البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — القدر 97:1 – الهمزة 104:9
المحتويات
- القدر 97:1
- القدر 97:2
- القدر 97:3
- القدر 97:4
- القدر 97:5
- البينة 98:1
- البينة 98:2
- البينة 98:3
- البينة 98:4
- البينة 98:5
- البينة 98:6
- البينة 98:7
- البينة 98:8
- الزلزلة 99:1
- الزلزلة 99:2
- الزلزلة 99:3
- الزلزلة 99:4
- الزلزلة 99:5
- الزلزلة 99:6
- الزلزلة 99:7
- الزلزلة 99:8
- العاديات 100:1
- العاديات 100:2
- العاديات 100:3
- العاديات 100:4
- العاديات 100:5
- العاديات 100:6
- العاديات 100:7
- العاديات 100:8
- العاديات 100:9
- العاديات 100:10
- العاديات 100:11
- القارعة 101:1
- القارعة 101:2
- القارعة 101:3
- القارعة 101:4
- القارعة 101:5
- القارعة 101:6
- القارعة 101:7
- القارعة 101:8
- القارعة 101:9
- القارعة 101:10
- القارعة 101:11
- التكاثر 102:1
- التكاثر 102:2
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:4
- التكاثر 102:5
- التكاثر 102:6
- التكاثر 102:7
- التكاثر 102:8
- العصر 103:1
- العصر 103:2
- العصر 103:3
- الهمزة 104:1
- الهمزة 104:2
- الهمزة 104:3
- الهمزة 104:4
- الهمزة 104:5
- الهمزة 104:6
- الهمزة 104:7
- الهمزة 104:8
- الهمزة 104:9
القدر 97:1
يقول الحق جل جلاله: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ، نوه بشأن القرآن، حيث أسند إنزاله إليه بإسناده إلى نون العظمة، المنبىء عن كمال العناية به، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للإيذان بغاية ظهوره، كأنه حاضر في جميع الأذهان، وقيل: يعود على المقروء المأمور به في قوله:
اقرأ
[العلق:1] فتتصل السورة بما قبلها. وعظم الوقت الذي أنزله فيه بقوله: { وما أدراك ما ليلة القدر } لما فيه من الدلالة على أن علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يدريها إلا علام الغيوب، كما يشعر به قوله تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر } أي: ليس فيها ليلة القدر، فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه صلى الله عليه وسلم إلى درايتها، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها على ما تقدم. وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى. والمراد بإنزاله: إما إنزاله كله إلى سماء الدنيا، كما روي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجوما في ثلاث وعشرين سنة، وإما ابتداء نزوله،وهو الأظهر. وسميت ليلة القدر لتقدير الأمور فيها، وإبراز ما قضى تلك السنة، لقوله تعالى:
فيها يفرق كل أمر حكيم
[الدخان:4]، فالقدر بمعنى التقدير، أو لشرفها على سائر الليالي، فالقدر بمعنى الشرف، وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان على المشهور. لما روي أن أبي بن كعب كان يحلف أنها ليلة السابع والعشرين، وقيل غير ذلك ومظان التماسها في الأوتار من العشر الأواخر. ولعل السر في إخفائها تعرض من يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي في طلبها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الجمعة، ورضاه في الطاعات، وغضبه في المعاصي، وولايته في خلقه ليحسن الظن بالجميع. وتخصيص الألف بالذكر إما للتكثير، أو لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة القدر هي خير من عمل ذلك الغازي. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم كافة، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم، فأعطاه الله ليلة القدر، جعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فجعل الله هذه الليلة لمن قامها خيرا من ملكيهما. ثم بين وجه فضلها، فقال: { تنزل الملائكة والروح فيها } ، والروح إما جبريل عليه السلام، أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة، أو الرحمة. والمراد بتنزلهم: نزولهم إلى الأرض يسلمون على الناس ويؤمنون على دعائهم، كما في الأثر.
وقيل: إلى سماء الدنيا. وقوله: { بإذن ربهم } يتعلق ب " تنزل " ، أو بمحذوف هو حال من فاعله، أي: ملتبسين بأمر ربهم، أو: ينزلون بإذنه، { من كل أمر } أي: من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة إلى قابل، روي أن الله تعالى يعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام كله، وقيل: يبرز ذلك من علم الغيب ليلة النصف من شعبان، ويعطى الملائكة ليلة القدر، فلما كان أهم نزولهم هذا الأمر جعل نزولهم لأجله، فلا ينافي كون نزولهم للتسليم على الناس والتأمين، كما قال تعالى: { سلام هي } أي: ما هي إلا سلام على المؤمنين، جعلها نفس السلام لكثرة ما يسلمون على الناس، فقد روي أنهم يسلمومن على كل قائم وقاعد وقارىء ومصل، أو: ما هي إلا سلامة، أي: لا يقدر الله تعالى فيها إلا السلامة والخير، وأما في غيرها فيقضي سلامة وبلاء وقال ابن عباس: قوله: هي إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة. ثم ذكر غايتها، فقال: { حتى مطلع الفجر } أي: تنتهي إلى طلوع الفجر، أو: تسلم الملائكة إلى مطلع الفجر، أو: تنزل الملائكة فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر. و " مطلع " بالفتح: اسم زمان وبالكسر مصدر، أو اسم زمان على غير قياس لأن ما يضم مضارعه أو يفتح يتحد فيه الزمان والمكان والمصدر، يعني " مفعل " في الجميع. الإشارة: أهل القلوب من العارفين، الأوقات كلها عندهم ليلة القدر، والأماكن عندهم كلها عرفات، والأيام كلها جمعات، لأن المقصود من تعظيم الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان، والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى، كما قال شاعرهم:
لولا شهود جمالكم في ذاتي ما كنت أرضى ساعة بحياتي ما ليلة القدر المعظم شأنها إلا إذا عمرت بكم أوقاتي إن المحب إذا تمكن في الهوى والحب لم يحتج إلى ميقات
وقال آخر:
وكل الليالي ليلة القدر إن بدا كما كل أيام اللقا يوم جمعة وسعي له حج، به كل وقفة على بابه قد عادلت ألف وقفة
وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: نحن والحمد الله أوقاتنا كلها ليلة القدر. ه. لأن عبادتهم كلها قلبية، بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، و
" فكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "
، كما في الأثر، بل فكرة العيان تزيد على ذلك، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجة
وقد يقال: ثواب هذه العبادة كشف الحجاب وشهود الذات الأقدسن هو لا يقاس بمقياس. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
القدر 97:2
يقول الحق جل جلاله: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ، نوه بشأن القرآن، حيث أسند إنزاله إليه بإسناده إلى نون العظمة، المنبىء عن كمال العناية به، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للإيذان بغاية ظهوره، كأنه حاضر في جميع الأذهان، وقيل: يعود على المقروء المأمور به في قوله:
اقرأ
[العلق:1] فتتصل السورة بما قبلها. وعظم الوقت الذي أنزله فيه بقوله: { وما أدراك ما ليلة القدر } لما فيه من الدلالة على أن علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يدريها إلا علام الغيوب، كما يشعر به قوله تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر } أي: ليس فيها ليلة القدر، فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه صلى الله عليه وسلم إلى درايتها، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها على ما تقدم. وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى. والمراد بإنزاله: إما إنزاله كله إلى سماء الدنيا، كما روي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجوما في ثلاث وعشرين سنة، وإما ابتداء نزوله،وهو الأظهر. وسميت ليلة القدر لتقدير الأمور فيها، وإبراز ما قضى تلك السنة، لقوله تعالى:
فيها يفرق كل أمر حكيم
[الدخان:4]، فالقدر بمعنى التقدير، أو لشرفها على سائر الليالي، فالقدر بمعنى الشرف، وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان على المشهور. لما روي أن أبي بن كعب كان يحلف أنها ليلة السابع والعشرين، وقيل غير ذلك ومظان التماسها في الأوتار من العشر الأواخر. ولعل السر في إخفائها تعرض من يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي في طلبها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الجمعة، ورضاه في الطاعات، وغضبه في المعاصي، وولايته في خلقه ليحسن الظن بالجميع. وتخصيص الألف بالذكر إما للتكثير، أو لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة القدر هي خير من عمل ذلك الغازي. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم كافة، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم، فأعطاه الله ليلة القدر، جعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فجعل الله هذه الليلة لمن قامها خيرا من ملكيهما. ثم بين وجه فضلها، فقال: { تنزل الملائكة والروح فيها } ، والروح إما جبريل عليه السلام، أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة، أو الرحمة. والمراد بتنزلهم: نزولهم إلى الأرض يسلمون على الناس ويؤمنون على دعائهم، كما في الأثر.
وقيل: إلى سماء الدنيا. وقوله: { بإذن ربهم } يتعلق ب " تنزل " ، أو بمحذوف هو حال من فاعله، أي: ملتبسين بأمر ربهم، أو: ينزلون بإذنه، { من كل أمر } أي: من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة إلى قابل، روي أن الله تعالى يعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام كله، وقيل: يبرز ذلك من علم الغيب ليلة النصف من شعبان، ويعطى الملائكة ليلة القدر، فلما كان أهم نزولهم هذا الأمر جعل نزولهم لأجله، فلا ينافي كون نزولهم للتسليم على الناس والتأمين، كما قال تعالى: { سلام هي } أي: ما هي إلا سلام على المؤمنين، جعلها نفس السلام لكثرة ما يسلمون على الناس، فقد روي أنهم يسلمومن على كل قائم وقاعد وقارىء ومصل، أو: ما هي إلا سلامة، أي: لا يقدر الله تعالى فيها إلا السلامة والخير، وأما في غيرها فيقضي سلامة وبلاء وقال ابن عباس: قوله: هي إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة. ثم ذكر غايتها، فقال: { حتى مطلع الفجر } أي: تنتهي إلى طلوع الفجر، أو: تسلم الملائكة إلى مطلع الفجر، أو: تنزل الملائكة فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر. و " مطلع " بالفتح: اسم زمان وبالكسر مصدر، أو اسم زمان على غير قياس لأن ما يضم مضارعه أو يفتح يتحد فيه الزمان والمكان والمصدر، يعني " مفعل " في الجميع. الإشارة: أهل القلوب من العارفين، الأوقات كلها عندهم ليلة القدر، والأماكن عندهم كلها عرفات، والأيام كلها جمعات، لأن المقصود من تعظيم الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان، والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى، كما قال شاعرهم:
لولا شهود جمالكم في ذاتي ما كنت أرضى ساعة بحياتي ما ليلة القدر المعظم شأنها إلا إذا عمرت بكم أوقاتي إن المحب إذا تمكن في الهوى والحب لم يحتج إلى ميقات
وقال آخر:
وكل الليالي ليلة القدر إن بدا كما كل أيام اللقا يوم جمعة وسعي له حج، به كل وقفة على بابه قد عادلت ألف وقفة
وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: نحن والحمد الله أوقاتنا كلها ليلة القدر. ه. لأن عبادتهم كلها قلبية، بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، و
" فكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "
، كما في الأثر، بل فكرة العيان تزيد على ذلك، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجة
وقد يقال: ثواب هذه العبادة كشف الحجاب وشهود الذات الأقدسن هو لا يقاس بمقياس. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
القدر 97:3
يقول الحق جل جلاله: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ، نوه بشأن القرآن، حيث أسند إنزاله إليه بإسناده إلى نون العظمة، المنبىء عن كمال العناية به، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للإيذان بغاية ظهوره، كأنه حاضر في جميع الأذهان، وقيل: يعود على المقروء المأمور به في قوله:
اقرأ
[العلق:1] فتتصل السورة بما قبلها. وعظم الوقت الذي أنزله فيه بقوله: { وما أدراك ما ليلة القدر } لما فيه من الدلالة على أن علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يدريها إلا علام الغيوب، كما يشعر به قوله تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر } أي: ليس فيها ليلة القدر، فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه صلى الله عليه وسلم إلى درايتها، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها على ما تقدم. وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى. والمراد بإنزاله: إما إنزاله كله إلى سماء الدنيا، كما روي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجوما في ثلاث وعشرين سنة، وإما ابتداء نزوله،وهو الأظهر. وسميت ليلة القدر لتقدير الأمور فيها، وإبراز ما قضى تلك السنة، لقوله تعالى:
فيها يفرق كل أمر حكيم
[الدخان:4]، فالقدر بمعنى التقدير، أو لشرفها على سائر الليالي، فالقدر بمعنى الشرف، وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان على المشهور. لما روي أن أبي بن كعب كان يحلف أنها ليلة السابع والعشرين، وقيل غير ذلك ومظان التماسها في الأوتار من العشر الأواخر. ولعل السر في إخفائها تعرض من يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي في طلبها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الجمعة، ورضاه في الطاعات، وغضبه في المعاصي، وولايته في خلقه ليحسن الظن بالجميع. وتخصيص الألف بالذكر إما للتكثير، أو لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة القدر هي خير من عمل ذلك الغازي. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم كافة، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم، فأعطاه الله ليلة القدر، جعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فجعل الله هذه الليلة لمن قامها خيرا من ملكيهما. ثم بين وجه فضلها، فقال: { تنزل الملائكة والروح فيها } ، والروح إما جبريل عليه السلام، أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة، أو الرحمة. والمراد بتنزلهم: نزولهم إلى الأرض يسلمون على الناس ويؤمنون على دعائهم، كما في الأثر.
وقيل: إلى سماء الدنيا. وقوله: { بإذن ربهم } يتعلق ب " تنزل " ، أو بمحذوف هو حال من فاعله، أي: ملتبسين بأمر ربهم، أو: ينزلون بإذنه، { من كل أمر } أي: من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة إلى قابل، روي أن الله تعالى يعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام كله، وقيل: يبرز ذلك من علم الغيب ليلة النصف من شعبان، ويعطى الملائكة ليلة القدر، فلما كان أهم نزولهم هذا الأمر جعل نزولهم لأجله، فلا ينافي كون نزولهم للتسليم على الناس والتأمين، كما قال تعالى: { سلام هي } أي: ما هي إلا سلام على المؤمنين، جعلها نفس السلام لكثرة ما يسلمون على الناس، فقد روي أنهم يسلمومن على كل قائم وقاعد وقارىء ومصل، أو: ما هي إلا سلامة، أي: لا يقدر الله تعالى فيها إلا السلامة والخير، وأما في غيرها فيقضي سلامة وبلاء وقال ابن عباس: قوله: هي إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة. ثم ذكر غايتها، فقال: { حتى مطلع الفجر } أي: تنتهي إلى طلوع الفجر، أو: تسلم الملائكة إلى مطلع الفجر، أو: تنزل الملائكة فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر. و " مطلع " بالفتح: اسم زمان وبالكسر مصدر، أو اسم زمان على غير قياس لأن ما يضم مضارعه أو يفتح يتحد فيه الزمان والمكان والمصدر، يعني " مفعل " في الجميع. الإشارة: أهل القلوب من العارفين، الأوقات كلها عندهم ليلة القدر، والأماكن عندهم كلها عرفات، والأيام كلها جمعات، لأن المقصود من تعظيم الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان، والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى، كما قال شاعرهم:
لولا شهود جمالكم في ذاتي ما كنت أرضى ساعة بحياتي ما ليلة القدر المعظم شأنها إلا إذا عمرت بكم أوقاتي إن المحب إذا تمكن في الهوى والحب لم يحتج إلى ميقات
وقال آخر:
وكل الليالي ليلة القدر إن بدا كما كل أيام اللقا يوم جمعة وسعي له حج، به كل وقفة على بابه قد عادلت ألف وقفة
وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: نحن والحمد الله أوقاتنا كلها ليلة القدر. ه. لأن عبادتهم كلها قلبية، بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، و
" فكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "
، كما في الأثر، بل فكرة العيان تزيد على ذلك، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجة
وقد يقال: ثواب هذه العبادة كشف الحجاب وشهود الذات الأقدسن هو لا يقاس بمقياس. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
القدر 97:4
يقول الحق جل جلاله: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ، نوه بشأن القرآن، حيث أسند إنزاله إليه بإسناده إلى نون العظمة، المنبىء عن كمال العناية به، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للإيذان بغاية ظهوره، كأنه حاضر في جميع الأذهان، وقيل: يعود على المقروء المأمور به في قوله:
اقرأ
[العلق:1] فتتصل السورة بما قبلها. وعظم الوقت الذي أنزله فيه بقوله: { وما أدراك ما ليلة القدر } لما فيه من الدلالة على أن علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يدريها إلا علام الغيوب، كما يشعر به قوله تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر } أي: ليس فيها ليلة القدر، فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه صلى الله عليه وسلم إلى درايتها، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها على ما تقدم. وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى. والمراد بإنزاله: إما إنزاله كله إلى سماء الدنيا، كما روي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجوما في ثلاث وعشرين سنة، وإما ابتداء نزوله،وهو الأظهر. وسميت ليلة القدر لتقدير الأمور فيها، وإبراز ما قضى تلك السنة، لقوله تعالى:
فيها يفرق كل أمر حكيم
[الدخان:4]، فالقدر بمعنى التقدير، أو لشرفها على سائر الليالي، فالقدر بمعنى الشرف، وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان على المشهور. لما روي أن أبي بن كعب كان يحلف أنها ليلة السابع والعشرين، وقيل غير ذلك ومظان التماسها في الأوتار من العشر الأواخر. ولعل السر في إخفائها تعرض من يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي في طلبها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الجمعة، ورضاه في الطاعات، وغضبه في المعاصي، وولايته في خلقه ليحسن الظن بالجميع. وتخصيص الألف بالذكر إما للتكثير، أو لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة القدر هي خير من عمل ذلك الغازي. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم كافة، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم، فأعطاه الله ليلة القدر، جعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فجعل الله هذه الليلة لمن قامها خيرا من ملكيهما. ثم بين وجه فضلها، فقال: { تنزل الملائكة والروح فيها } ، والروح إما جبريل عليه السلام، أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة، أو الرحمة. والمراد بتنزلهم: نزولهم إلى الأرض يسلمون على الناس ويؤمنون على دعائهم، كما في الأثر.
وقيل: إلى سماء الدنيا. وقوله: { بإذن ربهم } يتعلق ب " تنزل " ، أو بمحذوف هو حال من فاعله، أي: ملتبسين بأمر ربهم، أو: ينزلون بإذنه، { من كل أمر } أي: من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة إلى قابل، روي أن الله تعالى يعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام كله، وقيل: يبرز ذلك من علم الغيب ليلة النصف من شعبان، ويعطى الملائكة ليلة القدر، فلما كان أهم نزولهم هذا الأمر جعل نزولهم لأجله، فلا ينافي كون نزولهم للتسليم على الناس والتأمين، كما قال تعالى: { سلام هي } أي: ما هي إلا سلام على المؤمنين، جعلها نفس السلام لكثرة ما يسلمون على الناس، فقد روي أنهم يسلمومن على كل قائم وقاعد وقارىء ومصل، أو: ما هي إلا سلامة، أي: لا يقدر الله تعالى فيها إلا السلامة والخير، وأما في غيرها فيقضي سلامة وبلاء وقال ابن عباس: قوله: هي إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة. ثم ذكر غايتها، فقال: { حتى مطلع الفجر } أي: تنتهي إلى طلوع الفجر، أو: تسلم الملائكة إلى مطلع الفجر، أو: تنزل الملائكة فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر. و " مطلع " بالفتح: اسم زمان وبالكسر مصدر، أو اسم زمان على غير قياس لأن ما يضم مضارعه أو يفتح يتحد فيه الزمان والمكان والمصدر، يعني " مفعل " في الجميع. الإشارة: أهل القلوب من العارفين، الأوقات كلها عندهم ليلة القدر، والأماكن عندهم كلها عرفات، والأيام كلها جمعات، لأن المقصود من تعظيم الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان، والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى، كما قال شاعرهم:
لولا شهود جمالكم في ذاتي ما كنت أرضى ساعة بحياتي ما ليلة القدر المعظم شأنها إلا إذا عمرت بكم أوقاتي إن المحب إذا تمكن في الهوى والحب لم يحتج إلى ميقات
وقال آخر:
وكل الليالي ليلة القدر إن بدا كما كل أيام اللقا يوم جمعة وسعي له حج، به كل وقفة على بابه قد عادلت ألف وقفة
وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: نحن والحمد الله أوقاتنا كلها ليلة القدر. ه. لأن عبادتهم كلها قلبية، بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، و
" فكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "
، كما في الأثر، بل فكرة العيان تزيد على ذلك، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجة
وقد يقال: ثواب هذه العبادة كشف الحجاب وشهود الذات الأقدسن هو لا يقاس بمقياس. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
القدر 97:5
يقول الحق جل جلاله: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ، نوه بشأن القرآن، حيث أسند إنزاله إليه بإسناده إلى نون العظمة، المنبىء عن كمال العناية به، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للإيذان بغاية ظهوره، كأنه حاضر في جميع الأذهان، وقيل: يعود على المقروء المأمور به في قوله:
اقرأ
[العلق:1] فتتصل السورة بما قبلها. وعظم الوقت الذي أنزله فيه بقوله: { وما أدراك ما ليلة القدر } لما فيه من الدلالة على أن علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يدريها إلا علام الغيوب، كما يشعر به قوله تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر } أي: ليس فيها ليلة القدر، فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه صلى الله عليه وسلم إلى درايتها، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها على ما تقدم. وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى. والمراد بإنزاله: إما إنزاله كله إلى سماء الدنيا، كما روي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجوما في ثلاث وعشرين سنة، وإما ابتداء نزوله،وهو الأظهر. وسميت ليلة القدر لتقدير الأمور فيها، وإبراز ما قضى تلك السنة، لقوله تعالى:
فيها يفرق كل أمر حكيم
[الدخان:4]، فالقدر بمعنى التقدير، أو لشرفها على سائر الليالي، فالقدر بمعنى الشرف، وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان على المشهور. لما روي أن أبي بن كعب كان يحلف أنها ليلة السابع والعشرين، وقيل غير ذلك ومظان التماسها في الأوتار من العشر الأواخر. ولعل السر في إخفائها تعرض من يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي في طلبها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الجمعة، ورضاه في الطاعات، وغضبه في المعاصي، وولايته في خلقه ليحسن الظن بالجميع. وتخصيص الألف بالذكر إما للتكثير، أو لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة القدر هي خير من عمل ذلك الغازي. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم كافة، فاستقصر أعمار أمته، فخاف ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم، فأعطاه الله ليلة القدر، جعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فجعل الله هذه الليلة لمن قامها خيرا من ملكيهما. ثم بين وجه فضلها، فقال: { تنزل الملائكة والروح فيها } ، والروح إما جبريل عليه السلام، أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة، أو الرحمة. والمراد بتنزلهم: نزولهم إلى الأرض يسلمون على الناس ويؤمنون على دعائهم، كما في الأثر.
وقيل: إلى سماء الدنيا. وقوله: { بإذن ربهم } يتعلق ب " تنزل " ، أو بمحذوف هو حال من فاعله، أي: ملتبسين بأمر ربهم، أو: ينزلون بإذنه، { من كل أمر } أي: من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة إلى قابل، روي أن الله تعالى يعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام كله، وقيل: يبرز ذلك من علم الغيب ليلة النصف من شعبان، ويعطى الملائكة ليلة القدر، فلما كان أهم نزولهم هذا الأمر جعل نزولهم لأجله، فلا ينافي كون نزولهم للتسليم على الناس والتأمين، كما قال تعالى: { سلام هي } أي: ما هي إلا سلام على المؤمنين، جعلها نفس السلام لكثرة ما يسلمون على الناس، فقد روي أنهم يسلمومن على كل قائم وقاعد وقارىء ومصل، أو: ما هي إلا سلامة، أي: لا يقدر الله تعالى فيها إلا السلامة والخير، وأما في غيرها فيقضي سلامة وبلاء وقال ابن عباس: قوله: هي إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة. ثم ذكر غايتها، فقال: { حتى مطلع الفجر } أي: تنتهي إلى طلوع الفجر، أو: تسلم الملائكة إلى مطلع الفجر، أو: تنزل الملائكة فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر. و " مطلع " بالفتح: اسم زمان وبالكسر مصدر، أو اسم زمان على غير قياس لأن ما يضم مضارعه أو يفتح يتحد فيه الزمان والمكان والمصدر، يعني " مفعل " في الجميع. الإشارة: أهل القلوب من العارفين، الأوقات كلها عندهم ليلة القدر، والأماكن عندهم كلها عرفات، والأيام كلها جمعات، لأن المقصود من تعظيم الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان، والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى، كما قال شاعرهم:
لولا شهود جمالكم في ذاتي ما كنت أرضى ساعة بحياتي ما ليلة القدر المعظم شأنها إلا إذا عمرت بكم أوقاتي إن المحب إذا تمكن في الهوى والحب لم يحتج إلى ميقات
وقال آخر:
وكل الليالي ليلة القدر إن بدا كما كل أيام اللقا يوم جمعة وسعي له حج، به كل وقفة على بابه قد عادلت ألف وقفة
وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: نحن والحمد الله أوقاتنا كلها ليلة القدر. ه. لأن عبادتهم كلها قلبية، بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، و
" فكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "
، كما في الأثر، بل فكرة العيان تزيد على ذلك، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجة
وقد يقال: ثواب هذه العبادة كشف الحجاب وشهود الذات الأقدسن هو لا يقاس بمقياس. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البينة 98:1
يقول الحق جل جلاله: { لم يكن الذين كفروا } أي: بالرسول وبما أنزل عليه { من أهل الكتاب } اليهود والنصارى، { والمشركين } عبدة الأصنام { منفكين } منفصلين عن الكفر، وحذف لأن صلة " الذين " يدل عليه، { حتى تأتيهم البينة } الحجة الواضحة، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: لم يتركوا كفرهم حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض. أو: لم يكونوا منفكين، أي: زائلين عن دينهم حتى تأتيهم البينة ببطلان ما هم عليه، فتقوم الحجة عليهم. أو: لم يكونوا لينفصلوا عن الدنيا حتى بعث الله محمدا فقامت عليهم الحجة، وإلا لقالوا:
لولا أرسلت إلينا رسولا...
[طه:134] الآية. وتلك البينة هي { رسول من الله } أي: محمد صلى الله عليه وسلم وهو بدل من " البينة " { يتلو } يقرأ عليهم { صحفا } كتبا { مطهرة } من الباطل والزور والكذب، والمراد: يتلو ما يتضمنه المكتوب في الصحف، وهو القرآن، يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه، ولم يكن يقرأ مكتوبا لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ الصحف، ولكنه لما كان تاليا معنى ما في الصحف فكأنه قد تلى الصحف. ثم بين ما في الصحف، فقال: { فيها } أي: في الصحف { كتب قيمة } مستقيمة ناطقة بالحق والعدل. ولما كان القرآن جامعا لما في الكتب المتقدمة صدق أن فيه كتبا قيمة. { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } أي: وما اختلفوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، فمنهم من أنكر حسدا، ومنهم من آمن. وإنما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع إولا بينهم وبين المشركين لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا. وقيل: المعنى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين، أي: منفصلين عن معرفة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام حتى بعثه الله. { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } أي: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله وحده من غير شرك ولا نفاق، ولكنهم حرفوا وبدلوا. وقيل: اللام بمعنى " أن " أي: إلا بأن يعبدوا الله { مخلصين له الدين } أي: جاعلين دينهم خالصا له تعالى، أو: جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. قال ابن جزي: استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك، أو ترك الرياء. انظر كلامه، وسيأتي بعضه في الإشارة. { حنفاء } مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام، { ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة } إن أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة، فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم بالدخول في شريعتنا، { وذلك دين القيمة } أي: الملة المستقيمة.
والإشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وحده وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته. الإشارة: لم يكن الذين جحدوا وجود أهل الخصوصية من العلماء والجهال منفكين عن ذلك حتى جاءتهم الحجة القائمة عليهم، وهو ظهور شيخ التربية خليفة الرسول، يتلو كتاب الله العزيز على ما ينبغي وما تفرقوا في التصديق إلا بعد ظهوره. وما أمروا إلا بالإخلاص وتطهير سرائرهم، وهو لا يتأتى إلا بصحبته. وتكلم ابن جزي هنا على الإخلاص، فقال: اعلم أن الأعمال على ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن: خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص، وإن كانت لغير وجه الله من طلب منفعة دنيوية أو مدح أو غير ذلك، فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل، فيه نظر واحتمال. قلت: وقد تقدم كلام الغزالي في سورة البقرة عند قوله:
ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم
[البقرة:198]، وحاصله: أن الحكم للغالب وقوة الباعث. انظر لفظه. ثم قال ابن جزي: وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها ولم يكن له أجر في تركها، وإن تركها بنية وجه الله خرج عن عهدتها وأجر. وأما المباحات، كلأكل والشرب، والنوم والجماع وغير ذلك، فإن فعلها بغير نية لم يكن له فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به وجه الله، مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة، ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام، وشبه ذلك. ه. ودرجات الإخلاص ثلاث: الأولى: أن يعبد الله لطلب غرض دنيوي أو أخروي من غير ملاحظة أحد من الخلق، والثانية: أن يعبد الله لطلب الآخرة فقط، والثالثة: أن يعبد الله عبودية ومحبة. ثم بين حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا يعني أهل الكتاب والمشركين فقال: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب }.
البينة 98:2
يقول الحق جل جلاله: { لم يكن الذين كفروا } أي: بالرسول وبما أنزل عليه { من أهل الكتاب } اليهود والنصارى، { والمشركين } عبدة الأصنام { منفكين } منفصلين عن الكفر، وحذف لأن صلة " الذين " يدل عليه، { حتى تأتيهم البينة } الحجة الواضحة، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: لم يتركوا كفرهم حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض. أو: لم يكونوا منفكين، أي: زائلين عن دينهم حتى تأتيهم البينة ببطلان ما هم عليه، فتقوم الحجة عليهم. أو: لم يكونوا لينفصلوا عن الدنيا حتى بعث الله محمدا فقامت عليهم الحجة، وإلا لقالوا:
لولا أرسلت إلينا رسولا...
[طه:134] الآية. وتلك البينة هي { رسول من الله } أي: محمد صلى الله عليه وسلم وهو بدل من " البينة " { يتلو } يقرأ عليهم { صحفا } كتبا { مطهرة } من الباطل والزور والكذب، والمراد: يتلو ما يتضمنه المكتوب في الصحف، وهو القرآن، يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه، ولم يكن يقرأ مكتوبا لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ الصحف، ولكنه لما كان تاليا معنى ما في الصحف فكأنه قد تلى الصحف. ثم بين ما في الصحف، فقال: { فيها } أي: في الصحف { كتب قيمة } مستقيمة ناطقة بالحق والعدل. ولما كان القرآن جامعا لما في الكتب المتقدمة صدق أن فيه كتبا قيمة. { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } أي: وما اختلفوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، فمنهم من أنكر حسدا، ومنهم من آمن. وإنما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع إولا بينهم وبين المشركين لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا. وقيل: المعنى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين، أي: منفصلين عن معرفة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام حتى بعثه الله. { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } أي: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله وحده من غير شرك ولا نفاق، ولكنهم حرفوا وبدلوا. وقيل: اللام بمعنى " أن " أي: إلا بأن يعبدوا الله { مخلصين له الدين } أي: جاعلين دينهم خالصا له تعالى، أو: جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. قال ابن جزي: استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك، أو ترك الرياء. انظر كلامه، وسيأتي بعضه في الإشارة. { حنفاء } مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام، { ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة } إن أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة، فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم بالدخول في شريعتنا، { وذلك دين القيمة } أي: الملة المستقيمة.
والإشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وحده وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته. الإشارة: لم يكن الذين جحدوا وجود أهل الخصوصية من العلماء والجهال منفكين عن ذلك حتى جاءتهم الحجة القائمة عليهم، وهو ظهور شيخ التربية خليفة الرسول، يتلو كتاب الله العزيز على ما ينبغي وما تفرقوا في التصديق إلا بعد ظهوره. وما أمروا إلا بالإخلاص وتطهير سرائرهم، وهو لا يتأتى إلا بصحبته. وتكلم ابن جزي هنا على الإخلاص، فقال: اعلم أن الأعمال على ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن: خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص، وإن كانت لغير وجه الله من طلب منفعة دنيوية أو مدح أو غير ذلك، فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل، فيه نظر واحتمال. قلت: وقد تقدم كلام الغزالي في سورة البقرة عند قوله:
ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم
[البقرة:198]، وحاصله: أن الحكم للغالب وقوة الباعث. انظر لفظه. ثم قال ابن جزي: وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها ولم يكن له أجر في تركها، وإن تركها بنية وجه الله خرج عن عهدتها وأجر. وأما المباحات، كلأكل والشرب، والنوم والجماع وغير ذلك، فإن فعلها بغير نية لم يكن له فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به وجه الله، مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة، ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام، وشبه ذلك. ه. ودرجات الإخلاص ثلاث: الأولى: أن يعبد الله لطلب غرض دنيوي أو أخروي من غير ملاحظة أحد من الخلق، والثانية: أن يعبد الله لطلب الآخرة فقط، والثالثة: أن يعبد الله عبودية ومحبة. ثم بين حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا يعني أهل الكتاب والمشركين فقال: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب }.
البينة 98:3
يقول الحق جل جلاله: { لم يكن الذين كفروا } أي: بالرسول وبما أنزل عليه { من أهل الكتاب } اليهود والنصارى، { والمشركين } عبدة الأصنام { منفكين } منفصلين عن الكفر، وحذف لأن صلة " الذين " يدل عليه، { حتى تأتيهم البينة } الحجة الواضحة، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: لم يتركوا كفرهم حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض. أو: لم يكونوا منفكين، أي: زائلين عن دينهم حتى تأتيهم البينة ببطلان ما هم عليه، فتقوم الحجة عليهم. أو: لم يكونوا لينفصلوا عن الدنيا حتى بعث الله محمدا فقامت عليهم الحجة، وإلا لقالوا:
لولا أرسلت إلينا رسولا...
[طه:134] الآية. وتلك البينة هي { رسول من الله } أي: محمد صلى الله عليه وسلم وهو بدل من " البينة " { يتلو } يقرأ عليهم { صحفا } كتبا { مطهرة } من الباطل والزور والكذب، والمراد: يتلو ما يتضمنه المكتوب في الصحف، وهو القرآن، يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه، ولم يكن يقرأ مكتوبا لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ الصحف، ولكنه لما كان تاليا معنى ما في الصحف فكأنه قد تلى الصحف. ثم بين ما في الصحف، فقال: { فيها } أي: في الصحف { كتب قيمة } مستقيمة ناطقة بالحق والعدل. ولما كان القرآن جامعا لما في الكتب المتقدمة صدق أن فيه كتبا قيمة. { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } أي: وما اختلفوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، فمنهم من أنكر حسدا، ومنهم من آمن. وإنما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع إولا بينهم وبين المشركين لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا. وقيل: المعنى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين، أي: منفصلين عن معرفة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام حتى بعثه الله. { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } أي: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله وحده من غير شرك ولا نفاق، ولكنهم حرفوا وبدلوا. وقيل: اللام بمعنى " أن " أي: إلا بأن يعبدوا الله { مخلصين له الدين } أي: جاعلين دينهم خالصا له تعالى، أو: جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. قال ابن جزي: استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك، أو ترك الرياء. انظر كلامه، وسيأتي بعضه في الإشارة. { حنفاء } مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام، { ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة } إن أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة، فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم بالدخول في شريعتنا، { وذلك دين القيمة } أي: الملة المستقيمة.
والإشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وحده وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته. الإشارة: لم يكن الذين جحدوا وجود أهل الخصوصية من العلماء والجهال منفكين عن ذلك حتى جاءتهم الحجة القائمة عليهم، وهو ظهور شيخ التربية خليفة الرسول، يتلو كتاب الله العزيز على ما ينبغي وما تفرقوا في التصديق إلا بعد ظهوره. وما أمروا إلا بالإخلاص وتطهير سرائرهم، وهو لا يتأتى إلا بصحبته. وتكلم ابن جزي هنا على الإخلاص، فقال: اعلم أن الأعمال على ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن: خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص، وإن كانت لغير وجه الله من طلب منفعة دنيوية أو مدح أو غير ذلك، فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل، فيه نظر واحتمال. قلت: وقد تقدم كلام الغزالي في سورة البقرة عند قوله:
ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم
[البقرة:198]، وحاصله: أن الحكم للغالب وقوة الباعث. انظر لفظه. ثم قال ابن جزي: وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها ولم يكن له أجر في تركها، وإن تركها بنية وجه الله خرج عن عهدتها وأجر. وأما المباحات، كلأكل والشرب، والنوم والجماع وغير ذلك، فإن فعلها بغير نية لم يكن له فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به وجه الله، مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة، ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام، وشبه ذلك. ه. ودرجات الإخلاص ثلاث: الأولى: أن يعبد الله لطلب غرض دنيوي أو أخروي من غير ملاحظة أحد من الخلق، والثانية: أن يعبد الله لطلب الآخرة فقط، والثالثة: أن يعبد الله عبودية ومحبة. ثم بين حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا يعني أهل الكتاب والمشركين فقال: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب }.
البينة 98:4
يقول الحق جل جلاله: { لم يكن الذين كفروا } أي: بالرسول وبما أنزل عليه { من أهل الكتاب } اليهود والنصارى، { والمشركين } عبدة الأصنام { منفكين } منفصلين عن الكفر، وحذف لأن صلة " الذين " يدل عليه، { حتى تأتيهم البينة } الحجة الواضحة، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: لم يتركوا كفرهم حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض. أو: لم يكونوا منفكين، أي: زائلين عن دينهم حتى تأتيهم البينة ببطلان ما هم عليه، فتقوم الحجة عليهم. أو: لم يكونوا لينفصلوا عن الدنيا حتى بعث الله محمدا فقامت عليهم الحجة، وإلا لقالوا:
لولا أرسلت إلينا رسولا...
[طه:134] الآية. وتلك البينة هي { رسول من الله } أي: محمد صلى الله عليه وسلم وهو بدل من " البينة " { يتلو } يقرأ عليهم { صحفا } كتبا { مطهرة } من الباطل والزور والكذب، والمراد: يتلو ما يتضمنه المكتوب في الصحف، وهو القرآن، يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه، ولم يكن يقرأ مكتوبا لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ الصحف، ولكنه لما كان تاليا معنى ما في الصحف فكأنه قد تلى الصحف. ثم بين ما في الصحف، فقال: { فيها } أي: في الصحف { كتب قيمة } مستقيمة ناطقة بالحق والعدل. ولما كان القرآن جامعا لما في الكتب المتقدمة صدق أن فيه كتبا قيمة. { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } أي: وما اختلفوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، فمنهم من أنكر حسدا، ومنهم من آمن. وإنما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع إولا بينهم وبين المشركين لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا. وقيل: المعنى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين، أي: منفصلين عن معرفة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام حتى بعثه الله. { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } أي: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله وحده من غير شرك ولا نفاق، ولكنهم حرفوا وبدلوا. وقيل: اللام بمعنى " أن " أي: إلا بأن يعبدوا الله { مخلصين له الدين } أي: جاعلين دينهم خالصا له تعالى، أو: جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. قال ابن جزي: استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك، أو ترك الرياء. انظر كلامه، وسيأتي بعضه في الإشارة. { حنفاء } مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام، { ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة } إن أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة، فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم بالدخول في شريعتنا، { وذلك دين القيمة } أي: الملة المستقيمة.
والإشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وحده وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته. الإشارة: لم يكن الذين جحدوا وجود أهل الخصوصية من العلماء والجهال منفكين عن ذلك حتى جاءتهم الحجة القائمة عليهم، وهو ظهور شيخ التربية خليفة الرسول، يتلو كتاب الله العزيز على ما ينبغي وما تفرقوا في التصديق إلا بعد ظهوره. وما أمروا إلا بالإخلاص وتطهير سرائرهم، وهو لا يتأتى إلا بصحبته. وتكلم ابن جزي هنا على الإخلاص، فقال: اعلم أن الأعمال على ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن: خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص، وإن كانت لغير وجه الله من طلب منفعة دنيوية أو مدح أو غير ذلك، فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل، فيه نظر واحتمال. قلت: وقد تقدم كلام الغزالي في سورة البقرة عند قوله:
ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم
[البقرة:198]، وحاصله: أن الحكم للغالب وقوة الباعث. انظر لفظه. ثم قال ابن جزي: وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها ولم يكن له أجر في تركها، وإن تركها بنية وجه الله خرج عن عهدتها وأجر. وأما المباحات، كلأكل والشرب، والنوم والجماع وغير ذلك، فإن فعلها بغير نية لم يكن له فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به وجه الله، مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة، ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام، وشبه ذلك. ه. ودرجات الإخلاص ثلاث: الأولى: أن يعبد الله لطلب غرض دنيوي أو أخروي من غير ملاحظة أحد من الخلق، والثانية: أن يعبد الله لطلب الآخرة فقط، والثالثة: أن يعبد الله عبودية ومحبة. ثم بين حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا يعني أهل الكتاب والمشركين فقال: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب }.
البينة 98:5
يقول الحق جل جلاله: { لم يكن الذين كفروا } أي: بالرسول وبما أنزل عليه { من أهل الكتاب } اليهود والنصارى، { والمشركين } عبدة الأصنام { منفكين } منفصلين عن الكفر، وحذف لأن صلة " الذين " يدل عليه، { حتى تأتيهم البينة } الحجة الواضحة، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: لم يتركوا كفرهم حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض. أو: لم يكونوا منفكين، أي: زائلين عن دينهم حتى تأتيهم البينة ببطلان ما هم عليه، فتقوم الحجة عليهم. أو: لم يكونوا لينفصلوا عن الدنيا حتى بعث الله محمدا فقامت عليهم الحجة، وإلا لقالوا:
لولا أرسلت إلينا رسولا...
[طه:134] الآية. وتلك البينة هي { رسول من الله } أي: محمد صلى الله عليه وسلم وهو بدل من " البينة " { يتلو } يقرأ عليهم { صحفا } كتبا { مطهرة } من الباطل والزور والكذب، والمراد: يتلو ما يتضمنه المكتوب في الصحف، وهو القرآن، يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه، ولم يكن يقرأ مكتوبا لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ الصحف، ولكنه لما كان تاليا معنى ما في الصحف فكأنه قد تلى الصحف. ثم بين ما في الصحف، فقال: { فيها } أي: في الصحف { كتب قيمة } مستقيمة ناطقة بالحق والعدل. ولما كان القرآن جامعا لما في الكتب المتقدمة صدق أن فيه كتبا قيمة. { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } أي: وما اختلفوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، فمنهم من أنكر حسدا، ومنهم من آمن. وإنما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع إولا بينهم وبين المشركين لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا. وقيل: المعنى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين، أي: منفصلين عن معرفة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام حتى بعثه الله. { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } أي: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله وحده من غير شرك ولا نفاق، ولكنهم حرفوا وبدلوا. وقيل: اللام بمعنى " أن " أي: إلا بأن يعبدوا الله { مخلصين له الدين } أي: جاعلين دينهم خالصا له تعالى، أو: جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. قال ابن جزي: استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك، أو ترك الرياء. انظر كلامه، وسيأتي بعضه في الإشارة. { حنفاء } مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام، { ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة } إن أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة، فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم بالدخول في شريعتنا، { وذلك دين القيمة } أي: الملة المستقيمة.
والإشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وحده وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته. الإشارة: لم يكن الذين جحدوا وجود أهل الخصوصية من العلماء والجهال منفكين عن ذلك حتى جاءتهم الحجة القائمة عليهم، وهو ظهور شيخ التربية خليفة الرسول، يتلو كتاب الله العزيز على ما ينبغي وما تفرقوا في التصديق إلا بعد ظهوره. وما أمروا إلا بالإخلاص وتطهير سرائرهم، وهو لا يتأتى إلا بصحبته. وتكلم ابن جزي هنا على الإخلاص، فقال: اعلم أن الأعمال على ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن: خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص، وإن كانت لغير وجه الله من طلب منفعة دنيوية أو مدح أو غير ذلك، فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل، فيه نظر واحتمال. قلت: وقد تقدم كلام الغزالي في سورة البقرة عند قوله:
ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم
[البقرة:198]، وحاصله: أن الحكم للغالب وقوة الباعث. انظر لفظه. ثم قال ابن جزي: وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها ولم يكن له أجر في تركها، وإن تركها بنية وجه الله خرج عن عهدتها وأجر. وأما المباحات، كلأكل والشرب، والنوم والجماع وغير ذلك، فإن فعلها بغير نية لم يكن له فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به وجه الله، مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة، ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام، وشبه ذلك. ه. ودرجات الإخلاص ثلاث: الأولى: أن يعبد الله لطلب غرض دنيوي أو أخروي من غير ملاحظة أحد من الخلق، والثانية: أن يعبد الله لطلب الآخرة فقط، والثالثة: أن يعبد الله عبودية ومحبة. ثم بين حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا يعني أهل الكتاب والمشركين فقال: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب }.
البينة 98:6
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } المتقدمين في أول السورة، { في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية } أي: الخليقة لأن الله براهم، أي: أوجدهم. قرىء بالهمزة، وهو الأصل ويعدمه مع الإدغام، وهو الأكثر. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } لا غيرهم، { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن } إقامة، { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه } حيث بلغوا من الأماني قاصيها وملكوا من المآرب ناصيتها، وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { ذلك لمن خشي ربه } ، فإن الخشية التي هي من خصائص العلماء به مناطاة بجميع الكمالات العلمية والعملية، المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية. والتعرض لعنوان الربوبية، المعربة عن المالكية والتربية للإشعار بعلو الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية. قاله ابو السعود. وقوله: { خير البرية } يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة. وفيه تفصيل تقدم ذكره في النساء. قال القشيري: قوله تعالى: { خير البرية } يدل على أنهم أفضل من الملائكة. ه. قال في الحاشية: أي: في الجملة، ثم ذكر حكاية الرجل الذي أحياه الله بعد موته بدعوة عيسى، فقال: إنه كان في الجنة، وأنه مر بملأ من الملائكة، وهم يقولون: إن من بني آدم لمن هو أكرم على الله من الملائكة. ثم ذكر عن نوادر الأصول: أن المؤمن أكرم على الله من الملائكة المقربين، فانظره. وقال بعضهم: الملائكة عقل بلا شهوة، والبهائم شهوة بلا عقل، والآدمي فيه عقل وشهوة، فمن غلب عقله على شهوته كان كالملائكة أو أفضل، ومن غلبت شهوته على عقله كان كالبهائم أو أضل. ه. الإشارة: من كفر بأهل الخصوصية من أهل العلم وغيرهم لهم نار الحجاب والقطيعة، ومن آمن بهم، ودخل تحت تربيتهم له جنات المعارف خالدا فيها، رضي الله عنهم حيث قربهم إليه، ورضوا عنه حيث سلموا الأمر إليه، وخشوا بعده وطرده. قال الإمام الفخر: اعلم أن العبد مركب من جسد وروح، فجنة الجسد هي الموصوفة في القرآن، وجنة الروح هي رضا الرب. والأولى مبدأ أمره، والثانية منتهى أمره. وقال الورتجبي: عن الواسطي: الرضا والسخط نعتان قديمان، يجريان على الأبد بما جرى في الأزل، يظهران الوسم على المقبولين والمطرودين. فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم، كما بانت شواهد المطرودين بظلمتها عليهم. ثم قال عن سهل: الخشية سر والخشوع ظاهر. ه. فالخشية محلها البواطن، والخشوع ظهور أثر الخشية في الظاهر. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
البينة 98:7
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } المتقدمين في أول السورة، { في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية } أي: الخليقة لأن الله براهم، أي: أوجدهم. قرىء بالهمزة، وهو الأصل ويعدمه مع الإدغام، وهو الأكثر. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } لا غيرهم، { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن } إقامة، { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه } حيث بلغوا من الأماني قاصيها وملكوا من المآرب ناصيتها، وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { ذلك لمن خشي ربه } ، فإن الخشية التي هي من خصائص العلماء به مناطاة بجميع الكمالات العلمية والعملية، المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية. والتعرض لعنوان الربوبية، المعربة عن المالكية والتربية للإشعار بعلو الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية. قاله ابو السعود. وقوله: { خير البرية } يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة. وفيه تفصيل تقدم ذكره في النساء. قال القشيري: قوله تعالى: { خير البرية } يدل على أنهم أفضل من الملائكة. ه. قال في الحاشية: أي: في الجملة، ثم ذكر حكاية الرجل الذي أحياه الله بعد موته بدعوة عيسى، فقال: إنه كان في الجنة، وأنه مر بملأ من الملائكة، وهم يقولون: إن من بني آدم لمن هو أكرم على الله من الملائكة. ثم ذكر عن نوادر الأصول: أن المؤمن أكرم على الله من الملائكة المقربين، فانظره. وقال بعضهم: الملائكة عقل بلا شهوة، والبهائم شهوة بلا عقل، والآدمي فيه عقل وشهوة، فمن غلب عقله على شهوته كان كالملائكة أو أفضل، ومن غلبت شهوته على عقله كان كالبهائم أو أضل. ه. الإشارة: من كفر بأهل الخصوصية من أهل العلم وغيرهم لهم نار الحجاب والقطيعة، ومن آمن بهم، ودخل تحت تربيتهم له جنات المعارف خالدا فيها، رضي الله عنهم حيث قربهم إليه، ورضوا عنه حيث سلموا الأمر إليه، وخشوا بعده وطرده. قال الإمام الفخر: اعلم أن العبد مركب من جسد وروح، فجنة الجسد هي الموصوفة في القرآن، وجنة الروح هي رضا الرب. والأولى مبدأ أمره، والثانية منتهى أمره. وقال الورتجبي: عن الواسطي: الرضا والسخط نعتان قديمان، يجريان على الأبد بما جرى في الأزل، يظهران الوسم على المقبولين والمطرودين. فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم، كما بانت شواهد المطرودين بظلمتها عليهم. ثم قال عن سهل: الخشية سر والخشوع ظاهر. ه. فالخشية محلها البواطن، والخشوع ظهور أثر الخشية في الظاهر. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
البينة 98:8
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } المتقدمين في أول السورة، { في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية } أي: الخليقة لأن الله براهم، أي: أوجدهم. قرىء بالهمزة، وهو الأصل ويعدمه مع الإدغام، وهو الأكثر. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } لا غيرهم، { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن } إقامة، { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه } حيث بلغوا من الأماني قاصيها وملكوا من المآرب ناصيتها، وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { ذلك لمن خشي ربه } ، فإن الخشية التي هي من خصائص العلماء به مناطاة بجميع الكمالات العلمية والعملية، المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية. والتعرض لعنوان الربوبية، المعربة عن المالكية والتربية للإشعار بعلو الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية. قاله ابو السعود. وقوله: { خير البرية } يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة. وفيه تفصيل تقدم ذكره في النساء. قال القشيري: قوله تعالى: { خير البرية } يدل على أنهم أفضل من الملائكة. ه. قال في الحاشية: أي: في الجملة، ثم ذكر حكاية الرجل الذي أحياه الله بعد موته بدعوة عيسى، فقال: إنه كان في الجنة، وأنه مر بملأ من الملائكة، وهم يقولون: إن من بني آدم لمن هو أكرم على الله من الملائكة. ثم ذكر عن نوادر الأصول: أن المؤمن أكرم على الله من الملائكة المقربين، فانظره. وقال بعضهم: الملائكة عقل بلا شهوة، والبهائم شهوة بلا عقل، والآدمي فيه عقل وشهوة، فمن غلب عقله على شهوته كان كالملائكة أو أفضل، ومن غلبت شهوته على عقله كان كالبهائم أو أضل. ه. الإشارة: من كفر بأهل الخصوصية من أهل العلم وغيرهم لهم نار الحجاب والقطيعة، ومن آمن بهم، ودخل تحت تربيتهم له جنات المعارف خالدا فيها، رضي الله عنهم حيث قربهم إليه، ورضوا عنه حيث سلموا الأمر إليه، وخشوا بعده وطرده. قال الإمام الفخر: اعلم أن العبد مركب من جسد وروح، فجنة الجسد هي الموصوفة في القرآن، وجنة الروح هي رضا الرب. والأولى مبدأ أمره، والثانية منتهى أمره. وقال الورتجبي: عن الواسطي: الرضا والسخط نعتان قديمان، يجريان على الأبد بما جرى في الأزل، يظهران الوسم على المقبولين والمطرودين. فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم، كما بانت شواهد المطرودين بظلمتها عليهم. ثم قال عن سهل: الخشية سر والخشوع ظاهر. ه. فالخشية محلها البواطن، والخشوع ظهور أثر الخشية في الظاهر. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
الزلزلة 99:1
يقول الحق جل جلاله: { إذا زلزلت الأرض } أي: حركت تحريكا عنيفا مكررا متداركا، { زلزالها } أي: الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو: زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره. قال ابن عرفة: المراد: الأرض الأولى لأن الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلل، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه. وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، جمع: ثقل، وهو: متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو: للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض. { وقال الإنسان } أي: كل فرد من أفراده، لما يدهمهم من الطامة التامة، ويبهرهم من الداهية العامة: { ما لها } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، وأخرجت ما فيها من الأثقال، استعظاما لما شهدوه من الأمر الهائل، وقد سيرت الجبال وفي الجو فصارت هباء. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام، والكافر بطريق التعجب. { يومئذ تحدث أخبارها } يوم إذا زلزلت الأرض تحدث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها، قيل: ينطقها الله وتحدث بما وقع عليها خير وشر، روي عنه صلى الله عليه وسلم:
" أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها "
{ بأن ربك أوحى لها } أي: بسبب أن ربك أوحى لها بأن تحدث أي: أمرها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها، يقال: حدثت كذا وبكذا، و " أوحى " يتعدى باللام وب " إلى ". { يومئذ } أي: يوم إذ يقع ما ذكر { يصدر الناس } من قبورهم إلى موقف الحساب { أشتاتا } متفرقين طبقات منهم بيض الوجوه آمنين، ومنهم سود الوجوه فزعين، كما في قوله تعالى:
فتأتون أفواجا
[النبأ:18] وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتا، ذات اليمين إلى الجنة، وذات الشمال إلى النار، { ليروا أعمالهم } أي: جزاء أعمالهم خيرا أو شرا. { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ، والذرة: النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و " خيرا ": تمييز، { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قيل: هذا في الكافر، والأولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس مؤمن ولا كافر، عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا يراه في الآخرة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيرد الله حسناته ويعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب: الكافر يرى ثوابه في الدنيا، في أهله وماله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وأهله وماله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.
وفي الحديث:
" إذا تاب العبد عن ذنبه أنسى الله الحفظة ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ".
قال ابن جزي: هو على عمومه في الكافر، وأما المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستة شروط أن تكون ذنوبهم كبار، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وألا يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها وألا يشفع فيهم، وألا يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل، كأهل بدر، وإلا يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. الإشارة: إذا زلزلت أرض النفوس زلزالها اللائق بها، وحركت بالواردات والأحوال وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطت وجود الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه منشدا:
فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحق يسطع نورها يوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم يومئذ تحدث أخبارها: أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأن ربك أوحى لها إلهاما. يومئذ يصدر الناس من الفناء إلى البقاء، أشتاتا، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو: فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعا. والله أعلم. وذلك ليروا أعمال مجاهدتهم بالتنعم في مشاهدتهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا بأن ينقص من نفسه عادة في سيره ير جزاء ذلك، ومن يعمل مثقال ذرة شرا بأن يزيد من الحس شيئا في الظاهر يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلا إذا تمكن من الشهود. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الزلزلة 99:2
يقول الحق جل جلاله: { إذا زلزلت الأرض } أي: حركت تحريكا عنيفا مكررا متداركا، { زلزالها } أي: الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو: زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره. قال ابن عرفة: المراد: الأرض الأولى لأن الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلل، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه. وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، جمع: ثقل، وهو: متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو: للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض. { وقال الإنسان } أي: كل فرد من أفراده، لما يدهمهم من الطامة التامة، ويبهرهم من الداهية العامة: { ما لها } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، وأخرجت ما فيها من الأثقال، استعظاما لما شهدوه من الأمر الهائل، وقد سيرت الجبال وفي الجو فصارت هباء. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام، والكافر بطريق التعجب. { يومئذ تحدث أخبارها } يوم إذا زلزلت الأرض تحدث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها، قيل: ينطقها الله وتحدث بما وقع عليها خير وشر، روي عنه صلى الله عليه وسلم:
" أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها "
{ بأن ربك أوحى لها } أي: بسبب أن ربك أوحى لها بأن تحدث أي: أمرها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها، يقال: حدثت كذا وبكذا، و " أوحى " يتعدى باللام وب " إلى ". { يومئذ } أي: يوم إذ يقع ما ذكر { يصدر الناس } من قبورهم إلى موقف الحساب { أشتاتا } متفرقين طبقات منهم بيض الوجوه آمنين، ومنهم سود الوجوه فزعين، كما في قوله تعالى:
فتأتون أفواجا
[النبأ:18] وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتا، ذات اليمين إلى الجنة، وذات الشمال إلى النار، { ليروا أعمالهم } أي: جزاء أعمالهم خيرا أو شرا. { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ، والذرة: النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و " خيرا ": تمييز، { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قيل: هذا في الكافر، والأولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس مؤمن ولا كافر، عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا يراه في الآخرة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيرد الله حسناته ويعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب: الكافر يرى ثوابه في الدنيا، في أهله وماله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وأهله وماله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.
وفي الحديث:
" إذا تاب العبد عن ذنبه أنسى الله الحفظة ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ".
قال ابن جزي: هو على عمومه في الكافر، وأما المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستة شروط أن تكون ذنوبهم كبار، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وألا يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها وألا يشفع فيهم، وألا يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل، كأهل بدر، وإلا يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. الإشارة: إذا زلزلت أرض النفوس زلزالها اللائق بها، وحركت بالواردات والأحوال وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطت وجود الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه منشدا:
فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحق يسطع نورها يوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم يومئذ تحدث أخبارها: أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأن ربك أوحى لها إلهاما. يومئذ يصدر الناس من الفناء إلى البقاء، أشتاتا، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو: فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعا. والله أعلم. وذلك ليروا أعمال مجاهدتهم بالتنعم في مشاهدتهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا بأن ينقص من نفسه عادة في سيره ير جزاء ذلك، ومن يعمل مثقال ذرة شرا بأن يزيد من الحس شيئا في الظاهر يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلا إذا تمكن من الشهود. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الزلزلة 99:3
يقول الحق جل جلاله: { إذا زلزلت الأرض } أي: حركت تحريكا عنيفا مكررا متداركا، { زلزالها } أي: الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو: زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره. قال ابن عرفة: المراد: الأرض الأولى لأن الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلل، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه. وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، جمع: ثقل، وهو: متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو: للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض. { وقال الإنسان } أي: كل فرد من أفراده، لما يدهمهم من الطامة التامة، ويبهرهم من الداهية العامة: { ما لها } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، وأخرجت ما فيها من الأثقال، استعظاما لما شهدوه من الأمر الهائل، وقد سيرت الجبال وفي الجو فصارت هباء. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام، والكافر بطريق التعجب. { يومئذ تحدث أخبارها } يوم إذا زلزلت الأرض تحدث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها، قيل: ينطقها الله وتحدث بما وقع عليها خير وشر، روي عنه صلى الله عليه وسلم:
" أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها "
{ بأن ربك أوحى لها } أي: بسبب أن ربك أوحى لها بأن تحدث أي: أمرها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها، يقال: حدثت كذا وبكذا، و " أوحى " يتعدى باللام وب " إلى ". { يومئذ } أي: يوم إذ يقع ما ذكر { يصدر الناس } من قبورهم إلى موقف الحساب { أشتاتا } متفرقين طبقات منهم بيض الوجوه آمنين، ومنهم سود الوجوه فزعين، كما في قوله تعالى:
فتأتون أفواجا
[النبأ:18] وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتا، ذات اليمين إلى الجنة، وذات الشمال إلى النار، { ليروا أعمالهم } أي: جزاء أعمالهم خيرا أو شرا. { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ، والذرة: النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و " خيرا ": تمييز، { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قيل: هذا في الكافر، والأولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس مؤمن ولا كافر، عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا يراه في الآخرة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيرد الله حسناته ويعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب: الكافر يرى ثوابه في الدنيا، في أهله وماله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وأهله وماله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.
وفي الحديث:
" إذا تاب العبد عن ذنبه أنسى الله الحفظة ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ".
قال ابن جزي: هو على عمومه في الكافر، وأما المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستة شروط أن تكون ذنوبهم كبار، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وألا يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها وألا يشفع فيهم، وألا يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل، كأهل بدر، وإلا يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. الإشارة: إذا زلزلت أرض النفوس زلزالها اللائق بها، وحركت بالواردات والأحوال وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطت وجود الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه منشدا:
فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحق يسطع نورها يوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم يومئذ تحدث أخبارها: أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأن ربك أوحى لها إلهاما. يومئذ يصدر الناس من الفناء إلى البقاء، أشتاتا، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو: فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعا. والله أعلم. وذلك ليروا أعمال مجاهدتهم بالتنعم في مشاهدتهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا بأن ينقص من نفسه عادة في سيره ير جزاء ذلك، ومن يعمل مثقال ذرة شرا بأن يزيد من الحس شيئا في الظاهر يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلا إذا تمكن من الشهود. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الزلزلة 99:4
يقول الحق جل جلاله: { إذا زلزلت الأرض } أي: حركت تحريكا عنيفا مكررا متداركا، { زلزالها } أي: الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو: زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره. قال ابن عرفة: المراد: الأرض الأولى لأن الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلل، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه. وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، جمع: ثقل، وهو: متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو: للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض. { وقال الإنسان } أي: كل فرد من أفراده، لما يدهمهم من الطامة التامة، ويبهرهم من الداهية العامة: { ما لها } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، وأخرجت ما فيها من الأثقال، استعظاما لما شهدوه من الأمر الهائل، وقد سيرت الجبال وفي الجو فصارت هباء. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام، والكافر بطريق التعجب. { يومئذ تحدث أخبارها } يوم إذا زلزلت الأرض تحدث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها، قيل: ينطقها الله وتحدث بما وقع عليها خير وشر، روي عنه صلى الله عليه وسلم:
" أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها "
{ بأن ربك أوحى لها } أي: بسبب أن ربك أوحى لها بأن تحدث أي: أمرها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها، يقال: حدثت كذا وبكذا، و " أوحى " يتعدى باللام وب " إلى ". { يومئذ } أي: يوم إذ يقع ما ذكر { يصدر الناس } من قبورهم إلى موقف الحساب { أشتاتا } متفرقين طبقات منهم بيض الوجوه آمنين، ومنهم سود الوجوه فزعين، كما في قوله تعالى:
فتأتون أفواجا
[النبأ:18] وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتا، ذات اليمين إلى الجنة، وذات الشمال إلى النار، { ليروا أعمالهم } أي: جزاء أعمالهم خيرا أو شرا. { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ، والذرة: النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و " خيرا ": تمييز، { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قيل: هذا في الكافر، والأولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس مؤمن ولا كافر، عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا يراه في الآخرة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيرد الله حسناته ويعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب: الكافر يرى ثوابه في الدنيا، في أهله وماله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وأهله وماله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.
وفي الحديث:
" إذا تاب العبد عن ذنبه أنسى الله الحفظة ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ".
قال ابن جزي: هو على عمومه في الكافر، وأما المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستة شروط أن تكون ذنوبهم كبار، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وألا يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها وألا يشفع فيهم، وألا يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل، كأهل بدر، وإلا يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. الإشارة: إذا زلزلت أرض النفوس زلزالها اللائق بها، وحركت بالواردات والأحوال وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطت وجود الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه منشدا:
فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحق يسطع نورها يوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم يومئذ تحدث أخبارها: أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأن ربك أوحى لها إلهاما. يومئذ يصدر الناس من الفناء إلى البقاء، أشتاتا، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو: فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعا. والله أعلم. وذلك ليروا أعمال مجاهدتهم بالتنعم في مشاهدتهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا بأن ينقص من نفسه عادة في سيره ير جزاء ذلك، ومن يعمل مثقال ذرة شرا بأن يزيد من الحس شيئا في الظاهر يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلا إذا تمكن من الشهود. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الزلزلة 99:5
يقول الحق جل جلاله: { إذا زلزلت الأرض } أي: حركت تحريكا عنيفا مكررا متداركا، { زلزالها } أي: الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو: زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره. قال ابن عرفة: المراد: الأرض الأولى لأن الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلل، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه. وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، جمع: ثقل، وهو: متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو: للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض. { وقال الإنسان } أي: كل فرد من أفراده، لما يدهمهم من الطامة التامة، ويبهرهم من الداهية العامة: { ما لها } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، وأخرجت ما فيها من الأثقال، استعظاما لما شهدوه من الأمر الهائل، وقد سيرت الجبال وفي الجو فصارت هباء. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام، والكافر بطريق التعجب. { يومئذ تحدث أخبارها } يوم إذا زلزلت الأرض تحدث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها، قيل: ينطقها الله وتحدث بما وقع عليها خير وشر، روي عنه صلى الله عليه وسلم:
" أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها "
{ بأن ربك أوحى لها } أي: بسبب أن ربك أوحى لها بأن تحدث أي: أمرها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها، يقال: حدثت كذا وبكذا، و " أوحى " يتعدى باللام وب " إلى ". { يومئذ } أي: يوم إذ يقع ما ذكر { يصدر الناس } من قبورهم إلى موقف الحساب { أشتاتا } متفرقين طبقات منهم بيض الوجوه آمنين، ومنهم سود الوجوه فزعين، كما في قوله تعالى:
فتأتون أفواجا
[النبأ:18] وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتا، ذات اليمين إلى الجنة، وذات الشمال إلى النار، { ليروا أعمالهم } أي: جزاء أعمالهم خيرا أو شرا. { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ، والذرة: النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و " خيرا ": تمييز، { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قيل: هذا في الكافر، والأولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس مؤمن ولا كافر، عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا يراه في الآخرة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيرد الله حسناته ويعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب: الكافر يرى ثوابه في الدنيا، في أهله وماله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وأهله وماله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.
وفي الحديث:
" إذا تاب العبد عن ذنبه أنسى الله الحفظة ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ".
قال ابن جزي: هو على عمومه في الكافر، وأما المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستة شروط أن تكون ذنوبهم كبار، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وألا يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها وألا يشفع فيهم، وألا يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل، كأهل بدر، وإلا يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. الإشارة: إذا زلزلت أرض النفوس زلزالها اللائق بها، وحركت بالواردات والأحوال وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطت وجود الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه منشدا:
فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحق يسطع نورها يوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم يومئذ تحدث أخبارها: أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأن ربك أوحى لها إلهاما. يومئذ يصدر الناس من الفناء إلى البقاء، أشتاتا، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو: فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعا. والله أعلم. وذلك ليروا أعمال مجاهدتهم بالتنعم في مشاهدتهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا بأن ينقص من نفسه عادة في سيره ير جزاء ذلك، ومن يعمل مثقال ذرة شرا بأن يزيد من الحس شيئا في الظاهر يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلا إذا تمكن من الشهود. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الزلزلة 99:6
يقول الحق جل جلاله: { إذا زلزلت الأرض } أي: حركت تحريكا عنيفا مكررا متداركا، { زلزالها } أي: الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو: زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره. قال ابن عرفة: المراد: الأرض الأولى لأن الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلل، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه. وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، جمع: ثقل، وهو: متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو: للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض. { وقال الإنسان } أي: كل فرد من أفراده، لما يدهمهم من الطامة التامة، ويبهرهم من الداهية العامة: { ما لها } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، وأخرجت ما فيها من الأثقال، استعظاما لما شهدوه من الأمر الهائل، وقد سيرت الجبال وفي الجو فصارت هباء. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام، والكافر بطريق التعجب. { يومئذ تحدث أخبارها } يوم إذا زلزلت الأرض تحدث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها، قيل: ينطقها الله وتحدث بما وقع عليها خير وشر، روي عنه صلى الله عليه وسلم:
" أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها "
{ بأن ربك أوحى لها } أي: بسبب أن ربك أوحى لها بأن تحدث أي: أمرها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها، يقال: حدثت كذا وبكذا، و " أوحى " يتعدى باللام وب " إلى ". { يومئذ } أي: يوم إذ يقع ما ذكر { يصدر الناس } من قبورهم إلى موقف الحساب { أشتاتا } متفرقين طبقات منهم بيض الوجوه آمنين، ومنهم سود الوجوه فزعين، كما في قوله تعالى:
فتأتون أفواجا
[النبأ:18] وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتا، ذات اليمين إلى الجنة، وذات الشمال إلى النار، { ليروا أعمالهم } أي: جزاء أعمالهم خيرا أو شرا. { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ، والذرة: النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و " خيرا ": تمييز، { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قيل: هذا في الكافر، والأولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس مؤمن ولا كافر، عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا يراه في الآخرة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيرد الله حسناته ويعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب: الكافر يرى ثوابه في الدنيا، في أهله وماله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وأهله وماله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.
وفي الحديث:
" إذا تاب العبد عن ذنبه أنسى الله الحفظة ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ".
قال ابن جزي: هو على عمومه في الكافر، وأما المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستة شروط أن تكون ذنوبهم كبار، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وألا يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها وألا يشفع فيهم، وألا يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل، كأهل بدر، وإلا يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. الإشارة: إذا زلزلت أرض النفوس زلزالها اللائق بها، وحركت بالواردات والأحوال وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطت وجود الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه منشدا:
فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحق يسطع نورها يوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم يومئذ تحدث أخبارها: أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأن ربك أوحى لها إلهاما. يومئذ يصدر الناس من الفناء إلى البقاء، أشتاتا، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو: فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعا. والله أعلم. وذلك ليروا أعمال مجاهدتهم بالتنعم في مشاهدتهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا بأن ينقص من نفسه عادة في سيره ير جزاء ذلك، ومن يعمل مثقال ذرة شرا بأن يزيد من الحس شيئا في الظاهر يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلا إذا تمكن من الشهود. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الزلزلة 99:7
يقول الحق جل جلاله: { إذا زلزلت الأرض } أي: حركت تحريكا عنيفا مكررا متداركا، { زلزالها } أي: الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو: زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره. قال ابن عرفة: المراد: الأرض الأولى لأن الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلل، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه. وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، جمع: ثقل، وهو: متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو: للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض. { وقال الإنسان } أي: كل فرد من أفراده، لما يدهمهم من الطامة التامة، ويبهرهم من الداهية العامة: { ما لها } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، وأخرجت ما فيها من الأثقال، استعظاما لما شهدوه من الأمر الهائل، وقد سيرت الجبال وفي الجو فصارت هباء. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام، والكافر بطريق التعجب. { يومئذ تحدث أخبارها } يوم إذا زلزلت الأرض تحدث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها، قيل: ينطقها الله وتحدث بما وقع عليها خير وشر، روي عنه صلى الله عليه وسلم:
" أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها "
{ بأن ربك أوحى لها } أي: بسبب أن ربك أوحى لها بأن تحدث أي: أمرها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها، يقال: حدثت كذا وبكذا، و " أوحى " يتعدى باللام وب " إلى ". { يومئذ } أي: يوم إذ يقع ما ذكر { يصدر الناس } من قبورهم إلى موقف الحساب { أشتاتا } متفرقين طبقات منهم بيض الوجوه آمنين، ومنهم سود الوجوه فزعين، كما في قوله تعالى:
فتأتون أفواجا
[النبأ:18] وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتا، ذات اليمين إلى الجنة، وذات الشمال إلى النار، { ليروا أعمالهم } أي: جزاء أعمالهم خيرا أو شرا. { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ، والذرة: النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و " خيرا ": تمييز، { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قيل: هذا في الكافر، والأولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس مؤمن ولا كافر، عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا يراه في الآخرة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيرد الله حسناته ويعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب: الكافر يرى ثوابه في الدنيا، في أهله وماله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وأهله وماله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.
وفي الحديث:
" إذا تاب العبد عن ذنبه أنسى الله الحفظة ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ".
قال ابن جزي: هو على عمومه في الكافر، وأما المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستة شروط أن تكون ذنوبهم كبار، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وألا يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها وألا يشفع فيهم، وألا يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل، كأهل بدر، وإلا يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. الإشارة: إذا زلزلت أرض النفوس زلزالها اللائق بها، وحركت بالواردات والأحوال وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطت وجود الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه منشدا:
فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحق يسطع نورها يوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم يومئذ تحدث أخبارها: أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأن ربك أوحى لها إلهاما. يومئذ يصدر الناس من الفناء إلى البقاء، أشتاتا، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو: فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعا. والله أعلم. وذلك ليروا أعمال مجاهدتهم بالتنعم في مشاهدتهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا بأن ينقص من نفسه عادة في سيره ير جزاء ذلك، ومن يعمل مثقال ذرة شرا بأن يزيد من الحس شيئا في الظاهر يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلا إذا تمكن من الشهود. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الزلزلة 99:8
يقول الحق جل جلاله: { إذا زلزلت الأرض } أي: حركت تحريكا عنيفا مكررا متداركا، { زلزالها } أي: الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو: زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره. قال ابن عرفة: المراد: الأرض الأولى لأن الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلل، وهو ظاهر حديث الإسراء. ه. وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، جمع: ثقل، وهو: متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو: للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض. { وقال الإنسان } أي: كل فرد من أفراده، لما يدهمهم من الطامة التامة، ويبهرهم من الداهية العامة: { ما لها } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، وأخرجت ما فيها من الأثقال، استعظاما لما شهدوه من الأمر الهائل، وقد سيرت الجبال وفي الجو فصارت هباء. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام، والكافر بطريق التعجب. { يومئذ تحدث أخبارها } يوم إذا زلزلت الأرض تحدث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها، قيل: ينطقها الله وتحدث بما وقع عليها خير وشر، روي عنه صلى الله عليه وسلم:
" أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها "
{ بأن ربك أوحى لها } أي: بسبب أن ربك أوحى لها بأن تحدث أي: أمرها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها، يقال: حدثت كذا وبكذا، و " أوحى " يتعدى باللام وب " إلى ". { يومئذ } أي: يوم إذ يقع ما ذكر { يصدر الناس } من قبورهم إلى موقف الحساب { أشتاتا } متفرقين طبقات منهم بيض الوجوه آمنين، ومنهم سود الوجوه فزعين، كما في قوله تعالى:
فتأتون أفواجا
[النبأ:18] وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتا، ذات اليمين إلى الجنة، وذات الشمال إلى النار، { ليروا أعمالهم } أي: جزاء أعمالهم خيرا أو شرا. { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ، والذرة: النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و " خيرا ": تمييز، { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قيل: هذا في الكافر، والأولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس مؤمن ولا كافر، عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا يراه في الآخرة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيرد الله حسناته ويعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب: الكافر يرى ثوابه في الدنيا، في أهله وماله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وأهله وماله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.
وفي الحديث:
" إذا تاب العبد عن ذنبه أنسى الله الحفظة ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ".
قال ابن جزي: هو على عمومه في الكافر، وأما المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستة شروط أن تكون ذنوبهم كبار، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وألا يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها وألا يشفع فيهم، وألا يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل، كأهل بدر، وإلا يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. الإشارة: إذا زلزلت أرض النفوس زلزالها اللائق بها، وحركت بالواردات والأحوال وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطت وجود الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه منشدا:
فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحق يسطع نورها يوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم يومئذ تحدث أخبارها: أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأن ربك أوحى لها إلهاما. يومئذ يصدر الناس من الفناء إلى البقاء، أشتاتا، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو: فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعا. والله أعلم. وذلك ليروا أعمال مجاهدتهم بالتنعم في مشاهدتهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا بأن ينقص من نفسه عادة في سيره ير جزاء ذلك، ومن يعمل مثقال ذرة شرا بأن يزيد من الحس شيئا في الظاهر يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلا إذا تمكن من الشهود. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العاديات 100:1
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:2
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:3
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:4
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:5
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:6
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:7
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:8
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:9
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:10
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
العاديات 100:11
يقول الحق جل جلاله: { والعاديات ضبحا } ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وحكى صوتها ابن عباس، فقال: أح، أح. وانتصاب " ضبحا " على المصدر، أي: يضبحن ضبحا، أو: بالعاديات، فإن العدو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو: حال، أي: ضابحات. { فالموريات قدحا } الإيراء: إخراج النار والقدح: الصك يقال: قدح فأورى، أي: فالتي توري النار من حوافرها عند العدو. وانتصاب " قدحا " كانتصاب ضبحا. { فالمغيرات } التي تغير على العدو، { صبحا } أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانا بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } أي: غبارا، عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، أي: هيجن به غبارا، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أن الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أن العدو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلا في الصبح. { فوسطن به } أي: فوسطن بذلك الوقت { جمعا } من جموع الأعداء والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدو. وجواب القسم: قوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: لكفور، من: كند النعمة: كفرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حال فلا يخرج عن أن يكون فسقا أو كفرا أو تقصيرا في شكر الله على نعمه، وتقصيرا وتفريطا في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تنبت شيئا. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أن الكنود هو من اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصا على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يقدم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضمن له رزقه، فلذلك بعد أن عدد مذامه هدده ورهبه بقوله: { أفلا يعلم... } الآية. ه. والآية إما في جنس الإنسان إلا من عصمه الله، وهو الأظهر، أو في معين، كالوليد أو غيره. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهرا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارة له صلى الله عليه وسلم ونعيا على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدم.
{ وإنه } أي: الإنسان { على ذلك } أي: على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، { وإنه لحب الخير } أي: المال { لشديد } أي: قوي مطيق مجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيبا. ثم هدد الكنود، فقال: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي: بعث فيها، و " ما " بمعنى " من " ، { وحصل ما في الصدور } ميز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأن الله مطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلة على الآخرة، وحظوظه على حقوق ربه والقيام بعبوديته. { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } أي: عالم بظواهر ما عملوا وباطنه، علما موجبا للجزاء، متصلا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلا فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: " بهم " و " يومئذ " يتعلقان ب " بخبير " قدما لرعاية الفواصل واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السماك: " أن ربهم بهم يومئذ خبير ". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتغير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعا من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسرها، غنيمة وذخيرة، وجوابه: إن الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسان لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف منعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعد ما منه من الطاعات، وينسى ما من الله به عليه من الكرامات. ه. وإنه على ذلك لشهيد يشهد كفره وعصيانه وبخله بحسب جبلته، وإنه لحب الخير لشديد يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسرانا مبينا، أفلا يعلم ما يحل به إذا بعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحصل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إن ربهم بهم يومئذ لخبير، فيجازي أهل الإحسان وأهل الخذلان، كلا بما يليق به. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:1
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:2
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:3
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:4
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:5
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:6
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:7
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:8
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:9
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:10
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
القارعة 101:11
يقول الحق جل جلاله: { القارعة ما القارعة } القرع هو الضرب باعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى، ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق، سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال. وهي مبتدأ، خبرها: قوله: ما القارعة على أن " ما " استفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا بالعكس لما مر من أن محط الإفادة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة هاهنا هو " ما القارعة " أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة، وقد وقع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. { وما أدراك ما القارعة } هو تأكيد لهولها وفضاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، أي: أي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ومن أين علمت ذلك؟ و " أدري " يتعدى إلى مفعولين علقت عن الثاني بالاستفهام. ثم بين شأنها فقال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أي: هي يوم، على أن " يوم " مبني لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا على رأي الكوفيين، والمختار أنه منصوب باذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار. والفراش: صغار الجراد، ويسمى: غوغاء الجراد، وبهذا يوافق قوله تعالى:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وقال أبو عبيدة: الفراش: طير لا بعوض ولا ذباب، والمبثوث: المتفرق. وقال الزجاج: الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار. ه. والمشهور أنه الطير الذ يتساقط في النار، ولا يزال يقتحم على المصباح، قال الكواشي: شبه الناس عند البعث بالفراش لموج بعضهم في بعض، وضعفهم وكثرتهم، وركوب بعضهم بعضا لشدة ذلك اليوم، كقوله:
كأنهم جراد منتشر
[القمر:7] وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره وخفته. ه. واختار بعضهم أن يكون هذا التشبيه للكفار لأنهم هم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش المنتشر. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف الملون بالألوان المختلفة في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، حسبما نطق به قوله تعالى:
وترى الجبال تحسبها جامدة...
[النمل:88] الآية، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض بتغيير هيئاتها وتسير الجبال سيرا عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسيير وتسويتها يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
[طه:105] الآية، ثم قال:
يومئذ يتبعون الداعي
[طه:108] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم:48]، الآية، فإن اتباع الداعي وهو إسرافيل، وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية.
قاله أبو السعود. قلت: دك الأرض كلها مع بقاء جبالها غريب مع أن قوله تعالى:
وحملت الأرض والجبال...
[الحاقة:14] الخ صريح في دك الجبال وتسويتها مع دك الأرض قبل البعث، ويمكن الجمع بأن بعضها تدك مع دك الأرض، وهو ما كان في طريق ممر الناس للمحشر وبعضها تبقى ليشاهدها أهل المحشر، وهو ما كان جانبا، والله تعالى أعلم بما سيفعل وسترد وترى. ولما ذكر ما يعم الناس ذكر ما يخص كل واحد، فقال: { فأما من ثقلت موازينه } باتباعه الحق، وهو جمع " موزون " ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله أو جمع ميزان، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو ميزان له لسان وكفتان، توزن فيه الأعمال، قالوا: توضع فيه صحائف الأعمال، فينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة. قال أنس: " إن ملكا يوكل يوم القيامة بميزان ابن آدم، يجاء به حتى يوقف بين كفي الميزان، فيوزن عمله، فإن ثقلت حسناته نادى بصوت يسمع جميع الخلائق باسم الرجل: إلا سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خفت موازينه نادى: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العدل، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، قالوا: الميزان لا يتوصل به إلى معرفة مقادير الأجسام، فكيف يمكن أن يعرف مقادير الأعمال. ه. والمشهور أنه محسوس. وقد روي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فمن ترجحت موازين حسناته { فهو في عيشة راضية } أي: ذات رضا، أو مرضية، { ومن خفت موازينه } باتباعه الباطل، فلم يكون له حسنات يعتد بها، أوترجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } ، هي من أسماء النار، سميت بها لغاية عمقها وبعد مداها، روي أن أهل النار يهووا فيها سبعين خريفا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وعن قتادة وغيره: فأم رأسه هاوية، لأنه يطرح فيها منكوسا. والأول هو الموافق لقوله: { وما أدراك ما هيه } فإنه تقرير لها بعد إبهامها، وللإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل، وهي ضمير الهاوية، والهاء للسكت، ثبت وصلا ووقفا، لثبوتها في المصحف، فينبغي الوقف ليوافق ثبوتها، ثم فسرها فقال: { نار حامية } بلغت النهاية في الحرارة، قيل: وصفها بحامية تنبيها على أن نار الدنيا بالنسبة إليها ليست بحامية فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا منها، كما في الحديث. الإشارة: القارعة هي سطوات تجلي الذات عند الاستشراف على مقام الفناء، لأنها تقرع القلوب بالحيرة والدهش في نور الكبرياء، ثم قال: { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } أو كالهباء في الهواء، إن فتشته لم تجده شيئا ووجد الله عنده، يعني: إن الخلق يصغر من جهة حسهم في نظر العارف، فلم يبعد في قلبه منهم هيبة ولا خوف.
وتكون الجبال، جبال العقل، كالعهن المنفوش، أي: لا تثبت عند سطوع نور التجلي لأن نور العقل ضعيف كالقمر، عند طلوع الشمس، فأما من ثقلت موازينه بأن كان حقا محضا إذ لا يثقل في الميزان إلا الحق، والحق لا يصادم باطلا إلا دمغه، فهو في عيشة راضية، لكونه دخل جنة المعارف، وهي الحياة الطيبة، وأما من خفت موازينه باتباع الهوى فأمه هاوية، نار القطيعة ينكس فيها ويضم إليها، يحترق فيها بالشكوك والأوهام والخواطر، وحر التدبير والاختيار. وروي في بعض الأثر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
التكاثر 102:1
يقول الحق جل جلاله: { ألهاكم التكاثر } أي: شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا، وتعادوا بالسادة والأشراف، فقال كل فريق منهم: نحن أكثر منكم سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي في الجاهلية أهلكنا، فعادونا بالأحياء والأموات، ففعلوا، وقالوا: قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم. والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء { حتى زرتم المقابر } أي: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم. وقيل: كانوا يزورون القبور، ويقولون هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل: المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يمهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. قال عبد الله بن الشخير: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } فقال:
" يقول ابن آدم: ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى "
وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في التكاثر للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإن ذلك مطلوب لأن بذلك تنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى: { ألهاكم } فإنه خاص بما يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة، حتى أنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تذم وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء:
" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه "
قال الإمام: ولم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقا ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب، أي: ألهاكم عن ذكر الله، وعن التفكر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. ه. وقال بان عطية في قوله: { حتى زرتم المقابر }: عن عمر بن عبد العزيز، قال: الآية: تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا "
فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بعد للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها. ه. وقال ابن عرفة: زيارة المقابر محدودة، أي: كيوم في شهر، مثلا، وكان بعضهم يقول: إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا.
ه. أي: لا يفوز بعلم الظاهر لأن علم الباطن يفتر عن الظاهر، فينبغي لمن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصحبة أهله، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمن ضعفت همته. ثم زجر عن التكاثر فقال: { كلا } أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه، أو كما يتوهمه هؤلاء، فهو ردع وتنيبه على أن العاقل ينبغي ألا يكون معظم همه مقصورا على الدنيا، فإن عاقبة ذلك وخيمة، { سوف تعلمون } سوء عاقبة ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبته، { ثم كلا سوف تعلمون } ، تكرير للتأكيد، وثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف، ولا يكتنه كنهة، فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر: الآية تهديد عظيم للعلماء، فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا، ثم الويل له. ه. { لترون الجحيم }: جواب قسم محذوف، أكد به الوعيد وشدد به التهديد، { ثم لترونها }: تكرير للتأكيد، أو: الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها، أو الأولى بالقلب، والثانية بالعين، ولذلك قال: { عين اليقين } أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وحاصلته، فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي: عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فإن الخطاب مخصوص بمن عكفت همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس الطيب، وقطع أوقاته في اللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة، فأما من تمتع بنعمة الله تعالى، وتقوى بها على طاعته، قائما بالشكر، فهو من ذلك بمعزل بعيد. وفي الحديث:
" يقول الله تبارك وتعالى: ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سواه: بيت يكنه وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس "
فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم، فالكافر يسأل تبكيتا وتوبيخا على شركه بمن أنعم عليه، والمؤمن يسأل عن شكر ما أنعم عليه. ه. قلت: فكل من استعمل الأدب في تناول النعمة، بأن شهدها من المنعم بها، وذكر الله عند أخذها أو أكلها وشكر عند تمامها، فلا يتوجه إليه سؤال أو يتوجه إظهارا لمزيته وشرفه، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم:
" هذا من النعيم الذي تسألون عنه "
في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متم غافلين، كلا سوف تعلمون عاقبة أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلا لو تعلمون علم اليقين لتوجهتم إليه بكل حال لترون الجحيم، أي: نار القطيعة ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره: شهود المنعم في النعمة، فقد رأيت في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما: ما حقيقة الشكر؟ فقال أحدهما: ألا يعصى بنعمه، فقلت: هذا شكر العوام، فما شكر الخواص؟ فسكتا، فقلت لهما: شكر الخواص: الاستغراق في شهود المنعم. ه. وهو كذلك لأن عدم العصيان بالنعم يحصل من بعض الأبرار كالعباد والزهاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين وقد تقدم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التكاثر 102:2
يقول الحق جل جلاله: { ألهاكم التكاثر } أي: شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا، وتعادوا بالسادة والأشراف، فقال كل فريق منهم: نحن أكثر منكم سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي في الجاهلية أهلكنا، فعادونا بالأحياء والأموات، ففعلوا، وقالوا: قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم. والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء { حتى زرتم المقابر } أي: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم. وقيل: كانوا يزورون القبور، ويقولون هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل: المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يمهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. قال عبد الله بن الشخير: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } فقال:
" يقول ابن آدم: ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى "
وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في التكاثر للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإن ذلك مطلوب لأن بذلك تنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى: { ألهاكم } فإنه خاص بما يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة، حتى أنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تذم وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء:
" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه "
قال الإمام: ولم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقا ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب، أي: ألهاكم عن ذكر الله، وعن التفكر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. ه. وقال بان عطية في قوله: { حتى زرتم المقابر }: عن عمر بن عبد العزيز، قال: الآية: تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا "
فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بعد للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها. ه. وقال ابن عرفة: زيارة المقابر محدودة، أي: كيوم في شهر، مثلا، وكان بعضهم يقول: إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا.
ه. أي: لا يفوز بعلم الظاهر لأن علم الباطن يفتر عن الظاهر، فينبغي لمن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصحبة أهله، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمن ضعفت همته. ثم زجر عن التكاثر فقال: { كلا } أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه، أو كما يتوهمه هؤلاء، فهو ردع وتنيبه على أن العاقل ينبغي ألا يكون معظم همه مقصورا على الدنيا، فإن عاقبة ذلك وخيمة، { سوف تعلمون } سوء عاقبة ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبته، { ثم كلا سوف تعلمون } ، تكرير للتأكيد، وثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف، ولا يكتنه كنهة، فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر: الآية تهديد عظيم للعلماء، فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا، ثم الويل له. ه. { لترون الجحيم }: جواب قسم محذوف، أكد به الوعيد وشدد به التهديد، { ثم لترونها }: تكرير للتأكيد، أو: الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها، أو الأولى بالقلب، والثانية بالعين، ولذلك قال: { عين اليقين } أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وحاصلته، فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي: عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فإن الخطاب مخصوص بمن عكفت همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس الطيب، وقطع أوقاته في اللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة، فأما من تمتع بنعمة الله تعالى، وتقوى بها على طاعته، قائما بالشكر، فهو من ذلك بمعزل بعيد. وفي الحديث:
" يقول الله تبارك وتعالى: ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سواه: بيت يكنه وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس "
فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم، فالكافر يسأل تبكيتا وتوبيخا على شركه بمن أنعم عليه، والمؤمن يسأل عن شكر ما أنعم عليه. ه. قلت: فكل من استعمل الأدب في تناول النعمة، بأن شهدها من المنعم بها، وذكر الله عند أخذها أو أكلها وشكر عند تمامها، فلا يتوجه إليه سؤال أو يتوجه إظهارا لمزيته وشرفه، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم:
" هذا من النعيم الذي تسألون عنه "
في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متم غافلين، كلا سوف تعلمون عاقبة أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلا لو تعلمون علم اليقين لتوجهتم إليه بكل حال لترون الجحيم، أي: نار القطيعة ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره: شهود المنعم في النعمة، فقد رأيت في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما: ما حقيقة الشكر؟ فقال أحدهما: ألا يعصى بنعمه، فقلت: هذا شكر العوام، فما شكر الخواص؟ فسكتا، فقلت لهما: شكر الخواص: الاستغراق في شهود المنعم. ه. وهو كذلك لأن عدم العصيان بالنعم يحصل من بعض الأبرار كالعباد والزهاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين وقد تقدم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التكاثر 102:3
يقول الحق جل جلاله: { ألهاكم التكاثر } أي: شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا، وتعادوا بالسادة والأشراف، فقال كل فريق منهم: نحن أكثر منكم سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي في الجاهلية أهلكنا، فعادونا بالأحياء والأموات، ففعلوا، وقالوا: قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم. والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء { حتى زرتم المقابر } أي: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم. وقيل: كانوا يزورون القبور، ويقولون هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل: المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يمهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. قال عبد الله بن الشخير: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } فقال:
" يقول ابن آدم: ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى "
وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في التكاثر للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإن ذلك مطلوب لأن بذلك تنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى: { ألهاكم } فإنه خاص بما يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة، حتى أنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تذم وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء:
" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه "
قال الإمام: ولم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقا ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب، أي: ألهاكم عن ذكر الله، وعن التفكر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. ه. وقال بان عطية في قوله: { حتى زرتم المقابر }: عن عمر بن عبد العزيز، قال: الآية: تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا "
فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بعد للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها. ه. وقال ابن عرفة: زيارة المقابر محدودة، أي: كيوم في شهر، مثلا، وكان بعضهم يقول: إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا.
ه. أي: لا يفوز بعلم الظاهر لأن علم الباطن يفتر عن الظاهر، فينبغي لمن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصحبة أهله، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمن ضعفت همته. ثم زجر عن التكاثر فقال: { كلا } أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه، أو كما يتوهمه هؤلاء، فهو ردع وتنيبه على أن العاقل ينبغي ألا يكون معظم همه مقصورا على الدنيا، فإن عاقبة ذلك وخيمة، { سوف تعلمون } سوء عاقبة ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبته، { ثم كلا سوف تعلمون } ، تكرير للتأكيد، وثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف، ولا يكتنه كنهة، فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر: الآية تهديد عظيم للعلماء، فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا، ثم الويل له. ه. { لترون الجحيم }: جواب قسم محذوف، أكد به الوعيد وشدد به التهديد، { ثم لترونها }: تكرير للتأكيد، أو: الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها، أو الأولى بالقلب، والثانية بالعين، ولذلك قال: { عين اليقين } أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وحاصلته، فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي: عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فإن الخطاب مخصوص بمن عكفت همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس الطيب، وقطع أوقاته في اللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة، فأما من تمتع بنعمة الله تعالى، وتقوى بها على طاعته، قائما بالشكر، فهو من ذلك بمعزل بعيد. وفي الحديث:
" يقول الله تبارك وتعالى: ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سواه: بيت يكنه وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس "
فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم، فالكافر يسأل تبكيتا وتوبيخا على شركه بمن أنعم عليه، والمؤمن يسأل عن شكر ما أنعم عليه. ه. قلت: فكل من استعمل الأدب في تناول النعمة، بأن شهدها من المنعم بها، وذكر الله عند أخذها أو أكلها وشكر عند تمامها، فلا يتوجه إليه سؤال أو يتوجه إظهارا لمزيته وشرفه، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم:
" هذا من النعيم الذي تسألون عنه "
في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متم غافلين، كلا سوف تعلمون عاقبة أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلا لو تعلمون علم اليقين لتوجهتم إليه بكل حال لترون الجحيم، أي: نار القطيعة ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره: شهود المنعم في النعمة، فقد رأيت في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما: ما حقيقة الشكر؟ فقال أحدهما: ألا يعصى بنعمه، فقلت: هذا شكر العوام، فما شكر الخواص؟ فسكتا، فقلت لهما: شكر الخواص: الاستغراق في شهود المنعم. ه. وهو كذلك لأن عدم العصيان بالنعم يحصل من بعض الأبرار كالعباد والزهاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين وقد تقدم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التكاثر 102:4
يقول الحق جل جلاله: { ألهاكم التكاثر } أي: شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا، وتعادوا بالسادة والأشراف، فقال كل فريق منهم: نحن أكثر منكم سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي في الجاهلية أهلكنا، فعادونا بالأحياء والأموات، ففعلوا، وقالوا: قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم. والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء { حتى زرتم المقابر } أي: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم. وقيل: كانوا يزورون القبور، ويقولون هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل: المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يمهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. قال عبد الله بن الشخير: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } فقال:
" يقول ابن آدم: ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى "
وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في التكاثر للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإن ذلك مطلوب لأن بذلك تنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى: { ألهاكم } فإنه خاص بما يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة، حتى أنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تذم وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء:
" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه "
قال الإمام: ولم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقا ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب، أي: ألهاكم عن ذكر الله، وعن التفكر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. ه. وقال بان عطية في قوله: { حتى زرتم المقابر }: عن عمر بن عبد العزيز، قال: الآية: تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا "
فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بعد للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها. ه. وقال ابن عرفة: زيارة المقابر محدودة، أي: كيوم في شهر، مثلا، وكان بعضهم يقول: إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا.
ه. أي: لا يفوز بعلم الظاهر لأن علم الباطن يفتر عن الظاهر، فينبغي لمن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصحبة أهله، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمن ضعفت همته. ثم زجر عن التكاثر فقال: { كلا } أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه، أو كما يتوهمه هؤلاء، فهو ردع وتنيبه على أن العاقل ينبغي ألا يكون معظم همه مقصورا على الدنيا، فإن عاقبة ذلك وخيمة، { سوف تعلمون } سوء عاقبة ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبته، { ثم كلا سوف تعلمون } ، تكرير للتأكيد، وثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف، ولا يكتنه كنهة، فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر: الآية تهديد عظيم للعلماء، فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا، ثم الويل له. ه. { لترون الجحيم }: جواب قسم محذوف، أكد به الوعيد وشدد به التهديد، { ثم لترونها }: تكرير للتأكيد، أو: الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها، أو الأولى بالقلب، والثانية بالعين، ولذلك قال: { عين اليقين } أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وحاصلته، فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي: عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فإن الخطاب مخصوص بمن عكفت همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس الطيب، وقطع أوقاته في اللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة، فأما من تمتع بنعمة الله تعالى، وتقوى بها على طاعته، قائما بالشكر، فهو من ذلك بمعزل بعيد. وفي الحديث:
" يقول الله تبارك وتعالى: ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سواه: بيت يكنه وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس "
فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم، فالكافر يسأل تبكيتا وتوبيخا على شركه بمن أنعم عليه، والمؤمن يسأل عن شكر ما أنعم عليه. ه. قلت: فكل من استعمل الأدب في تناول النعمة، بأن شهدها من المنعم بها، وذكر الله عند أخذها أو أكلها وشكر عند تمامها، فلا يتوجه إليه سؤال أو يتوجه إظهارا لمزيته وشرفه، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم:
" هذا من النعيم الذي تسألون عنه "
في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متم غافلين، كلا سوف تعلمون عاقبة أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلا لو تعلمون علم اليقين لتوجهتم إليه بكل حال لترون الجحيم، أي: نار القطيعة ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره: شهود المنعم في النعمة، فقد رأيت في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما: ما حقيقة الشكر؟ فقال أحدهما: ألا يعصى بنعمه، فقلت: هذا شكر العوام، فما شكر الخواص؟ فسكتا، فقلت لهما: شكر الخواص: الاستغراق في شهود المنعم. ه. وهو كذلك لأن عدم العصيان بالنعم يحصل من بعض الأبرار كالعباد والزهاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين وقد تقدم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التكاثر 102:5
يقول الحق جل جلاله: { ألهاكم التكاثر } أي: شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا، وتعادوا بالسادة والأشراف، فقال كل فريق منهم: نحن أكثر منكم سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي في الجاهلية أهلكنا، فعادونا بالأحياء والأموات، ففعلوا، وقالوا: قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم. والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء { حتى زرتم المقابر } أي: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم. وقيل: كانوا يزورون القبور، ويقولون هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل: المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يمهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. قال عبد الله بن الشخير: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } فقال:
" يقول ابن آدم: ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى "
وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في التكاثر للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإن ذلك مطلوب لأن بذلك تنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى: { ألهاكم } فإنه خاص بما يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة، حتى أنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تذم وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء:
" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه "
قال الإمام: ولم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقا ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب، أي: ألهاكم عن ذكر الله، وعن التفكر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. ه. وقال بان عطية في قوله: { حتى زرتم المقابر }: عن عمر بن عبد العزيز، قال: الآية: تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا "
فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بعد للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها. ه. وقال ابن عرفة: زيارة المقابر محدودة، أي: كيوم في شهر، مثلا، وكان بعضهم يقول: إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا.
ه. أي: لا يفوز بعلم الظاهر لأن علم الباطن يفتر عن الظاهر، فينبغي لمن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصحبة أهله، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمن ضعفت همته. ثم زجر عن التكاثر فقال: { كلا } أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه، أو كما يتوهمه هؤلاء، فهو ردع وتنيبه على أن العاقل ينبغي ألا يكون معظم همه مقصورا على الدنيا، فإن عاقبة ذلك وخيمة، { سوف تعلمون } سوء عاقبة ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبته، { ثم كلا سوف تعلمون } ، تكرير للتأكيد، وثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف، ولا يكتنه كنهة، فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر: الآية تهديد عظيم للعلماء، فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا، ثم الويل له. ه. { لترون الجحيم }: جواب قسم محذوف، أكد به الوعيد وشدد به التهديد، { ثم لترونها }: تكرير للتأكيد، أو: الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها، أو الأولى بالقلب، والثانية بالعين، ولذلك قال: { عين اليقين } أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وحاصلته، فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي: عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فإن الخطاب مخصوص بمن عكفت همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس الطيب، وقطع أوقاته في اللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة، فأما من تمتع بنعمة الله تعالى، وتقوى بها على طاعته، قائما بالشكر، فهو من ذلك بمعزل بعيد. وفي الحديث:
" يقول الله تبارك وتعالى: ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سواه: بيت يكنه وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس "
فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم، فالكافر يسأل تبكيتا وتوبيخا على شركه بمن أنعم عليه، والمؤمن يسأل عن شكر ما أنعم عليه. ه. قلت: فكل من استعمل الأدب في تناول النعمة، بأن شهدها من المنعم بها، وذكر الله عند أخذها أو أكلها وشكر عند تمامها، فلا يتوجه إليه سؤال أو يتوجه إظهارا لمزيته وشرفه، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم:
" هذا من النعيم الذي تسألون عنه "
في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متم غافلين، كلا سوف تعلمون عاقبة أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلا لو تعلمون علم اليقين لتوجهتم إليه بكل حال لترون الجحيم، أي: نار القطيعة ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره: شهود المنعم في النعمة، فقد رأيت في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما: ما حقيقة الشكر؟ فقال أحدهما: ألا يعصى بنعمه، فقلت: هذا شكر العوام، فما شكر الخواص؟ فسكتا، فقلت لهما: شكر الخواص: الاستغراق في شهود المنعم. ه. وهو كذلك لأن عدم العصيان بالنعم يحصل من بعض الأبرار كالعباد والزهاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين وقد تقدم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التكاثر 102:6
يقول الحق جل جلاله: { ألهاكم التكاثر } أي: شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا، وتعادوا بالسادة والأشراف، فقال كل فريق منهم: نحن أكثر منكم سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي في الجاهلية أهلكنا، فعادونا بالأحياء والأموات، ففعلوا، وقالوا: قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم. والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء { حتى زرتم المقابر } أي: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم. وقيل: كانوا يزورون القبور، ويقولون هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل: المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يمهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. قال عبد الله بن الشخير: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } فقال:
" يقول ابن آدم: ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى "
وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في التكاثر للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإن ذلك مطلوب لأن بذلك تنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى: { ألهاكم } فإنه خاص بما يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة، حتى أنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تذم وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء:
" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه "
قال الإمام: ولم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقا ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب، أي: ألهاكم عن ذكر الله، وعن التفكر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. ه. وقال بان عطية في قوله: { حتى زرتم المقابر }: عن عمر بن عبد العزيز، قال: الآية: تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا "
فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بعد للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها. ه. وقال ابن عرفة: زيارة المقابر محدودة، أي: كيوم في شهر، مثلا، وكان بعضهم يقول: إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا.
ه. أي: لا يفوز بعلم الظاهر لأن علم الباطن يفتر عن الظاهر، فينبغي لمن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصحبة أهله، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمن ضعفت همته. ثم زجر عن التكاثر فقال: { كلا } أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه، أو كما يتوهمه هؤلاء، فهو ردع وتنيبه على أن العاقل ينبغي ألا يكون معظم همه مقصورا على الدنيا، فإن عاقبة ذلك وخيمة، { سوف تعلمون } سوء عاقبة ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبته، { ثم كلا سوف تعلمون } ، تكرير للتأكيد، وثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف، ولا يكتنه كنهة، فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر: الآية تهديد عظيم للعلماء، فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا، ثم الويل له. ه. { لترون الجحيم }: جواب قسم محذوف، أكد به الوعيد وشدد به التهديد، { ثم لترونها }: تكرير للتأكيد، أو: الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها، أو الأولى بالقلب، والثانية بالعين، ولذلك قال: { عين اليقين } أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وحاصلته، فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي: عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فإن الخطاب مخصوص بمن عكفت همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس الطيب، وقطع أوقاته في اللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة، فأما من تمتع بنعمة الله تعالى، وتقوى بها على طاعته، قائما بالشكر، فهو من ذلك بمعزل بعيد. وفي الحديث:
" يقول الله تبارك وتعالى: ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سواه: بيت يكنه وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس "
فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم، فالكافر يسأل تبكيتا وتوبيخا على شركه بمن أنعم عليه، والمؤمن يسأل عن شكر ما أنعم عليه. ه. قلت: فكل من استعمل الأدب في تناول النعمة، بأن شهدها من المنعم بها، وذكر الله عند أخذها أو أكلها وشكر عند تمامها، فلا يتوجه إليه سؤال أو يتوجه إظهارا لمزيته وشرفه، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم:
" هذا من النعيم الذي تسألون عنه "
في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متم غافلين، كلا سوف تعلمون عاقبة أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلا لو تعلمون علم اليقين لتوجهتم إليه بكل حال لترون الجحيم، أي: نار القطيعة ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره: شهود المنعم في النعمة، فقد رأيت في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما: ما حقيقة الشكر؟ فقال أحدهما: ألا يعصى بنعمه، فقلت: هذا شكر العوام، فما شكر الخواص؟ فسكتا، فقلت لهما: شكر الخواص: الاستغراق في شهود المنعم. ه. وهو كذلك لأن عدم العصيان بالنعم يحصل من بعض الأبرار كالعباد والزهاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين وقد تقدم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التكاثر 102:7
يقول الحق جل جلاله: { ألهاكم التكاثر } أي: شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا، وتعادوا بالسادة والأشراف، فقال كل فريق منهم: نحن أكثر منكم سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي في الجاهلية أهلكنا، فعادونا بالأحياء والأموات، ففعلوا، وقالوا: قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم. والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء { حتى زرتم المقابر } أي: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم. وقيل: كانوا يزورون القبور، ويقولون هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل: المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يمهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. قال عبد الله بن الشخير: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } فقال:
" يقول ابن آدم: ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى "
وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في التكاثر للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإن ذلك مطلوب لأن بذلك تنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى: { ألهاكم } فإنه خاص بما يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة، حتى أنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تذم وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء:
" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه "
قال الإمام: ولم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقا ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب، أي: ألهاكم عن ذكر الله، وعن التفكر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. ه. وقال بان عطية في قوله: { حتى زرتم المقابر }: عن عمر بن عبد العزيز، قال: الآية: تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا "
فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بعد للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها. ه. وقال ابن عرفة: زيارة المقابر محدودة، أي: كيوم في شهر، مثلا، وكان بعضهم يقول: إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا.
ه. أي: لا يفوز بعلم الظاهر لأن علم الباطن يفتر عن الظاهر، فينبغي لمن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصحبة أهله، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمن ضعفت همته. ثم زجر عن التكاثر فقال: { كلا } أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه، أو كما يتوهمه هؤلاء، فهو ردع وتنيبه على أن العاقل ينبغي ألا يكون معظم همه مقصورا على الدنيا، فإن عاقبة ذلك وخيمة، { سوف تعلمون } سوء عاقبة ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبته، { ثم كلا سوف تعلمون } ، تكرير للتأكيد، وثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف، ولا يكتنه كنهة، فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر: الآية تهديد عظيم للعلماء، فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا، ثم الويل له. ه. { لترون الجحيم }: جواب قسم محذوف، أكد به الوعيد وشدد به التهديد، { ثم لترونها }: تكرير للتأكيد، أو: الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها، أو الأولى بالقلب، والثانية بالعين، ولذلك قال: { عين اليقين } أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وحاصلته، فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي: عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فإن الخطاب مخصوص بمن عكفت همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس الطيب، وقطع أوقاته في اللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة، فأما من تمتع بنعمة الله تعالى، وتقوى بها على طاعته، قائما بالشكر، فهو من ذلك بمعزل بعيد. وفي الحديث:
" يقول الله تبارك وتعالى: ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سواه: بيت يكنه وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس "
فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم، فالكافر يسأل تبكيتا وتوبيخا على شركه بمن أنعم عليه، والمؤمن يسأل عن شكر ما أنعم عليه. ه. قلت: فكل من استعمل الأدب في تناول النعمة، بأن شهدها من المنعم بها، وذكر الله عند أخذها أو أكلها وشكر عند تمامها، فلا يتوجه إليه سؤال أو يتوجه إظهارا لمزيته وشرفه، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم:
" هذا من النعيم الذي تسألون عنه "
في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متم غافلين، كلا سوف تعلمون عاقبة أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلا لو تعلمون علم اليقين لتوجهتم إليه بكل حال لترون الجحيم، أي: نار القطيعة ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره: شهود المنعم في النعمة، فقد رأيت في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما: ما حقيقة الشكر؟ فقال أحدهما: ألا يعصى بنعمه، فقلت: هذا شكر العوام، فما شكر الخواص؟ فسكتا، فقلت لهما: شكر الخواص: الاستغراق في شهود المنعم. ه. وهو كذلك لأن عدم العصيان بالنعم يحصل من بعض الأبرار كالعباد والزهاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين وقد تقدم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التكاثر 102:8
يقول الحق جل جلاله: { ألهاكم التكاثر } أي: شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها. روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا، وتعادوا بالسادة والأشراف، فقال كل فريق منهم: نحن أكثر منكم سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي في الجاهلية أهلكنا، فعادونا بالأحياء والأموات، ففعلوا، وقالوا: قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم. والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء { حتى زرتم المقابر } أي: إذا استوعبتم عددكم صرتم إلى الأموات، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم. وقيل: كانوا يزورون القبور، ويقولون هذا قبر فلان، يفتخرون بذلك، وقيل: المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، حتى متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا، معرضين عما يمهمكم من السعي للآخرة، فيكون زيارة القبور عبارة عن الموت. قال عبد الله بن الشخير: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } فقال:
" يقول ابن آدم: ما لي، وليس له من ماله إلا ثلاث، ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى "
وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. واللام في التكاثر للعهد الذهني، وهو التكاثر بما يشغل عن الله، فلا يشمل التكاثر في العلوم والمعارف والطاعات والأخلاق، فإن ذلك مطلوب لأن بذلك تنال السعادة في الدارين، وقرينة ذلك قوله تعالى: { ألهاكم } فإنه خاص بما يلهي عن ذكر الله والاستعداد للآخرة، حتى أنه لو تناول الدنيا على ذكر الله لم تذم وليست بلهو حينئذ، ولذلك جاء:
" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه "
قال الإمام: ولم يقل: ألهاكم التكاثر عن كذا، بل تركه مطلقا ليدخل تحته جميع ما يحتمله اللفظ، فهو أبلغ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب، أي: ألهاكم عن ذكر الله، وعن التفكر في أمور القارعة، وعن الاستعداد لها، وغير ذلك. ه. وقال بان عطية في قوله: { حتى زرتم المقابر }: عن عمر بن عبد العزيز، قال: الآية: تأنيب عن الإكثار من زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة عن ذكره، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا "
فكان نهيه صلى الله عليه وسلم في معنى الآية، ثم أباح بعد للاتعاظ، لا لمعنى المباهاة والافتخار، كما يصنع الناس في ملازمتها وتعليتها بالحجارة والرخام، وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها. ه. وقال ابن عرفة: زيارة المقابر محدودة، أي: كيوم في شهر، مثلا، وكان بعضهم يقول: إذا رأيتم الطالب في ابتداء أمره يستكثر من زيارة المقابر، ومن مطالعة رسالة القشيري، فاعلم أنه لا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لا يجدي شيئا.
ه. أي: لا يفوز بعلم الظاهر لأن علم الباطن يفتر عن الظاهر، فينبغي لمن كان فيه أهلية للعلم أن يفرده، حتى يحرز منه ما قسم له، ثم يشتغل بعلم الباطن، بصحبة أهله، وإلا فمطالعة الكتب بلا شيخ لا توصل إليه، وإنما ينال بمحبة القوم فقط، وفيها مقنع لمن ضعفت همته. ثم زجر عن التكاثر فقال: { كلا } أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه، أو كما يتوهمه هؤلاء، فهو ردع وتنيبه على أن العاقل ينبغي ألا يكون معظم همه مقصورا على الدنيا، فإن عاقبة ذلك وخيمة، { سوف تعلمون } سوء عاقبة ما أنتم عليه إذا عاينتم عاقبته، { ثم كلا سوف تعلمون } ، تكرير للتأكيد، وثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم من الطاعات ما لا يوصف، ولا يكتنه كنهة، فحذف الجواب للتهويل. قال الفخر: الآية تهديد عظيم للعلماء، فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا، ثم الويل له. ه. { لترون الجحيم }: جواب قسم محذوف، أكد به الوعيد وشدد به التهديد، { ثم لترونها }: تكرير للتأكيد، أو: الأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها، أو الأولى بالقلب، والثانية بالعين، ولذلك قال: { عين اليقين } أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وحاصلته، فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي: عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فإن الخطاب مخصوص بمن عكفت همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس الطيب، وقطع أوقاته في اللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه على مشاق الطاعة، فأما من تمتع بنعمة الله تعالى، وتقوى بها على طاعته، قائما بالشكر، فهو من ذلك بمعزل بعيد. وفي الحديث:
" يقول الله تبارك وتعالى: ثلاث من النعم لا اسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سواه: بيت يكنه وما يقيم به صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس "
فالخلائق مسؤولون يوم القيامة عما أنعم عليهم به في الدنيا. والله تعالى أعلم بحالهم، فالكافر يسأل تبكيتا وتوبيخا على شركه بمن أنعم عليه، والمؤمن يسأل عن شكر ما أنعم عليه. ه. قلت: فكل من استعمل الأدب في تناول النعمة، بأن شهدها من المنعم بها، وذكر الله عند أخذها أو أكلها وشكر عند تمامها، فلا يتوجه إليه سؤال أو يتوجه إظهارا لمزيته وشرفه، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وسلم:
" هذا من النعيم الذي تسألون عنه "
في حديث أبي الهيثم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد، أو بالعلوم الرسمية، عن التوجه إلى الله، لتحصيل معرفة العيان، حتى متم غافلين، كلا سوف تعلمون عاقبة أمركم، حين يرتفع أهل العيان مع المقربين، وتبقوا معاشر أهل الدليل مع عامة أهل اليمين، كلا لو تعلمون علم اليقين لتوجهتم إليه بكل حال لترون الجحيم، أي: نار القطيعة ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم، هل قمتم بشكره أو لا، وشكره: شهود المنعم في النعمة، فقد رأيت في عالم النوم شيخين كبيرين، فقلت لهما: ما حقيقة الشكر؟ فقال أحدهما: ألا يعصى بنعمه، فقلت: هذا شكر العوام، فما شكر الخواص؟ فسكتا، فقلت لهما: شكر الخواص: الاستغراق في شهود المنعم. ه. وهو كذلك لأن عدم العصيان بالنعم يحصل من بعض الأبرار كالعباد والزهاد، بخلاف الاستغراق في الشهود، فإنه خاص بأهل العرفان، أهل الرسوخ والتمكين وقد تقدم في سورة المعارج التفريق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العصر 103:1
يقول الحق جل جلاله: { والعصر } أقسم تعالى بصلاة العصر لفضلها الباهر، إذ قيل: هي الصلاة الوسطى، أو: بالعشي الذي هو مابين الزوال والغروب، كما أقسم بالضحى، أو بعصر النبوة، لظهور فضله على سائر الأعصار، أو بالدهر مطلقا لانطوائه على تعاجيب الأمور النافعة والضارة، وجوابه: { إن الإنسان لفي خسر } لفي خسران في متاجرهم ومساعيهم، وصرف أعمارهم في حظوظهم وأمانيهم. { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، فربحوا وسعدوا، أو: فإنهم في تجارة لن تبور، حيث باعوا الفاني الخسيس، وآثروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالعاديات الرائحات فيا لها من صفقة ما أربحها!. وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم، وقوله تعالى: { وتواصوا بالحق } بيان لتكميلهم لغيرهم، أي: وصى بعضهم بعضا بالأمر الثابت، الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره، وهو الخير كله، من الإيمان بالله عز وجل، واتباع كتبه ورسله في كل عقد وعمل، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي التي تساق إليها النفس الأمارة، وعلى الطاعة التي يشق عليها أداؤها، وعلى البلية التي تتوجه إليه من جهة قهريته تعالى، وعلى النعمة بالقيام بتمام شكرها، وتخصيص هذا التواصي بالذكر، مع اندراجه تحت التواصي بالحق لإبراز كمال الاعتناء به، أو: لأن الأول عبارة عن رتبة العبادة، التي هي فعل ما يرضي الله عز وجل، والثاني عن العبودية التي هي الرضا بما فعل الله تعالى، فإن المراد ليس مجرد حبس النفس عما تتوق إليه من فعل وترك، بل هو تلقي ما يرد منه تعالى بالجميل والرضا ظاهرا وباطنا. قاله أبو السعود. الإشارة: والعصر، أي: عصر الذاكرين، إن الإنسان لفي خسر، حيث احتجب عن ربه بنفسه وبرؤيته وجوده، إلا الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص، وهو خرق العوائد واكتساب الفوائد، حتى وصلوا إلى كشف الحجاب، فلم يروا مع الله غيره، غابوا عن أنفسهم، وعن وجودهم ووجود غيرهم في شهود محبوبهم فلما تكملوا اشتغلوا بتكميل غيرهم، كما قال تعالى: { وتواصوا بالحق } أي: بفعل الحق، وهو ما يثقل على النفس حتى لا يثقل عليها شيء، أو بالإقبال على الحق، وتواصوا على مشاق السير، ثم على عكوف الهم في حضرة الحق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.
العصر 103:2
يقول الحق جل جلاله: { والعصر } أقسم تعالى بصلاة العصر لفضلها الباهر، إذ قيل: هي الصلاة الوسطى، أو: بالعشي الذي هو مابين الزوال والغروب، كما أقسم بالضحى، أو بعصر النبوة، لظهور فضله على سائر الأعصار، أو بالدهر مطلقا لانطوائه على تعاجيب الأمور النافعة والضارة، وجوابه: { إن الإنسان لفي خسر } لفي خسران في متاجرهم ومساعيهم، وصرف أعمارهم في حظوظهم وأمانيهم. { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، فربحوا وسعدوا، أو: فإنهم في تجارة لن تبور، حيث باعوا الفاني الخسيس، وآثروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالعاديات الرائحات فيا لها من صفقة ما أربحها!. وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم، وقوله تعالى: { وتواصوا بالحق } بيان لتكميلهم لغيرهم، أي: وصى بعضهم بعضا بالأمر الثابت، الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره، وهو الخير كله، من الإيمان بالله عز وجل، واتباع كتبه ورسله في كل عقد وعمل، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي التي تساق إليها النفس الأمارة، وعلى الطاعة التي يشق عليها أداؤها، وعلى البلية التي تتوجه إليه من جهة قهريته تعالى، وعلى النعمة بالقيام بتمام شكرها، وتخصيص هذا التواصي بالذكر، مع اندراجه تحت التواصي بالحق لإبراز كمال الاعتناء به، أو: لأن الأول عبارة عن رتبة العبادة، التي هي فعل ما يرضي الله عز وجل، والثاني عن العبودية التي هي الرضا بما فعل الله تعالى، فإن المراد ليس مجرد حبس النفس عما تتوق إليه من فعل وترك، بل هو تلقي ما يرد منه تعالى بالجميل والرضا ظاهرا وباطنا. قاله أبو السعود. الإشارة: والعصر، أي: عصر الذاكرين، إن الإنسان لفي خسر، حيث احتجب عن ربه بنفسه وبرؤيته وجوده، إلا الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص، وهو خرق العوائد واكتساب الفوائد، حتى وصلوا إلى كشف الحجاب، فلم يروا مع الله غيره، غابوا عن أنفسهم، وعن وجودهم ووجود غيرهم في شهود محبوبهم فلما تكملوا اشتغلوا بتكميل غيرهم، كما قال تعالى: { وتواصوا بالحق } أي: بفعل الحق، وهو ما يثقل على النفس حتى لا يثقل عليها شيء، أو بالإقبال على الحق، وتواصوا على مشاق السير، ثم على عكوف الهم في حضرة الحق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.
العصر 103:3
يقول الحق جل جلاله: { والعصر } أقسم تعالى بصلاة العصر لفضلها الباهر، إذ قيل: هي الصلاة الوسطى، أو: بالعشي الذي هو مابين الزوال والغروب، كما أقسم بالضحى، أو بعصر النبوة، لظهور فضله على سائر الأعصار، أو بالدهر مطلقا لانطوائه على تعاجيب الأمور النافعة والضارة، وجوابه: { إن الإنسان لفي خسر } لفي خسران في متاجرهم ومساعيهم، وصرف أعمارهم في حظوظهم وأمانيهم. { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، فربحوا وسعدوا، أو: فإنهم في تجارة لن تبور، حيث باعوا الفاني الخسيس، وآثروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالعاديات الرائحات فيا لها من صفقة ما أربحها!. وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم، وقوله تعالى: { وتواصوا بالحق } بيان لتكميلهم لغيرهم، أي: وصى بعضهم بعضا بالأمر الثابت، الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره، وهو الخير كله، من الإيمان بالله عز وجل، واتباع كتبه ورسله في كل عقد وعمل، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي التي تساق إليها النفس الأمارة، وعلى الطاعة التي يشق عليها أداؤها، وعلى البلية التي تتوجه إليه من جهة قهريته تعالى، وعلى النعمة بالقيام بتمام شكرها، وتخصيص هذا التواصي بالذكر، مع اندراجه تحت التواصي بالحق لإبراز كمال الاعتناء به، أو: لأن الأول عبارة عن رتبة العبادة، التي هي فعل ما يرضي الله عز وجل، والثاني عن العبودية التي هي الرضا بما فعل الله تعالى، فإن المراد ليس مجرد حبس النفس عما تتوق إليه من فعل وترك، بل هو تلقي ما يرد منه تعالى بالجميل والرضا ظاهرا وباطنا. قاله أبو السعود. الإشارة: والعصر، أي: عصر الذاكرين، إن الإنسان لفي خسر، حيث احتجب عن ربه بنفسه وبرؤيته وجوده، إلا الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص، وهو خرق العوائد واكتساب الفوائد، حتى وصلوا إلى كشف الحجاب، فلم يروا مع الله غيره، غابوا عن أنفسهم، وعن وجودهم ووجود غيرهم في شهود محبوبهم فلما تكملوا اشتغلوا بتكميل غيرهم، كما قال تعالى: { وتواصوا بالحق } أي: بفعل الحق، وهو ما يثقل على النفس حتى لا يثقل عليها شيء، أو بالإقبال على الحق، وتواصوا على مشاق السير، ثم على عكوف الهم في حضرة الحق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.
الهمزة 104:1
يقول الحق جل جلاله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " ويل ": مبتدأ، و " لكل ": خبره، والمسوغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهمز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويصغرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: { الذي جمع مالا }: بدل من " كل " ، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: { عدده } أي: جعله عدة لحوادث الدهر، { يحسب أن ماله أخلده } أي: يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأما المال فما أخلد أحدا، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علي كرم الله وجه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل:
ولئن رددت إلى ربي...
[الكهف:36] الآية. { كلا } ردع له عن حسبانه. { لينبذن } ليطرحن { في الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، { وما أدراك ما الحطمة } تهويل لشأنها، { نار الله الموقدة } أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، { التي تطلع على الأفئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. { إنها عليهم } أي: النار، أو الحطمة، { مؤصدة } مطبقة { في عمد } جمع عماد. وفيه لغتان " عمد " بضمتين، و " عمد " بفتحتين، { ممددة } أي: تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث:
" المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة كحاطب الليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ".
الإشارة: ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع.
ه. وقوله تعالى: { الذي جمع مالا وعدده } ذم لمن يجمع المال ويعدده، كائنا من كان، والعجب من صلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلا غلط فاحش فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. { يحسب أن ماله أخلده } ، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ما تصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أن الدنيا مطبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الهمزة 104:2
يقول الحق جل جلاله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " ويل ": مبتدأ، و " لكل ": خبره، والمسوغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهمز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويصغرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: { الذي جمع مالا }: بدل من " كل " ، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: { عدده } أي: جعله عدة لحوادث الدهر، { يحسب أن ماله أخلده } أي: يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأما المال فما أخلد أحدا، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علي كرم الله وجه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل:
ولئن رددت إلى ربي...
[الكهف:36] الآية. { كلا } ردع له عن حسبانه. { لينبذن } ليطرحن { في الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، { وما أدراك ما الحطمة } تهويل لشأنها، { نار الله الموقدة } أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، { التي تطلع على الأفئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. { إنها عليهم } أي: النار، أو الحطمة، { مؤصدة } مطبقة { في عمد } جمع عماد. وفيه لغتان " عمد " بضمتين، و " عمد " بفتحتين، { ممددة } أي: تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث:
" المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة كحاطب الليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ".
الإشارة: ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع.
ه. وقوله تعالى: { الذي جمع مالا وعدده } ذم لمن يجمع المال ويعدده، كائنا من كان، والعجب من صلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلا غلط فاحش فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. { يحسب أن ماله أخلده } ، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ما تصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أن الدنيا مطبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الهمزة 104:3
يقول الحق جل جلاله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " ويل ": مبتدأ، و " لكل ": خبره، والمسوغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهمز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويصغرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: { الذي جمع مالا }: بدل من " كل " ، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: { عدده } أي: جعله عدة لحوادث الدهر، { يحسب أن ماله أخلده } أي: يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأما المال فما أخلد أحدا، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علي كرم الله وجه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل:
ولئن رددت إلى ربي...
[الكهف:36] الآية. { كلا } ردع له عن حسبانه. { لينبذن } ليطرحن { في الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، { وما أدراك ما الحطمة } تهويل لشأنها، { نار الله الموقدة } أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، { التي تطلع على الأفئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. { إنها عليهم } أي: النار، أو الحطمة، { مؤصدة } مطبقة { في عمد } جمع عماد. وفيه لغتان " عمد " بضمتين، و " عمد " بفتحتين، { ممددة } أي: تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث:
" المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة كحاطب الليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ".
الإشارة: ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع.
ه. وقوله تعالى: { الذي جمع مالا وعدده } ذم لمن يجمع المال ويعدده، كائنا من كان، والعجب من صلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلا غلط فاحش فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. { يحسب أن ماله أخلده } ، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ما تصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أن الدنيا مطبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الهمزة 104:4
يقول الحق جل جلاله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " ويل ": مبتدأ، و " لكل ": خبره، والمسوغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهمز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويصغرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: { الذي جمع مالا }: بدل من " كل " ، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: { عدده } أي: جعله عدة لحوادث الدهر، { يحسب أن ماله أخلده } أي: يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأما المال فما أخلد أحدا، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علي كرم الله وجه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل:
ولئن رددت إلى ربي...
[الكهف:36] الآية. { كلا } ردع له عن حسبانه. { لينبذن } ليطرحن { في الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، { وما أدراك ما الحطمة } تهويل لشأنها، { نار الله الموقدة } أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، { التي تطلع على الأفئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. { إنها عليهم } أي: النار، أو الحطمة، { مؤصدة } مطبقة { في عمد } جمع عماد. وفيه لغتان " عمد " بضمتين، و " عمد " بفتحتين، { ممددة } أي: تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث:
" المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة كحاطب الليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ".
الإشارة: ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع.
ه. وقوله تعالى: { الذي جمع مالا وعدده } ذم لمن يجمع المال ويعدده، كائنا من كان، والعجب من صلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلا غلط فاحش فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. { يحسب أن ماله أخلده } ، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ما تصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أن الدنيا مطبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الهمزة 104:5
يقول الحق جل جلاله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " ويل ": مبتدأ، و " لكل ": خبره، والمسوغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهمز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويصغرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: { الذي جمع مالا }: بدل من " كل " ، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: { عدده } أي: جعله عدة لحوادث الدهر، { يحسب أن ماله أخلده } أي: يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأما المال فما أخلد أحدا، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علي كرم الله وجه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل:
ولئن رددت إلى ربي...
[الكهف:36] الآية. { كلا } ردع له عن حسبانه. { لينبذن } ليطرحن { في الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، { وما أدراك ما الحطمة } تهويل لشأنها، { نار الله الموقدة } أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، { التي تطلع على الأفئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. { إنها عليهم } أي: النار، أو الحطمة، { مؤصدة } مطبقة { في عمد } جمع عماد. وفيه لغتان " عمد " بضمتين، و " عمد " بفتحتين، { ممددة } أي: تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث:
" المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة كحاطب الليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ".
الإشارة: ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع.
ه. وقوله تعالى: { الذي جمع مالا وعدده } ذم لمن يجمع المال ويعدده، كائنا من كان، والعجب من صلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلا غلط فاحش فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. { يحسب أن ماله أخلده } ، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ما تصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أن الدنيا مطبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الهمزة 104:6
يقول الحق جل جلاله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " ويل ": مبتدأ، و " لكل ": خبره، والمسوغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهمز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويصغرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: { الذي جمع مالا }: بدل من " كل " ، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: { عدده } أي: جعله عدة لحوادث الدهر، { يحسب أن ماله أخلده } أي: يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأما المال فما أخلد أحدا، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علي كرم الله وجه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل:
ولئن رددت إلى ربي...
[الكهف:36] الآية. { كلا } ردع له عن حسبانه. { لينبذن } ليطرحن { في الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، { وما أدراك ما الحطمة } تهويل لشأنها، { نار الله الموقدة } أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، { التي تطلع على الأفئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. { إنها عليهم } أي: النار، أو الحطمة، { مؤصدة } مطبقة { في عمد } جمع عماد. وفيه لغتان " عمد " بضمتين، و " عمد " بفتحتين، { ممددة } أي: تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث:
" المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة كحاطب الليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ".
الإشارة: ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع.
ه. وقوله تعالى: { الذي جمع مالا وعدده } ذم لمن يجمع المال ويعدده، كائنا من كان، والعجب من صلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلا غلط فاحش فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. { يحسب أن ماله أخلده } ، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ما تصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أن الدنيا مطبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الهمزة 104:7
يقول الحق جل جلاله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " ويل ": مبتدأ، و " لكل ": خبره، والمسوغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهمز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويصغرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: { الذي جمع مالا }: بدل من " كل " ، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: { عدده } أي: جعله عدة لحوادث الدهر، { يحسب أن ماله أخلده } أي: يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأما المال فما أخلد أحدا، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علي كرم الله وجه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل:
ولئن رددت إلى ربي...
[الكهف:36] الآية. { كلا } ردع له عن حسبانه. { لينبذن } ليطرحن { في الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، { وما أدراك ما الحطمة } تهويل لشأنها، { نار الله الموقدة } أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، { التي تطلع على الأفئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. { إنها عليهم } أي: النار، أو الحطمة، { مؤصدة } مطبقة { في عمد } جمع عماد. وفيه لغتان " عمد " بضمتين، و " عمد " بفتحتين، { ممددة } أي: تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث:
" المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة كحاطب الليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ".
الإشارة: ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع.
ه. وقوله تعالى: { الذي جمع مالا وعدده } ذم لمن يجمع المال ويعدده، كائنا من كان، والعجب من صلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلا غلط فاحش فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. { يحسب أن ماله أخلده } ، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ما تصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أن الدنيا مطبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الهمزة 104:8
يقول الحق جل جلاله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " ويل ": مبتدأ، و " لكل ": خبره، والمسوغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهمز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويصغرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: { الذي جمع مالا }: بدل من " كل " ، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: { عدده } أي: جعله عدة لحوادث الدهر، { يحسب أن ماله أخلده } أي: يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأما المال فما أخلد أحدا، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علي كرم الله وجه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل:
ولئن رددت إلى ربي...
[الكهف:36] الآية. { كلا } ردع له عن حسبانه. { لينبذن } ليطرحن { في الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، { وما أدراك ما الحطمة } تهويل لشأنها، { نار الله الموقدة } أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، { التي تطلع على الأفئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. { إنها عليهم } أي: النار، أو الحطمة، { مؤصدة } مطبقة { في عمد } جمع عماد. وفيه لغتان " عمد " بضمتين، و " عمد " بفتحتين، { ممددة } أي: تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث:
" المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة كحاطب الليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ".
الإشارة: ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع.
ه. وقوله تعالى: { الذي جمع مالا وعدده } ذم لمن يجمع المال ويعدده، كائنا من كان، والعجب من صلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلا غلط فاحش فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. { يحسب أن ماله أخلده } ، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ما تصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أن الدنيا مطبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الهمزة 104:9
يقول الحق جل جلاله: { ويل لكل همزة لمزة } ، " ويل ": مبتدأ، و " لكل ": خبره، والمسوغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهمز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويصغرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناس ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل من اتصف بهذه الصفة. ه. وبناء " فعلة " يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: { الذي جمع مالا }: بدل من " كل " ، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي " جمع " بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: { عدده } أي: جعله عدة لحوادث الدهر، { يحسب أن ماله أخلده } أي: يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأما المال فما أخلد أحدا، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علي كرم الله وجه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فالحسبان إما حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل:
ولئن رددت إلى ربي...
[الكهف:36] الآية. { كلا } ردع له عن حسبانه. { لينبذن } ليطرحن { في الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، { وما أدراك ما الحطمة } تهويل لشأنها، { نار الله الموقدة } أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، { التي تطلع على الأفئدة } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. { إنها عليهم } أي: النار، أو الحطمة، { مؤصدة } مطبقة { في عمد } جمع عماد. وفيه لغتان " عمد " بضمتين، و " عمد " بفتحتين، { ممددة } أي: تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث:
" المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة كحاطب الليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ".
الإشارة: ويل لمن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع.
ه. وقوله تعالى: { الذي جمع مالا وعدده } ذم لمن يجمع المال ويعدده، كائنا من كان، والعجب من صلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلا غلط فاحش فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهر وتشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. ه. { يحسب أن ماله أخلده } ، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وصف الحق تعالى الجاهل بالله بأن ماله يصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلا بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أن ماله يوصله إلى مقام الخلد. ه. كلا، لينبذن في الحطمة التي تحطم كل ما تصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فتفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أن الدنيا مطبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همة غير الله، وكل ذكر سوى ذكره. ه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.