Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — التكوير 81:1 – المطففين 83:24

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. التكوير 81:1
  2. التكوير 81:2
  3. التكوير 81:3
  4. التكوير 81:4
  5. التكوير 81:5
  6. التكوير 81:6
  7. التكوير 81:7
  8. التكوير 81:8
  9. التكوير 81:9
  10. التكوير 81:10
  11. التكوير 81:11
  12. التكوير 81:12
  13. التكوير 81:13
  14. التكوير 81:14
  15. التكوير 81:15
  16. التكوير 81:16
  17. التكوير 81:17
  18. التكوير 81:18
  19. التكوير 81:19
  20. التكوير 81:20
  21. التكوير 81:21
  22. التكوير 81:22
  23. التكوير 81:23
  24. التكوير 81:24
  25. التكوير 81:25
  26. التكوير 81:26
  27. التكوير 81:27
  28. التكوير 81:28
  29. التكوير 81:29
  30. الانفطار 82:1
  31. الانفطار 82:2
  32. الانفطار 82:3
  33. الانفطار 82:4
  34. الانفطار 82:5
  35. الانفطار 82:6
  36. الانفطار 82:7
  37. الانفطار 82:8
  38. الانفطار 82:9
  39. الانفطار 82:10
  40. الانفطار 82:11
  41. الانفطار 82:12
  42. الانفطار 82:13
  43. الانفطار 82:14
  44. الانفطار 82:15
  45. الانفطار 82:16
  46. الانفطار 82:17
  47. الانفطار 82:18
  48. الانفطار 82:19
  49. المطففين 83:1
  50. المطففين 83:2
  51. المطففين 83:3
  52. المطففين 83:4
  53. المطففين 83:5
  54. المطففين 83:6
  55. المطففين 83:7
  56. المطففين 83:8
  57. المطففين 83:9
  58. المطففين 83:10
  59. المطففين 83:11
  60. المطففين 83:12
  61. المطففين 83:13
  62. المطففين 83:14
  63. المطففين 83:15
  64. المطففين 83:16
  65. المطففين 83:17
  66. المطففين 83:18
  67. المطففين 83:19
  68. المطففين 83:20
  69. المطففين 83:21
  70. المطففين 83:22
  71. المطففين 83:23
  72. المطففين 83:24

التكوير 81:1

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:2

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:3

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:4

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:5

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:6

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:7

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:8

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:9

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:10

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:11

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:12

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:13

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:14

يقول الحق جل جلاله: { إذا الشمس كورت } أي: ذهب بضوئها، من كورت العمامة: إذا لففتها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنة فكوره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كورت: نكست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. { وإذا النجوم انكدرت } أي: انقضت وتساقطت، فلا يبقى يومئذ نجم إلا سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم، ليراها من عبدها، كما قال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء:98]. { وإذا الجبال سيرت } عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. { وإذا العشار } جمع: عشراء، وهي الناقة التي مر على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وأعزها عليهم، { عطلت } تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحب ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت من كل جانب، وقيل: بعثت للقصاص، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. { وإذا البحار سجرت } أي: أحميت، أو ملئت وفجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحرا واحدا، كما قال تعالى: وإذا البحار فجرت [الأنفطار:3]، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يقذف بالكواكب فيها، ثم تضرم فتصير نيرانا، فمعنى " سجرت " حينئذ: قذف بها في النار وقد ورد أن في النار بحارا من نار. { وإذا النفوس زوجت } أي: قرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. { وإذا الموؤدة } أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا ولد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتا رمت بها، وإذا ولدت ابنا ضمته، فإذا كان يوم القيامة { سئلت بأي ذنب قتلت } ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وأن التعذيب لا يكون بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } أي: صحف الأعمال، فإنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت أم سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نشر الصحف، فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل " وقيل: نشرت: فرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. { وإذا السماء كشطت } ، قطعت وأزيلت، كما يكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقدت إيقادا شديدا، غضبا على العصاة، { وإذا الجنة أزلفت } أي: قربت من المتقين، كقوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثنتا عشرة خصلة، ست في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وست في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أن تلك الخصال كلها بعد البعث، فإن الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كورت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأما الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدم، وأما العشار فلا يتصور إهمالها إلا بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت }: جواب " إذا " ، على أن المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كل نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إما حضور صحائفها، كما يعرب عنه نشرها، وإما حضور أنفسها، على أنها تشكل بصورة مناسبة لها في الحسن والقبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى... [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق من يشرب في آنية الذهب: " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولا بعد في ذلك، ألا ترى أن العلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد روي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان " ، وأيا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عز وجل، كما نطق به قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا.. [آل عمران:30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تشاهد جزاءها، خيرا كان أو شرا. الإشارة: اعلم أن النفس والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سميت روحا فإذا تزكت وأشرقت عليها أسرار الذات سميت سرا، فالإشارة في قوله: { إذا الشمس كورت } إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبق منها للعارف إلا ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال جبال العقل، سيرت لأن نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العشار عطلت، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حشرت وغرقت في بحر الأحدية، وإذا البحار بحار الأحدية سجرت، أي: فجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحرا واحدا متصلا أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زوجت بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. ه. وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتسأل بأي ذنب قتلت حتى تعطلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. ه. وإذا الصحف الواردات الإلهية نشرت على القلوب القدسية، فظهرت أنوارها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماء كشطت، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سعرت لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقية القرآن، فقال: { فلا أقسم بالخنس }.

التكوير 81:15

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:16

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:17

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:18

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:19

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:20

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:21

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:22

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:23

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:24

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:25

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:26

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:27

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:28

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التكوير 81:29

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم } ، " لا " صلة، أي: أقسم { بالخنس } أي: بالكواكب الرواجع، من: خنس إذا تأخر، وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة، وهي: بهرام [المريخ]، وزحل وعطارد، والزهرة، والمشتري، فترى النجم في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله، { الجوار } أي: السيارة { الكنس } أي: المستترة، جمع كانس وكانسة، وذلك أن هذه النجوم تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوئها، من كنس الوحش: إذا دخل كناسه، أي: بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وقيل: هي جميع الكواكب، تختنس بالنهار، فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها. { والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه، أو: أدبر، فهو من الأضداد، وقال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر، تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير، قال الشاعر: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا والحاصل: أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، { والصبح إذا تنفس } امتد ضوؤه وارتفع حتى يصير نهارا، ولما كان إقبال النهار يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفسا له مجازا، فقيل: تنفس الصبح. وجواب القسم: { إنه } أي: القرآن { لقول رسول كريم } على ربه، وهو جبريل عليه السلام قاله عن الله عز وجل، وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به. { ذي قوة } ذي قدرة على ما كلف به، لا يعجز عنه ولا يضعف، { عند ذي العرش مكين } أي: عند الله ذا مكانة رفيعة ورتبة عالية، ولما كانت المكانة على حسب حال الممكن قال: { عند ذي العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته، والعندية: عندية تشريف وإكرام، لا عندية مكان. { مطاع ثم } أي: في السموات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش تطيعه ملائكته المقربون، يصدون عن أمره، ويرجعون إليه، وقال بعضهم: ومن طاعتهم له: فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج باستفتاحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة الجنة الجنة لمحمد حتى دخلها، وكذا النار حتى نظر إليها. ه. { أمين } على الوحي. { وما صاحبكم } هو الرسول صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم، مدخول في المقسم عليه، { ولقد رآه } أي: رآى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، { بالأفق المبين } أي: بمطلع الشمس الأعلى، وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب أن أراك في الصورة التي تكون عليها في السماء " قال: أتقدر على ذلك؟ قال: " بلى " قال: فأين تشاء؟ قال: " بالأبطح " ، قال: لا يسعني، قال: " بمنى " ، قال: لا يسعني، قال: " فبعرفات " قال: ذلك بالحري أن يسعني، فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، فضمه إلى صدره، وقال: لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش، ورجلاه في التخوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع أي: العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. ه. أو: ولقد رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج. أو: لقد رآى ربه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى. { وما هو على الغيب } أي: وما محمد على الوحي، وما يخبر به من الغيوب { بضنين } ببخيل،على قراءة الضاد، من: ضن بكذا: بخل به، أي: لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه لكل من يطلبه ولا يكتم شيئا منه، أو: بمتهم على قراءة: المشالة، من الظنة وهي التهمة، أي: لا ينقص شيئا مما أوحى إليه أو يزيد فيه، { وماهو بقول شيطان رجيم } طريد، وهو كقوله: وما تنزلت به الشياطين [الشعراء:210] أي: ليس هو بقول المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم: إنه كهانة أو سحر. { فأين تذهبون } وتتركون الحق الواضح؟ وهو استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة وذهب في التيه: أين تذهب، مثلت حالهم في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، بمن ترك طريق الجادة، وسلك في غير طريق. وقال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا، وإن من شيء إلا عندنا: ه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: لظهور أنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء فأين تذهبون عنه؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي: موعظة وتذكير للخلق { لمن شاء منكم }: بدل من العالمين بإعادة الجار، { إن يستقيم }: مفعول " شاء " أي: القرآن تذكير وموعظة لمن شاء الاستقامة، يعني: إن الذي شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، { وما تشاؤون } الاستقامة { إلا أن يشاء الله }. ولما نزل قوله تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين، قال ابن منبه: قرأت بضعا وثمانين كتابا مما أنزل الله، فوجدت فيها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك، فلا تشاء إلا بمشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبماذا تفتخر من أفعالك، وليس لك منها شيء؟. ه. وقال الطيبي عن الإمام: إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله لأن مشيئة العبد محدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، ثم قال: وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضغيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يحدثها. ه. الإشارة: فلا أقسم بالخنس الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والشم والذوق والوجدان الباطني، فإنها تخنس، أي: تتأخر عند سطوع حلاوة الشهود، وهي الجوار الكنس لأنها تجري في تحصيل هواها عند الغفلة أو الفترة، وتستتر عند الذكر أو اليقظة، والليل إذا عسعس، أي: ليل القطيعة إذا أظلم على العبد برؤية وجوده ووقوفه مع عوائده، والصبح، أي: صبح الاستشراف على نهار المعرفة، إذا تنفس ثم تطلع شمسه شيئا فشيئا، إنه، أي: الوحي الإلهامي لقول رسول كريم واراد رباني، ذي قوة لأنه يأتي من حضرة قهار قوي متين، فلا يصادم شيئا من المساوىء إلا دمغه، عند ذي العرش مكين، ولذلك تمكن صاحبه مع الحق، واكتسب مكانة عنده، حيث كان من المقربين السابقين مطاع ثم أمين لأن الوارد الإلهي تجب طاعته لأنه يتجلى من حضرة الحق، وهو أمين على ما يأتي به من العلوم، وما صاحبكم بمجنون، يعني العارف صاحب الواردات الألهية، ولقد رآه، أي: رأى ربه بعين البصيرة والبصر، بالأفق المبين، وهو على الأسرار والمعاني، حيث عرج بروحه من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو: من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وما هو على الغيب بضنين، أي: ليس العارف الذي يخبر عن أسرار التوحيد الخاص بمتهم، ولا بخيل، بل يجود به على من يستحقه، وما هو بقول شيطان رجيم، إذ لم يبق لهم شيطان حتى يخلط وسوسته بواردات قلوبهم، فأين تذهبون عن اتباع طريقة الموصلة إلى حضرة الحق، إن هو إلا ذكر للعالمين أي: ما جعله الله في كل زمان إلا ليذكر أهل زمانه، لمن شاء أن يستقيم على طريق العبودية ويفضي إلى مشاهدة الربوبية، ولكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. اللهم شئنا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وخصنا برعايتك، واجعلنا ممن سبقت لهم العناية الكبرى، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الانفطار 82:1

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انفطرت } أي: انشقت لنزول الملائكة، كقوله: وفتحت السمآء فكانت أبوابا [النبأ:19]، { وإذا الكواكب انتثرت } أي: تساقطت متفرقة، { وإذا البحار فجرت } فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالأجاج، وزال ما بينها من البرزخ والحاجز، وصارت البحار بحرا واحدا. روي: أن الأرض تنشق، فتغور تلك البحار، وتسقط في جهنم، فتصير نيرانا، وهو معنى التسجير المتقدم عند الحسن. { وإذا القبور بعثرت } أي: قلب ترابها، وأخرج موتاها، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه، وجواب " إذا ": { علمت نفس ما قدمت وأخرت } أي: إذا كانت هذه الأشياء قرأ كل إنسان كتابه، وجوزي بعمله، لأن المراد بها زمان واحد، مبدأه: النفخة الأولى، ومنتهاه: الفصل بين الخلائق ونشر الصحف، لا أزمنة متعددة حسب تعددها، وإنما كررت لتهويل ما في حيزها من الدواهي، ومعنى " ما قدم وأخر ": ما سلف من عمل خير أو شر، من سن سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضا: ما قدم من معصية وأخر من طاعة، وقيل: ما قدم من أمواله لنفسه، وما أخر لورثته، وقيل: ما قدم من فرض، وأخر منه عن وقته، وقيل: ما قدمت من الأسقاط والأفراط، وأخرت من الأولاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا سماء المعاني انفطرت، أي: تشققت وظهرت من أصداف الأواني، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان، وإذا بحار الأحدية فجرت وانطبقت على الكائنات فأفنتها وإذا القلوب الميتة بعثت وحييت بالمعرفة، علمت نفس ما قدمت من المجاهدة وما أخرت منها إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة، وبقدر الشكر يكون الصحو، وبقدر الشرب يكون الري، فعند النهاية يظهر قدر البداية، البدايات مجلاة النهايات " فمن أشرقت بدايته، أشرقت نهايته ". وبالله التوفيق. ثم عاتب تعالى من عرته نفسه حتى غفل عن مجاهدتها، فلم تقدم شيئا أمامها، فقال: { يأيها الإنسان ما غرك }.

الانفطار 82:2

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انفطرت } أي: انشقت لنزول الملائكة، كقوله: وفتحت السمآء فكانت أبوابا [النبأ:19]، { وإذا الكواكب انتثرت } أي: تساقطت متفرقة، { وإذا البحار فجرت } فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالأجاج، وزال ما بينها من البرزخ والحاجز، وصارت البحار بحرا واحدا. روي: أن الأرض تنشق، فتغور تلك البحار، وتسقط في جهنم، فتصير نيرانا، وهو معنى التسجير المتقدم عند الحسن. { وإذا القبور بعثرت } أي: قلب ترابها، وأخرج موتاها، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه، وجواب " إذا ": { علمت نفس ما قدمت وأخرت } أي: إذا كانت هذه الأشياء قرأ كل إنسان كتابه، وجوزي بعمله، لأن المراد بها زمان واحد، مبدأه: النفخة الأولى، ومنتهاه: الفصل بين الخلائق ونشر الصحف، لا أزمنة متعددة حسب تعددها، وإنما كررت لتهويل ما في حيزها من الدواهي، ومعنى " ما قدم وأخر ": ما سلف من عمل خير أو شر، من سن سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضا: ما قدم من معصية وأخر من طاعة، وقيل: ما قدم من أمواله لنفسه، وما أخر لورثته، وقيل: ما قدم من فرض، وأخر منه عن وقته، وقيل: ما قدمت من الأسقاط والأفراط، وأخرت من الأولاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا سماء المعاني انفطرت، أي: تشققت وظهرت من أصداف الأواني، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان، وإذا بحار الأحدية فجرت وانطبقت على الكائنات فأفنتها وإذا القلوب الميتة بعثت وحييت بالمعرفة، علمت نفس ما قدمت من المجاهدة وما أخرت منها إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة، وبقدر الشكر يكون الصحو، وبقدر الشرب يكون الري، فعند النهاية يظهر قدر البداية، البدايات مجلاة النهايات " فمن أشرقت بدايته، أشرقت نهايته ". وبالله التوفيق. ثم عاتب تعالى من عرته نفسه حتى غفل عن مجاهدتها، فلم تقدم شيئا أمامها، فقال: { يأيها الإنسان ما غرك }.

الانفطار 82:3

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انفطرت } أي: انشقت لنزول الملائكة، كقوله: وفتحت السمآء فكانت أبوابا [النبأ:19]، { وإذا الكواكب انتثرت } أي: تساقطت متفرقة، { وإذا البحار فجرت } فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالأجاج، وزال ما بينها من البرزخ والحاجز، وصارت البحار بحرا واحدا. روي: أن الأرض تنشق، فتغور تلك البحار، وتسقط في جهنم، فتصير نيرانا، وهو معنى التسجير المتقدم عند الحسن. { وإذا القبور بعثرت } أي: قلب ترابها، وأخرج موتاها، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه، وجواب " إذا ": { علمت نفس ما قدمت وأخرت } أي: إذا كانت هذه الأشياء قرأ كل إنسان كتابه، وجوزي بعمله، لأن المراد بها زمان واحد، مبدأه: النفخة الأولى، ومنتهاه: الفصل بين الخلائق ونشر الصحف، لا أزمنة متعددة حسب تعددها، وإنما كررت لتهويل ما في حيزها من الدواهي، ومعنى " ما قدم وأخر ": ما سلف من عمل خير أو شر، من سن سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضا: ما قدم من معصية وأخر من طاعة، وقيل: ما قدم من أمواله لنفسه، وما أخر لورثته، وقيل: ما قدم من فرض، وأخر منه عن وقته، وقيل: ما قدمت من الأسقاط والأفراط، وأخرت من الأولاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا سماء المعاني انفطرت، أي: تشققت وظهرت من أصداف الأواني، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان، وإذا بحار الأحدية فجرت وانطبقت على الكائنات فأفنتها وإذا القلوب الميتة بعثت وحييت بالمعرفة، علمت نفس ما قدمت من المجاهدة وما أخرت منها إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة، وبقدر الشكر يكون الصحو، وبقدر الشرب يكون الري، فعند النهاية يظهر قدر البداية، البدايات مجلاة النهايات " فمن أشرقت بدايته، أشرقت نهايته ". وبالله التوفيق. ثم عاتب تعالى من عرته نفسه حتى غفل عن مجاهدتها، فلم تقدم شيئا أمامها، فقال: { يأيها الإنسان ما غرك }.

الانفطار 82:4

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انفطرت } أي: انشقت لنزول الملائكة، كقوله: وفتحت السمآء فكانت أبوابا [النبأ:19]، { وإذا الكواكب انتثرت } أي: تساقطت متفرقة، { وإذا البحار فجرت } فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالأجاج، وزال ما بينها من البرزخ والحاجز، وصارت البحار بحرا واحدا. روي: أن الأرض تنشق، فتغور تلك البحار، وتسقط في جهنم، فتصير نيرانا، وهو معنى التسجير المتقدم عند الحسن. { وإذا القبور بعثرت } أي: قلب ترابها، وأخرج موتاها، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه، وجواب " إذا ": { علمت نفس ما قدمت وأخرت } أي: إذا كانت هذه الأشياء قرأ كل إنسان كتابه، وجوزي بعمله، لأن المراد بها زمان واحد، مبدأه: النفخة الأولى، ومنتهاه: الفصل بين الخلائق ونشر الصحف، لا أزمنة متعددة حسب تعددها، وإنما كررت لتهويل ما في حيزها من الدواهي، ومعنى " ما قدم وأخر ": ما سلف من عمل خير أو شر، من سن سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضا: ما قدم من معصية وأخر من طاعة، وقيل: ما قدم من أمواله لنفسه، وما أخر لورثته، وقيل: ما قدم من فرض، وأخر منه عن وقته، وقيل: ما قدمت من الأسقاط والأفراط، وأخرت من الأولاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا سماء المعاني انفطرت، أي: تشققت وظهرت من أصداف الأواني، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان، وإذا بحار الأحدية فجرت وانطبقت على الكائنات فأفنتها وإذا القلوب الميتة بعثت وحييت بالمعرفة، علمت نفس ما قدمت من المجاهدة وما أخرت منها إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة، وبقدر الشكر يكون الصحو، وبقدر الشرب يكون الري، فعند النهاية يظهر قدر البداية، البدايات مجلاة النهايات " فمن أشرقت بدايته، أشرقت نهايته ". وبالله التوفيق. ثم عاتب تعالى من عرته نفسه حتى غفل عن مجاهدتها، فلم تقدم شيئا أمامها، فقال: { يأيها الإنسان ما غرك }.

الانفطار 82:5

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انفطرت } أي: انشقت لنزول الملائكة، كقوله: وفتحت السمآء فكانت أبوابا [النبأ:19]، { وإذا الكواكب انتثرت } أي: تساقطت متفرقة، { وإذا البحار فجرت } فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالأجاج، وزال ما بينها من البرزخ والحاجز، وصارت البحار بحرا واحدا. روي: أن الأرض تنشق، فتغور تلك البحار، وتسقط في جهنم، فتصير نيرانا، وهو معنى التسجير المتقدم عند الحسن. { وإذا القبور بعثرت } أي: قلب ترابها، وأخرج موتاها، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه، وجواب " إذا ": { علمت نفس ما قدمت وأخرت } أي: إذا كانت هذه الأشياء قرأ كل إنسان كتابه، وجوزي بعمله، لأن المراد بها زمان واحد، مبدأه: النفخة الأولى، ومنتهاه: الفصل بين الخلائق ونشر الصحف، لا أزمنة متعددة حسب تعددها، وإنما كررت لتهويل ما في حيزها من الدواهي، ومعنى " ما قدم وأخر ": ما سلف من عمل خير أو شر، من سن سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضا: ما قدم من معصية وأخر من طاعة، وقيل: ما قدم من أمواله لنفسه، وما أخر لورثته، وقيل: ما قدم من فرض، وأخر منه عن وقته، وقيل: ما قدمت من الأسقاط والأفراط، وأخرت من الأولاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا سماء المعاني انفطرت، أي: تشققت وظهرت من أصداف الأواني، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان، وإذا بحار الأحدية فجرت وانطبقت على الكائنات فأفنتها وإذا القلوب الميتة بعثت وحييت بالمعرفة، علمت نفس ما قدمت من المجاهدة وما أخرت منها إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة، وبقدر الشكر يكون الصحو، وبقدر الشرب يكون الري، فعند النهاية يظهر قدر البداية، البدايات مجلاة النهايات " فمن أشرقت بدايته، أشرقت نهايته ". وبالله التوفيق. ثم عاتب تعالى من عرته نفسه حتى غفل عن مجاهدتها، فلم تقدم شيئا أمامها، فقال: { يأيها الإنسان ما غرك }.

الانفطار 82:6

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وقد علمت ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطامة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قدمت من أعمالك، وما أخرت؟ والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مدارا للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئت فإن ربك كريم، قد تفضل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال: " غره جهله " وعن عمر رضي الله عنه: غره حمقه، وقال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان وقيل للفضيل: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: { ما غرك بربك الكريم } ماذا كنت تقول؟ قال: أقول: ستورك المرخاة، لأن الكريم هو الستار وأنشدوا: يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا وقال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غره رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك برك سالفا وآنفا، وقال آخر: أقول: غرني حلمك، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد: غرني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمار: لو قيل لي: ما غرك؟ قلت: ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. ه. { الذي خلقك فسواك } أي: جعلك مستوي الخلق، سالم الأعضاء معدة لمنافعها، { فعدلك } فصيرك معتدلا متناسب الخلق غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلا تمشي قائما، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. { في أي صورة ما شاء ركبك } أي: ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة، و " ما ": مزيدة، وشاء: صفة لصورة، أي: ركبك في أي صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين:4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان ل " عدلك ". { كلا } ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجبا للشكر والطاعة. والإضراب في قوله تعالى: { بل تكذبون بالدين } عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تصدقون به، { وإن عليكم لحافظين }: حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يكذبون به، أي: تكذبون بالجزاء، والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم، { كراما } عندنا { كاتبين } لها، { يعلمون ما تفعلون } من الخير والشر، قليلا أو كثيرا، ويضبطونه نقيرا أو قطميرا. وفي تعظيم " الكاتبين " ، بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكرام. الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟! غره جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجه، أو ظن أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدما واحدا، ظن أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غر كثيرا من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صحبتهم للعارفين، ولو صحبوا الرجال لرأوا أنفسهم في أول قدم من الإرادة، وهذا هو الجهل المركب، جهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحا قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لما زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذب بالبعث والحساب مع أن عليهم من الله حفظة كراما، يعلمون ما يفعلون، فلم يراقبوا الله جل جلاله، المطلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المطلعين على أفعالهم. والله تعالى أعلم. ثم بين مآل من انزجر عن غروره، ومن لم ينزجر، فقال: { إن الأبرار لفي نعيم }.

الانفطار 82:7

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وقد علمت ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطامة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قدمت من أعمالك، وما أخرت؟ والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مدارا للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئت فإن ربك كريم، قد تفضل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال: " غره جهله " وعن عمر رضي الله عنه: غره حمقه، وقال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان وقيل للفضيل: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: { ما غرك بربك الكريم } ماذا كنت تقول؟ قال: أقول: ستورك المرخاة، لأن الكريم هو الستار وأنشدوا: يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا وقال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غره رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك برك سالفا وآنفا، وقال آخر: أقول: غرني حلمك، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد: غرني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمار: لو قيل لي: ما غرك؟ قلت: ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. ه. { الذي خلقك فسواك } أي: جعلك مستوي الخلق، سالم الأعضاء معدة لمنافعها، { فعدلك } فصيرك معتدلا متناسب الخلق غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلا تمشي قائما، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. { في أي صورة ما شاء ركبك } أي: ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة، و " ما ": مزيدة، وشاء: صفة لصورة، أي: ركبك في أي صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين:4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان ل " عدلك ". { كلا } ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجبا للشكر والطاعة. والإضراب في قوله تعالى: { بل تكذبون بالدين } عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تصدقون به، { وإن عليكم لحافظين }: حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يكذبون به، أي: تكذبون بالجزاء، والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم، { كراما } عندنا { كاتبين } لها، { يعلمون ما تفعلون } من الخير والشر، قليلا أو كثيرا، ويضبطونه نقيرا أو قطميرا. وفي تعظيم " الكاتبين " ، بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكرام. الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟! غره جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجه، أو ظن أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدما واحدا، ظن أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غر كثيرا من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صحبتهم للعارفين، ولو صحبوا الرجال لرأوا أنفسهم في أول قدم من الإرادة، وهذا هو الجهل المركب، جهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحا قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لما زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذب بالبعث والحساب مع أن عليهم من الله حفظة كراما، يعلمون ما يفعلون، فلم يراقبوا الله جل جلاله، المطلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المطلعين على أفعالهم. والله تعالى أعلم. ثم بين مآل من انزجر عن غروره، ومن لم ينزجر، فقال: { إن الأبرار لفي نعيم }.

الانفطار 82:8

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وقد علمت ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطامة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قدمت من أعمالك، وما أخرت؟ والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مدارا للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئت فإن ربك كريم، قد تفضل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال: " غره جهله " وعن عمر رضي الله عنه: غره حمقه، وقال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان وقيل للفضيل: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: { ما غرك بربك الكريم } ماذا كنت تقول؟ قال: أقول: ستورك المرخاة، لأن الكريم هو الستار وأنشدوا: يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا وقال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غره رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك برك سالفا وآنفا، وقال آخر: أقول: غرني حلمك، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد: غرني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمار: لو قيل لي: ما غرك؟ قلت: ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. ه. { الذي خلقك فسواك } أي: جعلك مستوي الخلق، سالم الأعضاء معدة لمنافعها، { فعدلك } فصيرك معتدلا متناسب الخلق غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلا تمشي قائما، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. { في أي صورة ما شاء ركبك } أي: ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة، و " ما ": مزيدة، وشاء: صفة لصورة، أي: ركبك في أي صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين:4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان ل " عدلك ". { كلا } ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجبا للشكر والطاعة. والإضراب في قوله تعالى: { بل تكذبون بالدين } عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تصدقون به، { وإن عليكم لحافظين }: حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يكذبون به، أي: تكذبون بالجزاء، والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم، { كراما } عندنا { كاتبين } لها، { يعلمون ما تفعلون } من الخير والشر، قليلا أو كثيرا، ويضبطونه نقيرا أو قطميرا. وفي تعظيم " الكاتبين " ، بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكرام. الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟! غره جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجه، أو ظن أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدما واحدا، ظن أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غر كثيرا من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صحبتهم للعارفين، ولو صحبوا الرجال لرأوا أنفسهم في أول قدم من الإرادة، وهذا هو الجهل المركب، جهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحا قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لما زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذب بالبعث والحساب مع أن عليهم من الله حفظة كراما، يعلمون ما يفعلون، فلم يراقبوا الله جل جلاله، المطلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المطلعين على أفعالهم. والله تعالى أعلم. ثم بين مآل من انزجر عن غروره، ومن لم ينزجر، فقال: { إن الأبرار لفي نعيم }.

الانفطار 82:9

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وقد علمت ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطامة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قدمت من أعمالك، وما أخرت؟ والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مدارا للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئت فإن ربك كريم، قد تفضل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال: " غره جهله " وعن عمر رضي الله عنه: غره حمقه، وقال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان وقيل للفضيل: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: { ما غرك بربك الكريم } ماذا كنت تقول؟ قال: أقول: ستورك المرخاة، لأن الكريم هو الستار وأنشدوا: يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا وقال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غره رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك برك سالفا وآنفا، وقال آخر: أقول: غرني حلمك، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد: غرني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمار: لو قيل لي: ما غرك؟ قلت: ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. ه. { الذي خلقك فسواك } أي: جعلك مستوي الخلق، سالم الأعضاء معدة لمنافعها، { فعدلك } فصيرك معتدلا متناسب الخلق غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلا تمشي قائما، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. { في أي صورة ما شاء ركبك } أي: ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة، و " ما ": مزيدة، وشاء: صفة لصورة، أي: ركبك في أي صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين:4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان ل " عدلك ". { كلا } ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجبا للشكر والطاعة. والإضراب في قوله تعالى: { بل تكذبون بالدين } عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تصدقون به، { وإن عليكم لحافظين }: حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يكذبون به، أي: تكذبون بالجزاء، والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم، { كراما } عندنا { كاتبين } لها، { يعلمون ما تفعلون } من الخير والشر، قليلا أو كثيرا، ويضبطونه نقيرا أو قطميرا. وفي تعظيم " الكاتبين " ، بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكرام. الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟! غره جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجه، أو ظن أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدما واحدا، ظن أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غر كثيرا من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صحبتهم للعارفين، ولو صحبوا الرجال لرأوا أنفسهم في أول قدم من الإرادة، وهذا هو الجهل المركب، جهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحا قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لما زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذب بالبعث والحساب مع أن عليهم من الله حفظة كراما، يعلمون ما يفعلون، فلم يراقبوا الله جل جلاله، المطلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المطلعين على أفعالهم. والله تعالى أعلم. ثم بين مآل من انزجر عن غروره، ومن لم ينزجر، فقال: { إن الأبرار لفي نعيم }.

الانفطار 82:10

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وقد علمت ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطامة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قدمت من أعمالك، وما أخرت؟ والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مدارا للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئت فإن ربك كريم، قد تفضل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال: " غره جهله " وعن عمر رضي الله عنه: غره حمقه، وقال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان وقيل للفضيل: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: { ما غرك بربك الكريم } ماذا كنت تقول؟ قال: أقول: ستورك المرخاة، لأن الكريم هو الستار وأنشدوا: يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا وقال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غره رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك برك سالفا وآنفا، وقال آخر: أقول: غرني حلمك، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد: غرني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمار: لو قيل لي: ما غرك؟ قلت: ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. ه. { الذي خلقك فسواك } أي: جعلك مستوي الخلق، سالم الأعضاء معدة لمنافعها، { فعدلك } فصيرك معتدلا متناسب الخلق غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلا تمشي قائما، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. { في أي صورة ما شاء ركبك } أي: ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة، و " ما ": مزيدة، وشاء: صفة لصورة، أي: ركبك في أي صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين:4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان ل " عدلك ". { كلا } ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجبا للشكر والطاعة. والإضراب في قوله تعالى: { بل تكذبون بالدين } عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تصدقون به، { وإن عليكم لحافظين }: حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يكذبون به، أي: تكذبون بالجزاء، والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم، { كراما } عندنا { كاتبين } لها، { يعلمون ما تفعلون } من الخير والشر، قليلا أو كثيرا، ويضبطونه نقيرا أو قطميرا. وفي تعظيم " الكاتبين " ، بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكرام. الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟! غره جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجه، أو ظن أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدما واحدا، ظن أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غر كثيرا من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صحبتهم للعارفين، ولو صحبوا الرجال لرأوا أنفسهم في أول قدم من الإرادة، وهذا هو الجهل المركب، جهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحا قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لما زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذب بالبعث والحساب مع أن عليهم من الله حفظة كراما، يعلمون ما يفعلون، فلم يراقبوا الله جل جلاله، المطلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المطلعين على أفعالهم. والله تعالى أعلم. ثم بين مآل من انزجر عن غروره، ومن لم ينزجر، فقال: { إن الأبرار لفي نعيم }.

الانفطار 82:11

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وقد علمت ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطامة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قدمت من أعمالك، وما أخرت؟ والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مدارا للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئت فإن ربك كريم، قد تفضل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال: " غره جهله " وعن عمر رضي الله عنه: غره حمقه، وقال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان وقيل للفضيل: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: { ما غرك بربك الكريم } ماذا كنت تقول؟ قال: أقول: ستورك المرخاة، لأن الكريم هو الستار وأنشدوا: يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا وقال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غره رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك برك سالفا وآنفا، وقال آخر: أقول: غرني حلمك، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد: غرني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمار: لو قيل لي: ما غرك؟ قلت: ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. ه. { الذي خلقك فسواك } أي: جعلك مستوي الخلق، سالم الأعضاء معدة لمنافعها، { فعدلك } فصيرك معتدلا متناسب الخلق غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلا تمشي قائما، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. { في أي صورة ما شاء ركبك } أي: ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة، و " ما ": مزيدة، وشاء: صفة لصورة، أي: ركبك في أي صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين:4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان ل " عدلك ". { كلا } ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجبا للشكر والطاعة. والإضراب في قوله تعالى: { بل تكذبون بالدين } عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تصدقون به، { وإن عليكم لحافظين }: حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يكذبون به، أي: تكذبون بالجزاء، والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم، { كراما } عندنا { كاتبين } لها، { يعلمون ما تفعلون } من الخير والشر، قليلا أو كثيرا، ويضبطونه نقيرا أو قطميرا. وفي تعظيم " الكاتبين " ، بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكرام. الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟! غره جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجه، أو ظن أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدما واحدا، ظن أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غر كثيرا من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صحبتهم للعارفين، ولو صحبوا الرجال لرأوا أنفسهم في أول قدم من الإرادة، وهذا هو الجهل المركب، جهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحا قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لما زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذب بالبعث والحساب مع أن عليهم من الله حفظة كراما، يعلمون ما يفعلون، فلم يراقبوا الله جل جلاله، المطلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المطلعين على أفعالهم. والله تعالى أعلم. ثم بين مآل من انزجر عن غروره، ومن لم ينزجر، فقال: { إن الأبرار لفي نعيم }.

الانفطار 82:12

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وقد علمت ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطامة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قدمت من أعمالك، وما أخرت؟ والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مدارا للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئت فإن ربك كريم، قد تفضل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأها قال: " غره جهله " وعن عمر رضي الله عنه: غره حمقه، وقال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان وقيل للفضيل: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: { ما غرك بربك الكريم } ماذا كنت تقول؟ قال: أقول: ستورك المرخاة، لأن الكريم هو الستار وأنشدوا: يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا وقال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غره رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك برك سالفا وآنفا، وقال آخر: أقول: غرني حلمك، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: غرني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد: غرني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمار: لو قيل لي: ما غرك؟ قلت: ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. ه. { الذي خلقك فسواك } أي: جعلك مستوي الخلق، سالم الأعضاء معدة لمنافعها، { فعدلك } فصيرك معتدلا متناسب الخلق غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلا تمشي قائما، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. { في أي صورة ما شاء ركبك } أي: ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة، و " ما ": مزيدة، وشاء: صفة لصورة، أي: ركبك في أي صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين:4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان ل " عدلك ". { كلا } ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجبا للشكر والطاعة. والإضراب في قوله تعالى: { بل تكذبون بالدين } عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تصدقون به، { وإن عليكم لحافظين }: حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يكذبون به، أي: تكذبون بالجزاء، والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم، { كراما } عندنا { كاتبين } لها، { يعلمون ما تفعلون } من الخير والشر، قليلا أو كثيرا، ويضبطونه نقيرا أو قطميرا. وفي تعظيم " الكاتبين " ، بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكرام. الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟! غره جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجه، أو ظن أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدما واحدا، ظن أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غر كثيرا من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صحبتهم للعارفين، ولو صحبوا الرجال لرأوا أنفسهم في أول قدم من الإرادة، وهذا هو الجهل المركب، جهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحا قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لما زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذب بالبعث والحساب مع أن عليهم من الله حفظة كراما، يعلمون ما يفعلون، فلم يراقبوا الله جل جلاله، المطلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المطلعين على أفعالهم. والله تعالى أعلم. ثم بين مآل من انزجر عن غروره، ومن لم ينزجر، فقال: { إن الأبرار لفي نعيم }.

الانفطار 82:13

يقول الحق جل جلاله: { إن الأبرار } أي: المؤمنين { لفي نعيم } عظيم، وهو نعيم الجنان { وإن الفجار } أي: الكفار { لفي جحيم } كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، { يصلونها يوم الدين } يقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يكذبون به، { وما هم عنها بغائبين } طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال صلى الله عليه وسلم: " القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ". { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يكذبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق فعلى أي صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أي شيء جعلك داريا ما هو يوم الدين؟ على أن " ما " الاستفهامية خبر " يوم " ، كما هو رأي سيبويه، لما مر من أن مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أن مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أي شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما في القرآن من قوله تعالى: { وما أدراك } فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: { وما يدريك } فقد طوي عنه. ه. وينتقض بقوله تعالى: وما يدريك لعله يزكى [عبس:3]. ثم بين شأن ذلك اليوم إجمالا، فقال: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي: لا تستطيع دفعا عنها، ولا نفعا لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، ويوم: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من يوم الدين، ومن نصب فبإضمار " اذكر " ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله عليه وسلم إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يدريك ماهو، { والأمر يومئذ لله } لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أن الأمر لله في الدارين، لكن لما كان في الدنيا خفيا، لا يعرفه إلا العلماء بالله، وأما في الآخرة فيظهر الملك لله لكل أحد، خصه به هناك. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: إن الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإن الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يصلونها يوم الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يشير إلى التعجب من كنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، لفناء الكل، ذاتا وصفاتا وأفعالا. ه. { والأمر يومئذ لله } ، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يشاهده إلا الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقنوا أن الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمشاهد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عيانا على مشاهدته لهم تصديقا، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ه. وقاله أيضا علي رضي الله عنه. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. ه. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: الملك يومئذ لله [الحج:56] وقوله: { والأمر يومئذ لله } لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العباد إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإن الملك كله لله في الدنيا والآخرة، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الانفطار 82:14

يقول الحق جل جلاله: { إن الأبرار } أي: المؤمنين { لفي نعيم } عظيم، وهو نعيم الجنان { وإن الفجار } أي: الكفار { لفي جحيم } كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، { يصلونها يوم الدين } يقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يكذبون به، { وما هم عنها بغائبين } طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال صلى الله عليه وسلم: " القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ". { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يكذبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق فعلى أي صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أي شيء جعلك داريا ما هو يوم الدين؟ على أن " ما " الاستفهامية خبر " يوم " ، كما هو رأي سيبويه، لما مر من أن مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أن مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أي شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما في القرآن من قوله تعالى: { وما أدراك } فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: { وما يدريك } فقد طوي عنه. ه. وينتقض بقوله تعالى: وما يدريك لعله يزكى [عبس:3]. ثم بين شأن ذلك اليوم إجمالا، فقال: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي: لا تستطيع دفعا عنها، ولا نفعا لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، ويوم: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من يوم الدين، ومن نصب فبإضمار " اذكر " ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله عليه وسلم إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يدريك ماهو، { والأمر يومئذ لله } لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أن الأمر لله في الدارين، لكن لما كان في الدنيا خفيا، لا يعرفه إلا العلماء بالله، وأما في الآخرة فيظهر الملك لله لكل أحد، خصه به هناك. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: إن الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإن الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يصلونها يوم الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يشير إلى التعجب من كنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، لفناء الكل، ذاتا وصفاتا وأفعالا. ه. { والأمر يومئذ لله } ، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يشاهده إلا الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقنوا أن الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمشاهد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عيانا على مشاهدته لهم تصديقا، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ه. وقاله أيضا علي رضي الله عنه. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. ه. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: الملك يومئذ لله [الحج:56] وقوله: { والأمر يومئذ لله } لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العباد إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإن الملك كله لله في الدنيا والآخرة، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الانفطار 82:15

يقول الحق جل جلاله: { إن الأبرار } أي: المؤمنين { لفي نعيم } عظيم، وهو نعيم الجنان { وإن الفجار } أي: الكفار { لفي جحيم } كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، { يصلونها يوم الدين } يقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يكذبون به، { وما هم عنها بغائبين } طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال صلى الله عليه وسلم: " القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ". { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يكذبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق فعلى أي صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أي شيء جعلك داريا ما هو يوم الدين؟ على أن " ما " الاستفهامية خبر " يوم " ، كما هو رأي سيبويه، لما مر من أن مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أن مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أي شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما في القرآن من قوله تعالى: { وما أدراك } فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: { وما يدريك } فقد طوي عنه. ه. وينتقض بقوله تعالى: وما يدريك لعله يزكى [عبس:3]. ثم بين شأن ذلك اليوم إجمالا، فقال: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي: لا تستطيع دفعا عنها، ولا نفعا لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، ويوم: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من يوم الدين، ومن نصب فبإضمار " اذكر " ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله عليه وسلم إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يدريك ماهو، { والأمر يومئذ لله } لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أن الأمر لله في الدارين، لكن لما كان في الدنيا خفيا، لا يعرفه إلا العلماء بالله، وأما في الآخرة فيظهر الملك لله لكل أحد، خصه به هناك. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: إن الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإن الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يصلونها يوم الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يشير إلى التعجب من كنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، لفناء الكل، ذاتا وصفاتا وأفعالا. ه. { والأمر يومئذ لله } ، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يشاهده إلا الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقنوا أن الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمشاهد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عيانا على مشاهدته لهم تصديقا، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ه. وقاله أيضا علي رضي الله عنه. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. ه. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: الملك يومئذ لله [الحج:56] وقوله: { والأمر يومئذ لله } لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العباد إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإن الملك كله لله في الدنيا والآخرة، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الانفطار 82:16

يقول الحق جل جلاله: { إن الأبرار } أي: المؤمنين { لفي نعيم } عظيم، وهو نعيم الجنان { وإن الفجار } أي: الكفار { لفي جحيم } كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، { يصلونها يوم الدين } يقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يكذبون به، { وما هم عنها بغائبين } طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال صلى الله عليه وسلم: " القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ". { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يكذبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق فعلى أي صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أي شيء جعلك داريا ما هو يوم الدين؟ على أن " ما " الاستفهامية خبر " يوم " ، كما هو رأي سيبويه، لما مر من أن مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أن مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أي شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما في القرآن من قوله تعالى: { وما أدراك } فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: { وما يدريك } فقد طوي عنه. ه. وينتقض بقوله تعالى: وما يدريك لعله يزكى [عبس:3]. ثم بين شأن ذلك اليوم إجمالا، فقال: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي: لا تستطيع دفعا عنها، ولا نفعا لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، ويوم: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من يوم الدين، ومن نصب فبإضمار " اذكر " ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله عليه وسلم إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يدريك ماهو، { والأمر يومئذ لله } لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أن الأمر لله في الدارين، لكن لما كان في الدنيا خفيا، لا يعرفه إلا العلماء بالله، وأما في الآخرة فيظهر الملك لله لكل أحد، خصه به هناك. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: إن الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإن الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يصلونها يوم الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يشير إلى التعجب من كنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، لفناء الكل، ذاتا وصفاتا وأفعالا. ه. { والأمر يومئذ لله } ، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يشاهده إلا الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقنوا أن الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمشاهد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عيانا على مشاهدته لهم تصديقا، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ه. وقاله أيضا علي رضي الله عنه. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. ه. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: الملك يومئذ لله [الحج:56] وقوله: { والأمر يومئذ لله } لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العباد إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإن الملك كله لله في الدنيا والآخرة، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الانفطار 82:17

يقول الحق جل جلاله: { إن الأبرار } أي: المؤمنين { لفي نعيم } عظيم، وهو نعيم الجنان { وإن الفجار } أي: الكفار { لفي جحيم } كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، { يصلونها يوم الدين } يقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يكذبون به، { وما هم عنها بغائبين } طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال صلى الله عليه وسلم: " القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ". { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يكذبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق فعلى أي صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أي شيء جعلك داريا ما هو يوم الدين؟ على أن " ما " الاستفهامية خبر " يوم " ، كما هو رأي سيبويه، لما مر من أن مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أن مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أي شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما في القرآن من قوله تعالى: { وما أدراك } فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: { وما يدريك } فقد طوي عنه. ه. وينتقض بقوله تعالى: وما يدريك لعله يزكى [عبس:3]. ثم بين شأن ذلك اليوم إجمالا، فقال: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي: لا تستطيع دفعا عنها، ولا نفعا لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، ويوم: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من يوم الدين، ومن نصب فبإضمار " اذكر " ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله عليه وسلم إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يدريك ماهو، { والأمر يومئذ لله } لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أن الأمر لله في الدارين، لكن لما كان في الدنيا خفيا، لا يعرفه إلا العلماء بالله، وأما في الآخرة فيظهر الملك لله لكل أحد، خصه به هناك. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: إن الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإن الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يصلونها يوم الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يشير إلى التعجب من كنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، لفناء الكل، ذاتا وصفاتا وأفعالا. ه. { والأمر يومئذ لله } ، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يشاهده إلا الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقنوا أن الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمشاهد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عيانا على مشاهدته لهم تصديقا، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ه. وقاله أيضا علي رضي الله عنه. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. ه. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: الملك يومئذ لله [الحج:56] وقوله: { والأمر يومئذ لله } لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العباد إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإن الملك كله لله في الدنيا والآخرة، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الانفطار 82:18

يقول الحق جل جلاله: { إن الأبرار } أي: المؤمنين { لفي نعيم } عظيم، وهو نعيم الجنان { وإن الفجار } أي: الكفار { لفي جحيم } كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، { يصلونها يوم الدين } يقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يكذبون به، { وما هم عنها بغائبين } طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال صلى الله عليه وسلم: " القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ". { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يكذبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق فعلى أي صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أي شيء جعلك داريا ما هو يوم الدين؟ على أن " ما " الاستفهامية خبر " يوم " ، كما هو رأي سيبويه، لما مر من أن مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أن مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أي شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما في القرآن من قوله تعالى: { وما أدراك } فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: { وما يدريك } فقد طوي عنه. ه. وينتقض بقوله تعالى: وما يدريك لعله يزكى [عبس:3]. ثم بين شأن ذلك اليوم إجمالا، فقال: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي: لا تستطيع دفعا عنها، ولا نفعا لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، ويوم: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من يوم الدين، ومن نصب فبإضمار " اذكر " ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله عليه وسلم إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يدريك ماهو، { والأمر يومئذ لله } لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أن الأمر لله في الدارين، لكن لما كان في الدنيا خفيا، لا يعرفه إلا العلماء بالله، وأما في الآخرة فيظهر الملك لله لكل أحد، خصه به هناك. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: إن الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإن الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يصلونها يوم الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يشير إلى التعجب من كنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، لفناء الكل، ذاتا وصفاتا وأفعالا. ه. { والأمر يومئذ لله } ، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يشاهده إلا الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقنوا أن الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمشاهد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عيانا على مشاهدته لهم تصديقا، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ه. وقاله أيضا علي رضي الله عنه. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. ه. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: الملك يومئذ لله [الحج:56] وقوله: { والأمر يومئذ لله } لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العباد إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإن الملك كله لله في الدنيا والآخرة، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الانفطار 82:19

يقول الحق جل جلاله: { إن الأبرار } أي: المؤمنين { لفي نعيم } عظيم، وهو نعيم الجنان { وإن الفجار } أي: الكفار { لفي جحيم } كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، { يصلونها يوم الدين } يقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يكذبون به، { وما هم عنها بغائبين } طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال صلى الله عليه وسلم: " القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ". { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يكذبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق فعلى أي صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أي شيء جعلك داريا ما هو يوم الدين؟ على أن " ما " الاستفهامية خبر " يوم " ، كما هو رأي سيبويه، لما مر من أن مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أن مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أي شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما في القرآن من قوله تعالى: { وما أدراك } فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: { وما يدريك } فقد طوي عنه. ه. وينتقض بقوله تعالى: وما يدريك لعله يزكى [عبس:3]. ثم بين شأن ذلك اليوم إجمالا، فقال: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي: لا تستطيع دفعا عنها، ولا نفعا لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، ويوم: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من يوم الدين، ومن نصب فبإضمار " اذكر " ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله عليه وسلم إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يدريك ماهو، { والأمر يومئذ لله } لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أن الأمر لله في الدارين، لكن لما كان في الدنيا خفيا، لا يعرفه إلا العلماء بالله، وأما في الآخرة فيظهر الملك لله لكل أحد، خصه به هناك. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: إن الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإن الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يصلونها يوم الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يشير إلى التعجب من كنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، لفناء الكل، ذاتا وصفاتا وأفعالا. ه. { والأمر يومئذ لله } ، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يشاهده إلا الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقنوا أن الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمشاهد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عيانا على مشاهدته لهم تصديقا، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. ه. وقاله أيضا علي رضي الله عنه. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. ه. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: الملك يومئذ لله [الحج:56] وقوله: { والأمر يومئذ لله } لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العباد إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإن الملك كله لله في الدنيا والآخرة، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

المطففين 83:1

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:2

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:3

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:4

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:5

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:6

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:7

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:8

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:9

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:10

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:11

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:12

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:13

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:14

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:15

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:16

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:17

يقول الحق جل جلاله: { ويل للمطفيين } ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسيئون الكيل جدا، فنزلت، فأحسنوا الكيل، وقيل: قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجارا، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر ". ثم فسر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق " على " ب " يستوفون " ، وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " من " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه فكأنه قال: استوفيت منه. ه. { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، { يخسرون } ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس في النوعين. { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على ألا توبيخا، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم للإشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم، فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه، وللإيذان بأنهم ممازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادر قدره، ويحاسبون فيه على قدر الذرة والخردلة، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. { يوم يقوم الناس } ، منصوب ب " مبعوثون " أي: يبعثون يوم يقوم الناس { لرب العالمين } أي: لحكمه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيبا، وامتنع من قراءة ما بعده. { كلا } ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبهوا أنه مما يجب أن ينتهى به ويتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: { إن كتاب الفجار } أي: صحائف أعمالهم { لفي سجين } ، جمهور المفسرين أن " سجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أن " عليين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " علي " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجين " موضع في كتاب الفجار، وواد في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. ه. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جب في جهنم مغطى، وسجين: جب في جهنم مفتوح " والمعنى: إن تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن لأن أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحد فيه، وهو العلمية، لأنه علم لموضع. ثم عظم أمره فقال: { وما أدراك ما } هو { سجين } أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. ه. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سجين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأما من جعله تفسيرا لسجين، بأن جعل سجينا هو نفس الكتاب المرقوم فلا يصح إذ يصير المعنى حينئذ: إن كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. { ويل يومئذ للمكذبين } هو متصل بقوله: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذبين { الذين يكذبون بيوم الدين } الجزاء والحساب، { وما يكذب به } بذلك اليوم { إلا كل معتد } مجاوز للحدود التي حدتها الشريعة، أو مجاوز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، { أثيم } مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، { إذا تتلى عليه آياتنا } التنزيلية الناطقة بذلك { قال }: هي { أساطير الأولين } أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمن اتصف بالأوصاف المذكورة. { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، هو بيان لما أدى بهم إلى التفوه بهذه العظيمة أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه.. " الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان رينا وغينا. { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم في الدنيا حجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين لما صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ه. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه. ه. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولما خصصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. { ثم إنهم لصالو الجحيم } أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. { ثم يقال } لهم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } في الدنيا فذوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعا، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. ه. فكل من لم يتقن عمله فعلا وحضورا فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: { ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون... } الخ، قال القشيري: يشير إلى المقصرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. ه. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. { كلا } ليرتدع المقصر عن تقصيره لئلا ينخرط في سلك الفجار، { إن كتاب الفجار لفي سجين } المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " و { وما أدراك ما سجين } فيه { كتاب مرقوم } لأهل الشقاء شقاوتهم. { ويل يومئذ للمكذبين } بالحق وبالدالين عليه، { الذين يكذبون بيوم الدين } وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة علينا { قال أساطير الأولين } أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الران الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } لما رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلا في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ه. قال الواسطي: الكفار في حجاب لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقت دون وقت. ه. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشرية بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. ه. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلا على محجوب، قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم } فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! ه. وقد رتب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل من بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه ران الشهوات بقي محجوبا في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلا بصحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }.

المطففين 83:18

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:19

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:20

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:21

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:22

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:23

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:24

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.