السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — مريم 19:1 – طه 20:135
المحتويات
- مريم 19:1
- مريم 19:2
- مريم 19:3
- مريم 19:4
- مريم 19:5
- مريم 19:6
- مريم 19:7
- مريم 19:8
- مريم 19:9
- مريم 19:10
- مريم 19:11
- مريم 19:12
- مريم 19:13
- مريم 19:14
- مريم 19:15
- مريم 19:16
- مريم 19:17
- مريم 19:18
- مريم 19:19
- مريم 19:20
- مريم 19:21
- مريم 19:22
- مريم 19:23
- مريم 19:24
- مريم 19:25
- مريم 19:26
- مريم 19:27
- مريم 19:28
- مريم 19:29
- مريم 19:30
- مريم 19:31
- مريم 19:32
- مريم 19:33
- مريم 19:34
- مريم 19:35
- مريم 19:36
- مريم 19:37
- مريم 19:38
- مريم 19:39
- مريم 19:40
- مريم 19:41
- مريم 19:42
- مريم 19:43
- مريم 19:44
- مريم 19:45
- مريم 19:46
- مريم 19:47
- مريم 19:48
- مريم 19:49
- مريم 19:50
- مريم 19:51
- مريم 19:52
- مريم 19:53
- مريم 19:54
- مريم 19:55
- مريم 19:56
- مريم 19:57
- مريم 19:58
- مريم 19:59
- مريم 19:60
- مريم 19:61
- مريم 19:62
- مريم 19:63
- مريم 19:64
- مريم 19:65
- مريم 19:66
- مريم 19:67
- مريم 19:68
- مريم 19:69
- مريم 19:70
- مريم 19:71
- مريم 19:72
- مريم 19:73
- مريم 19:74
- مريم 19:75
- مريم 19:76
- مريم 19:77
- مريم 19:78
- مريم 19:79
- مريم 19:80
- مريم 19:81
- مريم 19:82
- مريم 19:83
- مريم 19:84
- مريم 19:85
- مريم 19:86
- مريم 19:87
- مريم 19:88
- مريم 19:89
- مريم 19:90
- مريم 19:91
- مريم 19:92
- مريم 19:93
- مريم 19:94
- مريم 19:95
- مريم 19:96
- مريم 19:97
- مريم 19:98
- طه 20:1
- طه 20:2
- طه 20:3
- طه 20:4
- طه 20:5
- طه 20:6
- طه 20:7
- طه 20:8
- طه 20:9
- طه 20:10
- طه 20:11
- طه 20:12
- طه 20:13
- طه 20:14
- طه 20:15
- طه 20:16
- طه 20:17
- طه 20:18
- طه 20:19
- طه 20:20
- طه 20:21
- طه 20:22
- طه 20:23
- طه 20:24
- طه 20:25
- طه 20:26
- طه 20:27
- طه 20:28
- طه 20:29
- طه 20:30
- طه 20:31
- طه 20:32
- طه 20:33
- طه 20:34
- طه 20:35
- طه 20:36
- طه 20:37
- طه 20:38
- طه 20:39
- طه 20:40
- طه 20:41
- طه 20:42
- طه 20:43
- طه 20:44
- طه 20:45
- طه 20:46
- طه 20:47
- طه 20:48
- طه 20:49
- طه 20:50
- طه 20:51
- طه 20:52
- طه 20:53
- طه 20:54
- طه 20:55
- طه 20:56
- طه 20:57
- طه 20:58
- طه 20:59
- طه 20:60
- طه 20:61
- طه 20:62
- طه 20:63
- طه 20:64
- طه 20:65
- طه 20:66
- طه 20:67
- طه 20:68
- طه 20:69
- طه 20:70
- طه 20:71
- طه 20:72
- طه 20:73
- طه 20:74
- طه 20:75
- طه 20:76
- طه 20:77
- طه 20:78
- طه 20:79
- طه 20:80
- طه 20:81
- طه 20:82
- طه 20:83
- طه 20:84
- طه 20:85
- طه 20:86
- طه 20:87
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:90
- طه 20:91
- طه 20:92
- طه 20:93
- طه 20:94
- طه 20:95
- طه 20:96
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:99
- طه 20:100
- طه 20:101
- طه 20:102
- طه 20:103
- طه 20:104
- طه 20:105
- طه 20:106
- طه 20:107
- طه 20:108
- طه 20:109
- طه 20:110
- طه 20:111
- طه 20:112
- طه 20:113
- طه 20:114
- طه 20:115
- طه 20:116
- طه 20:117
- طه 20:118
- طه 20:119
- طه 20:120
- طه 20:121
- طه 20:122
- طه 20:123
- طه 20:124
- طه 20:125
- طه 20:126
- طه 20:127
- طه 20:128
- طه 20:129
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:133
- طه 20:134
- طه 20:135
مريم 19:1
واختلف في تفسير قوله تعالى :﴿كهيعص﴾ قال ابن عباس : هو اسم من أسماء اللّه تعالى، وقال قتادة : هو اسم من أسماء القرآن، وقيل : هو اسم اللّه الأعظم، وقيل : هو اسم السورة، وقيل : قسم أقسم اللّه به. وعن الكلبي : هو ثناء أثنى اللّه به على نفسه، وعنه معناه كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم عالم ببريته صادق في وعده.
وعن ابن عباس قال : الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقيل : إنه من المتشابه الذي استأثر اللّه تعالى بعلمه، وقد تقدّم الكلام على ذلك في أوّل سورة البقرة، وقرأ نافع بإمالة الهاء والياء بين بين وأمالهما محضة شعبة والكسائي وأمال الهاء محضة أبو عمرو وابن عامر وحمزة، وللسوسي في الياء خلاف في الإمالة محضة والفتح والباقون، وهم ابن كثير وحفص بفتحهما بلا خلاف ولجميع القراء في العين المدّ والتوسط.
مريم 19:2
وقوله تعالى :﴿ذكر﴾ مبتدأ محذوف الخبر تقديره : مما يتلى عليكم أو خبر محذوف المبتدأ تقديره : المتلو ذكر أو هذا ذكر ﴿رحمت ربك﴾ وقوله تعالى :﴿عبده﴾ مفعول رحمة لأنها مصدر بني على التاء لأنها دالة على الوحدة ورسمت بتاء مجرورة، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ووقف بالتاء على الرسم الباقون وقوله تعالى :﴿زكريا﴾ بيان له.
تنبيه : اعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصص جملة من الأنبياء.
الأولى : هذه القصة وهي قصة زكريا فيحتمل أن المراد من قوله تعالى :﴿رحمة ربك﴾ أنه عني عبده زكريا في كونه رحمة وجهان : أحدهما : أنه يكون رحمة على أمته لأنه هداهم إلى الإيمان والطاعة، والثاني : أن يكون رحمة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن اللّه تعالى لما شرع له صلى الله عليه وسلم طريقته في الإخلاص والابتهال في جميع الأمور إلى اللّه تعالى صار ذلك لطفاً داعياً له ولأمته إلى تلك الطريقة، فكان زكريا رحمة ويحتمل أن يكون المراد أن هذه السورة فيها ذكر الرحمة التي يرحم بها عبده زكريا.
مريم 19:3
﴿إذ نادى ربه نداء﴾ مشتملاً على دعاء ﴿خفياً﴾ أي : سراً جوف الليل ؛ لأنه أسرع إلى الإجابة وإن كان الجهر والإخفاء عند اللّه سيان، وقيل : أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في زمن الشيخوخة، وقيل : أسره من مواليه الذين خافهم، وقيل : خفت صوته لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات وسمعه تارات.
فإن قيل : من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفياً ؟.
أجيب : بوجهين، الأول : أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن صوته كان ضعيفاً لنهاية ضعفه بسبب الكبر فكان نداءً نظراً إلى القصد خفياً نظراً إلى الواقع، الثاني : أنه دعا في الصلاة لأن اللّه تعالى أجابه في الصلاة لقوله تعالى :﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن اللّه يبشرك﴾ [ آل عمران، ٣٩ ] وكون الإجابة في الصلاة يدلّ على كون الدعاء فيها فيكون النداء فيها خفياً.
تنبيه : في ناصب إذ ثلاثة أوجه، أحدها : أنه ذكر ولم يذكر الحوفي غيره، والثاني : رحمة ولم يذكر الجلال المحلى غيره وذكر الوجهين أبو البقاء، والثالث : أنه بدل من زكريا بدل اشتمال لأن الوقت مشتمل عليه.
مريم 19:4
ثم كأنه قيل : ما ذلك النداء ؟ فقيل :﴿قال ربّ﴾. بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب ﴿إني وهن﴾ أي : ضعف جداً ﴿العظم مني﴾ أي : هذا الجنس الذي هو أقوى ما في بدني ولو جمع لأوهم أنه وهن مجموع عظامه لا جميعها وقوله :﴿واشتعل الرأس﴾ أي : مني ﴿شيباً﴾ تمييز محوّل عن الفاعل أي : انتشر الشيب في شعره كما ينتشر شعاع النار في الحطب وإني أريد أن أدعوك ﴿ولم أكن بدعائك﴾ أي : بدعائي إياك ﴿رب شقياً﴾ أي : خائباً فيما مضى فلا تخيبني فيما يأتي وإن كان ما أدعو به في غاية البعد في العادة لكنك فعلت مع أبي إبراهيم مثله فهو دعاء وشكر واستعطاف،
مريم 19:5
ثم عطف على قوله :﴿إني وهن﴾ قوله :﴿وإني خفت الموالي﴾. أي : الذين يلوني في النسب كبني العم أن يسيئوا الخلافة ﴿من ورائي﴾ أي : في بعض الزمان الذي بعدي ﴿وكانت امرأتي عاقراً﴾ لا تلد أصلاً بما دل عليه فعل الكون ﴿فهب لي﴾ أي : فتسبب عن شيخوختي وضعفي وتعويدك لي بالإجابة وخوفي من سوء خلافة أقاربي ويأسي عن الولد عادة بعقم امرأتي وبلوغي من الكبر حدّاً لا حراك بي معه أني أقول لك : يا قادر على كل شيء هب لي ﴿من لدنك﴾ أي : من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندك لم تجرها على مناهج العادات والأسباب المطردات ﴿ولياً﴾ أي : ابناً من صلبي.
مريم 19:6
﴿يرثني﴾ في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوّة والعمل ﴿ويرث﴾ زيادة على ذلك ﴿من آل يعقوب﴾ جزءاً مما خصصتهم به من المنح وفضلتهم به من النعم ومحاسن الأخلاق ومعالي الشيم فإن الأنبياء لا يورثون المال، وقيل : يرثني الحبورة أي : العلم بتحبير الكلام وتحسينه فإنه كان حبراً هو بالفتح والكسر وهو أفصح، يقال : للعالم بتحبير الكلام وتحسينه وهو يعقوب بن إسحاق عليهما السلام.
وقيل : يرثني العلم ويرث من آل يعقوب النبوّة ولفظ الإرث يستعمل في المال وفي العلم والنبوّة، أما في المال فلقوله تعالى :﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم﴾ [ الأحزاب، ٢٧ ]، وأما في النبوة فلقوله تعالى :﴿وأورثنا بني إسرائيل الكتاب﴾ [ غافر، ٥٣ ] الآية، وقال صلى الله عليه وسلم :«العلماء ورثة الأنبياء » ولأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما يورثون العلم وخص اسم يعقوب اقتداء به نفسه إذ قال ليوسف عليه السلام :﴿ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب﴾ [ يوسف، ٦ ] ولأن إسرائيل قد صار علماً على الأسباط كلهم وكانت قد غلبت عليهم الأحداث، وقرأ أبو عمرو والكسائي بجزم الثاء المثلثة فيهما على أنهما جواب الأمر إذ تقديرهما إن تهب يرث والباقون بالضم فيهما على أنهما صفة واعتراض بأن زكريا دعا اللّه تعالى أن يهبه ولداً يرثه مع أن يحيى قتل قبله فلم يجبه إلى أرثه منه وأجيب : بأن إجابة دعاء الأنبياء غالبة لا لازمة فقد يتخلف لقضاء اللّه تعالى بخلافه كما في دعاء إبراهيم عليه السلام في حق أبيه وكما في دعاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله :«وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها »، ولما كان من قضاء اللّه تعالى وقدره أن يوجد يحيى نبياً صالحاً ثم يقتل استجيب دعاء زكريا في إيجاده دون إرثه. ولما ختم دعاءه بقوله :﴿واجعله رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿رضياً﴾ أي : مرضياً عندك، أجابه اللّه تعالى بقوله تعالى :﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام﴾.
مريم 19:7
﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام﴾ يرث كما سألت ﴿اسمه يحيى﴾ وقرأ حمزة بفتح النون وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة والباقون بضم النون وفتح الموحدة وكسر الشين مشددة وكذلك في آخر السورة.
تنبيه : يحيى اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة وقيل : منقول من الفعل المضارع كما سموا بيعمر، وإنما تولى تعالى تسميته تشريفاً له قال تعالى :﴿لم نجعل له من قبل سمياً﴾ أي : مسمى بيحيى، قال قتادة والكلبي : لم يسمّ أحد قبله بيحيى.
تنبيه :﴿سمياً﴾ مأخوذ من السمّو وفيه دلالة لقول البصريين إن الاسم من السمو، ولو كان من الوسم لقيل وسيماً، وقال سعيد بن جبير وعطاء : لم نجعل له شبهاً ومثلاً كما قال تعالى :﴿هل تعلم له سمياً﴾ [مريم: ٦٥] أي : مثلاً والمعنى أنه لم يكن له مثل لأنه لم يعص ولم يهمّ بمعصية قط، وردّ هذا لأن هذا يقتصي تفضيله على الأنبياء قبله كإبراهيم وموسى وليس كذلك، وقيل : لم يكن له ميل إلى أمر النساء لأنه كان سيداً وحصوراً، وعن ابن عباس لم تلد العواقر مثله ولداً،
مريم 19:8
ثم كأنه قيل : فما قال في جواب هذه البشارة العظيمة ؟ فقيل :﴿قال﴾. عالماً بصدقها طالباً لتأكيدها وللتلذذ بترديدها وهل ذلك من امرأته أو من غيرها ؟ وهل إذا كان منها يكونان على حالتهما من الكبر أو غيرها غير طائش ولا عجل ؟ ﴿رب﴾ أيها المحسن إليّ بإجابة الدعاء دائماً ﴿أنّى﴾ أي : من أين وكيف وعلى أي : حال ﴿يكون لي غلام﴾ يولد في غاية القوة والنشاط والكمال في الذكورة ﴿وكانت﴾ أي والحال أنه كانت ﴿امرأتي﴾ إذ كانت شابة ﴿عاقراً﴾ غير قابلة للولد وأنا وهي شابان فلم يأتنا ولد لاختلال أحد السبيلين فكيف بها وقد أيست ؟ قال الجلال المحلي : بلغت ثمان وتسعين سنة ﴿وقد بلغت﴾ أنا ﴿من الكبر عتياً﴾ من عتا يبس أي : نهاية السنّ، قال الجلال المحلي : مائة وعشرين سنة وبما تقرر سقط ما قيل لم تعجب زكريا بقوله :﴿أنى يكون لي غلام﴾ مع أنه هو الذي طلب الغلام، وقرأ حفص وحمزة والكسائي عتياً وصلياً وجثياً بكسر عين الأوّل وصاد الثاني وجيم الثالث وضم الباقون، وأما بكياً فكسر الباء الموحدة حمزة والكسائي وضمها الباقون، وأصل عتي عتو وكسرت التاء تخفيفاً وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة، والثانية ياء لتدغم فيها وإنما استعجب للولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافاً بأن المؤثر فيه كامل القدرة وأن الوسايط عند المحققين ملغاة ولذلك ﴿قال﴾.
مريم 19:9
﴿قال﴾ أي : اللّه تعالى كما قال الأكثرون لأن زكريا إنما كان يخاطب اللّه ويسأله بقوله :﴿رب إني وهن العظم مني﴾ أو الملك المبلغ للبشارة تصديقاً له لقوله تعالى :﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن اللّه يبشرك بيحيى﴾ [ آل عمران، ٣٩ ] وأيضاً فإنه لما قال :﴿وقد بلغت من الكبر عتياً﴾ قال :﴿كذلك﴾ أي : الأمر كذلك فهو خبر مبتدأ محذوف ثم علله بقوله :﴿قال ربك﴾ أي : الذي عوّدك بالإحسان فدل ذلك على أنه كلام الملك، قال ابن عادل : ويمكن أن يجاب بأنه يحتمل أن يحصل النداآن نداء اللّه تعالى ونداء الملك، ثم ذكر مقول القول فقال :﴿هو﴾ أي : خلق يحيى منكما على هذه الحالة ﴿عليّ﴾ أي : خاصة ﴿هين﴾ أي : بأن أردّ عليك قوّة الجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق ﴿وقد خلقتك﴾ أي : قدّرتك وصوّرتك وأوجدتك ﴿من قبل ولم﴾ أي : والحال أنك لم ﴿تك شيئاً﴾ بل كنت معدوماً صرفاً وفيه دليل على أنّ المعدوم ليس بشيء ولإظهار اللّه تعالى هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بما يدل عليها، وقرأ حمزة والكسائي بعد القاف بنون بعدها ألف والباقون بعد القاف بتاء مضمومة.
مريم 19:10
ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به ﴿قال رب اجعل لي﴾ على ذلك ﴿آية﴾ أي : علامة تدلني على وقوعه ﴿قال آيتك﴾ على وقوع ذلك ﴿أن لا تكلم الناس﴾ أي : لا تقدر على كلامهم بخلاف ذكر اللّه تعالى ﴿ثلاث ليال﴾ أي : بأيامها كما في آل عمران ثلاثة أيام حال كونك ﴿سوياً﴾ من غير خرس ولا مرض وجعلت الآية الدالة عليه سكوت ثلاثة أيام ولياليهن من غير ذكر اللّه دلالة على إخلاصه وانقطاعه بكليته إلى اللّه تعالى دون غيره.
مريم 19:11
﴿فخرج﴾ عقب إعلام اللّه تعالى له بهذا ﴿على قومه من المحراب﴾ أي : من المسجد وهم ينتظرونه أن يفتح لهم الباب متغيراً لونه فأنكروه وهو منطلق اللسان بذكر اللّه تعالى منحبسه عن كلام الناس فقالوا : مالك يا نبيّ اللّه ؟ ﴿فأوحى إليهم﴾ أي : أشار بشفتيه من غير نطق، وقال مجاهد : كتب لهم في الأرض ﴿أن سبحوا﴾ أي : أوجدوا التنزيه والتقديس للّه تعالى بالصلاة وغيرها ﴿بكرة وعشياً﴾ أي : أوائل النهار وأواخره على العادة فعلم بمنعه من كلامهم حمل امرأته بيحيى،
مريم 19:12
قال الجلال المحلي : وبعد ولادته بسنين قال اللّه تعالى له :﴿يا يحيى خذ الكتاب﴾.
أي : التوراة ﴿بقوة﴾ أي : جدّ ثم إن اللّه تعالى وصفه بصفات الأولى قوله تعالى :﴿وآتيناه الحكم﴾ قال ابن عباس النبوّة ﴿صبياً﴾ قال الجلال المحلي : تبعاً للبغوي ابن ثلاث سنين أي : أحكم اللّه عقله في صباه واستنبأه وقيل : المراد بالحكم الحكمة وفهم التوراة فقرأ التوراة وهو صغير. قال البغوي : وعن بعض السلف من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبياً.
مريم 19:13
الصفة الثانية قوله تعالى :﴿وحناناً﴾ أي : وآتيناه رحمة وهيبة ووقاراً ورقة قلب ورزقاً وبركة ﴿من لدنّا﴾ أي : من عندنا بلا واسطة تعليم ولا تجربة. الصفة الثالثة قوله تعالى :﴿وزكاة﴾ أي : وآتيناه طهارة في دينه، قال ابن عباس : يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص، وقال قتادة : هي العمل الصالح، وقال الكلبي : يعني صدقة تصدّق اللّه بها على أبويه. الصفة الرابعة قوله تعالى :﴿وكان﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿تقياً﴾ أي : مخلصاً مطيعاً، روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهمّ بها.
مريم 19:14
الصفة الخامسة قوله تعالى :﴿وبراً بوالديه﴾ أي : بارّاً لطيفاً بهما محسناً إليهما لأنه لا عبادة بعد تعظيم اللّه تعالى أعظم من برّ الوالدين يدل عليه قوله تعالى :﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيّاه وبالوالدين إحساناً﴾ [ الإسراء، ٢٣ ]. الصفة السادسة قوله تعالى ﴿ولم يكن جباراً﴾ أي : متكبراً والمراد وصفه بالتواضع ولين الجانب وذلك من صفات المؤمنين قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ [ الحجر، ٨٨ ]، وقال تعالى :﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [ آل عمران، ١٥٩ ] ولأن رأس العبادة معرفة الإنسان نفسه بالذل ومعرفة ربه بالعظمة والكمال ومن عرف نفسه بالذل وعرف ربه بالكمال كيف يليق به التجبر والترفع ولذلك لما تجبر إبليس وتمرد صار مبعداً عن رحمة اللّه تعالى وعن المؤمنين، وقيل : الجبار هو الذي لا يرى لأحد على نفسه حقاً وهو من التعظيم والذهاب بنفسه من أنه لا يلزمه قضاء حق لأحد، وقيل : هو كل من عاقب على غضب نفسه. الصفة السابعة قوله تعالى :﴿عصياً﴾ أي : عاقاً أو عاصي ربه وهو أبلغ من العاصي كما أن العليم أبلغ من العالم.
مريم 19:15
الصفة الثامنة قوله تعالى :﴿وسلام عليه﴾ منا ﴿يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً﴾. فإن قيل : لم خص هذه الأوقات الثلاثة ؟ أجيب : بوجوه :
الأول : قال محمد بن جرير الطبري :﴿وسلام عليه يوم ولد﴾ أي : أمان من اللّه تعالى عليه يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم ﴿ويوم يموت﴾ أي : أمان من اللّه من عذاب القبر، ﴿ويوم يبعث﴾ أي : ومن عذاب اللّه يوم القيامة.
الثاني : قال ابن عيينة أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن ؛ يوم ولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوماً ما شاهدهم قط ويوم يبعث فيرى في محشر عظيم، فأكرم اللّه تعالى يحيى فخصه بالسلام في هذه المواطن.
الثالث : قال عبد اللّه بن نفطوية :﴿وسلام عليه يوم ولد﴾ أي : أوّل ما يرى في الدنيا ﴿ويوم يموت﴾ أي : أول يوم يرى فيه أمر الآخرة، ﴿ويوم يبعث حياً﴾ أي : أول يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة وإنما قال :﴿حياً﴾ تنبيهاً على كونه من الشهداء لأنه قتل، وقد قال تعالى ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [ آل عمران، ١٦٩ ].
فروع : الأول : هذا السلام يمكن أن يكون من اللّه وأن يكون من الملائكة وعلى التقديرين ففيه دلالة على تشريفه لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر اللّه تعالى.
الثاني : ليحيى مزية في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء لقوله تعالى :﴿سلام على نوح﴾ [ الصافات، ٧٩ ]
﴿سلام على إبراهيم﴾ [ الصافات، ١٠٩ ] لأنه تعالى قال :﴿يوم ولد﴾ وليس كذلك سائر الأنبياء.
الثالث : روي أن عيسى عليه السلام قال ليحيى : أنت أفضل مني لأن اللّه تعالى قال :﴿سلام عليه﴾ وأنا سلمت على نفسي، قال الرازي : وهذا ليس بقوي لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام اللّه تعالى على يحيى لأن عيسى معصوم لا يفعل إلا ما أمر اللّه تعالى انتهى ولكن بين السلامين مزية.
تنبيه : هذه القصة قد ذكرت في آل عمران بقوله تعالى :﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً﴾ [ آل عمران، ٣٧ ] إلى أن قال :﴿هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ٣٨ فنادته الملائكة وهو قائم﴾ [ آل عمران، ٣٨، ٣٩ ] لأن زكريا عليه السلام لما رأى خرق العادة في حق مريم طمع في حق نفسه فدعا وقد وقعت المخالفة في ذكر ما هنا وهناك في الألفاظ من وجوه، الأول منها : أن اللّه تعالى صرّح في آل عمران بأن المنادي هو الملائكة بقوله تعالى :﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب﴾ [ آل عمران، ٣٩ ] وفي هذه السورة الأكثر على أن المنادي بقوله :﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى﴾ هو اللّه تعالى وأجيب : بأن اللّه تعالى هو المبشر سواء كان بواسطة أم لا، الثاني : أنه قال تعالى في آل عمران :﴿أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ [ آل عمران، ٤٠ ] فذكر أولاً كبر سنه ثم عقر امرأته، وفي هذه السورة قال :﴿أنّى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً﴾، وأجيب بأن الواو لا تقتضي الترتيب، الثالث : قال في آل عمران ﴿وقد بلغني الكبر﴾، وقال هنا :﴿وقد بلغت من الكبر عتياً﴾ وأجيب بأن ما بلغك فقد بلغته، الرابع : قال في آل عمران :﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ [ آل عمران، ٤١ ]، وقال هنا :﴿ثلاث ليال سوياً﴾ وأجيب : بأن الآيتين دلتا على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهنّ كما مرّ.
القصة الثانية : قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام ولما كانت قصة عيسى عليه السلام أغرب من قصة يحيى لأن خلق الولد من شخصين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من خلق الولد لا من أب البتة وأحسن طرق التعليم والفهم الأخذ من الأقرب فالأقرب مرتقياً إلى الأصعب فالأصعب، أشار إلى ذلك بتغيير السياق فقال عاطفاً على ما تقديره اذكر هذا لهم.
مريم 19:16
﴿واذكر﴾ بلفظ الأمر ﴿في الكتاب﴾ أي : القرآن ﴿مريم﴾ أي : قصتها وهي ابنة عمران خالة يحيى كما في الصحيح من حديث أنس بن مالك بن صعصعة الأنصاري في حديث الإسراء «فلما خلصت فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة » ثم أبدل من مريم بدل اشتمال فقال :﴿إذ﴾ أي : اذكر ما اتفق لها حين ﴿انتبذت﴾ أي : كلفت نفسها أن اعتزلت وانفردت ﴿من أهلها﴾ حالة ﴿مكاناً شرقياً﴾ أي : شرقي بيت المقدس. وقال الرازي : شرقي دارها، وعن ابن عباس إني لأعلم خلق اللّه تعالى لأي شيء اتخذت النصارى الشرق قبلة لقوله تعالى :﴿مكاناً شرقياً﴾ فاتخذت ميلاد عيسى قبلة، واقتصر الجلال المحلي على الشرق من الدار وتردّد البيضاوي بينهما فقال : شرقيّ بيت المقدس أو شرقي دارها انتهى، ويحتمل أن يكون شرقي بيت المقدس هو شرقي دارها فلا مخالفة.
مريم 19:17
﴿فاتخذت﴾ أي : أخذت بقصد وتكلف ودل على قرب المكان بالإتيان بالجارّ فقال :﴿من دونهم﴾ أي : أدنى مكان من مكانهم ﴿حجاباً﴾ أي : أرسلت ستراً تستتر به لغرض صحيح وليس بمذكور، واختلف المفسرون فيه على وجوه :
أحدها : أنها طلبت الخلوة كيلا تشتغل عن العبادة.
ثانيها : أنها عطشت فخرجت إلى المفازة تستقي.
ثالثها : أنها كانت في منزل زوج أختها زكريا وفيه محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها وثوبها فانفجرت لها الشمس فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك كما قال تعالى :﴿فأرسلنا﴾ لأمر يدل على عظمتنا ﴿إليها روحنا﴾ أي : جبريل عليه السلام ليعلمها بما يريد بها من الكرامة بولادة عيسى عليه السلام من غير أب لئلا يشتبه عليها الأمر فتقتل نفسها غماً ﴿فتمثل لها﴾ أي : تشبح بشين معجمة ثم باء موحدة ثم حاء مهملة وهو روحاني بصورة الجسماني ﴿بشراً سوياً﴾ في خلقه حسن الشكل.
رابعها : أنها قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها، وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل بعد لبسها ثيابها متمثلاً بصورة شاب أمرد سوي الخلق تستأنس بكلامه إذ لو أتاها في الصورة الملكية لنفرت منه ولم تقدر على استماع كلامه، قال البيضاوي : ولعله لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها أي : مع أمنها الفتنة لعفتها، قال الرازي : وكل هذه الوجوه محتملة وليس في اللفظ ما يدل على ترجيح واحد منها.
مريم 19:18
ولما رأت مريم جبريل نحوها ﴿قالت إني أعوذ﴾ أي : أعتصم ﴿بالرحمن﴾ ربي الذي رحمته عامة لجميع خلقه ﴿منك﴾ أي : أن تقربني وفتح ياء ﴿إني﴾ نافع وابن كثير وأبو عمرو وسكنها الباقون وهم على مراتبهم في المدّ، ولما تفرست فيه بما أنار اللّه تعالى من بصيرتها وأصفى من سريرتها التقوى قالت ﴿إن كنت تقياً﴾ أي : مؤمناً مطيعاً، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي : إني عائذة منك أو نحو ذلك دل تعوذها من تلك الصورة الحسنة على عفتها وورعها فإن قيل : إنما يستعاذ من الفاجر فكيف قالت :﴿إن كنت تقياً﴾ ؟ أجيب : بأن هذا كقول القائل إن كنت مؤمناً فلا تظلمني أي : ينبغي أن يكون إيمانك مانعاً لك من الظلم كذلك هنا ينبغي أن تكون تقواك مانعة لك من الفجور وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنها لا تؤثر الاستعاذة إلا في التقي وهو كقوله تعالى :﴿وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [ البقرة، ٢٧٨ ] أي : إن شرط الإيمان يوجب هذا لا أن اللّه تعالى يخشى في حال دون حال، وقيل : كان في ذلك الزمان إنسان فاجر يتبع النساء اسمه تقي فظنت مريم أن ذلك الشخص المشاهد هو ذلك فاستعاذت منه، قال الرازي : والأول هو الوجه.
مريم 19:19
ولما علم جبريل عليه السلام خوفها ﴿قال﴾ مجيباً لها بما معناه : إني لست ممن تخشين أن يكون متهماً مؤكداً لأجل استعاذتها ﴿إنما أنا رسول ربك﴾ أي : الذي عذت به فأنا لست متهماً بل متصف بما ذكرت وزيادة الرسالة وعبر باسم الرب المقتضى للإحسان لطفاً بها، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده وقوله :﴿ليهب لك﴾ قرأ ورش وأبو عمرو وقالون بخلاف عنه بالياء أي : ليهب اللّه تعالى لك، وقرأ الباقون بالهمز أي : لأهب أنا لك وفي مجازه وجهان، الأول : أن الهبة لما جرت على يده بأن كان هو الذي ينفخ في جيبها بأمر اللّه تعالى جعل نفسه كأنه هو الذي وهب لها وإضافة الفعل إلى من هو سبب مستعمل، قال اللّه تعالى في الأصنام :﴿رب إنهن أضللن كثيراً من الناس﴾ [ إبراهيم، ٣٦ ]، الثاني : أن جبريل عليه السلام لما بشرها بذلك كانت البشارة الصادقة جارية مجرى الهبة. ثم بيّن الموهوب بقوله :﴿غلاماً﴾ أي : ولداً ذكراً في غاية القوة والرجولية ثم وصفه بقوله :﴿زكياً﴾ أي : نبياً طاهراً من كل ما يدنس البشر نامياً على الخير والبركة.
مريم 19:20
﴿قالت﴾ مريم ﴿أنّى﴾ أي : من أين وكيف ﴿يكون لي غلام﴾ ألده ﴿ولم يمسسني بشر﴾ بنكاح ﴿ولم أك بغياً﴾ أي : زانية فتعجبت مما بشرها به جبريل عليه السلام لأنها قد عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل، والعادة عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور وإن جوزوا خلاف ذلك في القدرة فليس في قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداءً وكيف وقد عرفت أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحدّ ولأنها كانت منفردة للعبادة ومن يكون كذلك لا بدّ أن يعرف قدرة اللّه تعالى على ذلك وبما تقرر سقط ما قيل، قولها :﴿ولم يمسسني بشر﴾ يدخل تحته قولها :﴿ولم أك بغياً﴾ ولهذا اقتصر عليه في سورة آل عمران بقولها :﴿قالت رب أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر﴾ [ آل عمران، ٤٧ ] فلم تذكر البغي، ويجوز أن يقال : إنها أفردت ذكر البغي مع دخوله في الكلام الأول لأنه أعظم ما في بابه فهو نظير قوله تعالى :﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [ البقرة، ٢٣٨ ] وقوله تعالى :﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [ البقرة، ٩٨ ].
مريم 19:21
﴿قال﴾ لها جبريل الأمر ﴿كذلك﴾ من خلق غلام منك بغير أب. ولما كان لسان الحال قائلاً كيف يكون بغير سبب أجاب جبريل بقوله :﴿قال ربك هو﴾ أي : المذكور وهو إيجاد الولد على هذه الهيئة ﴿عليّ﴾ وحدي لا يقدر عليه غيري ﴿هيّن﴾ أي : بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به ولكون ما ذكر في معنى العلة عطف عليه ﴿ولنجعله﴾ بما لنا من العظمة ﴿آية للناس﴾ أي : علامة على كمال قدرتنا على البعث أدل من الآية في يحيى عليه السلام وبه تمام القسمة الرباعية في خلق البشر فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر وحواء من ذكر بلا أثنى وآدم عليه السلام لا من ذكر ولا أنثى وبقية أولاده من ذكر وأنثى معاً ﴿ورحمة منا﴾ على العباد يهتدون به ﴿وكان﴾ ذلك كله ﴿أمراً مقضياً﴾ به في علمي.
مريم 19:22
وقوله تعالى :﴿فحملته﴾ فيه حذف تقديره فنفخنا فيها فحملته دل على ذلك قوله تعالى في سورة التحريم :﴿ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا﴾ [ التحريم، ١٢ ]، واختلف في النافخ فقال بعضهم : كان النفخ من اللّه تعالى لهذه الآية ولأنه تعالى قال :﴿إن مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم﴾ [ آل عمران، ٥٩ ] ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل، وفي حق آدم النافخ هو اللّه تعالى قال تعالى :﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [ الحجر، ٢٩ ] فكذا هاهنا، وقال بعضهم : النافخ جبريل لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام :﴿لأهب لك﴾ على أحد القراءتين أنه النافخ، واختلف في كيفية نفخه فقيل : إن جبريل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبها فحملت حين لبسته، وقيل : مدّ إلى جيب درعها أصابعه ونفخ في الجيب، وقيل : نفخ في كمّ قميصها، وقيل : في فيها، وقيل : نفخ جبريل نفخاً من بعيد فوصل النفخ إليها فحملت بعيسى في الحال، وقيل : نفخ في ذيلها فدخلت النفخة في صدرها فحملت فجاءت أختها امرأة زكريا تزورها فلما التزمتها عرفت أنها حبلى وذكرت مريم حالها فقالت امرأة زكريا : إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى :﴿مصدقاً بكلمة من اللّه﴾ [ آل عمران، ٣٩ ] وقيل : حملت وهي بنت ثلاث عشرة سنة، وقيل : بنت عشرين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل، قال الرازي : وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأقوال المذكورة. ثم عقب بالحمل قوله :﴿فانتبذت به﴾ أي : فاعتزلت به وهو في بطنها حالة ﴿مكاناً قصياً﴾ أي : بعيداً من أهلها أو من المكان الشرقي.
مريم 19:23
وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله :﴿فأجاءها﴾ أي : فأتى بها وألجأها ﴿المخاض﴾ وهو تحرك الولد في بطنها للولادة ﴿إلى جذع النخلة﴾ وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان وكأنّ تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها فكانت كالعلم لما فيها من العجب لأن النخل من أقل الأشجار صبراً على البرد ولعلها ألجئت إليها دون غيرها من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة لها لأنها لا تحمل إلا باللقاح من ذكر النخل فحملها بمجرّد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير والد فكيف إذا كان ذلك في غير وقته، وكانت يابسة مع مالها فيها من المنافع بالاستناد إليها والاعتماد عليها وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها وغير ذلك والخرسة بخاء معجمة مضمومة طعام النفساء وهو مراد الجوهري بقوله : طعام الولادة.
قال ابن عباس : الحمل والولادة في ساعة واحدة، وقيل : ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وقيل : كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر النساء، وقيل : كانت مدة حملها ثمانية أشهر وذلك آية أخرى له لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر وولد عيسى لهذه المدّة وعاش، وقيل : ولد لستة أشهر. ولما كان ذلك أمراً صعباً عليها جداً كان كأنه قيل : يا ليت شعري ما كان حالها ؟ فقيل :﴿قالت﴾ لما حصل عندها من خوف العار ﴿يا ليتني مت﴾ وأشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جارّ ﴿قبل هذا﴾ أي : الأمر العظيم، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي مت بكسر الميم والباقون بالضم ﴿وكنت نسياً﴾ أي : شيئاً من شأنه أن يطرح وينسى ﴿منسياً﴾ أي : متروكاً بالفعل لا يخطر على بالٍ.
فإن قيل : لم قالت ذلك مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام إليها ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين ؟.
أجيب عن ذلك بأجوبة : الأول : أنها تمنت ذلك استحياء من الناس فأنساها الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى. الثاني : أنّ عادة الصالحين إذا وقعوا في بلاء أن يقولوا ذلك كما روي عن أبي بكر رضي اللّه عنه أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال : طوبى لك يا طائر تقع على الشجر وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ينقرها الطائر، وعن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تبنة من الأرض فقال : يا ليتني هذه التبنة ولم أكن شيئاً، وعن علي رضي اللّه عنه يوم الجمل : ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وعن بلال : ليت بلالاً لم تلده أمه فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. الثالث : لعلها قالت ذلك لئلا يقع في المعصية من يتكلم فيها وإلا فهي راضية بما بشرت به، وقرأ حفص وحمزة نسياً بفتح النون والباقون بالكسر.
مريم 19:24
وقوله تعالى :﴿فناداها من تحتها﴾ قرأه نافع وحفص وحمزة بكسر ﴿من﴾ وجر التاء من تحتها والباقون بفتح ﴿من﴾ ونصب تحتها وأمال ألف ناداها حمزة والكسائى إمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح، وفي المنادي أوجه :
أحدها : أنه عيسى وهو قول الحسن وسعيد بن جبير.
ثانيها : أنه جبريل عليه السلام وأنه كالقابلة للولد.
ثالثها : أن المنادي على القراءة بالفتح هو عيسى وعلى القراءة بالكسر هو جبريل وهو مروي عن ابن عيينة وعاصم، قال الرازي : والأول أقرب وصدر به البيضاوي واقتصر الجلال المحلي على الثاني، والمعنى على الأول أن اللّه تعالى أنطقه لها حين ولدته تطييباً لقلبها وإزالة للوحشة عنها حتى تشاهد في أول الأمر ما بشرها به جبريل من علو شأن ذلك الولد، وعلى الثاني أن اللّه تعالى أرسله إليها ليناديها بهذه الكلمات كما أرسل إليها في أوّل الأمر تذكيراً للبشارات المتقدمة والضمير في تحتها للسيدة مريم وعلى تقدير أن يكون المنادي هو عيسى فهو ظاهر، وإن كان جبريل فقيل : إنه كان تحتها يقبل الولد كالقابلة، وقيل : تحتها أسفل من مكانها، وقيل : الضمير فيه للنخلة أي : ناداها من تحتها ﴿أن لا تحزني﴾ يجوز في ﴿أن﴾ أن تكون مفسرة لتقدمها ما هو بمعنى القول ولا على هذا ناهية وحذف النون للجزم وأن تكون الناصبة و﴿لا﴾ حينئذٍ نافية وحذف النون للنصب ومحل ﴿أن﴾ إما نصب أو جرّ لأنها على حذف حرف الجر أي : فناداها بكذا ﴿قد جعل ربك﴾ أي : المحسن إليك ﴿تحتك﴾ في هذه الأرض التي لا ماء جار فيها ﴿سرياً﴾ أي : جدولاً من الماء تطيب به نفسك، قال الرازي : اتفق المفسرون إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن السري : هو النهر والجدول سمي بذلك لأن الماء يسري فيه، وأما الحسن وابن زيد فإنهما جعلا السري هو عيسى والسري هو النبيل الجليل يقال : فلان من سروات قومه أي : أشرافهم، واحتج من قال : هو النهر بأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السري فقال :«هو الجدول » وبقوله تعالى :﴿فكلي واشربي﴾ فدل على أنه النهر حتى يضاف الماء إلى الرطب فتأكل وتشرب، واحتج من قال : إنه عيسى بأن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يجوز أن يجاب عنه بأن المراد أنه جعل النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كقول فرعون :﴿وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾ [ الزخرف، ٥١ ] لأن هذا حمل للفظ على مجازه ولو حملناه على عيسى لم يحتج إلى هذا المجاز وأيضاً فإنه موافق لقوله :﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ [ المؤمنون، ٥٠ ] وأجيب : بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق وكل من كان أبعد منه كان تحت.
تنبيه : إذا قيل بأن السري هو النهر ففيه وجهان ؛ الأول : قال ابن عباس : إن جبريل ضرب برجله الأرض، وقيل : عيسى فظهر عين ماء عذب وجرى، وقيل : كان هناك ماء جار، قال ابن عادل : والأول أقرب لأن قوله :﴿قد جعل ربك تحتك سرياً﴾ يدل على الحدوث في ذلك الوقت ولأن اللّه تعالى ذكره تعظيماً لشأنها، وقيل : كان هناك نهر يابس أجرى اللّه فيه الماء وحييت النخلة اليابسة وأورقت وأثمرت وأرطبت، قال أبو عبيدة والفراء : السري هو النهر مطلقاً، وقال الأخفش : هو النهر الصغير.
مريم 19:25
﴿وهزي إليك﴾ أي : أوقعي الهز وهو جذب بتحريك ﴿بجذع النخلة﴾ أي : التي أنت تحتها مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها ﴿تساقط عليك﴾ من أعلاها ﴿رطباً جنياً﴾ طرياً آية أخرى عظيمة روي أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر، وكان الوقت شتاء فهزتها فجعل اللّه تعالى لها رأساً وخوصاً ورطباً، وقرأ حمزة بفتح التاء والسين مخففة وفتح القاف وحفص بضم التاء وفتح السين مخففة وكسر القاف والباقون بفتح التاء وتشديد السين مفتوحة وفتح القاف.
تنبيه : الباء في ﴿بجذع﴾ زائدة والمعنى هزّي إليك جذع النخلة كما في قوله تعالى :﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ [ البقرة، ١٩٥ ] قال الفراء : تقول العرب : هزه وهزيه وخذ الخطام وخذ بالخطام وزوجتك فلانة وبفلانة، وقال الأخفش : يجوز أن يكون على معنى هزي إليك رطباً بجذع النخلة أي : على جذعها و﴿رطباً﴾ تمييز و﴿جنياً﴾ صفته والرطب اسم جنس بخلاف تخم فإنه جمع لتخمة والفرق : أنهم التزموا تذكيره فقالوا : هو الرطب وتأنيث ذلك فقالوا : هي التخم فذكروا الرطب باعتبار الجنس وأنثوا التخم باعتبار الجمعية، قال ابن عادل : وهو فرق لطيف والرطب ما قطع قبل يبسه وجفافه وخص الرطب بالذكر قال الربيع بن خيثم : ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل وهذه الأفعال الخارقة للعادة كرامات لمريم أو إرهاص لعيسى، وفي ذلك تنبيه على أنّ من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل وتطييب لنفسها فلذلك قال :﴿فكلي﴾.
مريم 19:26
﴿فكلي﴾ أي : من الرطب ﴿واشربي﴾ من السري أو كلي من الرطب واشربي من عصيره، ﴿وقرّي عيناً﴾ أي : وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنها، وقدّم الأكل على الشرب لأن حاجة النفساء إلى الرطب أشدّ من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال منها من الدم.
فإن قيل : إن مضرة الخوف أشدّ من مضرة الجوع والعطش لأن الخوف ألم الروح والجوع ألم البدن وألم الروح أقوى من ألم البدن، روي أنه أجيعت شاة فقدّم إليها علف وعندها ذئب فبقيت الشاة مدّة مديدة لا تتناول العلف مع جوعها خوفاً من الذئب، ثم كسر رجلها وقدم إليها العلف فتناولت العلف مع ألم البدن فدل ذلك على أن ألم الخوف أشدّ من ألم البدن، وإذا كان كذلك فلم قدّم ضرر الجوع والعطش على دفع ضرر الخوف ؟
أجيب : بأنّ هذا الخوف كان قليلاً لأنّ بشارة جبريل عليه السلام كانت قد تقدّمت فما كانت تحتاج إلا إلى التذكير مرة أخرى، وقيل : قرّي عيناً بولدك عيسى وقيل : بالنوم فإنّ المهموم لا ينام، وقوله :﴿فإمّا﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة ﴿ترينّ﴾ حذفت منه لام الفعل وعينه وألقيت حركتها على الراء وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين، ﴿من البشر أحداً﴾ ينكر عليك ﴿فقولي﴾ يا مريم لذلك المنكر جواباً له مع التأكيد تنبيهاً على البراءة لأن البريء يكون ساكناً لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه وحلفه، ﴿إني نذرت للرحمن﴾ أي : الذي عمت رحمته ﴿صوماً﴾ أي : إمساكاً عن الكلام في شأنه وغيره مع الإناسي بدليل ﴿فلن أكلم اليوم إنسياً﴾ فإنّ كلامي يقبل الردّ والمجادلة، ولكن يتكلم عني المولود الذي كلامه لا يقبل الدفع وأمّا أنا فأنزه نفسي عن مجادلة السفهاء، قالوا : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافهاً فلا أكلم إلا الملائكة أو الخالق بالتسبيح والتقديس وسائر أنواع الذكر.
وقيل : صياماً لأنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم فعلى هذا كان ذكر الصوم دالاً على الصمت وهذا النوع من النذر كان جائزاً في شرعهم، وهل يجوز مثل هذا النذر في شرعنا ؟ قال القفال : لعله يجوز لأنّ الاحتراز عن كلام الآدميين وتجريد الفكر بذكر اللّه تعالى قربة ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق وتعذيب النفس كنذر القيام في الشمس، وروي أنه دخل أبو بكر رضي اللّه عنه على امرأة قد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر : إنّ الإسلام قد هدم هذا فتكلمي.
تنبيه : اختلفوا في أنها هل قالت لهم :﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ ؟ فقال قوم : إنها ما تكلمت معهم بذلك لأنها كانت مأمورة بأنها تأتي بهذا النذر فلو تكلمت معهم بعد ذلك لوقعت في المناقضة ولكنها سكتت وأشارت برأسها وقال آخرون : إنها ما نذرت في الحال بل صبرت حتى أتاها القوم فذكرت لهم أنها نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا بعد هذا الكلام.
مريم 19:27
﴿فأتت﴾ أي : فلما سمعت هذا الكلام اشتدّ قلبها وزال حزنها فأتت ﴿به﴾ أي : عيسى ﴿قومها﴾ وإن كان فيهم قوّة المحاولة لكل ما يريدون إتيانه البريء الموقن بأنّ الله معه حالة كونها ﴿تحمله﴾ غير مبالية بأحد ولا مستحيية واختلفوا في أنها كيف أتت به ؟ فقيل : ولدته ثم حملته في الحال إلى قومها، وقيل : احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار ومكثت فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها ثم حملته إلى قومها فكلمها في الطريق فقال يا أمّاه أبشري فإني عبد الله ومسيحه فلما دخلت على أهلها ومعها الصبيّ بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين قال الرازي وليس في القرآن ما يدل على التعيين ثم كأنه قيل فلما أتت به قومها ماذا قالوا لها فقيل :﴿قالوا يا مريم﴾ ما هذا الولد ؟ لأنّ حالها في إتيانها به أمر عجيب ﴿لقد جئت شيئاً فرياً﴾ أي : عظيماً منكراً فيكون ذلك منهم على وجه الذمّ فهو من أفرى الجلد يقال أفريت الأديم إذا قطعته على جهة الإفساد لا من فريته يقال فريته قطعته على جهة الإصلاح ويدل على أنّ مرادهم الأوّل قولهم بعده.
مريم 19:28
﴿يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء﴾ أي : زانياً ﴿وما كانت أمّك بغياً﴾ أي : زانية فمن أين لك هذا الولد لأنّ هذا القول ظاهره التوبيخ وفي هارون هذا أربعة أقوال :
أحدها : أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح والمراد أنك كنت في الزهد كهارون فكيف صرت هكذا ؟ وروي أنّ هارون هذا لما مات تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل تبركاً باسمه، سوى سائر الناس شبهوها به على معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح وليس المراد منه الأخوّة في النسب كقوله تعالى :﴿إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ [ الإسراء، ٢٧ ] وروى المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألوني فقالوا : إنكم تقرؤون ﴿يا أخت هارون﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال :«إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم » قال ابن كثير : وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسباً فإنّ بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على من عنده أدنى علم وكأنه غرّه في أوّل التوراة أنّ مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله تعالى موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه وجنوده فاعتقد أنّ هذه هي تلك وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح المتقدّم.
الثاني : أنه هارون أخو موسى لأنها كانت من نسله كما يقال التميمي يا أخا تميم وللهمداني يا أخا همدان أي : يا واحداً منهم.
الثالث : أنه كان فاسقاً في بني إسرائيل فنسبت إليه أي : شبهوها به.
الرابع : أنه كان لها أخ من أبيها يسمى هارون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت به قال الرازي وهذا هو الأقرب لوجهين ؛ الأول : أنّ الأصل في الكلام الحقيقة فيحمل الكلام على أخيها المسمى بهارون الثاني : أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح فحينئذٍ يصير التوبيخ أشدّ لأن من كان حال أبويه وأخيه بهذا الحال يكون صدور الذنب منه أفحش.
مريم 19:29
﴿فأشارت إليه﴾ أي : لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إلى عيسى عليه السلام أنه هو الذي يجيبكم قال ابن مسعود لما لم يكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا وقالوا سخريتها بنا أشدّ من زناها ثم ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾ لم يبلغ سنّ هذا الكلام الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء والتعبير بكان يدل على أنه عند الإشارة إليه لم يحوجهم إلا أن يكلموه بل حين سمع المحاورة ورأى الإشارة بدا منه قول خارق لعادة الرضعاء بل الصبيان روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابة يمينه وقيل : كلمهم ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.
تنبيه : في كان هذه أقوال أحدها : إنها زائدة وهو قول أبي عبيد أي : كيف نكلم من في المهد وصبياً على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع صلة.
ثانيها : أنها تامّة بمعنى حدث ووجد والتقدير كيف نكلم من وجد صبياً ؟ وصبياً حال من الضمير في كان قال الرازي وهذا هو الأقرب.
الثالث : أنها بمعنى صار أي : كيف نكلم من صار في المهد صبياً وصبياً على هذا خبرها، فإن قيل : كيف عرفت مريم من حال عيسى أنه يتكلم ؟ أجيب : بأنّ جبريل أو عيسى عليه السلام لما ناداها من تحتها أن لا تحزني وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت صار ذلك كالتنبيه لها على أنّ المجيب هو عيسى عليه السلام أو لعلها عرفت ذلك بالوحي إلى زكريا أو إليها على سبيل الكرامة واختلفوا في المهد فقيل : هو حجرها لما روي أنها أخذته عليه السلام في خرقة فأتت به قومها فلما رأوها قالوا لها ما قالوا فأشارت إليه وهو في حجرها ولم يكن لها منزل بعد حتى يعد لها المهد وقيل : هو المهد بعينه والمعنى كيف نكلم صبياً سبيله أن ينام في المهد وقال وهب : أتى زكريا مريم عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى : انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فوصف نفسه بثمان صفات الصفة الأولى :﴿قال إني عبد الله﴾.
مريم 19:30
﴿قال إني عبد الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لا أتعبد لغيره وفي ذلك إشارة إلى أنّ عبد الله لا يتخذ إلهاً من دونه ولا يستعبده شيطان ولا هوى.
الصفة الثانية : قوله تعالى ﴿آتاني الكتاب﴾ واختلف في ذلك الكتاب فقال بعضهم هو التوراة لأنّ الألف واللام في الكتاب تنصرف للمعهود والكتاب المعهود لهم هو التوراة وقال أبو مسلم هو الإنجيل لأنّ الألف واللام هاهنا للجنس وقال قوم التوراة والإنجيل لأنّ الألف واللام تفيد الاستغراق واقتصر البيضاوي على الأوّل والبقاعي على الثالث وزاد عليه والزبور وغيرها من الصحف.
الصفة الثالثة : قوله ﴿وجعلني نبيا﴾ واختلف في معنى ذلك فقيل معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبياً وأتى بلفظ الماضي بجعل المحقق وقوعه كالواقع كما في قوله تعالى :﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [ النحل، ١ ] وقيل : هو إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم متى كنت نبياً قال :" كنت وآدم بين الروح والجسد " وقال الأكثرون أوتي الإنجيل وهو صغير طفل وكان يعقل عقل الرجال وقال الحسن أُلهم التوراة وهو في بطن أمه.
مريم 19:31
الصفة الرابعة قوله :﴿وجعلني مباركاً﴾ بأنواع البركات ﴿أينما﴾ أي في أي مكان ﴿كنت﴾ وذكروا في تفسير المبارك وجوها :
أحدها : أنّ البركة في اللغة هي الثبات وأصله من بروك البعير ومعناه وجعلني ثابتاً على دين الله تعالى مستمرّاً عليه.
ثانيها : إنما كان مباركاً لأنه كان يعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى طريق الحق فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبله، روى الحسن عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :" سلمت أم عيسى عيسى إلى الكتاب فقالت للمعلم أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له المعلم اكتب فقال : أيّ شيء أكتب ؟ فقال : اكتب أبجد، فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال هل تدري ما أبجد ؟ فعلاه بالدرّة ليضربه فقال : يا مؤّدب لا تضربني إن كنت لا تدري فاسألني فإنني أعلمك ؛ الألف من آلاء الله والباء من بهائه والجيم من جماله والدال من أداء الحق إلى الله تعالى ".
ثالثها : البركة الزيادة والعلوّ فكأنه قال : جعلني في جميع الأحوال منجحاً مفلحاً لأني ما دمت أتقي الله في الدنيا أكون مستعلياً على الغير بالحجة فإذا جاء الوقت المعلوم أكرمني الله تعالى بالرفع إلى السماء.
رابعها : مباركاً على الناس من حيث يحصل بسبب دعائه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وعن قتادة أنّ امرأة رأته وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص فقالت طوبى لبطن حملك وثدي أرضعت به فقال عيسى مجيباً لها : طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يكن جباراً شقياً.
تنبيه : قوله :﴿أينما كنت﴾ يدل على أنّ حاله لم يتغير كما قيل أنه عاد إلى حال الصغر وزوال التكليف.
الصفة الخامسة قوله :﴿وأوصاني بالصلاة﴾ له طهرة للنفس ﴿والزكاة﴾ طهرة للمال فعلاً في نفسي وأمراً لغيري ﴿ما دمت حيا﴾ ليكون ذلك حجة على من ادّعى أنه إله لأنه لا شبهة في أنّ من يصلي إلى إله ليس بإلاه.
فإن قيل : كيف يؤمر بالصلاة والزكاة مع أنه كان طفلاً والقلم مرفوع عن الصغير لقوله صلى الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاث » الحديث. أجيب بوجهين : الأوّل : أنّ ذلك لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد البلوغ فيكون المعنى أوصاني بأدائهما في وقت وجوبهما عليّ وهو وقت البلوغ، الثاني : أنّ عيسى لما انفصل صيره الله بالغاً عاقلاً تامّ الخلقة ويدل عليه قوله تعالى :﴿إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ [ آل عمران، ٥٩ ] فكما أنه تعالى خلقه آدم تاماً كاملاً دفعة فكذا القول في عيس عليه السلام، قال الرازي : وهذا أقرب إلى ظاهر اللفظ لقوله :﴿ما دمت حياً﴾ فهذا يفيد أن هذا التكليف متوجه عليه جميع زمان حياته.
فإن قيل : لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه رأوا شخصاً كامل الأعضاء تام الخلقة وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجباً فكان ينبغي أن لا يتعجبوا.
أجيب : بأنه تعالى جعله مع صغر جثته قويّ التركيب كامل العقل بحيث كان يمكنه أداء الصلاة والزكاة والآية دالة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل.
مريم 19:32
الصفة السادسة قوله :﴿وبرّا﴾ أي : وجعلني بارا ولما كان السياق لبراءة والدته قال :﴿بوالدتي﴾ أي : التي أكرمها الله تعالى بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر وفي ذلك إشارة إلى تنزيه أمّه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأموراً بتعظيمها.
الصفة السابعة : قوله :﴿ولم يجعلني جباراً﴾ متعاظماً ﴿شقياً﴾ أي : عاصياً بأن أفعل فعل الجبارين بغير استحقاق إنما أفعل ذلك بمن يستحق وروي عن عيسى عليه السلام أنه قال قلبي لين وإني ضعيف في نفسي وعن بعض العلماء لا أجد العاق إلا جباراً شقياً ولا أجد سيء الملكة إلا مختالاً فخوراً وتلا ﴿وما ملكت أيمانكم أنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً﴾ [النساء: ٣٦].
مريم 19:33
الصفة الثامنة : قوله :﴿والسلام﴾ من الله ﴿عليّ﴾ فلا يقدر أحد على ضرّى ﴿يوم ولدت﴾ فلا يضرني شيطان ﴿ويوم أموت﴾ فلا يضرني أيضاً ومن يولد ويموت فليس بإلاه ﴿ويوم أبعث حياً﴾ يوم القيامة كما تقدم في يحيى عليه السلام وفي ذلك إشارة إلى أنه في البشرية مثله سواء لم يفارقه أصلاً إلا في كونه من غير ذكر وإذا كان جنس السلام عليه كان اتباعه كذلك ولم يبق لأعدائه إلا اللعن، ونظيره قول موسى عليه السلام ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ [ طه، ٤٧ ] بمعنى أنّ العذاب على من كذب وتولى.
مريم 19:34
﴿ذلك﴾ أي : الذي تقدّم نعته بقوله :﴿إني عبد الله﴾ إلى آخره هو ﴿عيسى بن مريم﴾ لا ما يصفه النصارى بقولهم أنه الله أو ابنه أو إله ثالث فهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعل الموصوف بأضداد ما يصفونه وفي ذلك تنصيص على أنه ابن هذه المرأة وقوله تعالى :﴿قول الحق﴾ قرأ عاصم وابن عامر بنصب اللام على أنه مصدر مؤكد والباقون بالرفع على أنه خبر محذوف أي : هو قول الحق الذي لا ريب فيه والإضافة للبيان والضمير للكلام السابق أو لتمام القصة ثم عجب تعالى من ضلالهم فيه بقوله تعالى ﴿الذي فيه يمترون﴾ أي : يشكون شكاً يتكلفونه ويجادلون فيه فتقول اليهود ساحر وتقول النصارى ابن الله مع أنّ أمه امرأة في غاية الوضوح ليس موضعاً للشك أصلاً.
مريم 19:35
ثم دل على كونه حقاً في كونه ابناً لأمّه مريم لا غيرها بقوله رداً على من ضلّ :﴿ما كان﴾ أي : ما صح ولا يتأتى ولا يتصوّر في العقول ولا يصح ولا يأتي لأنه من المحال لكونه يلزم منه الحاجة ﴿لله﴾ الغني عن كل شيء ﴿أن يتخذ من ولد﴾ وأكده بمن لأنّ المقام يقتضي النفي العام، ولما كان اتخاذ الولد من النقائص أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله تعالى :﴿سبحانه﴾ أي : تنزه عن كل نقص أي : من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله عز وجل ﴿إذا قضى أمراً﴾ أي : أيّ أمر كان أي : أراد أن يحدثه ﴿فإنما يقول له كن﴾ أي : يريده ويعلق قدرته به وقوله تعالى :﴿فيكون﴾ قرأه ابن عامر بنصب النون بتقدير أن أو على الجواب والباقون بالرفع بتقدير هو.
مريم 19:36
وقوله :﴿وإنّ الله ربي وربكم﴾ إخبار عن عيسى عليه السلام أنه قال ذلك وقرأ ابن عامر والكوفيون بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون بفتحها بتقدير حذف حرف الجرّ متعلق بما بعده والتقدير ولأنّ الله ربي وربكم ﴿فاعبدوه﴾ وحده لتفرده بالإحسان كما أعبده كقوله تعالى :﴿وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً﴾ [ الجن، ١٨ ]، والمعنى لوحدانيته أطيعوه وقيل : إنه عطف على الصلاة والتقدير وأوصاني بالصلاة وبأنّ الله وإليه ذهب الفراء ﴿هذا﴾ أي : الذي أمرتكم به ﴿صراط﴾ أي : طريق ﴿مستقيم﴾ أي : يقود إلى الجنة وقرأ قنبل بالسين وخلف بإشمام الصاد والباقون بالصاد الخالصة.
مريم 19:37
واختلف في قوله تعالى :﴿فاختلف الأحزاب من بينهم﴾ فقيل هم النصارى واختلافهم في عيسى أهو ابن الله أو إله معه أو ثالث ثلاثة وسموا أحزاباً لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى النسطورية والملكانية واليعقوبية، وقيل : هم اليهود والنصارى فجعله بعضهم ولداً وبعضهم كذاباً، وقيل : هم الكفار الشامل لليهود والنصارى وغيرهم من الذين كانوا في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ابن عادل : وهذا هو الظاهر لأنه لا تخصيص فيه ويؤيده قوله تعالى :﴿فويل للذين كفروا﴾ أي : شدّة عذاب لهم ﴿من مشهد يوم عظيم﴾ أي : حضور يوم القيامة وأهواله.
مريم 19:38
وقوله تعالى :﴿أسمع بهم وأبصر﴾ أي : بهم، صيغتا تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم ﴿يوم يأتوننا﴾ في الآخرة لأنّ حالهم في شدّة السمع والبصر جديرة بأن يتعجب منها فيندمون حيث لا ينفعهم الندم ويتمنون المحال من الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا فلا يجابون إلى ذلك بل يسلك بهم في كل ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم وقوله تعالى :﴿لكن الظالمون﴾ من إقامة الظاهر مقام المضمر إشعاراً بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر والأصل ولكنهم ﴿اليوم﴾ أي : في الدنيا ﴿في ضلال مبين﴾ أي : بين بذلك الضلال صموا عن سماع الحق وعموا عن إبصاره أي : اعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا في الدنيا صماً وعمياً، وقيل : معناه التهديد بما سيسمعونه وسيبصرون ما يسوءهم ويصدع قلوبهم.
مريم 19:39
ثم إنّ الله تعالى أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه بقوله :﴿وأنذرهم﴾ أي : خوّفهم ﴿يوم الحسرة﴾ هو يوم القيامة يتحسر فيه المسيء على ترك الإحسان والمحسن على عدم الازدياد من الإحسان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما من أحد يموت إلا ندم " قالوا : وما ندمه يا رسول الله ؟ قال :" إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع » وفي قوله تعالى :﴿إذ قضى الأمر﴾ وجوه :
أحدها : إذ قضى الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب.
ثانيها : إذ قضى الأمر يوم الحسرة بفناء الدنيا وزوال التكليف.
ثالثها : قضى الأمر فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وذبح الموت كما روى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى :﴿إذ قضي الأمر﴾ فقال :«حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم » وقوله تعالى :﴿وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ جملتان حاليتان وفيهما قولان ؛ أحدهما : أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله :﴿في ضلال مبين﴾ أي : استقرّوا في ضلال مبين على هاتين الحالتين السيئتين، والثاني : أنهما حالان من مفعول ﴿أنذرهم﴾ أي : أنذرهم على هذه الحالة وما بعدها وعلى الأوّل يكون قوله :﴿وأنذرهم﴾ اعتراضاً والمعنى وهم في غفلة عما يفعل بهم في الآخرة وهم لا يصدّقون بذلك اليوم ولما كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله وكان سبحانه وتعالى قد قضى بموت الخلائق أجمعين وأنه تعالى يبقى وحده عبّر عن ذلك بالإرث مقرّراً به مضمون الكلام السابق فقال مؤكداً تكذيباً لقولهم : إنّ الدهر لا يزال هكذا حياة لناس وموت لآخرين.
مريم 19:40
﴿إنّا نحن﴾ بعظمتنا التي اقتضت ذلك ﴿نرث الأرض﴾ فلا ندع بها شيئاً من عاقل ولا غيره ولما كان العاقل أقوى من غيره صرح به بعد دخوله فقال ﴿ومن عليها﴾ أي : من العقلاء بأن نسلبهم جميع ما في أيديهم ﴿وإلينا﴾ لا إلى غيرنا ﴿يرجعون﴾ فنجازيهم بأعمالهم.
مريم 19:41
القصة الثالثة : قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿واذكر في الكتاب إبراهيم﴾ أي : خبره وقرأ هشام إبراهام بألف بعد الهاء والباقون بالياء وإنما أمر الله تعالى نبيه بالذكر لذلك ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان هو ولا قومه ولا أهل بلده مشتغلين بالتعليم ومطالعة الكتب فإذا أخبر عن هذه القصة كما كانت من غير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخباراً عن الغيب ومعجزاً باهراً دالاً على نبوّته، وإنما ذكر الاعتبار بقصة إبراهيم عليه السلام لوجوه :
الأوّل : أنّ منكري التوحيد والذين أثبتوا توحيداً ومعبوداً سوى الله تعالى فريقان منهم من أثبت معبوداً غير الله تعالى حياً عاقلاً وهم النصارى، ومنهم من أثبت معبوداً غير الله تعالى جماداً ليس بحيّ ولا عاقل وهم عبدة الأوثان والفريقان وإن اشتركا في الضلال، إلا أنّ ضلال عبدة الأوثان أعظم فلما بين الله تعالى ضلال الفريق الأوّل تكلم في ضلال الفريق الثاني وهم عبدة الأوثان.
الثاني : أنّ إبراهيم عليه السلام كان أبا العرب وكانوا مقرّين بعلوّ شأنه وطهارة دينه على ما قال تعالى أبيكم إبراهيم، وقال تعالى :﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [ البقرة، ١٣٠ ] فكأنه تعالى قال للعرب : إن كنتم مقلدين لأبيكم على قولكم :﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ [ الزخرف، ٢٢ ] فأشرف آبائكم وأعلاهم قدراً هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة الأصنام والأوثان، وإن كنتم مستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم إمّا تقليداً وإمّا استدلالاً.
الثالث : أنّ كثيراً من الكفار في زمان النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون نترك دين آبائنا وأجدادنا فذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام وهو أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل ورجح متابعة الدليل على متابعة أبيه ثم قال تعالى في صفة إبراهيم ﴿إنه كان﴾ جبلةً وطبعاً ﴿صدّيقاً﴾ أي : بليغ الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله أي : كان من أوّل وجوده إلى انتهائه موصوفاً بالصدق والصيانة وسيأتي الكلام على قوله :﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ [ الأنبياء، ٦٣ ] و﴿إني سقيم﴾ [ الصافات، ٨٩ ] في محله.
مريم 19:42
ولما كانت مرتبة النبوّة أرفع من مرتبة الصدّيقية قال تعالى :﴿نبيا﴾ أي : استنبأه الله تعالى : إذ لا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه وبين عباده.
وقوله تعالى ﴿إذ قال﴾ بدل من إبراهيم وما بينهما اعتراض أو متعلق بكان أو بصدّيقاً نبياً أي : كان جامعاً لخصائص الصدّيقين والأنبياء حين قال ﴿لأبيه﴾ آزر هادياً له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفاً له في كل جملة بقوله :﴿يا أبت﴾ والتاء عوض عن ياء الإضافة ولا يجمع بينهما وقرأ ابن عامر بفتح التاء في الوصل والباقون بكسرها وأمّا الوقف فوقف ابن كثير وابن عامر بالهاء والباقون بالتاء، ثم إنّ الله تعالى حكى عنه أيضاً : أنه تكلم مع أبيه بأربعة أنواع من الكلام النوع الأوّل قوله :﴿لم تعبد﴾ مريداً بالاستفهام المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل في نصحه له كاشفاً الأمر غاية الكشف بقوله :﴿ما لا يسمع ولا يبصر﴾ أي : ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته أو يجيبك إذا ناديته حالاً أو مآلاً ﴿ولا يغني عنك شيئاً﴾ في جلب نفع ودفع ضرّ فوصف الأوثان بصفات ثلاث كل واحدة منها قادحة في الإلهية وبيان ذلك من وجوه :
أحدها : أنّ العبادة غاية التعظيم فلا تستحق إلا لمن له غاية الإنعام وهو الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما تقرّر في تفسير قوله :﴿وإنّ الله ربي وربكم﴾ [ مريم، ٣٦ ] وكما أنه لا يجوز الاشتغال بشكر ما لم تكن منعمة وجب أن لا يجوز الاشتغال بعبادتها.
وثانيها : أنها إذا لم تسمع ولا تبصر ولا تميز من يطيعها عمن يعصيها فأيّ فائدة في عبادتها ؟ وهذا تنبيه على أنّ الإله يجب أن يكون عالماً بكل المعلومات.
وثالثها : أنّ الدعاء مخ العبادة فإذا لم يسمع الوثن دعاء الداعي فأيّ منفعة في عبادته وإذا لم يبصر تقرّب من يتقرّب إليه فأيّ منفعة في ذلك التقرّب.
ورابعها : أنّ السامع المبصر الضارّ النافع أفضل ممن كان عارياً عن كل ذلك والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل عبودية الأخس.
وخامسها : إن كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى بها منفعة ولا يخاف من ضررها فأيّ فائدة في عبادتها ؟.
وسادسها : إذا كانت لا تحفظ نفسها عن الكسر والإفساد حين جعلها إبراهيم عليه السلام جذاذاً فأي رجاء فيها للغير ؟ فكأنه عليه السلام قال : ليست الإلهية إلا لرب يسمع ويبصر ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
مريم 19:43
النوع الثاني : قوله :﴿يا أبت إني قد جاءني﴾ من المعبود الحق ﴿من العلم ما لم يأتك﴾ منه ﴿فاتّبعني﴾ أي : فتسبب من ذلك أني أقول لك وجوباً عليّ للنهي عن المنكر ونصيحة لمالك عليّ من الحق اجتهد في تبعي ﴿أهدك صراطاً﴾ أي : طريقاً ﴿سوياً﴾ أي : مستقيماً كما أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أنّ أمامنا مهلكاً لا ينجو منه أحد وأمرتك أن تسلك مكاناً غير ذلك لأطعتني ولو عصيتني فيه عدّك كل أحد غاوياً.
مريم 19:44
النوع الثالث : قوله :﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ فإنّ الأصنام ليس لها دعوة أصلاً والله تعالى قد حرّم عبادة غيره مطلقاً على لسان كل وليّ فتعين أن يكون الآمر بذلك الشيطان فكأنه هو المعبود بعبادتها في الحقيقة ثم علل هذا النهي بقوله ﴿إنّ الشيطان﴾ البعيد من كل خير المحترق باللعنة ﴿كان للرحمن عصياً﴾ بالقوّة من حين خلق وبالفعل من حين أمره بالسجود لأبيك آدم عليه السلام فأبى فهو عدوّ لله وله والمطيع للعاصي لشيء عاص لذلك الشيء لأنّ صديق العدوّ عدوّ.
فإن قيل : هذا القول يتوقف على إثبات أمور ؛ أحدها : إثبات الصانع، وثانيها : إثبات الشيطان، وثالثها : أنّ الشيطان عاص، ورابعها : أنه لما كان عاصياً لم تجز طاعته، وخامسها : أن الاعتقاد الذي كان عليه آزر مستفاد من طاعة الشيطان ومن شأن الدلالة التي تورد على الشخص أن تكون مركبة من مقدّمات معلومة ليسلمها الخصم ولعلّ إبراهيم كان منازعاً في هذه المقدّمات وكيف والمحكي عنه أنه ما كان يثبت إلهاً سوى نمروذ فكيف يسلم وجود الرحمن وإذا لم يسلم وجوده فكيف يسلم أنّ الشيطان عاص للرحمن وبتقدير تسليم ذلك فكيف يسلم الخصم بمجرّد هذا الكلام أنّ مذهبه مقتبس من الشيطان بل لعله يغلب ذلك على خصمه ؟ وأجيب : بأنّ الحجة المعوّل عليها في إبطال مذهب آزر هو قوله :﴿لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً﴾ وهذا الكلام جرى مجرى التخويف والتحذير الذي يحمله على النظر في تلك الدلالة فيسقط السؤال.
مريم 19:45
النوع الرابع قوله :﴿يا أبت إني أخاف﴾ لمحبتي لك وعزتي عليك ﴿أن يمسك عذاب﴾ أي : كائن ﴿من الرحمن﴾ الذي هو مولى كل من تولاه لعصيانك إياه ﴿فتكون﴾ أي : فتسبب عن ذلك أن تكون ﴿للشيطان ولياً﴾ أي : ناصراً وقريناً في النار.
مريم 19:46
ولما دعا إبراهيم عليه السلام أباه إلى التوحيد وذكر الدلائل على فساد عبادة الأوثان وأردف تلك الدلائل بالوعظ البليغ وأورد كل ذلك مقروناً بالرفق واللطف قابله أبوه بجواب يضاد ذلك فقابل حجته بالتقليد فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا أن ﴿قال أراغب أنت عن آلهتي﴾ بإضافتها إلى نفسه فقط إشارة إلى مبالغته في تعظيمها والرغبة عن الشيء تركه عمداً فأصر على ادعاء إلهيتها جهلاً وتقليداً وقابل قوله بالرفق يا أبت بالعنف حيث لم يقل يا بنيّ بل قال ﴿يا إبراهيم﴾ وقابل وعظه بالسفاهة حيث هدده بالضرب والشتم بقوله مقسماً ﴿لئن لم تنته﴾ عما أنت عليه ﴿لأرجمنك﴾ أي : لأقتلنك أو لأرجمنك بالحجارة حتى تموت أو تبعد عني أو بالكلام القبيح فاحذرني ﴿واهجرني﴾ أي : بعد عني بالمفارقة من الدار والبلد وهي كهجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أي : تباعد عني ﴿ملياً﴾ أي : دهراً طويلاً لكي لا أراك، وقيل : اهجرني بالقول ولا تخاطبني دهراً طويلاً لأجل ما صدر منك من هذا الكلام وفي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم وتأسية فيما كان يلقى من الأذى ويقاسي من قومه من العناد ومن عمه أبي لهب من الشدائد بأعظم آبائه وأقربهم به شبهاً.
مريم 19:47
فلما سمع إبراهيم عليه السلام كلام أبيه أجاب بأمرين أحدهما : أن ﴿قال﴾ له مقابلاً لما كان منه من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة العقل والعلم ﴿سلام عليك﴾ توديع ومتاركة أي : سلمت مني لا أصيبك بمكروه ما لم أؤمر فيك بشيء فإنه لم يؤمر بقتاله على كفره كقوله :﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ [ القصص، ٥٥ ] ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾ [ الفرقان، ٦٣ ] وهذا يدل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج وعلى أنه يحسن مقابلة الإساءة بالإحسان ويجوز أن يكون دعاء له بالسلامة استمالة، ألا ترى أنه وعده بالاستغفار فيكون سلام برّ ولطف وهو جواب الحليم للسفيه كقوله تعالى :﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [ الفرقان، ٦٣ ] ثم استأنف قوله :﴿سأستغفر لك ربي﴾ أي : المحسن إليّ بأن أطلب لك منه غفران ذنوبك بأن يوفقك للإسلام ﴿إنه كان بي حفياً﴾ أي : مبالغاً في إكرامي مرّة بعد مرّة وكرّة في إثر كرّة وقد وفىّ بوعده بقوله المذكور في الشعراء :﴿واغفر لأبي﴾ [ الشعراء، ٨٦ ] وهذا قبل أن يتبين له أنه عدوّ لله كما ذكره في براءة.
مريم 19:48
وثانيهما : أنه قال له انقياداً لأمر أبيه ﴿وأعتزلكم﴾ أي : جميعاً بترك بلادكم وأشار إلى أنّ من شرط المعبود أن يكون أهلاً للمناداة في الشدائد بقوله ﴿وما تدعون﴾ أي : تعبدون ﴿من دون الله﴾ الذي له الكمال كله فمن أقبل عليه وحده أصاب ومن أقبل على غيره ولو طرفة عين فقد خاب وخسر ﴿وأدعو﴾ أي : أعبد ﴿ربي﴾ وحده لاستحقاقه ذلك مني ولم يقيد الاعتزال بزمن بل أشار إلى أنهم ما داموا على هذا الدين فهو معتزل لهم ثم دعا لنفسه بما ينبههم به على خسة مسعاهم فقال غير جازم بإجابة دعوته وقبول عبادته إجلالاً لربه وهضماً لنفسه ﴿عسى أن لا أكون بدعاء ربي﴾ المنفرد بالإحسان إليّ ﴿شقياً﴾ أي : كما شقيتم بعبادة الأصنام فإنها لا تجيب دعاءكم ولا تنفعكم ولا تضرّكم ولما رأى من أبيه ومعاشرته ما رأى عزم على غربة مشقة النوى مختاراً للغربة في البلاد على غربة الأضداد فكان كما قال الإمام أبو سليمان الخطابي :
وما غربة الإنسان في شقة النوى؍ ولكنها والله في عدم الشكل؍
وإني غريب بين بست وأهلها؍ وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي؍
مريم 19:49
وحقق ما عزم عليه فبين سبحانه وتعالى تحقيق رجائه وإجابة دعائه فقال :﴿فلما اعتزلهم﴾ أي : بالهجرة إلى الأرض المقدّسة ﴿وما يعبدون من دون الله﴾ لم يضرّه ذلك ديناً ولا دنيا بل نفعه وعوّضه الله أولاداً كما قال تعالى ﴿وهبنا له﴾ كما هو الشأن في كل من ترك شيئاً لله ﴿إسحاق﴾ ولداً له لصلبه من زوجته العاقر العقيم بعد تجاوزها سنّ اليأس وأخذه هو في السنّ إلى حد لا يولد لمثله ﴿ويعقوب﴾ ولداً لإسحاق وخصهما بالذكر للزومهما محل إقامته وقيامهما بعد موته بخلافته فيه وأمّا إسماعيل عليه السلام فكان الله سبحانه وتعالى هو المتولي لتربيته بعد نقله رضيعاً إلى المسجد الحرام وإحيائه تلك المشاعر العظام فأفرده بالذكر جاعلاً له أصلاً برأسه بقوله بعد ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل﴾ فترك ذكره مع إسحاق الذي هو أخوه لذلك ثم صرح بما وهب لأولاده جزاءً على هجرته بقوله تعالى :﴿وكلاً﴾ أي : منهما ﴿جعلنا نبياً﴾ عالي المقدار ويخبر بالأخبار العظيمة كما جعلنا إبراهيم نبياً.
مريم 19:50
﴿ووهبنا لهم﴾ كلهم ﴿من رحمتنا﴾ أي : شيئاً منها عظيماً من النسل الطاهر والذرّية الطيبة وإجابة الدعاء واللطف في القضاء والبركة في المال والأولاد وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة ﴿وجعلنا لهم لسان صدق علياً﴾ وهو الثناء الحسن وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهو العطية واستجاب الله تعالى دعوته في قوله تعالى :﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ [ الشعراء، ٨٤ ] فصيره قدوة حتى ادعاه أهل الأديان كلهم فقال تعالى :﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ [ الحج، ٨٧ ] وقد اجتمعت فيه خصال لم تجتمع في غيره أوّلها أنه اعتزل عن الخلق على ما قال ﴿وأعتزلكم وما تدعون من دون الله﴾ فلا جرم بارك الله له في أولاده فقال :﴿ووهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبياً﴾. ثانيها : أنه تبرأ من أبيه كما قال عز وجل :﴿فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرّأ منه﴾ [ التوبة، ١١٤ ] لا جرم سماه الله أبا المسلمين فقال :﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ ثالثها : تلّ ولده للجبين ليذبحه في الله على ما قال تعالى :﴿وتله للجبين﴾ [ الصافات، ١٠٣ ] لا جرم فداه الله تعالى على ما قال ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [ الصافات، ١٠٧ ]. رابعها : أسلم نفسه فقال :﴿أسلمت لرب العالمين﴾ [ البقرة، ١٣١ ] فجعل الله تعالى النار برداً وسلاماً عليه فقال :﴿يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ [ الأنبياء، ٦٩ ] خامسها : أشفق على هذه الأمّة فقال :﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم﴾ [ البقرة، ١٢٩ ] لا جرم أشركه الله تعالى في الصلوات في قوله تعالى :﴿كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم﴾ سادسها : وفي حق سارة في قوله تعالى :﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [ النجم، ٣٧ ] لا جرم جعل موطئ قدميه مباركاً ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [ البقرة، ١٢٥ ] سابعها : عادى كل الخلق في الله فقال :﴿فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين﴾ فاتخذه الله خليلاً كما قال :﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [ النساء، ١٢٥ ] ليعلم صحة قولنا ما خير على الله أحداً.
مريم 19:51
القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى ﴿واذكر في الكتاب﴾ أي : الذي لا كتاب مثله في الكمال ﴿موسى﴾ أي : الذي أنقذ الله به بني إسرائيل من العبودية ثم إنّ الله تعالى وصفه بأمور أحدها قوله تعالى :﴿إنه كان مخلصاً﴾ قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام أي : مختاراً اختاره الله تعالى واصطفاه وقيل أخلصه الله تعالى من الدنس والباقون بالكسر أي : أخلص التوحيد لله والعبادة ومتى ورد القرآن بقراءتين فكل منهما ثابت مقطوع به فجعل الله تعالى من صفة موسى عليه السلام كلا الأمرين. ثانيها : قوله تعالى :﴿وكان رسولاً﴾ إلى بني إسرائيل والقبط ﴿نبياً﴾ ينبئه الله بما يريد من وحيه لينبئ به المرسل إليهم فيرتفع بذلك قدره فلذلك صرح بها بعد دخولها في الرسالة ضمناً إذ كل رسول نبيّ وليس كل نبيّ رسولاً خلافاً للمعتزلة فإنهم زعموا كونهما متلازمين فكل رسول نبيّ وكل نبيّ رسول وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة الحج عند قوله :﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ﴾ [ الحج، ٥٢ ].
مريم 19:52
ثالثها : قوله تعالى :﴿وناديناه﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿من جانب الطور﴾ هو اسم جبل ﴿الأيمن﴾ أي : الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين فأنبأناه هناك حين كان متوجهاً إلى مصر بأنه رسولنا ثم واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون فكان لبني إسرائيل به من العجائب في رحمتهم بإنزال الكتاب والإلذاذ بالخطاب من جوف السحاب وفي إماتتهم لما طلبوا الرؤية ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف. رابعها : قوله تعالى ﴿وقرّبناه﴾ بما لنا من العظمة تقريب تشريف حالة كونه ﴿نجياً﴾ نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر والكلام بين اثنين كالسر وقيل قرب مكان أي : مكانا عالياً، عن أبي العالية أنه قرب حتى سمع صرير القلم حيث يكتب التوراة في الألواح وقيل أنجيناه من أعدائه.
مريم 19:53
خامسها : قوله تعالى :﴿ووهبنا له﴾ أي : هبة تليق بعظمتنا ﴿من رحمتنا﴾ أي : من أجل رحمتنا أو بعض رحمتنا ﴿أخاه﴾ أي : معاضدة أخيه وموازرته لا شخصه وإخوته وذلك إجابة لدعوته ﴿واجعل لي وزيراً من أهلي ٢٩ هارون﴾ [طه: ٢٩، ٣٠] فإنه كان أسن من موسى.
تنبيه : أخاه مفعول أو بدل على تقدير أن تكون من للتبعيض وقوله :﴿هارون﴾ عطف بيان وقوله ﴿نبياً﴾ حال منه هي المقصودة بالهبة.
مريم 19:54
القصة الخامسة : قصة إسماعيل عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿واذكر في الكتاب إسماعيل﴾ بن إبراهيم عليهما السلام الذين هم معترفون بنبوّته ومفتخرون برسالته وأبوّته فلزم من ذلك فساد تعليلهم إنكار نبوّتك بأنك من البشر ثم إنّ الله تعالى وصف إسماعيل بأمور :
أوّلها : قوله تعالى :﴿إنه كان﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿صادق الوعد﴾ في حق الله وفي حق غيره لمعونة الله له على ذلك بسبب أنه لا يعد وعداً إلا مقروناً بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبره بأمر ذبحه :﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ [ الصافات، ١٠٢ ] وخصه بالمدح به وإن كان الأنبياء كلهم كذلك لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله مطلقاً وروي عن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة وروي أنّ عيسى عليه السلام قال له رجل انتظرني حتى آتيك فقال عليه السلام نعم وانطلق الرجل ونسي الميعاد فجاء إلى حاجته إلى ذلك المكان وعيسى عليه السلام هناك للميعاد، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى غروب الشمس » وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاداً إلى أيّ وقت ينتظره ؟ قال : فإن واعده نهاراً فكل النهار وإن واعده ليلاً فكل الليل، وسئل إبراهيم بن زيد عن ذلك فقال : إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.
ثانيها : قوله تعالى :﴿وكان رسولاً نبياً﴾ قد مرّ تفسيره.
مريم 19:55
وثالثها : قوله تعالى :﴿وكان يأمر أهله بالصلاة﴾ أي : التي هي طهرة البدن وقرّة العين وخير العون على جميع المآرب ﴿والزكاة﴾ أي : التي هي طهرة المال كما أوصى الله تعالى بذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمراد بالأهل قومه، وقيل : أهله جميع أمته كان رسولاً إلى جرهم قاله الأصفهاني وإلى أهل تلك البراري بدين أبيه إبراهيم والمراد بالصلاة قال ابن عباس : يريد التي افترضها الله تعالى عليهم قال البغوي وهي الحنيفية التي افترضت علينا قيل كان يبدأ بأهله في الأمر بالعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم كما قال تعالى :﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [ الشعراء، ٢١٤ ] ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ [ طه، ١٣٢ ] ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ [ التحريم، ٦ ] وبالزكاة قال ابن عباس إنها طاعة الله والإخلاص فكأنه تأوّله على ما يزكو به الفاعل عند ربه تعالى والظاهر كما قال ابن عادل إنّ الزكاة إذا قرنت بالصلاة أن يراد بها الصدقات الواجبة.
رابعها : قوله تعالى :﴿وكان عند ربه﴾ بعبادته على حسب ما أمره به ﴿مرضياً﴾ وهذا في نهاية المدح لأنّ المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات فاقتد أنت به فإنه من أجلّ آبائك لتجمع بين طهارة القول والبدن والمال فتنال رتبة الرضا.
مريم 19:56
القصة السادسة : قصة إدريس عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿واذكر في الكتاب﴾ أي : الجامع لكل ما يحتاج إليه حتى ما يحتاج إليه من قصص المتقدّمين والمتأخرين ﴿إدريس﴾ وهو جدّ أبي نوح عليه السلام قيل : سمي إدريس لكثرة دراسته الكتب واسمه أحنوخ بمهملة ونون وآخره خاء معجمة وصفه الله تعالى بأمور أحدها : وثانيها : قوله تعالى :﴿إنه كان صدّيقاً نبياً﴾ أي : صادقاً في أفعاله وأقواله ومصدّقاً بما آتاه الله من آياته وعلى ألسنة الملائكة.
مريم 19:57
ثالثها : قوله تعالى :﴿ورفعناه مكاناً علياً﴾ وفيه قولان :
أحدهما : أنه من رفع المنزلة كقوله تعالى للنبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [ الانشراح، ٤٠ ]
فإنّ الله تعالى شرّفه بالنبوّة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أوّل من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب وأوّل من خاط الثياب ولبسها وكانوا من قبله يلبسون الجلود وأوّل من اتخذ السلاح وقاتل الكفار.
وثانيهما : أنه من رفعة المكان ثم اختلفوا فقال بعضهم : رفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة وهي التي رآه النبيّ صلى الله عليه وسلم بها ليلة الإسراء وقيل : إلى الجنة وهو حيّ لا يموت وقالوا أربعة من الأنبياء أحياء اثنان في الأرض الخضر وإلياس واثنان في السماء عيسى وإدريس وقال وهب كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه فعجبت منه الملائكة واشتاق له ملك الموت فاستأذن ربه في زيارته فأذن له فأتاه في صورة بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس وقال له الليلة الثالثة : إني أريد أن أعلم من أنت، قال أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك فقال : لي إليك حاجة قال ما هي قال تقبض روحي فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه وردّها إليه بعد ساعة، فقال له ملك الموت : ما الفائدة في سؤالك قبض الروح ؟ قال لأذوق كرب الموت وغمته فأكون أشدّ استعداد له، ثم قال له إدريس : إنّ لي إليك حاجة أخرى، قال : وما هي قال ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار فأذن الله تعالى له في ذلك فرفعه فلما قرب من النار قال : لي إليك حاجة، قال : وما تريد ؟ قال : تسأل مالكاً أن يفتح أبوابها فأردها، ففعل ثم قال : كما أريتني النار فأرني الجنة فذهب به إلى الجنة فاستفتح ففتح أبوابها فأدخله الجنة ثم قال له ملك الموت اخرج لتعود إلى مكانك فتعلق بشجرة وقال ما أخرج منها فبعث الله تعالى ملكاً حكماً بينهما، فقال له الملك : ما لك لا تخرج ؟ قال : إنّ الله تعالى قال :﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [ آل عمران، ١٨٥ ] وقد ذقته، وقال :﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [ مريم، ٧١ ] وقد وردتها وقال :﴿وما هم منها بمخرجين﴾ [ الحجر، ٤٨ ]
فلست أخرج فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبإذني لا يخرج فهو حيّ هناك، وقال آخرون : بل رفع إلى السماء وقبض روحه.
وقال كعب الأحبار : إنّ إدريس سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال يا رب إني مشيت يوماً فكيف يمشي من يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد اللهمّ خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرّها ما لا يعرفه فقال : يا رب خففت عني حرّ الشمس فما الذي قضيت فيه ؟ فقال تعالى : إنّ عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرّها فأجبته قال يا رب اجعل بيني وبينه خلة، فأذن له حتى أتى إدريس فكان إدريس يسأله فكان مما سأله أن قال له : إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي ليؤخر أجلي فازداد شكراً وعبادة، فقال الملك : لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملك الموت فقال لي حاجة إليك لي صديق من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله فقال ليس ذلك إليّ ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدّم لنفسه قال نعم فنظر في ديوانه فقال : إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال : وكيف ذلك ؟ قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال : إني أتيتك وتركته هناك، قال : فانطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات فو الله ما بقي من أجل إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتاً.
مريم 19:58
ولما انقضى كشف هذه الأخبار العلية المقدار الجليلة الأسرار شرع سبحانه وتعالى ينسب أهلها بأشرف نسبهم ويذكر المنن بينهم، فقال عز من قائل :﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة الشرفاء النسب المذكورون في هذه السورة من لدن زكريا إلى إدريس وهو مبتدأ وقوله ﴿الذين أنعم الله عليهم﴾ بما خصهم به من مزيد القرب إليه وعظيم المنزلة لديه صفة له وقوله تعالى ﴿من النبيين﴾ أي : المصطفين بالنبوّة الذين أنبأهم الله تعالى بدقائق الحكم ورفع محالهم بين الأمم بيان لهم وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين فقوله :﴿من ذرية آدم﴾ أي : إدريس لقربه منه لأنه جدّ أبي نوح ﴿وممن حملنا مع نوح﴾ في السفينة أي : إبراهيم ابن ابنه سام ﴿ومن ذرية إبراهيم﴾ أي : إسماعيل وإسحاق ويعقوب ﴿و﴾ من ذرية ﴿إسرائيل﴾ وهو يعقوب أي : موسى وهارون وزكريا ويحيى وكذا عيسى لأنّ مريم من ذريته ﴿وممن هدينا﴾ إلى أقوم الطرق ﴿واجتبينا﴾ للنبوّة والكرامة أي : من جملتهم. وخبر أولئك ﴿إذا تتلى عليهم﴾ من أيّ : تالٍ كان ﴿آيات الرحمن خرّوا سجداً﴾ للمنعم عليهم تقرّباً إليه لما لهم من البصائر النيرة في ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم ﴿وبكياً﴾ خوفاً منه وشوقاً إليه فكونوا مثلهم.
تنبيه : سجداً حال مقدرة قال الزجاج لأنهم وقت الخرور ليسوا سجداً وهو جمع ساجد وبكيا جمع باك وليس بقياس بل قياس جمعه على فعلة كقاض وقضاة ولم يسمع فيه هذا الأصل وأصل بكيا بكوياً قلبت الواو ياء والضمة كسرة، واختلف في هذا السجود فقال بعضهم : إنه الصلاة وقال بعضهم : سجود التلاوة على حسب ما تعبدوا به. قال الرازي : ثم يحتمل أن يكون المراد سجود القرآن ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا قد تعبدوا بسجود فيفعلون ذلك لأجل ذكر السجود في الآية انتهى.
وروى ابن ماجه وغيره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا » وعن صالح المزني قرأت القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي :" يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ؟ " وعن ابن عباس : إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«ما غرغرت عين بماء إلا حرّم الله تعالى على النار جسدها » وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إن القرآن نزل محزناً فإذا قرأتموه فتحازنوا » وعن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم :«لا يلج النار من بكى من خشية الله ».
وقال العلماء : يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال : اللهمّ اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المتكبرين عن أمرك، وإذا قرأ سجدة سبحان قال اللهم اجعلني من الباكين إليك الآسفين لك، وإن قرأ هذه قال : اللهمّ اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الباكين عند تلاوة آيات كتابك وقرأ حمزة والكسائي ﴿بكيا﴾ بكسر الباء والباقون بضمها.
مريم 19:59
ولما وصف سبحانه وتعالى هؤلاء الأنبياء بصفة المدح ترغيباً لنا في التأسي بهم ذكر بعدهم من هو بالضدّ منهم فقال :﴿فخلف من بعدهم﴾ أي : في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعاً ﴿خلف﴾ في غاية الرداءة من أولادهم يقال خلفه إذا عقبه خلف سوء بإسكان اللام والخلف بفتح اللام الصالح كما قالوا وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر وفي الحديث :«في الله خلف من كل هالك » وفي الشعر :
ذهب الذي يعاش في أكنافهم؍ وبقيت في خلف كجلد الأجرب؍
وقال السدي : أراد بهم اليهود ومن لحق بهم وقال قتادة : في ﴿أضاعوا الصلاة﴾ تركوا الصلاة المفروضة، وقال ابن مسعود وإبراهيم : أخروها عن وقتها، وقال سعيد بن المسيب : هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. ﴿واتبعوا الشهوات﴾ أي : المعاصي قال ابن عباس : هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمور واستحلوا نكاح الأخت من الأب، وقال مجاهد : هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة ﴿فسوف يلقون غياً﴾ وهو كما قال وهب وابن عباس : واد في جهنم بعيد قعره تستعيذ منه أوديتها كما رواه الحاكم وصححه، وقيل : هو الخسران وقيل هو الشر كقول القائل :
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره؍ ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما؍
على الغيّ متعلق بلائماً وقيل : يلقون جزاء الغي كقوله :﴿يلق أثاماً﴾ [ الفرقان، ٦٨ ] أي : مجازاة الآثام.
تنبيه : قوله تعالى :﴿يلقون﴾ ليس معناه يرون فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية.
مريم 19:60
ولما أخبر تعالى عن هؤلاء بالخيبة فتح لهم باب التوبة وحداهم إلى غسل هذه الحوبة بقوله :﴿إلا من تاب﴾ أي : مما هو عليه من الضلال وبادر بالأعمال وحافظ على الصلوات وكف نفسه عن الشهوات ﴿وآمن﴾ بما أخذ عليه به العهد ﴿وعمل﴾ بعد إيمانه تصديقاً له ﴿صالحاً﴾ من الصلوات والزكوات وغيرها ﴿فأولئك﴾ العالو الهمم الطاهرو الشيم ﴿يدخلون الجنة﴾ التي وعد المتقون ﴿ولا يظلمون﴾ من ظالم ما ﴿شيئاً﴾ من أعمالهم. فإن قيل : الاستثناء دل على أنه لا بدّ من التوبة والإيمان والعمل الصالح وليس الأمر كذلك لأنّ من تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضاً فإنه لا يجب عليهم الصلاة والزكاة أيضاً غير واجبة وكذلك الصوم فهذا لو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر منه عمل فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح ؟ أجيب بأنّ هذه الصورة نادرة والأحكام إنما تناط بالأعمّ الأغلب.
تنبيه : في هذا الاستثناء وجهان قال ابن عادل أظهرهما : أنه متصل وقال الزجاج : هو منقطع وهذا بناءً منه على أنّ المضيع للصلاة من الكفار ووافق الزجاج الجلال المحلي.
مريم 19:61
ولما ذكر تعالى في التائب أنه يدخل الجنة وصفها بأمور أحدها قوله تعالى :﴿جنات عدن﴾ أي : إقامة لا يظعن عنها بوجه من الوجوه وصفها بالدوام على خلاف وصف الجنان في الدنيا التي لا تدوم ثم بيّن تعالى أنها ﴿التي وعد الرحمن عباده﴾ الذين هو أرحم بهم وقوله ﴿بالغيب﴾ فيه وجهان ؛ أحدهما : أنّ الباء حالية وفي صاحب الحال احتمالان ؛ أحدهما : ضمير الجنة وهو عائد الموصول أي : وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها، والثاني : عباده أي : وهم غائبون عنها لا يرونها إنما آمنوا بها بمجرّد الأخبار منه. والوجه الثاني : أنّ الباء سببية أي : بسبب تصديق الغيب وسبب الإيمان به ولما كان من شأن الوعود الغائبة على ما يتعارفه الناس بينهم احتمال عدم الوقوع بيّن أنّ وعده ليس كذلك بقوله تعالى :﴿إنه كان﴾ أي : كوناً هو سنة ماضية ﴿وعده مأتياً﴾ أي : مقصوداً بالفعل فلا بدّ من وقوعه فهو كقوله :﴿إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [ الإسراء، ١٠٨ ].
مريم 19:62
ثانيها قوله تعالى :﴿لا يسمعون فيها لغواً﴾ وهو فضول الكلام وما لا طائل تحته وفيه تنبيه ظاهر على تجنب اللغو واتقائه حيث نزه الله تعالى عنه الدار الآخرة التي لا تكليف فيها، وقد مدح الله تعالى أقواماً بقوله :﴿وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً﴾ [ الفرقان، ٧٢ ] ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ [ القصص، ٥٥ ] نعوذ بالله من اللغو والجهل والخوض فيما لا يعنينا وقوله تعالى :﴿إلا سلاما﴾ استثناء منقطع أي : ولكن يسمعون قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة أو سلاماً من الله أو من الملائكة أو من بعضهم على بعض ويجوز أن يراد باللغو مطلق الكلام قال في القاموس لغا لغواً تكلم، فيكون الاستثناء متصلاً أي : لا يسمعون فيها كلاماً إلا كلاماً يدل على السلامة أو سلاماً من الله أو من الملائكة أو من بعضهم على بعض.
ثالثها : قوله تعالى :﴿ولهم رزقهم فيها﴾ أي : على ما يتمنونه ويشتهونه على وجه لا بدّ من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا منة عليهم به ﴿بكرةً وعشياً﴾ أي : على قدرهما في الدنيا وليس في الجنة نهار ولا ليل بل ضوء ونور أبداً وقيل : إنهم يعرفون النهار برفع الحجب والليل بإرخائها، فإن قيل : المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرةً وعشياً ليس من الأمور المستعظمة أجيب بوجهين ؛ الأوّل : قال الحسن : أراد الله تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة ولبس الحرير التي كانت عادة العجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرّة وكانت عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك الثاني أنّ المراد دوام الرزق تقول أنا عند فلان صباحاً ومساءً وبكرةً وعشياً تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين، وقيل : المراد رفاهية العيش وسعة الرزق أي : لهم رزقهم متى شاؤوا، ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل أشار إلى علوّ رتبتها وما هو سببها بقوله تعالى :﴿تلك الجنة﴾.
مريم 19:63
﴿تلك الجنة﴾ بأداة البعد لعلو قدرها وعظم أمرها ﴿التي نورث من عبادنا﴾ أي : نعطي عطاء الإرث الذي لا كدّ فيه ولا استرجاع وتبقى له الجنة كما يبقى للوارث مال الموروث وقيل تنقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم فجعل النقل إرثاً قاله الحسن ﴿من كان تقياً﴾ أي : المتقين من عباده.
فإن قيل : الفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك الوصف فلا يدخلها ؟.
أجيب : بأن الآية تدل على أن الجنة يدخلها المتقي وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها وأيضاً صاحب الكبيرة متق عن الكفر ومن صدق عليه أنه متق عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق عليه أنه متق وجب أن يدخل الجنة فدلالة الآية على أنّ صاحب الكبيرة يدخلها أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.
مريم 19:64
واختلف في سبب نزول قول جبريل للنبيّ صلى الله عليه وسلم :﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ فقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا » فنزلت الآية وقال مجاهد : أبطأ الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال لعلى أبطأت قال : قد فعلت، قال : ولم لا أفعل وأنتم لا تتسوّكون ولا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم وقال :﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ فنزلت، وقال قتادة والكلبي : احتبس جبريل عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح وسبب سؤالهم عن ذلك ما روي «أنّ قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم وهل يجدونه في كتابهم وسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه وقالت اليهود نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن ثلاث فلم يعرف فسلوه عنهنّ فإن أخبركم عن خصلتين فاتبعوه فسألوه عن قصة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب فوعدهم أن يجيبهم غداً ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه أربعين يوماً وقيل خمسة عشر يوماً فشقّ ذلك عليه مشقة عظيمة وقال المشركون ودعه ربه وقلاه فلما نزل جبريل عليه السلام قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم أبطأت حتى ساء ظني واشتقت إليك، قال إني إليك أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت هذه الآية وأنزل قوله تعالى :﴿ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً ٢٣ إلا أن يشاء الله﴾ [ الكهف، ٢٢ - ٢٣ ] وسورة الضحى » فإن قيل : قوله :﴿تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً﴾ كلام الله وقوله :﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ كلام غير الله فكيف جاز عطف هذا على ما قبله من غير فصل ؟ أجيب : بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كقوله تعالى :﴿إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ [ البقرة، ١١٧ ] وهذا كلام الله تعالى ثم عطف عليه قوله :﴿وأنّ الله ربي وربكم فاعبدوه﴾ [ مريم، ٣٦ ] ثم علل جبريل قوله ذلك بقوله :﴿له ما بين أيدينا﴾ أي : أمامنا من أمور الآخرة ﴿وما خلفنا﴾ أي : من أمور الدنيا ﴿وما بين ذلك﴾ أي : ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة أي : له علم ذلك جميعه وقيل :﴿ما بين ذلك﴾ ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة وقيل :﴿ما بين أيدينا﴾ ما بقي من الدنيا ﴿وما خلفنا﴾ ما مضى منها ﴿وما بين ذلك﴾ مدّة حياتنا وقيل :﴿ما بين أيدينا﴾ بعد أن نموت ﴿وما خلفنا﴾ قبل أن نخلق ﴿وما بين ذلك﴾ مدّة الحياة وقيل : ما بين أيدينا الأرض إذا أردنا النزول إليها وما خلفنا السماء وما ينزل منها وما بين ذلك الهواء يريد أنّ ذلك كله لله فلا نقدر على شيء إلا بأمره ﴿وما كان ربك﴾ المحسن إليك ﴿نسياً﴾ بمعنى ناسيا أي : تاركاً لك بتأخير الوحي عنك لقوله تعالى :﴿ما ودّعك ربك وما قلى﴾ [ الضحى، ٣ ] أي : وما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به وما كان ذلك عن ترك الله تعالى لك وتوديعه إياك
مريم 19:65
ثم استدل على ذلك بقوله :﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ فلا يجوز عليه النسيان إذ لا بدّ أن يمسكهما حالاً بعد حال وإلا لبطل الأمر فيهما وفيمن يتصرّف، والآية دالة على أنّ الله تعالى رب لكل شيء حصل بينهما ففعل العبد مخلوق له تعالى لأنّ فعل العبد حاصل بين السماء والأرض.
تنبيه : يجوز في رب أن يكون بدلاً من ربك وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي : هو رب وقوله تعالى :﴿فاعبده واصطبر لعبادته﴾ خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم مرتب على ما تقدّم أي : لما عرفت أنّ ربك لا ينساك فاعبده بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي من مثلك واصطبر عليها ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفار بك.
فإن قيل : لم لم يقل واصطبر على عبادته لأنها صلته فكان حقه تعديه بعلى ؟ أجيب : بأنه ضمن معنى الثبات لأنّ العبادة ذات تكاليف قلّ من يثبت لها فكأنه قيل اثبت لها مصطبراً كقولك للمحارب اصبر لقرنك ثم علل ذلك بقوله :﴿هل تعلم له سمياً﴾ قال ابن عباس : هل تعلم له مثلاً أي : نظيراً فيما يقتضي العبادة والذي يقتضيها كون منعماً بأصول النعم وفروعها وهي خلق الأجسام والحياة والعقل وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه وتعالى وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام وجب أن تعظمه بغاية التعظيم وهي العبادة.
وقال الكلبي هل تعلم أحداً تسمى الله غيره فإنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله تعالى على شيء.
مريم 19:66
ولما أمر تعالى بالعبادة والمصابرة عليها فكأنّ سائلاً سأل وقال : هذه العبادة لا منفعة فيها في الدنيا وأمّا في الآخرة فقد أنكرها بعضهم فلا بدّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى يظهر أنّ الاشتغال بالعبادة يفيد فلهذا حكى الله سبحانه وتعالى قول منكري الحشر فقال تعالى :﴿ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حياً﴾ قال الكلبيّ : نزلت في أبيّ بن خلف حين أخذ عظاماً بالية فتتها بيديه ويقول زعم لكم محمد أنا نبعث بعدما نموت وقيل : نزلت في أبي جهل، وقيل : المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث.
مريم 19:67
ثم إنّ الله تعالى أقام الدليل على صحة البعث بقوله :﴿أولا يذكر الإنسان﴾ أي : المجترئ بهذا الإنكار على ربه ﴿أنّا خلقناه من قبل﴾ أي : من قبل جدله ﴿ولم يك شيئاً﴾ أصلاً وأنا بمقتضى ذلك قادرون على إعادته فلا ينكر ذلك قال بعض العلماء لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه إذ لا شك أن الإعادة ثانياً أهون من الإيجاد أوّلاً. ونظيره قوله تعالى :﴿قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة﴾ [ يس، ٧٩ ] وقوله تعالى :﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [ الروم، ٢٧ ] وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بسكون الذال وضم الكاف مخففة والباقون بفتح الذال مشدّدة وكذا الكاف.
فإن قيل : كيف أمر الله الإنسان بالتذكر مع أنّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو ؟ أجيب : بأنّ المراد أولاً يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ أولا يذكر مشدّداً، أمّا إذا قرئ مخففاً فالمراد أولاً يعلم ذلك من حال نفسه لأنّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حياً في الدنيا ثم صار حياً.
مريم 19:68
ثم إنه تعالى لما قرّر المطلوب بالدليل أردفه بالتهديد من وجوه أوّلها قوله تعالى :﴿فوربك﴾ أي : المحسن إليك بالانتقام منهم ﴿لنحشرنهم﴾ بعد البعث ﴿والشياطين﴾ الذين يضلونهم بأن نحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة وفائدة القسم أمران :
أحدهما : أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين والثاني : في إقسام الله باسمه مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تفخيم لشأنه ورفع منه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله تعالى :﴿فورب السماء والأرض أنه لحق﴾ [ الذاريات، ٢٣ ] والواو في ﴿والشياطين﴾ يجوز أن تكون للعطف وبمعنى مع وهو أولى. ثانيها : قوله تعالى ﴿ثم لنحضرنهم﴾ بعد طول الوقوف ﴿حول جهنم﴾ من خارجها ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله تعالى منها وخلصهم فيزدادوا لذلك غبطة إلى غبطتهم وسروراً إلى سرورهم ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم فتزداد مساءتهم وحسرتهم وما يغبطهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم وقوله تعالى :﴿جثياً﴾ حال مقدرة من مفعول ﴿لنحضرنهم﴾ وهو جمع جاث جمع على فعول نحو قاعد وقعود وجالس وجلوس وأصله جثوو بواوين أو جثوى من جثاً يجثو ويجثى لغتان.
فإن قيل : هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى :﴿وترى كل أمّة جاثية﴾ [ الجاثية، ٢٨ ] ولأنّ العادة جارية بأنّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق أو لما يدهمهم من شدّة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم، وإذا كان هذا حاصلاً للكل فكيف يدل على مزيد ذل الكفار ؟ أجيب : بأنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور على هذه الحالة وذلك يوجب مزيد ذلهم وقرأ حفص وحمزة والكسائي ﴿جثياً﴾ و﴿عتياً﴾ و﴿صلياً﴾ بكسر أوّلها والباقون بضمه.
مريم 19:69
ثالثها : قوله تعالى :﴿ثم لننزعنّ﴾ أي : لنأخذن أخذاً بشدّة وعنف ﴿من كل شيعة﴾ أي : فرقة مرتبطة بمذهب واحد ﴿أيهم أشدّ على الرحمن﴾ الذي غمرهم بالإحسان ﴿عتياً﴾ أي : تكبراً مجاوزاً للحدّ والمعنى أنّ الله تعالى يحضرهم أوّلاً حول جهنم ثم يميز البعض من البعض فمن كان أشدّهم تمرّداً في كفره خص بعذاب عظيم لأنّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره وليس عذاب من يتمرّد ويتجبر كعذاب المقلد ففائدة هذا التمييز التخصيص بشدّة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب، ولذلك قال تعالى في جميعهم :﴿ثم لنحن أعلم﴾.
مريم 19:70
﴿ثم لنحن أعلم﴾ من كل عالم ﴿بالذين هم﴾ بظواهرهم وبواطنهم ﴿أولى بها﴾ أي : بجهنم ﴿صلياً﴾ أي : دخولاً واحتراقاً فنبدأ بهم ولا يقال أولى إلا مع اشتراكهم وأصله صلوى من صلى بكسر اللام وفتحها.
تنبيه : في إعراب ﴿أيهم أشدّ﴾ أقوال كثيرة أظهرها عند جمهور المعربين وهو مذهب سيبويه أن ﴿أيهم﴾ موصولة بمعنى الذي وإن حركتها حركة بناء بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر و﴿أشدّ﴾ خبر مبتدأ مضمر والجملة صلة لأيهم وأيهم وصلتها في محل نصب مفعول بها، ولأيّ أحوال أربعة ذكرتها في شرح القطر.
مريم 19:71
ولما كانوا بهذا الإعلام المؤكد بالإقسام من ذي الجلال والإكرام جديرين بإصغاء الأفهام إلى ما توجه إليها من الكلام التفت إلى مقام الخطاب إفهاماً للعموم فقال تعالى :﴿وإن﴾ أي : وما ﴿منكم﴾ أيها الناس أحد ﴿إلا واردها كان﴾ ذلك الورود ﴿على ربك﴾ الموجد لك المحسن إليك ﴿حتماً مقضياً﴾ أي : حتمه وقضى به لا يتركه والورود موافاة المكان فاختلفوا في معنى الورود هنا. فقال ابن عباس والأكثرون : الورود هاهنا هو الدخول والكناية راجعة إلى النار وقالوا يدخلها البرّ والفاجر ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها ويدل على أنّ الورود هو الدخول قوله تعالى :﴿يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار﴾ [ هود، ٩٨ ] وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس : هو الدخول وقال نافع ليس الورود الدخول، فتلا ابن عباس ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [ الأنبياء، ٩٨ ] أدخلها هؤلاء أم لا ؟ ثم قال : يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها وأنا أرجو أن يخرجني الله منها وما أرى الله يخرجك منها بتكذيبك، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى :﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾.
مريم 19:72
﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ أي : الكفر منها ولا يجوز أن يقول ثم ننجي الذين اتقوا ﴿ونذر الظالمين﴾ بالكفر ﴿فيها جثياً﴾ على الركب ألا والكل واردون والأخبار المروية دالة على هذا القول روي أنّ عبد الله بن رواحة قال أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصدر فقال صلى الله عليه وسلم :«يا ابن رواحة اقرأ ما بعدها ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ » فدلّ على أنّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول ولم ينكر عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك وعن جابر أنه سأل عن هذه الآية فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«الورود الدخول ولا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً حتى أنّ للنار ضجيجاً من بردها » ولأنّ حرارة النار ليست بطبعها فالأجزاء الملاصقة لأبدان الكفار يجعلها الله تعالى محرقة مؤذية والأجزاء الملاصقة لأجزاء المؤمنين يجعلها برداً وسلاماً كما في حق إبراهيم عليه السلام وكما أنّ الملائكة الموكلين بها لا يجدون ألمها وكما في الكوز الواحد من الماء كان يشربه القبطي فيكون دماً ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً.
وعن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال :«إذا دخل أهل الجنة الجنة وقال بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا أن نرد النار فيقال لهم قد وردتموها وهي خامدة » وخامدة بخاء معجمة أي : ساكنة وروي بالجيم أي : باردة ولا بدّ من ذلك في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين.
فإن قيل : فإذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول ؟ أجيب بوجوه ؛ أحدها : أنّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منها.
ثانيها : أنّ فيه مزيد غم على أهل النار حيث يرون المؤمنين الذين هم أعداؤهم يتخلصون منها وهم يبقون فيها.
ثالثها : أنّ فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند المؤمنين.
رابعها : أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة، وقيل : المراد بالذين يردونها من تقدّم ذكرهم من الكفار فكنى عنهم أوّلاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة وعلى هذا القول فلا يدخل النار مؤمن واستدل له بقوله تعالى :﴿إنّ الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ١٠١ لا يسمعون حسيسها﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢] والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها بقوله تعالى :﴿وهم من فزع يومئذٍ آمنون﴾ [ النمل، ٨٩ ] وروي عن مجاهد من حمّ من المؤمنين فقد وردها وفي الخبر " الحمى كير من جهنم وهي حظ المؤمن من النار " وفي رواية " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " وقوله : من فيح جهنم أي : وهجها وحرّها وقال ابن مسعود :﴿وإن منكم إلا واردها﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها قال البغوي والأوّل أصح وعليه أهل السنة وروي " أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير وفي رواية من إيمان " وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة رجل يخرج من النار حبواً فيقول الله له : اذهب فادخل الجنة قال فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول وجدتها ملأى فيقول الله : له اذهب فادخل الجنة فإنّ لك مثل الدنيا وعشر أمثالها فيقول له أتسخر بي وأنت الملك فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه » فكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة قوله حتى بدت نواجذه أي : أنيابه وأضراسه وقيل : هي أعلى الأسنان.
وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمماً ثم تدركهم الرحمة قال فيخرجون فيطرحون على باب الجنة قال فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل الحمم الفحم والغثاء كل ما جاء به السيل » وقرأ الكسائي ننجي بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون الثانية وتشديد الجيم.
مريم 19:73
ولما أقام تعالى الحجة على مشركي قريش المنكرين للبعث قال تعالى عطفاً على قوله ويقول الإنسان :﴿وإذا تتلى عليهم﴾ أي : الناس من المؤمنين والكفار من أيّ تال كان ﴿آياتنا﴾ أي : القرآن حال كونها ﴿بينات﴾ أي : واضحات وقيل مرتبات الألفاظ ملخصات المعاني وقيل : ظاهرات الإعجاز ﴿قال الذين كفروا﴾ بآيات ربهم البينة جهلاً منهم ونظراً إلى ظاهر الحياة الدنيا الذي هو مبلغهم من العلم ﴿للذين آمنوا﴾ أي : لأجلّهم أو مواجهة لهم إعراضاً عن الاستدلال بالآيات بالإقبال على هذه الشبهة الواهية وهي المفاخرة بالمكاثرة في الدنيا من قولهم ﴿أي الفريقين﴾ نحن بما لنا من الاتساع أم أنتم بما لكم من خشونة العيش ورثاثة الحال ولو كنتم أنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن من حالنا لأنّ الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في الذل وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز والراحة وإنما كان الأمر بالعكس فإنّ الكفار كانوا في النعمة والراحة والاستعلاء والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والقلة هذا حاصل شبهتهم والقائل ذلك هو النضر بن الحارث وذووه من قريش للذين آمنوا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويلبسون خير ثيابهم فقالوا للمؤمنين أيّ الفريقين ﴿خير مقاماً﴾ أي : موضع قيام أو إقامة على قراءة ابن كثير بضم الميم والباقون بفتحها ففي كلتا القراءتين يحتمل أن يكون اسم مصدر أو اسم مكان إما من قام ثلاثياً أو من أقام.
تنبيه : قالوا زيد خير من عمرو وشر من بكر ولم يقولوا أخير منه ولا أشرّ منه لأنّ هاتين اللفظتين كثر استعمالهما فحذفت همزتاهما ولم يثبتا إلا في فعل التعجب فقالوا أخير بزيد وأشرر بعمرو وما أخير زيداً وما أشر عمراً، والعلة في إثباتهما في فعلي التعجب أنّ استعمال هذين اللفظين اسماً أكثر من استعمالهما فعلاً فحذفت الهمزة في موضع الكثرة وبقيت على أصلها في موضع القلة ﴿وأحسن ندياً﴾ أي : مجمعاً ومتحدثاً والنديّ المجلس يقال نديّ وناد والجمع الأندية منه ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ [ العنكبوت، ٢٩ ] وقال تعالى :﴿فليدع ناديه﴾ [ العلق، ١٧ ] ويقال ندوت القوم أندوهم إذا جمعتهم في مجلس ومنه دار الندوة وكانت تجمع القوم فجعلوا ذلك الامتحان بالإنعام والإحسان دليلاً على رضا الرحمن مع التكذيب والكفران وغفلوا عن أنّ في ذلك مع التكذيب بالبعث تكذيباً بما يشاهدون منا من القدرة على العقاب بإحلال النقم وسلب النعم ولو شئنا لأهلكناهم وسلبنا جميع ما يفتخرون به.
مريم 19:74
﴿وكم أهّلكنا قبلهم﴾ ثم بيّن إبهام كم بقوله :﴿من قرن﴾ شاهدوا ديارهم ورأوا آثارهم ﴿هم﴾ أي : أهل تلك القرون ﴿أحسن﴾ من هؤلاء ﴿أثاثاً﴾ أي : أمتعة ﴿ورئياً﴾ أي : ومنظراً فلو دلّ حصول نعم الدنيا للإنسان على كونه حبيب الله لوجب أن لا يصل إلى هؤلاء غمّ في الدنيا وقرأ قالون وابن ذكوان بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء وقفاً ووصلاً وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياءً وله فيها الإدغام والإظهار.
تنبيه :﴿كم﴾ مفعول ﴿أهلكنا﴾ مقدّم واجب التقديم لأنّ له صدر الكلام لأنها إمّا استفهامية أو خبرية وهي محمولة على الاستفهامية أي : كثيراً من القرون أهلكنا و﴿من قرن﴾ تمييز لكم مبين لها وإنما سمى أهل كل عصر قرناً لأنهم يتقدّمون من بعدهم وقول البيضاوي وهم أحسن صفة لكم تبع فيه الزمخشريّ وغيره ورد بأن كم الاستفهامية والخبرية لا توصف ولا يوصف بها فهم أحسن في محل جر صفة لقرن وجمعه نظراً للمعنى لأنّ القرن مشتمل على أفراد كثيرة.
مريم 19:75
ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ لهؤلاء المبعدين ردّاً عليهم وقطعاً لمعاذيرهم وهتكاً لشبههم هذا الذي افتخرتم به لا يدل على حسن الحال في الآخرة بل على عكس ذلك فقد جرت عادته تعالى أنه ﴿من كان في الضلالة﴾ مثلكم كوناً راسخاً بسط له في الدنيا وطيب عيشه في ظاهر الحال فيها ونعم بأنواع الملاذ وقوله ﴿فليمدد له الرحمن مدّاً﴾ أمر بمعنى الخبر معناً فندعه في طغيانه ونمهله في كفره بالبسط في الآثار والسعة في الديار والطول في الأعمال وإنفاقها فيما يستلذ به من الأوزار ولا يزال يمدّ له استدراجاً ﴿حتى إذا رأوا﴾ أي : كل من كفر بأعينهم ﴿ما يوعدون﴾ من قبل الله ﴿إمّا العذاب﴾ في الدنيا بأيدي المؤمنين وغيرهم أو في البرزخ ﴿وإما الساعة﴾ أي : القيامة التي هم بها مكذبون وعن الاستعداد لها معرضون ولا شيء يشبه أهوالها وخزيها ونكالها ﴿فسيعلمون﴾ إذا رأوا ذلك ﴿من هو شرّ مكاناً﴾ أي : من جهة المكان الذي قوبل به المقام في قولهم :﴿خير مقاماً﴾ ﴿وأضعف جنداً﴾ أي : أقل ناصراً أهم أم المؤمنون أي : أضعف من جهة الجند أي : الذي أشير به إلى النديّ في قولهم :﴿وأحسن ندياً﴾ لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة فهذا ردّأ عليهم في قولهم :﴿أيّ الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً﴾.
مريم 19:76
﴿ويزيد الله الذين اهتدوا﴾ إلى الإيمان ﴿هدى﴾ بما ينزل عليهم من الآيات عوض ما زوي عنهم من الدنيا لكرامتهم عنده مما بسط للضلال لهوانهم عليه وأشار إلى أنّ مثل ما خذل أولئك بالنوال وفّق هؤلاء لمحاسن الأعمال بإقلال الأموال فقال عز من قائل :﴿والباقيات الصالحات﴾ أي : الطاعات والمعارف التي شرحت لها الصدور وأنارت بها القلوب وأوصلت إلى علام الغيوب ﴿خير عند ربك﴾ مما متع به الكفرة والخيرية هنا في مقابلة قولهم :﴿أي الفريقين خير مقاماً﴾ وقيل :﴿الباقيات الصالحات﴾ هي الصلوات وقيل : التسبيح روى أبو الدرداء قال :«جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأخذ عوداً يابساً وأزال الورق عنه ثم قال : إنّ قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله تحط الخطايا كما يحط ورق هذه الشجرة الريح خذهنّ يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهنّ الباقيات الصالحات وهي من كنوز الجنة » فكان أبو الدرداء يقول : لأعملنّ ذلك ولأكثرنّ عمله حتى إذا رآني الجهال حسبوا أني مجنون. قال الرازي : والقول الأوّل أولى لأنه تعالى إنما وصفها بالباقيات الصالحات من حيث يدوم ثوابها فلا تختص ببعض العبادات فهي بأسرها باقية صالحة نظراً إلى أثرها الذي هو الهداية ثم بيّن تعالى خيريتها بقوله تعالى ﴿ثواباً﴾ أي : من جهة الثواب ﴿وخيرٌ مرداً﴾ أي : من جهة العاقبة يوم الحسرة.
فإن قيل : لا يجوز أن يقال هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره والذي عليه الكفار لا خير فيه أصلاً أجيب بأنّ المراد خير مما ظنه الكفار بقولهم :﴿خير مقاماً وأحسن ندياً﴾، وقيل : هو كقولهم الصيف أحرّ من الشتاء بمعنى أنه في حرّه أبلغ منه في برده فالكفرة يردّون إلى فناء وخسارة والمؤمنون إلى ربح وبقاء.
مريم 19:77
ولما ذكر تعالى الدلائل أوّلاً على صحة البعث ثم أورد شبهة المنكرين وأجاب عنها أورد عليهم الآن ما ذكروه على سبيل الاستهزاء طعناً في القول بالحشر فقال تعالى :﴿أفرأيت الذي﴾ أي : الذي يعرض عن هذا اليوم ويزيد على ذلك بأن ﴿كفر بآياتنا﴾ الدالات على عظمتنا بالدلالات البينات ﴿وقال﴾ جرأة منه وجهلاً ﴿لأوتينّ﴾ أي : والله لأوتين في الساعة على تقدير قيامها ﴿مالاً وولداً﴾ أي : عظيمين فلم يكفه في جهله تعجيز القادر حتى ضم إليه إقدار العاجز وقرأ حمزة والكسائي وولداً وكذا ولداً في جميع ما في هذه السورة بضم الواو وسكون اللام والباقون بفتح الواو واللام في الجميع يقال ولد وولد كما يقال عرب وعرب وعدم وعدم أما القراءة بفتحتين فواضحة وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع وأما قراءة الضم والإسكان فقيل : هي كالتي قبلها في المعنى وقيل : بل هي جمع لولد نحو أسد وأسد وأنشدوا على ذلك
ولقد رأيت معاشراً؍ قد أثمروا مالاً وولداً؍
وأنشدوا شاهداً على أنّ الولد والولد مترادفان قول الآخر
فليت فلاناً كان في بطن أمه؍ وليت فلاناً كان ولد حمار؍
مريم 19:78
ولما كان ما ادعاه لا علم به إلا بأحد أمرين لا علم له بواحد منهما أنكر قوله ذلك بقوله تعالى :﴿أطلع الغيب﴾ الذي هو غائب عن كل مخلوق فهو في بعد عن الخلق كالعالي الذي لا يمكن أحداً منهم الاطلاع إليه وتفرد به الواحد القهار ﴿أم اتخذ﴾ أي : بغاية جهده ﴿عند الرحمن عهداً﴾ عاهده عليه بأن يؤتيه ما ذكر بطاعة فعلها على وجهها ليقف سبحانه فيه عند قوله وقيل في العهد كلمة الشهادة، وعن قتادة هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول، وعن الكلبي هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك وعن الحسن رحمه الله تعالى نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور أنها في العاص بن وائل قال خباب بن الأرت كان لي عليه دين فاقتضيته فقال : لا والله حتى تكفر بمحمد فقلت : لا والله لا أكفر بمحمد حياً ولا ميتاً ولا حين تبعث قال : فإني إذا مت بعثت قلت : نعم قال : إذا بعثت جئني وسيكون لي ثمّ مال وولد فأعطيك وقيل : صاغ له خباب حُلياً فاقتضاه الأجر فقال : إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأنّ في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثم فإني أوتي مالاً وولداً فأعطيك حينئذٍ
مريم 19:79
ثم إنه سبحانه وتعالى بيّن من حاله ضدّ ما ادعاه فقال تعالى :﴿كلا﴾ وهي كلمة ردع وتنبيه على الخطأ أي : هو مخطئ فيما يقول ويتمناه ﴿سنكتب﴾ أي : نحفظ عليه ﴿ما يقول﴾ فنجازيه به في الآخرة وقيل : نأمر الملائكة حتى يكتبوا عليه ما يقول ﴿ونمدّ له من العذاب مدّاً﴾ أي : نزيده بذلك عذاباً فوق عذاب كفره وقيل : نطيل مدّة عذابه.
مريم 19:80
﴿ونرثه﴾ بموته ﴿ما يقول﴾ أي : ما عنده من المال والولد ﴿ويأتينا﴾ يوم القيامة ﴿فرداً﴾ لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا فضلاً أن يؤتى ثمّ زائداً قال تعالى :﴿ولقد جئتمونا فرادى﴾ [ الأنعام، ٩٤ ] وقيل : فرداً رافضاً لهذا القول منفرداً عنه.
مريم 19:81
ولما تكلم سبحانه وتعالى في مسألة الحشر والنشر تكلم الآن في الردّ على عباد الأصنام فقال :﴿واتخذوا﴾ أي : كفار قريش ﴿من دون الله﴾ أي : الأوثان ﴿آلهة﴾ يعبدونها ﴿ليكونوا لهم عزاً﴾ أي : منفعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من الهلاك ثم أجاب تعالى بقوله تعالى :﴿كلا﴾.
مريم 19:82
﴿كلا﴾ ردع وإنكار لتعززهم بها ﴿سيكفرون بعبادتهم﴾ أي : تستجحد الآلهة عبادتهم ويقولون ما عبدتمونا كقوله تعالى :﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾ [ البقرة، ١٦٦ ] وفي آية أخرى :﴿ما كانوا إيانا يعبدون﴾ [ القصص، ٦٣ ] وقيل : أراد بذلك الملائكة لأنهم كانوا يكفرون بعبادتهم ويتبرؤون منهم ويخصمونهم وهو المراد من قوله تعالى :﴿أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾ [ سبأ، ٤٠ ] وقيل : إنّ الله تعالى يحي الأصنام يوم القيامة حتى يوبخوا عبادهم ويتبرؤوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم ويجوز أن يراد الملائكة والأصنام ﴿ويكونون عليهم ضدّا﴾ أي : أعواناً وأعداءً.
فإن قيل : لم وحده وهو خبر عن جمع ؟ أجيب : بأنه إما مصدر في الأصل والمصادر موحدة مذكرة وإما لأنه مفرد في معنى الجمع قال الزمخشري : والضدّ العون وحد توحيد قوله عليه الصلاة والسلام :«وهم يد على من سواهم لاتفاق كلمتهم وأنهم كشيء واحد لفرط تضامّهم وتوافقهم » انتهى. والحديث رواه أبو داوود وغيره والشاهد فيه قوله يد حيث لم يقل أيد. ولما ذكر تعالى ما لهؤلاء الكفار مع آلهتهم في الآخرة ذكر بعده ما لهم مع الشياطين في الدنيا وأنهم يتولونهم وينقادون إليهم فقال تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم.
مريم 19:83
﴿ألم تر﴾ أي : تنظر ﴿أنّا أرسلنا﴾ أي : سلطنا ﴿الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً﴾ الأز والهز والاستفزاز أخوات ومعناها التهييج وشدّة الإزعاج أن تغريهم على المعاصي وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات.
مريم 19:84
﴿فلا تعجل عليهم﴾ أي : تطلب عقوبتهم بأن يهلكوا ويبيدوا حتى تستريح أنت والمسلمون من شرورهم ﴿إنما نعدّ لهم عدّاً﴾ أي : ليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة، ونظيره قوله تعالى :﴿ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ﴾ [ الأحقاف، ٣٥ ]
وعن ابن عباس كان إذا قرأها بكى وقال آخر العدد خروج نفسك آخر العدد دخول قبرك آخر العدد فراق أهلك.
وعن ابن السماك أنه كان عند المأمون فقرأها فقال إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد، وقيل : نعدّ أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على قليلها وكثيرها، وقيل نعدّ الأوقات إلى وقت الأجل المعين لكل أحد الذي لا يتطرق إليه الزيادة والنقصان.
مريم 19:85
ثم بيّن تعالى ما سيظهر في ذلك اليوم من الفصل بين المتقين والمجرمين في كيفية الحشر فقال :﴿يوم﴾ أي : واذكر يوم ﴿نحشر المتقين﴾ بإيمانهم ﴿إلى الرحمن﴾ أي : إلى محل كرامته وقوله تعالى ﴿وفداً﴾ حال أي : وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم والوفد الجماعة الوافدون يقال وفد يفد وفداً ووفوداً ووفادة أي : قدم على سبيل التكرمة فهو في الأصل مصدر ثم أطلق على الأشخاص كالصف، وقال أبو البقاء وفد جمع وافد مثل ركب وراكب وصحب وصاحب وهذا الذي قاله ليس بمذهب سيبويه لأنّ فاعلاً لا يجمع على فعل عند سيبويه وأجازه الأخفش وجرى عليه الجلال المحلي فقال : وفد جمع وافد بمعنى راكب انتهى.
وقال ابن عباس : وفداً ركباناً، وقال أبو هريرة على الإبل وقال عليّ رضي الله تعالى عنه والله ما يحشرون على أرجلهم ولكن فوق نوق رحالها الذهب ونجائب سروجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت.
مريم 19:86
﴿ونسوق المجرمين﴾ بكفرهم ﴿إلى جهنم﴾ وقوله تعالى :﴿ورداً﴾ حال أي : مشاة بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء وقيل : عطاش قد تقطعت أعناقهم من شدّة العطش لأنّ من يرد الماء لا يرد إلا بعطش وحقيقة الورد المسير إلى الماء.
مريم 19:87
وقوله تعالى :﴿لا يملكون الشفاعة﴾ الضمير فيه للعباد المدلول عليهم بذكر المتقين والمجرمين وقيل للمتقين وقيل : للمجرمين وقوله تعالى :﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً﴾ استثناء متصل على القولين الأوّلين، منقطع على الثالث والمعنى أنّ الشافعين لا يشفعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً كقوله تعالى :﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [ الأنبياء، ٢٨ ] ويدخل في ذلك أهل الكبائر من المسلمين إذ كل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهداً وهو التوحيد فوجب دخوله تحته ويؤيده ما روى عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم :«أيعجز أحدكم أن يتخذ عند كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا : وكيف ذلك قال : يقول كل صباح ومساء : اللهمّ فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأنّ محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهد توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة » فظهر أنّ المراد من العهد كلمة الشهادة وظهر وجه الدلالة على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر.
مريم 19:88
ولما ردّ سبحانه وتعالى على عبدة الأوثان عاد إلى الردّ على من أثبت له ولداً بقوله تعالى :﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً﴾ أي : قالت اليهود : عزير ابن الله وقالت النصارى : المسيح ابن الله وقالت العرب : الملائكة بنات الله.
مريم 19:89
﴿لقد جئتم شيئاً إدّاً﴾ قال ابن عباس أي : منكراً وقال قتادة أي : عظيماً وقال ابن خالويه : الأدّ والإدّ العجب وقيل : العظيم المنكر والإدة الشدّة وأدّني الأمر وأدني أثقلني وعظم عليّ
مريم 19:90
وقرأ :﴿تكاد السماوات﴾ نافع والكسائي بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث وقرأ ﴿يتفطرن منه﴾ أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة بعد الياء بنون ساكنة وكسر الطاء مخففاً والباقون بعد الياء بتاء وفتح الطاء مشدّدة يقال انفطر الشيء وتفطر أي : تشقق وقراءة التشديد أبلغ لأنّ التفعل مطاوع فعل والانفعال مطاوع فعل ولأنّ أصل التفعل التكلف ﴿وتنشق الأرض﴾ أي : تنخسف بهم ﴿وتخرّ الجبال هدّاً﴾ أي : تسقط وتنطبق عليهم.
مريم 19:91
﴿أن﴾ أي : من أجل أن ﴿دعوا للرحمن ولداً﴾ قال ابن عباس وكعب : فزعت السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا اتخذ الله ولداً.
فإن قيل : كيف يؤثر القول في انفطار السماوات وانشقاق الأرض وخرور الجبال ؟ أجيب بوجوه ؛ الأوّل : أنّ الله تعالى يقول كدت أفعل هذا بالسماوات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي وإني لا أعجل بالعقوبة، الثاني : أن يكون استعظاماً للكلمة وتهويلاً وتصويراً لأثرها في الدين وهدمها لقواعده وأركانه الثالث : أنّ السماوات والأرض والجبال تكاد أن تفعل كذلك لو كانت تعقل هذا القول.
مريم 19:92
ثم نفى الله تعالى عن نفسه الولد بقوله تعالى :﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً﴾ أي : ما يليق به اتخاذ الولد ؛ لأنّ ذلك محال أما الولادة المعروفة فلا مقالة في امتناعها وأمّا التبني فإنّ الولد لا بدّ وأن يكون شبيهاً بالوالد ولا شبيه لله تعالى لأنّ اتخاذ الولد إنما يكون لأغراض إمّا من سرور أو استعانة أو ذكر جميل وكل ذلك لا يصح في حق الله تعالى.
مريم 19:93
﴿إن﴾ أي : ما ﴿كل من في السماوات والأرض﴾ أي : أنّ كل معبود من الملائكة في السماوات والأرض من الناس منهم العزير وعيسى ﴿إلا آتي الرحمن﴾ أي : ملتجئ إلى ربوبيته ﴿عبداً﴾ منقاداً مطيعاً ذليلاً خاضعاً كما يفعل العبيد ومن المفسرين كالجلال المحلي من حمله على يوم القيامة خاصة والأوّل أولى لأنه لا تخصيص في الآية.
مريم 19:94
﴿لقد أحصاهم﴾ أي : حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوزه وعلمه وقبضته وقدرته وكلهم تحت تدبيره وقهره ﴿وعدّهم عدّاً﴾ أي : عدّ أشخاصهم وأيامهم وأنفاسهم وأفعالهم فإنّ كل شيء عنده بمقدار لا يخفى عليه شيء من أمورهم.
مريم 19:95
﴿وكلهم آتيه﴾ أي : كل واحد منهم يأتيه ﴿يوم القيامة فرداً﴾ أي : وحيداً ليس معه من الدنيا شيء من مال أو نصير يمنعه.
مريم 19:96
ولما رد سبحانه وتعالى على أصناف الكفرة وبالغ في شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين فقال :﴿إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً﴾ أي : سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرّض منهم لأسبابها من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك. روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إذا أحب الله عبداً يقول لجبريل أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء قد أحبّ الله فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم توضع له المحبة في الأرض » وإذا أبغض الله العبد قال مالك لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك والسين في سيجعل إما لأنّ السورة مكية وكان المؤمنون حينئذٍ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله تعالى ذلك إذا قوي الإسلام والمعنى سيحدث لهم في القلوب مودة وإمّا أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم الله إلى خلقه بما يظهر من حسناتهم، وروي عن كعب قال مكتوب في التوراة لا محبة لأحدٍ في الأرض حتى يكون ابتداؤها من السماء من الله عز وجل ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض ومصداق ذلك في القرآن قوله :﴿سيجعل لهم الرحمن ودّاً﴾ وقال أبو مسلم : معناه يهب لهم ما يحبون والودّ والمحبة سواء.
مريم 19:97
ولما ذكر سبحانه وتعالى في هذه السورة التوحيد والنبوّة والحشر والردّ على فرق المبطلين بيّن تعالى أنه يسر ذلك بلسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله :﴿فإنما يسرناه﴾ أي : القرآن ﴿بلسانك﴾ أي : العربي أي : لولا أنه تعالى نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك لك ﴿لتبشر به المتقين﴾ أي : المؤمنين ﴿وتنذر﴾ أي : تخوّف ﴿به قوماً لدّاً﴾ جمع ألد أي : جدل بالباطل وهم كفار مكة.
مريم 19:98
ثم إنه تعالى ختم السورة بموعظة عظيمة بليغة فقال تعالى :﴿وكم﴾ أي : كثيراً ﴿أهلكنا قبلهم من قرن﴾ أي : أمّة من الأمم الماضية بتكذيب الرسل لأنهم إذا تأمّلوا وعلموا أنه لا بدّ من زوال الدنيا وأنه لا بدّ فيها من الموت وخافوا سوء العاقبة في الآخرة كانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب. ثم أكد ذلك بقوله تعالى :﴿هل تحس﴾ أي : ترى وقيل : تجد ﴿منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً﴾ أي : صوتاً خفياً لا قال الحسن : بادوا جميعاً فلم يبق منهم عين ولا أثر أي : فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء.
تنبيه : الركز الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم ومنه ركز الرمح أي : غيبه في الأرض وأخفاه ومنه الركاز وهو المال المدفون لخفائه واستتاره.
طه 20:1
﴿طه﴾ شعبة وحمزة والكسائي بإمالة الطاء والهاء ووافقهم ورش وأبو عمرو على إمالة الهاء محضة ولم يمل ورش محضة إلا هذه الهاء وقد تقدّم الكلام في الحروف المقطعة في أوّل سورة البقرة وفي هذه هاهنا قولان : الصحيح أنها من تلك وقيل : إنها كلمة مفيدة أما على القول الأوّل فقد تقدّم الكلام فيه في أوّل سورة البقرة والذي زادوه هنا أمور :
أحدها : قال الثعالبي : الطاء شجرة طوبى والهاء الهاوية فكأنه أقسم بالجنة والنار.
ثانيها : يحكى عن جعفر الصادق الطاء طهارة أهل البيت والهاء هدايتهم.
ثالثها : قال سعيد بن جبير : هذا افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي.
رابعها : مطمع الشفاعة للأمة وهادي الخلق إلى الملة.
خامسها : الطاء من الطهارة والهاء من الهداية فكأنه قيل يا طاهراً من الذنوب يا هادياً إلى علام الغيوب.
سادسها : الطاء طول القراءة والهاء هيبتهم في قلوب الكفار قال تعالى :﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ [ آل عمران، ١٥١ ].
سابعها : الطاء بتسعة في الحساب والهاء بخمسة تكون أربعة عشر ومعناها يا أيها البدر وأمّا على القول الثاني فقيل : معنى طه يا رجل وهو يروى عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة والكلبي، ثم قال سعيد بن جبير بالنبطية، وقال قتادة بالسريانية وقال عكرمة بالحبشية وقال الكلبي بلغة عك وهو بتشديد الكاف ابن عدنان أخو معد، وحكى الكلبي أنك لو قلت في عك يا رجل لم تجب حتى تقول طه، وقال السدّي : معناه يا فلان وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فؤمر أن يطأ الأرض بقدميه معاً.
طه 20:2
وقال الكلبيّ : لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه وكان يصلي الليل كله فأنزل الله عليه هذه الآية وأمره أن يخفف على نفسه فقال تعالى :﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ أي : لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول قيامك بصلاة الليل أي : خفف عن نفسك فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم صلى الليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام ابق على نفسك فإنّ لها عليك حقاً ما أنزلناه لتهلك نفسك بالصلاة وتذيقها المشقة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة وروى أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام وقيل : لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك أي : لتتعنى وتتعب وما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك فنزلت، وأصل الشقاء في اللغة العناء وقيل : المعنى أنك لا تلام على كفر قومك، كقوله تعالى :﴿لست عليهم بمسيطر﴾ [ الغاشية، ٢٢ ] وقوله تعالى :﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ [ الأنعام، ١٠٧ ] أي : أنك لا تؤاخذ بذنبهم وقيل : إنّ هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت مقهوراً تحت ذل الأعداء فكأنه تعالى قال لا تظنّ أنك تبقى أبداً على هذه الحالة بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك القرآن لتبقى شقياً فيما بينهم بل لتصير معظماً مكرّماً. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة وأبو عمرو بين بين وورش بين اللفظين والفتح عنده ضعيف جدّاً، وكذلك جميع رؤوس آي هذه السورة من ذوات الياء.
طه 20:3
وقوله تعالى :﴿إلا تذكرة﴾ استثناء منقطع أي : لكن أنزلناه تذكرة. قال الزمخشري : فإن قلت هل يجوز أن يكون ﴿تذكرة﴾ بدلاً من محل ﴿لتشقى﴾ ؟ قلت لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي إلا فيه بمعنى لكن ﴿لمن يخشى﴾ أي : لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار أو لمن علم الله تعالى منه أن يخشى بالتخويف منه، فإنه المنتفع به.
طه 20:4
وقوله تعالى :﴿تنزيلاً﴾ بدل من اللفظ بفعله الناصب له ﴿ممن خلق الأرض﴾ أي : من الله الذي خلق الأرض ﴿والسماوات العلى﴾ أي : العالية الرفيعة التي لا يقدر على خلقها في عظمها غير الله تعالى والعلي جمع علياً كقولهم كبرى وكبر وصغرى وصغر وقدّم الأرض على السماوات لأنها أقرب إلى الجنس وأظهر عنده من السماوات ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش وأجرى منه الأحكام والتقادير وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسبما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته فقال تعالى :﴿الرحمن على العرش﴾.
طه 20:5
﴿الرحمن على العرش﴾ وهو سرير الملك ﴿استوى﴾ أي : استواء يليق به فإنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان وإذا خلق الله الخلق لا يحتاج إلى مكان فهو بالصفة التي كان لم يزل عليها وتقدّم الكلام على ذلك في سورة الأعراف مستوفي فراجعه.
طه 20:6
ثم استدل سبحانه وتعالى على كمال قدرته بقوله تعالى :﴿له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى﴾ فهو مالك لما في السماوات من ملك ونجم وغيرهما ومالك لما في الأرض من المعادن والفلوات ومالك لما بينهما من الهواء ومالك لما تحت الثرى وهو التراب الندي والمراد الأرضون السبع لأنها تحته وقال ابن عباس : إنّ الأرضين على ظهر النون والنون على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش والبحر على صخرة خضراء خضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قصة لقمان ﴿فتكن في صخرة﴾ [ لقمان، ١٦ ] والصخرة على قرن ثور والثور على الثرى وما تحت الثرى لا يعلمه إلا الله عز وجل وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله تعالى البحار بحراً واحداً سالت في جوف ذلك الثور فإذا وقعت في جوفه يبست. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة وورش بين اللفظين وكذا جميع رؤوس أي السورة من ذوات الراء.
طه 20:7
ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور وخفياتها على حدّ سواء فقال تعالى :﴿وإن تجهر بالقول﴾ أي : تعلن بالقول في ذكر أو دعاء فالله تعالى غنيّ عن الجهر به ﴿فإنه يعلم السر وأخفى﴾ قال الحسن : في السر ما أسرّ الرجل إلى غيره وأخفى من ذلك ما أسرّ في نفسه، وعن ابن عباس ﴿السر﴾ ما تسر في نفسك ﴿وأخفى﴾ من السر ما يلقيه الله تعالى في قلبك من بعد ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك لأنك تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غداً والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر غداً، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :﴿السر﴾ ما أسر ابن آدم في نفسه ﴿وأخفى﴾ ما خفى عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه، وقال مجاهد :﴿السر﴾ العمل الذي يسر من الناس ﴿وأخفى﴾ الوسوسة، وقيل : السرّ هو العزيمة وأخفى ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه، وقال زيد بن أسلم : يعلم أسرار العباد وأخفى سره من عباده فلا يعلمه أحد.
طه 20:8
ولما ذكر صفاته وحّد نفسه فقال تعالى :﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ التسعة والتسعون الوارد بها الحديث والحسنى تأنيث الأحسن وفضل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في الحسن لدلالتها على معان هي أشرف المعاني وأفضلها.
روي أنّ لله تعالى أربعة آلاف اسم ألف لا يعلمها إلا هو وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة والأنبياء وأما الألف الرابعة فالمؤمنون يعلمونها فثلاثمائة في التوراة وثلاثمائة في الإنجيل وثلاثمائة في الزبور ومائة في القرآن تسعة وتسعون منها ظاهرة وواحد مكنون من أحصاها دخل الجنة وذكر في لا إله إلا الله فضائل كثيرة أذكر بعضها وأسأل الله تعالى أن يجعلنا ومحبينا من أهلها.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :" أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء أستغفر الله ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ".
وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال :" إنّ الله تعالى خلق ملكاً من الملائكة قبل أن يخلق السماوات والأرض وهو يقول أشهد أن لا إله إلا الله ماداً بها صوته لا يقطعها ولا يتنفس فيها ولا يتمها فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت القيامة تعظيماً لله ".
وعن أنس قال صلى الله عليه وسلم :" مازلت أشفع إلى ربي ويشفعني وأشفع إليه ويشفعني حتى قلت يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله فقال يا محمد ليست لك ولا لأحد وعزتي وجلالي لا أدع أحداً في النار قال لا إله إلا الله ".
وقال سفيان الثوري : سألت جعفر بن محمد عن ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ فقال الحاء حلمه والميم ملكه والعين عظمته والسين سناؤه والقاف قدرته يقول الله عز وجل بحلمي وملكي وعظمتي وسنائي وقدرتي لا أعذب بالنار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله.
روي عن موسى عليه السلام أنه قال : يا رب علمني شيئاً أذكرك به قال : قل لا إله إلا الله، قال : إنما أردت شيئاً تخصني به قال يا موسى لو أن السماوات السبع ومن فوقهنّ في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهنّ لا إله إلا الله، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى :﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ [ إبراهيم، ٢٤ ] أنها لا إله إلا الله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [ فاطر، ١٠ ] لا إله إلا الله ﴿وتواصوا بالحق﴾ [ العصر، ٤ ] لا إله إلا الله ﴿قل إنما أعظكم بواحدة﴾ [ سبأ، ٤٦ ] لا إله إلا الله ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ [ الصافات، ٢٤ ] عن قول لا إله إلا الله ﴿بل جاء بالحق وصدق المرسلين﴾ [ الصافات، ٣٧ ] هو لا إله إلا الله ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [ إبراهيم، ٢٧ ] هو لا إله إلا الله ﴿ويضل الله الظالمين﴾ [ إبراهيم، ٢٧ ] عن قول لا إله إلا الله.
وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من قال في السوق لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى له بيتاً في الجنة » قال الرازي وفي النكت ينبغي لأهل لا إله إلا الله أن يخلصوا في أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا الله التصديق والتعظيم والجلالة والحرمة فمن ليس له التصديق فهو منافق ومن ليس له التعظيم فهو مبتدع ومن ليس له الجلالة فهو مراء ومن ليس له الحرمة فهو فاجر وكذاب.
وحكي أنّ بشراً الحافي رأى كاغداً فيه بسم الله الرحمن الرحيم فرفعه وطيبه بالمسك فرأى في النوم كأنه نودي يا بشر طيبت اسمنا فنحن نطيب اسمك في الدنيا والآخرة.
وذكر أنّ صياداً كان يصيد السمك وكانت ابنته تطرحها في الماء وتقول إنما وقعت في الشبكة لغفلتها إلهنا تلك الصبية كانت ترحم غفلتها وكانت تلقيها مرة أخرى في البحر ونحن قد اصطادتنا وسوسة الشيطان وأخرجنا من بحر رحمتك فارحمنا بفضلك وخلصنا منه وألقنا في بحار رحمتك مرّة أخرى.
وعن محمد بن كعب القرظي قال : قال موسى : إلهي أي : خلقك أكرم عليك ؟ قال : الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري، قال : فأي خلقك أعظم ؟ قال : الذي يلتمس إلى علمه علم غيره، قال : فأيّ خلقك أعدل ؟ قال : الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس، قال : وأيّ خلقك أعظم جرماً ؟ قال : الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قسمت له. إلهنا إنا لانتهمك فإنّا نعلم أنّ كل ما أحسنت به فهو فضل وكل ما لا تفعله فهو عدل فلا تؤاخذنا بسوء أفعالنا وأعمالنا.
وعن الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد سيعلم الجمع من أولى بالكرم أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع ؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس، ثم يقال : أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ؟ ثم ينادي منادٍ أين : الحامدون الله كثيراً على كل حال ؟ ثم يكون الحساب على من بقي. إلهنا نحن حمدناك وأثنينا عليك بمقدار طاقتنا ومنتهى قدرتنا فاعف عنا بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، ولما عظّم الله تعالى حال القرآن وحال رسوله صلى الله عليه وسلم بما كلفه أتبع ذلك بما يقوي قلب رسوله صلى الله عليه وسلم من ذكر أحوال الأنبياء تقوية لقلبه في الإبلاغ كقوله تعالى :﴿وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ [ هود، ١٢٠ ].
طه 20:9
وبدأ بموسى لأنّ فتنته كانت أعظم الفتن ليتسلى قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ويصبر على حمل المكاره، فقال تعالى :﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ وهذا محتمل لأن يكون هذا أوّل ما أخبر به من أمر موسى فقال :﴿وهل أتاك﴾ أي : لم يأتك إلى الآن فتنبه له وهذا قول الكلبي ومحتمل أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان المتقدم فكأنه قال : أليس قد أتاك ؟ وهذا قول مقاتل والضحاك عن ابن عباس وهذا وإن كان على لفظ الاستفهام الذي لا يجوز على الله تعالى لكن المقصود منه تقرير الخبر في نفسه وهذه الصورة أبلغ في ذلك كقولك لصاحبك هل بلغك عني كذا ؟ فيتطلع السامع إلى معرفة ما يومئ إليه ولو كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر من قبل موسى لا من قبل الله تعالى، وقيل : إن هل بمعنى قد وجرى على ذلك الجلال المحلي تبعاً للبغوي.
طه 20:10
وقوله تعالى :﴿إذ رأى﴾ يجوز أن يكون منصوباً بالحديث وهو الظاهر ويجوز أن ينصب باذكر مقدراً أي : واذكر إذ رأى ﴿ناراً﴾ وذلك أنّ موسى عليه السلام استأذن شعيباً عليه السلام في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة والدته وأخيه فأذن له فخرج بأهله وماله وكانت أيام شتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام وامرأته حامل في شهرها لا تدري ليلاً تضع أو نهاراً فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد.
قيل : كانت ليلة جمعة وأخذت امرأته في الطلق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وجعل يقدح زنده فلا يوري فأبصر ناراً من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور ﴿فقال لأهله امكثوا﴾ أي : أقيموا في مكانكم والخطاب لامرأته وولدها والخادم ويجوز أن يكون للمرأة وحدها خرج على ظاهر لفظ الأهل فإنّ الأهل يقع على الجمع وأيضاً قد يخاطب الواحد بلفظ الجمع تفخيماً وقرأ حمزة بضم الهاء في الوصل والباقون بالكسر ﴿إني آنست﴾ أي : أبصرت ﴿ناراً﴾ والإيناس الإبصار البين الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين لأنه يتبين به الشيء والإنس لظهورهم كما قيل الجنّ لاستتارهم.
وقيل : إبصار ما يؤنس به ولما وجد منه الإيناس وكان متيقناً حققه لهم بكلمة إني ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع فقال :﴿لعلي آتيكم منها بقبس﴾ أي : شعلة في رأس فتيلة أو عود أو نحو ذلك وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء في إني ولعلي الآتية والباقون بالسكون إلا ابن عامر ففتح لعلى مع من ذكروهم على مراتبهم في المدّ ﴿أو أجد على النار هدى﴾ أي : هادياً يدلني على الطريق ومعنى الاستعلاء في على النار أنّ أهل النار يستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في مررت بزيد إنه لصوق بمكان يقرب من زيد أو لأنّ المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفين عليها.
وقال بعضهم : النار أربعة أقسام نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا ونار تشرب ولا تأكل وهي التي في الشجر الأخضر كما قال تعالى :﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً﴾ [ يس، ٨٠ ] ونار تأكل وتشرب وهي نار المعدة ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار موسى.
وقيل أيضاً : النار أربعة ؛ أحدها : نار لها نور بلا حرقة وهي نار موسى عليه السلام، ثانيها : لها حرقة بلا نور وهي نار جهنم أعاذنا الله تعالى منها، ثالثها : لها الحرقة والنور وهي نار الدنيا، رابعها : لا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار.
طه 20:11
تنبيه : إن وصلت هدى ب ﴿فلما﴾ فليس فيها إلا التنوين للجميع وإن وقف عليها فهم على أصولهم في الفتح والإمالة وبين اللفظين.
﴿فلما أتاها﴾ أي : النار قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها أطافت بها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون فوقف متعجباً من شدّة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة يغير ضوء النار قال ابن مسعود كانت الشجرة مثمرة خضراء وقال مقاتل وقتادة والكلبي : كانت من العوسج، وقال وهب : كانت من العليق، وقيل : من العناب قال أكثر المفسرين : إنّ الذي رآه موسى لم يكن ناراً بل كان من نور الرب تعالى وهو قول ابن عباس وعكرمة وغيرهما ذكر بلفظ النار لأنّ موسى عليه السلام حسبه ناراً فلما دنا منها سمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً قال وهب ظنّ موسى أنها نار أوقدت فأخذ من دقاق الحطب وهو الحشيش اليابس ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها ثم لم يكن بأسرع من خمودها كأنها لم تكن ثم رمى موسى ببصره إلى فروعها فإذا خضرتها ساطعة في السماء وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكلّ عنه الأبصار. فلما رأى موسى عليه السلام ذلك وضع يديه على عينيه وألقيت عليه السكينة ﴿نودي يا موسى﴾.
طه 20:12
﴿إني أنا ربك﴾ قال وهب نودي من الشجرة فقيل : يا موسى فأجاب سريعاً ولم يدر من دعاه فقال إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك منك فعلم أنّ ذلك لا ينبغي إلا لله تعالى فأيقن به.
وقيل : إنه سمع بكل أجزائه حتى أنّ كل جارحة منه كانت أذناً وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة من إني على تقدير الباء أي : بأني لأنّ النداء يوصل بها تقول ناديته بكذا وأنشد الفارسي قول الشاعر :
ناديت باسم ربيعة بن مكدّم؍ أنّ المنوه باسمه الموثوق؍
وجوّز ابن عطية أن تكون بمعنى لأجل وليس بظاهر والباقون بالكسر إمّا على إضمار القول كما هو رأي البصريين أي : فقيل : وإما لأنّ النداء في معنى القول عند الكوفيين وقوله تعالى :﴿أنا﴾ يجوز أن يكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر إن ويجوز أن يكون توكيد للضمير المنصوب ويجوز أن يكون فصلاً.
وروى ابن مسعود مرفوعاً في قوله تعالى :﴿فاخلع نعليك﴾ إنهما كانا من جلد حمار ميت ويروى غير مدبوغ فأمر بخلعهما صيانة للوادي المقدّس وقال عكرمة ومجاهد : إنما أمر بذلك ليباشر بقدمه تراب الأرض المقدّسة فيناله بركتها ويدل لذلك أنه قال تعالى عقبه :﴿إنك بالوادي المقدّس﴾ أي : المطهر أو المبارك فخلعهما وألقاهما من وراء الوادي هذا ما قاله أهل التفسير.
وذكر أهل الإشارة في ذلك وجوهاً :
أحدها : أنّ النعل في النوم يعبر بالزوجة وقوله :﴿فاخلع نعليك﴾ إشارة إلى أنه لا يلتفت بخاطره إلى الزوجة والولد وأن لا يبقى مشغول القلب بأمرهما.
ثانيها : المراد بخلع النعلين ترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة كأنه أمره أن يصير مستغرق القلب بالكلية في معرفة الله تعالى فلا يلتفت إلى المخلوقات.
ثالثها : أن الإنسان حال الاستدلال على وجود الصانع لا يمكنه أن يتوصل إليه إلا بمقدمتين مثل أن يقول العالم المحسوس محدث وكل ما كان كذلك فله مؤثر ومدبر وصانع فهاتان المقدمتان شبيهتان بالنعلين لأنّ بهما يتوصل العقل إلى المقصود وينتقل من النظر في الخلق إلى معرفة الخالق ثم بعد الوصول إلى معرفة الخالق وجب أن لا يبقى ملتفتاً إلى تلك المقدمتين، فكأنه قيل : لا تكن مشتغل الخاطر بتلك المقدّمتين فإنك وصلت إلى الوادي المقدس الذي هو بحر معرفة الله تعالى : وقوله تعالى :﴿طوى﴾ بدل أو عطف بيان وقرأه هنا وفي النازعات نافع وابن كثير وأبو عمرو بغير تنوين فهو ممنوع من الصرف باعتبار البقعة مع العلمية وقيل : لأنه معدول عن طاو فهو مثل عمر للعدل عن عامر وقيل : إنه اسم أعجمي ففيه العلمية والعجمة والباقون بالتنوين فهو مصروف باعتبار المكان ففيه العلمية فقط وعند هؤلاء ليس بأعجميّ.
طه 20:13
وقوله تعالى :﴿وأنا اخترتك﴾ أي : اصطفيتك للرسالة من قومك قرأ حمزة بتشديد النون من أنا وقرأ اخترناك بنون بعدها ألف بلفظ الجمع والباقون بتاء مضمومة وقوله تعالى :﴿فاستمع لما يوحى﴾ أي : إليك مني فيه نهاية الهيبة والجلالة كأنه تعالى قال : لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفاً إليه وفي قوله تعالى :﴿وأنا اخترتك﴾ نهاية اللطف والرحمة فيحصل له من الأوّل نهاية الرجاء ومن الثاني نهاية الخوف.
تنبيه : يجوز في لام ﴿لما﴾ أن تتعلق فاستمع وهو أولى وأن تكون مزيدة في المفعول على حد قوله تعالى :﴿ردف لكم﴾ [ النمل، ٧٢ ] وجوّز الزمخشريّ أن يكون ذلك من باب التنازع ونازعه أبو حيان بأنه لو كان كذلك لأعاد الضمير مع الثاني فكان يقول فاستمع له لما يوحى، وأجيب عنه بأنّ مراده التعلق المعنوي من حيث الصلاحية وأما تقدير الصناعة فلم يعنه.
طه 20:14
وقوله تعالى :﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ بدل مما يوحى دال على أنه مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل وفي هذه الآية دلالة على أنّ علم أصول الدين مقدّم على علم الفروع، وأيضاً فالفاء في قوله تعالى فاعبدني تدل على أنّ عبادته إنما لزمت لآلهيته لأن التوحيد من علم الأصول والعبادة من علم الفروع وخص الصلاة بالذكر وأفردها في قوله تعالى ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ للعلة التي أناط بها إقامتها وهو تذكير المعبود وشغل القلب واللسان بذكره.
وقيل :﴿لذكري﴾ لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها وقيل : لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي لما روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها إنّ الله يقول وأقم الصلاة لذكري » وقيل : لأنّ أذكرك بالثناء والمدح واجعل لك عليها لسان صدق علياً وقيل :﴿لذكري﴾ خاصة لا تشوبه بذكر غيري.
طه 20:15
ولما خاطب تعالى موسى عليه السلام بقوله تعالى :﴿فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ أتبعه بقوله تعالى :﴿إنّ الساعة آتية﴾ أي : كائنة ﴿أكاد أخفيها﴾ قال أكثر المفسرين معناه أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها غيري من الخلق وكيف أظهرها لكم ذكر تعالى على عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء يقول الرجل كتمت سري من نفسي أي : أخفيته غاية الإخفاء والله تعالى لا يخفى عليه شيء والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت وكذلك المعنى في إخفاء وقت الموت لأنّ الله تعالى وعد قبول التوبة فإذا عرف وقت موته وانقضاء أجله اشتغل بالمعاصي إلى أن يقرب ذلك الوقت فيتوب ويصلح العمل فيتخلص من عقاب المعاصي بتعريف وقت موته فتعريف وقت الموت كالإغراء بفعل المعصية فإذا لم يعلم وقت موته لا يزال على قدم الخوف والوجل فيترك المعاصي أو يتوب منها في كل وقت خوف معاجلة الأجل. وقال أبو مسلم :﴿أكاد﴾ بمعنى أريد وهو كقوله تعالى :﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ [ يوسف، ٧٦ ] ومن أمثالهم المتداولة لا أفعل ذلك ولا أكاد أي : لا أريد أن أفعله وقال الحسن : إن أكاد من الله واجب فمعنى قوله تعالى :﴿أكاد أخفيها﴾ أي : أنا أخفيها عن الخلق كقوله تعالى :﴿عسى أن يكون قريباً﴾ [ الإسراء، ٥١ ] أي : هو قريب وقيل : أكاد صلة في الكلام والمعنى أنّ الساعة آتية أخفيها. قال زيد الخيل :
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه؍ فما أن يكاد قرنه يتنفس؍
طه 20:16
أي فما أن يتنفس قرنه وقوله تعالى :﴿لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ أي : تعمل من خير أو شرّ متعلق بآتية، واختلف في المخاطب بقوله تعالى :﴿فلا يصدّنك﴾ أي : يصرفنك ﴿عنها من لا يؤمن بها﴾ فقيل : وهو الأقرب كما قاله الرازي أنه موسى عليه السلام لأنّ الكلام أجمع خطاب له، وقيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم واختلف أيضاً في عود هذين الضميرين على وجهين :
أحدهما : قال أبو مسلم ﴿لا يصدّنك عنها﴾ أي : عن الصلاة التي أمرتك بها ﴿من لا يؤمن بها﴾ أي : بالساعة فالضمير الأوّل عائد إلى الصلاة والثاني إلى الساعة ومثل هذا جائز في اللغة فالعرب تلف الخبرين ثم ترمي بجوابهما جملة ليردّ السامع إلى كل خبر حقه.
ثانيهما : قال ابن عباس :﴿فلا يصدنك﴾ عن الساعة أي : عن الإيمان بها ﴿من لا يؤمن بها﴾ فالضميران عائدان إلى يوم القيامة وهذا أولى لأن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات وهاهنا الأقرب هو الساعة وما قاله أبو مسلم إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هاهنا.
تنبيه : المقصود من ذلك نهى موسى عليه السلام عن التكذيب بالبعث ولكن ظاهر اللفظ يقتضي نهي من لم يؤمن عن صدّ موسى وفيه وجهان :
أحدهما : أنّ صدّ الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على حمله على المسبب.
الثاني : أنّ صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين فذكر المسبب ليدل على السبب كقولهم لا أرينك هاهنا المراد نهي المخاطب عن حضوره له لا أن يراه هو فالرؤية مسببة عن الحضور كما أنّ صدّ الكافر مسبب عن الرخاوة والضعف في الدين فقيل : لا تكن رخواً بل كن شديداً صلباً حتى لا يلوح منك لمن يكفر بالبعث أنه يطمع في صدك عما أنت عليه ﴿واتبع هواه﴾ أي : ميل نفسه إلى اللذات المحبوبة المخدجة لقصر نظره عن غيرها وخالف أمر الله ﴿فتردى﴾ أي : فتهلك إن انصددت عنها.
طه 20:17
و﴿ما﴾ في قوله تعالى :﴿وما تلك بيمينك﴾ مبتدأ استفهامية و﴿تلك﴾ خبره و﴿بيمينك﴾ حال من معنى الإشارة وقوله تعالى :﴿يا موسى﴾ تكرير لأنه ذكره قبل في قوله تعالى :﴿نودي يا موسى﴾ وبعد في مواضع ك ﴿ألقها يا موسى﴾ لزيادة الاستئناس والتنبيه.
فإن قيل : السؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله تعالى محال فما الفائدة في ذلك ؟
أجيب : بأنّ في ذلك فوائد ؛ الأولى : توقيفه على أنها عصا حتى إذا قلبها حية علم أنها معجزة عظيمة وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره هل تعرف هذا ؟ وهو لا يشك أنه يعرفه ويريد أن يضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه. الثانية : أن يقرّر عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعباناً لا يخافها. الثالثة : أنه تعالى لما أراه تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء وأسمعه كلام نفسه ثم أورد عليه التكليف الشاق وذكر له المعاد وختم ذلك بالتهديد العظيم فتحير موسى عليه السلام ودهش فقيل له :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ ؟ وتكلم معه بكلام البشر إزالةً لتلك الدهشة والحيرة.
فإن قيل : هذا خطاب من الله تعالى لموسى بلا واسطة ولم يحصل ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم أجيب : بالمنع فقد خاطبه في قوله تعالى :﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [ النجم، ١٠ ] إلا أنّ الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه إلى الخلق والذي ذكره مع محمد صلى الله عليه وسلم كان سراً لم يؤهل له أحد من الخلق وأيضاً إن كان موسى تكلم معه فأمة محمد يخاطبون الله تعالى في كل يوم مراراً على ما قاله صلى الله عليه وسلم :«المصلي يناجي ربه والرب يتكلم مع آحاد أمة محمد يوم القيامة بالتسليم والتكريم لقوله تعالى :﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ [ يس، ٥٨ ] ".
تنبيه : قوله تعالى :﴿وما تلك﴾ إشارة إلى العصا وقوله تعالى :﴿بيمينك﴾ إشارة إلى اليد وفي هذا نكت ذكرها الرازي رحمه الله تعالى الأولى : أنه تعالى لما أشار إليهما جعل كل واحدة منهما معجزة قاهرة وبرهاناً ساطعاً ونقله من حدّ الجمادية إلى مقام الكرامة، فإذا صار الجماد بالنظر الواحد حيواناً صار الجسم الكثيف نورانياً لطيفاً ثم إنه تعالى ينظر كل يوم ثلاثمائة وستين مرّة إلى قلب العبد فأيّ عجب لو انقلب قلبه من موت العصيان إلى السعادة بالطاعة ونور المعرفة. ثانيها : أنّ بالنظر الأول الواحد صار الجماد ثعباناً فبلغ سحر النفس الأمارة بالسوء. ثالثها : أن العصا كانت في يمين موسى عليه السلام فبسبب بركته انقلبت ثعباناً فبلع سحر السحرة فأيّ عجب لو صار القلب ثعباناً وبرهاناً وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن فإذا حصلت ليد موسى عليه السلام هذه المنزلة فأي عجب لو انقلب قلب المؤمن بسبب أصبعي الرحمن من ظلمة المعصية إلى نور العبودية.
طه 20:18
ولما سأل تعالى موسى عليه السلام عن ذلك أجاب بأربعة أشياء ثلاثة على التفصيل وواحد على الإجمال أوّلها :﴿قال هي عصاي﴾ وقد تم الجواب بذلك إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر لأنه كان يحب المكالمة مع ربه فجعل ذلك كالوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض. ثانيها : قوله :﴿أتوكأ﴾ أي : أعتمد ﴿عليها﴾ إذا مشيت وإذا عييت وإذا وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة. ثالثها : قوله :﴿وأهش﴾ أي : أخبط ورق الشجر ﴿بها﴾ ليسقط ﴿على غنمي﴾ لتأكله فبدأ عليه السلام أولاً بمصالح نفسه في قوله :﴿أتوكأ عليها﴾ ثم بمصالح رعيته في قوله :﴿أهش بها على غنمي﴾ وكذلك في القيامة يقول نفسي نفسي ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر الأمّة ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [ الأنفال، ٣٣ ] " اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون " فلا جرم يوم القيامة يبدأ أيضاً بأمّته فيقول :" أمّتي أمّتي " رابعها قوله :﴿ولي فيها مآرب﴾ جمع مأربة بتثلث الراء حوائج ومنافع ﴿أخرى﴾ كحمل الزاد والسقي وطرد الهوام وإنما أجمل في المآرب رجاء أن يسأله ربه عن تلك المآرب فيسمع كلام الله تعالى مرّة أخرى ويطول أمر المكالمة بسبب ذلك وقيل : انقطع لسانه بالهيبة فاجمل وقيل : اسم العصا نبعة وقيل : في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناء بالمحجن وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أداوته من القوس والكنانة والحلاب وغيرها وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل والزندين بفتح الزاي تثنية زند وزندة والزند العود الأعلى الذي تقدح به النار والزندة السفلى فيها ثقب فإذا اجتمعا قيل : زندان ولم نقل زندتان وإذا قصر رشاؤه وصله بها وكان يقاتل بها السباع عن غنمه وقيل : كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً ويكونان شمعتين بالليل وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب وكانت تقيه الهوام وروي عن ابن عباس أنها كانت تماشيه وتحدّثه ولما ذكر موسى هذه الجوابات لربه.
طه 20:19
﴿قال﴾ له ﴿ألقها﴾ أي : أنبذها ﴿يا موسى﴾.
طه 20:20
﴿فألقاها فإذا هي حية﴾ أي : ثعبان عظيم ﴿تسعى﴾ أي : تمشي على بطنها سريعاً وهنا نكت خفية.
إحداها : أنه عليه السلام لما قال :﴿ولي فيها مآرب أخرى﴾ أراد الله تعالى أن يعرفه أنّ فيها مآرب لا يفطن لها ولا يعرفها وأنها أعظم من سائرها وأربى.
ثانيها : كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا فالرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب، فقال أوّلاً :﴿فاخلع نعليك﴾ إشارة إلى ترك الهرب، ثم قال :﴿ألقها﴾ وهو إشارة إلى ترك الطلب، كأنه تعالى قال : إنك ما دمت في مقام الهرب والطلب كنت مشتغلاً بنفسك طالباً لحظك فلا تكن خالصاً لمعرفتي، فكن تاركاً للهرب والطلب تكن خالصاً لي.
ثالثها : أنّ موسى عليه السلام مع علوّ درجته وكمال صفته لما وصل إلى الحضرة ولم يكن معه إلا النعلان والعصا أمره بإلقائها حتى أمكنه الوصول إلى الحضرة فأنت في ألف وقر من المعاصي فكيف يمكنك الوصول إلى جنابه ؟ فإن قيل : كيف قال هنا :﴿حية﴾ وفي موضع آخر ﴿جان﴾ [ النمل، ١٠ ] وهي الحية الخفيفة الصغيرة وقال في موضع آخر :﴿ثعبان﴾ [ الأعراف، ١٠٧ ] وهو أكبر ما يكون من الحيات ؟ أجيب : بأنّ الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير وأمّا الثعبان والجان فبينهما تناف لأنّ الثعبان العظيم من الحيات كما مر والجان الدقيق وفي ذلك وجهان ؛ أحدهما : أنها كانت وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ثم تورمت وتزايد جلدها حتى صارت ثعباناً فأريد بالجان أوّل حالها وبالثعبان مآلها. الثاني : أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجانّ لقوله تعالى :﴿فلما رآها تهتز كأنها جانّ﴾ [ النمل، ١٠ ] قال وهب : لما ألقى العصا على وجه الأرض نظر إليها فإذا هي حية تسعى صفراء من أعظم ما يكون من الحيات تمشي بسرعة لها عرف كعرف الفرس وكان بين لحييها أربعون ذراعاً صارت شعبتاها شدقين لها والمحجن عنقاً وعرفاً يهتز وعيناها تتقدان كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل فتلتقمها وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها ويسمع لأنيابها صريفاً عظيماً فلما عاين ذلك موسى ولى مدبراً وهرب ثم نودي يا موسى ارجع حيث كنت فرجع وهو شديد الخوف.
طه 20:21
﴿قال﴾ تعالى له ﴿خذها﴾ أي : بيمينك ﴿ولا تخف﴾ وكان على موسى مدرعة من صوف قد خلها بعيدان فلما قال تعالى له :﴿خذها﴾ لف طرف المدرعة على يده فأمره الله أن يكشف يده، وذكر بعضهم أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له الملك أرأيت إن أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً قال : لا ولكنني ضعيف ومن ضعف خلقت وكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت ويده في شعبتيها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ عليها كما قال تعالى :﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ وقد أظهر الله تعالى في هذه العصا معجزات لموسى عليه السلام منها انقلاب العصا حية ومنها وضع يده في فمها من غير ضرر ومنها انقلابها خشبة مع الأمارات التي تقدّمت.
تنبيه : في نصب سيرتها أوجه :
أحدها : أن تكون منصوبة على الظرف أي : في سيرتها أي : طريقتها :
ثانيها : على البدل من هاء ﴿سنعيدها﴾ بدل اشتمال لأنّ السيرة الصفة أي : سنعيدها صفتها وشكلها.
ثالثها : على إسقاط الخافض أي : إلى سيرتها وقيل غير ذلك. فإن قيل : لما نودي يا موسى وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلماذا خاف ؟ أجيب عن ذلك بأوجه أحدها : أنّ ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط وهذا معلوم بدلائل العقول ثانيها : إنما خافها لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم عليه السلام منها. ثالثها : أنّ مجرد قوله ولا تخف لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى :﴿ولا تطع الكافرين﴾ [ الأحزاب، ١ ] لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله :﴿فلما رآها تهتز كأنها جانّ ولى مدبراً﴾ [ النمل، ١٠ ] يدل عليه ولكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم فما أظهر الرغبة في الجنة ولا النفرة عن النار.
طه 20:22
وقوله تعالى :﴿واضمم يدك﴾ أي : اليمنى ﴿إلى جناحك﴾ أي : جنبك الأيسر تحت العضد في الإبط ﴿تخرج بيضاء﴾ أي : نيرة مشرقة تضيء كشعاع الشمس تعشى البصر لا بدّ فيه من حذف والتقدير واضمم يدك تنضم وأخرجها تخرج فحذف من الأوّل والثاني وأبقى مقابليهما ليدلا على ذلك إيجازاً واختصاراً وإنما احتيج إلى هذا لأنه لا يترتب على مجرد الضم الخروج و﴿بيضاء﴾ حال من فاعل تخرج وقوله تعالى :﴿من غير سوء﴾ متعلق بتخرج وروي عن ابن عباس ﴿إلى جناحك﴾ إلى صدرك والأّول أولى كما قال الرازي لأنه يقال لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر لطرفيه وجناحا الإنسان جانباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا بذلك لأنه يجنحهما أي : يميلهما عند الطيران وجناحا الإنسان عضداه فعضداه يشبهان جناحي الطير، ولأنه قال :﴿تخرج بيضاء﴾ ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله :﴿تخرج﴾ معنى والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة. والبرص أبغض شيء إلى العرب ولهم عنه نفرة عظيمة وإسماعهم لاسمه مجاجة فكان جديراً بأن يكنى عنه ولا ترى أحسن ولا أظرف ولا أخف للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه.
يروى أنّ موسى عليه السلام كان شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه فأدخلها في إبطه الأيسر وأخرجها فكانت تبرق مثل البرق وقيل مثل الشمس من غير مرض ثم إذا أردّها عادت إلى لونها الأوّل من غير نور وقوله تعالى :﴿آية أخرى﴾ أي : معجزة ثابتة حال من ضمير تخرج كبيضاء.
طه 20:23
وقوله تعالى :﴿لنريك﴾ متعلق بما دل عليه آية أي : دللنا بها لنريك وقوله تعالى :﴿من آياتنا الكبرى﴾ أي : العظمى على رسالتك متعلق بمحذوف على أنه حال من الكبرى والكبرى مفعول ثان لنريك والتقدير لنريك الكبرى حال كونها من آياتنا أي : بعض آياتنا واختلف أيّ الآيتين أعظم في الإعجاز فقال الحسن : اليد لأنه تعالى قال :﴿لنريك من آياتنا الكبرى﴾ والذي عليه الأكثر أنّ العصا أعظم إذ ليس في اليد إلا تغير اللون وأمّا العصا ففيها تغير اللون وخلق الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الحجر والشجر ثم إعادتها عصا بعد ذلك فقد وقع التغير في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم وأما قوله تعالى :﴿لنريك من آياتنا الكبرى﴾ فقد ثبت أنه عائد إلى الكلام وأنه غير مختص باليد، فإن قيل : لم لم يقل تعالى من آياتنا الكبر ؟ أجيب : بأنّ ذلك ذكر لرؤوس الآي وقيل فيه إضمار معناه لنريك من آياتنا الآية الكبرى وهذا التقدير يقوّي قول القائل بأنّ اليد أعظم آية.
طه 20:24
ولما أظهر سبحانه وتعالى لموسى هذه الآيات عقبها بأمره بالذهاب إلى فرعون بقوله تعالى :﴿اذهب﴾.
﴿اذهب﴾ أي : رسولاً ﴿إلى فرعون﴾ وبيّن تعالى العلة في ذلك بقوله تعالى :﴿إنه طغى﴾ أي : جاوز الحد في كفره إلى أن ادّعى الإلهية ولهذا خصه الله تعالى بالذكر مع أنه عليه السلام مبعوث إلى الكل قال وهب : قال الله تعالى لموسى عليه السلام اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإنّ معك يدي ونصري وإني ألبسك جبة من سلطاني تستكمل بها القوّة في أمرك أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرّته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، أقسم بعزتي لولا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولاً لينا لا يغترّ بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل قال فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم ثم جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك فعند ذلك.
طه 20:25
﴿قال رب اشرح لي صدري﴾ أي : وسعه لتحمل الرسالة، قال ابن عباس : يريد حتى لا أخاف غيرك والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر بقوله :﴿قال ربّ إني أخاف أن يكذبون ١٢ ويضيق صدري ولا ينطلق لساني﴾ [الشعراء: ١٢، ١٣] وذلك أنّ موسى عليه السلام كان يخاف فرعون اللعين خوفاً شديداً لشدّة شوكته وكثرة جنوده وكان يضيق صدراً بما كلف من مقاومة فرعون وحده فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه حتى يعلم أنّ أحداً لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى وإذا علم ذلك لم يخف فرعون وشدّة شوكته وكثرة جنوده، وقيل : اشرح لي صدري بالفهم عنك ما أنزلت عليّ من الوحي.
طه 20:26
﴿ويسر﴾ أي : سهّل ﴿لي أمري﴾ أي : ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وذلك لأنّ كل ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات فالله تعالى هو الميسر له، فإن قيل : قوله :﴿لي﴾ في ﴿اشرح لي صدري ويسر لي أمري﴾ ما جدواه والأمر مستتم مستتب بدونه ؟ أجيب : بأنه قد أبهم الكلام أوّلاً فقال :﴿اشرح لي ويسر لي﴾ فعلم أن ثم مشروحاً وميسراً ثم بيّن ورفع الإبهام بذكرهما فكان آكد لطلب الشرح لصدره والتيسير لأمره من أن يقول : اشرح صدري ويسر أمري على الإيضاح الساذج لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل.
طه 20:27
﴿واحلل عقدة من لساني﴾ قال ابن عباس : كان في لسانه عليه السلام رتة وذلك أنّ موسى عليه السلام كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته إنّ هذا عدوّي وأراد أن يقتله فقالت له آسية : إنه صبي لا يعقل ولا يميز وفي رواية أنّ أمّ موسى لما فطمته ردّته إلى فرعون فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته يربيانه واتخذاه ولداً فبينما هو ذات يوم يلعب بين يدي فرعون وبيده قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرب به رأس فرعون فغضب فرعون وتطير بضربه وهمّ بقتله فقالت آسية : أيها الملك إنه صغير لا يعقل جربه إن شئت فجاءت بطشتين في أحدهما جمر وفي الآخر جوهر فأراد أن يأخذ الجوهر فأخذ جبريل يد موسى عليه السلام فوضعها على النار فأخذ جمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة.
وقيل : قربا إليه تمرة وجمرة فأخذ الجمرة فجعلها في فيه فاحترق لسانه، ويروى أنّ يده احترقت وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ ولما دعاه قال إلى أي : رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها وعن بعضهم أنها لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة.
وقيل : كان ذلك التعقد خلقة فسأل الله تعالى إزالته واختلفوا في أنه لم طلب حل تلك العقدة ؟ فقيل : لئلا يقع خلل في أداء الوحي وقيل لئلا يستخف بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه وقيل : لإظهار المعجزة كما أنّ حبس لسان زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزاً في حقه فكذا إطلاق لسان موسى معجز في حقه واختلفوا في زوال العقدة بكمالها فقيل : بقي بعضها لقوله :﴿وأخي هارون هو أفصح مني لساناً﴾ [ القصص، ٣٤ ] وقول فرعون ولا يكاد يبين وكان في لسان الحسين بن عليّ رضى الله تعالى عنهما رته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ورثها من عمه موسى » وقال الحسن : زالت بالكلية لقوله تعالى :﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ [ طه، ٣٦ ] وضعف هذا الرازي بأنه عليه السلام لم يقل واحلل العقد من لساني بل قال :﴿واحلل عقدة من لساني﴾ فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله قال والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء وقال الزمخشري : وفي تنكير العقدة ولم يقل واحلل عقدة لساني أنه طلب حل بعضها إرادة أن يفهم عنه فهماً جيداً أي : ولذا قال :﴿يفقهوا﴾.
طه 20:28
﴿يفقهوا﴾ أي : يفهموا ﴿قولي﴾ عند تبليغ الرسالة ولم يطلب الفصاحة الكاملة ومن لساني صفة للعقدة كأنه قيل : عقدة من عقد لساني.
تنبيه : استدل على أنّ في النطق فضيلة عظيمة بوجوه : أوّلها : قوله تعالى :﴿خلق الإنسان ٣ علمه البيان﴾ [ الرحمن، ٣ ] فماهية الإنسان هي الحيوان الناطق. ثانيها : اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان قال زهير :
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده؍ فلم يبق إلا صورة اللحم والدم؍
وقالوا ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة أي : لو ذهب النطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم، وقالوا : المرء بأصغريه قلبه ولسانه، وقالوا المرء مخبوء تحت لسانه. ثالثها : أنّ في مناظرة آدم عليه السلام مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال :﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٣٣].
طه 20:29
ولما رأى موسى عليه السلام أنّ التعاون على الدين والتظاهر عليه مع مخالصة الودّ وزوال التهمة قربة عظيمة في الدعاء إلى الله تعالى طلب المعاونة على ذلك بقوله :﴿واجعل لي وزيراً﴾ أي : معيناً على الرسالة ولذلك قال عيسى بن مريم عليه السلام :﴿من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ [ آل عمران، ٥٢ ] وقال محمد صلى الله عليه وسلم :«إنّ لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين فاللذان في السماء جبريل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر » وقال صلى الله عليه وسلم :«إذا أراد الله تعالى بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن نوى خيراً أعانه وإن أراد شرّاً كفه » وقال أنوشروان : لا يستغني أجود السيوف عن الصقل ولا أكرم الدواب عن السوط ولا أعلم الملوك عن الوزير. ولما كان التعاون على الدين منقبة عظيمة أراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا لأهله فقال :﴿من أهلي﴾ أي : أقاربي.
طه 20:30
وقوله :﴿هارون﴾ قال الجلال المحلي : مفعول ثان وقوله :﴿أخي﴾ عطف بيان وذكر غيره أعاريب غير ذلك لا حاجة لنا بذكرها.
تنبيه : الوزير مشتق من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه، أو من الوزر لأنّ الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره، أو من المؤازرة وهي المعاونة. قال الرازي : وكان هارون مخصوصاً بأمور منها الفصاحة لقول موسى :﴿هو أفصح مني لساناً﴾ [ القصص، ٣٤ ] ومنها الرفق لقول هارون :﴿يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ [ طه، ٩٤ ] أنه كان أكبر سناً منه وقال ابن عادل كان أكبر سناً من موسى بأربع سنين وكان أفصح لساناً منه وأجمل وأوسم أبيض اللون وكان موس آدم اللون أقنى جعدا.
طه 20:31
ولما طلب موسى عليه السلام من الله تعالى أن يجعل هارون وزيراً له طلب منه أن يشد أزراره بقوله :﴿اشدد به أزري﴾ أي : أقوّي به ظهري.
طه 20:32
﴿وأشركه في أمري﴾ أي : في النبوّة والرسالة، وقرأ ابن عامر بسكون الياء من أخي وهمزة مفتوحة من أشدد وهو على مرتبته في المدّ وهمزة مضمومة من أشركه وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء من أخي وهمزة وصل من اشدد وأشركه بهمزة مفتوحة والباقون بسكون الياء من أخي وهمزة وصل من أشدد وفتح الهمزة من أشركه.
طه 20:33
ثم إنه تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال :﴿كي نسبحك﴾ تسبيحاً ﴿كثيراً﴾ قال الكلبي : نصلي لك كثيراً نحمدك ونثني عليك والتسبيح تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته عما لا يليق به.
طه 20:34
﴿ونذكرك﴾ ذكراً ﴿كثيراً﴾ أي : نصفك بصفات الكمال والجلال والكبرياء وجوّز أبو البقاء أن يكون ﴿كثيراً﴾ نعتاً لزمان محذوف أي : زماناً كثيراً.
طه 20:35
﴿إنك كنت بنا بصيراً﴾ أي : عالماً بأنّا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهك ورضاك أو بصيراً بأنّ الاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوّة إليها أو بصيراً بوجوه مصالحنا فأعطنا ما هو الأصلح لنا.
طه 20:36
ولما سأل موسى ربه تلك الأمور المتقدّمة وكان من المعلوم أنّ قيامه بما كلف به لا يتم إلا بإجابته إليها لا جرم ﴿قال﴾ الله تعالى :﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ أي : أعطيت جميع ما سألته منا عليك لما فيه من وجوه المصالح.
طه 20:37
﴿ولقد مننا عليك مرّة أخرى﴾ أي : أنعمنا عليك في وقت آخر وفي ذلك تنبيه على أمور أحدها : كأنه تعالى قال : إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال ثانيها : إني كنت ربيتك فلو منعتك الآن كان ذلك ردّاً بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي ثالثها : إنّا أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك الدرجة العالية وهي منصب النبوّة فكيف يليق بمثل هذه التربية المنع عن المطلوب فإن قيل : لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أنّ هذه اللفظة مؤذية والمقام مقام تلطف ؟ أجيب : بأنه إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أنّ هذه النعم التي وصل إليها ما كان مستحقاً لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها لمحض فضله وإحسانه، فإن قيل : لم قال :﴿مرّة أخرى﴾ مع أنه تعالى ذكر منناً كثيرة ؟ أجيب : بأنه لم يعن بمرّة أخرى واحدة من المنن لأنّ ذلك قد يقال في القليل والكثير،
طه 20:38
ثم بيّن تلك المنة وهي ثمانية أولها قوله تعالى :﴿إذ أوحينا إلى أمّك﴾ وحياً لا على وجه النبوّة إذ المرأة لا تصلح للقضاء ولا للإمامة ولا تلي عند أكثر العلماء تزويج نفسها فكيف تصلح للنبوّة ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم﴾ [ النحل، ٤٣ ] والوحي جاء لا بمعنى النبوّة في القرآن كثيراً قال تعالى :﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ [ النحل، ٦٨ ] ﴿وإذا أوحيت إلى الحواريين﴾ [ المائدة، ١١١ ] ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه :
أحدها : أنه رؤيا رأتها أمّ موسى وكان تأويلها وضع موسى في التابوت وقذفه في البحر وأنّ الله تعالى يردّه عليها.
ثانيها : أنه عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة.
ثالثها : المراد خطور البال وغلبته على القلب، فإن قيل : هذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأنّ الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساوٍ للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني ؟ أجيب : بأنها لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون.
رابعها : لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إنّ ذلك النبيّ عرفها إمّا مشافهة أو مراسلة واعترض على هذا بأنّ الأمر لو كان كذلك لما لحقها الخوف. وأجيب : بأنّ ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أنّ موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أنّ الله تعالى كان أمره بالذهاب إليه مراراً.
خامسها : لعل بعض الأنبياء المتقدّمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك الخبر وانتهى ذلك الخبر إلى أمّه.
سادسها : لعلّ الله تعالى بعث إليها ملكاً لا على وجه النبوّة كما بعث إلى مريم في قوله :﴿فتمثل لها بشراً سوياً﴾ [ مريم، ١٧ ] وأمّا قوله تعالى :﴿ما يوحى﴾ فمعناه ما لا يعلم إلا بالوحي أو ما ينبغي أن يوحى ولا يخلّ به لعظم شأنه وفرط الاهتمام ويبدل منه.
طه 20:39
﴿أن اقذفيه﴾ أي : ألقيه ﴿في التابوت﴾ أي : ألهمناها أن اجعليه في التابوت ﴿فاقذفيه﴾ أي : موسى بالتابوت ﴿في اليمّ﴾ أي : نهر النيل ﴿فليلقه اليمّ بالساحل﴾ أي : شاطئه والأمر بمعنى الخبر والضمائر كلها لموسى فالمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرّق الضمائر فيتنافر النظم الذي هو أمّ إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدي ومراعاته أهم ما يجب على المفسر.
تنبيه : اليمّ البحر والمراد به هنا نيل مصر في قول الجميع واليمّ اسم يقع على النهر والبحر العظيم قال الكسائي والساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك لأن الماء يسحله أي : يحسره إذا علاه وقوله تعالى :﴿يأخذه عدوّ لي وعدوّ له﴾ أي : فرعون جواب ﴿فليلقه﴾ وتكرير عدوّ للمبالغة أو لأنّ الأوّل باعتبار الواقع والثاني باعتبار المتوقع أي : سيصير عدوّاً له بعد ذلك فإنه لم يكن في ذلك الوقت بحيث يعادى، روي أنها اتخذت تابوتاً قال مقاتل : إنّ الذي صنع التابوت حزقيل مؤمن آل فرعون وجعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليمّ وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينما هو جالس على رأس بركة مع آسية بنت مزاحم إذا بتابوت يجري به الماء فأمر فرعون الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه كما قال تعالى :﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ وهذه هي المنة الثانية قال الزمخشري :﴿مني﴾ لا يخلو إمّا أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإمّا أن يتعلق بمحذوف وهو صفة لمحبة أي محبة خالصة أو واقعة مني قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها فلذلك أحبك فرعون وآسية حتى قالت ﴿قرّت عين لي ولك﴾ [ القصص، ٩ ] لا تقتلوه. روي أنه كان على وجهه مسحة جمال وفي عينه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من يراه وهو كقوله تعالى :﴿سيجعل لهم الرحمن ودّاً﴾ [ مريم، ٩٦ ] المنة الثالثة قوله تعالى ﴿ولتصنع على عيني﴾ أي : تربى على رعايتي وحفظي لك فأنا مراعيك ومراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به ويقول للصانع اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادي وبغيتي.
طه 20:40
تنبيه :﴿ولتصنع﴾ معطوف على علة مضمرة مثل ليتلطف بك ولتصنع أو على الجملة السابقة بإضمار فعل معلل مثل فعلت ذلك، وقرأ بفتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو وسكنها الباقون.
المنة الرابعة قوله تعالى :﴿إذ تمشي أختك﴾ والعامل في ﴿إذ﴾ ألقيت أو تصنع ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿إذ أوحينا﴾ واستشكل بأنّ الوقتين مختلفان متباعدان وأجيب : بأنه يصح مع اتساع الوقت كما يصح أن يقول لك الرجل لقيت فلاناً سنة كذا فتقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أوّلها وأنت في آخرها ﴿فتقول هل أدلكم على من يكفله﴾ يروى أنّ أخته واسمها مريم جاءت متعرفة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فقالت لهم ذلك فقالوا نعم فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله تعالى :﴿فرجعناك إلى أمّك كي تقرّ عينها﴾ بلقائك ورؤيتك ﴿ولا تحزن﴾ أي : هي بفراقك أو أنت بفراقها وفقد إشفاقها ويروى أن آسية استوهبته من فرعون وتبنته وهي التي أشفقت عليه وطلبت له المراضع.
المنة الخامسة : قوله تعالى :﴿وقتلت نفساً﴾ قال ابن عباس : هو الرجل القبطي الذي قتله خطأً بأن وكزه حين استغاثه الإسرائيلي إليه قال الكسائي : كان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة ﴿فنجيناك من الغمّ﴾ أي : من غم قتله خوفاً من اقتصاص فرعون كما قال تعالى في آية :﴿فأصبح في المدينة خائفاً يترقب﴾ [ القصص، ١٨ ] بالمهاجرة إلى مدين.
المنة السادسة : قوله تعالى :﴿وفتناك فتوناً﴾ قال ابن عباس : اختبرناك اختباراً وقيل : ابتليناك ابتلاءً، قال ابن عباس : الفتون وقوعه في محنة بعد محنة وخلصه الله تعالى منها أوّلها أنّ أمّه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ثم إلقاؤه في البحر في التابوت ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمّه ثم أخذه بلحية فرعون حتى همّ بقتله ثم تناوله الجمرة بدل الجوهرة ثم قتله القبطي وخروجه إلى مدين خائفاً.
فإن قيل : إنه تعالى عدد أنواع مننه على موسى في هذا المقام فكيف يليق بهذا الموضع ﴿وفتناك فتونا﴾ ؟
أجيب : بجوابين الأوّل :﴿فتناك﴾ أي : خلصناك تخليصاً من قولهم فتنت الذهب إذا أردت تخليصه من الفضة أو نحوها. الثاني : أنّ الفتنة تشديد المحنة يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدّت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى :﴿فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ [ العنكبوت، ١٠ ] وقال تعالى :﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ٢ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين﴾ [العنكبوت: ٢، ٣] ولما كان التشديد في المحنة يوجب كثرة الثواب عده الله تعالى من جملة النعم وتقدّم تفسير ابن عباس وهو قريب من ذلك، فإن قيل : هل يصح إطلاق الفتان على الله تعالى اشتقاقاً من قوله تعالى :﴿وفتناك فتونا﴾ ؟ أجيب : بأنه لا يصح لأنه صفة ذم في العرف وأسماء الله تعالى توقيفية لاسيما فيما يوهم ما لا ينبغي.
المنة السابعة : قوله تعالى :﴿فلبثت سنين في أهل مدين﴾ والتقدير وفتناك فخرجت خائفاً إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم عند شعيب عليه السلام وتزوّجت بابنته وهي إمّا عشر أو ثمان لقوله :﴿على أن تأجرني ثمان حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك﴾ [ القصص، ٢٧ ] وقال وهب : لبث موسى عند شعيب ثماناً وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته فإنه قضى أوفى الأجلين والآية دالة على أنه لبث عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر كما قاله الرازي وإن قال ابن عادل يرده قوله تعالى :﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ [ القصص، ٢٩ ] أي : الأجل المشروط عليه في تزويجه وسار بأهله ومدين بلدة شعيب على ثمان مراحل من مصر ﴿ثم جئت على قدر﴾ أي : على القدر الذي قدّرت أنك تجي فيه لأن أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر وقال عبد الرحمن بن كيسان على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه للأنبياء وهذا قول أكثر المفسرين أي : على الموعد الذي وعد الله وقدّر أنه يوحي إليه بالرسالة وهو أربعون سنة وكرّر تعالى قوله :﴿يا موسى﴾ عقب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك.
طه 20:41
المنة الثامنة : قوله تعالى :﴿واصطنعتك﴾ أي : اخترتك ﴿لنفسي﴾ لأصرّفك في أوامري لئلا تشتغل إلا بما أمرتك به وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا لغيرك.
طه 20:42
ثم بيّن تعالى ماله اصطنعه وهو الإبلاغ والأداء بقوله تعالى :﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي﴾ أي : بمعجزاتي وقال ابن عباس : الآيات التسع التي بعث بها موسى وقيل : إنها العصا واليد لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع ولم يذكر أنه عليه السلام أوتي قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى حكاية عن فرعون :﴿إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ١٠٦ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ١٠٧ ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾ [الأعراف: ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨] وقال تعالى :﴿برهانان من ربك إلى فرعون وملئه﴾ [ القصص، ٣٢ ] فإن قيل : كيف أطلق لفظ الجمع على الاثنين ؟ أجيب : بأنّ العصا كانت آيات انقلابها حيواناً ثم إنها في أوّل الأمر كانت صغيرة لقوله تعالى :﴿تهتز كأنها جانّ﴾ ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى ثم كانت تصير ثعباناً وهذه آية أخرى ثم إنه عليه السلام كان يدخل يده في فمها فما كانت تضرّه فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى وكذلك اليد فإنّ بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم زوالها بعد ذلك آية أخرى فدل ذلك على أنها كانت آيات كثيرة.
وقيل : الآيات العصا واليد وحلّ عقدة لسانه وقيل : معناه أمدّكما بآياتي وأظهر على أيديكما من الآيات ما تنزاح به العلل من فرعون وقومه ﴿ولا تنيا﴾ أي : لا تفترا ولا تقصرا ﴿في ذكري﴾ أي : بتسبيح وغيره فإنّ من ذكر جلال الله استخف غيره فلا يخاف أحداً وتقوى روحه بذلك الذكر فلا تضعف في مقصوده، ومن ذكر الله لا بدّ وأن يكون ذاكر إحسانه، وذاكر إحسانه لا يفتر في أداء أوامره وقيل :﴿لا تنيا في ذكرى﴾ عند فرعون بأن تذكرا لفرعون وقومه أنّ الله لا يرضى منهم الكفر وتذكرا لهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب وقيل : المراد بالذكر تبليغ الرسالة.
طه 20:43
﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى﴾ أي : بادّعاء الربوبية.
تنبيه : ذكر الله تعالى المذهوب إليه هنا وهو فرعون وحذفه في قوله :﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي﴾ اختصاراً في الكلام وقال القفال فيه وجهان : أحدهما : أنّ قوله :﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي﴾ يحتمل أن يكون كل واحد منهما مأموراً بالذهاب على الانفراد فقيل مرّة أخرى ﴿اذهبا﴾ لتعرفا أنّ المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعاً لا أن ينفرد به أحدهما دون الآخر والثاني : أنّ قوله اذهب أنت وأخوك بآياتي أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون ثم إن قوله تعالى :﴿اذهبا إلى فرعون﴾ أمر بالذهاب إلى فرعون وحده واستبعد هذا بل الذهابان متوجهان لشيء واحد وقد حذف من كل من الذهابين ما أثبته في الآخر وقيل : إنه حذف المذهوب إليه من الأوّل وأثبته في الثاني، وحذف المذهوب به وهو ﴿بآياتي﴾ من الثاني وأثبته في الأوّل.
طه 20:44
﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ أي : مثل ﴿هل لك إلى أن تزكى ١٨ وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩]
فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة، فإن قيل : لم أمر الله تعالى باللين مع الكافر الجاحد ؟ أجيب : بأنّ عادة الجبار إذا أغلظ عليه في الوعظ يزداد عتوّاً وتكبراً فأمر باللين حذراً من أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليهما واحتراماً لما له من حق التربية وقيل : كنياه وكان له ثلاث كنى أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرّة وقيل : عداه شباباً لا هرم بعده وملكاً لا يزول إلا بالموت وأن تبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته وإذا مات دخل الجنة فأعجبه ذلك وكان لا يقطع أمراً دون هامان وكان غائباً فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى وقال أردت أن أقبل منه فقال له هامان كنت أرى أنّ لك عقلاً ورأياً أنت رب تريد أن تكون مربوباً وأنت تعبد تريد أن تعبد فغلبه على رأيه وقوله تعالى :﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ متعلق باذهبا أو قولا أي : باشرا الأمر على رجائكما وطمعكما مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه فهو يجتهد بطوقه ويسعى بأقصى وسعه، قال الزمخشري : ولا يستقيم أن يراد ذلك في حق الله تعالى إذ هو عالم بعواقب الأمور، وعن سيبويه كل ما ورد في القرآن من لعل وعسى فهو من الله واجب بمعنى أنه يستحيل بقاء معناه في حق الله تعالى وقال الفرّاء : إن لعلّ بمعنى كي فتفيد العلية كما تقول اعمل لعلك تأخذ أجرتك.
فائدة : قرأ رجل عند يحيى بن معاذ ﴿فقولا له قولاً لينا﴾ فبكى يحيى وقال إلهي هذا برك بمن يقول أنا الإله فكيف برك بمن يقول أنت الإله فإن قيل : ما الفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علمه تعالى بأنه لا يؤمن ؟ أجيب : بأنّ ذلك الإلزام الحجة وقطع المعذرة وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم ولذلك قدّم الأوّل أي : إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى. ويروى عن كعب أنه قال : والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة ﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك حين ألجمه الغرق قال :﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ [ يونس، ٩٠ ].
طه 20:45
ثم إنّ موسى وهارون ﴿قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط﴾ أي : يعجل ﴿علينا﴾ بالعقوبة ﴿أو أن يطغى﴾ أي : يتجاوز الحد في الإساءة علينا، فإن قيل : لما تكرّر الأمر من الله تعالى بالذهاب، فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على معصية ؟ أجيب : بأنّ الأمر ليس على الفور فسقط السؤال وهذا من أقوى الدلائل على أنّ الأمر لا يقتضي الفور، فإن قيل : قوله تعالى :﴿قالا ربنا﴾ يدل على أنّ المتكلم موسى وهارون ولم يكن هارون هناك حاضراً ؟ أجيب : بأنّ الكلام كان مع موسى إلا أنه كان متبوع هارون فجعل الخطاب معه خطاباً مع هارون وكلام هارون على سبيل التقدير في تلك الحالة وإن كان موسى وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله تعالى :﴿وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها﴾ [ البقرة، ٧٢ ] وقوله :﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل﴾ [ المنافقون، ٨ ] روي أنّ القائل عبد الله بن أبيّ وحده، فإن قيل : إنّ موسى عليه السلام قال :﴿رب اشرح لي صدري﴾ [ طه، ٢٥ ] فأجابه الله تعالى بقوله :﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ [ طه، ٣٦ ] وهذا يدل على أنه تعالى قد شرح صدره ويسر له ذلك الأمر. فكيف قال بعده :﴿إنا نخاف﴾ فإنّ حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر ؟ أجيب : بأنّ شرح الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير الخوف.
طه 20:46
﴿قال﴾ الله تعالى لهما ﴿لا تخافا إنني معكما﴾ حافظكما وناصركما ﴿أسمع وأرى﴾ أي : ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل ما يوجبه حفظي ونصري، وقال ابن عباس : أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنع فلست بغافل عنكما فلا تهتما، وقال القفال : قوله تعالى :﴿أسمع وأرى﴾ يحتمل أن يكون مقابلاً لقوله تعالى :﴿يفرط علينا أو أن يطغى﴾ ؛ ﴿يفرط علينا﴾ بأن لا يسمع منا ﴿أو أن يطغى﴾ بأن يقتلنا، قال تعالى :﴿إنني معكما أسمع﴾ كلامكما فأسخره للاستماع منكما، وأرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه.
طه 20:47
ثم إنه سبحانه وتعالى أعاد ذلك التكليف فقال :﴿فأتياه﴾ لأنه سبحانه وتعالى قال في المرّة الأولى :﴿اذهبا إلى فرعون﴾ [ طه، ٤٣ ] وفي الثانية قال :﴿اذهب أنت وأخوك﴾ [ طه، ٤٢ ] وفي الثالثة قال :﴿اذهب إلى فرعون﴾ [ طه، ٢٤ ] وفي الرابعة قال هاهنا :﴿فأتياه﴾، فإن قيل : إنه تعالى أمرهما في الثانية بأن يقولا له قولاً ليناً، وهاهنا أمرهما بقوله تعالى :﴿فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل﴾ أي : إلى الشام ﴿ولا تعذبهم﴾ أي : خل عنهم من استعمالك إياهم في أشغالك الشاقة كالحفر والبناء وحمل الثقيل وقطع الصخور وكان فرعون يستعملهم في ذلك مع قتل الأولاد وفي هذا تغليظ من وجوه ؛ الأول : قوله :﴿إنا رسولا ربك﴾، وهذا يقتضي انقياده لهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك المتبوع. الثاني : قولهما :﴿فأرسل معنا بني إسرائيل﴾ فيه إدخال النقص على ملكه لأنه كان محتاجاً إليهم فيما يريده من الأعمال أيضاً. الثالث : قولهما :﴿ولا تعذبهم﴾. الرابع : قولهما ﴿قد جئناك بآية من ربك﴾ فما الفائدة في التليين أوّلاً والتغليظ ثانياً ؟ أجيب : بأنّ الإنسان إذا ظهر لجاجه فلا بدّ له من التغليظ حيث لم ينفع التليين.
فإن قيل : أليس الأولى أن يقول إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم لأن ذكر المعجز مقروناً بالدعاء للرسالة أولى من تأخيره عنه ؟.
أجيب : بأنّ هذا أولى لأنهما ذكرا مجموع الدعاوي ثم استدلا على ذلك المجموع بالمعجز وقولهما :﴿قد جئناك بآية من ربك﴾ قال الزمخشري : هذه الجملة جارية من الجملة الأولى وهي :﴿أنا رسولا ربك﴾ مجرى البيان والتفسير لأنّ دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتهما التي هي مجيء الآية.
فإن قيل : إنّ الله تعالى قد أعطاهما آيتين هما العصا واليد ثم قال تعالى :﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي﴾، وذلك يدل على ثلاث آيات وقالا هنا :﴿قد جئناك بآية من ربك﴾ وذلك يدل على أنها كانت واحدة فكيف الجمع ؟ أجاب القفال : بأنّ معنى الآية الإشارة إلى جنس الآيات كأنهما قالا قد جئناك ببينات من عند الله ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججاً كثيرة وتقدّم الجواب عن التثنية والجمع وأنّ في العصا واليد آيات.
وقوله تعالى :﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى كأنه تعالى قال :﴿فقولا إنا رسولا ربك﴾ وقولا له :﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ ويحتمل أن يكون كلام الله قد تمّ عند قوله قد جئناك بآية من ربك، وقوله تعالى بعد ذلك :﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ وعد من قبلهما لمن آمن وصدّق بالسلامة له من عقوبات الله في الدنيا والآخرة أو أنّ سلام الملائكة وخزنة الجنة على المهتدين، وقال بعضهم : إن على بمعنى اللام أي : والسلام لمن اتبع الهدى كقوله تعالى :﴿من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها﴾ [ فصلت، ٤٦ ] وقال تعالى في موضع آخر :﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ [ الإسراء، ٧ ].
طه 20:48
﴿إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب﴾ ما جئنا به ﴿وتولى﴾ أعرض عنه، قال البيضاوي : ولعل تغيير النظم والتصريح بالوعيد والتوكيد فيه لأنّ التهديد في أوّل الأمر أهم وأنجع وبالواقع أليق.
طه 20:49
ولما أتياه وقالا :﴿إنا رسولا ربك﴾ وبلغاه ما أمرا به ﴿قال﴾ لهما ﴿فمن ربكما يا موسى﴾ إنما نادى موسى وحده بعد مخاطبته لهما معاً إما لأنّ موسى هو الأصل في الرسالة وهارون تبع وردء ووزير وإما لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي كانت في لسان موسى عليه الصلاة والسلام ويعلم فصاحة أخيه بدليل قوله :﴿هو أفصح مني لساناً﴾ [ القصص، ٣٤ ] فأراد أن يفحمه ويدل عليه قول فرعون ﴿ولا يكاد يبين﴾ [ الزخرف، ٥٢ ] وإمّا لأنه حذف المعطوف للعلم به أي : يا موسى وهارون قاله أبو البقاء، ثم إنّ فرعون لم يشتغل مع موسى بالبطش والإيذاء لما دعاه إلى الله تعالى مع أنه كان شديد القوّة عظيم الغلبة كثير العسكر بل خرج معه في المناظرة لأنه لو أذاه لنسب إلى الجهل والسفاهة فاستنكف من ذلك وشرع في المناظرة وذلك يدل على أنّ السفاهة من غير حجة لم يرضه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدّعي الإسلام والعلم.
تنبيه : قال هاهنا ﴿فمن ربكما يا موسى﴾ وقال في سورة الشعراء :﴿وما ربّ العالمين﴾ [ الشعراء، ٢٣ ]
وهو سؤال عن الماهية فهما سؤالان مختلفان والواقعة واحدة قال ابن عادل والأقرب أن يقال سؤال من كان مقدّماً على سؤال ما لأنه كان يقول : إني أنا الله والرب فقال : فمن ربكما فلما أقام موسى الدلالة على الوجود وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه عدل إلى طلب الماهية لأنّ العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر.
فإن قيل : لم قال ﴿فمن ربكما﴾ ولم يقل فمن إلهكما ؟ أجيب : بأنه أثبت نفسه رباً في قوله :﴿ألم نربك فينا وليداً﴾ [ الشعراء، ١٨ ] فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال أنا ربك فلم تدع رباً آخر وهذا يشبه كلام نمروذ حين قال له إبراهيم :﴿ربي الذي يحي ويميت﴾ قال له نمروذ ﴿أنا أحيي وأميت﴾ فلم تكن الإماتة التي ذكرها إبراهيم هي الإماتة مع الإحياء التي عارضه نمروذ بها إلا فيّ اللفظ فكذا هاهنا لما ادّعى موسى ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام أي : أنا الرب الذي ربيتك ومعلوم أنّ الربوبية التي ادعاها موسى غير الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما،
طه 20:50
ثم كأنه قيل : فما أجاب به موسى فقيل :﴿قال﴾ مستدلاً على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء﴾ أي : من الأنواع ﴿خلقه﴾ أي : صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار والأذن الشكل الذي يوافق الإسماع وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناء عنه أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل الحصان والحجرة زوجين والبعير والناقة كذلك والرجل والمرأة كذلك فلم يزاوج منهما شيئاً غير جنسه وما هو على خلاف خلقه ﴿ثم هدى﴾ أي : ثم عرّف الله تعالى الحيوان الكائن من المخلوق كيف يرتفق بما أعطي وكيف يتوصل إليه. قال الزمخشريّ : ولله در هذا الجواب ما أحضره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظره بين الأنصاف وكان طالباً للحق ولما خاف فرعون أن يزيد موسى في إظهار تلك الحجة فيظهر للناس صدقه.
طه 20:51
﴿قال﴾ لموسى ﴿فما بال﴾ أي : حال ﴿القرون﴾ أي : الأمم ﴿الأولى﴾ كقوم نوح وهود ولوط وصالح في عبادتهم الأوثان فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث فمن شقي منهم ومن سعد أراد أن يصرفه عن ذلك الكلام ويشغله بهذه الحكايات فلم يلتفت إليه فلذلك ﴿قال علمها عند ربي﴾.
طه 20:52
﴿قال علمها عند ربي﴾ استأثر به لا يعلمه إلا هو وما أنا إلا عبد مثلكم لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب وعلم أحوال هذه القرون مثبت عند ربي ﴿في كتاب﴾ هو اللوح المحفوظ ويجوز أن يكون ذلك تمثيلاً لتمكنه في علمه تعالى بما استحفظه العالم وقيده بالكتابة ويؤيده قوله ﴿لا يضلّ ربي ولا ينسى﴾ والضلال أن يخطئ الشيء في مكانه فلم يتهد إليه، والنسيان أن يذهب عنه بحيث لا يخطر بباله، وهما محالان على علام الغيوب بخلاف العبد الذليل والبشر الضئيل أي : لا يضل تعالى ولا ينسى كما تضلّ أنت وتنسى يا مدّعي الربوبية بالجهل والوقاحة.
طه 20:53
ثم عاد إلى تتميم كلامه الأوّل وإبراز الدلائل الظاهرة على الوحدانية فقال :﴿الذي جعل لكم﴾ في جملة الخلق ﴿الأرض مهداً﴾ أي : فراشاً.
تنبيه : هذا الموصول في محل رفع صفة لربي وخبره محذوف تقديره هو، أو منصوب على المدح. وقرأ عاصم وحمزة هنا وفي سورة الزخرف مهداً بفتح الميم وسكون الهاء أي : مهدها مهداً أو تتمهدونها فهي لهم كالمهاد وهو ما يمهد للصبيّ، وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها وهو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد ﴿وسلك﴾ أي : سهل ﴿لكم فيها سبلاً﴾ أي : طرقاً بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها ﴿وأنزل من السماء ماءً﴾ أي : مطراً وعدل بقوله ﴿فأخرجنا به﴾ عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى تنبيهاً على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته والحكمة وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته وعلى هذا نظائره كقوله تعالى :﴿ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها﴾ [ فاطر، ٢٧ ] ﴿أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق﴾ [ النحل، ٦٠ ] ﴿أزواجاً﴾ أي : أصنافاً سميت بذلك لأنها مزدوجة مقترنة بعضها مع بعض وقوله تعالى :﴿من نبات﴾ بيان وصفة لا زواجاً وكذلك ﴿شتى﴾ وهو جمع شتيت من شت الأمر تفرّق نحو مرضى جمع مريض وجرحى جمع جريح فألفه للتأنيث أي : أزواجاً متفرّقة ويجوز أن يكون صفة للنبات فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع أي : أنها مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم فلذلك قال تعالى :﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾.
طه 20:54
﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ والأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم يقال رعت الأنعام ورعيتها والأمر للإباحة وتذكير النعمة والجملة حال من ضمير أخرجنا أي : مبيحين لكم الأكل ورعي الأنعام أي : وبقية الحيوانات ﴿إنّ في ذلك﴾ أي : فيما ذكرت من هذه النعم ﴿لآيات﴾ أي : لعبراً ﴿لأولي النهى﴾ أي : أصحاب العقول جمع نهية كغرفة وغرف سمي به العقل لأنه ينهي صاحبه عن ارتكاب القبائح.
طه 20:55
ولما ذكر سبحانه وتعالى منافع الأرض والسماء بيّن أنها غير مطلوبة لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال :﴿منها﴾ أي : الأرض ﴿خلقناكم﴾ فإن قيل : إنما خلقنا من النطفة على ما بيّن في سائر الآيات ؟ أجيب : بأوجه.
أحدها : أنه لما خلق أصلنا آدم عليه السلام من تراب كما قال تعالى :﴿كمثل آدم خلقه من تراب﴾ [ آل عمران، ٥٩ ] حسن إطلاق ذلك علينا.
ثانيها : أن تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما متولدان من الأغذية والغذاء إمّا حيواني أو نباتي، والحيواني ينتهي إلى النباتي والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة.
ثالثها : روى ابن مسعود أنّ ملك الأرحام يأتي إلى الرحم حين يكتب أجل المولود ورزقه والأرض التي يدفن فيها فإنه يأخذ من تراب تلك البقعة وينثره على النطفة ثم يدخلها في الرحم وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني قال : إنّ الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة فيخلق من التراب ومن النطفة ﴿وفيها نعيدكم﴾ أي : مقبورين بعد الموت ﴿ومنها نخرجكم﴾ أي : عند البعث ﴿تارة﴾ أي : مرّة ﴿أخرى﴾ أي : بتألف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب ونردّهم كما كانوا أحياء ونخرجهم إلى المحشر يوم يخرجون من الأجداث سراعاً.
طه 20:56
ولما كان المقام لتعظيم القدرة عطف عليه قوله تعالى :﴿ولقد أريناه﴾ أي : أبصرناه ﴿آياتنا كلها﴾ أي : التسع المختصة بموسى عليه السلام وهي العصا واليد وفلق البحر والحجر والجراد والقمل والضفادع والدم ونتق الجبل ﴿فكذب﴾ بها وزعم أنها سحر ﴿وأبى﴾ أن يسلم، فإن قيل : قوله تعالى :﴿كلها﴾ يفيد العموم والله تعالى ما أراه جميع الآيات فإنّ من جملة الآيات ما أظهرها على أيدي الأنبياء قبل موسى عليه السلام وبعده ؟ أجيب : بأنّ لفظ الكل وإن كان للعموم قد يستعمل في الخصوص مع القرينة كما يقال : دخلت السوق فاشتريت كل شيء أو يقال : إنّ موسى عليه السلام أراه آياته وعدّد عليه آيات غيره من الأنبياء فكذب فرعون بالكل أو يقال تكذيب بعض المعجزات يقتضي تكذيب الكل فحكى سبحانه وتعالى ذلك على الوجه الذي يلزم
طه 20:57
ثم كأنه قيل : كيف صنع في تكذيبه وإبائه فقيل :﴿قال﴾ حين علم حقيقة ما جاء به موسى وظهوره وخاف أن يتبعه الناس ويتركوه ووهن في نفسه وهناً عظيماً ﴿أجئتنا لتخرجنا من أرضنا﴾ أي : الأرض التي نحن مالكوها ويكون لك الملك فيها فصارت فرائصه ترعد خوفاً مما جاء به موسى لعلمه وإيقانه أنه على الحق وأنّ المحق لو أراد قود الجبال لانقادت له وإن مثله لا يخذل ولا يذل ناصره وأنه غالبه على ملكه لا محالة ثم خيل لأتباعه أن ذلك سحر بقوله ﴿بسحرك يا موسى﴾ فكان ذلك مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال صارفاً لهم عن اتباع ما رأوه من البيان
طه 20:58
ثم أظهر لهم أنه يعارضه بمثل ما أتى به بقوله :﴿فلنأتينك بسحر مثله﴾ أي : مثل سحرك يعارضه ﴿فاجعل بيننا وبينك موعداً﴾ أي : من الزمان والمكان ﴿لا نخلفه﴾ أي : لا نجعله خلفنا ﴿نحن ولا أنت﴾ أي : لا نجاوزه ولما كان كل من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال :﴿مكاناً﴾ وآثر ذلك المكان لأجل وصفه بقوله ﴿سوى﴾ أي : عدلاً وقال ابن عباس نصفا تستوي مسافة الفريقين إليه فانظر إلى هذا الكلام الذي زوّقه ونمقه وصنعه بما وقف به قومه عن السعادة واستمرّ يقودهم بعناده حتى أوردهم البحر فأغرقهم ثم في غمرات النار أحرقهم، وقيل : معنى سوى أي : سوى هذا المكان، وقرأ شعبة وابن عامر وحمزة والكسائي بضم السين والباقون بكسرها وأمال شعبة وحمزة والكسائي في الوقف محضة والباقون بالفتح، وقيل : المراد بالموعد الوعد لأنّ الإخلاف لا يلائم الزمان والمكان أي : بل الوعد هو الذي يصح وصفه بالخلف وعدمه وإلى هذا نحا جماعة مختارين له. وردّ عليهم بقوله :﴿قال موعدكم يوم الزينة﴾ فإنه لا يطابقه.
تنبيه : يحتمل أنّ قوله :﴿قال موعدكم يوم الزينة﴾ أن يكون من قول فرعون فبين الوقت وأن يكون من قول موسى عليه السلام وهذا أظهر كما قال الرازي لوجوه ؛ الأوّل : أنه جواب لقول فرعون :﴿فاجعل بيننا وبينك موعداً﴾ الثاني : وهو أن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع فتعيينه إنما يليق بالمحق الذي يعرف أنّ اليد له لا المبطل الذي يعرف أنه ليس معه إلا التلبيس.
طه 20:59
ثالثها : أن قوله :﴿موعدكم﴾ خطاب للجمع فلو جعلناه من فرعون لموسى وهارون لزم إمّا أن نحمله على التعظيم أو أن أقل الجمع اثنان فالأوّل لا يليق بحال فرعون معهما والثاني غير جائز، فإذا جعلناه من موسى عليه السلام استقام الكلام واختلف في ﴿يوم الزينة﴾ فقال مجاهد وقتادة : النيروز، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : هو يوم عاشوراء، وقيل : كان يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون في كل سنة، وقيل : يوم كانوا يتخذون فيه سوقاً ويتزينون ذلك اليوم.
وبنى قوله :﴿وأن يحشر﴾ للمفعول ؛ لأن القصد الجمع لا كونه من معين ﴿الناس﴾ أي : يجتمعوا ﴿ضحى﴾ أي : وقت الضحوة، فيكون أظهر لما يعمل، وأجلى، فلا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر، وعرف المحق من المبطل، ويكثر التحديث بذلك في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر.
طه 20:60
﴿فتولى﴾ أي : أعرض ﴿فرعون﴾ عن موسى إلى تهيئة ما يريد من الكيد بعد توليه عن الانقياد لأمر الله تعالى ﴿فجمع كيده﴾ أي : مكره وحيلته وخداعه الذي دبره على موسى عليه السلام بجميع من يحصل بهم الكيد، وهم السحرة حشرهم من كل فج، وكان أهل مصر أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحراً، وكانوا في ذلك الزمان أشد اعتناءً بالسحر، وأمهر ما كانوا وأكثر ﴿ثم أتى﴾ للميعاد الذي وقع القرار عليه بمن حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس مع توفر الدواعي على الإتيان للعيد، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها.
طه 20:61
ولما تشوق السامع إلى ما كان من موسى عليه السلام عند ذلك استأنف تعالى الخبر عنه بقوله تعالى :﴿قال لهم﴾ أي : لأهل الكيد والعناد، وهم السحرة وغيرهم ﴿موسى﴾ حين رأى اجتماعهم ناصحاً لهم ﴿ويلكم﴾ يا أيها الناس الذين خلقكم الله تعالى لعبادته ﴿لا تفتروا﴾ أي : لا تتعمدوا ﴿على الله كذباً﴾ بإشراك أحد معه ﴿فيسحتكم﴾ قال مقاتل : يهلككم، وقال قتادة : يستأصلكم ﴿بعذاب﴾ من عنده، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء، وكسر الحاء من الإسحات، وهو لغة نجد وتميم، والباقون بفتحهما، والسحت لغة الحجاز ﴿وقد خاب من افترى﴾ كما خاب فرعون، فإنه افترى واحتال ليبقى الملك له، فلم ينفعه.
طه 20:62
﴿فتنازعوا﴾ أي : تجاذب السحرة ﴿أمرهم بينهم﴾ لما سمعوا هذا الكلام علماً منهم أنه لا يقدر أن يواجه فرعون بمثله في جمع جنوده وأتباعه، ثم يسلم منه إلا من الله تعالى معه ﴿وأسروَّا النجوى﴾ قال الكلبي : قالوا سراً : إن غلبنا موسى اتبعناه، وقال محمد بن إسحاق : لما قال لهم موسى :﴿لا تفتروا على الله كذباً﴾، قال بعضهم لبعض : ما هذا بقول ساحر، وبالغوا في إخفاء ذلك، فإن النجوى الإسرار لئلا يظهر فرعون وأتباعه على ذلك،
طه 20:63
فكأنه قيل : ما قالوا حين انتهى تنازعهم ؟ فقيل :﴿قالوا﴾ أي السحرة :﴿إن هذان لساحران﴾ أي : موسى وهارون، وقرأ ابن كثير وحفص بسكون النون من ﴿إن﴾، وشدَّدها الباقون، وقرأ أبو عمرو بالياء بعد الذال، والباقون بالألف على لغة من يجعل ألف المثنى لازماً في كل حال، قال أبو حيان : وهي لغة لطوائف من العرب بني الحارث بن كعب، وبعض كنانة وخثعم وزيد وبني النضر وبني الجهيم ومراد وعذرة، وقال شاعرهم :
تزوّد مني بين أذناه ضربة ***
يريد أذنيه، وقال آخر :
إن أباها وأبا أباها؍ قد بلغا في المجد غايتاها؍
وقيل : تقدير الآية أنه هذان، فحذف الهاء، وذهب جماعة إلى أن حرف أن ههنا بمعنى نعم، أي : نعم هذان، روي أن أعرابياً سأل ابن الزبير شيئاً، فحرمه، فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير : إنَّ وصاحبها، أي : نعم، وشدَّد ابن كثير النون، فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام، وتزويره خوفاً من غلبتهما، وتثبيطاً للناس عن اتباع موسى وهارون ﴿يريدان﴾ أي بما يقولان من دعوى الرسالة وغيرها ﴿أن يخرجاكم﴾ أيها الناس ﴿من أرضكم﴾ هذه التي ألفتموها، وهي وطنكم خلفاً عن سلف ﴿بسحرهما﴾ الذي أظهراه لكم وغيره. ولما كان كل حزب بما لديهم فرحين قالوا :﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ مؤنث الأمثل، وهو الأفضل، أي : بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبه، وإعلاء دينه لقوله تعالى :﴿إني أخاف أن يبدل دينكم﴾ [ غافر، ٢٦ ]، وقيل : أراد أهل طريقتكم، وهم بنو إسرائيل، فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم لقول موسى :﴿أرسل معنا بني إسرائيل﴾ [ الشعراء، ١٧ ]، وقيل : الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم من حيث إنهم قدوة لغيرهم.
طه 20:64
﴿فأجمعوا كيدكم﴾ أي : من السحر وغيره، فلا تدعوا منه شيئاً إلا جئتم به، وقرأ أبو عمرو بهمزة الوصل بين الفاء والجيم، وفتح الميم، والباقون بهمزة مقطوعة وكسر الميم ﴿ثم ائتوا﴾ أي : للقاء موسى وهارون ﴿صفاً﴾ أي مصطفين ؛ لأنه أهيب في صدور الرائين.
تنبيه : اختلفوا في عدد السحرة، فقال الكلبي : كانوا اثنين وسبعين ساحراً ؛ اثنان من القبط، وسبعون من بني إسرائيل، وقال عكرمة : كانوا تسعمائة ؛ ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية. وقال وهب : خمسة عشرة ألفاً، وقال السدي : بضعة وثلاثون ألفاً، وقال القاسم بن سلام : كانوا سبعين ألفاً، وقيل : اثني عشر ألفاً مع كل منهم على كل قول حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وظاهر القرآن لا يدل على شيء من هذه الأقوال. ولما كان التقدير : فمن أتى كذلك فقد استعلى عطف عليه قوله :﴿وقد أفلح اليوم﴾ في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط ﴿من استعلى﴾ أي : فاز بالمطلوب من غلب،
طه 20:65
فلما أتى السحرة موسى له متأدبين ؛ لأنّ لين القول مع الخصم إن لم ينفع لم يضر ؛ بل نفعهم قال بعضهم : ولذلك رزقهم الله تعالى الإيمان ببركته ﴿يا موسى إما أن تلقي﴾ أي : ما معك مما تناظرنا به أولاً ﴿وإما أن نكون﴾ نحن ﴿أوّل من ألقى﴾ ما معه.
طه 20:66
﴿قال﴾ لهم موسى عليه السلام مقابلاً لأدبهم بأحسن منه، ولأنه فهم أن مرادهم الابتداء، وليكون هو الآخر، فتكون له العاقبة بتسليط معجزته على سحرهم، فلا يكون بعدها شك لا ألقي أنا أولاً ﴿بل ألقوا﴾ أنتم أولاً، فانتهزوا الفرصة ؛ لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من تغيير السياق والتصريح بالأول، فألقوا ما معهم من الحبال والعصي ﴿فإذا حبالهم وعصيّهم﴾ أي : التي ألقوها قد فاجأت أنه ﴿يخيل إليه﴾ تخييلاً مبتدأً ﴿من سحرهم﴾ أي : الذي قد فاقوا به أهل الأرض ﴿أنها﴾ لشدة اضطرابها ﴿تسعى﴾ فإن قيل : كيف يجوز أن يقول موسى :﴿بل ألقوا﴾ فيأمرهم بما هو سحر أجيب : بأن ذلك الأمر كان مشروطاً، والتقدير : ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين ؛ كما في قوله تعالى :﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [ البقرة، ٢٣ ]، أي : إن كنتم صادقين، وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس، فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات، وكانت قد أخذت ميلاً من كل جانب، ورأوا أنها تسعى، وقيل : لطخوها بالزئبق، فلما وقعت عليها الشمس اضطربت، فخيل إليهم أنها تتحرك، وقرأ ابن ذكوان تخيل بالتاء الفوقية على التأنيث، والباقون بالياء على إسناده إلى ضمير الحبال.
طه 20:67
﴿فأوجس﴾ أي : أحس ﴿في نفسه خيفة موسى﴾ عليه الصلاة والسلام فإن قيل : كيف استشعر الخوف، وقد عرض عليه المعجزات الباهرات كالعصا واليد، ثم إن الله تعالى قال له بعد ذلك :﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ فكيف وقع الخوف في قلبه ؟ أجيب بأوجه أحدها : أنه خاف من جهة أن سحرهم من جنس معجزته أن يلتبس أمره على الناس، فلا يؤمنوا به، الثاني : أنه خوف طبع البشرية مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها كذلك، الثالث : لعله كان مأموراً أن لا يفعل شيئاً إلا بالوحي، فلما تأخَّر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن لا ينزل عليه الوحي في ذلك الجمع، فيبقى الخجل.
طه 20:68
ثم إنه أزال ذلك الخوف بقوله تعالى :﴿قلنا لا تخف﴾ من شيء من أمرهم ولا غيره، ثم علل ذلك بقوله تعالى، وأكده أنواعاً من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من سحرهم لعظمه ﴿إنك أنت﴾ خاصة ﴿الأعلى﴾ أي الغالب غلبة ظاهرة لا شبهة فيها.
طه 20:69
﴿وألقِ ما في يمينك﴾ أبهمه، ولم يقل : عصاك تحقيراً لها ؛ أي : لا تبال بكثرة حبالهم، وعصيهم، وألقِ العويد الذي في يدك، أو تعظيماً لها أي : لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أي : العصا، وهي التي قلنا لك أول ما شرَّفناك بالمناجاة :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ [ طه، ١٧ ]، ثم أريناك منها ما أريناك ﴿تلقف﴾ أي : تبتلع بقوة واجتهاد مع سرعة لا تكاد تدرك ﴿ما صنعوا﴾ أي : فعلوه بعد تدرّب كثير وممارسة طويلة، فلما ألقاها صارت أعظم حية من حياتهم، ثم أخذت تزداد عظماً حتى ملأت الوادي، ثم صعدت حتى علقت ذنبها بطرف الثنية، ثم هبطت وأكلت كل ما عملوه في الميلين والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنه سحر، ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها نحو ثمانين ذراعاً، فصاح بموسى، فأخذها، فإذا هي عصا كما كانت، ونظرت السحرة، فإذا هي لم تدع من حبالهم، وعصيهم شيئاً إلا أكلته، وعرفوا أنه ليس بسحر، وأصل تلقف تتلقف حذفت إحدى التاءين، وتاء المضارعة تحتمل التأنيث على إسناد الفعل إلى العصا، والخطاب على إسناد الفعل إلى السبب، وقرأ ابن ذكوان برفع الفاء على الحال أو الاستئناف، والباقون بسكونها، وحفص بسكون اللام وتخفيف القاف على أنه من لقفته بمعنى تلقفته ﴿إنما﴾ أي : الذي ﴿صنعوا﴾ أي : زوَّروا وافتعلوا وهالك أمره ﴿كيد ساحر﴾ أي : كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين، وسكون الحاء بمعنى ذي سحر، أو بتسمية الساحر سحراً على المبالغة، أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم : علم فقه، والباقون بفتح السين وكسر الحاء وألف بينهما.
فإن قيل : لم وحد الساحر ولم يجمع ؟ أجيب بأن القصد من هذا الكلام معنى الجنسية لا معنى العدد، فلو جمع خيل أن المقصود هو العدد ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ولا يفلح الساحر﴾ أي هذا الجنس ﴿حيث أتى﴾ أي : كيفما سار، وقال ابن عباس : لا يسعد حيث كان، وقيل : معناه حيث احتال، فإنه إنما يفعل ما لا حقيقة له.
فإن قيل : لم نكر أولاً، ثم عرف ثانياً أجيب بأنه قال : هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر لا فائدة فيه، ولا شك أن الكلام على هذا الوجه أبلغ، ثم أنه امتثل ما أمره به ربه من إلقاء العصا، فكان ما وعده به سبحانه من تلقفها لما صنعوا من غير أن يظهر عليها زيادة في ثخن ولا في غيره مع أن حبالهم وعصيهم كانت شيئاً كثيراً، فعلم كل من رأى ذلك حقيته، وبطلان ما فعل السحرة، فبادر السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله تعالى ساجدين مبادرة من كأنه ألقاه ملق على وجهه، ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم واجتهادهم في معارضة موسى عليه السلام، وحذف ذكر الإلقاء، وما سببه من التلقف ؛ لأن مقصود السورة القدرة على تليين القلوب القاسية.
طه 20:70
﴿فألقي السحرة﴾ أي : فألقاهم ما رأوا من أمر الله تعالى بغاية السرعة، وبأيسر أمر ﴿سجداً﴾ على وجوههم لله تعالى توبة مما صنعوا وإغباناً لفرعون بسجودهم، وتعظيماً لما رأوا، وذلك لأنهم كانوا في الطبقة العليا من علم السحر، فلما رأوا فعل موسى عليه السلام خارجاً عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر البتة، ويقال : قال رئيسهم : كنا نغلب الناس بالسحر، وكانت الآلات تبقى علينا، فلو كان هذا سحراً، فأين الذي ألقيناه، فاستدلوا بتغيير أحوال الأجسام على الصانع القادر، وبظهورها على يد موسى عليه السلام على كونه رسولاً صادقاً من عند الله لا جرم تابوا وآمنوا، وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود ؛ قال الأصبهاني : سبحان الله ما أعظم شأنهم ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين، فكأن قائلاً قال هذا فعلهم، فماذا قالوا ؟ فقيل :﴿قالوا : آمنا برب هارون وموسى﴾ ولم يقولوا : آمنا برب العالمين ؛ لأن فرعون ادّعى الربوبية في قوله :﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [ النازعات، ٢٤ ] والإلهية في قوله :﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [ القصص، ٣٨ ]، فلو أنهم قالوا ذلك لكان فرعون يقول : إنهم آمنوا بي لا بغيري، فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة، والدليل على ذلك أنهم لم يقتصروا على موسى بل قدّموا هارون لأن فرعون ربى موسى في صغره، فلو اقتصروا على موسى أو قدّموا ذكره فربما توهم أن المراد فرعون، وذكر هارون على الاستتباع وقيل : قدموه لكبر سنه، أو لرويّ الآية، فسبحان الله ما أعظم أمرهم كانوا أول النهار سحرة يقرون لفرعون بالربوبية، وآخره شهداء بررة روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها، وعن عكرمة لما خرّوا سجداً أراهم الله تعالى في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة،
طه 20:71
فكأنه قيل : ما قال لهم فرعون حينئذٍ ؟ فقيل : ﴿قال﴾ لهم :﴿آمنتم﴾ أي : بالله ﴿له﴾ أي : مصدِّقين أو متبعين لموسى ﴿قبل أن آذن لكم﴾ في ذلك، قال ذلك إيهاماً بأنه سيأذن فيه ليقف الناس عن المبادرة إلى الاتباع بين خوف العقوبة ورجاء الإذن، ثم استأنف قوله معلماً مخيلاً لاتباعه صداً لهم عن الاقتداء بالسحرة ﴿إنه﴾ أي : موسى ﴿لكبيركم﴾ أي : معلمكم ﴿الذي علمكم السحر﴾ أي : فلم تتبعوه لظهور الحق بل لإرادتهم شيئاً من المكر وافقتموه عليه قبل حضوركم في هذا الموطن، وهذا على عادته في تخييل أتباعه بما يوقفهم عن اتباع الحق. ولما خيلهم شرع يزيدهم حيرة بتهديد السحرة، فقال مقسماً ﴿فلأقطعن﴾ أي : بسبب ما فعلتم ﴿أيديكم﴾ على سبيل التوزيع ﴿وأرجلكم﴾ أي : من كل رجل يداً ورجلاً، وقوله :﴿من خلاف﴾ حال يعني مختلفة، أي : الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى ﴿ولأصلبنكم﴾ وعبر عن الاستعلاء بالظرف إشارة إلى تمكينهم في المصلوب عليه تمكين المظروف في ظرفه، فقال :﴿في جذوع النخل﴾ تشنيعاً لقتلكم وردعاً لأمثالكم ﴿ولتعلمن أينا﴾ يريد نفسه لعنه الله وموسى عليه السلام بدليل قوله :﴿آمنتم له﴾، واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله ؛ كقوله :﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ [ التوبة، ٦١ ]، وفيه تبجح باقتداره وقهره، وما ألفه وضري به من تعذيب الناس بأنواع العذاب، وتوضيع لموسى، واستضعاف له مع الهزء به ؛ لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء.
وقيل : يريد رب موسى الذي آمنوا به ﴿أشد عذاباً وأبقى﴾ أي : أدوم على مخالفته فإن قيل : إن فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حية، وقصدها له وآل الأمر أن استغاث بموسى من شرها، وعجزه عن دفعها كيف يعقل أن يهدد السحرة ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد، ويستهزئ بموسي في قوله :﴿أينا أشد عذاباً وأبقى﴾ ؟ أجيب : بأنه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنه يظهر الجلادة والوقاحة تمشية لناموسه وترويجاً لأمره، قال الرازي : ومن استقرأ أحوال العالم علم أن الفاجر قد يفعل أمثال هذه الأشياء، ومما يدل على معاندته قوله :﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ لأنه كان يعلم أن موسى ما خالطهم البتة، وما لقيهم، وكان يعلم من سحرته أستاذ كل واحد من هو، وكيف حصل ذلك العلم، ثم إنه كان يقول مع ذلك هذه الأشياء،
طه 20:72
ثم كأنه قيل فما قالوا له ؟ فقيل :﴿قالوا﴾ له :﴿لن نؤثرك﴾ أي : نختارك ﴿على ما جاءنا﴾ على لسان موسى ﴿من البينات﴾ التي عايناها، وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضادتها. ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله إشارة إلى علوِّ قدره، فقالوا :﴿والذي﴾ أي : ولا نؤثرك بالإتباع على الذي فطرنا أي : ابتدأ خلقنا إشارة إلى شمول ربوبية الله تعالى لهم وله ولجميع الناس، وتنبيهاً على عجز فرعون عند من استخفه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم.
تنبيه : قد علم مما تقرر أن ﴿والذي﴾ معطوف على ﴿ما﴾ وإنما أخروا ذكر الباري تعالى ؛ لأنه من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، وقيل : الواو قسم والموصول مقسم به وجواب القسم محذوف، أي : وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق، ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به، وعلموا أن ما يفعله بهم هو بإذن الله تعالى قالوا له :﴿فاقض﴾ أي : فاصنع في حكمك الذي تمضيه ﴿ما أنت قاض﴾ أي : فاقض الذي أنت قاضيه، ثم عللوا ذلك بقولهم :﴿إنما تقضي﴾ أي : تصنع بنا ما تريد إن قدّرك الله عليه ﴿هذه الحياة الدنيا﴾ النصب على الاتساع أي : إنما حكمك فيها على الجسد خاصة، فهي ساعة تعقبها راحة، ونحن لا نخاف إلا ممن يحكم على الروح، وإن فني الجسد فذاك هو العذاب الشديد الدائم.
طه 20:73
ثم عللوا تعظيم الله تعالى، واستهانتهم بفرعون بقولهم :﴿إنا آمنا بربنا﴾ أي : المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره ﴿ليغفر لنا﴾ من غير نفع يلحقه بالفعل، أو ضرر يدركه بالترك ﴿خطايانا﴾ التي قابلنا بها إحسانه، ثم خصوا بعد العموم فقالوا :﴿وما أكرهتنا عليه﴾ وبينوا ذلك بقولهم :﴿من السحر﴾ لنعارض المعجزة، فإنه كان الأكمل لنا عصيانك فيه ؛ لأن الله تعالى أحق بأن يتقى.
فإن قيل : كيف قالوا ذلك وقد جاؤوا مختارين يحلفون بعزة فرعون آن لهم الغلبة ؟ أجيب : بأنه قد روي أن رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر، وروي أنهم رأوا موسى عليه السلام نائماً، وعصاه تحرسه، فقالوا لفرعون : إن الساحر إذا نام بطل سحره، فهذا لا نقدر على معارضته، فأبى عليهم، وأكرههم على المعارضة.
وقيل : إنَّ الملوك في ذلك الزمان كانوا يأخذون البعض من رعيتهم، ويكلفونه تعلم السحر، فإذا شاخ بعثوا إليه أحداثاً ليعلمهم ليكون في كل وقت من يحسنه. ولما كان التقدير فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة عطفوا عليه مستحضرين لكماله ﴿والله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال ﴿خير﴾ جزاء منك فيما وعدتنا به ﴿وأبقى﴾ ثواباً وعقاباً قال أبو حيان : والظاهر أن الله تعالى سلمهم من فرعون، ويؤيده قوله تعالى :﴿ومن اتبعكما الغالبون﴾ [ القصص، ٣٥ ]، وقال الرازي : ليس في القرآن أنَّ فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم، ولم يثبت في الأخبار، وقال البقاعي : سيأتي في آخر الحديد ما هو صريح في نجاتهم،
طه 20:74
ثم عللوا هذا الحكم بقولهم :﴿إنه﴾ أي : الأمر والشأن ﴿من يأت ربه﴾ أي : الذي رباه وأحسن إليه بأن أوجده وجعل له جميع ما يصلحه ﴿مجرماً﴾ بأن يموت على كفره ﴿فإن له جهنم﴾ دار الإهانة ﴿لا يموت فيها﴾ فيستريح من عذابها بخلاف عذابك، فإن آخره الموت وإن طال ﴿ولا يحيى﴾ فيها حياة مهنأة، وبها يندفع ما قيل : إن الجسم الحيِّ لا بد أن يبقى إمَّا حياً أو ميِّتاً، فخلوه عن الوصفين محال، وقال بعضهم : إن لنا حالة ثالثة، وهي كحالة المذبوح قبل أن يهدأ، فلا هو حي لأنه قد ذبح ذبحاً لا تبقى الحياة معه، ولا هو ميت ؛ لأن الروح لم تفارقه بعد، فهي حالة ثالثة.
طه 20:75
﴿ومن يأته﴾ أي : ربه الذي قد أوجده ورباه ﴿مؤمناً﴾ أي : مصدقاً به ﴿قد﴾ ضم إلى تصديق الإيمان أنه ﴿عمل﴾ أي : في الدنيا الصالحات أي : التي أمر بها، فكان صادق الإيمان مستلزماً لصالح الأعمال ﴿فأولئك﴾ أي : العالوا الرتبة ﴿لهم الدرجات العلى﴾ جمع علياء مؤنث أعلى التي لا نسبة لدرجاتك التي أوعدتناها إليها،
طه 20:76
ثم بينوها بقولهم :﴿جنات عدن﴾ أي : أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي : من تحت غرفها وأسرتها وأرضها، فلا يراد موضع منها ؛ لأن يجري فيه نهر الأجرى، وقولهم :﴿خالدين فيها﴾ حال والعامل فيها معنى الإشارة أو الاستقرار ﴿وذلك جزاء﴾ كل ﴿من تزكى﴾ أي : تطهر من أدناس الكفر.
تنبيه : هذه الآيات الثلاث وهي من قوله أنه من يأت ربه مجرماً إلى هنا يحتمل أن تكون من كلام السحرة كما تقرر، وأن تكون ابتداء كلام من الله تعالى.
طه 20:77
وقوله تعالى :﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي﴾ عطف على قوله :﴿ولقد أريناه آياتنا﴾ [ طه، ٥٦ ]
وفيه دليل على أن موسى عليه السلام كثر مستجيبوه، فأراد الله تعالى تمييزهم من طبقة فرعون وخلاصهم، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلاً، والسري اسم لسير الليل، والإسراء مثله، والحكمة في السري بهم لئلا يشاهدهم العدو فيمنعهم عن مرادهم، أو ليكون ذلك عائقاً لفرعون عن طلبه وتتبعه، أو ليكون إذا تقارب العسكر أن لا يرى عسكر موسى عليه الصلاة والسلام عسكر فرعون لعنه الله فلا يهابونهم.
وقرأ نافع وابن كثير بكسر النون وهمزة وصل بعدها من سرى، والباقون بسكون النون، وهمزة قطع بعدها من أسرى لغتان أي أسر ببني إسرائيل من أرض مصر التي لينت قلب فرعون لهم حتى أذن لهم في مسيرهم بعد أن كان قد أبى أن يطلقهم، أو يكف عنهم العذاب فأقصد بهم ناحية بحر القلزم ﴿فاضرب﴾ أي : اجعل ﴿لهم﴾ بالضرب بعصاك ﴿طريقاً في البحر﴾ والمراد بالطريق الجنس، فإنه كان لكل سبط طريق، وقوله ﴿يبساً﴾ صفة لطريق وصف به لما يؤول إليه ؛ لأنه لم يكن يبساً إلا بعد أن مرت عليه الصبا، فجففته كما روي، وقيل في الأصل مصدر وصف به مبالغة، وقيل : جمع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة، فلما امتثل ما أمر به، وأيبس الله تعالى له الأرض، وأراد المرور بها قال الله تعالى له :﴿لا تخاف دركاً﴾ أي : أن يدركك فرعون ﴿ولا تخشى﴾ غرقاً وقرأ حمزة بجزم الفاء ولا ألف بينها وبين الخاء على أن يكون نهياً مستأنفاً، والباقون برفع الفاء، وألف بينهما وبين الخاء على أنه مستأنف، فلا محل له من الإعراب، أو أنه في محل نصب على الحال من فاعل اضرب، أي : اضرب غير خائف.
طه 20:78
﴿فاتبعهم فرعون بجنوده﴾ أي : وهو معهم على كثرتهم وعلوّهم، وعزتهم، فكانوا كالتابع الذي لا معنى له بدون متبوعه، والمتبوع بنو إسرائيل، وذلك أن موسى خرج بهم أول الليل، فأخبر فرعون بذلك، فقص أثرهم، والمعنى : فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده، فحذف المفعول الثاني، وقيل : إن الباء زائدة ﴿فغشيهم﴾ أي : فرعون وقومه ﴿من اليم﴾ أي : البحر ﴿ما غشيهم﴾ أي : أمر لا تحتمل العقول وصفه، فأهلكهم، وقطع دابرهم، ولم يبق منهم أحداً وما شاك أحداً من عبادنا المستضعفين شوكة.
طه 20:79
﴿وأضل فرعون قومه﴾ أي : بدعائهم إلى عبادته ﴿وما هدى﴾ أي : ما أرشدهم، وهذا تكذيب لفرعون وتهكم به في قوله :﴿وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [ غافر، ٢٩ ].
تنبيه : لا بأس بذكر شيء من هذه القصة، فنقول : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما أمر الله تعالى موسى أن يقطع بقومه البحر، وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلي والدوابّ لعيد يخرجون إليه، فخرج بهم ليلاً، وكان يوسف عليه الصلاة والسلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر، فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظم، فأخذوه، وقال موسى عليه السلام للعجوز : احتكمي، أي : انظري لك شيئاً اطلبيه، فقالت : أكون معك في الجنة، فلما خرجوا تبعهم فرعون وعلى مقدمته ألف ألف وخمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب، فلما انتهى موسى إلى البحر قال : هنا أمرت، فأوحى الله تعالى إليه أن ﴿اضرب بعصاك البحر﴾ فضربه فانفلق، فقال لهم موسى : ادخلوا فيه، فقالوا : كيف وهي رطبة ؟ فدعا ربه فهبت عليها الصبا، فجفت، فقالوا : نخاف الغرق في بعضنا، فجعل بينهم كوى يرى بعضهم بعضاً، ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر، وأقبل فرعون إلى تلك الطرق، فقال له قومه : إن موسى قد سحر البحر كما ترى، وكان على فرس حصان، فأقبل جبريل عليه السلام على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة، فسار جبريل بين يدي فرعون، فأبصر الحصان الفرس، فاقتحم بفرعون على أثرها، فصاحت الملائكة في الناس : الحقوا حتى إذا لحق آخرهم، وكاد أوّلهم أن يخرج التقى البحر عليهم، فغرقوا، فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا إليهم، وقالوا : يا موسى ادع الله يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم، فلفظهم البحر إلى الساحل، وأصابوا من سلاحهم، وذكر ابن عباس أن جبريل قال : يا محمد لو رأيتني وأنا أدس في في فرعون الماء والطين مخافة أن يتوب، فهذا معنى قوله تعالى :﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾.
طه 20:80
ولما أنعم الله تعالى على قوم موسى عليه السلام بأنواع النعم ذكر أولادهم تلك النعم، فناداهم بقوله تعالى :﴿يا بني إسرائيل﴾ والمنادى من وجد من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخوطبوا بما أنعم به على أجدادهم زمن موسى عليه السلام، ولا شك أن إزالة الضرر يجب تقديمها على إيصال المنفعة، وإيصال المنفعة الدينية أعظم من إيصال المنفعة الدنيوية، فلهذا بدأ تعالى بإزالة الضرر بقوله :﴿قد أنجيناكم من عدوكم﴾، فإنّ فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيراً من القتل والإذلال والخراج والأعمال الشاقة، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية بقوله تعالى :﴿وواعدناكم جانب الطور الأيمن﴾ أي : الذي على أيمانكم في توجهكم هذا الذي وجوهكم فيه إلى بيت أبيكم إبراهيم عليه السلام، وهو جانبه الذي يلي البحر، وناحية مكة واليمن، ووجه المنفعة فيه أنه أنزل في ذلك القرب عليهم كتاباً فيه بيان دينهم، وشرح شريعتهم.
ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية بقوله :﴿ونزلنا عليكم﴾ بعد إنزال هذا الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم ﴿المنِّ﴾ أي : الترنجبين ﴿والسلوى﴾ أي : الطير السماني بتخفيف الميم والقصر.
طه 20:81
وقوله تعالى :﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ أمر إباحة أن فسر الطيب باللذيذ ؛ لأن المن والسلوى من لذائذ الأطعمة، وإن فسر بالحلال ؛ لأن الله تعالى أنزله إليهم، ولم تمسه يد الآدميين، فهو أمر إيجاب، وقرأ حمزة والكسائي ﴿قد أنجيناكم﴾ ﴿ووعدناكم﴾ ﴿ما رزقناكم﴾ بتاء مضمومة بعد التحتية من أنجينا، وبعد الدال من وعدنا، وبعد القاف من رزقنا، ولا ألف في الثلاثة، والباقون بالنون، وألف بعدها في الثلاثة، وأسقط أبو عمرو الألف قبل العين من وعدنا، وأثبتها الباقون، ثم زجرهم عن العصيان بقوله تعالى :﴿ولا تطغوا فيه﴾ أي : فيما رزقناكم بالإخلال بشكره، والتعدي بما حد الله لكم فيه من السرف والبطر والمنع عن المستحقين، وقرأ الكسائي ﴿فيحل﴾ بضم الحاء، أي : ينزل، والباقون بكسرها، أي : يجب ﴿عليكم غضبي﴾ أي : عقوبتي ﴿ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى﴾ أي : هلك، وقيل : شقي، وقيل : وقع في الهاوية، وقرأ الكسائي بضم اللام الأولى، وكسرها الباقون،
طه 20:82
ولما كان الإنسان محل الزلل، وإن اجتهد رجاه واستعطفه بقوله سبحانه :﴿وإني لغفار﴾ أي : ستار بإسبال ذيل العفو ﴿لمن تاب﴾ أي : رجع عن ذنوبه من الشرك، وما يقاربه ﴿وآمن﴾ بكل ما يجب الإيمان به ﴿وعمل صالحاً﴾ تصديقاً لإيمانه ﴿ثم اهتدى﴾ باستمراره على ذلك إلى موته.
فائدة : اعلم أنه تعالى وصف نفسه بكونه غافراً وغفوراً وغفاراً، وبأن له غفراناً ومغفرة، وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر، أمَّا وصف كونه غافراً، فقوله تعالى ﴿غافر الذنب﴾ [ غافر، ٣ ] وأما كونه غفوراً، فقوله تعالى :﴿وربك الغفور﴾ [ الكهف، ٥٨ ]، وأما كونه غفاراً، فقوله تعالى :﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن﴾، وأما الغفران، فقوله تعالى :﴿غفرانك ربنا﴾ [ البقرة، ٢٨٥ ]، وأما المغفرة، فقوله تعالى :﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس﴾ [ الرعد، ٦ ]، وأما صيغة الماضي فقوله تعالى في حق داوود :﴿فغفرنا له﴾ [ ص، ٢٥ ]، وأما صيغة المستقبل فقوله تعالى :﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [ النساء، ٤٨ ]، وقوله تعالى :﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [ الزمر، ٥٣ ] وقوله تعالى في حق نبينا صلى الله عليه وسلم :﴿ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر﴾ [ الفتح، ٢ ]، وأما لفظ الاستغفار، فقوله تعالى :﴿استغفروا ربكم﴾ [ هود، ٣ ]، ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [ الشورى، ٥ ] ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ [ غافر، ٧ ] وهاهنا نكتة لطيفة وهي أن العبد له أسماء ثلاثة ؛ الظالم والظلوم والظلام إذا كثر منه الظلم، ولله تعالى في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم، فكأنه تعالى قال : إن كنت ظالماً فأنا غافر، وإن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت ظلاماً فأنا غفار، فيجب على كل من ارتكب معصية كبيرة أو صغيرة أن يتوب منها لهذه الآية، ودلت على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان ؛ لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف غاير المعطوف عليه.
طه 20:83
ولما أمر تعالى موسى عليه السلام بحضور الميقات مع قوم مخصوصين قال المفسرون : هم السبعون الذين اختارهم الله تعالى من جملة بني إسرائيل ليذهبوا معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسار بهم موسى، ثم عجل موسى عليه السلام من بينهم شوقاً إلى ربه وخلف السبعين، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال تعالى له :﴿وما أعجلك عن قومك﴾ أي : لمجيء ميعاد أخذ التوراة ﴿يا موسى﴾.
طه 20:84
﴿قال﴾ مجيباً لربه تعالى :﴿هم أولاء﴾ أي : بالقرب مني يأتون ﴿على أثري﴾ أي : ماشين على آثار مشي قبل أن ينطمس، وما تقدمتهم إلا بخطى يسيرة لا يعتد بها عادة، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم على بعض ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ أي : لتزداد عني رضاً، فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك يوجب مرضاتك.
تنبيه : في الآية سؤالات :
الأول : قوله تعالى :﴿وما أعجلك﴾ استفهام، وهو على الله تعالى وأجيب عنه : بأنه كان في صورة الاستفهام، ولا مانع منه.
الثاني : أن موسى عليه السلام لا يخلو إما أن يكون ممنوعاً من ذلك التقدم، أو لم يكن، فإن كان الأول كان التقدم معصية، وإن لم يكن فلا إنكار، وأجيب عنه : بأنه عليه السلام لعله ما وجد نصاً في ذلك، فاجتهد، فأخطأ في اجتهاده، فاستوجب العتاب.
الثالث : قوله :﴿وعجلت﴾، والعجلة مذمومة، أجيب عنه بأنها ممدوحة في الدين قال تعالى :﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [ آل عمران، ١٣٣ ].
الرابع : قوله :﴿لترضى﴾ يدل على أنه إنما فعل ذلك ليحصل الرضا، وإذا لم يكن راضياً عنه، وجب أن يكون ساخطاً عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام، أجيب عنه : بأن المراد تحصيل دوام الرضا، أو زيادته كما مرَّ.
الخامس : قوله :﴿إليك﴾ يقتضي كون الله تعالى في جهة لأن إلى لانتهاء الغاية، وأجيب عنه : بأنا اتفقنا على أن الله تعالى لم يكن في الجبل، فالمراد مكان وعدك.
السادس : قوله تعالى :﴿ما أعجلك عن قومك﴾ سؤال عن سبب العجلة، فكان جوابه اللائق به أن يقول : طلب زيادة رضاك، أو التشوق إلى كلامك، وأما قوله :﴿هم أولاء على أثري﴾ فغير منطبق عليه كما ترى ؛ أجيب عنه بأن سؤال الله تعالى يتضمن شيئين ؛ أحدهما : إنكار نفس العجلة، والثاني : السؤال عن سبب التقدم، فأجاب عن السؤال عن العجلة ؛ لأنها أهم، فقال : وعجلت إليك رب لترضى.
طه 20:85
﴿قال﴾ تعالى :﴿فإنا﴾ أي : تسبب عن عجلتك عنهم أنا ﴿قد فتنا﴾ أي : ابتلينا ﴿قومك من بعدك﴾ أي : بعد فراقك لهم بعبادة العجل، وهم الذين خلفهم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، وما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفاً ﴿وأضلهم السامري﴾ باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته، فأطاعه بعضهم، وامتنع بعضهم، والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لهم السامرة، وقيل : كان علجاً من أهل كرمان وقع إلى مصر، وقيل : كان من قوم يعبدون البقر جبران لبني إسرائيل، ولم يكن منهم، واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقاً.
طه 20:86
﴿فرجع موسى﴾ لما أخبره ربه بذلك ﴿إلى قومه﴾ بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، وأخذ التوراة ﴿غضبان﴾ عليهم ﴿أسفاً﴾ أي : حزينا بما فعلوا ﴿قال﴾ أي : لقومه لما رجع إليهم مستعطفاً لهم :﴿يا قوم﴾ وأنكر عليهم بقوله :﴿ألم يعدكم ربكم﴾ أي : الذي أحسن إليكم ﴿وعداً حسناً﴾ أي : بأنه ينزل عليكم كتاباً حافظاً، ويكفر عنكم خطاياكم، وينصركم على أعدائكم إلى غير ذلك من إكرامه، ولما جرت العادة بأنّ طول الزمان ناقض للعزائم مغير للعهود كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري :
لا أنسينك طال الزمان بنا؍ وكم حبيب تمادى عهده فنسى؍
قال لهم :﴿أفطال عليكم العهد﴾ أي : زمن لطف الله تعالى بكم، فتغيرتم عما فارقتكم عليه كما تغير أهل الرذائل والانحلال في العزائم لضعف العقول وقلة التدبر ﴿أم أردتم﴾ أي : بالنقض مع قرب العهد، وذكر الميثاق ﴿أن يحل﴾ أي يجب ﴿عليكم﴾ بسبب عبادة العجل ﴿غضب من ربكم﴾ المحسن إليكم، أي : وكلا الأمرين لم يكن أما الأول فواضح، وأما الثاني : فلا يظن بأحد إرادته، والحاصل أنه يقول : فعلتم ما لا يفعله عاقل ﴿فأخلفتم﴾ أي : فتسبب عن فعلكم ذلك أن أخلفتم ﴿موعدي﴾ أي : وعدكم إياي بالثبات على الإيمان بالله، والقيام على ما أمركم به،
طه 20:87
ولما تشوق السامع إلى جوابهم استأنف ذكره، فقال :﴿قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ أي : بأن ملكنا أمرنا إذ لو خلينا، وأمرنا ولم يسوِّل لنا السامري لما أخلفناه، واختلف في هذا المجيب على وجهين :
الأول : هم الذين لم يعبدوا العجل، فكأنهم قالوا : ما أخلفنا موعدك بملكنا أي : بأمر كنا نملكه، وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه كقوله تعالى :﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ [ البقرة، ٥٠ ]، ﴿وإذ قتلتم نفساً﴾ [ البقرة، ٧٢ ]، وإن كان الفاعل لذلك آباءهم لا هم، فكأنهم قالوا : الشبهة قويت على عبدة العجل، فلم نقدر على منعهم عنه، ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم لأنا خفنا أن يصير ذلك سبباً لوقوع النفرة، وزيادة الفتنة.
الثاني : أن هذا قول عبدة العجل، والمراد أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا، وفاعل السبب فاعل المسبب، فمخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة، فإنه كان كالمالك لنا فإن قيل : كيف كان رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجل يعرف فسادها بالضرورة ؟ أجيب : بأنَّ هذا غير ممتنع في حق البله من الناس وقرأ عاصم ونافع بفتح الميم، وحمزة والكسائي بضمها، والباقون بكسرها، وثلاثتها في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء، ثم إن القوم فسروا الضرر الحامل لهم على ذلك الفعل، فقالوا :﴿ولكنا حملنا﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بضم الحاء وكسر الميم مشددة، وأبو عمرو، وشعبة وحمزة والكسائي بفتح الحاء والميم مخففة ﴿أوزاراً﴾ أي : أثقالاً ﴿من زينة القوم﴾ أي : حلي قوم فرعون استعارها منهم بنو إسرائيل بسبب عرس، وقيل : استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها عند الخروج مخافة أن يعلموا به، وقيل : هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم، فأخذوه، قال البيضاوي : ولعلهم سموها أوزاراً لأنها آثام فإن الغنائم لم تكن تحل بعد، ولأنهم كانوا مستأمنين، وليس للمستأمن أن يأخذ من مال الحربي ﴿فقذفناها﴾ أي : في النار ﴿فكذلك ألقى السامري﴾ أي : ما كان معه إما من المال أو من أثر الرسول، روي أن موسى عليه السلام لما وعده ربه أن يكلمه استخلف على قومه أخاه هارون، وأجلهم ثلاثين يوماً، وذهب فصامها ليلها ونهارها، ثم كره أن يكلم ربه، وريح فمه متغير، فمضغ شيئاً من نبات الأرض، فقال له ربه : أو ما علمت أن ريح الصائم أطيب من ريح المسك، ارجع فصم عشراً، وقيل : إنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة، وحسبوها أربعين بأيامها، وقالوا : قد كملت العدة، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال : إنكم خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عوار، فاحفروا حفرة وألقوها فيها، ثم أوقدوا عليها ناراً، فلا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري قد رأى أثراً، فقبض منه قبضة، فمر بهارون فقال له : يا سامري ألا تلقي ما في يدك، فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها على شيء إلا أن تدعوا الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون فقال : أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما في الحفرة وصار عجلاً، فهذا معنى قوله تعالى :﴿فأخرج لهم عجلاً جسداً﴾.
طه 20:88
﴿فأخرج لهم عجلاً جسداً﴾ من ذلك الحلي المذاب به جوف ليس فيه روح ﴿له خوار﴾ أي : صوت يسمع ؛ قال ابن عباس : لا والله ما كان له صوت قط، وإنما كان الريح يدخل في دبره، فيخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، وقيل : إنه صاغه، ووضع التراب بعد صوغه في فمه ﴿فقالوا﴾ : أي السامري : ومن افتتن به أول ما رأوه مشيرين إلى العجل ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ أي : فنسيه موسى، وذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري، أي : ترك ما كان عليه من الإيمان.
طه 20:89
﴿أفلا يرون﴾ أي : قالوا ذلك فتسبب عن قولهم علمهم عن روية ﴿أن﴾ أي : أنه ﴿لا يرجع إليهم قولاً﴾ والإله لا يكون أبكم ﴿ولا يملك لهم ضراً﴾ فيخافوه كما كانوا يخافون فرعون، فيقولون ذلك خوفاً من ضرره ﴿ولا نفعاً﴾ فيقولون ذلك رجاءً له.
طه 20:90
﴿ولقد قال لهم هارون من قبل﴾ أي : قبل رجوع موسى مستعطفاً لهم ﴿يا قوم إنما فتنتم﴾ أي : وقع اختياركم فاختبرتم في صحة إيمانكم وصدقكم فيه، وثباتكم عليه ﴿به﴾ أي : بهذا العجل في إخراجه لكم على هذه الهيئة الخارقة للعادة، وأكد لأجل إنكارهم، فقال :﴿وإن ربكم﴾ أي : الذي أخرجكم من العدم، ورباكم بالإحسان ﴿الرحمن﴾ وحده الذي فضله عامّ ونعمه شاملة، فليس على بر ولا فاجر نعمة إلا وهي منه تعالى قبل أن يوجد العجل، وهو كذلك بعده، ومن رحمته قبول التوبة، فخافوا نزع نعمه بمعصيته، وأرجوا إسباغها بطاعته ﴿فاتبعوني﴾ بغاية جهدكم في الرجوع إليه ﴿وأطيعوا أمري﴾ أي : في الثبات على الدين.
طه 20:91
﴿قالوا لن نبرح عليه﴾ أي : العجل ﴿عاكفين﴾ أي : مقيمين ﴿حتى يرجع إلينا موسى﴾ فدافعهم فهموا به، وكان معظمهم قد ضل فلم يكن معه من يقوى بهم، فخاف أن يجاهد بهم الكفار، فلا يفيد ذلك شيئاً مع أن موسى لم يأمره بجهاد من ضل، وإنما قال له :﴿وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [ الأعراف، ١٤٢ ]، فرأى من الإصلاح اعتزالهم إلى أن يأتي.
تنبيه : إنما قال هارون ذلك شفقة على نفسه وعلى الخلق ؛ أما شفقته على نفسه، فلأنه كان مأموراً من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مأموراً من عند أخيه بقوله :﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [ الأعراف، ١٤٢ ]، فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان مخالفاً لأمر الله تعالى، ولأمر موسى، وذلك لا يجوز. أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم، ومائتي ألف من شرارهم، فقال : يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار ؟ قال : إنهم لم يغضبوا لغضبي، وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من أصبح وهمه غير الله فليس من الله في شيء، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين، فليس منهم » وعن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم :«مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد » وعن عبد الله بن أبي أوفى قال :«خرجت أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أبو بكر وعمر عنده، فجاء صغير يبكي، فقال لعمر : ضم الصبي إليك، فإنه ضال، فأخذه عمر، وإذا أم الصبي تولول كاشفة عن رأسها جزعاً على ابنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أدرك المرأة، فنادها، فجاءت، وأخذت ولدها، وجعلت تبكي والصبي في حجرها، فالتفتت، فرأت النبي صلى الله عليه وسلم فاستحيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك : أترون هذه رحيمة بولدها ؟ قالوا : يا رسول الله كفى بهذه رحمة، فقال : والذي نفسي بيده إن الله أرحم بالمؤمنين من هذه بولدها » ولقد سلك هارون في موعظته أحسن الوجوه ؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولاً بقوله :﴿إنما فتنتم به﴾، ثم دعاهم إلى معرفة الله ثانياً بقوله :﴿وإن ربكم الرحمن﴾، ثم دعاهم ثالثاً إلى النبوة بقوله :﴿فاتبعوني﴾، ثم دعاهم رابعاً بقوله : وأطيعوا أمري، وهذا هو الترتيب الجيد ؛ لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق، وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله تعالى، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، فثبت أن هذا الترتيب أحسن الوجوه ؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولاً.
طه 20:92
ولما ذكر الله تعالى ما قال هارون تشوقت النفس إلى علم ما قال موسى فقيل :﴿قال يا هارون﴾ أنت نبي الله، وأخي ووزيري وخليفتي، فأنت أولى الناس بأن ألومه، وأحقهم بأن أعاتبه ﴿ما منعك إذ﴾ أي : حين ﴿رأيتهم ضلوا﴾ عن طريق الهدى واتبعوا سبيل الردى.
طه 20:93
﴿أن لا تتبعني﴾ في سيرتي من الأخذ على يد الظالم طوعاً أو كرهاً.
تنبيه : لا مزيدة للتأكيد ؛ لأن النافي إذا زيد في كلام كان نافياً لضد مضمونه فيفيد إثباتاً للمضمون ونفياً لضده، فيكون ذلك في غاية التأكيد، وأثبت الياء بعد النون ابن كثير وقفاً ووصلاً، وأثبتها نافع، وأبو عمرو وصلاً لا وقفاً، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً ﴿أفعصيت﴾ أي : فتكبرت عن اتباعي، فتسبب عن ذلك أنك عصيت ﴿أمري﴾ وأخذ بلحيته وبرأسه يجره إليه غضباً لله تعالى،
طه 20:94
فكأنه قيل : ما قال له ؟ فقال :﴿قال﴾ مجيباً له مستعطفاً بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ما له من الرقة والشفقة ﴿يا ابن أمّ﴾ فذكره بها خاصة وإن كان شقيقه ؛ لأنها يسوءها ما يسوءه، وهي أرق من الأب، وقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو وحفص بفتح الميم، وكسرها ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي ﴿لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ أي : بشعرهما. ثم علل ذلك بقوله :﴿إني خشيت أن تقول﴾ إذا شددت عليهم حتى يصل الأمر إلى القتال ﴿فرقت بين بني إسرائيل﴾ يفعلك هذا الذي لم يجسد شيئاً لقلة من كان معك وضعفك عن ردهم ﴿ولم ترقب قولي﴾ ﴿اخلفني في قومي، وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [ الأعراف، ١٤٢ ]، ولم تقل : وارددهم، ولو أدى الأمر إلى السيف.
طه 20:95
ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه، وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى إذ كان رأس الهداة تشوف السامع إلى ما كان من غيره، فاستأنف تعالى ذكره بقوله :﴿قال﴾ أي موسى لرأس أهل الضلال معرضاً عن أخيه بعد قبول عذره جاعلاً ما نسب إليه سبباً لسؤاله عن الحامل له عليه ﴿فما خطبك﴾ ؟ أي : أمرك هذا العجب العظيم الذي حملك على ما صنعت، وأخبرني ربي أنك أضللتهم به ﴿يا سامري﴾.
طه 20:96
﴿قال﴾ السامري : مجيباً له ﴿بصرت﴾ من البصر والبصيرة ﴿بما لم يبصروا به﴾ أي : رأيت ما لم ير بنو إسرائيل، وعرفت ما لم يعرفوا، وقال ابن عباس : علمت ما لم يعلموا، ومنه قولهم : رجل بصير، أي : عالم قاله أبو عبيدة وأراد أنه رأى جبريل عليه السلام، فأخذ من موضع حافر دابته قبضة من تراب كما قال :﴿فقبضت﴾ أي : فكان ذلك سبباً ؛ لأن قبضت ﴿قبضة﴾ أي : مرة من القبض أطلقها على المقبوض تشبيهاً للمفعول بالمصدر ﴿من أثر﴾ فرس ذلك ﴿الرسول﴾ أي : المعهود ﴿فنبذتها﴾ أي : في الحلي الملقى في النار، أو في العجل ﴿وكذلك﴾ أي : وكما سولت لي نفسي أخذ أثره ﴿سوَّلت﴾ أي : حسنت وزينت ﴿لي نفسي﴾ نبذها في الحلي، فنبذتها، وكان منها ما كان، ولم يدعني إلى ذلك داع، ولا حملني عليه حامل غير التسويل.
تنبيه : كون المراد بالرسول جبريل عليه السلام هو ما عليه عامة المفسرين، وأراد بأثره التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته لما رآه يوم فلق البحر، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن جبريل عليه السلام لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس، واختلفوا في أنه كيف اختص السامري برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته من بين الناس، فقال ابن عباس في رواية الكلبي : إنما عرفه لأنه رباه في صغره، وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة إذا ولدت طرحت ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون، فتأخذ الملائكة الولدان ويربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامري ممن أخذه جبريل، وجعل كف نفسه في فيه، وارتضع منه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فلما رآه عرفه ؛ قال ابن جريح : فعلى هذا قوله :﴿بصرت بما لم يبصروا به﴾ يعني : رأيت ما لم يروه.
ومن فسر الإبصار بالعلم، فهو صحيح، ويكون المعنى : علمت أن تراب فرس جبريل عليه السلام له خاصية الإحياء ؛ قال أبو مسلم ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون، فهاهنا وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالرسول موسى عليه السلام وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل : إن فلاناً يقفوا أثر فلان، ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أن موسى عليه السلام لما أقبل على السامري باللوم، والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في العجل، قال : بصرت بما لم يبصروا به ؛ أي : عرفت أن الذي أنت عليه ليس بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول ؛ أي : شيئاً من دينك، فقذفته ؛ أي : طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى عليه السلام بما له من العذاب في الدنيا والآخرة، وإنما أورد لفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له ما يقول الأمير في كذا، أو بماذا يأمر الأمير، وأما ادعاؤه أن موسى رسول مع جحده وكفره.
فعلى مذهب من حكى الله فيه قوله :﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ [ الحجر، ٦ ]، وإن لم يؤمنوا بالإنزال قال الرازي : وهذا القول الذي ذكره أبو مسلم ليس فيه إلا أنه مخالف للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه :
أحدها : أنَّ جبريل عليه السلام ليس معهود باسم الرسول، ولم يجرِ له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل كأنه تكليف بعلم الغيب.
وثانيها : أنه لا بد فيه من الإضمار، وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول، والإضمار خلاف الأصل. r
وثالثها : أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته، وكيف عرف أن تراب حافر فرسه له هذا الأثر، والذي ذكروه من أن جبريل هو الذي رباه فبعيد ؛ لأن السامري إن عرف أنه جبريل حال كمال عقله عرف قطعاً أن موسى نبّي صادق، فكيف يحاول الإضلال، وإن كان ما عرفه حال البلوغ، فأنى ينفعه كون جبريل مر بباله حال الطفولية في حصول تلك المعرفة.
طه 20:97
ثم إن موسى لما سمع من السامري ما ذكر ﴿قال﴾ له ﴿فاذهب﴾ أي : فتسبب عن فعلك أن أقول لك : اذهب من بيننا، وحيث ذهبت ﴿فإن لك في الحياة﴾ أي : ما دمت حياً ﴿أن تقول﴾ لكل من رأيته ﴿لا مساس﴾ أي : لا تمسني ولا أمسك، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك، فكان يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، وإذا مس أحداً أو مسه أحد حما جميعاً عاقبه الله تعالى بذلك، وكان إذا لقي أحداً يقول لا مساس ؛ أي : لا تقربني ولا تمسني، وقال ابن عباس لا مساس لك ولولدك حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك، وإذا مس أحد من غيرهم أحداً منهم حما جميعاً في ذلك الوقت ﴿وإن لك﴾ بعد الممات ﴿موعداً﴾ للثواب إن تبت، والعقاب إن أبيت ﴿لن تخلقه﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر اللام أي : لن تغيب عنه، والباقون بفتحها أي : بل تبعث إليه، فلا انفكاك لك عنه كما أنك في الحياة لا تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس، فاختر لنفسك ما يحلو. ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين أتبعه عجز العجل، فقال :﴿وانظر إلى إلهك﴾ أي : بزعمك ﴿الذي ظلت﴾ أي : دمت في مدة يسيرة جداً بما أشار إليه تخفيف التضعيف، فإن أصله ظللت بلامين أولاهما مكسورة حذفت تخفيفاً ﴿عليه عاكفاً﴾ أي : مقيماً تعبده ﴿لنحرّقنّه﴾ أي : بالنار وبالمبرد قال البقاعي : كما سلف عن نص التوراة، وكان معنى ذلك أنه أحماه حتى لان، فهان على المبارد انتهى، ﴿ثم لننسفنه﴾ أي : لنذرينه إذا صار سحالة ﴿في اليمّ﴾ أي : في البحر الذي أغرق الله تعالى فيه آل فرعون، ثم يجمع الله تعالى سحالته التي هي من حليهم، فيحميها في نار جهنم، ويكويهم بها، ويجعلها من أشد العذاب عليهم، وأكد الفعل إظهاراً لعظمة الله تعالى الذي أمره بذلك، وتحقيقاً للصدق في الوعد، فقال :﴿نسفاً﴾ قال الجلال المحلي، وفعل موسى عليه السلام بعد ذبحه ما ذكره انتهى، وعلى هذا لا يصح أن يبرد بالمبرد ؛ قال الرازي : ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً، وذبح ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها.
طه 20:98
ولما أراهم بطلان ما هم عليه بالعيان أخبرهم بالحق على وجه الحصر، فقال :﴿إنما إلهكم الله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال، ثم كشف المراد من ذلك، وحققه بقوله :﴿الذي لا إله إلا هو﴾ أي : لا يصلح لهذا المنصب أحد غيره ؛ لأنه ﴿وسع كل شيء﴾ وقوله :﴿علماً﴾ تمييز محمول على الفاعل، أي : أحاط علمه بكل شيء، فكل شيء إليه مفتقر، وهو غني عن كل شيء، وأما العجل الذي عبدوه، فلا يصلح للإلهية بوجه، ولا في عبادته شيء من حق، ولما شرح الله تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون أولاً، ثم مع السامري ثانياً على هذا الأسلوب الأعظم والسبيل الأقوم
طه 20:99
كأنه قيل : هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب البديع، والمثال الرفيع، فقيل : نعم ﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا القص العالي في هذا النظم العزيز الغالي كقصة موسى ومن ذكر معه ﴿نقص عليك من أنباء﴾ أي : أخبار ﴿ما قد سبق﴾ من الأمم زيادة في علمك وإجلالاً لمقدارك، وتسلية لقلبك، وإذهاباً لحزنك بما اتفق للرسل من قبلك، وتكثيراً لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة، وتتأكد الحجة على من عاند وكابر ﴿وقد أتيناك﴾ أي : أعطيناك تشريفاً لك وتعظيماً لقدرك ﴿من لدنا﴾ أي : من عندنا ﴿ذكراً﴾ أي : كتاباً هو القرآن وفي تسمية القرآن بالذكر وجوه أحدها : أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم، وثانيها : أنه يذكر فيه أنواع آلاء الله ونعمائه، وفيه التذكير والموعظة، وثالثها : فيه الذكر والشرف لك ولقومك كما قال الله تعالى :﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ [ الزخرف، ٤٤ ] وسمى الله تعالى كل كتاب أنزله ذكراً فقال :﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ [ النحل، ٤٣ ]، والتنكير فيه للتعظيم، فإنه مشتمل على أسرار كتب الله تعالى المنزلة.
طه 20:100
﴿من أعرض عنه﴾ فلم يؤمن به ﴿فإنه يحمل يوم القيامة وزراً﴾ أي : حملاً ثقيلاً من الإثم.
طه 20:101
﴿خالدين فيه﴾ أي : في عذاب الوزر ﴿وساء﴾ أي : وبئس ﴿لهم﴾ أي : ذلك الحمل ﴿يوم القيامة﴾ وقوله :﴿حملاً﴾ تمييز مفسر للضمير في ساء، والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، واللام للبيان، ومن أقبل عليه كان مذكراً له بكل ما يريد من العلوم النافعة ويبدل من يوم القيامة.
طه 20:102
﴿يوم ينفخ في الصور﴾ أي : القرن النفخة الثانية، وقرأ أبو عمرو بنونين الأولى مفتوحة، وضم الفاء على إسناد الفعل إلى الآمر به تعظيماً له، أو إلى النافخ، والباقون بياء مضمومة، وفتح الفاء ﴿ونحشر المجرمين﴾ أي : الكافرين ﴿يومئذٍ زرقاً﴾ أي : عيونهم مع سواد وجوههم ؛ لأن زرقة العيون أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب ؛ لأن الروم أعداؤهم، وهم زرق العيون، ولذلك قالوا في صفة العدو : أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين، وقيل : المراد العمى ؛ لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق، وقيل : عطاشاً حال كونهم.
طه 20:103
﴿يتخافتون﴾ أي : يخفضون أصواتهم ﴿بينهم﴾ لما يملأ صدورهم من الرعب والهول، والخفت خفض الصوت وإخفاؤه ﴿إن﴾ أي : يقول بعضهم لبعض ما ﴿لبثتم﴾ أي : مكثتم ﴿إلا عشراً﴾ أي : من الليالي بأيامها في الدنيا، وقيل : في القبور وقيل : بين النفختين، وهو مقدار أربعين سنة ؛ قالوا : ذلك إما استقصاراً لمدة الراحة في جنب ما بدا لهم من المخاوف ؛ لأن أيام السرور قصار، وإما لأنها ذهبت عنهم، وانقضت، والذاهب وإن طالت مدته قصيرة بالانتهاء، ومنه توقيع عبد الله بن المعتز أطال الله تعالى بقاءك كفى بالانتهاء قصراً، وإما لاستطالتهم الآخرة، فإنه يستقصر إليها عمر الدنيا، ويتقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة كما قال تعالى :﴿كم لبثتم في الأرض عدد سنين ١١٢ قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين﴾ [المؤمنين: ١١٢، ١١٣]، وإما غلطاً ودهشة قال الله تعالى :﴿نحن أعلم﴾.
طه 20:104
﴿نحن أعلم﴾ أي : من كل أحد ﴿بما يقولون﴾ في ذلك اليوم أي : ليس كما قالوا :﴿إذ يقول أمثلهم﴾ أي : أعدلهم ﴿طريقة﴾ أي : رأياً أو عملاً في الدنيا فيما يحسبون ﴿أن﴾ أي : ما ﴿لبثتم إلا يوماً﴾ أي : مبدأ الآحاد لا مبدأ العقود كما قال تعالى في آية أخرى :﴿يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون﴾ [ الروم، ٥٥ ]، فلا يزالون في إفك وصرف عن الحق في الدارين ؛ لأن الإنسان يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه.
طه 20:105
ولما وصف سبحانه وتعالى أمر يوم القيامة حكى سؤال من لا يؤمن بالحشر فقال تعالى :﴿ويسألونك﴾ يا أشرف الخلق ﴿عن الجبال﴾ كيف تكون يوم القيامة ؟ قال الضحاك : نزلت في مشركي مكة قالوا : يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة، وكان سؤالهم على سبيل الاستهزاء، ولما كان مقصودهم من هذا السؤال الطعن في الحشر والنشر، فلا جرم أمره الله تعالى بالجواب مقروناً بحرف التعقيب بقوله :﴿فقل﴾ لهم ﴿ينسفها ربي نسفاً﴾ ؛ لأن تأخير البيان في هذه المسألة الأصولية غير جائز، وأما المسائل الفروعية فجائز فلذلك ذكر هناك في نحو قوله تعالى :﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [ البقرة، ٢١٩ ]، وقوله تعالى :﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ [ البقرة، ٢٢٠ ] بغير حرف التعقيب والنسف التذرية، وقيل : القلع الذي يقلعها من أصلها ويجعلها هباءً منثوراً ؛ قال الخليل : ينسفها يذهبها ويطيرها.
طه 20:106
وفي ضمير ﴿فيذرها﴾ قولان أحدهما : أنه ضمير الأرض أضمرت للدلالة عليها كقوله تعالى :﴿ما ترك على ظهرها من دابة﴾ [ فاطر، ٤٥ ]، والثاني : ضمير الجبال، وذلك على حذف مضاف أي : فيذر مراكزها ومقارها، ويذر يجوز أن يكون بمعنى يخليها، فيكون ﴿قاعاً﴾ حالاً وأن يكون بمعنى يترك التصييريه، فيتعدى لاثنين فقاعاً ثانيهما، والقاع هو المكان المستوي، وقيل : الأرض التي لا بناء فيها، ولا نبات، وفي قوله تعالى :﴿صفصفاً﴾ قولان أحدهما : الأرض الملساء، والثاني : المستوية، والقاع والصفصف قريبان من الترادف، وجمع القاع أقوع وأقواع وقيعان.
طه 20:107
﴿لا ترى فيها﴾ أي : الأرض أو مواضع الجبال ﴿عوجاً﴾ أي : انخفاضاً ﴿ولا أمتاً﴾ أي : ارتفاعاً بوجه من الوجوه، وعبر هنا في العوج بالكسر، وهو للمعاني، ولم يعبر بالفتح الذي توصف به الأعيان، فإن الأرض أو مواضع الجبال أعيان لا معان نفياً للاعوجاج على أبلغ وجه بمعنى أنك لو جمعت أهل الخبرة بتسوية الأرض لاتفقوا على الحكم باستوائها، ثم لو جمعت أهل الهندسة فحكموا بمقاييسهم العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك.
طه 20:108
﴿يومئذٍ﴾ أي : يوم إذ نسفت الجبال ﴿يتبعون﴾ أي : الناس بعد القيام من القبور بغاية جهدهم ﴿الداعي﴾ أي : إلى المحشر، وهو إسرافيل يضع الصور على فيه ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول : أيتها العظام البالية، والجلود الممزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن ﴿لا عوج له﴾ أي : الداعي في شيء من قصدهم إليه ؛ لأنه ليس في الأرض ما يحوجهم إلى التعويج، ولا يمنع الصوت من النفوذ على السواء، وقيل : لا عوج لدعائه، وهو من المقلوب، أي : لا عوج له عن دعاء الداعي لا يزيغون عنه يميناً ولا شمالاً، ولا يقدرون عليه، بل يتبعونه سراعاً ﴿وخشعت الأصوات﴾ أي : سكنت وذلت وتطامنت لخشوع أهلها ﴿للرحمن﴾ الذي عمت نعمه، فيرجى كرمه، وتخشى نقمه ﴿فلا﴾ أي : فتسبب عن خشوعها أنك لا ﴿تسمع إلا همساً﴾ أخفى ما يكون من الأصوات، وقيل : أخفى شيء من أصوات الأقدام في نقلها إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل في مشيها.
طه 20:109
﴿يومئذٍ﴾ أي : إذا كان ما تقدم ﴿لا تنفع الشفاعة﴾ أحداً ﴿إلا من أذن له الرحمن﴾ أن يشفع له ﴿ورضي له قولاً﴾ ولو الإيمان المجرد قال ابن عباس : يعني قال : لا إله إلا الله، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن،
طه 20:110
ولما نفى أن تنفع شفاعة بغير إذنه علل ذلك كما سلف في آية الكرسي بقوله :﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي : الخلائق من أمور الآخرة ﴿وما خلفهم﴾ من أمور الدنيا، وقيل : ما بين أيديهم ما قدموا وما خلفهم ما خلفوا من الأعمال ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ أي : لا يحيط علمهم بمعلوماته، وقيل : الضمير إلى ﴿ما﴾ أي : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يعلمونه، وقيل : راجع إلى الله تعالى أي : ولا يحيطون بالله علماً.
طه 20:111
ولما ذكر خشوع الأصوات أتبعه خضوع ذويها، فقال :﴿وعنت الوجوه﴾ أي : ذلت وخضعت في ذلك اليوم، ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره، وخص الوجوه بالذكر مع أن المراد الأشخاص لشرف الوجوه، ولأنها أول ما يظهر فيها الذل ﴿للحي﴾ الذي هو مطلع على الدقائق والجلائل ﴿القيوم﴾ الذي لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت ؛ روى ابن أسامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«اطلبوا اسم الله الأعظم في هذه السور الثلاث : البقرة وآل عمران، وطه »، قال الرازي : فوجدنا المشترك في السور الثلاث : الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم ﴿وقد خاب﴾ أي : خسر خسارة ظاهرة ﴿من حمل ظلماً﴾ قال ابن عباس : خسر من أشرك بالله، والظلم الشرك.
طه 20:112
ولما شرح الله تعالى أحوال القيامة ختم الكلام فيها بشرح أحوال المؤمنين، فقال :﴿ومن يعمل من الصالحات﴾ أي : التي أمره الله تعالى بها بحسب طاقته ؛ لأنه لن يقدر الله أحد حق قدره، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ﴿وهو مؤمن﴾ ليكون بناؤها على الأساس كما في قوله تعالى :﴿ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات﴾ [ طه، ٧٥ ] ﴿فلا يخاف ظلماً﴾ أي : بزيادة في سيئاته ﴿ولا هضماً﴾ أي : بنقص من حسناته ؛ قاله ابن عباس، وقيل : لا يؤاخذ بذنب لم يعمله، ولا تبطل حسنة عملها، وعبّر تعالى بالفاء إشارة إلى قبول الأعمال وجعلها سبباً لذلك الحال، وأما غير المؤمن، فلو عمل أمثال الجبال لم يكن لها وزن.
طه 20:113
وقوله تعالى :﴿وكذلك﴾ معطوف على قوله تعالى :﴿وكذلك نقص﴾، أي : ومثل إنزال ما ذكر ﴿أنزلناه﴾ أي : القرآن ﴿قرآناً﴾ جامعاً لجميع المعاني المقصودة، ثم وصفه تعالى بأمرين ؛ أحدهما : قوله تعالى ﴿عربياً﴾ أي : بلسان العرب ليفهموه، ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر، الثاني : قوله تعالى :﴿وصرّفنا فيه من الوعيد﴾ أي : كرّرناه، وفصلناه، ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم ؛ لأن الوعد بهما يتعلق بتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام، فلذلك قال تعالى :﴿لعلهم يتقون﴾ أي : يجتنبون الشرك والمحارم، وترك الواجبات، فتصير التقوى لهم ملكة ﴿أو يحدث لهم ذكراً﴾ أي : عظة واعتباراً حين يسمعونها، فيثبطهم عنها، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم، والأحداث إلى القرآن.
طه 20:114
﴿فتعالى الله﴾ في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين لا يماثل كلامه كلامهم كما لا تماثل ذاته وصفاته ذاتهم وصفاتهم ﴿الملك﴾ الذي لا يعجزه شيء، فلا ملك في الحقيقة غيره ﴿الحق﴾ أي : الثابت الملك، فلا زوال لكونه ملكاً في زمن ما، ولعظمة ملكه وحقية ذاته وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور المتباينة، ولما شرح الله تعالى كيفية نفع القرآن للمكلفين، وبيّن أنه سبحانه وتعالى متعالٍ عن كل ما لا ينبغي موصوف بالإحسان والرحمة، ومن كان كذلك صان رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي، فلذلك قال تعالى :﴿ولا تعجل بالقرآن﴾ أي : بقراءته ﴿من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ من الملك النازل به إليك من حضرتنا كما أنا لم نعجل بإنزاله عليك جملة بل رتلناه لك ترتيلاً، ونزلناه إليك تنزيلاً مفصلاً تفصيلاً، وموصلاً توصيلاً، فاستمع له ملقياً جميع تأملك إليه، ولا تساوقه بالقراءة، فإذا فرغ فاقرأه، فإنا نجمعه في قلبك، ولا نكلفك المساوقة بتلاوته ﴿وقل رب﴾ أيها المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ ﴿زدني علماً﴾ أي : سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال، فإن ما أوحي إليك تناله لا محالة ؛ روى الترمذي عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً، والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار » وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : اللهم زدني علماً ويقيناً،
طه 20:115
ولما قال تعالى :﴿كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾ [ طه، ٩٩ ] ذكره هذه القصة إنجازاً للوعد، فقال تعالى :﴿ولقد عهدنا﴾. بما لنا من العظمة ﴿إلى آدم﴾ أبي البشر أي : وصيناه أن لا يأكل من الشجرة، وإنما عطفها على قوله تعالى :﴿وصرفنا فيه من الوعيد﴾ [ طه، ١١٣ ] للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان، وعرقهم راسخ بالنسيان ﴿من قبل﴾ أي : في زمن من الأزمان الماضية قبل هؤلاء الذين تقدّم في هذه السورة ذكر نسيانهم وإعراضهم ﴿فنسي﴾ عهدنا، وأكل منها ﴿ولم نجد له عزماً﴾ أي : تصميم رأي وثبات على الأمر ؛ إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان، ولم يستطع تغريره ؛ قال البيضاوي : ولعل ذلك كان في بدء أمره قبل أن يجرب الأمور ويذوق أريها وشريها انتهى، والأري العسل، والشري : الحنظل ؛ قال البغوي : قال أبو أمامة الباهلي : لو وزن حلم آدم بحلم ولده لرجح حلمه، وقد قال الله تعالى :﴿ولم نجد له عزماً﴾، وقال البيضاوي : وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه »، وقد قال تعالى : ولم نجد له عزماً، قال ابن الأثير : والحلم بالكسرة الأناة والتثبت في الأمور.
فإن قيل : ما المراد بالنسيان ؟ أجيب بأنه يجوز أن يراد بالنسيان الذي هو نقيض الذكر، وإنه لم يعنِ بالوصية العناية الصادقة، ولم يستوثق منها بقصد القلب عليها، وضبط النفس حتى تولد من ذلك النسيان، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعاً عن الإنسان بل كان يؤاخذ به، وإنما رفع عنا، وكان الحسن يقول : ما عصى أحد قط إلا بنسيان، وإن يراد الترك وأنه ترك ما أوصي به من الاحتراز عن الشجرة وأكل ثمرتها، وقيل : نسي عقوبة الله تعالى، وظن أنه نهي تنزيه.
طه 20:116
تنبيه : هذا هو المرّة الخامسة من قصة آدم في القرآن أولها في البقرة، ثم في الأعراف، ثم في الحجر، ثم في الكهف، ثم هاهنا، وقوله تعالى :﴿وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس﴾ تقدَّم الكلام على ذلك مفصلاً في سورة البقرة، وقوله تعالى :﴿أبى﴾ جملة مستأنفة ؛ لأنها جواب سؤال مقدر ؛ أي : ما منعه من السجود ؟ فأجيب بأنه أبى، ومفعول الإباء يجوز أن يكون مراداً، وقد صرح به في الآية الأخرى في قوله تعالى :﴿أبى أن يكون من الساجدين﴾ [ الحجر، ٣١ ]، وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة، ويجوز أن لا يراد أصلاً، وأنَّ المعنى أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو.
طه 20:117
﴿فقلنا﴾ بسبب امتناعه بعد أن حلمنا عليه ولم نعاجله بالعقوبة ﴿يا آدم إنَّ هذا﴾ الشيطان الذي تكبر عليك ﴿عدوّ لك ولزوجك﴾ حوَّاء بالمدّ لأنها منك، وسبب تلك العداوة من وجوه ؛ الأول : أن إبليس كان حسوداً، فلما رأى آثار نعم الله في حق آدم حسده، فصار عدواً له، الثاني : أن آدم عليه السلام كان شاباً عالماً لقوله تعالى :﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [ البقرة، ٣٠ ]، وإبليس كان شيخاً جاهلاً ؛ لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وذلك جهل، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدواً للشاب العالم، الثالث : أن إبليس مخلوق من النار، وآدم مخلوق من الماء والتراب، فبين أصليهما عداوة، فثبتت تلك العداوة فإن قيل : لمَ قال تعالى :﴿فلا يخرجنكما من الجنة﴾ مع أن المخرج لهما منها هو الله تعالى ؟ أجيب بأنه لما كان هو الذي فعل بوسوسته ما ترتب عليه الخروج صح ذلك فإن قيل : لمَ قال تعالى :﴿فتشقى﴾ أي : فتتعب وتنصب في الدنيا، ولم يقل : فتشقيا ؟ أجيب بوجهين ؛ أحدهما : أن في ضمن شقاء الرجل وهو قيّم أهله وأميرهم شقاءهم كما أن في ضمن سعادته سعادتهم، فاختص الكلام بإسناده إليه دونها مع المحافظة على كونه رأس فاصلة، وعن سفيان بن عيينة قال : لم يقل فتشقيا ؛ لأنها داخلة معه، فوقع المعنى عليهما جميعاً وعلى أولادهما جميعاً كقوله تعالى :﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [ الطلاق، ١ ]، و﴿يا أيها النبي لم تحرِّم ما أحل الله لك﴾ [ التحريم، ١ ] ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [ التحريم، ٢ ]، فدخلوا في المعنى معه، وإنما كلم النبي وحده، الثاني : أريد بالشقاء التعب في طلب القوت، وذلك على الرجل دون المرأة ؛ لأن الرجل هو الساعي على زوجته، روي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه ويحتاج بعد الحرث إلى الحصد والطحن والخبز وغير ذلك مما يحتاج إليه، وعن الحسن قال : عنى به شقاء الدنيا، فلا تلقى ابن آدم إلا شقياً ناصباً أي : ولو أراد شقاوة الآخرة ما دخل الجنة بعد ذلك.
طه 20:118
ولما كان الشبع والريّ والكسوة والمكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الناس ذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب، وذكرها بلفظ النفي لأضدادها بقوله تعالى :﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى﴾.
طه 20:119
﴿وإنك لا تظمأ﴾ أي : تعطش ﴿فيها ولا تضحى﴾ أي : لا يحصل لك حر شمس الضحى لانتفاء الشمس في الجنة بل أهلها في ظل ممدود وهذه الأشياء كأنها تفسير للشقاء المذكور في قوله تعالى :﴿فتشقى﴾.
طه 20:120
﴿فوسوس﴾ أي : فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في زمان أن وسوس ﴿إليه الشيطان﴾ المحترق المطرود وهو إبليس أي : أنهى إليه الوسوسة، وأما وسوس له، فمعناه لأجله، فلذلك عدي تارة باللام في قوله تعالى :﴿فوسوس لهما﴾ [ الأعراف، ٢٠ ]، وتارة بإلى، ثم بيّن تعالى تلك الوسوسة ما هي بقوله تعالى :﴿قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد﴾ أي : على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً ﴿وملك لا يبلى﴾ أي : لا يبيد ولا يفنى، قال الرازي : واقعة آدم عجيبة، وذلك لأن الله تعالى رغبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله تعالى :﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾، ورغبة إبليس أيضاً في دوام الراحة بقوله تعالى :﴿هل أدلك على شجرة الخلد﴾ وفي انتظام المعيشة بقوله :﴿وملك لا يبلى﴾ فكان الشيء الذي رغب الله تعالى فيه آدم هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك الأمر على الاحتراس عن تلك الشجرة، وإبليس وقفه على الإقدام عليها، ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله وعلمه بأن الله مولاه وناصره ومربيه وعلمه بأن إبليس عدوّه حيث امتنع من السجود له وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته كيف قبل في الواقعة الواحدة، والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه الناصر له والمربي، ومن تأمل هذا الباب طال تعجبه، وعرف آخر الأمر أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع له منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة، فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ذلك وقدَّره انتهى.
ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها بيان كل شيء، وقرّبك نجياً فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني ؛ قال موسى : بأربعين عاماً قال آدم : فهل وجدت فيها ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ قال : نعم، قال : أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى »، وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال : وعرشه على الماء، وقال : كل شيء بقدر حتى العجز والكيس »، ثم كأن إبليس قال لآدم بلسان الحال أو المقال مشيراً إلى الشجرة التي نهي عنها ما بينك وبين الملك الدائم إلا أن تأكل منها.
طه 20:121
﴿فأكلا﴾ أي : فتسبب عن قوله وتعقب أن أكل ﴿منها﴾ هو وزوجته متبعين لقوله ناسين ما عهد إليهما لأمر قدّره الله في الأزل ﴿فبدت لها سوآتهما﴾ قال ابن عباس عرياً من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما، وإنما جمع سوآتهما كما قال :﴿صغت قلوبكما﴾ [ التحريم، ٤ ] أي : فظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره، وسمى كل منهما سوأة ؛ لأن انكشافه يسوء صاحبه ﴿وطفقا يخصفان﴾ أي : أخذا يلزقان ﴿عليهما من ورق الجنة﴾ ليستترا به، قال ابن عادل : وهو ورق التين ﴿وعصى آدم﴾ بالأكل من الشجرة، وإن كان إنما فعل المنهي نسياناً لأن عظم مقامه وعلو رتبته يقتضيان له مزيد الاعتناء، ودوام المراقبة ﴿ربه﴾ المحسن إليه بما لم ينله أحد من بنيه من تصويره له بيده، وإسجاد ملائكته له، ومعاداة من عاداه ﴿فغوى﴾ أي : فعل ما لم يكن له فعله، وقيل : أخطأ طريق الحق، وقيل : حيث طلب الخلد بأكل ما نهى عنه، فخاب، ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب ؛ قال ابن قتيبة : يجوز أن يقال : عصى آدم، ولا يجوز أن يقال : آدم عاص ؛ لأنه إنما يقال : عاص لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه، فيقال : خاط ثوبه، ولا يقال : هو خياط حتى يعاوده ويعتاده.
تنبيه : تمسك بعضهم بقوله تعالى :﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ في صدور الكبيرة عنه من وجهين ؛ الأول : أن العاصي اسم للذم، فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة لقوله تعالى :﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها﴾ [ الجن، ٢٣ ]، ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلاً يعاقب عليه، الثاني : أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشاد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه، وأجيب : بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب وقد يكون بالمندوب، فإنك تقول : أمرته فعصاني، وأمرته بشرب الدواء فعصاني، وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه للمندوب، وإن كان وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز، وأجاب أبو مسلم الأصبهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في غوى ؛ قال الرازي : والأولى عندي في هذا الباب أن يقال : هذه الواقعة كانت قبل النبوَّة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة، وقيل : بل أكل من الشجرة متأولاً، وهو لا يعلم أنَّ الشجرة التي نهى الله عنها شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل : إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة، فهو كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين أي : يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات
طه 20:122
﴿ثم اجتباه ربه﴾ أي : اختاره واصطفاه ﴿فتاب عليه﴾ أي : قبل توبته، وأعاد عليه بالعفو والمغفرة ﴿وهدى﴾ أي : هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار، ولما كانت دار الملوك لا تحتمل مثل ذلك وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها قال على طريق الاستئناف.
طه 20:123
﴿قال﴾ الرب سبحانه وتعالى : الذي انتهكت حرمة داره ﴿اهبطا﴾ أي : آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذريتكما ﴿منها﴾ أي : الجنة ﴿جميعاً﴾ وقيل : الخطاب لآدم ومعه ذريته، ولإبليس، فقوله تعالى :﴿بعضكم لبعض عدوٌّ﴾ يكون على التفسير الأول بعض الذرية لبعض عدوٌّ من ظلم بعضهم لبعض، وعلى الثاني آدم وذريته، وإبليس وذريته، وقوله تعالى :﴿فإما﴾ فيه إدغام نون أن الشرطية في ما المزيدة ﴿يأتينكم مني هدى﴾ أي : كتاب ورسول ﴿فمن اتبع هداي﴾ الذي أسعفته به من أوامر الكتاب والرسول ﴿فلا يضل﴾ أي : بعد ذلك عن طريق السداد في الدنيا ﴿ولا يشقى﴾ في الآخرة ؛ قال ابن عباس : من قرأ القرآن، واتبع ما فيه هداه الله تعالى من الضلالة، ووقاه الله تعالى يوم القيامة سوء الحساب، وذلك أن الله تعالى يقول :﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾.
طه 20:124
ولما وعد تعالى من اتبع الهدى أتبعه بوعيد من أعرض فقال تعالى :﴿ومن أعرض عن ذكري﴾ أي : عن القرآن، فلم يؤمن به ولم يتبعه ﴿فإن له معيشة ضنكاً﴾ والضنك أصله الضيق والشدة، وهو مصدر، فكأنه قال : له معيشة ذات ضنك، واختلف في ذلك، فقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن مسعود : المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر، وروى أبو هريرة أنَّ عذاب القبر للكافر، قال : قال صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده ليسلط عليه في قبره تسعة وتسعون تنيناً هل تدرون ما التنين ؟ تسعة وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه، وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون »، وقال الحسن وقتادة والكلبي : هو الضيق في الآخرة في جهنم، فإنّ طعامهم الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وقال ابن عباس : المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، وعن عطاء : المعيشة الضنك هي معيشة الكافر ؛ لأنه غير موقن بالثواب والعقاب، وروي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«عقوبة المعصية ثلاثة ؛ ضيق المعيشة والعسر في الشدة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله »، وذلك أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله تعالى، وعلى قسمته، فهو ينفق ما رزقه الله تعالى بسماح وسهولة، فيعيش عيشاً رفيعاً كما قال الله تعالى :﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ [ النحل، ٩٧ ]، والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق فعيشه ضنك، وحاله مظلمة، قال صلى الله عليه وسلم «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب » متفق عليه. قال بعض الصوفية : لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه، وقال تعالى :﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ١٠ يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ [نوح: ١٠، ١١] الآية، وقال تعالى :﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً﴾ [ الجن، ١٦ ]. ثم ذكر حال المعرض في الآخرة بقوله تعالى :﴿ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ قال ابن عباس : إذا خرج من القبر خرج بصيراً، فإذا سيق إلى المحشر عمي، ولعله جمع بذلك بين هذا وبين قوله تعالى :﴿أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا﴾ [ مريم، ٣٨ ]، وقال عكرمة : عمي عليه كل شيء إلا جهنم، وفي لفظ قال : لا يبصر إلا النار، وعن مجاهد المراد بالعمى عدم الحجة، ويؤيد الأول قوله تعالى :﴿قال رب لم حشرتني أعمى﴾.
طه 20:125
﴿قال رب لم حشرتني أعمى﴾ في هذا اليوم ؟ ﴿وقد كنت بصيراً﴾ أي : في الدنيا، أو في أول هذا اليوم،
طه 20:126
فكأنه قيل : بما أجيب ؟ فقيل :﴿قال﴾. له ربه ﴿كذلك﴾ أي : مثل ذلك فعلت، ثم فسره، فقال :﴿أتتك آياتنا﴾ واضحة نيرة ﴿فنسيتها﴾ فعميت عنها، وتركتها غير منظور إليها ﴿وكذلك﴾ أي : ومثل تركك إياها ﴿اليوم تنسى﴾ أي : تترك في العمى والعذاب.
طه 20:127
﴿وكذلك﴾ أي : ومثل هذا الجزاء الشديد ﴿نجزي من أسرف﴾ في متابعة هواه، فتكبر عن متابعة أوامرنا ﴿ولم يؤمن﴾ بل كذب ﴿بآيات ربه﴾ وخالفها ﴿ولعذاب الآخرة أشدّ﴾ مما نعذبهم به في الدنيا والقبر لعظمه ﴿وأبقى﴾ فإنه غير منقطع.
طه 20:128
ولما بيّن الله تعالى أنَّ من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة اتبعه بما يعتبر به المكلف من الأفعال الواقعة في الدنيا ممن كذب الرسل، فقال :﴿أفلم يهد﴾ أي : يبين بياناً يقود إلى المقصود ﴿لهم﴾ أي : هؤلاء الذين أرسلت إليهم أعظم رسلي، وفاعل يهد مضمون قوله :﴿كم أهلكنا﴾ وقال أبو البقاء : الفاعل ما دل عليه أهلكنا أي : إهلاكنا، والجملة مفسرة له، وقال الزمخشري : فاعل لم يهد الجملة بعده يريد : ألم يهد لهم هذا بمعناه ومضمونه، ونظيره قوله تعالى :﴿وتركنا عليه في الآخرين ٧٨ سلام على نوح في العالمين﴾ [الصافات: ٧٨، ٧٩]، أي : تركنا عليه هذا الكلام، ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول انتهى. وكم خبرية مفعول أهلكنا ﴿قبلهم من القرون﴾ أي : بتكذيبهم لرسلنا حال كونهم ﴿يمشون﴾ أي : هؤلاء العرب من أهل مكة وغيرهم ﴿في مساكنهم﴾ أي : في سفرهم إلى الشام، ويشاهدون آثار هلاكهم ﴿إن في ذلك﴾ أي : الإهلاك العظيم الشأن المتوالي في كل أمة ﴿لآيات﴾ عظيمات بينات ﴿لأولي النهى﴾ أي : لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي.
طه 20:129
ولما هددهم بإهلاك الماضين ذكر سبب التأخير عنهم بقوله تعالى :﴿ولولا كلمة﴾ أي : عظيمة قاضية نافذة ﴿سبقت﴾ أي : في أزل الآزال ﴿من ربك﴾ الذي عودك بالإحسان بتأخير العذاب عنهم إلى الآخرة فإنه يعامل بالحلم والأناة ﴿لكان﴾ أي : العذاب ﴿لزاماً﴾ أي : لازماً أعظم لزوم لهم في الدنيا مثل ما نزل بعاد وثمود، ولكن نمدُّ لهم لنرد من شئنا منهم، ونخرج من أصلاب بعضهم من يؤمن، وإنما فعلنا ذلك إكراماً لك ورحمة لأمتك، فيكثر أتباعك، فيعملوا الخيرات، فيكون ذلك زيادة في شرفك، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم «وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً »، وفي رفع قوله تعالى ﴿وأجل مسمى﴾ وجهان ؛ أظهرهما : عطفه على ﴿كلمة﴾ أي، ولولا أجل مسمى لكان العذاب لازماً لهم، وهذا ما صدَّر به البيضاوي، والثاني : أنه معطوف على الضمير المستتر في كان، وقام الفصل بخبرها مقام التأكيد، واقتصر الجلال المحلي على هذا، وجوَّزه الزمخشري والبيضاوي، وفي هذا الأجل المسمى قولان ؛ أحدهما : ولولا أجل مسمى في الدنيا لذلك العذاب، وهو يوم بدر، والثاني : ولولا أجل مسمى في الآخرة لذلك العذاب، وهذا كما قال الرازي أقرب قال أهل السنة تعالى بحكم المالكية أن يخص من شاء بفضله، ومن شاء بعذابه من غير علة إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إما قديمة، فيلزم قدم الفعل، وإما حادثة، فيلزم افتقارها إلى علة أخرى، ويلزم التسلسل.
طه 20:130
ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه لا يهلك أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر، فقال :﴿فاصبر على ما يقولون﴾ لك من الاستهزاء وغيره، وهذا كان أول الأمر، ثم نسخ بآية القتال ﴿وسبح﴾ أي : صل، وقوله تعالى :﴿بحمد ربك﴾ حال أي : وأنت حامد لربك على أنه وفقك لذلك، وأعانك عليه ﴿قبل طلوع الشمس﴾ صلاة الصبح ﴿وقبل غروبها﴾ صلاة العصر ﴿ومن أناء الليل﴾ أي : ساعاته ﴿فسبح﴾ أي : صل المغرب والعشاء، وقوله تعالى :﴿وأطراف النهار﴾ معطوف على محل من آناء المنصوب أي : صل الظهر ؛ لأن وقتها يدخل بزوال الشمس، فهو طرف النصف الأول، وطرف النصف الثاني قال ابن عباس : دخلت الصلوات الخمس في ذلك، وقيل : المراد الصلوات الخمس والنوافل ؛ لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين العبارتين.
وأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما، فبقي قوله :﴿ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار﴾ للنوافل، وقال أبو مسلم : لا يبعد حمل التسبيح على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات.
فإن قيل : النهار له طرفان، فكيف قال :﴿وأطراف النهار﴾ ولم يقل : طرفي النهار أجيب بوجهين أظهرهما : أنه إنما جمع لأنه يلزم في كل نهار ويعود، والثاني : أن أقل الجمع اثنان، وقرأ قوله تعالى ﴿لعلك ترضى﴾ أبو بكر والكسائي بضم التاء أي : ترضى بما تنال من الثواب كقوله تعالى :﴿وكان عند ربه مرضياً﴾ [ مريم، ٥٥ ]، وقرأ الباقون بفتحها أي : ترضى بما تنال من الشفاعة قال تعالى :﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [ الضحى، ٥ ]، وقال تعالى :﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ [ الإسراء، س٧٩ ]، والمعنى : على القراءتين لا يختلف ؛ لأن الله تعالى إذا أرضاه، فقد رضيه، وإذا رضيه، فقد أرضاه.
طه 20:131
ولما كانت النفس ميالة إلى الدنيا مرهونة بالحاضر من فاني العطايا، وكان تخليها عن ذلك هو الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها قال تعالى مؤكداً إيذاناً بصعوبة ذلك :﴿ولا تمدن﴾ مؤكداً له بالنون الثقيلة ﴿عينيك﴾ أي : لا تطول نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها ﴿إلى ما متعنا به﴾ في هذه الحياة الفانية ﴿أزواجاً﴾ أي : أصنافاً ﴿منهم﴾ أي : الكفرة استحساناً له وتمنياً أن يكون لك مثله والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة، ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح، وقوله تعالى :﴿زهرة الحياة الدنيا﴾ أي : زينتها وبهجتها منصوب بمحذوف دل عليه متعنا، أو به على تضمنه معنى أعطينا، فأزواجاً مفعول أول، وزهرة هو الثاني، وذكر ابن عادل غير هذين الوجهين سبعة أوجه لا حاجة لنا بذكرها، ثم علل تعالى تمتعهم بقوله تعالى :﴿لنفتنهم فيه﴾ أي : لنفعل بهم فعل المختبر، فيكون سبب عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك لما مضى، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فصورته تغرّ من لم يتأمل معناه حق التأمل، فما أنت فيه خير مما هم فيه ﴿ورزق ربك﴾ في الجنة ﴿خير﴾ مما أوتوه في الدنيا ﴿وأبقى﴾ أي : أدوم أو ما رزقته من نعمة الإسلام والنبوّة، أو لأنّ أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض الوجوه، والحلال خير وأبقى، قال الزمخشري : لأن الله تعالى لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث، والحرام لا يسمى زرقاً انتهى، وهذا جار على مذهبه المخالف لأهل السنة من أن الحرام لا يسمى زرقاً، وقال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله :﴿ولا تمدَّن عينيك﴾ ليس هو النظر بل هو الأسف أي : لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا، وقال أبو رافع : نزلت هذه الآية في ضيق نزل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي يبيع أو يستلف إلى مدة، فقال : والله لا أفعل إلا برهن، فأخبرته بقوله فقال صلى الله عليه وسلم :«إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض احمل إليه درعي الحديد » فنزل قوله :﴿ولا تمدن عينيك﴾، وقال صلى الله عليه وسلم :«إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم »، وقال أبو الدرداء : الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له، وعن الحسن لولا حمق الناس لخربت الدنيا، وعن عيسى ابن مريم عليه السلام : لا تتخذوا الدنيا داراً، فتتخذكم لها عبيداً.
طه 20:132
ولما أمر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بتزكية النفس أمره بأن يأمر أهله بالصلاة بقوله عز وجل :﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ أي : أمر أهل بيتك والتابعين لك من أمتك بالصلاة كما كان أبوك إسماعيل عليه السلام يدعوهم إلى كل خير إذ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وليتعاونوا على الاستعانة على خصاصتهم، ولا يهتموا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة، وكان صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي رضي الله عنهما كل صباح ويقول : الصلاة ﴿واصطبر﴾ أي : داوم ﴿عليها لا نسألك﴾ أي : نكلفك ﴿رزقاً﴾ لنفسك ولا لغيرك ﴿نحن نرزقك﴾ وغيرك كما قال تعالى :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ٥٦ ما أريد منهم من رزق وما أريد إن يطعمون ٥٧ إن الله هو الرازق ذو القوة المتين﴾ [ الذاريات، ٥٦ - ٥٨ ] ففرِّغ بالك لأمور الآخرة، وفي معناه قول الناس : من كان في عمل الله كان الله في عمله.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضرٌّ أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلطان قرأ :﴿ولا تمدن عينيك﴾ الآية، ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله وعن بكر بن عبد الله المزني كان إذا أصاب أهله خصاصة قال : قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله، ثم يتلو هذه الآية :﴿والعاقبة﴾ أي : الجميلة المحمودة ﴿للتقوى﴾ أي : لأهل التقوى قال ابن عباس : الذين صدقوك واتبعوك واتقوني، ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر :﴿والعاقبة للمتقين﴾ [ الأعراف، ١٢٨ ]، ولا معونة على الرزق وغيره بشيء يوازي الصلاة، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر أي بالباء الموحدة أي : إذا أحزنه فزع إلى الصلاة قال ثابت : وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم :«يقول الله تعالى : تفرغ لعبادتي املأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك »، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به هموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك » وعن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ".
طه 20:133
ثم إنه تعالى بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهاً بقوله تعالى :﴿وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه﴾ فكأنه من لوازم قوله تعالى :﴿فاصبر على ما يقولون﴾ وهو قولهم :﴿لولا﴾ أي : هلا يأتينا بآية، وقال في موضع آخر : فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون } [ الأنبياء، ٥ ] ثم أجاب الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله :﴿أولم تأتهم بينة﴾ أي : بيان ﴿ما في الصحف الأولى﴾ من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية المشتمل عليه القرآن أنباء الأمم الماضية وإهلاكهم بتكذب الرسل فما يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بالفوقية على التأنيث، والباقون بالتحتية على التذكير.
طه 20:134
﴿ولو أنّا أهلكناهم﴾ معاملة لهم في عصيانهم ﴿بعذاب من قبله﴾ أي : هذا القرآن المذكور في الآية الماضية وما قاربها، وفي قوله تعالى :﴿ولا تعجل بالقرآن﴾ [ طه، ١١٤ ] وفي مثنى السورة في :﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ [ طه، ٢ ] أو من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ﴿لقالوا﴾ أي : يوم القيامة ﴿ربنا﴾ يا من هو متصف بالإحسان إلينا ﴿لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿أرسلت إلينا رسولاً﴾ يأمرنا بطاعتك ﴿فنتبع﴾ أي : فيتسبب عنه أن نتبع ﴿آياتك﴾ التي تنجينا بها ﴿من قبل أن نذل﴾ بالعذاب هذا الذل ﴿ونخزى﴾ بالمعاصي التي عملناها على جهل، فلأجل ذاك أرسلناك إليهم، وأقمنا بك الحجة عليهم، ولما علم بهذا أنّ إيمانهم كالممتنع، وجدالهم لا ينقطع بل إن جاءهم الهدى طعنوا فيه، وإن عذبوا قبله تظلموا
طه 20:135
ثم كأنه قيل : فما الذي أفعل معهم ؟ فقيل :﴿قل﴾ لهم ﴿كل﴾ أي : كل مني ومنكم ﴿متربص﴾ أي : منتظر ما يؤول إليه أمري وأمركم ﴿فتربصوا﴾ فأنتم كالبهائم ليس لكم تأمل ﴿فستعلمون﴾ أي : عما قريب بوعد لا خلف فيه، وهو يوم القيامة ﴿من أصحاب الصراط﴾ أي : الطريق ﴿السويّ﴾ أي : المستقيم ﴿ومن اهتدى﴾ أي : من الضلال، فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب جميع ما يضره أنحن أم أنتم ؟.