Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — المطففين 83:25 – البروج 85:22

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. المطففين 83:25
  2. المطففين 83:26
  3. المطففين 83:27
  4. المطففين 83:28
  5. المطففين 83:29
  6. المطففين 83:30
  7. المطففين 83:31
  8. المطففين 83:32
  9. المطففين 83:33
  10. المطففين 83:34
  11. المطففين 83:35
  12. المطففين 83:36
  13. الانشقاق 84:1
  14. الانشقاق 84:2
  15. الانشقاق 84:3
  16. الانشقاق 84:4
  17. الانشقاق 84:5
  18. الانشقاق 84:6
  19. الانشقاق 84:7
  20. الانشقاق 84:8
  21. الانشقاق 84:9
  22. الانشقاق 84:10
  23. الانشقاق 84:11
  24. الانشقاق 84:12
  25. الانشقاق 84:13
  26. الانشقاق 84:14
  27. الانشقاق 84:15
  28. الانشقاق 84:16
  29. الانشقاق 84:17
  30. الانشقاق 84:18
  31. الانشقاق 84:19
  32. الانشقاق 84:20
  33. الانشقاق 84:21
  34. الانشقاق 84:22
  35. الانشقاق 84:23
  36. الانشقاق 84:24
  37. الانشقاق 84:25
  38. البروج 85:1
  39. البروج 85:2
  40. البروج 85:3
  41. البروج 85:4
  42. البروج 85:5
  43. البروج 85:6
  44. البروج 85:7
  45. البروج 85:8
  46. البروج 85:9
  47. البروج 85:10
  48. البروج 85:11
  49. البروج 85:12
  50. البروج 85:13
  51. البروج 85:14
  52. البروج 85:15
  53. البروج 85:16
  54. البروج 85:17
  55. البروج 85:18
  56. البروج 85:19
  57. البروج 85:20
  58. البروج 85:21
  59. البروج 85:22

المطففين 83:25

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:26

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:27

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:28

يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، ردع للمكذبين، ثم بين حال الأبرار، فقال: { إن كتاب الأبرار } أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وعن الحسن: البر: الذي لا يؤذي الذر، { لفي عليين } ، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده " علي " ، و " عليه " وأيا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: " إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة.. " الحديث.. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب " وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عليون في السماء السابعة تحت العرش " وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبد عملا صالحا عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد روي في الأثر: " أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". ثم نوه بقدره فقال: { وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم } أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم { يشهده المقربون } أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين لأن عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. { إن الأبرار } من أهل اليمين { لفي نعيم } عظيم، { على الأرائك } على الأسرة في الحجال، { ينظرون } إلى كرامة الله ونعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي: بهجة التنعم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأن حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء. { يسقون من رحيق } شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، { مختوم } مغلق عليه، { ختامه مسك } أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقرىء " خاتمه " بكسر التاء وفتحها. { وفي ذلك } الرحيق أو ما تقدم من نعيم الجنان { فليتنافس المتنافسون } فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكف عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضن به. قوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم }: عطف على ختامه صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنمه " إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسرها بقوله: { عينا } ، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: { يشرب بها } أي: منها { المقربون } ، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين. ه. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أن المقربين لما أخلصوا محبتهم لله، ولم يحبوا معه شيئا من الدنيا خلص لهم الشراب في الآخرة وأهل اليمين، لما خلطوا في محبيتهم خلط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صفا صفي له، ومن كدر كدر عليه. فإن قلت: لم أمر بالتنافس في الرحيق ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلت: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا ينال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مقدم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحرى لأنه إذا أمر بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتاب مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلا المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يجري الله على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقم معلق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأما للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقم الله على كل شيء أوجده، لم يشرف على ذلك الرقم إلا المقربون، فهم أهل الإشراف فمن شاهد ذلك الرقم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " كان في الأمم مكلمون... " الحديث، أي: فعمر ممن أشرف على حقائق الرقم، وعلى معاني الكتاب المرقوم فمن كان بذلك الحال فهو المكلم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقم رقم الله به قلوب عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقم خفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كل ميسر لما خلق له ". والحاصل: أن الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعل في عليين، إشارة إلى أن صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: { يشهده المقربون } أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلمون، وفي الحديث: " قد كان في الأمم مكلمون، وإن يكن في أمتي فعمر " والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. ه. ولعل نظرهم علميا لا ذوقيا، لأن الذوق للمقربين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القربة ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: { يسقون من رحيق } خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، ختامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلا الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. ه. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. ه. ومزاجه من تسنيم وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسرها تعالى بقوله: { عينا يشرب بها المقربون } فالمقربون يشربونه صرفا في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس من احتمل حمل الصفات كمن قوي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرفا لحملهم الذات والصفات جميعا. ه. ولأنهم صفوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبها فكل امرىء يصبو إلى من يجانس فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعم، تنافس الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: { إن الذين أجرموا }.

المطففين 83:29

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين أجرموا } كفروا، كأبي جهل والوليد والعاص بن وائل وأضرابهم، { كانوا من الذين آمنوا } كعمار وصهيب وخباب وبلال { يضحكون } استهزاء بهم، { وإذا مروا بهم يتغامزون } يشير بعضهم إلى بالعين طعنا فيهم وعيبا لهم، وقيل: جاء علي في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، وقالوا: أترون هذا الأصلع؟ فنزلت قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الآية على هذا مدنية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم { انقلبوا فاكهين } ، متلذذين بذكرهم بالسوء، أو متعجبين، وقرأ حفص: { فكهين } بالقصر، أي: أشرين أو فرحين، وقال الفراء: هما سواء كطاعن وطعن. { وإذا رأوهم } أي: رأى الكافرون المؤمنين { قالوا إن هؤلاء لضالون } أي: مخدوعون، أي: خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا العاجل بالآجل، والحقيقة بالخيال وهذا عين الضلال، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أن ما اغتروا به وانهمكوا فيه هو عين الضلال، قال تعالى: { وما أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسل الكفار على المسلمين، يحفظون أعمالهم ويرقبون أحوالهم. والجملة حال، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، مهيمنين على أعمالهم، يشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى من تتبع عورات غيرهم. { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ، حين يرونهم مغلولين أذلاء قد غشيتهم فنون العذاب والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم { على الأرائك } آمنون ووجه ذلك: أنهم لما كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سرورا في تعذيبهم، وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه، دليله: فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم [الصافات:55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في الدنيا جزاء وفاقا. { على الأرائك ينظرون } حال، أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال، وقيل: يفتح إلى الكفار باب إلى الجنة، فيقال لهم: هلموا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، ويضحك المؤمنون، ويأباه قوله تعالى: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جبرا لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة: المجازاة، أي: ينظرون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا؟ ويحتمل أن يكون مفعول: " ينظرون " محذوفا أي: ينظرون إلى أعدائهم في النار، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان، ثم استأنف بقوله: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: هل جوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين، و " هل " على هذا للتقرير، قال الرضي: وتختص " هل " بحكمين دون الهمزة، وهما: كونها للتقرير في الإثبات، كقوله تعالى: { هل ثوب الكفار } أي: ألم يثوبوا، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها " إلا " قصدا للإيجاب، كقوله تعالى: هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] وقول الشاعر: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد الإشارة: ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين الذاكرين، حرفا بحرف، وما أرسلوا عليهم حافظين، فإذا تحققت الحقائق، ورفع الذاكرون مع المقربين، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل اليمين، يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الطريق، وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المطففين 83:30

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين أجرموا } كفروا، كأبي جهل والوليد والعاص بن وائل وأضرابهم، { كانوا من الذين آمنوا } كعمار وصهيب وخباب وبلال { يضحكون } استهزاء بهم، { وإذا مروا بهم يتغامزون } يشير بعضهم إلى بالعين طعنا فيهم وعيبا لهم، وقيل: جاء علي في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، وقالوا: أترون هذا الأصلع؟ فنزلت قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الآية على هذا مدنية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم { انقلبوا فاكهين } ، متلذذين بذكرهم بالسوء، أو متعجبين، وقرأ حفص: { فكهين } بالقصر، أي: أشرين أو فرحين، وقال الفراء: هما سواء كطاعن وطعن. { وإذا رأوهم } أي: رأى الكافرون المؤمنين { قالوا إن هؤلاء لضالون } أي: مخدوعون، أي: خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا العاجل بالآجل، والحقيقة بالخيال وهذا عين الضلال، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أن ما اغتروا به وانهمكوا فيه هو عين الضلال، قال تعالى: { وما أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسل الكفار على المسلمين، يحفظون أعمالهم ويرقبون أحوالهم. والجملة حال، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، مهيمنين على أعمالهم، يشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى من تتبع عورات غيرهم. { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ، حين يرونهم مغلولين أذلاء قد غشيتهم فنون العذاب والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم { على الأرائك } آمنون ووجه ذلك: أنهم لما كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سرورا في تعذيبهم، وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه، دليله: فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم [الصافات:55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في الدنيا جزاء وفاقا. { على الأرائك ينظرون } حال، أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال، وقيل: يفتح إلى الكفار باب إلى الجنة، فيقال لهم: هلموا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، ويضحك المؤمنون، ويأباه قوله تعالى: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جبرا لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة: المجازاة، أي: ينظرون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا؟ ويحتمل أن يكون مفعول: " ينظرون " محذوفا أي: ينظرون إلى أعدائهم في النار، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان، ثم استأنف بقوله: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: هل جوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين، و " هل " على هذا للتقرير، قال الرضي: وتختص " هل " بحكمين دون الهمزة، وهما: كونها للتقرير في الإثبات، كقوله تعالى: { هل ثوب الكفار } أي: ألم يثوبوا، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها " إلا " قصدا للإيجاب، كقوله تعالى: هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] وقول الشاعر: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد الإشارة: ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين الذاكرين، حرفا بحرف، وما أرسلوا عليهم حافظين، فإذا تحققت الحقائق، ورفع الذاكرون مع المقربين، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل اليمين، يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الطريق، وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المطففين 83:31

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين أجرموا } كفروا، كأبي جهل والوليد والعاص بن وائل وأضرابهم، { كانوا من الذين آمنوا } كعمار وصهيب وخباب وبلال { يضحكون } استهزاء بهم، { وإذا مروا بهم يتغامزون } يشير بعضهم إلى بالعين طعنا فيهم وعيبا لهم، وقيل: جاء علي في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، وقالوا: أترون هذا الأصلع؟ فنزلت قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الآية على هذا مدنية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم { انقلبوا فاكهين } ، متلذذين بذكرهم بالسوء، أو متعجبين، وقرأ حفص: { فكهين } بالقصر، أي: أشرين أو فرحين، وقال الفراء: هما سواء كطاعن وطعن. { وإذا رأوهم } أي: رأى الكافرون المؤمنين { قالوا إن هؤلاء لضالون } أي: مخدوعون، أي: خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا العاجل بالآجل، والحقيقة بالخيال وهذا عين الضلال، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أن ما اغتروا به وانهمكوا فيه هو عين الضلال، قال تعالى: { وما أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسل الكفار على المسلمين، يحفظون أعمالهم ويرقبون أحوالهم. والجملة حال، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، مهيمنين على أعمالهم، يشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى من تتبع عورات غيرهم. { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ، حين يرونهم مغلولين أذلاء قد غشيتهم فنون العذاب والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم { على الأرائك } آمنون ووجه ذلك: أنهم لما كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سرورا في تعذيبهم، وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه، دليله: فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم [الصافات:55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في الدنيا جزاء وفاقا. { على الأرائك ينظرون } حال، أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال، وقيل: يفتح إلى الكفار باب إلى الجنة، فيقال لهم: هلموا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، ويضحك المؤمنون، ويأباه قوله تعالى: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جبرا لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة: المجازاة، أي: ينظرون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا؟ ويحتمل أن يكون مفعول: " ينظرون " محذوفا أي: ينظرون إلى أعدائهم في النار، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان، ثم استأنف بقوله: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: هل جوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين، و " هل " على هذا للتقرير، قال الرضي: وتختص " هل " بحكمين دون الهمزة، وهما: كونها للتقرير في الإثبات، كقوله تعالى: { هل ثوب الكفار } أي: ألم يثوبوا، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها " إلا " قصدا للإيجاب، كقوله تعالى: هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] وقول الشاعر: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد الإشارة: ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين الذاكرين، حرفا بحرف، وما أرسلوا عليهم حافظين، فإذا تحققت الحقائق، ورفع الذاكرون مع المقربين، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل اليمين، يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الطريق، وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المطففين 83:32

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين أجرموا } كفروا، كأبي جهل والوليد والعاص بن وائل وأضرابهم، { كانوا من الذين آمنوا } كعمار وصهيب وخباب وبلال { يضحكون } استهزاء بهم، { وإذا مروا بهم يتغامزون } يشير بعضهم إلى بالعين طعنا فيهم وعيبا لهم، وقيل: جاء علي في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، وقالوا: أترون هذا الأصلع؟ فنزلت قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الآية على هذا مدنية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم { انقلبوا فاكهين } ، متلذذين بذكرهم بالسوء، أو متعجبين، وقرأ حفص: { فكهين } بالقصر، أي: أشرين أو فرحين، وقال الفراء: هما سواء كطاعن وطعن. { وإذا رأوهم } أي: رأى الكافرون المؤمنين { قالوا إن هؤلاء لضالون } أي: مخدوعون، أي: خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا العاجل بالآجل، والحقيقة بالخيال وهذا عين الضلال، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أن ما اغتروا به وانهمكوا فيه هو عين الضلال، قال تعالى: { وما أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسل الكفار على المسلمين، يحفظون أعمالهم ويرقبون أحوالهم. والجملة حال، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، مهيمنين على أعمالهم، يشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى من تتبع عورات غيرهم. { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ، حين يرونهم مغلولين أذلاء قد غشيتهم فنون العذاب والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم { على الأرائك } آمنون ووجه ذلك: أنهم لما كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سرورا في تعذيبهم، وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه، دليله: فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم [الصافات:55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في الدنيا جزاء وفاقا. { على الأرائك ينظرون } حال، أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال، وقيل: يفتح إلى الكفار باب إلى الجنة، فيقال لهم: هلموا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، ويضحك المؤمنون، ويأباه قوله تعالى: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جبرا لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة: المجازاة، أي: ينظرون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا؟ ويحتمل أن يكون مفعول: " ينظرون " محذوفا أي: ينظرون إلى أعدائهم في النار، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان، ثم استأنف بقوله: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: هل جوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين، و " هل " على هذا للتقرير، قال الرضي: وتختص " هل " بحكمين دون الهمزة، وهما: كونها للتقرير في الإثبات، كقوله تعالى: { هل ثوب الكفار } أي: ألم يثوبوا، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها " إلا " قصدا للإيجاب، كقوله تعالى: هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] وقول الشاعر: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد الإشارة: ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين الذاكرين، حرفا بحرف، وما أرسلوا عليهم حافظين، فإذا تحققت الحقائق، ورفع الذاكرون مع المقربين، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل اليمين، يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الطريق، وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المطففين 83:33

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين أجرموا } كفروا، كأبي جهل والوليد والعاص بن وائل وأضرابهم، { كانوا من الذين آمنوا } كعمار وصهيب وخباب وبلال { يضحكون } استهزاء بهم، { وإذا مروا بهم يتغامزون } يشير بعضهم إلى بالعين طعنا فيهم وعيبا لهم، وقيل: جاء علي في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، وقالوا: أترون هذا الأصلع؟ فنزلت قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الآية على هذا مدنية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم { انقلبوا فاكهين } ، متلذذين بذكرهم بالسوء، أو متعجبين، وقرأ حفص: { فكهين } بالقصر، أي: أشرين أو فرحين، وقال الفراء: هما سواء كطاعن وطعن. { وإذا رأوهم } أي: رأى الكافرون المؤمنين { قالوا إن هؤلاء لضالون } أي: مخدوعون، أي: خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا العاجل بالآجل، والحقيقة بالخيال وهذا عين الضلال، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أن ما اغتروا به وانهمكوا فيه هو عين الضلال، قال تعالى: { وما أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسل الكفار على المسلمين، يحفظون أعمالهم ويرقبون أحوالهم. والجملة حال، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، مهيمنين على أعمالهم، يشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى من تتبع عورات غيرهم. { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ، حين يرونهم مغلولين أذلاء قد غشيتهم فنون العذاب والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم { على الأرائك } آمنون ووجه ذلك: أنهم لما كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سرورا في تعذيبهم، وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه، دليله: فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم [الصافات:55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في الدنيا جزاء وفاقا. { على الأرائك ينظرون } حال، أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال، وقيل: يفتح إلى الكفار باب إلى الجنة، فيقال لهم: هلموا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، ويضحك المؤمنون، ويأباه قوله تعالى: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جبرا لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة: المجازاة، أي: ينظرون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا؟ ويحتمل أن يكون مفعول: " ينظرون " محذوفا أي: ينظرون إلى أعدائهم في النار، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان، ثم استأنف بقوله: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: هل جوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين، و " هل " على هذا للتقرير، قال الرضي: وتختص " هل " بحكمين دون الهمزة، وهما: كونها للتقرير في الإثبات، كقوله تعالى: { هل ثوب الكفار } أي: ألم يثوبوا، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها " إلا " قصدا للإيجاب، كقوله تعالى: هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] وقول الشاعر: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد الإشارة: ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين الذاكرين، حرفا بحرف، وما أرسلوا عليهم حافظين، فإذا تحققت الحقائق، ورفع الذاكرون مع المقربين، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل اليمين، يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الطريق، وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المطففين 83:34

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين أجرموا } كفروا، كأبي جهل والوليد والعاص بن وائل وأضرابهم، { كانوا من الذين آمنوا } كعمار وصهيب وخباب وبلال { يضحكون } استهزاء بهم، { وإذا مروا بهم يتغامزون } يشير بعضهم إلى بالعين طعنا فيهم وعيبا لهم، وقيل: جاء علي في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، وقالوا: أترون هذا الأصلع؟ فنزلت قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الآية على هذا مدنية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم { انقلبوا فاكهين } ، متلذذين بذكرهم بالسوء، أو متعجبين، وقرأ حفص: { فكهين } بالقصر، أي: أشرين أو فرحين، وقال الفراء: هما سواء كطاعن وطعن. { وإذا رأوهم } أي: رأى الكافرون المؤمنين { قالوا إن هؤلاء لضالون } أي: مخدوعون، أي: خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا العاجل بالآجل، والحقيقة بالخيال وهذا عين الضلال، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أن ما اغتروا به وانهمكوا فيه هو عين الضلال، قال تعالى: { وما أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسل الكفار على المسلمين، يحفظون أعمالهم ويرقبون أحوالهم. والجملة حال، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، مهيمنين على أعمالهم، يشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى من تتبع عورات غيرهم. { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ، حين يرونهم مغلولين أذلاء قد غشيتهم فنون العذاب والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم { على الأرائك } آمنون ووجه ذلك: أنهم لما كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سرورا في تعذيبهم، وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه، دليله: فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم [الصافات:55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في الدنيا جزاء وفاقا. { على الأرائك ينظرون } حال، أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال، وقيل: يفتح إلى الكفار باب إلى الجنة، فيقال لهم: هلموا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، ويضحك المؤمنون، ويأباه قوله تعالى: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جبرا لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة: المجازاة، أي: ينظرون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا؟ ويحتمل أن يكون مفعول: " ينظرون " محذوفا أي: ينظرون إلى أعدائهم في النار، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان، ثم استأنف بقوله: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: هل جوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين، و " هل " على هذا للتقرير، قال الرضي: وتختص " هل " بحكمين دون الهمزة، وهما: كونها للتقرير في الإثبات، كقوله تعالى: { هل ثوب الكفار } أي: ألم يثوبوا، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها " إلا " قصدا للإيجاب، كقوله تعالى: هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] وقول الشاعر: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد الإشارة: ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين الذاكرين، حرفا بحرف، وما أرسلوا عليهم حافظين، فإذا تحققت الحقائق، ورفع الذاكرون مع المقربين، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل اليمين، يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الطريق، وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المطففين 83:35

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين أجرموا } كفروا، كأبي جهل والوليد والعاص بن وائل وأضرابهم، { كانوا من الذين آمنوا } كعمار وصهيب وخباب وبلال { يضحكون } استهزاء بهم، { وإذا مروا بهم يتغامزون } يشير بعضهم إلى بالعين طعنا فيهم وعيبا لهم، وقيل: جاء علي في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، وقالوا: أترون هذا الأصلع؟ فنزلت قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الآية على هذا مدنية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم { انقلبوا فاكهين } ، متلذذين بذكرهم بالسوء، أو متعجبين، وقرأ حفص: { فكهين } بالقصر، أي: أشرين أو فرحين، وقال الفراء: هما سواء كطاعن وطعن. { وإذا رأوهم } أي: رأى الكافرون المؤمنين { قالوا إن هؤلاء لضالون } أي: مخدوعون، أي: خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا العاجل بالآجل، والحقيقة بالخيال وهذا عين الضلال، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أن ما اغتروا به وانهمكوا فيه هو عين الضلال، قال تعالى: { وما أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسل الكفار على المسلمين، يحفظون أعمالهم ويرقبون أحوالهم. والجملة حال، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، مهيمنين على أعمالهم، يشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى من تتبع عورات غيرهم. { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ، حين يرونهم مغلولين أذلاء قد غشيتهم فنون العذاب والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم { على الأرائك } آمنون ووجه ذلك: أنهم لما كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سرورا في تعذيبهم، وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه، دليله: فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم [الصافات:55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في الدنيا جزاء وفاقا. { على الأرائك ينظرون } حال، أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال، وقيل: يفتح إلى الكفار باب إلى الجنة، فيقال لهم: هلموا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، ويضحك المؤمنون، ويأباه قوله تعالى: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جبرا لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة: المجازاة، أي: ينظرون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا؟ ويحتمل أن يكون مفعول: " ينظرون " محذوفا أي: ينظرون إلى أعدائهم في النار، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان، ثم استأنف بقوله: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: هل جوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين، و " هل " على هذا للتقرير، قال الرضي: وتختص " هل " بحكمين دون الهمزة، وهما: كونها للتقرير في الإثبات، كقوله تعالى: { هل ثوب الكفار } أي: ألم يثوبوا، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها " إلا " قصدا للإيجاب، كقوله تعالى: هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] وقول الشاعر: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد الإشارة: ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين الذاكرين، حرفا بحرف، وما أرسلوا عليهم حافظين، فإذا تحققت الحقائق، ورفع الذاكرون مع المقربين، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل اليمين، يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الطريق، وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المطففين 83:36

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين أجرموا } كفروا، كأبي جهل والوليد والعاص بن وائل وأضرابهم، { كانوا من الذين آمنوا } كعمار وصهيب وخباب وبلال { يضحكون } استهزاء بهم، { وإذا مروا بهم يتغامزون } يشير بعضهم إلى بالعين طعنا فيهم وعيبا لهم، وقيل: جاء علي في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، وقالوا: أترون هذا الأصلع؟ فنزلت قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الآية على هذا مدنية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم { انقلبوا فاكهين } ، متلذذين بذكرهم بالسوء، أو متعجبين، وقرأ حفص: { فكهين } بالقصر، أي: أشرين أو فرحين، وقال الفراء: هما سواء كطاعن وطعن. { وإذا رأوهم } أي: رأى الكافرون المؤمنين { قالوا إن هؤلاء لضالون } أي: مخدوعون، أي: خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا العاجل بالآجل، والحقيقة بالخيال وهذا عين الضلال، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أن ما اغتروا به وانهمكوا فيه هو عين الضلال، قال تعالى: { وما أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسل الكفار على المسلمين، يحفظون أعمالهم ويرقبون أحوالهم. والجملة حال، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، مهيمنين على أعمالهم، يشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى من تتبع عورات غيرهم. { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ، حين يرونهم مغلولين أذلاء قد غشيتهم فنون العذاب والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم { على الأرائك } آمنون ووجه ذلك: أنهم لما كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سرورا في تعذيبهم، وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه، دليله: فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم [الصافات:55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في الدنيا جزاء وفاقا. { على الأرائك ينظرون } حال، أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال، وقيل: يفتح إلى الكفار باب إلى الجنة، فيقال لهم: هلموا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، ويضحك المؤمنون، ويأباه قوله تعالى: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جبرا لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة: المجازاة، أي: ينظرون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا؟ ويحتمل أن يكون مفعول: " ينظرون " محذوفا أي: ينظرون إلى أعدائهم في النار، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان، ثم استأنف بقوله: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: هل جوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين، و " هل " على هذا للتقرير، قال الرضي: وتختص " هل " بحكمين دون الهمزة، وهما: كونها للتقرير في الإثبات، كقوله تعالى: { هل ثوب الكفار } أي: ألم يثوبوا، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها " إلا " قصدا للإيجاب، كقوله تعالى: هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن:60] وقول الشاعر: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد الإشارة: ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين الذاكرين، حرفا بحرف، وما أرسلوا عليهم حافظين، فإذا تحققت الحقائق، ورفع الذاكرون مع المقربين، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل اليمين، يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الطريق، وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:1

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انشقت } أي: تشققت أبوابا لنزول الملائكة في الغمام، أو: انشقت وطويت كطي السجل للكتاب، { وأذنت لربها } أي: استمعت، وفي الحديث: " ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن " أي: ما استمع، أي: انقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى حين تعلقت إرادته بانشقاقها ولم تأب ولم تمتنع، { وحقت } أي: وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر ربها، إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى. { وإذا الأرض مدت } بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها حتى تصير كالصحفية الملساء، عن أبن عباس: تمد مد الأديم العكاظي، منسوب إلى عكاظ سوق بين نخلة والطائف، كانت تعمره الجاهلية في ذي القعدة، عشرين يوما، تجمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون، أي: يتغامزون ويتناشدون، قاله في القاموس. { وألقت ما فيها } أي: رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز، كقوله تعالى: وأخرجت الأرض أثقالها [الزلزلة:2]. { وتخلت } منها فلم يبق في جوفها شيء، وذلك ما يؤذن بعظم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها قبل الوضع. { وأذنت لربها } أي: استمعت في إلقاء ما في بطنها، وتخليتها عنه، { وحقت } أي: وهي حقيقة بأن تنقاد لربها ولا تمتنع، ولكن لا بعد إن لم تكن كذلك، بل في نفسها وحد ذاتها، من قولهم: هو محقوق بكذا، أو حقيق به، والمعنى: انقادت لربها وهي حقيقة بذلك من ذاتها، وكذلك يقال في انشقاق السماء. انظر أبا السعود. وجواب إذا محذوف، ليذهب المقدر كل مذهب، أي: كان من الأمر الهائل ما يقصر عنه الوصف، أو حذف اكتفاء بما تقدم في سورة التكوير والانفطار، أو ما دل عليه { فملاقيه } أي: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا السماء، أي: سماء الأرواح انشقت عن ظلمة الأشباح انشقاق الفجر عن ظلمة الليل، فتغيب ظلمة الأشباح في نور عالم الأرواح فحينئذ تظهر حقائق الأشياء على ما كانت عليه في الحقيقة الأزلية، فينتفي الحدث ويبقى القدم. قال الورتجبي: إذا أراد الله قلع الكون، يلقي على السموات والأرض أثقال هيبة عظمته وكبريائه، فتنشق السماء، وتمد الأرض من عكس تجلي عظمته وكبريائه، وحق لهما أن تتصدعا، لما عليهما من أثقال قهريات جبروته، حيث يشققهما، وهما طائعتان لربهما، وكيف لا تكون منهما طاعة، وهما في قبضة قهر جلاله أقل من خردلة، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم: " الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة " وكذلك يتجلى لسماء أرواح العارفين وأرض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء، فتنشق الأرواح وتزلزل القلوب من وقوع نور هيبته عليها، وبهذا الوصف وصف قلوب المقربين عند نزول خطاب الهيبة، قال الله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم... [سبأ:23] الآية. قال بعضهم: خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فهي بين مطيع وعاص، وخطاب الهيبة إذا وردت تفني وتعجز الإقرار معه كقوله: { إذا السماء انشقت } ورد عليها صفة الهيبة فانشقت وأذنت لربها وأطاعت وانقادت، وحق لها ذلك، وهو الذي أوجدها. ه وإذا الأرض أرض البشرية مدت، أي: بسطت ولانت لأحكام الربوبية بالمجاهدة والرياضة، وألقت ما فيها من الخبائث والعيوب، وتخلت عنها، وأذنت لربها في أحكام العبودية والعبادة، وحقت بذلك لأن في ذلك شرفها وعزها، وجواب " إذا " محذوف، أي: كان من الأسرار والأنوار والمعارف ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تحيط به الإشارة. ثم حث على السير إلى ما ينال به هذا السر العظيم، فقال: { يأيها الإنسان إنك كادح }.

الانشقاق 84:2

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انشقت } أي: تشققت أبوابا لنزول الملائكة في الغمام، أو: انشقت وطويت كطي السجل للكتاب، { وأذنت لربها } أي: استمعت، وفي الحديث: " ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن " أي: ما استمع، أي: انقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى حين تعلقت إرادته بانشقاقها ولم تأب ولم تمتنع، { وحقت } أي: وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر ربها، إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى. { وإذا الأرض مدت } بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها حتى تصير كالصحفية الملساء، عن أبن عباس: تمد مد الأديم العكاظي، منسوب إلى عكاظ سوق بين نخلة والطائف، كانت تعمره الجاهلية في ذي القعدة، عشرين يوما، تجمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون، أي: يتغامزون ويتناشدون، قاله في القاموس. { وألقت ما فيها } أي: رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز، كقوله تعالى: وأخرجت الأرض أثقالها [الزلزلة:2]. { وتخلت } منها فلم يبق في جوفها شيء، وذلك ما يؤذن بعظم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها قبل الوضع. { وأذنت لربها } أي: استمعت في إلقاء ما في بطنها، وتخليتها عنه، { وحقت } أي: وهي حقيقة بأن تنقاد لربها ولا تمتنع، ولكن لا بعد إن لم تكن كذلك، بل في نفسها وحد ذاتها، من قولهم: هو محقوق بكذا، أو حقيق به، والمعنى: انقادت لربها وهي حقيقة بذلك من ذاتها، وكذلك يقال في انشقاق السماء. انظر أبا السعود. وجواب إذا محذوف، ليذهب المقدر كل مذهب، أي: كان من الأمر الهائل ما يقصر عنه الوصف، أو حذف اكتفاء بما تقدم في سورة التكوير والانفطار، أو ما دل عليه { فملاقيه } أي: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا السماء، أي: سماء الأرواح انشقت عن ظلمة الأشباح انشقاق الفجر عن ظلمة الليل، فتغيب ظلمة الأشباح في نور عالم الأرواح فحينئذ تظهر حقائق الأشياء على ما كانت عليه في الحقيقة الأزلية، فينتفي الحدث ويبقى القدم. قال الورتجبي: إذا أراد الله قلع الكون، يلقي على السموات والأرض أثقال هيبة عظمته وكبريائه، فتنشق السماء، وتمد الأرض من عكس تجلي عظمته وكبريائه، وحق لهما أن تتصدعا، لما عليهما من أثقال قهريات جبروته، حيث يشققهما، وهما طائعتان لربهما، وكيف لا تكون منهما طاعة، وهما في قبضة قهر جلاله أقل من خردلة، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم: " الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة " وكذلك يتجلى لسماء أرواح العارفين وأرض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء، فتنشق الأرواح وتزلزل القلوب من وقوع نور هيبته عليها، وبهذا الوصف وصف قلوب المقربين عند نزول خطاب الهيبة، قال الله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم... [سبأ:23] الآية. قال بعضهم: خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فهي بين مطيع وعاص، وخطاب الهيبة إذا وردت تفني وتعجز الإقرار معه كقوله: { إذا السماء انشقت } ورد عليها صفة الهيبة فانشقت وأذنت لربها وأطاعت وانقادت، وحق لها ذلك، وهو الذي أوجدها. ه وإذا الأرض أرض البشرية مدت، أي: بسطت ولانت لأحكام الربوبية بالمجاهدة والرياضة، وألقت ما فيها من الخبائث والعيوب، وتخلت عنها، وأذنت لربها في أحكام العبودية والعبادة، وحقت بذلك لأن في ذلك شرفها وعزها، وجواب " إذا " محذوف، أي: كان من الأسرار والأنوار والمعارف ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تحيط به الإشارة. ثم حث على السير إلى ما ينال به هذا السر العظيم، فقال: { يأيها الإنسان إنك كادح }.

الانشقاق 84:3

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انشقت } أي: تشققت أبوابا لنزول الملائكة في الغمام، أو: انشقت وطويت كطي السجل للكتاب، { وأذنت لربها } أي: استمعت، وفي الحديث: " ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن " أي: ما استمع، أي: انقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى حين تعلقت إرادته بانشقاقها ولم تأب ولم تمتنع، { وحقت } أي: وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر ربها، إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى. { وإذا الأرض مدت } بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها حتى تصير كالصحفية الملساء، عن أبن عباس: تمد مد الأديم العكاظي، منسوب إلى عكاظ سوق بين نخلة والطائف، كانت تعمره الجاهلية في ذي القعدة، عشرين يوما، تجمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون، أي: يتغامزون ويتناشدون، قاله في القاموس. { وألقت ما فيها } أي: رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز، كقوله تعالى: وأخرجت الأرض أثقالها [الزلزلة:2]. { وتخلت } منها فلم يبق في جوفها شيء، وذلك ما يؤذن بعظم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها قبل الوضع. { وأذنت لربها } أي: استمعت في إلقاء ما في بطنها، وتخليتها عنه، { وحقت } أي: وهي حقيقة بأن تنقاد لربها ولا تمتنع، ولكن لا بعد إن لم تكن كذلك، بل في نفسها وحد ذاتها، من قولهم: هو محقوق بكذا، أو حقيق به، والمعنى: انقادت لربها وهي حقيقة بذلك من ذاتها، وكذلك يقال في انشقاق السماء. انظر أبا السعود. وجواب إذا محذوف، ليذهب المقدر كل مذهب، أي: كان من الأمر الهائل ما يقصر عنه الوصف، أو حذف اكتفاء بما تقدم في سورة التكوير والانفطار، أو ما دل عليه { فملاقيه } أي: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا السماء، أي: سماء الأرواح انشقت عن ظلمة الأشباح انشقاق الفجر عن ظلمة الليل، فتغيب ظلمة الأشباح في نور عالم الأرواح فحينئذ تظهر حقائق الأشياء على ما كانت عليه في الحقيقة الأزلية، فينتفي الحدث ويبقى القدم. قال الورتجبي: إذا أراد الله قلع الكون، يلقي على السموات والأرض أثقال هيبة عظمته وكبريائه، فتنشق السماء، وتمد الأرض من عكس تجلي عظمته وكبريائه، وحق لهما أن تتصدعا، لما عليهما من أثقال قهريات جبروته، حيث يشققهما، وهما طائعتان لربهما، وكيف لا تكون منهما طاعة، وهما في قبضة قهر جلاله أقل من خردلة، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم: " الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة " وكذلك يتجلى لسماء أرواح العارفين وأرض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء، فتنشق الأرواح وتزلزل القلوب من وقوع نور هيبته عليها، وبهذا الوصف وصف قلوب المقربين عند نزول خطاب الهيبة، قال الله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم... [سبأ:23] الآية. قال بعضهم: خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فهي بين مطيع وعاص، وخطاب الهيبة إذا وردت تفني وتعجز الإقرار معه كقوله: { إذا السماء انشقت } ورد عليها صفة الهيبة فانشقت وأذنت لربها وأطاعت وانقادت، وحق لها ذلك، وهو الذي أوجدها. ه وإذا الأرض أرض البشرية مدت، أي: بسطت ولانت لأحكام الربوبية بالمجاهدة والرياضة، وألقت ما فيها من الخبائث والعيوب، وتخلت عنها، وأذنت لربها في أحكام العبودية والعبادة، وحقت بذلك لأن في ذلك شرفها وعزها، وجواب " إذا " محذوف، أي: كان من الأسرار والأنوار والمعارف ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تحيط به الإشارة. ثم حث على السير إلى ما ينال به هذا السر العظيم، فقال: { يأيها الإنسان إنك كادح }.

الانشقاق 84:4

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انشقت } أي: تشققت أبوابا لنزول الملائكة في الغمام، أو: انشقت وطويت كطي السجل للكتاب، { وأذنت لربها } أي: استمعت، وفي الحديث: " ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن " أي: ما استمع، أي: انقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى حين تعلقت إرادته بانشقاقها ولم تأب ولم تمتنع، { وحقت } أي: وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر ربها، إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى. { وإذا الأرض مدت } بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها حتى تصير كالصحفية الملساء، عن أبن عباس: تمد مد الأديم العكاظي، منسوب إلى عكاظ سوق بين نخلة والطائف، كانت تعمره الجاهلية في ذي القعدة، عشرين يوما، تجمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون، أي: يتغامزون ويتناشدون، قاله في القاموس. { وألقت ما فيها } أي: رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز، كقوله تعالى: وأخرجت الأرض أثقالها [الزلزلة:2]. { وتخلت } منها فلم يبق في جوفها شيء، وذلك ما يؤذن بعظم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها قبل الوضع. { وأذنت لربها } أي: استمعت في إلقاء ما في بطنها، وتخليتها عنه، { وحقت } أي: وهي حقيقة بأن تنقاد لربها ولا تمتنع، ولكن لا بعد إن لم تكن كذلك، بل في نفسها وحد ذاتها، من قولهم: هو محقوق بكذا، أو حقيق به، والمعنى: انقادت لربها وهي حقيقة بذلك من ذاتها، وكذلك يقال في انشقاق السماء. انظر أبا السعود. وجواب إذا محذوف، ليذهب المقدر كل مذهب، أي: كان من الأمر الهائل ما يقصر عنه الوصف، أو حذف اكتفاء بما تقدم في سورة التكوير والانفطار، أو ما دل عليه { فملاقيه } أي: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا السماء، أي: سماء الأرواح انشقت عن ظلمة الأشباح انشقاق الفجر عن ظلمة الليل، فتغيب ظلمة الأشباح في نور عالم الأرواح فحينئذ تظهر حقائق الأشياء على ما كانت عليه في الحقيقة الأزلية، فينتفي الحدث ويبقى القدم. قال الورتجبي: إذا أراد الله قلع الكون، يلقي على السموات والأرض أثقال هيبة عظمته وكبريائه، فتنشق السماء، وتمد الأرض من عكس تجلي عظمته وكبريائه، وحق لهما أن تتصدعا، لما عليهما من أثقال قهريات جبروته، حيث يشققهما، وهما طائعتان لربهما، وكيف لا تكون منهما طاعة، وهما في قبضة قهر جلاله أقل من خردلة، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم: " الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة " وكذلك يتجلى لسماء أرواح العارفين وأرض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء، فتنشق الأرواح وتزلزل القلوب من وقوع نور هيبته عليها، وبهذا الوصف وصف قلوب المقربين عند نزول خطاب الهيبة، قال الله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم... [سبأ:23] الآية. قال بعضهم: خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فهي بين مطيع وعاص، وخطاب الهيبة إذا وردت تفني وتعجز الإقرار معه كقوله: { إذا السماء انشقت } ورد عليها صفة الهيبة فانشقت وأذنت لربها وأطاعت وانقادت، وحق لها ذلك، وهو الذي أوجدها. ه وإذا الأرض أرض البشرية مدت، أي: بسطت ولانت لأحكام الربوبية بالمجاهدة والرياضة، وألقت ما فيها من الخبائث والعيوب، وتخلت عنها، وأذنت لربها في أحكام العبودية والعبادة، وحقت بذلك لأن في ذلك شرفها وعزها، وجواب " إذا " محذوف، أي: كان من الأسرار والأنوار والمعارف ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تحيط به الإشارة. ثم حث على السير إلى ما ينال به هذا السر العظيم، فقال: { يأيها الإنسان إنك كادح }.

الانشقاق 84:5

يقول الحق جل جلاله: { إذا السماء انشقت } أي: تشققت أبوابا لنزول الملائكة في الغمام، أو: انشقت وطويت كطي السجل للكتاب، { وأذنت لربها } أي: استمعت، وفي الحديث: " ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن " أي: ما استمع، أي: انقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى حين تعلقت إرادته بانشقاقها ولم تأب ولم تمتنع، { وحقت } أي: وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر ربها، إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى. { وإذا الأرض مدت } بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها حتى تصير كالصحفية الملساء، عن أبن عباس: تمد مد الأديم العكاظي، منسوب إلى عكاظ سوق بين نخلة والطائف، كانت تعمره الجاهلية في ذي القعدة، عشرين يوما، تجمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون، أي: يتغامزون ويتناشدون، قاله في القاموس. { وألقت ما فيها } أي: رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز، كقوله تعالى: وأخرجت الأرض أثقالها [الزلزلة:2]. { وتخلت } منها فلم يبق في جوفها شيء، وذلك ما يؤذن بعظم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها قبل الوضع. { وأذنت لربها } أي: استمعت في إلقاء ما في بطنها، وتخليتها عنه، { وحقت } أي: وهي حقيقة بأن تنقاد لربها ولا تمتنع، ولكن لا بعد إن لم تكن كذلك، بل في نفسها وحد ذاتها، من قولهم: هو محقوق بكذا، أو حقيق به، والمعنى: انقادت لربها وهي حقيقة بذلك من ذاتها، وكذلك يقال في انشقاق السماء. انظر أبا السعود. وجواب إذا محذوف، ليذهب المقدر كل مذهب، أي: كان من الأمر الهائل ما يقصر عنه الوصف، أو حذف اكتفاء بما تقدم في سورة التكوير والانفطار، أو ما دل عليه { فملاقيه } أي: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا السماء، أي: سماء الأرواح انشقت عن ظلمة الأشباح انشقاق الفجر عن ظلمة الليل، فتغيب ظلمة الأشباح في نور عالم الأرواح فحينئذ تظهر حقائق الأشياء على ما كانت عليه في الحقيقة الأزلية، فينتفي الحدث ويبقى القدم. قال الورتجبي: إذا أراد الله قلع الكون، يلقي على السموات والأرض أثقال هيبة عظمته وكبريائه، فتنشق السماء، وتمد الأرض من عكس تجلي عظمته وكبريائه، وحق لهما أن تتصدعا، لما عليهما من أثقال قهريات جبروته، حيث يشققهما، وهما طائعتان لربهما، وكيف لا تكون منهما طاعة، وهما في قبضة قهر جلاله أقل من خردلة، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم: " الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة " وكذلك يتجلى لسماء أرواح العارفين وأرض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء، فتنشق الأرواح وتزلزل القلوب من وقوع نور هيبته عليها، وبهذا الوصف وصف قلوب المقربين عند نزول خطاب الهيبة، قال الله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم... [سبأ:23] الآية. قال بعضهم: خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فهي بين مطيع وعاص، وخطاب الهيبة إذا وردت تفني وتعجز الإقرار معه كقوله: { إذا السماء انشقت } ورد عليها صفة الهيبة فانشقت وأذنت لربها وأطاعت وانقادت، وحق لها ذلك، وهو الذي أوجدها. ه وإذا الأرض أرض البشرية مدت، أي: بسطت ولانت لأحكام الربوبية بالمجاهدة والرياضة، وألقت ما فيها من الخبائث والعيوب، وتخلت عنها، وأذنت لربها في أحكام العبودية والعبادة، وحقت بذلك لأن في ذلك شرفها وعزها، وجواب " إذا " محذوف، أي: كان من الأسرار والأنوار والمعارف ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تحيط به الإشارة. ثم حث على السير إلى ما ينال به هذا السر العظيم، فقال: { يأيها الإنسان إنك كادح }.

الانشقاق 84:6

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:7

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:8

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:9

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:10

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:11

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:12

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:13

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:14

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:15

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الإنسان } خطاب الجنس { إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: جاهد جاد في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير طيرا وأنت في كل لحظة تقطع حظا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. ه. قلت: إن كان كدحه في طلب مولاه حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحور والقصور، بشر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعب والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألا تخجل من معاملتك مع خالقك. أه. ثم فصل ما يلقى بعد اللقاء فقال: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } أي: كتاب عمله { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سهلا هينا، وهو الذي يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " من يحاسب عذب " فقيل له: فأين قوله تعالى: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } فقال: " ذلكم العرض، من نوقش الحساب عذب " والعرض: أن يقال له: فعلت كذا وفعلت كذا، ثم يقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. { وينقلب إلى أهله } أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى من سبقه من أهله أو عشيرته، إن قلنا: إن الكتاب يعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإن الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدم في الواقعة. وقوله تعالى: { مسرورا } أي: مبتهجا بحاله، قائلا: هآؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة:19] أو: مسرورا بلقاء ربه ودوام وصاله. تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم من لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم من يناقش ويعذب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم من يناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة، وإليهم أشار بقوله: { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } ، قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، { فسوف يدعو ثبورا } يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، { ويصلى سعيرا } أي: يدخلها، { إنه كان } في الدنيا { في أهله } أي: معهم { مسرورا } بالكفر، يضحك على من آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي هواه راتعا، { إنه ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى ربه، تكذيبا بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري. أي: ارجعي. { بلى } جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، { إن ربه كان به بصيرا } أي: إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيرا " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتما. الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحا بالمجاهدة والمكابدة فملاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأما من أوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " فيؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسرورا " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسرورا بلقاء ربه، وما نال من قربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلا له لا ينقلب عنه إلى غيره. ه. وأما من أوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئا ويصلى سعير القطيعة والبعد إنه كان في أهله مسرورا منبسطا في الدنيا، مواجها بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له من يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليا إلا وله من يؤذيه، يحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قل أن تجد وليا إلا وتحته امرأة تؤذيه. ه. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده الله ويحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيرا بظاهره وباطنه. ثم أقسم على رجوعهم إليه، فقال: { فلا أقسم بالشفق }.

الانشقاق 84:16

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:17

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:18

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:19

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:20

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:21

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:22

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:23

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:24

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الانشقاق 84:25

يقول الحق جل جلاله: { فلا أقسم بالشفق } وهي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، أو: البياض الذي يليها، سمي به لرقته، ومنه: الشفقة التي هي رقة القلب. { والليل وما وسق } وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق، أي: جمعه فاجتمع، أي: وما جمعه من الدواب وغيرها، أو: ما جمعه من الظلمة والكواكب، وما عمل فيه من التهجد، { والقمر إذا اتسق } أي: اجتمع ضوؤه وتم نوره ليلة أربع عشرة. { لتركبن طبقا عن طبق } لتلاقن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة كأحوال شدائد الموت، ثم القبر، ثم البعث، ثم الحشر، ثم الحساب، ثم الميزان، ثم الصراط. أو: حالا بعد حال، النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الخروج إلى الدنيا، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الهرم، ثم الموت.. وما ذكر بعده آنفا إلى دخول الجنة أو النار. وقال بعض الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم على نيف وثلاثين اسما: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم خلقا آخر، ثم جنينا، ثم وليدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم يافعا، ثم ناشئا، ثم مترعرعا، ثم مزورا، ثم مراهقا، ثم محتلما، ثم بالغا، ثم حملا، ثم ملتحيا، ثم مستوفيا، ثم مصعدا، ثم مجتمعا والشباب يجمع ذلك ثم ملهورا، ثم كهلا، ثم أشمط، ثم شيخا، ثم أشيب، ثم حوقلا، ثم مقتاتا، ثم هما، ثم هرما، ثم ميتا. وهذا معنى قوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. ه. من الثعلبي. أو: لتركبن سنن من قبلكم، حالا بعد حال. هذا على من قرأ بضم الباء، وأما من قرأ بفتحها فالخطاب إما للإنسان المتقدم، فيجري فيه ما تقدم، أو: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، أو: لتركبن فتح البلاد شيئا بعد شيء، أو: لتركبن السماوات في الإسراء، سماء بعد سماء. أو: لتركبن أحوال أيامك، حالا بعد حال، حال البعثه، ثم حال الدعوة، ثم حال الهجرة، ثم حال الجهاد وفتح البلاد، ثم حال الحج وتوديع العباد، ثم حال الرحيل إلى دار المقام، ثم حال الشفاعة، ثم حال المقام في دار الكرامة. فالطبق في اللغة يطلق على الحال، كما قال الشاعر: الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يزور عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا @_ ويطلق على الجيل من الناس يكون طباق الأرض، أي: ملأها، ومنمهم قول العباس في النبي صلى الله عليه وسلم: تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق ومحل عن طبق: النصب، على أنه صفة لطبق، أي: طبقا مجاوزا لطبق، أو: حال من الضمير في " لتركبن " أي: مجاوزين لطبق. { فما لهم لا يؤمنون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهوالها، أي: إذا كان الأمر يوم القيامة كما ذكر، فأي شيء حصل لهم حال كونهم غير مؤمنين، أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان، وقد تعاضدت موجباته؟ { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } ولا يخضعون، وهي أيضا جملة حالية، نسقا على ما قبلها، أي: أي: مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة القرآن؟. قيل: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: واسجد واقترب [العلق:19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة وعن ابن عباس: " ليس في المفصل سجدة " ، وبه قال مالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها، وقال: " والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها " ، وعن أنس رضي الله عنه: " صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فسجدوا ". ولعلهم لم يبلغهم نسخ سجدتها. { بل الذين كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة وأهوالها، مع تحقق موجبات تصديقهم، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { والله أعلم بما يوعدون } بما يضمرون في قلوبهم، ويخفون في صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب، { فبشرهم بعذاب أليم } أخبرهم يظهر أثره على بشرتهم، { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء منقطع، { لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، أو غير ممنون به. الإشارة: أقسم تعالى بنور بداية الإيمان ونهايته، وما اشتمل عليه ليل الحجاب من أنواع العمال، فقال تعالى " فلا أقسم بالشفق " بنور بداية الإيمان، الذي هو كبياض الشفق، " والليل وما وسق " وليل الحجاب، وما اشتمل عليه من العباد والزهاد والأبرار والعلماء الأتقياء، وقمر الإيمان إذا جنح نوره، وقوي دليله " لتركبن " أيها السالكون، طبقا عن طبق حالا بعد حال، حتى تنتهوا إلى شمس العيان، فأول الأحوال: حال التوبة، ثم حال اليقظة، ثم حال المجاهدة في خرق عوائد النفس، ثم حال المراقبة، ثم حال الاستشراف، على الحضرة، ثم حال المشاهدة، ثم حال المعاينة، ثم حال المكالمة، ثم حال الترقي إلى ما لا نهاية له. فما لهم، أي: لأهل الإنكار، لا يؤمنون بسلوك هذا الطريق، وإذا قرىء عليهم القرآن الدال على هذا المنهاج لا يخضعون ولا يتدبرونه حق تدبيره، بل الذين كفروا بطريق الخصوص، يكبون بها. والله أعلم بما يوعون في قلوبهم من الأمراض والعيوب، أو من الإنكار فبشرهم بعذاب البعد والحجاب، إلا الذين آمنوا وصدقوا بطريق الخصوص، وسلكوها معهم، لهم آجر، وهو مقام الشهود، غير ممنون غير مقطوع، بل تترادف الأنوار والأسرار والكشوفات إلى غير نهاية، أو: غير ممنون به، بل مواهب من الله بلا منة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:1

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:2

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:3

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:4

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:5

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:6

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:7

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:8

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:9

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:10

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات البروج } الأثني عشر، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة، وتكون فيها الثوابت ومنازل القمر، أو: عظم الكواكب، سميت بروجا لظهورها، من: التبرج، أي الظهور، أو: أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، { واليوم الموعود } أي: يوم القيامة. { وشاهد ومشهود } أي: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه: ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أريد بالشهود: الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيقدر المعمول، أي: مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل: الشاهد: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: سائر الأمم لأنه يشهدون عليهم كما تقدم وقيل: الشاهد: عيسى عليه السلام، والمشهود: أمته، لقوله: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة:117]، وقيل: الشاهد: جميع الأنبياء، والمشهود: أممهم، وقيل: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود: الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل: الشاهد: الجوارح، والمشهود عليهم: أصحابها وقيل: الشاهد: الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به: الوحدانية، لقوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة [آل عمران:18] الخ. وقيل: الشاهد: جميع المخلوقات، والمشهود به: وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة... وغير ذلك. وقيل: الشاهد: النجم، للحديث: " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " أي: النجم والمشهود: الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل: الشاهد: الحجر الأسود، والمشهود: الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمن قبله أو لمسه. وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، لأن يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم النحر. قاله علي رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل: الشاهد: الأيام والليالي، والمشهود: بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، فاغتنمني " وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا: مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا وخلفت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنه بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد فيومك إن أتعبته نفعه غدا عليك وماضي العيش ليس يعود وجواب القسم إما محذوف يدل عليه: { قتل... } الخ، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن { أصحاب الأخدود } أو: هو قتل بعينه على حذف اللام، لطول الكلام، أي: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمراد: تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذى الكفرة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب، وصبرهم على ذلك، حتى يأنسوا ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن هؤلاء الكفرة بمنزلة أولئك، ملعونون مثلهم. والأخدود: الخد في الأرض، أي: الشق. روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر، قال للملك: قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فضم إليه غلاما ليعلمه، وكان في طريق الغلام راهب، فسمع منه وأعجبه، وكان يحتبس عنده، فيضربه الساحر، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر، فقل له: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، وقيل: كانت أسدا، وقيل: ثعبانا، فأخذ حجرا، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، وكان الغلام تعلم من الساحر اسم الله الأعظم، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، فعمي جليس الملك فأبراه، وأبصره الملك، فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذبه، فدل على الغلام، فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع عن دينه، فقد بالمنشار، وأبى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا، فرجف بالقوم، فطاحوا، ونجا، فذهب به إلى قرقورة وهي السفينة فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فخد أخدودا، فملأها نارا، فمن لم يرجع عن دينه طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست، فقال الصبي: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت بصبيها. وقيل لها: قعي ولا تنافقي، ما هي إلا غميضة " والحديث في صحيح مسلم. واسم الغلام: عبد الله بن الثامر، واسم الراهب: فيميون، واسم الملك: ذو نواس. وقد ذكر القصة الكلاعي بتمامها. وقيل: تعددت قضية الأخدود، فكانت واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، فنزل القرآن في الذي بنجران. انظر التثعلبي. قال سعيد بن المسيب: كنا عند عمر، إذ ورد عليه أنهم وجدوا ذلك الغلام حين حفروا خربة، وأصبعه على صدغه كما قتل، فكلما مدت يده رجعت مكانها، فكتب عمر: أن واروه حيث وجدتموه. ه. وقوله تعالى: { النار } بدل اشتمال من " الأخدود " فحذف الضمير، اي: فيه، وقيل: قاعدة الضمير أغلبية، و { ذات الوقود } وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان الناس، { إذ هم عليها قعود } ظرف لقتل، أي: لعنوا حين حرقوا المؤمنين بالنار، قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من جنبات الأخدود، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من الإحراق { شهود } يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يقصر فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب، أو:: إنهم { شهود } يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وقيل: " على " بمعنى " مع " أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، ولا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم. وهذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم، وتنطق به الروايات المشهورة. وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا بالمؤمنين في النار، وهم قعود عليها، علقت بهم النار، فاحترقوا، ونجا الله المؤمنين سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدين وعلى ذلك حملا قوله تعالى: { ولهم عذاب الحريق }. { وما نقموا منهم } أي: وما عابوا منهم وأنكروا عليهم، يقال: نقم بالفتح والكسر: عاب، أي: عابوا منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } وهذا كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وكقوله تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج:40] وعبر بلفظ المضارع، ولم يقل: إلا أن آمنوا، مع أن القصة قد وقعت، لإفادة أن التعذيب إنما كان دوامهم على الإيمان، ولو كفروا بالرجوع عن الإيمان في المستقبل لم يعذبوهم. وقوله تعالى: { العزيز الحميد } ، ذكر الأوصاف الذي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا، يخشى عقابه، حميدا منعما، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم، له جلالة، وأن من رام صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلا مبالغا في الغي، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يقادر قدره. { الذي له ملك السموات والأرض } فكل من فيها يحق عليه عبادته والخضوع له، { والله على كل شيء شهيد } وعيد لهم شديد، يعني: أنه تعالى علم بما فعلوا وسيجازيهم عليه. { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي: محقوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بهم: إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين: المطروحين في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالإذاية والتعذيب على الإطلاق، وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا. قال ابن عطية: الأشبه أن المراد بهؤلاء قريش، حيث طانوا يعذبون من أسلم، ويقويه بعض التقوية: قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } لأنه روي: أن أصحاب الأخدود ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان منهم من تاب بعد نزول الآية. ه. مختصرا. { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة لكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لما تقدم أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو: عذاب الحريق: نار أخرى عظيمة تحرقهم في الآخرة، لسبب فتنتهم للمؤمنين. والجملة: خبر " إن " ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط، ولا ضرر في نسخة ب " إن " وإن خالف في ذلك الأخفش. الإشارة: والسماء ذات البروج، أي: سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقبه إليها، من أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التكل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة، واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكون، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عيانا، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي: الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي: لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضا: الشاهد هو، إذا تجلى بتجلي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهدها بنعت الكشف، وأيضا: اشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. ه. قتل أصحاب الأخدود، وهم الصادون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلا طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إن الذي فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع. ثم ثنى باضدادهم، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

البروج 85:11

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:12

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:13

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:14

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:15

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:16

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:17

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:18

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:19

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:20

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:21

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

البروج 85:22

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } وصبروا على الإيمان { وعملوا الصالحات } من المفتونين وغيرهم { لهم } بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح { جنات تجري من تحتها الأنهار } ، إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإن أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. { ذلك هو الفوز الكبير } الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إما إلى الجنة الموصوفة بما ذكر والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإما إلى ما يفيده قوله: { لهم جنات... } الخ، من حيازتهم لها، فإن حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا، وما فيه من البعد للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. { إن بطش ربك لشديد } ، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قوهه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو يبدىء الخلق وهو يعيده، من غير دخل لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دل باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. { وهو الغفور } الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، { الودود } المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، { ذو العرش } أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: الملك، أي: ذو السلطة القاهرة { المجيد } بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. { هل أتاك حديث الجنود } أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدة بشطه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. { فرعون وثمود } بدل من الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكر قومك ببطش الله تعالى، وحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. { بل الذين كفروا في تكذيب } ، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآنا من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. { والله من ورائهم محيط } عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. { بل هو قرآن مجيد } أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف { في لوح محفوظ } من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيء فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ه. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا حقيقيا شهوديا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إن بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لشديد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يبدىء ويعيد، يبدىء الحجاب للمحجوبين، ويعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. ه. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: { المجيد } إعلاما بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. ه. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " ه. فعال لما يريد، يقرب البعيد ويبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إن أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. ه. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتا وصفاتا وفعلا، بل هو أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.