الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه — البقرة 2:62 – الصف 61:11
المحتويات
- البقرة 2:62
- البقرة 2:83
- البقرة 2:104
- البقرة 2:109
- البقرة 2:115
- البقرة 2:144
- البقرة 2:159
- البقرة 2:178
- البقرة 2:180
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:187
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:194
- البقرة 2:196
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:219
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:226
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:238
- البقرة 2:240
- البقرة 2:256
- البقرة 2:280
- البقرة 2:282
- البقرة 2:284
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- النساء 4:3
- النساء 4:6
- النساء 4:8
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:29
- النساء 4:33
- النساء 4:43
- النساء 4:63
- النساء 4:71
- النساء 4:90
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:101
- النساء 4:116
- المائدة 5:2
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:13
- المائدة 5:33
- المائدة 5:42
- المائدة 5:89
- المائدة 5:95
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:106
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:152
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:199
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:72
- التوبة 9:1
- التوبة 9:2
- التوبة 9:5
- التوبة 9:28
- التوبة 9:34
- التوبة 9:41
- التوبة 9:43
- التوبة 9:60
- التوبة 9:80
- التوبة 9:97
- التوبة 9:98
- التوبة 9:103
- التوبة 9:120
- يونس 10:41
- يونس 10:109
- هود 11:15
- يوسف 12:101
- الحجر 15:85
- النحل 16:67
- النحل 16:91
- النحل 16:106
- النحل 16:125
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:35
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:110
- مريم 19:26
- مريم 19:71
- طه 20:2
- الأنبياء 21:78
- الأنبياء 21:98
- الأنبياء 21:99
- الأنبياء 21:100
- الحج 22:28
- الحج 22:39
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:2
- النور 24:2
- النور 24:3
- النور 24:4
- النور 24:5
- النور 24:27
- النور 24:31
- النور 24:58
- النور 24:61
- الفرقان 25:63
- الشعراء 26:227
- القصص 28:55
- العنكبوت 29:46
- لقمان 31:14
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الصافات 37:102
- ص 38:17
- ص 38:33
- ص 38:44
- الزمر 39:39
- الزمر 39:41
- الزمر 39:53
- غافر 40:7
- فصلت 41:40
- الشورى 42:15
- الشورى 42:20
- الشورى 42:23
- الشورى 42:39
- الشورى 42:42
- الزخرف 43:89
- الجاثية 45:14
- الأحقاف 46:9
- محمد 47:4
- محمد 47:35
- الفتح 48:1
- ق 50:39
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:54
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:29
- النجم 53:39
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:12
- الحشر 59:7
- الصف 61:8
- الصف 61:10
- الصف 61:11
البقرة 2:62
قولُه تعالى: ﴿إنَّ الذِينَ آمَنُوا والَّذِين هَادُوا﴾ إلى قوله ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾.
أكثرُ العلماء على أنها محكمةٌ، ونزلَت في مَن كان قبلَ بَعْث النبي ﷺ منهم.
وروَى (عليُّ بنُ أبي طلحة) عن ابن عباس أنه قال: هي منسوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسلامِ ديناً فلَن يُقْبَلَ مِنه﴾ [آل عمران: 85] - الآية -.
والصَّوابُ أن تكونَ مُحْكَمةً؛ لأنها خبرٌ مِن الله بما يفعلُ (بعبادِه) الّذينَ (كانوا) على أديانِهم قبلَ مَبْعَثِ النبي ﷺ.
وهذا لا يُنْسَخُ. لأَِنَّ الله لا يضيعُ أجرَ مَن أحسن عملاً من الأوَّلين والآخرين.
البقرة 2:83
قوله تعالى: ﴿وقُولُوا للنَّاسِ حُسْناً﴾:
من قال: إن معنى الآية: سالموا الناسَ وقابلوهم بالقول الحَسَنِ جعلَها منسوخةً بآيةِ السَّيفِ - وهو قولُ قتادة -.
ومن قال معناها: مُروهم بالمعروف وانهوهُم عن المنكر (قال: هي محكمةٌ، إِذْ لا يَصْلُح نسخُ الأمر بالمعروف والنَّهيِ عن المنكر، - وهو قولُ عطاء -).
البقرة 2:104
قوله تعالى: ﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا﴾:
هذه الآية - عندَ عطاء - ناسخةٌ لما كانَ عليه الأنصارُ في الجاهليَّة وبُرهةً من الإِسلام، كانوا يقولون للنبي ﷺ: راعِنا سمعَك، أي، فَرِّغْ لنا سمعَك لما نقولُ لك. وكانت هذه الكلمةُ عندَ اليهود سبّاً فنسخَها الله من كلامِ المسلمين، ونهى أن تقالَ لئَلاّ يجدَ اليهود سبباً إلى سبِّ النبي - عليه السلام -.
وقد كان حقُّ هذا ألاّ يُذْكَرَ في الناسخ لأنهُ لم يَنْسَخ قرآناً؛ إنما نَسَخ ما كانوا (عليه). وأكثرُ القرآن على ذلك. وقد بيَّنا هذا.
البقرة 2:109
قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا واصْفَحُوا حتَّى يأتِىَ اللهُ بأَمْرِه﴾.
هذه الآيةُ - عند السُّدِّي - منسوخَةٌ بالأمرِ بالقتالِ في (سورة) براءَة وغيرِها، وقد أعلمَنا اللهُ في نَصِّها أنه سيأتي بأمره وينسخُها.
وقد قال جماعةٌ: إنها ليست مِن هذا البابِ، (ولا) نسخَ فيها، لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد جعلَ (للعفو والصَّفح) أَجلاً بقولِه: ﴿حتّى يأتىَ الله بأمرِه﴾. فهو فرضٌ أَعلَمَنا (الله) أنه سينقُلُنا عنه في وقتٍ آخر. والمنسوخُ لا يكونُ محدوداً بوقتٍ، إنما يكون مُطلقاً.
(قال أبو محمد): والقولُ بأنها منسوخةٌ أَبْيَن لأنَّ الوقتَ الّذي تعلَّقَ به الأمرُ بالعفوِ والصَّفْح غيرُ معلوم حَدُّه وأَمَدُه.
ولو حَدَّ الوقتَ وبيَّنه فقال: إلى وقتِ كذا لكان كونُ الآيةِ غيرَ (منسوخة) أبين.
وكِلا القولين حسنٌ - إن شاء الله -.
البقرة 2:115
قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾
ظاهرُ هذا يَدُلُّ على جوازِ الصَّلاةِ إلى كُلِّ جهةٍ من شرقٍ وغربٍ وغيرِه.
وهو منسوخٌ - عند مالك وأصحابه - بقوله: ﴿فولِّ وجهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرام﴾ [البقرة: 144، 149، 150] فيكونُ هذا مما نُسِخَ قبل العمل به؛ لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ ولا أصحابُه صلَّوا في سفرٍ ولا حضرٍ فريضةً إلى حيثما توجَّهوا. ونَسْخُها بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام﴾ وهو أيضاً قولُ قتادة، وابنُ زيد، وهو مرويٌّ عن ابن عباس والحسن.
وللعلماء في هذه الآية خمسة أقوال غيرَ القول الذي ذكرنا:
الأول: قولُ مجاهد والضحاك: قالا: هي ناسخةٌ للصَّلاة إلى بيت المقدس لأن اليهودَ أنكروا رجُوعَ النبي ﷺ إلى الكعبةِ وتركَ بيت المقدس، وقالوا: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ التِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ [البقرة: 142] فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمغْرِبُ﴾ وأنزل تعالى: ﴿فأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ الله﴾ [البقرة: 115] أي: فثمّ جِهةُ الله التي أمر بها.
وقيل: الذين أنكروا ذلك همُ العربُ الكفارُ، وهم السّفهاء.
الثاني: قول النخعي: قال: هي مخصوصةٌ محكمةٌ نزلت فيمن جَهِل القبلةَ له أن يُصَلِّي أينما تَوَجَّه ولا إعادةَ عليه. وعليه الإِعادةُ عند مالك وأصحابه في الوقت. وهو خارجٌ عن الأصول.
الثالث: قاله بعضُ أهل المعاني: قالوا هي محكمةٌ مخصوصةٌ في صلاةِ النبيِّ ﷺ على النجاشي حينَ صلَّى عليه، واستقبل جِهَتَهُ إلى غيرِ قبلة، فهي خصوصٌ للنبي - عليه السلام -.
الرابع: قاله بعضُ أهل المعاني، قالوا: الآيةُ مخصوصةٌ في الدُّعاء، ومعناها: ادعوا كيف شِئْتُم مستقبلين القبلةَ وغيرَ مستقبلين، الله يسمع ذلك كُلَّه.
الخامس: قيل إنها مخصوصةٌ في صلاةِ المسافر للنوافل على راحِلَته، يُصَلِّي أينما توجَّهت به راحِلَتُه، وهو جارٍ على مذهب مالك وأصحابه.
البقرة 2:144
قوله تعالى: ﴿فولِّ وَجْهَكَ شطرَ المسجدِ الحرامِ وحَيْثُما كُنتم فولُّوا وجوهَكُم شطرَه﴾:
هذه الآيةُ عند أكثرِ (المفسرين) وأهلِ المعاني ناسخةٌ (لِلصّلاة إلى بيتِ) المقدسِ، وهي عندَهم أَوَّلُ ما نُسِخ.
وإذا (كان) هذا أَوَّلَ ناسخٍ ومنسوخٍ - على قول جميعِهم - والناسخ والمنسوخ مدنيُّ - فواجبٌ أن لا يكونَ ناسخٌ ومنسوخٌ مكيّاً؛ إِذ أَوَّلُ النسخِ عندَهُم إنّما حدَث بالمدينة، وكان نسخُ القبلةِ بعدَ الهجرة بستَّةَ عشرَ شهراً، وقيل سبعةَ عشَرَ شهراً، إلا أن يكونوا أرادوا بقولِهم (هذا): أَوَّلَ ناسخٍ ومنسوخٍ، يعنون: بالمدينة، فيجوز أن يكون ثَمَّ مكيٌّ نَسَخَ مكِّياً. ولم أَجدْه مجمعاً عليه، وسترى ما وجَدْتُ منه.
واختُلِفَ في صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ إلى بيتِ المقدس، هل كان بأمرٍ من الله - عزَّ وجلَّ - أو باختيارِه؟
فقال جماعةٌ: كانَ بأمرٍ مِن الله، بدليل قوله: ﴿وما جَعَلْنَا القِبْلَةَ التي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ - يعني بيتَ المقدس -
وقد قيل: القِبلَةُ في هذه الآية: الكعبة، و"كُنْتَ": بمعنى: أنت. فلا حُجَّةَ فيه لمن استدلَّ به على أَن النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدِس بأمرٍ (مِن) الله - على هذا القول -؛ لأَِنَّ القبلةَ في قوله: ﴿الَّتى كُنْتَ عليها﴾ مرادٌ بها الكعبة.
(وعلى) القول الأول، يراد بها بيتُ المقدس.
و"كنتَ" بمعنى: أنت، جائزٌ على أن (تكون "كان" زائدةً). وقد قيل في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ﴾ معناه: أنتُم خيرُ أُمَّة.
قال ابنُ زيد: كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه بِمكَّةَ يُصَلُّونَ نحو الكعبة ثمانيَ سنين. قال وكانوا يُصَلُّونَ ركعتيْنِ بالغداةِ وركعَتيْنِ بالعشيّ، فلما فَرَضَ اللهُ "خمسَ صلواتٍ"؛ إِذْ عَرَجَ النبيُّ ﷺ صارت الركعتان لِلمسافر. قال: فلما هاجَرَ النبيُّ - عليه السلام - إلى المدينة أَمرَه (الله - عزَّ وجيل -) بالصَّلاة نحو بيتِ المقدس.
وعنه أيضاً أنه قال: لما قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ، قال: ما ندري أين نتوجه؟ فأنزل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ المشرقُ والمغربُ فأينما تُولُّوا فَثَمَّ وجهُ الله﴾ [البقرة: 115] فصلّى النبي ﷺ نحوَ بيتِ المقدس ستَّةَ عشَرَ شهراً، فتكلَّمَت اليهودُ فقالوا: ما درى محمدٌ وأصحابُه. ولا اهتدوا لِقِبْلَتِهم إلا بنا، فشقَّ ذلك على النبيِّ - عليه السلام فَنَسَخَ اللهُ القبلةَ، (وأَمرَه) بالصَّلاة نحو الكعبة.
وقال ابنُ حبيب: كان الله - جلّ وعزَّ - قد أَمرَ نبيَّه أن يقتدِيَ بمن كان قبلَه من الأنبياء، يريدُ بقوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: 90]. قال: فلمَّا قَدِمَ النبي ﷺ المدينةَ صلّى نحو البيت المقدس؛ لأنها كانت قبلةَ جماعةٍ من الأنبياء قبلَه. ثم شقَّ على النبي قولُ اليهود في القبلةِ. فنسخَ اللهُ ذلك بالكعبة.
وقد قيل: إن الله - جلَّ ذكرُه - كان قد فرضَ على إبراهيم [- خليله - الصَّلاَةَ نحو الكعبة، ودلَّ (على) ذلك قولُه ﴿واتَّخذُوا مِن مَقام إبراهِيم] مُصَلَّى﴾ - على قراءة من قرأ بفتح الخاء - على الخبر -.
ثم أمر الله نبيّه - بغير قرآن - بالصَّلاة نحو بيت المقدس، فصلَّى نحوها (بضعةَ عشرَ) شهراً، وكان يُحِبُّ التَّوَجُّهَ إلى الكعبةِ.
فَنَسَخَ (الله) الصَّلاة نحو بيتِ المقدس بالصَّلاة إلى الكعبةِ، فصار المنسوخُ ناسخاً لِما نسخَه اللهُ قبلُ. وهذا قليلُ النَّظير في الناسخ والمنسوخ.
فهذا كُلُّه يدُلُّ على أن الصلاةَ نحو بيتِ المقدس [كان بأمرِ الله له، فهو نَسْخُ قرآن بقرآن.
وقد رُوِيَ أن الأنصارَ (صلَّت نحو بيت المقدس] قبلَ قدوم النبي ﷺ حَوْلين).
فلما قَدِمَ النبي ﷺ صلّى نحو (بيتِ المقدس) بضعةَ عشرَ شهراً، وكانت نفسُه تائقةً إلى قِبلة أبيه إبراهيم. فأمره اللهُ باستقبالها.
وقيل: بل صلَّى نحو بيتِ المقدِس لِيَتأَلَّفَ بذلك اليهود؛ وذلك أنه هاجرَ إلى المدينة، وكان أكثرُ أهلِها ومَنْ حواليها اليهودَ، فصلَّى نحو بيتِ المقدس، ليتألَّفَ بذلك اليهودَ، فطعنوا في ذلك وتكلَّموا فيه بما شقَّ على النبيِّ وأصحابِه. فأمر اللهُ بالصلاةِ نحو الكعبةِ.
فيكون - على هذا القولِ - مِن نَسْخِ السُّنة بالقرآن -.
والشَّطْر: النحو - في الآية -.
البقرة 2:159
قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يكتمونَ ما أنزلنا من الْبَيِّنَات والهُدَى مِن بعدِ ما بيَّناه للنَّاس في الكتاب أُولئِك يلعنُهم الله ويلعنُهُمُ اللاَّعِنُون﴾
ذكر ابنُ حبيبٍ أنه منسوخٌ بقوله: ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: 160].
وهذا غلطٌ ظاهرٌ، ليس هو من الناسخ والمنسوخ؛ إنما هو استثناءٌ - استثنى الله جلّ ذِكرُه - في التائبين من الموصوفين قبلَه.
ولا يحسنُ أن يقالَ في الاستثناء إنه نسخٌ؛ لأَِنَّ الاستثناءَ لا يكون إلاَّ بحرفٍ [يدُلُّ على معنى استثناءِ] كذا ولا يكونُ الاستثناءُ إلا لبيانِ الأعيان.
والنَّسخُ إنّما هو لبيانِ الأزمان التي انتهى إليها الفرضُ الأَوَّل، وابتدأ منها الفرضُ الثاني. وقد بيَّنا هذا فيما تقدَّم.
وكذلك ذكر ابنُ حبيب آياتٍ كثيرةً من الاستثناء أدخلَها في الناسخ والمنسوخ. وهو وَهْمٌ ظاهر.
البقرة 2:178
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكُمُ القِصاصُ في القتلى﴾ الآية.
يجبُ مِن ظاهِر لفظِ الآية أن لا يُقْتَلَ الرَّجُلُ بالمرأة، ولا المرأةُ بالرَّجُل، ولا العبدُ بالحُرِّ (ولا الحُرُّ بالعبد).
وقال ابن عباس: هذا منسوخٌ بقوله في المائدة: ﴿النَّفْس بالنَّفْس﴾ [المائدة: 45].
فهذه (الآيةُ) أَوْجَبَت قَتْلَ الرَّجُلِ بالمرأةِ، والمرأةِ بالرَّجُل، والعبدَ بالحُرِّ، وهذا لا يجوزُ عند جماعةٍ مِن العلماء؛ لأَنَّ ما فرضَه الله علينا لا ينسخُه ما حكى اللهُ لنا من شريعةِ غيرِنا؛ إنّما أخبرنا الله - في المائدةِ - بما شَرَع لِغيرنا، لم يفرضْه علينا، فيكونَ ناسخاً لما تقدَّم من سُنَّةِ الفرضِ علينا.
وَلكِنْ: الآيتانِ مُحْكمتان لا نسخَ في واحدةٍ منهما، على ما نبيِّنُه بعد - إن شاءَ الله تعالى -.
وفي هذه الآية أَربعةُ أقوالٍ غير (القول الأول) الذي ذكرناه:
الأول: قاله الشعبي وغيرُه، قالوا: آيةُ البقرةِ مخصوصةٌ نزلت في قوم تقاتلوا، فقُتِلَ منهم خلقٌ كثيرٌ وكانت إحدى الطَّائفتين أعزَّ من الأُخرى، فقالت العزيزةُ: لا يُقتلُ العبدُ منّا إلا بالحرِّ مِنكُم، ولا بالأنثى منّا إلا بالرَّجلُ منكُم، فنزلت الآيةُ في ذلك، ثم هي في كُلِّ مَن أراد أن يفعلَ كفِعْلِهِم، فهي محكمة.
الثاني: قاله السُّدِّي، قال: هي مخصوصةٌ في فريقين تقاتلا على عهدِ النبي - عليه السلام - ووقع بينَهما قتلى، فأمر النبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - أن يفادَى بينهم، ديّاتُ النّساء بديّات النّساء، وديّات الرّجال بديّات الرّجال، فهي في شيءٍ بعينِه، (وهي تعَبُّدٌ) لمن يأتي بعدَهم، فهي محكمة.
الثالث: قاله الحسنُ البصريُّ، قال: نزلت آيةُ البقرةِ في نسخِ التَّراجُع الذي كانوا يفعلونَه، وذلك أنهم كانوا يَحْكُمون فيما بينَهم أَنَّ الرّجُلَ (إذَا قتل امرأةً، كان أولياءُ المرأة بالخيار، إن شاؤوا قتلوا الرَّجُلَ)، وأَدَّوْا نصفَ دِيَتِه، وإن شاؤا أخذوا نصفَ دِيَة رجل. وإذا قتلت المرأة رجلاً، كان أولياء الرجل مخيّرين إن شاءوا قتلوا المرأة وأخذوا نصف دية الرجل وإن شاءوا أخذوا الدِّيَة كاملةً، ولم يقتلوا المرأةَ، فنسخَ اللهُ ذلك مِن فِعْلِهم. وقد روي هذا القولُ عن عليٍّ - رضي الله عنه - فتكونُ هذه الآيةُ - على هذا القول - محكمةً ناسخةً لما كانوا يفعلونه.
الرابع: قاله أبو عبيد، قال: (آيةُ المائدة مفسِّرةٌ لآية البقرة؛ لأن أَنْفُسَ) الأحرارِ متساويةٌ فيما بينَهم.
وعلى هذا أكثرُ الفقهاء.
يُقْتَلُ الحرُّ بالحرِّ والأنثى بالأنثى بآية البقرة وآية المائدة.
ويقتلُ الرَّجلُ بالمرأة، والمرأةُ بالرَّجُلِ بآية المائدة.
والآيةُ - عند مالك - محكمةٌ، ورُوِي عنه أنه قال: أَحسنُ ما سمعنا في هذه الآية، أنها يُراد بها الجِنسُ، الذَّكَرُ والأنثى فيه سواء. وأشار أَبو عبيدٍ إلى أَن قولَه هو مذهبُ ابن عباس.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيءٌ فاتِّباعٌ بالمعروفِ﴾ [البقرة: 178] - الآية -:
قال مؤلفو النّاسخ والمنسوخ: هذا ناسخٌ لما كان عليه بنو إسرائيل من امتناع أخذِ الدِّيَةِ، فخفَّف الله عن هذه الأُمَّة، وأباحَ لهم العفوَ عن القاتل عَمْداً وأَخْد الدِّيَة.
(قال أبو محمد): وقد كان يجبُ أَلاَّ (يَذكروا) هذه الآيةَ وشبهَهَا في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها كآي القرآن كُلِّها التي نَسَخَت شرائعَ الكفارِ وأهلِ الكتاب، ولو نسخَت آيةً أخرى (لوجبَ) ذكرُها. وقد بيّنا هذا.
وفي هذه الآية إشكالٌ - على مذهب مالك - نُبَيِّنهُ إن شاء الله تعالى: المعروفُ مِن مذهبِ مالكٍ وأَصحابِه: أن المعفوَّ له بالديّة وليُّ الدَّم، عُفِيَ له بديّة أُعْطِيَها عِوَضاً من قتل القاتل (فَقبِلَها) والعافي: القاتل عفا عن نفسه بأن بذل الديّة.
والتقدير: فمن أُعْطيَ ديّة فقبِلَها فعليه أن يتبعَ المعْطِيَ بالمعروف، وعلى المعطي أن يُؤدِّيَ ما بذل بإحسانٍ.
فـ "مَنْ". في قوله: ﴿فَمنْ عُفِيَ له﴾: اسم وليّ الدم.
فاتِّباعٌ بالمعروف: أَمرٌ للوليّ أن يَتْبَعَ القاتلَ فيما بذلَ له من الدِّيَة بمعروف.
(وقولُه): وأداءٌ إليه بإحسان: أَمْرٌ للقاتِل أُمِرَ أَن يُؤدِّيَ إلى الوَليِّ ما بذلَ له من الدِّية بإحسان.
وفي رجوع الهاءات بيانُ هذا المعنى: فالهاء في "له" وفي "أخيه"، وفي "إليه" يعُدْنَ على الوليّ.
والأخُ: هو القاتل.
وعفي له - على هذا القول - معناه: يُسِّرَ.
(فهذا مذهب مالكٍ وأصحابه).
وقال عبدُ العزيز بنُ أَبي سلمَة: معناها:
من أُعطِيَ لَه (من أخيه شيءٌ مِن) العَقْلِ فرضيَ به فِلْيَتْبَعْهُ بالمعروف، وليؤدِّهِ إليه القاتلُ بإِحسان.
ومذهبُ غيرِ مالكٍ:
أن المعفوَّ له: هو القاتِل.
والعافي: وليُّ الدم.
وعفي: بمعنى: ترك - على هذا القول -.
فاتباع بالمعروف: أمر للوليِّ - مثلُ القول الأول -.
وأَداء إليه بإحسان: أمرٌ للقاتل - كالقول الأول -.
والأخ - في هذا القول -: وليُّ الدم.
و "مَنْ" - في هذا القول -: اسم (القاتل)..
والهاء في "له" وفي "أخيه" - على هذا القول -: تعودان على القاتل.
والهاء في "إليه" (تعود) على الوليِّ - كالقول الأول -.
فأما الترجيح بين المذهبين فليس هذا موضِع ذِكْرِه.
وقد قال مالك في قوله تعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَا الّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكَاح﴾ [البقرة: 237]:
إن العافي: الوليّ بِتَرْكِ ما وجب لابنتِه البكر أو لأَِمَتِه سُمِّيَ عافياً، لأنهُ تركَ ما وجبَ له، وهو ضدُّ قوله في هذه الآية.
وقال غيرُه: العافي: هو الزوج.
(قال أبو محمد): ولا عفوَ (له) إذا أَدَّى ما عليه.
وهو ضدُّ قوله (في) آية القتل.
فَكُلُّ واحدٍ على ضِدِّ قولِه في الآية الأخرى.
وإنما شرحْتُ معناها على المذهبين؛ لأني ما رأيتُ أحداً بيَّن ذَلِك ولا كَشفه.
البقرة 2:180
قوله تعالى: ﴿الوَصِيَّةُ للوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِين﴾:
الأشهرُ في هذه الآية أنها منسوخةٌ. واختُلِفَ في الناسخ لها ما هو؟ فَمَن أجاز أن تنسخ السُّنةُ المتواترةُ القرآنَ قال: نسخ فرضَ الوصية للوالدين ما تواتر نقلُه من قول النبي ﷺ: "لا وصيَّةَ لوارث". - وقد حكاه أبو الفرج عن مالك كذلك -. ونسخت آية المواريث فرضَ الوصِيَّة للأقربين.
ومن منع نسخ القرآن بالسُّنة قال:
نُسِختْ الوصِيَّةُ للوالِدَيْن بقوله: ﴿ولأَبويْهِ لِكُلِّ واحد منهما السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] - وكذلك قال مالك في الموطأ - ونُسخت الوصيَّةُ للأقربين بالمواريث.
ولا حُجَّةَ لمن قال هذا على من قال له: ولمَ (لا) تثبت الوصيَّةَ والفرضَ لهما؟ - لأنَّه مُطْلَقٌ في الموضعين (لم يقل: لا شيء) لوالديه إلا السُّدسان فيكون ناسخاً للوصية. إنما قال: لهما السدسان فرضاً، وقال: لهما الوصية -.
(فلا) بُدَّ من استعمال قولِ النبي ﷺ: "لا وصيَّة لوارث".
وقد يحتجُّ مَن قال: نَسختْ آيةُ المواريث الوصيَّةَ بأن المواريث قد حدَّ فيها قدراً معروفاً، والوصيَّةُ لم يحُد فيها قدراً معروفاً، فكان المحدود أولى من غير المحدود، وله من الحجَّةِ غيرُ ذلك.
وقد روى ابنُ وهبٍ وابنُ القاسم عن مالك أنه قال: نزلَت هذه الآيةُ قبل الفرائض، ثم أنزل اللهُ فرائضَ المواريث، فنسخَت المواريثُ الوصيةَ للوالدين ولكل وارث، إلا أن يأذنَ الورثةُ - وكذلك قال ابنُ شهاب والحسنُ وعطاء وزيد بن أسلم -.
وقيل: الأحسنُ: أن يكونَ نسخَ الوصيةَ للوالدين قولُهُ: "لا وصيةَ لوارث". لأن الله لما ذكر فرض الوالديْن، قال بعدَه: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فقد كان يجوز أن يُثْبِتَ لهما الفرضَ المذكورَ مِن بعد ما يوصي لهما به بنصِّ القرآن، فَنَسْخُ الوصية للوالدين بآية المواريث فيه إشكال لاتِّصال قوله: ﴿مِن بعدِ وصيَّةٍ يوصي بها أو ديْن﴾ بفرضِ الوالديْن. فالنَّسخُ بالسنّة أولى به إِذْ لا إشكالَ في ذلك.
- على أنه قد أجمعَ (المفسرون) أنّ قولَه: ﴿الوصيّةُ للوَالِدَيْن﴾ نزل قبل نزولِ آيةِ المواريثِ، ففي هذا قُوَّةٌ لِنسخِ الوصيَّة للوالديْن بآيةِ المواريث -.
وكذلك الكلام في نسخ الوصيَّة للزّوجات، في قوله: ﴿وصيّةً لأَزوَاجِهِم﴾ [البقرة: 240]؛ لأن بعدَ فرضِهِنّ: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فنسخ ذلك بالسُّنة (أولى) وأحسنُ عند قوم لما ذكرنا أولاً فافهمه.
وقد قيل: بل نَسخَ الوصيَّة للأقربين التخصيصُ في قوله: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى واليَتَامَى﴾ [النساء: 8] - الآية -.
فحضّ الله على أن يعطوا إذا حضروا، ولو لم يُفْرَض لهم ذلك، بدَلالة الإِجماع على أن اليتامى والمساكين المذكورين مع أُولي القربى إذا حضروا القسمةَ (لا فرضَ) لهم يُعطَوْنَه، وقد عُطفوا على الأقربين، فالحكم فيهم واحد لا فرض لجميعِهم. ولكنَّه نَدْبٌ نَسخَ ما كان فرضاً من الوصيَّة لِلأَقربين. وبيَّنَت السُّنَّة أَنَّا غير مُخيَّرين في الوصيَّةِ للوالديْن المنسوخةِ وتركِها؛ إذ قال ﷺ "لا وصيَّة لوارثٍ".
وبقي التَّخييرُ لنا في الوصيَّةِ للأقربين غير الوارثين المنسوخة، إن شئنا فَعَلْنا ذلك، وإن شئنا لم نفعلْه، وفعلُه أفضلُ كصوم عاشوراء - وهذا قول مالك وأصحابه وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول مجاهد وابن زيد، وهو قول ابن عمر والسُّدِّي -.
وقال قتادةُ والحسن (في هذه) الآية: نُسِخَ منها الوصية للوالدين بآية المواريث، وبقي فرض الوصية للأقربين ممّن لا يرث، وهو اختيار الطبري.
وقد قال الضحاك: من مات ولم يوصِ لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية.
وقال الحسن: إذا أوصى الرَّجلُ لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثُلُثُ الثلث، والباقي من الثلث لقرابتهِ - وقاله طاووس -.
وقال الشعبي والنخعي: (الوصيَّةُ للوالدين والأقربين في الآية على الندب) لا على الفرض. فمنعت السنةُ (من جواز الوصية للوالدين وبقيت الوصيَّةُ للأقربين على الندب).
البقرة 2:183
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَليكُمُ الصِّيامُ كما كُتِبَ على الذين من قَبلِكُم لعلّكُم تتقون﴾ الآية.
قال ابنُ حبيب: هذا من قوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقتَدِه﴾ [الأنعام: 90] وكان المسلمون يقتدون بصيام أهل الكتاب وفِعْلِهم، فكانوا إذا صلُّوا العشاءَ حرُمَ عليهم الطعامُ والشَّرابُ والوطءُ إلى مثلِها من اللَّيْلَةِ القابِلَة.
وقيل: كان يلزمُهم ذلك إذا ناموا.
فخفَّفَ اللهُ ذلك عنهُم، ونسخَه بقوله: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يتبيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأَبيضُ من الخيطِ الأسودِ﴾ [البقرة: 187] الآية. وبقوله: ﴿أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيام الرَّفَثُ إلى نسائِكم﴾ [البقرة 187] - الآية -.
ونُسِخَ فرضُ صيام من كان قبلَنا بفرض رمضان.
قلتُ: فالآية على قوله منسوخةٌ، أعلَمنا الله فيها أنه فرَضَ علينا مثلَ ما فرض على من كانَ قبلَنا. ثم نسخَ ذلك. وهو قول السُّدِّي وأبي العالية.
وقيل: الآيةُ ناسخةٌ وليست بمنسوخةٍ واختُلِفَ في ذلك:
فقيل: هو ناسخٌ لما فرَضَ النبيُّ ﷺ على أُمتِه من صوم يوم عاشوراء. قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: "كان يومُ عاشوراء يوماً تصومُه قريش في الجاهلية، فلمَّا قدِم رسولُ الله ﷺ المدينة، صامه وأَمَر بصيامه. فلما فُرض رمضانُ كان هو الفريضة. وتُرِكَ صيامُ يوم عاشوراء، فمن شاءَ صامه ومن شاء تَرَكَه" - وقاله جابر بن سمرة وغيره -.
وقد قال قومٌ: إن فرضَ صومِ يومِ عاشوراء باقٍ إلى الآن، وهو قول شاذٌّ، غيرُ معمولٍ به.
والنَّسخُ (لِصومِ) يومِ عاشوراء كان بالمدينةِ لحديث عائشة - رضيَ الله عنها - وقولها: فلما قَدِم رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ صامه، وأمرَ الناس بصيامه؛ لأَن صومَ رمضان بالمدينة فُرِض.
وقال ابنُ عباس: هذا ناسخ لما كان (أَمرَ به) النبي ﷺ كان أمَرَ بصيام ثلاثة أيام مِن كُلِّ شهر في أوَّل قدومِه المدينة، وقاله معاذٌ وغيره وقال عطاء: هو ناسخٌ لما فُرِض على من كان قبلنا، كان فُرِض عليهم صوم ثلاثة أيام من كُلِّ شهر، وهو قولُ قتادة.
قال أبو محمد: وقولُه تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفَا﴾ [البقرة: 187]، يدُلُّ (على) أن الله فرضَ علينا ما كان فرَضه على من كان قبلَنا من الصيام وتركِ الطَّعام والشرابِ والوطءِ بعدَ النوم. فهو منسوخٌ (بما) بعدَه، دليلُ ذلك أن الخيانةَ لا تلْحَقُ إِلاَّ مَن تَرَكَ ما أُمِر بِه وفَعَلَ ما نُهِيَ عنه.
وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، يدلُّ على ذنبٍ اكتسبوه وهو الوَطءُ والأَكْلُ والشُّرْبُ بعدَ النوم في ليالي الصيام.
وكذلك قولُه: ﴿وعَفَا عَنكُمْ﴾ يدلُّ على أنهم أَذنبوا ذنباً عفا لهم عنه، وهو ما ذكرنا. ولا يكونُ الذَّنْبُ إلاَّ عن ركوبِ نهيٍ أو تركِ أمر، فدلَّ على أنه كان مفروضاً عليهم، ثم نُسخ بإباحة الأكل والشرب والوطءِ بعدَ النوم.
وقد قال الشعبيُ والحسنُ ومجاهد: الآيةُ محكمةٌ غيرُ ناسخة ولا منسوخة. وذلك أن الله - جلّ ذكره - كان قد افترضَ على من كان قبلَنا مِن النصارى صومَ رمضان، فحولُّوه عن وقته، ثم زاد كل قَرْنٍ يوماً في أوله للاستبراء والاحتياط ويوماً في آخره حتّى صارَ إلى خمسينَ يوماً، ففرضَ اللهُ علينا صومَه خاصَّة كما كان فرضاً عليهم بقوله: ﴿كُتِبَ عليكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: 183].
والكلامُ في إعراب الكاف من قوله: ﴿كما كُتِبَ﴾، (يصرح بالمعنى) وبُبَيِّنه، وقد ذكرناه في غيرِ هذا الكتاب.
البقرة 2:184
قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾ الآية:
الأشهرُ المعوَّلُ عليه في هذه الآية أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ منكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْه﴾ [البقرة: 185].
وذلك أن الله - جلَّ ذكْرُه - فرضَ صوم (شهر) رمضان، (وكان قد) أباحَ بهذه الآيةِ للمقيم القادرِ على الصَّوم أن يُفطِرَ ويطعِمَ عن كل يوم مسكيناً، بقوله: ﴿وعلى الذينَ يُطيقونَه فديةٌ طعامُ مساكين﴾ أي: على الذين يطيقون الصَّومَ ويفطرون فديةٌ، ثم بيَّن الفديةَ، فقال: طعام مسكين يعني: عن كل يوم.
ثم نسخَ ذلك بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ منكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْه﴾، [أي: فمن شهده في المصر صحيحاً فليصُمْه] فأوجبَ عليه الصَّومَ.
قال معاذُ بنُ جبل: لما قال الله - جلَّ ذِكْرُه -: ﴿وعلى الذينَ يطيقونَه فديةٌ طعامُ مساكين﴾، كان مَن شاءَ صام ومن شاء أَفطر وأَطعَم مسكيناً عن كُلِّ يوم. قال: ثُمَّ أَوجَبَ اللهُ الصِّيامَ على الصحيح المقيم بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ منكُمُ الشَّهْرَ فليَصُمْه﴾، وثبتَ الإِطعامُ على مَن لا يُطيقُ الصَّومَ إذا أفطرَ مِن كِبَرٍ - وهو قولُ ابن عمر وعِكرمة والحسن وعطاء، وعليه جماعةٌ من العلماء -.
وقال مالك: الآيةُ منسوخةٌ والإِطعامُ عَلى الكبير إذا أفطر ولم يُطِق الصَّومَ، وروي عنه أنه استحبَّ الإِطعامَ للكبيرين إذا (أفطرا) ولم يطيقا الصومَ مِن غير إيجاب.
وأما الحاملُ تخافُ على نَفْسِها فتفطر فعلَيْها القضاءُ إذا وضَعَت. ولا إِطعامَ عليها لأَِنها مريضةٌ.
والمرْضِعُ إذا خَشِيَت على ولدِها فأفطرت فالإِطعامُ عليها مع القضاء إيجابٌ، بخلافِ الحامل والكبيرين؛ (ولأنها) صحيحةٌ، وإنما أَفطرت من أجل ولَدها.
فأما المريضُ فلا إطعامَ عليه إذا أفطر ولم يقدِر على الصَّوم، وعليه القضاءُ إذا صحَّ. وكذلك المسافرُ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] أي: فعليه صومُ عِدَّةِ ما أفطر من أيام أُخَر، لا غير.
وقد روى ابنُ وهب، قال، قال لي مالكٌ في الآية:
إنما ذلك في الرَّجُل يمرضُ فيفطرُ ثُمَّ يبرأُ فلا يقضي ما أفطرَ حتَّى يدركَه رمضانٌ آخر من قابل، فعليه أن يبدأَ برمضان الذي أدركَه، ثم يقضي الذي فاته بعد ذلك، ويُطعِمُ عن كلِّ يوم مُدّاً من حنطة.
قال مالك: وأما رجل اتَّصَل به المرض إلى أن دخل عليه رمضان المقبل، فليس عليه إطعام وعليه القضاءُ على كُلِّ حال.
(قال أبو محمد): وهذا التأويلُ يدلُّ على أن الآيةَ: محكمة عندَه (في هذه) الرِّواية -، ومعنى ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ - على هذا التأويل -: أي: يطيقون قضاءَ ما عليهم فلا يقضون حتى يأتيَ رمضانٌ آخر فعليهم صومُ الداخل وقضاءُ الفائت بعدَ ذلك وإطعام مُدٍّ عن كل يوم فهي محكمة - على هذا التأويل - وهو قول زيدِ بن اسلم. وقاله ابن شهاب أيضاً. وعنه أنها منسوخةٌ.
وقال قتادةُ: إنما كانَت الرُّخصةُ في الإِفطار والإِطعام للكبيرين يطيقان الصَّومُ، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾، قال: والرُّخصَةُ باقية للكبيرين اللَّذيْن لا يطيقان الصومَ، يُفْطران ويُطعِمان. وقد روي [مثلُ ذلك] عن ابن عباس. روي (عنه) أنه قال: نزلَت في الكبيرين اللَّذَيْن لا يطيقان الصَّومَ والمريضِ فهي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ - على هذا القول -.
قال أبو محمد: وهذا التأويلُ إنما يَصِحُّ على قراءَة مَن قرأ: "وعلى الذين يُطَوَّقونه - بالتشديد وفتح الطاء - على معنى: يكلفون الصَّومَ ولا يقدرون عليه فيفطرون، وهي قراءة مرويةٌ عن عائشة - رضي الله عنها - وبذلك قرأ ابن جُبَيْر وعطاء وعكرمة.
وقرأ مجاهد: وعلى الذين يَطّوَّقونه - بفتح الياء وتشديد الطَّاء والواو - على معنى: يتكلفونه. أي: يتكلفونَ الصوم ولا يقدرون عليه.
فهي محكمةٌ غيرُ منسوخة - هاتين القراءتين -. وقد رُوِي عن ابن عباس أنه قرأ: يَطيَّقونه - بفتح الياء الأولى وبياء مشددة مفتوحة بعد الطاء -.
وقد طُعِنَ في هذه القراءة - بالياء -؛ لأن الفعل عينه "واو" ومعناها كمعنى القراءتين اللَّتَيْنِ قبلها في أن الآية محكمةٌ في الكبيرين والمريض.
يُفطِرون إذا لم يقدروا على الصَّوم ويُطعِمون، إلا أنَّ المريضَ يقضي إذا صَحّ، ولا يقضي الكبيران؛ لأنهما لا ينتقلان إلى غير الكِبَر إلاّ أن يكونا مريضين، (أو كانا) صحيحين يقدران على الصوم فيُفْطِرن للمرَض، فلا بدَّ من القضاء - عليهما -.
وأكثرُ النَاس على أنه لا إطعام على المريض.
وقد ذكر الأشعريُّ عن الحسن في هذه الآية قولاً غريباً قال: إن المعنى: وعلى الذين يُطيقون الإِطعامَ ويعجزون عن الصِّيام طعامُ مساكين وقال: هذا قولٌ مروي عن السَّلَف - وهو قولُ الحسن -.
وذكرَ ذلك ابن الأنباري ولم يذكر الحسَن.
قال: وذهبَ ذاهبونَ إلى أن الهاء راجعةٌ على الفداء، وقدَّروه: وعلى الذين يطيقونَ الفداء إذا كرهوا الصَّومَ فديةٌ طعامُ مساكين فَنُسِخَ ذلك بما بعدَه.
قال: وبنى آخرونَ على أن الهاءَ تعودُ على الفداء أيضاً. والآيةُ غيرُ منسوخة. وقالوا: نزلت الرُّخْصَةُ في الشيخ الفاني والعجوز الهرمة فالمعنى - على هذا القول -: وعلى الذين يُطيقونَ الفداءَ، ولا يطيقون الصومَ فديةٌ طعام مساكين. وهذا هو قول الأشعري الذي (حكينا) عنه. قال ابنُ الأنباري: وإنما رجعَت الهاءُ على الفداء، وإن لم يتقدّم ذكرُه، كما رجعت الهاء في قوله: ﴿فَأَصْلَح بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 182] على غير مذكورين، يريد (أن) الخطابَ يدُلُّ على صاحب الإِضمار، وقد ذكرنا حُكْمَ الشيخ والعجوز وشبهَهُما (في الإِفطار) إذا لم يُطيقوا الصوم.
البقرة 2:187
قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ الآية:
أباح الله تعالى المباشرةَ لِلنّساء ليالي الصِّيام كُلّه إباحةً عامةً، والمباشرةُ: الجماعُ لا اختلافَ في هذا، لقوله تعالى: ﴿وابْتَغُوا مَا كتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187] يعني: الولد.
وقد توهَّم قومٌ أنَّ هذا الحُكْمَ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي المَحِيض﴾ [البقرة: 222]، وليس الأمرُ كذلك. وإنما هو على أحد وجهين:
- إما أن يكون تحريمُ وطء الحائض نزلَ قبلَ إباحةِ الوطء ليلةَ الصيام، فنزل ذلك وقد استقرَّ في أنفُسِهم تحريمُ وطء الحائض، فصارت المباشرةُ المباحةُ مخصوصةً (ليلَ الصَّوم) في غيرِ الحائض مِن زوجةٍ أَمَة.
- وإمّا أن يكون تحريمُ وطءِ الحائضِ نزلَ بعدَ هذه الآية، فتكون مبيِّنةً لها ومخصِّصةً أنها في غير ذوات الحيض.
فلا يجب أن يدخل هذا في الناسخ والمنسوخ.
ولو نسخَ إباحةَ المباشرة لم ينسخ (إِلاّ) بمنع ذلك كُلِّه، (فيعودُ) الأمرُ إلى منع الوطءِ في ليلِ الصَّوم. وهذا لا يجوزُ لِلنَّصِّ والإِجماعِ على إباحتِه.
البقرة 2:190
قوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾ الآية:
قال ابنُ زيد: نسخَها الأمرُ بالقتال وبالقتل للمشركين.
وقيل: إنَّها أَوَّلُ ما نزل في إباحة القتال. أُبيحَ لهم أن يقاتلوا من قاتَلهم، (ولا يعتدوا فيقاتلوا من لم يقاتلهم) ثم نُسِخَ النهيُ عن قتال مَن لم يقاتِلُهم بالأمر بالقتال والقتل.
وقيل: أَوَّلُ ما نزل في إباحة القِتال، قولُه تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلون بأنهم ظُلموا﴾ [الحج: 39]، فهي مكيَّة وقيل: مدنية.
وعن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد أن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، لكنَّها مخصوصةٌ في النّهي عن قتل الصِّبيان والنّساء والشيخ الفاني ومن ألقى السَّلَم وكفَّ يدَه. وقد نهى ﷺ عن قتلِ هؤلاء، وعن قتل الرُّهبان. فيكونُ معنى الآية: وقاتلوا في سبيل الله الذين فيهم مقدرةٌ على قتالكم، ولا تعتدوا فتقتلوا مَن لَيس له مقدِرةٌ على القتال، ولا مَن (لَيس) من عادته القتالُ، (كالنِّساء والصِّبيان)، والكبير، والرهبان.
فهذا كُلُّه محكَمٌ وحكمهُ باق معمولٌ به.
البقرة 2:191
قوله تعالى: ﴿ولا تُقاتِلوهم عندَ المسجدِ الحرامِ حتَّى يقاتلوكُم فيه﴾:
قال قتادة: هذا منسوخٌ بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193، الأنفال:39]، أي: شرك وبقوله: ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36].
وقد قال إسماعيلُ بنُ أُويس: إن قوله: ﴿وَلاَ تُقَاتِلوهُم عِندَ المَسْجِدِ الحَرَام﴾ - الآية - ناسخٌ لِقوله: ﴿واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: 91] - في النساء -، قال: ثم نسخَها (الله) بقوله في براءة: ﴿فاقتلوا المشركينَ حيثُ وجدتموهم﴾ [التوبة: 5]، فصارت الآية ناسخةً ومنسوخةً، وهو قليلُ النَّظير.
وقال مجاهد: الآيةُ محكمةٌ غيرُ ناسخةٍ ولا منسوخةٍ، لكنَّها مخصوصةٌ (في) النهي عن القتال في الحرم، ولا يحلُّ القتالُ في الحرم إلاّ أن يقاتلوك، وهو قول طاووس.
والبيِّن الظاهرُ في الآية أنها منسوخةٌ. وهو قولُ أكثر العلماء؛ لأن قتالَ المشركين فرضٌ لازمٌ في كل موضعٍ كانوا فيه، بقوله (في) براءة: ﴿فاقتلوا المشركينَ حيثُ وجدتموهم﴾ - وبراءة نزلت بعد البقرة بمدة طويلة -.
البقرة 2:194
قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرَامُ بالشَّهْرِ الحَرَامِ، والحُرُماتُ قِصَاصٌ، فَمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾.
قال ابنُ عبّاس: إباحةُ الاعتداء منسوخٌ، لأَنَّ الله جلَّ ذكره ردَّه إلى السلطان، ولا يجوز لأحدٍ أن يقتصَّ ممّن اعتدَى عليه إلاَّ بالسلطان، ولا يقطعُ يدَ سارقٍ إلاَّ بالسلطان.
(قال أبو محمد): وهذا القولُ إنما يجوزُ على مذهب من أجاز نسخَ القرآن بالسُّنَّة المتواترة.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قولُه تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلطاناً﴾ [الإسراء: 33] قال: يأتي السلطانَ حتى ينتصفَ منه له.
قال أبو محمد: وهذا (لا) يصِحُّ عن ابن عباس، لأَنَّ السُّلطانَ هاهنا: الحجَّة؛ ولأنَّ سورة "سبحان" مكيةٌ، والبقرة: مدنيةٌ. ولا ينسخُ المكيُّ المدنيَّ؛ لأنه نزل قبلَ المدني، والناسخ لا يصِحُّ أن يكونَ نزولُه إلاَّ بعد المنسوخ. وأيضاً فإنَّ الرُّجوعَ إلى السُّلطان في القصاص، إنما أُخِذَ بالإِجماع، والإِجماع لا ينسخُ القرآنَ لكنه يبيِّنهُ كما تبيِّنُه الأخبارُ من السُنن.
فهذا مثل قوله ﴿وجزاءُ سيِّئةٍ سيّئةٌ مثلُها﴾ [الشورى: 40].
وقيل: الآيةُ نزلَت في إباحة قتال مَن قاتلهم إلى الآن في الشَّهرِ الحرام، وفُهِمَ منها منعُ قتال من لم يقاتِلْهُمْ في الشَّهرِ الحرام، وإباحةُ ذلك في غير الشهر الحرام، ثم نُسِخَ ذلك بالأمر بالقتال في الشّهر الحرام، وإن لم يقاتلوهم، بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركينَ حيثُ وَجَدتموهم﴾ [التوبة: 5] في براءة.
(قال أبو محمد): وهذا القولُ أَبينُ الأقوال فيها، لكنَّه نسخَ مفهومَ التلاوة. وله نظائرُ ستراها.
وقال مجاهد: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، والمعنى: فمن اعتدى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه بمثلِ ما اعتدى عليكُم، أي: من قاتلكم (في الحرمِ) فقاتلوه فيه، ولا يحلّ أن تبدؤا بالقتال في الحرَم - عندَه - (إلى الآن).
وأكثرُ الناس على خلافه.
البقرة 2:196
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه﴾:
ثم أباحَ ذلك لمن كان مريضاً، أو به أذىً من رأسِه، وأوجَبَ عليه الفديةَ.
فقال قوم: هذا ناسخٌ للنَّهْيِ عن حَلْقِ الرّأس حتى يبلُغَ الهديُ مَحِلَّه.
(والظَّاهِرُ في هذا البيِّنُ) أنه ليس فيه نَسخٌ، لأَنّه متَّصِلٌ بالأَوّل غيرُ منفصل منه. وإنما يكونُ الناسخُ منفصلاً من المنسوخ. (فهي) أحكامٌ مختلفةٌ في شروطِها متَّصِلٌ بعضُها ببعض لا ينسخُ بعضُها بعضاً.
قوله تعالى: ﴿وأتمّوا الحجَّ والعمرةَ لِلَّه﴾:
أمرَ اللهُ المسلمين بإتمام ما دخلوا فيه وعقدوه على أَنفُسِهِم من حَجٍ أو عمرةٍ.
ولا دليلَ في هذا على فرضِ العُمْرَة إنّما هو أمرٌ بإتمام ما دخلوا فيه من ذلك.
ويبيِّنُ أن العمرة ليست بفرض قراءةُ الشعبي: "والعمرةُ للهِ" - بالرفع - فهذه القراءةُ لا تأويل فيها لفرضِ العمرة. وقوله: ﴿وأتموا الحجَّ﴾ ولم يقل: حجّوا واعتمروا (يدلُّ على أن) ذلك مرادٌ به غيرُ الفرض.
وإنما هو مثلُ قوله: ﴿أوفُوا بِالعُقُود﴾ [المائدة: 1] فمن عقَدَ بِرّاً على نفسِه وجبَ عليه إتمامُه.
وقراءة ابن مسعود: "والعمرة للبيت لله" وعنه: "والعمرة إلى البيت لله". يدل على أن العمرةَ ليست بفرضِ - قرىء بنصب العمرة أو برفعها -.
وكما أن ذِكرَ الحجّ في هذه الآية ليس يوجبُ فرضَ الحج، إنما وجبَ فرض الحجِّ بقوله تعالى: ﴿وللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: 97]. كذلك ذِكْرُ العمرَةِ فيها لا يوجب فرضَها. ولا آية أُخرى توجِبُ فرضَ العمرة في القرآن (فبانَ أنّ) العُمْرَةَ ليست بِفَرض. وقد ذكرَ أهلُ المعاني والتفسير أنَّ هذه الآيةَ ناسخةٌ لما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابَه بعد أن أَحرموا (بالحجِّ) أن يفسخوه في عمرة.
(والآيةُ) محكمةٌ، (تدُلُّ) على أنَّ مَن دخَلَ في طاعة وعقدَها على نفسه أن عليه إتمامَها.
وقد أبى مِن فَسْخِ الحجّ في عُمرة (أبو بكر وعثمان وعلي) - رضي الله عنهم - بحكم ظاهر الآية.
وأجازه ابن عباس لإباحة النبي ﷺ ذلك.
وذهب أبو عبيد: إلى أنَّ فسخَ الحجِّ في عمرة منسوخٌ بفعل الخلفاء الراشدين، يعني الذين ذكرنا. وعلى منعِه أكثرُ العلماء مالكٌ وغيرُه.
وقد قيل: إنه إنما أباح النبيُّ ﷺ ذلك لِعِلَّةٍ، وذلك أنهم كانوا لا يرونَ العُمرةَ في أشهرِ الحج جائزةً، ويرونَه ذنباً، فأَمرَهُم النبيُّ ﷺ بفَسخِ الحجِّ وتحويلِه إلى عُمرة في أشهر الحجّ، ليعلموا أن العمرةَ جائزةٌ في أشهر الحجّ. فَفِعْلُه ذلك كان لِعِلَّةٍ، فبزوال تلك العلة يزولُ الحكمُ. وله نظائرُ في القرآن.
وقيل: إن ذلكَ مخصوصٌ للنبي ﷺ ورُويَ عنه أنه سئل عن ذلك فقال: (إنه) لنا خاصَّة.
(قال أبو محمد): ومعنى فسخ الحجِّ في عُمرة: هو أن يُهِلَّ الرَّجُلُ بالحجّ ولا هَدْيَ معه، فعليه أن يدخلَ مكةَ فيطوفَ ويبقى على إحرامه حتَّى يحجَّ ويقضيَ مناسكَه من الوقوفِ بعرفاتٍ والمزدلفة و (من) رمي الجمارِ وغيرِ ذلك، وهو على إحرامِهِ، ويحلق ويطوفَ طوافَ الإِفاضة، وعليه السَّعْيُ بين الصّفا والمروةِ بعدَ الطَّواف، ويُحِلُّ مِن حجّته بعد ذلك كُلِّه، فهذا لازمٌ له، وبه يُتِمَّ ما عقدَه من الحجّ.
(فإن فسخَ حجَّه في عمرة) - على قول ابن عباس - فإنما عليه أن يَدخلَ مكة ويطوفَ ويسعى ويَحْلِقَ وَيُحِلّ.
فذلك الأولُ عملُ الحج.
وهذا عملُ العمرة.
فإذا (حَلَّ) مِن عمرته التي فسخَ الحجَّ (فيها) ابتدأَ الإِهلالَ بالحجِّ مِن مكة أو من الحِلِّ إن شاء، وبه يتمُّ حَجُّه على ما ذكرنا.
وإن تمادى (في) حَجِّه ولم يفسخْه في عُمرةٍ، وأرادَ العمرةَ، فإنه إذا حَلَّ من حجِّه خرجَ إلى التنعيم (إلى الحِلِّ)، أو إلى الحِلِّ مِن أي ناحيةٍ شاء، فأَحرَم ولبَّى ودخلَ مكةَ فطاف وسعى وحلَق، وحلَّ من عُمرته.
البقرة 2:216
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم القِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] الآية:
أكثرُ العلماءِ على أنّ هذه الآية ناسخةٌ لِكُلِّ رخصةٍ في القرآن في تركِ القتال. إلاّ أنه فرضٌ يحملُه بعضُ الناس عن بعض. وإن احتيج إلى الجماعة كان فرضاً عليهم الخروجُ. ومثلُه الصَّلاةُ على الجنائز. وردُّ السلام.
وقد قيل: هي منسوخةٌ بقوله - عزّ وجلّ -: ﴿وما كان المؤمنونَ لينفروا كافةً﴾ [التوبة: 122].
وقيل: هي على الندب.
قال أبو محمد: والأمرُ لا يحملُ على النّدب إلا بقرينةٍ ودليل.
البقرة 2:217
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتَالٌ فِيه كَبير﴾
أكثرُ العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ؛ لأنَّ اللهَ عظَّمَ القتالَ في الشَّهر الحرام. ثم نسخَ ذلك في براءة بقوله: ﴿فَاقْتُلوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهم﴾ [التوبة: 5] وبقوله: ﴿قَاتِلوا الذِينَ لاَ يؤمِنُونَ باللهِ ولاَ باليَومِ الآخِر﴾ [التوبة: 29]. فأباح قتلَهم وقتالهم في كُلِّ موضِعٍ، وفي كُلِّ وقتٍ من شهرٍ حرامٍ وغيره، وهو (قولُ) ابنِ عبَّاس، وقتادة، والضَّحَّاك، والأوزاعي، وابنِ المسَيِّب. وقال عطاءٌ ومجاهدٌ: الآيةُ محكمةٌ، ولا يجوزُ القتالُ في الأشهرِ الحُرمِ. والجماعةُ على خلاف ذلك.
والأَشهُرُ الحرُمُ التي كان الله قد حرَّم فيها القتالَ ثُمَّ نسخَه لم يُخْتَلَف فيه أعيانها، وهي: المحرَّمُ، ورجبٌ، وذو القعدة وذو الحجّة. واختُلِفَ في ترتيبها:
فقال (قوم مِن) أهلِ المدينة: هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. يجعلونها من سنتين.
وقال بعض المدنيين: أوّلُها رجب، وهي من سنتين؛ لأن النبيَّ - عليه السلام - قدم المدينة (في ربيع الآخر وقد قيل) في ربيع الأول (وأول شهرٍ كان بعد قدومه من الحُرُم) رجب.
وقال الكوفيون: هي من سنة واحدة، وأولها المحرّم، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أربَعَةٌ حُرُم﴾. [التوبة: 36].
وأمّا الأشهرُ الحرُمُ المذكورة في أول سورة براءة في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُر الحُرُمُ﴾ [التوبة: 5] (فليست الحُرُمَ) التي كان قد حُرِّمَ فيها القتالُ المذكور في (سورة) البقرة، ولا هي المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أربَعَةٌ حُرُم﴾ [التوبة: 36].
إنما هي أربعةُ أشهرٍ بعد يوم النَّحْرِ من ذلك العام، وهو عهدٌ كان بين النبي ﷺ وبين قريش، ويقال لها: أَشهرُ السِّياحة، أمرَ الله المؤمنين أن يَقتلوا المشركين حيثُ وجدوهم بعد انقضاءِ أربعةِ أشهرٍ من يوم النّحر مِن ذلك العام، وهي آخرُ العهدِ الذي انعقَد بين النبيِّ ﷺ وبين قريش.
وأشهرُ الحجِّ: شوّال وذو القعدة وعَشْرٌ مِن ذي الحجَّة، (هذا قولُ أبي حنيفة) - رضي الله عنه -.
وقال الشافعي: تسعٌ من ذي الحجة.
وعن مالك: وذو الحجّة كُلُّه.
البقرة 2:219
قوله تعالى: ﴿يَسْألونَكَ عَن الخَمْرِ والمَيْسِر﴾ الآية:
أكثرُ العلماءِ على أنها ناسخةٌ لما كان مباحاً من شُربِ الخمر؛ لأنه تعالى أخبرنا أن في الخمر إثماً، وأخبرنا أن الإِثم محرمٌ بقوله تعالى: ﴿قُلْ إنّما حَرّم رَبّي الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإِثمَ والبَغيَ بغيرِ الحقّ﴾ [الأعراف: 33] فنصَّ على أن الإِثم محرمٌ، وأخبر أن في شربِ الخمر إثماً، فهي محرّمةٌ بالنصّ الظّاهر الذي لا إشكالَ فيه. وما حَرُمْ: كثيرُه وقليلُه حرام، كلحم الخنزير والميتة والدّم.
وسورة البقرة مدنيةٌ، فلا يعترضُ على ما فيها (بما) نزل في الأنعام المكيّة (في قوله): ﴿قُلْ لاَ أجدُ فِيمَا أُوحِيَ إليَّ محرماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُه إلاَّ أن يَكُونَ﴾ [الآنعام: 145] الآية -؛ لأن هذا تحريمٌ نزل بمكّة (والخمر نزل تحريمُها بالمدينة).
وزادنا (الله تأكيداً في تحريم الخمرِ بقوله: ﴿فهل أنتُم منتهون!!!﴾ فهذا تهديدٌ ووعيدٌ يَدلاَّن على تأكيد التحريم للخمر. وزاد ذلك بياناً قولُ النبي ﷺ: "حُرِّمَت الخمرُ بعينها والسَّكر من غيرها".
وأكَّد اللهُ ذلك وحقَّقَه بقوله تعالى: ﴿فاجْتَنِبُوه لَعَلّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [المائدة: 90]. و "لعلّ" من الله واجبةٌ، فضمانُ الفلاح في اجتنابها، فنظيرُه الخسرانُ مع مواقعتِها.
وكما أنه تعالى حرَّمَ أكلَ لحم الخنزير، وقليلُه ككثيرهِ حرام بإجماع - كذلك يجبُ أن يكونَ الخمرُ والمسكرُ من (غيرها في التحريم قليلُها ككثيرِها في التحريم)، وزادَ ذلك بياناً قولُه - عليه السلام -: "ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرام".
قال ابنُ جُبَيْر: لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَا إثمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ للنّاس﴾ [البقرة: 219] كَرِهَ الخمرَ قومٌ للإِثم، وشربَها قومٌ للمنافع، حتى نزل: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتم سُكارى﴾ [النساء: 43] فتركوها عندَ الصَّلاة حتى نزلَت: ﴿فَاجْتَنِبُوه لعلّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [المائدة: 90] فحرِّمَت.
فهذا يدلّ على أن آيةَ البقرةِ منسوخةٌ بآيةِ المائدة، والمائدةُ نزلت بعد البقرة بلا شك.
وقوله تعالى: ﴿ومنافعُ للناس﴾: منسوخٌ إباحةُ منافعِها بِنَسْخِ الخمر. والمنافعُ: هي ما كانوا ينحرون على الميسر من الجزور للضُّعفاء ولأَنفُسِهم، وذلك قِمار، حرَّمه الله لأنه من أكل المال بالباطل المحرَّم بنصّ القرآن.
وقال ابنُ حبيب: المنافعُ التي في الخمر: هي أنّ الرّجلَ كان إذا أصابتْهُ مصيبةٌ تُكْرِبُه وتُغِمُّه، سُقِيَ الخمرَ فذهب عنه ذلك الغمّ.
وقيل: المنافعُ في الخمر: ما يصيبون من لذّتها وسرورها عندَ شُربها.
قوله تعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنفِقُون، قل العَفوَ﴾ [البقرة: 219].
قال ابنُ عباس: [هي منسوخةٌ بفرض الزكاة].
وقيل: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ والمراد بالعفو: الزّكاةُ بعينِها.
وقيل: هي محكمةٌ مخصوصةٌ في التطوّع. والعفو - عند ابن عباس -: القليلُ الذي لا يتبينُ خروجُه من المال.
وقال طاووس: العفو: اليسيرُ من كُلّ شيء.
وقال الحسنُ وعطاء: العفو: ما لا يكون إسرافاً ولا إقتاراً.
وقال مجاهد: العفو: الصدقةُ عن ظهرِ غنى.
وقال الربيعُ: العفو: ما طاب من المال.
وقال قتادةُ: العفو أفضلُ المال وأطيبُه.
البقرة 2:221
قوله تعالى: ﴿ولاَ تَنكِحُوا المُشْرِكاتِ حتّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية:
الظاهرُ في هذه الآيةِ أنها محكمةٌ مخصَّصةٌ مبيَّنةٌ بآيةِ المائدةِ في جوازِ نكاح الكتابيّات. وقد تقدَّم ذكرُ هذا - وقاله قتادةُ وابنُ جبير -.
وعن ابن عباس: أنَّها في المشركاتِ مِن الكتابيّات وغيرهنّ اللواتي في دار الحرب، لا يَحِلُ نِكاح كتابيةٍ مُقيمةٍ في دارِ الحرب لأَنّها ليست من أهل ذمّة المسلمين، وهو قولُ أكثرِ العلماء. فالآيةُ محكمةٌ - على هذا القول - غيرُ عامّة وغيرُ منسوخةٍ ولا مخصَّصةٍ.
وآيةُ المائدةِ في الكتابيّات من أهل الذمَّة ذوات العهد المقيماتِ مع المسلمين.
(فالآيةُ) مخصوصةٌ في غيرِ الكتابيّات اللواتي بدار الإِسلام، فهي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ وغيرُ مخصَّصَةٍ].
وقد رُوِيَ عَن مالك أَنه قال: (هي) في غيرِ أَهلِ الكتاب، قال مالكٌ: قال اللهُ - جلَّ ذكرُه -: ﴿ولاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: 10]، فهي عندَه محكمةٌ لم يُنْسَخ منها شيءٌ، إلا أنَّها غيرُ عامة، أُريدَ بها الخصوصُ في كل مشركةٍ من غيرِ أهلِ الكتاب، وبيَّن تخصيصَها آيةُ المائدة في تحليل نكاح الكتابيّات.
وروُيَ عن ابن عمر أنه قال: هذه الآيةُ محكمةٌ، لا يجوزُ نكاحُ مُشركَةٍ كتابيةٍ ولا غيرِها. وقيل عنه: إنه إنّما كَرِه ذلك ولم يُحَرِّمْه. ولا يَصِحُّ عنه تحريمُ (نكاح) الكتابياتِ ذواتِ الذِّمَّة؛ لأنَّ نصَّ القرآنِ يدُلُّ على تحليل الكتابية ذميَّةً كانت أو غيرَ ذِمِّيَّةٍ.
وعن مالك: أَنه كَرِهَ نكاحَ الكتابيّةِ التي في دار الحرب، ولم يُحرِّمه.
وعلى تحريمه جماعةٌ من العلماء، جعلوا آيةَ المائدة في الكتابيّات ذواتِ الذمّة خاصةً.
وهي عامّة في كُلِّ كتابيةٍ - عندَ مالكٍ وغيرِه، وعليه أكثرُ الصَّحابةِ والعلماء؛ لقوله: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجورَهُنّ﴾ [المائدة: 5] فعمَّ.
فآيةُ المائدة مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخَةٍ، لكنّها مخصِّصةٌ ومبيِّنةٌ لآيةِ البقرة.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنه قال: آيةُ البقرة منسوخةٌ بآية المائدة. وهو أيضاً مرويٌ عن مالك، وسفيان بن سعيد وعبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي).
قال أبو محمد: وهذا إنما يجوزُ على أن تكونَ آيةُ البقرة في الكتابيات خاصة ثم نسخَتْها آيةُ المائدة، ويكونَ تحريمُ نكاح المشركات من غير أهل الكتاب بالسنّة.
وحَمْلُ آية البقرة على العموم في كل المشركات ثم خصَّصَتْها وبَيَّنَتْها آيةُ المائدة أولى وأحسن؛ ليكونَ تحريمُ نكاح المشركات من غير أهل الكتاب بِنَصِّ القرآن.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: استثنى اللهُ منها نساءَ أهل الكتاب فأَحَلَّهُنّ بآية المائدة، وهذا معنى مفهومٌ مِن قوله، وإن كان بغير لفظ الاستثناء، فهو تخصيصٌ وبيان، كما أن الاستثناءَ بيانٌ أيضاً.
وقد قال الحسنُ وعِكرِمَةُ في آية البقرة: نسَخَ اللهُ منها نساءَ أهل الكتاب فأَحلَّ نكاحَهُنَّ. وقد ذكرنا هذه الآية فيما تقدّم.
البقرة 2:222
قوله تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عَن المَحِيضِ﴾.
أكثرُ العلماء على أنها ناسخةٌ لشريعة بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا لا يجتمعون مع الحائضِ في بيتٍ، ولا يأكلونَ ولا يشربون معَها، فَنَسخَ الله ذلك من شريعتهم، و أمرنا باعتزال الحائض مِن الوطءِ لا غير.
قال أبو محمد؛ وإنما أُدْخِلَ هذا وأشباهُه في الناسخ والمنسوخ، وهو لم ينسخ قرآناً، لقوله تعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: 90] - على قولِ مَن قال -: تلزمُنا شريعتُهم حتى نؤمَر بتركها.
فأمّا من قال: لا يلزمُنا من شريعتِهم إلاّ ما أَمَرَنا به منها، فلا يجبُ أن يُدْخِل هذا (ونحوه) في الناسخ والمنسوخ؛ إذ لم يَنْسخ قرآناً، وهو الصّواب - إن شاء الله تعالى - لأن معنى: ﴿فَبهُداهم اقتَدِه﴾ يعني: في التوحيد خاصة، لا في الشّرائع. ويدلُّ على أنه ليس يُرادُ به الشرائعُ التي كانوا عليها، قولُه: ﴿لِكُلٍّ جعلنا مِنكُم شِرْعَةً ومنهاجاً﴾ [المائدة: 48].
ويدلُّ على ذلك أيضاً أنَّ شرائعَ مَن كان قبلَنا مختلفةٌ في الأحكام، ولا سبيل لنا إلى الجمع بين (التّحريم والتّحليل) في شيء واحد، ولا إلى فعل شيءٍ وتركِه في عبادةٍ واحدةٍ. فقد كانت لحومُ الإِبل وألبانُها وشحومُ البقر والغنم حلالاً لمن كان قبلَ يعقوب من الأنبياء، ثم حُرِّمَت على يعقوب وعلى بني إسرائيل، فلا سبيلَ إلى الجمعِ بين الشَّريعتين البتَّة. والله - جلَّ ذكره - لم يخصَّ الأمرَ بالاقتداء بشريعةِ واحدٍ من الأنبياء، (وإنما جَمَعَهُم) فقال: ﴿فَبهُداهُمُ اقْتَدِه﴾. وهم لم يجتمعوا إلاَّ على التّوحيد والتّصديق بالله ورسلِه وكُتُبِه. واختلفوا في الشرائع التي شرعَ (الله لهم) على (ما شرع) لكُلِّ نبي.
فليس علينا أن نقتديَ من فعلِهم إلا بما اجتمعوا عليه. وما اختلفوا فيه لا سبيلَ إلى فعلِه لاختلاف أحكامه في شرائِعهم. وإنما نفعلُ مِن شرائعهم ما أُمِرْنا به. فعلى هذا القول: كان يجب ألاّ تُدْخَل هذه الآيةُ ونحوها في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها لم تنسخ قرآناً.
ومذهب مالك في هذا الباب: أنّ ما أنزلَ الله علينا في كتابة وأعلَمنا أنه كان فرضاً عليهم ولم يأمرنا بخلافه، ولا بِتَرْك العمل به فواجبٌ علينا العملُ به، نحو قوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا علَيْهِمْ فِيهَا أنّ النَّفْسَ﴾ [المائدة: 45] الآية. وقد اعتُرِضَ على هذا المذهب بقصَّة أَيوب في يمينه، وبتزوُّجِ موسى (إحدى المرأتين)، ولا يقول مالك بشيءٍ مِن ذلك. و(عن هذا) أجوبةٌ يطولُ ذكرُها، ليست مِن هذا العلم، سنذكرُها في غير هذا الكتاب إن شاء الله.
وهذه المعاني من الأصول لها مواضعُ يُتَقَصَّى الكلامُ فيها ويُبَيِّن في غير هذا الكتاب - إن شاء الله - (فهيَ) أصلُ الفقه والدِّين، وعليها بنى الفقهاءُ مسائلَهم وفُتْياهم، وإنما اختلفوا في الفُتْيا على نحو اختلافِهم في معاني الأُصول. فمعرفةُ الأُصول عليها العُمْدَةُ عندَ أهل الفَهْم والنظر. ومعرفةُ المسائلِ (بغير معرفة) الأُصولِ إنما هو للمقلِّدين الضعفاء في الأفهام.
البقرة 2:226
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلونَ مِن نسائِهم تَرَبُّصُ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
قال بعضُ العلماء: هذه الآيةُ ناسخةٌ لما كانوا عليه، كان الرَّجُلُ يُؤْلي (مِن) امرأتِه السَّنةَ والسنتيْن وأكثر، ولا تطلق عليه، فنسخَ اللهُ ذلك بأربعةِ أشهر، فإذا رافَعَته (إلى السلطان) استوفى له أربعة أشهر. فإن رجَع إلى الوطء، وإِلاّ طَلُقَت عليه واحدة.
ولا إيلاء على من حلف أَلاّ يطأ أقلَّ مِن أَربعةِ أشهر.
ولا تعدُّ الأبعةُ الأشهرُ إلاّ من (وقتِ تَرفَعُه إلى السلطان) إذا كانت يمينُه على غير الوطء (مما يمنع معه) الوطء.
(فإن كان) يمينه على الوطء بعينه فأجَلُهُ أربعةُ أشهر من يوم يمينه إذا رفعته إلى السلطان.
هذا كُلُّه مذهبُ مالك، وفيه اختلافٌ ليس هذا موضعَ ذكره.
وإيجابُ النّسخ بهذه الآية لما كانوا عليه مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه -.
البقرة 2:228
قوله تعالى: ﴿والمطلَّقَاتُ يتربَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثَةَ قروء﴾.
قال قتادة: نُسِخَ منها التي لم يُدخل بها، لا عدَّة عليها، بقوله - جلّ وعزّ -: ﴿فَمَا لَكُم عَلَيهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: 49].
ونُسِخَ منها أيضاً التي يَئِست من المحيض، والتي لم تحض، والحامل، بقوله تعالى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِن المَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: 4] إلى قوله: ﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4].
والأَحْسَنُ الأَوْلى: أن تكون آيةُ الأحزاب والطّلاق مُخَصِّصَتَيْنِ لآية البقرة مُبَيِّنَتَيْنِ لها، فلا يكونُ في الآية نسخٌ.
وتكون آيةُ البقرة مخصوصةً في المدخول بهنَّ من المطلَّقات ذواتِ الحيض - في وقت الطَّلاق - بيَّنَ (ذلك) آيةُ الأحزاب وآيةُ الطَّلاق.
وقوله: ثَلاثةَ قُروء، يَدُلُّ على أن المراد ذواتُ الحيض - في وقت الطلاق - وقد تقدّم ذكْر هذا وبيانُه].
البقرة 2:229
قوله تعالى: ﴿الطَّلاَق مَرَّتان﴾ الآية:
هذا ناسخ لقوله: ﴿وَبُعولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] يعني: في العِدَّة، أو هي حامل.
قال ابن أَبي أُويس: كان الرَّجُلُ في أوّل الإِسلام يطلِّق زوجتَه ثلاثاً، وهي حُبلى، وهو أحقُّ برَجْعَتِها ما دامت في العدّة، فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿الطَّلاقُ مرَّتَان فإمساكٌ بِمَعروفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإِحْسَان﴾.
وقال جماعةٌ من أهل المعاني: هذه الآيةُ ناسخةٌ لما كانوا عليه في الجاهلية (وفي) أَوَّل الإِسلام، كان (الرَّجُلُ يُطَلِّقُ) امرأته ما شاء مِن الطلاق، واحدةً بعد واحدة، فإذا كادت تحلّ مِن العدّة راجعها ما شاء، فنسخ ذلك من فعلهم بهذه الآية. والمعنى: آخرُ عدد الطلاق الذي يملك معه الرَّجعة تطليقتان.
وقد كان يجب ألاّ تذكرَ هذه الآيةُ في الناسخ والمنسوخ - على هذا القول -؛ لأنها لم تنسخ قرآناً. ويلزم ذكرُها - على القول الأول -.
وقد قيل: إنها منسوخةٌ بقوله: ﴿فَطلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ [الطلاق: 1].
قال أبو محمد: وهذا قول بعيدٌ، بل الآيتان محكمتان في معنيين مختلفين، لا ينسخ أَحدُهما الآخرَ آيةُ البقرة ذكر الله فيها (بيانَ) عدد الطَّلاق، وآيةُ الطَّلاقِ ذكرَ الله فيها بيانَ وقتِ بالطَّلاق. فهما حُكْمان مختلفان معمولٌ بهما، لا ينسخ أَحدُهما الآخر لتبايُنِ معنييهما.
قوله تعالى: ﴿ولاَ يَحِلُّ لكُمْ أن تأخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيئاً إلاَّ أن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيما حُدودَ الله﴾ [البقرة: 229] الآية:
أدخل أبو عبيد هذه الآية في الناسخ والمنسوخ. وليست منه إنما هو استثناءٌ بحرفِ الاستثناء.
وقد قيل: إنه منسوخٌ بقوله: ﴿فإن طِبْنَ لَكُم عن شيءٍ منهُ نَفْساً فَكُلُوه﴾ [النساء: 4].
والأوْلى والأَحْسن: أن تكونَ الآيتان محكمتيْنِ في حُكميْن مختلِفَيْن، لا ينسخُ أَحدُهما الآخرَ:
آية البقرة في (منع) ما يأخذ الزَّوج من زوجتِه - على الإِكراه والمضارَّة بها -.
وآية النساء في جواز ما يأخذ منها - على التطوُّع وطيب النفس من غير مضارَّة منه لها -.
فهما حكمان مختلفان.
البقرة 2:233
قوله تعالى: ﴿والوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَينِ كامِلَيْن﴾:
فأمر الله - جلّ ذكرُه - بالحولين.
ثم قال: ﴿فَإِنْ أرَادا فِصالاً عَن تَراضٍ منهُمَا وتَشَاوُرٍ، فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: 233].
فأباح (مع التَّشاور والرضا أن يفطما المولودَ قبل الحولين.
فنسخ (الله) الأول.
فذهب قوم إلى هذا.
(قال أبو محمد): ولا يجوز أن يكون فيه نسخٌ؛ لأنه تعالى قال أولاً: ﴿لمن أراد أن يُتِمَّ الرَّضاعة﴾، فهو تخيير وليس بإلزام فلا نسخَ فيه.
قوله تعالى: ﴿وعَلَى الوَارثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ [البقرة: 233]:
روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: هذا منسوخٌ ولم يذكر ما نسخَه، ولا كيف كان الحكمُ المنسوخُ.
وتأويل ذلك فيما نرى - والله أَعلم -: أنه كان الحكم في الآية: أن على وارث المولود نفقَته إذا لم يكن له مال، ولا أب. وهو مذهب جماعة من العلماء، مِمَّن لم يرَ في الآية نسخاً، فنُسِخَ ذلك بالإِجماع على أن من ماتَ وترك حَمْلاً، ولا مال للميت، أنه لا نفقة للحامل على وارث الحمل، وقد كانت النفقة تلزم الزوج لو كان حيّاً.
فكأنه كانت الإِشارةُ بذلك إلى النَّفقة، فصارت إلى ترك المضارَّة، وهو مذهب مالك المشهور عنه، أن الإِشارة في قوله: ["وعلى الوارثِ مثلُ ذلك" إلى ترك المضارَّة، وقد رواه عن مالك ابن وهب وأشهبُ. والنسخ بالإِجماع لا يقول به مالك.
وقد قال جماعة من العلماء: الإِشارةُ] بذلك إلى النفقة، ولا نسخ في الآية.
واخْتُلِفَ في الوارث مَن هو؟
فقيل: هو وارث المولود لو مات.
وقيل: هو وارث الولاية على المولود. وهو الصواب - إن شاء الله -: يكون عليه من نفقة أُم المولود من مال المولود مثل (ما) كان على الأب، إن حَمَلْتَ الإِشارةَ على النفقة.
فإن حملْتَها على ترك المضارَّة كان معناه: وعلى وارث ولاية المولود أن لا يضارَّ بالأُم.
وكِلا القولين على هذا المعنى حَسَنٌ صواب.
ويجوز أن تَحْمِلَ الإِشارةَ بذلك على النَّفقة وعلى ترك المضارَّة جميعاً، أي على مَن يرثُ الولايةَ على المولود ترك مضارَّة الأم، وعليه النفقةُ عليها من مال المولود.
وقال السُّدِّي وقتادة: على وارث الطِّفل مثلُ الذي على الأب لو كان حيّاً (من النفقة) - وقاله الحسن -.
وفي "الوارث" ومعناه أقوال غيرُ هذا تركتُ ذِكرَها لضعفها.
والاختيار: أن يكون "الوارثُ" معناه: وارثُ الولاية على المولود - على ما قدَّمنا -.
ولا ينكر أن يسمى انتقال الوِلاية وراثةً، فقد قال زكريَّا ﷺ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى ويَرِثُ مِن آلِ يعقُوب﴾ [مريم: 6]، قيل معناه: يَرِثُ النبوَّة لا المال.
وقد قيل: معنى الآية: وعلى الصبيِّ المولود - وهو وارث الأب - نفقة أُمِّه من ماله إن كان له مال، ولم يكن له أب - وهو اختيار الطبري، وهو قول الضّحاك -.
فالوارثُ - على هذا القول -: اسم المولود. لأنه وارثُ الزَّوج - وهو الأبُ الميِّتُ، والدُه - وهو قولٌ حسن.
وعن ابن عباس في معنى ذلك: وعلى وارث الصَّبيِّ من أَجر الرّضاع مثلُ ما كان على أبيه إن لم يكن للصَّبىِّ مال.
وقال قتادةُ: على ورثة الصَّبِيِّ أن ينفقوا عليه على قدر ميراثِ كُلِّ واحدٍ منهم. وبه قال أَهلُ العراق.
فالآية محكمةٌ عندهم.
البقرة 2:234
قوله تعالى: ﴿والذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُم ويَذَرُونَ أَزوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَربعةَ أَشْهُرٍ وعَشْراً﴾.
أكثرُ العلماء على أن الآيةَ ناسخةٌ للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿والذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزواجاً وصيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَتَاعاً إِلَى الحَوْلِ غيرَ إخراج﴾ [البقرة: 240].
فَأَوجَبَت هذه الآيةُ للمتوفى عنها زوجُها أن يُنْفِقَ عليها سنةً من مال المتوفَّى، وتسكنَ سنةً ما لم تخرج وتتزوج.
ثم نُسِخَت النفقة بآيةِ المواريث في النساء، وبقوله - عليه السلام -: "لاَ وَصِيَّةَ لِوارث" ونُسِخَ الحولُ بأربعةِ أشهرٍ وعشراً.
وذكر ابنُ حبيب أن الحرَّةَ (كانت) إذا توفِّيَ عنها زوجُها خُيِّرت إن شاءت أن تقيمَ في بيتِ زوجها وينفق عليها من ماله سنة فإن أَبَت إلا الخروج لم يكن لها شيءٌ (من) ماله فَنُسِخَ ذلك بالمواريث في النساء.
وهذا مما تَقَدَّم الناسخُ فيه على المنسوخ في رُتبةِ التَّأليف للقرآن، وحقُّ الناسخ في النّظر أن يأتيَ بعد المنسوخ: لأَن الناسخَ ثانٍ أبداً، والمنسوخَ متقدمٌ أبداً.
وإنما استُغْرِبَ هذا؛ (لأنه) في سورةٍ واحدةٍ، ولو كان في سورتين لم يُنْكَر أن يكونَ الناسخُ في الترتيبِ قبلَ المنسوخ، فهو كثيرٌ من سورتين، لأن السورةَ لم تُؤَلَّف في التَّقديم والتأخير على النزول، أَلا ترى أنّ كثيراً من المكِّيِّ بعد المدني، والمكيُّ نزل أولاً.
وإنّما (حُكِمَ في) هذا بأن الأَوَّلَ نسخ الثاني دونَ أن ينسخَ الثاني الأَولَ على رتبة الناسخ والمنسوخ بالإِجماع (على أَنَّ) المتوفى عنها زوْجها ليس عليها أن تعتدَّ سنةً، وأَنَّ عِدَّتَها أربعةُ أَشهرٍ وعشراً، ولحديث النبي ﷺ إذا قال: "إنَّما هيَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، وقد كانت إحداكُنَّ في الجاهلية ترمي بالبَعَرَة عند رأس الحول". فبيَّن أن الحولَ أمرٌ كان في الجاهليَّة وأن العِدَّةَ في الإِسلام أربعةُ أشهرٍ وعشر، والنبي - عليه السلام -. يبيّن القرآن فقد بيَّنه، فَعُلِمَ أن الأولَ ناسخٌ للثاني وعُلِمَ أن الأُولى في التلاوة نزلت بعد الثانية ناسخةً لها.
وقد قيل: إنَّ هذا ليس بنسخ؛ وإنما هو نقصانٌ من الحول لم ينسخ الحولُ كُلُّه إنما نقص منه.
ويلزم قائلَ هذا أن يكونَ قولُه تعالى: ﴿وإن يكُن مِنكُم مائةٌ صابِرةٌ يغلبوا مائتين﴾ ليس بناسخٍ لما قبلَه إنما هو نقصانٌ مما قبلَه.
وكونُه منسوخاً أَبينُ في المعنى وعليه أَكثرُ العلماء؛ لأنه إزالةُ حُكْمٍ ووضعُ حُكْمٍ آخرَ مَوْضِعَه مُنْفَصلٍ منه. وقد قال ابنُ مسعود: إنَّ قولَه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بأَنفُسِهِنَّ أَربعةَ أَشهرٍ وعشراً﴾ نُسِخَ منها الحواملُ بقولِه: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] والذي عليه أهلُ النَّظر أنه تخصيصٌ وبيانٌ بأَنَّ آيةَ البقرةِ في غيرِ الحواملِ والمعنى: ويذرون أزواجاً غيرَ حوامل يتربصْنَ بعدهم أربعة أشهرٍ وعشراً.
البقرة 2:235
قوله تعالى: ﴿إلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾:
أكثرُ النَّاس على أنه محكَمٌ أباح به التعريضَ بالنكاح للمعتدَّة.
وقال ابنُ زيد: هو منسوخٌ بقوله: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكتابُ أَجَلَه﴾ [البقرة: 235]. فمنع من التعريض وغيره في العِدَّة.
البقرة 2:236
قوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾:
أمر الله في هذه الآية بالمتعة على مَن طلَّق قبلَ الدخول ولم يَفْرِض. قال ابنُ المسَيِّب: كانت المتعةُ واجبةً لمن لم يُدخَل بها من النساء، بقوله في الأحزاب: ﴿فَمَتِّعوهُنَّ وسَرِّحوهنَّ سراحاً جَميلاً﴾ [الأحزاب: 49]، وبقوله في هذه السُّورة: ﴿ومَتِّعوهُنَّ على المُوسِعِ قَدَرُهُ، وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]. فنسخ ذلك بقوله: ﴿وإن طَلَّقْتُموهُنَّ مِن قَبْلِ أن تمسُّوهُنَّ وقَد فَرَضْتُم لَهُنَّ فَريضةً فَنِصْفُ ما فَرَضتُم﴾ [البقرة: 237].
وعنه أيضاً أنه قال: كانت المتعَةُ واجبةً بالآية التي في الأحزاب قولُه: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سراحاً جَمِيلاً﴾، قال: ثُمَّ نَسَخَها بالآية التي في البقرة، قولُه: ﴿حقَّاً على المُحْسِنين﴾، ولم يقل عليكُم ولا واجبٌ عليكم.
قال أبو محمد: ويلزَمُ من قالَ بهذا القولِ أن يكونَ المنسوخُ منها التي قد فُرض لها خاصة، وتكون التي لم يُفرَض لها باقيةً على حكم إيجاب المتعة؛ لأنه قال في الآية النَّاسِخة: ﴿وقد فَرَضْتُم لَهنَّ فريضةً﴾، فإذا كانت المطلَّقَةُ قبلَ الدَّخولِ بها لم يُفْرَض لها شيءٌ، فهي باقيةٌ على حكم الآيةِ الأُولى في إيجابِ المتعة - وهو قولُ ابنِ عباس وجماعةٍ من الفقهاء -.
لكن إيجابَ ذلك على المتقين وعلى المحسنين دونَ غيرِهم يدلُّ على أنه ندبٌ غيرُ فرض؛ إذ لم يقُل حقاً عليكم (وإذ لم يأت بتحديد ما يمتّع) به في كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ. فالنَّدبُ أولى به؛ (إذ) لا يُعْلَمُ قدرُه.
وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: المتعةُ واجبةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقةٍ - وبه قال الحسنُ وابنُ جبيرٍ والضَّحاك -.
وقال شُريح: المتعةُ: نَدَبَ الله إلى فعلِها عبادَه: قال: ولو كانت واجبةً لم تجب على المحسنين وعلى المتقين دونَ غيرِهم، ولكان يقول: حقاً عليكُم. وكان شُرَيح يقول: مَتِّعْ إن كنتَ من المحسنين. ألا تحبُّ أن تكون من المتقين.
وهذا القول هو الاختيارُ وهو مذهب مالك.
وأكثرُ الفقهاء يأمر مَن عقَدَ النِّكاحَ على التعريض ولم يَفْرِض وطَلَّق قبل الدخول بالمتعة، ولا يحكُم عليه بها.
ويكونُ قولُه تعالى في الأحزاب: ﴿فَمَتِّعوهُنَّ﴾، على الندب بدلالة آية البقرة في قوله: ["على المحسنين"، "وعلى المتقين"]؛ وبدَلالة (أنها غيرُ محدودةٍ) "ولا مُقَدَّرةٍ"، من كتاب الله ولا من سُنَّةِ رسول الله ولا مِن إجماع.
فَمَن مَتَّعَ بدرهمٍ فأقل وَجَبَ له اسمُ (الإِمتاع)، وكذلك مَنْ مَتَّعَ بألفِ مثقال.
وليس لهذا في الفروض نظيرٌ يُحْمَل عليه. فهو بالنَّدْبِ أولى مِنه بالفرض. وهو قولُ عامَّة الفقهاء والصَّحابة والتابعين إلا اليسير (منهم).
وقد أجمعوا على أن المطلَّقَةَ قبلَ الدخول لا تَضْرِبُ مع الغرماء بالمتعة كان قد فرض لها أو لم يفرض، وتضربُ معَهُم بنصفِ ما فُرِض لها. فدلَّ ذلك على أن المتعةَ غيرُ واجبةٍ.
وليس قول من احتجَّ بأن سورةَ الأحزاب نزلَت بعد البقرة فلا يَنْسَخُ ما في البقرة ما (في) الأحزاب بشيءٍ، لأنه لا يَدّعي أَحدٌ أن البقرةَ كُلَّها نزلت بعد الأحزاب. بل نزلَ منها (شيءٌ) قبل الأحزاب وبعدَها.
فقد قال ابنُ عباسٍ وعمرُ بن عبدِ العزيز: آخرُ (آيةٍ) نزلت: ﴿واتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى الله﴾ [البقرة: 281].
(وقال) عمرٌ - رضي الله عنه -: آخر (ما نزل) آية الرِّبا.
ورُوِيَ أن قولَه: ﴿واتَّقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى الله﴾ نزل قبل موت النبي ﷺ بثلاث ساعات، فقال: اجعلوها بعد ثمانين ومائتين من البقرة. فهذا يَدُلُّ على أنَّ أشياءَ من البقرة نزلت بعد الأحزاب. ولستا نعيّن شيئاً من ذلك إلا برواية صحيحة.
فلا حُجَّةَ في أن الأحزابَ نزلت بعد البقرة.
وعن ابن عباس: أَنَّ المتعةَ واجبةٌ للتي طُلِّقَت قبل الدخول ولم يُفْرَض لها. وبه قال العراقيون غيرَ أَنَّهم حدّوا (ما تُمَتَّع به)، فقالوا: إذا طلَّق قبل الدخول ولم يفرض لها، مَتَّعَها بمثل نصف صَداق مثلها.
البقرة 2:238
قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانتين﴾.
[تواترت الأخبارُ عن عائشةُ - رضي الله عنها - أنها قرأت: والصَّلاة الوسطى] وصلاة العصر.
فقال بعضُ العلماء: إن هذا مما نُسِخَ من التِّلاوة وبقي حفظُه في القلوب.
وقيل: هي قراءةٌ على التفسير، وهذا إنما يَصِحُّ بحذف الواو من "وصلاة العصر".
وهذا كُلُّه صحَّ فإنما نَسَخَهُ الإِجماعُ على ما في المصحف، لأنَّه لا يزادُ فيه شيءٌ يخالف خَطَّه.
وقد رُوِيَ عن البراء بن عازب أن قال: كُنَّا نقرأُ على عهد رسول الله ﷺ (قال): ثم إنَّ الله نسخَها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الوُسْطَى﴾.
فمَن قال: الوسطى: صلاةُ العصر، قال: كان لها إسمان نُسِخَ أَحدُهما بالآخر.
ومن قال: الوسطى غيرُ صلاة العصر، لم يجعل لِلعصر إلا اسماً واحداً نُسخ بصلاةٍ أخرى.
والوسطى - عند مالك - صَلاة الصُّبْح لأنها بين صلاتين من اللَّيل وصلاتينِ من النهار، ولأنها أَفضَلُ الصلوات الخمس (بدلائل) قد ذكرناها في غير هذا. وفيها اختلافٌ كثيرٌ قد ذكرناه في غير هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: 238]:
قال بعضُ العلماء: هذا ناسخٌ لما كانوا عليه من الكلام في الصَّلاة للنوائب، وردِّ السلام، وتشميتِ العاطس في الخُطبة، والأمرِ بقضاء الحوائج، ونُسِخَ النَّفْخُ في الصلاة بما نُسِخَ به الكلامُ أيضاً، وكذلك، التَّنَحْنُحُ.
وقد رُوِيَ أن النبيَّ ﷺ فَعَلَهُما في الصَّلاةِ قبلَ نسخ الكلام في الصَّلاة، ثم نُسِخا بما نُسِخَ به الكلامُ.
قال أبو محمد: وقد كان يجبُ ألا يُذْكَر هذا؛ (لأنه) لم ينسخ قرآناً، إنما نسخ أمراً كانوا عليه بغيرِ إباحةٍ من الله (ورسولِه) (لَهم)، ولا نهى عنه. والقرآنُ كُلُّه على هذا المعنى (نزل).
وأصلُ القنوت: الطاعة، فالواجبُ حملُه على أصله، ويكون معناه: الأمر باطاعة لله على كل حال لا يخص صلاة دون غيرها.
ويكونُ تركُ الكلام في الصَّلاة بفعل النبي ﷺ في صلاتهِ بهم أكثرَ ما أقام بينَهُم، فهو من التَّواتر المقطوع على تغييبه.
فَمَن قال (نُسِخَ الكلامُ في الصلاة بقوله: ﴿وقُومُوا لله قَانِتِين﴾ قال): نُسِخَ ذلك في المدينة.
ومَن قال: نُسِخَ (ذلك) بالسُّنَّة، قال: نُسِخَ الكلامُ في الصَّلاة بمكة - وهو مذهبُ الشافعي -.
البقرة 2:240
قوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَعروفٍ﴾:
ذكر ابنُ حبيبٍ أن قولَه تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أنفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوف﴾: منسوخٌ بقولِه: ﴿والذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُم ويَذَرُونَ أَزوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشراً﴾ [البقرة: 234] فصار التربُّصُ عزيمةً لا خيار لهنَّ في ذلك، وكُنَّ في السُّنَّةِ مُخَيَّرات.
البقرة 2:256
قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ الآية:
هذه الآيةُ عند جماعةٍ منسوخةٌ بقوله: ﴿يا أَيُّها النَّبِيُّ جَاهِد الكُفَّارَ والمُنَافِقِين واغلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73]، جعلوها عامَّة، فلم يرضَ رسولُ الله ﷺ بعدَ نزولها من العربِ إِلاَّ بالإِسلام وإكراهِهِمْ عليه.
وقد رُوِيَ عن عمرَ أَنه عَرَض على مملوك له الإِسلامَ فأَبى فترَكَه ولم يكْرِهْهُ، فهي - على هذا القول - محكمة.
وقد قيلَ: إن الآيةَ مخصوصةٌ نزلت في أهل الكتابِ ألاَّ يُكْرَهوا إذا أَدَّوا الجزيةَ، ودلَّ على أنها في أَهلِ الكتاب قولُه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِد الكُفَّارَ والمُنَافِقِين﴾ [التوبة: 73] ولم يذكُرْ (أهلاً لِكتاب).
ودلَّ على ذلك أيضاً قولُه: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَلاَ باليَوم الآخِر ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّم اللهُ ورسولُه ولاَ يَدِينونَ دينَ الحقِّ مِن الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرون﴾ [التوبة: 29]. فقد مَنع مِن قِتالهم وإكراهِهم إذا أَعطَوا الجزيةَ.
وقال ابنُ عباس: الآيةُ محكمةٌ مخضوضةٌ نزلت في أبناء الأنصار، وذلك أن الأنصارَ كان تتزوجُ في اليهودِ بني النضير، وكانت المرأةُ منهم تجعل على نفسِها إن عاشَ لها ولد أَن يُهَوِّدوه، فلما أجْلى النبي ﷺ بني النَّضير، وأَخرجَهم من جزيرة العرب، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالَت الأنصار: لا ندع أبناءَنا، فأَنزَل الله: لا إكراه في الدين، فكان مَن (شاءَ لَحِقَ) بأبيه، ومَن شاء لَم يلْحَق.
وقال الشعبي: نزلت هذه الآيةُ في قومٍ من الأنصار كانوا يُهَوِّدونَ أبناءَهم قبل الإِسلام، إذ لا يعلَمون ديناً أفضلَ من اليهوديَّةِ، فلمَّا أتى الله بالإِسلام وأسلَم الآباءُ أرادوا أن يُكْرِهوا أبناءَهم على الإِسلام، فأنزل اللهُ: ﴿لاَ إكراهَ فِي الدِّين﴾.
وقال أبو عبيد: وَجْهُها عندي أن تكون لأَهل الذِّمَّة، يعني لا يكرهون على الإِسلام إذا أَدَّوا الجزية.
فالآية محكمة على هذه الأقوال. وهو الأظهر فيها والأولى.
البقرة 2:280
قوله تعالى: ﴿وإن كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال جماعة: هذه الآيةُ ناسخةٌ لما كانوا عليه من بيع المعسِر فيما عليه من الدَّيْن، وروي أن النبيَّ ﷺ أمر أعرابياً ببيعِ رجلٍ معسرٍ (كان له عنده ديْن) فأقبل الناس يَسومونَه فيه، وقالوا: نريد أن نفديَهُ منك، فقال: والله ما مِنكُم من أحدٍ أحوجَ إلى الله (مني) اذهبْ فقد أَعْتَقْتُك.
ورويَ أن النبيَّ ﷺ حدّث أن الخضر سأله مكاتَبٌ في صدقة، وحلَّفه بوجه الله، فأعطاه نفسه إعظاماً لوجه الله فباعه المكاتَب بأربع مائةِ درهم، (ثم أقام) مدَّةً مملوكاً حتى أعتقه مشتريه في قصّة طويلة ذكرنا بعضها على المعنى - والله أعلم بصحة ذلك -.
قال أبو محمد: وقد كان يَجبُ ألاَّ تذكرَ هذه الآيةُ في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها لم تنسخ قرآناً، ولا سُنَّةً ثَبَتت. إنما نَسَخَت فِعلاً كانوا عليه بغير أمرٍ مِن الله. والقرآنُ كُلُّه (أو أكثرُه) على هذا، نَقَلهُمْ حكمه عما كانوا عليه. وقد قال شريح: الآيةُ في الربا خاصة.
والذي عليه جماعةُ العلماء أنها عامةٌ محكمةٌ فِي كُلِّ مُعْسِرٍ عليه دين من ربا (وغيره)، يُنْظَرُ بالدَّيْنِ إلى يُسْره.
البقرة 2:282
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّىً فاكْتُبُوه﴾.
أَمر اللهُ - جلَّ ذِكْرُه - في هذه الآية بكتابِ الدَّيْنِ للتَّوَثُّق من الذي عليه الدَّيْن لئلا يجحدَ أو يموت.
وقال بعد ذلك: ﴿وأَشْهِدوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، فأَمرَ بالإِشهادِ أَمراً عاماً.
وقال: ﴿وَلاَ تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِه﴾، فأَكَّدَ إيجابَ ذلكَ عَلَيهم.
ثم نَسَخَ ذلك وخَفَّفَه بقولِه: ﴿فإِنْ أَمِنَ بَعضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذِي اؤتمِنَ أَمَانَتَه﴾ [البقرة: 283] - وهذا قولُ أبي سعيد الخدري والحسن وابن زيد والحكم والشعبي ومالك وجماعةٍ من العلماء -.
فيكونُ هذا - على هذا القول - مِمَّا نُسِخَ فرضُه بغيرِ فرض. بل نحنُ مُخَيَّرون في فعل الأوّلِ وتركِه، مَن شاءَ كَتَب (ومَن شاءَ لم يَكتُب) ومن شاءَ أشْهَد، ومن شاء لم يُشْهد.
وقال مالكٌ وغيرُه: هو نَدْبٌ وإرشَادٌ لا فرضٌ. فلا نسخَ فيه - على هذا القول -.
لكن يحتاجُ هذا القولُ إلى دليلٍ يُخْرِجُ لفظَ الأمرِ إلى معنى الإِرشادِ والنَّدب، وإلاَّ فالكلام على (ظاهره أمر) حتم. والذي يدل على أنه ندبٌ غيرُ حتم، قولُه: ﴿فإن أَمِنَ بَعْضُكُم بعضاً فَلْيؤدِّ﴾ [البقرة: 283] الآية، وقولُه: ﴿وأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] - ولم يقل أَحلَّه ببيِّنة -. وحملُه على الإِرشاد والنّدب قولُ أكثر العلماء وهو الصواب - إن شاء الله -.
قال ابن شعبان. الأمر بالإِشهاد منسوخ بقوله: ﴿وأَحَلَّ الله البيعَ﴾، ولم يذكر معَه إشهاداً.
ويدلُّ على أن الإِشهادَ ليس بفرضٍ إِجماعُ العلماء أنَّ مَن ادّعى على رجلٍ دَيْناً وقال لم أُشْهِد عليه، أنه يُحكَمُ له عليه باليمين إذا أنكر. فلو كان الإِشهادُ فرضاً لم يُحْكَم له عليه باليمين؛ لأنه ترك الفرضَ الذي لزمَه وأتى بدعوى فدلَّ ذلك على إجازةِ البيع بغيرِ إشهاد.
ولو كان البيعُ لا يجوز إلاَّ بإشهاد لانفسخت كُلُّ صفقةٍ تُعْقَد بلا إِشهاد، لأنهما عقدا على ما لا يَحِلّ إن كانَ الإِشهادُ فرضاً.
فدلَّ ذلكَ على أَنَّه ندبٌ غيرُ حَتْم.
وقالت طائفةٌ مِن العلماء: الآيةُ مُحْكَمةٌ. والإِشهادُ والكتابُ فرضٌ وعلى مَنْ له دَيْنٌ أن يَكْتُبَه إذا وجد كاتباً، قالوا: وَقَولُه: ﴿فَإِن أَمِنَ بعضُكُم بَعضاً﴾ - الآية - إنما ذلك عِندَ عَدَمِ الكاتب والشُّهودِ في السَّفر - وهو قولٌ رُوِيَ عن ابن عمر وابن عبّاس وأبي موسى الأشعري وابن سيرين وأبي قلابة والضَّحاك وجابر بن زيد ومجاهد -.
وقد قال عطاء: أَشْهِدْ إذا بِعْت (أو اشتريت) بدرهم أو بنصف درهم، أو بثُلُثِ درهم - ومثلُه عن الشعبي، وإلى هذا القول ذهب داود، وبه قال الطَّبري - يريدون إذا كانَ التَّبايُع بدَيْنٍ في الثمن أو في المثمن - واستدلّوا على ذلك بأَنَّ الله تعالى قد جعل عِوَض الشُّهود أخذَ الرهن إذا عُدِمَ الكاتبُ والشهودُ، (أو الكتابُ) والشاهدُ.
ثم ذكرَ الأمانةَ (بعد عدم) الشاهد والكاتب، فيتركُ أخذَ الرَّهن ويأتمنه على مَالَهُ عليه. وإِنَّما الأمانة عندَ عدَم (الكاتِب والشَّاهد).
والعفوُ عن أخذ الرَّهن (إذ لا يجد معه رهناً).
والإِشهادُ واجبٌ إذا وجدَ الكاتب والشهودَ أو الشهودَ فقط.
وقال بعضُهم: الآيةُ على الأمر حتى يأتيَ ما يَدُلُّ على أنها ندبٌ وإِرشادٌ. وقد ذكرنا ما يدلُّ على ذلك.
قال أبو محمد: وهذا المذهبُ فيه حَرَجٌ عظيم وضيقٌ يحتاجُ الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ الضعيفةُ القليلةُ الحيلةِ وغيرُهم إذا اشتروا أو باعوا في النهار عشرَ مرات فأكثر بثُلث درهم (وبنصف) درهم أن يُشْهِدوا في كل مرَّة إذا لم يقبضوا ما اشتروا في الوقت أو باعوا، وقد قال الله - جلَّ ذكرُه -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَج﴾ [الحج: 78] فنفى فرضَ ما فيه الحرج، وهذا مِن أَعظَمِ الحَرَج.
وقد قال قومٌ: إنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على جوازِ التَّبايُعِ إلى أجل عامَّةً فَتَدُلُّ على جواز السَّلَم في كل شيءٍ فهي ناسخة لنهيه ﷺ عن بيع ما ليس عندَك، إذ السَّلَمُ: هو بيعُ ما ليسَ عِندَك.
وقال آخرون: الحديثُ مخصوصٌ في غيرِ السَّلَم بإجازةِ النبي ﷺ (السَّلَمَ) في الشيء المعلومِ إلى أجلٍ معلوم. [فالمعنى: أنه نهى عن بيع ما ليس عندَك مما ليس بسَلَم في شيءٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلوم]. فالحديث مخصوصٌ محكم والآية محكمةٌ على النَّدب.
البقرة 2:284
قوله تعالى: ﴿وإِن تُبدوا ما فِي أَنفُسِكُم أو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بهِ الله﴾:
قال ابنُ عباس: هي منسوخةٌ (بقوله): ﴿لا يُكَلَّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة: 286].
وقال ابن مسعود: وعن أَحدِهما أيضاً أنه قال: هي محكمةٌ لا منسوخةٌ، وأن الله يحاسبُ كُلَّ نفسٍ بما أخفت فيغفرُ للمؤمن ويعاقبُ الكافرَ، وهو قوله: ﴿فيغفرُ لِمن يَشَاء﴾ (وهو المؤمن) ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاء﴾. - وهو الكافر - وهذا قولٌ حسن.
وعن ابن عباسٍ أيضاً أنه قال: الآيةُ مخصوصةٌ محكمةٌ نَزَلَت في كِتمان الشَّهادةِ خاصةً. ودلَّ على ذلك تَقَدُّمُ ذكر الشهادة والأَمرُ بتركِ كِتمانها وأدائها - وهو قولُ عكرمة - فهذا أيضاً قولٌ صالح.
آل عمران 3:20
قوله تعالى: ﴿فإن حاجُّوكَ فَقُلْ أَسلمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه﴾:
(ذكر) بعضُ العلماء أنه منسوخٌ بقوله: ﴿وَجادِلْهُم بالتِي هِيَ أحْسَن﴾ [النحل: 125].
قال أبو محمد: وهذا إنّما يجوز على قول من قال: إن مِنْ قوله تعالى: ﴿ثم إنَّ رَبَّك لِلذَّينَ هَاجَروا﴾ - في النحل - ألى آخرها مدنيّاً وهو قول قتادة.
[وأكثر العلماء على أن السورة مكية] إلا ثلاث آيات نزلَتْ بين أُحُد والمدينة وهي قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم﴾ إلى آخر السورة، فعلى قول الجماعة: لا يجوز أن تَنْسَخَ ﴿وَجَادِلْهُم بالتِي هِيَ أَحسن﴾ قَوْلَه: ﴿فإن حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه﴾ لأنَّ المكيَّ لا ينسخُ المدنيَّ [البتَّةَ، ولا يجوز، كيف يَنْسَخُ الشَّيْءَ ما لم ينزل بَعدُ؟!
وهو يجوزُ على قول قتادة؛ لأن المدنيَّ يَنْسَخُ المدنيَّ].
قال أبو محمد: والذي أقولُه إن هذا لا نسخَ فيه؛ لأنَّ قولَه: ﴿فَقُلْ أسلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه﴾ هو مِن المجادَلة بالتي هي أحسن. فالآيتان مُحْكَمتان.
آل عمران 3:41
قولُه تعالى: ﴿قالَ آيتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاّ رَمْزاً﴾:
مَن أجازَ نَسْخَ القرآن بالسُّنَّةِ، قال: هذا منسوخٌ بقول النبي ﷺ: "لا صمت يوماً إلى الليل".
قال أبو محمد: وهذا لا يجوزُ أن يكونَ فيه نسخٌ؛ لأنه خبرٌ من الله لنا عما كان مِن أمره لزكريّا عليه السلام. وليس بأمرٍ لنا. ولا (تَعبَّدنا اللهُ به فيجوزُ أن يُنْسَخ. إنّما هو حكايةٌ عمّا كان. ولا (تُنْسَخُ الحكاياتُ لأنها إخبارٌ عمَّا كان.
وقد قيل: إن معنى الحديث: "لا صُمْتُ عَن ذكرِ الله يوماً إلى الليل"، وتركُ ذكرِ الله ممنوعٌ منه في كُلِّ شريعةٍ، فهذا هو المختار.
وإنما يجوز أن يكونَ هذا منسوخاً: لِقوله ﷺ: "لا صمتُ يوماً إلى الليل" - على قول مَن قال: إن شرائعَ الأنبياء يلزمُنا العملُ بها ما لم يُحْدِث اللهُ لنا حُكْماً يخالفُها. وهذا أصلٌ فيه تنازعٌ "بين أَهلِ الأُصول" سنذكره في غير هذا الكتاب، وقد (ذكرنا) متقدِّماً منه طرفاً وإشارةً تُنَبِّهُ على الصَّواب في ذلك.
آل عمران 3:102
قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقاتِه﴾:
قال قتادةُ: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقوله: ﴿اتَّقوا الله مَا استَطَعْتُم﴾ [التغابن: 16]. - وقاله الربيع بن أنس والسُّدِّي وابنُ زيد -.
وأكثرُ العلماء على أنه محكمٌ (لا نسخَ فيه)؛ لأن الأمرَ بتقوى الله لا يُنْسَخُ. والآيتان تَرْجِعان إلى معنىً واحد.
قال أبو محمد: وهذا القولُ حسنٌ؛ لأن معنى ﴿اتَّقُوا اللهَ حقَّ تُقاتِه﴾: اتقوه بغايَةِ الطَّاقَةِ، فهو قولُه: ﴿اتَّقوا الله ما استطعتم﴾؛ إذ لا جائزَ أن يُكَلِّفَ اللهُ أحداً ما لا يُطيق. وتقوى اللهِ بغايةِ الطَّاقةِ واجبٌ فرضٌ فلا يجوزُ نَسْخُه؛ لأَنَّ في نسخِه إجازةَ التقصير مِنَ الطَّاقَةِ (في) التقوى، وهذا لا يجوز.
وقد قال قتادةُ والسُّدِّي وطاووس: "حقَّ تُقاتِه": أن يطاعَ فلا يُعصى، ويذكرَ فلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر.
قال أبو محمد: ولا يجوزُ نَسْخُ شيءٍ من هذا.
وقال ابن عباس: حقَّ تُقاتِه: أن تجاهدَ في الله حقَّ جهاده ولا تأخذَكَ في الله لومةُ لائم. وأن تقوموا لِلَّهِ بالقِسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم.
وهذا كُلُّهُ لا يُنْسَخُ ولا يحسُنُ فيه ذلك.
آل عمران 3:128
قولُه تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِن الأَمْرِ شيءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهُمْ﴾:
قال بعضُ الكوفيين: هذا ناسخٌ للقنوتِ الذي كان النبي - عليه السلام - يَقْنُتُ به في (شهر) رمضان، ويدعو فيه على الكفَّار مِن قومِه (وغيرِهم).
قال أبو محمد: وقد كان حَقُّ هذا أَلاَّ يُذْكَرَ في الناسخ والمنسوخ؛ لأنَّه لم يَنْسَخْ قُرآناً. وأيضاً فإنه لو كان (هذا) منسوخاً لم يَجُزْ لنا أن ندعوَ اليومَ على الكُفَّارِ ونلعَنُهم في صلاتنا، وذلك جائزٌ بإجماع.
وقد قال أَنسُ بنُ مالك وغيرُه: إنَّ هذه الآية نزلت فيما أصابَ النبيَّ يومَ أُحُد من المشركين إذ كَسروا رُباعيَّتَه، وشَجُّعوا جبينه، فجعل ﷺ يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يُفْلِحُ قومٌ خضَّبوا (وجهَ) نَبيِّهم بدمه، وهو يدعوهم إلى الله؟! فنزلت: ﴿ليْسَ لَكَ مِن الأمْرِ شيءٌ﴾ - الآية -.
فهي غيرُ ناسخةٍ لشيء. وهذا أَولى بالآية.
آل عمران 3:169
قوله تعالى: ﴿ولا تَحسَبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَل أحيَاء﴾ إلى: ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾:
روي عن مطرفِ عن مالكٍ عن ابن شهابٍ عن أنس بن مالك أنه قال: نزلت في الذين قُتلوا يومَ بئرِ معونة، وذلك أنهم لما أُدخلوا الجنةَ قالوا: يا ليتَ قومَنا يعلمونَ بما أكرمنا ربُّنا، فقال الله: أنا أُعْلِمُهُم عنكُم. فأنزل الله في ذلك: (بَلِّغُوا قومَنا أَنْ قَد لقينا رَبَّنا فرضيَ عَنَّا ورضينا عنه). قال أنس: وكان ذلك قُرآناً قرأناه، ثم نُسِخَ بقوله: ﴿ولاَ تَحْسَبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ إلى قوله: ﴿ولاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾.
قال أبو محمد: وكان حَقُّ هذا (أَلاَّ يُذْكَرَ في الناسخ لأنه لم ينسخ قرآناً مجمَعاً عليه يقطع على عينه. ولكن رواه مالك، عنه فذكرناه لأنه قد نَسخ شيئاً غيرَه.
آل عمران 3:170
قوله تعالى: ﴿ولا تَحسَبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَل أحيَاء﴾ إلى: ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾:
روي عن مطرفِ عن مالكٍ عن ابن شهابٍ عن أنس بن مالك أنه قال: نزلت في الذين قُتلوا يومَ بئرِ معونة، وذلك أنهم لما أُدخلوا الجنةَ قالوا: يا ليتَ قومَنا يعلمونَ بما أكرمنا ربُّنا، فقال الله: أنا أُعْلِمُهُم عنكُم. فأنزل الله في ذلك: (بَلِّغُوا قومَنا أَنْ قَد لقينا رَبَّنا فرضيَ عَنَّا ورضينا عنه). قال أنس: وكان ذلك قُرآناً قرأناه، ثم نُسِخَ بقوله: ﴿ولاَ تَحْسَبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ إلى قوله: ﴿ولاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾.
قال أبو محمد: وكان حَقُّ هذا (أَلاَّ يُذْكَرَ في الناسخ لأنه لم ينسخ قرآناً مجمَعاً عليه يقطع على عينه. ولكن رواه مالك، عنه فذكرناه لأنه قد نَسخ شيئاً غيرَه.
النساء 4:3
قوله تعالى: ﴿فانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِن النِّساءِ مثْنَى وثُلاَثَ ورُباع﴾ الآية:
ذكر جماعةٌ أن هذه الآيةَ ناسخةٌ لما كانوا عليه في الجاهلية وبرهةً من الإِسلام. كان للرجل أن يتزوَّج ما شاء من عِدّةِ نساء، فَنَسَخَ اللهُ ذلكَ بهذه الآيةِ، وجعل أقصى ما يجوزُ لِلرَّجُل أن يتزوج أربعاً.
قال أبو محمد: وهذا مما يجبُ أن لا يُذكَرَ في ناسخ القرآن ومنسوخه؛ لأنه لم ينسخ قرآناً، إنما نسخ أمراً كانوا عليه في حال كُفرهم، (وبقوا) عليه في أول إِسلامهم قبل أن يُؤْمروا بشيء. والقرآنُ كُلُّه - على هذا - هو ناسخٌ لما كانوا عليه من شرائِعهم التي اخترعوها وكُفرِهِم وعبادتِهم الأصنام وغيرِ ذلك. فلو وجَبَ ذِكْرُ هذا، لَوَجَب ذِكْرُ جميع القرآن (في الناسخ والمنسوخ)، وقد بيَّنا هذا.
النساء 4:6
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فقيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعْروف﴾:
أباحت هذهِ الآيةُ في ظاهر نَصَّها للوصيِّ إذا كان فقيراً أن يأكلَ من مال يتيمه بالمعروف، وهي - عند ابن عباس - منسوخةٌ، بقوله تعالى: ﴿إنَّ الذِينَ يأكُلُونَ أَمْوالَ اليَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: 10] الآية. وقاله زيدُ بنُ أَسلم.
وقيل نُسِخَتْ بقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالبَاطِل﴾ [البقرة: 188].
وقال أهلُ العراق: لا يَأْكُلُ الوصِيُّ من مَالِ يتيمه شيئاً إلا أَن يسافرَ مِن أَجْلِه، فلَه أن يَتَقَوَّتَ مِن مالِه ولا يَقْتَني.
وقالَ جماعةٌ من العُلماء: الآيةُ مُحْكَمةٌ غيرَ منسوخةٍ، ومعنى "بالمعروف": قَرْضاً يُؤَدِّيه إذا أَيْسَرَ.
وقوله: ﴿فأَشْهِدُوا عَلَيْهِم﴾: قيل معناه فيها: فيما استقرضْتُم من أموالهم - وهذا القولُ مرويٌ عن عمر وابنِ عباس والشّعبي وابنِ جُبَيْر، وهو قولٌ مختارٌ حسن -.
وقال أبو العالية: الآيةُ محكمةٌ، ومعنى: "بالمعروف": مِن الغَلَّةِ ولا يأكلُ مِن القاصر قَرْضاً ولا غيرَ قَرْض.
وقال الحسنُ وقتادةُ والنَّخْعي: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، ومعنى "بالمعروف": سَدُّ جَوْعَتِه إذا احتاج وليس عليه ردٌّ - وقاله عطاءُ وابنُ مسعودٍ وابنُ زيد -.
و(عن) ابن عباسٍ في معنى الآية قال: معنى "بالمعروف": أنه يَقُوتُ نفسَه إذا احتاج، ولا يأكلُ من مال يتيمه. فهي عنده منسوخةٌ على قوله الأول.
وقيل: معنى أَكل الوصِيِّ من مال اليتيم: إنما هو من التَّمر واللَّبَن، أُبيحَ له أكلُ ذلك لقيامه عليه. فكان ذلك أَجرُه له.
وروى نافعُ بنُ أبي نعيم عن يحيى بن سعيد وربيعة أن ذلك في اليتيم ينفق عليه على قدر يُسْرِه وعُسْرِه. وليس للوصيِّ في هذا شيءٌ.
فمعناه: مَن كان من اليتامى فقيراً فليأكُلْ - بالمعروف - على قدر مالِه ولا يسرفْ فينفدَ مالُه ويبقى فقيراً.
النساء 4:8
قوله تعالى: ﴿وإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولو القُربَى واليَتَامَى والمَسَاكِينُ فارْزُقُوهُمْ مِنْه﴾:
قال ابنُ عباس: هي منسوخةٌ بآية المواريث - وقاله الضَّحاكُ والسُّدِّي وعكرمة -.
وقال الحسن: هي منسوخةٌ (بآية) الزكاة.
وقال ابن المسيب: نسخها الميراثُ والوَصِيَّةُ.
وقال جماعةٌ من العلماء: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ لَكِنَّها على النَّدْبِ والتَّرغيب، وليسَتْ على الإِيجابِ والْحَتْم - وهو قولُ ابنِ جبير ومجاهد وعطاء وهو مرويٌّ أيضاً عن ابن عباس - وعنه أيضاً أنه قال: هي مخاطَبَةٌ للموصي (بقَسْم مالِه وصيةً بيده) على الندب والترغيب له في ذلك.
ويدل على أنها على الندب قوله في آخر الآية: ﴿وقُولوا لَهُم قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [النساء: 8] أي إن لم تعطوهم شيئاً ولم توصوا لهم، فقولوا لهم قولاً حسناً.
وأيضاً فإنها لو كانت فَرْضاً لكانَ الذي لهم معلوماً محدوداً كسائر الفرائِض.
وأيضاً فقد أجمعَ المسلمونَ على أنَّ الميراثَ إذا قُسم ولم يحضرْ أحدٌ مِن المذكورين أنه لا شيءَ لَهُم، ولو كان ذلك فرضاً لكان لهم ذلك حضروا أو غابوا، كسائر المواريث.
وهذا هو الصَّواب - إن شاء الله - وهو مذهبُ مالكٍ وأكثرِ العلماء.
فالآية محكمةٌ على الندب والترغيب غيرُ منسوخة.
وقد رُويَ عن مجاهد والحسن والزهري أنهم قالوا: هي محكمةٌ فيما طابت به أنفسُ الورثة عِندَ القِسْمَةِ.
وهذا هو النَّدبُ والترغيب بعينه.
قوله تعالى - إذ ذَكَرَ الله في عشر المواريث -: (الأولاَدَ والآباءَ والأخوة والأخوات والزوجات وغيرهم) .
فقال قوم: إنه لَفْظٌ عام في كل أخٍ وأَبٍ وأُم وزوج وزوجته وابن وبنت.
وإنه قد نَسَخَت منه السُّنَّةُ مَن كان مِن وارثٍ على غير دين الميت لا يرث.
ونَسَخَ منه الإِجماعُ مَن كان (وارثاً فيه بَقِيَّةُ رِقٍّ، لا يَرِث.
لقوله ﷺ: "لا يتوارثُ أهلُ دينين" ولقوله: "لا يرثُ المسلمُ الكافِرَ، ولا الكافرُ المسلمَ".
ولإِجماعِ أكثرِ الأُمَّةِ على أن لا يرِثَ من "كانَ" فيه بَقِيَّةُ رِق.
والذي عليه العملُ، وهو قولُ أهلِ النَّظَر، أَنَّ هذا (كُلَّه ليس بنسخٍ وإِنّما هو تخصيصٌ وتبيينٌ مِن النبيِّ ﷺ ومِنَ الإِجماع.
بيَّنَ النبيُّ ﷺ أن المرادَ بالآيات أهلُ الدِّين الواحد. وبيّن الإِجماعُ أن المرادَ الأحرارُ في ذلك كُلِّه.
فهو مخصَّص مبَيَّن غيرُ منسوخ. وقد تقدَّم ذِكرُ هذا.
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ - في أربعة مواضع في عشر المواريث -:
فعمَّ بالوصِيَّةِ ولم يُبَيِّنْ لها حدَّاً، فكان الحكمُ أن يوصيَ الميتُ بما أحبَّ من ماله، ويرثُ الورثةُ ما بقيَ بعدَ الوصِيَّةِ.
وإن أوصى بأكثر ماله - على ظاهر الآيات - لم يمتنع ذلك - على ظاهر النص -. فَنَسَخَ النبيُّ ﷺ ذلك، وحدَّ أكثرَ الوصِيَّةِ بِحَدٍّ لا يُتَجاوز، فقال لسعد: "الثُّلُثُ، والثُّلُث كثير"، فمنع ما أطلقت الآياتُ مِن الوصية بما أحب الموصي، وقَصَرت الوصيَّةَ على الثلث فأقل. فذلك نَسْخٌ لِعموم لفظ الآيات بالوصيَّةِ.
وهذا مِنْ نسخ القرآنِ بالسُّنَّة.
وقيل: إن هذا ليس بنسخ، إنما هو بيانٌ من النبي ﷺ كبيانِه لعدد الصلاة والزكاة (وشبهه، وهو الصواب - إن شاء الله) -.
وهو مذهب من لم يُجِزْ نسخَ القرآن بالسّنة.
النساء 4:15
قوله تعالى: ﴿واللاَّتِي يأتينَ الفَاحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ... فَأَمسكوهُنَّ فِي البُيُوتِ حتَّى يَتوفَّاهُنَّ المَوتُ أوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلاً﴾
كان الله - جَلَّ ذِكرُه - قد فرضَ في الزانِيَيْنِ المحْصَنَيْنِ إذا شَهِدَ عليهما بالزنا أربعةُ شهود أن يُحْبَسا في البيت حتى يموتا، أو يجعلَ اللهُ لهما سبيلاً، فجعلَ اللهُ السبيلَ بالرَّجم المتواتر نَقْلُه الثابت حُكْمُه المنسوخ تلاوتُه.
قال قتادة وغيره: نسخَها اللهُ بالحدود والميراث. وعلى هذا القول أكثرُ العلماء.
وقد قيل: إن هذه الآيةَ في البِكْرَيْن، فيكونُ نَسْخُ ذلك بالجلد مائةً المفتَرَضِ في سُورة النور.
وأكثرُ النَّاسِ على أن هذه الآيةَ في الْمُحْصَنَيْن. والذي بعدَه في البكرين.
وقد قيل: إنه ليس في هذا نسخٌ، لأن الله قال: ﴿أو يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلاً﴾، فعلَّق الفرضَ بوقت. فقد جعلَ "السبيلَ" بالحدود فليس بِنَسْخٍ وإنما كان حُكماً منتظراً فقد أَتى اللهُ به.
قال أبو محمد: وهذا لا يلزم؛ لأنه لم يُبَيِّن وقتاً معلوماً محدوداً، وإنما كانَ يَمتَنِعُ مِن النسخ لو قال: ﴿حَتَّى يتوفَّاهُنَّ المَوْتُ﴾ أو يَبْلُغن إلى (وقت) كذا أو كذا.
وقيل: إنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بقوله بعد ذلك: ﴿واللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنكُمْ فآذُوهُمَا﴾ [النساء: 16]. فصار حُكْم الزانِيَيْنِ الأذى بالقول والضَّربَ بالأيدي والنعال، ثم نُسِخَ ذلك بالجلد المذكور في سورة النور لِلْبِكْرَيْن، وبالرجم المنسوخِ لفظُه من التلاوة الباقي حُكْمُه للمُحْصَنَيْن.
قال أبو محمد: وهذا إنما يَصِحُّ على قول مَن قال: الآيتان في البكريْن. فأما من قال: الأولى في المحْصَنيْن، والثانية في البِكْرَيْن، فلا يحسنُ على قولِه نسخُ الأُولى بالثانية؛ لاختلافِ الحُكْمَيْن والمحكوم فيهم. لَكِنْ يكونانِ منسوخين بالحدود بالرجم للأولى، والجلد للثانية.
النساء 4:16
قوله تعالى: ﴿واللَّذَانِ يَأتِيَانِهَا مِنكُمْ فآذُوهُمَا﴾. الآية:
قال ابنُ حَبيب: هذا في البِكْرَيْن غيرِ المحْصَنَيْن.
قال قتادة: نسخَ اللهُ ذلك بالحدود في سورة النور.
وهذا القولُ يدلُّ على أن هذه الآيةَ في البكريْن، والأولى في المحصَنَيْن - وهو قول الطبري -.
النساء 4:18
قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يعمَلونَ السَّيِّئَاتِ﴾ . الآية:
لفظُ هذه الآية عامٌ يوجِبُ الإِياس من قبول توبة من عاينَ الرُّسُلَ (عند الموت) وحضره الموت مؤمناً كان أو كافراً. وقد قال قومٌ: هذه الآيةُ منسوخَةٌ عَن أهلِ التوحيد، نَسخَها الله بقوله: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾[النساء: 48]. حرَّم اللهُ المغفرةَ على من مات - وهو مشرك -. وأرجأ أهلَ التوحيد إلى مشيئته. وهذا قول يُنسب إلى ابن عباس.
وقد احتجَّ من قال: إنها محكمةٌ عامة غيرُ منسوخةٍ بقول النبي ﷺ: "إن الله يقبلُ توبةَ عَبْدِه ما لم يُغَرْغِر بنَفَسه" والغَرْغَرَةُ: هي عند حضور الموت ومعاينة الرسل لقبض الروح، فعند ذلك لا تقبلُ التَّوبةُ - على هذا الحديث - فيكون، كالآية.
ويحتج من قال: إنها منسوخةٌ عن أهل التوحيد، أنّ المرادَ (بالحديث) أهلُ الكفر دون أهل الذنوب مِن الموحدين - والله أعلم (بذلك).
النساء 4:19
قوله تعالى: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ إلى قوله: ﴿إلاَّ أَنْ يأتينَ بفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
قال عطاءُ الخراساني: هذا منسوخٌ بالحدود. كان الرجلُ إذا تزوَّجَ المرأةَ فأتت بفاحشةٍ كان له أن يأخذَ منها كلَّ ما ساقَه إليها.
وأكثرُ النَّاس على أنّها محكمةٌ، والمعنى: أنها إذا زنت صلح له أن تختلعَ منه.
وقيل: المعنى: إذا نشزت عنه حلَّ له أن يأخذَ منها الخلع ويتركها.
واختُلِفَ في الفاحشة:
فقيل: الزنا.
وقيل: النشوز.
وقيل: البذاءُ في اللسان.
وصدرُ الآية: قولُه: ﴿لا يحلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾، ناسخٌ لما كانوا عليه، كان الرّجلُ في الجاهلية إذا توفي، كان ابنُهُ أولى بامرأتِه يمنعها من التزويج حتى تموت فيرثها. فنسخَ اللهُ ذلك بهذه الآية.
النساء 4:24
قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
أباحت هذه الآيةُ نكاحَ مَن عدا المحرمات المذكورات في قوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاء﴾[النساء: 22] إلى قوله: ﴿إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [النساء: 24].
ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: وأُحِلَّ لكم نكاحُ مَنْ لم يُذكَر في المحرمات المذكورات.
فوجبَ مِن ظاهر هذا النّص جوازُ نِكاح المرأةِ وعمَّتِها، والمرأةِ وخالتِها.
فنَسَخَت السنّةُ (ذلكَ) المفهومَ ممّا أباحته الآية، وذلك قول النبي - عليه السلام -: "لا يُجْمَعُ بينَ المرأةِ وعَمَّتِها، ولا بين المرأةِ وخالتِها" - وهو قول عطاء، وغيرِه -.
والذي عليه (أهلُ) النَّظر ويوجبُه الاجتهادُ أنّ الآيةَ غيرُ منسوخةٍ، وإنما هي مُخَصَّصَةٌ بالسنّة مبيَّنةٌ بها في أن الآيةَ غيرُ عامة فيخرجُ منها من التّحليل تحريمُ الجمع بينَ المرأةِ وعمَّتِها والمرأةِ وخالتِها بالسنّة، والسنّة تبينُ القرآنَ وتخصِّصُه ولا تنسخُه.
وقد مضى الكلامُ على هذا وبيانُه.
وقد قال قتادة في معنى الآية: إن معنى ﴿ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ما ملكَتْ أَيْمَانُكُم، وهذا القولُ ضعيفٌ لا يَصِحُّ عن قتادة؛ لأنّ مِلك اليمين قد تقدَّم ذِكرُه قبل ﴿وأُحِلَّ لَكُم﴾، ولقوله: ﴿مُحْصِنين﴾ والإحصان لا يقع بالمملوكة.
فيصير المعنى على قول قتادة: والمحصناتُ من النساء إلاّ ما ملكَتْ أيمانُكُم.
وهذا تكريرٌ لا معنى له. وحملُ اللَّفظَيْن على فائدتَيْن ومعنيَيْنِ أولى من حَمْلِهما على التكرير بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24]؛
(هذه الآية نزلت): فيما كان أباح النبيُّ - عليه السلام - من نكاح المتعة ثلاثةَ أيام.
كان الرجلُ يقول للمرأةِ: أتزوجُكِ إلى أجل كذا وكذا، على أَلاّ ميراثَ بيننا ولا طلاقَ ولا شاهد، وأعطيك كذا.
فنسخ اللهُ ذلكَ بما جعلَ بيدِ الزَّوْج من الطَّلاق في سورة البقرة وغيرِها، وبما فرَضَ مِن الميراث بين الزَّوجين، وبالعدَّة والصَّداق والشهادةِ والوليّ - هذا معنى قول ابنِ عباس وعائشةَ وعروةَ والقاسمِ وابنِ المسيّب، وهو قول السُّدِّي -.
وعن ابن عباسٍ: أن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخة، لكنها نزلت في النكاح الصحيح.
فالمعنى على هذا القول: فما استمتعتم به مِمَّنْ تزوجتم وإن قلّ الاستمتاع فلها صداقُها فريضةً. فالاستمتاع على هذا القول: النكاحُ الصحيح.
وعلى القول الأول: النكاحُ إلى أجل، بغير شاهد ولا ولي.
وبهذا القول الثاني قال الحسنُ ومجاهد.
وفي قراءة ابن عباس وأُبيّ ما يدلُّ على أن الآيةَ في جواز نكاحِ المتعةِ نزلت، ثم نُسِخَت بما ذكرنا. روي عنهما أنهما قرآ: فما استمتعتُم به مِنْهُنَّ إلى أجلٍ مسمَّى فآتوهنَّ أُجورَهُن - وبذلك قرأ ابنُ جبير -.
ولا يجوز لأحدٍ اليوم أن يقرأ بذلك؛ لأنها قراءةٌ على التفسير مخالفةٌ للمصحف؛ ولأن القرآنَ لا يؤخذُ بأخبارِ الآحاد.
وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: هي (في) المتعة، ونسخَها قولُه تعالى: ﴿يَا أيُّها النَّبيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، لأن المتعةَ كانت بشرط أن لا طلاقَ بينَهُما.
وأكثرُ الناس على أنّ آيةَ الميراث نَسَخَت المتعةَ التي كانت نكاحاً بشرط ألاّ توارثَ بينهما.
وقالت عائشةُ - رضي الله عنها -: حرَّمَ اللهُ المتعةَ بقوله: ﴿والذِينَ هُمْ لفُرُوجِهِمْ حَافِظُون إلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 5، والمعارج: 29].
وهذا قولٌ حسن؛ لأن المتعةَ لم تكُن زواجاً صحيحاً ولا مِلكَ يمين. ففرض الله في هذه الآيةِ حفظَ الفروجِ إلاَّ على زوجةٍ أو مِلك يمين، ونكاحُ المتعة ليسَ بملك يمين، ولا بنكاحٍ صحيحٍ يثبتُ به نَسَبٌ. والنكاح الصحيح ما ثبت به نَسَب فدخل تحتَ هذا التَّحريمِ تحريمُ نكاحِ المتعة؛ إذ ليس بنكاح يَثْبُتُ به نسب.
قال أبو محمد: وهذا إنما يجوزُ على أن تكونَ إباحةُ المتعة بالسنّة، ثم نُسِخَت بالقرآن. ولا يجوزُ أن تكونَ إباحةُ المتعةِ على هذا القول بالقرآن؛ لأنها إنما نزلَت في سورة مدنية، وهي النِّساء. وقوله: ﴿إلاَّ عَلَى أزْوَاجِهِمْ﴾ - الآية: مكيٌّ، والمكيُّ لا ينسخ المدنيَّ؛ لأنه قبلَ المدنيِّ نزل، ولا ينسخُ القرآن قرآناً لم ينزل بعد.
وقيل: إن المتعة كانت بإباحة رسول الله ﷺ ثم نهى عنها. فهو من نسخ السُّنَة بالسُّنّة. والآية إنما هي في النكاح الصحيح الجائز.
وكان نسخُ المتعة في بعض غزوات النبي ﷺ قيل: في غزوة خيبر، وقيل في فتح مكة، وقيل في حجة الوداع، وقيل في غزوة تبوك، وقيل: في غزوة أوطاس.
وروي أن (الإِباحةَ في المتعة) من النبي - عليه السلام - كانت ثلاثةَ أيام. ثم نهى عنها فَنُسِخَت بنهي النبي - عليه السلام -.
(وقيل: بل أُبيحت في أول الإِسلام مدةً ثم نُسِخَت بالنهي عنها من النبي ﷺ).
قوله تعالى: ﴿وَلاَ جُناحَ عَلَيْكُم فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ [النساء: 24].
من قال: إن قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ﴾ [النساء: 24] في جواز المتعة نَزَل ثم نُسِخَ. قال: إن قوله: ﴿فلا جُناحَ عليكُم فيما تراضيتُم به من بعد الفريضة﴾ منسوخٌ أيضاً؛ لأن معناه عنده: لا حَرَجَ عليكم إذا تمَّ الأَجلُ الذي اشترطتم في الاستمتاع أن تزيدكَ المرأةُ في أجل الاستمتاع، وتزيدها أنتَ في الأُجْرَةِ على ما تراضيتُم به قبل أن (تستبرىءَ نفسها).
وهذا كُلُّه منسوخ بما نُسِخَت به المتعة (بما) ذكرنا.
قال السُّدِّي: كان الرجل إن شاء أرضاها بعد الفريضة الأولى وتقيمُ معه بأُجرة أُخرى إلى أجل آخر.
فأما مَن قال: إن آيةَ الاستمتاع محكمةٌ، يُراد بها النكاح الصحيح المباح قال: هذا أيضاً محكمٌ غيرُ منسوخ مرادٌ به النكاحُ الصحيحُ المباح، ومعناه عنده: لا حرجَ عليكُم فيما وهَبَت الزَّوْجةُ لزوجها من صَداقها إذا تراضوا على ذلك.
قال ابن زيد: إن وَضَعَتْ له شيئاً من صداقها فهو سائغ له.
وقد قيل: إن هذه الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخة لكنها مخصوصةٌ نزلت في الْمُعْسِر. وذلك أن ينكح الرجل على صَداق، فتعرض له عُسْرَةٌ بعد أن فرض، فلا جُناح عليه إن أسقطت له الزوجةُ بعضَ الصَّداق، أو أسقطه له الوليّ.
النساء 4:25
قولُه تعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن ينكِحَ المحصَنَاتِ المؤمِنَاتِ فَمِن ما مَلَكَت أَيْمانُكُم مِن فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَات﴾.
أباح الله - جلّ ذكرُه - نكاحَ الإِماء لِمَنْ لم يجد طَوْلاً إلى نكاح الحرائر، إباحةً عامة. فتوهَّم قومٌ أنه منسوخٌ بقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ [النساء: 25].
وليس ذلك بمنسوخٍ؛ لأنّ الناسخَ لا يكونُ مُتَّصِلاً بالمنسوخ. وإنما هو تخصيصٌ وتبيين، بيَّنَ الله - جلَّ ذِكْرُه - أنّ الإِباحةَ المتقدمة إنما هي لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ، ولم يَجِد طَوْلاً لِحُرَّة. فَبِهذيْنِ الشَّرْطَيْنِ أَرخصَ للمؤمِن الحرِّ في نكاحِ الإِماءِ.
فالآيتانِ محكمتانِ.
وفي إباحةِ نكاح المؤمن المملوكةَ، وهو يجدُ الطَّوْل للحرة اختلاف إذا خشى العنَتَ. والعنت: الفساد - يعني (به): الزنا -.
قوله تعالى: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء: 25].
ذكرَ قومٌ أن هذا ناسخٌ لما كانَ وجَبَ على الأمةَ تزني قبل الإِحصان.
كان وجبَ عليها عندَهم [جلدُ مائةٍ بقوله: ﴿فاجلِدُوا كُلَّ واحدٍ مِنْهُما مائةَ جلدةٍ﴾ فهو] عام في الإِماء والحرائر.
ثم نسخ ذلك (بالإِماء) إذا أُحْصِنَّ وزنَيْنَ فعليهنّ جلدُ خمسين؛ لقوله: ﴿فعليهنَّ نصفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء: 25].
والإِجماع أيضاً على: أنّ الأَمَةَ إذا زنت لا تجلدُ أكثر من خمسين - كانت مُحصَنةً أو غيرَ مُحصَنة - يَرُدُّ هذا القولَ. وقد اخْتُلِفَ في جلدها على الزِّنا قبل الإِحصان.
فهذا يدل على أن الآيةَ محكمةٌ غيرُ ناسخة لشيء.
النساء 4:29
قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أمْوَالَكُم بَيْنَكُم بالبَاطِل﴾.
أشار أبو عبيد إلى أن هذا منسوخٌ بقوله: ﴿ولاَ عَلَى أَنفُسِكُم أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61]. - الآية -.
فأباحَ اللهُ لكَ أن تأكل من مال غيرِك من قريبٍ أو صديق، وروي مثلُه من طريق ابن عباس، وهو غير صحيح عنه.
قلت: وهذا لا يجوز أن يُنْسَخ؛ لأنَّ أكل الأموال بالباطل لا يُنْسَخُ إلاَّ إلى جواز ذلك. وجوازُه لا يَحْسُنُ ولا يَحِلّ.
(فأَمَّا) من أَكلْتَ مالَه بطيب نفسه من قريب أو صديق فهو جائز، وليس ذلك من أكل الأموال بالباطل في شيء.
والآية - في النساء - وهي في النهي عن أكل مال غيرِك من غيرِ طيب نفسِه، فهو من أكل المال بالباطل.
والآية - في النور -: هي في جواز أكل مال غيرك (عن طيب) نفسه، وذلك جائز.
فالآيتان في حكمين مختلفين لا تنسخ إحداهما الأخرى، فلا مدخلَ لِذِكْرِهما في هذا الباب.
وقد قيل: إن معنى الآية: لا تجحدوا أموالَ النَّاس فتأكلوها بالباطل.
وهذا لا يجوز نسخه إلا بإباحته، (وإباحته) لا تجوز، وقد قال في موضعٍ آخر: ﴿وتُدْلوا بها إلى الحكام﴾، فهذا يدل على الجحود للمال.
وقد قيل: إنها لما نزلت تَحَرَّج الناسُ أن يأكُلَ بعضُهم عند بعض من أقاربه وغيرهم حتى نزلت آيةُ النور - إلى: "أو صَدِيقِكُم" فنَسَخَت ذلك.
النساء 4:33
قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أَيمَانُكُم فآتوهُم نَصيبَهُم﴾ الآية.
قال ابنُ عباس في معنى هذه الآية: كان المهاجرون حين قدموا المدينةَ يرثونَ الأنصارَ دون ذوي الأرحام منهم؛ لِْلأُخُوَّةِ والصداقة التي بينهم، فهو كَقولِه: ﴿فَآتُوهُمْ نصيبَهُمْ﴾[النساء: 33]، أُمروا بإتمام ما عقدوا بينهم. ثم نسخ الله ذلك بآية المواريث، وبقوله: ﴿وَأُولوا الأرحامِ بَعْضُهُمْ أَولى ببعض﴾ [الأنفال: 75].
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: كانوا يتوارثونَ بالأُخْوَّةِ التي آخى بينهم النبي - عليه السلام - حتى نَزَلَت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقْرَبُون﴾ [النساء: 33] أي عصبة، فَنَسَخَتْ ما كانوا عليه من التوارثُ بالأُخُوَّة والصَّداقة - وهو قولُ ابن جبير ومجاهد وقتادة - فيكون معنى: قوله تعالى: ﴿والذينَ عاقَدَت أيمانُكُم فآتوهم نصيبَهُم﴾ [النساء: 33] - على هذا القول - أي (وَفُّوا لهم) ما عقدتم عليه من التوارث. ثم نسخ ذلك بالمواريث وبآخر الأنفال.
وقيل: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، ومعناه: وَفُّوا لهم بما قد عاقدتُموهم عليه من النصر والمعونة والرِّفْد.
وعن ابن عباس أنه قال: كان الرجلان يتعاقدان ويتحالفان أنهما مَنْ مات قَبْلَ صاحبه وَرِثَه الباقي منهما، فهو قوله: ﴿فآتوهُم نصيبَهُم﴾ [النساء: 33]، أي أوفوا لهم بما عاقدتُموهم عليه. فنسخ ذلك بقوله: ﴿وأُولوا الأَرْحَامِ بعضُهُم أَوْلَى بِبَعْض﴾ [الأنفال: 75].
قال ابن المسيّب: إنما نزلت هذه الآيةُ في الذين يَتَبَنَّوْنَ غيرَ أبنائهم ويُوَرِّثونَهُم فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿وأُولوا الأَرْحَامِ بعضُهُم أَوْلَى بِبَعْض﴾
النساء 4:43
قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الذين آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ الآية.
حرّم الله في هذه الآية أن تُقْرَبَ الصَّلاةُ في حال سكر. فَفُهِمَ من الخطاب جوازُ السُّكْرِ في غير الصلاة. ومفهوم الخطاب كَنَصِّ القرآن يُعْمَلُ به ويقطع على مغيبه فَنَسَخَ ما أباح المفهومُ مِن الآية من جواز شُرْبِ المسكر في غير الصَّلاة بتحريم المسكر. فالبيِّنُ في هذا أن يكونَ أُريدَ به السُّكْرُ مِن المسكر قبل تحريمه، ثم نُسِخَ وحُرِّم.
وقد روى أبو مَيْسَرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتُمْ سُكارَى﴾ كان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصَّلاةَ نادى: لا يقربَنَّ الصَّلاةَ سكران.
وقد قال عكرمة: إن قوله: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ نسخه قولُه: ﴿يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الآية. يريد أنه كان أُبيحَ لَهُم أن يُؤَخِّروا الصلاةَ في حال السُّكْر حتى يزولَ السُّكر، إذ كانت الخمرُ غيرَ مُحَرَّمة، ثم نُسِخَ ذلك فأُمروا بالصلاة على كل حال، ونُسِخَ شُرْبُ المسكر بقوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]، وبقوله: ﴿فاجْتَنِبُوه﴾ [المائدة: 91]، فنسخَ ما فُهِمَ مِن الخطاب بتحريم الخمر في قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُون﴾. وهذا قولُ أَكثرِ العُلماء.
وقيل: الآيةُ مُحْكَمة، ومعنى السُّكْر فيها: السُّكْر من النوم لا من المسكر، وهو قول الضحاك وزيد بن أسلم. ويجب أن يكونَ المفهومَ من الخطاب على هذا القول (جوازُ قربانها) بسُكْر غير سُكْرِ النوم، ثم نُسِخَ هذا المفهوم بتحريم المسكر والسُّكْر بقوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُون﴾.
ومن مفهوم الآية أيضاً جوازُ قرب الصَّلاة في غير حال السُّكْرِ جوازاً عاماً بغير شرط وضوء ولا غُسْل، فنسخ ذلك آيةُ الوضوء والغُسْلِ في المائدة، وصار الفرضُ المحكم أَلاَّ تُقْرَبَ الصَّلاةُ إلا في غير حال سكر بوضوء وطُهر، ويجوز أن يكون ذلك بياناً (وتفسيراً لآية النساء)، وليس بنسخ المفهوم منها.
النساء 4:63
قوله تعالى: ﴿فأَعرِضْ عَنْهُمْ وعِظْهُمْ﴾:
قال ابن عباس: هي منسوخةٌ بآية السيف في براءة.
وأكثرُ العلماء على أنها غيرُ منسوخة (لأن الإِشارةَ بالأمر إلى السيف إن لم يقبلوا متصلةٌ بالآية، وهو قوله عنه: ﴿وقُل لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء: 63]، أي: إن لم يقبلوا وإلاّ السيف، والسيفُ مُتَّصِلٌ بالأمر بالإِعراض فلا يحتاج إلى نسخٍ بسيفٍ آخر.
فأما قوله: ﴿فأَعْرِضْ عَنْهُمْ وتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾[النساء: 81]، فَهُوَ منسوخٌ بآيةِ السَّيفِ في براءة بلا خوف.
النساء 4:71
قولُه تعالى: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أو انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ [النساء: 71].
خَيَّرَهُم اللهَ بين أن ينفروا مجتمعين أو مفترقين مع إيجابه للنفير مجملاً يقوم البعضُ مقام البعض.
قال ابنُ عباس: نسخَها: ﴿ومَا كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: 122] - الآية -. وهذا لا يصح عن (ابن) عبّاس، لأن الله خيّرهم في النفير مفترقينَ أو مجتمعين، ولم يفرض عليهم أن (يجتمعوا) كُلُّهُم، إنما أباح لهم الافتراق أو الاجتماع في النفير، وذلك حُكْمٌ باقٍ لا يُنْسَخ. ولو نُسِخَ الافتراقُ أو الاجتماعُ لبطل الأمرُ بالنفير. ولم يَجُزْ نفيرٌ البتَّةَ.
فالظاهر في هذه الآية، أنها غيرُ منسوخة، لم يأمرهم فيها بالنفير كُلَّهُم، إنما أمرهم بالحذر، وأن ينفرَ مَن نفر منهم مفترقين أو مجتمعين. وقد أجمع المسلمون على أنه إذا احتيج إلى نفير الجميع لِشِدَّة بأس العدوِّ لَزمَهُم ذلك وكان فرضاً عليهم أن ينفروا كُلُّهُم.
وقد قيل: إنما نُسِخَ منها إباحةُ نفيرهم كُلِّهِم إذا لم يُحْتَجْ إليهم.
وليس في الآية ذلك. إنما فيها إباحةُ أن ينفروا جماعةً بعد جماعةٍ. أو ينفروا نفراً بعد نفرٍ واحداً بعد واحدٍ متفرقين.
النساء 4:90
قولُه تعالى: ﴿إلاَّ الّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾ الآية:
أمر الله - جلّ ذكرُه - بإباحة القتل لمن تخلَّف بمكة ولم يهاجر، فقال يُوَبِّخُ المؤمنين: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِين فِئَتَيْن واللهُ أرْكَسَهُمْ بِما كَسِبُوا﴾ [النساء: 88] إلى قوله: ﴿بَصِيراً﴾ [النساء: 88]، فأباح تضليلَهم وتكفيرَهم وقتلَهم، ثم استثنى منهم من اتصل منهم بقوم لهم عهدٌ عند المسلمين، فصار (مَن اتصل) منهم بقوم بينهم وبين المسلمين عهدٌ لا يُقْتَل، ثم نَسَخَ الله ذلك (بقوله): ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُموهُمْ﴾ [التوبة:5]، وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال قتادة: نبذ في براءة إلى كل ذي عهد عهدَه، ثم أمر الله (بالقتال والقتل)، حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، ومعنى يَصِلُون ينتسبون (وينتمون)، وعن ابن عباس (أنه) قال: نسخ هذه الآية ونسخ قَوْلَه: ﴿لاَ ينْهَاكُم اللهُ عَن الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ [الممتحنة: 8] - الآية - قَوْلُهُ في براءة: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، وقَوْلُه: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: 36].
قال أبو محمد: وكذلك هذا نَسَخ جميعَ آياتِ الأمر بالصَّفْحِ والعفوِ والمهادنةِ حيثُ كانت. وقد مضى ذكر هذا.
قولُه تعالى: ﴿فَإن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُم، وأَلقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ، فَما جَعَل اللهُ لَكُم عَلَيْهِم سبيلاً﴾ [النساء: 90].
قال ابن أَبي أُويس: هذا منسوخ بآية براءة: ﴿اقتُلُوا المُشْرِكِينَ حيث وَجَدتُمُوهُمْ﴾، قال وكذلك كُلُّ صُلْحٍ في القرآن منسوخ بالأمر بالقتال في براءة وغيرها.
النساء 4:92
قوله تعالى: ﴿وإن كانَ مِن قَومٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أهلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾:
ذكرَ ابنُ أبي أُوَيْس أَنَّ هذا منسوخٌ بقولِه: ﴿اقتُلُوا المُشْرِكِينَ حيث وَجَدتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، فليس لأحدٍ غيرِ مُسْلِمٍ ديةٌ يعني من الكفار غيرِ أَهل الذِّمَّةِ، لأن رسول الله ﷺ (لم يُعاهِد بعدَ نزول براءة أحداً من الناس، قال: وكانت هذه الآيةُ (قد نَزَلَت في السُّلَمِيّينِ الذين قَتَلَهُما أصحابُ النبي ﷺ، قال ابن شهاب، قال عطاء: كان بين النبيّ وبين بني سُلَيم عهد، فجعل النبي ديةً (للذين) بينهم و(بينه) عهد مثل دية الحر المسلم، ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿اقتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:5] (فلا ديةَ للمشركين).
النساء 4:93
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلُ مُؤْمِناً متعَمِّداً﴾ الآية:
قال أبو محمد: هذه الآية تحتاجُ إلى بسط يطول، وقد كنت أردتُ أن أُفرد لها كتاباً مفرداً لكن أذكرُ في هذا الكتاب ما يليق به ويكتفى به عن غيره فأقول: إن القتل متعمداً من أعظم الذنوب وأجلِّ الكبائر. روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من لقي الله ولم يشرك به شيئاً ولم يقتل نفساً مؤمنة لقي الله خفيف الظهر)، وروى أشهب أن مالكاً قال (إنه كان يقال): من لقي الله ولم يشرك في دم مسلم لقي الله وهو خفيف الظهر. والقتل ذنب عظيم، ليس بعد الشرك (ذنب) أعظمَ منه، وقد اختلف في التوبة منه، وفي معنى الآية (على ما) نذكرُهُ ونُبَيِّنُه. وهذه الآيةُ عندَ بعض العلماء ناسخةٌ لِلَّتي في الفرقان [قوله تعالى: ﴿إلاَّ مَن تَابَ وآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70]، وهو مروي عن ابن عباس؛ لأن الفرقان] مكية والنساء مدنية، ورُوِيَ أن آيةَ سورة الفرقان نزلَت قبلَ آية النساء بستَّةِ أشهر - رواه زيد بن ثابت وغيره -.
قال أبو محمد: والنسخ في آية الفرقان لا يحسن لأنه خبر، والأخبار (لا تنسخ) بإجماع؛ لأن الخبر لو نسخ لكان قد أُتِيَ به على غير ما هو به من الصدق، ويتعالى الله عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً، فالآيتان محكمتان، وآيةُ النِّساء في القتل محمولة على أحد ثلاثة معانٍ قد قالها العلماء:
قال إبراهيم التيمي وغيرُه: معناها: فجزاؤه ذلك إن جازاه، وكذلك روى عاصم بن أبي النجود عن ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: هو جزاؤه إن جازاه.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: للقاتل توبة.
وقد روى ابنُ سيرين عن أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال في الآية "هو جزاؤه إن جازاه".
وقد قال من اعتقد هذا: إن الله (إذا) وَعَد الحسنى وَفَى ولم يُخْلِف، وإذا وعد بالعذاب جازَ أَن يعفو.
ويشهدُ لهذا ما رواه ثابتٌ البنانيُّ عن أَنسٍ بن مالك أن رسول الله ﷺ "مَنْ وَعَدَه اللهُ على عَمَلِه ثواباً فهو مُنْجِزُه له، ومن أوْعَدَه على عَمَلِه عقاباً فهو فيه بالخيار - من رواية ابن عايد -.
وهذا هو مذهبُ أَهلِ السُّنَّة في الوعد والوعيد. فهي محكمة. وهذا تأويلها عند جماعة من أهل العلم. فالمشيئة في القاتل عمداً إلى الله، إن شاء جازاه وإن شاء عفى عنه إذا تاب.
فأمّا من مات وهو مُصِرٌّ على استحلالِ القتل وفِعْلِه فهو بعيدٌ من المغفرة؛ لأن من رأى أن ما حرَّم اللهُ حلال فهو كافر. وفي القاتل المتأَوِّل اختلاف.
والمعنى الثاني: أن يكون معنى الآية: ومن يقتل مؤمناً متعمداً مستحلاًّ لقتله، ولا يستحلُّ ما حرَّم الله إلا كافر، والكافر مخلَّد في النار بإجماع إذا مات على كفره.
والمعنى الثالث: أنه قيل: إنها نزلت في رجل بعينه من الأنصار قتل له وليٌّ فقبل الدِّيَة، ثم وثب فقتل القاتل بعد أخذه للدِّيَة وارتَدَّ - وهو قول مروي عن ابن جريج وغيره -.
وقد قيل: إنها نزلت في رجل أسلم، ثم ارتدَّ وقَتَلَ رجلاً مُسْلِماً مُسْتَحِلاًّ لقتله، وهو معنى القول الأول الذي قبله.
النساء 4:101
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَقْصُروا مِنَ الصَّلاَةِ إنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾:
بيّن اللهُ - جلَّ ذكرُه - بهذا النص الظاهر أن الصلاة إنما تُقْصَرَ مع الخوف من فتنة الكفار.
وتواترت الأخبارُ عن النبي ﷺ أنه قصَر الصلاة في السَّفر من غير خوف. وبه قال أكثرُ العلماء.
(غير) أن بعضَهم قال: إن، هذه السنةَ المتواترةَ بقصر الصلاة في السفر (من غيرِ) خوفٍ ناسخةٌ لما في كتاب الله - عزّ وجلّ - من أن القصرَ إنما يكون مع الخوف من فتنة الكفار.
والذي عليه أكثرُ العلماء: أن قصرَ (الصَّلاة) في الخوف بالقرآن، وقصرَ الصَّلاة في السفر من غير خوفٍ بالسنّة المتواترة. والسُّنَّةُ زيادةُ فائدة وتخفيف. والزيادة تُقْبَل ولا تنسخ شيئاً.
وإنما تكون هذه السُّنَّةُ ناسخةً لزوال حكم القصر (بالخوف) بها، وذلك لم يزل.
فالآية لا نسخَ فيها، لأنه لم يقل لا تُقْصَرُ الصَّلاةُ إلاَّ مع الخوف، فيكون قصرُ الصلاة في السفر من غير خوف ناسخاً لهذا النهي.
وقد قال قومٌ: إن قصَر الصَّلاة في الخوف والسفر من غير خوفٍ بالقرآن، وتأَوَّلوا أَنَّ قولَه تعالى: ﴿وإذَا ضَرَبْتُم فِي الأَرضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾ [النساء: 101] كلامٌ تامٌ جاء في إباحة القصر في السفر من غير خوف. ثم ابتدأ بحكم آخر فقال: ﴿إنْ خِفْتُمْ أن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101] إلى قوله: ﴿وإذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 102] - الآية - وأباح بهذه القصرَ في الخوف، وقولُه: ﴿إنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُواً مُبِيناً﴾ - عندهم - اعتراضٌ بين حكمين يراد به التأخيرُ.
قال أبو محمد: وفي هذا القول بُعْدٌ لتقدير زيادة الواو التي في قوله: ﴿وَإذَا كُنتَ فِيهم﴾.
ولتقدير ما هو مقدَّمٌ في الكلام مؤخَّراً بلا دليل قاطع.
ولأن القَصْرَيْن مختلفان: قَصْرُ السَّفَر من غير خوف قصرٌ مِن عدد الركوع لا تغييرَ فيه في الرتبة والهيأة. وقَصْرُ الخوف (قصرٌ) مِن عدد الركوع بتغيير الرتبة والهيأة. والقرآنُ والسُّنَّةُ بيَّنا لنا ذَيْنِك وكيف هو.
وقد روى عن عمر وابن عمر وغيرهما. أن قصر الصَّلاة في السفر من غير (خوف) سنةُ رسول الله. وعليه أكثرُ العلماء.
النساء 4:116
وقوله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يغفرُ أن يُشْرَك بهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ يَدُلُّ على جواز توبةِ القاتل وجواز غُفْرانِ الله له.
ولا يَحْسُنُ أن يكون هذا ناسخاً لقوله: ﴿ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ [النساء: 93]. الآية - لأنه خبر والأخبار لا تنسخ.
وكذلك لا يَحْسُنُ أن يكونَ قولُه: ﴿إنّ اللهَ لاَ يغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ منسوخاً بقوله: ﴿ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ -الآية - لأنه أيضاً خبر وفي نسخه (نقضُ عَفْوِه) المسلمين، ولم يدِّعه أحدٌ، ولا يَحِلّ القول به.
قال أبو محمد: والذي يوجِبُه النَّظَر وعليه أكثرُ أهل العِلم أن الثلاث الآيات محكماتٌ لا نسخ في شيءٍ منها:
فقوله: ﴿إنّ اللهَ لاَ يغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ - الآية - مُحْكَمٌ غيرُ منسوخ؛ لأن الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ لمن مات عليه بإجماع ولأَِنَّه خبرٌ لا يُنْسَخ.
وقولُه: ﴿ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ معارضٌ لقوله: ﴿ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ - الآية - فلا بدّ من أن يكونَ أَحَدُهُما ناسخاً لِلآخر. أو يكونا مُحْكَمَيْن:
فغيرُ جائز أن ينسخَ أَحدُهُما الآخرَ؛ لأَِنّ كُلَّ واحدٍ منهما خبرٌ مِن الله لنا بأحكامِه فينا يومَ القيامة، وإخبارُ الله لنا بذلك لا يجوز أَن يُنْسَح؛ لأن في نسخه إبطالَ الأخبار كُلِّها.
وإذا لَم يَجُز أن ينسخَ أَحدُهما الآخرَ، وجب أن يكونا مُحْكَميْن، ولا يكونان مُحكمين مع تعارض أحدهما الآخر في ظاهر اللّفظ إلاّ (بحمل) آيةِ القتل على أحد المعاني الثلاثة التي ذكرنا. وإذا حُمِلَت على أحدها لم يبقَ تعارضٌ بين الحكمين وصارا إلى الاتفاق ولم (يحتج) إلى تأويل نسخ.
وكذلكَ إذا حملْتَ آيةَ القتل في النساء على أحد المعاني الثَّلاثةِ لم تعارِض آيةَ الفرقان بنسخٍ ولا باختلافِ حُكْم.
فالثلاثُ الآياتُ محكماتٌ لا نسخ في شيء منهن.
وإذا كانت كذلك فتوبةُ القاتل متعمداً جائزة.
ومما يَدُلُّ على جواز قبول توبة القاتل متعمّداً:
قوله تعالى: ﴿إنّ الذِين كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ثُمّ مَاتُوا وهُمْ كُفّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم﴾ [محمد: 34] فالمفهوم من هذا أن من مات غيرَ كافرٍ، في مشيئة الله يغفر ذنوبه، إن شاء الله. والآية مدنية. ولو كان من مات من أهل الكبائر غيرَ كافر لا يجوز أن يغفر الله ذنوبه لم يكن بينه وبين الكافر يموت على كفره فرق.
ويدلّ على ذلك أيضاً قوله (تعالى عن) عيسى - عليه السلام -: ﴿إنّهُ مَن يُشْرِكْ باللهِ فَقَد حَرَّمَ اللهُ عليهِ الجنّةَ﴾ [المائدة 72]، فَدَلَّ على أنه من مات ولم يُشْرِكْ بالله لا يُقطَعُ عليه بتحريم الجنة، وهو في مشيئة الله.
وقد قال - تعالى ذكره - ﴿وإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحاً﴾ [طه: 82] - الآية - فهذا عام.
وقال: ﴿إنّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: 53]، يعني للمؤمن. فهذا أيضاً عام.
خصّصهُ: ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَك به﴾.
وقال تعالى: ﴿وهوَ الّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَن عِبَادِه وَيَعْفُوا عَن السَّيِّئات﴾ [الشورى: 25]. فَعَمّ.
وقال: ﴿فَمَن يَعْمَل مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِه﴾ [الأنبياء: 94] فعمّ.
وقال: ﴿فمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] فعمّ.
وهي كُلُها أخبارٌ عامة لا يجوز نسخُها، فلا بُدَّ مِن وقوعها على ما وصفها الله به.
وقد قال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾ [النساء: 40].
فكيفَ يُحبِطُ توحيدَ القاتل، والتوحيدُ أَعظمُ الأعمال وأصلُها.
ولم يخبر الله أن شيئاً من الأعمال السيئة تحبط الإِيمانَ إلا الشِّرك، بقوله: ﴿لئن أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ [الزمر: 65].
وقد قال الله - جلّ ذكره -: ﴿إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات﴾ [هود: 114] (ولا حسنةَ بعد) التوحيد أعظم من التوبة.
وقد أعلمنا الله - جلّ ذكره - (أنه رحم) القاتل متعمداً وخفف عنه إذ أجاز له أن يُبْدِلَ الدِّيَةَ عن قتله، فقال: ﴿ذَلِكَ تخفيفٌ مِن رَبِّكُمْ وَرَحْمةٌ﴾ [البقرة: 178]، (فهل يرحَمُ الله) ويُخَفِّفُ عنه ما لَزِمَه إلاّ من يجوز قبولُ التوبة له.
وقد قال الله - جلّ ذكرُه -: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيءٌ﴾ [البقرة: 178]، فجعل الله القاتلَ عمداً ووليَّ المقتول أَخَوَيْن في الدِّين، ولم يجعل القاتلَ عمداً كافراً، بل جعله مؤمناً إِذْ آخى بينَه وبين الوليِّ المؤمن.
وقد قال النبي - عليه السلام -: "اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي". والقتل عمداً من الكبائر.
وقال أنس بن مالك: قلنا يا رسول الله، لمن تشفع؟ قال: "لأهل الكبائر وأهل العظائم وأهل الدماء".
وأيضاً فإن الله - جلّ ذكره - لم يذكر مع جزاء القاتل تخليدَ الأبد، إنما أفرد ذكرَ التخليد بغير أبد. فَدَلَّ على أنه وإن دخل النارَ غيرُ مؤبَّدٍ فيها.
وقد سُئِل مالكٌ عن رجلٍ قتل أُخْتَه مُتَعَمِّداً لِحَدَثٍ أحدثَتْهُ فقال: يعتق رقبةً ويصوم شهرين متتابعين ويَتَقَرَّبُ إلى الله (بما) استطاع من خير ويكثر الاستغفار.
فلو كان عنده غيرَ مقبول التوبة ما أمره بهذا.
وقد روى مسروق عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - عليه السلام - قال: "من لَقِيَ اللهَ لم يشرك به شيئاً لم يضره معه خطيئة، ومن لقيه يشرك به شيئاً لم ينفعه معه حسنة".
وقال جماعةٌ من العلماء: يؤمر التائبُ من القتل أن يُكثِرَ الجهادَ ويبذلَ نفسه فيه لله. وروي مثله عن مالك.
فهذا يدلُّ على الرجاء له وأنه لا يؤيس من عفو الله.
ومن زعم أن القاتل عمداً لا توبةَ له جعل هذه الآيات كُلَّها منسوخات. وهي كلُّها أخبار.
وفي نسخها إبطالُ الديانات كُلِّها؛ لأنّ مَن جعل أن القاتل لا توبةَ له وأنه مؤبد (في النار)، فقد أوجب أن إيمانَه وسعيه وتوبته (مُحبَط) كُلُّه مع قوله: ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِه﴾ [الأنبياء: 94]، ومع قوله: ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئاً﴾ [الأنبياء: 47].
ومِمَّا يُبَيِّنُ قَبولَ توبة القاتل أن الله - جلّ ذكرُه - قد قال في الفارِّ من الزحف: ﴿وَمَن يُوَلِّهم... فقد باءَ بِغَضَبٍ مِن الله ومأواه جهَنَّم﴾ [الأنفال: 16] ولم يختلف أَحدٌ مِن أهلِ القبلَةِ أن توبةَ الفارِّ من الزحف جائزةٌ وأنه داخلٌ تحت قوله: ﴿وَيَغْفرُ ما دونَ ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: 48].
وقد قال شيخُنا أبو محمد عبد الله بن أبي زيد - رحمه الله عليه -: أن مما اجتمعَت عليه الأمة من أُمور الديانة، ومِن السُّنن التي خلافُها بدعة وضلالة ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بهِ وَيَغْفِرُ مَا دونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾، فقد دخل تحت هذا الإِجماع الذنوبُ كُلُّها من القتل وغيره.
وأيضاً فقد أجمعَ أهل السنّة أنه لا تخليد على مؤمنٍ، وأنه لا يزيل الإِيمانَ إلا الكفرُ، ورفعُ الصوت على صوت النبي ﷺ متعمداً.
وأيضاً فإن جواز توبة القاتل عمداً غيرَ مُسْتَحِلٍّ للقتل قولُ ابن عمر وزيد بن ثابت ومجاهد وجماعة معهم.
وقد أجمع المسلمون أن الشركَ والارتدادَ أعظمُ من القتل متعمّداً. وأن المؤمن إذا ارتدَّ ثم تابَ قُبِلَت توبتُه و(أنه) إذا ارتدّ وقَتَل مؤمناً متعمِّداً مُسْتَحِلاًّ لقتله ثم آمن وتاب أنه مقبولُ التَّوبة، لقوله تعالى: ﴿قُل للّذِينَ كَفَرُوا إن ينتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَا قَدْ سَلَف﴾ [الأنفال: 38]، ولقوله: ﴿إنّ اللهَ يغفِرُ الذُّنوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: 53] فكذلك إذا قَتَل - وهو مؤمن - وتاب قُبِلَت توبتُه، (في ما) بينَه وبينَ الله، وحَقُّ المقتول يفعلُ الله فيه ما يشاء.
وقد رُوِيَ عَن ابن عباس أنه قال - في الآية التي في الفرقان - نَزَلَت في أهل الشرك ولا توبةَ للقاتل مُتَعَمِّداً.
وكان الطبريُّ يقول: جزاء القاتل جهنم حقاً، ولكنَّ الله (يغفرُ) ويتفضَّلُ على أهل الإِيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، إما أن (يغفرَ) فلا يُدخلهم جهنم، وإما أن يدخلَهم النارَ، ثم يخرجهم بفضل رحمته لقوله: ﴿إنّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جمِيعاً﴾. وهذا خبر عام فيه تخصيصُ الشرك، ولا يجوز نسخُه.
فإن قيل: هلاّ جعلتَ آيةَ القتل مخصِّصةً لقوله: ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بهِ﴾ كأنها مستثناة منها؟.
قيل: لو جاز هذا لجاز أن تكونَ آيةُ الزحف والفرار منه مخصِّصة أيضاً مستثناة منها. وآية أكل مال اليتيم مخصصة مستثناة منها. وآية الربا مخصصة مستثناة منها. فيدخلن تحت ترك المغفرة وترك قبول التوبة من ذلك كله. وهذا لا يقولُه أحد.
قد أجمع الناسُ على قبول التوبة من ذلك كُلِّه.
وإذا لم تكن هذه الأشياءُ مخصِّصةً مستثناة من قوله: ﴿إنّ اللهَ لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ﴾ لم تكن آيةُ القتل مخصِّصة مستثناة.
وأيضاً فإن قوله: ﴿إنّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَك بهِ﴾ مَتْلُوٌّ بعد آية القتل في سورة واحدة ولم يقع في القرآن أَوَّلٌ خَصَصَّ آخراً في سورة واحدة فيكون هذا مثلَه.
وحديث النبي - عليه السلام - المتواتر النقل: (اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).
مما يرجي القاتل ويطمِعُه لأنه من أهل الكبائر، وقد (عمّ في) قوله: (لأهل الكبائر من أمتي)] ولم (يخصَّ) صنفاً منهم مِن صِنف.
ومما يؤيد أن القاتل يرجى له التوبةُ ما ذكره ابن شعبان مما روى عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: إن الآيةَ محكمةٌ إلا أنه قال تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أو يَظْلِمْ نَفسَه ثُمّ يَسْتَغْفِر الله يَجِد اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء: 110]، قال: فلو كانت ذنوبه أعظمَ من السموات والأرض والجبال، يريد لجاز أن يغفرها الله.
قال ابن عباس: وقد دعا الله إلى مغفرته مَن زعم أن عُزَيراً ابنُ الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أنّ يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله (ثالثُ ثلاثة) يقول الله لهؤلاء): ﴿أفَلاَ يَتُوبُونَ إلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رحيم﴾ [المائدة 74].
قال ابن عباس: وقد دعا (الله إلى توبته) مَن هو أعظم جرماً من هؤلاء، من قال: ﴿أنا ربُّكم الأعلى﴾ [النازعات: 24] وقد قال: ما ﴿عَلِمْتُ لكم مِن إلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38] قال: ومن أيأس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه، قال الله: ﴿ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: 118].
قال ابن عباس: وكما لا ينفعُ مع الشِّرك إحسان كذلك نرجو أن يغفرَ الله ذنوبَ الموحدين. قال ابن عباس: مع قول النبي - عليه السلام -: "لو وضعت لا إله إلاّ الله في كفة الميزان ووضعت السموات والأرض وما فيهنّ في كفة أخرى لرجَحَت بهن".
وقد قال ابنُ عمر: كنّا معشرَ أصحاب رسول الله ﷺ لا نشكُ في قاتل المؤمن وأكل مال اليتيم وشاهد الزور وقاطع الرحم، يعني: لا نشك في الشهادة لهم بالنار. قال ابن عمر: حتى نزلت: ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾.
فأمسكنا عن الشهادة لهم، يعني بالنار.
وقد قال جماعة: إن آية القاتل منسوخة بقوله: ﴿ومَن يَعْمَلْ سوءاً أو يظلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾، فعمَّ جميعَ الذنوب المكتسبة، وأخبر أن الله يغفرُ للمستغفر ومنها ويتوبُ الله على التائب.
قال أبو محمد: وقد روي في قتل النفس من الشِّدَة وترك المغفرة والخلود في نار جهنم أخبارٌ كثيرة - الله أعلم بصحتها -:
روي عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كُلُّ ذنبٍ عسى الله أن يغفرَه إلا من مات كافراً، أو قتل مؤمناً متعمَّداً".
وقد سأل رجلٌ ابنَ عمر فقال إني قتلت نفساً فهل لي (عند الله) من توبة؟ فقال له ابنُ عمر: أَكْثِرْ من شرب الماء البارد. قال مالك: يريد أنه من أهل النار - رواه ابن القاسم عن مالك -.
وقد روي أن رجلاً سأل أبا هريرة وابنَ عمر وابنَ عباس عن رجل قتل رجلاً مؤمناً متعمداً: هل له توبة؟ فكُلُّهم يقول: هل يستطيع أن يحيِيَه؟! يريدون بذلك التشديدَ عليه.
قال أبو محمد: وقد أجمع المسلمون على أن من كفر بالمواريث ثم تاب أن توبته مقبولَة مع قوله تعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَه ويتعَدَّ حدودَه يُدْخِلْه ناراً خالداً فيها ولَهُ عَذَابٌ مُهِين﴾ [النساء: 14].
وقد سأل ابنُ عباس عمروَ بنَ العاص، فقال له: أيُّ آيةٍ في كتاب الله أرجى؟؟ فقال له عمرو: قوله: ﴿إنّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشْرَكَ بهِ﴾ - الآية - فقال ابنُ عباس: إنّ هذه لمرجُوَّة، ولكن غيرها أرجى منها: قوله عزّ وجلّ: ﴿وإن رَبَّكَ لذُو مَغْفِرةٍ للنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ ولم يقل على إحسانهم.
وقال جعفر بن محمد: أرجى آيةٍ (في القرآن): ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وهو ﷺ لا يرضى أن يكون أحد من أمته مقيماً في النار.
قال أبو محمد: والذي نعتقده أن كل من مات مؤمناً غير كافر بالله ولا برسله ولا بكتبه، فهو في مشيئة الله، تاب من كبائره قبل موته أو لم يتب، بدَلالة قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وماتوا وهم كفارٌ فلن يغفرَ الله لهم﴾. ولهذا نظائر كثيرة في القرآن يدل على صحة ما قلناه ويوضِّحُه.
وقد روى جابرُ بنُ عبد الله أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً وجبت له النار" - الحديث بطوله -.
قولُه تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: 116].
قال ابنُ عمر: لما أنزلت: ﴿قُل يا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53] إلى قوله: ﴿إنَّ اللهَ يغفرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: 53] قام رجل إلى النبي فقال: والشركَ يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ﴾ - الآية - قال مالك: فكان قوله: يغفر الذنوبَ جميعاً: إنه ما دون الشرك، قلت: فدخل قتل المؤمِن (المؤمنَ) تحت هذا العموم.
وروي عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية، وتلا قبلها: ﴿وَلَيْسَت التوبةُ لِلَّذِينَ يعْمَلُونَ السيِّئَات﴾ [النساء: 18] - الآية - فتأوَّل عليه: أَنَّ هذا منسوخٌ بقوله: ﴿إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ﴾، وأن من (تاب قبل موته) قُبِلَت توبتَه.
قال أبو محمد: وهذا إنما يجوز على قول من قال: إن قوله: ﴿حتَى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: 18] - الآية - في المؤمنين، فالتوبة منهم جائزةٌ ما لم يقع الموتُ، لقوله: ﴿وَيَغفرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾.
قال أبو محمد: وهذا خبر لا يحسنُ فيه النَّسخ، والآية في الكفار، لا تنفعهم التوبةُ من الكفر عند معاينة الموت، كما أعلمنا الله أنه لم يقبل إيمانَ فرعون عند معاينته الغرقَ، وأعلمنا الله أنه لم يقبل إيمانَ الكفار عند (معاينة) العذاب، فقال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفعُهم إيمانُهُمْ لمَّا رأوا بأسنا﴾ [غافر: 85] فهي محكمة.
وقد تقدم ذكر هذه الآية وقولُ من قال إنها عامة في (المؤمن والكافر) وأن المؤمن نُسِخَ منها بقوله: ﴿ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، قال ابن عمر: الحضور: السّوْق.
وعن النبي - عليه السلام - أنه قال: "يقبل الله توبة عبده ما لم (يغرغر)" نفسه.
وقوله بعد ذلك: ﴿ولاَ الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار﴾ [النساء: 18] يَدُلُّ على أن الأول في الكفار.
وأيضاً أخبرنا الله (أنه) من تاب من كفره عند المعاينة والسّوْق (لا يقبل الله توبتَه)، ولا من مات وهو كافر لم يَتُب.
وقد روي عن ابن عباس إطلاقُ اسم النسخ في قوله: ﴿حتَّى إذَا حَضَرَ أحَدَهُم المَوْتُ﴾ [النساء: 18] - الآية - بقوله: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ - الآية - وقال: حرَّم الله المغفرةَ على من مات وهو كافر، يريد بقوله: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ﴾. قال (وأرجأَ) أهلَ التوحيد إلى مشيئته، ولم يؤيسْهُم من مغفرته، يريد بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وهذا يدل على جواز توبة القاتل عمداً غيرَ مستَحِلٍّ لأنه من أهل التوحيد.
قال أبو محمد: والذي أقوله في هذه الآية وفي التي قبلها: إن الذنوبَ المكتسبةَ على نوعين:
نوع هو ما بين العبد وبين ربه خاصَّة.
ونوع ثانٍ يقع بين العبد وبين الآدميين، ولله (أيضاً فيه حقُّ عقوبة مخالفته).
فما كان بين العبد وبين ربِّه من الذنوب، فهو موقوفٌ على قوله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأعلمنا - تبارك وتعالى - أنه يغفر الذنوبَ كُلَّها التي بينه وبين العباد لمن يشاء منهم إلا الشِّركَ به فإنه لا يغفره لأحد.
وأَعْلَمَنا أن من قتل مؤمناً متعمداً أنه من المخلدين في النار وعليه الغضبُ واللَّعْنةُ و(هو) من الذنوب التي بين بعض العباد وبعض، ولله فيه حقُّ (عقوبة) المخالفة له.
فالآيتان مختلفتان في الحكم، نزلتا في صنفين من الذنوب لا تنسخ إحداهُما الأخرى.
المائدة 5:2
قوله تعالى: ﴿لاَ تُحِلُّوا شَعائرَ اللهِ﴾، إلى قوله: ﴿ورِضْوَاناً﴾.
قال مجاهد وابن زيد والسُّدِّي والشعبي: نسخ الله من ذلك نهيه أن يُعرَض لأحد ممّن يقصِدُ البيتَ الحرام من المشركين في قوله: ﴿ولاَ آمِّينَ البيتَ الحَرامَ﴾ [المائدة: 2]، بقوله: ﴿فاقتلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، فأباح قتلَ مَنْ أمَّ البيتَ من المشركين. - وهذا (إنما) يجوز على قول من قال: إن براءة نزلت بعد المائدة -.
فأما من قال: إن المائدة نزلت بعد براءة، فإنه يجعل آية براءة مخصَّصةً بآية المائدة ومبيّنةً أن المراد بآية براءة قتلُ كُلِّ مشرك غيرِ آمِّ البيت الحرام - وهذا (على) قول ما قال: ليس في المائدة منسوخ -.
قال ابنُ عباس: كان المشركون والمؤمنون يحجون البيتَ، فنهى الله المؤمنين في هذه الآية أن يمنعوا المشركينَ من الحج، ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿مَا كان لِلْمُشْرِكينَ أن يَعْمُرُوا مسَاجِدَ اللهِ﴾ [التوبة: 17] وبقوله: ﴿إنما المشركون نَجَسٌ﴾ (وبقوله): ﴿إنّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ باللهِ﴾[التوبة: 18].
قال قتادة: كان الرجل إذا خرج إلى الحج تقلَّد من السَّمُر - وهو شجر - فلا يعرضُ له أحد [ولا يُصَدُّ عن البيت، وإذا رجع تَقَلَّد قِلادةً من شعر؛ فلا يعرض له أحد، قال] فأمر الله - جلّ ذكره - أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام، بقوله: ﴿ولاَ الشّهرَ الحَرامَ﴾ [المائدة: 2]، ثم نسخ ذلك كُلَّه بقوله: ﴿فاقتلوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5].
وعن مجاهد أنه قال: لم يُنْسَخ من المائدة إلا القلائد، كان الرجل يتقلَّدُ بالشيء من لِحاء شجر الحرم فلا يؤذي فيكون التقديرُ على هذه الأقوال: ولا أصحابَ القلائد، قال: فنسخَ اللهُ - سبحانه - ذلك بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكين﴾ - الآية -. قال: ومعنى ﴿لاَ تُحِلُّوا شَعائرَ الله﴾[المائدة:2] لا تتعرضوا لِسَخَطِه وابتغوا طاعتَه، فهو محكم لا يجوز نسخُه على هذا التأويل.
وقال الشعبي: نُسِخَ مِن هذه السورة خمسةُ أحكام: قوله: ﴿لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿الحرام﴾، قال: نُسِخَ ذلك كُلُّه بالأمر بالقتل حيثُ وجدوا.
وأكثرُ العلماء على أن قوله: ﴿لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله﴾ محكمٌ غيرُ منسوخ، ومعناه: لا تستحلوا حدودَه ومعالمه وحُرُماتِه، وهذا لا يجوز نسخُه.
قال ابنُ عباس: شعائرُ الله: مناسك الحج، فمعنى الآية: لا ترتكبوا ما نهيتُكُم عنه من صَدٍّ وغيره. وهذا كُلُّه لا يجوز نسخُه.
وقد قال أبو عبيد: الشعائر: الهدايا، وقيل: الشعائر: العلامات التي بين الحلِّ والحَرَم.
فأما قولُه: ﴿ولا الشهرَ الحرامَ﴾ [المائدة: 2]، فهو عند أكثر العلماء منسوخٌ لأنه - تعالى ذكره - نهى أن يقاتَل المشركون في الشَّهرِ الحرامِ، ثم نُسِخَ ذلك، وقد تقدم ذكرُه في البقرة. والشهرُ الحرام: - هنا - يراد به رجبٌ، وقيل: ذو القعدة.
وقوله: ﴿ولاَ الهَديَ ولاَ القَلاَئِدَ﴾، وقد تقدم القول فيه أنه منسوخٌ بالأمر بقتل المشركين حيثُ وُجدوا، ومعناه: ولا أصحابَ الهدي ولا أصحابَ القلائد. فكان النهيُ عامّاً عن قتل المشركين أصحاب الهدي والقلائد، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ على ما تقدم من الاختلاف.
وقد قيل: إن هذا كُلَّه محكم غيرُ منسوخ. نهى الله - جلَّ ذِكرُه - المؤمنين أن يمنعوا هدي المؤمن المقلّد وغيرَ المقلّد عن أن يصل إلى محلّه، كما فعل المشركون بالنبي ﷺ وأصحابه في غزاة الحديبية؛ إذ صدّوهم عن البيت، وصدّوا الهديَ أن يبلُغَ مَحِلَّه، فهي في المؤمنين خاصة محكمة، وهي مثل قوله: ﴿ولاَ تَأْكُلُوا أمْوَالَكُم بِيْنَكُم بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] إلى قوله: ﴿ولاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ [المائدة: 2]، وهذا وحده منسوخ بآية السيف على ما قدَّمنا.
وقد قيل: إنه مخصوصٌ في أمر بعينه نزل في الحُطَم بن هند وقيل (هو) الحطيم بن ضبيعة أتى حاجّاً، وقد قلّد (هدية) فأراد أصحابُ النبي الخروجَ إليه فنهوا عن ذلك بهذه الآية، وبهذا القول قال ابنُ جريجٍ وغيرُه.
وأكثرُ الناس على أن المائدةَ نزلت بعد براءة، فلا يجوز على هذا أن ينسخ ما في براءة ما في المائدة، لأن الآيةَ لا تنسخ ما لم ينزل بعد. ومَن قال هذا، جعل: ﴿ولاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ منسوخاً بالإِجماع على أن المشرك لا يقربُ المسجد الحرام، وهذا إنما يجوز على قول من أجاز أن ينسخ الإِجماعُ القرآن وليس هو قولَ مالكٍ ولا أصحابه، ولكن تكون الآية - على قول مالك وأصحابه، ومن لم يُجِزْ أن ينسخ الإِجماعُ القرآنَ - مخصوصةً في المؤمنين الذين يقصدون البيتَ الحرامَ، فهو محكم، فلا يجوز نسخُه؛ لأن المسلم نفسَه ومالَه وعرضَه مُحَرَّم، وإنما خصَّ ذكرَ الآمّين للبيت الحرام، وغيرُهم في التحريم مثلُهُم؛ لأنهم أعظمُ حرمةً وآكدُ في التحريم لقصدِهمُ البيتَ الحرامَ وابتغائِهم ما عند الله وإلاَّ فالتحريم (في) أن يحلّ أذى المسلم حيث كان واحِد، وهذا كما قال: ﴿مِنْهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ... فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنّ أنفُسَكُم﴾ أي: لا يظلم بعضكم بعضاً في هذه الأربعة (الأشهر) الحرُم، والظلم ممنوع منه في كل الشهور، ولكن خصّ ذكر الأشهر الحرم لِعِظَم قدرها، وَعِظَمِ الذنب فيها، - ولهذا نظائر، يخص الشيء بالذكر لتأكيد حاله وجلالة أمره - وغيرُه مثله.
قوله تعالى: ﴿ولاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنئَانُ قومٍ أَن صَدُّوكُم عن المَسْجِدِ الحَرامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]:
نهاهم الله عن الاعتداء لأجل بغضهم لقوم.
قال ابن زيد: هو منسوخ بالأمر بالقتال والجهاد، وقتلُهم وجهادُهم من أعظم الاعتداء عليهم وهو مأمورٌ به فيهم.
وقال مجاهد وغيرُه: الآيةُ مخصوصةٌ محكمةٌ غيرُ منسوخة. نزلت الآيةُ في مطالبة المسلمينَ المشركينَ بـ "ذحول" الجاهلية لأجل أن صدّوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية.
(فالمعنى): لا يحملنَّكُم بغضُ مَن صدَّكُم عن المسجد الحرام (عام الحديبية) أن تطالبوهم بما مضى في الجاهلية من قتلٍ أو غيرِه، فما هُم عليه من الكفر أعظمُ من ذلك، وقد قال النبي - عليه السلام -: "لعن الله من قتل بـِ "ذَحْلٍ" كان في الجاهلية" وهذا القول أولى بالآية وأحسن.
المائدة 5:5
قوله تعالى: ﴿وطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُم، وطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾:
أباح الله لنا أن نأكل طعامهم ونطعمهم طعامنا.
وقد روي عن أبي الدّرداء وعبادة بن الصامت أنهما قالا: هذا ناسخٌ لقوله: ﴿وَلاَ تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسمُ اللهِ علَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] فأَحلَّ لنا بهذه الآية أكل ذبائح أهل الكتاب، وإن لم يذكروا اسمَ الله عليه.
وقد قال جماعةٌ من (أهل العلم): آيةُ الأنعام محكمةٌ، وإذا ذبح أَهلُ الكتاب ولم يذكروا اسم الله عليها لم تؤكل ذبيحتُهم، وإنما أحلَّ الله لنا أن نأكلَ ذبائحَهم إذا ذكروا اسمَ الله عليها، بدلالة قوله: ﴿ولاَ تأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذكرِ اسمُ اللهِ عَلَيْه﴾ [الأنعام: 121].
وقد قيل: إن آيةَ الأنعام مخصوصٌ حُكْمُها فيما ذُبِحَ للأصنام من ذبائح غير أهل الكتاب، وآيةُ المائدة في (إباحة أكل) ذبائح أهل الكتاب. فالآيتان على هذا في حكمين مختلفين مُحَكَميْن لا نسخَ في واحدٍ منهما.
وقد قال عليٌّ وعائشةُ وابنُ عمر: إذا علم أن الكتابيَّ لم يَذْكُر اسمَ الله على ذبيحته لم تؤكل.
فآية الأنعام على هذا محكمة غيرُ منسوخة عامَّة في كل ما ذبح ولم يذكر اسمُ الله عليه، كتابياً كان الذابح أو غير كتابي أو مُسْلِماً إذا تعمّد ترك التسمية - وهو ظاهرُ التلاوة - ومفهوم الخطاب. وكذلك ذبيحة المسلم إذا تعمد ترك التسمية لا تؤكل بظاهر الآية.
وكان مالك يكره (أكلَ) ذبيحة الكتابي إذا لم يذكُر اسمَ الله عليها، ولا يُحَرِّمُه، وهذا يدل (من مذهبه) على أن آية الأنعام مخصوصة في غير أهل الكتاب. ولو كانت عنده عامة في أهل الكتاب وغيرهم لحرَّم أكل ذبيحة الكتابي إذا عُلِمَ أنه (لم يذكر) اسمَ الله عليها. وكره مالك أيضاً أكل (لحوم) ما ذبحوا لكنائسهم ولم يُحَرِّمْه، وكذلك إذا ذكروا عليه المسيح، وذلك منه لعموم التحليل في قوله: ﴿وطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فأَحلَّ طعامهم تحليلاً عاماً، وقد علم الله أنهم لا يَذْكُرونَ اسمَ الله على الذَّبائح.
وقد أجاز ابنُ عباسٍ أَكْلَ ذبائح المجوس ونصارى تغلب؛ لقول النبي - عليه السلام -: "سنّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب".
ومنع من ذلك عليُّ بنُ أبي طالب - رضي الله عنه - وغيرُه، (وتأَوَّلوا) الحديثَ في الجزية لا غير، وقد أُجمعَ على منع نكاح نسائهم، فقد خرجوا بذلك عن سُنَّةِ أهل الكتاب، فدلَّ ذلك على إخراجهم أَيضاً من سُنَّةِ أهل الكتاب في الذبائح، وإن الحديث إنما هو في الجزية خاصة، ولو كان عامّاً في سُنَّةِ أهل الكتاب لجاز نكاحُ نسائهم كأهل الكتاب ومنعُ ذلك إجماعٌ، وقد تقدم الكلام في حكم تحليل نكاح الكتابيات، وما قيل في ذلك.
المائدة 5:6
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ﴾.
(هذه الآية) عند جماعة ناسخةٌ لقوله: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:43]؛ لأن مفهومَ الخطاب جوازُ قُرْبِ الصلاةِ لغير السَّكران جوازاً عاماً بلا شرط غَسلٍ ولا وضوء، ثم منع في هذه الآية أن تُقْرَبَ الصَّلاةُ إلاّ بالغسل المذكور للأعضاء المذكورة، والمسح للرأس.
وقيل: الآيةُ ناسخةٌ لفعل النبي - عليه السلام - كان إذا أَحدَثَ لم يُكلِّم أحداً حتى يتوضأ، فنسخَ اللهُ ذلك بالأمر بالوضوء عند القيام إلى الصَّلاة.
ومعنى ﴿إذَا قُمْتُمْ﴾: إذا أردتم القيام، كما قال تعالى: ﴿فإذا قرأتَ القُرآنَ فاسْتَعِذْ باللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: 98]، أي: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله.
وقد قيل: إن ظاهرَ الآية إيجابُ الوضوء على كل مَن قام إلى صَلاةٍ، وإن كان على وضوء، لكنه نسخ بتواتر الأخبار أن النبي - عليه السلام - كان يُصَلِّي صلواتٍ بوضوء واحد، وبالإِجماع على جواز ذلك وفعله.
والأحسن أن يقال: خُصِّصَ وبُيِّنَ بالإِجماع على جواز صلواتٍ بوضوء واحد، وبالسُّنَّةِ المتواترة بفعل [النبي ﷺ] ذلك، فيكون مخصَّصاً ومبيَّناً أولى من أن يكون منسوخاً، هذا على قول من لم يُجِزْ النسخ بالإِجماع ولا بالسنّة المتواترة؛ إذ لا اختلاف في جواز تخصيص القرآن وتبيينه (بالإِجماع وبالسُّنَّةِ المتواترة).
ورُوِيَ عن علي أنه جعل الآيةَ للوضوء لكل صَلاةٍ على النَّدب، نَدَبَ كل من قام إلى الصلاة أن يتوضأ لها، وإن كان على وضوء، وكان علي - رضي الله عنه - يتوضأ لكل صلاة للفضل لا لأَنه واجب.
وقد ذهب قوم إلى وجوبه بظاهر الآية، وهو مروي عن عكرمة وابن سيرين. والجماعة على خلافهما، لِلإِْجماع السابق قبلَهما. والأخبار المتواترة على غير ذلك.
وقد قال زيدُ بنُ أسلم: الآية مخصوصةٌ يراد بها مَن كان على غير طهارة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وعليه جماعة الفقهاء، وهو الصواب، إن شاء الله. فيدخل تحت الحدث النوم وغيره؛ فالآية محكمة في هذه الأقوال.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: فَرْضُ غَسْلِ الرِّجْلَين ناسخٌ للمسح على الخفين. وعن عائشة وأبي هريرة أنهما منعا المسح على الخفين وهي رواية ضعيفة.
وأكثر الفقهاء وأهل السنّة وأهل الحديث، وأكثر الرواة عن الصحابة والتابعين على جواز المسح على الخفين في (السفر والحضر). فهو غير منسوخ بل هو توسعة وتخفيف على المسلمين. وهو بدل من الغسل.
فأمّا من قرأ: "وأرجُلِكُم" - بالخفض - فهي قراءة مُجْمَعٌ عليه لا اختلاف في جوازها والقراءة بها. وهي توجب جواز المسح على (الأرجل) وليس على ذلك عمل. وقد قيل فيه أقوال:
وقيل: هو (محكم) منسوخ بفعل النبي - عليه السلام - وغسله لرجليه دون أن يمسح، نقل ذلك نقلاً متواتراً، وقد أمر النبيّ ﷺ بتخليل الأصابع، وذلك لا يصح إلا مع الغسل، وقد قال ﷺ: "ويلٌ للأعقاب من النار"، لما رأى قوماً توضؤوا وأعقابُهم تلوح لم يصل إليها الماء، وهذا لا يكون إلا بالغسل، وقد قال ﷺ: "أسبغوا الوضوء" وذلك لا يكون إلا مع الغسل.
وقد قيل: إن القراءة - بالخفض - غيرُ منسوخة لكنّها تَدُلُّ على (ما تَدُلُّ عليه، القراءة) - بالنصب - من الغَسْل وذلك أن معنى التمسح: التطهر، يقال: تمسحتُ لِلصَّلاة، أي، تطهَّرت لها: فيكون معنى: وأرجلكم - بالخفض -: أي: طهروها بالماء، فلما كان المسحُ يجوزُ أن يقع على الطهارة بيَّن النبي بفعله أن المراد بالمسح - في قراءة مَن خفض الأرجل -: الغسل.
وقد روي عن الشعبي أنه قال: نزل القرآنُ بالمسح - يعني على الأرجل - قال: وجاءت السُّنَّةُ بالغسل، فجعل المسحَ هو الفرض، والغسل بالسنّة، كأنه جعل السنّة ناسخةً للفرض؛ إذ قد أجمع على أنه لا يجوز مسح الرجلين في الوضوء دون الغسل، وإنما المسح الجائز على الخفين.
وقد قال بعض أهل العربية واللغة: إن معنى القراءة - بالخفض -: وامسحوا برؤوسكم وأَرجُلِكُم غَسْلاً، ودلَّ على هذا الغَسْلِ المحذوفِ قولُه: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيديَكُمْ إِلَى المَرَافِق﴾، ودَلَّ على أن المرادَ الغسلُ، وأكَّده التحديدُ في قوله: ﴿إلى الكَعْبَيْن﴾، كما قال في الأيدي: ﴿إلى المَرَافِق﴾.
وقد قال الأخفش وأبو عبيدة: إنما خُفِضَت الأرجلُ - في قراءة مَن خفضها - على الجوار للرؤوس، لا على العطف عليها. والخفضُ على الجوار لا يوجِبُ حُكْمَ الذي جاورَه وَحُمِلَ على إعرابه للمجاورة، إنما يوجِبُ الْحُكْمَ الخَفْضُ على العطف.
ومن قال: إنه خفضٌ - على العطف - احتجَّ بأنَّ حمل الكلام على أقرب العاملين أحسن، فلما كان قبل الأرجل عاملان: الغسل والباء، والباء أقرب، حمل الكلام على الباء لقربها منه، وهو الأكثر في كلام العرب، وحَسُنَ ذلك لما في الكلام من الدليل على أن المراد به الغسل. وقد روى أبو زيد اللغوي: أن المسحَ: خفيفُ الغَسْل. وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بالسُّوقِ والأعْنَاقِ﴾ [ص: 33]: أن المسح هنا: الضرب، فكذلك المسح في الأرجل: الغَسْلُ الخفيف.
فأما المسح على الخفين:
فإن ابن عباس يقول: "مسح رسول الله ﷺ على الخفين قبل نزول المائدة"، فلما نزلت المائدة بالغَسْل نسخَ ذلك المسحَ، وقال: "والله ما مسح رسول الله ﷺ بعد المائدة".
وقال جريرُ بن عبد الله: مسح النبي - عليه السلام - على الخفين بعد نزول المائدة - وكان إسلامُ جرير بعد نزول المائدة في (شهر) رمضان سنة عشر - وعلى هذا أكثر الناس لأن من أثبت أولى بالقبول ممّن نفى. هذا أصل مجمع عليه.
وقد اختلف قولُ مالك في جواز المسح (على الخفين) للمقيم. وعلى جوازه أكثر أهل السنّة.
المائدة 5:13
قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ واصْفَحْ﴾:
قال قتادة: هي منسوخةٌ بقوله: ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ ولاَ باليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] - الآية -.
وقيل بقوله: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ [الأنفال: 58] - الآية -.
وقال ابنُ عباس: هي منسوخةٌ بقوله: ﴿اقتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُموهُمْ﴾ [التوبة: 5].
وهذا كله يَدُلُّ على أن براءة نزلت بعد المائدة.
فأما مَن قال: المائدة نزلت بعد براءة فالآية عنده محكمةٌ غيرُ منسوخة، لكنها مخصوصة نزلت في قوم من اليهود أرادوا الغدرَ بالنبي - عليه السلام - فنجَّاه الله منهم، وأمره بالعفو عنهم ما داموا على الذمة، وهو الصواب إن شاء الله، لأن القصة من أول العشر إلى آخره، وما بعده كله نزلت في أهل الكتاب والإِخبار عن حالهم وعهدهم وخيانتهم وغير ذلك.
(وقد) قيل: هي محكمةٌ مخصوصة في زمان دون زمان، فالمعنى: فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وذِمَّة.
المائدة 5:33
قوله تعالى: ﴿إنما جزاءُ الذين يحاربون الله ورسولَه﴾.
قال ابن سيرين: هذه الآيةُ نسخت فعلَ النبي - عليه السلام - بالعُرَنيين حين سَمَلَ أَعْيُنَهم ومثَّل بهم وتركهم في الحرَّةِ حتى ماتوا، فلم يمثّل النبي - عليه السلام - بأحد بعد هذه الآية.
وقيل: إن فعلَه - صلى الله عليه - ليس بمنسوخ؛ لأنه (إنما) فعل بهم مثل ما فعلوا بالرِّعاء.
وقيل: الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب نقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فأَعلمَ الله نبيّه الحكم فيهم، وهو مروي عن ابن عباس.
وقال الحسن: نزلت الآية في قوم ارتدّوا واستاقوا المواشي وقتلوا الرِّعاء يعني العُرَنيين، فأخذهم النبي - عليه السلام - فقطع أيديَهم وأرجُلَهم وسَمَل أَعيُنَهُم وتركهم في الحرَّة حتى ماتوا.
والإِمام عند مالك مُخَيَّرٌ فيمن وقع عليه اسم الحرابة أنه إذا قدر عليه يجتهد في عقوبته، ويفعل ما رأى، وهو قول عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، وروي مثله عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيّب.
وقال الشافعي: (لا يُخَيَّر الإِمام) في ذلك، وعقوبةُ المحارِب على قدر جنايته، وبه قال الحسنُ والأوزاعيُّ وعطاء وابنُ جبير، وروي مثله عن ابن عباسٍ أيضاً وهو قولُ أَهلِ العراق.
والنفي - عن مالك -: حَبْسُه أو إخراجه من ذلك البلد إلى غيره وحبسه فيه. وقال الشافعي: ينفى من ديار الإِسلام. وقال الكوفيون: النفي: الحبس.
المائدة 5:42
قوله تعالى: ﴿فَإِن جَاؤوكَ فاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾:
خيّر الله - نبيّه ﷺ في ظاهر هذه الآية في الحكم بين أهل الكتاب إذا أتوا لذلك، أو تركَه.
قال ابنُ عباس: هذا منسوخ بقوله: ﴿فاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله، وَلاَ تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 48] - الآية -، وبقوله: ﴿وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أنزَلَ اللهُ، ولاَ تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ واحذَرْهُمْ﴾ [المائدة: 49]، فليس للإِمام ردّهم إلى حكامهم، إذا جاؤوا ليحكم بينهم إنما كان هذا في أول الإِسلام، ليكون ذلك أَدعى لهم إلى الدخول في الإِسلام، والألفة، وأقربَ إلى قلوبهم - وهو قول مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وعكرمة والزهري، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه قال الكوفيون، وهو أحد قولي الشافعي -.
وقال جماعة من العلماء: الآية محكمةٌ غيرُ منسوخة، والإِمام مُخَيَّرٌ في الحكم وتركه إذا جاؤوه ليحكم بينهم - وهو قول عطاء (بن أبي رباح والحسن ومالك، وهو أحد قولي الشافعي وهو قول الشعبي والنخعي وأبي ثور -.
ومعنى: ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ - على هذا القول -: إن شئتَ؛ لأنه قد تقدم لفظ التخيير له، فآخرُ الكلام حذف منه التخيير لدلالة الأول عليه، لأنه معطوفٌ عليه، فَحُكْمُه في التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان، وليس الآخر بمنقطع مما قبله؛ إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بدّ من أن يكون قوله: ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة:49] معطوفاً على ما قبله من قوله: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكُم بَيْنَهُم بالقِسْط﴾ [المائدة: 42] ومن قوله: ﴿فَإِن جَاؤوكَ فاحْكُم بَينَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42].
ومعنى: وأن احْكُم بينهم بما أنزل الله، أي: احكم (بينهم) (بذلك) إن حكمتَ واخْتَرْتَ الحكم، فهو كُلُّه مُحْكَمٌ غيرُ منسوخ، لأن الناسخ لا يكونُ مرتبطاً بالمنسوخ ومعطوفاً عليه، فالتخيير للنبي - عليه السلام - في ذلك مُحْكَمٌ غيرُ منسوخ.
المائدة 5:89
قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارتُه إِطْعَامُ عَشَرةِ مَسَاكِين﴾ :
هذا ناسخٌ لقوهل تعالى: ﴿ولاَ تَنقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91].
أمر الله تعالى بترك نقض اليمين، ثم خَفَّفَ ذلك بالكفارة، ونقض اليمين والحنث في هذه السورة، وهو مثل قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا﴾ [البقرة: 224] أي: لا تمنعكم اليمين من فعل البرِّ، فهو مثل قوله تعالى في أبي بكر إذ منع مسطحاً من النفقة وخلف عليه، فنزل: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَة﴾ [النور: 22] - الآية - فرجع أبو بكر إلى الإِنفاق على مسطح، وكَفَّرَ (عن يمينه).
فهو كله نَاسخٌ لقوله: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، فَعَمّ كل يمين ألاّ تُنْقَضَ، ثم أجاز نقضَها بالكفارة تخفيفاً ورحمةً.
وقيل: إن قوله: ﴿ولاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ﴾ محكم غير منسوخ، يراد به العهود التي كانت بينهم، أمر الله بالوفاء، كما قال: أوفوا بالعقود.
المائدة 5:95
قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنتُمْ حُرُمٌ﴾.
عمَّ الله بظاهر هذه الآية النهيَ عن قتل كل صَيْدٍ من بَرٍّ وبحر، ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْر﴾ [المائدة: 96]، فظنَّ ظانٌّ أنه ناسخ للأول، وليس كذلك، إنما هو تبيين وتخصيص، بيّن الله بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْر﴾ أن النهي عن قتل الصيد للمُحْرِمِ يراد به صيدُ البَرِّ، وأن الآية خاصةٌ في ذلك غيرُ عامة في كل صيد.
المائدة 5:105
قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾. الآية:
قال أبو محمد: كَثُرَ الاختلافُ في معنى هذه الآية، حتى قيل إنها منسوخةٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المفروضين المحكمين.
وأكثر أقوال الناس أنها محكمةٌ على معانٍ:
قيل: المعنى: عليكم أَنْفُسَكُم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم، (قيل هو قول ابن مسعود).
وقيل: لم يأت زمان هذه الآية بعد.
وقيل المعنى: ليس على الإِنسان ضلال غيره من يهودي ونصراني، إذا اهتدى هو. وقد شرحناها في غير هذا الكتاب بأبين من هذا، وقيل: إن الآية رخصت العزيمَةَ في فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المائدة 5:106
قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] الآية:
أكثر الناس على أن هذا محكمٌ غير منسوخ.
(واختلف القائلون بأنها محكمة) غيرُ منسوخة في معنى قوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾:
فقيل: هم أهل الكتاب: شهادتهم على الوصية خاصة في السفر جائزة عند فقد المسلمين للضرورة - وهو قول أبي موسى الأشعري، والشعبي، وابن سيرين، ومجاهد، وابن جبير، وابن المسيب، وشريح، والنخعي، والأوزاعي، وهو مروي عن ابن عباس وعائشة -.
وقيل: معنى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير قبيلكُم يعني - من المسلمين - وهو قول الحسن، و عكرمة، وأضافه بعض الرواة إلى مالك والشافعي - فلا نسخ فيه على هذا. واستدلوا على ذلك بقوله: ﴿تحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاة﴾ فدلّ على أنهما من أهل الصَّلاة. ولا يطلق على أهل الكتاب اسم: أهل الصلاة.
واختلف القائلون: إن معناه من أهل الكتاب.
وقال آخرون: الآية منسوخة ومعنى: من غيركم: من غير أهل ملتكم، فأجاز شهادةَ غير المسلمين (هاهنا)، ثم نسخه الله (بالأمر) بشهادة العدول في قوله: ﴿ممّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، وفي قوله: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، والكافر ليس بعدل ولا يرضى.
ويدل على أن معنى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير أهل دينكم: أنه تعالى استفتح الآية بقوله: ﴿يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا شَهَادَة بَيْنِكُمْ﴾، ثم قال: أو آخران من غيركم، ولا غير لأهل الإِيمان إلاّ أهل الكفر، ولو خاطب قبيله في صدر الآية، لكان معنى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير قبيلتكم.
وهذه الآية وما فيها من الحكم وما فيها من الإِعراب والمعاني والقراءات من أشكل آية في القرآن، وهي تحتاج إلى بسط يطول، لكنّا ذكرنا من ذلك ونذكرُ ما نحتاج إليه في هذا الكتاب. وقد بسطناها في كتاب مفرد يشرحها.
قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ الآيتان إلى قوله: ﴿لَشَهَادتُنَا أحقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾:
أَوجبَ الله - جلّ ذكره - على الشاهديْن على الوصية القابضيْنِ لتركه الميت في السفر اليمينَ إن ارتبنا أنهما غابا على شيء من التركة وخانا، فإذا حلفا بعدَ الصلاة، ثم اطُّلِعَ على خيانة منهما في التركة، حلف وليَّان وارثان من أولياءِ الميت على ما يدَّعيان قِبَل الشاهدين، ويقولان في آخر يمينهما: ليميننا أحق من يمينهما، وهو قوله: ﴿لَشَهَادَتنا أحَقّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ ثم يستحقان ما حلفا عليه.
هذا معنى الحكم المتلوّ في الآيتين.
ونُبَيِّنُ ذلك الاختلاف في معنى قوله: ﴿أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.
فمن قال: معنى ﴿مِن غيرِكُمْ﴾: أي: من أهل الكتاب - وهو منسوخ بقوله: ﴿ممّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾، وبقوله: ﴿وأشهِدُوا ذَوَيْ عدلٍ مِنكُمْ﴾ - قال: هذه الأحكامُ كُلُّها منسوخةٌ بما نسخ به جوازُ شهادة أهل الكتاب - وهو قول زيدِ بن أسلم ومالك والشافعي وأبي حنيفة -.
ومن قال: معنى من غيركم: من أهل الكتاب - وهو غير منسوخ، وشهادة أهل الكتاب في السفر في الوصية خاصة جائزة للضرورة - قال: القصة كُلُّها مُحْكَمة معمول بها - وهو قول ابن عباس وعائشة وأبي موسى الأشعري وابن جبير وابن المسيب وابن سيرين والشعبي والثوري وغيرهم -.
ومن قال: معنى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير قبيلتكم - من المؤمنين - قال: القصة كلها محكمةٌ معمول بها - وهو قول الزهري والحسن وعكرمة وأضافه بعض الناس إلى مالك والشافعي -.
والصلاة - في هذه الآية -: صلاة العصر، ففي هذه القصة وأحكامها ثلاثة أقوال على ما فسَّرنا.
وقد زاد النحاس فيها قول من قال: الشهادة في الآية بمعنى: الحضور. وقول من قال: الشهادة بمعنى: "اليمين"، ولا معنى يتحصل لهذين القولين.
المائدة 5:107
قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ الآيتان إلى قوله: ﴿لَشَهَادتُنَا أحقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾:
أَوجبَ الله - جلّ ذكره - على الشاهديْن على الوصية القابضيْنِ لتركه الميت في السفر اليمينَ إن ارتبنا أنهما غابا على شيء من التركة وخانا، فإذا حلفا بعدَ الصلاة، ثم اطُّلِعَ على خيانة منهما في التركة، حلف وليَّان وارثان من أولياءِ الميت على ما يدَّعيان قِبَل الشاهدين، ويقولان في آخر يمينهما: ليميننا أحق من يمينهما، وهو قوله: ﴿لَشَهَادَتنا أحَقّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ ثم يستحقان ما حلفا عليه.
هذا معنى الحكم المتلوّ في الآيتين.
ونُبَيِّنُ ذلك الاختلاف في معنى قوله: ﴿أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.
فمن قال: معنى ﴿مِن غيرِكُمْ﴾: أي: من أهل الكتاب - وهو منسوخ بقوله: ﴿ممّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾، وبقوله: ﴿وأشهِدُوا ذَوَيْ عدلٍ مِنكُمْ﴾ - قال: هذه الأحكامُ كُلُّها منسوخةٌ بما نسخ به جوازُ شهادة أهل الكتاب - وهو قول زيدِ بن أسلم ومالك والشافعي وأبي حنيفة -.
ومن قال: معنى من غيركم: من أهل الكتاب - وهو غير منسوخ، وشهادة أهل الكتاب في السفر في الوصية خاصة جائزة للضرورة - قال: القصة كُلُّها مُحْكَمة معمول بها - وهو قول ابن عباس وعائشة وأبي موسى الأشعري وابن جبير وابن المسيب وابن سيرين والشعبي والثوري وغيرهم -.
ومن قال: معنى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير قبيلتكم - من المؤمنين - قال: القصة كلها محكمةٌ معمول بها - وهو قول الزهري والحسن وعكرمة وأضافه بعض الناس إلى مالك والشافعي -.
والصلاة - في هذه الآية -: صلاة العصر، ففي هذه القصة وأحكامها ثلاثة أقوال على ما فسَّرنا.
وقد زاد النحاس فيها قول من قال: الشهادة في الآية بمعنى: الحضور. وقول من قال: الشهادة بمعنى: "اليمين"، ولا معنى يتحصل لهذين القولين.
الأنعام 6:66
قوله تعالى: ﴿قُل لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل﴾:
قال ابن عباس: نَسَخَ هذا (آيةُ) السيف: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، وفي الرواية عنه بذلك ضعف.
ولا يَحْسُنُ نسخُ هذا لأنه خبر، إنما أَمَره الله أن يُخْبِرَ عن نفسه بذلك، لم يأمره ألاّ يكونَ عليهم وكيلاً فَنَسَخَ ذلك.
فالمعنى صحيحٌ لا نسخَ فيه؛ لأن النبي - عليه السلام - ليس هو حفيظاً على مَن أُرْسِلَ إليه يحفظ أعماله، إنما (هو) داعٍ ومنذر ومُبَلِّغ، والحسابُ والعقابُ إلى الله - جلَّ ذِكْرُه -. ومثله في الاختلاف: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [الأنعام: 107]، ﴿وَمَا أنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيل﴾ [الأنعام: 107]، كُلُّه محكم غيرُ منسوخ.
الأنعام 6:69
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الّذِينَ يَتَّقونَ مِنْ حِسَابِهِم مِن شَيء﴾.
[أباح الله بمكة الجلوسَ مع المشركين؛ إذ لا يلزمُهم مِنْ كُفْرِهم من شيء] وذُكِرَ عن ابن عباس أنها منسوخةٌ (بقوله): ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ﴾ [النساء: 140] - الآية - فأَمرَهُم (الله) - بالمدينة -. أن لا يجلسوا مَعَهُم في هذه الحال.
والذي عليه أَهلُ النظر: أن هذا لا يُنْسَخُ لأنه خبر، ومعناه: ليس على من اتقى المنكرَ إذا نَهَى عنه من حساب مَنْ يفعلُه شيء، وإنما عليه أن ينهاه ولا يقعدَ معه راضياً بقوله. فالآيتان محكمتان.
الأنعام 6:70
قولُه تعالى: ﴿وَذَرِ الّذَِين اتخذوا دينَهُم لعباً ولَهواً﴾.
قال قتادة: هذا منسوخٌ بقوله: ﴿فاقتُلُوا المشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾.
والنسْخُ في هذا جائزٌ ولَكِنَّ أكثرَ النَّاس على أنه غيرُ منسوخ؛ لأنه تهددٌ ووعيدٌ للكفار، وليس هو بمعنى الإِلزام، والمعنى: ذَرْهُم فإن اللهَ معاقِبُهُم، وهو كقوله: ﴿ذَرْهُم يَأكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: 3]، وكقوله: ﴿ذَرْهُمْ في خوضِهِمْ يَلْعَبُون﴾ [الأنعام: 91]، لم يُبِحْ لهم ذلك، إنّما هو كُلُّه تهدُّدٌ ووعيد، وذلك لا يُنْسَخ، وقد ذكرنا قولَه: ﴿ولاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه﴾ [الأنعام: 121] ومَن قال: إنه منسوخٌ بتحليل أكلِ طعامِ أهلِ الكتاب.
الأنعام 6:106
قوله تعالى: ﴿وأَعْرِضْ عَن المُشْرِكِين﴾:
رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: نَسَخَتْها آيةُ السَّيْف: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِين﴾.
وأكثرُ الناس على أنها محكمةٌ، وأن المعنى: لا ينبسط إلى المشركين، من قولهم: أَوْلَيْتُه عَرْض وَجهي. وهذا المعنى لا يجوزُ أَن يُنْسَخ؛ لأنه لو نُسِخَ لصار (المعنى): انْبَسِط إليهم وخالِطْهُم، وهذا لا يؤمرُ به ولا يجوز.
وكذلك قيل في قوله: ﴿وكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ﴾ [الأنعام 159]: إنه منسوخٌ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]، وهو خبر لا يَحْسُنُ نَسْخُه ومعناه: لَسْتَ مِن دينهم في شيء. وهذا لا يَحْسُنُ نَسْخُه.
الأنعام 6:121
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْه وإِنَّه لَفِسْقٌ﴾:
قال عكرمةُ: هي منسوخة بقوله: ﴿وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]، فأَحَلَّ لنا طعامَهم، وهم لا يُسَمُّونَ على ذبائحهم، - وهذا قول مكحول وعطاء -.
وقيل: هي محكمةٌ ولا يجوز أن تؤكلَ ذبيحةٌ لم يُذْكَرِ اسْمُ الله عليها، - وهو قول الحسن، وابن سيرين والشعبي - وقد أُجْمعَ على جوازِ أكل ذبيحة الناسي لِذكر الله عند الذَّبْح.
وقيل: الآيةُ مُخَصَّصَةٌ مُحْكَمة، والمرادُ بها الْمُتَعَمِّدُ لِتَرْكِ التَّسميةِ على الذبيحة، وخَصَّصَها إباحةُ أكل ذبائحِ أَهل الكتاب - وهو قولُ ابنِ جُبَيْر والنَّخعي ومالك وأبي حنيفة - غير أَنَّ مالكاً يكرهُ أكلَ ذبيحة الكتابي إذا علم أنه لم يُسَمِّ مُتَعَمِّداً، ولم يُحَرِّم ذلك، وقد بينّا هذا في المائدة بأشبع من هذا.
وقد يتوهم متوهِّمٌ أنَّ قولَه: ﴿وَلاَ تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عليه﴾ [الأنعام: 121] أَتى عامّاً في كُلِّ طعام، (والإِجماعُ) على أن المرادَ به الذبائحُ ناسخٌ لذلك، وليس الأمرُ كذلك، إنما الإِجماع (بيَّنَ وخَصَّصَ) أن المرادَ بذلك الذبائحُ، ولو كان ذلك نسخاً عند مَن أجاز النسخَ بالإِجماع لوجَبَ بالنسخ أن يؤكلَ كُلُّ ما لم يُذْكَرِ اسمُ الله عليه مِن ذبيحةٍ وغيرِها، لأَنّ حقَّ الناسخ إزالةُ حُكْم المنسوخ، وهذا لا يجوز، وإنما هو (تخصيصٌ وتبيينٌ) بالإِجماع؛ إذ المرادُ الذبائحُ خاصةً دون سائر الطعام، وفي الآية ما يدلُّ على ذلك.
الأنعام 6:141
قوله تعالى: ﴿وآتَوا حَقَّه يَوْمَ حَصَادِهِ﴾:
قال ابن جبير: هي منسوخة بآية الزكاة - وهو قول عكرمة والضحاك -.
قال الضحاك: نسخت الزكاةُ كُلَّ صدقة في القرآن.
وعن ابن عباس: أنها منسوخةٌ بالسنّة في إيجاب العُشْر فيما سقت السماء، ونصف العشر في غير ذلك - وهو قولُ السُّدِّي وابنِ الحنفية -.
وقال أنسُ بنُ مالك والحسنُ وابنُ المسيّب وجابرُ بن زيد، وعطاءُ وقتادةُ وزيدُ بنُ أَسلم: هي محكمة، والمراد بها: الزكاة - وهو قول مالك، (وهو أحد) قولي الشافعي -.
وقد قال مالك: إن الزكاة والصَّوم فُرضا (في المدينة) فكيف يقول: إن قوله: ﴿وآتُوا حَقَّه يومَ حَصاده﴾، المرادُ بها الزكاة - رواه عنه ابن وهب وابن القاسم - والأنعام مَكِّيَّةٌ كُلُّها، فهذا قولٌ اللهُ أَعلمُ بحقيقته.
وأكثر الناس على أن الزكاةَ فُرِضَت بالمدينة لا أَعرفُ في ذلك خلافاً.
وقال سفيان: هي مُحْكَمةٌ، والمرادُ بها شيءٌ يُتْرَكُ للمساكين غير الزكاة - وهو قول مجاهد ومحمد بن كعب، وأبي عبيد -.
وإجماع المسلمين أولاً على أن لا فرضَ غيرُ الزكاة يَرُدُّ هذا القول، وأيضاً فإن الفروضَ محدودةٌ وهذا غير محدود، ولا معلوم قدرُه عند أحد، فلا يجوز أن يكون فرضاً ما لا يُعْرَفُ قَدْرُه.
فإن حَمَلْتَه على الزكاة حَسُنَ لأن النبي - عليه السلام - قَدْ بَيَّن قَدْرَ ما تجبُ فيه الزكاة، وقَدْرَ ما يلزمُ من الزكاة، فهو محكم إن حَمَلْتَه على الزكاة.
وقد اعترض قومٌ في أن يُرادَ به الزكاةُ، وقالوا:
الزكاة لا تجب وقت الحصاد، وإنما تجب بعد الكيل.
وقالوا: الزكاة معلومةٌ محدودة، وهذا غيرُ محدود ولا معلوم.
وقالوا: وقد قال: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا إنَّه لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِين﴾ [الأنعام: 141]، والزكاة لا إسرافَ فيها.
وقالوا: ظاهرُ الآية يَدُلُّ على أن الزكاةَ واجبةٌ في كل ما أخرجت الأرض، وعلى إخراجِ الزكاةِ مِن قليلهِ وكثيرِه.
قال أبو محمد: وجميعُ هذا لا يلزم لأن النبيَّ - عليه السلام - قد بيَّن ذلك كله وحَدَّهُ، فالقرآن يأتي مجملاً، والنبيّ ﷺ يُبَيِّنُه، لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّل إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، وهذا أبلغ كتبيينه للصلاة والحج وغير ذلك.
ومعنى: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: 141]: ولا تَتَخَلَّفوا عن إخراج ما يجبُ عليكم، ومنعُ حَقِّ الله مِن أَعظم الإِسراف، وقد قيل: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا﴾: مخاطبةٌ للسُّعاةِ في أن لا يأخذوا أكثرَ مما يَجِبُ لهم. فهذا كُلُّه يُبَيِّنُ أَنها محكمةٌ نزلت في فرض الزكاة مُجْمَلَةً، وبيّنها النبي عليه السلام، ويعارض كونَها في الزكاة قولُ أكثر الناس إِنَّ الزكاةَ فُرِضت بالمدينة - والأنعام: مكية - فيصيرُ فرضُ الزكاةِ نزل بمكة، والله أعلم بذلك.
الأنعام 6:145
قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إلىَّ مُحَرّماً عَلَى طاعِمٍ يَطْعَمُه﴾.
أباح اللهُ بهذه الآية المكِّية أَكْلَ كُلِّ ما عدا ما ذُكِرَ فيها من الأربع المحرمات.
وأكثرُ الناس على أنها مُخَصِّصَةٌ لتحريم النبي - عليه السلام - أكلَ لحوم الحُمُر الأهلية، وأَكْلَ لَحْمِ كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع وذي مِخْلَبٍ مِن الطَّير.
وقيل: هي منسوخَةٌ بما حرَّمَ النبىُّ - عليه السلام - والأَوَّلُ: (أوْلى) وأَحْسَنُ لأنه خبرٌ لا يجوز نَسْخُه.
وقال جماعةٌ مِن العلماء: الآية مُحْكَمةٌ وكُلُّ ما حَرَّمَه النبي - عليه السلام - مضمومٌ إليها معمولٌ به، لقوله تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه﴾ [الحشر: 7] - وهو قولُ مالكٍ والزُّهريِّ وغيرِهما -.
وقيل: الآيةُ مخصوصةٌ نزلَت جواباً لما سألوا عنه، والذي حَرَّمَ رسولُ الله ﷺ داخلٌ في التَّحريم.
وقال سعيدُ بن جبير والشعبيُّ: هي محكمةٌ وأَكْلُ لُحوم الْحُمُرِ جائزٌ، وإنَّما مَنَعَه رسولُ الله ﷺ في ذلك الوقتِ لِعِلَّةٍ وعُذْرٍ، وذلكَ أَنَّها كانت تأكلُ القَذَرَ، مع أنه ﷺ لم يُحَرِّمْه، وإنما كَرِهَه.
الأنعام 6:152
قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاَّ بالتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾:
رُوي عن قتادَة (أنه قال): نسخها قولُه: ﴿وإن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانُكُم﴾ [البقرة: 220]، مَنَعَ مِن قُرْبِ ماله بمكَّة، وأباح مخالَطَتهُ وقربَه بالمدينة.
وقيل: إنها ليست بمنسوخةٍ، لأنه قال: ﴿إلاَّ بالتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فإنَّما وقع النهي عن قُرْبِ مالِ اليتيم بغير التي هي أحسن)، وذلك مُحَرَّمٌ لا يجوز وقال في الموضع الآخر: ﴿وإن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، أي: إن تُخالطوهُم بالتي هي أحسن، فهم إخوانكم في الدِّين، ودلَّ على ذلك قولُه: ﴿والله يَعْلَمُ المفسدَ مِنَ المُصْلِح﴾ [البقرة: 220]، فالآيتانِ مُحْكَمتان في معنىً واحد، وهو الصواب.
الأعراف 7:180
قوله تعالى: ﴿وذَرُوا الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِه﴾:
قال ابن زيد: هذا منسوخٌ نَسَخَه القتالُ.
وقيل: إن هذا محكمٌ، وإنما هو تهديدٌ ووعيدٌ من الله؛ لا أَنَّه أَمرَ نَبِيَّهُ أَن يَتْرُكَهُم يُلْحِدون فِي آيات الله، وهو مثلُ قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يأكلوا ويتمتعوا﴾ [الحجر: 3]. - في الحِجْر -.
الأعراف 7:199
قولُه تعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرِض عَن الجَاهِلِين﴾:
رُوُيَ عن ابن عباسٍ أن قولَه: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ﴾ منسوخٌ بالزكاة.
وقال (ابنُ زيد): (نُسِخَت بالأَمرِ) بالغِلْظَةِ عَليهم والقتالِ.
وقالَ مجاهدٌ: هي مُحْكَمَةٌ، والمرادُ بها الزكاةُ لأَِنَّها قَليلٌ مِن كثير.
وقال القاسمُ وسالم: هي محكمةٌ يُرادُ بها غيرُ الزكاة عن ظهر غنى، فكأنها عندهما على النَّدب.
وقال عبد الله وعُروة ابنا الزُّبَيْر: هِيَ محكمةٌ، ومعناها: خذ العفو من (أخلاق الناس).
وقال ابنُ زيد في قوله: ﴿وأَعْرِضْ عَن الجَاهِلِين﴾ [الأعراف: 199] هو منسوخٌ بالأمر بالقتال والقتل.
والصحيحُ عند أهل النظر: أنها مُحْكَمَةٌ، ومعناها: أَعرض يا محمد عن مخَالَطَتِهِم ومُجالَسَتِهِم. وهذا لا يُنْسَخُ إلاَّ بالأمر بمخالَطَتِهِم، وهذا لا يجوز.
الأنفال 8:1
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن الأنفال، قُلِ الأنفالُ لله والرَّسُول﴾:
روي عن (ابن عباس)، وعكرمة ومجاهد: أن هذا منسوخ بقوله: ﴿واعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيءٍ فأَنَّ لله خُمُسَه﴾ [الأنفال: 41] - الآية -.
قال ابنُ عباس: الأنفال: الغنائم كانت للنبي ﷺ خاصة، ثم نسخها: ﴿واعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيءٍ﴾ - وقاله الضحاك والشعبي -.
وأكثرُ الناس على: أنها محكمة، واختلفوا في معناها:
فقال ابن عباس - في رواية عنه أخرى -: هي محكمةٌ وللإِمام أن يُنْفِلَ من الغنائم ما شاء (لمن يشاء) لبلاءٍ أبلاه وأن يُرْضخ لِمَن لم يقاتل إذا كان في ذلك صلاحٌ للمسلمين.
وقال عطاء والحسن: (هي أيضاً) محكمةٌ مخصوصةٌ في من شَذَّ من المشركين إلى المسلمين من عبدٍ أو أمَةٍ أو متاعٍ، أو دابة، فهو نفل للإِمام أن يصنع فيه ما يشاء.
وعن مجاهد (أيضاً) أنه قال: هي محكمةٌ، والأنفال: الخُمْس وذلك أنهم سألوا لِمَن هي؟ فأُجيبوا بهذا.
وقيل: الأنفالُ: أنفالُ السَّرايا.
وقال ابنُ المسيَّب: إنما يُنْفِلُ الإِمام من خُمس الخمس فللرسول سهمٌ، وهو خُمْسُ الخمس، وهو قول الشافعي.
وقال مالك: الأنفالُ من الخمس، وحكى منذر عنه مثلَ قولِ الشافعي، وأراه وَهْماً.
الأنفال 8:16
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَومَئِذٍ دُبُرَه إلاّ مُتَحَرِّفاً لقتالٍ أوْ مُتَحَيِّزاً إلى فئةٍ﴾. الآية:
أوجب اللهُ لِمَنْ وَلَّى دُبُراً - في الزَّحْف والقتال - للمشركين الغضبَ والنارَ.
قال عطاء: هي منسوخةٌ بقوله: ﴿إن يَكُن مِنكُمْ عشرونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ، وإن يَكُن مِنكُم مائةٌ يغْلبُوا ألفاً﴾ [الأنفال: 65]، ثم نَسَخ هذا كُلَّه وخَفَفَّه بقوله: ﴿فإن يَكُن مِنكُم مائةٌ صَابِرةٌ يَغْلِبُوا مائتَيْن وإِن يَكُن مِنكُمْ أَلفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْن﴾ [الأنفال: 66]، فأباحَ أن يولُّوا من عددٍ (أكثرَ مِن مِثْلَيْهِمْ)، والنَّسخُ في هذا لا يجوزُ لأنَّه وَعيد، والوعيد لا يُنْسَخُ لأنه خبرٌ، وعليه أَهلُ النَّظَر والفَهْم.
وقال الحسن: هي مخصوصةٌ في أهل بدر، وليس الفرار من الزحف من الكبائر، إنما كان ذلك في أهل بدر خاصة.
وعن ابن عباس: أنها محكمةٌ وحكمُها باقٍ، والفرارُ من الزحف من الكبائر.
والصواب فيها: أنها محكمةٌ باقيةٌ على ما وقعَ عليه التَّخفيفُ الذي بَيَّنها وخصَّصها في آخر السورة، فالمعنى:
لا يفرَّ عددٌ من مثلي ذلك العدد أو أقل، فمن ولَّى دُبُرَه لعدد هو مثلا عددِه فأقل، فقد اكتسبَ كبيرةً، وقد توعَّده الله على ذلك بالغضب والنار.
ولم يُخْتَلَف في أن التوبةَ منه مقبولةٌ جائزة، لقوله: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بهِ، ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: 48، 116]، وقوله: ﴿إلاَّ مَن تابَ وآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [مريم: 60] - الآية - وقوله: ﴿يغفرُ الذُّنوبَ جميعاً﴾ [الزمر: 53]، وقوله: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، ولا يحبط الإِيمانَ إلاّ الشركُ.
الأنفال 8:33
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنتَ فيهِمْ، وما كان اللهُ مُعَذِّبَهُم وهُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾:
قال الحسن: قولُه ﴿ومَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾: منسوخٌ بقوله: ﴿ومَا لَهُمْ ألاَّ يُعَذِّبَهُم الله﴾ [الأنفال: 34] - الآية -.
والذي عليه أَهلُ النظر ويوجِبُه ظاهرُ النَّص أَنَّ نسخَ هذا لا يجوز لأنه خبر. وعامة العلماء على أنه غيرُ منسوخ. والمعنى:
وما كان الله ليعذبَهم وهم يستغفرون، أي: لو استغفروا لم يُعَذِّبْهم الله، كما تقول: ضربتُكَ ولم تَشْتُمني، أي: إنما ضربتُك بعد أن شتمتني، ومنه قول الشاعر:
بأيدي رجالٍ لم يُشيموا سُيوفَهم * ولم يكثر القتلى بها حين سُلَّتِ
أي: إنما شاموها بعد أن كثرت القتلى، يقال: شِمْتُ السيفَ: إذا أغمدته وإذا سللته، فهو مدح، ولو حُمِلَ على غير هذا لصار هجواً. وهذا المعنى حسن لطيف.
وقال ابن عباس في معنى الآية: وما كان الله معدبَ الكفار جميعاً وقد علم الله أن فيهم من يُسْلِم، وما لهم ألاّ يعذبهم الله إذا أسلم من قضي له بالإِسلام.
وقال مجاهد: معنى: وهم يستغفرون: يعني: يُسَلِّمون بما سبق لهم في علم الله بهم.
وقيل معناها: ما كان الله مُعَذِّبَهم في الدنيا وهم يستغفِرون، [لأنهم كانوا يقولون: غُفْرانَك غُفْرانَك، وما لهم أَلاَّ يُعَذِّبَهُم الله في الآخرة.
وقال الضحاك: معنى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾] يريد به: المؤمنين من أهل مكة. وما لهم أَلاَّ يُعَذِّبَهُم الله: يعني الكفارَ من أهل مكة - جعل الضميريْن مختَلِفَيْن -.
وكُلُّ هذه الأقوال تدلُّ على أن الآيةَ محكمة لا نسخَ فيها.
الأنفال 8:41
قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَه﴾ الآية:
قال قتادة: هذا ناسخٌ لقوله: ﴿مَا أفاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ القُرَى﴾ [الحشر: 7] - الآية -، وسنبيِّنُ ذلك في سورة الحشر - إن شاء الله تعالى -.
الأنفال 8:61
قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾:
أمر الله نبيّه ﷺ إن مال المشركونَ إلى الصُّلح (أن) يميل إلى ذلك.
قال قتادة: نسخها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: 5].
وقيل: نسخها: ﴿قَاتِلُوا الذينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: 29] الآية.
وعن ابن عباس أنه قال: نَسَخَها: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وتَدْعُوا إلَى السَّلمِ وأنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: 35].
وقيل: الآية محكمةٌ غيرُ منسوخة، وأن الله أمر نبيّه في الأنفال أن يميل إلى الصلح إن مالوا هم إليه وابتدؤوه بذلك، ونهاه في سورة محمد - عليه السلام - أن يبتديء بطلب الصلح منهم قبل أن يطلبوا هم ذلك منه.
فالآيتان محكمتان في معنيين مختلفين لا ينسخُ أَحدُهما الآخرَ.
الأنفال 8:65
قوله تعالى: ﴿إن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ، وإِن يكُن مِنكُم مائةٌ يَغْلِبُوا أَلفاً مِنَ الذِينَ كَفَرُوا﴾.
فرضَ اللهُ - جلَّ ذكرُه - بهذا على الواحد أن يقفَ لِعشرة من المشركين فأقل، فشقَّ ذلك عليهم - فيما روي عن ابن عباس - قال: وكان هذا في أول الإِسلام، والمسلمون عددُهم قليل، فلما كثروا خَفَّف الله عنهم، فنسخ ذلك بقوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال: 66]، إلى قوله: ﴿مَعَ الصَّابِرِين﴾ [الأنفال: 66] ففرض الله على الواحد أن يقف لاثنين فأقل.
وقد قيل: إن هذا ليس بنسخ، وإنما هو تخفيفٌ ونقصٌ من العدد، وحكمُ الناسخ أن يرفعَ حكمَ المنسوخ كلَّه، ولم يرفع في هذا حكم المنسوخ كله إنما نقص منه وخفف، وبقي باقيه على حكمه، ويدل على هذا أن من وقف لعشرةٍ فأكثر فليس ذلك بحرامٍ عليه، بل هو مثابٌ مأجور، وقد بيَّنا ما يَرُدّ هذا القولَ (في ما) تقدم.
الأنفال 8:67
قولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسْرَى حتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾.
قال ابن عباس: هو منسوخٌ بقوله: ﴿فَإِمَّا مَنَّاً بعدُ وإمَّا فداءً﴾ [محمد: 4]: وذلك أن هذا نزل والمسلمونَ قليلٌ، فَمُنِعَ النبي من الخيار في الأسرى، فلمَّا كَثُرَ المسلمون وتقوَّوا، أَنزل الله؛: ﴿فإمَّا مَنَّاً بعدُ وإِمّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] فَخُيِّرَ النبي ﷺ في الأسرى، فإن شاء قَتَلَ وإن شاء عفا وإن شاء استعبد، وإن شاء فادى.
والذي يوجبه النظر وعليه جماعةٌ من العلماء: أن الآيةَ غيرُ منسوخة لأنه خبر والخبرُ لا ينسخ. والمعنى:
إن الله - جلّ ذكره - أَعلَم نبيَّه ﷺ أنه ليس لنبيٍّ أن يكون له أسرى ويترك القتلَ حتى يتمكَّن في فتح الأرض، فقد بيَّن في الآية أنه إنما مُنِعَ من ذلك إذا لم يُثْخِن في الأرض، فدلَّ الخطابُ أنه مباح إذا أثخَن في الأرض أن يكون له أسرى وأن يترك القتل، فلما أثخنَ في الأرض وفتح الله له وتقوَّى الإِسلامُ ترك القتلَ، وكان له أسرى على ما فهم من الآية، ونزل: ﴿فَإِمَّا مَنَّاً بعدُ وإما فِداءً﴾ تأكيداً وبياناً لآية الأنفال.
فالآيتان في معنى واحد، وقد بيَّن الله ذلك في قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُم الّذِينَ كَفَرُوا فَضربَ الرِّقاب حتى إذا أثخنتموهم فَشُدُّوا الوَثاق فإما منَّاً بعدُ وإما فداءً﴾ [محمد: 4]، فأَمرَ اللهُ بضربِ رقاب المشركين فإذا كَثُرَ ذلك فيهم وفشى - وهو الإِثخان - جاز ترك قتلهم، وأن يشدّ وثاقهم، ثم يفادي بينهم أو يمُنّ عليهم، وهو معنى آية الأنفال.
الأنفال 8:69
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾:
أدخل المؤلفونَ للنَّاسخ والمنسوخ هذا فيه، وقالوا: هو ناسخٌ لما كان الله حرَّم على مَن كان قبلنا من أكل الغنائم، إنما كانت نارٌ تنزل من السماء فتحرق الغنائم، وقد قال النبي عليه السلام: "لم تَحِلَّ لأحد قبلَنا"، ودلَّ على ذلك أنهم لما أسرعوا إلى أكل الغنائم قبل أن ينزل بذلك قرآنٌ عاتَبَهُم الله على ذلك وأباح لهم فعلَهم رحمةً منه لهم وتفضّلاً عليهم، فنزل: ﴿لَولاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَق لَمَسَّكُم فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68]، ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ [الأنفال: 69]، والمعنى:
لولا أن الله قضى أن يُحِلَّ لكم الغنائم لَعوقبتم على أَخذِها.
وقيل المعنى: لولا أنه سبق في علم الله أَلاَّ يُعَذِّبَ أحداً إِلاَّ بعد التقدم إليه لعاقَبَكُم اللهُ على أخذِكُم الغنائم [قبل إباحته إياها لَكُم].
وقيل معناه: لولا أنه سبق منه المغفرةُ (لأهل) بدرٍ لعاقَبَكُم على أخذِكُم للغنائم.
وقيل معناه: لولا أنه سبق في حكمه أن يغفر الصَّغائر لمن اجتنبَ الكبائرَ لعاقبكُم على أخذكم الغنائم.
قال أبو محمد: وقد كانَ يجب ألاَّ يضافَ هذا وشبهُه إلى الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً، إنما نسخَ حكماً كان في من (كان) قبلَنا، والقرآنُ كُلُّه على هذا المعنى ناسخٌ لما كانوا عليه من شرائِعهم، ولِما أحدثوا (بغير) شرعٍ من الله لهم.
الأنفال 8:72
قوله تعالى: ﴿والّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيءٍ حتَّى يُهَاجِرُوا﴾:
أوجبت هذه الآيةُ في ظاهرها أنّ (من) هاجر إليهم من المؤمنين حصلت له ولايتهم في الميراث؛ لقرابتِه وهجرتِه، ولا يرثُ بالقرابةِ إذا لم يهاجر.
قال قتادة: نسخَ ذلك قولُه: ﴿وأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعضٍ﴾ [الأنفال: 75] قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، فكان الرَّجُلُ إذا أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه المسلمَ المهاجرَ، ولا يرث المسلمُ المهاجرُ أخاه المسلم الذي لم يهاجر، فنسخَ ذلك بالآية المذكورة لمَّا انقضت الهجرةُ (وتوارثوا بالنَّسب حيث) كانوا بعد الفتح - وهو مروي عن ابن عباس -.
وقال ابن عباس: آخى النبي - عليه السلام - بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك، حتى (نزل قولُه) ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِى كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: 75] - الآية - فتوارثوا بالنَّسَب.
قال عكرمةُ: أقام الناسُ برهةً لا يرثُ الأعرابيُّ المهاجرَ من عصبته، ولا المهاجرُ الأعرابيَّ، حتى (نزل قولُه): ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ - الآية -.
قال أبو محمد: فَذِكْرُ هذه الآية - على قول قتادة - في الناسخ والمنسوخ حَسَنٌ؛ لأنه قرآنٌ نسخَ قرآناً، وذكرها - (على الأقوال الأُخَر) - لا يلزم؛ لأنها لم تنسخ قرآناً؛ إنما نسخَتْ أَمراً كانوا عليه.
التوبة 9:1
قوله تعالى: ﴿بَراءةٌ مِن اللهِ وَرَسُولِه﴾، إلى قوله: ﴿أرْبَعَةَ أَشْهُر﴾:
هذه الآية ناسخةٌ للعهود البعيدة الأجل التي كانت للمشركين.
قال ابنُ عباس: كان لقومٍ من المشركين على النبي ﷺ عهود إلى أوقات، فأمر اللهُ - جلَّ ذكرُه - نبيّه ﷺ - أن يُؤَجِّلَهُم أربعةَ أَشهُرٍ يتصرفون فيها، وإن كانت عهودُهم إلى أكثر من أربعةِ أشهر، وذلك من بعد يوم النحر إلى عشر من ربيع الثاني؛ لأن عليَّاً رضي الله عنه نادى بسورة براءة في بوم النحر، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده. قال: وكان قومٌ لا عهودَ لهم فأُجِّلوا خمسين يوماً - (عشرين) يوماً من ذي الحجة والمحرم -.
وقال مجاهد والسُّدِّي: هم قوم كان لهم عهد إلى أكثر من أربعة أشهر، وقوم (كان عهدُهم) إلى أربعة أشهر، فردَّ الجميعَ إلى أربعة أشهر، ونسخ ما زاد على أربعة أشهرٍ، ونسخَ أمانَهم إلى البيت وطوافهم به عُراة.
وقال الزهري: الأربعةُ أشهر: أولها: شوال. إلى آخر المحرم.
وقيل: إنما نَبْذُ العهد إلى قومٍ نقضوا عهداً كان بينهُم وبين رسولِ الله ﷺ فأُجِّلوا أربعةَ أشهر، فأما من لم ينقض العهدَ، فيبقى على عهدِه بدليل قوله: ﴿فَمَا استَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7]. قال: ومن لم يكن له عهدٌ أُجِّلَ خمسينَ يوماً من (يومِ) النَّحر الذي نادي فيه عليٌّ - رضي الله عنه - ببراءة.
قال أبو محمد: وكان حقُّ هذا ألاّ يُدْخَل في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً متلوّاً، إنما نسخَ أمراً رآه النبي - عليه السلام - وأشياءَ كانوا عليها مما لا يرضاه الله. والقرآن كُلُّه ناسخٌ لما كانوا عليه، إلاّ ما أَقرَّهم النبي عليه. لكنا ذكرناه وأشباهَه اتباعاً لمن تقدَّمنا؛ إذ أكثرُهُم ذكرَه ونَبَّهْنا على ما (ذكرنا لتعرفَ) حقيقةَ النسخ الذي قصدنا (إلى بيانِه).
التوبة 9:2
قوله تعالى: ﴿بَراءةٌ مِن اللهِ وَرَسُولِه﴾، إلى قوله: ﴿أرْبَعَةَ أَشْهُر﴾:
هذه الآية ناسخةٌ للعهود البعيدة الأجل التي كانت للمشركين.
قال ابنُ عباس: كان لقومٍ من المشركين على النبي ﷺ عهود إلى أوقات، فأمر اللهُ - جلَّ ذكرُه - نبيّه ﷺ - أن يُؤَجِّلَهُم أربعةَ أَشهُرٍ يتصرفون فيها، وإن كانت عهودُهم إلى أكثر من أربعةِ أشهر، وذلك من بعد يوم النحر إلى عشر من ربيع الثاني؛ لأن عليَّاً رضي الله عنه نادى بسورة براءة في بوم النحر، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده. قال: وكان قومٌ لا عهودَ لهم فأُجِّلوا خمسين يوماً - (عشرين) يوماً من ذي الحجة والمحرم -.
وقال مجاهد والسُّدِّي: هم قوم كان لهم عهد إلى أكثر من أربعة أشهر، وقوم (كان عهدُهم) إلى أربعة أشهر، فردَّ الجميعَ إلى أربعة أشهر، ونسخ ما زاد على أربعة أشهرٍ، ونسخَ أمانَهم إلى البيت وطوافهم به عُراة.
وقال الزهري: الأربعةُ أشهر: أولها: شوال. إلى آخر المحرم.
وقيل: إنما نَبْذُ العهد إلى قومٍ نقضوا عهداً كان بينهُم وبين رسولِ الله ﷺ فأُجِّلوا أربعةَ أشهر، فأما من لم ينقض العهدَ، فيبقى على عهدِه بدليل قوله: ﴿فَمَا استَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7]. قال: ومن لم يكن له عهدٌ أُجِّلَ خمسينَ يوماً من (يومِ) النَّحر الذي نادي فيه عليٌّ - رضي الله عنه - ببراءة.
قال أبو محمد: وكان حقُّ هذا ألاّ يُدْخَل في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً متلوّاً، إنما نسخَ أمراً رآه النبي - عليه السلام - وأشياءَ كانوا عليها مما لا يرضاه الله. والقرآن كُلُّه ناسخٌ لما كانوا عليه، إلاّ ما أَقرَّهم النبي عليه. لكنا ذكرناه وأشباهَه اتباعاً لمن تقدَّمنا؛ إذ أكثرُهُم ذكرَه ونَبَّهْنا على ما (ذكرنا لتعرفَ) حقيقةَ النسخ الذي قصدنا (إلى بيانِه).
التوبة 9:5
قوله تعالى: ﴿فإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُم فاقْتُلُوا المُشْرِكِين﴾ الآية:
هذه الآيةُ محكمةٌ عند أكثر العماء ناسخةٌ لجميع ما أُمِرَ به المؤمنون من الصفح والعفو والغفران للمشركين، وقد ذكرنا ذلك.
وعن الحسن: أنها منسوخةٌ بقوله: ﴿فَإِمَّا منَّا بَعْدُ وإِمَّا فِداءً﴾، وقال لا يحلّ قتل أسيرٍ صبراً - وهو قول الضحاك والسُّدِّي وعطاء -.
وقال قتادةُ: هذه الآيةُ محكمةٌ ناسخةٌ لقوله: ﴿فإِمّا منَّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وقال: لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل، ولا يُمَنُّ عليهم ولا يفادى بهم.
وقد روي عن مجاهد أنه قال: إما السَّيْفُ وإما الإِسلام في الأسارى.
وقال ابنُ زيد: الآيتان محكمتان غيرُ منسوختين ومعنى آية براءة: أنه - تعالى ذِكرُه - أمر بقتل المشركين حيثُ وجدوا، ثم قال: ﴿وخذوهم﴾: يعني أسارى للقتل أو لِلْمَنِّ أو للفداء.
والإِمام ينظر في أمور الأَسارى (في ما هو أَصلَحُ للمسلمين) من المنِّ أو القتلِ أو الفداء، وقد أتت الأخبارُ أن النبيَّ - عليه السلام - فعلَ هذا كُلَّه، فقتل من الأسارى النَّضْرَ بنَ الحارث وعقبة (بن أبي) معيط يومَ بدر، بعد أن أخذهما أسيرين، ومنَّ على قوم، وفادى قوماً.
قال أبو محمد: وهذا أولى بالآية وأصحُ في معناها إن شاء الله.
وقيل: الآيةُ مُخَصَّصةٌ بترك قتل أهل الكتاب إذا أَعطوا الجزيةَ لأنهم مشركون (بدَلالة) قوله: ﴿اتّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرباباً مِن دُونِ اللهِ والمسيحَ ابنَ مَرْيم﴾ [التوبة: 31]، أي اتخذوا المسيح ربّاً، ولا شركَ أعظم من اتّخاذ ربٍ من دون الله، وهي مُخَصَّصةٌ أيضاً بقوله: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عن الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة: 8] - الآية -.
(وهذا على) قول من قال: (إن) الآيةَ نزلت في قوم من المشركين لم يقاتلوا المؤمنين، وهم: خزاعة، وبنو عبد الحارث بنُ عبد مناف كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد فأمر الله المؤمنين أن يُوفوا لهم بعهودهم - وهو قول الحسن - وسنذكر ذلك في موضعه - إن شاء الله -.
وقد قال ابنُ حبيب: إن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] - الآية - منسوخٌ ومستثنى منها بقوله: ﴿فَإن تَابُوا وأقَامُوا الصَّلاَةَ وآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سبيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5]، وقال بعد ذلك: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ [التوبة: 11].
قال أبو محمد: ولا يجوز في هذا نسخٌ؛ لأنها أحكامٌ لأصنافٍ من الكفار حَكَم الله على قومٍ بالقتل إذا أَقاموا على كُفْرِهم، وحكَم لقومٍ بأنهم إذا آمنوا وتابوا أَلاَّ يُعْرَضَ لَهم وأخبر بالرَّحمةِ والمغفرة لهم وحكم لمن استجار بالنبي - عليه السلام - وأَتاه أن يُجِيرَه ويُبْلِغَه إلى موضع يأْمَنُ فيه، فلا استثناء في هذا؛ إذ لا حرفَ (فيه) للاستثناء، ولا نسخ فيه، إنما كُلُّ آيةٍ في حُكْمٍ منفردٍ وفي صنفٍ غيرِ الصِّنْفِ الآخر، فَذِكْرُ النَّسخِ في هذا وَهْمٌ (وغَلَط) ظاهر، وعلينا أن نَتَبَيَّنَ الحقَّ والصَّواب.
التوبة 9:28
قوله تعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28].
قال جماعةٌ: هذه الآيةُ نَسَخَت ما كان النبي ﷺ صالَحهُم عليه من أن لا يُمْنَعَ أَحدٌ من البيتِ والمسجدِ الحرام والحرَم، (بقوله) ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ يعني: بقيةَ سنة تِسع، فَمُنِعوا مِن الدُّخولِ بعد سنة تسع، وكان قد صالَحهم على أن يَدخلوا ولا يُمْنَعوا.
ومذهبُ مالكٍ أن يُمْنَعَ المشركون كُلُّهُم وأهلُ الكتاب من دخول الحرم ومن دخول كل مسجد - وهو قول عمر بن عبد العزيز وقتادة -.
ومذهبُ الشافعي أن يُمنعوا من الحرَم، ولا يُمنَعوا من سائر المساجد.
وأجاز أبو حنيفة وأصحابه دخول أهل الكتاب خاصة الحرَمَ وسائرَ المساجد، ويمنعُ ذلكَ كُلَّه غيرَ أهل الكتاب.
قال أبو محمد: وهذه الآية كالتي قبلها كان حَقُّها ألاَّ تُذكَرَ في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها لم تنسخ قرآناً.
التوبة 9:34
قوله تعالى: ﴿والّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآية:
عمَّ الله في هذه الآية، فأمر (بإِنفاق الأموالِ) في سبيل الله، وتواعَد مَنْ كَنَزَها ولم يُنْفِقْها (في سبيل الله) (بعذابٍ أليم).
فَرُوِيَ عن عُمَرَ بن عبد العزيز وعراك بن مالك أنهما قالا: هي منسوخةٌ بقوله - عزَّ وجَلَّ -: ﴿خُذْ مِن أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] - الآية - فلم يُوجِب إنفاقَ الأموالِ كُلِّها، وأمر أن يُؤْخَذَ منها صدقةٌ وهي الزكاة، فكُلُّ مال لا تؤدى زكاتُه فهو كَنْزٌ. قال عُمَر بنُ عبد العزيز وعراك بن مالك: مَن أَعطى صدقَته فليس مالُه بكنز. وروي عن ابن شهاب مثل قول عمر في الآية.
ومن الواجب حمل قوله: ﴿ولاَ يُنفِقُونَهَا﴾، على معنى: (ولا) ينفقونَ الواجبَ عليهم منها، قال: هي محكمةٌ مخصوصةٌ في الزكاة.
قوله تعالى: ﴿إلاّ تنفروا يُعَذِّبْكُم عَذَاباً ألِيماً﴾ [التوبة: 39].
قال ابن عباس: نسخها ﴿ومَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافةً﴾ [التوبة: 122].
وقال الحسنُ وعِكرمة: وهذا على الأُصولِ لا يَحْسُنُ نسخُه؛ لأنه خبرٌ فيه معنى الوعيد، والمعنى: إذا احتيجَ إليهِم نفروا كُلُّهُم، فالرواية عنهم بذلك لا تَصِحُّ. فهي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، ومعناها: إلاَّ تنفروا إذا احتيجَ إليكُم يُعَذِّبْكُم.
التوبة 9:41
قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وثِقَالاً﴾:
عمَّ الله بالأمر بالنفير الجميعَ، ثم نسخَ ذلك بقوله: ﴿ومَا كَانَ المُؤمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافةً﴾ [التوبة: 122] - وهذا القولُ مرويٌّ عن ابن عباس -.
قال عكرمة: أول آية نزلت من براءة: ﴿انفِروا خِفافاً وثِقالاً﴾. ونسخها بقوله: ﴿وما كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافةً﴾ - الآية -.
قال ابنُ زيدٍ: الخفيفُ: الذي لا عيالَ له ولا ضَيْعَة. والثقيل: الذي له عيال وضيعة، ودليل ذلك قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أمْوَالُنَا وأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11].
وقيل معناه: انفروا شباباً وشيوخاً.
وقيل معناها: انفروا ركباناً ومشاةً.
وقيل معناه: انفروا نشاطاً وكسالى، وفيه أقوال غيرُ هذا.
التوبة 9:43
قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ الآيات الثلاث:
قال ابنُ عباس: نسخَ هذه الآيات الثلاث (قولُه تعالى): ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذِن لِمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: 62].
وقال الحسنُ وعكرمةُ: إنّ قولَه: ﴿لاَ يَسْتَأذِنُكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِر﴾ [التوبة: 44]. نسخه قولُه: ﴿فَإِذَا استَأذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأنِهِمْ فَأْذَن لِمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: 62].
وعن ابن عباس أنه قال: الثَّلاثُ الآيات محكمات، وإنما هو تعييرٌ وتوبيخ للمنافقين حين استأذنوا النبي - عليه السلام - في القُعود عن الجهاد بغيرِ عُذْر، وعذَرَ اللهُ المؤمنين فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾.
قال أبو محمد: وهذا قولٌ حَسَنٌ، فلا ينسخُ جوازَ الاستئذانِ للمؤمنين منعُ الاستئذان للمنافقين، لأن استئذان المنافقين لغير عذر كان، واستئذان المؤمنين لعذر، (فهما) استئذانان مختلفان، لا ينسخ أهدُهما الآخرَ، وهو الصَّواب إن شاء الله.
وأيضاً، فإن استئذانَ المنافقين، إنما كان في أَن يتخلفوا عن الخروج مع رسول الله إلى الجهاد، واستئذانَ المؤمنين إنما هو في أمر يعرِض لهم في حال قتالهم والمكافحة للمشركين، وقد رُوِيَ أن المؤمنين إنَّما استأذنوا النبي ﷺ لبعض حوائجَ يقضونها ويرجِعون، وهم يحفرون الخندق حولَ المدينة.
التوبة 9:60
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ والمَسَاكِين﴾ الآية:
بيَّن اللهُ - جلَّ ذِكرُه - في هذه الآية (أَنَّى توضعُ) الصَّدَقاتُ من الزّكَوَات وغيرِها.
فقيل: إنها نَسَخَتْ كُلَّ صدقةٍ في القرآن - وهو قولُ عِكرمةَ وغيرِه ورواه ابن وهب عن خالد بن عمران عن القاسم وسالم -.
والذي يوجبه النظر أنها مبيِّنةٌ للمواضع التي توضع فيها الصدقاتُ غيرُ ناسخةٍ للصَّدقات، إنما النَّاسخُ لِلصَّدَقات المأمورِ بها في كل القرآن فرضُ الزكاة بإجماع.
وهذا من النسخ الذي نحن مخيرونَ في فعل المنسوخ وتركِه، وفعلُه أَفضلُ وأعظمُ أجراً عند الله.
التوبة 9:80
قولُه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أو لاَ تَسْتَغْفِر لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] الآية:
قال جماعةٌ من العلماء: هذا تخييرٌ للنبيِّ ﷺ في الاستغفار لهم وتركِه، وهي منسوخةٌ بقوله: ﴿ولاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] وقيل: نسخه قولُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6].
وعن ابن عباس أنه قال: لما نزل على النبي - عليه السلام - ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم﴾ قال النبي: لأزيدنَّ على السبعين فنسخ ذلك قولُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِم أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم﴾.
ورُوِيَ أَنَّ عبدَ الله بنَ أُبي بنَ سَلول المنافق لما مات جاء ولَدُه فَرغَبَ إلى النبي في الصَّلاةِ عليه، وفي أن يُغْطِيَه قميصَه لِيُكَفِّنَه فيه، فأَعطاه النبيُّ ﷺ قميصَه وأَتى للصَّلاة عليه، فلما ذهبَ لِيُصَلِّيَ عليه أخذ به عُمَرُ وقال قد نهاك الله (أن) تُصَلِّيَ على المنافقين، فقال: إنما (خَيَّرني) بين الاستغفارِ وتركِه، فَصَلَّى عليه النبيُّ ﷺ فأنزلَ اللهُ: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً﴾ - الآية، فترك النبيُّ ﷺ الصلاة عليهم.
وقد رُوِيَ أن النبي لم يُصَلِّ على المنافق المذكور.
وقال جماعةٌ - وهو الصَّوابُ إن شاء الله -: إنّ الآيةَ غيرُ منسوخةٍ، إنما نزلت بلفظ التهدُّدِ والوعيد (في أنهم) لا يغفرُ اللهُ لَهم، وإن استغفرَ لهم النبيُّ ﷺ، فلم يُبِح الله تعالى لنبيّه عليه السلام الاستغفارَ لهم (بهذا اللفظ، بل أَيأَسَهُ مِن قَبول الاستغفار لهم فلا نَسْخَ) فيه لجواز الاستغفار لهم.
وقولُه: ﴿ولاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِه﴾ ناسخٌ لما رُوِيَ أن النبيَّ - عليه السلام - قامَ على قبر عبدِ الله بن أُبَيِّ بنِ سَلول المنافق، وصلَّى عليه إذْ رَغِبَ إليه في ذلك (عبدُ الله ابنه)، وكان ابنُه من خيّار المؤمنين.
قال أبو محمد: وحقّ هذا أَلاَّ يُذْكَرَ في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً، إلاَّ أن يقول قائلٌ: هو ناسخٌ لما فُهِمَ من قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أحدٍ مِنْهُم﴾، وذلك أنه فهم منه أنه صلَّى عليهم، فقيل له: لا تُصَلِّ (على أَحدٍ مِنهُم)، فَنُهِيَ عن أَن يعودَ إلى مثل فِعْلِه، فإن حُمِلَ على هذا حَسُن أن يُدْخَل في الناسخ والمنسوخ على أنه قرآن نسخَ مثلَه.
التوبة 9:97
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعرابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾ الآية:
وقوله تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾.
قال ابنُ حبيب: نسخَ ذلك بالآية التي تحتَها، وهي قولُه: ﴿وَمِنَ الأعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 99] - الآية -.
قال أَبو محمد: وهذا خبرٌ لا يُنْسَخُ ولا معنى للنسخ فيه، لأن الله أَعْلَمَنا أَنَّ الأعرابَ أصنافٌ، وبيَّن ذلك فقال: (مِنْهُم) مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِق مَغْرَماً، ومنهم صِنْفٌ يُؤْمِن بالله واليوم الآخر.
وأخبر عنهم أنهم أَشدُّ كفراً ونفاقاً، وهو لفظ عام معناه الخصوص في قوم بأَعيانهم دلَّ على أنه مخصوص قولُه: ﴿ومِنَ الأعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِر﴾ [التوبة: 99]، إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 99]. فَمِنْ للتبعيض، فلا نسخَ يَحْسُنُ في هذا لا في المعنى ولا في اللفظ.
التوبة 9:98
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعرابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾ الآية:
وقوله تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾.
قال ابنُ حبيب: نسخَ ذلك بالآية التي تحتَها، وهي قولُه: ﴿وَمِنَ الأعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 99] - الآية -.
قال أَبو محمد: وهذا خبرٌ لا يُنْسَخُ ولا معنى للنسخ فيه، لأن الله أَعْلَمَنا أَنَّ الأعرابَ أصنافٌ، وبيَّن ذلك فقال: (مِنْهُم) مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِق مَغْرَماً، ومنهم صِنْفٌ يُؤْمِن بالله واليوم الآخر.
وأخبر عنهم أنهم أَشدُّ كفراً ونفاقاً، وهو لفظ عام معناه الخصوص في قوم بأَعيانهم دلَّ على أنه مخصوص قولُه: ﴿ومِنَ الأعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِر﴾ [التوبة: 99]، إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 99]. فَمِنْ للتبعيض، فلا نسخَ يَحْسُنُ في هذا لا في المعنى ولا في اللفظ.
التوبة 9:103
قوله تعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾.
قال بعضُ المؤلِّفين لناسخ القرآن ومنسوخِه: هذا منسوخٌ بقوله: ﴿ولاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أبَداً﴾ وهو غلطٌ لأن الصَّلاتين مختلفتان لا تنسخ إحداهُما الأخرى.
وقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: إِنَّما هو أمرٌ بالدُّعاء للمؤمنين الذين (تابوا من تَخَلُّفِهم) عن رسول الله في غزوة تبوك، كأبي لُبابةَ وأصحابه، وأصلُ الصَّلاة: الدعاءُ لم يُرِدْ به الصَّلاة على الموتى، ألا ترى إلى قوله: ﴿إنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُم﴾[التوبة: 103]، أي: إن دعواتِكَ يا محمدُ تسكُنُ إِليها قلوبُهُم.
وقوله: ﴿ولاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَداً﴾، إنما هو نهيٌ عن (الصلاة على موتى) المنافقين، فالآيتان مختلفتان في المعنى مختلفتان فيمن نزلتا فيه، فلا تنسخُ إِحداهُما الأُخرى، إلا إن حَمَلْتَ الصَّلاةَ على الموتى على أنها دعاءٌ فيحتمل المعنى ذلك فيجوزُ النَّسْخُ على ما ذكرنا.
التوبة 9:120
قولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَِهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الأعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عِن رَسُولِ الله﴾.
قال ابنُ زيد: نَسَخَها ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافةً﴾ [التوبة: 122] - وقاله زيدُ بنُ أَسلم -.
وقيل: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ لأنها أَمرٌ للمؤمنين أن ينفروا مع النبي إذا احتاج إليهم واسْتَنْفَرَهُم، ولا يَسَعُ أحداً التَّخَلُّفُ عنه.
والآيةُ الأُخرى نزلت في السَّرايا يبعثُ سريةً وتخلفُ (أُخرى ليتفقهوا) في الدين.
وهذا مذهبُ ابنِ عباس والضَّحَّاك وقتادة، وهو الصواب - إن شاء الله - لأن حملَ الآيتين على فائدتين وحكمين أَوْلى من حَمْلِهِما على فائدة واحدة.
يونس 10:41
قوله تعالى: ﴿وإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِي عَمَلِي ولَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ الآية:
هذا أمر بالموادعة، نُسِخَ ذلك بالأمر بالمحاربة في براءة وغيرها - قاله ابنُ زيد وغيره -.
يونس 10:109
قوله تعالى: ﴿واصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ الله﴾ الآية:
قال ابنُ زيد: نَسَخَها الأمرُ بالقتال والغِلْظَةُ على المشركين، والآيةُ مَكِّيةٌ، فصبرَ النَبيُّ - عليه السلام - (عليهم) بمكة، واحتملَ أَذاهُم وكُفْرَهُم به، حتى أَتاه حُكْمُ الله الذي وعَدَه به فأَمَرَهُ بقتالهم وقَتْلِهِم حيثُ وجدوا.
هود 11:15
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُم فِيهَا﴾ - الآية -.
رُوِيَ عن الضَّحَّاك عن ابنِ عباسٍ أَنَّها منسوخةٌ بقوله: ﴿مَن كانَ يُريدُ العاجلةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيد﴾ [الإسراء: 18]، وَهُو مِن المكيِّ الذي نَسخَ مكِّياً.
وأَكثرُ الناس على أن الآيتين محكمتان لأنهما خبران، ولا ينسخ الخبرُ الخبرَ، ولكن آيةَ "سبحان" خَصَّصَت وبَيَّنَتْ أن آيةَ هود معناها نُوَفِّ إليهم أَعْمَالَهم فيها إن شئنا، [وأَنها ليست] على العموم على ظاهرِ لفظها.
يوسف 12:101
قوله تعالى: ﴿توفَّنِي مُسْلِماً وأَلْحِقْنِي بالصَّالِحِين﴾:
قيل: هو منسوخٌ بقول النبي - عليه السلام - "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُم الموتَ لِضُرٍّ نزل به".
قال أبو محمد: والنَّسْخُ في هذا لا يجوزُ ولا يَحْسُن لأنه خبرٌ أخبرنا الله - عزَّ وجلّ - به مِنْ قولِ يوسف - عليه السلام - فهو على ما أخبرنا (الله) به - عزَّ وجلّ - لا يجوزُ البتة أن يتغيرَ ما أخبرنا الله به إلى معنى آخر من الخبر، - تعالى اللهُ عن ذلك - على أن الحديث ليس هو من معنى الآية في شيء، لأن النبي - عليه السلام - إنما قال: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُم الموتَ لِضُرٍّ نزل به"، وليس في الآية ضرٌّ نزل بيوسف فتمنّى الموتَ من أجله، إنما معناها: متى توفَّيْتَني توفني مسلماً، وبهذا يجب أن يدعُوَ كُلُّ مسلم.
وقيل: إن يوسف ﷺ لما تَمَّت أُمورُه وأنجز الله له ما وعدَه به من الجمع بينه وبين أبيه عَلم أن آخرَ ذلك الموتُ، فقال: توفِّني مسلماً، أي: إذا حضَرَت وفاتي فتوفَّني مسلماً، (لم يتمنَّ استعجالَ وفاته) (وهذا لا يُنْسَخ بل يجبُ على كُلِّ مسلم) أن يرغبَ فيه إلى الله آناءَ الليل وأطرافَ النهار.
ومعنى الحديث: لا يستَعْجِلْ الرَّغْبَةَ في الموت لِضُرٍّ نزلَ به، فالمعنيان مختلفان متباينان، والآية محكمةٌ غيرُ منسوخة في الوجهين جميعاً.
وليس في "الرعد" و "إبراهيم" شيءٌ من الناسخ والمنسوخ.
الحجر 15:85
قوله تعالى: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾:
رَوَى ابنُ جبير عن قتادةَ أن هذا منسوخٌ لقوله ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾، وكذلك رُوِيَ عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وأَعْرِضْ عَن المُشْرِكِين﴾ [الحجر: 94]، قال: نَسَخَها الأَمْرُ بالقتال.
النحل 16:67
قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾:
من تأَوَّل (أن) السَّكَرَ في الآية: خمورُ الأعاجم، قال: هو منسوخ بتحريم الخمر في المائدة وغيرها.
وقيل: إن هذا لم يُنْسَخ لأن الله لم يأمرنا باتخاذ ذلك ولا أباحه لنا في هذه الآية، إنما أخبرنا بما كانوا يصنعون من النخيل من السَّكَر الذي حرَّمه الله (في المائدة).
وقيل: إن هذا الخبرَ وشبهه جائزٌ نسخه، والأخبار على ضربين:
- ضربٌ يُخْبِرُنا الله به عن شيءٍ أنه كان أو أنه يكون، وهذا لا يجوز نسخُه (وكذلك إذا أخبرنا عن شيءٍ) بأن يخبرنا الله أنه ما كان أو أنه لا يكون - تعالى الله عن ذلك.
- والضَّرْبُ الثاني من الخبر هو الذي يجوز نسخُه: وهو أن يخبرنا أن قوماً فعلوا شيئاً، أو استباحوا أَمراً، وتمتعوا به، ولم يُحَرِّم ذلك عليهم، ثم يخبرُنا الله أنه محرَّمٌ علينا، فينسخُ ما أخبرنا به أنه كان مباحاً لمن كان قبلنا، فهذا نسخ المسكوت عنه من فهم الخطاب لأنه قد فُهِم من قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ أنه كان مباحاً لهم، فسكت عن حكمنا فيه، فجاز أن يكونَ (مباحاً) لنا أيضاً، ثم نَسَخَ جوازَ إباحته لنا بالتحريم في المائدة، ولو أخبرنا في موضعٍ آخر أنهم (لم) يتخذوا منه سَكَراً لكان هذا نسخَ الخبر، وهذا لا يجوز على الله - جلَّ ذكره - لأنه تعالى لا يخبر بالأخبار إلا على حقيقتها.
ومن قال: إن السَّكَر: الطعم، وهو (قول) أبي عبيدة، أو قال السَّكَر: ما سدَّ الجوع، فلا يجوز فيه نسخٌ على هذا.
النحل 16:91
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الآية:
أَمر اللهُ عبادَه في هذه الآية أن لا يحنثوا في يمين أَكَّدوها بالْحَلْف، وكان هذا قبلَ نزول الكفَّارة في المائدة في اليمين، وقبلَ نزول قوله: ﴿ولاَ يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ - الآية - في حَلْفِ أَبي بكر - رضي الله عنه - أَلاَّ يُنيلَ مسطحاً شيئاً أبداً لما نالَ (من) عائشةَ - رضي الله عنها - في أمر الإِفك.
فنسخَ اللهُ (ذلك و) منع نقضَ الأَيْمان بالكفَّارة المذكورة في المائدة، (وبما) أَمَر به أَبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في قوله: ﴿ولاَ يأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ [النور: 22]، وبقوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا﴾ [البقرة: 224] - الآية -، والنَّحْل مَكِّيَة، والمائدة والبقرة والنور مدنيات، فَحَسُنَ نَسْخُ المدني للمَكِّي.
وكان أبو بكر إذا حلف أَحبَّ أَلاَّ يحنث، فَحَنَث أَبو بكرٍ وكفَّر (عن يمينه) وَرَجَعَ إلى مسطح ما كان يُعْطيه، وقال: لا أقطعه عنه أبداً.
فذلك كُلُّه ناسخٌ لقوله: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ﴾، لأن الكفارة عن اليمين هي نقضُ اليمين وارتكابُ ما حَلَف عليه وأَكَّد، نَسَخَ ذلك أَيضاً قولُه ﷺ "مَن حَلَف على يمين فرأى (غيرَها) خيراً منها فليأتِ الذي هو خير منها، وليُكَفِّرْ عن يمينه" - وهو حديث صحيح قد تواترت به الأخبار بمعنى (واحد) وإن اختلفت الألفاظ -.
وقيل: إن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخة يُراد بها العهود والحِلْف التي كانت بين النبي ﷺ وبين العرب، (وبين بعض العرب وبعض) (أمروا) أَلاَّ ينقضوا عهودهم بعد أن عقدوها وأكَّدوها بالْحَلْف - وعلى هذا أكثر الناس في الآية -.
النحل 16:106
قوله تعالى: ﴿مَن كَفَر باللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُه مُطْمَئِنٌّ بالإِيمانِ، وَلكِن مَن شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْراً﴾ الآية:
قال ابنُ حبيب: هذا منسوخٌ بقولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ ربَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: 110].
قال أبو محمد: وهذا لم يقلْه أحد غيره، وهو غلط ظاهر، لأنَّ نسخَ هذا بأن يجازوا بغير ما أخبرنا الله به من مجازاتهم، وذلك لا يجوز على الله - جلّ ذكره -. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: 110]: نزل في صِنْفٍ آخر غيرِ الصِّنْفِ الأَوَّل، وهم قوم أسلموا فَفُتِنوا عن دينهم ومُنِعوا من الهجرة، فأخبرنا اللهُ أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا، فإنَّه لَهم غفور رحيم. وقد قُرِىءَ: فَتَنوا - بالفتح - على معنى أنهم فتنوا غيرَهم عن دينهم. ﴿والله غفور رحيم﴾ لهم إذا أسلموا وهاجروا، وجاهدوا. الآية الأولى نزلت في قوم أُكْرِهوا على الكفر، وفي قوم شرحوا صدورَهم بالكفر، وفي قوم كفروا بعد إيمانهم، وهذا كُلُّه في أصنافٍ مختلفةٍ يختلف الحكمُ فيهم وفي مجازاتهم، فلا يَنْسَخُ شيءٌ منه شيئاً.
وأيضاً فإنه خبر، والخبر لا يُنْسَخ، لأنه يصير المنسوخُ أخبر به على غير ما هو عليه - ويتعالى الله عن ذلك - وأخبار الله - جلّ ذكره - كُلُّها جاريةٌ على حقيقة ما هي به لا يجوز فيها غير ذلك.
وإذا كانت كذلك لم يَجُزْ نسخُها إلا بشيءٍ على خلاف ما هو به، وهذا كُلُّه لا يجوز ولا يَحْسُن من الآدميين، فكيف من علاّم الغيوب! - تعالى الله عن ذلك -.
النحل 16:125
قولُه تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بالّتِي هِيَ أَحْسَن﴾:
قيل: إن هذا منسوخ بالأمر بالقتال.
وقيل: هو مُحكم. والمجادلة بالتي هي أحسن: الانتهاء إلى ما أمر الله به، والكفّ عمّا نهى الله عنه. وهذا لا يجوز نسخه. فالآية محكمة.
الإسراء 17:24
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾:
(مَنْ جعل) هذا الأمر عامّاً (في جميع) الآباء الأحياء والأموات من المؤمنين والمشركين، قال: هو منسوخٌ منه بعضُه بقوله: ﴿مَا كانَ للنّبيِّ والّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِين﴾ [التوبة: 113] - الآية - وبقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنه﴾ [التوبة: 114] - وهو قول ابن عباس - قال: لما مات (- يعني: أبا إبراهيم - على كفره) أمسكَ إِبراهيمُ عن الاستغفار له.
قال أبو محمد: ويجوز أن تكون هذه الآيةُ مخصوصةً في الآباء الأموات المؤمنين، خَصَّصها وبيَّنها قولُه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْه﴾ [التوبة: 114] أي: لما مات على كُفْرِه تَرَكَ الاستغفارَ له، فخَصَّصَه بترك الاستغفار لمن مات من الآباء على كُفْرِه، وبقي الأمر بالاستغفار لمن مات من الآباء مؤمناً.
ثم خصّصها (أيضاً) تخصيصاً آخر قولُه: ﴿مَا كَانَ للنبيِّ والذين آمَنُوا أن يَستَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِين﴾[التوبة: 113]، فَبَيَّن أن المؤمن ليس له أن يستغفر لأبويه المشركَيْنِ وإن كانا حيَّيْنِ فَخَصَّصَ الآيتان آيةَ "سبحان"، فصارت في الآباء المؤمنين الأحياء والأموات خاصة، وهذا على قول من جعل آية "سبحان" غيرَ عامة مخصوصةً فيما ذكرنا من الآيتين، فهي محكمة على هذا غير منسوخة، إنما دخل فيها بيانان وتخصيصان.
فالآيتان محكمتان: آية "سبحان" في الآباء المؤمنين الأحياء والأموات، والآيتان في "براءة" في جواز الاستغفار للآباء الأحياء من المشركين، ومنع الاستغفار لهم إذا ماتوا على كفرهم، ووقعت الأولى عامّة في منع الاستغفار لأحيائهم وأمواتهم، لكن بَيَّنَها الثانية أنها في الأموات منهم خاصّة.
وقيل: إن ذلك كُلَّه منسوخٌ بقوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6]. (وهذا وإن) نزل في المنافقين والمشركين إخوانِهم فالحكمُ فيهم واحد، وقد ذكرنا هذه الآية عند قوله: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80].
الإسراء 17:34
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّه﴾.
قال مجاهد: كانوا من هذه في مشقة وجهد حتى نزل: ﴿وإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: 220]، يريد أنه نُسخ بذلك، وقيل: بل نسخه قولُه: ﴿فَلْيَأْكُل بِالمَعْرُوف﴾ [النساء: 6].
والذي يوجبه النظر وعليه جماعة من العلماء أَنه غيرُ منسوخ، لأنه (قال تعالى): ﴿إِلاَّ بالّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ [الإِسراء: 34]، ففي هذا جوازُ مخالَطَتِهِم بالتي هي أحسن، وهو قولُه: ﴿والله يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح﴾ [البقرة: 220]، فكلا الآيتين يُجوّز مخالطةَ اليتيم، فلا يجوز أن تنسخ إحداهما الأخرى لأنهما بمعنى واحد.
وقوله: ﴿فَليأكُلْ بِالمَعْرُوف﴾ [النساء: 6]، معناه: يستقرض ويَرُدّ، وقيل: هو أمر لليتيم يكون ماله قليلاً - وقد مضى شرح ذلك كله -.
وإنما يجوز أن يكون: "وإن تخالطوهم"، ناسخاً لقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيم﴾ [الإِسراء: 34] لو كان نهياً حتماً، ولم يقل: ﴿إِلاَّ بالّتِي هِيَ أَحْسَن﴾، فقوله: ﴿إلاّ بالّتي هِيَ أحْسَن﴾، هو إجازة مخالطتهم، وجواز مخالطتهم لا يكون إلا بالتي هي أحسن لقوله: ﴿واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾، أي يعلم من يخالطُهم بالتي هي أحسن من غيرِه، فلا نسخ يصح في هذا.
قولُه تعالى: ﴿وأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً﴾ [الإِسراء: 34]:
رُوِيَ عن السُّدِّي أنه قال: هذا منسوخٌ بقوله: ﴿إنَّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77] - الآية - وقال: كان هذا الحكمُ يومَ نزل: ﴿إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ أن يُسأل الرجل عن العهد ثم يدخل الجنة حتى نزل: ﴿إنَّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ - الآية -.
والذي (عليه الجماعة ويوجبُه النظر) أن هذا غيرُ منسوخٍ لأنه خبرٌ لا يجوز نسخُه، ولو نُسِخَ هذا لصار المعنى: إن الله لا يسأل عن العهد، لأن نسخَ الشيء: رفعُ حُكْمِه، وهذا الحكمُ لا يجوز أَن يُرفع. فالآيتان محكمتان يسأل اللهُ عبادَه عن الوفاء بالعهد، ثم يعاقبُ مَنْ باعه ولم يفِ به بما شاء و (يعفو) عمَّن شاء من أهل الإِيمان.
والعهد: قد يكون التوحيد، ويكون ما عهد به إلى أهل الكتاب (ليبينوا) ما فيها للناس من أمر محمدٍ ﷺ ومن غير ذلك من الدِّين.
الإسراء 17:35
قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تأوِيلاً﴾ [الإِسراء: 35] - يعني وفاء الكيل والوزن -:
قال السُّدِّي: كان يوم نزل هذا من فعل النقص في الكيل والوزن مؤمناً حتى نزل: ﴿وَيْلٌ لِلمُطَفِّفِين﴾ [المطففين: 1] - الآية - فأوجب لمن يَنْقُصِ الناس في الكيل والوزن الوَيْلَ.
والذي عليه الجماعة: أن هذا غيرُ منسوخٍ لأنه خبر، ولا يُنْسَخُ الخبرُ، فالآيتان محكمتان، ومعناهما:
إن الله - جلّ ذكره - أخبر في "سبحان" أن الوفاءَ للكيل والوزن خيرٌ لمن فعلَه وأَحسنُ عاقبةً، والتأويل: بمعنى: العاقبة.
وأخبرنا في المطففين، (بما) يجازى به من نقصَ الكيلَ الوزنَ إن جازى. فالآيتان محكمتان. ولا شيء في الكهف.
الإسراء 17:79
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك﴾:
ذكر بعض العلماء أنه ناسخ لِفَرْضِ قيام الليل في سورة المزمل.
وأكثر الناس على أن الناسخ لفرض قيام الليل في سورة المزمل قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرآنِ﴾ [المزمل: 20] مع ما قبل ذلك وما بعده.
وقد قال ابنُ عباس: نافلة لك، معناه: فرضٌ عليك خاصة.
الإسراء 17:110
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تَخَافِتْ بِهَا﴾:
روي عن ابن عباس أنه قال: هي منسوخةٌ بقوله في الأعراف: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وخيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: 205]، يريد أيضاً أنه ﷺ أُمر في "سبحان" أن لا يخافِتَ بصَلاته، وأُمر في "الأعراف" أن يخافت بها. فقال: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرّعاً﴾، وكلا الآيتين مكّي.
وقد كان لقائل أن يقول: إن آيةَ "سبحان" نَسَخَت آيةَ الأعراف، وأنه ﷺ أُمر في الأعراف أن يَذكُرَ ربَّه في نفسه، ثم نسخ ذلك (بالآية) في سبحان، فأمر ألاّ يخافت، (لولا ما) روي أن النبي ﷺ كان يجهر بالقراءة فيسمعُه المشركون فيسبّوا القرآن ومَن جاء به، فخفضَ النبي ﷺ صوته حتى لا يسمعوا، فأمر أن يَبْتَغِي بين ذلك سبيلاً، لا مُخافَتَةً ولا جهراً.
وقد يجوز أن يكون هذا منسوخاً بزوال العِلَّة التي من أجلها أمر أن لا يجهر بصَلاتِه، لأن ذلك إنما كان لأَجل أَذى المشركين له وللقرآن إذا سمعوه يقرأ (فلما زال) ذلك بالهجرة من بين ظهراني المشركين رجعت الصَّلاة إلى الجهر بالقراءة فيها، وبيَّنَت السُّنَّةُ أن ذلك في صلاة الليل خاصة والنافلة، فتكونُ الآيةُ كآياتِ آخر سورة الممتحنة - وقد مضى ذكرها - وسيأتي ذكر ذلك في موضعه.
وقد رُوِيَ عن أبي هريرة وأبي موسى وعائشة رضي الله عنهم أن معنى "الصلاة" - في هذا الموضع -: الدعاء، فتكون محكمةً غيرَ منسوخة.
وقد رُوِيَ (النَّهْيُ عن) النبي - عليه السلام - في رفع الصوت بالدعاء، (فهو) مثل الآية في التأويل، وقد قال - جلّ ذكره -: ﴿ادْعُوا ربّكُمْ تَضَرّعاً وخفيةً﴾ [الأعراف: 55].
ورُوِيَ عن الحسن أنه قال: معنى ﴿ولاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ولاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾: (لا تُرائي بها) في العلانية، وتخونها في السر، فالمعنى على قوله: لا يجتمع منك الجهرُ بالصلاة في العلانية وتركُ فِعْلِهَا في السر، ولا يجوز أن يُنْسَخَ هذا المعنى.
مريم 19:26
قولُه تعالى: ﴿فَقُولِي إنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾:
من قال: إن شرائع من كان قبلَنا من الأنبياء جائزٌ لنا العملُ بها ما لم نؤمر بغيرها. قال: هذا منسوخٌ بقوله ﷺ: "لا صمتُ يوماً إلى اللَّيل"، والصوم - في الآية -: الصمت.
ومن قال: لا يلزمنا منها إلا ما (أُمِرْنَا) به لم يجعل هذا منسوخاً، لأنه لم يكن لازماً لنا فعله فَنُسِخَ عنّا.
مريم 19:71
قوله تعالى: ﴿وإن مِنْكُم إلاَّ واردُهَا﴾ الآية.
قال قوم: إنه منسوخ بقوله: ﴿إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنَّا الحُسْنَى﴾ [الأنبياء: 101] - الآية -.
ولا يحسن هذا لأنه خبر لا يجوز نسخه.
وأيضاً فإنَّ النَّسْخَ: إِزالةُ الحكم كُلِّه، وهذا لا يزول حُكْمُه كُلُّه، لا بدّ من ورود خلق كثير إلى النار. ولكنه تخصيص وبيان أنّ من سبقت له الحسنى لا يَرِدُها. وهذا إنما يكون على قول من قال: الورودُ لازمٌ للجميع، ثم يُبْعَدُ منها منهم من سبقت له الحسنى.
فأما من قال: إن الآية في الورود للكفار خاصة فلا تخصيص فيها ولا نسخ. وهذه الآية قد بسطنا الاختلاف فيها في كتاب الهداية.
طه 20:2
قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرآنَ لِتَشْقَى﴾:
هذا عند جماعة ناسخٌ لفرض قيام اللَّيْل المذكورِ في أول المزمِّل.
وقيل: الصَّلاةُ المفروضةُ هي النَّاسِخَةُ لقيامِ اللَّيْل.
وقيل: آخرُ المزمِّل قولُه: ﴿فَتَابَ علَيْكُمْ فاقْرَءُوا مَا تَيَسّر مِن القُرآن﴾ [المزمل: 20]، هو الناسخ لفرض قيام الليل. وعليه أكثرُ الناس.
قال مجاهد: هذا مثلُ قوله: ﴿فاقْرءوا مَا تَيَسَّر مِنَ القُرآنِ﴾ قال: كانوا يُعَلِّقونَ الحبال في صدورهم لطُولِ الصَّلاة قبل فرضِ الفرائض فَنَسَخَها الله بالفرائض - الصلوات - الخمس.
الأنبياء 21:78
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ﴾ الآية:
أَعْلَمَنا الله - جلَّ ذِكرُه - في هذه الآية أن (ما جَنَتْهُ) البهائمُ في الليل فيه حُكْم، وأن داودَ حَكَمَ في ذلك بما رآه، وأن الله - جلّ ذكره - فَهَّمَ سليمانَ أن الحكم فيه عنده. - والنَّفْشُ: رعيُ البهائم بالليل -.
ومن قال من أجاز نسخ القرآن بالسُّنَّة: إن هذا منسوخٌ بقوله ﷺ: "جُرْحُ العَجْماء جُبَار" فما أَفسدَت البهائمُ في ليلٍ أو نهارٍ فلا شيءَ فيه
وأَكْثَرُ العلماء على أن الآيةَ مُحْكَمة، وقد بَيَّنَ ذلك النبيُّ - عليه السلام - فَحَكَم بضمانِ ما أفسدَتْهُ البهائمُ باللَّيل دون النهار لأن على أصحاب المواشي حِفْظَهَا بالليل - وهو قول مالك والشافعي وغيرهما -.
ومعنى قوله ﷺ "العجماء جُبَار" إنما ذلك فيما ليس على صاحبها حفظُها منه.
فأما ما على صاحبها حفظها منه وأَصَابَتْهُ وأفسدته فليس بِجُبَار، وهو ضامن لذلك. والجُبَار: الهدْر الذي لا شيءَ فيه.
فالبيِّن في هذا أنها محكمة.
الأنبياء 21:98
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّم﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَسْمَعُون﴾:
أخبرنا اللهُ - جلَّ ذكرُه - أن العابدينَ من المشركين والمعبودين في النار خبراً عاماً في الظاهر، وقد عُبِدَ عيسى بنُ مريم وعزيرٌ ومريمُ والملائكةُ والشمسُ والكواكبُ فتأَوَّلَ بعضُ الناس أنه منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿إنّ الّذِينَ سَبَقتْ لَهُم منَّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدون﴾ [الأنبياء: 101] - الآيات - يعني بذلك: عيسى (وأُمَّه) وعُزَير والملائكة.
والذي عليه أهل النظر وتوجبه الأُصول: أَنَّ هذا ليس بِنَسْخٍ، إنما هو تخصيصٌ وتبيين أَنَّ الآياتِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ - الآيات - غيرُ عامةٍ في كُلِّ معبودٍ من دون الله، (وأَنَّ مَنْ سبقت له) الحسنى عند الله من المعبودين غيرُ داخلين في عموم الآية، مع أنه لا يجوز في مثل هذا نسخٌ لأنه خبر، والأخبارُ لا تُنْسَخ إنما تُبَيَّن، وتُخَصَّص ولا يجوز فيها النَّسْخُ ولو جاز فيها النَّسخُ لكان المخْبِرُ بها قد أخبرَ بها على غيرِ ما هي عليه والله يَتَعالى عَن ذلك.
وأيضاً فإن (هذا) لو نُسِخَ لوجبَ زوالُ حُكْمِ دخول المعبودين من دونِ اللهِ كُلِّهِم في النار لأَنَّ النسخَ إزالةُ الحكم الأَوَّل، وحلول الثاني محلَّه، ولا يجوزُ زوالُ الحكمُ الأَوَّلُ بكُلِّيته، إِنما زالَ بعضُه، فهو تخصيصٌ وبيان. فالآيتان محكمتان لا نسخ فيهما.
وقد سمَّى جماعةٌ من المتقدمين هذا استثناءً، وليس كذلكَ لأن الاستثناءَ إنما يأتي بحرفِ الاستثناء، ولا حرفَ في هذا، فإنَّما هو تخصيصٌ وبيان.
فأما قراءةُ ابنِ مسعود "إلاَّ الذينَ سَبَقَت" بـ "إلا" فهو استثناءٌ بلا شك، وهو يدل على معنى التخصيص، لأَنّ الاستثناءَ مباينٌ لِلنَّسْخ؛ إِذِ النَّسْخُ بيانُ الأزمان، والاستثناءُ والتَّخصيصُ بيانُ الأَعيان، فهما متباينان في المعنى أعني النَّسْخَ والاستثناء.
وقد ذكرنا. (ما قيل) في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُم إلاَّ وارِدُهَا﴾ في سورة مريم من أنه منسوخٌ بقولِه: ﴿إنَّ الذِينَ سَبَقَت لَهُم منَّا الحُسْنَى﴾، وإن الصَّوابَ (فيها) أنه (مبيَّنٌ مُخَصَّصٌ) لا منسوخٌ، (لأنه خبر).
الأنبياء 21:99
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّم﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَسْمَعُون﴾:
أخبرنا اللهُ - جلَّ ذكرُه - أن العابدينَ من المشركين والمعبودين في النار خبراً عاماً في الظاهر، وقد عُبِدَ عيسى بنُ مريم وعزيرٌ ومريمُ والملائكةُ والشمسُ والكواكبُ فتأَوَّلَ بعضُ الناس أنه منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿إنّ الّذِينَ سَبَقتْ لَهُم منَّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدون﴾ [الأنبياء: 101] - الآيات - يعني بذلك: عيسى (وأُمَّه) وعُزَير والملائكة.
والذي عليه أهل النظر وتوجبه الأُصول: أَنَّ هذا ليس بِنَسْخٍ، إنما هو تخصيصٌ وتبيين أَنَّ الآياتِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ - الآيات - غيرُ عامةٍ في كُلِّ معبودٍ من دون الله، (وأَنَّ مَنْ سبقت له) الحسنى عند الله من المعبودين غيرُ داخلين في عموم الآية، مع أنه لا يجوز في مثل هذا نسخٌ لأنه خبر، والأخبارُ لا تُنْسَخ إنما تُبَيَّن، وتُخَصَّص ولا يجوز فيها النَّسْخُ ولو جاز فيها النَّسخُ لكان المخْبِرُ بها قد أخبرَ بها على غيرِ ما هي عليه والله يَتَعالى عَن ذلك.
وأيضاً فإن (هذا) لو نُسِخَ لوجبَ زوالُ حُكْمِ دخول المعبودين من دونِ اللهِ كُلِّهِم في النار لأَنَّ النسخَ إزالةُ الحكم الأَوَّل، وحلول الثاني محلَّه، ولا يجوزُ زوالُ الحكمُ الأَوَّلُ بكُلِّيته، إِنما زالَ بعضُه، فهو تخصيصٌ وبيان. فالآيتان محكمتان لا نسخ فيهما.
وقد سمَّى جماعةٌ من المتقدمين هذا استثناءً، وليس كذلكَ لأن الاستثناءَ إنما يأتي بحرفِ الاستثناء، ولا حرفَ في هذا، فإنَّما هو تخصيصٌ وبيان.
فأما قراءةُ ابنِ مسعود "إلاَّ الذينَ سَبَقَت" بـ "إلا" فهو استثناءٌ بلا شك، وهو يدل على معنى التخصيص، لأَنّ الاستثناءَ مباينٌ لِلنَّسْخ؛ إِذِ النَّسْخُ بيانُ الأزمان، والاستثناءُ والتَّخصيصُ بيانُ الأَعيان، فهما متباينان في المعنى أعني النَّسْخَ والاستثناء.
وقد ذكرنا. (ما قيل) في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُم إلاَّ وارِدُهَا﴾ في سورة مريم من أنه منسوخٌ بقولِه: ﴿إنَّ الذِينَ سَبَقَت لَهُم منَّا الحُسْنَى﴾، وإن الصَّوابَ (فيها) أنه (مبيَّنٌ مُخَصَّصٌ) لا منسوخٌ، (لأنه خبر).
الأنبياء 21:100
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّم﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَسْمَعُون﴾:
أخبرنا اللهُ - جلَّ ذكرُه - أن العابدينَ من المشركين والمعبودين في النار خبراً عاماً في الظاهر، وقد عُبِدَ عيسى بنُ مريم وعزيرٌ ومريمُ والملائكةُ والشمسُ والكواكبُ فتأَوَّلَ بعضُ الناس أنه منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿إنّ الّذِينَ سَبَقتْ لَهُم منَّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدون﴾ [الأنبياء: 101] - الآيات - يعني بذلك: عيسى (وأُمَّه) وعُزَير والملائكة.
والذي عليه أهل النظر وتوجبه الأُصول: أَنَّ هذا ليس بِنَسْخٍ، إنما هو تخصيصٌ وتبيين أَنَّ الآياتِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ - الآيات - غيرُ عامةٍ في كُلِّ معبودٍ من دون الله، (وأَنَّ مَنْ سبقت له) الحسنى عند الله من المعبودين غيرُ داخلين في عموم الآية، مع أنه لا يجوز في مثل هذا نسخٌ لأنه خبر، والأخبارُ لا تُنْسَخ إنما تُبَيَّن، وتُخَصَّص ولا يجوز فيها النَّسْخُ ولو جاز فيها النَّسخُ لكان المخْبِرُ بها قد أخبرَ بها على غيرِ ما هي عليه والله يَتَعالى عَن ذلك.
وأيضاً فإن (هذا) لو نُسِخَ لوجبَ زوالُ حُكْمِ دخول المعبودين من دونِ اللهِ كُلِّهِم في النار لأَنَّ النسخَ إزالةُ الحكم الأَوَّل، وحلول الثاني محلَّه، ولا يجوزُ زوالُ الحكمُ الأَوَّلُ بكُلِّيته، إِنما زالَ بعضُه، فهو تخصيصٌ وبيان. فالآيتان محكمتان لا نسخ فيهما.
وقد سمَّى جماعةٌ من المتقدمين هذا استثناءً، وليس كذلكَ لأن الاستثناءَ إنما يأتي بحرفِ الاستثناء، ولا حرفَ في هذا، فإنَّما هو تخصيصٌ وبيان.
فأما قراءةُ ابنِ مسعود "إلاَّ الذينَ سَبَقَت" بـ "إلا" فهو استثناءٌ بلا شك، وهو يدل على معنى التخصيص، لأَنّ الاستثناءَ مباينٌ لِلنَّسْخ؛ إِذِ النَّسْخُ بيانُ الأزمان، والاستثناءُ والتَّخصيصُ بيانُ الأَعيان، فهما متباينان في المعنى أعني النَّسْخَ والاستثناء.
وقد ذكرنا. (ما قيل) في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُم إلاَّ وارِدُهَا﴾ في سورة مريم من أنه منسوخٌ بقولِه: ﴿إنَّ الذِينَ سَبَقَت لَهُم منَّا الحُسْنَى﴾، وإن الصَّوابَ (فيها) أنه (مبيَّنٌ مُخَصَّصٌ) لا منسوخٌ، (لأنه خبر).
الحج 22:28
قولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِير﴾.
وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وأَطْعِمُوا القَانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36].
حضّ الله - جلَّ ذكره - المسلمينَ في هذه الآية على ذبح الهدايا والأكل منها، وإطعام الفقراء منها.
فهذا عند محمد بن الحسن وغيره ناسخٌ لذبح العقيقة، قال: كانت العقيقة تُفْعَل في الجاهلية وفي أَوَّل الإِسلام، ثم نُسِخَت بذبح الضحايا.
وقيل: إِنَّ قولَه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ناسخٌ لِفِعْلِهِم في الجاهلية لأنهم كانوا لا يأكلونَ مِن لُحوم ضحاياهم، ولا يَدَّخِرون منها.
قال أبو محمد: "وكانَ يَجِبُ أَلاَّ يُدْخَلَ هذا في الناسخِ والمنسوخِ"؛ لأنه لم يَنْسَخ قرآناً إنما نَسَخَ ما كانوا عليه، وأكثرُ القرآن على ذلك.
الحج 22:39
قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾:
أَعْلَمَنا الله - تعالى - أنه أَذِنَ للمؤمنين في قتالِ الظَّالمين لهم من المشركين فَنَسَخَ بذلك المنعَ من القتالِ المذكورِ في البقرة وغيرها، وهذا يدُلُّ على أن الآيةَ أو السورةَ مدنيةٌ، إذ لا يجوزُ أن يَنْسَخَ مكيٌّ مدنياً.
قال ابنُ عَبَّاس: هي أول آيةٍ نزلت في إباحة القتال المذكور.
وقال ابنُ زيد: الآيةُ منسوخةٌ، نسخها: ﴿وذَرُوا الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِه﴾ [الأعراف: 180].
فهذا يَدُلُّ على أَنَّ السورةَ مكيةً نَسَخَها مكيٌّ، ولا يحسن أن تكون مدنية - على قول ابن زيد - لأن الناسخَ لِْلآيةِ عندَه مكيٌّ.
وقد قيل: إن الآيةَ محكمةٌ، وهي تَهَدُّدٌ ووعيدٌ بمنزلة قوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: 3]، وقولِه: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف: 83]، فلا نسخَ في هذا على هذا التأويل.
قال أبو محمد: وفي حمل قولِه تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، - على التهديد - بُعْد، إلا أن تحمله على أن يكون بمعنى المستقبل بمعنى على ﴿يُؤْذَن لهم بذلك﴾ فتحتمل التهديد والوعيد.
وقد تقدم ذكر قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] - الآية - وليس فيها ناسخٌ ولا منسوخ، إنما هي دالّة على جوازِ النَّسخِ لما ليس من القرآن مما يُلْقيه الشيطانُ على لسان النبي ﷺ.
الحج 22:78
قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حقَّ جِهَادِه﴾:
قال بعض العلماء:
هذا منسوخٌ مُخَفَّفٌ بقوله: ﴿فاتَّقُوا اللهَ مَا استَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] بمنزلةِ قولِه: ﴿اتَّقُوا اللهَ حقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]، [والقَوْلُ في هذا أَنهُ مُحْكَمٌ، ومعناه، جاهدوا في الله بقدر الطاقة؛ إذْ لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلاَّ وُسْعَها، فهو مثلُ قوله: ﴿اتَّقُوا اللهَ حقَّ تُقَاتِه﴾] وقد مضى القولُ في ذلك.
المؤمنون 23:2
قوله تعالى: ﴿الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون﴾:
أَعْلَمنا الله - جلَّ ذكرُه - أن الخشوعَ في الصلاة من صفات المؤمنين، وروي أنهم كانوا يلتفتونَ ويتكلَّمونَ في الصلاة، فنسخ الله ذلك بذكر الخشوع في هذه الآية، فأقبل المسلمون على صَلاتهم، ونظروا أَمامَهم، وذكر ابنُ سيرين أن النبي - عليه السلام - كان ينظرُ إلى السماء في صَلاته، فلما نزلت هذه الآيةُ ترك ذلك ونظرَ حيثُ يسجد. وعلى ذلك جماعةٌ من العلماء أن المصلّي ينظرُ حيثُ يسجد، وقيل يَنْظُرُ أَمامَه، وهو مرويٌ عن مالك.
قال أبو محمد: وقد كان يجبُ أَلاَّ يُذْكَرَ هذا في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً، إنما نسخ أمراً كانوا عليه، والقرآنُ أكثرُه على ذلك. وقد أجمعوا على أنَّ المصَلِّيَ في المسجد الحرام لا ينظرُ إِلاَّ إلى البيت.
وقد تقدم القول في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم﴾ [المؤمنون: 6] وما فيه من التخصيص والبيانِ في أَوَّلِ الكتاب.
النور 24:2
قوله تعالى: ﴿الزَّانيةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾:
عمَّ الله - جَلَّ ذِكرُه - بهذا الحدِّ كُلَّ زانٍ وزانيةٍ.
وقد يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِمٌ أنه منسوخٌ بقوله في الإِماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء: 25]، وليسَ الأمرُ على هذا، إنَّما هو على أَحَدِ وَجْهَيْن:
- إما أن تكونَ آيةُ الإِماء نَزَلَت قبلَ سورةِ النُّور فيكونُ ذلك شيئاً قد (استَقَرَّ وعُلِمَ) في الأَنْفُس، فَفُهِمَ مِن آية النور أنها في الأحرار خاصة.
- أو تكون آيةُ الإِماء نَزَلَت بعد آية النور فخصَّصَتْها وبيَّنَتْها أنها في الأحرار دون الإِماء، وحَقُّ النسخ زوالُ الحكم بأسره، وهذا لا يجوز في هذا، فلا نسخَ يُتَوَّهمُ في هذا، بل هما محكمتان في صنفيْن مختلفيْن.
النور 24:3
قوله تعالى: ﴿الزَّاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، والزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زانٍ أَو مُشْرِكٌ﴾ الآية.
قال ابنُ المسيِّب: يزعمون أنها نُسِخَت بقوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: 32]، فدخلت الزانيةُ في أيامى المسلمين، وعلى هذا القولِ جماعةٌ من العلماء.
فمن زنى بامرأة مؤمنةٍ أَو كتابيةٍ، فله أَن يتزوَّجَها، أو لغيره من المسلمين أَن يتزوَّجها بعد أن يستبرئها - وهو قول (جابر بن زيد وعبدِ الله بن عمر) وعطاء (وطاووس) ومالك وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي -.
وعن ابن عباس، أنه قال: النِّكاح في هذه الآيةِ الوطءُ والآية محكمة، ومعناها: أن الزاني لا يزني إلا بزانيةٍ مثلِه من أَهل القِبْلَةِ لا تسْتَحِلُّ الزنا أو بمشركةٍ، وكذلك الزَّانيةُ من المسلمات لا تزني إلاَّ مع زانٍ من المسلمين لا يستحلُّ [ الزنا أو (مع) مُشْرِكٍ، ويدلُّ على ذلك إجماعُهم على أن الزانيةَ من المسلمين] لا يَحِلُّ لها أن تتزوَّجَ (رَجُلاً من المشركين) وأَن الزاني من المسلمين لا يَحِلُّ له أن يتزوَّجَ مُشْرِكةً غيرَ كتابية.
وعن الحسن أنه قال: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخة، ومعناها: أن المجلودَ على الزنا لا يَنْكِحُ إلاَّ زانيةً [مجلودة على الزنا] أو مشركةً، وكذلك الزَّانِيةُ، وهذا هو الحكم عنده، وروى في ذلك حديثاً عن النبي - عليه السلام -، وقد أَجمع أهل العلم على خلافه، والحديث إن صحّ فهو منسوخ كالآية بقوله ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: 32].
وقال مجاهد: نَزَلَت هذه الآيةُ في نساءٍ بأعيانهن، كان الرَّجُلُ يتزوَّجُ إحداهن على أن تُنْفِقَ عليه مما تَكْسِبُه من الزنا فحرَّمَ الله - تعالى ذكره - ذلك. (وعن القاسم بن عبد الله أنه) كانت بـ "جياد" امرأة يقال لها أُم (مهروب)، وكانت تُسافح فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها، فأنزل الله - جلَّ ذكره -: ﴿والزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إلاّ زَانٍ أو مُشْرِك﴾، فتكون الآية على هذا القول محكمةً مخصوصةً في شيء بعينه. ثم (نُسِخَت بقوله): ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾.
النور 24:4
قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية.
وجب من ظاهر هذا النص وعمومِه جلدُ الرَّجُلِ ثمانين (جلدةً) إذا رمى زوجتَه بالزنا أو غيرَ زوجتِه ثم نسخ اللهُ الحد في الزوجةِ باللِّعانِ المذكورِ بعد هذا الموصوف حُكْمُه.
وقد قيل: إن الآيةَ مخصوصةٌ في قذف غيرِ الزوجات، وبيَّن ذلك اللعانُ وخصَّصَه، فلا نسخ فيه.
واحتجّ مَن رأى النسخَ في الآية فقال: إن النسخَ في الآية ظاهرٌ بما رواه ابنُ سيرين عن أنس بن مالك أَنَّ هلالَ بنَ أُميَّة قذف امرأتَه ورماها بِشَريك بن سَحْمي، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: ائت بأربعةِ شهداء، وإِلاَّ تُحَدُّ في ظهرِك. فقال هلال: إن الله يعلم أَني صادق [وجعل النبي ﷺ يُكَرِّرُ عليه إيجابَ الحدّ، وهلال يكرر قوله: إن الله يعلم أَني صادق] ثم قال هلال: (والله) لَيُنْزِلَنَّ الله - عزّ وجلّ - عليك ما يُبَرِّىءُ ظهري من الجلد فنزلت آية اللعان - الحديث -.
فهذا يدلُّ على أن الحدَّ كان واجباً على القاذف لزوجته ولغيرها، لأن النبي ﷺ أوجب عليه الحدَّ، ثم نسخ اللهُ ذلك باللعان، وبقي الحدُّ على القاذفِ لغير زوجته، وهذا يُبيِّنُ أن الآيةَ الأولى كانت عامةً في القاذف لزوجتِه أو لغيرِها ثم نُسِخَ الحدُّ عن القاذف لزوجته باللِّعان المذكور بعد ذلك، فهو من نسخ القرآن بالقرآن.
وقد روي عن ابن عباس (أنه قال): إنه منسوخٌ بقوله: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:6] - الآية -.
قال أبو محمد: والرِّوايةُ عن ابن عباس في هذا ضعيفةٌ. والذي يقول به أهلُ النظر: إن هذا لا يجوز أن يُنْسَخ لأن نسخه رفعُ حكمه كُلِّه، والحكم بالجلد على القاذف المحْصَنةَ بالزنا وعلى القاذف زوجته إذا نَكَل عن اللّعان باقٍ لكنه مخصَّص ومبيَّن بالآية الثانية. بيَّن الله بآية اللعان أن المرادَ بالآية الأولى قذفُ غيرِ الأزواج بالزنا وما على مَنْ فَعَلَهُ، وبيَّنَ في الثانية ما على الأزواج إذا قذفوا زوجاتِهم بالزنا من اليمين (والحكم، وما على الزوجات في ذلك)، وبيَّنت السُّنَّةُ أَنَّ مَنْ نَكَلَ منهما عن اليمين رجع إلى الحدِّ (إما الجلد ثمانين على الزوج إذا نكَلَ، وإما الرجم على الزوجة إذا كانت محصنةً، أو الجلد مائةً إذا كانت غيرَ محصَنة)، فالآيتان لا نسخَ فيهما غير أن الثانيةَ بينت الأولى وخصَّصْتها فأخرجْتها من العموم إلى الخصوص.
وفُهمَ من دليل الخطاب مع ما بيَّنته السُّنَّة أن الحدَّ في قذف الرّجل الحرِّ بالزنا كالحدِّ في قذف المرأة الحرَّةِ، إذ النَّصُ إنما وقع (في قذف النساء) الحرائر. والإِحصان - في قوله: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَات﴾ -: الحريةُ، أو العفافُ، أو الإِسلامُ، أو أَحدُهما مع التزويج، ولا يَحْسُنُ أن يكونَ الإِحصانُ - في هدا -: التزويج فقط، لأنه يلزمُ أن لا يُحَدَّ من رمى غيرَ متزوجةٍ بالزنا.
النور 24:5
قولُه تعالى: ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأَصْلَحُوا﴾ الآية:
قال أبو عبيد وغيرُه: هذا ناسخٌ لقولِه: ﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادةً أبداً﴾ [النور: 4]: أوجبت تركَ قَبولِ شهادةِ القاذف على الأبد، ثم نسخَهُ بقوله: ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 4].
قال أبو محمد: وهذا عند جميع العلماء ليس بنسخ، إنما هو استثناء بحرف الاستثناء، ولو وَجَب هذا لكان كُلُّ استثناء ناسخاً للمستثنى منه. وهذا لا يقوله أَحد.
وقد اختلف في رجوع هذا الاستثناء:
فقيل: يرجع إلى الفاسقين ولا تقبل شهادةُ القاذف أبداً وإن تاب، ويكون الوقف على هذا القول على "أبداً". وقيل: يرجع الاستثناء إلى قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادةً أَبداً﴾ [النور: 4]، فتقبل شهادةُ القاذف على هذا القول إذا تاب، وعليه أكثرُ الفقهاء.
وقد بسطنا شرح هذه الآية بأشبع من هذا في غير هذا الكتاب، ويكون الوقف على "رحيم" ولا يوقف على "أبداً" - في هذا القول -.
النور 24:27
قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غيرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية:
رُوِيَ عن ابن عباس أنها منسوخةٌ نسخَها قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: 29] - الآية - يعني الخانات التي ينزلها المسافرون.
وقيل: هي الحوانيت.
وقال أكثرُ المفسرين: الآيتان محكمتان مرادٌ بأحدهما: البيوتُ التي لها سُكانٌ لا تُدْخَل إلا بإذن، ومرادٌ بالأُخرى: ما ليس فيه ساكن من بيوت الخانات والحوانيت، وشبهِ ذلك.
وتستأنسوا: (تستعلموا).
النور 24:31
قولُه تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. الآية:
أمر الله جميع المؤمنات بذلك.
قال ابن عباس: نُسِخَ ذلك بقوله تعالى: ﴿والقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ - الآية - فأباح اللهُ لَهُنَّ وضعَ الجلابيب التي تستر الزينةُ، لكنه قال: ﴿وأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُن﴾ [النور: 60]، أَي: أَن يَلْبِسْنَ جلابيبَهُن ويستَِتِرْنَ خيرٌ لَهُن.
قال أبو محمد: وقد يكونُ قولُه تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ مخصوصاً في غيرِ القواعد، وتكون آيةُ القواعد خصَّصَتْها وبَيَّنَت أنها في غير القواعدِ من النساء، ودليلُ ذلك أَنَّ حُكْمَ الأولى لم يَزُلْ بِكُلِّيَّتهِ، إنما زال بعضُه، وأكثرُ النسخ وبابُه وأَصلُه إنما هو (بزوالِ الحكم الأول) وحلول الثاني محلّه.
وباب التخصيص معناه: زوالُ بعضِ حُكْمِ الأول وبقاءُ ما بقي على حكمه. فهذا بالتخصيص أَشْبَهُ منه بالنسخ.
النور 24:58
قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذينَ مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ﴾ الآية:
رُوِيَ عن ابن المسيِّب أنه قال: هي منسوخةٌ، ولم يذكر ما نَسَخَها.
وسُئلَ ابنُ عباس عن هذه الآية فقال: لا يعملُ بها اليوم. وذلك أن القومَ كانوا لا سُتْرَةَ لهم ولا حجال، فربما دخل عليهم (الخدَمُ والولَدُ) وهم في حال جماعٍ، فأمرَ اللهُ - جلَّ ذكره - بالاستئذان في الأوقات المذكورةِ، ثم جاء اللهُ بالستر وبسط الرزق، فاتخذ الناسُ الأبوابَ والستورَ، فرأى الناسُ أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أُمروا به، وكذلك قال مالك إذ سُئِلَ عن الآية.
قال أبو محمد: فعلى (هذا القول) يكونُ هذا مما نَزَل وفُرِضَ لعلَّةٍ فلما زالت تلك العلَّةُ زال الحكم، وبقي اللفظ متلوّاً كآخر سورة الممتحنة.
وعن أبي قلابة أنه قال: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم﴾ [النور: 58] - الآية - وقوله: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]: إنما أمروا بهذا على طريق الحضِّ والنَّدب، وليس بواجبٍ [فرضٍ.
وأكثرُ العلماء على أن الآيةَ محكمةٌ، وحكْمُها باق، والاستئذان في هذه الثلاثة الأوقات واجبٌ].
قال الشعبي: ليست هذه الآيةُ منسوخةً، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، فقال: الله المستعان.
وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: ثلاثُ آياتٍ مِن كتابِ الله، لا أَرى أحداً من الناس يَعْمَلُ بِهِنّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذينَ مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ﴾ - الآية -، ﴿وإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبى﴾ - الآية -، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ - الآية -.
- وقال مثلَ ذلك سعيدُ بنُ جبير، ويحيى بن يعمر -.
وقدِ اخْتُلِفَ في قوله: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فقيل: ذلك في الإِماء، فأما العبيد فلا يدخلون في هذه الأوقاتِ ولا في غَيْرِها إلا بالاستِئْذان.
وقال أكثرُ الناس بظاهر الآية بأن العبيدَ والإِماءَ يستأذنون في هذه الثلاث الأوقات خاصةً دون غيرِها.
والقولُ الأَوَّلُ مرويٌ عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، وكِلا القولين يدل على أن الآية محكمةٌ غيرُ منسوخة.
النور 24:61
قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ . الآية.
قال ابنُ زيد: مِنْ قولِه: ﴿وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآية، منسوخٌ لأنهم كانوا في أَوَّلِ أَمرِهم ليس على أَبوابِهم أغلاقٌ، فَرُبَّما أتى الرَّجُلُ وهو جائعٌ فدخل البيتَ ولا أحدَ فيه، فَسَوَّغَ الله أن يأكلَ مما فيه، إلى أن صارت الأغلاقُ على البيوت، فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يفتحَها ويأكلَ مما فيها، كأنه يريدُ أن ذلك منسوخٌ بقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَموَالَكُم بَيْنَكُم بالبَاطِل﴾ [البقرة: 188]. والإِجماع على تحريم مالِ المسلم إلاَّ بإذنه.
وقال ابنُ عباس: الآيةُ ناسخةٌ لِما أحدثَ المؤمنونَ عند نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأكُلُوا أموَالَكُم بَيْنَكُم بالبَاطِل﴾، فانتهوا عن أن يأكلَ أَحدٌ طعامَ أَحَدٍ فأنزلَ الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: 61] إلى ﴿أشتاتاً﴾ [النور: 61]، وقوله: ﴿أو مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَه﴾ [النور: 61]: هو الرجل يَتَوَكَّلُ على الرَّجُلِ على حائِطه أو جِنَانِه أو غَنَمِه، فللوكيل أَنْ يَأكُلَ من ثَمَرِ ذلك ولَبَنِه.
وقد قال أبو عبيد: لا يأكلُ إلا بمشورة ربِّ المال، لأن الناس كانوا قد (توقفوا) عن الأكل بعد الإِذن، فأباح الله (لهم ذلك) بعد الإِذن.
وقيل: الآيةُ ناسخةٌ لما كانوا عليه من التَّحَرُّجِ من الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض.
(وقائلُ هذا القول يجعلُ "على" بمعنى "في") أي: ليس في الأعمى حرجٌ أي: في الأكل معه.
وقال أَكثَرُ أهل التأويل: الآية مُحْكَمةٌ، وذلك أَنهم كانوا إذا خرجوا مع النبي - عليه السلام - إلى الجهاد وضعوا مفاتِحَهُم عند أهل العِلَّة والزِّمَانَةِ المتخلفين عن الجهاد لعذرهم، وعند أقربائهم، وكانوا يأذنون لهم أن يأكلوا مما في [بيوتِهم إذا احتاجوا إلى ذلك، فكان الْمُتَخَلِّفون يتقونَ أن يأكلوا مما في] بيوتِ الغُيَّبِ، ويقولون: نخشى ألاّ تكونَ أنفُسُهُم بذلك طيِّبَةً، فأنزل الله - تعالى ذكرُه - هذه الآيةَ تُحِلُّ لهم ذلك. وهذا التفسير مرويٌ عن عائشةَ - رضيَ اللهُ عنها - وقاله ابن المسيّب أيضاً -.
وقال ابنُ زيد: قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: 61]، إلى قوله: ﴿وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61]، مُحْكَمٌ نزل في الغزو، أي ليس عليهم ضيق في تَأَخُّرِهِم (عن الغزو)، للعذر الذي لهم. فـ ﴿عَلَى الأعْمَى﴾: خبر ليس - على هذا القول -، وإذا جعلت ذلك في إباحة الطعام لهم - على قول من تقدم ذكرُه - كان خبر ليس: ﴿أن تأكُلُوا﴾.
الفرقان 25:63
قولُه تعالى: ﴿وإذَا خَاطَبَهُم الجاهِلونَ قَالُوا سَلاَماً﴾:
أَكثرُ الناس على أن هذا منسوخ بالأمر بالقتال والقتل، وكان هذا بمكةَ قبل أن يؤمروا بالقتال. وليس قولُهم: سلاماً، من السلام الذي هو التحية، إنما هو من السلام الذي هو التَّبَرُّأ، فالمعنى أنهم كانوا إذا خاطبهم الكفار قالوا: (سلاماً) منكم، أي: براءةً منكم.
فإن قيل: إن لفظ هذا خبر فكيف أجزتَ فيه النسخ؟
فالجواب: أن هذا ليس من الخبر الذي لا يجوز نسخُه، لأنه ليس فيه خبرٌ من الله لنا عن شيء يكون أو شيء كان فَنُسِخَ بأنه لا يكون، أو بأنه لم يكن - هذا الذي لا يجوز فيه النسخ - وإنما هذا خبرٌ من الله لنا أن هذا الأمرَ كان مِن فعل هؤلاء الذين هُم عبادُ الرَّحمن قبل أن يؤمروا بالقتال، وأَعْلَمَنا في موضعٍ آخر نزل بعد فعلهم ذلك، أَنه أَمَر بقتالِهم وقتلِهِم فنسخَ اللهُ ما كانوا عليه، ولو أَعْلَمَنا الله في موضع آخر عن عباد الله أنهم لم يكونوا يقولون للجاهلين سلاماً، لكان ذلك نسخاً للخبر الأول، وهذا لا يجوز وهو نسخ الخبر بعينه، والله يتعالى عن ذلك. فإذا كان الخبر (بعينه) حكايةً عن فعل قومٍ جازَ نسخُ ذلك (الفعل) الذي أخبرنا الله تعالى به عنهم بأن يأمرنا أن لا نَفْعَلَه، ولا يجوز نسخُ الخبر والحكايةِ بعينها، بأنها لم تكن أو (كانت) على خلاف ما (أخبرنا به) أولاً، فاعرف الفرق في ذلك.
قال أبو محمد: وقد تقدَّمَ القول (في ذلك) في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، وذكرنا قولَ من قال: إنه منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ - الآية - وقولُ مَنْ قال: إنه مُحْكَم، وبيَّنا ذلك كُلَّه في سورة النساء، عند قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾. الآية -.
الشعراء 26:227
وقد رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنه قال إن قوله: ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثيراً﴾، إلى آخر السورة، ناسخٌ لما تقدَّمَ من ذم الشعراء.
وهذا ليس بنسخٍ إنما هو استثناءٌ مِن أَعيانٍ قد عَمَّهُم الخطابُ الأَوَّلُ، فخرجوا مِن حُكْمِهِم بالاستثناء (لأنه) بحرف الاستثناء.
وقد ذُكِرَ عن ابن عباس في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء أنه قال: منسوخٌ، وهو لفظ مجاز لا حقيقة، لأن الاستثناء مرتبط بالمستثنى منه يَليه حرفُ الاستثناء الذي يَلْزَمُه، فبيَّن أنه في بعض الأعيان الذين عمَّهم اللَّفْظُ الأول. والنَّاسِخُ منفصلٌ من المنسوخ وهو رافعٌ لحكم المنسوخ وهو بغير حرف الاستثناء، وقد بَيَّنا هذا في مواضع فاعلمْه.
وليس في "النمل" (وهي مكية).
القصص 28:55
قوله تعالى: ﴿وإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾، إلى قوله: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾. الآية:
ذكر بعضُ العلماء أنه منسوخٌ بالنهي من النبي - عليه السلام - عن السلام على الكفار.
وقيل هو منسوخٌ بالأمر بالقتال والقتل.
والذي عليه أهلُ النَّظَر - وهو الصواب -: أن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخة، وأن معنى "السلام" فيها: المتاركةُ والمداراةُ من الكفار، وليس هو من السَّلامِ الذي هو تحيةٌ، لأن السَّلام عليهم محظورٌ بقوله تعالى: ﴿والسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى﴾ [طه: 47].
ومعنى الآية - عند مجاهد -: أن المؤمنينَ كانوا إذا آذاهم الكفارُ أَعرضوا عنهم وقالوا: "سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ"، أي: أَمنةً لكم لا نجاوبكم ولا نُسَابّكُم "لا نبتغي الجاهلين" أي: لا نطلُبُ عملَ الجاهلين، فهي محكمة.
قال أبو محمد: وقد يدخل في هذا الباب مِن هذه السورة قِصَّةُ موسى ﷺ وتزويجه على أحد أجلين، وذلك غيرُ معمولٍ به (وتزويجه بأجرة بَدَنِهِ لم يعملها بعد، وذلك غيرُ معمول به)، [وتزويجه إحدى المرأتين غيرَ مُعَيَّنةٍ في ظاهر النص، وذلك غيرُ معمولٍ به]، وتزويجُه أصلاً بغير تقديم شيءٍ من النقد، وذلك مُخْتَلَفٌ فيه (في جوازه).
العنكبوت 29:46
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. الآية:
رُوِيَ عن قتادةَ أنه قال: نَسَخَها قولُه: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَلاَ باليَوْمِ الآخِرِ﴾ - الآية -.
وقال ابنُ زيد: هي مُحْكَمةٌ يراد بها مَن آمَنَ من أَهلِ الكتاب، والمعنى: لا تجادلوا أَيُّها المؤمنون مَن آمن مِن أَهل الكتاب فيما يُحَدِّثون به عن كتابهم - لعله كما يقولون - وذلك أنهم كانوا يفسرون التوراة بالعربية، فنهى الله المؤمنين أن يجادلوهم في ذلك.
وقد رُوِيَ عن النبي - عليه السلام - (أنه) قال في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا: "لا تُصَدِّقوهم فيما يقولون، ولا تُكَذِّبوهم وقولوا: آمنا بالذي أُنْزِلَ إلينا وأُنْزِلَ إِليكُم" ثم استثنى الله منهم فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46] أي: إِلاَّ مَن أقام منهم على الكفر ولم يَدْخُل في العهد، فإنه يُجادَل ولا يُتْرَكُ على قوله.
وقال مجاهد: هي محكمة يرادُ بها ذَوو العهد، لا يُجادَلوا، إنما يُجادَلُ مَنْ لا عهدَ له ويقاتَل حتى يعطيَ الجزيةَ.
ولا شيء في الروم وهي مكية.
لقمان 31:14
ذكر بعض العلماء أن قولَه تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْك﴾ منسوخٌ بقول النبي: "لا تقولوا: ما شاءَ اللهُ وَشِئْت، ولكن قولوا: ما شاءَ اللهُ ثُم شِئْت"، يريد نسخَ الجمع بين الشُّكْرَين بالواو، فيستوي الشكران. ولكن يكون بـ "ثم" فيتقدَّمُ الشُّكْرُ لله كالمشيئة.
السجدة 32:30
قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وانتَظِرْ﴾.
نسخها عند أكثر الناس الأَمرُ (بالقتل والقتال).
الأحزاب 33:5
قولُه تعالى: ﴿ادْعوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ الآية.
هذا ناسخٌ لما كانوا عليه من التبني والتوارث، وكان رسول الله ﷺ تبنى زيدَ بنَ حارثة، فَنُسِخَ ذلك بهذه الآية، وبقولِه: ﴿وأُولُوا الأَرْحَام﴾ [الأنفال: 75]، وبالمواريث، وهذا من نسخ القرآن للسنّة قلت: وكانَ يَجِبُ أَن لا يُدْخَل هذا في الناسخ والمنسوخ؛ لأنه لم ينسخ قرآناً).
الأحزاب 33:49
قولُه تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾:
يُحتَمَلُ أن تكون المطَلَّقةُ في هذه الآية التي قد سمّى لها صداقاً فيكونُ هذا منسوخاً بقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُم﴾ [البقرة: 237]. [أوجبَ اللهُ للمطلقة قبلَ الدخول بها - التي كان فُرِضَ لها - نِصْفَ ما فُرِضَ لها، فَنَسخَ الإِمتاعَ.
وقيل: هو نَدْبٌ وليس بفرض، فهو مُحْكَم غيرُ منسوخ - على هذا القول -.
ويحتملُ أن تكون هي التي لم يُسَمَّ لها كالتي في البقرة في قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ فتكون كالتي في البقرة على الندب أو على النسخ.
وكذلك القولُ في قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (إلا) أنها في من سمِّي لها فتكون منسوخةً لقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾] لأن النساء اللواتي خيَّرَهُنَّ النبي ﷺ ليس منهنّ من لم يُسَمَّ لها صَداق.
والأحسن أن يكون على الإِحسان والتَّفَضُّلِ عليهن لا على الفرض والحتم، خيَّرَهُنَّ بين أن يَبْقَيْنَ معه وبين أن يُحْسِن إليهنّ ويُسَرِّحَهُنَّ فاخترن البقاء. والدليل على أنه ليس بفرض أنه غيرُ محدودٍ ولا معلومٍ قدره، وليس المفروضاتُ كذلك، ألا ترى إلى قولِه: ﴿وإِذَا حَضَرَ القسمةَ أُولُوا القُرْبَى واليَتَامَى والمَسَاكِينُ فارزُقُوهُم مِنْهُ﴾ [النساء: 8]، فأمر بإعطائهم من التركة، فلما لم يكن ذلك شيئاً محدوداً ولا معلوماً، عُلِمَ أنه ندبٌ وحضٌّ لا فرض. وعليه كُلُّ الناس. وقد بيَّنا هذا بأشبع من هذا الشرح في سورة البقرة.
الأحزاب 33:52
قوله تعالى: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ﴾ - الآية -.
قيل إنها منسوخة بالسنّة، أطلق اللهُ لِلنَّبيِّ بالوحي إليه، أن يتزوَّجَ مَنْ شاء بعد نزول هذه الآية.
قال زيدُ بن أسلم: تزوَّجَ النبيُّ ميمونةَ ومليكةَ بنتَ كعب، وصفيَّةَ بنتَ حُييّ وجويريَّةَ بنتَ الحارث بعدما نزلت هذه الآية.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما مات النبي - عليه السلام - حتى أحلّ الله له النِّساء.
وقيل: هي منسوخةٌ بالقرآن بقوله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾ [الأحزاب: 51]، وهو مَرْوِيٌّ عن علي - عليه السلام - وابنِ عباس، - وهو قول الضحاك -.
فيكون هذا - على هذا القول - مِمَّا نَسَخَ فيه الأَوَّلُ الآخرَ في التلاوة في سورةٍ واحدةٍ [كنسخ الْحَوْل في العِدَّة بأربعةِ أَشْهُرٍ وعشراً، وهُوَ قبلَه في التلاوة وفي سورة واحدة] وهو (نذرٌ قليل) في القرآن.
وقد قال الحسنُ وابنُ سيرين: الآيةُ محكمةٌ، وقد حرَّمَ الله على نبيّه - عليه السلام - أن يتزوَّجَ على نسائه لأَنَّهنَّ اخْتَرْنَ الله ورسولَه والدَّارَ الآخرةَ فخورين في الدنيا بهذا. وهذا قولٌ حَسَنٌ وهو ظاهرُ النَّصِّ المقطوعِ على غيبه - [وما روى عن الأخبارِ لا يُقْطَعُ على غيبه} -، لأنه ليس بإخبار تواتر، وإذا كان كذلك، فلا يزيلُ ما يُقْطَعُ على غيبه (ما لا يقطعُ على غيبه)، وقد مضى نحو هذا.
وقد قال أبو أُمامة بنُ سَهْل: لما حَرَّمَ الله عَلَيْهِنَّ أن يتزوجْنَ بعدَه حرم عليه أن يتزوج عَلَيْهِنّ.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: نهى اللهُ رسولَه ﷺ أن يتزوجَ بعد نسائه الأُوَل شيئاً. فالآية محكمةٌ أيضاً على هذيْن القولَيْن، وكذلك قال قتادةُ، قال: لما اخْتَرْنَ اللهَ ورسولَه والدَّارَ الآخرةَ، قصرُه اللهُ عَلَيْهِنّ، وقَصَرَهُنَّ عليه، فقال: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ﴾، أي من بعد التسع اللواتي مات عنهنّ.
وقد قال أُبيُّ بنُ كعب: إن معنى ﴿وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواج﴾: ليسَ (لك أَن تُطَلِّقِهَنّ) بعد أن اخْتَرْن اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ، ولكن لك أن تتزوّج عَلَيْهِنّ مَنْ شِئْت.
وقيل: من بعد هذه الصفة. [وقيل من بعد هذه التسمية التي قدمت.
وقيل من بعد هذا] السبب المتقدم الذكر.
وقال مجاهدُ وابنُ جبير: إنما حرَّمَ اللهُ (عليه) نكاحَ الكوافر من أَهل الكتاب، ومعنى "من بعدُ"، أي: من بعد المسلمات لِئَلا تكون كافرةٌ أُمّاً للمؤمنين.
وقيل: إن الآيةَ ناسخةٌ لما أُبيحَ للنبيِّ ﷺ من تزويجه مَنْ شاءَ من النساء بقوله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوي﴾ [الأحزاب: 51] - الآية -، ولقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك﴾ [الأحزاب: 50] - وهو قول محمد بن كعب القرظي -.
الأحزاب 33:53
قولُه تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾، إلى قوله: ﴿وقُلُوبِهِنَّ﴾:
هذا ناسخ لما كانوا عليه بُرْهةً من الزمان، كانوا يدخلونَ مع رسول الله على أزواجِه ويجلسون معه وهنّ غير محتجبات، فَنَسخَ الله ذلك من فِعْلِهِم بهذا النص.
وليس في سبأ إلى آخر يس شيء. (وهنّ مكيات).
الصافات 37:102
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، إلى تمام القصة في الذبح:
هذه الآيةُ تدلُّ على جواز النسخ قبل فعل ما أمر به.
أمر الله إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه، ثم نسخ ذلك وفداه بكبشٍ قبل الذبح، ومثلُه فرضُ الصَّدَقة قبل مناجاة الرسول ثم نسخُ ذلك قبل فعل المؤمنين لذلك. ومثلُه ما روي من فرض خمسين صلاة، ثم رُدَّت إلى خمسٍ قبل فعل الأول ومثلُه ما روي من فرض خمسين صلاة، ثم رُدَّت إلى خمسٍ قبل فعل الأول ومثلُه فرضُ ثبات الواحد من المسلمين لعشرةٍ من الكفار، ثم نسخت قبل فعله بثباتِ الواحدِ من المسلمين لاثنين من الكفار - وفيه اختلاف قد ذكر في الأنفال -.
وقال قوم: هذا كُلُّه ليس بنسخ لأنه كالبَدَاء.
قال أبو محمد: وهذا لا يجوز على الله - جلَّ ذكره - لأن البداءَ ظُهور رأيٍ لم يكن قبل ذلك الوقت، والله يتعالى عن ذلك لأنه عالم الغيوب قد عَلِمَ أَنه يأمرُ بهذه الأشياء ليختبرَ بها عبادَه (ويبلوَ طاعتَهُم)، وأنه يُخَفِّفُها ويَنْسَخُها قبل فِعلها تخفيفاً عنهم ورحمةً لهم لما في ذلك من صلاحِ عباده وإظهارِ قدرتِه، وتَفَضُّلِه على خلقه، فهو نسخٌ صحيحٌ غيرُ بَداء.
ولو وقعَ مثلُ هذا من الآدميين لجازَ أن يكونَ (ذلك) بداءً، لو قال رجلٌ لغيره: قُمْ، ثم قال له: لا تَقُم، جاز أن يكون ذلك رأياً ظهرَ لَه بعد أمره الأول، وجاز أن يكون قد نوى ذلك قبل أَمرِه له، فلا يكون منه بَداء لِتَقَدُّم اعتقادِه لذلك، فإذا جاز أن يكونَ ذلكَ من المخلوقين غيرَ بداء، لأنه من صِفَةِ النَّقص، فاللهُ أَعظمُ وأَجلُّ من أن يلحقَه ذلك؛ إذ قد عَلِمَ ما يأمرُ به، وما يزيلُ من أمره وما (ينهى) عنه، وما يُقِرُّ الخلقَ عليه، وما ينقلُهم عنه قبل فعل الأول علماً متقدِّماً بلا نهاية.
ص 38:17
قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُون﴾.
أمر الله نبيّه والمؤمنين بمكة بالصَّبر على كُفْرِ المشركين، ثم نسخَ ذلك فأَمرَهُم في المدينة بقَتْلِهِم وقِتالهم في براءة وغيرها.
ص 38:33
قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مسْحاً بِالسُّوقِ والأَعْنَاق﴾.
مَنْ قال: إنَّ سليمانَ - عليه السلام - قطعَ أعناقَ الخيل التي شَغَلَتْهُ عن الصَّلاة وسوقَها، قال: هو منسوخٌ بتحريم السُّنَّةِ لذلك وبالإِجماع على منع قتلِ البهائم إذ لا بِرَّ فيه.
قال أبو محمد: وهذا لا يحسنُ فيه النَّسخ لأنه خبرٌ عَمَّا فعلَ سليمان، فإن صَحَّ ذلك فهي شريعةٌ كانت (ثم) نَسَخَتْها شريعةُ (الإِسلام) فَمنعَ ذلك.
قال الحسن: قطع (سوقَها وأَعناقَها) فعوَّضَه الله ما هو خيرٌ منها، فسخَّر له الريحَ.
وعن ابن عباس: أَن سليمانَ إنما طَفِقَ (يمسحُ بيدِه أعناقَها وسوقَها) حُبَّاً لها، فهذا لا "يجوز أن" يكون فيه نسخٌ البتَّةَ - على هذا القول -. وهو قولٌ حسنٌ مِن التأويل لأن فيه النَّفْيَ عن نبي الله سليمان أن يكونَ عاقبَ (بهيمةً بالقتل) لا ذنبَ لها (وفي شغله بها) حتى فاتَتْهُ صلاةُ العصر.
ص 38:44
قولُه تعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرِبْ بِه وَلاَ تَحْنَثْ﴾:
قال قومٌ: هذا الفعلُ (في) كَفَّارَةِ اليمين منسوخٌ بشريعة الإِسلام، (ولا يجزىء من حلفَ) أن يضربَ أحداً مائةَ ضربةٍ أن يضربه ضربةً واحدةً بمائةِ قضيبٍ (لأن البِرَّ) لا يكونُ إلاَّ بغاية (الأفعال وأتمها) والحنث: يقع بأقل الأفعال احتياطاً للدِّين واتباعاً لفِعْلِ السلف - رضي الله عنهم -، وهذا مذهبُ مالكٍ وأصحابهِ وعليه أَدِلَّةٌ مِن الكتاب والسُّنَّة، ليس هذا موضعَ ذكرِها.
وقيل: هو حُكْمٌ خُصَّ به أَيّوبُ - عليه السلام - قاله مجاهد وغيرُه. وهذا مذهبُ مالكٍ وغيره من أهل المدينة.
وجعله الشافعيُّ محكماً عامّاً معمولاً به - وهو قول عطاء - وأجاز في الرجل يحلف: ليضربنّ عبدَه عشرَ ضرَبات، أن يضربَه ضربةً واحدةً بعشرِ قضبان ويبرأ، جعلَ الآيةَ محكمةً غيرَ منسوخةٍ ولا مخصوصة.
وهذا مذهب يَدلُّ على أن شريعةَ من (كان) قبلَنا لازمةٌ لنا حتى نُنقَل عنها بنص، وهذا مذهبٌ يتناقضُ لأَنَّ شرائعَ مَنْ كانَ قبلَنا مختلفةٌ في كثيرٍ مِن أَحكامِها ومن هيآتها وَرُتَبِها وأعدادِها وغيرِ ذلك من تحريمٍ وتحليلٍ بدلالة قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شرْعةً ومنهاجاً﴾ [المائدة:48] وإذا كانت مختلفةً في التَّحْريم والتَّحْليل، فكيفَ نَقْدِرُ على (تحريم) شيءٍ وتحليلِه في حالٍ، وأيضاً فإذا كانت شرائعُ الأنبياء قبلَنا مختلفةً في العبادةِ والهيأة (والتَّحْريمِ والتَّحليل)، فبأيِّ شريعةٍ من شرائِعهم ندين، وما الذي يجبُ علينا منها، إذ لا نقدرُ على العَمَلِ بشرائعِهِم كُلِّها لاختلافِها، فأَما قولُه تعالى: ﴿فِبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام:90] فإنما ذلك في الإِيمان بالله ورُسُلِه وملائكتِه وكتبِه، وما لا يختلفون فيه مِن الدِّين فهو الذي يلزمُنا الاقتداءُ به من أمرهم، وهو المراد بذلك؛ إذ غير جائز أن يكون المراد بشرائعهم اقْتَدِه؛ إذ لا يُقْدَرُ على ذلك لاختلاف شرائعِهِم.
فإن ادَّعى مُدَّعٍ أن هذا الذي بَرَّ به أَيُّوبُ يمينَه، إجماعٌ من شرائع الأنبياء، فيلزمُنا فِعْلُه، سُئِلَ عن الدَّليل على ذلك، ولا يَجدُ إليه سبيلاً أبداً. وقد تقدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ هذا وزدناه بياناً في هذا الموضع. ولهذه المعاني كتابٌ تذكر فيه مشروحةً مع نظائرِها من الأصول التي هي عُمْدَةُ الدِّين. وقد اختلاف في هذا أصحابُ مالك:
فَمِنْهُم مَن قال: مذهبُهُ العملُ بشرائع مَنْ كانَ قبلَنا؛ إذ قد احْتَجَّ بقولِه تعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ - الآية -.
ومِنْهُم مَنْ قال: ليس ذلك مَذْهَبَهُ؛ لأنه لم يُجِزْ فعلَ ما برَّ به أَيوبُ يمينه.
وأكثرُ النَّاسِ على أَنَّ مِلَّةَ إبراهيمَ ﷺ لازمٌ لنا اتباعُها، لقوله: واتَّبِعوا ﴿مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ ﷺ.
والذي عليه أكثرُ أَصحابِ مالك: أن ما نصَّ اللهُ علينا من شرائع مَنْ كانَ قبلَنا ولم ينسخْهُ قرآن ولا سُنَّةٌ، ولا افترضَ علينا ضدّه، فالعملُ به واجبٌ، نحو قوله: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ - الآية -.
وقد اعْتُرِض على هذا القول بِقِصَّةِ أيوبٍ في تبرئةِ يمينه بِضَرْبَةٍ واحدةٍ فيها مائةُ قضيب، ولا يقولُ به مالك، واعْتُرِضَ بالأحكام التي في تزويجِ موسى إحدى المرأتين، ولا يقول بذلك مالكٌ وعن هذا كُلِّهِ أجوبةٌ يطولُ ذكرُها سنذكُرُها في غيرِ هذا الكتابِ - إن شاءَ الله -.
الزمر 39:39
قولُه تعالى: ﴿إنّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُون﴾:
رُوي عن ابنِ عباسٍ أنه قال: نسخَهَا آيةُ السَّيْف، وهذا تَهَدُّدٌ ووعيدٌ لا يَحْسُنُ نسخُه.
الزمر 39:41
[قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيهِم بِوَكِيل﴾:
(نَسَخَتْها أيضاً آيةُ السَّيْفِ)].
الزمر 39:53
قولُه تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾:
قيل إنه منسوخٌ [بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً﴾ [النساء: 93] - الآية -.
وقيل هو منسوخٌ] بقولِه: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48].
قال أبو محمد: وهذا خبرٌ لا يَحْسُنُ نسخُه ولا يجوز، والله يغفرُ للمؤمنين ذنوبَهم جميعاً إذا شاء.
وقيل: يغفر الذُّنوبَ جميعاً لِمَنْ تاب.
وفي قراءةِ ابنِ عباس: ﴿يغفرُ الذُّنوبَ جميعاً لمن شاءَ﴾. وعن النبي - عليه السلام - "يغفِرُ الذنوبَ جميعاً ولا يبالي".
وقد قال ابن عمر لمَّا نزلت: ﴿إن الله يغفر الذُّنوب جميعاً﴾: قام رجل إلى النبيِّ فقال: والشركَ يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بهِ﴾ [النساء: 48] - الآية - فدلّ ذلك على أن الآية مخصوصةٌ فيما دونَ الشِّرْكِ من الذنوب يغفرُ الله لمن شاء مِن خَلْقه.
قال أبو محمد: والصواب أنها محكمةٌ عامَّةٌ خطابٌ للمؤمنين (فالمغفرةُ، لا تكون) إلا مع الإِيمان بالله (وكتبه ورسله).
وقيل: هي خاصة في قوم بأعيانِهم نزلت، وهي عامَّةٌ لِمَنْ هو مثلُهم وقد بينّا ذلك في كتاب الهداية.
غافر 40:7
قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَنْ حَوْلَه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِم، وَيُؤْمِنُونَ بِه، ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾:
قال ابن) وَهْب: هذا ناسخٌ لقوله في "عسق": ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْض﴾ [الشورى:5]، [وهو من نسخ المكّي بالمكّي، وهو قليل غير متفق عليه.
وقد قيل: إن قوله: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرْض﴾ منسوخٌ بقوله: - حكاية عن الملائكة -: ﴿فاغْفِر لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَك﴾ [غافر:7]. كأن الملائكة أُذِنَ لهم أن يستغفروا لمن في الأرض، ثم نسخ ذلك بالإِذن لهم أن يستغفروا للتائبين مِن الكفر خاصَّة، وبالاستغفار للمؤمنين خاصة.
والأَحسنُ أن يكونَ مُخَصِّصاً مُبَيِّناً له لا ناسخاً، لأنه خبر، والأخبار لا تُنْسَخ، إنما تأتي بلفظ العموم ثم يأتي ما يُبَيِّنُها أنها ليست بعامة، فهذا من ذلك، وهو الصواب، وقد مضى ذكره.
فصلت 41:40
قولُه تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾:
ذكر ابنُ حبيب أنه منسوخٌ بقوله: ﴿وَمَا تَشَاؤونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله﴾ [الإنسان:30، والتكوير: 29] وكذلك قال في قوله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيم﴾ [التكوير:28]، قال: هو منسوخٌ بقوله: ﴿وما تشاؤونَ إِلاَّ أَن يشاءَ الله﴾ [الإنسان:30، والتكوير:29]، وكذلكَ قالَ في قولِه تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ [الكهف:29].
قال أبو محمد: وهذا كُلُّه محكمٌ لا يجوزُ نسخُه لأنه تهدُّدٌ مِن اللهِ لِلْكُفَّار ووعيدٌ (لهم)، ليس هو إباحةً لهم في ذلك والتَّهَدُّدُ والوعيد للكفار لا يجوز أَن يُنْسَخ؛ إِذْ لا يُنْسَخُ إلاَّ بالرِّضى عنهُم والقبول لهم والوعد للكفار، وهذا لا يجوز. وما رأيت أحداً ذكر النَّسْخَ [في هذا] غيرَه وهو قولٌ بعيد لا يجبُ أن يلتفت إليه (وحكى ابنُ حبيب أن بعضَ النَّاس، قال: هو تهدُّدٌ ووعيد، وليس بتفويض، يريد أنه غيرُ منسوخ)، وهذا هو الصواب إن شاء الله.
الشورى 42:15
قوله تعالى: ﴿لَنَا أعْمَالُنَا ولَكُمْ أعْمَالُكُمْ، لاَ حُجَّةَ بِيْنَنَا وبَيْنَكُمُ﴾:
قال ابن عباس: هذا مخاطبةٌ لليهود، يقول لهم: لنا ديننا ولكم دينكم. قال: ثم نُسِخَت بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ ولاَ باليَوْمِ الآخِر﴾ - الآية - وقاله مجاهد -.
وقيل: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، ومعناها: أن الْحُجَجَ في صِحَّةِ دين الله قد ظَهَرَت، وبراهينَ الإِيمان قد تَبَيَّنَت فلا حُجَّةَ بيننا وبَيْنَكُم، أي: الأمر الذي نحن عليه ظاهرُ الحقِّ والصَّواب، لا يحتاجُ إلى حُجَّة.
الشورى 42:20
فقولُه تعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِه، ومَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾.
روى الضَّحاكُ عن عبدِ الله بن عباسٍ أنه قال: هي منسوخةٌ بقوله في "سبحان": ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيد﴾ [الإِسراء: 18].
قال أبو محمد، وهذا من نسخ المكّي بالمكّي - على هذا القول -.
والذي يوجبُه النظر، وعليه أَكثرُ العلماء أَن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخة لأن الأشياءَ كُلَّها حُكْمُها على مَشيئَتِه، فمعنى الآية: نؤتيه مِنها إن شئنا.
فالآيتان محكمتانِ متساويتانِ في المعنى غير أن آية "سبحان" أَبْيَن.
وأيضاً فإنَّه خبرٌ، والخبرُ لا يُنْسَخ.
وقد قيل: إن معنى قول ابن عباس - في هذا و شبهِه، إذا صح - أنه ناسخ [ومنسوخ -] أي، هو على صحته - أي: مثله في المعنى وإن لم يكن مثله في اللفظ.
الشورى 42:23
قوله تعالى: ﴿قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾:
أمر الله - جلّ ذكرُه - نبيَّه ﷺ أن يقولَ لقريش: لا أَسأَلُكُم على ما جِئْتُكُم به من الهدى أَجراً، لكن أجري على ذلك أن لا تؤذوني لقرابتي منكم (وتُصَدقوا بي) وتمنعوني، (ولم يفعلوا)، وفعلَ ذلك الأنصارُ.
قال ابنُ عباس: هي منسوخةٌ بقوله: ﴿قُلْ مَا سأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللهِ﴾ [سبأ: 47]، وهذا أيضاً - على هذا القول - من نسخ المكِّي بالمكِّي.
وقال الحسنُ: هي محكمةٌ. ومعناها:
لا أَسأَلُكُم على الإِيمان الذي جِئْتُكُم به أجراً، إلاّ أن تتقربوا إلى الله بطاعته، والعمل بما يُرْضيه. وهذا لا ينسخ لأنه هو المرغوبُ منهم، وعليه قاتَلَهم.
الشورى 42:39
قولُه تعالى: ﴿والّذِينَ إذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُون﴾:
قال ابن زيد: نَسَخَها الأَمرُ بالجهاد.
وقيل: الآيةُ محكمةٌ والانتصارُ من الظَّالِم محمودٌ حسن كان الظالمُ (مسلماً أو مشركاً). والنسخُ في هذا لا يَحْسُنُ لأنه خبر.
الشورى 42:42
قولُه تعالى: ﴿إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾:
قال ابنُ وهب عن ابن زيد: إنها في المشركين، وإنها منسوخةٌ بقوله: ﴿ادفَعْ بالّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ [المؤمنون: 96، وفصّلت: 34].
وقيل: هي محكمةٌ. والانتقامُ من الظَّالِم حَسَنٌ. قال مالكٌ: لا أرى أَنْ يَجْعَلَ مَن ظَلَمَه في حِلِّ، وقال في الرَّجُلِ يموت (عليهِ دَيْنٌ)، لا وفاءَ له به: أَرى أن يَجْعَلَه في حِلٍّ، وهُوَ أَفضَلُ عندي، فإن اللهَ يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَه﴾ [الزمر: 18]. وكان ابنُ المسيِّب لا يرى تحليلَه.
الزخرف 43:89
قولُه تعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ وقُلْ سَلاَم﴾.
أكثرُ العلماء على أنها منسوخةٌ بالأمر (بالقِتال والقَتْل) - وهو قولُِ ابنِ عباسٍ (وقتادة وغيرهما -.
ولا شيءَ في الدخان وهي مكيّة).
الجاثية 45:14
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيامَ الله﴾ - الآية -:
رَوَى الضَّحاكُ عن ابنِ عباس أَنها نَزَلَت في عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - سبَّه رجلٌ من المشركين بمكة، فأرادَ أَنْ يَبْطِشَ به فأُمر في هذه الآيةِ بالغُفْران والصَّفْح (قال): ثم نُسِخَ ذلك بالأمر بقتل المشركين حيثُ وجدوا - قاله قتادة [وغيره] -.
الأحقاف 46:9
قوله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنتُ بِدْعاً مِن الرُّسُلِ، وما أَدري ما يُفْعَلُ بي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9]:
رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: نسخَها: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح: 1] - الآية - وإلى هذا ذهب ابن حبيب - لأن الله جلّ ذكره (قد) أَعلَمَه حالَه وأنه مغفورٌ له كُلُّ ذنوبِه في الآخرة.
قال أبو محمد: وهذا إنما يجوز على قول من قال: معنى الآية:
وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بِكُم في الآخرة.
فأما من قال معناه: وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم في الدنا من تَقَلُّبِ الأحوال فيها، فالآية (عنده محكمةٌ) - وهو قولُ الحسن - وهو قولٌ حسن - لأن النبي - عليه السلام - إنما نفى عن نفسِه (علم) الغيب فيما يَحْدُثُ عليه وعليهم في الدنيا، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِن أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِليَّ﴾ [الأحقاف: 9] يريد في الدنيا.
وأيضاً فإن الآيةَ خبرٌ، ولا يُنْسَخُ الخبر.
وأيضاً، فإنه ﷺ قد علم أن من ماتَ على الكفر فهو مخلدٌ في النار، فكيف يقول: وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكُم في الآخرة. و(قد أعلمه) الله ما يؤول إليه أَمرُ الكفار في الآخرة. وهذا مثلُ قوله: ﴿ولو كنتُ أعلمُ الغيبَ لاستَكْثَرْتُ من الخير وما مسَّنيَ السُّوء﴾ [الأعراف: 188]، أي: لو علمت الغيبَ لتحفظْتُ من الضُّرِّ، فلم يلحقني في الدنيا ضُرٌّ.
والظاهرُ أَنَّ الآيةَ محكمةٌ نزلت في أمور الدنيا.
محمد 47:4
قوله تعالى: ﴿فإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَاب﴾، إلى قوله: ﴿أَوزَارَهَا﴾:
قال ابنُ حبيب: نَسَخَها: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: 5] قال: وهي في أهل الأوثان من كُفَّارِ العرب، فلا يجوز أن يمُنّ عليهم، ولا يفادَوا - قاله السُّدِّي (وغيرُه) -.
وقيل: هي عامةٌ في جميع الكفار، وهي منسوخة بالأمر بالقتال في براءة، ولا (يجوز أن يُمَنَّ على مشركٍ ولا) يفادى به إلاَّ مَن لا يجوزُ قتلُه كالصبيِّ والمرأة.
وقال الضَّحاكُ: هذه الآيةُ ناسخةٌ لقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾، - وقاله عطاء - وقالا: لا يقتل المشركُ صبراً ولكن يُمَنُّ عليه أو يفادى به إذا أُسِر - وهو قول شاذ -.
وعن ابن عباسٍ (أنه قال): (خُيِّر) النبيُّ - عليه السلام - في الأسرى بين الفداء (والقتل والمن) والاستعباد (يفعل ما يشاء). وعلى هذا القول (عامة العلماء) - وهو الصواب إن شاء الله - فالآيتان محكمتان.
محمد 47:35
قولُه تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلم وأَنتُم الأَعْلَوْنَ﴾.
أكثرُ الناس على أن هذا ناسخٌ لقوله: ﴿وإن جَنَحُوا لِلسَّلْم فاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61].
والصَّوابُ الذي عليه أَهلُ النَّظَرِ أنهما محكمتان في معنيينِ مُخْتَلِفَيْن:
آيةُ الأنفال في إباحةِ الصُّلْح إذا ابتدأَ بِطَلَبِه المشركون.
والآيةُ الأُخرى في النهي عن أن يبتدىء المسلمونَ بِطَلَبِ الصُّلْح من المشركين - وقد تقدَّم ذكر هذا -.
ولا شيءَ في "الفتح" و "الحجرات" (وهما مدنيتان).
الفتح 48:1
قوله تعالى: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾، على قول من قال: إنه ناسخ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أدْرِى مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9]، (وقد مضى) الكلام فيه.
ق 50:39
قوله تعالى: ﴿فاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُون﴾ الآية:
قيل هي منسوخة بآية القتل والقتال للمشكين في براءة وغيرِها.
وقيل: هي محكمةٌ مخصوصةٌ نزلت في قوم من اليهود سألوا النبي بمكة عن مسائل، وتكلموا بكلام مُنْكَر فَأُمِرَ النبيُّ بالصَّبر عليهم.
الذاريات 51:19
قوله تعالى: ﴿وفِي أَمْوَالِهِم حَقٌّ لِلسَّائِلِ والمَحْرُوم﴾:
قال الضَّحاكُ: هذا منسوخٌ بالزكاة، وَحَسُنَ نسخُه لأنَّ (فيه معنى) الأَمرِ ولفظُهُ لَفْظُ خبر.
وقال الحسن والنخعي: الآيةُ محكمةٌ، وفي المال حقٌّ غيرُ الزكاة.
والذي يوجِبُه النظر، وقال به أَهلُ العلم: أنها في غير الزكاة، على النَّدْبِ لفعل الخير والتَّطَوُّع بالصدقات، فهي ندبٌ غيرُ منسوخة.
الذاريات 51:54
قولُه تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ﴾:
الظَّاهرُ في هذه الآيةِ أنها منسوخةٌ بالأمرِ بقتلهم وقتالِهم في براءة وغيرها.
وقيل: (هو منسوخٌ) بالأَمْر بالإِقبال عليهم وتبليغهم الرسالةَ ووعظِهم - وهو قولُ الضحاك وغيرِه -.
الطور 52:48
قوله تعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ. ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإِدبارَ النُّجوم﴾:
مَن قال: إنَّ إدبارَ النجوم ركعتا الفجر - وهو قول علي - رضي الله عنه - قال: هو منسوخٌ بالفرائض، لأنه أتى على الأمر والحتْم، ثم نُسِخَ بالصَّلوات الخمس، فصارت ركعتا الفجر ندباً، إذ قد أَجْمَعَ المسلمون عَلَى أنهما غيرُ فرض، وهما ندبٌ مُرَغَّبٌ فيه (مؤكد) ولا يلزمُ من (فاتتاه) (قضاؤُهما) بعد صلاة الصُّبْح، إلا أن يشاء بعدَ طلوع الشمس.
ومن قال: (إن) إدبارَ النُّجوم يُرادُ به صلاةُ الصُّبح بعينها، فالآية محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ - وهو قولُ الضَّحاك (وابن زيد)، وهو اختيار الطبري -.
فأما قولُه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك حِينَ تَقُوم﴾ [الطور:48]، فمعناه: حين تقومُ إلى الصَّلاةِ، وقيل: من النَّوْم، وقيل: من مجلِسِك، وكله نَدْبٌ للإِجماع على أنه غيرُ فرض.
وقولُه تعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قيل: يراد به صلاةُ المغرب والعشاء، وقيل: المغرب، فهو فرضٌ.
وقال ابنُ عباس: هو التَّسبيحُ في إدبار الصَّلوات، وهو ندب مُرَغَّب فيه على هذا القول.
الطور 52:49
قوله تعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ. ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإِدبارَ النُّجوم﴾:
مَن قال: إنَّ إدبارَ النجوم ركعتا الفجر - وهو قول علي - رضي الله عنه - قال: هو منسوخٌ بالفرائض، لأنه أتى على الأمر والحتْم، ثم نُسِخَ بالصَّلوات الخمس، فصارت ركعتا الفجر ندباً، إذ قد أَجْمَعَ المسلمون عَلَى أنهما غيرُ فرض، وهما ندبٌ مُرَغَّبٌ فيه (مؤكد) ولا يلزمُ من (فاتتاه) (قضاؤُهما) بعد صلاة الصُّبْح، إلا أن يشاء بعدَ طلوع الشمس.
ومن قال: (إن) إدبارَ النُّجوم يُرادُ به صلاةُ الصُّبح بعينها، فالآية محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ - وهو قولُ الضَّحاك (وابن زيد)، وهو اختيار الطبري -.
فأما قولُه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك حِينَ تَقُوم﴾ [الطور:48]، فمعناه: حين تقومُ إلى الصَّلاةِ، وقيل: من النَّوْم، وقيل: من مجلِسِك، وكله نَدْبٌ للإِجماع على أنه غيرُ فرض.
وقولُه تعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قيل: يراد به صلاةُ المغرب والعشاء، وقيل: المغرب، فهو فرضٌ.
وقال ابنُ عباس: هو التَّسبيحُ في إدبار الصَّلوات، وهو ندب مُرَغَّب فيه على هذا القول.
النجم 53:29
قولُه تعالى: ﴿فأَعْرِضْ عَمَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا﴾. الآية:
هذا منسوخ بآية السيف في براءة.
وليس في سورة "القمر". وسورة "الرحمن" - جلّ ذكره - و "الواقعة" شيء. وكذلك "الحديد".
النجم 53:39
قوله تعالى: ﴿وأَن لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾:
قيل: هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بإِيمانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] فأَخبرَ أَنه أدخلَ الأبناء المؤمنين مدخل آبائهم المؤمنين بصلاح الآباء.
والبَيِّن في هذا، الذي يوجِبهُ النظر، وعليه أكثر العلماء أنه ليس بمنسوخ وأنه محكم، لا يعملُ أَحدٌ عن أَحدٍ صلاةً ولا جهاداً، إلاّ ما خَصَّصَتْه السنّة وبَيَّنَتْهُ من جواز الحجِ عن مَن لم يَحُجَّ مِن مَيِّت - وفي الحجِّ عن الحيِّ اختلافٌ كثير - ومن أَجازَه قال: إنما يجوز لعذرٍ نزلَ بالحيِّ، وهو إذا بَذَلَ وأَعطى لمن يحج عنه فقد سعى في خَير، وكذلك الميِّتُ إذا أوصى بالحج فقد سعى في فعل الخير. فهما داخلان في سعي الساعين، الذين ضَمِنَ اللهُ لهم الجزاءَ على سَعْيِهم.
ومعنى الآية: أن الله - جلَّ ذكره - ذكر أبناءً اتبعوا الآباء على إيمانهم، فأٌلْحقوا بالآباء تفضلاً منه - جلَّ ذكره -.
المجادلة 58:3
قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ الآية:
قال ابنُ عباس: كان الرَّجلُ في الجاهلية إذا ظاهرَ مِن امرأتِه حَرُمَت عليه، وكان ذلك طلاقَهم، فَنَسخَ الله ذلك بالكفارة المذكورة في هذه الآية.
وقيل: (بل) نَسَخَ فِعْلَهم بالطلاق المذكور في البقرة، (وهو قوله): ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] - الآية -.
قال أبو محمد: وكان حق هذا أَن لا يُدْخَلَ في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً، (لأن) القرآنَ كُلَّه أو أَكْثَرَه ناسخٌ لما كانوا عليه من أديانهم التي لم يَأْمُرِ اللهُ بها.
المجادلة 58:12
قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُم الرَّسُولَ، فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. املاية:
أكثرُ الناس على أن هذا منسوخٌ بقوله: ﴿أأشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: 13] - الآية -، وهذا مما نُسِخَ قبلَ العمل به.
وقيل: إن علياً - رضي الله عنه - عَمِلَ به، ورَوى ليثٌ عن مجاهد قال: قال عليّ - رضي الله عنه -: "إنَّ في كتاب الله لآيةً ما عمل بها أحدٌ (قبلي ولا يعملُ بها أحدٌ) بعدي، كان لي دينارٌ فصرفته فكنت إذا (ناجيتُ) رَسولَ الله ﷺ تَصَدَّقْتُ بدرهم، حنى نفد، ثم نُسِخَت"، [وفي] هذا الحديث: أن الصَّدَقةَ إنما كانت تكون بعدَ المناجاة.
قال ابن حبيب: كان رسولُ الله ﷺ يؤذَى بكثرةِ النَّجوى، وكان الشيطانُ يُوَسْوِسُ في أصحابِ النبيِّ ﷺ ويقول: نوجي النبيُّ (بأمر) كذا مما يغُمُّ المسلمين ذلك، وهو قولُه تعالى: ﴿إنَّما النَّجْوَى مِن الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: 10]، فأَمَرَ اللهُ أن لا يناجي أَحدٌ النبيَّ ﷺ حتى يُقَدِّمَ صدقةً، فَتَوَقَّفَ الناسُ عن النجوى، ثم شَقَّ ذلك عَليهم، فَنَسَخَه الله بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: 13] - الآية - هذا معنى كلامه.
الحشر 59:7
قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِه مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ولِذي القُرْبى﴾. الآية:
قال قتادةُ: هي منسوخةٌ بقوله: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه﴾ [الأنفال: 41] - الآية - قال: كان (في) أولا الإِسلام (تقسيمُ الغنيمة) على الأصناف التي في "الحشر"، ولا يعطى لِمَنْ قاتلَ شيءٌ إِلاَّ أن يكونَ من هذه الأصناف (ثم نسخ ذلك في سُورة الأنفالِ فجعل الخمس لهؤلاء الأصناف) وجعل لمن قاتل الأربعة الأخماس، (والفيءُ: الغنيمة - عنده -).
وقال سُفيان الثوري وغيرُه: الفيءُ غيرُ الغنيمة، فالغنيمة ما أُخِذَ عن قتال وغَلَبَة يكون خمسُهُ لهؤلاء الأصناف المذكورين في الأنفال وأَربعةُ أخماسه لِلَّذين قاتلوا عليه، قال: والفيء: هو ما صولِحَ عليه أَهلُ الحربِ بغير قتال، يكون مقسوماً كُلُّه على الأصنافِ المذكورين في "سورة الحشر"، ولا يُخَمَّس. فالآيتان محكمتان على هذا القول.
واستدلَّ بعضُ العلماء على أنهما محكمتان أن آيةَ "الحشر" إِنَّما نَزَلَت في بني النضير حين أُجْلوا عن بلادهم بغير حربٍ وتركوا أَموالهم، فجعلَ اللهُ أموالَهم لِلنَّبِّي ﷺ خاصةً، فلم يستأثر النبيُّ ﷺ بها، وفَرَّقَها في المهاجرين خاصةً، ولم يُعْطِ الأنصارَ منها شيئاً إِلاَّ لِرَجُلَيْن، لِسَهْل بنِ حُنَيْف ولأبي دُجانة سِماك بن خرشة.
الصف 61:8
قولُه تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عِنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ الآية:
قال قتادة: هي منسوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿اقتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: 5]، فعمَّ جميعَهُم.
وقيل: (هي منسوخةٌ بقوله) ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ﴾.
(إلى) قوله تعالى: ﴿حَتَى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾.
وقال ابن زيد: نَسَخَها قولُه: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤمِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ من حَادَّ اللهَ ورَسُولَه﴾ [المجادلة: 22] - الآية -.
وقال مجاهد: هي محكمةٌ غَيْرُ منسوخةٍ، لَكِنَّها مخصوصةٌ يُرادُ بها الَّذين لَم يُقاتِلوا المؤمنين وآمنوا وأقاموا بمكَّةَ ولم يُهاجروا.
وقال الحسنُ: هِيَ محكمةٌ غَيْرُ مخصوصةٍ نَزَلَت في قوم بينَهم وبين النبي ﷺ عهدٌ، وهم خُزاعة وبنو عبد الحارث بن عبد مناف: أمر الله المسلمين أَنْ يُوَفُّوا لهم بالعهد وأَنْ يَبَرُّوهم.
وَمِمَّا يَدُلُّ على أنها مُحْكَمةٌ أَنَّ قولَه تعالى: ﴿اقْتُلوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ ليس بعامٍّ في كُلِّ مُشْرِكٍ لأَنَّ أهلَ الكتابِ مِنَ المشركين قبلَ أَن يُعْطوا الجزيةَ؛ إذ قد وصَفَهُم الله بصفات المشركين في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ باللهِ ولاَ باليَوْمِ الآخِرِ﴾[التوبة: 29] - الآية - فقال فيها: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [التوبة: 29]، وقال عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَاباً مِن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابنَ مَرْيَم﴾ [التوبة: 31]، أي واتخذوا المسيحَ بنَ مريم ربّاً ولا شركَ أَعظَم من اتخاذ رَبٍّ دون الله، فإذا كانت الآيةُ في قتل المشركين حيثُ وجدوا غيرَ عامّة جاز خروجُ هذه الآية منها أيضاً، فقوله: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: 5] مُخَصَّصٌ ومُبَيَّنٌ بقولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ في أهل الكتاب؛ إِذْ هُم من المشركين ومُخَصَّصٌ أيضاً ومُبَيَّنٌ بقوله: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَن الذينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ [الممتحنة: 8] - الآية - فهي إذاً محكمةٌ مخصوصةٌ في قوم آمنوا ولم يُهاجروا، أو في قوم لَهم عهدٌ على ما ذكرنا، وهي أيضاً مُخَصَّصَةٌ بآية براءة فهي غيرُ منسوخة.
الصف 61:10
قولُه تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءكُمُ المؤمِنَاتُ مُهَاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾.
قال قوم: هذا ناسخٌ لما كان النّبيّ - عليه السلام - كَتَبَ للمشركين؛ إذْ هادنَهم على أَنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ إليه من عندهم مُسْلِماً، وكان النبيُّ - عليه السلام - فعلَ ذلك بالحديبية مع أَهل مكة؛ إذ صَدُّوه عن البيت، فعاقدَهُم على أن من جاء إليه مِن عندهم مُسْلِماً ردَّهُ إليهم، فلما ختمَ الكتاب (الذي فيه العهد) جاءته سبيعة بنتُ الحارث مُسْلِمَةً وجاء زوجُها وقال يا محمد: رُدَّها عليّ، فإن ذلك في شرطنا عليك، وهذه طينةُ كتابنا لم تَجِفّ، فنزلت: ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّار﴾، فنسخ ما عقَدَ لهم، فلم يَرُدَّها إليه وأعطاه مهرَهُ الذي كانَ دفعَ إليها.
وهذا وشبهُه يَدُلُّ على أن القرآنَ يَنْسَخُ السُّنَّةَ.
(ثم نسخَ اللهُ هذا) الحكمَ في ردِّ المهر لأن السَّبَبَ الذي أَوجَبَه قد زال فَنُسِخَ بزوال العِلَّةِ فلا يُرَدُّ إليهم مهرٌ ولا غيرُه.
ولا يجوزُ أن نهادِنَهُم على أن مَنْ جاء مِنْ عَندِهُم مُسْلِماً رَدَدْناه إليهم.
وقد قال ابنُ الماجشون في الرسول يأتينا برسالةٍ من عندِ المشركين، وبيننا وبينهُم عهدٌ، فيُسْلِم، أنه لا يُرَدُّ إِليهِم لأَنَّهُم يقتُلونه.
وعن ابن القاسم أنه يُرَدُّ إِليهِم.
قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِر﴾ [الممتحنة: 10]:
قيل هو عامٌّ في كُلِّ كافرةٍ. لَكِنَّهُ مُخَصَّصٌ بإباحةِ إِمساكِ الكتابياتِ زوجاتٍ، فالآيةُ في الكوافر غيرِ الكتابيَّات.
وقيل: هو منسوخٌ بإباحةِ إمساكِ الكتابيَّةِ زوجةً، فَنُسِخَ بقوله: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [المائدة: 5]، والأَوَّلُ أَولى وأَحسَن، فيكونُ الحكمُ فيمَن كانت له امرأةٌ بِمكَّةَ مِمَّن هاجرَ مُسْلِماً إلى المدينةِ وهي كافرةٌ بمكة فإنَّ العصمةَ منقطعةٌ بينهما، فإن كانت كتابيةً (فإن العصمةَ تبقى بينهما).
قولُه تعالى: ﴿واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ، وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10]:
هذا حكمٌ أَمَرَ الله [به المؤمنينَ] في وقتِ المهادنةِ، فلما زالت تلكَ المهادنةُ زال هذا الحكمُ وبقي رسمُه مَتْلُوَّاً، فهو منسوخٌ بزوالِ العِلَّة التي من أجلِها وجبَ الحكم.
الصف 61:11
قولُه تعالى: ﴿وإِن فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ﴾ الآية:
أَمر اللهُ المؤمنينَ أن يَدْفعوا لمن ذهَبَتْ زوجتُه من المسلمين إلى المشركين ما دفع إليها مِمَّا يغنمون من أموال الكفار، وهذا حُكْمٌ حَكَمَ به الله وأمر به في وقت المهادنة، فلما زالت زالَ الحُكْمُ وبَقِيَ الرَّسْمُ مَتْلُوَّاً منسوخاً حُكْمُه بزوال العِلَّة. ويجوزُ أن يكونَ منسوخاً بقوله: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شيءٍ فأَنَّ لِلِّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] - الآية - فبين ما يصنع في الغنيمة، ولا شيءَ فيها لمن ذهبت زوجتُه إلى الكفار، ولا يجوزُ اليومَ أن نهادِنَ المشركين على شيء من هذه الشروط، إنما هو السيفُ أو الإِيمانُ، أو الصُّلْحُ على غير شرطٍ لا يجوزُ في الدين.
فأما الهدنةُ مع أهل الكتابِ والمجوسِ فجائزةٌ، لقوله ﷺ: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أَهلِ الكتاب".
وقد قيل إن قوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُم﴾ [التوبة: 5] ناسخٌ للهدنَةِ بيننا وبين مشركي العرب.
ولمَّا قال في أهل الكتاب: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29]، جازت الهدنةُ بيننا وبينَهُم، وجَرَت المجوسُ مَجراهم بقول النبي ﷺ: "سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أَهلِ الكتاب".
فَنَسَخَت آيةُ السَّيْفِ (إِعطاءَ المشركين) صَدُقاتِ مَنْ جاءنا من نسائهم مُسْلِمَةً، ونَسَخَ زوالَ زمانِ الهدنة وآيةُ الأنفال إعطاءَ المسلمين مهورَ نسائهم اللواتي رجَعْنَ إلى الكفار [من الغنيمةِ أو من الفيءِ، وهو قوله: ﴿وإِن فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ﴾] فعاقبتُم: أي أَصبتُم عُقْبى (بمعنى): غنيمة أو فيء، فآتوا الذينَ ذَهَبَتْ أزواجُهُم مِثْلَ ما أنفقوا.
وقد قيل: إنَّ المحنةَ المذكورةَ في آخر السُّورَةِ منسوخةٌ أيضاً بِذَهابِ زمانِ الهدنة.
وقيل: هيَ مُحْكَمَةٌ، وإذا (تباعدت) الدَّارُ واحتيج إلى المحنة كان ذلك إلى الإِمام.
وقد قالَ ابنُ زيدٍ: نسَخَتْ هذه الأحكامَ التي في هذه السورة براءةُ إذ أَمَر اللهُ تعالى نبيَّه (أَنْ يَنْبذَ إلى) كل ذي عهد (عهدَه)، (ويُقْتَلوا حيثُ وُجدوا) (وقاله قتادةُ، وأُمِرَ بقتال) أهل الكتاب حتَّى يُعْطوا الجزيةَ (عن يدٍ) - الآية -.