر تهبط من خشية الله، قال الله تعالى: وإن منها لما يهبط من خشية الله [البقرة:74] والخشية: مكان العلم بالله وبخطابه. ه. قلت: أسرار المعاني القائمة بالأواني سارية في الجمادات وغيرها، فهي عاقلة عالمة في باطن الأمر. والله تعالى أعلم. ثم عرف بذاته، لتتربى الخشية والهيبة في القلوب عند سماع كلامه، فقال: { هو الله الذي لا إله إلا هو }.

الحشر 59:22

يقول الحق جل جلاله: { هو الله الذي لا إله إلا هو } وحده { عالم الغيب والشهادة } أي: ما غاب عن الحس من الأسرار القديمة، وما حضر له من الأجرام الحسية. قال الورتجبي: أي: عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها، وبعد وجودها، لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية، لا علمه بالعلانية علمه بالغيب. ه. وتقديم الغيب على الشهادة لتقدمه في الوجود، وتعلق العلم القديم به، أو: المراد بالغيب: المعدوم، وبالشهادة: الموجود، أو السر والعلانية، { هو الرحمن الرحيم } أي: الرحمن بجلائل النعم، والرحيم بدقائقها، أو: الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيم بنعمة الإمداد. { هو الله الذي لا إله إلا هو } ، كرر لإبراز الاعتناء بأمر التوحيد، { الملك } المتصرف بالإطلاق، الذي لا يزول ملكه أبدا، { القدوس } البليغ في النزاهة عما لا يليق به. وقرىء بالفتح وهي لغة فيه، { السلام } ذو السلامة من كل نقص، أو: الذي يسلم الخلق من ظلمه، أو: ذو السلام على أوليائه يوم القيامة، { المؤمن } واهب الأمن، أو: المؤمن من عذابه من أطاعه، أو المصدق لعباده إذا وحدوه أو: المصدق للرسل بالمعجزات، { المهيمن } الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل، من: الأمن، بقلب همزته هاء، { العزيز } ، الغالب الذي لا يغلب، { الجبار } الذي جبر خلقه على ما أراد، أو: جبر أحوالهم، أي: أصلحها، { المتكبر } الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصا، أو: البليغ الكبرياء والعظمة. { سبحان الله عما يشركون } ، نزه ذاته عما يصفه به المشركون إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يشارك في شيء منها أصلا. { هو الله الخالق } المقدر للأشياء على مقتضى حكمته، { البارىء } الموجد لها برية من التفاوت وقيل: المميز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة، { المصور } الموجد لصورها وكيفيتها كما أراد. قال الغزالي: الخالق من حيث إنه مقدر، البارىء من حيث إنه موجد، المصور، من حيث أنه مصور صور المخترعات أحسن ترتيب، ومزينها أحسن تزيين. ه. قلت: وحاصل كلامه: أن الخالق يرجع للإرادة، والبارىء للقدرة، والمصور للحكمة، والأحسن: أن يقال: إن الخالق: المخترع للأشياء من غير أصل، البارىء: المهيىء كل ممكن لقبول صورته، فهو من معنى الإرادة إذ متعلقه التخصيص، المصور: المعطي كل مخلوق ما هيىء له من صورة وجوده بحكمته، فهو معاني اسمه " الحكيم ". { له الأسماء الحسنى } لدلالتها على المعاني الحسنة، وتقدم عدها في آخر الإسراء. { يسبح له ما في السموات والإرض } ينطق بتنزيهه عن جميع النقائص تنزيها ظاهرا، { وهو العزيز } لا يغلب، { الحكيم } الذي لايمكن الاعتراض عليه في شيء من تقديراته. ختم السورة بما بدأ به من التسبيح. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سألت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم؟ فقال: " عليك بآخر الحشر، فأكثر قراءته " ، فأعدت عليه، فأعاد علي فأعدت عليه، فأعاد علي، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السيمع العليم، من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، فإذا مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة " رواه الترمذي. وأسند ابن جزي حديثا إلى " عبد الله بن مسعود: أنه قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: " ضع يدك على رأسك " قلت: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: أقرأني جبريل القرآن، فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت: ولم ذاك؟ قال: إن الله تبارك وتعالى افتتح القرآن فضرب فيه، فلما انتهى إلى آخر الحشر، أمر الملائكة أن تضع يدها على رؤوسها، فقالت: يا ربنا ولم ذلك؟ قال: لأنه شفاء من كل داء إلا السام " وسمعت من شيخنا الفقيه الجنوي أنه حديث ضعيب، يعمل به الإنسان وحده، فإذا كان مع الناس تركه، لئلا تعتقد العامة أنه مندوب أو واجب. ه. الإشارة: قد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بهذه الأسماء. وقال الورتجبي: بين بقوله: " الأسماء " أن لذاته النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك والإدراك، فلما ظهر بهذه الأوصاف أظهر أنوار صفاته في الآيات، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح والأعصار والأدهار والشواهد والحوادث فسبحه الكل بألسنة نورية غيبية صفاتية، لقوله: { يسبح له... } الآية، قلت: أرواح نوره هي أسرار ذاته اللطيفة السارية في الأشباح والأرواح والجمادات وجميع الموجودات، التي بها قامت. قال: ثم بين أنه منزه بتنزيهه عن تنزيههم وإدراكهم وعلمهم بقوله: { وهو العزيز الحكيم } العزيز عن الإدراك، الحكيم في إنشاء الأقدار. تعالى الله عما أشار إليه الواصف الحدثاني واللسان الإنساني. ه.

الحشر 59:23

يقول الحق جل جلاله: { هو الله الذي لا إله إلا هو } وحده { عالم الغيب والشهادة } أي: ما غاب عن الحس من الأسرار القديمة، وما حضر له من الأجرام الحسية. قال الورتجبي: أي: عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها، وبعد وجودها، لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية، لا علمه بالعلانية علمه بالغيب. ه. وتقديم الغيب على الشهادة لتقدمه في الوجود، وتعلق العلم القديم به، أو: المراد بالغيب: المعدوم، وبالشهادة: الموجود، أو السر والعلانية، { هو الرحمن الرحيم } أي: الرحمن بجلائل النعم، والرحيم بدقائقها، أو: الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيم بنعمة الإمداد. { هو الله الذي لا إله إلا هو } ، كرر لإبراز الاعتناء بأمر التوحيد، { الملك } المتصرف بالإطلاق، الذي لا يزول ملكه أبدا، { القدوس } البليغ في النزاهة عما لا يليق به. وقرىء بالفتح وهي لغة فيه، { السلام } ذو السلامة من كل نقص، أو: الذي يسلم الخلق من ظلمه، أو: ذو السلام على أوليائه يوم القيامة، { المؤمن } واهب الأمن، أو: المؤمن من عذابه من أطاعه، أو المصدق لعباده إذا وحدوه أو: المصدق للرسل بالمعجزات، { المهيمن } الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل، من: الأمن، بقلب همزته هاء، { العزيز } ، الغالب الذي لا يغلب، { الجبار } الذي جبر خلقه على ما أراد، أو: جبر أحوالهم، أي: أصلحها، { المتكبر } الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصا، أو: البليغ الكبرياء والعظمة. { سبحان الله عما يشركون } ، نزه ذاته عما يصفه به المشركون إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يشارك في شيء منها أصلا. { هو الله الخالق } المقدر للأشياء على مقتضى حكمته، { البارىء } الموجد لها برية من التفاوت وقيل: المميز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة، { المصور } الموجد لصورها وكيفيتها كما أراد. قال الغزالي: الخالق من حيث إنه مقدر، البارىء من حيث إنه موجد، المصور، من حيث أنه مصور صور المخترعات أحسن ترتيب، ومزينها أحسن تزيين. ه. قلت: وحاصل كلامه: أن الخالق يرجع للإرادة، والبارىء للقدرة، والمصور للحكمة، والأحسن: أن يقال: إن الخالق: المخترع للأشياء من غير أصل، البارىء: المهيىء كل ممكن لقبول صورته، فهو من معنى الإرادة إذ متعلقه التخصيص، المصور: المعطي كل مخلوق ما هيىء له من صورة وجوده بحكمته، فهو معاني اسمه " الحكيم ". { له الأسماء الحسنى } لدلالتها على المعاني الحسنة، وتقدم عدها في آخر الإسراء. { يسبح له ما في السموات والإرض } ينطق بتنزيهه عن جميع النقائص تنزيها ظاهرا، { وهو العزيز } لا يغلب، { الحكيم } الذي لايمكن الاعتراض عليه في شيء من تقديراته. ختم السورة بما بدأ به من التسبيح. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سألت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم؟ فقال: " عليك بآخر الحشر، فأكثر قراءته " ، فأعدت عليه، فأعاد علي فأعدت عليه، فأعاد علي، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السيمع العليم، من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، فإذا مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة " رواه الترمذي. وأسند ابن جزي حديثا إلى " عبد الله بن مسعود: أنه قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: " ضع يدك على رأسك " قلت: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: أقرأني جبريل القرآن، فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت: ولم ذاك؟ قال: إن الله تبارك وتعالى افتتح القرآن فضرب فيه، فلما انتهى إلى آخر الحشر، أمر الملائكة أن تضع يدها على رؤوسها، فقالت: يا ربنا ولم ذلك؟ قال: لأنه شفاء من كل داء إلا السام " وسمعت من شيخنا الفقيه الجنوي أنه حديث ضعيب، يعمل به الإنسان وحده، فإذا كان مع الناس تركه، لئلا تعتقد العامة أنه مندوب أو واجب. ه. الإشارة: قد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بهذه الأسماء. وقال الورتجبي: بين بقوله: " الأسماء " أن لذاته النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك والإدراك، فلما ظهر بهذه الأوصاف أظهر أنوار صفاته في الآيات، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح والأعصار والأدهار والشواهد والحوادث فسبحه الكل بألسنة نورية غيبية صفاتية، لقوله: { يسبح له... } الآية، قلت: أرواح نوره هي أسرار ذاته اللطيفة السارية في الأشباح والأرواح والجمادات وجميع الموجودات، التي بها قامت. قال: ثم بين أنه منزه بتنزيهه عن تنزيههم وإدراكهم وعلمهم بقوله: { وهو العزيز الحكيم } العزيز عن الإدراك، الحكيم في إنشاء الأقدار. تعالى الله عما أشار إليه الواصف الحدثاني واللسان الإنساني. ه.

الحشر 59:24

يقول الحق جل جلاله: { هو الله الذي لا إله إلا هو } وحده { عالم الغيب والشهادة } أي: ما غاب عن الحس من الأسرار القديمة، وما حضر له من الأجرام الحسية. قال الورتجبي: أي: عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها، وبعد وجودها، لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية، لا علمه بالعلانية علمه بالغيب. ه. وتقديم الغيب على الشهادة لتقدمه في الوجود، وتعلق العلم القديم به، أو: المراد بالغيب: المعدوم، وبالشهادة: الموجود، أو السر والعلانية، { هو الرحمن الرحيم } أي: الرحمن بجلائل النعم، والرحيم بدقائقها، أو: الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيم بنعمة الإمداد. { هو الله الذي لا إله إلا هو } ، كرر لإبراز الاعتناء بأمر التوحيد، { الملك } المتصرف بالإطلاق، الذي لا يزول ملكه أبدا، { القدوس } البليغ في النزاهة عما لا يليق به. وقرىء بالفتح وهي لغة فيه، { السلام } ذو السلامة من كل نقص، أو: الذي يسلم الخلق من ظلمه، أو: ذو السلام على أوليائه يوم القيامة، { المؤمن } واهب الأمن، أو: المؤمن من عذابه من أطاعه، أو المصدق لعباده إذا وحدوه أو: المصدق للرسل بالمعجزات، { المهيمن } الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل، من: الأمن، بقلب همزته هاء، { العزيز } ، الغالب الذي لا يغلب، { الجبار } الذي جبر خلقه على ما أراد، أو: جبر أحوالهم، أي: أصلحها، { المتكبر } الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصا، أو: البليغ الكبرياء والعظمة. { سبحان الله عما يشركون } ، نزه ذاته عما يصفه به المشركون إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يشارك في شيء منها أصلا. { هو الله الخالق } المقدر للأشياء على مقتضى حكمته، { البارىء } الموجد لها برية من التفاوت وقيل: المميز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة، { المصور } الموجد لصورها وكيفيتها كما أراد. قال الغزالي: الخالق من حيث إنه مقدر، البارىء من حيث إنه موجد، المصور، من حيث أنه مصور صور المخترعات أحسن ترتيب، ومزينها أحسن تزيين. ه. قلت: وحاصل كلامه: أن الخالق يرجع للإرادة، والبارىء للقدرة، والمصور للحكمة، والأحسن: أن يقال: إن الخالق: المخترع للأشياء من غير أصل، البارىء: المهيىء كل ممكن لقبول صورته، فهو من معنى الإرادة إذ متعلقه التخصيص، المصور: المعطي كل مخلوق ما هيىء له من صورة وجوده بحكمته، فهو معاني اسمه " الحكيم ". { له الأسماء الحسنى } لدلالتها على المعاني الحسنة، وتقدم عدها في آخر الإسراء. { يسبح له ما في السموات والإرض } ينطق بتنزيهه عن جميع النقائص تنزيها ظاهرا، { وهو العزيز } لا يغلب، { الحكيم } الذي لايمكن الاعتراض عليه في شيء من تقديراته. ختم السورة بما بدأ به من التسبيح. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سألت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم؟ فقال: " عليك بآخر الحشر، فأكثر قراءته " ، فأعدت عليه، فأعاد علي فأعدت عليه، فأعاد علي، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السيمع العليم، من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، فإذا مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة " رواه الترمذي. وأسند ابن جزي حديثا إلى " عبد الله بن مسعود: أنه قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: " ضع يدك على رأسك " قلت: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: أقرأني جبريل القرآن، فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت: ولم ذاك؟ قال: إن الله تبارك وتعالى افتتح القرآن فضرب فيه، فلما انتهى إلى آخر الحشر، أمر الملائكة أن تضع يدها على رؤوسها، فقالت: يا ربنا ولم ذلك؟ قال: لأنه شفاء من كل داء إلا السام " وسمعت من شيخنا الفقيه الجنوي أنه حديث ضعيب، يعمل به الإنسان وحده، فإذا كان مع الناس تركه، لئلا تعتقد العامة أنه مندوب أو واجب. ه. الإشارة: قد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بهذه الأسماء. وقال الورتجبي: بين بقوله: " الأسماء " أن لذاته النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك والإدراك، فلما ظهر بهذه الأوصاف أظهر أنوار صفاته في الآيات، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح والأعصار والأدهار والشواهد والحوادث فسبحه الكل بألسنة نورية غيبية صفاتية، لقوله: { يسبح له... } الآية، قلت: أرواح نوره هي أسرار ذاته اللطيفة السارية في الأشباح والأرواح والجمادات وجميع الموجودات، التي بها قامت. قال: ثم بين أنه منزه بتنزيهه عن تنزيههم وإدراكهم وعلمهم بقوله: { وهو العزيز الحكيم } العزيز عن الإدراك، الحكيم في إنشاء الأقدار. تعالى الله عما أشار إليه الواصف الحدثاني واللسان الإنساني. ه.

الممتحنة 60:1

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } أي: أصدقاء، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنه لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوة الفتح، كتب إلى أهل مكة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرديكم، فخذوا حذركم. وفي رواية: كتب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إليكم بجيش كالليل، يسيل كالسيل، فالحذر الحذر، وأرسله مع " ساره " مولاة بني المطلب، وقيل: كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فنزل جبريل عليه السلام بالخبر، " فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا، وطلحة، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد، وقال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، معها كتاب إلى أهل مكة، فخذوه منها، وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها " فأدركوها ثمة، فجحدت، فسل علي سيفه، فأخرجته من عقاصها. زاد النسفي: أنه عليه السلام أمن يوم الفتح جميع الناس إلا أربعة، هي أحدهم، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا، وقال: " ما حملك على هذا "؟ فقال: يا رسول الله! ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششت منذ نصحت، ولكني كنت امرءا ملصقا في قريش، ليس لي فيهم من يحمي أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وعملت أن كتابي لا يغني شيئا، فصدقه صلى الله عليه وسلم، وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: " وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ففاضت عينا عمر رضي الله عنه، أي: من بكاء الفرح. والعدو: فعول، من: عدا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. وفي الآية دليل على أن الكبيرة لا تسلب الإيمان. وقوله: { تلقون إليهم بالمودة }: حال، أي: لا تتخذوهم أولياء ملقين إليهم، أو: استئناف، أو: صفة لأولياء، أي: توصلون إليهم المودة، على أن الباء زائدة، كقوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195]، أو: تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم، فتكون أصلية. { وقد كفروا بما جاءكم من الحق }: حال من فاعل " تتخذوا " أو " تلقون " ، أي: لا تتولوهم، أو: لا تودوهم وهذه حالتهم يكفرون { بما جاءكم من الحق } الإسلام، أو: القرآن، جعلوا ما هو سبب الإيمان سبب الكفر. { يخرجون الرسول وإياكم } من مكة، وهواستئناف مبين لكفرهم وعتوهم، أو حال من " كفروا ". وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. وقوله: { أن تؤمنوا بالله ربكم } تعليل للإخراج، أي: يخرجونكم لإيمانكم، { إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي } ، هو متعلق ب " لاتتخذوا " كأنه قيل: لا تودوا أعدائي إن كنتم أوليائي. { تسرون إليهم بالمودة } أي: تفضون إليهم بمودتكم سرا، أو تسرون إليهم أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة، وهو استئناف وارد على نهج العتاب والتوبيخ. { وأنا أعلم } أي: والحال أني أعلم منكم { بما أخفيتم وما أعلنتم } ومطلع رسولي على ما تسرون، فإني طائل لكم في الإسرار، وقيل: الباء زائدة، و " أعلم " مضارع و " ما " موصولة، أو مصدرية. { ومن يفعله منكم } أي: الاتخاذ { فقد ضل سواء السبيل } فقد أخطأ طريق الحق والصواب. { إن يثقفوكم } أي: يظفروا بكم { يكونوا لكم أعداء } أي: يظهروا ما في قلوبهم من العداوة، ويرتبوا عليها أحكامها، { ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } بما يسوؤكم من القتل والأسر. { وودوا لو تكفرون } أي: تمنوا ارتدادكم. وصيغة الماضي لتحقق ودادهم قبل أن يثقفوكم. { لن تنفعكم أرحامكم } قراباتكم { ولا أولادكم } الذين توالون المشركين لأجلهم، وتتقربون إليهم محاماة عليهم، { يوم القيامة يفصل بينكم } وبين أقاربكم وأولادكم، بما اعتراكم من أهوال ذلك اليوم، حسبما نطق به قوله تعالى: يوم يفر المرء من أخيه... [عبس:34-36] الآيات، ويحتمل أن يكون ظرفا ل " تنفعكم " ، أي: لا تنفعكم أقاربكم يوم القيامة، ثم استأنف بقوله: { يفصل بينكم } لبيان عدم نفعهم. وهنا قراءات بيناها في غير هذا. { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: أعدى الأعادي إليك نفسك، فهي عدوة لله ولرسوله ولأوليائه لأنها أمارة بالسوء، ويضاف إليها جنودها، فيقال { يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ، من النفس وجنودها، تلقون إليهم بالمودة والموافقة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق من طريق المجاهدة، يخرجون الرسول: الوارد الحقيقي أو الإيمان العياني، من قلوبكم، ويخرجونكم من الحضرة كراهة أن تؤمنوا بالله ربكم إيمانا حقيقيا، إن كنتم خرجتم عن هواكم جهادا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي ومعرفتي، تسرون إليه بالمودة والموافقة، وأنا أعلم بما أخفيتم من الميل إلى حظوظها، وما أعلنتم، ومن يفعله أي: الميل عن طريق المجاهدة فقد ضل سواء السبيل طريق الوصول، فقد قيل: " من رأيته يتبع الرخص والشهوات، فاعلم أنه لا يأتي منه شيء ". لن تنفعكم أقاربكم ولا حظوظكم، بدلا من الله شيئا " ماذا وجد من فقدك " ، فالحظوظ الفانية تفنى وتبقى الحسرة والندامة. يوم القيامة يفصل بينكم وبينها لفنائها، أو بينكم وبين ما تشتهون من دوام النظرة، والله بما تعملون بصير، فيجازي على قدر الكد والتعب. ثم أمر بالاقتداء بالرسل عليهم السلام في معاداة كل ما يقطع عن الله، فقال: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم }.

الممتحنة 60:2

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } أي: أصدقاء، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنه لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوة الفتح، كتب إلى أهل مكة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرديكم، فخذوا حذركم. وفي رواية: كتب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إليكم بجيش كالليل، يسيل كالسيل، فالحذر الحذر، وأرسله مع " ساره " مولاة بني المطلب، وقيل: كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فنزل جبريل عليه السلام بالخبر، " فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا، وطلحة، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد، وقال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، معها كتاب إلى أهل مكة، فخذوه منها، وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها " فأدركوها ثمة، فجحدت، فسل علي سيفه، فأخرجته من عقاصها. زاد النسفي: أنه عليه السلام أمن يوم الفتح جميع الناس إلا أربعة، هي أحدهم، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا، وقال: " ما حملك على هذا "؟ فقال: يا رسول الله! ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششت منذ نصحت، ولكني كنت امرءا ملصقا في قريش، ليس لي فيهم من يحمي أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وعملت أن كتابي لا يغني شيئا، فصدقه صلى الله عليه وسلم، وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: " وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ففاضت عينا عمر رضي الله عنه، أي: من بكاء الفرح. والعدو: فعول، من: عدا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. وفي الآية دليل على أن الكبيرة لا تسلب الإيمان. وقوله: { تلقون إليهم بالمودة }: حال، أي: لا تتخذوهم أولياء ملقين إليهم، أو: استئناف، أو: صفة لأولياء، أي: توصلون إليهم المودة، على أن الباء زائدة، كقوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195]، أو: تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم، فتكون أصلية. { وقد كفروا بما جاءكم من الحق }: حال من فاعل " تتخذوا " أو " تلقون " ، أي: لا تتولوهم، أو: لا تودوهم وهذه حالتهم يكفرون { بما جاءكم من الحق } الإسلام، أو: القرآن، جعلوا ما هو سبب الإيمان سبب الكفر. { يخرجون الرسول وإياكم } من مكة، وهواستئناف مبين لكفرهم وعتوهم، أو حال من " كفروا ". وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. وقوله: { أن تؤمنوا بالله ربكم } تعليل للإخراج، أي: يخرجونكم لإيمانكم، { إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي } ، هو متعلق ب " لاتتخذوا " كأنه قيل: لا تودوا أعدائي إن كنتم أوليائي. { تسرون إليهم بالمودة } أي: تفضون إليهم بمودتكم سرا، أو تسرون إليهم أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة، وهو استئناف وارد على نهج العتاب والتوبيخ. { وأنا أعلم } أي: والحال أني أعلم منكم { بما أخفيتم وما أعلنتم } ومطلع رسولي على ما تسرون، فإني طائل لكم في الإسرار، وقيل: الباء زائدة، و " أعلم " مضارع و " ما " موصولة، أو مصدرية. { ومن يفعله منكم } أي: الاتخاذ { فقد ضل سواء السبيل } فقد أخطأ طريق الحق والصواب. { إن يثقفوكم } أي: يظفروا بكم { يكونوا لكم أعداء } أي: يظهروا ما في قلوبهم من العداوة، ويرتبوا عليها أحكامها، { ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } بما يسوؤكم من القتل والأسر. { وودوا لو تكفرون } أي: تمنوا ارتدادكم. وصيغة الماضي لتحقق ودادهم قبل أن يثقفوكم. { لن تنفعكم أرحامكم } قراباتكم { ولا أولادكم } الذين توالون المشركين لأجلهم، وتتقربون إليهم محاماة عليهم، { يوم القيامة يفصل بينكم } وبين أقاربكم وأولادكم، بما اعتراكم من أهوال ذلك اليوم، حسبما نطق به قوله تعالى: يوم يفر المرء من أخيه... [عبس:34-36] الآيات، ويحتمل أن يكون ظرفا ل " تنفعكم " ، أي: لا تنفعكم أقاربكم يوم القيامة، ثم استأنف بقوله: { يفصل بينكم } لبيان عدم نفعهم. وهنا قراءات بيناها في غير هذا. { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: أعدى الأعادي إليك نفسك، فهي عدوة لله ولرسوله ولأوليائه لأنها أمارة بالسوء، ويضاف إليها جنودها، فيقال { يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ، من النفس وجنودها، تلقون إليهم بالمودة والموافقة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق من طريق المجاهدة، يخرجون الرسول: الوارد الحقيقي أو الإيمان العياني، من قلوبكم، ويخرجونكم من الحضرة كراهة أن تؤمنوا بالله ربكم إيمانا حقيقيا، إن كنتم خرجتم عن هواكم جهادا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي ومعرفتي، تسرون إليه بالمودة والموافقة، وأنا أعلم بما أخفيتم من الميل إلى حظوظها، وما أعلنتم، ومن يفعله أي: الميل عن طريق المجاهدة فقد ضل سواء السبيل طريق الوصول، فقد قيل: " من رأيته يتبع الرخص والشهوات، فاعلم أنه لا يأتي منه شيء ". لن تنفعكم أقاربكم ولا حظوظكم، بدلا من الله شيئا " ماذا وجد من فقدك " ، فالحظوظ الفانية تفنى وتبقى الحسرة والندامة. يوم القيامة يفصل بينكم وبينها لفنائها، أو بينكم وبين ما تشتهون من دوام النظرة، والله بما تعملون بصير، فيجازي على قدر الكد والتعب. ثم أمر بالاقتداء بالرسل عليهم السلام في معاداة كل ما يقطع عن الله، فقال: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم }.

الممتحنة 60:3

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } أي: أصدقاء، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنه لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوة الفتح، كتب إلى أهل مكة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرديكم، فخذوا حذركم. وفي رواية: كتب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إليكم بجيش كالليل، يسيل كالسيل، فالحذر الحذر، وأرسله مع " ساره " مولاة بني المطلب، وقيل: كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فنزل جبريل عليه السلام بالخبر، " فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا، وطلحة، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد، وقال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، معها كتاب إلى أهل مكة، فخذوه منها، وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها " فأدركوها ثمة، فجحدت، فسل علي سيفه، فأخرجته من عقاصها. زاد النسفي: أنه عليه السلام أمن يوم الفتح جميع الناس إلا أربعة، هي أحدهم، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا، وقال: " ما حملك على هذا "؟ فقال: يا رسول الله! ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششت منذ نصحت، ولكني كنت امرءا ملصقا في قريش، ليس لي فيهم من يحمي أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وعملت أن كتابي لا يغني شيئا، فصدقه صلى الله عليه وسلم، وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: " وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ففاضت عينا عمر رضي الله عنه، أي: من بكاء الفرح. والعدو: فعول، من: عدا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. وفي الآية دليل على أن الكبيرة لا تسلب الإيمان. وقوله: { تلقون إليهم بالمودة }: حال، أي: لا تتخذوهم أولياء ملقين إليهم، أو: استئناف، أو: صفة لأولياء، أي: توصلون إليهم المودة، على أن الباء زائدة، كقوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195]، أو: تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم، فتكون أصلية. { وقد كفروا بما جاءكم من الحق }: حال من فاعل " تتخذوا " أو " تلقون " ، أي: لا تتولوهم، أو: لا تودوهم وهذه حالتهم يكفرون { بما جاءكم من الحق } الإسلام، أو: القرآن، جعلوا ما هو سبب الإيمان سبب الكفر. { يخرجون الرسول وإياكم } من مكة، وهواستئناف مبين لكفرهم وعتوهم، أو حال من " كفروا ". وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. وقوله: { أن تؤمنوا بالله ربكم } تعليل للإخراج، أي: يخرجونكم لإيمانكم، { إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي } ، هو متعلق ب " لاتتخذوا " كأنه قيل: لا تودوا أعدائي إن كنتم أوليائي. { تسرون إليهم بالمودة } أي: تفضون إليهم بمودتكم سرا، أو تسرون إليهم أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة، وهو استئناف وارد على نهج العتاب والتوبيخ. { وأنا أعلم } أي: والحال أني أعلم منكم { بما أخفيتم وما أعلنتم } ومطلع رسولي على ما تسرون، فإني طائل لكم في الإسرار، وقيل: الباء زائدة، و " أعلم " مضارع و " ما " موصولة، أو مصدرية. { ومن يفعله منكم } أي: الاتخاذ { فقد ضل سواء السبيل } فقد أخطأ طريق الحق والصواب. { إن يثقفوكم } أي: يظفروا بكم { يكونوا لكم أعداء } أي: يظهروا ما في قلوبهم من العداوة، ويرتبوا عليها أحكامها، { ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } بما يسوؤكم من القتل والأسر. { وودوا لو تكفرون } أي: تمنوا ارتدادكم. وصيغة الماضي لتحقق ودادهم قبل أن يثقفوكم. { لن تنفعكم أرحامكم } قراباتكم { ولا أولادكم } الذين توالون المشركين لأجلهم، وتتقربون إليهم محاماة عليهم، { يوم القيامة يفصل بينكم } وبين أقاربكم وأولادكم، بما اعتراكم من أهوال ذلك اليوم، حسبما نطق به قوله تعالى: يوم يفر المرء من أخيه... [عبس:34-36] الآيات، ويحتمل أن يكون ظرفا ل " تنفعكم " ، أي: لا تنفعكم أقاربكم يوم القيامة، ثم استأنف بقوله: { يفصل بينكم } لبيان عدم نفعهم. وهنا قراءات بيناها في غير هذا. { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: أعدى الأعادي إليك نفسك، فهي عدوة لله ولرسوله ولأوليائه لأنها أمارة بالسوء، ويضاف إليها جنودها، فيقال { يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ، من النفس وجنودها، تلقون إليهم بالمودة والموافقة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق من طريق المجاهدة، يخرجون الرسول: الوارد الحقيقي أو الإيمان العياني، من قلوبكم، ويخرجونكم من الحضرة كراهة أن تؤمنوا بالله ربكم إيمانا حقيقيا، إن كنتم خرجتم عن هواكم جهادا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي ومعرفتي، تسرون إليه بالمودة والموافقة، وأنا أعلم بما أخفيتم من الميل إلى حظوظها، وما أعلنتم، ومن يفعله أي: الميل عن طريق المجاهدة فقد ضل سواء السبيل طريق الوصول، فقد قيل: " من رأيته يتبع الرخص والشهوات، فاعلم أنه لا يأتي منه شيء ". لن تنفعكم أقاربكم ولا حظوظكم، بدلا من الله شيئا " ماذا وجد من فقدك " ، فالحظوظ الفانية تفنى وتبقى الحسرة والندامة. يوم القيامة يفصل بينكم وبينها لفنائها، أو بينكم وبين ما تشتهون من دوام النظرة، والله بما تعملون بصير، فيجازي على قدر الكد والتعب. ثم أمر بالاقتداء بالرسل عليهم السلام في معاداة كل ما يقطع عن الله، فقال: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم }.

الممتحنة 60:4

يقول الحق جل جلاله: { قد كانت لكم أسوة } أي: قدوة { حسنة } أو: خصلة حميدة، حقيقة بأن يرتقى بها ويقتدى، كائنة { في إبراهيم والذين معه } من أصحابه المؤمنين، أو: الأنبياء المعاصرين له، وقريبا من عصره، ورجحه الطبري وغيره لأنه لم يروا لإبراهيم أتباع مؤمنون وقت مكافحته نمرودا. وقد قال لسارة، حين رحل بها إلى الشام: " ليس على وجه الأرض من يعبد الله غيري وغيرك ". { إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم } ، جمع بريء، كظريف وظرفاء، أي: نتبرأ منكم { ومما تعبدون من دون الله } من الأصنام، { كفرنا بكم } أي: بدينكم، أو: معبودكم، أو: بكم وبأصنامكم، فلا نعتد بشأنكم وبآلهتكم، { وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا } أي: هذا دأبنا أبدا { حتى تؤمنوا بالله وحده } وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فتنقلب العداوة حينئذ ولاية، والبغضاء محبة. وحاصل الآية: أن الحق تعالى يقول: إن كانت عداوة الكفار لكم إنما هي لأجل إيمانكم بالحق، فعادوهم أنتم، وكافحوهم بالعداوة، وأظهروا البغضاء لهم والمقت، وصرحوا أن سبب العداوة ليس إلا كفركم بالله، وما دام هذا السبب قائما كانت العداوة، حتى إن أزلتموه انقلبت العداوة مولاة، وأنتم مقتدون في ذلك بالخليل عليه السلام وسائر الأنبياء، حيث كافحوا الكفار بالعداوة، وتوكلوا على الله. قال ابن عطية: هذه الأسوة مقيدة بالتبري من المشركين وإشراكهم، وهو مطرد في كل ملة، وفي نبينا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة على الإطلاق، في العقائد وفي أحكام الشرع. ه. فلكم أسوة فيمن تقدم. { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك } ، وذلك لموعدة وعدها إياه، أي: اقتدوا به في كل شيء، ولا تقتدوا به في استغفاره لأبيه الكافر. واستغفاره عليه السلام لأبيه الكافر جائز عقلا وشرعا قبل النهي، لوقوعه قبل تبين أنه من أصحاب الجحيم، لكنه ليس مما ينبغي أن يؤتسى به أصلا. { وما أملك لك من الله من شيء } أي: من هداية ومغفرة وتوفيق. وهذه الجملة من تمام قول المستثنى، كأنه قال: أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار، إظهارا للعجز وتفويضا للأمر. { ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا } أي: أقبلنا، { وإليك المصير } المرجع وهو من تمام ما نقل عن إبراهيم عليه السلام ومن معه من الأسوة الحسنة، وهو راجع لما قبل الاستثناء، قالوه بعد المهاجرة ونشر البغضاء، التجاء إلى الله تعالى في جميع أمورهم، لا سيما في موافقة الكفرة، وكفاية شرورهم، وقيل: معناه: قولوا، فيكون أبتداء كلام خطابا لهذه الأمة، وضعفه أبو السعود. وتقديم المعمول لقصر التوكل والإنابة والمصير عليه تعالى. { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } بأن تسلطهم علينا، فيفتنونا بعذاب لا نطيقه، { واغفر لنا } ما فرط منا، { ربنا إنك أنت العزيز } الذي لا يذل من التجأ إليه، ولا يخيب رجاء من توكل عليه، { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع والالتجاء. { لقد كان لكم فيهم } في إبراهيم ومن معه { أسوة حسنة } ، تكرير للمبالغة في الحث على الاقتداء به، ولذلك صدره بالقسم. وقوله: { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } بدل من " لكم " ، وحكمته: الإيذان بأن من يؤمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم، وأن تركه مخل بالإيمان بهما، كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } ، فإنه إنما يوعد بأمثاله الكفرة، أي: هو الغني عن الخلق، الحميد المستحق للحمد وحده. الإشارة: ينبغي للمريد أن يكون إبراهيميا، يتبرأ من كل ما يشغله عن الله، أيا من كان، ويظهر العداوة والبغضاء لكل من يقطعه عن مولاه، حتى يوافقه على طريقه وسيرته، إلا على وجه النصيحة والدعاء إلى الله، إن كان أهلا لذلك، فيذكر من خالفه في طريقه، فإن أيس منه استغفر له، ودعا له بالهداية، مقرا بالعجز عن هدايته وتوفيقه، ثم يلتجىء إلى مولاه في جميع أموره، ويتحصن بالله من فتنة أهل الظلم والغفلة. والله غالب على أمره. ولما أمر الله بعداوة الكفرة، عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين، وشددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم، فعلم تعالى شدة وجد المؤمنين بذلك، فأنزل: { عسى الله أن يجعل بينكم }.

الممتحنة 60:5

يقول الحق جل جلاله: { قد كانت لكم أسوة } أي: قدوة { حسنة } أو: خصلة حميدة، حقيقة بأن يرتقى بها ويقتدى، كائنة { في إبراهيم والذين معه } من أصحابه المؤمنين، أو: الأنبياء المعاصرين له، وقريبا من عصره، ورجحه الطبري وغيره لأنه لم يروا لإبراهيم أتباع مؤمنون وقت مكافحته نمرودا. وقد قال لسارة، حين رحل بها إلى الشام: " ليس على وجه الأرض من يعبد الله غيري وغيرك ". { إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم } ، جمع بريء، كظريف وظرفاء، أي: نتبرأ منكم { ومما تعبدون من دون الله } من الأصنام، { كفرنا بكم } أي: بدينكم، أو: معبودكم، أو: بكم وبأصنامكم، فلا نعتد بشأنكم وبآلهتكم، { وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا } أي: هذا دأبنا أبدا { حتى تؤمنوا بالله وحده } وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فتنقلب العداوة حينئذ ولاية، والبغضاء محبة. وحاصل الآية: أن الحق تعالى يقول: إن كانت عداوة الكفار لكم إنما هي لأجل إيمانكم بالحق، فعادوهم أنتم، وكافحوهم بالعداوة، وأظهروا البغضاء لهم والمقت، وصرحوا أن سبب العداوة ليس إلا كفركم بالله، وما دام هذا السبب قائما كانت العداوة، حتى إن أزلتموه انقلبت العداوة مولاة، وأنتم مقتدون في ذلك بالخليل عليه السلام وسائر الأنبياء، حيث كافحوا الكفار بالعداوة، وتوكلوا على الله. قال ابن عطية: هذه الأسوة مقيدة بالتبري من المشركين وإشراكهم، وهو مطرد في كل ملة، وفي نبينا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة على الإطلاق، في العقائد وفي أحكام الشرع. ه. فلكم أسوة فيمن تقدم. { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك } ، وذلك لموعدة وعدها إياه، أي: اقتدوا به في كل شيء، ولا تقتدوا به في استغفاره لأبيه الكافر. واستغفاره عليه السلام لأبيه الكافر جائز عقلا وشرعا قبل النهي، لوقوعه قبل تبين أنه من أصحاب الجحيم، لكنه ليس مما ينبغي أن يؤتسى به أصلا. { وما أملك لك من الله من شيء } أي: من هداية ومغفرة وتوفيق. وهذه الجملة من تمام قول المستثنى، كأنه قال: أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار، إظهارا للعجز وتفويضا للأمر. { ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا } أي: أقبلنا، { وإليك المصير } المرجع وهو من تمام ما نقل عن إبراهيم عليه السلام ومن معه من الأسوة الحسنة، وهو راجع لما قبل الاستثناء، قالوه بعد المهاجرة ونشر البغضاء، التجاء إلى الله تعالى في جميع أمورهم، لا سيما في موافقة الكفرة، وكفاية شرورهم، وقيل: معناه: قولوا، فيكون أبتداء كلام خطابا لهذه الأمة، وضعفه أبو السعود. وتقديم المعمول لقصر التوكل والإنابة والمصير عليه تعالى. { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } بأن تسلطهم علينا، فيفتنونا بعذاب لا نطيقه، { واغفر لنا } ما فرط منا، { ربنا إنك أنت العزيز } الذي لا يذل من التجأ إليه، ولا يخيب رجاء من توكل عليه، { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع والالتجاء. { لقد كان لكم فيهم } في إبراهيم ومن معه { أسوة حسنة } ، تكرير للمبالغة في الحث على الاقتداء به، ولذلك صدره بالقسم. وقوله: { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } بدل من " لكم " ، وحكمته: الإيذان بأن من يؤمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم، وأن تركه مخل بالإيمان بهما، كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } ، فإنه إنما يوعد بأمثاله الكفرة، أي: هو الغني عن الخلق، الحميد المستحق للحمد وحده. الإشارة: ينبغي للمريد أن يكون إبراهيميا، يتبرأ من كل ما يشغله عن الله، أيا من كان، ويظهر العداوة والبغضاء لكل من يقطعه عن مولاه، حتى يوافقه على طريقه وسيرته، إلا على وجه النصيحة والدعاء إلى الله، إن كان أهلا لذلك، فيذكر من خالفه في طريقه، فإن أيس منه استغفر له، ودعا له بالهداية، مقرا بالعجز عن هدايته وتوفيقه، ثم يلتجىء إلى مولاه في جميع أموره، ويتحصن بالله من فتنة أهل الظلم والغفلة. والله غالب على أمره. ولما أمر الله بعداوة الكفرة، عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين، وشددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم، فعلم تعالى شدة وجد المؤمنين بذلك، فأنزل: { عسى الله أن يجعل بينكم }.

الممتحنة 60:6

يقول الحق جل جلاله: { قد كانت لكم أسوة } أي: قدوة { حسنة } أو: خصلة حميدة، حقيقة بأن يرتقى بها ويقتدى، كائنة { في إبراهيم والذين معه } من أصحابه المؤمنين، أو: الأنبياء المعاصرين له، وقريبا من عصره، ورجحه الطبري وغيره لأنه لم يروا لإبراهيم أتباع مؤمنون وقت مكافحته نمرودا. وقد قال لسارة، حين رحل بها إلى الشام: " ليس على وجه الأرض من يعبد الله غيري وغيرك ". { إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم } ، جمع بريء، كظريف وظرفاء، أي: نتبرأ منكم { ومما تعبدون من دون الله } من الأصنام، { كفرنا بكم } أي: بدينكم، أو: معبودكم، أو: بكم وبأصنامكم، فلا نعتد بشأنكم وبآلهتكم، { وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا } أي: هذا دأبنا أبدا { حتى تؤمنوا بالله وحده } وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فتنقلب العداوة حينئذ ولاية، والبغضاء محبة. وحاصل الآية: أن الحق تعالى يقول: إن كانت عداوة الكفار لكم إنما هي لأجل إيمانكم بالحق، فعادوهم أنتم، وكافحوهم بالعداوة، وأظهروا البغضاء لهم والمقت، وصرحوا أن سبب العداوة ليس إلا كفركم بالله، وما دام هذا السبب قائما كانت العداوة، حتى إن أزلتموه انقلبت العداوة مولاة، وأنتم مقتدون في ذلك بالخليل عليه السلام وسائر الأنبياء، حيث كافحوا الكفار بالعداوة، وتوكلوا على الله. قال ابن عطية: هذه الأسوة مقيدة بالتبري من المشركين وإشراكهم، وهو مطرد في كل ملة، وفي نبينا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة على الإطلاق، في العقائد وفي أحكام الشرع. ه. فلكم أسوة فيمن تقدم. { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك } ، وذلك لموعدة وعدها إياه، أي: اقتدوا به في كل شيء، ولا تقتدوا به في استغفاره لأبيه الكافر. واستغفاره عليه السلام لأبيه الكافر جائز عقلا وشرعا قبل النهي، لوقوعه قبل تبين أنه من أصحاب الجحيم، لكنه ليس مما ينبغي أن يؤتسى به أصلا. { وما أملك لك من الله من شيء } أي: من هداية ومغفرة وتوفيق. وهذه الجملة من تمام قول المستثنى، كأنه قال: أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار، إظهارا للعجز وتفويضا للأمر. { ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا } أي: أقبلنا، { وإليك المصير } المرجع وهو من تمام ما نقل عن إبراهيم عليه السلام ومن معه من الأسوة الحسنة، وهو راجع لما قبل الاستثناء، قالوه بعد المهاجرة ونشر البغضاء، التجاء إلى الله تعالى في جميع أمورهم، لا سيما في موافقة الكفرة، وكفاية شرورهم، وقيل: معناه: قولوا، فيكون أبتداء كلام خطابا لهذه الأمة، وضعفه أبو السعود. وتقديم المعمول لقصر التوكل والإنابة والمصير عليه تعالى. { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } بأن تسلطهم علينا، فيفتنونا بعذاب لا نطيقه، { واغفر لنا } ما فرط منا، { ربنا إنك أنت العزيز } الذي لا يذل من التجأ إليه، ولا يخيب رجاء من توكل عليه، { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع والالتجاء. { لقد كان لكم فيهم } في إبراهيم ومن معه { أسوة حسنة } ، تكرير للمبالغة في الحث على الاقتداء به، ولذلك صدره بالقسم. وقوله: { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } بدل من " لكم " ، وحكمته: الإيذان بأن من يؤمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم، وأن تركه مخل بالإيمان بهما، كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } ، فإنه إنما يوعد بأمثاله الكفرة، أي: هو الغني عن الخلق، الحميد المستحق للحمد وحده. الإشارة: ينبغي للمريد أن يكون إبراهيميا، يتبرأ من كل ما يشغله عن الله، أيا من كان، ويظهر العداوة والبغضاء لكل من يقطعه عن مولاه، حتى يوافقه على طريقه وسيرته، إلا على وجه النصيحة والدعاء إلى الله، إن كان أهلا لذلك، فيذكر من خالفه في طريقه، فإن أيس منه استغفر له، ودعا له بالهداية، مقرا بالعجز عن هدايته وتوفيقه، ثم يلتجىء إلى مولاه في جميع أموره، ويتحصن بالله من فتنة أهل الظلم والغفلة. والله غالب على أمره. ولما أمر الله بعداوة الكفرة، عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين، وشددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم، فعلم تعالى شدة وجد المؤمنين بذلك، فأنزل: { عسى الله أن يجعل بينكم }.

الممتحنة 60:7

يقول الحق جل جلاله: { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم } من أقاربكم المشركين، { مودة } بأن يوافقوكم في الدين. وعدهم بذلك لما رأى منهم من التصلب في الدين، والتشديد في معاداة أقربائهم، تطييبا لقلوبهم، ولقد أنجز وعده الكريم، فأسلم كثير منهم يوم فتح مكة، فتصافوا، وتوادوا وصاروا أولياء وإخوانا، وخالطوهم وناكحوهم. و " عسى " من الله واجبة الوقوع. { والله قدير } أي: مبالغ في القدرة على تغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة، { والله غفور رحيم } ، فيغفر لمن أسلم من المؤمنين ويرحمهم، أو: غفور لما فرط منكم من مولاتهم قبل، وما بقي في قلوبكم من ميل الطبع إلى الرحم بعد، رحيم لمن لم تبق فيه بقية. الإشارة: عسى الله أن يجعل بينكم وبين نفوسكم، التي عاديتموها وخالفتموها، وقطعتم مواد هواها، مودة، حين تتهذب وتتأدب وترتاض بالمجاهدة، فالواجب حينئذ البرور بها، والإحسان إليها، لأنها انقلبت روحانية، تصطاد بها العلوم اللدنية، والمعارف الربانية، وفيها يقول شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه: سايس من النفس جهدك صبح ومس عليها لعلها تدخل في يدك تعود تصطاد بها فالآية تسلية وترجية لأهل المجاهدة من السائرين دون الواصلين فإن المجاهدة لا تكون إلا قبل المشاهدة، أو: تكون تسلية لهم عند مقاطعة أقاربهم وعشائرهم، حين فروا عنهم لله، بأن يهديهم الله، حتى يوافقوهم على طريقهم. وبالله التوفيق. ثم بين من نهى عن مقاطعته، فقال: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم }.

الممتحنة 60:8

يقول الحق جل جلاله: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم } أي: لا ينهاكم عن البر بهؤلاء، ف " أن تبروهم ": بدل من الموصول، { وتقسطوا إليهم } أي: تقضوا إليهم بالقسط، أي: بالعدل، ولا تظلموهم، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك، فكيف في حق المسلم؟ { إن الله يحب المقسطين } الحاكمين بالعدل، روي أن " قتيلة بنت عبد العزى " قدمت مشركة على بنتها " أسماء بنت أبي بكر " رضي الله عنه، بهدايا، فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول فنزلت، وأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقبل منها، وتكرمها، وتحسن إليها. وقيل: المراد بهم خزاعة، وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه. قال المحلي: وهذا قبل الأمر بجهادهم. ومثله لابن عطية، فإنه نقل الخلاف، ثم قال: وعلى أنها في الكفار فالآية منسوخة بالقتال. ه. قال الكواشي: نزلت رخصة في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. ثم قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز صلة الكفار، الذين لم ينصبوا لحرب المسلمين، وبرهم، وإن انقطعت الموالاة بينهم. ه. قال القشيري: من كان فيهم حسن خلق، أو للمسلمين منهم رفق، أمروا بالملاينة معهم، شاهد هذه الجملة: " إن الله يحب الرفق في الأمر كله ". ه. المحشي. وهذا: فيما لا ضرر فيه للمسلمين، وفي المدارك: حكى الدارقطني أن عبد وزير المعتضد دخل على القاضي إسماعيل وكان نصرانيا فقام له ورحب به فرأى إنكار من عنده فقال: علمت إنكاركم، وقد قال تعالى: { لا ينهاكم الله... } الآية، وهذا رجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر، فسكت الجماعة عند ذلك. ه. قال البرزلي: ولعله رأى ذلك ضرورة، وتأنس بظاهر الآية، وخاف من أذاه إن لم يفعل ذلك. ه. وفي حديث الجامع: " بعثت بمداراة الناس " ، قيل: والفرق بينها وبين المداهنة: أن المداهنة: إظهار الرضا بفعل الفاسق من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق في تعليم الجاهل، والملاطفة في نهي الفاسق عن فعله، وقد قال تعالى: فقولا له قولا لينا [طه:44]، وقيل: المداهنة: ترك الدين بالدنيا، والمداراة: بيع الدنيا بحفظ الدين. وقد عد السهروردي في " الآداب " من رخص الصوفية: التكلف مع أبناء الدنيا والرؤساء والسلاطين، والقيام لهم، وحسن الإقبال عليهم، والأدب في ذلك: إلا يكون طمعا في دنياهم، ولا اتخاذ جاه عندهم كان صلى الله عليه وسلم يدخل عليه سادات قريش فيكرمهم، ويجلهم، ويحسن مجالستهم، وقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " ه. وانظر الأصل الرابع والثمانين في إنزال الناس منازلهم، فقد ذكر فيه: أن العاقل عن الله يعاشر الناس على ما دبر الله لهم، فالغني قد أكرمه الله كرامة ابتلاء، كما ذكر في تنزيله، فإذا لم تنزله المنزلة التي أنزله الله فيها، فاستهنت به، وحقرته من غير جرم استحق بذلك الجفاء، فقد تركت موافقة الله في تدبيره، وأفسدت عليه دينه وأثمته، وكذلك معاملة الملوك والولاة على هذا السبيل، فإذا عاملت الملوك والسلاطين بمعاملة الرعية، فقد استخففت بحق السلطان، وكيف يجوز أن تستخف بحقه، والسلطان ظل الله في الأرض؟ به تسكن النفوس، وتجمع الأمور، والناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفات إلى أعمالهم. ثم ذكر أن ضد ما ذكر من ضعف المعرفة واليقين، وعدم التخلص من النفس، فلم تكن لقوتهم مطالعة ما ذكر، فخافوا على نفوسهم من مخالطتهم أن يجدوا حلاوة برهم، فتخلط قلوبهم بقلوبهم، فجانبوهم، والآخرون نظروا إليهم بغير الجمع، فشغلوا بما ألبسهم من ظله عن جميع ما هم فيه، فلم يضرهم اختلاطهم بهم. وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقون الأمراء، الذين قد ظهر جورهم، ويقبلون جوائزهم، فكان ابن دينار ومحمد بن واسع، ومن قبلهم، والحسن البصري، يلقون الأمراء ويقبلون منهم، فكانوا يلقونهم بما ذكر من رؤية ظل الله عليهم، ويظهرون العطف عليهم والنصيحة لهم. ثم وجه حديث ابن عباس: " ملعون من أكرم بالغنى وأهان بالفقر " فإن معناه: من عظم الدنيا وعظم أهلها، فأما من دقت الدنيا في عينه، يرى أهلها مبتلون بها، بما تقتضيه من القيام بالشكر، ثم غرقه في حسابه، فيرحمه كما يرحم الذي ذهب به السيل، ويكرمه، ويبره بما عوده الله، وأبقاه على دينه، لئلا يفسد، فذلك فعل الأنبياء والأولياء، وبذلك وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " فهو إنما يكرم لله ويهين لله، لا للدنيا، ومن فعل ذلك للدنيا كان ملعونا، ثم ذكر حديث: " من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرمه حرم كذلك " ، ثم ذكر قصة نسطور صاحب ابن مريم عليه السلام ورفقه وتلطفه مع ذلك الملك الذي سجن صاحبيه حتى استخلصهما منه برفق، وأعلم الملك وجميع الناس في قضية عجيبة، فعليك بها. { إنما ينهاكم الله عن } موالاة { الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم } ، وهم عتاة أهل مكة، { وظاهروا } أي: عاونوا { على إخراجكم } وهم سائر أهلها، { أن تولوهم }: بدل اشتمال من الموصول، والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة من لم يتعرض لكم، إنما ينهاكم عمن أذاكم { أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } حيث وضعوا التولي في غير موضعه. الإشارة: لا ينهاكم الله عن النفوس المطيعة، التي لم تصدكم عن السير إلى الحضرة، أن تبروا بها، وترفقوا بها، إنما ينهاكم عن النفوس الفاجرة، التي قاتلتكم، وصدتكم عن الحضرة، وأخرجتكم عن دائرة الولاية، باتباع هواها أن تولوها، وتسعوا في حظوظها وهواها، ومن يتولها، وبقي في رقها فقد ظلم نفسه وبخسها، حيث حرمها نعيم الحضرة. أو: لا ينهاكم الله عن بعض العامة، التي لا مضرة فيهم، أن تبرهم بالوعظ والتذكير، وتقسطوا إليهم بقول الإحسان، إنما ينهاكم عن أهل الإنكار المخالفين لكم، من الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والعلماء المتجبرين، والفقراء الجاهلين، أن تولوهم فإن مخالطتهم سم قاتل للمريد، ومن يتولهم لا يفلح أبدا. ثم نهى عن رد من أسلم من النساء إلى أزواجهن من الكفار، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات }.

الممتحنة 60:9

يقول الحق جل جلاله: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم } أي: لا ينهاكم عن البر بهؤلاء، ف " أن تبروهم ": بدل من الموصول، { وتقسطوا إليهم } أي: تقضوا إليهم بالقسط، أي: بالعدل، ولا تظلموهم، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك، فكيف في حق المسلم؟ { إن الله يحب المقسطين } الحاكمين بالعدل، روي أن " قتيلة بنت عبد العزى " قدمت مشركة على بنتها " أسماء بنت أبي بكر " رضي الله عنه، بهدايا، فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول فنزلت، وأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقبل منها، وتكرمها، وتحسن إليها. وقيل: المراد بهم خزاعة، وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه. قال المحلي: وهذا قبل الأمر بجهادهم. ومثله لابن عطية، فإنه نقل الخلاف، ثم قال: وعلى أنها في الكفار فالآية منسوخة بالقتال. ه. قال الكواشي: نزلت رخصة في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. ثم قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز صلة الكفار، الذين لم ينصبوا لحرب المسلمين، وبرهم، وإن انقطعت الموالاة بينهم. ه. قال القشيري: من كان فيهم حسن خلق، أو للمسلمين منهم رفق، أمروا بالملاينة معهم، شاهد هذه الجملة: " إن الله يحب الرفق في الأمر كله ". ه. المحشي. وهذا: فيما لا ضرر فيه للمسلمين، وفي المدارك: حكى الدارقطني أن عبد وزير المعتضد دخل على القاضي إسماعيل وكان نصرانيا فقام له ورحب به فرأى إنكار من عنده فقال: علمت إنكاركم، وقد قال تعالى: { لا ينهاكم الله... } الآية، وهذا رجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر، فسكت الجماعة عند ذلك. ه. قال البرزلي: ولعله رأى ذلك ضرورة، وتأنس بظاهر الآية، وخاف من أذاه إن لم يفعل ذلك. ه. وفي حديث الجامع: " بعثت بمداراة الناس " ، قيل: والفرق بينها وبين المداهنة: أن المداهنة: إظهار الرضا بفعل الفاسق من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق في تعليم الجاهل، والملاطفة في نهي الفاسق عن فعله، وقد قال تعالى: فقولا له قولا لينا [طه:44]، وقيل: المداهنة: ترك الدين بالدنيا، والمداراة: بيع الدنيا بحفظ الدين. وقد عد السهروردي في " الآداب " من رخص الصوفية: التكلف مع أبناء الدنيا والرؤساء والسلاطين، والقيام لهم، وحسن الإقبال عليهم، والأدب في ذلك: إلا يكون طمعا في دنياهم، ولا اتخاذ جاه عندهم كان صلى الله عليه وسلم يدخل عليه سادات قريش فيكرمهم، ويجلهم، ويحسن مجالستهم، وقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " ه. وانظر الأصل الرابع والثمانين في إنزال الناس منازلهم، فقد ذكر فيه: أن العاقل عن الله يعاشر الناس على ما دبر الله لهم، فالغني قد أكرمه الله كرامة ابتلاء، كما ذكر في تنزيله، فإذا لم تنزله المنزلة التي أنزله الله فيها، فاستهنت به، وحقرته من غير جرم استحق بذلك الجفاء، فقد تركت موافقة الله في تدبيره، وأفسدت عليه دينه وأثمته، وكذلك معاملة الملوك والولاة على هذا السبيل، فإذا عاملت الملوك والسلاطين بمعاملة الرعية، فقد استخففت بحق السلطان، وكيف يجوز أن تستخف بحقه، والسلطان ظل الله في الأرض؟ به تسكن النفوس، وتجمع الأمور، والناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفات إلى أعمالهم. ثم ذكر أن ضد ما ذكر من ضعف المعرفة واليقين، وعدم التخلص من النفس، فلم تكن لقوتهم مطالعة ما ذكر، فخافوا على نفوسهم من مخالطتهم أن يجدوا حلاوة برهم، فتخلط قلوبهم بقلوبهم، فجانبوهم، والآخرون نظروا إليهم بغير الجمع، فشغلوا بما ألبسهم من ظله عن جميع ما هم فيه، فلم يضرهم اختلاطهم بهم. وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقون الأمراء، الذين قد ظهر جورهم، ويقبلون جوائزهم، فكان ابن دينار ومحمد بن واسع، ومن قبلهم، والحسن البصري، يلقون الأمراء ويقبلون منهم، فكانوا يلقونهم بما ذكر من رؤية ظل الله عليهم، ويظهرون العطف عليهم والنصيحة لهم. ثم وجه حديث ابن عباس: " ملعون من أكرم بالغنى وأهان بالفقر " فإن معناه: من عظم الدنيا وعظم أهلها، فأما من دقت الدنيا في عينه، يرى أهلها مبتلون بها، بما تقتضيه من القيام بالشكر، ثم غرقه في حسابه، فيرحمه كما يرحم الذي ذهب به السيل، ويكرمه، ويبره بما عوده الله، وأبقاه على دينه، لئلا يفسد، فذلك فعل الأنبياء والأولياء، وبذلك وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " فهو إنما يكرم لله ويهين لله، لا للدنيا، ومن فعل ذلك للدنيا كان ملعونا، ثم ذكر حديث: " من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرمه حرم كذلك " ، ثم ذكر قصة نسطور صاحب ابن مريم عليه السلام ورفقه وتلطفه مع ذلك الملك الذي سجن صاحبيه حتى استخلصهما منه برفق، وأعلم الملك وجميع الناس في قضية عجيبة، فعليك بها. { إنما ينهاكم الله عن } موالاة { الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم } ، وهم عتاة أهل مكة، { وظاهروا } أي: عاونوا { على إخراجكم } وهم سائر أهلها، { أن تولوهم }: بدل اشتمال من الموصول، والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة من لم يتعرض لكم، إنما ينهاكم عمن أذاكم { أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } حيث وضعوا التولي في غير موضعه. الإشارة: لا ينهاكم الله عن النفوس المطيعة، التي لم تصدكم عن السير إلى الحضرة، أن تبروا بها، وترفقوا بها، إنما ينهاكم عن النفوس الفاجرة، التي قاتلتكم، وصدتكم عن الحضرة، وأخرجتكم عن دائرة الولاية، باتباع هواها أن تولوها، وتسعوا في حظوظها وهواها، ومن يتولها، وبقي في رقها فقد ظلم نفسه وبخسها، حيث حرمها نعيم الحضرة. أو: لا ينهاكم الله عن بعض العامة، التي لا مضرة فيهم، أن تبرهم بالوعظ والتذكير، وتقسطوا إليهم بقول الإحسان، إنما ينهاكم عن أهل الإنكار المخالفين لكم، من الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والعلماء المتجبرين، والفقراء الجاهلين، أن تولوهم فإن مخالطتهم سم قاتل للمريد، ومن يتولهم لا يفلح أبدا. ثم نهى عن رد من أسلم من النساء إلى أزواجهن من الكفار، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات }.

الممتحنة 60:10

قلت: { إذا جاءكم المؤمنات } إنما حذفت تاء التأنيث للفصل بالمفعول، ورد بأن الحذف مع الفصل بغير " إلا " مرجوح، والصواب: أنه على حذف الموصوف، أي: النساء المؤمنات، وهو اسم جمع، يجوز في الأمران، كقوله تعالى: وقال نسوة... [يوسف:30]. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات } أي: مشرفات على الإيمان ونطقن بالشهادة، وإنما ظهر بعد الامتحان، { مهاجرات } من بين الكفار، { فامتحنوهن } فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن للسانهن. كان صلى الله عليه وسلم يستحلفهن: ما خرجن من بغض زوج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل منا بل حبا لله ورسوله. وقد كان صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة على أن من أسلم منهم يرده إليهم، فجاءت " سبيعة بنت الحارث " مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، فقال زوجها: اردد علي امرأتي، فنزلت، فاستحلفها صلى الله عليه وسلم بما تقدم، فحلفت، فلم يردها عليه، وأعطى مهرها زوجها، فتزوجها عمر، فكان صلى الله عليه وسلم يرد من جاء من الرجال، ولا يرد النساء. وعن ابن عباس: امتحانها: أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. { الله أعلم بإيمانهن } ، لأنه المطلع على قلوبهن. وفيه إشارة إلى التخفيف في الامتحان، وأنه ليس المطلوب غايته لتصلوا إلى العلم، بل ما يحصل به الظن القوي، وأما العلم فخاص بالله تعالى. { فإن علمتموهن مؤمنات } ، العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن القوي، بظهور الأمارات. وتسمية الظن علما يؤذن بأن الظن الغالب، وما يفضي إليه القياس، جار مجرى العلم، وصاحبه غير داخل في قوله: ولآ تقف ما ليس لك به علم [الإسراء:36]. قاله النسفي. { فلا ترجعوهن إلى الكفار } أي: إلى أزواجهن الكفرة، { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ، تعليل للنهي أي: حيث خرجت مسلمة حرمت على المشرك. والتكرير إما لتأكيد الحرمة، أو الأول: لبيان زوال النكاح الأول، والثاني: لبيان امتناع النكاح الجديد، ما دام مشركا، فإن أسلم في عدتها كان أولى بها. { وآتوهم ما أنفقوا } أي: أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا من المهور، { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن } ، فإن إسلامهن حال بينهن وبين أزواجهن الكفار، { إذا آتيتموهن أجورهن } مهورهن لأن المهر أجر البضع، وبه احتج أبو حنيفة على ألا عدة على المهاجرة. قال الكواشي: أباح تعالى نكاحهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن بعد انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي امرأته عند مالك والشافعي وأحمد، خلافا لأبي حنيفة في غير الحامل. ه. { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ، العصمة: ما يعتصم به من عقد وسبب. والكوافر: جمع كافرة، وهي التي بقيت في دار الحرب أو: لحقت بدار الحرب مرتدة، أي: لا يكن بينكم وبين النساء الكوافر عصمة ولا علقة زوجية. قال ابن عباس رضي الله عنه: من كانت له امراة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. ولما نزلت الآية طلق عمر رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكة، قريبة بنت أبي أمية، وأم كلثوم الخزاعية. { واسألوا ما أنفقتم } من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار، أي: اطلبوه من الكفرة، { وليسألوا ما أنفقوا } من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا. { ذالكم حكم الله } أي: جميع ما ذكر في هذا الآية. وقوله: { يحكم بينكم }: كلام مستأنف أو: حال من " حكم الله " على حذف الضمير، أي: يحكمه الله، وجعل الحكم حاكما على المبالغة وقال: " يحكم " مستقبلا، مع أن الحكم ماض باعتبار ظهور متعلقة { والله عليم حكيم } يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة. روي أنه لما نزلت الآية أدى المؤمنون ما أمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهن من المشركين، وأبى المشركون أن يردوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله تعالى: { وإن فاتكم } أي: سبقكم وانفلت منكم { شيء من أزواجكم إلى الكفار } أي: أحد من أزواجكم، وقرىء به. وإيقاع " شيء " موقعه للتحقير والتعميم، { فعاقبتم } ، من المعاقبة، لا من العقوبة، أي: صرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم، وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجهم، شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأداء هؤلاء مهور نساء هؤلاء أخرى، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم } منكم إلى الكفار { مثل ما أنفقوا } ، تعطوه من مهر المهاجرة التي تزوجتموها، ولا تؤتوا زوجها الكافر شيئا، أي: ما كنتم تعطونه للكفار من مهور أزواجهم المهاجرات أعطوه لمن فاتت زوجته ولحقت بالكفار، فأزال الله دفعها إليهم، حين لم يرضوا بحكمه، على أن هذا حكم قد نسخ. قال ابن عطية: وهذه الآية كلها قد ارتفع حكمها. ه. وذكر الكواشي الخلاف في النسخ وعدمه، وأن رد المال مستمر، وذكر الخلاف في أن الإنفاق كان على الوجوب أو الندب. ه. وقيل: معنى " فعاقبتم " من العقوبة، أي: فأصبتموهم في القتال، حتى غنمتم، فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم، ولحقن بدار الحرب مهور زوجاتهم من هذه الغنيمة. قال ابن عباس: خمس نسوة رجعن عن الإسلام، ولحقن بالمشركين، من نساء المهاجرين: أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت عند عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية، أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب، وعزة بنت عبد العزى، كانت تحت هشام بن العاص، وأم كلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر أيضا، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. ه. { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } أي: احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به فإن الإيمان يقتضي فعل ما أمر به صاحبه. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص، وهم المشايخ العارفون إذا جاءكم النفوس المؤمنه بطريقكم، وأرادوا الانخراط في سلككم، فامتحنونهن هل هي صادقة الطلب، أو تريد حرفا من حروف الهوى، فإن علمتم صدقهن، فلا تردجعوهن إلى أهل الغفلة، سيما أهل الإنكار إذ لا يحل مخالطتهم في طريق الخصوص، وآتوهم من العلوم والمعارف عوض ما أنفقوا من أنفسهم وأموالهم، ولاجناح عليكم أن تعقدوا عليهم عقدة الإرادة، التي هي كعقدة النكاح إذا آتيتموهن أجورهن، وهو أن تبذلوا لهم ما عندكم من السر، قدر ما يطيقون، ومن نقض العهد ورجع عن الإرادة فلا تمسكوا بعصمته، وأطلقوه مع نفسه، فإن سألكم شيئا مما كان بذل فسلوه عوض ما بذلتم له من العلم، وإن رجع أحد منكم إلى أهل الإنكار، ثم جاء أحد منهم إليكم فآتوه من العلم ما آتيتم من فر منكم، واتقوا الله الذي توجهتم إليه، فلا تعطوا السر من لا يستحقه، ولا تمنعوه من مستحقه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم ذكر بيعمة النساء، فقال: { يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات يبايعنك }.

الممتحنة 60:11

قلت: { إذا جاءكم المؤمنات } إنما حذفت تاء التأنيث للفصل بالمفعول، ورد بأن الحذف مع الفصل بغير " إلا " مرجوح، والصواب: أنه على حذف الموصوف، أي: النساء المؤمنات، وهو اسم جمع، يجوز في الأمران، كقوله تعالى: وقال نسوة... [يوسف:30]. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات } أي: مشرفات على الإيمان ونطقن بالشهادة، وإنما ظهر بعد الامتحان، { مهاجرات } من بين الكفار، { فامتحنوهن } فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن للسانهن. كان صلى الله عليه وسلم يستحلفهن: ما خرجن من بغض زوج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل منا بل حبا لله ورسوله. وقد كان صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة على أن من أسلم منهم يرده إليهم، فجاءت " سبيعة بنت الحارث " مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، فقال زوجها: اردد علي امرأتي، فنزلت، فاستحلفها صلى الله عليه وسلم بما تقدم، فحلفت، فلم يردها عليه، وأعطى مهرها زوجها، فتزوجها عمر، فكان صلى الله عليه وسلم يرد من جاء من الرجال، ولا يرد النساء. وعن ابن عباس: امتحانها: أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. { الله أعلم بإيمانهن } ، لأنه المطلع على قلوبهن. وفيه إشارة إلى التخفيف في الامتحان، وأنه ليس المطلوب غايته لتصلوا إلى العلم، بل ما يحصل به الظن القوي، وأما العلم فخاص بالله تعالى. { فإن علمتموهن مؤمنات } ، العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن القوي، بظهور الأمارات. وتسمية الظن علما يؤذن بأن الظن الغالب، وما يفضي إليه القياس، جار مجرى العلم، وصاحبه غير داخل في قوله: ولآ تقف ما ليس لك به علم [الإسراء:36]. قاله النسفي. { فلا ترجعوهن إلى الكفار } أي: إلى أزواجهن الكفرة، { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ، تعليل للنهي أي: حيث خرجت مسلمة حرمت على المشرك. والتكرير إما لتأكيد الحرمة، أو الأول: لبيان زوال النكاح الأول، والثاني: لبيان امتناع النكاح الجديد، ما دام مشركا، فإن أسلم في عدتها كان أولى بها. { وآتوهم ما أنفقوا } أي: أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا من المهور، { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن } ، فإن إسلامهن حال بينهن وبين أزواجهن الكفار، { إذا آتيتموهن أجورهن } مهورهن لأن المهر أجر البضع، وبه احتج أبو حنيفة على ألا عدة على المهاجرة. قال الكواشي: أباح تعالى نكاحهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن بعد انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي امرأته عند مالك والشافعي وأحمد، خلافا لأبي حنيفة في غير الحامل. ه. { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ، العصمة: ما يعتصم به من عقد وسبب. والكوافر: جمع كافرة، وهي التي بقيت في دار الحرب أو: لحقت بدار الحرب مرتدة، أي: لا يكن بينكم وبين النساء الكوافر عصمة ولا علقة زوجية. قال ابن عباس رضي الله عنه: من كانت له امراة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. ولما نزلت الآية طلق عمر رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكة، قريبة بنت أبي أمية، وأم كلثوم الخزاعية. { واسألوا ما أنفقتم } من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار، أي: اطلبوه من الكفرة، { وليسألوا ما أنفقوا } من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا. { ذالكم حكم الله } أي: جميع ما ذكر في هذا الآية. وقوله: { يحكم بينكم }: كلام مستأنف أو: حال من " حكم الله " على حذف الضمير، أي: يحكمه الله، وجعل الحكم حاكما على المبالغة وقال: " يحكم " مستقبلا، مع أن الحكم ماض باعتبار ظهور متعلقة { والله عليم حكيم } يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة. روي أنه لما نزلت الآية أدى المؤمنون ما أمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهن من المشركين، وأبى المشركون أن يردوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله تعالى: { وإن فاتكم } أي: سبقكم وانفلت منكم { شيء من أزواجكم إلى الكفار } أي: أحد من أزواجكم، وقرىء به. وإيقاع " شيء " موقعه للتحقير والتعميم، { فعاقبتم } ، من المعاقبة، لا من العقوبة، أي: صرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم، وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجهم، شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأداء هؤلاء مهور نساء هؤلاء أخرى، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم } منكم إلى الكفار { مثل ما أنفقوا } ، تعطوه من مهر المهاجرة التي تزوجتموها، ولا تؤتوا زوجها الكافر شيئا، أي: ما كنتم تعطونه للكفار من مهور أزواجهم المهاجرات أعطوه لمن فاتت زوجته ولحقت بالكفار، فأزال الله دفعها إليهم، حين لم يرضوا بحكمه، على أن هذا حكم قد نسخ. قال ابن عطية: وهذه الآية كلها قد ارتفع حكمها. ه. وذكر الكواشي الخلاف في النسخ وعدمه، وأن رد المال مستمر، وذكر الخلاف في أن الإنفاق كان على الوجوب أو الندب. ه. وقيل: معنى " فعاقبتم " من العقوبة، أي: فأصبتموهم في القتال، حتى غنمتم، فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم، ولحقن بدار الحرب مهور زوجاتهم من هذه الغنيمة. قال ابن عباس: خمس نسوة رجعن عن الإسلام، ولحقن بالمشركين، من نساء المهاجرين: أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت عند عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية، أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب، وعزة بنت عبد العزى، كانت تحت هشام بن العاص، وأم كلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر أيضا، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. ه. { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } أي: احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به فإن الإيمان يقتضي فعل ما أمر به صاحبه. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص، وهم المشايخ العارفون إذا جاءكم النفوس المؤمنه بطريقكم، وأرادوا الانخراط في سلككم، فامتحنونهن هل هي صادقة الطلب، أو تريد حرفا من حروف الهوى، فإن علمتم صدقهن، فلا تردجعوهن إلى أهل الغفلة، سيما أهل الإنكار إذ لا يحل مخالطتهم في طريق الخصوص، وآتوهم من العلوم والمعارف عوض ما أنفقوا من أنفسهم وأموالهم، ولاجناح عليكم أن تعقدوا عليهم عقدة الإرادة، التي هي كعقدة النكاح إذا آتيتموهن أجورهن، وهو أن تبذلوا لهم ما عندكم من السر، قدر ما يطيقون، ومن نقض العهد ورجع عن الإرادة فلا تمسكوا بعصمته، وأطلقوه مع نفسه، فإن سألكم شيئا مما كان بذل فسلوه عوض ما بذلتم له من العلم، وإن رجع أحد منكم إلى أهل الإنكار، ثم جاء أحد منهم إليكم فآتوه من العلم ما آتيتم من فر منكم، واتقوا الله الذي توجهتم إليه، فلا تعطوا السر من لا يستحقه، ولا تمنعوه من مستحقه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم ذكر بيعمة النساء، فقال: { يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات يبايعنك }.

الممتحنة 60:12

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات } حال كونهن { يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن } ، يريد: وأد البنات، { ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } ، كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هو ولدي منك. كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلد منه بين الرجلين. { ولا يعصينك في معروف } أي: فيما تأمرهن من معروف، وتنهاهن عن منكر. والتعبير بالمعروف مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا به للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر في حقهن لكثرة وقوعها فيهن. { فبايعهن } على ما ذكر وما لم يذكر لوضوح أمره، { واستغفر لهن الله } فيما مضى، { إن الله غفور رحيم } أي: مبالغ في المغفرة والرحمة، فيغفر لهن ويرحمهن إذا وفين بما بايعن عليه. " روي: أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر قاعد أسفل منه، يبايعهن عنه بأمره، وهند بنت عتبة امراة أبي سفيان متقنعه متنكرة مع النساء، خوفا من النبي صلى الله عليه سلم أن يعرفها، فقال صلى الله عليه وسلم: " أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئا ". فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا شيئا ما رأيتك أخذته على الرجال لأنه عليه السلام بايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا تسرقن " فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصبت من ماله هنات، فقال أبو سفيان: هو لك حلال، فقال: " ولا تزنين " فقالت هند: أوتزني الحرة؟ فقال: " ولا تقتلن أولادكن " ، فقالت هند: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا، وكان ابنها قتل يوم بدر، فقال: " ولا تأتين ببهتان... " الخ، فقالت هند: والله إن البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق! فقال: " ولا تعصين في معروف " فقالت: وما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقر النسوة بما أخذ عليهن. وقالت أميمة: يا رسول الله، صافحنا؟ فقال: " إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة " ، قالت عائشة: ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، إنما بايعهن كلاما، وقيل: لف على يده ثوبا، وقيل: غمس يده في قدح، فغمسن أيديهن فيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: الشيخ في قومه كالنبي في أمته، فيقال له: إذا جاءك النفوس المؤمنة يبايعنك على ألا ترى مع الله شيئا، ولا تميل إلى الدنيا، ولا إلى الهوى، ولا تهمل ما تنتج أفكارها من الواردات، ولا تأتي ببهتان تفتريه بأن تنسب فعلا إلى غير الله، أو بأن تكذب في أحوالها وأقوالها، ولا تعصي فيما تأمرها وتنهاها، فإن جاءت على ما ذكر فبايعها واستغفر لها الله فيما فرطت فيه، إن الله غفور رحيم. ولما نهى عن موالاة المشركين، نهى عن موالاة اليهود، فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما }.

الممتحنة 60:13

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم } ، وهم اليهود. روي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين، كانوا يواصلون اليهود، ليصيبوا من ثمارهم. وقيل: عامة الكفرة إذ كلهم في الغضب. قال ابن عرفة: كيف نهى عن مطلق الموالاة بعد قوله: { لا ينهاكم الله... } الآية؟ قلنا: المراد بتلك المسالمة والمتاركة، لا الموالاة. ه. { قد يئسوا من الآخرة } أي: من ثوابها لعلمهم بأنهم لا خلاق لهم فيها، لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة، المؤيد بالمعجزات، أو: لفعلهم فعل من يئس من الآخرة، فحالهم حال اليائس، وإذا قلنا: هم الكفرة فيأسهم ظاهر، لإنكارهم البعث. والأول أظهر لقوله { كما يئس الكفار } أي: المشركون { من أصحاب القبور } أن يرجعوا إليهم. أو: كما يئس منها الذين ماتوا منهم لأنهم وقفوا على حقيقة الحال، وشاهدوا حرمانهم من نعيمها المقيم، وابتلاءهم بعذابها الأليم. والمراد: وصفهم بكمال اليأس منها، وقيل: المعنى: كما يئسوا من موتاهم أن يبعثوا أو يرجعوا أحياء. وأظهر في موضع الإضمار للإشعار بعلة يأسهم، وهو الكفر. قال ابن عرفة: إن أريد المشركون فهم يئسوا منها حقيقة، أي: من وجودها، وإن أريد اليهود، فهم يئسوا من نعيمها. فأن قلت: كيف وهم يزعمون أن نعيمها خاص بهم؟ قلت: كفرهم عناد. وإسناد الإياس إليهم مجاز، فإذا أراد اليهود، فيكون التشبيه بالكفار حقيقة، وإن أريد العموم فالتشبيه باعتبار اختلاف الصفة والحال، كقولك: هذا بسرا أطيب منه رطبا. أي: كما يئسوا من أصحاب القبور أن يرجعوا إلى الدنيا، أو يتنعموا بالجنة. ه. وعلى كل حال، فقد ختم السورة بما افتتحها به، تأكيدا لما نهى عنه. الإشارة: قد تقدم مرارا النهي عن مخالطة العامة للمريد، حتى يتمكن من الشهود، فيفعل ما يشاء. وكل من حجب عن الله فله قسط من الغضب، وكل من لم يتزود للآخرة التزود الكامل، فقد نسيها نسيان اليائس. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

الصف 61:1

يقول الحق جل جلاله: { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم }. ولما قال بعض الصحابة: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبذلنا في أموالنا، فنزلت أية الجهاد، فتباطأ بعضهم، فنزلت: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون }. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر، فقالوا: والله لئن شهدنا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد فنزلت. وقيل: نزلت فيمن يمدح كذبا، حيث كان يقول: قتلت، ولم يقتل، وطعنت، ولم يطعن، وقيل: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر ونكأ فيهم، فقتله صهيب، وانتحل قتله آخر، فنزلت في المنتحل. أي: لأي شيء تقولونه من الخير والمعروف، على أن مدار التوبيخ إنما هو عدم فعلهم، وإنما وجه إلى قولهم تنبيها على تضاعيف معصيتهم، لبيان أن المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط، بل الوعد به أيضا، وقد كانوا يحسبونه معروفا، ولو قيل: لم لا تفعلون ما تقولون، لفهم منه أن المنكر إنما هو ترك المفعول. { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ، هو بيان لغاية قبح ما فعلوا، وفرط سماحته، و " كبر " جارية مجرى نعم، بزيادة معنى التعجب، ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره، وفي " كبر " ضمير مبهم مفسر بالنكرة بعده، و " أن تقولوا " هو المخصوص بالذم، وقيل: قصد فيه التعجب من غير لفظه، وأسند إلى " إن تقولوا " ، ونصب " مقتا " على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، كأنه قيل: ما أكبر مقتا قولهم بلا عمل. ثم بين ما هو مرضي عنده، بعد بيان ما هو ممقوت بقوله: { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله } ، وهو المقصود بالذات من السورة وقوله: { صفا } أي: صافين أنفسهم، أو مصفوفين، مصدر وقع موقع الحال، { كأنهم بنيان مرصوص } لاصق بعضه ببعض، وقيل: أريد: استواء نياتهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض، وهو حال أيضا، أي: مشبهين بالبنيان الملاصق. قال ابن عرفة: التشبيه في الثبات وعدم الفرار كثبوت البناء ولزومه. ه. الإشارة: { سبح لله } ، قال الورتجبي: لما عاينوا آيات الله طلبوا فيها مشاهدة الله، فوجدوا في نفوسهم تأثير مباشرة نور قدرة الله، فقدسوه أنه باين بوجوده من الحدثان. ه. قوله تعالى: { كبر مقتا }... الخ، قال القشيري: خلف الوعد مع كل أحد قبيح، ومع الله أقبح، ويقال: إظهار التجلد من غير شهود مواضع الفقر إلى الحق في كل نفس يؤذن بالبقاء مع ما حصل به الدعوى، والله يحب التبري من الحول والقوة. ويقال: لم يتوعد على زلة بمثل ما توعد على هذا، بقوله: { كبر مقتا عند الله }. ه. ولذا فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير، وآثروا السكوت، كما قال بعضهم: لو كان ينفعني وعظي وعظتكم أنا الغريق فما خوفي من البلل قال أبو زيد الثعالبي: وهذا إن وجد من يكفيه ويقوم عنه في الوعظ، وإلا فلا ينبغي السكوت. قال الباجي في سنن الصالحين، عن الأصمعي: بلغني أن بعض الحكماء كان يقول: إني لأعظكم، وإني لكبير الذنوب، ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه لترك الأمر بالخير، واقتصر على الشر، ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير من النسيان. وقال أبو حازم: إني لأعظ الناس، وما أنا بموضع الوعظ، ولكن أريد به نفسي. ه. قلت: وكان شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني رضي الله عنه يقول حين يذكر: نحن ما ننبح إلا على نفوسنا. ه. ثم قال: وقال الحسن لمطرف: عظ أصحابك، فقال: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال: يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول، ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلم يأمر أحد منكم بمعروف ولم ينه عن منكر. ه. وفي حديث الجامع: " مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهوا عن المنكر وإن لم تتجنبوه " وقال الغزالي: من ترك العمل خوف الآفة والرياء فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه إذ المراد منه ألا يفوته الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص. ه. قلت: ولا شك أن الوعظ من المخلصين وأهل القلوب، أشد تأثيرا من غيرهم، فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان حده الآذان، وفي الحكم: " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث ما صار التنوير وصل التعبير ". فأهل النور تسري أنوارهم في الجالسين قبل أن يتكلموا، وربما انتفع الناس بصمتهم، كما ينتفعون بكلامهم، وأما أهل الظلمة وهو من في قلبه حب الدنيا فكلامهم قليل الجدوى، تسبق ظلمة قلوبهم إلى قلوب السامعين، فلا ينتفع إلا القليل. ثم ذكر مساوىء اليهود والنصارى، بسبب جبنهم وسوء أدبهم، حين أمروا بالجهاد، وبفكرهم بعد ظهور الحق، تحذيرا مما صنعوا، فقال: { وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني }.

الصف 61:2

يقول الحق جل جلاله: { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم }. ولما قال بعض الصحابة: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبذلنا في أموالنا، فنزلت أية الجهاد، فتباطأ بعضهم، فنزلت: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون }. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر، فقالوا: والله لئن شهدنا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد فنزلت. وقيل: نزلت فيمن يمدح كذبا، حيث كان يقول: قتلت، ولم يقتل، وطعنت، ولم يطعن، وقيل: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر ونكأ فيهم، فقتله صهيب، وانتحل قتله آخر، فنزلت في المنتحل. أي: لأي شيء تقولونه من الخير والمعروف، على أن مدار التوبيخ إنما هو عدم فعلهم، وإنما وجه إلى قولهم تنبيها على تضاعيف معصيتهم، لبيان أن المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط، بل الوعد به أيضا، وقد كانوا يحسبونه معروفا، ولو قيل: لم لا تفعلون ما تقولون، لفهم منه أن المنكر إنما هو ترك المفعول. { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ، هو بيان لغاية قبح ما فعلوا، وفرط سماحته، و " كبر " جارية مجرى نعم، بزيادة معنى التعجب، ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره، وفي " كبر " ضمير مبهم مفسر بالنكرة بعده، و " أن تقولوا " هو المخصوص بالذم، وقيل: قصد فيه التعجب من غير لفظه، وأسند إلى " إن تقولوا " ، ونصب " مقتا " على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، كأنه قيل: ما أكبر مقتا قولهم بلا عمل. ثم بين ما هو مرضي عنده، بعد بيان ما هو ممقوت بقوله: { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله } ، وهو المقصود بالذات من السورة وقوله: { صفا } أي: صافين أنفسهم، أو مصفوفين، مصدر وقع موقع الحال، { كأنهم بنيان مرصوص } لاصق بعضه ببعض، وقيل: أريد: استواء نياتهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض، وهو حال أيضا، أي: مشبهين بالبنيان الملاصق. قال ابن عرفة: التشبيه في الثبات وعدم الفرار كثبوت البناء ولزومه. ه. الإشارة: { سبح لله } ، قال الورتجبي: لما عاينوا آيات الله طلبوا فيها مشاهدة الله، فوجدوا في نفوسهم تأثير مباشرة نور قدرة الله، فقدسوه أنه باين بوجوده من الحدثان. ه. قوله تعالى: { كبر مقتا }... الخ، قال القشيري: خلف الوعد مع كل أحد قبيح، ومع الله أقبح، ويقال: إظهار التجلد من غير شهود مواضع الفقر إلى الحق في كل نفس يؤذن بالبقاء مع ما حصل به الدعوى، والله يحب التبري من الحول والقوة. ويقال: لم يتوعد على زلة بمثل ما توعد على هذا، بقوله: { كبر مقتا عند الله }. ه. ولذا فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير، وآثروا السكوت، كما قال بعضهم: لو كان ينفعني وعظي وعظتكم أنا الغريق فما خوفي من البلل قال أبو زيد الثعالبي: وهذا إن وجد من يكفيه ويقوم عنه في الوعظ، وإلا فلا ينبغي السكوت. قال الباجي في سنن الصالحين، عن الأصمعي: بلغني أن بعض الحكماء كان يقول: إني لأعظكم، وإني لكبير الذنوب، ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه لترك الأمر بالخير، واقتصر على الشر، ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير من النسيان. وقال أبو حازم: إني لأعظ الناس، وما أنا بموضع الوعظ، ولكن أريد به نفسي. ه. قلت: وكان شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني رضي الله عنه يقول حين يذكر: نحن ما ننبح إلا على نفوسنا. ه. ثم قال: وقال الحسن لمطرف: عظ أصحابك، فقال: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال: يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول، ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلم يأمر أحد منكم بمعروف ولم ينه عن منكر. ه. وفي حديث الجامع: " مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهوا عن المنكر وإن لم تتجنبوه " وقال الغزالي: من ترك العمل خوف الآفة والرياء فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه إذ المراد منه ألا يفوته الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص. ه. قلت: ولا شك أن الوعظ من المخلصين وأهل القلوب، أشد تأثيرا من غيرهم، فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان حده الآذان، وفي الحكم: " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث ما صار التنوير وصل التعبير ". فأهل النور تسري أنوارهم في الجالسين قبل أن يتكلموا، وربما انتفع الناس بصمتهم، كما ينتفعون بكلامهم، وأما أهل الظلمة وهو من في قلبه حب الدنيا فكلامهم قليل الجدوى، تسبق ظلمة قلوبهم إلى قلوب السامعين، فلا ينتفع إلا القليل. ثم ذكر مساوىء اليهود والنصارى، بسبب جبنهم وسوء أدبهم، حين أمروا بالجهاد، وبفكرهم بعد ظهور الحق، تحذيرا مما صنعوا، فقال: { وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني }.

الصف 61:3

يقول الحق جل جلاله: { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم }. ولما قال بعض الصحابة: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبذلنا في أموالنا، فنزلت أية الجهاد، فتباطأ بعضهم، فنزلت: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون }. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر، فقالوا: والله لئن شهدنا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد فنزلت. وقيل: نزلت فيمن يمدح كذبا، حيث كان يقول: قتلت، ولم يقتل، وطعنت، ولم يطعن، وقيل: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر ونكأ فيهم، فقتله صهيب، وانتحل قتله آخر، فنزلت في المنتحل. أي: لأي شيء تقولونه من الخير والمعروف، على أن مدار التوبيخ إنما هو عدم فعلهم، وإنما وجه إلى قولهم تنبيها على تضاعيف معصيتهم، لبيان أن المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط، بل الوعد به أيضا، وقد كانوا يحسبونه معروفا، ولو قيل: لم لا تفعلون ما تقولون، لفهم منه أن المنكر إنما هو ترك المفعول. { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ، هو بيان لغاية قبح ما فعلوا، وفرط سماحته، و " كبر " جارية مجرى نعم، بزيادة معنى التعجب، ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره، وفي " كبر " ضمير مبهم مفسر بالنكرة بعده، و " أن تقولوا " هو المخصوص بالذم، وقيل: قصد فيه التعجب من غير لفظه، وأسند إلى " إن تقولوا " ، ونصب " مقتا " على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، كأنه قيل: ما أكبر مقتا قولهم بلا عمل. ثم بين ما هو مرضي عنده، بعد بيان ما هو ممقوت بقوله: { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله } ، وهو المقصود بالذات من السورة وقوله: { صفا } أي: صافين أنفسهم، أو مصفوفين، مصدر وقع موقع الحال، { كأنهم بنيان مرصوص } لاصق بعضه ببعض، وقيل: أريد: استواء نياتهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض، وهو حال أيضا، أي: مشبهين بالبنيان الملاصق. قال ابن عرفة: التشبيه في الثبات وعدم الفرار كثبوت البناء ولزومه. ه. الإشارة: { سبح لله } ، قال الورتجبي: لما عاينوا آيات الله طلبوا فيها مشاهدة الله، فوجدوا في نفوسهم تأثير مباشرة نور قدرة الله، فقدسوه أنه باين بوجوده من الحدثان. ه. قوله تعالى: { كبر مقتا }... الخ، قال القشيري: خلف الوعد مع كل أحد قبيح، ومع الله أقبح، ويقال: إظهار التجلد من غير شهود مواضع الفقر إلى الحق في كل نفس يؤذن بالبقاء مع ما حصل به الدعوى، والله يحب التبري من الحول والقوة. ويقال: لم يتوعد على زلة بمثل ما توعد على هذا، بقوله: { كبر مقتا عند الله }. ه. ولذا فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير، وآثروا السكوت، كما قال بعضهم: لو كان ينفعني وعظي وعظتكم أنا الغريق فما خوفي من البلل قال أبو زيد الثعالبي: وهذا إن وجد من يكفيه ويقوم عنه في الوعظ، وإلا فلا ينبغي السكوت. قال الباجي في سنن الصالحين، عن الأصمعي: بلغني أن بعض الحكماء كان يقول: إني لأعظكم، وإني لكبير الذنوب، ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه لترك الأمر بالخير، واقتصر على الشر، ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير من النسيان. وقال أبو حازم: إني لأعظ الناس، وما أنا بموضع الوعظ، ولكن أريد به نفسي. ه. قلت: وكان شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني رضي الله عنه يقول حين يذكر: نحن ما ننبح إلا على نفوسنا. ه. ثم قال: وقال الحسن لمطرف: عظ أصحابك، فقال: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال: يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول، ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلم يأمر أحد منكم بمعروف ولم ينه عن منكر. ه. وفي حديث الجامع: " مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهوا عن المنكر وإن لم تتجنبوه " وقال الغزالي: من ترك العمل خوف الآفة والرياء فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه إذ المراد منه ألا يفوته الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص. ه. قلت: ولا شك أن الوعظ من المخلصين وأهل القلوب، أشد تأثيرا من غيرهم، فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان حده الآذان، وفي الحكم: " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث ما صار التنوير وصل التعبير ". فأهل النور تسري أنوارهم في الجالسين قبل أن يتكلموا، وربما انتفع الناس بصمتهم، كما ينتفعون بكلامهم، وأما أهل الظلمة وهو من في قلبه حب الدنيا فكلامهم قليل الجدوى، تسبق ظلمة قلوبهم إلى قلوب السامعين، فلا ينتفع إلا القليل. ثم ذكر مساوىء اليهود والنصارى، بسبب جبنهم وسوء أدبهم، حين أمروا بالجهاد، وبفكرهم بعد ظهور الحق، تحذيرا مما صنعوا، فقال: { وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني }.

الصف 61:4

يقول الحق جل جلاله: { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم }. ولما قال بعض الصحابة: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبذلنا في أموالنا، فنزلت أية الجهاد، فتباطأ بعضهم، فنزلت: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون }. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر، فقالوا: والله لئن شهدنا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد فنزلت. وقيل: نزلت فيمن يمدح كذبا، حيث كان يقول: قتلت، ولم يقتل، وطعنت، ولم يطعن، وقيل: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر ونكأ فيهم، فقتله صهيب، وانتحل قتله آخر، فنزلت في المنتحل. أي: لأي شيء تقولونه من الخير والمعروف، على أن مدار التوبيخ إنما هو عدم فعلهم، وإنما وجه إلى قولهم تنبيها على تضاعيف معصيتهم، لبيان أن المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط، بل الوعد به أيضا، وقد كانوا يحسبونه معروفا، ولو قيل: لم لا تفعلون ما تقولون، لفهم منه أن المنكر إنما هو ترك المفعول. { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ، هو بيان لغاية قبح ما فعلوا، وفرط سماحته، و " كبر " جارية مجرى نعم، بزيادة معنى التعجب، ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره، وفي " كبر " ضمير مبهم مفسر بالنكرة بعده، و " أن تقولوا " هو المخصوص بالذم، وقيل: قصد فيه التعجب من غير لفظه، وأسند إلى " إن تقولوا " ، ونصب " مقتا " على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، كأنه قيل: ما أكبر مقتا قولهم بلا عمل. ثم بين ما هو مرضي عنده، بعد بيان ما هو ممقوت بقوله: { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله } ، وهو المقصود بالذات من السورة وقوله: { صفا } أي: صافين أنفسهم، أو مصفوفين، مصدر وقع موقع الحال، { كأنهم بنيان مرصوص } لاصق بعضه ببعض، وقيل: أريد: استواء نياتهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض، وهو حال أيضا، أي: مشبهين بالبنيان الملاصق. قال ابن عرفة: التشبيه في الثبات وعدم الفرار كثبوت البناء ولزومه. ه. الإشارة: { سبح لله } ، قال الورتجبي: لما عاينوا آيات الله طلبوا فيها مشاهدة الله، فوجدوا في نفوسهم تأثير مباشرة نور قدرة الله، فقدسوه أنه باين بوجوده من الحدثان. ه. قوله تعالى: { كبر مقتا }... الخ، قال القشيري: خلف الوعد مع كل أحد قبيح، ومع الله أقبح، ويقال: إظهار التجلد من غير شهود مواضع الفقر إلى الحق في كل نفس يؤذن بالبقاء مع ما حصل به الدعوى، والله يحب التبري من الحول والقوة. ويقال: لم يتوعد على زلة بمثل ما توعد على هذا، بقوله: { كبر مقتا عند الله }. ه. ولذا فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير، وآثروا السكوت، كما قال بعضهم: لو كان ينفعني وعظي وعظتكم أنا الغريق فما خوفي من البلل قال أبو زيد الثعالبي: وهذا إن وجد من يكفيه ويقوم عنه في الوعظ، وإلا فلا ينبغي السكوت. قال الباجي في سنن الصالحين، عن الأصمعي: بلغني أن بعض الحكماء كان يقول: إني لأعظكم، وإني لكبير الذنوب، ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه لترك الأمر بالخير، واقتصر على الشر، ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير من النسيان. وقال أبو حازم: إني لأعظ الناس، وما أنا بموضع الوعظ، ولكن أريد به نفسي. ه. قلت: وكان شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني رضي الله عنه يقول حين يذكر: نحن ما ننبح إلا على نفوسنا. ه. ثم قال: وقال الحسن لمطرف: عظ أصحابك، فقال: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال: يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول، ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلم يأمر أحد منكم بمعروف ولم ينه عن منكر. ه. وفي حديث الجامع: " مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهوا عن المنكر وإن لم تتجنبوه " وقال الغزالي: من ترك العمل خوف الآفة والرياء فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه إذ المراد منه ألا يفوته الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص. ه. قلت: ولا شك أن الوعظ من المخلصين وأهل القلوب، أشد تأثيرا من غيرهم، فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان حده الآذان، وفي الحكم: " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث ما صار التنوير وصل التعبير ". فأهل النور تسري أنوارهم في الجالسين قبل أن يتكلموا، وربما انتفع الناس بصمتهم، كما ينتفعون بكلامهم، وأما أهل الظلمة وهو من في قلبه حب الدنيا فكلامهم قليل الجدوى، تسبق ظلمة قلوبهم إلى قلوب السامعين، فلا ينتفع إلا القليل. ثم ذكر مساوىء اليهود والنصارى، بسبب جبنهم وسوء أدبهم، حين أمروا بالجهاد، وبفكرهم بعد ظهور الحق، تحذيرا مما صنعوا، فقال: { وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني }.

الصف 61:5

يقول الحق جل جلاله: واذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين عن الجهاد قول موسى لبنى إسرائيل، حين ندبهم إلى قتل الجبابرة، بقوله: يقوم ادخلوا الأرض المقدسة [المائدة:21] الآية، فلم يمتثلوا أمره، وعصوه أشد عصيان، حيث قالوا: يموسى إن فيها قوما جبارين... [المائدة:22] الآية، إلى أن قالوا: فاذهب أنت وربك... [المائدة:24] الآية. وآذوه عليه السلام كل الإذاية فقال: { يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } ، فالجملة: حال، والحال أنكم تعلمون علما قطعيا، مستمرا، بمشاهدة ما ترون من المعجزات الباهرة، أني رسول الله إليكم، لأرشدكم إلى خير الدنيا والأخرة، ومن قضية علمكم أن تبالغوا في تعظيمي، وتسارعوا إلى طاعتي، { فلما زاغوا } أي: أصروا على الزيغ عن الحق الذي جاءهم به، واستمروا عليه { أزاغ الله قلوبهم } صرفها عن قبول الحق، والميل إلى الصواب، لصرف اختيارهم نحو الغي والإضلال، { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي: لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرين على الغواية، هداية موصلة إلى الطاعة وحسن الأدب، والمراد بهم المذكورون خاصة، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم الهداية، أو جنس الفاسقين، وهم داخلون في حكمهم دخولا أوليا، وأيا ما كان فوصفهم بالفسق نظر إلى ما في قوله تعالى: فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين [المائدة:25]، هذا الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم، ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود. { وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل } ، لم يقل: يا قوم، كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم من جهة الأب حتى يكونوا من قومه: { إني رسول الله إليكم } ، كان رسولا لهم ولمن دخل معهم، كالنصارى، { مصدقا لما بين يدي من التوراة } ، وهو من إحدى الدواعي إلى تصديقهم إياه، { ومبشرا برسول يأتي من بعدي } ، وهو من الدواعي أيضا إلى تصديقه لأن بشارته به عليه السلام واقعة في التوراة، أي: أرسلت إليكم في حال تصديقي للتوراة، وفي حال بشارتي برسول يأتي من بعدي، يعني: أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، من تقدم ومن تأخر، وهذا الرسول { اسمه أحمد } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال القشيري: كل نبي بشر قومه بنبينا صلى الله وعليه وسلم، وأفرد الله عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه أخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهى إلى عيسى عليه السلام. ه. قال الكواشي: و " أحمد " بناء مبالغة، والمعنى: أن الأنبياء كلهم حمادون الله، وهو أكثر حمدا من غيره، وكلهم محمودون لما فيهم جميل الأخلاق، وهو أكثرهم خلالا حميدة. ثم قال: وعن كعب: قال الحواريون: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد، حكماء، علماء، أبرارا، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى باليسير من العمل. ه. وقال السهيلي: في اسمه " أحمد ومحمد " إشارة إلى كونه خاتما لأن الحمد مشروع عند انقضاء الأمور واختتامها وتمامها.ه. { فلما جاءهم } أيك عيسى، أو محمد عليهما السلام { بالبينات } المعجزات الظاهرة، { قالوا هذا سحر مبين } ظاهر سحريته، وقرأ الإخوان " ساحر " وصف للرسول. { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام } أي: أي الناس أشد ظلما ممن يدعى إلى سعادة الدارين، فيضع موضع الإجابة الافتراء على الله عز وجل، بقوله لكلامه الذي دعا عباده إلى الحق: هذا سحر؟ أي: هو أظلم من كل ظالم، { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي: لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم لعدم توجههم إليه. { يريدون ليطفئوا نور الله بإفواههم } أي: دينه أو: كتابه، أو حجته النيرة، واللام مزيدة، أي: يريدون إطفاء نور الله، أو للتعليل والمفعول محذوف، أي: يريدون الكذب ليطفئوا نور الله، وهو تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام، بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، { والله متم نوره } أي: مبلغه إلى غاية ينشره في الآفاق، ويعليه على الأديان { ولو كره الكافرون }. { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } بالقرآن، أو بالمعجزات، أو بالهداية { ودين الحق } الملة الحنيفية { ليظهره على الدين كله } أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة له ولقد أنجز الله عز وعلا وعده، حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن إلا دين الإسلام. ه. { ولو كره المشركون } ذلك، قال الطيبي: قوله تعالى: { ومن أظلم... } الخ، حذر تعالى مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق، بسبب الأذى، وما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات من تكذيبه وقولهم فيه: " هذا سحر مبين " ، ألا ترى كيف جمع الكل في قوله: { ومن أظلم... } الآية، قال: وقضية الدعوة إلى الإسلام توقير من يدعو إليه، وإجابة دعوته. ثم قال: وأما قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } هو تذييل لقوله: { ومن أظلم ممن أفترى... } الآية لأن الظلم هو: وضع الشيء في غير محله، وأي ظلم أعظم من جعل إجابة الداعي إلى الله مفتريا؟! والكفر: التغطية ومحاولة إطفاء النور إخفاء وتغطية، ودين الحق هو التوحيد، والشرك يقابله، ولذلك قال: { ولو كره المشركون }. ه. الإشارة: سوء الأدب مع الأكابر، وإذايتهم، سبب كل طرد وبعد، وسبب كل ذل وهوان، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم، سبب كل تقريب واصطفاء، وسبب كل عز ونصر، ولذلك قال الصوفية: " اجعل عملك ملحا، وأدبك دقيقا ". ألآ ترى بنى إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم: فاذهب أنت وربك فقتلآ... [المائدة:24] الخ كيف أذلهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة، وانظر أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم حيث تأدبوا غاية الأدب، وقالوا يوم بدر: " لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك، ولكن اذهب أنت وربك ونحن معك، والله لو خضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك " كيف أعزهم الله ونصرهم على سائر الأديان، ببركة حسن أدبهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ثم حض على الجهاد المقصود بالذات، فقال: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم }.

الصف 61:6

يقول الحق جل جلاله: واذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين عن الجهاد قول موسى لبنى إسرائيل، حين ندبهم إلى قتل الجبابرة، بقوله: يقوم ادخلوا الأرض المقدسة [المائدة:21] الآية، فلم يمتثلوا أمره، وعصوه أشد عصيان، حيث قالوا: يموسى إن فيها قوما جبارين... [المائدة:22] الآية، إلى أن قالوا: فاذهب أنت وربك... [المائدة:24] الآية. وآذوه عليه السلام كل الإذاية فقال: { يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } ، فالجملة: حال، والحال أنكم تعلمون علما قطعيا، مستمرا، بمشاهدة ما ترون من المعجزات الباهرة، أني رسول الله إليكم، لأرشدكم إلى خير الدنيا والأخرة، ومن قضية علمكم أن تبالغوا في تعظيمي، وتسارعوا إلى طاعتي، { فلما زاغوا } أي: أصروا على الزيغ عن الحق الذي جاءهم به، واستمروا عليه { أزاغ الله قلوبهم } صرفها عن قبول الحق، والميل إلى الصواب، لصرف اختيارهم نحو الغي والإضلال، { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي: لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرين على الغواية، هداية موصلة إلى الطاعة وحسن الأدب، والمراد بهم المذكورون خاصة، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم الهداية، أو جنس الفاسقين، وهم داخلون في حكمهم دخولا أوليا، وأيا ما كان فوصفهم بالفسق نظر إلى ما في قوله تعالى: فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين [المائدة:25]، هذا الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم، ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود. { وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل } ، لم يقل: يا قوم، كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم من جهة الأب حتى يكونوا من قومه: { إني رسول الله إليكم } ، كان رسولا لهم ولمن دخل معهم، كالنصارى، { مصدقا لما بين يدي من التوراة } ، وهو من إحدى الدواعي إلى تصديقهم إياه، { ومبشرا برسول يأتي من بعدي } ، وهو من الدواعي أيضا إلى تصديقه لأن بشارته به عليه السلام واقعة في التوراة، أي: أرسلت إليكم في حال تصديقي للتوراة، وفي حال بشارتي برسول يأتي من بعدي، يعني: أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، من تقدم ومن تأخر، وهذا الرسول { اسمه أحمد } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال القشيري: كل نبي بشر قومه بنبينا صلى الله وعليه وسلم، وأفرد الله عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه أخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهى إلى عيسى عليه السلام. ه. قال الكواشي: و " أحمد " بناء مبالغة، والمعنى: أن الأنبياء كلهم حمادون الله، وهو أكثر حمدا من غيره، وكلهم محمودون لما فيهم جميل الأخلاق، وهو أكثرهم خلالا حميدة. ثم قال: وعن كعب: قال الحواريون: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد، حكماء، علماء، أبرارا، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى باليسير من العمل. ه. وقال السهيلي: في اسمه " أحمد ومحمد " إشارة إلى كونه خاتما لأن الحمد مشروع عند انقضاء الأمور واختتامها وتمامها.ه. { فلما جاءهم } أيك عيسى، أو محمد عليهما السلام { بالبينات } المعجزات الظاهرة، { قالوا هذا سحر مبين } ظاهر سحريته، وقرأ الإخوان " ساحر " وصف للرسول. { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام } أي: أي الناس أشد ظلما ممن يدعى إلى سعادة الدارين، فيضع موضع الإجابة الافتراء على الله عز وجل، بقوله لكلامه الذي دعا عباده إلى الحق: هذا سحر؟ أي: هو أظلم من كل ظالم، { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي: لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم لعدم توجههم إليه. { يريدون ليطفئوا نور الله بإفواههم } أي: دينه أو: كتابه، أو حجته النيرة، واللام مزيدة، أي: يريدون إطفاء نور الله، أو للتعليل والمفعول محذوف، أي: يريدون الكذب ليطفئوا نور الله، وهو تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام، بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، { والله متم نوره } أي: مبلغه إلى غاية ينشره في الآفاق، ويعليه على الأديان { ولو كره الكافرون }. { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } بالقرآن، أو بالمعجزات، أو بالهداية { ودين الحق } الملة الحنيفية { ليظهره على الدين كله } أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة له ولقد أنجز الله عز وعلا وعده، حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن إلا دين الإسلام. ه. { ولو كره المشركون } ذلك، قال الطيبي: قوله تعالى: { ومن أظلم... } الخ، حذر تعالى مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق، بسبب الأذى، وما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات من تكذيبه وقولهم فيه: " هذا سحر مبين " ، ألا ترى كيف جمع الكل في قوله: { ومن أظلم... } الآية، قال: وقضية الدعوة إلى الإسلام توقير من يدعو إليه، وإجابة دعوته. ثم قال: وأما قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } هو تذييل لقوله: { ومن أظلم ممن أفترى... } الآية لأن الظلم هو: وضع الشيء في غير محله، وأي ظلم أعظم من جعل إجابة الداعي إلى الله مفتريا؟! والكفر: التغطية ومحاولة إطفاء النور إخفاء وتغطية، ودين الحق هو التوحيد، والشرك يقابله، ولذلك قال: { ولو كره المشركون }. ه. الإشارة: سوء الأدب مع الأكابر، وإذايتهم، سبب كل طرد وبعد، وسبب كل ذل وهوان، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم، سبب كل تقريب واصطفاء، وسبب كل عز ونصر، ولذلك قال الصوفية: " اجعل عملك ملحا، وأدبك دقيقا ". ألآ ترى بنى إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم: فاذهب أنت وربك فقتلآ... [المائدة:24] الخ كيف أذلهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة، وانظر أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم حيث تأدبوا غاية الأدب، وقالوا يوم بدر: " لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك، ولكن اذهب أنت وربك ونحن معك، والله لو خضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك " كيف أعزهم الله ونصرهم على سائر الأديان، ببركة حسن أدبهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ثم حض على الجهاد المقصود بالذات، فقال: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم }.

الصف 61:7

يقول الحق جل جلاله: واذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين عن الجهاد قول موسى لبنى إسرائيل، حين ندبهم إلى قتل الجبابرة، بقوله: يقوم ادخلوا الأرض المقدسة [المائدة:21] الآية، فلم يمتثلوا أمره، وعصوه أشد عصيان، حيث قالوا: يموسى إن فيها قوما جبارين... [المائدة:22] الآية، إلى أن قالوا: فاذهب أنت وربك... [المائدة:24] الآية. وآذوه عليه السلام كل الإذاية فقال: { يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } ، فالجملة: حال، والحال أنكم تعلمون علما قطعيا، مستمرا، بمشاهدة ما ترون من المعجزات الباهرة، أني رسول الله إليكم، لأرشدكم إلى خير الدنيا والأخرة، ومن قضية علمكم أن تبالغوا في تعظيمي، وتسارعوا إلى طاعتي، { فلما زاغوا } أي: أصروا على الزيغ عن الحق الذي جاءهم به، واستمروا عليه { أزاغ الله قلوبهم } صرفها عن قبول الحق، والميل إلى الصواب، لصرف اختيارهم نحو الغي والإضلال، { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي: لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرين على الغواية، هداية موصلة إلى الطاعة وحسن الأدب، والمراد بهم المذكورون خاصة، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم الهداية، أو جنس الفاسقين، وهم داخلون في حكمهم دخولا أوليا، وأيا ما كان فوصفهم بالفسق نظر إلى ما في قوله تعالى: فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين [المائدة:25]، هذا الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم، ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود. { وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل } ، لم يقل: يا قوم، كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم من جهة الأب حتى يكونوا من قومه: { إني رسول الله إليكم } ، كان رسولا لهم ولمن دخل معهم، كالنصارى، { مصدقا لما بين يدي من التوراة } ، وهو من إحدى الدواعي إلى تصديقهم إياه، { ومبشرا برسول يأتي من بعدي } ، وهو من الدواعي أيضا إلى تصديقه لأن بشارته به عليه السلام واقعة في التوراة، أي: أرسلت إليكم في حال تصديقي للتوراة، وفي حال بشارتي برسول يأتي من بعدي، يعني: أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، من تقدم ومن تأخر، وهذا الرسول { اسمه أحمد } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال القشيري: كل نبي بشر قومه بنبينا صلى الله وعليه وسلم، وأفرد الله عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه أخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهى إلى عيسى عليه السلام. ه. قال الكواشي: و " أحمد " بناء مبالغة، والمعنى: أن الأنبياء كلهم حمادون الله، وهو أكثر حمدا من غيره، وكلهم محمودون لما فيهم جميل الأخلاق، وهو أكثرهم خلالا حميدة. ثم قال: وعن كعب: قال الحواريون: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد، حكماء، علماء، أبرارا، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى باليسير من العمل. ه. وقال السهيلي: في اسمه " أحمد ومحمد " إشارة إلى كونه خاتما لأن الحمد مشروع عند انقضاء الأمور واختتامها وتمامها.ه. { فلما جاءهم } أيك عيسى، أو محمد عليهما السلام { بالبينات } المعجزات الظاهرة، { قالوا هذا سحر مبين } ظاهر سحريته، وقرأ الإخوان " ساحر " وصف للرسول. { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام } أي: أي الناس أشد ظلما ممن يدعى إلى سعادة الدارين، فيضع موضع الإجابة الافتراء على الله عز وجل، بقوله لكلامه الذي دعا عباده إلى الحق: هذا سحر؟ أي: هو أظلم من كل ظالم، { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي: لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم لعدم توجههم إليه. { يريدون ليطفئوا نور الله بإفواههم } أي: دينه أو: كتابه، أو حجته النيرة، واللام مزيدة، أي: يريدون إطفاء نور الله، أو للتعليل والمفعول محذوف، أي: يريدون الكذب ليطفئوا نور الله، وهو تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام، بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، { والله متم نوره } أي: مبلغه إلى غاية ينشره في الآفاق، ويعليه على الأديان { ولو كره الكافرون }. { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } بالقرآن، أو بالمعجزات، أو بالهداية { ودين الحق } الملة الحنيفية { ليظهره على الدين كله } أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة له ولقد أنجز الله عز وعلا وعده، حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن إلا دين الإسلام. ه. { ولو كره المشركون } ذلك، قال الطيبي: قوله تعالى: { ومن أظلم... } الخ، حذر تعالى مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق، بسبب الأذى، وما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات من تكذيبه وقولهم فيه: " هذا سحر مبين " ، ألا ترى كيف جمع الكل في قوله: { ومن أظلم... } الآية، قال: وقضية الدعوة إلى الإسلام توقير من يدعو إليه، وإجابة دعوته. ثم قال: وأما قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } هو تذييل لقوله: { ومن أظلم ممن أفترى... } الآية لأن الظلم هو: وضع الشيء في غير محله، وأي ظلم أعظم من جعل إجابة الداعي إلى الله مفتريا؟! والكفر: التغطية ومحاولة إطفاء النور إخفاء وتغطية، ودين الحق هو التوحيد، والشرك يقابله، ولذلك قال: { ولو كره المشركون }. ه. الإشارة: سوء الأدب مع الأكابر، وإذايتهم، سبب كل طرد وبعد، وسبب كل ذل وهوان، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم، سبب كل تقريب واصطفاء، وسبب كل عز ونصر، ولذلك قال الصوفية: " اجعل عملك ملحا، وأدبك دقيقا ". ألآ ترى بنى إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم: فاذهب أنت وربك فقتلآ... [المائدة:24] الخ كيف أذلهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة، وانظر أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم حيث تأدبوا غاية الأدب، وقالوا يوم بدر: " لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك، ولكن اذهب أنت وربك ونحن معك، والله لو خضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك " كيف أعزهم الله ونصرهم على سائر الأديان، ببركة حسن أدبهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ثم حض على الجهاد المقصود بالذات، فقال: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم }.

الصف 61:8

يقول الحق جل جلاله: واذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين عن الجهاد قول موسى لبنى إسرائيل، حين ندبهم إلى قتل الجبابرة، بقوله: يقوم ادخلوا الأرض المقدسة [المائدة:21] الآية، فلم يمتثلوا أمره، وعصوه أشد عصيان، حيث قالوا: يموسى إن فيها قوما جبارين... [المائدة:22] الآية، إلى أن قالوا: فاذهب أنت وربك... [المائدة:24] الآية. وآذوه عليه السلام كل الإذاية فقال: { يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } ، فالجملة: حال، والحال أنكم تعلمون علما قطعيا، مستمرا، بمشاهدة ما ترون من المعجزات الباهرة، أني رسول الله إليكم، لأرشدكم إلى خير الدنيا والأخرة، ومن قضية علمكم أن تبالغوا في تعظيمي، وتسارعوا إلى طاعتي، { فلما زاغوا } أي: أصروا على الزيغ عن الحق الذي جاءهم به، واستمروا عليه { أزاغ الله قلوبهم } صرفها عن قبول الحق، والميل إلى الصواب، لصرف اختيارهم نحو الغي والإضلال، { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي: لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرين على الغواية، هداية موصلة إلى الطاعة وحسن الأدب، والمراد بهم المذكورون خاصة، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم الهداية، أو جنس الفاسقين، وهم داخلون في حكمهم دخولا أوليا، وأيا ما كان فوصفهم بالفسق نظر إلى ما في قوله تعالى: فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين [المائدة:25]، هذا الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم، ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود. { وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل } ، لم يقل: يا قوم، كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم من جهة الأب حتى يكونوا من قومه: { إني رسول الله إليكم } ، كان رسولا لهم ولمن دخل معهم، كالنصارى، { مصدقا لما بين يدي من التوراة } ، وهو من إحدى الدواعي إلى تصديقهم إياه، { ومبشرا برسول يأتي من بعدي } ، وهو من الدواعي أيضا إلى تصديقه لأن بشارته به عليه السلام واقعة في التوراة، أي: أرسلت إليكم في حال تصديقي للتوراة، وفي حال بشارتي برسول يأتي من بعدي، يعني: أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، من تقدم ومن تأخر، وهذا الرسول { اسمه أحمد } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال القشيري: كل نبي بشر قومه بنبينا صلى الله وعليه وسلم، وأفرد الله عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه أخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهى إلى عيسى عليه السلام. ه. قال الكواشي: و " أحمد " بناء مبالغة، والمعنى: أن الأنبياء كلهم حمادون الله، وهو أكثر حمدا من غيره، وكلهم محمودون لما فيهم جميل الأخلاق، وهو أكثرهم خلالا حميدة. ثم قال: وعن كعب: قال الحواريون: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد، حكماء، علماء، أبرارا، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى باليسير من العمل. ه. وقال السهيلي: في اسمه " أحمد ومحمد " إشارة إلى كونه خاتما لأن الحمد مشروع عند انقضاء الأمور واختتامها وتمامها.ه. { فلما جاءهم } أيك عيسى، أو محمد عليهما السلام { بالبينات } المعجزات الظاهرة، { قالوا هذا سحر مبين } ظاهر سحريته، وقرأ الإخوان " ساحر " وصف للرسول. { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام } أي: أي الناس أشد ظلما ممن يدعى إلى سعادة الدارين، فيضع موضع الإجابة الافتراء على الله عز وجل، بقوله لكلامه الذي دعا عباده إلى الحق: هذا سحر؟ أي: هو أظلم من كل ظالم، { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي: لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم لعدم توجههم إليه. { يريدون ليطفئوا نور الله بإفواههم } أي: دينه أو: كتابه، أو حجته النيرة، واللام مزيدة، أي: يريدون إطفاء نور الله، أو للتعليل والمفعول محذوف، أي: يريدون الكذب ليطفئوا نور الله، وهو تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام، بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، { والله متم نوره } أي: مبلغه إلى غاية ينشره في الآفاق، ويعليه على الأديان { ولو كره الكافرون }. { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } بالقرآن، أو بالمعجزات، أو بالهداية { ودين الحق } الملة الحنيفية { ليظهره على الدين كله } أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة له ولقد أنجز الله عز وعلا وعده، حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن إلا دين الإسلام. ه. { ولو كره المشركون } ذلك، قال الطيبي: قوله تعالى: { ومن أظلم... } الخ، حذر تعالى مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق، بسبب الأذى، وما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات من تكذيبه وقولهم فيه: " هذا سحر مبين " ، ألا ترى كيف جمع الكل في قوله: { ومن أظلم... } الآية، قال: وقضية الدعوة إلى الإسلام توقير من يدعو إليه، وإجابة دعوته. ثم قال: وأما قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } هو تذييل لقوله: { ومن أظلم ممن أفترى... } الآية لأن الظلم هو: وضع الشيء في غير محله، وأي ظلم أعظم من جعل إجابة الداعي إلى الله مفتريا؟! والكفر: التغطية ومحاولة إطفاء النور إخفاء وتغطية، ودين الحق هو التوحيد، والشرك يقابله، ولذلك قال: { ولو كره المشركون }. ه. الإشارة: سوء الأدب مع الأكابر، وإذايتهم، سبب كل طرد وبعد، وسبب كل ذل وهوان، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم، سبب كل تقريب واصطفاء، وسبب كل عز ونصر، ولذلك قال الصوفية: " اجعل عملك ملحا، وأدبك دقيقا ". ألآ ترى بنى إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم: فاذهب أنت وربك فقتلآ... [المائدة:24] الخ كيف أذلهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة، وانظر أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم حيث تأدبوا غاية الأدب، وقالوا يوم بدر: " لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك، ولكن اذهب أنت وربك ونحن معك، والله لو خضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك " كيف أعزهم الله ونصرهم على سائر الأديان، ببركة حسن أدبهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ثم حض على الجهاد المقصود بالذات، فقال: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم }.

الصف 61:9

يقول الحق جل جلاله: واذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين عن الجهاد قول موسى لبنى إسرائيل، حين ندبهم إلى قتل الجبابرة، بقوله: يقوم ادخلوا الأرض المقدسة [المائدة:21] الآية، فلم يمتثلوا أمره، وعصوه أشد عصيان، حيث قالوا: يموسى إن فيها قوما جبارين... [المائدة:22] الآية، إلى أن قالوا: فاذهب أنت وربك... [المائدة:24] الآية. وآذوه عليه السلام كل الإذاية فقال: { يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } ، فالجملة: حال، والحال أنكم تعلمون علما قطعيا، مستمرا، بمشاهدة ما ترون من المعجزات الباهرة، أني رسول الله إليكم، لأرشدكم إلى خير الدنيا والأخرة، ومن قضية علمكم أن تبالغوا في تعظيمي، وتسارعوا إلى طاعتي، { فلما زاغوا } أي: أصروا على الزيغ عن الحق الذي جاءهم به، واستمروا عليه { أزاغ الله قلوبهم } صرفها عن قبول الحق، والميل إلى الصواب، لصرف اختيارهم نحو الغي والإضلال، { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي: لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرين على الغواية، هداية موصلة إلى الطاعة وحسن الأدب، والمراد بهم المذكورون خاصة، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم الهداية، أو جنس الفاسقين، وهم داخلون في حكمهم دخولا أوليا، وأيا ما كان فوصفهم بالفسق نظر إلى ما في قوله تعالى: فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين [المائدة:25]، هذا الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم، ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود. { وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل } ، لم يقل: يا قوم، كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم من جهة الأب حتى يكونوا من قومه: { إني رسول الله إليكم } ، كان رسولا لهم ولمن دخل معهم، كالنصارى، { مصدقا لما بين يدي من التوراة } ، وهو من إحدى الدواعي إلى تصديقهم إياه، { ومبشرا برسول يأتي من بعدي } ، وهو من الدواعي أيضا إلى تصديقه لأن بشارته به عليه السلام واقعة في التوراة، أي: أرسلت إليكم في حال تصديقي للتوراة، وفي حال بشارتي برسول يأتي من بعدي، يعني: أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، من تقدم ومن تأخر، وهذا الرسول { اسمه أحمد } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال القشيري: كل نبي بشر قومه بنبينا صلى الله وعليه وسلم، وأفرد الله عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه أخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهى إلى عيسى عليه السلام. ه. قال الكواشي: و " أحمد " بناء مبالغة، والمعنى: أن الأنبياء كلهم حمادون الله، وهو أكثر حمدا من غيره، وكلهم محمودون لما فيهم جميل الأخلاق، وهو أكثرهم خلالا حميدة. ثم قال: وعن كعب: قال الحواريون: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد، حكماء، علماء، أبرارا، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى باليسير من العمل. ه. وقال السهيلي: في اسمه " أحمد ومحمد " إشارة إلى كونه خاتما لأن الحمد مشروع عند انقضاء الأمور واختتامها وتمامها.ه. { فلما جاءهم } أيك عيسى، أو محمد عليهما السلام { بالبينات } المعجزات الظاهرة، { قالوا هذا سحر مبين } ظاهر سحريته، وقرأ الإخوان " ساحر " وصف للرسول. { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام } أي: أي الناس أشد ظلما ممن يدعى إلى سعادة الدارين، فيضع موضع الإجابة الافتراء على الله عز وجل، بقوله لكلامه الذي دعا عباده إلى الحق: هذا سحر؟ أي: هو أظلم من كل ظالم، { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي: لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم لعدم توجههم إليه. { يريدون ليطفئوا نور الله بإفواههم } أي: دينه أو: كتابه، أو حجته النيرة، واللام مزيدة، أي: يريدون إطفاء نور الله، أو للتعليل والمفعول محذوف، أي: يريدون الكذب ليطفئوا نور الله، وهو تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام، بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، { والله متم نوره } أي: مبلغه إلى غاية ينشره في الآفاق، ويعليه على الأديان { ولو كره الكافرون }. { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } بالقرآن، أو بالمعجزات، أو بالهداية { ودين الحق } الملة الحنيفية { ليظهره على الدين كله } أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة له ولقد أنجز الله عز وعلا وعده، حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن إلا دين الإسلام. ه. { ولو كره المشركون } ذلك، قال الطيبي: قوله تعالى: { ومن أظلم... } الخ، حذر تعالى مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق، بسبب الأذى، وما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات من تكذيبه وقولهم فيه: " هذا سحر مبين " ، ألا ترى كيف جمع الكل في قوله: { ومن أظلم... } الآية، قال: وقضية الدعوة إلى الإسلام توقير من يدعو إليه، وإجابة دعوته. ثم قال: وأما قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } هو تذييل لقوله: { ومن أظلم ممن أفترى... } الآية لأن الظلم هو: وضع الشيء في غير محله، وأي ظلم أعظم من جعل إجابة الداعي إلى الله مفتريا؟! والكفر: التغطية ومحاولة إطفاء النور إخفاء وتغطية، ودين الحق هو التوحيد، والشرك يقابله، ولذلك قال: { ولو كره المشركون }. ه. الإشارة: سوء الأدب مع الأكابر، وإذايتهم، سبب كل طرد وبعد، وسبب كل ذل وهوان، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم، سبب كل تقريب واصطفاء، وسبب كل عز ونصر، ولذلك قال الصوفية: " اجعل عملك ملحا، وأدبك دقيقا ". ألآ ترى بنى إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم: فاذهب أنت وربك فقتلآ... [المائدة:24] الخ كيف أذلهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة، وانظر أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم حيث تأدبوا غاية الأدب، وقالوا يوم بدر: " لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك، ولكن اذهب أنت وربك ونحن معك، والله لو خضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك " كيف أعزهم الله ونصرهم على سائر الأديان، ببركة حسن أدبهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ثم حض على الجهاد المقصود بالذات، فقال: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم }.

الصف 61:10

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } ، وكأنهم قالوا: وما هذه التجارة، أو: ماذا نصنع؟ فقال: { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: وجاهدوا، وجيء به بصيغة الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقرىء " تؤمنوا " و " تجاهدوا " على إضمار لام الأمر. { ذالكم خير لكم } ، الإشارة إلى الإيمان والجهاد بقسميه، أي: هو خير لكم من أموالكم وأنفسكم { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم، وقد قلتم: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لسارعنا، فهذا هو أحب الأعمال إلى الله، أو: إن كنتم من أهل العلم فإن الجهلة لا يعتد بأفعالهم. { يغفر لكم ذنوبكم }: جواب للأمر المدلول بلفظ الخبر، على قول، أو شرط مقدر، أي: إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة } ولا تطيب إلا بشهود الحبيب { في جنات عدن } أي: إقامة لا انتقال عنها. وجنة عدن هي مدينة الجنة ووسطها، يسكنها الصالحون الأبرار من العلماء والشهداء، وفوقها الفردوس، هي مسكن الأنبياء والصديقين من المقربين، هذا هو المشهور، كما في الصحيح، { ذلك الفوز العظيم } أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة هو الفوز الذي لا فوز وراءه. { وأخرى } أي: ولكم إلى هذه النعمة العظيمة نعمة أخرى عاجلة { تحبونها } وترغبون فيها، وفيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل. ثم فسرها بقوله: { نصر من الله وفتح قريب } أي: عاجل، وهو فتح مكة، والنصر على قريش، أو فتح فارس والروم، أو: هل أدلكم على تجارة تنجيكم، وعلى تجارة تحبونها، وهي نصر وفتح قريب، { وبشر المؤمنين }: عطف على " تؤمنوا " لأنه في معنى الأمر كأنه قيل لهم: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم وبشر أيها الرسول بذلك المؤمنين. { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } أي: أنصار دينه { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله }؟ أي: من يكون من جندي ومختصا بي، متوجها إلى الله. ظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى: { من أنصاري إلى الله } ولكنه محمول على المعنى، أي: كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى، حينما قال لهم: من أنصاري إلى الله؟ { قال الحواريون نحن أنصار الله } أي: نحن الذين ينصرون دينه، والحواريون: أصفياؤه، وهم أول من آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل: كانوا اثني عشر رجلا. وحواري الرجل: صفوته وخاصته من الحور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون النفوس بإقامتهم الدين والعلم، ولما كفرت اليهود بعيسى عليه السلام، وهموا بقتله، فر مع الحواريين إلى النصارى بقرية يقال لها: نصرى، فنصوره، فقاتل اليهود بهم مع الحواريين، وهذا معنى قوله تعالى: { فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة } به، فقاتلوهم { فإيدنا الذين آمنوا } بعيسى عليه السلام { على عدوهم } أي: قويناهم { فأصبحوا ظاهرين } غالبين عليهم. الإشارة: هل أدلكم على تجارة، وهي سلوك طريق التربية، على أيدي الرجال، تنجيكم من عذاب أليم، وهو غم الحجاب على الدوام تؤمنون بالله ورسوله أولا، وتجاهدون هواكم وسائر العلائق بأموالكم وأنفسكم ثانيا فالأموال تدفعونها لمن يدلكم على ربكم، والأنفس تقدمونها لمن يربيكم، يتحكم فيها بما يشاء { في سبيل الله } في الطريق الموصلة إلى حضرته، { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي: إن كان لكم علم وعقل، فهذا خير لكم، يغفر لكم ذنوبكم، أي: يغطي مساوئكم، فيغطي وصفكم بصوفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، ويدخلكم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، ومساكن طيبة هي السكنى والأطمئنان في مقامات اليقين، مع شهود رب العالمين، أو روح الرضا وريحان التسليم، أو الإقامة في حضرة القدس، مع التنزه في المقامات، في جنات عدن، وهي الرسوخ والإقامة في جنات المعارف ذلك الفوز العظيم. { وأخرى تحبونها } عاجلة، { نصر من الله }: عز دائم، { وفتح قريب } هو دخول بلاد المعاني. وقال القشيري: الفتح القريب: الرؤية والزلفة، ويقال: الشهود، ويقال: الوجود أبد الأبد. ه. { وبشر } بأنهم ظافرون بهذا، إن فعلوا ما أمروا به. وقال الورتجبي: نصر الله: تأييده الأزلي، الذي سبق للعارفين والموحدين، والفتح القريب: كشف نقابه وفتح أبواب وصاله، بنصره ظهروا على نفوسهم، فقهروها وبفتحه أبواب الغيب شاهدوا كل مغيب مستور من أحكام الربوبية وأنوار الألوهية. ه. وباقي الآية يرغب في القيام في نصر الدين، وإرشاد العباد إلى الله، حتى تظهر أنوار الدين، وتخمد ظلمة المعاصي والبدع من أقطار البلاد، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

الصف 61:11

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } ، وكأنهم قالوا: وما هذه التجارة، أو: ماذا نصنع؟ فقال: { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: وجاهدوا، وجيء به بصيغة الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقرىء " تؤمنوا " و " تجاهدوا " على إضمار لام الأمر. { ذالكم خير لكم } ، الإشارة إلى الإيمان والجهاد بقسميه، أي: هو خير لكم من أموالكم وأنفسكم { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم، وقد قلتم: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لسارعنا، فهذا هو أحب الأعمال إلى الله، أو: إن كنتم من أهل العلم فإن الجهلة لا يعتد بأفعالهم. { يغفر لكم ذنوبكم }: جواب للأمر المدلول بلفظ الخبر، على قول، أو شرط مقدر، أي: إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة } ولا تطيب إلا بشهود الحبيب { في جنات عدن } أي: إقامة لا انتقال عنها. وجنة عدن هي مدينة الجنة ووسطها، يسكنها الصالحون الأبرار من العلماء والشهداء، وفوقها الفردوس، هي مسكن الأنبياء والصديقين من المقربين، هذا هو المشهور، كما في الصحيح، { ذلك الفوز العظيم } أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة هو الفوز الذي لا فوز وراءه. { وأخرى } أي: ولكم إلى هذه النعمة العظيمة نعمة أخرى عاجلة { تحبونها } وترغبون فيها، وفيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل. ثم فسرها بقوله: { نصر من الله وفتح قريب } أي: عاجل، وهو فتح مكة، والنصر على قريش، أو فتح فارس والروم، أو: هل أدلكم على تجارة تنجيكم، وعلى تجارة تحبونها، وهي نصر وفتح قريب، { وبشر المؤمنين }: عطف على " تؤمنوا " لأنه في معنى الأمر كأنه قيل لهم: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم وبشر أيها الرسول بذلك المؤمنين. { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } أي: أنصار دينه { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله }؟ أي: من يكون من جندي ومختصا بي، متوجها إلى الله. ظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى: { من أنصاري إلى الله } ولكنه محمول على المعنى، أي: كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى، حينما قال لهم: من أنصاري إلى الله؟ { قال الحواريون نحن أنصار الله } أي: نحن الذين ينصرون دينه، والحواريون: أصفياؤه، وهم أول من آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل: كانوا اثني عشر رجلا. وحواري الرجل: صفوته وخاصته من الحور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون النفوس بإقامتهم الدين والعلم، ولما كفرت اليهود بعيسى عليه السلام، وهموا بقتله، فر مع الحواريين إلى النصارى بقرية يقال لها: نصرى، فنصوره، فقاتل اليهود بهم مع الحواريين، وهذا معنى قوله تعالى: { فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة } به، فقاتلوهم { فإيدنا الذين آمنوا } بعيسى عليه السلام { على عدوهم } أي: قويناهم { فأصبحوا ظاهرين } غالبين عليهم. الإشارة: هل أدلكم على تجارة، وهي سلوك طريق التربية، على أيدي الرجال، تنجيكم من عذاب أليم، وهو غم الحجاب على الدوام تؤمنون بالله ورسوله أولا، وتجاهدون هواكم وسائر العلائق بأموالكم وأنفسكم ثانيا فالأموال تدفعونها لمن يدلكم على ربكم، والأنفس تقدمونها لمن يربيكم، يتحكم فيها بما يشاء { في سبيل الله } في الطريق الموصلة إلى حضرته، { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي: إن كان لكم علم وعقل، فهذا خير لكم، يغفر لكم ذنوبكم، أي: يغطي مساوئكم، فيغطي وصفكم بصوفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، ويدخلكم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، ومساكن طيبة هي السكنى والأطمئنان في مقامات اليقين، مع شهود رب العالمين، أو روح الرضا وريحان التسليم، أو الإقامة في حضرة القدس، مع التنزه في المقامات، في جنات عدن، وهي الرسوخ والإقامة في جنات المعارف ذلك الفوز العظيم. { وأخرى تحبونها } عاجلة، { نصر من الله }: عز دائم، { وفتح قريب } هو دخول بلاد المعاني. وقال القشيري: الفتح القريب: الرؤية والزلفة، ويقال: الشهود، ويقال: الوجود أبد الأبد. ه. { وبشر } بأنهم ظافرون بهذا، إن فعلوا ما أمروا به. وقال الورتجبي: نصر الله: تأييده الأزلي، الذي سبق للعارفين والموحدين، والفتح القريب: كشف نقابه وفتح أبواب وصاله، بنصره ظهروا على نفوسهم، فقهروها وبفتحه أبواب الغيب شاهدوا كل مغيب مستور من أحكام الربوبية وأنوار الألوهية. ه. وباقي الآية يرغب في القيام في نصر الدين، وإرشاد العباد إلى الله، حتى تظهر أنوار الدين، وتخمد ظلمة المعاصي والبدع من أقطار البلاد، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

الصف 61:12

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } ، وكأنهم قالوا: وما هذه التجارة، أو: ماذا نصنع؟ فقال: { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: وجاهدوا، وجيء به بصيغة الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقرىء " تؤمنوا " و " تجاهدوا " على إضمار لام الأمر. { ذالكم خير لكم } ، الإشارة إلى الإيمان والجهاد بقسميه، أي: هو خير لكم من أموالكم وأنفسكم { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم، وقد قلتم: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لسارعنا، فهذا هو أحب الأعمال إلى الله، أو: إن كنتم من أهل العلم فإن الجهلة لا يعتد بأفعالهم. { يغفر لكم ذنوبكم }: جواب للأمر المدلول بلفظ الخبر، على قول، أو شرط مقدر، أي: إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة } ولا تطيب إلا بشهود الحبيب { في جنات عدن } أي: إقامة لا انتقال عنها. وجنة عدن هي مدينة الجنة ووسطها، يسكنها الصالحون الأبرار من العلماء والشهداء، وفوقها الفردوس، هي مسكن الأنبياء والصديقين من المقربين، هذا هو المشهور، كما في الصحيح، { ذلك الفوز العظيم } أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة هو الفوز الذي لا فوز وراءه. { وأخرى } أي: ولكم إلى هذه النعمة العظيمة نعمة أخرى عاجلة { تحبونها } وترغبون فيها، وفيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل. ثم فسرها بقوله: { نصر من الله وفتح قريب } أي: عاجل، وهو فتح مكة، والنصر على قريش، أو فتح فارس والروم، أو: هل أدلكم على تجارة تنجيكم، وعلى تجارة تحبونها، وهي نصر وفتح قريب، { وبشر المؤمنين }: عطف على " تؤمنوا " لأنه في معنى الأمر كأنه قيل لهم: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم وبشر أيها الرسول بذلك المؤمنين. { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } أي: أنصار دينه { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله }؟ أي: من يكون من جندي ومختصا بي، متوجها إلى الله. ظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى: { من أنصاري إلى الله } ولكنه محمول على المعنى، أي: كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى، حينما قال لهم: من أنصاري إلى الله؟ { قال الحواريون نحن أنصار الله } أي: نحن الذين ينصرون دينه، والحواريون: أصفياؤه، وهم أول من آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل: كانوا اثني عشر رجلا. وحواري الرجل: صفوته وخاصته من الحور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون النفوس بإقامتهم الدين والعلم، ولما كفرت اليهود بعيسى عليه السلام، وهموا بقتله، فر مع الحواريين إلى النصارى بقرية يقال لها: نصرى، فنصوره، فقاتل اليهود بهم مع الحواريين، وهذا معنى قوله تعالى: { فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة } به، فقاتلوهم { فإيدنا الذين آمنوا } بعيسى عليه السلام { على عدوهم } أي: قويناهم { فأصبحوا ظاهرين } غالبين عليهم. الإشارة: هل أدلكم على تجارة، وهي سلوك طريق التربية، على أيدي الرجال، تنجيكم من عذاب أليم، وهو غم الحجاب على الدوام تؤمنون بالله ورسوله أولا، وتجاهدون هواكم وسائر العلائق بأموالكم وأنفسكم ثانيا فالأموال تدفعونها لمن يدلكم على ربكم، والأنفس تقدمونها لمن يربيكم، يتحكم فيها بما يشاء { في سبيل الله } في الطريق الموصلة إلى حضرته، { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي: إن كان لكم علم وعقل، فهذا خير لكم، يغفر لكم ذنوبكم، أي: يغطي مساوئكم، فيغطي وصفكم بصوفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، ويدخلكم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، ومساكن طيبة هي السكنى والأطمئنان في مقامات اليقين، مع شهود رب العالمين، أو روح الرضا وريحان التسليم، أو الإقامة في حضرة القدس، مع التنزه في المقامات، في جنات عدن، وهي الرسوخ والإقامة في جنات المعارف ذلك الفوز العظيم. { وأخرى تحبونها } عاجلة، { نصر من الله }: عز دائم، { وفتح قريب } هو دخول بلاد المعاني. وقال القشيري: الفتح القريب: الرؤية والزلفة، ويقال: الشهود، ويقال: الوجود أبد الأبد. ه. { وبشر } بأنهم ظافرون بهذا، إن فعلوا ما أمروا به. وقال الورتجبي: نصر الله: تأييده الأزلي، الذي سبق للعارفين والموحدين، والفتح القريب: كشف نقابه وفتح أبواب وصاله، بنصره ظهروا على نفوسهم، فقهروها وبفتحه أبواب الغيب شاهدوا كل مغيب مستور من أحكام الربوبية وأنوار الألوهية. ه. وباقي الآية يرغب في القيام في نصر الدين، وإرشاد العباد إلى الله، حتى تظهر أنوار الدين، وتخمد ظلمة المعاصي والبدع من أقطار البلاد، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

الصف 61:13

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } ، وكأنهم قالوا: وما هذه التجارة، أو: ماذا نصنع؟ فقال: { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: وجاهدوا، وجيء به بصيغة الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقرىء " تؤمنوا " و " تجاهدوا " على إضمار لام الأمر. { ذالكم خير لكم } ، الإشارة إلى الإيمان والجهاد بقسميه، أي: هو خير لكم من أموالكم وأنفسكم { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم، وقد قلتم: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لسارعنا، فهذا هو أحب الأعمال إلى الله، أو: إن كنتم من أهل العلم فإن الجهلة لا يعتد بأفعالهم. { يغفر لكم ذنوبكم }: جواب للأمر المدلول بلفظ الخبر، على قول، أو شرط مقدر، أي: إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة } ولا تطيب إلا بشهود الحبيب { في جنات عدن } أي: إقامة لا انتقال عنها. وجنة عدن هي مدينة الجنة ووسطها، يسكنها الصالحون الأبرار من العلماء والشهداء، وفوقها الفردوس، هي مسكن الأنبياء والصديقين من المقربين، هذا هو المشهور، كما في الصحيح، { ذلك الفوز العظيم } أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة هو الفوز الذي لا فوز وراءه. { وأخرى } أي: ولكم إلى هذه النعمة العظيمة نعمة أخرى عاجلة { تحبونها } وترغبون فيها، وفيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل. ثم فسرها بقوله: { نصر من الله وفتح قريب } أي: عاجل، وهو فتح مكة، والنصر على قريش، أو فتح فارس والروم، أو: هل أدلكم على تجارة تنجيكم، وعلى تجارة تحبونها، وهي نصر وفتح قريب، { وبشر المؤمنين }: عطف على " تؤمنوا " لأنه في معنى الأمر كأنه قيل لهم: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم وبشر أيها الرسول بذلك المؤمنين. { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } أي: أنصار دينه { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله }؟ أي: من يكون من جندي ومختصا بي، متوجها إلى الله. ظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى: { من أنصاري إلى الله } ولكنه محمول على المعنى، أي: كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى، حينما قال لهم: من أنصاري إلى الله؟ { قال الحواريون نحن أنصار الله } أي: نحن الذين ينصرون دينه، والحواريون: أصفياؤه، وهم أول من آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل: كانوا اثني عشر رجلا. وحواري الرجل: صفوته وخاصته من الحور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون النفوس بإقامتهم الدين والعلم، ولما كفرت اليهود بعيسى عليه السلام، وهموا بقتله، فر مع الحواريين إلى النصارى بقرية يقال لها: نصرى، فنصوره، فقاتل اليهود بهم مع الحواريين، وهذا معنى قوله تعالى: { فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة } به، فقاتلوهم { فإيدنا الذين آمنوا } بعيسى عليه السلام { على عدوهم } أي: قويناهم { فأصبحوا ظاهرين } غالبين عليهم. الإشارة: هل أدلكم على تجارة، وهي سلوك طريق التربية، على أيدي الرجال، تنجيكم من عذاب أليم، وهو غم الحجاب على الدوام تؤمنون بالله ورسوله أولا، وتجاهدون هواكم وسائر العلائق بأموالكم وأنفسكم ثانيا فالأموال تدفعونها لمن يدلكم على ربكم، والأنفس تقدمونها لمن يربيكم، يتحكم فيها بما يشاء { في سبيل الله } في الطريق الموصلة إلى حضرته، { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي: إن كان لكم علم وعقل، فهذا خير لكم، يغفر لكم ذنوبكم، أي: يغطي مساوئكم، فيغطي وصفكم بصوفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، ويدخلكم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، ومساكن طيبة هي السكنى والأطمئنان في مقامات اليقين، مع شهود رب العالمين، أو روح الرضا وريحان التسليم، أو الإقامة في حضرة القدس، مع التنزه في المقامات، في جنات عدن، وهي الرسوخ والإقامة في جنات المعارف ذلك الفوز العظيم. { وأخرى تحبونها } عاجلة، { نصر من الله }: عز دائم، { وفتح قريب } هو دخول بلاد المعاني. وقال القشيري: الفتح القريب: الرؤية والزلفة، ويقال: الشهود، ويقال: الوجود أبد الأبد. ه. { وبشر } بأنهم ظافرون بهذا، إن فعلوا ما أمروا به. وقال الورتجبي: نصر الله: تأييده الأزلي، الذي سبق للعارفين والموحدين، والفتح القريب: كشف نقابه وفتح أبواب وصاله، بنصره ظهروا على نفوسهم، فقهروها وبفتحه أبواب الغيب شاهدوا كل مغيب مستور من أحكام الربوبية وأنوار الألوهية. ه. وباقي الآية يرغب في القيام في نصر الدين، وإرشاد العباد إلى الله، حتى تظهر أنوار الدين، وتخمد ظلمة المعاصي والبدع من أقطار البلاد، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

الصف 61:14

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } ، وكأنهم قالوا: وما هذه التجارة، أو: ماذا نصنع؟ فقال: { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: وجاهدوا، وجيء به بصيغة الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقرىء " تؤمنوا " و " تجاهدوا " على إضمار لام الأمر. { ذالكم خير لكم } ، الإشارة إلى الإيمان والجهاد بقسميه، أي: هو خير لكم من أموالكم وأنفسكم { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم، وقد قلتم: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لسارعنا، فهذا هو أحب الأعمال إلى الله، أو: إن كنتم من أهل العلم فإن الجهلة لا يعتد بأفعالهم. { يغفر لكم ذنوبكم }: جواب للأمر المدلول بلفظ الخبر، على قول، أو شرط مقدر، أي: إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة } ولا تطيب إلا بشهود الحبيب { في جنات عدن } أي: إقامة لا انتقال عنها. وجنة عدن هي مدينة الجنة ووسطها، يسكنها الصالحون الأبرار من العلماء والشهداء، وفوقها الفردوس، هي مسكن الأنبياء والصديقين من المقربين، هذا هو المشهور، كما في الصحيح، { ذلك الفوز العظيم } أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة هو الفوز الذي لا فوز وراءه. { وأخرى } أي: ولكم إلى هذه النعمة العظيمة نعمة أخرى عاجلة { تحبونها } وترغبون فيها، وفيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل. ثم فسرها بقوله: { نصر من الله وفتح قريب } أي: عاجل، وهو فتح مكة، والنصر على قريش، أو فتح فارس والروم، أو: هل أدلكم على تجارة تنجيكم، وعلى تجارة تحبونها، وهي نصر وفتح قريب، { وبشر المؤمنين }: عطف على " تؤمنوا " لأنه في معنى الأمر كأنه قيل لهم: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم وبشر أيها الرسول بذلك المؤمنين. { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } أي: أنصار دينه { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله }؟ أي: من يكون من جندي ومختصا بي، متوجها إلى الله. ظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى: { من أنصاري إلى الله } ولكنه محمول على المعنى، أي: كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى، حينما قال لهم: من أنصاري إلى الله؟ { قال الحواريون نحن أنصار الله } أي: نحن الذين ينصرون دينه، والحواريون: أصفياؤه، وهم أول من آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل: كانوا اثني عشر رجلا. وحواري الرجل: صفوته وخاصته من الحور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون النفوس بإقامتهم الدين والعلم، ولما كفرت اليهود بعيسى عليه السلام، وهموا بقتله، فر مع الحواريين إلى النصارى بقرية يقال لها: نصرى، فنصوره، فقاتل اليهود بهم مع الحواريين، وهذا معنى قوله تعالى: { فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة } به، فقاتلوهم { فإيدنا الذين آمنوا } بعيسى عليه السلام { على عدوهم } أي: قويناهم { فأصبحوا ظاهرين } غالبين عليهم. الإشارة: هل أدلكم على تجارة، وهي سلوك طريق التربية، على أيدي الرجال، تنجيكم من عذاب أليم، وهو غم الحجاب على الدوام تؤمنون بالله ورسوله أولا، وتجاهدون هواكم وسائر العلائق بأموالكم وأنفسكم ثانيا فالأموال تدفعونها لمن يدلكم على ربكم، والأنفس تقدمونها لمن يربيكم، يتحكم فيها بما يشاء { في سبيل الله } في الطريق الموصلة إلى حضرته، { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي: إن كان لكم علم وعقل، فهذا خير لكم، يغفر لكم ذنوبكم، أي: يغطي مساوئكم، فيغطي وصفكم بصوفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، ويدخلكم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، ومساكن طيبة هي السكنى والأطمئنان في مقامات اليقين، مع شهود رب العالمين، أو روح الرضا وريحان التسليم، أو الإقامة في حضرة القدس، مع التنزه في المقامات، في جنات عدن، وهي الرسوخ والإقامة في جنات المعارف ذلك الفوز العظيم. { وأخرى تحبونها } عاجلة، { نصر من الله }: عز دائم، { وفتح قريب } هو دخول بلاد المعاني. وقال القشيري: الفتح القريب: الرؤية والزلفة، ويقال: الشهود، ويقال: الوجود أبد الأبد. ه. { وبشر } بأنهم ظافرون بهذا، إن فعلوا ما أمروا به. وقال الورتجبي: نصر الله: تأييده الأزلي، الذي سبق للعارفين والموحدين، والفتح القريب: كشف نقابه وفتح أبواب وصاله، بنصره ظهروا على نفوسهم، فقهروها وبفتحه أبواب الغيب شاهدوا كل مغيب مستور من أحكام الربوبية وأنوار الألوهية. ه. وباقي الآية يرغب في القيام في نصر الدين، وإرشاد العباد إلى الله، حتى تظهر أنوار الدين، وتخمد ظلمة المعاصي والبدع من أقطار البلاد، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.