البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الليل 92:1 – العلق 96:19
المحتويات
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- العلق 96:19
الليل 92:1
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:2
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:3
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:4
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:5
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:6
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:7
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:8
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:9
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:10
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:11
يقول الحق جل جلاله: { والليل إذا يغشى } أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى:
والليل إذا يغشاها
[الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. { والنهار إذا تجلى } أي: ظهر وأسفر ووضح، { وماخلق الذكر والأنثى } أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: { إن سعيكم } أي: عملكم { لشتى } لمختلف، جمع شتيت، أي: إن مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصله فقال: { فأما من أعطى } حقوق ماله { واتقى } محارم الله التي نهى عنها، { وصدق بالحسنى } بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أن ما وعده الله به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحتم تيسيره كان في علم الله أزلا. ه. يقال: يسر الفرس، إذا أسرجها وألجمها. { وأما من بخل } بماله فلم يبذله في سبيل الخير، { واستغنى } أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، { وكذب بالحسنى } أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها { فسنيسره للعسرى } أي: للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام أي الفخر : كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العسرى، وهو وصف كل المعاصي. ه. { وما يغني عنه ماله } الذي بخل به، أي: لا ينفعه شيئا { إذا تردى } هلك، تفعل، من الردى، أو تردى في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوب المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إن سعي الناس لشتى، فأما من أعطى ماله ونفسه، واتقى كل ما يشغله عن المولى، فسنيسره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهل له طريق الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهل عليه الطاعات، ونكره إليه المخالفات، ونهيىء له القرب، ونحبب له الإيمان، ونزين في قلبه الإحسان. ه. وأما من بخل بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان وقنع بمقام الإيمان، فسنيسره للعسرى، وهي طريق البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى. ولما عرفهم أن سعيهم لشتى، ذكر أنه بين ما عليه، فقال: { إن علينا للهدى }.
الليل 92:12
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الليل 92:13
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الليل 92:14
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الليل 92:15
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الليل 92:16
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الليل 92:17
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الليل 92:18
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الليل 92:19
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الليل 92:20
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الليل 92:21
يقول الحق جل جلاله: { إن علينا للهدى } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين، ترغيبا وترهيبا فتبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتما. قاله أبو السعود. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي: التصرف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنعطي الدنيا لمن نشاء، والآخرة لمن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، أو: إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا. { فأنذرتكم } خوفتكم { نارا تلضى } تتلهب، { لا يصلاها إلا الأشقى } لا يدخلها للخلود فيها إلا من سبق له الشقاء، { الذي كذب وتولى } أي: الكافر الذي كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان، { وسيجنبها } وسيبعدها { الأتقى } المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلا عن دخولها، وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا ينافي الحصر المذكور. { الذي يؤتى ماله } للفقراء { يتزكى } أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، { إلا ابتغاء وجه ربه }: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه { الأعلى } أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول: أحد أحد، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبد كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركا، فقال له الصديق: أسلم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده، فنزلت.
روي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يعذب على الإسلام، قال عروة: أعتق أبو بكر سبعة، كلهم يعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزنيرة، وبيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال: وأسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت فيه: { وسيجنبها الأتقى } [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى:5]. الإشارة: إن علينا لبيان الطريق لمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإن لنا للآخرة لمن طلبها، والأولى لمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتنا لمن طلبها، فأنذرتكم نارا تلظى، وهي نار البعد لا يصلاها إلا الأشقى الذي سبق له البعد منا. { الذي كذب وتولى } ، قال القشيري: أي كذب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعرض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيجنبها الأتقى، أي: يجنب طريق البعد ونار الحجاب من اتقى السوى، الذي يؤتى ماله تقربا إلى الله ليتزكى من العيوب والأنانية، { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي: إلا طلب معرفة ذاته العلية، { ولسوف يرضى } بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الضحى 93:1
يقول الحق جل جلاله: { والضحى } ، المراد به: وقت الضحى، وهو حدود النهار حتى ترتفع الشمس، وإنما خص بالإقسام به لأنه الساعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام، والتي وقع فيها السحرة ساجدين، أو: النهار كله لمقابلته بالليل في قوله: { والليل إذا سجى } سكن، المراد: سكون الناس والأصوات فيه، أو ركد ظلامه، من: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وقيل: المراد بالضحى: ساعة مناجاة موسى، وبالليل: ليلة المعراج. وجواب القسم: { ما ودعك ربك } أي: ما تركك منذ اختارك، { وما قلى } أي: وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع: مبالغة في الودع، وهو الترك لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك. روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فنزلت ردا عليهم، وتبشيرا له صلى الله عليه وسلم بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من " قلى " إما للفواصل، أو للاستغناء عنه بذكره قبل، أو: للقصد إلى نفس صدور الفعل عنه تعالى، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية، وحيث تضمن ما سبق من نفي التوديع، والقلى أنه تعالى يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا بشر صلى الله عليه وسلم بأن ما سيؤتاه في الآخرة أجل وأعظم بذلك، فقيل: { وللآخرة خير لك من الأولى } ، لأن ما فيها من النعم صافية من الشوائب على الإطلاق، وهذه فانية مشوبة بالمضار وما أوتي صلى الله عليه وسلم من شرف النبوة، وإن كان مما لا يعادله شرف، ولا يدانيه فضل، لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض الشاقة على النفس. ووجه اتصال الآية بما قبلها: أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أن الله يواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبر أن ما له في الآخرة أعظم وأشرف، وذلك لتقدمه على الأنبياء في الشفاعة الكبرى، وشهادة أمته على الأمم، ورفع درجات المؤمنين، وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تحيط بها العبارة. وقوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وعد كريم شامل لما أعطاه الله تعالى في الدنيا، من كما اليقين، وعلوم الأولين والآخرين، وظهور أمره، وإعلاء دينه بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم، وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية، وفشو الدعوة، وإعلاء منار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، وقد أنبأ ابن عباس عن شيء منها، حيث قال: " أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك ". وفي الحديث: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار "
قال بعضهم: هذه أرجى أية في القرآن. ودخل صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وعليها ثياب من صوف وشعر، وهي تطحن وترضع ولدها، فدمعت عيناه، وقال:
" يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة "
ثم تلا: { ولسوف يعطيك ربك فترضى }. واللام للقسم، وإنما لم تدخل نون التوكيد لفصل السين بين القسم والفعل. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول، عند انتشار شمس روحه على بشريته، وبليل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار البشريه لغلبة سلطان الحقيقة، ما ودعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ظاهرك، وما قلى بقطع فيض الولاية عن قلبك، { وللآخرة خير لك من الأولى } يعني: أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة، ويترقى في مقامات القرب والكرامة. ه. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من العارفين، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم. ثم عدد عليه نعمه، فقال: { ألم يجدك يتيما فآوى }.
الضحى 93:2
يقول الحق جل جلاله: { والضحى } ، المراد به: وقت الضحى، وهو حدود النهار حتى ترتفع الشمس، وإنما خص بالإقسام به لأنه الساعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام، والتي وقع فيها السحرة ساجدين، أو: النهار كله لمقابلته بالليل في قوله: { والليل إذا سجى } سكن، المراد: سكون الناس والأصوات فيه، أو ركد ظلامه، من: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وقيل: المراد بالضحى: ساعة مناجاة موسى، وبالليل: ليلة المعراج. وجواب القسم: { ما ودعك ربك } أي: ما تركك منذ اختارك، { وما قلى } أي: وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع: مبالغة في الودع، وهو الترك لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك. روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فنزلت ردا عليهم، وتبشيرا له صلى الله عليه وسلم بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من " قلى " إما للفواصل، أو للاستغناء عنه بذكره قبل، أو: للقصد إلى نفس صدور الفعل عنه تعالى، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية، وحيث تضمن ما سبق من نفي التوديع، والقلى أنه تعالى يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا بشر صلى الله عليه وسلم بأن ما سيؤتاه في الآخرة أجل وأعظم بذلك، فقيل: { وللآخرة خير لك من الأولى } ، لأن ما فيها من النعم صافية من الشوائب على الإطلاق، وهذه فانية مشوبة بالمضار وما أوتي صلى الله عليه وسلم من شرف النبوة، وإن كان مما لا يعادله شرف، ولا يدانيه فضل، لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض الشاقة على النفس. ووجه اتصال الآية بما قبلها: أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أن الله يواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبر أن ما له في الآخرة أعظم وأشرف، وذلك لتقدمه على الأنبياء في الشفاعة الكبرى، وشهادة أمته على الأمم، ورفع درجات المؤمنين، وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تحيط بها العبارة. وقوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وعد كريم شامل لما أعطاه الله تعالى في الدنيا، من كما اليقين، وعلوم الأولين والآخرين، وظهور أمره، وإعلاء دينه بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم، وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية، وفشو الدعوة، وإعلاء منار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، وقد أنبأ ابن عباس عن شيء منها، حيث قال: " أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك ". وفي الحديث: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار "
قال بعضهم: هذه أرجى أية في القرآن. ودخل صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وعليها ثياب من صوف وشعر، وهي تطحن وترضع ولدها، فدمعت عيناه، وقال:
" يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة "
ثم تلا: { ولسوف يعطيك ربك فترضى }. واللام للقسم، وإنما لم تدخل نون التوكيد لفصل السين بين القسم والفعل. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول، عند انتشار شمس روحه على بشريته، وبليل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار البشريه لغلبة سلطان الحقيقة، ما ودعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ظاهرك، وما قلى بقطع فيض الولاية عن قلبك، { وللآخرة خير لك من الأولى } يعني: أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة، ويترقى في مقامات القرب والكرامة. ه. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من العارفين، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم. ثم عدد عليه نعمه، فقال: { ألم يجدك يتيما فآوى }.
الضحى 93:3
يقول الحق جل جلاله: { والضحى } ، المراد به: وقت الضحى، وهو حدود النهار حتى ترتفع الشمس، وإنما خص بالإقسام به لأنه الساعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام، والتي وقع فيها السحرة ساجدين، أو: النهار كله لمقابلته بالليل في قوله: { والليل إذا سجى } سكن، المراد: سكون الناس والأصوات فيه، أو ركد ظلامه، من: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وقيل: المراد بالضحى: ساعة مناجاة موسى، وبالليل: ليلة المعراج. وجواب القسم: { ما ودعك ربك } أي: ما تركك منذ اختارك، { وما قلى } أي: وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع: مبالغة في الودع، وهو الترك لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك. روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فنزلت ردا عليهم، وتبشيرا له صلى الله عليه وسلم بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من " قلى " إما للفواصل، أو للاستغناء عنه بذكره قبل، أو: للقصد إلى نفس صدور الفعل عنه تعالى، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية، وحيث تضمن ما سبق من نفي التوديع، والقلى أنه تعالى يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا بشر صلى الله عليه وسلم بأن ما سيؤتاه في الآخرة أجل وأعظم بذلك، فقيل: { وللآخرة خير لك من الأولى } ، لأن ما فيها من النعم صافية من الشوائب على الإطلاق، وهذه فانية مشوبة بالمضار وما أوتي صلى الله عليه وسلم من شرف النبوة، وإن كان مما لا يعادله شرف، ولا يدانيه فضل، لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض الشاقة على النفس. ووجه اتصال الآية بما قبلها: أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أن الله يواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبر أن ما له في الآخرة أعظم وأشرف، وذلك لتقدمه على الأنبياء في الشفاعة الكبرى، وشهادة أمته على الأمم، ورفع درجات المؤمنين، وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تحيط بها العبارة. وقوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وعد كريم شامل لما أعطاه الله تعالى في الدنيا، من كما اليقين، وعلوم الأولين والآخرين، وظهور أمره، وإعلاء دينه بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم، وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية، وفشو الدعوة، وإعلاء منار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، وقد أنبأ ابن عباس عن شيء منها، حيث قال: " أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك ". وفي الحديث: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار "
قال بعضهم: هذه أرجى أية في القرآن. ودخل صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وعليها ثياب من صوف وشعر، وهي تطحن وترضع ولدها، فدمعت عيناه، وقال:
" يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة "
ثم تلا: { ولسوف يعطيك ربك فترضى }. واللام للقسم، وإنما لم تدخل نون التوكيد لفصل السين بين القسم والفعل. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول، عند انتشار شمس روحه على بشريته، وبليل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار البشريه لغلبة سلطان الحقيقة، ما ودعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ظاهرك، وما قلى بقطع فيض الولاية عن قلبك، { وللآخرة خير لك من الأولى } يعني: أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة، ويترقى في مقامات القرب والكرامة. ه. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من العارفين، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم. ثم عدد عليه نعمه، فقال: { ألم يجدك يتيما فآوى }.
الضحى 93:4
يقول الحق جل جلاله: { والضحى } ، المراد به: وقت الضحى، وهو حدود النهار حتى ترتفع الشمس، وإنما خص بالإقسام به لأنه الساعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام، والتي وقع فيها السحرة ساجدين، أو: النهار كله لمقابلته بالليل في قوله: { والليل إذا سجى } سكن، المراد: سكون الناس والأصوات فيه، أو ركد ظلامه، من: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وقيل: المراد بالضحى: ساعة مناجاة موسى، وبالليل: ليلة المعراج. وجواب القسم: { ما ودعك ربك } أي: ما تركك منذ اختارك، { وما قلى } أي: وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع: مبالغة في الودع، وهو الترك لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك. روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فنزلت ردا عليهم، وتبشيرا له صلى الله عليه وسلم بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من " قلى " إما للفواصل، أو للاستغناء عنه بذكره قبل، أو: للقصد إلى نفس صدور الفعل عنه تعالى، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية، وحيث تضمن ما سبق من نفي التوديع، والقلى أنه تعالى يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا بشر صلى الله عليه وسلم بأن ما سيؤتاه في الآخرة أجل وأعظم بذلك، فقيل: { وللآخرة خير لك من الأولى } ، لأن ما فيها من النعم صافية من الشوائب على الإطلاق، وهذه فانية مشوبة بالمضار وما أوتي صلى الله عليه وسلم من شرف النبوة، وإن كان مما لا يعادله شرف، ولا يدانيه فضل، لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض الشاقة على النفس. ووجه اتصال الآية بما قبلها: أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أن الله يواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبر أن ما له في الآخرة أعظم وأشرف، وذلك لتقدمه على الأنبياء في الشفاعة الكبرى، وشهادة أمته على الأمم، ورفع درجات المؤمنين، وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تحيط بها العبارة. وقوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وعد كريم شامل لما أعطاه الله تعالى في الدنيا، من كما اليقين، وعلوم الأولين والآخرين، وظهور أمره، وإعلاء دينه بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم، وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية، وفشو الدعوة، وإعلاء منار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، وقد أنبأ ابن عباس عن شيء منها، حيث قال: " أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك ". وفي الحديث: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار "
قال بعضهم: هذه أرجى أية في القرآن. ودخل صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وعليها ثياب من صوف وشعر، وهي تطحن وترضع ولدها، فدمعت عيناه، وقال:
" يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة "
ثم تلا: { ولسوف يعطيك ربك فترضى }. واللام للقسم، وإنما لم تدخل نون التوكيد لفصل السين بين القسم والفعل. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول، عند انتشار شمس روحه على بشريته، وبليل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار البشريه لغلبة سلطان الحقيقة، ما ودعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ظاهرك، وما قلى بقطع فيض الولاية عن قلبك، { وللآخرة خير لك من الأولى } يعني: أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة، ويترقى في مقامات القرب والكرامة. ه. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من العارفين، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم. ثم عدد عليه نعمه، فقال: { ألم يجدك يتيما فآوى }.
الضحى 93:5
يقول الحق جل جلاله: { والضحى } ، المراد به: وقت الضحى، وهو حدود النهار حتى ترتفع الشمس، وإنما خص بالإقسام به لأنه الساعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام، والتي وقع فيها السحرة ساجدين، أو: النهار كله لمقابلته بالليل في قوله: { والليل إذا سجى } سكن، المراد: سكون الناس والأصوات فيه، أو ركد ظلامه، من: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وقيل: المراد بالضحى: ساعة مناجاة موسى، وبالليل: ليلة المعراج. وجواب القسم: { ما ودعك ربك } أي: ما تركك منذ اختارك، { وما قلى } أي: وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع: مبالغة في الودع، وهو الترك لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك. روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فنزلت ردا عليهم، وتبشيرا له صلى الله عليه وسلم بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من " قلى " إما للفواصل، أو للاستغناء عنه بذكره قبل، أو: للقصد إلى نفس صدور الفعل عنه تعالى، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية، وحيث تضمن ما سبق من نفي التوديع، والقلى أنه تعالى يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا بشر صلى الله عليه وسلم بأن ما سيؤتاه في الآخرة أجل وأعظم بذلك، فقيل: { وللآخرة خير لك من الأولى } ، لأن ما فيها من النعم صافية من الشوائب على الإطلاق، وهذه فانية مشوبة بالمضار وما أوتي صلى الله عليه وسلم من شرف النبوة، وإن كان مما لا يعادله شرف، ولا يدانيه فضل، لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض الشاقة على النفس. ووجه اتصال الآية بما قبلها: أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أن الله يواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبر أن ما له في الآخرة أعظم وأشرف، وذلك لتقدمه على الأنبياء في الشفاعة الكبرى، وشهادة أمته على الأمم، ورفع درجات المؤمنين، وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تحيط بها العبارة. وقوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وعد كريم شامل لما أعطاه الله تعالى في الدنيا، من كما اليقين، وعلوم الأولين والآخرين، وظهور أمره، وإعلاء دينه بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم، وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية، وفشو الدعوة، وإعلاء منار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، وقد أنبأ ابن عباس عن شيء منها، حيث قال: " أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك ". وفي الحديث: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار "
قال بعضهم: هذه أرجى أية في القرآن. ودخل صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وعليها ثياب من صوف وشعر، وهي تطحن وترضع ولدها، فدمعت عيناه، وقال:
" يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة "
ثم تلا: { ولسوف يعطيك ربك فترضى }. واللام للقسم، وإنما لم تدخل نون التوكيد لفصل السين بين القسم والفعل. الإشارة: قال القشيري: يشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول، عند انتشار شمس روحه على بشريته، وبليل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار البشريه لغلبة سلطان الحقيقة، ما ودعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ظاهرك، وما قلى بقطع فيض الولاية عن قلبك، { وللآخرة خير لك من الأولى } يعني: أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة، ويترقى في مقامات القرب والكرامة. ه. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من العارفين، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم. ثم عدد عليه نعمه، فقال: { ألم يجدك يتيما فآوى }.
الضحى 93:6
يقول الحق جل جلاله: { ألم يجدك يتيما } من أبويك { فآوى } أي: ضمك إلى جدك، ثم إلى عمك أبي طالب. روي أن أباه مات وهو جنين، قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله أولا جده عبد المطلب، فلما مات جده كفله عمه أبو طالب، فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه، وقال القشيري: ويقال: بل آواه إلى ظل كنفه، ورباه بلطف رعايته. ه. والحكمة في يتمه صلى الله عليه وسلم: ألا يكون عليه منة لأحد سوى كفالة الحق تعالى. وقيل: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، أي: ألم يجدك وحيدا في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته. { ووجدك ضالا } غافلا عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول، { فهدى } فهداك إليها، كقوله:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان
[الشورى:52]. وقال القشيري: أي: ضالا عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعرفناك تفصيلها. ه. أو: ضالا عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة، ولم يقل أحد من المفسرين: ضالا عن الإيمان. قاله عياض: وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضل مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى الله، فسمعوا هاتفا ينادي من السماء: يا معشر الناس، لا تضجوا، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه. وأن محمدا بوادي تهامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة، يلعب بالإغصان والأوراق. وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، يروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل عليه السلام، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند، ورده إلى القافلة. وقوله تعالى: { فهدى } أي: فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يوحى إليك من الكتاب المبين، وعلمك ما لم تكن تعلم. { ووجدك عائلا } فقيرا من حس الدنيا، { فأغنى } فأغناك به عما سواه، وزوجك خديجة، فقامت بمؤونة العيش، أو بما أفاء عليك من الغنائم، قال صلى الله عليه وسلم:
" جعل رزقي تحت ظل رمحي ".
{ فأما اليتيم فلا تقهر } ، قال المفسرون: أي: لا تغلبه على ماله وحقه، لأجل ضعفه، وأذكر يتمك، ولا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة والنهي يعم جميعها، أي: دم على ما أنت عليه من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم أحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم:
" أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين إذا اتقى الله "
وأشار بالسبابة والوسطى، وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإني أشهدكم أن لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة "
، فكان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه وأعطاه شيئا. وقال أنس: " من ضم يتيما، فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان له حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ". { وأما السائل فلا تنهر } أي: لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل رده ردا جميلا، قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يمنعن أحدكم السائل وإن في يديه قلبين، من ذهب "
أي: سوارين. وقال أيضا:
" أعط السائل ولو على فرسه "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إذا رددت السائل ثلاثا فلم يرجع لا عليك أن تزبره "
وقال الحسن: المراد بالسائل هنا: السائل عن العلم. { وأما بنعمة ربك فحدث } بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها يرد ما أفاضه الله تعالى عليه من فنون النعم، التي من جملتها المعدودة والموعودة والنبوة التي آتاه الله تأتي على جميع النعم، ويدخل في النعم تعلم العلم والقرآن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" التحدث بالنعم شكر "
ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر، أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز. ه. انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقال في قوله: { ألم يجدك يتيما } بقوله: { فأما اليتيم فلا تقهر } وقابل قوله: { ووجدك ضالا } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على من قال: إنه طالب العلم، وقابل بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر وقابل قوله: { ووجدك عائلا فأغنى } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على القول الأظهر، وقابله بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر ه. من ابن جزي. ولما قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الضحى كبر في آخرها، فسن التكبير آخرها، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي. الإشارة: ألم يجدك يتيما فردا من العلائق، مجردا مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيما من الهوى، بل بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد.
قال القشيري: ويقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردت بمقامك، فلم يشاركك فيه أحد. ه. { ووجدك ضالا } قيل: مترددا في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو: وجدك متحيرا عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري: ويقال: ضالا عن محبتي لكن فعرفتك أني أحبك، ويقال: جاهلا شرفك فعرفتك قدرك. ه. ووجدك عائلا فقيرا مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلا طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك،
وقل رب زدني علما
[طه:114]. وفي القوت: إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. ه. وكما أن الله تعالى غني بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم غني بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت: وكذلك الأولياء رضي الله عنهم سرى فيهم اسمه تعالى " الغني " فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصى به الحق تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يوصى به خلفاؤه من قوله: { فأما اليتيم فلا تقهر... } الخ. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الضحى 93:7
يقول الحق جل جلاله: { ألم يجدك يتيما } من أبويك { فآوى } أي: ضمك إلى جدك، ثم إلى عمك أبي طالب. روي أن أباه مات وهو جنين، قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله أولا جده عبد المطلب، فلما مات جده كفله عمه أبو طالب، فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه، وقال القشيري: ويقال: بل آواه إلى ظل كنفه، ورباه بلطف رعايته. ه. والحكمة في يتمه صلى الله عليه وسلم: ألا يكون عليه منة لأحد سوى كفالة الحق تعالى. وقيل: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، أي: ألم يجدك وحيدا في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته. { ووجدك ضالا } غافلا عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول، { فهدى } فهداك إليها، كقوله:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان
[الشورى:52]. وقال القشيري: أي: ضالا عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعرفناك تفصيلها. ه. أو: ضالا عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة، ولم يقل أحد من المفسرين: ضالا عن الإيمان. قاله عياض: وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضل مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى الله، فسمعوا هاتفا ينادي من السماء: يا معشر الناس، لا تضجوا، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه. وأن محمدا بوادي تهامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة، يلعب بالإغصان والأوراق. وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، يروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل عليه السلام، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند، ورده إلى القافلة. وقوله تعالى: { فهدى } أي: فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يوحى إليك من الكتاب المبين، وعلمك ما لم تكن تعلم. { ووجدك عائلا } فقيرا من حس الدنيا، { فأغنى } فأغناك به عما سواه، وزوجك خديجة، فقامت بمؤونة العيش، أو بما أفاء عليك من الغنائم، قال صلى الله عليه وسلم:
" جعل رزقي تحت ظل رمحي ".
{ فأما اليتيم فلا تقهر } ، قال المفسرون: أي: لا تغلبه على ماله وحقه، لأجل ضعفه، وأذكر يتمك، ولا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة والنهي يعم جميعها، أي: دم على ما أنت عليه من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم أحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم:
" أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين إذا اتقى الله "
وأشار بالسبابة والوسطى، وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإني أشهدكم أن لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة "
، فكان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه وأعطاه شيئا. وقال أنس: " من ضم يتيما، فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان له حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ". { وأما السائل فلا تنهر } أي: لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل رده ردا جميلا، قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يمنعن أحدكم السائل وإن في يديه قلبين، من ذهب "
أي: سوارين. وقال أيضا:
" أعط السائل ولو على فرسه "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إذا رددت السائل ثلاثا فلم يرجع لا عليك أن تزبره "
وقال الحسن: المراد بالسائل هنا: السائل عن العلم. { وأما بنعمة ربك فحدث } بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها يرد ما أفاضه الله تعالى عليه من فنون النعم، التي من جملتها المعدودة والموعودة والنبوة التي آتاه الله تأتي على جميع النعم، ويدخل في النعم تعلم العلم والقرآن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" التحدث بالنعم شكر "
ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر، أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز. ه. انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقال في قوله: { ألم يجدك يتيما } بقوله: { فأما اليتيم فلا تقهر } وقابل قوله: { ووجدك ضالا } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على من قال: إنه طالب العلم، وقابل بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر وقابل قوله: { ووجدك عائلا فأغنى } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على القول الأظهر، وقابله بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر ه. من ابن جزي. ولما قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الضحى كبر في آخرها، فسن التكبير آخرها، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي. الإشارة: ألم يجدك يتيما فردا من العلائق، مجردا مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيما من الهوى، بل بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد.
قال القشيري: ويقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردت بمقامك، فلم يشاركك فيه أحد. ه. { ووجدك ضالا } قيل: مترددا في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو: وجدك متحيرا عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري: ويقال: ضالا عن محبتي لكن فعرفتك أني أحبك، ويقال: جاهلا شرفك فعرفتك قدرك. ه. ووجدك عائلا فقيرا مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلا طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك،
وقل رب زدني علما
[طه:114]. وفي القوت: إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. ه. وكما أن الله تعالى غني بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم غني بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت: وكذلك الأولياء رضي الله عنهم سرى فيهم اسمه تعالى " الغني " فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصى به الحق تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يوصى به خلفاؤه من قوله: { فأما اليتيم فلا تقهر... } الخ. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الضحى 93:8
يقول الحق جل جلاله: { ألم يجدك يتيما } من أبويك { فآوى } أي: ضمك إلى جدك، ثم إلى عمك أبي طالب. روي أن أباه مات وهو جنين، قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله أولا جده عبد المطلب، فلما مات جده كفله عمه أبو طالب، فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه، وقال القشيري: ويقال: بل آواه إلى ظل كنفه، ورباه بلطف رعايته. ه. والحكمة في يتمه صلى الله عليه وسلم: ألا يكون عليه منة لأحد سوى كفالة الحق تعالى. وقيل: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، أي: ألم يجدك وحيدا في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته. { ووجدك ضالا } غافلا عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول، { فهدى } فهداك إليها، كقوله:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان
[الشورى:52]. وقال القشيري: أي: ضالا عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعرفناك تفصيلها. ه. أو: ضالا عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة، ولم يقل أحد من المفسرين: ضالا عن الإيمان. قاله عياض: وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضل مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى الله، فسمعوا هاتفا ينادي من السماء: يا معشر الناس، لا تضجوا، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه. وأن محمدا بوادي تهامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة، يلعب بالإغصان والأوراق. وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، يروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل عليه السلام، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند، ورده إلى القافلة. وقوله تعالى: { فهدى } أي: فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يوحى إليك من الكتاب المبين، وعلمك ما لم تكن تعلم. { ووجدك عائلا } فقيرا من حس الدنيا، { فأغنى } فأغناك به عما سواه، وزوجك خديجة، فقامت بمؤونة العيش، أو بما أفاء عليك من الغنائم، قال صلى الله عليه وسلم:
" جعل رزقي تحت ظل رمحي ".
{ فأما اليتيم فلا تقهر } ، قال المفسرون: أي: لا تغلبه على ماله وحقه، لأجل ضعفه، وأذكر يتمك، ولا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة والنهي يعم جميعها، أي: دم على ما أنت عليه من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم أحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم:
" أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين إذا اتقى الله "
وأشار بالسبابة والوسطى، وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإني أشهدكم أن لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة "
، فكان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه وأعطاه شيئا. وقال أنس: " من ضم يتيما، فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان له حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ". { وأما السائل فلا تنهر } أي: لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل رده ردا جميلا، قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يمنعن أحدكم السائل وإن في يديه قلبين، من ذهب "
أي: سوارين. وقال أيضا:
" أعط السائل ولو على فرسه "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إذا رددت السائل ثلاثا فلم يرجع لا عليك أن تزبره "
وقال الحسن: المراد بالسائل هنا: السائل عن العلم. { وأما بنعمة ربك فحدث } بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها يرد ما أفاضه الله تعالى عليه من فنون النعم، التي من جملتها المعدودة والموعودة والنبوة التي آتاه الله تأتي على جميع النعم، ويدخل في النعم تعلم العلم والقرآن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" التحدث بالنعم شكر "
ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر، أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز. ه. انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقال في قوله: { ألم يجدك يتيما } بقوله: { فأما اليتيم فلا تقهر } وقابل قوله: { ووجدك ضالا } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على من قال: إنه طالب العلم، وقابل بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر وقابل قوله: { ووجدك عائلا فأغنى } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على القول الأظهر، وقابله بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر ه. من ابن جزي. ولما قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الضحى كبر في آخرها، فسن التكبير آخرها، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي. الإشارة: ألم يجدك يتيما فردا من العلائق، مجردا مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيما من الهوى، بل بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد.
قال القشيري: ويقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردت بمقامك، فلم يشاركك فيه أحد. ه. { ووجدك ضالا } قيل: مترددا في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو: وجدك متحيرا عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري: ويقال: ضالا عن محبتي لكن فعرفتك أني أحبك، ويقال: جاهلا شرفك فعرفتك قدرك. ه. ووجدك عائلا فقيرا مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلا طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك،
وقل رب زدني علما
[طه:114]. وفي القوت: إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. ه. وكما أن الله تعالى غني بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم غني بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت: وكذلك الأولياء رضي الله عنهم سرى فيهم اسمه تعالى " الغني " فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصى به الحق تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يوصى به خلفاؤه من قوله: { فأما اليتيم فلا تقهر... } الخ. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الضحى 93:9
يقول الحق جل جلاله: { ألم يجدك يتيما } من أبويك { فآوى } أي: ضمك إلى جدك، ثم إلى عمك أبي طالب. روي أن أباه مات وهو جنين، قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله أولا جده عبد المطلب، فلما مات جده كفله عمه أبو طالب، فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه، وقال القشيري: ويقال: بل آواه إلى ظل كنفه، ورباه بلطف رعايته. ه. والحكمة في يتمه صلى الله عليه وسلم: ألا يكون عليه منة لأحد سوى كفالة الحق تعالى. وقيل: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، أي: ألم يجدك وحيدا في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته. { ووجدك ضالا } غافلا عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول، { فهدى } فهداك إليها، كقوله:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان
[الشورى:52]. وقال القشيري: أي: ضالا عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعرفناك تفصيلها. ه. أو: ضالا عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة، ولم يقل أحد من المفسرين: ضالا عن الإيمان. قاله عياض: وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضل مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى الله، فسمعوا هاتفا ينادي من السماء: يا معشر الناس، لا تضجوا، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه. وأن محمدا بوادي تهامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة، يلعب بالإغصان والأوراق. وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، يروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل عليه السلام، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند، ورده إلى القافلة. وقوله تعالى: { فهدى } أي: فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يوحى إليك من الكتاب المبين، وعلمك ما لم تكن تعلم. { ووجدك عائلا } فقيرا من حس الدنيا، { فأغنى } فأغناك به عما سواه، وزوجك خديجة، فقامت بمؤونة العيش، أو بما أفاء عليك من الغنائم، قال صلى الله عليه وسلم:
" جعل رزقي تحت ظل رمحي ".
{ فأما اليتيم فلا تقهر } ، قال المفسرون: أي: لا تغلبه على ماله وحقه، لأجل ضعفه، وأذكر يتمك، ولا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة والنهي يعم جميعها، أي: دم على ما أنت عليه من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم أحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم:
" أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين إذا اتقى الله "
وأشار بالسبابة والوسطى، وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإني أشهدكم أن لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة "
، فكان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه وأعطاه شيئا. وقال أنس: " من ضم يتيما، فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان له حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ". { وأما السائل فلا تنهر } أي: لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل رده ردا جميلا، قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يمنعن أحدكم السائل وإن في يديه قلبين، من ذهب "
أي: سوارين. وقال أيضا:
" أعط السائل ولو على فرسه "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إذا رددت السائل ثلاثا فلم يرجع لا عليك أن تزبره "
وقال الحسن: المراد بالسائل هنا: السائل عن العلم. { وأما بنعمة ربك فحدث } بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها يرد ما أفاضه الله تعالى عليه من فنون النعم، التي من جملتها المعدودة والموعودة والنبوة التي آتاه الله تأتي على جميع النعم، ويدخل في النعم تعلم العلم والقرآن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" التحدث بالنعم شكر "
ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر، أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز. ه. انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقال في قوله: { ألم يجدك يتيما } بقوله: { فأما اليتيم فلا تقهر } وقابل قوله: { ووجدك ضالا } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على من قال: إنه طالب العلم، وقابل بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر وقابل قوله: { ووجدك عائلا فأغنى } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على القول الأظهر، وقابله بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر ه. من ابن جزي. ولما قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الضحى كبر في آخرها، فسن التكبير آخرها، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي. الإشارة: ألم يجدك يتيما فردا من العلائق، مجردا مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيما من الهوى، بل بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد.
قال القشيري: ويقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردت بمقامك، فلم يشاركك فيه أحد. ه. { ووجدك ضالا } قيل: مترددا في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو: وجدك متحيرا عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري: ويقال: ضالا عن محبتي لكن فعرفتك أني أحبك، ويقال: جاهلا شرفك فعرفتك قدرك. ه. ووجدك عائلا فقيرا مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلا طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك،
وقل رب زدني علما
[طه:114]. وفي القوت: إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. ه. وكما أن الله تعالى غني بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم غني بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت: وكذلك الأولياء رضي الله عنهم سرى فيهم اسمه تعالى " الغني " فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصى به الحق تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يوصى به خلفاؤه من قوله: { فأما اليتيم فلا تقهر... } الخ. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الضحى 93:10
يقول الحق جل جلاله: { ألم يجدك يتيما } من أبويك { فآوى } أي: ضمك إلى جدك، ثم إلى عمك أبي طالب. روي أن أباه مات وهو جنين، قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله أولا جده عبد المطلب، فلما مات جده كفله عمه أبو طالب، فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه، وقال القشيري: ويقال: بل آواه إلى ظل كنفه، ورباه بلطف رعايته. ه. والحكمة في يتمه صلى الله عليه وسلم: ألا يكون عليه منة لأحد سوى كفالة الحق تعالى. وقيل: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، أي: ألم يجدك وحيدا في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته. { ووجدك ضالا } غافلا عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول، { فهدى } فهداك إليها، كقوله:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان
[الشورى:52]. وقال القشيري: أي: ضالا عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعرفناك تفصيلها. ه. أو: ضالا عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة، ولم يقل أحد من المفسرين: ضالا عن الإيمان. قاله عياض: وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضل مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى الله، فسمعوا هاتفا ينادي من السماء: يا معشر الناس، لا تضجوا، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه. وأن محمدا بوادي تهامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة، يلعب بالإغصان والأوراق. وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، يروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل عليه السلام، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند، ورده إلى القافلة. وقوله تعالى: { فهدى } أي: فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يوحى إليك من الكتاب المبين، وعلمك ما لم تكن تعلم. { ووجدك عائلا } فقيرا من حس الدنيا، { فأغنى } فأغناك به عما سواه، وزوجك خديجة، فقامت بمؤونة العيش، أو بما أفاء عليك من الغنائم، قال صلى الله عليه وسلم:
" جعل رزقي تحت ظل رمحي ".
{ فأما اليتيم فلا تقهر } ، قال المفسرون: أي: لا تغلبه على ماله وحقه، لأجل ضعفه، وأذكر يتمك، ولا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة والنهي يعم جميعها، أي: دم على ما أنت عليه من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم أحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم:
" أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين إذا اتقى الله "
وأشار بالسبابة والوسطى، وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإني أشهدكم أن لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة "
، فكان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه وأعطاه شيئا. وقال أنس: " من ضم يتيما، فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان له حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ". { وأما السائل فلا تنهر } أي: لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل رده ردا جميلا، قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يمنعن أحدكم السائل وإن في يديه قلبين، من ذهب "
أي: سوارين. وقال أيضا:
" أعط السائل ولو على فرسه "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إذا رددت السائل ثلاثا فلم يرجع لا عليك أن تزبره "
وقال الحسن: المراد بالسائل هنا: السائل عن العلم. { وأما بنعمة ربك فحدث } بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها يرد ما أفاضه الله تعالى عليه من فنون النعم، التي من جملتها المعدودة والموعودة والنبوة التي آتاه الله تأتي على جميع النعم، ويدخل في النعم تعلم العلم والقرآن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" التحدث بالنعم شكر "
ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر، أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز. ه. انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقال في قوله: { ألم يجدك يتيما } بقوله: { فأما اليتيم فلا تقهر } وقابل قوله: { ووجدك ضالا } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على من قال: إنه طالب العلم، وقابل بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر وقابل قوله: { ووجدك عائلا فأغنى } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على القول الأظهر، وقابله بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر ه. من ابن جزي. ولما قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الضحى كبر في آخرها، فسن التكبير آخرها، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي. الإشارة: ألم يجدك يتيما فردا من العلائق، مجردا مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيما من الهوى، بل بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد.
قال القشيري: ويقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردت بمقامك، فلم يشاركك فيه أحد. ه. { ووجدك ضالا } قيل: مترددا في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو: وجدك متحيرا عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري: ويقال: ضالا عن محبتي لكن فعرفتك أني أحبك، ويقال: جاهلا شرفك فعرفتك قدرك. ه. ووجدك عائلا فقيرا مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلا طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك،
وقل رب زدني علما
[طه:114]. وفي القوت: إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. ه. وكما أن الله تعالى غني بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم غني بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت: وكذلك الأولياء رضي الله عنهم سرى فيهم اسمه تعالى " الغني " فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصى به الحق تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يوصى به خلفاؤه من قوله: { فأما اليتيم فلا تقهر... } الخ. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الضحى 93:11
يقول الحق جل جلاله: { ألم يجدك يتيما } من أبويك { فآوى } أي: ضمك إلى جدك، ثم إلى عمك أبي طالب. روي أن أباه مات وهو جنين، قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله أولا جده عبد المطلب، فلما مات جده كفله عمه أبو طالب، فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه، وقال القشيري: ويقال: بل آواه إلى ظل كنفه، ورباه بلطف رعايته. ه. والحكمة في يتمه صلى الله عليه وسلم: ألا يكون عليه منة لأحد سوى كفالة الحق تعالى. وقيل: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، أي: ألم يجدك وحيدا في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته. { ووجدك ضالا } غافلا عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول، { فهدى } فهداك إليها، كقوله:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان
[الشورى:52]. وقال القشيري: أي: ضالا عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعرفناك تفصيلها. ه. أو: ضالا عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة، ولم يقل أحد من المفسرين: ضالا عن الإيمان. قاله عياض: وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضل مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى الله، فسمعوا هاتفا ينادي من السماء: يا معشر الناس، لا تضجوا، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه. وأن محمدا بوادي تهامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة، يلعب بالإغصان والأوراق. وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، يروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل عليه السلام، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند، ورده إلى القافلة. وقوله تعالى: { فهدى } أي: فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يوحى إليك من الكتاب المبين، وعلمك ما لم تكن تعلم. { ووجدك عائلا } فقيرا من حس الدنيا، { فأغنى } فأغناك به عما سواه، وزوجك خديجة، فقامت بمؤونة العيش، أو بما أفاء عليك من الغنائم، قال صلى الله عليه وسلم:
" جعل رزقي تحت ظل رمحي ".
{ فأما اليتيم فلا تقهر } ، قال المفسرون: أي: لا تغلبه على ماله وحقه، لأجل ضعفه، وأذكر يتمك، ولا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة والنهي يعم جميعها، أي: دم على ما أنت عليه من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم أحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم:
" أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين إذا اتقى الله "
وأشار بالسبابة والوسطى، وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإني أشهدكم أن لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة "
، فكان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه وأعطاه شيئا. وقال أنس: " من ضم يتيما، فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان له حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ". { وأما السائل فلا تنهر } أي: لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل رده ردا جميلا، قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يمنعن أحدكم السائل وإن في يديه قلبين، من ذهب "
أي: سوارين. وقال أيضا:
" أعط السائل ولو على فرسه "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إذا رددت السائل ثلاثا فلم يرجع لا عليك أن تزبره "
وقال الحسن: المراد بالسائل هنا: السائل عن العلم. { وأما بنعمة ربك فحدث } بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها يرد ما أفاضه الله تعالى عليه من فنون النعم، التي من جملتها المعدودة والموعودة والنبوة التي آتاه الله تأتي على جميع النعم، ويدخل في النعم تعلم العلم والقرآن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" التحدث بالنعم شكر "
ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر، أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز. ه. انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقال في قوله: { ألم يجدك يتيما } بقوله: { فأما اليتيم فلا تقهر } وقابل قوله: { ووجدك ضالا } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على من قال: إنه طالب العلم، وقابل بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر وقابل قوله: { ووجدك عائلا فأغنى } بقوله: { وأما السائل فلا تنهر } على القول الأظهر، وقابله بقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } على القول الآخر ه. من ابن جزي. ولما قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الضحى كبر في آخرها، فسن التكبير آخرها، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي. الإشارة: ألم يجدك يتيما فردا من العلائق، مجردا مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيما من الهوى، بل بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد.
قال القشيري: ويقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردت بمقامك، فلم يشاركك فيه أحد. ه. { ووجدك ضالا } قيل: مترددا في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو: وجدك متحيرا عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري: ويقال: ضالا عن محبتي لكن فعرفتك أني أحبك، ويقال: جاهلا شرفك فعرفتك قدرك. ه. ووجدك عائلا فقيرا مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلا طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك،
وقل رب زدني علما
[طه:114]. وفي القوت: إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. ه. وكما أن الله تعالى غني بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم غني بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت: وكذلك الأولياء رضي الله عنهم سرى فيهم اسمه تعالى " الغني " فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصى به الحق تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يوصى به خلفاؤه من قوله: { فأما اليتيم فلا تقهر... } الخ. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشرح 94:1
يقول الحق جلا جلاله: { ألم نشرح لك صدرك } أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالم الغيب والشهادة، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية، وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدره في حال صباه، حين شقه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيمانا وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير " بلى ". وزيادة " لك " وتوسطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأن الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقا إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونوسع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله:
رب اشرح لي صدري
[طه:25]، وأنه باداه به من غير طلب، وهو قدر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها لكونه في ذلك بربه ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. ه. { ووضعنا عنك وزرك } ، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، { الذي أنقض ظهرك } أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قبل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازا. ه. قلت: والظاهر: أن كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألا يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتم من أجله، وجعل منه حملا على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشره بأنه مغفور له على الإطلاق ليتخلى من ذلك الاهتمام. وزاده شرفا بقوله: { ورفعنا لك ذكرك } أي: نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في المشارق والمغارب، ومن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد، وفي مواضع من القرآن:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء:59]
ومن يطع الله ورسوله
[النساء:13]
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رفع الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. ه. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن أحب الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. ه. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل. ثم بشر رسوله وسلاه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: { فإن مع العسر يسرا } أي: إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: { فإن مع العسكر يسرا } كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، { إن مع العسر } الذي أنتم فيه { يسرا } ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر للعسر زيادة في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
" لن يغلب عسر يسرين "
لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له. { فإذا فرغت } من التبليغ أو الغزو { فانصب } فاجتهد في العبادة، وأتعب نفسك شكرا لما أولاك من النعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، { وإلى ربك فارغب } في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقرىء: " فرغب " أي: الناس إلى ما عنده. الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهت إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير فأتعب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشرح 94:2
يقول الحق جلا جلاله: { ألم نشرح لك صدرك } أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالم الغيب والشهادة، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية، وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدره في حال صباه، حين شقه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيمانا وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير " بلى ". وزيادة " لك " وتوسطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأن الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقا إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونوسع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله:
رب اشرح لي صدري
[طه:25]، وأنه باداه به من غير طلب، وهو قدر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها لكونه في ذلك بربه ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. ه. { ووضعنا عنك وزرك } ، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، { الذي أنقض ظهرك } أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قبل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازا. ه. قلت: والظاهر: أن كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألا يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتم من أجله، وجعل منه حملا على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشره بأنه مغفور له على الإطلاق ليتخلى من ذلك الاهتمام. وزاده شرفا بقوله: { ورفعنا لك ذكرك } أي: نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في المشارق والمغارب، ومن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد، وفي مواضع من القرآن:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء:59]
ومن يطع الله ورسوله
[النساء:13]
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رفع الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. ه. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن أحب الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. ه. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل. ثم بشر رسوله وسلاه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: { فإن مع العسر يسرا } أي: إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: { فإن مع العسكر يسرا } كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، { إن مع العسر } الذي أنتم فيه { يسرا } ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر للعسر زيادة في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
" لن يغلب عسر يسرين "
لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له. { فإذا فرغت } من التبليغ أو الغزو { فانصب } فاجتهد في العبادة، وأتعب نفسك شكرا لما أولاك من النعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، { وإلى ربك فارغب } في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقرىء: " فرغب " أي: الناس إلى ما عنده. الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهت إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير فأتعب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشرح 94:3
يقول الحق جلا جلاله: { ألم نشرح لك صدرك } أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالم الغيب والشهادة، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية، وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدره في حال صباه، حين شقه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيمانا وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير " بلى ". وزيادة " لك " وتوسطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأن الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقا إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونوسع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله:
رب اشرح لي صدري
[طه:25]، وأنه باداه به من غير طلب، وهو قدر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها لكونه في ذلك بربه ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. ه. { ووضعنا عنك وزرك } ، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، { الذي أنقض ظهرك } أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قبل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازا. ه. قلت: والظاهر: أن كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألا يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتم من أجله، وجعل منه حملا على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشره بأنه مغفور له على الإطلاق ليتخلى من ذلك الاهتمام. وزاده شرفا بقوله: { ورفعنا لك ذكرك } أي: نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في المشارق والمغارب، ومن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد، وفي مواضع من القرآن:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء:59]
ومن يطع الله ورسوله
[النساء:13]
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رفع الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. ه. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن أحب الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. ه. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل. ثم بشر رسوله وسلاه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: { فإن مع العسر يسرا } أي: إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: { فإن مع العسكر يسرا } كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، { إن مع العسر } الذي أنتم فيه { يسرا } ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر للعسر زيادة في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
" لن يغلب عسر يسرين "
لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له. { فإذا فرغت } من التبليغ أو الغزو { فانصب } فاجتهد في العبادة، وأتعب نفسك شكرا لما أولاك من النعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، { وإلى ربك فارغب } في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقرىء: " فرغب " أي: الناس إلى ما عنده. الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهت إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير فأتعب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشرح 94:4
يقول الحق جلا جلاله: { ألم نشرح لك صدرك } أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالم الغيب والشهادة، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية، وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدره في حال صباه، حين شقه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيمانا وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير " بلى ". وزيادة " لك " وتوسطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأن الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقا إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونوسع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله:
رب اشرح لي صدري
[طه:25]، وأنه باداه به من غير طلب، وهو قدر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها لكونه في ذلك بربه ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. ه. { ووضعنا عنك وزرك } ، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، { الذي أنقض ظهرك } أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قبل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازا. ه. قلت: والظاهر: أن كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألا يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتم من أجله، وجعل منه حملا على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشره بأنه مغفور له على الإطلاق ليتخلى من ذلك الاهتمام. وزاده شرفا بقوله: { ورفعنا لك ذكرك } أي: نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في المشارق والمغارب، ومن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد، وفي مواضع من القرآن:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء:59]
ومن يطع الله ورسوله
[النساء:13]
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رفع الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. ه. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن أحب الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. ه. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل. ثم بشر رسوله وسلاه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: { فإن مع العسر يسرا } أي: إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: { فإن مع العسكر يسرا } كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، { إن مع العسر } الذي أنتم فيه { يسرا } ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر للعسر زيادة في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
" لن يغلب عسر يسرين "
لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له. { فإذا فرغت } من التبليغ أو الغزو { فانصب } فاجتهد في العبادة، وأتعب نفسك شكرا لما أولاك من النعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، { وإلى ربك فارغب } في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقرىء: " فرغب " أي: الناس إلى ما عنده. الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهت إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير فأتعب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشرح 94:5
يقول الحق جلا جلاله: { ألم نشرح لك صدرك } أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالم الغيب والشهادة، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية، وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدره في حال صباه، حين شقه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيمانا وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير " بلى ". وزيادة " لك " وتوسطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأن الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقا إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونوسع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله:
رب اشرح لي صدري
[طه:25]، وأنه باداه به من غير طلب، وهو قدر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها لكونه في ذلك بربه ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. ه. { ووضعنا عنك وزرك } ، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، { الذي أنقض ظهرك } أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قبل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازا. ه. قلت: والظاهر: أن كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألا يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتم من أجله، وجعل منه حملا على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشره بأنه مغفور له على الإطلاق ليتخلى من ذلك الاهتمام. وزاده شرفا بقوله: { ورفعنا لك ذكرك } أي: نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في المشارق والمغارب، ومن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد، وفي مواضع من القرآن:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء:59]
ومن يطع الله ورسوله
[النساء:13]
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رفع الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. ه. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن أحب الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. ه. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل. ثم بشر رسوله وسلاه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: { فإن مع العسر يسرا } أي: إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: { فإن مع العسكر يسرا } كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، { إن مع العسر } الذي أنتم فيه { يسرا } ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر للعسر زيادة في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
" لن يغلب عسر يسرين "
لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له. { فإذا فرغت } من التبليغ أو الغزو { فانصب } فاجتهد في العبادة، وأتعب نفسك شكرا لما أولاك من النعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، { وإلى ربك فارغب } في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقرىء: " فرغب " أي: الناس إلى ما عنده. الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهت إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير فأتعب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشرح 94:6
يقول الحق جلا جلاله: { ألم نشرح لك صدرك } أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالم الغيب والشهادة، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية، وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدره في حال صباه، حين شقه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيمانا وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير " بلى ". وزيادة " لك " وتوسطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأن الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقا إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونوسع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله:
رب اشرح لي صدري
[طه:25]، وأنه باداه به من غير طلب، وهو قدر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها لكونه في ذلك بربه ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. ه. { ووضعنا عنك وزرك } ، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، { الذي أنقض ظهرك } أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قبل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازا. ه. قلت: والظاهر: أن كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألا يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتم من أجله، وجعل منه حملا على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشره بأنه مغفور له على الإطلاق ليتخلى من ذلك الاهتمام. وزاده شرفا بقوله: { ورفعنا لك ذكرك } أي: نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في المشارق والمغارب، ومن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد، وفي مواضع من القرآن:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء:59]
ومن يطع الله ورسوله
[النساء:13]
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رفع الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. ه. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن أحب الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. ه. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل. ثم بشر رسوله وسلاه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: { فإن مع العسر يسرا } أي: إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: { فإن مع العسكر يسرا } كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، { إن مع العسر } الذي أنتم فيه { يسرا } ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر للعسر زيادة في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
" لن يغلب عسر يسرين "
لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له. { فإذا فرغت } من التبليغ أو الغزو { فانصب } فاجتهد في العبادة، وأتعب نفسك شكرا لما أولاك من النعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، { وإلى ربك فارغب } في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقرىء: " فرغب " أي: الناس إلى ما عنده. الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهت إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير فأتعب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشرح 94:7
يقول الحق جلا جلاله: { ألم نشرح لك صدرك } أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالم الغيب والشهادة، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية، وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدره في حال صباه، حين شقه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيمانا وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير " بلى ". وزيادة " لك " وتوسطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأن الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقا إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونوسع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله:
رب اشرح لي صدري
[طه:25]، وأنه باداه به من غير طلب، وهو قدر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها لكونه في ذلك بربه ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. ه. { ووضعنا عنك وزرك } ، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، { الذي أنقض ظهرك } أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قبل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازا. ه. قلت: والظاهر: أن كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألا يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتم من أجله، وجعل منه حملا على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشره بأنه مغفور له على الإطلاق ليتخلى من ذلك الاهتمام. وزاده شرفا بقوله: { ورفعنا لك ذكرك } أي: نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في المشارق والمغارب، ومن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد، وفي مواضع من القرآن:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء:59]
ومن يطع الله ورسوله
[النساء:13]
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رفع الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. ه. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن أحب الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. ه. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل. ثم بشر رسوله وسلاه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: { فإن مع العسر يسرا } أي: إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: { فإن مع العسكر يسرا } كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، { إن مع العسر } الذي أنتم فيه { يسرا } ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر للعسر زيادة في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
" لن يغلب عسر يسرين "
لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له. { فإذا فرغت } من التبليغ أو الغزو { فانصب } فاجتهد في العبادة، وأتعب نفسك شكرا لما أولاك من النعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، { وإلى ربك فارغب } في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقرىء: " فرغب " أي: الناس إلى ما عنده. الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهت إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير فأتعب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشرح 94:8
يقول الحق جلا جلاله: { ألم نشرح لك صدرك } أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالم الغيب والشهادة، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية، وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدره في حال صباه، حين شقه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيمانا وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يجيب عنه بغير " بلى ". وزيادة " لك " وتوسطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأن الشرح من منافعة صلى الله عليه وسلم ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه صلى الله عليه وسلم وتشويقا إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونوسع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى عليه السلام بقوله:
رب اشرح لي صدري
[طه:25]، وأنه باداه به من غير طلب، وهو قدر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها لكونه في ذلك بربه ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. ه. { ووضعنا عنك وزرك } ، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، { الذي أنقض ظهرك } أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قبل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازا. ه. قلت: والظاهر: أن كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاف ألا يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتم من أجله، وجعل منه حملا على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشره بأنه مغفور له على الإطلاق ليتخلى من ذلك الاهتمام. وزاده شرفا بقوله: { ورفعنا لك ذكرك } أي: نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في المشارق والمغارب، ومن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم أن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد، وفي مواضع من القرآن:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء:59]
ومن يطع الله ورسوله
[النساء:13]
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة:62]، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رفع الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. ه. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن أحب الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. ه. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل. ثم بشر رسوله وسلاه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: { فإن مع العسر يسرا } أي: إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يسرا بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يعيرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال: { فإن مع العسكر يسرا } كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، { إن مع العسر } الذي أنتم فيه { يسرا } ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر للعسر زيادة في التسلية وتقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك تكريره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
" لن يغلب عسر يسرين "
لأن العسر أعيد معرفا فكان واحدا، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له. { فإذا فرغت } من التبليغ أو الغزو { فانصب } فاجتهد في العبادة، وأتعب نفسك شكرا لما أولاك من النعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، { وإلى ربك فارغب } في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقرىء: " فرغب " أي: الناس إلى ما عنده. الإشارة: ما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهت إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير فأتعب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
التين 95:1
يقول الحق جل جلاله: { والتين والزيتون } ، أقسم بهما تعالى لما فيهما من المنافع الجمة. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: " كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ". وهو أيضا فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سرد الكبد والطحال. وعن علي بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. ه. وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع لكفى به فضلا. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبا واستاك به. وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة "
وقال:
" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي "
وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما. { وطور سينين } ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربه عليه، ويقال له: سينين وسيناء. { وهذا البلد الأمين } وهو مكة، شرفها الله، وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. وجواب القسم: { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنس الإنسان { في أحسن تقويم } أي: كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث جعله الله مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفا بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم على صورته "
، وفي رواية:
" على صورة الرحمن "
على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. { ثم رددناه أسفل سافلين } أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خلقه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى:
ومن نعمره ننكسه في الخلق
[يس:68] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكل سمعه وبصره.
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، { فلهم أجر غير ممنون } أي: رددناه أسفل السافلين إلا من آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة، خصوصا وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ".
ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: { فما يكذبك بعد بالدين } للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتسويته بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟! أو: بالرسول صلى الله عليه وسلم: أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذبيك. وقيل: من الحكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس من خلق الإنسان وصوره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ".
الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها الأولى شجرة القلب التينية المثمرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله:
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار
[النور:35] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياما بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسم عليه: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أم الروحانيات وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. ه. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله:
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني
وقول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكيا عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأت ليلة { والتين والزيتون } إلى أن انتهيت إلى قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ففكرت في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددنا أسفل سافلين نفسا وهوى. ه. فقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا.. } الخ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التين 95:2
يقول الحق جل جلاله: { والتين والزيتون } ، أقسم بهما تعالى لما فيهما من المنافع الجمة. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: " كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ". وهو أيضا فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سرد الكبد والطحال. وعن علي بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. ه. وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع لكفى به فضلا. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبا واستاك به. وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة "
وقال:
" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي "
وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما. { وطور سينين } ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربه عليه، ويقال له: سينين وسيناء. { وهذا البلد الأمين } وهو مكة، شرفها الله، وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. وجواب القسم: { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنس الإنسان { في أحسن تقويم } أي: كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث جعله الله مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفا بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم على صورته "
، وفي رواية:
" على صورة الرحمن "
على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. { ثم رددناه أسفل سافلين } أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خلقه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى:
ومن نعمره ننكسه في الخلق
[يس:68] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكل سمعه وبصره.
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، { فلهم أجر غير ممنون } أي: رددناه أسفل السافلين إلا من آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة، خصوصا وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ".
ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: { فما يكذبك بعد بالدين } للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتسويته بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟! أو: بالرسول صلى الله عليه وسلم: أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذبيك. وقيل: من الحكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس من خلق الإنسان وصوره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ".
الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها الأولى شجرة القلب التينية المثمرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله:
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار
[النور:35] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياما بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسم عليه: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أم الروحانيات وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. ه. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله:
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني
وقول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكيا عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأت ليلة { والتين والزيتون } إلى أن انتهيت إلى قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ففكرت في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددنا أسفل سافلين نفسا وهوى. ه. فقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا.. } الخ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التين 95:3
يقول الحق جل جلاله: { والتين والزيتون } ، أقسم بهما تعالى لما فيهما من المنافع الجمة. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: " كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ". وهو أيضا فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سرد الكبد والطحال. وعن علي بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. ه. وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع لكفى به فضلا. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبا واستاك به. وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة "
وقال:
" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي "
وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما. { وطور سينين } ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربه عليه، ويقال له: سينين وسيناء. { وهذا البلد الأمين } وهو مكة، شرفها الله، وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. وجواب القسم: { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنس الإنسان { في أحسن تقويم } أي: كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث جعله الله مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفا بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم على صورته "
، وفي رواية:
" على صورة الرحمن "
على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. { ثم رددناه أسفل سافلين } أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خلقه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى:
ومن نعمره ننكسه في الخلق
[يس:68] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكل سمعه وبصره.
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، { فلهم أجر غير ممنون } أي: رددناه أسفل السافلين إلا من آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة، خصوصا وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ".
ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: { فما يكذبك بعد بالدين } للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتسويته بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟! أو: بالرسول صلى الله عليه وسلم: أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذبيك. وقيل: من الحكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس من خلق الإنسان وصوره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ".
الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها الأولى شجرة القلب التينية المثمرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله:
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار
[النور:35] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياما بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسم عليه: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أم الروحانيات وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. ه. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله:
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني
وقول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكيا عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأت ليلة { والتين والزيتون } إلى أن انتهيت إلى قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ففكرت في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددنا أسفل سافلين نفسا وهوى. ه. فقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا.. } الخ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التين 95:4
يقول الحق جل جلاله: { والتين والزيتون } ، أقسم بهما تعالى لما فيهما من المنافع الجمة. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: " كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ". وهو أيضا فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سرد الكبد والطحال. وعن علي بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. ه. وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع لكفى به فضلا. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبا واستاك به. وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة "
وقال:
" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي "
وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما. { وطور سينين } ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربه عليه، ويقال له: سينين وسيناء. { وهذا البلد الأمين } وهو مكة، شرفها الله، وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. وجواب القسم: { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنس الإنسان { في أحسن تقويم } أي: كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث جعله الله مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفا بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم على صورته "
، وفي رواية:
" على صورة الرحمن "
على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. { ثم رددناه أسفل سافلين } أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خلقه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى:
ومن نعمره ننكسه في الخلق
[يس:68] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكل سمعه وبصره.
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، { فلهم أجر غير ممنون } أي: رددناه أسفل السافلين إلا من آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة، خصوصا وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ".
ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: { فما يكذبك بعد بالدين } للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتسويته بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟! أو: بالرسول صلى الله عليه وسلم: أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذبيك. وقيل: من الحكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس من خلق الإنسان وصوره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ".
الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها الأولى شجرة القلب التينية المثمرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله:
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار
[النور:35] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياما بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسم عليه: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أم الروحانيات وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. ه. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله:
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني
وقول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكيا عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأت ليلة { والتين والزيتون } إلى أن انتهيت إلى قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ففكرت في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددنا أسفل سافلين نفسا وهوى. ه. فقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا.. } الخ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التين 95:5
يقول الحق جل جلاله: { والتين والزيتون } ، أقسم بهما تعالى لما فيهما من المنافع الجمة. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: " كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ". وهو أيضا فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سرد الكبد والطحال. وعن علي بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. ه. وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع لكفى به فضلا. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبا واستاك به. وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة "
وقال:
" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي "
وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما. { وطور سينين } ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربه عليه، ويقال له: سينين وسيناء. { وهذا البلد الأمين } وهو مكة، شرفها الله، وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. وجواب القسم: { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنس الإنسان { في أحسن تقويم } أي: كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث جعله الله مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفا بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم على صورته "
، وفي رواية:
" على صورة الرحمن "
على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. { ثم رددناه أسفل سافلين } أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خلقه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى:
ومن نعمره ننكسه في الخلق
[يس:68] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكل سمعه وبصره.
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، { فلهم أجر غير ممنون } أي: رددناه أسفل السافلين إلا من آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة، خصوصا وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ".
ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: { فما يكذبك بعد بالدين } للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتسويته بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟! أو: بالرسول صلى الله عليه وسلم: أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذبيك. وقيل: من الحكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس من خلق الإنسان وصوره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ".
الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها الأولى شجرة القلب التينية المثمرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله:
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار
[النور:35] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياما بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسم عليه: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أم الروحانيات وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. ه. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله:
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني
وقول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكيا عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأت ليلة { والتين والزيتون } إلى أن انتهيت إلى قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ففكرت في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددنا أسفل سافلين نفسا وهوى. ه. فقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا.. } الخ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التين 95:6
يقول الحق جل جلاله: { والتين والزيتون } ، أقسم بهما تعالى لما فيهما من المنافع الجمة. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: " كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ". وهو أيضا فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سرد الكبد والطحال. وعن علي بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. ه. وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع لكفى به فضلا. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبا واستاك به. وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة "
وقال:
" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي "
وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما. { وطور سينين } ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربه عليه، ويقال له: سينين وسيناء. { وهذا البلد الأمين } وهو مكة، شرفها الله، وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. وجواب القسم: { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنس الإنسان { في أحسن تقويم } أي: كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث جعله الله مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفا بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم على صورته "
، وفي رواية:
" على صورة الرحمن "
على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. { ثم رددناه أسفل سافلين } أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خلقه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى:
ومن نعمره ننكسه في الخلق
[يس:68] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكل سمعه وبصره.
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، { فلهم أجر غير ممنون } أي: رددناه أسفل السافلين إلا من آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة، خصوصا وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ".
ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: { فما يكذبك بعد بالدين } للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتسويته بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟! أو: بالرسول صلى الله عليه وسلم: أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذبيك. وقيل: من الحكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس من خلق الإنسان وصوره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ".
الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها الأولى شجرة القلب التينية المثمرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله:
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار
[النور:35] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياما بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسم عليه: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أم الروحانيات وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. ه. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله:
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني
وقول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكيا عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأت ليلة { والتين والزيتون } إلى أن انتهيت إلى قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ففكرت في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددنا أسفل سافلين نفسا وهوى. ه. فقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا.. } الخ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التين 95:7
يقول الحق جل جلاله: { والتين والزيتون } ، أقسم بهما تعالى لما فيهما من المنافع الجمة. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: " كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ". وهو أيضا فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سرد الكبد والطحال. وعن علي بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. ه. وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع لكفى به فضلا. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبا واستاك به. وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة "
وقال:
" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي "
وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما. { وطور سينين } ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربه عليه، ويقال له: سينين وسيناء. { وهذا البلد الأمين } وهو مكة، شرفها الله، وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. وجواب القسم: { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنس الإنسان { في أحسن تقويم } أي: كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث جعله الله مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفا بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم على صورته "
، وفي رواية:
" على صورة الرحمن "
على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. { ثم رددناه أسفل سافلين } أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خلقه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى:
ومن نعمره ننكسه في الخلق
[يس:68] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكل سمعه وبصره.
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، { فلهم أجر غير ممنون } أي: رددناه أسفل السافلين إلا من آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة، خصوصا وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ".
ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: { فما يكذبك بعد بالدين } للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتسويته بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟! أو: بالرسول صلى الله عليه وسلم: أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذبيك. وقيل: من الحكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس من خلق الإنسان وصوره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ".
الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها الأولى شجرة القلب التينية المثمرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله:
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار
[النور:35] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياما بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسم عليه: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أم الروحانيات وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. ه. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله:
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني
وقول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكيا عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأت ليلة { والتين والزيتون } إلى أن انتهيت إلى قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ففكرت في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددنا أسفل سافلين نفسا وهوى. ه. فقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا.. } الخ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
التين 95:8
يقول الحق جل جلاله: { والتين والزيتون } ، أقسم بهما تعالى لما فيهما من المنافع الجمة. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: " كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ". وهو أيضا فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سرد الكبد والطحال. وعن علي بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. ه. وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع لكفى به فضلا. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبا واستاك به. وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة "
وقال:
" هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي "
وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما. { وطور سينين } ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربه عليه، ويقال له: سينين وسيناء. { وهذا البلد الأمين } وهو مكة، شرفها الله، وأمانتها أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. وجواب القسم: { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنس الإنسان { في أحسن تقويم } أي: كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث جعله الله مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفا بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم على صورته "
، وفي رواية:
" على صورة الرحمن "
على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. { ثم رددناه أسفل سافلين } أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خلقه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى:
ومن نعمره ننكسه في الخلق
[يس:68] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكل سمعه وبصره.
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، { فلهم أجر غير ممنون } أي: رددناه أسفل السافلين إلا من آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة، خصوصا وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ".
ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: { فما يكذبك بعد بالدين } للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتسويته بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟! أو: بالرسول صلى الله عليه وسلم: أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذبيك. وقيل: من الحكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس من خلق الإنسان وصوره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال:
" بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ".
الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها الأولى شجرة القلب التينية المثمرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله:
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار
[النور:35] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياما بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسم عليه: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أم الروحانيات وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. ه. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله:
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني
وقول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكيا عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأت ليلة { والتين والزيتون } إلى أن انتهيت إلى قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } ففكرت في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحا وعقلا، ثم رددنا أسفل سافلين نفسا وهوى. ه. فقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا.. } الخ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:1
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم، في أول الوحي: { اقرأ باسم ربك } أي: اقرأ هذا القرآن مفتتحا باسم ربك، أو مستعينا به، فالجار في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك، كأنه قيل له: اقرأ هذا اللفظ. والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى: { الذي خلق } صفة للرب، ولم يذكر له مفعولا لأن المعنى: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كل شيء، فتناول كل مخلوق لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض. وقوله تعالى: { خلق الإنسان } بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله لشرفه، ولأن التنزيل إنما هو إليه، ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، إلا أنه ذكر مبهما، ثم فسر تفخيما لخلقه، ودلالة على عجيب فطرته. قيل: لما ذكر فيما قبل أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك، ذكره هنا منبها على شيء من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة، فإنه تفسير لقوله:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين
[التين:4، 5]، ثم ذكر أصل نشأته بقوله: { من علق } ولم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع. وفيه إشارة إلى أن ابتداء الدين كابتداء خلق الإنسان، كان ضعيفا ثم تقوى شيئا فشيئا حتى انتهى كماله. ثم كرر الأمر بالقراءة بقوله: { اقرأ } أي: افعل ما أمرت به، تأكيدا للإيجاب وتمهيدا لقوله: { وربك الأكرم } فإنه كلام مستأنف، وارد لإزاحة ما أظهر عليه السلام من العذر بقوله: " ما أنا بقارىء " يريد أن القراءة من شأن من يكتب ويقرأ، وأنا أمي، فقيل له: { وربك } الذي أمرك بالقراءة مستعينا باسمه هو { الأكرم } أي: من كل كريم ينعم على عباده بغاية النعم، ويحلم عنهم إذا عصوه، فلا يعاجلهم بالنقم فليس وراء التكرم بهذه الفوائد العظيمة تكرم. { الذي علم } الكتابة { بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة، إلا بالكتابة ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به وفي ذلك يقول ابن عاشر الفاسي:
لله في خلقه من صنعه عجب كادت حقائق في الوجود تنقلب كلم بعين ترى لا الأذن تسمعها خطابها حاضر وأهلها ذهبوا
الإشارة: اقرأ بربك لتكون به في جميع أمورك الذي أظهر الأشياء ليعرف بها، وأظهر المظهر الأكبر وهو الإنسان من علقة مهينة، ثم رفعه بالعلم إلى أعلى عليين، فرفعه من حضيض النطفة الخبيثة إلى ارتفاع العلم والمعرفة، ولذلكم قال: اقرأ وربك الأكرم الذي تكرم عليك وعلمك ما لم تكن تعلم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يكن يعلم. والله تعالى أعلم. ولما لم يشكر الإنسان هذه النعم، زجره تعالى بقوله: { كلا إن الإنسان ليطغى }.
العلق 96:2
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم، في أول الوحي: { اقرأ باسم ربك } أي: اقرأ هذا القرآن مفتتحا باسم ربك، أو مستعينا به، فالجار في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك، كأنه قيل له: اقرأ هذا اللفظ. والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى: { الذي خلق } صفة للرب، ولم يذكر له مفعولا لأن المعنى: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كل شيء، فتناول كل مخلوق لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض. وقوله تعالى: { خلق الإنسان } بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله لشرفه، ولأن التنزيل إنما هو إليه، ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، إلا أنه ذكر مبهما، ثم فسر تفخيما لخلقه، ودلالة على عجيب فطرته. قيل: لما ذكر فيما قبل أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك، ذكره هنا منبها على شيء من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة، فإنه تفسير لقوله:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين
[التين:4، 5]، ثم ذكر أصل نشأته بقوله: { من علق } ولم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع. وفيه إشارة إلى أن ابتداء الدين كابتداء خلق الإنسان، كان ضعيفا ثم تقوى شيئا فشيئا حتى انتهى كماله. ثم كرر الأمر بالقراءة بقوله: { اقرأ } أي: افعل ما أمرت به، تأكيدا للإيجاب وتمهيدا لقوله: { وربك الأكرم } فإنه كلام مستأنف، وارد لإزاحة ما أظهر عليه السلام من العذر بقوله: " ما أنا بقارىء " يريد أن القراءة من شأن من يكتب ويقرأ، وأنا أمي، فقيل له: { وربك } الذي أمرك بالقراءة مستعينا باسمه هو { الأكرم } أي: من كل كريم ينعم على عباده بغاية النعم، ويحلم عنهم إذا عصوه، فلا يعاجلهم بالنقم فليس وراء التكرم بهذه الفوائد العظيمة تكرم. { الذي علم } الكتابة { بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة، إلا بالكتابة ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به وفي ذلك يقول ابن عاشر الفاسي:
لله في خلقه من صنعه عجب كادت حقائق في الوجود تنقلب كلم بعين ترى لا الأذن تسمعها خطابها حاضر وأهلها ذهبوا
الإشارة: اقرأ بربك لتكون به في جميع أمورك الذي أظهر الأشياء ليعرف بها، وأظهر المظهر الأكبر وهو الإنسان من علقة مهينة، ثم رفعه بالعلم إلى أعلى عليين، فرفعه من حضيض النطفة الخبيثة إلى ارتفاع العلم والمعرفة، ولذلكم قال: اقرأ وربك الأكرم الذي تكرم عليك وعلمك ما لم تكن تعلم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يكن يعلم. والله تعالى أعلم. ولما لم يشكر الإنسان هذه النعم، زجره تعالى بقوله: { كلا إن الإنسان ليطغى }.
العلق 96:3
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم، في أول الوحي: { اقرأ باسم ربك } أي: اقرأ هذا القرآن مفتتحا باسم ربك، أو مستعينا به، فالجار في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك، كأنه قيل له: اقرأ هذا اللفظ. والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى: { الذي خلق } صفة للرب، ولم يذكر له مفعولا لأن المعنى: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كل شيء، فتناول كل مخلوق لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض. وقوله تعالى: { خلق الإنسان } بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله لشرفه، ولأن التنزيل إنما هو إليه، ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، إلا أنه ذكر مبهما، ثم فسر تفخيما لخلقه، ودلالة على عجيب فطرته. قيل: لما ذكر فيما قبل أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك، ذكره هنا منبها على شيء من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة، فإنه تفسير لقوله:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين
[التين:4، 5]، ثم ذكر أصل نشأته بقوله: { من علق } ولم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع. وفيه إشارة إلى أن ابتداء الدين كابتداء خلق الإنسان، كان ضعيفا ثم تقوى شيئا فشيئا حتى انتهى كماله. ثم كرر الأمر بالقراءة بقوله: { اقرأ } أي: افعل ما أمرت به، تأكيدا للإيجاب وتمهيدا لقوله: { وربك الأكرم } فإنه كلام مستأنف، وارد لإزاحة ما أظهر عليه السلام من العذر بقوله: " ما أنا بقارىء " يريد أن القراءة من شأن من يكتب ويقرأ، وأنا أمي، فقيل له: { وربك } الذي أمرك بالقراءة مستعينا باسمه هو { الأكرم } أي: من كل كريم ينعم على عباده بغاية النعم، ويحلم عنهم إذا عصوه، فلا يعاجلهم بالنقم فليس وراء التكرم بهذه الفوائد العظيمة تكرم. { الذي علم } الكتابة { بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة، إلا بالكتابة ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به وفي ذلك يقول ابن عاشر الفاسي:
لله في خلقه من صنعه عجب كادت حقائق في الوجود تنقلب كلم بعين ترى لا الأذن تسمعها خطابها حاضر وأهلها ذهبوا
الإشارة: اقرأ بربك لتكون به في جميع أمورك الذي أظهر الأشياء ليعرف بها، وأظهر المظهر الأكبر وهو الإنسان من علقة مهينة، ثم رفعه بالعلم إلى أعلى عليين، فرفعه من حضيض النطفة الخبيثة إلى ارتفاع العلم والمعرفة، ولذلكم قال: اقرأ وربك الأكرم الذي تكرم عليك وعلمك ما لم تكن تعلم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يكن يعلم. والله تعالى أعلم. ولما لم يشكر الإنسان هذه النعم، زجره تعالى بقوله: { كلا إن الإنسان ليطغى }.
العلق 96:4
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم، في أول الوحي: { اقرأ باسم ربك } أي: اقرأ هذا القرآن مفتتحا باسم ربك، أو مستعينا به، فالجار في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك، كأنه قيل له: اقرأ هذا اللفظ. والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى: { الذي خلق } صفة للرب، ولم يذكر له مفعولا لأن المعنى: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كل شيء، فتناول كل مخلوق لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض. وقوله تعالى: { خلق الإنسان } بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله لشرفه، ولأن التنزيل إنما هو إليه، ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، إلا أنه ذكر مبهما، ثم فسر تفخيما لخلقه، ودلالة على عجيب فطرته. قيل: لما ذكر فيما قبل أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك، ذكره هنا منبها على شيء من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة، فإنه تفسير لقوله:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين
[التين:4، 5]، ثم ذكر أصل نشأته بقوله: { من علق } ولم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع. وفيه إشارة إلى أن ابتداء الدين كابتداء خلق الإنسان، كان ضعيفا ثم تقوى شيئا فشيئا حتى انتهى كماله. ثم كرر الأمر بالقراءة بقوله: { اقرأ } أي: افعل ما أمرت به، تأكيدا للإيجاب وتمهيدا لقوله: { وربك الأكرم } فإنه كلام مستأنف، وارد لإزاحة ما أظهر عليه السلام من العذر بقوله: " ما أنا بقارىء " يريد أن القراءة من شأن من يكتب ويقرأ، وأنا أمي، فقيل له: { وربك } الذي أمرك بالقراءة مستعينا باسمه هو { الأكرم } أي: من كل كريم ينعم على عباده بغاية النعم، ويحلم عنهم إذا عصوه، فلا يعاجلهم بالنقم فليس وراء التكرم بهذه الفوائد العظيمة تكرم. { الذي علم } الكتابة { بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة، إلا بالكتابة ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به وفي ذلك يقول ابن عاشر الفاسي:
لله في خلقه من صنعه عجب كادت حقائق في الوجود تنقلب كلم بعين ترى لا الأذن تسمعها خطابها حاضر وأهلها ذهبوا
الإشارة: اقرأ بربك لتكون به في جميع أمورك الذي أظهر الأشياء ليعرف بها، وأظهر المظهر الأكبر وهو الإنسان من علقة مهينة، ثم رفعه بالعلم إلى أعلى عليين، فرفعه من حضيض النطفة الخبيثة إلى ارتفاع العلم والمعرفة، ولذلكم قال: اقرأ وربك الأكرم الذي تكرم عليك وعلمك ما لم تكن تعلم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يكن يعلم. والله تعالى أعلم. ولما لم يشكر الإنسان هذه النعم، زجره تعالى بقوله: { كلا إن الإنسان ليطغى }.
العلق 96:5
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم، في أول الوحي: { اقرأ باسم ربك } أي: اقرأ هذا القرآن مفتتحا باسم ربك، أو مستعينا به، فالجار في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك، كأنه قيل له: اقرأ هذا اللفظ. والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى: { الذي خلق } صفة للرب، ولم يذكر له مفعولا لأن المعنى: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كل شيء، فتناول كل مخلوق لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض. وقوله تعالى: { خلق الإنسان } بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله لشرفه، ولأن التنزيل إنما هو إليه، ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، إلا أنه ذكر مبهما، ثم فسر تفخيما لخلقه، ودلالة على عجيب فطرته. قيل: لما ذكر فيما قبل أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك، ذكره هنا منبها على شيء من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة، فإنه تفسير لقوله:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين
[التين:4، 5]، ثم ذكر أصل نشأته بقوله: { من علق } ولم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع. وفيه إشارة إلى أن ابتداء الدين كابتداء خلق الإنسان، كان ضعيفا ثم تقوى شيئا فشيئا حتى انتهى كماله. ثم كرر الأمر بالقراءة بقوله: { اقرأ } أي: افعل ما أمرت به، تأكيدا للإيجاب وتمهيدا لقوله: { وربك الأكرم } فإنه كلام مستأنف، وارد لإزاحة ما أظهر عليه السلام من العذر بقوله: " ما أنا بقارىء " يريد أن القراءة من شأن من يكتب ويقرأ، وأنا أمي، فقيل له: { وربك } الذي أمرك بالقراءة مستعينا باسمه هو { الأكرم } أي: من كل كريم ينعم على عباده بغاية النعم، ويحلم عنهم إذا عصوه، فلا يعاجلهم بالنقم فليس وراء التكرم بهذه الفوائد العظيمة تكرم. { الذي علم } الكتابة { بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة، إلا بالكتابة ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به وفي ذلك يقول ابن عاشر الفاسي:
لله في خلقه من صنعه عجب كادت حقائق في الوجود تنقلب كلم بعين ترى لا الأذن تسمعها خطابها حاضر وأهلها ذهبوا
الإشارة: اقرأ بربك لتكون به في جميع أمورك الذي أظهر الأشياء ليعرف بها، وأظهر المظهر الأكبر وهو الإنسان من علقة مهينة، ثم رفعه بالعلم إلى أعلى عليين، فرفعه من حضيض النطفة الخبيثة إلى ارتفاع العلم والمعرفة، ولذلكم قال: اقرأ وربك الأكرم الذي تكرم عليك وعلمك ما لم تكن تعلم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يكن يعلم. والله تعالى أعلم. ولما لم يشكر الإنسان هذه النعم، زجره تعالى بقوله: { كلا إن الإنسان ليطغى }.
العلق 96:6
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:7
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:8
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:9
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:10
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:11
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:12
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:13
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:14
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:15
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:16
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:17
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:18
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
العلق 96:19
يقول الحق جل جلاله: { كلا } ، هو ردع لمحذوف، دل الكلام عليه، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق، وعلمته ما لم يعلم ليشكر تلك النعمة الجليلة، فكفر وطغى، كلا لينزجر عن ذلك { إن الإنسان ليطغى } يجاوز الحد ويستكبر عن ربه. قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل بعد زمان، وهو الظاهر. وقوله: { أن رآه استغنى } مفعول له، أي: ليطغى لرؤية نفسه مستغنيا، على أن " استغنى " مفعول لرأى، لأنه بمعنى علم، ولذلك شاع كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في " ظننتني وعلمتني " وإن جوزه بعضهم في الرؤية البصرية أيضا، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: " رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان، الماء والتمر " ، والمشهور أنه خاص بأفعال القلوب. وحاصل الآية: أن سبب طغيان الإنسان هو استغناؤه بالمال، وسبب تواضعه هو فقره. ثم هدد الإنسان وحذره من عاقبة الطغيان، على طريق الالتفات، فقال: { إن إلى ربك الرجعى } أي: الرجوع فيجازيك على طغيانك. { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } أي: أرأيت أبا جهل ينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وهو تشنيع بحاله، وتعجيب منها، وإيذان بأنه من البشاعة والغرابة بحيث يراها كل من يأتي منه الرؤية. روي أن أبا جهل كان في ملأ من قريش، فقال: لئن رأيت محمدا لأطأن عنقه، فرأه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: مالك؟ فقال: حال بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لو دنا مني لاختطفته الملائكة ".
وتنكير العبد تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والرؤية هنا بصرية، وأما في قوله: { أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } وفي قوله: { أرأيت إن كذب وتولى } فعلمية، أي: أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرائي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب. قال في الكشاف: قوله تعالى: الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأول، والجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد، فلا تحتاج إلى مفعول. وقوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } هو جواب قوله: { إن كذب وتولى } ، وجواب قوله: { إن كان على الهدى } محذوف، يدل عليه جواب قوله: { إن كذب وتولى } فهو في المعنى جواب للشرطين معا. والضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للناهي، وهو أبو جهل، وكذا في قوله: { إن كذب وتولى } ، والتقدير على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله، فمقصود الآية: تهديد له وزجر، وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: { إن كذب وتولى } للناهي، وخالفه في جعل " أرأيت " الثانية مكررة للتأكيد فقال: " أرأيت " في المواضع الثلاثة توقيف، وأن جوابها في المواضع الثلاثة: قوله: { ألم يعلم بأن الله يرى } فإنه يصلح مع كل واحدة منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اقتصارا. انظر ابن جزي. وما قاله ابن عطية أظهر، فكأنه تعالى حاكم قد حضره الخصمان، يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال: يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى، ثم أقبل على الآخر، فقال: أرأيت إن كذب. الخ. وقال الغزنوي: جواب { إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى } محذوف، تقديره: أليس هو على الحق واتباعه واجب، يعني: فكيف تنهاه يا مكذب، متولي عن الهدى، كافر، ألم تعلم أن الله يراك. ه. { كلا } ، ردع للناهي عن عبادة الله { لئن لم ينته } عما هو عليه { لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصية ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. وكتبها في المصحف بالألف على حكم الوقف. واكتفى بلام العهد عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور، ثم بينها بقوله: { ناصية كاذبة خاطئة } فهي بدل وإنما صح بدلها من المعرفة لوصفها، ووصفها بالكذب والخطأ على المجاز، وهما لصاحبهما. وفيه من الجزالة ما ليس في قوله: ناصية كاذب خاطىء. { فليدع ناديه } ، النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فقال: ألم أنهك؟ فأغلط له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟ فنزلت. { سندع الزبانية } ليجروه إلى النار. والزبانية: الشرط، واحدة: زبنية أو زبنى، من الزبن، وهو الدفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا ".
{ كلا } ، ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي: أثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله:
فلا تطع المكذبين
[القلم:8] { واسجد } واظب على سجودك وصلاتك غير مكترث { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك. الإشارة: كل من أنكر على المتوجهين، الذين هم على صلاتهم دائمون، يقال في حقه: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى.. إلى آخر الآيات. ويقال للمتوجه: لا تطعه واسجد بقلبك وجوارحك، وتقرب بذلك إلى مولاك، حتى تظفر بالوصول إليه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.