Lafzullah

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الأنبياء 21:1 – المؤمنون 23:118

المؤلف / المصدر: الشربيني (ت 977هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27787)

المحتويات
  1. الأنبياء 21:1
  2. الأنبياء 21:2
  3. الأنبياء 21:3
  4. الأنبياء 21:4
  5. الأنبياء 21:5
  6. الأنبياء 21:6
  7. الأنبياء 21:7
  8. الأنبياء 21:8
  9. الأنبياء 21:9
  10. الأنبياء 21:10
  11. الأنبياء 21:11
  12. الأنبياء 21:12
  13. الأنبياء 21:13
  14. الأنبياء 21:14
  15. الأنبياء 21:15
  16. الأنبياء 21:16
  17. الأنبياء 21:17
  18. الأنبياء 21:18
  19. الأنبياء 21:19
  20. الأنبياء 21:20
  21. الأنبياء 21:21
  22. الأنبياء 21:22
  23. الأنبياء 21:23
  24. الأنبياء 21:24
  25. الأنبياء 21:25
  26. الأنبياء 21:26
  27. الأنبياء 21:27
  28. الأنبياء 21:28
  29. الأنبياء 21:29
  30. الأنبياء 21:30
  31. الأنبياء 21:31
  32. الأنبياء 21:32
  33. الأنبياء 21:33
  34. الأنبياء 21:34
  35. الأنبياء 21:35
  36. الأنبياء 21:36
  37. الأنبياء 21:37
  38. الأنبياء 21:38
  39. الأنبياء 21:39
  40. الأنبياء 21:40
  41. الأنبياء 21:41
  42. الأنبياء 21:42
  43. الأنبياء 21:43
  44. الأنبياء 21:44
  45. الأنبياء 21:45
  46. الأنبياء 21:46
  47. الأنبياء 21:47
  48. الأنبياء 21:48
  49. الأنبياء 21:49
  50. الأنبياء 21:50
  51. الأنبياء 21:51
  52. الأنبياء 21:52
  53. الأنبياء 21:53
  54. الأنبياء 21:54
  55. الأنبياء 21:55
  56. الأنبياء 21:56
  57. الأنبياء 21:57
  58. الأنبياء 21:58
  59. الأنبياء 21:59
  60. الأنبياء 21:60
  61. الأنبياء 21:61
  62. الأنبياء 21:62
  63. الأنبياء 21:63
  64. الأنبياء 21:64
  65. الأنبياء 21:65
  66. الأنبياء 21:66
  67. الأنبياء 21:67
  68. الأنبياء 21:68
  69. الأنبياء 21:69
  70. الأنبياء 21:70
  71. الأنبياء 21:71
  72. الأنبياء 21:72
  73. الأنبياء 21:73
  74. الأنبياء 21:74
  75. الأنبياء 21:75
  76. الأنبياء 21:76
  77. الأنبياء 21:77
  78. الأنبياء 21:78
  79. الأنبياء 21:79
  80. الأنبياء 21:80
  81. الأنبياء 21:81
  82. الأنبياء 21:82
  83. الأنبياء 21:83
  84. الأنبياء 21:84
  85. الأنبياء 21:85
  86. الأنبياء 21:86
  87. الأنبياء 21:87
  88. الأنبياء 21:88
  89. الأنبياء 21:89
  90. الأنبياء 21:90
  91. الأنبياء 21:91
  92. الأنبياء 21:92
  93. الأنبياء 21:93
  94. الأنبياء 21:94
  95. الأنبياء 21:95
  96. الأنبياء 21:96
  97. الأنبياء 21:97
  98. الأنبياء 21:98
  99. الأنبياء 21:99
  100. الأنبياء 21:100
  101. الأنبياء 21:101
  102. الأنبياء 21:102
  103. الأنبياء 21:103
  104. الأنبياء 21:104
  105. الأنبياء 21:105
  106. الأنبياء 21:106
  107. الأنبياء 21:107
  108. الأنبياء 21:108
  109. الأنبياء 21:109
  110. الأنبياء 21:110
  111. الأنبياء 21:111
  112. الأنبياء 21:112
  113. الحج 22:1
  114. الحج 22:2
  115. الحج 22:3
  116. الحج 22:4
  117. الحج 22:5
  118. الحج 22:6
  119. الحج 22:7
  120. الحج 22:8
  121. الحج 22:9
  122. الحج 22:10
  123. الحج 22:11
  124. الحج 22:12
  125. الحج 22:13
  126. الحج 22:14
  127. الحج 22:15
  128. الحج 22:16
  129. الحج 22:17
  130. الحج 22:18
  131. الحج 22:19
  132. الحج 22:20
  133. الحج 22:21
  134. الحج 22:22
  135. الحج 22:23
  136. الحج 22:24
  137. الحج 22:25
  138. الحج 22:26
  139. الحج 22:27
  140. الحج 22:28
  141. الحج 22:29
  142. الحج 22:30
  143. الحج 22:31
  144. الحج 22:32
  145. الحج 22:33
  146. الحج 22:34
  147. الحج 22:35
  148. الحج 22:36
  149. الحج 22:37
  150. الحج 22:38
  151. الحج 22:39
  152. الحج 22:40
  153. الحج 22:41
  154. الحج 22:42
  155. الحج 22:43
  156. الحج 22:44
  157. الحج 22:45
  158. الحج 22:46
  159. الحج 22:47
  160. الحج 22:48
  161. الحج 22:49
  162. الحج 22:50
  163. الحج 22:51
  164. الحج 22:52
  165. الحج 22:53
  166. الحج 22:54
  167. الحج 22:55
  168. الحج 22:56
  169. الحج 22:57
  170. الحج 22:58
  171. الحج 22:59
  172. الحج 22:60
  173. الحج 22:61
  174. الحج 22:62
  175. الحج 22:63
  176. الحج 22:64
  177. الحج 22:65
  178. الحج 22:66
  179. الحج 22:67
  180. الحج 22:68
  181. الحج 22:69
  182. الحج 22:70
  183. الحج 22:71
  184. الحج 22:72
  185. الحج 22:73
  186. الحج 22:74
  187. الحج 22:75
  188. الحج 22:76
  189. الحج 22:77
  190. الحج 22:78
  191. المؤمنون 23:1
  192. المؤمنون 23:2
  193. المؤمنون 23:3
  194. المؤمنون 23:4
  195. المؤمنون 23:5
  196. المؤمنون 23:6
  197. المؤمنون 23:7
  198. المؤمنون 23:8
  199. المؤمنون 23:9
  200. المؤمنون 23:10
  201. المؤمنون 23:11
  202. المؤمنون 23:12
  203. المؤمنون 23:13
  204. المؤمنون 23:14
  205. المؤمنون 23:15
  206. المؤمنون 23:16
  207. المؤمنون 23:17
  208. المؤمنون 23:18
  209. المؤمنون 23:19
  210. المؤمنون 23:20
  211. المؤمنون 23:21
  212. المؤمنون 23:22
  213. المؤمنون 23:23
  214. المؤمنون 23:24
  215. المؤمنون 23:25
  216. المؤمنون 23:26
  217. المؤمنون 23:27
  218. المؤمنون 23:28
  219. المؤمنون 23:29
  220. المؤمنون 23:30
  221. المؤمنون 23:31
  222. المؤمنون 23:32
  223. المؤمنون 23:33
  224. المؤمنون 23:34
  225. المؤمنون 23:35
  226. المؤمنون 23:36
  227. المؤمنون 23:37
  228. المؤمنون 23:38
  229. المؤمنون 23:39
  230. المؤمنون 23:40
  231. المؤمنون 23:41
  232. المؤمنون 23:42
  233. المؤمنون 23:43
  234. المؤمنون 23:44
  235. المؤمنون 23:45
  236. المؤمنون 23:46
  237. المؤمنون 23:47
  238. المؤمنون 23:48
  239. المؤمنون 23:49
  240. المؤمنون 23:50
  241. المؤمنون 23:51
  242. المؤمنون 23:52
  243. المؤمنون 23:53
  244. المؤمنون 23:54
  245. المؤمنون 23:55
  246. المؤمنون 23:56
  247. المؤمنون 23:57
  248. المؤمنون 23:58
  249. المؤمنون 23:59
  250. المؤمنون 23:60
  251. المؤمنون 23:61
  252. المؤمنون 23:62
  253. المؤمنون 23:63
  254. المؤمنون 23:64
  255. المؤمنون 23:65
  256. المؤمنون 23:66
  257. المؤمنون 23:67
  258. المؤمنون 23:68
  259. المؤمنون 23:69
  260. المؤمنون 23:70
  261. المؤمنون 23:71
  262. المؤمنون 23:72
  263. المؤمنون 23:73
  264. المؤمنون 23:74
  265. المؤمنون 23:75
  266. المؤمنون 23:76
  267. المؤمنون 23:77
  268. المؤمنون 23:78
  269. المؤمنون 23:79
  270. المؤمنون 23:80
  271. المؤمنون 23:81
  272. المؤمنون 23:82
  273. المؤمنون 23:83
  274. المؤمنون 23:84
  275. المؤمنون 23:85
  276. المؤمنون 23:86
  277. المؤمنون 23:87
  278. المؤمنون 23:88
  279. المؤمنون 23:89
  280. المؤمنون 23:90
  281. المؤمنون 23:91
  282. المؤمنون 23:92
  283. المؤمنون 23:93
  284. المؤمنون 23:94
  285. المؤمنون 23:95
  286. المؤمنون 23:96
  287. المؤمنون 23:97
  288. المؤمنون 23:98
  289. المؤمنون 23:99
  290. المؤمنون 23:100
  291. المؤمنون 23:101
  292. المؤمنون 23:102
  293. المؤمنون 23:103
  294. المؤمنون 23:104
  295. المؤمنون 23:105
  296. المؤمنون 23:106
  297. المؤمنون 23:107
  298. المؤمنون 23:108
  299. المؤمنون 23:109
  300. المؤمنون 23:110
  301. المؤمنون 23:111
  302. المؤمنون 23:112
  303. المؤمنون 23:113
  304. المؤمنون 23:114
  305. المؤمنون 23:115
  306. المؤمنون 23:116
  307. المؤمنون 23:117
  308. المؤمنون 23:118

الأنبياء 21:1

قال تعالى :﴿اقترب﴾ أي : قرب ﴿للناس حسابهم﴾ أي : في يوم القيامة أي : فلا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة، وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب ؛ لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها، وأخر الفاعل تهويلاً لتذهب النفس في تعيينه كل مذهب فإن قيل : كيف وصف ذلك اليوم بالاقتراب وقد عدت دون هذا القول أكثر من تسعمائة عام أجيب بأنه مقترب عند الله، والدليل عليه قوله تعالى :﴿ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [ الحج، ٤٧ ] ولأن كل آت، وإن طالت أوقات استقباله وترقبه قريب وإنما البعيد هو الذي وجد وانقرض قال الشاعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد؍ ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس؍ ولأنّ ما بقي من الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها بدليل انبعاث خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه الموعود ببعثه في آخر الزمان، وقال :«بعثت أنا والساعة كهاتين »، وأشار بإصبعيه وقال صلى الله عليه وسلم :«ختمت النبوة بي » كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي، وعن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون وهو من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم، وهو ما يتلوه من صفات المشركين، وهو قوله تعالى :﴿وهم﴾ أي : والحال أنهم ﴿في غفلة﴾ أي : عن الحساب ﴿معرضون﴾ عن التأهب لهذا اليوم لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما يرجع إليه خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء، وأيضاً إن هذه الآية نزلت في كفار مكة.

الأنبياء 21:2

ولما أخبر تعالى عن غفلتهم وإعراضهم دلّ على ذلك بقوله :﴿ما يأتيهم﴾ وأغرق في النفي بقوله :﴿من ذكر﴾ أي : وحي ينبههم عن سنة الغفلة والجهالة، وقوله تعالى :﴿من ربهم﴾ صفة ذكر أوصلة ليأتيهم ﴿محدث﴾ إنزاله أي : ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به، وبهذا سقط احتجاج المعتزلة بأن القرآن حادث لهذه الآية، وقيل : معناه أن الله تعالى يحدث الأمر بعد الأمر، فينزل الآية بعد الآية والسورة بعد السورة في وقت الحاجة لبيان الأحكام وغيرها من الأمور والوقائع، وقيل : الذكر المحدث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبيّنه من السنن والمواعظ سوى ما في القرآن، وإضافه إليه ؛ لأن الله تعالى قال :﴿وما ينطق عن الهوى ٣ إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣، ٤] ﴿إلا استمعوه﴾ أي : قصدوا إسماعه وهو أجد الجد وأحق الحق ﴿وهم﴾ أي : والحال أنهم ﴿يلعبون﴾ أي : يفعلون فعل اللاعبين بالاستهزاء والسخرية لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكر في العواقب.

الأنبياء 21:3

﴿لاهية﴾ أي : غافلة معرضة ﴿قلوبهم﴾ عن ذكر الله. تنبيه قوله تعالى : وهم يلعبون لاهية قلوبهم حالان مترادفتان، أو متداخلتان، ولما ذكر تعالى ما يظهرونه في حالة الاستماع من اللهو واللعب ذكر ما يخفونه بقوله تعالى عطفاً على استمعوه :﴿وأسروا﴾ أي : الناس المحدّث عنهم ﴿النجوى﴾ أي : بالغوا في إسرار كلامهم، وقوله تعالى :﴿الذين ظلموا﴾ بدل من واو وأسروا للإيماء بأنهم ظالمون فيما أسروا به أو مبتدأ والجملة المتقدمة خبره، والمعنى : وهؤلاء أسروا النجوى، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم، وقيل : جاء على لغة من قال : أكلوني البراغيث وقيل : منصوب المحل على الذم، ثم بيّن تعالى ما تناجوا به بقوله تعالى :﴿هل﴾ أي : فقالوا في تناجيهم هذا، معجبين من ادعائه النبوّة مع مماثلته لهم في البشرية هل ﴿هذا﴾ الذي أتاكم بهذا الذكر ﴿إلا بشر مثلكم﴾ أي : في خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب، والحياة والممات، فكيف يختص عنكم بالرسالة ما هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له، فحينئذٍ تسبب عن هذا الإنكار قولهم :﴿أفتأتون السحر وأنتم﴾ أي : والحال أنكم ﴿تبصرون﴾ بأعينكم أنه بشر مثلكم، فكأنهم استدلوا بكونه بشراً على كذبه في ادعاء النبوة و الرسالة لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكاً، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر، فأنكروا حضوره. فإن قيل : لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه أجيب : بأن ذلك كان يشبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في مشورتهم، و يجتهدوا في طي سرهم عنهم ما أمكن واستطيع. ومنه قول الناس :" استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان "، قال البقاعي : فيالله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم، فلم يجوزوا أن يكون ذلك عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان، وجزموا أنه من الشيطان الداعي إلى الهوان باصطلاء النيران والعجب أيضاً أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم بما يخص الله تعالى به بعض الناس عن بعض من الذكاء والفطنة، وحسن الخلائق والأخلاق والقوة والصحة، وطول العمر وسعة الرزق ونحو ذلك انتهى، ولا عجب فإنها عقول أضلها باريها.

الأنبياء 21:4

ثم كأنه قيل : فإذا يقال لهؤلاء فقال :﴿قال﴾ لهم :﴿ربي﴾ المحسن إلي ﴿يعلم القول﴾ سواء كان سراً أم جهراً كائناً ﴿في السماء والأرض﴾ على حد سواء ؛ لأنه لا مسافة بينه وبين شيء من ذلك ﴿وهو السميع العليم﴾، فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون. فإن قيل : هلا قيل يعلم السر لقوله تعالى :﴿وأسروا النجوى﴾ [ طه، ٦٢ ] أجيب بأن القول عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول : يعلم السر كما أن قوله : يعلم السر آكد من أن يقول يعلم سرهم. فإن قيل : لم ترك هذا الآكد في سوره الفرقان في قوله تعالى :﴿قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض﴾ [ الفرقان، ٦ ]، ولم يقل : يعلم القول كما هنا ؟ أجيب : بأنه ليس بواجب أن يأتي بالآكد في كل موضع، ولكن يجيء بالوكيد تارة وبالآكد تارة أخرى، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن الكلام افتتاناً، ويجمع الغاية وما دونها، على أن أسلوب تلك الآية خلاف أسلوب هذه من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى، فكأنه أراد أن يقول : إنّ ربي يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد وصف ذاته بأنه أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فهو كقوله تعالى :﴿علام الغيوب﴾ [ المائدة، ١٠٩ ] ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة﴾ [ سبأ، ٣ ]، وقرأ حفص وحمزة والكسائي قال بصيغة الماضي بالإخبار عن الرسول والباقون قل بصيغة الأمر.

الأنبياء 21:5

ثم إنه تعالى بيّن أنّ المشركين اقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم وفيما يقوله بقوله تعالى : ﴿بل قالوا﴾ أي : قال بعضهم هذا الذي قال لكم :﴿أضغاث أحلام﴾ أي : أخلاط أحلام رآها في النوم، وقال بعضهم :﴿بل افتراه﴾ أي : اختلقه من عند نفسه، ونسبه إلى الله تعالى، وقال بعضهم :﴿بل هو﴾ أي : النبي صلى الله عليه وسلم ﴿شاعر﴾ فما جاءكم به شعر، والشاعر يخيل ما لا حقيقة له لغيره، أو أنهم كلهم أضربوا عن قولهم : هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا المبطل متحير رجاع غير ثابت على قول واحد ؛ قال الزمخشري : ويجوز أن يكون تنزيلاً من الله تعالى لأقوالهم في درج الفساد، وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، وكذا الرابع أفسد من الثالث. ثم إنهم لما قدحوا في أعظم المعجزات طلبوا آية غيره، فقالوا :﴿فليأتنا﴾ دليلاً على رسالته ﴿بآية كما﴾ أي : مثل ما ﴿أرسل الأولون﴾ بالآيات كتسبيح الجبال وتسخير الريح وتفجير الماء، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وصحة التشبيه من حيث إن الإرسال يتضمن الإتيان بالآية قال الله تعالى مجيباً لهم :﴿ما آمنت قبلهم﴾

الأنبياء 21:6

﴿ما آمنت قبلهم﴾ أي : قبل مشركي مكة ﴿من قرية﴾ أي : من أهل قرية أتتهم الآيات ﴿أهلكناها﴾ باقتراح الآيات لما جاءتهم ﴿أفهم يؤمنون﴾ أي : لو جئتهم بها وهم أغنى منهم، وفيه دليل على أن عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم إذ لو أتى به لم يؤمنوا، واستوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم.

الأنبياء 21:7

ولما بيّن تعالى بطلان ما اقترحوا به في رسوله صلى الله عليه وسلم بكونه بشراً قال تعالى عاطفاً على آمنت مجيباً عن قولهم :﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ :﴿وما أرسلنا قبلك﴾ أي : في جميع الزمان الذي تقدّم زمانك في جميع طوائف البشر ﴿إلا رجالاً﴾ أي : لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالاً ﴿نوحي إليهم﴾ مثلك ثم إنه تعالى أمر المشركين أن يسألوا أهل الكتاب بقوله تعالى :﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا لا ينكرون أن الرسل كانوا بشراً، وإن أنكروا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : المراد بالذكر القرآن، أي : فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين، ولا همزة بعدها، وكذا يفعل حمزة في الوقف، والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها، ثم نبّه تعالى على أنهم غير محتاجين فيه إلى السؤال بما قد كان بلغهم على الإجمال من أحوال موسى وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم عليهم السلام بقوله تعالى معبراً بأداة الشك محركاً لهم على المعالي ﴿إن كنتم﴾ أي : بجبلاتكم ﴿لا تعلمون﴾ أي : لا أهلية لكم في اقتناص علم بل كنتم أهل تقليد محض، وتبع صرف.

الأنبياء 21:8

ولما بيّن تعالى أنه صلى الله عليه وسلم على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلاً بيّن أنه على سنتهم في جميع الأوصاف التي حكم بها على البشر في العيش والموت، فنبه على الأول بقوله تعالى :﴿وما جعلناهم﴾ أي : الذين اخترنا بعثتهم إلى الناس ليأمروهم بأوامرنا ﴿جسداً﴾ أي : ذوي جسد ولحم ودم متصفين بأنهم ﴿لا يأكلون الطعام﴾ بل جعلناهم أجساداً يأكلون ويشربون، وليس ذلك بمانع من إرسالهم. فائدة : قال ابن فارس في المجمل وفي كتاب الخليل : إن الجسد لا يقال لغير الإنسان، وتوحيد الجسد لإرادة الجنس كأنه قيل : ذوي ضرب من الأجساد، أو على حذف المضاف، أي : ذوي جسد كما مر، أو تأويل الضمير لكل واحد، وهو جسم ذو لون، قال البيضاوي : ولذلك أي : ولكون الجسد جسماً ذا اللون لا يطلق على الماء والهواء، وهو في الماء مبني على أنه لا لون له، وإنما يتلون بلون ظرفه أو مقاله ؛ لأنه جسم شفاف ؛ لكن قال الإمام الرازي : بل له لون ويرى، ومع ذلك لا يحجب عن رؤية ما وراءه، ثم نبه على الثاني بقوله تعالى :﴿وما كانوا خالدين﴾ أي : بأجسادهم، بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم، وإنما امتازوا عن الناس بما يأتيهم عن الله تعالى ورسولكم صلى الله عليه وسلم ليس بخالد، فتربصوا كما أشار إليه ختم طه، فإنه متربص بكم، وأنتم عاصون الملك الذي اقترب حسابه لخلقه وهو مطيع له.

الأنبياء 21:9

﴿ثم صدقناهم الوعد﴾ أي : الذي وعدناهم بإهلاكهم، وهذا مثل قوله تعالى :﴿واختار موسى قومه﴾ [ الأعراف، ١٥٥ ] في حذف الجار والأصل في الوعد، ومن قومه ومنه صدقوهم القتال، وصدقني سنّ بكره والأصل في هذا المثل أن أعرابياً عرض بعيراً للبيع، فقال له المشتري : ما سنه ؟ قال : بكر، فاتفق أنه ند، فقال صاحبه هدع هدع، وهذه اللفظة مما يسكن بها صغار الإبل لا الكبار، فقال المشتري : صدقني سنّ بكره، وأعرض، فصار مثلاً. تنبيه : أشار تعالى بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم بهم، وصبرهم عليهم، ثم أحل بهم سطوته، وأراهم عظمته ﴿فأنجيناهم﴾ أي : الرسل ﴿ومن نشاء﴾ وهم المؤمنون أو من في إبقائه حكمة كمن سيؤمن هو أو واحد من ذريته، ولذلك حميت به العرب من عذاب الاستئصال، ﴿وأهلكنا المسرفين﴾ أي : المشركين ؛ لأن المشرك مسرف على نفسه.

الأنبياء 21:10

﴿لقد أنزلنا إليكم﴾ يا معشر قريش ﴿كتاباً﴾ أي : القرآن ﴿فيه ذكركم﴾ أي : شرفكم ووصيتكم كما قال تعالى :﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ [ الزخرف، ٤٤ ]، أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء وحسن الذكر كحسن الجوار والوفاء بالعهد ودق الحديث وأداء الأمانة والسخاء وما أشبه ذلك، وقيل : فيه ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، أو لأنه نزل بلغتكم، وقيل : فيه تذكرة لكم لتحذروا، فيكون الذكر بمعنى الوعد والوعيد ﴿أفلا تعقلون﴾ فتؤمنوا به، وفي ذلك حث على التدبر ؛ لأن الخوف من لوازم العقل.

الأنبياء 21:11

﴿وكم قصمنا﴾ أي : أهلكنا ﴿من قرية﴾ أي : أهلها بغضب شديد ؛ لأن القصم أفظع الكسر، وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم، وقوله تعالى :﴿كانت ظالمة﴾ أي : كافرة صفة لأهلها وصفت بها لما أقيمت مقامها، ثم بيّن الغنى عنها بقوله تعالى :﴿وأنشأنا بعدها﴾ أي : بعد إهلاك أهلها ﴿قوماً آخرين﴾ مكانهم،

الأنبياء 21:12

ثم بيّن حالها عند إحلال البأس بها بقوله تعالى :﴿فلما أحسوا﴾ أي : أدرك أهلها بحواسهم ﴿بأسنا﴾ أي : عذابنا ﴿إذا هم منا﴾ أي : القرية ﴿يركضون﴾ هاربين منها مسرعين راكضين دوابهم لما أدركتهم مقدّمة العذاب والركض ضربة الدابة بالرجل، ومنه اركض برجلك، أو مشبهين بهم من فرط إسراعهم بعد تجبرهم على الرسل، وقولهم لهم : لنخرجنكم من أرضنا، أو لتعودن في ملتنا، فناداهم لسان الحال تقريعاً وتشنيعاً لحالهم.

الأنبياء 21:13

﴿لا تركضوا﴾ أو المقال والقائل ملك أو من ثم من المؤمنين ﴿وارجعوا﴾ إلى قريتكم ﴿إلى ما أترفتم﴾ أي : تمتعتم ﴿فيه﴾ من التنعم والتلذذ والإتراف إبطار النعمة والترفه، ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش الناعم المسكن قال :﴿ومساكنكم﴾ أي : التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء بما أوسعتم من فنائها، وعليتم من بنائها، وحسنتم من مشاهدها ﴿لعلكم تسألون﴾ وفي هذا تهكم بهم وتوبيخ أي : ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما يجري عليكم، وينزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو ارجعوا، واجلسوا كما كنتم في مجالسكم وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره، وينفذ فيه أمركم ونهيكم، فيقولوا لكم بم تأمرون وماذا ترسمون، أو شيئاً من دنياكم على العادة، أو تسألون في الإيمان كما كنتم تسألون، فتأبوا بما عندكم من الأنفة والحمية والعظمة، أو في المهمات كما تكون الرؤساء في مقاعدهم العلية، ومراتبهم السنية، فيجيبون سائلهم بما شاؤوا.

الأنبياء 21:14

ولما كان كأنه قيل : بم أجابوا هذا القائل ؟ قيل :﴿قالوا﴾ حين لا نفع لقولهم عند نزول البأس ﴿يا ويلنا﴾ إشارة إلى أنه حل بهم ؛ لأنه ينادي بيا القريب ترفقاً به كما يقول الشخص لمن يضربه : يا سيدي كأنه يستغيث به ليكف عنه، وذلك غباوة منهم، وعمى عن الذي أحله بهم ؛ لأنهم كالبهائم لا ينظرون إلا السبب الأقرب، ثم عللوا حلوله بهم تأكيداً لترفقهم بقولهم :﴿إنا كنا﴾ جبلة وطبعاً ﴿ظالمين﴾ حيث كذبنا الرسل، وعصينا أمر ربنا، فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف لفوات محله، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه القرية حَضور بفتح الحاء وبالضاد المعجمة، وهي وسحول قريتان قريبتان من اليمن تنسب إليهما الثياب، وفي الحديث :«كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين »، وروي حضوريين بعث الله لهم نبياً، فقتلوه، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر كما سلطه الله على أهل بيت المقدس، فاستأصلهم، وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى منادٍ من السماء : يا لثأرات الأنبياء، وهي بفتح اللام، وبمثلثة وهمزة ساكنة أي : يا لأهل ثأراتهم أي : الطالبة بدمهم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فندموا وقالوا ذلك.

الأنبياء 21:15

﴿فما﴾ أي : فتسبب عن إحلالنا بهم ذلك البأس أنه ما ﴿زالت تلك﴾ الدعوى البعيدة عن الخير والسلامة، وهي قولهم : يا ويلنا ﴿دعواهم﴾ يرددونها لا دعوى لهم غيرها ؛ لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم، وترفقهم له غير نافعهم ﴿حتى جعلناهم حصيداً﴾ كالزرع المحصود بالمناجل بأن قتلوا بالسيف. تنبيه : حصيد على وزن فعيل بمعنى مفعول، ولذلك لم يجمع ؛ لأنه يستوي فيه الجمع وغيره ﴿خامدين﴾ أي : ميتين كخمود النار إذا طفئت وصارت رماداً فإن قيل : كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل أجيب بأنَّ حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد ؛ لأن معنى قولك : جعلته حلواً حامضاً جعلته جامعاً للطعمين، وكذلك معنى جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود أو خامدين صفة لحصيداً أو حال من ضميره.

الأنبياء 21:16

ثم نبههم سبحانه وتعالى على النظر في خلق السماوات وما بينهما ليعتبروا، فقال تعالى :﴿وما خلقنا السماء﴾ على علوِّها وإحكامها ﴿والأرض﴾ على عظمها واتساعها ﴿وما بينهما﴾ مما دبرناه لتمام المنافع من أصناف البدائع وغرائب الصنائع ﴿لاعبين﴾ أي : عابثين كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم، وسائر زخارفهم للهو واللعب، وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار، وتذكيراً لذوي الاعتبار، وتسبيباً لما ينتظم به أمر العباد في المعاش والمعاد.

الأنبياء 21:17

ولما نفى عنه اللعب أتبعه دليله، فقال عز وجل :﴿لو أردنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿أن نتخذ لهواً﴾ أي : ما يتلهى به ويلعب، وقيل : هو الولد بلغة اليمن، وقيل : الزوجة والمراد الرد على النصارى ﴿لاتخذناه من لدنا﴾ أي : من عندنا مما يليق أن ينسب لحضرتنا من الحور العين والملائكة بما لنا تمام القدرة، وكمال العظمة ﴿إن كنا فاعلين﴾ ذلك لكنا لم نفعله ؛ لأنه لا يليق بجنابنا، فلم نرده.

الأنبياء 21:18

وقوله تعالى :﴿بل نقذف﴾ أي : نرمي ﴿بالحق﴾ أي : الإيمان ﴿على الباطل﴾ أي : الكفر إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب بل شأننا أن نرمي بالحق الذي من جملة الجد على الباطل الذي من عداد اللهو ﴿فيدمغه﴾ أي : يذهبه، واستعار لدحض الباطل بالحق القذف والدمغ تصويراً لإبطاله به، وإهداره ومحقه، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة، ووجه استعارة القذف والدمغ لما ذكر أن أصل استعمالهما في الأجسام، ثم استعير القذف لدحض الباطل بالحق والدمغ لإذهاب الباطل، فالمستعار منه حسيّ، والمستعار له عقليّ ﴿فإذا هو﴾ في الحال ﴿زاهق﴾ أي : ذاهب، والزهوق ذهاب الروح، وذكره لترشيح المجاز من إطلاق القذف على دحض الباطل، ثم عطف على ما أفادته إذا قوله تعالى :﴿ولكم﴾ أي : وإذا لكم أيها المبطلون ﴿الويل﴾ أي : العذاب الشديد ﴿مما تصفون﴾ الله تعالى به بما تهوى أنفسكم كالزوجة والولد.

الأنبياء 21:19

تنبيه : ما إمّا مصدرية أو موصولة أو موصوفة، ولما حكى الله تعالى كلام الطاعنين في النبوات، وأجاب عنها بأن أغراضهم من تلك المطاعن التمرد، وعدم الانقياد بيّن بقوله تعالى :﴿وله من في السماوات﴾ أي : الأجرام العالية، وهي ما تحت العرش، وجمع السماء هنا لاقتضاء تفخيم الملك ذلك، ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدّد الأرض وحدها، فقال :﴿والأرض﴾ أي : له ذلك خلقاً وملكاً أنه منزه عن طاعتهم ؛ لأنه هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات، وعبر بمن تغليباً للعقلاء، وقوله تعالى :﴿ومن عنده﴾ أي : وهم الملائكة بإجماع الأمة، ولأن الله تعالى وصفهم بأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهذا لا يليق بالبشر، مبتدأ خبره ﴿لا يستكبرون عن عبادته﴾ بنوع كبر طلباً ولا إيجاداً، وخصهم بالذكر لكرامتهم عليه تنزيلاً لهم منزلة المقرّبين عند الملك. تنبيه : هذه العندية للشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة، فكأنه تعالى قال : الملائكة مع كمال شرفهم وعلو مراتبهم، ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن عبادته، فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته ﴿و﴾ مع ذلك أيضاً ﴿لا يستحسرون﴾ أي : لا يعيون، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيهاً على أن عبادتهم من ثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون، ولا يطلبون أن ينقطعوا عنها، فأنتج ذلك قوله تعالى :﴿يسبحون﴾.

الأنبياء 21:20

﴿يسبحون﴾ أي : ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال ﴿الليل والنهار﴾ أي : جميع آنائهما دائماً ﴿لا يفترون﴾ أي : عن ذلك وقتاً من الأوقات، فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل.

الأنبياء 21:21

ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد، فلم يفعلوا كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم بالتوبيخ والتهكم والتعنيف، فقال تعالى :﴿أم اتخذوا﴾ أي : بل اتخذوا، فأم بمعنى بل للانتقال والهمزة لإنكار اتخاذهم ﴿آلهة من الأرض﴾ ومعنى نسبتها إلى الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض ؛ لأن الآلهة على ضربين ؛ أرضية وسماوية، ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «أين ربك ؟ فأشارت إلى السماء، فقال : إنها مؤمنة » ؛ لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام لا إثبات أن السماء مكان الله تعالى، ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض ؛ لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض ﴿هم ينشرون﴾ أي : يحيون الموتى لا يقدرون على ذلك، وهم وإن لم يصرّحوا بذلك لزم من ادعائهم لها آلهة أنهم يقدرون على ذلك، فإنّ من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات، فالمراد به تجهيلهم والتهكم بهم، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانتشار بهم.

الأنبياء 21:22

ثم إنه سبحانه وتعالى أقام البرهان القطعي على نفي إله غيره ببرهان التمانع، وهو أشدّ برهان لأهل الكلام، فقال :﴿لو كان فيهما﴾ أي : السماوات والأرض أي : في تدبيرهما ﴿آلهة إلا الله﴾ أي : غير الله تعالى ﴿لفسدتا﴾ أي : لخرجتا عن نظامهما المشاهد لوجود التمانع بينهم على وفق العادة عند تعدّد الحاكم، وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق كان والله أعز عليّ من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول، وهذا ظاهر. وأما طريقة التمانع فقال المتكلمون : القول بوجود إلهين مفضٍ إلى المحال لأنّا لو فرضنا وجود إلهين، فلا بدّ أن يكون كل واحد منهما قادراً على كل المقدورات، ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادراً على تحريك زيد وتسكينه، ولو فرضنا أنّ أحدهما أراد تحريكه والآخر أراد تسكينه، فإمّا أن يقع المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدّين، أو لا يقع واحد منهما، وهو محال ؛ لأنّ المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر، فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود مراد ذلك وبالعكس، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، وذلك أيضاً محال ؛ لأنّ الذي وقع مراده يكون قادراً، والذي لم يقع مراده يكون عاجزاً، والعجز نقص، وهو على الإله محال، فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات، وإذا وقفت على حقيقة هذه الدلالة عرفت أنّ جميع ما في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات دليل على أنّ وحدانية الله تعالى والدلائل السمعية على الوحدانية كثيرة في القرآن، ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر للسموات والأرض إلا واحداً، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا الله تعالى قال :﴿فسبحان الله﴾ أي : فتسبب عن ذلك تنزه المتصف بصفات الكمال ﴿ربّ﴾ أي : خالق ﴿العرش﴾ أي : الكرسي المحيط بجميع الأجسام الذي هو محل التدابير، ومنشأ التقادير ﴿عما يصفون﴾ أي : الكفار الله به من الشريك له وغيره.

الأنبياء 21:23

ثم بيّن تعالى ذلك بقوله عز وجل :﴿لا يسأل﴾ أي : من سائل ما ﴿عما يفعل﴾ لعظمته وقوّة سلطانه، وإذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم وعما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً مع جواز الخطأ والزلل، وأنواع الفساد عليهم كان ملك الملوك ورب الأرباب خالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسأل عن أفعاله مع ما علم واستقر في العقول من أن ما يفعله كله مفعول بدواعي الحكمة، ولا يجوز عليه تعالى الخطأ ﴿وهم يسألون﴾ لأنهم مملوكون مستعبدون خطاؤون، فما أخلقهم بأن يقال لهم : لم فعلتم ؟ في كل شيء فعلوه.

الأنبياء 21:24

ولما قام الدليل ووضح السبيل واضمحلّ كل قال وقيل، وانمحقت الأباطيل كرّر تعالى :﴿أم اتخذوا من دونه آلهة﴾ كرّره استفظاعاً لشأنهم واستعظاماً لكفرهم، وإظهاراً لجهلهم، ولما كان جوابهم : اتخذنا ولا نرجع، أمر الله تعالى نبيه بجوابهم فقال :﴿قل هاتوا برهانكم﴾ على ما ادّعيتموه من عقل أو نقل كما أتيت أنا ببرهان النقل المؤيد بالعقل، ولما كان تعالى لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما لم ينضمّ إليه دليل النقل أتبعه قوله مشيراً إلى ما بعث الله تعالى به الرسل من الكتب ﴿هذا ذكر﴾ أي : موعظة وشرف ﴿من معي﴾ ممن آمن بي وهو القرآن الذي عجزتم عن معارضته ﴿وذكر﴾ أي : وهذا ذكر ﴿من قبلي﴾ من الأمم الماضية وهو التوراة والإنجيل، وغيرهما من الكتب السماوية، فانظروا هل تجدون فيها إلا الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ولما كانوا لا يجدون شبهة لهم فضلاً عن حجة ذمّهم الله تعالى على جهلهم بمواضع الحق فقال تعالى :﴿بل أكثرهم﴾ أي : هؤلاء المدّعون ﴿لا يعلمون الحق﴾ فلا يميزون بينه وبين الباطل بل أكثرهم جهلة، والجهل أصل الشرّ والفساد ﴿فهم﴾ أي : فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم ﴿معرضون﴾ عن التوحيد واتباع الرسل.

الأنبياء 21:25

ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدّم كما أنّ الرسالة لا يقوم بها كل واحد، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن أثبت الجار في قوله تعالى :﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ وأغرق في النفي فقال :﴿من رسول﴾ في شيع الأوّلين ﴿إلا نوحي إليه﴾ من عندنا ﴿أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ وهذا مقرّر لما سبقه من آي التوحيد، وقال تعالى : إلا أنا، ولم يقل : نحن لئلا يجعلوا ذلك وسيلة إلى ما ادّعوه من تعدّد الآلهة، ولذلك قال : فاعبدون بالإفراد، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بالنون وكسر الحاء، والباقون بالياء وفتح الحاء.

الأنبياء 21:26

ولما بيّن سبحانه وتعالى بالدلائل الباهرة كونه منزهاً عن الشريك والضدّ والندّ أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد بقوله :﴿وقالوا اتخذ﴾ أي : تكلف كما يتكلف من لا يكون له ولد ﴿الرحمن﴾ أي : الذي كل موجود من فيض نعمه ﴿ولداً﴾ نزل في خزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله، وقيل : نزل ذلك في اليهود حيث قالوا : إنه تعالى صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة كما حكى الله تعالى عنهم قولهم، وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً، ثم إنه سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى :﴿سبحانه﴾ أي : تنزه عن أن يكون له ولد، فإنّ ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد، ولا تصح مجانسة النعمة للمنعم الحقيقي ﴿بل﴾ أي : الذين جعلوهم له ولداً وهم الملائكة ﴿عباد﴾ من عباده أنعم عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولاد، فإنّ العبودية تنافي الولدية ﴿مكرمون﴾ بالعصمة من الزلل ولذلك فسر الإكرام بقوله تعالى :﴿لا يسبقونه﴾.

الأنبياء 21:27

﴿لا يسبقونه﴾ أي : لا يسبقون إذنه ﴿بالقول﴾ أي : لا يقولون شيئاً حتى يقوله كما هو شأن العبيد المؤدّبين ﴿وهم بأمره﴾ إذا أمرهم ﴿يعملون﴾ لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له تعالى، فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل، وذلك غاية الطاعة،

الأنبياء 21:28

ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه بقوله تعالى :﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ أي : ما عملوا وما هم عاملون لا تخفى عليه تعالى خافية مما قدّموا وأخروا، ثم صرح تعالى بلازم الجملة الأولى، فقال :﴿ولا يشفعون﴾ أي : لا في الدنيا، ولا في الآخرة ﴿إلا لمن ارتضى﴾ فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى ؛ قال ابن عباس والضحاك : إلا لمن ارتضى أي : لمن قال : لا إله إلا الله، فسقط بذلك قول المعتزلة : إنّ الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر، ثم صرّح بلازم الجملة الثانية فقال :﴿وهم من خشيته﴾ أي : لا من غيرها ﴿مشفقون﴾ أي : خائفون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء والإشفاق خوف مع اعتناء، فإن عدّى بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدى بعلى فبالعكس.

الأنبياء 21:29

ولما نفى تعالى الشريك مطلقاً، ثم مقيداً بالولدية أتبعه التهديد على ادّعائه بتعذيب المتبوع الموجب لتعذيب التابع بقوله تعالى :﴿ومن يقل منهم﴾ أي : من الخلائق حتى العباد المكرمين الذين وصف كرامتهم وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم ﴿إني إله من دونه﴾ أي : الله أي غيره، والذي قال ذلك كما قال الجلال المحلي هو إبليس دعا إلى عبادة نفسه، وأمر بطاعتها ﴿فذلك﴾ أي : اللعين الذي لا يصلح للتقريب أصلاً ﴿نجزيه جهنم﴾ لظلمه ﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا الجزاء الفظيع جدّاً ﴿نجزي الظالمين﴾ أي : المشركين.

الأنبياء 21:30

ثم إنه سبحانه وتعالى شرع الآن في الدلائل الدّالة على وجود الصانع، فذكر منها ستة أنواع ؛ النوع الأوّل : قوله تعالى :﴿أولم ير﴾ أي : يعلم ﴿الذين كفروا﴾ علماً هو كالمشاهدة ﴿أن السماوات والأرض كانتا﴾ ولم يقل : كنَّ ؛ لأنّ المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض ﴿رتقاً﴾ قال ابن عباس والضحاك : كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين زبدة واحدة ﴿ففتقناهما﴾ أي : فصلنا بينهما بالهواء، والرتق في اللغة السد، والفتق الشق، قال كعب : خلق الله السماوات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً توسطتهما، ففتحهما بها، وقال مجاهد والسدّي : كانت السماوات رتقاً طبقة، ففتقها، فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرض كانت رتقاً طبقة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين، وقال عكرمة وعطية : كانت السماوات رتقاً لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، فيكون المراد بالسماوات سماء الدنيا، وجمعها باعتبار الآفاق أو السماوات بأسرها على أن لها مدخلاً في الأمطار، وإنما قال تعالى : رتقاً على التوحيد، وهو نعت للسموات والأرض لأنه مصدر، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك، فهم متمكنون من العلم بالنظر، أو باستفسار من العلماء، أو مطالعة الكتب، وقرأ ابن كثير ألم بغير واو بين الهمزة ولم، والباقون بالواو بين الهمزة واللام.

الأنبياء 21:31

النوع الثاني من الدلائل : قوله تعالى :﴿وجعلنا﴾ أي : خلقنا بما اقتضته عظمتنا ﴿من الماء﴾ الماء هو الدافق وغيره ﴿كل شيء حي﴾ مجازاً في النبات وحقيقة في الحيوان فإن قيل : قد خلق الله تعالى بعض ما هو حي من غير الماء كآدم وعيسى والملائكة ؟ أجيب : بأن هذا خرج مخرج الأغلب والأكثر، أي : أن أكثر ما خلق الله خلق من الماء وبقاؤه بالماء، وقيل : المراد بالماء ما نزل من السماء أو نبع من الأرض ﴿أفلا يؤمنون﴾ مع ظهور هذه الآيات الواضحات بتوحيدي. النوع الثالث من الدلائل : قوله تعالى :﴿وجعلنا في الأرض رواسي﴾ أي : جبالاً ثوابت كراهة ﴿أن تميد﴾ أي : تتحرك ﴿بهم﴾ قيل : إن الأرض بسطت على الماء، فكانت تتحرك كما تتحرك السفينة في الماء، فأرساها الله وأثبتها بالجبال. النوع الرابع من الدلائل : قوله تعالى :﴿وجعلنا فيها﴾ أي : في الرواسي ﴿فجاجاً﴾ أي : مسالك واسعة سهلة، ثم أبدل منها ﴿سبلاً﴾ أي : مذللة للسلوك، ولولا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد ﴿لعلهم يهتدون﴾ إلى منافعهم من ديارهم وغيرها، وإلى ما فيها من دلائل الوحدانية.

الأنبياء 21:32

النوع الخامس من الدلائل : قوله تعالى :﴿وجعلنا السماء﴾ وأفردها مع إرادة الجنس ؛ لأن أكثر الناس لا يشاهدون منها إلا السماء الدنيا، ولأن الحفظ للشيء الواحد أتقن ﴿سقفاً﴾ أي : للأرض كالسقف للبيت ﴿محفوظاً﴾ أي : عن السقوط بالقدرة، وعن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بالمشيئة، وعن الشياطين بالشهب ﴿وهم﴾ أي : أكثر الناس ﴿عن آياتها﴾ أي : من الكواكب الكبار والصغار، والرياح والأمطار وغير ذلك من الدلائل التي تفوت الانحصار الدالة على قدرتنا على كل ما نريد من البعث وغيره، وعلى عظمتنا بالتفرد بالإلهية وغير ذلك من أوصاف الكمال من الجلال والجمال ﴿معرضون﴾ لا يتفكرون فيما فيها من السير والتدبير وغير ذلك، فيعلمون أنّ خالقها لا شريك له.

الأنبياء 21:33

النوع السادس من الدلائل : قوله تعالى :﴿وهو﴾ أي : لا غيره ﴿الذي خلق الليل والنهار﴾ ثم أتبعهما أعظم آيتهما بقوله تعالى :﴿والشمس﴾ التي هي أعظم آية النهار ﴿والقمر﴾ الذي هو أعظم آية الليل ﴿كل﴾ أي : من الشمس والقمر، وتابعه وهو النجوم ﴿في فلك﴾ أي : مستدير كالطاحونة في السماء ﴿يسبحون﴾ أي : يسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وللتشبيه به أتى بضمير جمع من يعقل والمراد بالفلك الجنس كقولك : كساهم الأمير حلة، وقلدهم سيفاً، أي : كل واحد منهم، أو كساهم وقلدهم هذين الجنسين، فاكتفى بما يدل على الجنس اختصاراً، ولأن الغرض الدلالة على الجنس.

الأنبياء 21:34

ونزل لما قال الكفار : إن محمداً سيموت :﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ أي : البقاء في الدنيا ﴿أفإن﴾ أي : أيتمنون موتك، فإن ﴿مت فهم الخالدون﴾ فيها لا والله ليسوا بخالدين، فالجملة الأخيرة هي محل الاستفهام الإنكاري، وفي معنى ذلك قول فروة بن مسيك الصحابي : وقل للشامتين بنا أفيقوا؍ سيلقى الشامتون كما لقينا؍

الأنبياء 21:35

وقرأ نافع وحفص والكسائي بكسر الميم والباقون بضمها، ثم بيّن تعالى أن أحداً لا يبقى في هذه الدنيا بقوله تعالى :﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ أي : ذائقة مرارة الموت، أي : مرارة مفارقة روحها جسدها، فلا يفرح أحد، ولا يحزن لموت أحد بل يشتغل بما يهمه، وإليه الإشارة بقوله :﴿ونبلوكم﴾ أي : نعاملكم معاملة المبتلي المختبر ليظهر في عالم الشهادة الشاكر والصابر، والمؤمن والكافر كما هو عندنا في عالم الغيب بأن نخالطكم ﴿بالشر﴾، وهو المضارّ الدنيوية من الفقر والألم، وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين ﴿والخير﴾ وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور، والتمكن من المرادات، وقوله تعالى :﴿فتنة﴾ مفعول له أي : لننظر أتصبرون وتشكرون أم لا كما يفتن الذهب إذا أريد تصفيته بالنار عما يخالطه من الغش، فبين تعالى أنّ العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين لكي يشكر على المنح ويصبر على المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم ﴿وإلينا﴾ بعد الموت لا إلى غيرنا ﴿ترجعون﴾ فنجازيكم بما فعلتم.

الأنبياء 21:36

ثم عطف تعالى على قوله :﴿وأسرّوا النجوى﴾ قوله تعالى :﴿وإذا رآك﴾ أي : وأنت أشرف الخلق ﴿الذين كفروا إن﴾ أي : ما ﴿يتخذونك﴾ أي : حال الرؤية ﴿إلا هزواً﴾ أي : مهزواً به يقولون إنكاراً واستصغاراً ﴿أهذا الذي يذكر آلهتكم﴾ أي : بسوء، والذكر يكون بالخير والشر، فإذا دلت القرينة على أحدهما أطلق عليه وذكر العدوّ لا يكون إلا بسوء ﴿وهم﴾ أي : والحال أنهم ﴿بذكر الرحمن﴾ أي : إذا ذكر لهم الرحمن ﴿هم كافرون﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون : لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وهم الثانية للتأكيد.

الأنبياء 21:37

ونزل في استعجالهم العذاب ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ كأنه خلق منه لفرط استعجاله وقلة ثباته، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء : خلقت منه كقولك : خلق زيد من الكرم، فجعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع هو منه مبالغة في لزومه له، ولذلك قيل : إنه على القلب أي : خلق العجل من الإنسان، ومن عجلته مبادرته إلى الكفر، واستعجال الوعد، وقال سعيد بن جبير والسدّي : لما دخل الروح في رأس آدم وعينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلاً إلى ثمار الجنة، فوقع، فقيل : خلق الإنسان من عجل، والمراد بالإنسان آدم وأورث أولاده العجلة، وقال قوم : معناه خلق الإنسان يعني آدم عليه السلام من تعجيل في خلق الله تعالى إياه لأن خلقه كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس، قال مجاهد : فلما أحيا الروح رأسه قال : يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس وقيل بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة وغيرها، وقال قوم : من عجل أي : من طين قال الشاعر : والنبع في الصخرة الصماء منبته؍ والنخل ينبت بين الماء والعجل؍ ثم قال تعالى مهدداً للمكذبين :﴿سأريكم آياتي﴾ أي : مواعيدي بالعذاب ﴿فلا تستعجلون﴾ أي : تطلبون أن أوجد العجلة بالعذاب، أو غيره فإني منزه عن العجلة التي هي من جملة نقائصكم ؛ لأنها إرادة الشيء قبل أوانه فإن قيل : لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله : خلق الإنسان من عجل وقوله تعالى :﴿وكان الإنسان عجولاً﴾ [ الإسراء، ١١ ]، أليس هذا من تكليف ما لا يطاق ؟ أجيب : بأن هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة، وقد أراهم بعض آياته وهو القتل ببدر.

الأنبياء 21:38

﴿ويقولون﴾ في استهزائهم ﴿متى هذا الوعد﴾ أي : بإتيان الآيات من الساعة ومقدّماتها وغيرها ﴿إن كنتم﴾ فيما توعدون به ﴿صادقين﴾ أي : عريقين في هذا الوصف يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء.

الأنبياء 21:39

ثم بيّن تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم بقوله تعالى :﴿لو يعلم الذين كفروا﴾ وذكر المفعول به بقوله تعالى :﴿حين﴾ أي : وقت ﴿لا يكفون﴾ أي : لا يدفعون ﴿عن وجوههم﴾ التي هي أشرف أعضائهم ﴿النار﴾ استسلاماً وعجزاً ﴿ولا عن ظهورهم﴾ التي هي أشدّ أجسامهم السياطَ ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي : لا يمنعون من العذاب في القيامة وجواب لو محذوف و المعنى : لو علموا لما أقاموا على كفرهم ولما استعجلوا العذاب، ولا قالوا : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.

الأنبياء 21:40

﴿بل تأتيهم﴾ أي : القيامة ﴿بغتة﴾ أي : فجأة ﴿فتبهتهم﴾ أي : تحيرهم، يقال : فلان مبهوت أي : متحير ﴿فلا يستطيعون ردّها﴾ أي : لا يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك الوقت ليأسهم منه ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي : يمهلون لتوبة أو معذرة.

الأنبياء 21:41

ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك أتبعه ما يدل على أنّ الرسل في ذلك شرع واحد تسلية له صلى الله عليه وسلم فقال عاطفاً على وإذا رآك :﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾ أي : كثيرين فلك بهم أسوة، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة في الوصل بكسر الدال والباقون بالضم وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياء ساكنة ﴿فحاق﴾ أي : نزل ﴿بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾ وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك،

الأنبياء 21:42

ولما أعلم الله تعالى أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجهوهم النار ولا عن ظهورهم بسائر ما وصفهم به. أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أنّ الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة، فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿قل﴾ يا أشرف المرسلين للمستهزئين ﴿من يكلؤكم﴾ أي : يحفظكم ﴿بالليل والنهار من الرحمن﴾ أي : من عذابه إن نزل بكم أي : لا أحد يفعل ذلك ﴿بل هم عن ذكر ربهم﴾ أي : القرآن ﴿معرضون﴾ لا يتفكرون فيه ولا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه.

الأنبياء 21:43

﴿أم﴾ فيها معنى الهمزة للإنكار أي : الله ﴿لهم آلهة﴾ { موصوفة بأنها { تمنعهم } مما يسوءهم ﴿من دوننا﴾ ليس لهم ذلك ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال تعالى :﴿لا يستطيعون﴾ أي : الآلهة ﴿نصر أنفسهم﴾ فكيف ينصرون عابديهم ﴿ولا هم﴾ أي : الكفار ﴿منّا﴾ أي : من عذابنا ﴿يصحبون﴾ أي : يجارون يقال : صحبك الله أي : حفظك وأجارك.

الأنبياء 21:44

﴿بل متعنا هؤلاء﴾ أي : الكفار على حقارتهم ﴿وآباءهم﴾ من قبلهم بالنعم استدراجاً ﴿حتى طال عليهم العمر﴾ أي : امتدّت بهم أيام الدنيا بالروح والطمأنينة فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب أمنتهم واستمتاعهم فاغتروا بذلك وذلك طمع فارغ وأمل كاذب، وغلظ ورش اللام بخلاف عنه ﴿أفلا يرون﴾ أي : يعلمون علماً هو في وضوحه مثل الرؤية بالبصر ﴿أنّا نأت الأرض﴾ أي : أرض الكفرة ﴿ننقصها من أطرافها﴾ بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها بقتل بعض ورّد بعض عن دينه إلى الإسلام فهم في نقص وأولياؤنا في زيادة ﴿أفهم الغالبون﴾ أي : مع مشاهدتهم لذلك أم أولياؤنا.

الأنبياء 21:45

ولما كرّر سبحانه وتعالى في القرآن الأدلة وبالغ في التنبيه عليها على ما تقدم أتبعه بقوله تعالى :﴿قل﴾ يا أشرف الخلق لهؤلاء المشركين ﴿إنما أنذركم﴾ أي : أخوّفكم ﴿بالوحي﴾ أي : بالقرآن الذي هو كلام ربكم فلا تظنوا أنه من قبل نفسي ﴿ولا يسمع الصم الدعاء﴾ أي : ممن يدعوهم ﴿إذا ما ينذرون﴾ أي : يخوّفون فهم لترك العمل بما سمعوه كالصم فإن قيل : الصم لا يسمعون دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء المنذر، فكيف قيل : إذا ما ينذزون ؟ أجيب : بأنه وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامّهم وسدّهم أسماعهم إذا أنذروا، أي : هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة وعلى التصامّ عن آيات الإنذار، وقرأ ابن عامر ولا تسمع بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الميم ونصب ميم الصم على الخطاب النبوي والباقون بالياء التحتية وفتح الميم ورفع ميم الصم وفي الدعاء، وإذا همزتان مختلفتان من كلمتين ؛ الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والياء والباقون بتحقيق الهمزتين، وهذا في حال الوصل، فإن وقف على الهمزة الأولى فالجميع يبتدئون الثانية بالتحقيق، ويقف حمزة وهشام بإبدال الهمزة ألفاً مع المدّ والتوسط والقصر.

الأنبياء 21:46

﴿ولئن مستهم﴾ أي : أصابتهم ﴿نفحة﴾ أي : دفعة خفيفة وفي ذلك مبالغات ذكر المس و ما في النفحة من معنى القلة فإنّ أصل النفح هبوب رائحة الشيء والتاء الدالة على المرّة ﴿من عذاب ربك﴾ المحسن إليك بنصرك عليهم من الذي ينذرون به ﴿ليقولنّ﴾ وقد أذهلهم أمرها ﴿يا ويلنا﴾ الذي لا نرى بحضرتنا الآن غيره ﴿إنّا كنّا ظالمين﴾ دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقرّوا بالظلم.

الأنبياء 21:47

ثم ذكر تعالى بعض ما يفعل في حساب الساعة من العدل، فقال عاطفاً على قوله تعالى :﴿بل تأتيهم بغتة﴾ :﴿ونضع الموازين القسط﴾ أي : ذوات العدل ﴿ليوم القيامة﴾ أي : فيه وإنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم ويجوز أن يرجع إلى الوزنات وقيل : وضع الموازين تمثيلاً لإرصاد الحساب السويّ والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والصحيح الذي عليه أئمة السلف أن الله تعالى يضع ميزاناً حقيقة توزن به أعمال العباد وعن الحسن هو الميزان له كفتان ولسان، ويروى أنّ داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب، فغشي عليه ثم أفاق فقال : إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، قال : يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة فإن قيل : كيف توزن الأعمال مع أنها أعراض ؟ أجيب : بأن فيه طريقين ؛ أحدهما أن توزن صحائف الأعمال فتوضع صحائف الحسنات في كفة وصحائف السيئات في كفة و الثاني أن توضع في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل : هذه الآية يناقضها قوله تعالى في الكفار :﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ [ الكهف، ١٠٥ ] أجيب : بأن المراد منه أنا لا نكرمهم ولا نعظمهم ﴿فلا تظلم نفس شيئاً﴾ أي : من نقص حسنة أو زيادة سيئة ﴿وإن كان﴾ أي : العمل ﴿مثقال﴾ أي : وزن ﴿حبة من خردل﴾ أو أصغر منه وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة، وقرأ نافع برفع اللام على أنّ كان تامّة والباقون بالنصب وكذا في لقمان ﴿أتينا بها﴾ أي : بوزنها ولما كان حساب الخلائق كلهم في كل ما صدر منهم أمراً باهراً للعقل حقره عند عظمته فقال :﴿وكفى بنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿حاسبين﴾ أي : محصين في كل شيء، فلا يكون في الحساب أحد مثلنا، ففيه توعد من جهة أن معناه أن لا يروج عليه شيء من خداع، ولا يقبل غلطاً ولا يضل ولا ينسى إلى غير ذلك من كل ما يلزم منه نوع لبس وشوب منقص ووعد من جهة أنه مطلع على حسن قصد وإن دق وخفي.

الأنبياء 21:48

ولما تكلم سبحانه وتعالى في دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد شرع في قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يناله من قومه وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض وذكر منها عشراً : القصة الأولى : قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ولقد آتينا موسى وهرون﴾ أي : أخاه الذي سأل ربه أن يشدّ أزره به ﴿الفرقان﴾ أي : التوراة الفارقة بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام ﴿وضياء﴾ بهاء لا ظلام معه أي : ليستضاء بها في ظلمات الحيرة والجهل وقرأ قنبل بعد الضاد بهمزة مفتوحة ممدودة والباقون بياء بعدها ألف ﴿وذكراً﴾ أي : عظة ﴿للمتقين﴾ أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع وقيل الفرقان النصر وقيل فلق البحر ويراد بالضياء على هذين التوراة.

الأنبياء 21:49

ثم بيّن المتقين بوصفهم بقوله تعالى :﴿الذين يخشون﴾ أي : يخافون خوفاً عظيماً ﴿ربهم﴾ أي : المحسن إليهم بعد الإيجاد بالتربية وأنواع الإحسان ﴿بالغيب﴾ عن الناس أي : في الخلاء عنهم أو بالغيب قبل أن يكشف لهم الحجاب في الجنة ﴿وهم من الساعة﴾ التي توضع فيها الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم حامل على كل خير ومباعد عن كل ضير ﴿مشفقون﴾ أي : خائفون لأنهم لقيامها متحققون ولنصب الموازين فيها عالمون.

الأنبياء 21:50

ولما ذكر تعالى فرقان موسى عليه السلام وكان العرب يشاهدون تمسك اليهود به حثهم على كتابهم هو أشرف منه بقوله تعالى :﴿وهذا﴾ أي : القرآن وأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم ﴿ذكر﴾ أي : موعظة ﴿مبارك﴾ أي : كثير خيره ﴿أنزلناه﴾ على أشرف الرسل محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى :﴿أفأنتم له منكرون﴾ أي : جاحدون استفهام توبيخ.

الأنبياء 21:51

القصة الثانية : قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ولقد أتينا﴾ بما لنا من العظمة ﴿إبراهيم رشده﴾ أي : صلاحه وهداه ﴿من قبل﴾ أي : من قبل موسى وهارون ومحمد صلى الله وسلم عليهم وقيل : من قبل استنبائه أو بلوغه حيث قال : إني وجهّت وجهي ﴿وكنّا به﴾ ظاهراً وباطناً ﴿عالمين﴾ بأنه أهل لما آتيناه لأنه جبلة خير جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الأخلاق والخصال يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما طبعناه عليه، وفي ذلك إشارة إلى أنه فعله تعالى باختيار وحكمة وأنه عالم بالجزئيات.

الأنبياء 21:52

وتعليق ﴿إذ قال﴾ أي : إبراهيم ﴿لأبيه وقومه﴾ بعالمين إشارة إلى أن قوله لما كان بإذن منا ورضا لنا نصرناه وهو وحده على قومه كلهم، ولو لم يكن يرضينا لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه، ثم ذكر مقول القول في قوله : منكراً عليهم محقراً لأصنامهم ﴿ما هذه التماثيل﴾ أي : الصور التي صنعتموها مماثلين بها ما فيه روح الله جاعلين لها ما لا يكون إلا لمن لا مثل له وهي الأصنام ﴿التي أنتم لها﴾ أي : لأجلها وحدها مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل منها ﴿عاكفون﴾ أي : مقيمون على عبادتها فإن قيل : هلا قال عليها عاكفون، كقوله تعالى :﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ [ الأعراف، ١٣٨ ] أجيب : بأن اللام للاختصاص لا للتعدية، ولو قصد التعدية لعدّاه بصلته التي هي على.

الأنبياء 21:53

ثم إنه تعالى ذكر جوابهم له بما لزم الاستفهام عن السؤال بأنهم ﴿قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين﴾ فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك فانظر ما أقبح التقليد وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حتى استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم وهم معتقدون أنهم على شيء وجادّون في نصرة مذهبهم ومجادلون أهل الحق عن باطلهم وكفى أهل التقليد مسبة أن عبدة الأصنام منهم والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على حق.

الأنبياء 21:54

ولذا ﴿قال﴾ إبراهيم عليه السلام ﴿لقد كنتم﴾ وأكده بقوله :﴿أنتم﴾ لأجل صحة العطف لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء الفعل والعطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع ونحوه :﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [ البقرة، ٣٥ ]، ﴿وآباؤكم﴾ أي : من قبلكم ﴿في ضلال مبين﴾ فبين أن المقلدين والمقلدين جميعاً منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة لاستناد الفريقين إلى غير دليل بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع لاستبعادهم أن يكون ما هم عليه ضلالاً بقوا متعجبين من تضليله إياهم.

الأنبياء 21:55

فلذا ﴿قالوا﴾ ظناً منهم أنه لم يقل لهم ذلك على ظاهره ﴿أجئتنا﴾ في هذا الكلام ﴿بالحق﴾ الذي يطابقه الواقع ﴿أم أنت من اللاعبين﴾ أي : تقوله على وجه المزاح والملاعبة لا على وجه الجد.

الأنبياء 21:56

﴿قال﴾ عليه السلام بانياً على ما تقديره ليس كلامي لعباً بل هو جد وهذه التماثيل ليست أرباباً ﴿بل ربكم﴾ أي : الذي يستحق منكم اختصاصه بالعبادة ﴿رب السماوات والأرض﴾ أي : مدبرهنّ القائم بمصالحهنّ ﴿الذي فطرهنّ﴾ أي : خلقهنّ على غير مثال سبق وأنتم وتماثيلكم بما فيهما من مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا رجعتم إلى عقولكم مجرّدة عن الهوى وقيل : الضمير في فطرهنّ للتماثيل قال الزمخشري : وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم ﴿وأنا على ذلكم﴾ أي : الأمر البين من أنه ربكم وحده فلا تجوز عبادة غيره ﴿من الشاهدين﴾ أي : الذين يقدرون على إقامة الدليل على ما يشهدون به لم يشهدوا إلا على ما هو عندهم مثل الشمس لا كما فعلتم أنتم حين اضطرّكم السؤال إلى الضلال.

الأنبياء 21:57

ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق أتبعه البرهان على إبطال الباطل بقوله :﴿وتاللّه﴾ وهو قسم والأصل في القسم الباء الموحدة والواو بدل منها والتاء بدل من الواو وفيها مع كونها بدلاً زيادة على التأكيد التعجب ﴿لأكيدن أصنامهم﴾ أي : لأجتهدنّ في كسرها والتأكيد وما في التاء من التعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأنّ ذلك كان أمراً مقنوطاً منه لصعوبته وتعذره ولعمري إنّ مثله صعب متعذر في كل زمان خصوصاً في زمن نمروذ مع عتّوه واستكباره وقوّة سلطانه وتهالكه على نصرة دينه، ولكن : إذا الله سنى عقد شيء تيسراً *** ولما كان عزمه على إيقاع الكيد في جميع الزمان الذي يقع فيه توليهم في أي جزء تيسر له منه أسقط الجار فقال :﴿بعد أن تولّوا مدبرين﴾ أي : بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم قال مجاهد وقتادة : إنما قال إبراهيم هذا سراً من قومه ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد فأفشاه عليه وقال :﴿إنا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾، وقال السدّي : كان لهم في كل سنة مجمع عيد فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له : يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال : إني سقيم أشتكي برجلي فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس تالله لأكيدن أصنامكم فسمعوها منه ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهي في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه والأصنام بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة، وقالوا : إذا رجعنا وقد بركت الأصنام الآلهة عليه أكلنا منه فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء : ألا تأكلون ؟ فلما لم يجيبوه قال لهم مالكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً باليمين وجعل يكسرهن بفأس في يده حتى لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج، فذلك قوله عز وجل : فجعلهم جذاذاً }.

الأنبياء 21:58

﴿فجعلهم جذاذاً﴾ أي : فتاتاً وقرأ الكسائي بكسر الجيم والباقون بضمها ﴿إلا كبيراً لهم﴾ فإنه لم يكسره ووضع الفأس في عنقه وقيل ربطه بيده وكانت اثنين وسبعين صنماً بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد ورصاص وخشب وحجر وكان الصنم الكبير من الذهب مكللاً بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان ﴿لعلهم﴾ أي : هؤلاء الضلال ﴿إليه﴾ أي : إبراهيم ﴿يرجعون﴾ عند إلزامه بالسؤال فتقوم عليهم الحجة فلما عادوا إلى أصنامهم فوجدوها على تلك الحال.

الأنبياء 21:59

﴿قالوا من فعل هذا﴾ الفعل الفاحش ﴿بآلهتنا إنه لمن الظالمين﴾ حيث وضع الإهانة في غير موضعها فإنّ الآلهة حقها الإكرام لا الإهانة والانتقام.

الأنبياء 21:60

﴿قالوا﴾ أي : الذين سمعوا قول إبراهيم وتاالله لأكيدنّ أصنامكم ﴿سمعنا فتى﴾ أي : شاباً من الشباب ﴿يذكرهم﴾ أي : يعيبهم ويسبهم ﴿يقال له إبراهيم﴾ أي : هو الذي نظنّ أنه صنع هذا،

الأنبياء 21:61

فلما بلغ ذلك نمروذ الجبار وأشراف قومه. ﴿قالوا فأتوا به﴾ إلى بيت الأصنام ﴿على أعين الناس﴾ أي : جهرة والناس ينظرون إليه نظر الإخفاء معه حتى كأنه ماش على أبصارهم متمكن منها تمكن الراكب على المركوب ﴿لعلهم يشهدون﴾ عليه بأنه الذي فعل بالآلهة هذا الفعل كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، وقيل معناه : لعلهم يحضرون عذابه وما يصنع به،

الأنبياء 21:62

فلما أتوا به ﴿قالوا﴾ منكرين عليه ﴿أأنت فعلت هذا﴾ الفعل الفاحش ﴿بآلهتنا يا إبراهيم﴾. تنبيه : هنا همزتان مفتوحتان من كلمة فالقرّاء الجميع على تحقيق الأولى، وأمّا الثانية فيسهلها نافع وابن كثير وأبو عمرو، وهشام بخلاف عنه وأدخل بينهما ألفاً قالون وأبو عمرو والباقون بتحقيقهما وعدم الإدخال بينهما.

الأنبياء 21:63

ثم ﴿قال﴾ إبراهيم متهكماً بهم وملزماً بالحجة ﴿بل فعله كبيرهم﴾ غيرة أن يعبد معه من هو دونه وتقييده بقوله :﴿هذا﴾ إشارة إلى الذي تركه من غير كسر، ولما أخبرهم ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله وكانوا قد أحلوهم بعبادتهم ووضع الطعام لهم محل من يعقل تسبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال :﴿فاسألوهم﴾ أي : عن الفاعل ليخبروكم به وقوله :﴿إن كانوا ينطقون﴾ أي : على زعمكم أنهم آلهة يضرّون وينفعون فيه تقديم جواب الشرط أي : فإن قدروا على النطق أمكنت عنهم القدرة وإلا فلا، فأراهم عجزهم عن النطق وفي ضمنه أنا فعلت ذلك. روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله إني سقيم وقوله : بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة : هذه أختي »، وقال في حديث الشفاعة، ويذكر كذباته أي : إنه لم يتكلم بكلمات صورتها صورة الكذب وإن كان حقاً في الباطن إلا هذه الكلمات، وقيل في قوله : إن سقيم أي : سأسقم، وقيل سقيم القلب أي : مغتم بضلالتكم، وقوله لسارة هذه أختي أي : في الدين وقوله بل فعله كبيرهم هذا ؛ روي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل فعله ويقول : معناه بل فعله من فعله، وقوله : كبيرهم هذا مبتدأ وخبر قال البغوي : وهذه التأويلات لنفي الكذب، والأولى هو الأول للحديث فيه، ويجوز أن يكون الله تعالى قد أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم كما أذن ليوسف عليه السلام حتى نادى مناديه فقال :﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾ [ يوسف، ٧٠ ] ولم يكونوا سرقوا، وقال الرازي : الحديث محمول على المعاريض، فإن فيها مندوحة عن الكذب، أي : تسمية المعاريض كذباً لما أشبهت صورتها صورته، وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين وترك الهمزة، وكذا يفعل حمزة في الوقف والباقون بسكون السين وبعدها همزة مفتوحة، وقيل : الوقف على بل فعله، ثم يبتدئ بقوله : كبيرهم هذا.

الأنبياء 21:64

ولما اضطرّهم الدليل أن يحققوا أنهم على محض الباطل ﴿فرجعوا إلى أنفسهم﴾ بالتفكر ﴿فقالوا﴾ أي : بعضهم لبعض ﴿إنكم أنتم الظالمون﴾ لكونكم وضعتم العبادة في غير موضعها إلا إبراهيم، فإنه أصاب بإهانتها.

الأنبياء 21:65

﴿ثم نكسوا على رؤوسهم﴾ أي : انقلبوا غير مستحبين مما يلزمهم من الإقرار بالسفه إلى المجادلة له بعدما استقاموا بالمراجعة من قولهم نكس المريض إذا عاد إلى حاله الأول، شبّه عودهم إلى الباطل بصورة جعل أسفل الشيء مستعلياً على أعلاه، ثم إنهم قالوا في مجادلتهم عن شركائهم والله ﴿لقد علمت﴾ يا إبراهيم ﴿ما هؤلاء﴾ لا صحيحهم ولا جريحهم ﴿ينطقون﴾ أي : فكيف تأمرنا بسؤالهم ؟

الأنبياء 21:66

ولما تسبب عن قولهم هذا إقرارهم بأنهم لا فائدة فيهم اتجه لإبراهيم عليه السلام الحجة عليهم. ﴿قال﴾ منكراً عليهم موبخاً لهم ﴿أفتعبدون من دون الله﴾ أي : بدله ﴿ما لا ينفعكم شيئاً﴾ من رزق وغيره لترجوه ﴿ولا يضرّكم﴾ شيئاً إذا لم تعبدوه لتخافوه.

الأنبياء 21:67

﴿أفٍ﴾ أي : تباً وقبحاً ﴿لكم ولما تعبدون من دون الله﴾ أي : غيره، وقرأ نافع وحفص بتنوين الفاء مكسورة وابن كثير وابن عامر بفتح الفاء من غير تنوين والباقون بكسر الفاء من غير تنوين، ولما تسبب عن فعلهم هذا وضوح أنه لا يقربه عاقل، أنكر عليهم ووبخهم بقوله :﴿أفلا تعقلون﴾ قبح صنيعكم وأنتم شيوخ قد مرّت بكم الدهور وحنكتكم التجارب.

الأنبياء 21:68

ولما دحضت حجتهم وبان عجزهم، وظهر الحق واندفع الباطل ﴿قالوا﴾ عادلين إلى العناد، واستعمال القوّة الحسية ﴿حرّقوه﴾ بالنار لتكونوا قد فعلتم فيه فعلاً أعظم مما فعل بآلهتكم ﴿وانصروا آلهتكم﴾ التي جعلها جذاذاً ﴿إن كنتم فاعلين﴾ نصرتها قال ابن عمر : إنّ الذي قال هذا رجل من الأكراد قيل : اسمه هيتون، فخسف الله تعالى به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وقيل : قاله نمروذ بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام، وروي أنّ نمروذ وقومه حين هموا بإحراقه حبسوه في بيت، ثم بنوا عليه بيتاً كالحظيرة بقرية يقال لها كوثى، ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدّة شهر حتى كان الرجل يمرض، فيقول : لئن عوفيت لأجمعنّ حطباً لإبراهيم، وكانت المرأة تغزل وتشتري بغزلها الحطب احتساباً في دينها، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه، فلما جمعوا ما أرادوا وأشعلوا في كل ناحية من الحطب ناراً، فاشتعلت النار، واشتدت حتى كان الطير يمرّ بها، فيحترق من شدّة وهجها وحرّها، وأوقدوا عليه سبعة أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف يلقوه، فجاءهم إبليس عليه اللعنة، فعلّمهم عمل المنجنيق فعملوا ثم عمدوا إلى إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان ووضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً، فصاحت السماء والأرض، ومن فيهما من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة ربنا خليلك يلقى في النار وليس في أرضك من يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته، فقال عز وجل : إنه خليلي وليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع أحداً غيري فأنا أعلم به وأنا وليه، فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه، فقال : إن أردت أخمدت النار وأتاه خازن الرياح، فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم عليه السلام : لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل، وروي عن كعب الأحبار أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل، فقال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا، فقال جبريل : فاسأل ربك، فقال إبراهيم حسبي من سؤالي علمه بحالي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى :﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [ آل عمران، ١٧٣ ] قالها إبراهيم : حين ألقي في النار وقالها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس :﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ [ آل عمران، ١٧٣ ] ؛ قال كعب الأحبار جعل كل شيء يطفئ النار عنه إلا الوزغ، فإنه كان ينفخ في النار، وعن أمّ شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ، وقال :" كان ينفخ على إبراهيم ".

الأنبياء 21:69

ولما أراد الله تعالى الذي له القوّة جميعاً سلامته منها قال تعالى :﴿قلنا يا نار كوني﴾ بإرادتنا التي لا يتخلف عنها مراد ﴿برداً﴾ قال ابن عباس : لو لم يقل :﴿وسلاماً﴾ لمات إبراهيم من بردها، وفي الآثار أنه لم يبق يومئذٍ نار في الأرض إلا طفئت، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل تعالى :﴿على إبراهيم﴾ لبقيت ذات برد أبداً، والمعنى كوني ذات برد وسلام على إبراهيم، فبولغ في ذلك حتى كان ذاتها برد وسلام، والمراد : ابردي فيسلم منك إبراهيم أو ابردي برداً غير ضارّ، قال السدّي : فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا بعين ماء عذب وورد أحمر، ونرجس قال كعب : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه، قالوا : وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام قال المنهال ابن عمرو قال إبراهيم : ما كنت أياماً قط أنعم مني في الأيام التي كنت في النار، وقال ابن يسار وبعث الله تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه قال وبعث الله تعالى جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة وطنفسة، فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدّثه، وقال جبريل : يا إبراهيم إنّ ربك يقول : أما علمت أنّ النار لا تضر أحبابي، ثم نظر نمروذ وأشرف على النار من صرح له، فرآه جالساً في روضة والملك قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب فناداه يا إبراهيم بإلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى هل تستطيع أن تخرج منها ؟ قال : نعم، قال : هل تخشى إن قمت فيها أن تضرك قال : لا، قال : قم فاخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال له : من الرجل الذي رأيته معك في مثل صورتك قاعداً إلى جنبك قال : ذاك ملك الظل أرسله إليّ ربي ليؤنسني فيها، فقال نمروذ : إني مقرب إلى إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف بقرة قال : إذاً لا يقبل الله منك ما كنت على دينك حتى تفارقه إلى ديني، فقال : لا أستطيع ترك ملكي، ولكن أذبحها له فذبحها له نمروذ، ثم كف عن إبراهيم ومنعه الله تعالى منه وكان إبراهيم إذ ذاك ابن ست عشرة سنة واختاروا المعاقبة بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه، ولذلك جاء في الحديث :«لا يعذب بالنار إلا خالقها »، وقيل : إنّ الله تعالى نزع عنها طبعها الذي طبعها عليه من الحر والإحراق، وأبقاها على الإضاءة والإشراق والاشتعال كما كانت والله على كل شيء قدير، فدفع عن إبراهيم حرّها كما يدفع ذلك عن خزنة جهنم.

الأنبياء 21:70

﴿وأرادوا به كيداً﴾ أي : مكراً في إضراره بالنار، وبعد خروجه منها ﴿فجعلناهم﴾ أي : بما لنا من الجلال ﴿الأخسرين﴾ أي : أخسر من كل خاسر عاد سعيهم برهاناً قاطعاً على أنهم على الباطل، وإبراهيم على الحق، وموجباً لزيادة درجته واستحقاقهم أشدّ العذاب، وقد أرسل الله تعالى على نمروذ، وعلى قومه البعوض فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم ودخلت في دماغه بعوضة، فأهلكته. فائدة : وقع مثل هذه القصة لبعض أتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أبو مسلم الخولانيّ طلبه الأسود العنسي لما ادّعى النبوّة فقال له : اشهد أني رسول الله، قال : ما أسمع، قال : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم، فأمر بنار، فألقي فيها، ثم وجده قائماً يصلي فيها، وقد صارت عليه برداً وسلاماً، وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر رضي الله عنهم، وقال عمر : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله.

الأنبياء 21:71

﴿ونجيناه ولوطاً﴾ من نمروذ وقومه من أرض العراق ﴿إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾ وهي الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء قال أبيّ بن كعب بارك الله فيها وسماها مباركة ؛ لأن ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس أي : يهبط من السماء إلى الصخرة ثم يتفرّق في الأرض قاله أبو العالية، وعن قتادة أنّ عمر رضي الله تعالى عنه قال لكعب الأحبار ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره، فقال كعب : إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين إن الشام كنز الله في أرضه، وبها كنزه من عباده، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم " ؛ قال محمد بن إسحاق استجاب لإبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله عز وجل به من جعل النار عليه برداً وسلاماً على خوف من نمروذ وملئهم، وآمن به لوط، وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران بن تارح وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له ناحور بن تارح، وآمنت به أيضاً سارة وهي بنت عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عمّ إبراهيم، فخرج من كوثى وهي بضم الكاف ومثلثة قال ابن الأثير هي كوثن العراق وهي سرّة السواد، وبها ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، وخرج مهاجراً إلى ربه ومعه لوط وسارة كما قال تعالى :﴿فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي﴾ [ العنكبوت، ٢٦ ] فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران، فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي على مسيرة يوم وليلة من السبع فبعثه الله تعالى نبياً إلى أهلها وما قرب منها فذلك قوله تعالى :﴿ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾ أي : كما أنجيناك أنت يا أشرف الخلق ويا أفضل أولاده، وصديقك أبا بكر رضي الله تعالى عنه إلى طيبة التي شرفناها بك وبثثنا من أنوارها في أرجاء الأرض وأقطارها ما لم نبث مثله قط وباركنا فيها للعالمين بالخلفاء الراشدين وغيرهم من العلماء والصالحين الذين انبثت خيراتهم العملية والعلمية والمالية في جميع الأقطار.

الأنبياء 21:72

ولما ولد لإبراهيم عليه السلام في حال شيخوخته وعجز امرأته مع كونها عقيماً، وكان ذلك دالاً على الاقتدار على البعث الذي السياق كله له قال تعالى :﴿ووهبنا له﴾ دالاً على ذلك بنون العظمة ﴿إسحاق﴾ أي : من شبه العدم وترك شرح حاله لتقدّمه أي : فكان ذلك دليلاً على اقتدارنا على ما نريد لاسيما من إعادة الخلق في يوم الحساب، ثم إنه قد يظن أنه لتولده بين شيخٍ فانٍ وعجوز عقيم كان على حالة من الضعف لا يولد لمثله معها نفى ذلك بقوله تعالى :﴿ويعقوب نافلة﴾ أي : ولداً لإسحاق زيادة على ما دعا به إبراهيم عليهما السلام، ثم نمى سبحانه وتعالى أولاد يعقوب، وهو إسرائيل وذرّياتهم إلى أن ساموا النجوم عدّة وباروا الجبال شدّة ﴿وكلاً﴾ من هؤلاء الأربعة وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وعظم رتبتهم بقوله تعالى :﴿جعلنا صالحين﴾ أي : مهيئين لطاعتهم لله تعالى لكل ما يرونه أو يرادون له، أو يراد منهم.

الأنبياء 21:73

ثم لما ذكر أنه تعالى أعطاهم رتبة الصلاح في أنفسهم ذكر أنه تعالى أعطاهم رتبة لإصلاح لغيرهم، فقال تعالى معظماً لإمامتهم :﴿وجعلناهم أئمة﴾ أي : أعلاماً ومقاصد يقتدى بهم في الدين لما آتيناهم من العلم والنبوّة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية المكسورة بين الهمزة والياء، ويجوز إبدالها عندهم ياء خالصة ولا يدخلون بينهما شيئاً وقرأ هشام بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما بخلاف عنه في الإدخال وعدمه، والباقون بتحقيق الهمزتين من غير إدخال بلا خلاف ﴿يهدون﴾ أي : يدعون إلينا من وفقناه للهداية ﴿بأمرنا﴾ أي : بإذننا ﴿وأوحينا إليهم﴾ أيضاً ﴿فعل﴾ أي : أن يفعلوا ﴿الخيرات﴾ ليحثوهم عليها، فيتم كمالهم بانضمام العلم إلى العمل، قال البقاعي : ولعله تعالى عبّر بالفعل دلالة على أنهم امتثلوا كل ما يوحي إليهم، وقال الزمخشري : أصله أن تفعل الخيرات، ثم فعلا الخيرات، ثم فعل الخيرات، وكذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة انتهى. وقوله تعالى :﴿وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ من عطف الخاص على العام تعظيماً لشأنهما ؛ لأن الصلاة تقرب العبد إلى الحق تعالى، والزكاة إحسان إلى الخلق، قال الزجاج : الإضافة في الصلاة عوض عن تاء التأنيث يعني : فيكون من الغالب لا من القليل ﴿وكانوا لنا﴾ دائماً جبلة وطبيعة ﴿عابدين﴾ أي : موحدين مخلصين في العبادة ولذلك قدَّم الصلة.

الأنبياء 21:74

القصة الثالثة : قصة لوط عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ولوطاً﴾ أي : وآتينا لوطاً أو واذكر لوطاً، ثم استأنف قوله تعالى :﴿آتيناه حكماً﴾ أي : نبوّة وعملاً محكماً بالعلم، وقيل : فصلاً بين الخصوم ﴿وعلماً﴾ مزيناً بالعمل مما ينبغي علمه للأنبياء ﴿ونجيناه من القرية﴾ أي : قرية سدوم ﴿التي كانت﴾ قبل إنجائنا له منها ﴿تعمل﴾ أي : أهلها الأعمال ﴿الخبائث﴾ من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور والتضارط في أنديتهم وغير ذلك وإنما وصف القرية بصفة أهلها وأسندها إليها على حذف المضاف وأقامته مقامه ويدل عليه ﴿إنهم كانوا﴾ أي : بما جبلوا عليه ﴿قوم سوء﴾ أي : ذوي قدرة على الشرّ بانهماكهم في الأعمال السيئة ﴿فاسقين﴾ أي : خارجين من كل خير.

الأنبياء 21:75

﴿وأدخلناه﴾ دونهم ﴿في رحمتنا﴾ أي : في الأحوال السنية والأقوال العلية والأفعال الزكية التي هي سبب للرحمة العظمى ومسببة عنها ثم علل ذلك بقوله تعالى ﴿إنه من الصالحين﴾ أي : الذين سبقت لهم منا الحسنى أي : لما جبلناه عليه من الخير.

الأنبياء 21:76

القصة الرابعة : قصة نوح عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ونوحاً﴾ أي : واذكر نوحاً﴿إذ﴾ أي : حين ﴿نادى﴾ أي : دعا الله تعالى على قومه بالهلاك بقوله :﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾ [ نوح، ٢٦ ] ونحوه من الدعاء ﴿من قبل﴾ أي : من قبل لوط ومن تقدّمه ﴿فاستجبنا﴾ أي : أردنا الإجابة وأوجدناها بعظمتنا ﴿له﴾ في ذلك النداء، ثم تسبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فنجيناه وأهله﴾ أي : الذين دام ثباتهم على الإيمان وهم من كان معه في السفينة ﴿من الكرب العظيم﴾ أي : من أذى قومه ومن الغرق والكرب الغمّ الشديد قاله السدّي وقال أبو حيان الكرب أقصى الغمّ والأخذ بالنفس وهو هنا الغرق عبّر عنه بأوّل أحوال مأخذ الغريق.

الأنبياء 21:77

﴿ونصرناه﴾ أي : منعناه ﴿من القوم﴾ أي : المتصفين بالقوّة ﴿الذين كذبوا بآياتنا﴾ من أن يصلوا إليه بسوء، وقيل : من بمعنى على ﴿أنهم كانوا قوم سوء﴾ أي : لا عمل لهم إلا ما يسوء ﴿فأغرقناهم أجمعين﴾ لاجتماع الأمرين تكذيب الحق والانهماك في الشر لم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله تعالى.

الأنبياء 21:78

القصة الخامسة : قصة داود وسليمان عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وداود وسليمان﴾ ابنه أي : اذكرهما واذكر شأنهما ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿يحكمان في الحرث﴾ الذي أنبت الزرع وهو من إطلاق اسم السبب على المسبب كالسماء على المطر والنبت، قال ابن عباس : وأكثر المفسرين كان ذلك كرماً قد تدلت عناقيده، وقال قتادة : كان زرعاً قال ابن الخازن وهو أشبه للعرف ﴿إذ نفشت﴾ أي : انتشرت ليلاً بغير راع ﴿فيه غنم القوم﴾ فرعته، قال قتادة : النفش في الليل والعمل في النهار ﴿وكنا لحكمهم﴾ أي : الحكمين والمتحاكمين إليهما ﴿شاهدين﴾ أي : كان ذلك بعلمنا ومرأى منّا لا يخفى علينا علمه، وقال الفرّاء : جمع الاثنين فقال لحكمهم ويريد داود وسليمان ؛ لأن الاثنين جمع وهو مثل قوله تعالى :﴿فإن كان له أخوة فلأمه السدس﴾ [ النساء، ١١ ] وهو يريد أخوين، قال ابن عباس وقتادة وذلك أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع : إنّ هذا انفلتت غنمه ليلاً، فوقعت في حرثي، فأفسدته، فلم تبق منه شيئاً، فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث فخرجا فمرّا على سليمان عليه السلام فقال : كيف قضى بينكما، فأخبراه، فقال سليمان وهو ابن إحدى عشر سنة : لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا، وروي أنه قال : غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال : كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوّة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال : ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرّها ونسلها وصوفها، ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود : القضاء ما قضيت. كما قال تعالى :﴿ففهمناها﴾.

الأنبياء 21:79

﴿ففهمناها﴾ أي : الحكومة ﴿سليمان﴾ أي : علمناه القضية وألهمناها له. تنبيه : يجوز أن تكون حكومتهما بوحي إلا أنّ حكومة داود نسخت بحكومة سليمان، ويجوز أن تكون باجتهاد إلا أن اجتهاد سليمان أشبه بالصواب فإن قيل : ما وجه كل واحدة من الحكومتين ؟ أجيب : بأنّ وجه حكومة داود أنّ الضرر وقع بالغنم فسلمت بجنايتها إلى المجني عليه. كما قال أبو حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي يبيعه في ذلك، أو يفديه، ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث. ووجه حكومة سليمان : أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، مثاله ما قال أصحاب الشافعي فيمن غصب عبداً وأبق من يده أنه يضمن بالقيمة، فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر ترادَّا. فإن قيل : لو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها ؟ أجيب : بأن أبا حنيفة وأصحابه لا يرون فيها ضماناً بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد لقوله صلى الله عليه وسلم «جرح العجماء جبار »، أي : هدر رواه الشيخان وغيرهما، والشافعي وأصحابه يوجبون الضمان بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلاً، ولذلك قضى النبيّ صلى الله عليه وسلم لما دخلت ناقة البراء حائطاً وأفسدته، فقال على :«أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل »، ولما كان ذلك ربما أوهم شيئاً في أمر داود، نفاه بقوله تعالى :﴿وكلاً﴾ أي : منهما ﴿آتينا حكماً﴾ أي : نبوّة وعملاً مؤسساً على حكمة العلم ﴿وعلماً﴾ مؤيداً بصالح العمل، وعن الحسن لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان عليه السلام لصوابه، وعلى داود باجتهاده انتهى، وهذا على الرأي الثاني، وعليه أكثر المفسرين، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر »، وهل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد لا بعينه ؟ رأيان أظهرهما الثاني، وإن كان مخالفاً لمفهوم الآية إذ لو كان كل مجتهد مصيباً لم يكن للتقسيم في الحديث معنى وقوله صلى الله عليه وسلم : وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق ؛ لأنّ اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع. فائدة : من أحكام داود وسليمان عليهما السلام ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«كانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها : إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان، فأخبرتاه، فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى » أخرجاه في الصحيحين. ثم إنه تعالى ذكر لداود وسليمان بعض معجزات، فمن بعض معجزات الأوّل ما ذكره بقوله تعالى :﴿وسخرنا مع داود الجبال﴾ مع صلابتها وعظمها ﴿يسبحن﴾ معه أي : يقدّسن الله تعالى، ولو شئنا لجعلنا الحرث والغنم تكلمه بصواب الحكم، وقال ابن عباس : كان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وقوله تعالى :﴿والطير﴾ عطف على الجبال أو مفعول معه، وقال : وهب كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذا الطير، وقال قتادة : يسبحن أي : يصلين معه إذا صلى، وقيل : كان داود إذا فتر يسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه، وقيل : يسبحن بلسان الحال، وقيل : يسبح من رآها تسير معه بتسيير الله تعالى، فلما جبلت على التسبيح وصفت به ﴿وكنا غافلين﴾ أي : من شأننا الفعل لأمثال هذه الأفاعيل، ولكل شيء نريده، فلا تستكثروا علينا أمراً، وإن كان عندكم عجباً، وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة. كان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه أبنيته، وأمّا النبيّ صلى الله عليه وسلم فكان الطعام يسبح بحضرته والحصى وغيره.

الأنبياء 21:80

﴿وعلمناه صنعة لبوس﴾ أي : صنعة الدروع التي تلبس في الحرب ؛ قال قتادة : أوّل من صنع هذه الدروع وسردها واتخذها حلقاً داود، وكانت من قبل صفائح، وقد ألان الله تعالى لداود الحديد فكان يعمل منه بغير نار كأنه طين ؛ قال البغوي : وهو أي : اللبوس في اللغة : اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب، وقوله تعالى :﴿لكم﴾ متعلق بعلم أو صفة للبوس، وقوله تعالى :﴿لتحصنكم من بأسكم﴾ بدل منه بدل اشتمال بإعادة الجار ومرجع الضمير يختلف باختلاف القراءات، فقرأ شعبة بالنون فالضمير لله تعالى، وقرأ ابن عامر وحفص بالتاء على التأنيث، فالضمير للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع، وقرأ الباقون بالياء التحتية، فالضمير لداود أو للبوس، وقوله تعالى :﴿فهل أنتم شاكرون﴾ أي : لنا على ذلك أمر أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة أو التقريع.

الأنبياء 21:81

ومن بعض معجزات الثاني ما ذكره بقوله :﴿ولسليمان﴾ أي : وسخر لسليمان ﴿الريح﴾ قال البغوي : وهو هواء يتحرّك وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه، ويظهر للحس بحركته والريح تذكر وتؤنث ﴿عاصفة﴾ أي : شديدة الهبوب فإن قيل : قد قال تعالى في موضع آخر تجري بأمره رخاء، والرخاء اللين ؟ أجيب : بأنها كانت تحت أمره إن أراد أن تشتدّ اشتدّت، وإن أراد أن تلين لانت، وقيل : كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرّت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال تعالى :﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ [ سبأ، ١٢ ] وقوله تعالى :﴿تجري بأمره﴾ أي : بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأوّل أو حال من ضميرها ﴿إلى الأرض التي باركنا فيها﴾ أي : الشام، وذلك أنها كانت تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان، ثم يعود إلى منزله بالشام. قال وهب بن منبه : كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام إليه الجنّ والإنس حتى يجلس على سريره، وكان امرأً غزاء قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، فكان إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمرت به شهراً في روحته، وشهراً في غدوته إلى حيث أراد، وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء بالمزرعة، فما تحركها ولا تثير تراباً، ولا تؤذي طائراً. وقال مقاتل : نسجت الشياطين لسليمان بساطاً فرسخاً في فرسخ ذهباً في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسطه البساط، فيقعد عليه وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة تقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح، ومن الرواح إلى الغروب. وقال سعيد بن جبير : كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي تجلس الإنس ما يليه، ثم تليهم الجنّ، ثم تظلهم الطير، ثم تحملهم الريح، وقال الحسن لما شغلت الخيل نبيّ الله سليمان حتى فاتته صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل، فأبدله الله مكانها خيراً منها، وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف يشاء، فكان يغدو من إيلياء فيقيل بإصطخر، ثم يروح منها، فيكون رواحها ببابل. وقال ابن زيد : كان له مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت تركب معه فيه الجنّ والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك الركن، فإذا ارتفعت أتت الريح الرخاء، فسارت به وبهم يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر، ولا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش ﴿وكنا﴾ أي : أزلاً وأبداً بإحاطة العظمة ﴿بكل شيء﴾ أي : من هذا وغيره من أمره وغيره ﴿عالمين﴾ ومن علمنا أنّ ذلك لا يزيدهم إلا تواضعاً، وكما سخرنا الريح له سخرناها للنبيّ صلى الله عليه وسلم ليالي الأحزاب قال حذيفة رضي الله عنه حتى كانت تقذفهم بالحجارة ما تجاوز عسكرهم، فهزمهم الله تعالى بها، وردّوا بغيظهم لم ينالوا خيراً وأعطي صلى الله عليه وسلم أعمّ مما أعطي جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقد أعطي صلى الله عليه وسلم التصرف في العالم العلوي الذي جعل الله تعالى منه الفيض على العالم السفلي بالاحتراق لطباقه بالإسراء تارة وبإمساك المطر لما دعا بسبع كسبع يوسف عليه السلام وبإرساله أخرى كما في أحاديث كثيرة، وأتى مع ذلك بمفاتيح خزائن الأرض كلها، فردّها صلى الله عليه وسلم.

الأنبياء 21:82

﴿ومن﴾ أي : وسخرنا لسليمان من ﴿الشياطين﴾ الذين هم أكثر شيء تمرداً وعتواً ﴿من يغوصون له﴾ أي : يدخلون في البحر، فيخرجون منه الجواهر وغيرها من المنافع وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها لتقبل الغوص في الماء معجزة في معجزة، وقد خنق نبينا صلى الله عليه وسلم العفريت الذي جاءه بشهاب من نار، وأسر جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم عفاريت أتوا إلى تمر الصدقة، وأمكنهم الله تعالى منهم ﴿ويعملون عملاً دون ذلك﴾ أي : سوى الغوص كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى :﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل﴾ [ سبأ، ١٣ ] الآية ﴿وكنا لهم حافظين﴾ أي : حتى لا يخرجوا عن أمره، وقال الزجاج : معناه : حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان من عادة الشياطين إذا عملوا عملاً بالنهار، وفرغوا منه قبل الليل أفسدوه وخربوه، وفي القصة أن سليمان كان إذا بعث شيطاناً مع إنسان ليعمل له عملاً قال له : إذا فرغ من عمله قبل الليل فأشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل ويخربه.

الأنبياء 21:83

القصة السادسة : قصة أيوب عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وأيوب﴾ أي : واذكر أيوب ويبدل منه ﴿إذ نادى ربه﴾ قال وهب بن منبه : كان أيوب عليه السلام رجلاً من الروم وهو أيوب بن أموص بن رزاح بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمّه من ولد لوط بن هاران، وكان الله تعالى قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا. وكانت له الثنية من أرض البلقاء من أعمال حوران من أرض الشام كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم، والخيل والحمير ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدّة والكثرة. وكان له خمسمائة فدّان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وعبد وولد ومال، ويحمل آلة كل فدّان أتان لكل أتان من الولد اثنان أو ثلاث أو أربع أو خمس وفوق ذلك. وكان الله تعالى قد أعطاه أهلاً وولداً من رجال ونساء، وكان برّاً تقياً رحيماً بالمساكين يطعمهم ويكفل الأيتام والأرامل، ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكراً لأنعم الله مؤدياً لحق الله تعالى قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرّة والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا. وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وصدقوه رجل من اليمن يقال له اليفن، ورجلان من بلده يقال لأحدهما بلدد، والآخر صابر، وكانوا كهولاً، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السماوات، وكان يقف فيهنّ حيثما أراد حتى رفع الله تعالى عيسى عليه السلام، فحجب من أربع، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم عن السماوات كلها إلا من استرق السمع، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب عليه السلام، وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه، فأدركه البغي والحسد، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه، فقال : إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب، فوجدته عبداً أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك، ولخرج من طاعتك ؛ قال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ماله، فانقض عدو الله إبليس حتى وقع على الأرض، ثم جمع عفاريت الجنّ ومردة الشياطين وقال لهم : ماذا عندكم من القوّة، فإني قد سلطت على مال أيوب وهي المصيبة الفادحة، والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الشياطين : أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار، وأحرقت كل شيء آتى عليه ؛ قال إبليس : فأت الإبل ورعاتها، فأتى الإبل، وقد وضعت رؤوسها ورعت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها أحد إلا احترق، فأحرق الإبل ورعاتها حتى أتى على آخرها. ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قبيحة على قعود إلى أيوب، فوجده قائماً يصلي فقال : يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك، فأحرقتها ومن فيها غيري، فقال أيوب : الحمد لله الذي أعطانيها، وهو أخذها وإنها مال الله أعارنيها، وهو أولى بها إذا شاء تركها، وإذا شاء نزعها، وقديماً كنت وطنت نفسي ومالي على الفناء ؛ قال إبليس : فإن الله ربك أرسل عليها ناراً من السماء، فاحترقت، فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها ؛ منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان أيوب إلا في غرور، ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئاً لمنع وليه، ومنهم من يقول : بل هو الذي فعل ليشمت به عدوّه ويفجع صديقه، فقال أيوب : الحمد لله حين أعطاني، وحين نزع مني عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً أعود في التراب، وعرياناً أحشر إلى الله عز وجل ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعطاك الله وتجزع حين قبض الله على عاريته الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله تعالى فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الأرواح، وصرت شهيداً، ولكنه علم منك شرّاً، فأخرجك فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً ذليلاً، فقال لهم : ماذا عندكم من القوّة فإني لم أكلم قلبه ؟ قال عفريت : عندي من القوّة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت روحه ؛ قال إبليس : فأت الغنم ورعاتها، فانطلق حتى توسطها، ثم صاح صيحة فتجثمت أمواتاً من عند آخرها، وماتت رعاتها. ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي فقال له مثل القول الأول، فردّ عليه أيوب مثل الردّ الأوّل، ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال : ماذا عندكم من القوّة، فإني لم أكلم قلب أيوب، فقال عفريت : عندي من القوّة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفاً تنسف كل شيء تأتي عليه، قال : فأتِ الفدادين والحرث، فانطلق حين شرع الفدادون في الحرث والزرع، فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن. ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمان الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل قوله الأوّل، فردّ عليه أيوب مثل ردّه الأوّل، وجعل إبليس يهلك أمواله مالاً مالاً حتى مرّ على آخره كلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله تعالى، وأحسن الثناء عليه ورضي عنه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر على البلاء حتى لم يبق له مال، فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعاً حتى وقف في الموقف الذي يقف فيه وقال : إلهي إنّ أيوب يرى أنك ما متعته بولده، فأنت تعطيه المال، فهل أنت مسلطي على ولده، فإنها المصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال. قال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده، فانقض عدوّ الله إبليس حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم، فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده وجعل جدره يضرب بعضها بعضاً، ويرميهم بالخشب والحجارة حتى مثل بهم كل مثلة ورفع القصر فقلبه، فصاروا منكبين وانطلق إلى أيوب متمثلاً بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه، فأخبره وقال : لو رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا فكانوا منكبين على رؤوسهم تسيل دماؤهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك، فلم يزل يقول : هذا أو نحوه حتى رق قلب أيوب وبكى، وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه وقال : ليت أمّي لم تلدني، فاغتنم إبليس ذلك، فصعد سريعاً بالذي كان من جزع أيوب مسروراً به، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، فصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته، فسبقت توبته إلى الله عزّ وجلّ، وهو أعلم، فوقف إبليس خاسئاً ذليلاً. وقال : إلهي إنما هوّن على أيوب المال والولد إنه يرى أنك ما متعته بنفسه، فإنك تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده، فقال الله عزّ وجلّ : انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله، وكان الله عز وجل أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة لأيوب ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعالمين في كل بلاء نزل بهم ليتأسوا به في الصبر ورجاء الثواب، فانقض عدوّ الله سريعاً فوجد أيوب في مصلاه ساجداً، فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها سائر جسده، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكة، فحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة، فلم يزل يحكها حتى بقل لحمه، وتقطع وتغير وأنتن، وأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشاً فرفضه خلق الله كلهم غير امرأته، وهي رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، فكانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، ولما رأى الثلاثة من أصحابه وهم اليفن وبلدد وصابر ما ابتلاه الله تعالى به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه، فبكتوه ولاموه، وقالوا له : تب إلى الله تعالى من الذنب الذي عوقبت عليه، قال وحضره معهم فتى حديث السنّ قد آمن به وصدّقه فقال لهم : إنكم تكلمتم أيها الكهول، وأنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم، ولكنكم تركتم من القول أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم ؛ ألم تعلموا أنه أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض إلى يومكم هذا، ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله على أنه قد سخط شيئاً من أمره منذ ما آتاه الله ما آتاه إلى يومكم هذا ولا أنه نزع شيئاً منه من الكرامة التي أكرمه بها، ولا أنّ أيوب قال على الله غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى يبتلي المؤمنين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وليس بلاؤه لأولئك على سخطه عليهم، ولا لهوانه لهم، ولكنها كرامة وخبرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ آخيتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحكيم أن يعذل أخاه عند البلاء ولا يعيره بالمصيبة، ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ويبكي معه، ويستغفر له، ويحزن لحزنه ويدله على أرشد أمره، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول، فقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم، ويكسر قلوبكم، ألم تعلموا أنّ لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عيّ، ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون بالله، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم، واقشعرّت جلودهم، وانكسرت قلوبهم، وطاشت عقولهم إعظاماً لله وإجلالاً له، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية يعدّون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأبرار براء، ومع المقصرين المفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء. فقال أيوب : إنّ الله سبحانه وتعالى يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى ثبتت في القلب يظهرها الله تعالى على اللسان، وليست تكون الحكمة من قبل السن والشيبة، ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيماً في الصبا لم تسقط منزلته عند الحكماء، وهم يرون عليه من الله تعالى نور الكرامة، ثم أعرض عنهم أيوب عليه السلام يعني الثلاثة وقال : أتيتموني غضاباً رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم قبل أن تضربوا، فكيف بي لو قلت تصدقوا عليَّ بأموالكم لعل الله أن يخلصني، أو قربوا قرباناً لعل الله أن يتقبله ويرضى عني، وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم، وظننتم أنكم عوضتم بإحسانكم، ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم، ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوباً قد سترها الله تعالى بالعافية التي ألبسكم، وقد كنتم فيما خلا توقرونني وأنا مسموع كلامي معروف حقي منتصف من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام، وأنتم كنتم أشد عليّ من مصيبتي، ثم أعرض عنهم أيوب وأقبل على ربه مستعيناً به مستغفراً متضرّعاً إليه. فقال : يا رب لأيّ شيء خلقتني ليتني إذ كرهتني لم تخلقني يا ليتني عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت، فصرفت وجهك الكريم عني لو كنت أمتني، فألحقتني بآبائي، فالموت كان أجمل بي ؛ ألم أكن للغريب داراً ولل

الأنبياء 21:84

﴿فاستجبنا له﴾ والجزع إنما هو الشكوى إلى الخلق، وأما الشكوى إلى الله تعالى، فلا يكون جزعاً، ولا ترك صبر، كما قال يعقوب عليه السلام :﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [ يوسف، ٨٦ ] وقال سفيان بن عيينة من أظهر الشكوى إلى الناس وهو راض بقضاء الله تعالى لا يكون ذلك جزعاً، كما روي «أن جبريل عليه السلام دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كيف تجدك، قال :" أجدني مغموماً أجدني مكروباً "، وقال صلى الله عليه وسلم :«لعائشة رضي الله تعالى عنها حين قالت : وارأساه، بل أنا وارأساه » وروي أن امرأة أيوب قالت له يوماً : لو دعوت الله فقال لها : كم كانت مدّة الرخاء، فقالت : ثمانين سنة، فقال : أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدّة بلائي مدّة رخائي، ثم تسبب عن الإجابة قوله تعالى :﴿فكشفنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿ما به من ضرّ﴾ بأن أمرناه أن يركض برجله فتنبع له عين من ماء كما قال تعالى :﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ [ ص، ٤٢ ] فركض برجله، فانفجرت له عين ماء فدخل فيها فاغتسل، فأذهب الله تعالى كل ما كان به من البلاء بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة، فأمره أن يضرب برجله الأرض مرّة أخرى، ففعل، فنبع عين ماء بارد، فأمره فشرب منها فذهب كل داء كان بباطنه، فصار كأصح ما يكون من الرجال وأجملهم، فأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه، فلم تجده، فقامت كالوالهة، ثم جاءت إليه وهي لا تعرفه، فقالت : يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا ؟ قال : نعم وما لي لا أعرفه، فتبسم وقال : أنا هو، فعرفته بضحكه، فاعتنقته قال ابن عباس : فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى ردّ لهما كل ما كان لهما كما قال تعالى :﴿وآتيناه أهله﴾ أي : أولاده الذكور والإناث بأن أحيوا له وكل من الصنفين ثلاث أو سبع ﴿ومثلهم معهم﴾ أي : من زوجته رحمة، وزيد في شبابها هذا ما دل عليه أكثر المفسرين، وقيل : آتاه الله تعالى المثل من نسل ماله وولده الذي رده إليه، أي : فولد له من ولده نوافل، وقال : وهب كان له سبع بنات، وثلاثة بنين، وروى الضحاك عن ابن عباس رد إلى امرأته شبابها، فولدت له ستة وعشرين ذكراً، وقال قوم : آتى الله تعالى أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا، فأمّا الذين هلكوا فإنهم لم يردّوا عليه في الدنيا، وقال عكرمة : قيل لأيوب : إنّ أهلك لك في الآخرة، وإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا، فعلى هذا يكون معنى الآية : وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا، فقال : يكونون لي في الآخرة، وأوتي مثلهم في الدنيا، وروي عن أنس يرفعه «كان لأيوب أندران ؛ أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله تعالى سحابتين، فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض » وروي أن الله تعالى بعث إليه ملكاً فقال : إن ربك يقرئك السلام بصبرك فاخرج إلى أندرك فخرج إليه فأرسل عليه جراداً من ذهب قيل : إنه لما اغتسل وخرج الدود منه جعل الله تعالى لها أجنحة، فطارت فجعلها الله تعالى جراداً من ذهب، وأمطرت عليه، فطارت واحدة فاتبعها وردّها إلى أندره، فقال له الملك : أما يكفيك ما في أندرك، فقال : هذا بركة من بركات ربي، ولا أشبع من بركته، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«بينما أيوب يغتسل عرياناً خرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه : يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال : بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك »، وقوله تعالى :﴿رحمة﴾ مفعول له : أي : نعمة عظيمة وفخمها بقوله تعالى :﴿من عندنا﴾ بحيث لا يشك من ينظر ذلك أنا ما فعلناه إلا رحمة منا له، وإنّ غيرنا لا يقدر على ذلك ﴿وذكرى﴾ أي : عظمة عظيمة ﴿للعابدين﴾ أي : كلهم ليتأسوا به، فيصبروا إذا ابتلوا ولا يظنوا أنّ ذلك إنما نزل بهم لهوانهم، ويشكروا فيثابوا كما أثيب، وقيل : لرحمتنا العابدين فإنا نذكرهم بالإحسان ولا ننساهم.

الأنبياء 21:85

القصة السابعة : قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل المذكورة في قوله تعالى :﴿وإسماعيل﴾ أي : واذكر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام الذي سخرنا له من الماء بواسطة الروح الأمين ما عاش به صغيراً بعدما كان هالكاً لا محالة، ثم جعلناه طعام طعم وشفاء سقم دائماً وصناه وهو كبير من الذبح حين رأى أبوه في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء وحي، ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [ الصافات، ١٠٧ ] ﴿و﴾ اذكر ﴿إدريس﴾ أي : ابن شيث بن آدم عليهم السلام الذي أحييناه بعد موته ورفعناه مكاناً عليا وهو أوّل نبيّ بعث من بني آدم عليهم السلام وتقدّمت قصته في سورة مريم ﴿و﴾ اذكر ﴿ذا الكفل﴾ سمي بذلك قال عطاء : لأن نبياً من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله تعالى إليه أني أريد أن أقبض روحك، فاعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر ويصوم بالنهار لا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب فادفع ملكك إليه، ففعل ذلك، فقام شاب فقال : أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى به، فشكر الله له، ونبأه فسمي ذا الكفل، وقال مجاهد لما كبر إليسع قال : لو أني استخلفت رجلاً من الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل قال : فجمع الناس، فقال : من يقبل مني ثلاثاً أستخلفه يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب، فقام رجل فقال : أنا، فاستخلفه، فأتاه إبليس في صورة شيخ ضعيف حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة، فدق الباب فقال : من هذا ؟ فقال : شيخ كبير مظلوم، فقام ففتح الباب فقال : إنّ بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا ما فعلوا، وجعل يطوّل حتى ذهبت القائلة، فقال : إذا رحت فأتني فإني آخذ حقك، فانطلق وراح فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره فقام يتبعه فلم يجده، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينظره، فلم يره. فلما رجع إلى القائلة، وأخذ مضجعه أتاه، فدق الباب، فقال من أنت ؟ فقال : الشيخ المظلوم، ففتح له وقال : ألم أقل لك إذا قعدت فأتني، فقال : إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا : نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني قال : فانطلق فإذا جلست فأتني وفاتته القائلة، فلما جلس جعل ينظر فلا يراه، وشق عليه النعاس فلما كان اليوم الثالث قال لبعض أهله : لا تدعوا هذا الرجل يقرب من هذا الباب حتى أنام، فإنه قد شق عليّ النعاس، فلما كانت تلك الساعة جاء، فلم يأذن له الرجل فلما أعياه نظر، فرأى كوّة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت يدق عليه الباب من داخل فاستيقظ فقال : يا فلان ألم آمرك قال : أما من قبلي فلم تؤت فانظر من أين أتيت فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا بالرجل معه في البيت، فقال : أتنام والخصوم ببابك، فقال : أعدوّ الله قال : نعم أعييتني ففعلت ما ترى لأغضبك، فعصمك الله تعالى، فسمي ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به، وقيل إن إبليس جاءه وقال : إن لي غريماً يظلمني، فأحب أن تقوم معي وتستوفي حقي منه، فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب وروي أنه اعتذر إليه وقال صاحبي هرب وقيل : إن ذا الكفل رجل كفل أن يصلي كل ليلة مائة ركعة إلى أن يقبضه الله تعالى، فوفى به واختلفوا في أنه هل كان نبياً ؟ فقال الحسن : كان نبياً، وعن ابن عباس أنه إلياس، وقيل : هو زكريا، وقيل : هو يوشع بن نون، وقال أبو موسى : لم يكن نبياً، ولكن كان عبداً صالحاً، ولما قرن الله تعالى بين هؤلاء الثلاثة استأنف مدحهم بقوله تعالى ﴿كلٌ﴾ أي : كل واحد منهم ﴿من الصابرين﴾ على ما ابتليناه به فآتيناهم ثواب الصابرين.

الأنبياء 21:86

﴿وأدخلناهم في رحمتنا﴾ أي : فعلنا بهم من الإحسان ما يفعله الراحم بمن يرحمه على وجه عمهم من جميع جهاتهم، فكان ظرفاً لهم، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إنهم من الصالحين﴾ أي : لكل ما يرضاه تعالى منهم يعني أنهم جبلوا جبلة خير، فعملوا على مقتضى ذلك فكانوا من الكاملين في الصلاح وهم الأنبياء لأنّ صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.

الأنبياء 21:87

القصة الثامنة : قصة يونس عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وذا النون﴾ أي : واذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى ويبدل منه ﴿إذ ذهب مغاضباً﴾ واختلفوا في معنى ذلك، فقال الضحاك : مغاضباً لقومه، وهو رواية العوفي وغيره عن ابن عباس قال : كان قوم يونس يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك فسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله تعالى إلى شعيب النبيّ عليه السلام أن سر إلى حزقيل الملك وقل له يوجه نبياً قوياً إلى هؤلاء فإني ألقي في قلوبهم الرعب حتى يرسلوا معه بني إسرائيل فقال له الملك فمن ترى ؟ وكان في مملكته خمسة أنبياء فقال يونس : فإنه قويّ أمين، فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج فقال يونس : هل أمرك الله بإخراجي قال : لا قال : فهل سماني لك، قال : لا، قال : فهاهنا أنبياء غيري أقوياء فألحوا عليه، فخرج من بينهم مغاضباً للنبيّ والملك ولقومه، فأتى بحر الروم فركبه، وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وجماعة ذهب عن قومه مغاضباً لربه إذا كشف عن قومه العذاب بعد ما وعدهم به وكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي رفع به العذاب عنهم، و كان غضبه أنفة من ظهور خلف وعده وأن يسمى كذاباً لا كراهية الحكم لله تعالى. وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أن يقتلوا من جرب عليه الكذب، فخشي أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب للميعاد، فغضب والمغاضبة هاهنا من المفاعلة التي تكون من واحد كالمنافرة والمعاقبة، فمعنى قوله مغاضباً أي : غضباناً. وقال الحسن : إنما غاضب ربه من أجل أنه أمره بالمسير إلى قوم لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليذهب، فقيل له : إن الأمر أسرع من ذلك حتى سأله أن ينظره إلى أن يأخذ نعلاً يلبسها، فلم ينظره، وكان في خلقه ضيق، فذهب مغاضباً، وعن ابن عباس قال : أتى جبريل يونس فقال : انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم، قال التمس دابة قال : الأمر أعجل من ذلك، فغضب فانطلق إلى السفينة وقال وهب : إنّ يونس كان عبداً صالحاً، وكان في خلقه ضيق، فلما حمل عليه أثقال النبوّة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها بين يديه وخرج هارباً، فلذلك أخرجه الله تعالى من أولي العزم، فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ [ الأحقاف، ٣٥ ]، وقال :﴿ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم﴾ [ القلم، ٤٨ ] ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ أي : لن نقضي عليه بالعقوبة قاله مجاهد وقتادة والضحاك، وقال عطاء وكثير من العلماء معناه، فظن أن لن نضيق عليه الحبس من قوله تعالى :﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ [ الرعد، ٢٦ ] وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك، قال : وما هي يا معاوية ؟ فقرأ هذه الآية فقال : أو يظن نبيّ الله أن لن يقدر عليه، قال هذا من القدر الذي معناه الضيق لا من القدرة، وقال ابن زيد : هو استفهام معناه أفظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه ﴿فنادى﴾ أي : فاقتضت حكمتنا أن عاتبناه حتى يستسلم، فألقى نفسه في البحر، فالتقمه الحوت، فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة، وقال عطاء : سبعة أيام. وقيل : إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة، وقيل : بلغ به تخوم الأرض السابعة، ومنعناه أن يكون له طعاماً، فنادى ﴿في الظلمات﴾ ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت وقيل : في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى :﴿ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات﴾ [ البقرة، ١٧ ] وقوله :﴿يخرجهم من النور إلى الظلمات﴾ [ البقرة، ٢٥٧ ]، وقيل : ابتلع حوته حوت أكبر منه فجعل في ظلمتي بطن الحوتين، وظلمة البحر ﴿أن لا إله إلا أنت﴾ ولما نزهه عن الشريك عمم فقال تعالى :﴿سبحانك﴾ أي : تنزهت عن كل نقص فلا يقدر على الإنجاء مما أنا فيه إلا أنت، ثم أفصح بطلب الخلاص بقوله ناسباً إلى نفسه من النقص ما نزه الله عن مثله ﴿إني كنت من الظالمين﴾ أي : في خروجي من بين قومي قبل الإذن فاعف عني كما هي سيرة القادرين. روي عن أبي هريرة مرفوعاً «أوحى الله تعالى إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حساً فقال في نفسه : ما هذا، فأوحى الله تعالى إليه أنّ هذا تسبيح دواب البحر ؛ قال : فسبح هو في بطن الحوت فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا : يا ربنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة، وفي رواية صوتاً معروفاً من مكان مجهول، فقال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، فقالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم فشفعوا فيه عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال تعالى ﴿فنبذناه بالعراء وهو سقيم﴾ فذلك قوله تعالى :﴿فاستجبنا له﴾

الأنبياء 21:88

﴿فاستجبنا له﴾ أي : أجبناه ﴿ونجيناه من الغم﴾ أي : من تلك الظلمات بتلك الكلمات ﴿وكذلك﴾ أي : وكما نجيناه ﴿ننجي المؤمنين﴾ من كربهم إذا استغاثوا بنا داعين قال الرازي في اللوامع : وشرط كل من يلتجئ إلى الله أن يبدأ بالتوحيد ثم بعده بالتسبيح والثناء، ثم بالاعتراف والاستغفار والاعتذار، وهذا شرط كل داع أه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :«ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له »، وعن الحسن ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم على أنّ أصله ننجي، فحذفت النون الثانية كما حذفت التاء الثانية في تظاهرون، وهي إن كانت فاء فحذفها أوقع من حذف حرف المضارعة الذي لمعنى وقيل : هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر وهو النجاء، وقرأ الباقون بنونين الثانية مخفاة عند الجيم. تنبيه : اختلفوا في متى كانت رسالة يونس عليه الصلاة والسلام فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس كانت بعد أن أخرجه الله تعالى من بطن الحوت بدليل قوله تعالى في سورة والصافات :﴿فنبذناه بالعراء﴾ [ الصافات، ١٤٥ ]، ثم ذكر بعده :﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [ الصافات، ١٤٧ ]، وقال آخرون : إنها كانت من قبل بدليل قوله تعالى :﴿وإن يونس لمن المرسلين ١٣٩ إذ أبق إلى الفلك المشحون ١٤٠ فساهم فكان من المدحضين ١٤١ فالتقمه الحوت وهو مليم ١٤٢ فلولا أنه كان من المسبحين ١٤٣ للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ [ الصافات، ١٣٩ - ١٤٤ ].

الأنبياء 21:89

القصة التاسعة : قصة زكريا عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وزكريا﴾ أي : واذكر زكريا ويبدل منه ﴿إذ نادى ربه﴾ نداء الحبيب القريب فقال :﴿رب﴾ بإسقاط أداة البعد ﴿لا تذرني فرداً﴾ أي : وحيداً من غير ولد ذكر يرث ما آتيتني من الحكمة ﴿وأنت﴾ أي : والحال أنك ﴿خير الوارثين﴾ أي : الباقي بعد فناء خلقك، وكثيراً ما تمنح إرث بعض عبيدك عبيداً آخرين، فأنت الحقيق بأن تفعل في إرثي من العلم والحكمة ما أحب، فتهبني ولداً تمنّ عليَّ به.

الأنبياء 21:90

﴿فاستجبنا له﴾ بعظمتنا وإن كان في حدّ من السن لا حراك به معه، وزوجه في حال من العقم لا يرجى معه حبلها فكيف وقد جاوزت سن اليأس، ولذلك عبر بما يدل على العظمة، فقال تعالى :﴿ووهبنا له يحيى﴾ ولداً وارثاً نبياً حكيماً عظيماً ﴿وأصلحنا له﴾ خاصة من بين أهل ذلك الزمان ﴿زوجه﴾ أي : جعلناها صالحة لكل خير خالصة له، فأصلحناها للولادة بعد عقمها، وأصلحناها لزكريا بعد أن كانت سريعة الغضب سيئة الخلق، فأصلحناها له ورزقناها حسن الخلق ﴿إنهم﴾ أي : الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة وقيل : زكريا وزوجه ويحيى ﴿كانوا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿يسارعون في الخيرات﴾ أي : الطاعات يبالغون في الإسراع بها مبالغة من يسابق آخر، ودل على عظيم أفعالهم بقوله تعالى :﴿ويدعوننا﴾ مستحضرين لجلالنا وعظمتنا وكمالنا ﴿رغباً﴾ أي : طمعاً في رحمتنا ﴿ورهباً﴾ أي : خوفاً من عذابنا ﴿وكانوا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿لنا﴾ خاصة ﴿خاشعين﴾ أي : خائفين خوفاً عظيماً يحملهم على الخضوع والانكسار، قال مجاهد : الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، وقيل : متواضعين، وسئل الأعمش عن هذه الآية فقال : أما إني سألت إبراهيم فقال : ألا تدري ؟ قلت : أفدني، قال : بينه وبين الله إذا أرخى ستره عليه وأغلق بابه فلير الله منه خيراً لعلك ترى أنه يأكل خشناً ويلبس خشناً ويطأطئ رأسه.

الأنبياء 21:91

القصة العاشرة : قصة مريم وابنها عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿والتي﴾ أي : واذكر مريم التي ﴿أحصنت فرجها﴾ أي : حفظته من الحلال والحرام حفظاً يحق له أن يذكر ويتحدّث به كما قال تعالى حكاية عنها، ﴿ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً﴾ [ مريم، ٢٠ ] ؛ لأنّ ذلك غاية في العفة والصيانة والتخلي عن الملاذ إلى الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة مع ما جمعت مع ذلك من الأمانة والاجتهاد في متانة الديانة والصحيح أنها ليست بنبية ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ أي : أمرنا جبريل حتى نفخ في جيب درعها فأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه تعالى تشريفاً لعيسى عليه السلام كبيت الله وناقة الله. ثم بيّن تعالى ما خص مريم وعيسى من الآيات فقال تعالى :﴿وجعلناها وابنها﴾ أي : قصتهما أو حالهما، ولذلك وحد قوله تعالى :﴿آية للعالمين﴾ من الجنّ والإنس والملائكة، وإنّ تأمّل حالهما تحقق كمال قدرة الله تعالى فإن قيل : هلا قال تعالى آيتين كما قال تعالى :﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ [ الإسراء، ١٢ ] أجيب : بما تقدّم وبأن الآية كانت فيهما واحدة وهي أنها أتت به من غير فحل.

الأنبياء 21:92

وهاهنا آخر القصص. ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء عليهم السلام أنهم كلهم متفقون على التوحيد الذي هو أصل الدين قال تعالى : ﴿إن هذه﴾ أي : ملة الإسلام ﴿أمّتكم﴾ أي : دينكم أيها المخاطبون أي : يجب أن تكونوا عليها حال كونها ﴿أمة﴾ قال البغوي وأصل الأمّة الجماعة التي هي على مقصد واحد ا. ه فجعل الشريعة أمّة لاجتماع أهلها على مقصد واحد. أه ثم أكد سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله تعالى :﴿واحدة﴾ فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان ﴿وأنا ربكم﴾ أي : المحسن إليكم لا غيري في كل زمان فإني لا أتغير على طول الدهر، ولا يشغلني شأن عن شأن ﴿فاعبدون﴾ دون غيري فإنه لا كفء لي، ثم إنّ بعضهم خالف الأمر بالاجتماع كما أخبر الله تعالى.

الأنبياء 21:93

﴿وتقطعوا﴾ أي : بعض المخاطبين ﴿أمرهم بينهم﴾ أي : تفرقوا أمر دينهم متخالفين فيه وهم طوائف اليهود والنصارى ؛ قال الكلبي : فرّقوا دينهم بينهم يلعن بعضهم بعضاً ويتبرأ بعضهم من بعض. تنبيه : الأصل وتقطعتم إلا أنّ الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبح عليهم فعلهم عندهم، ويقول لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى، والمعنى : جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه بينهم، فيصير لهذا نصيب، ولذاك نصيب تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى، ثم توعدهم بقوله تعالى :﴿كلٌ﴾ أي : من هذه الفرق وإن بالغ في التمرّد ﴿إلينا﴾ يوم القيامة ﴿راجعون﴾ فنحكم بينهم فيتسبب عن ذلك أنّا نجازيهم إقامة للعدل، فنعطي كلاً من المحق التابع لأصفيائنا والمبطل المائل إلى الشياطين أعدائنا ما يستحقه، وذلك هو معنى قوله تعالى فارقاً بين المحسن والمسيء تحقيقاً للعدل وتشويقاً إلى الفضل.

الأنبياء 21:94

﴿فمن يعمل﴾ أي : منهم الآن ﴿من الصالحات وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿مؤمن﴾ أي : يأتي بعمله على الأساس الصحيح ﴿فلا كفران﴾ أي : لا جحود ﴿لسعيه﴾ بل يشكر ويثاب عليه. تنبيه : قوله تعالى : فلا كفران نفى الجنس ليكون أبلغ من أن يقول : فلا نكفر سعيه ﴿وإنّا له﴾ أي : لسعيه ﴿كاتبون﴾ أي : مثبتون في صحيفة عمله وما أثبتناه فهو غير ضائع فلا يفقد منه شيئاً قل أو جل، ومن المعلوم أنّ قسيمه وهو من يعمل من السيئات وهو كافر، فلا نقيم له وزناً، ومن يعمل منها وهو مؤمن فهو تحت مشيئتنا قال البقاعيّ : ولعله حذف هذين القسمين ترغيباً في الإيمان.

الأنبياء 21:95

ولما كان هذا غير صريح في أنَّ هذا الرجوع بعد الموت بيّنه بقوله تعالى :﴿وحرام﴾ أي : ممنوع ﴿على قرية﴾ أي : أهلها ﴿أهلكناها﴾ أي : بالموت ﴿أنهم لا يرجعون﴾ أي : إلينا بأن يذهبوا تحت التراب باطلاً من غير إحباس بل إلينا بموتهم راجعون فحبسناهم في البرزخ منعمين أو معذبين نعيماً أو عذاباً دون النعيم والعذاب الأكبر. تنبيه : ما قدّرناه في الآية هو ما جرى عليه البقاعيّ والذي قدّره الزمخشري أنَّ معنى أهلكناها عزمنا على إهلاكها، أو قدّرنا إهلاكها، ومعنى الرجوع الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة، فتكون لا مزيدة والذي قدّره الجلال المحلي أنّ لا زائدة أي : يمتنع رجوعهم إلى الدنيا فيكون الإهلاك بالموت، وهذا قريب مما قاله ابن عباس فإنه قال : وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك، فجعل لا زائدة قال البغويّ وقال آخرون : الحرام بمعنى الواجب، فعلى هذا يكون لا ثابتاً ومعناه واجب على أهل قرية أهلكناهم أي : حكمنا بهلاكهم أن لا تتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي : لا يتوبون والدليل على هذا المعنى أنه تعالى قال في الآية التي قبلها :﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه﴾ أي : يتقبل عمله، ثم ذكر هذه الآية عقبه وبين أنّ الكافر لا يتقبل عمله انتهى والذي قدّره البيضاوي قريب مما قدّره الزمخشري وكل هذه التقادير صحيحة ؛ لكن الأوّل أظهر، وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بكسر الحاء وسكون الراء والباقون بفتح الحاء والراء وألف بعد الراء قال البغوي : وهما لغتان مثل حل وحلال.

الأنبياء 21:96

وقوله تعالى :﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج﴾ متعلق كما قال الزمخشري بحرام وحتى غاية له ؛ لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة وهي حتى التي يحكى بعدها الكلام أي : فهي الابتدائية لا الجارّة ولا العاطفة والمحكي هو الجملة الشرطية، وقرأ ابن عامر بتشديد التاء بعد الفاء والباقون بالتخفيف ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان اسم لقبيلتين من جنس الإنس ويقدر قبله مضاف أي : سدّهما، وذلك قرب الساعة يقال الناس عشرة أجزاء ؛ تسعة منها يأجوج ومأجوج، وقرأهما عاصم بهمزة ساكنة والباقون بالألف، ثم عبّر عن كثرتهم التي لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى بقوله تعالى :﴿وهم﴾ أي : والحال أنهم ﴿من كل حدب﴾ أي : نشز عال من الأرض ﴿ينسلون﴾ أي : يسرعون من النسلان، وهو تقارب الخطا مع السرعة كمشي الذئب، وفي العبارة إيماء إلى أنّ الأرض كرة، وقيل : الضمير راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر. روي عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال :" اطلع النبيّ صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة فقال صلى الله عليه وسلم ما تتذاكرون ؟ قلنا : نتذاكر الساعة، قال : إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدجال والدخان والدابة وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ".

الأنبياء 21:97

﴿واقترب الوعد الحق﴾ أي : يوم القيامة ؛ قال حذيفة : لو أنّ رجلاً اقتنى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة ﴿فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا﴾ قال الكلبيّ : شخصت أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم. تنبيه : فإذا هي إذا للمفاجأة وهي تقع في المجازاة سادّة مسدّ الفاء كقوله تعالى :﴿إذا هم يقنطون﴾ [ الروم، ٣٦ ]، فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط، فيتأكد، ولو قيل : إذا هي شاخصة أو فهي شاخصة كان سديداً، قال سيبويه : والضمير للقصة بمعنى فإذا القصة شاخصة يعني القصة أنّ أبصار الذين كفروا تشخص عند ذلك، وقال الزمخشري : هي ضمير مبهم توضحه الأبصار، وتفسره كما فسر الذين ظلموا وأسروا النجوى وقولهم :﴿يا ويلنا﴾ أي : هلاكنا متعلق بمحذوف تقديره : يقولون يا ويلنا، ويقولون في موضع الحال من الذين كفروا ويا للتنبيه ﴿قد كنا﴾ أي : في الدنيا ﴿في غفلة من هذا﴾ أي : اليوم حيث كذبنا وقلنا : إنه غير كائن، ثم أضربوا عن الغفلة فقالوا :﴿بل كنا ظالمين﴾ أنفسنا بعدم اعتقاده واضعين الشيء في غير موضعه حيث أعرضنا عن تأمّل دلائله، والنظر في مخايله، وكذبنا الرسل وعبدنا الأوثان.

الأنبياء 21:98

وقوله تعالى :﴿إنكم﴾ خطاب لأهل مكة، وأكده لإنكارهم مضمون الخبر ﴿وما تعبدون من دون الله﴾ أي : غيره من الأوثان ﴿حصب جهنم﴾ أي : وقودها، وهو ما يرمى به إليها وتهيج به من حصبه يحصبه إذا رماه بالحصب والحصب في لغة أهل اليمن الحطب، وقال عكرمة : هو الحطب بالحبشية قال الضحاك : يعني يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصب، وقوله تعالى :﴿أنتم لها واردون﴾ أي : داخلون استئناف أو بدل من حصب جهنم، واللام معوضة من على للاختصاص والدلالة على أنّ ورودهم لأجلها.

الأنبياء 21:99

﴿لو كان هؤلاء﴾ أي : الأوثان ﴿آلهة﴾ أي : كما زعمتم ﴿ما وردوها﴾ أي : ما دخل الأوثان وعابدوها النار، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياءً خالصة في الوصل بعد تحقيق الأولى، والباقون بتحقيقهما ﴿وكل﴾ أي : من العابدين والمعبودين ﴿فيها﴾ أي : في جهنم ﴿خالدون﴾ لا انفكاك لهم عنها بل يحمى بكل منهم فيها على الآخر فإن قيل : لم قرنوا بآلهتهم ؟ أجيب : بأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب ؛ لأنهم قدروا أنهم يستشفعون في الآخرة وينتفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم.

الأنبياء 21:100

فإن قيل : إذا عنيت بما تعبدون الأوثان فما معنى قوله تعالى :﴿لهم فيها زفير﴾ أي : تنفس عظيم على غاية من الشدّة والمد تكاد تخرج معه النفس ؟ أجيب : بأنهم إذا كانوا هم وأوثانهم في قرن واحد جاز أن يقال لهم : زفير، وإن لم يكن الزافرون إلا هم دون الأوثان للتغليب ولعدم الإلباس ﴿وهم فيها لا يسمعون﴾ شيئاً لشدّة غليانها، وقال ابن مسعود في هذه الآية : إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى عليها مسامير من نار فلا يسمعون شيئاً، ولا يرى أحد منهم أنّ أحداً يعذب في النار غيره، وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليهم إنكم وما تعبدون من دون الله الآية، فأقبل عبد الله بن الزبعري السلمي، فرآهم يتهامسون فقال : فيم خوضكم، فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله : أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعري : أأنت قلت ذلك ؟ قال : نعم، قال : قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة، فقال صلى الله عليه وسلم : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك، فأنزل الله تعالى :﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾.

الأنبياء 21:101

﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ أي : الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في الأزل، ومنهم من ذكر سواء أضل بأحد منهم الكفار فأطروه أم لا ﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿عنها﴾ أي : جهنم ﴿مبعدون﴾ برحمة الله تعالى لأنهم أحسنوا في العبادة واتقوا، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وفي رواية ابن عباس «أن ابن الزبعرى لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت ولم يجب، فضحك القوم، فنزل قوله تعالى :﴿ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدّون ٥٧ وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون﴾ [ الزخرف، ٥٧، ٥٨ ]، ونزل في عيسى والملائكة أن الذين سبقت لهم منا الحسنى الآية، وقد أسلم ابن الزبعري بعد ذلك رضي الله تعالى عنه، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم وادّعى جماعة أنّ المراد من الآية الأصنام ؛ لأنّ الله تعالى قال : وما تعبدون من دون الله، ولو أراد الملائكة والناس لقال : ومن تعبدون، يروى أن علياً رضي الله تعالى عنه قرأ هذه الآية ثم قال : أنا منهم، وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح، ثم أقيمت الصلاة فقام يجرّ رداءه وهو يقول :﴿لا يسمعون حسيسها﴾.

الأنبياء 21:102

﴿لا يسمعون حسيسها﴾ أي : حركتها البالغة وصوتها الشديد، فكيف بما دونه ؛ لأنّ الحس مطلق الصوت أو الصوت الخفي كما قاله البغوي، فإذا زادت حروفه زاد معناه، فذكر ذلك بدلاً من مبعدون أو حال من ضميره للمبالغة في إبعادهم عنها ﴿وهم﴾ أي : الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴿في ما اشتهت أنفسهم﴾ في الجنة كما قال تعالى :﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ [ الزخرف، ٧١ ] والشهوة طلب النفس اللذة ﴿خالدون﴾ أي : دائماً أبداً في غاية التنعم وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به. فائدة : في هنا مقطوعة من ما ولما كان معنى ذلك أن سرورهم ليس له زوال أكده بقوله تعالى :﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾.

الأنبياء 21:103

﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ قال الحسن : هو حين يؤمر بالعبد إلى النار، وقال ابن عباس : هو النفخة الأخيرة لقوله تعالى :﴿ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض﴾ [ النمل، ٧٨ ]، وقال ابن جريج : هو حين يذبح الموت وينادى : يا أهل النار خلود بلا موت، وقال سعيد بن جبير هو أن تنطبق جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله تعالى منها من يريد أن يخرجه ﴿وتتلقاهم﴾ أي : تستقبلهم ﴿الملائكة﴾ قال البغوي : على أبواب الجنة يهنونهم، وقال الجلال المحلي : عند خروجهم من القبور، ولا مانع أنها تستقبلهم في الحالين ويقولون لهم :﴿هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ أي : هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم به في الدنيا فأبشروا فيه بجميع ما يسركم.

الأنبياء 21:104

ولما كانت هذه الأفعال على غاية من الأهوال تتشوّف بها النفس إلى معرفة اليوم الذي تكون فيه قال تعالى :﴿يوم﴾ أي : تكون هذه الأشياء يوم ﴿نطوي السماء﴾ طياً، فتكون كأنها لم تكن ثم صوّر طيها بما يعرفونه، فقال مشبهاً للمصدر الذي دل عليه الفعل ﴿كطيّ السجلّ﴾، واختلف في السجلّ فقال بعضهم : هو الكاتب الذي له العلوّ والقدرة على مكتوبه ﴿للكتاب﴾ أي : القرطاس الذي يكتبه ويرسله إلى أحد، وقال السدّي : هو ملك يكتب أعمال العباد، وقيل : كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم والكتاب على هذه الأقوال اسم للصحيفة المكتوب فيها، وقال ابن عباس ومجاهد والأكثرون : السجل الصحيفة والمعنى كطيّ الصحيفة على مكتوبها، والطي هو الدرج، وهو ضدّ النشر، وإنما وقع هذا الاختلاف ؛ لأن السجل يطلق على الكتاب وعلى الكاتب قاله في القاموس، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الكاف والتاء على الجمع، والباقون بكسر الكاف وفتح التاء، وبين الكاف والتاء ألف على الإفراد، فقراءة الإفراد لمقابلة لفظ السماء والجمع للدلالة على أن المراد الجنس، فجميع السماوات تطوى. روي عن ابن عباس أنه قال : يطوي الله تعالى السماوات السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي ذلك كله بيمينه أي بقدرته، حتى يكون ذلك بمنزلة خردلة، وروي عن ابن عباس أنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال :" أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً " أي : غير مختونين ﴿كما بدأنا أوّل خلق نعيده﴾ أي : كما بدأناهم في بطون أمهاتهم عراة غرلاً غير مختونين نعيدهم يوم القيامة ؛ نظيره قوله تعالى :﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرّة﴾ [ الأنعام، ٩٤ ] ﴿وعداً﴾ وأكد ذلك بقوله تعالى ﴿علينا﴾ وزاده بقوله تعالى :﴿إنّا كنّا﴾ أي : أزلاً وأبداً على حالة لا تحول ﴿فاعلين﴾ أي : شأننا أن نفعل ما نريد لا كلفة علينا في شيء من ذلك.

الأنبياء 21:105

ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله تعالى :﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر﴾ قال سعيد بن جبير ومجاهد الزبور جميع كتب الله تعالى المنزلة والذكر أمّ الكتاب الذي عنده، ومعناه من بعدما كتب ذكره في اللوح المحفوظ، وقال ابن عباس والضحاك : الزبور والتوراة والذكر الكتب المنزلة من بعد التوراة، وقال الشعبي : الزبور كتاب داود الذكر التوراة، وقيل : الزبور كتاب داود عليه السلام، والذكر القرآن، وبعد بمعنى قبل كقوله تعالى :﴿وكان وراءهم ملك﴾ [ الكهف، ٧٩ ] أي : أمامهم، وقوله تعالى :﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [ النازعات، ٣٠ ] أي : قبله، وقرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها ﴿أن الأرض﴾ أي : أرض الجنة ﴿يرثها عبادي﴾ وحقق ذلك ما أفادته إضافتهم إليه بقوله تعالى :﴿الصالحون﴾ أي : المتحققون بأخلاق أهل الذكر، المقبلون على ربهم الموحدون له، المشفقون من الساعة، الراهبون من سطوته، الراغبون في رحمته، الخاشعون له، فهذا عام في كل صالح، وقال مجاهد : يعني أمّة محمد صلى الله عليه وسلم دليله قوله تعالى :﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنة حيث نشاء﴾ [ الزمر، ٧٤ ] وقال ابن عباس : أراد أنّ أراضي الكفار يفتحها المسلمون، وهذا حكم من الله تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين، وقيل : أراد بالأرض الأرض المقدسة، وقيل : أراد جنس الأرض الشامل لبقاع أرض الدنيا كلها ولأرض المحشر والجنة وغير ذلك مما يعلمه الله تعالى، وجرى على هذا البقاعي في تفسيره، وقرأ حمزة بسكون الياء، والباقون بفتحها.

الأنبياء 21:106

﴿إنّ في هذا﴾ أي : القرآن كما قاله البغوي ﴿لبلاغاً﴾ أي : وصولاً إلى البغية، فإن من اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب، وقيل : بلاغاً أي : كفاية يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي : كفاية، والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر، وقال الرازي : هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة ﴿لقوم عابدين﴾ أي : عاملين به، وقال ابن عباس : عالمين، قال الرازي : والأولى أنهم الجامعون بين أمرين ؛ لأن العلم كالشجرة، والعمل كالثمر والشجر بدون الثمر غير مفيد، والثمر بدون الشجر غير كائن، وقال كعب الأحبار هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس، وشهر رمضان،

الأنبياء 21:107

ولما كان هذا مشيراً إلى إرشادهم فكان التقدير فما أرسلناك إلا لإسعادهم عطف عليه قوله تعالى :﴿وما أرسلناك﴾ أي : على حالة من الأحوال ﴿إلا﴾ على حال كونك ﴿رحمة للعالمين﴾ كلهم أهل السماوات وأهل الأرض من الجنّ والإنس وغيرهم طائعهم بالثواب وعاصيهم بتأخير العقاب الذي كنا نستأصل الأمم به، فنحن نمهلهم ونترفق بهم إظهاراً لشرفك، وإعلاء لقدرك، ثم نردّ كثيراً منهم إلى دينك ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك بعد طول ارتكابهم الضلال، وارتباكهم في إشراك المحال، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الله تعالى الأوّلين والآخرين، وتقوم الملائكة صفوفاً والثقلان وسطهم، ويموج بعضهم في بعض من شدّة ما هم فيه يطلبون من يشفع لهم فيقصدون أكابر الأنبياء نبياً نبياً عليهم الصلاة والسلام، فيحيل بعضهم على بعض وكل منهم يقول : لست لها حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول :«أنا لها »، ويقوم معه لواء الحمد، فيشفعه الله تعالى، وهو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين.

الأنبياء 21:108

ولما أورد تعالى على الكفار الحجج في أن لا إله سواه وبيّن أنه أرسل رسوله رحمة للعالمين أتبع ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿قل إنما يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ أي : ما يوحى إلي في أمر الإله إلا وحدانيته وما إلهكم إلا إله واحد لم يوح إلي فيما تدّعون من الشركة غير ذلك فالأوّل من قصر الصفة على الموصوف، والثاني : من قصر الموصوف على الصفة والمخاطب بهما من يعتقد الشركة فهو قصر قلب، وقال الزمخشري : إنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم كقولك : إنما زيد قائم، وإنما يقوم زيد، وقد اجتمع المثالان في هذه الآية ؛ لأن إنما يوحي إلي مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد وإنما إلهكم إله واحد بمنزلة إنما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أنّ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصور على استئثار الله تعالى بالوحدانية انتهى. ولما كان الوحي الوارد على هذه السنن موجباً أن يخلصوا التوحيد لله تعالى قال صلى الله عليه وسلم ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ أي : منقادون لما يوحى إلي من وحدانية الإله، والاستفهام بمعنى الأمر أي : أسلموا.

الأنبياء 21:109

﴿فإن تولوا﴾ أي : لم يقبلوا ما دعوتهم إليه ﴿فقل﴾ أي : لهم ﴿آذنتكم﴾ أي : أعلمتكم بالحرب كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدرة، فنبذ إليهم العهد وأشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعاً بذلك، وقوله :﴿على سواء﴾ حال من الفاعل والمفعول أي : مستوين في الإعلام به لم أطوه عن أحد منكم ولا أستبدّ به دونكم لتتأهبوا ﴿وإن﴾ أي : وما ﴿أدري أقريب﴾ جدّاً بحيث يكون قربه على ما يتعارفونه ﴿أم بعيد ما توعدون﴾ من غلب المسلمين عليكم أو عذاب الله أو القيامة المشتملة عليه، وإنّ ذلك كائن لا محالة ولا بدّ أن يلحقكم بذلك الذلة والصغار، وإن كنت لا أدري متى يكون ذلك ؛ لأنّ الله تعالى لم يعلمني علمه، ولم يطلعني عليه، وإنما يعلمه الله تعالى.

الأنبياء 21:110

﴿إنه﴾ تعالى ﴿يعلم الجهر من القول﴾ أي : مما يجهرون به من العظائم وغير ذلك، ونبه تعالى على ذلك فإنّ من أحوال الجهر أن ترتفع الأصوات جداً بحيث تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف كثير من حاضريها ما قاله أكثر القائلين، فأعلم سبحانه وتعالى أنه لا يشغله صوت عن آخر، ولا يفوته شيء من ذلك ولو كثر ﴿ويعلم ما تكتمون﴾ مما تضمرونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، ونظير ذلك قوله تعالى في أول السورة :﴿قال ربي يعلم القول في السماء والأرض﴾ [ الأنبياء، ٤ ] ومن لازم ذلك من المجازاة عليه بما يحق لكم من تعجيل وتأجيل فستعلمون كيف تخيب ظنونكم ويتحقق ما أقول فتنطقون حينئذٍ بأني صادق ولست بساحر ولا شاعر ولا كاهن، فهو من أبلغ التهديد، فإنه لا أبلغ من التهديد بالعلم،

الأنبياء 21:111

ولما كان الإمهال قد يكون نعمة وقد يكون نقمة قال :﴿وإن﴾ أي : وما ﴿أدري﴾ أن يكون تأخير عذابكم نعمة لكم كما تظنون أم لا ﴿لعله﴾ أي : تأخير العذاب ﴿فتنة﴾ أي : اختبار ﴿لكم﴾ ليظهر ما يعلمه منكم من السر لغيره لأنّ حالكم حال من يتوقع منه ذلك ﴿ومتاع﴾ لكم تتمتعون به ﴿إلى حين﴾ أي : بلوغ مدّة آجالكم التي ضربها لكم في الأزل، ثم يأخذكم بغتة وأنتم لا تشعرون،

الأنبياء 21:112

ولما كان لله أن يفعل ما يشاء من عدل وفضل، وكان من العدل جواز تعذيب الله تعالى الطائع وتنعيم المؤمن العاصي، وكان صلى الله عليه وسلم قد بلغ الغاية في البيان لهم، وهم قد بلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه أمر الله تعالى أن يفوّض الأمر إليه تسلية له بقوله تعالى :﴿قل رب﴾ أيها المحسن إليّ ﴿احكم﴾ أي : أنجز الحكم بيني وبين قومي ﴿بالحق﴾ أي : بالأمر الذي يحق لكل منا من نصر وخذلان، وقرأ حفص بفتح القاف وألف بعدها، وفتح اللام بصيغة الماضي على حكاية رسول الله صلى الله عليه وسلم والباقون بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر فإن قيل : كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احكم بالحق والله تعالى لا يحكم إلا بالحق ؟ أجيب : بأن الحق هاهنا بمعنى العذاب، فكأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر، نظيره قوله :﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ [ الأعراف، ٨٩ ]، وقال أهل المعاني : معناه رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه، والله تعالى يحكم بالحق طلب أم لم يطلب، ومعنى الطلب ظهور الرغبة من الطالب في حكمه الحق ﴿وربنا﴾ أي : المحسن إلينا أجمعين ﴿الرحمن﴾ أي : العام الرحمة لنا ولكم بإدرارها علينا، ولولا عموم رحمته لأهلكنا أجمعين، وإن كنا نحن أطعناه لأنّا لا نقدره حقّ قدره، ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ [ فاطر، ٤٥ ] ﴿المستعان﴾ أي : المطلوب منه العون ﴿على ما تصفون﴾ من كذبكم على الله تعالى في قولكم : اتخذ الله ولداً، وعليّ في قولكم ساحر، وعلى القرآن في قولكم شعر قال الرازي : روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في حروبه، ولم يذكر له سنداً، وأما ما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ اقترب حاسبه الله حساباً يسيراً، وصافحه وسلم عليه كل نبيّ ذكر اسمه في القرآن »، فحديث موضوع والله تعالى أعلم بالصواب.

الحج 22:1

﴿يا أيها الناس﴾ أي : الذين تقدّم أوّل تلك أنه اقترب لهم حسابهم إن أريد أنّ ذلك عام وإلا فهم وغيرهم ﴿اتقوا﴾ أي : احذروا عقاب ﴿ربكم﴾ أي : المحسن إليكم بأنواع الإحسان بأن تجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية الطاعات، ولما أمرهم بالتقوى علل ذلك مرهباً لهم بقوله تعالى :﴿إنّ زلزلة الساعة﴾ أي : حركتها الشديدة للأشياء على الإسناد المجازي، فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله، ويصح أن يكون إلى المفعول فيه على طريق الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى :﴿بل مكر الليل والنهار﴾ [ سبأ، ٣٣ ]، وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى :﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ [ الزلزلة، ١ ] واختلف في وقتها، فعن الحسن أنها تكون يوم القيامة، وعن علقمة والشعبي عند طلوع الشمس من مغربها الذي هو أقرب للساعة ﴿شيء عظيم﴾ أي : أمر كبير وخطر جليل وحادث هائل لا تحتمل العقول وصفه وهذا للزلزلة نفسها، فكيف بجميع ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا بدّ لكم من الحشر فيه إلى الله تعالى ليجازيكم على ما كان منكم لا ينسى منه نقير ولا قطمير.

الحج 22:2

﴿يوم ترونها﴾ أي : الزلزلة أو الساعة، أو كل مرضعة أضمرها قبل الذكر تهويلاً للأمر، وترويعاً للنفس ﴿تذهل﴾ بسبب ذلك ﴿كل مرضعة﴾ أي : بالفعل أي : تنسى وتغفل حائرة مدهوشة، والعامل في يوم تذهل. فإن قيل : لم قال تعالى :﴿مرضعة﴾، ولم يقل : مرضع ؟ أجيب : بأن المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها للطفل والمرضع التي شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وضعها، فقال : مرضعة ليدل على أنّ ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت ثديها تنزعه من فيه لما يلحقها من الدهشة ﴿عما أرضعت﴾ عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته، وهو الطفل، فما إمّا مصدرية أو موصولة ﴿وتضع كل ذات حمل حملها﴾ أي : تسقطه قبل التمام رعباً وفزعاً. تنبيه : هذا ظاهر على القول الثاني وهو قول علقمة والشعبيّ على أنّ ذلك يكون عند طلوع الشمس من مغربها، وأمّا على القول الأوّل وهو قول الحسن على أنّ ذلك يوم القيامة كيف يكون ذلك ؟ فقيل : هو تصوير لهولها، قاله البيضاوي، وقال البقاعي في المرضعة : هي من ماتت مع ابنها رضيعاً، وفي ذات الحمل : من ماتت حاملاً، فإنّ كل أحد يقوم على ما مات عليه، وهذا أولى فإني في حال كتابتي في هذا المحل حضر عندي سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني نفعنا الله تعالى ببركته، فذكرت له هذين القولين، فانشرح صدره لترجيح هذا الثاني، وذلك يوم تاسوعاء من شهر الله المحرّم سنة ست وخمسين وتسعمائة، وعن الحسن تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام. ويؤيد أنّ هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم، فيقول : لبيك وسعديك زاد في رواية والخير في يديك فينادى بصوت إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار ؛ قال : يا رب، وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذٍ تضع الحوامل حملها، ويشيب الوليد وساق بقية الآية »، وهي ﴿وترى الناس سكارى﴾ أي : لما هم فيه من الدهشة والحيرة، ثم بيّن الله تعالى أنّ ذلك ليس بسكر حقيقة بقوله تعالى :﴿وما هم بسكارى﴾ أي : من الشراب، ولما نفى أن يكونوا سكارى من الشراب أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة بقوله :﴿ولكنّ عذاب الله﴾ ذي العزة والجبروت ﴿شديد﴾ فهو الذي أوجب أن يظن بهم السكر ؛ لأنّ هوله أذهب عقولهم وطيّر تمييزهم، تم الحديث عند آخر الآية، «فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم زاد في رواية قالوا : يا رسول الله أيّنا ذلك الواحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وفي رواية كالرقمة في ذراع الحمار، وإني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبّرنا، ثم قال : ثلث أهل الجنة، فكبّرنا، ثم قال : شطر أهل الجنة فكبّرنا »، وفي رواية :«إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة ». روى عمران بن حصين رضي الله عنه أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلاً، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثوا المطيّ حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فلم نرَ أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدراً، وكانوا ما بين حزين وباك ومفكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ يوم ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال ذلك يوم يقول الله لآدم : قم فابعث بعث النار وذلك نحو حديث أبي سعيد وزاد فيه ثم قال :«يدخل من أمّتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب » قال عمر : سبعون ألفاً ؟ قال :«نعم ومع كل واحد سبعون ألفاً ». وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وسكون الكاف فيهما، والباقون بضم السين وفتح الكاف وبعد الكاف ألف، وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحمزة والكسائي محضة، وورش بين بين، والباقون بالفتح. ونزل في النضر بن الحرث، وكان كثير الجدل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول : الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وكان ينكر البعث وإحياء من صار تراباً

الحج 22:3

﴿ومن الناس﴾ أي : المذبذبين ﴿من﴾ لا يسعى في إعلاء نفسه وتهذيبها، فيكذب فيؤبق بسوء عمله ؛ لأنه ﴿يجادل في الله﴾ أي : في قدرته على ذلك اليوم، وفي غير ذلك بعد أن جاءه العلم بها اجتراء على سلطانه العظيم ﴿بغير علم﴾ بل بالباطل الذي هو جهل صرف فيترك اتباع الهداة ﴿ويتبع﴾ بغاية جهده في جداله ﴿كل شيطان﴾ محترق بالسوء مبعد باللعن ﴿مريد﴾ أي : متجرّد للفساد ولا شغل له غيره ؛ قال البيضاوي : وأصله العري أي : عن الساتر.

الحج 22:4

﴿كتب﴾ أي : قدّر وقضي على سبيل الحتم الذي لا بدّ منه تعبيراً باللازم عن الملزوم ﴿عليه﴾ أي : على ذلك الشيطان ﴿أنه﴾ أي : الشأن ﴿من تولاه﴾ أي : فعل معه فعل الولي مع وليه باتباعه والإقبال على ما يزينه ﴿فإنه يضله﴾ بما يبغض إليه من الطاعات، فيخطئ سبيل الخير ﴿ويهديه﴾ أي : بما يزين له من الشهوات الحاملة على الزلات ﴿إلى عذاب السعير﴾ أي : النار.

الحج 22:5

ثم ألزم الحجة منكري البعث بقوله تعالى :﴿يا أيها الناس﴾ أي : كافة ويجوز أن يراد به المنكر فقط ﴿إن كنتم في ريب﴾ أي : شك وتهمة وحاجة إلى البيان ﴿من البعث﴾ وهو قيام الأجسام بأرواحها كما كانت قبل مماتها فتفكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أنّ القادر على خلقكم أوّلاً قادر على خلقكم ثانياً، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر مراتب الخلقة الأولى أموراً سبعة : المرتبة الأولى : قوله تعالى :﴿فإنّا خلقناكم﴾ بقدرتنا التي لا يتعاظمها شيء ﴿من تراب﴾ لم يسبق له اتصاف بالحياة، وفي الخلق من تراب وجهان ؛ أحدهما : أنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه الصلاة والسلام من تراب كما قال تعالى :﴿كمثل آدم خلقه من تراب﴾ [ آل عمران، ٥٩ ]، الثاني : من الأغذية والأغذية إمّا حيوانية وإما نباتية وغذاء الحيوان ينتهي إلى النبات قطعاً للتسلسل والنبات إنما يتولد من الأرض والماء، فصح قوله تعالى :﴿إنا خلقناكم من تراب﴾. المرتبة الثانية : قوله تعالى :﴿ثم من نطفة﴾ وحالها أبعد شيء عن حال التراب فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية كما قال تعالى :﴿من ماء دافق﴾ [ الطارق، ٦ ] وأصلها الماء القليل ؛ قاله البغوي، وأصل النطف الصب ؛ قاله البيضاوي. المرتبة الثالثة : قوله تعالى :﴿ثم من علقة﴾ أي : قطعة دم حمراء جامدة ليس فيها أهلية للسيلان، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة. المرتبة الرابعة : قوله تعالى :﴿ثم من مضغة﴾ أي : قطعة لحم صغيرة وهي في الأصل قدر ما يمضغ ﴿مخلقة﴾ أي : مسوّاة لا نقص فيها ولا عيب يقال : خلق السواك والعود سوّاه وملسه من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء ﴿وغير مخلقة﴾ أي : وغير مسوّاة، فكأنّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة وأملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، هذا قول قتادة والضحاك، وقال مجاهد : المخلقة الولد الذي يخرج حياً وغير المخلقة السقط، وقال قوم : المخلقة المصوّرة وغير المخلقة غير المصوّرة، وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وتشكيل، واحتجوا بما روى علقمة عن عبد الله بن مسعود موقوفاً عليه قال : إن النطفة إذا استقرّت في الرحم أخذها ملك بكفه، وقال : أي رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال : غير مخلقة قذفها في الرحم دماً، ولم تكن نسمة، وإن قال : مخلقة قال الملك : أي رب ذكر أم أنثى، وشقيّ أم سعيد، ما الأجل ما العمل ما الرزق بأي أرض تموت ؟ فيقال له : اذهب إلى أمّ الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك فيذهب فيجدها في أمّ الكتاب فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها، والذي أخرجاه في الصحيحين عنه قال : حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق :«إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوماً نطفه، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً يكتب رزقه وأجله وعمله وشقيّ أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » فكأنه تعالى يقول : إنما نقلناكم من حال إلى حال، ومن خلقه إلى خلقة ﴿لنبيّن لكم﴾ بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا، وإنّ من قدر على خلق البشر من التراب والماء أوّلاً، ثم من نطفة ثانياً، ولا تناسب بين التراب والماء وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاماً قدر على إعادة ما أبدأه بل هو أدخل في القدرة من تلك وأهون في القياس، وورود الفعل غير معدّى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يحيط به الوصف ولا يكتنهه الذكر ﴿ونقرّ في الأرحام﴾ أي : من ذلك الذي خلقناه ﴿ما نشاء﴾ إتمامه ﴿إلى أجل مسمى﴾ هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه آخر أربع سنين بحسب قوّة الأرحام وضعفها، وقوّة المخلقات وضعفها وكثرة تغذيه من الدماء، وقلته إلى غير ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا باريها جلت قدرته وتعالت عظمته، وما لم نشأ إقراره مجته الأرحام وأسقطته دون التمام، أو تحرقه فيضمحل. المرتبة الخامسة : قوله تعالى :﴿ثم نخرجكم طفلاً﴾ وهو معطوف على نبين، ومعناه خلقناكم مدرّجين هذا التدريج لغرضين أحدهما : أن نبين قدرتنا، والثاني : أن نقرّ في الأرحام من نقرّ حتى تولدوا في حال الطفولية من صغر الجثة وضعف البدن والسمع والبصر، وجميع الحواس لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر أجرامكم وعظم أجسامكم. المرتبة السادسة : قوله تعالى :﴿ثم﴾ أي : نمدّ أجلكم ﴿لتبلغوا﴾ بهذا الانتقال في أسنان الأجسام من الرضاع إلى المراهقة إلى البلوغ إلى الكهولة ﴿أشدكم﴾ أي : الكمال والقوّة، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين جمع شدّة كالأنعم جمع نعمة كأنه شدّة في الأمور. المرتبة السابعة : قوله تعالى :﴿ومنكم من يتوفى﴾ أي : عند بلوغ الأشدّ أو قبله ﴿ومنكم من يردّ﴾ بالشيخوخة وبناه للمجهول إشارة إلى سهولته عليه لاستبعاده لولا تكرار المشاهدة عند الناظر لتلك القوّة والنشاط وحسن التواصل بين أعضائه والارتباط ﴿إلى أرذل﴾ أي : أخس ﴿العمر﴾ وهو سنّ الهرم فتنقص جميع قواه ﴿لكيلا يعلم من بعد علم﴾ كان أوتيه ﴿شيئاً﴾ أي : ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما علمه وينكر من عرفه حتى يسأل عنه من ساعته يقول لك : من هذا ؟ فتقول : فلان فما يلبث لحظة إلا سألك عنه. فإن قيل : هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى :﴿ثم رددناه أسفل سافلين ٥ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [ التين، ٥ – ٦ ] أجيب : بأن معنى قوله تعالى :﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ هو دلالة على الذمّ، فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة، ولذلك قال تعالى :﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، لكن قال عكرمة : من قرأ القرآن لم يصر إلى هذه الحالة، وقد علم بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر الجسم إلى نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق قطعاً أن الذي أعاده إلى ذلك قادر على إعادته بعد الممات، ولما تم هذا الدليل على الساعة بحكم المقدّمات وأصح النتائج، وكان أوّل الإيجاد فيه غير مشاهد ذكر الله تعالى دليلاً آخر على البعث مشاهداً بقوله :﴿وترى الأرض هامدة﴾ أي : يابسة ساكنة سكون الميت ﴿فإذا أنزلنا﴾ أي : بما لنا من القدرة ﴿عليها الماء اهتزت﴾ أي : تحركت وتأهلت لإخراج النبات ﴿وربت﴾ أي : ارتفعت، وذلك أوّل ما يظهر منها للعين، وزادت ونمت بما يخرج منها من النبات الناشئ عن التراب والماء، وقوله تعالى :﴿وأنبتت﴾ مجاز ؛ لأنّ الله تعالى هو المنبت وأضيف إلى الأرض توسعاً أي : أنبتت بتقديرنا لا أنها المنبتة ﴿من كل زوج﴾ أي : صنف ﴿بهيج﴾ أي : حسن نضير من أشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها ومنافعها ومقاديرها، قال الجلال المحلي : من زائدة، ولم أرَ من ذكر ذلك من المفسرين. تنبيه : في الآية إشارة إلى أنّ النبات كما يتوجه من نقص إلى كمال، فكذلك الإنسان المؤمن يترقى من نقص إلى كمال، ففي المعاد يصل إلى كماله الذي أعدّ له من البقاء والغنى والعلم والصفاء والخلود في دار السلام مبرأ عن عوارض هذا العالم،

الحج 22:6

ولما قرّر سبحانه هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة، وذكر أموراً خمسة أحدها قوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : المذكور من بدء الخلق إلى آخر إحياء الأرض ﴿بأنّ﴾ أي : بسبب أن تعلموا أنّ ﴿الله﴾ أي : الجامع لأوصاف الكمال ﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الحق﴾ أي : الثابت الدائم وما سواه فان، ثانيها قوله تعالى :﴿وأنه يحيي الموتى﴾ أي : قادر على ذلك وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة، ثالثها : قوله تعالى :﴿وأنه على كل شيء﴾ من الخلق وغيره ﴿قدير﴾ ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [ يس، ٨٢ ].

الحج 22:7

رابعها : قوله تعالى :﴿وأن الساعة﴾ التي تقدّم ذكرها وتقدّم التحذير منها وهي حشر الخلائق كلهم ﴿آتية لا ريب﴾ أي : لا شك ﴿فيها﴾ أي : بوجه من الوجوه مما دلّ عليها مما لا سبيل إلى إنكاره بقول من لا مرد لقوله، وهو حكيم لا يخلف ميعاده، ولا يسوغ بوجه أن يترك عباده بغير حساب، خامسها : قوله تعالى :﴿وأنّ الله يبعث﴾ بالإحياء ﴿من في القبور﴾ بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف، وقد وعد الساعة والبعث، فلا بدّ أن يفي بما وعد.

الحج 22:8

ونزل في أبي جهل بن هشام كما قاله ابن عباس :﴿ومن الناس من يجادل﴾ أي : بغاية جهده ﴿في الله﴾ أي : في قدرته وما يجمعه هذا الاسم الشريف من صفاته بعد هذا البيان الذي لا مثل له ولا خفاء فيه ﴿بغير علم﴾ أتاه عن الله تعالى على لسان أحد من أصفيائه أعمّ من أن يكون كتاباً أو غيره ﴿ولا هدى﴾ أرشده إليه أعمّ من كونه بضرورة أو استدلال ﴿ولا كتاب منير﴾ له نور منه صح لديه أنه من الله تعالى، ومن المعلوم أنه بانتفاء هذه الثلاثة لا يكون جداله إلا بالباطل، وقيل : قوله تعالى :﴿ومن الناس﴾ كرّر كما كرّرت سائر الأقاصيص، وقيل : الأوّل في المقلدين، وهذا في المقلدين. :

الحج 22:9

وقوله تعالى :﴿ثاني عطفة﴾ حال أي : لاوي عنقه تكبراً عن الإيمان كما قال تعالى :﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً﴾ [ لقمان، ٧ ] والعطف في الأصل الجانب عن يمين أو شمال، وقوله تعالى :﴿ليضلّ عن سبيل الله﴾ علة للجدال، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بضمها. فإن قيل : على قراءة الضمّ ما كان غرضه في جداله الضلال لغيره عن سبيل الله، فكيف علل به وما كان على قراءة الفتح مهتدياً حتى إذا جادل خرج بالجدال عن الهدى إلى الضلال ؟ أجيب عن الأوّل : بأن جداله لما أدّى إلى الضلال جعل كأنه غرضه، وعن الثاني : بأنّ الهدى لما كان معرّضاً له فتركه وأعرض عنه وأقبل على الجدال الباطل جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال. ولما ذكر فعله وثمرته ذكر ما أعدّ له عليه في الدنيا بقوله تعالى :﴿له في الدنيا خزي﴾ أي : إهانة وذل وإن طال زمن استدراجه بتنعيمه حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه، وما أعدّ له عليه في الآخرة بقوله تعالى :﴿ونذيقه يوم القيامة﴾ الذي يجمع فيه الخلائق بالإحياء بعد الموت ﴿عذاب الحريق﴾ أي : الإحراق بالنار، وعن الحسن قال : بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرّة ويقال له حقيقة أو مجازاً.

الحج 22:10

﴿ذلك﴾ أي : العذاب العظيم ﴿بما قدمت يداك﴾ أي : بعملك، ولكن جرت عادة العرب أن تضيف الأعمال إلى اليد ؛ لأنها آلة أكثر العمل وإضافة ما يؤدي إليهما أنكى ﴿وأنّ﴾ أي : وبسبب أنّ ﴿الله ليس بظلام﴾ أي : بذي ظلم ما ﴿للعبيد﴾ وإنما هو مجاز لهم على أعمالهم أو أن المبالغة لكثرة العبيد. ونزل في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهراً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله قال هذا دين حسن وقد أصبت به خيراً، واطمأن به، وإن كان الأمر بخلافه قال : ما أصبت إلا شرّاً، فينقلب عن دينه.

الحج 22:11

﴿ومن الناس من يعبد الله﴾ أي : يعمل على سبيل الاستمرار والتجدّد بما أمر الله به من طاعته ﴿على حرف﴾ فهو مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل أو غيره لا استقرار له، وكالذي على طرف من العسكر، فإن رأى غنيمة استمرّ، وإن توهم خوفاً طار وفرّ، وذلك معنى قوله تعالى :﴿فإن أصابه خير﴾ أي : من الدنيا ﴿اطمأنّ به﴾ أي : بسببه وثبت على ما هو عليه ﴿وإن أصابته فتنة﴾ أي : محنة وسقم في نفسه وماله ﴿انقلب على وجهه﴾ أي : رجع إلى الكفر، وعن أبي سعيد الخدريّ :«أن رجلاً من اليهود أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقلني، فقال : إن الإسلام لا يقال، فنزلت » ولما كان انقلابه هذا مفسدة لدنياه ولآخرته قال تعالى :﴿خسر الدنيا﴾ بفوات ما أمّله منها ويكون ذلك سبب التقتير عليه قال تعالى :﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ [ المتئدة، ٦٦ ]، وروي " إنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيب ". ﴿والآخرة﴾ بالكفر، ثم عظم مصيبته بقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الأمر العظيم ﴿هو﴾ أي : لا غيره. ﴿الخسران المبين﴾ أي : البين إذ لا خسران مثله

الحج 22:12

ثم بين هذا الخسران الذي ردّه إلى ما كان فيه قبل الإيمان الحرفيّ بقوله تعالى : ﴿يدعو﴾ أي : يعبد حقيقة أو مجازاً ﴿من دون اللَّه﴾ أي : غير من الصنم ﴿ما لا يضرّه﴾ إن لم يعبده ﴿وما لا ينفعه﴾ إن عبده ﴿ذلك﴾ أي : الدعاء ﴿هو الضلال البعيد﴾ عن الحق والرشاد استعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالاً فطالت وبعدت مسافة ضلاله.

الحج 22:13

ولما كان الإحسان جالباً للإنسان لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها بَيَّن أن ما قيل في جلب النفع إنما هو على سبيل الفرض، فقال تعالى :﴿يدعو لمن﴾ أي : من ﴿ضرّه﴾ بكونه معبوداً، لأنه يوجب القتل والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿أقر من نفعه﴾ الذي يتوقع منه بعبادته، وهو الشفاعة والتوسل بها إلى الله تعالى. تنبيه : علم مما تقرّر أنّ اللام في لمن مزيدة كما قال الجلال المحلي، ﴿فإن قيل﴾ : الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين وهذا متناقض. ( أجيب ) بأنّ المعنى إذا حصل ذهب هذا الوهم وذلك أنّ الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جماداً لا يملك ضرّاً ولا نفعاً فيه بجهله وضلاله أنه ينتفع به حين يستشفع به ثم يوم القيامة يقوم هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله الرؤساء وهم الذين كانوا يفزعون إليهم بدليل قوله تعالى :﴿لبئس المولى﴾ أي : الناصر هو ﴿ولبئس العشير﴾ أي : الصاحب هو قال الرازيّ وهذا الوصف بالرؤساء أليق لأنّ ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء.

الحج 22:14

ولما بين سبحانه وتعالى حال الكفار عقبه بحال المؤمنين بقوله تعالى :﴿إنّ الله﴾ أي : الجامع لجميع صفات الكمال المنزه عن جميع شوائب النقص ﴿يُدخل الذين آمنوا﴾ بالله ورسله ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ من الفروض والنوافل الخالصة الشاهدة بثباتهم في الإيمان ﴿جنات تجري من تحتها﴾ أي : في أيّ مكان من أرضها ﴿الأنهار﴾. ولما بين سبحانه وتعالى حال الفريقين قال تعالى ﴿إن الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿يفعل ما يريد﴾ من إكرام من يطيعه وإهانة من بعصيه لا دافع له ولا مانع.

الحج 22:15

وقوله تعالى :﴿من كان يظنّ أن لن بنصره الله في الدنيا والآخرة﴾ فيه اختصار والمعنى أنّ الله ناصر رسوله في الدنيا والآخر فمن كان يظنّ خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه فالضمير راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن قيل لم يجر له ذكر في هذه الآية ﴿أجيب﴾ بأنّ فيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله تعالى :﴿إن الله يُدخل الذين آمنوا﴾ والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله، وقيل : الضمير راجع إلى من في أوّل الآية لأنه المذكور ومن حق الكناية أن ترجع إلى المذكور إذا أمكن ذلك، وعلى هذا المراد بالنصر الرزق. قال أبو عبيدة : وقف علينا سائل من بني بكر فقال : من ينصرني نصره الله ؟ أي : من يعطني أعطاه الله فكأنه قال من كان يظنّ أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة ﴿فليمدد بسبب﴾ أي : بحبل ﴿إلى السماء﴾ أي : سقف بيته يشدّ بينه وبين عنقه ﴿ثم ليقطع﴾ أي : ليختنق به بأن يقطع نفسه من الأرض كما في الصحاح. وقيل : فليمدد حبلاً إلى سماء الدنيا ثم ليصعد عليه فيجتهد في دفع نصر النبي صلى الله عليه وسلم على الأوّل، أو يحصل رزقه على الثاني، وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام والباقون بسكونها ﴿فلينظر﴾ ببصره وبصيرته ﴿هل يُذهبنّ﴾ وإن اجتهد ﴿كيده﴾ في عدم نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته أو أنّ ذلك لا يغلب القسمة فإنّ الأرزاق بيد الله لا تنال إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى وهذا كما يقال لمن أدبر عنه أمر فجزع : اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا، مت غيظاً ونحو ذلك، والحاصل : إن لم يصبر طوعاً صبر كرهاً واختلف في سبب نزول هذه الآية على القول الأوّل فذكروا فيها وجوهاً : أحدها : كان قوم من المسلمين لشدّة غيظهم على الكفار يستبطؤن ما وعد الله رسوله من النصر فنزلت. ثانيها : قال مقاتل : نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا : نخاف أنّ الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا.

الحج 22:16

ثالثها : أنّ حساده وأعداءه كثيرة وكانوا يتوقعون أن لا ينصره وأن لا يعينه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك ﴿وكذلك﴾ أي : ومثل ما أنزلنا هذه الآيات لبيان حكمها وإظهار أسرارها ﴿أنزلناه﴾ أي : القرآن الباقي وقوله تعالى :﴿آيات بينات﴾ أي : معجزاً نظمها كما كان معجزاً حكمها حال وقوله تعالى :﴿وأنّ الله﴾ أي : الموصوف بالإكرام كما هو موصوف على محل أنزلناه.

الحج 22:17

ولما قال تعالى :﴿وأنّ الله يهدي من يريد﴾ أنبعه ببيان من يهديه ومن لا يهديه وبدأ بالقسم الأوّل بقوله :﴿إن الذين آمنوا﴾ بالله ورسوله وعبر بالفعل ليشمل الإقرار باللسان الذي هو أدنى وجوه الإيمان ثم شرع في القسم الثاني بقوله تعالى :﴿والذين هادوا﴾ أي : انتحلوا دين اليهودية ﴿والصابئين﴾ وهم فرقة من النصارى سميت بذلك قيل : لنسبتها إلى صابي عم نوح، وقيل : لخروجهم عن دين إلى دين لآخر، وإطلاق الصابئة على هذا هو المشهور وتارة يوافقونهم في أصول دينهم فتحل مناكحتهم وتارة يخالفونهم فلا تحل مناكحتهم وتطلق أيضاً على قوم أقدم من النصارى يعبدون الكواكب السبعة ويضيفون الآثار إليها وينفون الصانع المختار فهؤلاء لا تحل مناكحتهم وقد أفتى الإصطخري والمحاملي بقتلهم لما استفتى القاهر الفقهاء فيهم فبذلوا له أموالاً كثيرة فتركهم والبلاء قديم وقرأ نافع بالياء التحتية بعد الباء والباقون بهمزة مكسورة بعد الباء الموحدة ﴿والنصارى﴾ أي : الذين انتحلوا دين النصرانية ﴿والمجوس﴾ قال قتادة : هم عبدة الشمس والقمر والنيران قال :﴿والذين أشركوا﴾ هم عبدة الأوثان قال مقاتل : الأديان كلها ستة واحد للرحمن وهو الإسلام، وخمسة للشيطان وقيل : خمسة، أربعة للشيطان، وواحد للرحمن بجعل الصابئين مع النصارى لأنهم فرع منهم كما مر على المشهور وقد تقدّم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة ﴿إنّ الله﴾ الذي هو أحكم الحاكمين ﴿يفصل بينهم يوم القيامة﴾ بإدخال المؤمنين الجنة وغيرهم النار وأدخلت إنَّ على كل واحد من جزأى الجملة لزيادة التأكيد ونحوه قول جرير : إنّ الخليفة إنّ اللَّه سربله؍ سربال ملك به ترجى الخواتيم؍ ثم ذلك بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الجامع لجميع صفات الكمال ﴿على كل شيء﴾ من الأشياء كلها ﴿شهيد﴾ أي : عالم به علم مشاهدة.

الحج 22:18

﴿ألم تر﴾ أي تعلم ﴿أن الله يسجد له﴾ أي : يخضع منقاداً لأمره سبحانه مسخراً لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها ﴿من في السماوات ومَنْ في الأرض﴾ إن خصصت بذلك العاقل أفهم خضوع غيره من باب أولى وإن أدخلت غير العاقل فبالتغليب ثم أتبعه بأشرف ما ذكر مما لا يعقل لأنّ كلاً منهما عبد من دون الله أو عبد شيء منه فقال تعالى :﴿والشمس والقمر والنجوم﴾ من الأجرام العلوية فعبد الشمس حمير، والقمر كنانة، والدبران تميم، والشعري لخم، والثريا طيىء، وعطارد أسد، قاله أبو حيان، روى عن عمرو بن دينار قال : سمعت رجلاً يطوف بالبيت ويبكي فإذا هو طاووس فقال أعجبت من بكائي ؟ قلت : نعم. قال : ورب الكعبة إن هذا القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له. ثم أتبع ذلك أعلى الذوات السفلية فقال ﴿والجبال﴾ أي : التي قد نختت منها الأصنام ﴿والشجر﴾ أي : التي عبد بعضها ﴿والدوابّ﴾ أي : التي عبد منها البقر، كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله ولا تأبى عن تدبيره ﴿وكثير من الناس﴾ وهم المؤمنون بزيادة الخضوع سجد سجوداً هو منه عبادة مشروعة فحق له الثواب ﴿وكثير﴾ أي : من الناس ﴿حق عليه العذاب﴾ وهم الكافرون ؛ لأنهم أَبَو، السجود المتوقف على الإيمان ﴿ومَن يُهن الله﴾ أي : يُشْقِهِ ﴿فما له من مكرم﴾ أي : مسعد، لأنه لا قدرة لغيره أصلاً ﴿إنّ الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿يفعل ما يشاء﴾ من الإكرام والإهانة، لا مانع له من ذلك، نقل عن عليّ رضي الله تعالى عنه أنه قيل له : إنّ رجلاً يتكلم في المشيئة فقال له عليّ يا عبد الله خلقك الله لما يشاء أو لما شئت ؟ قال بل لما يشاء. قال : فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت ؟ قال : بل إذا شاء. قال : فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت ؟ قال : بل إذا شاء. قال : فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء ؟ قال : بل حيث يشاء قال : والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف.

الحج 22:19

ولما بين تعالى أنّ الله قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكر كيفية اختصامهم بقوله تعالى :﴿هذان خصمان﴾ أي : المؤمنون خصم والكفار الخمسة خصم وهو يطلق على الواحد والجماعة وقرأ ابن كثير بتشديد النون والباقون بالتخفيف ﴿اختصموا﴾ أي : أوقعوا الخصومة بغاية الجهد ﴿في ربهم﴾ أي : دينه، وروى عن قيس بن عباد قال : سمعت أبا ذرّ يقسم قسماً إن هذه الآية ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في الذين برزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيد بن الحارث وعتبة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة أخرجاه في الصحيحين وعن ابن عباس قال لما بارز عليّ وحمزة وعبيدة عتبة وشيبة والوليد قالوا لهم : تكلموا نعرفكم. قال أنا عليّ وهذا حمزة وهذا عبيدة فقالوا : أكفاء كرام فقال عليّ أدعوكم إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال عتبة هلم للمبارزة فبارز عليّ شيبة فلم يلبث أن قتله بارز حمزة عتبة فقتله وبارز عبيدة الوليد فصعق عليه فأتى عليّ فقتله فنزلت وعن قتادة نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم قال المسلمون كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء فنحن أولى بالله منكم، وعن ابن عباس أنها نزلت كذلك لكن قال أهل الكتاب : نحن أولى بالله وأقدم بين يديكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم وقال المسلمون : نحن أحق بالله منكم آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنكم تعرفون نبينا وكتابنا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم، وقيل : المؤمنون والكافرون من أيّ ملة كانوا فالمؤمنون خصم والكفار خصم، وقيل : الخصمان الجنة والنار لما روي عن أبي هريرة أنه قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحاجت الجنة والنار، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله عز وجل للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار : إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها » وعن عكرمة فقالت النار خلقني الله لعقوبته وقال الجنة خلقني الله لرحمته وهذا القول بعيد عن السياق ؛ لأنّ الله تعالى ذكر جزاء الخصمين بقوله تعالى :﴿فالذين كفروا﴾ وهو الفصل بينهم المعني بقوله تعالى :﴿إنّ الله يفصل بينهم يوم القيامة﴾ ﴿قطعت﴾ أي : قدّرت ﴿لهم﴾ على تقادير جثثهم ﴿ثبات من نار﴾ أي : نيران تحيط بهم إحاطة الثياب سابغة عليهم كما كانوا يسبلون الثياب في الدنيا تفاخراً وتكبراً وعن إبراهيم التيمي أنه قال : سبحان من قطع من النار ثياباً. وعن سعيد بن جبير قال : قطعت من نحاس وليس من الآنية شيء إذا حمى أشدّ حرارة منه. وقال في قوله :﴿يصبّ﴾ أي : ادخلوها ﴿من فوق رؤوسهم الحميم﴾ قال ابن النحاس يذاب على رؤوسهم ولكن المشهور أنه الماء الحار وعن ابن عباس : لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها، والجملة حال من الضمير في لهم، أو خبر ثان وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم وقرأ حمزة والكسائي بضم الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم هذا في الوصل، فإن وقف على رؤوسهم فالجميع بكسر الهاء وسكون الميم وحمزة على أصله في الوقف على رؤوسهم بتسهيل الهمزة.

الحج 22:20

﴿يصهر﴾ أي : يذاب ﴿به﴾ من شدّة حرارته ﴿ما في بطونهم﴾ من شحم وغيره ﴿والجلود﴾ فيكون أثره في الباطن والظاهر سواء وقال ابن عباس يسقون ماء إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون.

الحج 22:21

﴿ولهم مقامع﴾ جمع مقمعة بكسر ثم فتح وهو عمود حديد وقيل : سوط يضرب به الوجه والرأس ليردّ المضروب عن مراده ردّا عنيفاً ثم نفي المجاز بقوله تعالى :﴿من حديد﴾ أي : يقمعون بها روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أنّ مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان.

الحج 22:22

﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها﴾ أي : من تلك الثياب أو من النار ﴿من غمّ﴾ أي : كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ بأنفسهم ﴿أعيدوا فيها﴾ أي : ردّوا إليها بالمقامع، وعن الحسن أنهم يضربون بلهب النار فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً، وعن الفضيل بن عياض قال : والله ما طمعوا في الخروج لأنّ الأرجل مقيدة والأيدي موثقة ولكن يرفعهم لهبها وتردّهم مقامعها وعن الحسن قال كان عمر يقول أكثروا ذكر النار فإنّ حرّها شديد، وقعرها بعيد، وإنّ مقامعها من حديد ﴿و﴾ قيل لهم ﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾ أي : البالغ نهاية الإحراق.

الحج 22:23

ولما ذكر تعالى مالاً حد الخصمين وهم الكافرون أتبعه ما للآخر وهم المؤمنون، وغير الأسلوب فيه حيث لم يقل والذين آمنوا عطفاً على الذين كفروا وأسند الإدخال فيه إلى الله تعالى وأكده بأنّ احماداً لحال المؤمنين وتعظيماً لشأنهم فقال ﴿إن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿يدخل الذين آمنوا﴾ بالله ورسوله ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ من الفروض والنوافل الخالصة الشاهدة بثباتهم في الإيمان ﴿جنات تجري﴾ أي : دائماً ﴿من تحتها الأنهار﴾ أي : المياه الواسعة أينما أردت من أرضها جري لك نهر في مقابلة ما يجري من فوق رؤوس أهل النار، عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال إنّ في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعده » أخرجه الترمذي وقال : حديث صحيح ﴿يحلون فيها﴾ من حليت المرأة إذا لبست الحلي في مقابلة ما يزال من بواطن الكفرة وظواهرهم وقوله تعالى ﴿من أساور﴾ صفة مفعول محذوف أي : حلياً من أساور ومن زائدة أو تبعيضية وأساور جمع أسورة وهي جمع سوار. ولما كان المقصود الحث على التقوى المعلية إلى الإنعام بالفضل شوّق إليه بأعلى ما يعرف من الحلية فقال ﴿من ذهب﴾ وقوله تعالى :﴿ولؤلؤ﴾ معطوف على أساور لا على ذهب لأنه لم يعهد السوار منه إلا أن يراد المرصعة وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن » وعن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ عليهم التيجان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب » أخرجه الترمذي وقال : حديث غريب وقرأ نافع وعاصم بنصب الهمزة الثانية مع التنوين عطفاً على محل أساور أو إضمار الناصب مثل ويؤتون والباقون بالخفض مع التنوين وأبدل الهمزة الأولى الساكنة حرف مدّ السوسي وأبو بكر هذا حالة الوصل، وأمّا الوقف فحمزة يبدل الأولى واواً وكذا الثانية تبدل واواً له أيضاً فيها الرَّوْم وقوله تعالى :﴿ولباسهم فيها حرير﴾ وهو الإبريسم المحرم لبسه على الرجال المكلفين في الدنيا في مقابلة ثياب الكفار كما كان لبسا الكفار في الدنيا حريراً ولباس المؤمنين دون ذلك، وقد ورد في الصحيحين عن عبد الله ابن الزبير عن عمر رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال «لا تلبسوا الحرير فإنّ من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ». قال ابن كثير قال عبد الله بن الزبير ومن لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة قال الله تعالى :﴿ولباسهم فيها حرير﴾ انتهى وفي الصحيحين أيضاً عن عمر رضي الله عنه أن أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة » قال البقاعي : فيوشك المتشبه بالكفار في لباسهم أن يلحقه الله بهم فلا يموت مسلماً اه والأولى أن يحمل ذلك على أنه لا يلبسه مع السابقين فإنّ من مات على الإسلام لا بدّ من دخوله الجنة أو على من استحله من الرجال المكلفين.

الحج 22:24

﴿وهدوا﴾ أي : في الدنيا ﴿إلى الطيب من القول﴾ قال ابن عباس : هو شهادة أن لا إله إلا الله وقيل هو لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله، وقال السدي : هو القرآن. وقال عطاء : هو قول أهل الجنة الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴿وهدوا إلى صراط الحميد﴾ أي طريق الله المحمود ودينه فكان فعلهم حسناً كما كان قولهم حسناً فدخلوا الجنة التي هي أشرف دار عند خير جار، وحلوا فيها أشرف الحلي كما تحلوا في الدنيا بأشرف الطرائق عكس الكفار فإنهم آثروا الفاني لحضوره وأعرضوا عن الباقي مع شرفه لغياته فدخلوا ناراً كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها.

الحج 22:25

ثم ذكر تعالى بعد ما فصل بين الفريقين حرمة البيت وعظم جرم من صدّ عنه فقال تعالى :﴿إن الذين كفروا﴾ أي : أوقعوا هذا الفعل الخبيث وصح عطف ﴿ويصدون﴾ وإن كان مضارعاً على الماضي لأنّ المضارع قد لا يلاحظ منه زمان معين م حال أو استقبال بل يكون المقصود منه الدلالة على مجرّد الاستمرار كما يقال : فلا يحسن إلى الفقراء لا يراد حال ولا استقبال وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه فالصدود منهم مستمرّ دائم للناس ﴿عن سبيل الله﴾ أي : عن طاعته باقتسامهم طرق مكة يقول بعضهم لمن يمرّ به خرج فينا ساحر وآخر يقول شاعر وآخر يقول كاهن فلا تسمعوا منه فإنه يريد أن يردكم عن دينكم حتى قال من أسلم لم يزالوا بي حتى جعلت في أذني الكُرسف مخافة أن أسمع شيئاً من كلامهم وكانوا يؤذون من أسلم إلى غير ذلك من أعمالهم ﴿و﴾ يصدّون عن ﴿المسجد الحرام﴾ أن تقام شعائره من الطواف بالبيت، والصلاة، والحج، والاعتمار ممن هو أهل ذلك من أوليائنا، ثم وصفه بما يبين شديد ظلمهم في الصدّ عنه بقوله تعالى :﴿الذين جعلناه﴾ بما لنا من العظمة ﴿للناس﴾ أي : كلهم ثم بين جعله لهم بقوله تعالى :﴿سواء العاكف﴾ أي : المقيم ﴿فيه والباد﴾ أي : الطارئ من البادية وهو الجائي إليه من غربة، وقال بعضهم : يدخل في العاكف الغريب إذا جاءه للتعبد وإن لم يكن من أهله قال الزمخشري : وقد استشهد بهذا أصحاب أبي حنيفة قائلين إنّ المراد بالمسجد الحرام مكة على امتناع جواز بيع دور مكة وإجارتها انتهى. وأيضاً هو مذهب ابن عمر وعمر ابن عبد العزيز وإسحاق الحنطي المعروف بابن راهويه قال البيضاويّ وهو مع ضعفه معارض بقوله تعالى :﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ [ البقرة، ٢٤٣ ] الآية. وشرى عمر داراً ليسجن فيها من غير نكير انتهى ووجه الرازي الضعيف بقوله : لأن العاكف قد يراد به الملازم للمسجد المعتكف فيه على الدوام أو في الأكثر فلا يلزم ما ذكر ويحتمل أن يراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من الأوقات من التعبد فيه فلا وجه لصرف الكلام عن ظاهره مع هذه الاحتمالات انتهى واستدل أيضاً للجواز بقوله صلى الله عليه وسلم لما قال له أسامة بن زيد «يا رسول الله أتنزل غداً بدارك بمكة فقال وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور » وكان عقيل ورث أبا طالب دون علي وجعفر لأنهما كانا مسلمين ولا يورث إلا ما كان الميت مالكاً له قال الروياني : ويكره بيعها وإجارتها للخروج من الخلاف ونازعه النووي في مجموعه وقال : إنه خلاف الأولى لأنه لم يرد فيه نهي مقصود والأوّل كما قال الزركشيّ هو المنصوص بل اعترض على النوويّ فإنه صرّح بكراه بيع المصحف والشطرنج ولم يرد في ذلك نهي مقصود. تنبيه : محل الخلاف بين العلة في بيع نفس الأرض أمّا البناء فهو مملوك يجوز بيعه بلا خلاف أي : إذا لم يكن من أجزاء أرضها قيل : إن إسحاق الحنطيّ ناظر الشافعيّ رضي الله تعالى عنه بمكة في بيع دور مكة فاستدلّ الشافعي بما مرّ واستدلّ هو على المنع بقوله حدّثني بعض التابعين بأنها لا تباع فقال له الشافعيّ : لو قام غيرك مقامك لأمرت بفرك أذنيه، أقول لك : قال الله ورسوله تقول : حدّثني بعض التابعين وقال الرازي فقال إسحاق : فلما علمت أن الحجة لزمتني تركت قولي. وقرأ حفص سواء بالنصب على أنه ثاني مفعولي جعلناه أي : جعلناه مستوياً العاكف فيه والباد، والباقون بالرفع على أن الجملة مفعول ثان لجعلناه، ويكون للناس حالاً من الهاء ويصح أن يكون حالاً من المستكنّ في للناس بجعله مفعولاً ثانياً لجعلنا وقرأ ورش وأبو عمرو البادي بإثبات الياء بعد الدال وصلاً لا وقفاً وأثبتها ابن كثير وقفاً ووصلاً وحذفها الباقون وقفاً ووصلاً ﴿ومن يرد فيه﴾ أي : المسجد الحرام ﴿بإلحاد بظلم﴾ أي : بميل إلى الظلم والإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحاداً لحافر وقيل : الإلحاد فيه هو الشرك وعبادة غير الله، وقيل : هو كل شيء منهيّ عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم، وقيل : هو دخول الحرم بغير إحرام أو ارتكاب شيء من محظورات الإحرام من قتل صيد أو قطع شجر، وقال ابن عباس : هو أن تقتل فيه من لا يقتلك، أو تظلم فيه من لا يظلمك. وقال مجاهد : هو تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. وقال سعيد بن جبير : احتكار الطعام بمكة بدليل ما روى يعلى بن أمية أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إنّ احتكار الطعام في الحرم إلحاد » وعن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله بلى والله وعن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له فقال كنا نحدّث أنّ من الإلحاد فيه أن يقول الرجل : لا والله وبلى والله. تنبيه : قوله : بإلحاد بظلم حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال : ومن يرد فيه مراداً أمّا عادلاً عن القصد ظالماً ﴿نذقه من عذاب أليم﴾ أي : مؤلم أي : بعضه وخبر إنّ محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره إنّ الذين كفروا ويصدّون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، فكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك فينبغي لمن كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده.

الحج 22:26

ولما ذكر تعالى الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت أتبعه التذكير به فقال تعالى :﴿وإذ﴾ أي : واذكر إذ ﴿بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ أي : جعلنا له مكان البيت مبوّأ أي : مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، فإنّ البيت رفع إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء فأعلم الله إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها يقال لها : الخجوج كشفت ما حوله فبناه على أسِّهِ القديم، وقيل : بعث الله تعالى له سحابة بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا إبراهيم ابن علي دوري فبني عليه، وعن عطاء بن أبي رباح قال : لما أهبط الله آدم عليه السلام كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع تسبيح أهل السماء ودعاءهم وأنس إليهم فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله تعالى في دعائها، وقيل في صلاتها فأخفضه الله تعالى إلى الأرض، فلما فقدما كان يسمع منهم استوحش وقيل : أوّل من بني البيت إبراهيم لما روى وورد في الصحيحين عن بي ذر قال :«قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أولاً ؟ قال المسجد الحرام، قلت : ثم أيّ ؟ قال : بيت المقدس قلت كم بينهما قال أربعون سنة » ثم فسر التبوئة بقوله تعالى :﴿أن لا تشرك بي شيئاً﴾ فابتدأ بأُسِّ العبادة ورأسها وعطف على النهي قوله تعالى :﴿وطهر بيتي﴾ أي : عن كل ما لا يليق به من الأوثان والأقذار وطواف عريان به كما كان العرب تفعل ﴿للطائفين﴾ أي : الذين يطوفون بالبيت فإن قيل كيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسير للتبوئة ؟ ( أجيب ) بأنّ التبوئة لما كانت مقصودة من أجل العبادة فكأنه قيل تعبدنا إبراهيم قلنا له لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفتين، وقال ابن عباس للطائفين بالبيت من غير أهله ﴿والقائمين﴾ أي : المقيمين ﴿والركوع السجود﴾ أي : المصلين من الكل وقال غيره القائمين هم المصلون لأنّ المصلي لا بدّ أن يكون في صلاته جامعاً بين القيام والركوع والسجود، قال البيضاويّ : ولعله عبر عن الصلاة بأركانها للدلالة على أنّ كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك كيف وقد اجتمعت.

الحج 22:27

﴿وأذن في الناس﴾ أي : أعلمهم وناد فيهم ﴿بالحج﴾ وهو قصد البيت على سبيل التكرار للعبادة المخصوصة بالمشاعر المنصوصة، وفي المأمور بذلك قولان : أحدهما وعليه أكثر المفسرين أنه إبراهيم عليه السلام، قالوا : لما فرغ من بناء البيت قال الله تعالى له أذن في الناس بالحج. قال : يا رب وما يبلغ صوتي ؟ قال : عليك الأذان وعليّ البلاغ فصعد إبراهيم الصفا وفي رواية أخرى أبا قبيس وفي أخرى على المقام قال إبراهيم : كيف أقول قال جبريل قل لبيك اللهمّ لبيك فهو أوّل من لبى وفي رواية أخرى صعد على الصفا فقال : يا أيها الناس إنّ الله كتب عليكم حج هذا البيت العتيق، فسمعه ما بين السماء والأرض فما بقي شيء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول لبيك اللهمّ لبيك، وفي رواية أخرى : إنّ الله يدعوكم إلى حج بيته الحرام ليثيبكم به الجنة ويجيركم من الناس فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء وكل من وصل إليه صوته من حجر، أو شجر، أو آنية، أو تراب قال مجاهد فما حج إنسان ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك النداء فمن أجاب مرّة حج مرّة، ومن أجاب مرّتين أو أكثر فيحج مرّتين أو أكثر بذلك المقدار، وفي رواية فنادى على جبل أبي قبيس يا أيها الناس إنّ ربكم بنى بيتاً وأوجب الحج عليكم إليه فأجيبوا ربكم والتفت بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجل وأرحام الأمّهات لبيك اللهمّ لبيك، وعن ابن عباس قال لما أمر الله إبراهيم بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى. القول الثاني : أنّ المأمور بذلك هو النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الحسن واختاره أكثر المعتزلة واحتجوا عليه بأنّ ما جاء في القرآن وأمكن حمله على أنّ محمد صلى الله عليه وسلم هو المخاطب به فهو أولى لأنّ قوله تعالى :﴿وإذ بوأنا﴾ تقديره واذكر يا محمد إذ بوّأنا فهو في حكم المذكور، فإذا قال تعالى : وأذن فإليه يرجع الخطاب أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، روي عن أبي هريرة قال :«خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا » وجواب الأمر ﴿يأتوك﴾ أي يأتوا بيتك الذي بنيته لذلك مجيبين لصوتك بإذننا سامعين طائعين مجنبين خاشعين من أقطار الأرض كما يجيبون صوت الداعي من قبلنا إذا دعاهم بعد الموت بمثل ذلك ﴿رجالاً﴾ أي : مشاة على أرجلهم جمع راجل كقائم وقيام ﴿و﴾ ركباناً ﴿على كل ضامر﴾ أي : بعير مهزول وهو يطلق على الذكر والأنثى. تنبيه على كل ضامر حال معطوف على حال كأنه قال رجلاً وركباناً وقوله تعالى :﴿يأتين﴾ صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع ﴿من كل فج﴾ أي : طريق واسع بين جبلين ﴿عميق﴾ أي بعيد روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم قيل يا رسول الله وما حسنات الحرم قال كل حسنة بمائة ألف حسنة » وفي هذا دلالة على أنّ المشي أفضل من الركوب وفي ذلك خلاف بين الأئمة محله كتب الفقه.

الحج 22:28

ولما كان الإنسان ميالاً إلى الفوائد متشوفاً إلى جميل العوائد علل الإتيان بما يرغبه مبيحاً من فضله ما يقصده من أمر المعاش بقوله تعالى :﴿ليشهدوا﴾ أي : ليحضروا حضوراً تاماً ﴿منافع لهم﴾ واختلف في تلك المنافع فبعضهم حملها على منافع الدنيا وهي أن يتجروا في أيام الحج وبعضهم حملها على منافع الآخرة وهي العفو والمغفرة وبعضهم حملها على الأمرين جميعاً وهو كما قال الرازي أولى فيأتون لتلك المنافع يتنقلون من مشعر من مشاعر الحج إلى مشعر، ومن مشهد إلى مشهد، مجموعين بالدعوة، خاشعين بالهيبة، خائفين من السطوة، راجين للمغفرة، ثم يتفرّقون إلى منازلهم ومواطنهم ويتوجهون إلى مساكنهم كالسائرين إلى مواقف الحشر يوم البعث والنشر، المتفرقين إلى داري النعيم والجحيم، فيا أيها المصدقون بأنّ خليلنا إبراهيم عليه السلام نادى بالحج فأجابه بقدرتنا كرامة له من أراد الله تعالى حجه على بعد أقطارهم وتناي دارهم ممن كان موجوداً في ذلك الزمان وممن كان في ظهور الآباء والأمّهات الأقربين والأبعدين صدّقوا أنّ الداعي من قبلنا بالنفح في الصور يجيبه كل من كان على ظهرها ممن حفظنا له جسده أو سلطنا عليه الأرض فمزقناه حتى صار تراباً وما بين ذلك لأنّ الكل علينا يسير، قال الزمخشريّ : وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه كان يفاضل بين العبادات كلها قبل أن يحج فلما حج فضل الحج على العبادات كلها لما شاهد من تلك الخصائص. ولما كانت المنافع لا تطيب ولا تثمر إلا بالتقوى وكان الحامل على التقوى ذكر الله تعالى قال تعالى :﴿ويذكروا اسم الله﴾ أي : الجامع لجميع الكمالات بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره وقيل كنى بالذكر عن الذبح لأنّ ذبح المسلمين لا ينفك عنه تنبيهاً على أنّ المقصود مما يتقرّب به إلى الله تعالى أن يذكر اسمه. واختلف في الأيام المعلومات في قوله تعالى ﴿في أيام معلومات﴾ فالذي عليه أكثر المفسرين وهو اختيار الشافعيّ وأبي حنيفة أنه عشر ذي الحجة واحتجوا بأنها معلومة عند الناس بحرصهم على علمّها من أجل أنّ وقت الحج في آخرها ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة، والمشعر الحرام، ولتلك الذبائح وقت منها وهو يوم النحر وعن ابن عباس أنها أيام التشريق وقيل يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق وقيل يوم النحر إلى آخر أيام التشريق واستدلّ لهذا بقوله تعالى ﴿على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ وهي الإبل والبقر والغنم من الهدايا والضحايا أي : يذكروا اسم الله تعالى عند نحرها ونحر الضحايا والهدايا يكون في هذه الأيام وتقدّم الكلام على الأيام المعدودات في سورة البقرة عند قوله تعالى :﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣] وقوله تعالى ﴿فكلوا منها﴾ أي : لحومها أمر إباحة، وذلك أنّ الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئاً فأمر الله تعالى بمخالفتهم، واتفق العلماء على أنّ الهدي إذا كان تطوّعاً يجوز للمهتدي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطوّع لما روى عن جابر بن عبد الله في قصة حجة الوداع «فأتى عليّ ببدن من اليمن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فنحر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين بدنة ونحر عليّ ما غبر أي ما بقي وأشركه في بدنه ثم أمر من كل بدنة ببضعة أي بقطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها » أخرجه مسلم واختلفوا في الهدي الواجب بالشرع مثل دم التمتع والقرآن والدم الواجب بإفساد الحج وفوته وجزاء الصيد هل يجوز للمهدي أن يأكل شيئاً منه ؟ قال الشافعي رضيّ الله عنه لا يأكل منه شيئاً وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر وقال ابن عمر رضي الله عنهما لا يأكل من جزاء الصيد والنذر ويأكل مما سوى ذلك وبه قال أحمد وإسحاق وقال مالك يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والنذر، وعن أصحاب أبي حنيفة أنه يأكل من كل من دم التمتع والقرآن ولا يأكل من واجب سواهما وقوله تعالى :﴿وأطعموا البائس﴾ أي : الذي أصابه بؤس أي : شدّة ﴿الفقير﴾ أي : المحتاج أمر إيجاب وقد قيل به في الأوّل.

الحج 22:29

﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾ أي : يزيلوا أوساخهم وشعثهم كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند الإحلال ﴿وليوفوا نذورهم﴾ من الهدايا والضحايا ﴿وليطوّفوا﴾ طواف الإفاضة الذي به تمام التحلل ﴿بالبيت العتيق﴾ أي القديم لأنه أوّل بيت وضع للناس وقال ابن عباس سمي عتيقاً لأنّ الله تعالى أعتقه من تسلط الجبابرة فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى منه فإن قيل : قد تسلط عليه الحجاج فلم يمنع أجيب بأنه ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصن به ابن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه ولما قصد التسلط عليه أبرهة فعل به ما فعل، وقيل لأنّ الله تعالى أعتقه من الغرق فإنه رفع في أيام الطوفان، وقال مجاهد لأنه لم يملك قط وقيل بيت كريم أي : العتيق بمعنى الكريم، من قولهم عتاق الخيل والطير، والطواف ينقسم إلى ثلاثة هذا ويدخل وقته بعد الوقوف وهذا لا يجبر تركه بدم لأنه ركن الثاني : طواف الوداع ووقته عند إرادة السفر من مكة وهو واجب يجبر تركه بدم، الثالث : طواف القدوم وهو مستحب للحاج والحلال إذا قدم مكة روت عائشة رضي الله تعالى عنها «أنّ أوّل شيء بدأ به حين قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة ثم حج » أبو بكر وعمر مثله وقرأ ابن ذكران وليوفوا وليطوفوا بكسر اللام فيهما والباقون بإسكانها وفتح أبو بكر الواو ومن وليوفوا وشدّد الفاء.

الحج 22:30

وقوله تعالى :﴿ذلك﴾ خبر مبتدأ مقدر أي : الأمر أو الشأن ذلك المذكور كما تقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا فقد كان كذا ﴿ومن يعظم﴾ أي بغاية جهده ﴿حرمات الله﴾ ذي الجلال والإكرام كلها وهي ما لا يحلّ انتهاكه من مناسك الحج وغيرها وقيل : الحرمات هنا مناسك الحج وتعظيمها إقامتها وإتمامها، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحلّ ﴿فهو﴾ أي : التعظيم الحامل له على امتثال الأمر فيها على وجه واجتناب المنهي عنه كالذبح بذكر اسم غير الله والطواف عرياناً ﴿خير﴾ كائن ﴿له عند ربه﴾ أي : الذي أسدى إليه كل ما هو فيه من النعم في الآخرة ومن انتهكها فهو شر عليه عند ربه ثم إنه تعالى بين أحكام الحج بقوله تعالى :﴿وأحلت لكم الأنعام﴾ أي : أكلها بعد الذبح وهي الإبل والبقر والغنم ﴿إلا ما يتلى﴾ أي : على سبيل التحذير مستمرّاً ﴿عليكم﴾ تحريمه في قوله تعالى ﴿حرّمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] الآية فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلاً والتحريم لما عرض من الموت ونحوه فحافظوا على حدوده وإياكم أن تحرّموا مما أحلّ شيئاً كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك وأن تحلوا مما حرم الله شيئاً كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك. ولما فهم من ذلك حلّ السوائب وما معها وتحريم المذبوح للأنصاب وكان سبب ذلك كله الأوثان تسبب عنه قوله تعالى ﴿فاجتنبوا﴾ أي : بغاية الجهد اقتداء بأبيكم إبراهيم عليه السلام الذي تقدّم الإيصاء له بمثل ذلك عند جعل البيت له مباءة ﴿الرجس﴾ أي : القذر الذي من حقه أنّ يجتنب من غير أمر ثم بينه وميزه بقوله تعالى :﴿من الأوثان﴾ أي : الذي هو الأوثان كما تجتنب الأنجاس فهو بيان للرجس وتمييز له، كقولك عندي عشرون من الدراهم وسمى الأوثان رجساً وكذا الخمر والميسر والأزلام على طريق التشبيه يعني أنكم كما تنفرون بطباعكم من الرجس وتجتنبونه فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النفرة، ونبه على هذا المعنى بقوله تعالى ﴿رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠] جعل العلة في اجتنابه أنه رجس والرجس مجتنب وقوله تعالى ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ تعميم بعد تخصيص فإنّ عبادة الأوثان رأس الزور لأنّ المشرك زاعم أنّ الوثن تحق له العبادة كأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا منه شيئاً لتماديه في القبح والسماجة وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان، والزور من الزور والإزورار وهو الانحراف كما أنّ الإفك من أفكه إذا صرفه فإن الكذب منحرف مصروف عن الواقع وقيل : قول الزور قولهم : هذا حلال وهذا حرام. وما أشبه ذلك من افترائهم وقيل : هو قول المشركين في تلبيتهم لبيك لا شريك له إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. وقيل : هو شهادة الزور لما روى أبو داود والترمذي " أنّه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح فلما سلم قام قائماً مستقبل الناس بوجهه الكريم وقال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله قالها ثلاثاً وتلا هذه الآية ".

الحج 22:31

وقوله تعالى ﴿حنفاء لله﴾ أي : مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه ﴿غير مشركين به﴾ تأكيد لما قبله وهما حالان من الواو ﴿ومن يشرك﴾ أي : يوقع شيئاً من الشرك ﴿بالله﴾ الذي له العظمة كلها بشيء من الأشياء في وقت من الأوقات ﴿فكأنما خر﴾ أي : سقط ﴿من السماء﴾ لعلوّ ما كان فيه من أوج التوحيد وسفول ما انحط إليه من حضيض الإشراك ﴿فتخطفه الطير﴾ أي : تأخذه بسرعة وهو نازل في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض ﴿أو تهوي به الريح﴾ أي : حيث لم يجد في الهواء ما يهلكه ﴿في مكان﴾ من الأرض ﴿سحيق﴾ بعيد فهو لا يرجى خلاصه. تنبيه : قال الزمخشري يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال من أشرك بالله تعالى فقد أهلك نفسه هلاكاً ليس بعده هلاك بأن صوّر حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير فتفرّق مزعاً في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوّه بالسماء والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة اه قوله يطوح به الباء مزيدة للتأكيد قال الجوهري : طوّحه أي توّهه وذهب به هاهنا وهاهنا وقرأ نافع بفتح الخاء وتشديد الطاء والباقون بإسكان الخاء وتخفيف الطاء.

الحج 22:32

ثم عظم ما تقدّم من التوحيد وما هو مسبب عنه بالإشارة بأداة البعد فقال تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الأمر العظيم الكبير فمن راعاه فاز ومن حاد عنه خاب، ثم عطف عليه ما هو أعمّ من هذا القدر فقال تعالى :﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ جمع شعيرة وهي البدن التي تهدي للحرم لأنها من معالي الحج بأن يختار عظام الأجرام حساناً سماناً غالية الأثمان ويترك المكاس في شرائها فقد كانوا يغالون في ثلاث، ويكرهون المكاس فيهنّ الهدي والأضحية والرقبة، وروى ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما «أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب » وكان ابن عمر يسوق البدن مجللة بالقباطي فيتصدّق بلحومها وجلالها ويعتقد أن طاعة الله في التقرّب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بدّ أن يقام به ويسارع فيه ﴿فإنها﴾ أي : تعظيمها ناشئ ﴿من تقوى القلوب﴾ فمن للابتداء فإن جعلت تبعيضية فلا بدّ من حذف تقديره : فإنّ تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بدّمن راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر أثرها في سائر الأعضاء وسميت تلك البدن شعائر لإشعارها بما يعرف به أنهار هدي كطعن حديدة بسنامها قال البقاعي : ولعله مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء من شعرها أو أزيل عن محل الجرح فيكون من الإزالة.

الحج 22:33

﴿لكم فيها﴾ أي : البدن ﴿منافع﴾ كركوبها والحمل عليها بما لا يضرها وعن إبراهيم : من احتاج إلى ظهرها ركب ومن احتاج إلى لبنها شرب وقال أصحاب الرأي : لا يركبها إلا إذا اضطرّ إليها ﴿إلى أجل مسمى﴾ وهو وقت نحرها ﴿ثم محلها﴾ أي : مكان حلّ نحرها ﴿إلى البيت العتيق﴾ أي : عنده والمراد الحرم جميعه وقيل المراد بالشعائر المناسك ومشاهد الحج وبالمنافع الأجر والثواب في قضاء المناسك إلى انقضاء آجالها وبحملها إلى محل الناس من إحرامهم إلى البيت يطوفون به طواف الزيارة.

الحج 22:34

﴿ولكل أمّة﴾ أي : جماعة مؤمنة سلفت قبلكم ﴿جعلنا منسكاً﴾ أي : متعبداً وقرباناً يتقرّبون به إلى الله تعالى، وقرأ حمزة والكسائي منسكاً هنا وفي آخر السورة بكسر السين في الموضعين فيكون بمعنى الموضع والباقون بفتحها مصدر بمعنى النسك ﴿ليذكروا اسم الله﴾ أي : الملك لا على وحده على ذبائحهم وقرابتهم لأنه الرازق لهم وحده فيقولون عند النحر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهمّ منك وإليك ثم علل الذكر بالنعمة تنبيها على التفكر فيها فقال تعالى :﴿على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ فوجب شكره لذلك عليهم، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام ﴿فإلهكم﴾ أي : الذي شرع هذه المناسك كلها ﴿إله واحد﴾ وإن اختلفت فروع شرائعه، ونسخ بعضها بعضاً، وإذا كان واحداً وجب اختصاصه بالعبادة فلذا قال تعالى :﴿فله﴾ وحده ﴿أسلموا﴾ أي : انقادوا بجميع ظواهركم وبواطنكم في كل ما أمر به أو نهى عنه ﴿وبشر المخبتين﴾ أي : المطيعين المتواضعين من الخبث، وهو المطمئن من الأرض وقيل : هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا.

الحج 22:35

ثم بين علاماتهم بقوله تعالى :﴿الذين إذا ذكر الله﴾ أي : الذي له الجلال والجمال ﴿وجلت﴾ أي : خافت خوفاً مزعجاً ﴿قلوبهم﴾ فيظهر عليها الخشوع والتواضع لله تعالى ﴿والصابرين﴾ الذين صار الصبر عادتهم ﴿على ما أصابهم﴾ من الكلف والمصائب ولما كان ذلك قد يشغل عن الصلاة قال تعالى ﴿والمقيمي الصلاة﴾ في أوقاتها والمحافظة عليها، وإن حصل لهم من المشاق بأفعال الحج وغيره ما عسى أن يحصل، ولذلك عبر بالوصف دون الفعل إشارة إلى أنه لا يقيمها على الوجه المشروع مع تلك المشاق والشواغل إلا راسخ في حبها فهم لما تمكن حبها في قلوبهم والخوف من الغفلة عنها كأنهم دائماً في صلاة ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ في وجوه الخير من الهدايا التي يغالون في أثمانها وغير ذلك إحساناً إلى خلق الله تعالى.

الحج 22:36

ولما قدّم تعالى الحث على التقرّب بالأنعام كلها وكانت الإبل أعظمها خلقاً وأجلها في أنفسهم أمراً خصها بالذكر فقال تعالى :﴿والبدن﴾ أي : الإبل المعروفة جمع بدنة كخشب وخشبة وانتصابه بفعل يفسره ﴿جعلناها لكم من شعائر الله﴾ أي : من أعلام دينه التي شرعها الله تعالى وقيل لأنها تُشْعَر وهي أن تطعن بحديدة في سنامها ليعلم بذلك أنها هدي ﴿لكم فيها خير﴾ أي : نفع في الدنيا وثواب في العقبى كما قال ابن عباس دنياً وأخرى، وروى الترمذيّ وحسنه عن عائشة رضي الله تعالى عنه «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقة الدم وأنه ليؤتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وإنّ الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض فطيبوا بها نفساً » وروى الدارقطني في السنن عن ابن عباس قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد » وعن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال سمعت ربي يقول ﴿لكم فيها خير﴾ ﴿فاذكروا اسم الله عليها﴾ أي : على ذبحها بالتكبير حال كونها ﴿صواف﴾ أي قائمة على ثلاث معقولة اليد اليسرى لأنّ البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي : سقطت سقوطاً بردت به بزوال أرواحها فلا حركة لها أصلاً، من وجب الحائط وجبة سقط، ووجبت الشمس وجبة غربت، قال ابن كثير وقد جاء في حديث مرفوع :" ولا تعجلوا النفوس أن تزهق " وقوله تعالى ﴿فكلوا منها﴾ أي : إذا كانت تطوّعاً أمر إباحة دفعاً لما قد يظنّ أنه يحرم الأكل منها للأمر بتقريبها لله تعالى :﴿وأطعموا القانع﴾ أي المتعرّض للسؤال بخشوع وانكسار ﴿والمعتر﴾ أي : السائل وقيل بالعكس وهو قول الشافعيّ رحمه الله تعالى قال في كتاب اختلاف الحديث القانع هو السائل، والمعتر هو الزائر، وقيل : القانع هو الجالس في بيته المتعفف الذي يقنع بما يعطى ولا يسأل ولا يتعرّض، والمعتر المعترّض وقيل القانع هو المسكين والمعتر الذي ليس بمسكين، ولا تكون له ذبيحة فيجيء إلى القوم فيتعرّض لهم لأجل لحمهم ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا التسخير العظيم الذي وصفناه من نحرها قياماً ﴿سخرناها﴾ بعظمتنا التي لولاها ما كان ذلك ﴿لكم﴾ وذللناها ليلاً ونهاراً مع عظمها وقوّتها تأخذونها منقادة فتعقلونها وتحبسونها ولو شئنا لجعلناها وحشية لم تطق ولم تكن بأعجز من بعض الوحش التي هي أصغر منها جرماً وأقل قوّة ﴿لعلكم تشكرون﴾ إنعامنا عليكم لتعرفوا أنّ ما ذللها لكم إلا الله تعالى، فيكون حالكم حال من يرجو شكره فتوقعوا لشكر بأن لا تحرّموا منها إلا ما حرّم عليكم ولا تحلوا منها إلا ما أحلّ، وتهدوا منها ما حث على إهدائه وتتصرفوا بحسب ما أمركم.

الحج 22:37

ولما حث تعالى على التقرّب بها مذكوراً اسمه عليها قال تعالى :﴿لن ينال الله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿لحومها﴾ المأكولة ﴿ولا دماؤها﴾ المهراقة أي : لا يرفعان إليه ﴿ولكن يناله التقوى منكم﴾ أي : يرفع إليه منكم العمل الصالح الخالص له مع الإيمان، كما قال تعالى :﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠] أي : يقبله وقيل : كان أهل الجاهلية إذ انحروا البدن نضحوا الدماء حول البيت ولطخوه بالدم فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت. ثم كرّر سبحانه وتعالى التنبيه على عظيم تسخيرها منبهاً على ما أوجب عليهم به بقوله تعالى :﴿كذلك﴾ أي : التسخير العظيم ﴿سخرها لكم﴾ بعظمته وغناه عنكم ﴿لتكبروا الله على ما هداكم﴾ أي : أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه، كأن تقولوا الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا، فاختصر الكلام بأن ضمن التكبير معنى الشكر وعدّي تعديته. ثم وعد من امتثل الأمر بقوله تعالى :﴿وبشر المحسنين﴾ أي : المخلصين فيما يفعلونه ويذرونه كما قال تعالى من قبل ﴿وبشر المخبتين﴾ والمحسن هو الذي يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير مخبتاً إلى نفسه بتوفير الثواب عليه، وقال ابن عباس : الموحدين.

الحج 22:38

وقوله تعالى :﴿إنّ الله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿يدفع عن الذين آمنوا﴾ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وسكون الدال وفتح الفاء والباقون بضم الياء وفتح الدال وبعدها ألف وكسر الفاء أي : يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه ولم يذكر الله تعالى ما يدفعه عنهم حتى يكون أعظم وأفخم وأعمّ وإن كان في الحقيقة أنه يدفع بأس المشركين فلذلك قال تعالى بعده ﴿إنّ الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿لا يحب﴾ أي : لا يكرم كما يفعل المحب ﴿كل خوّان﴾ في أمانته ﴿كفور﴾ لنعمته وهم المشركون، قال ابن عباس : خانوا الله فجعلوا معه شريكاً وكفروا نعمه، فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته وقال مقاتل : يدفع عن الذين آمنوا بمكة حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم فاستأذنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم في قتلهم سرّاً فنهاهم عن ذلك.

الحج 22:39

ثم أذن الله تعالى لهم قتالهم بقوله تعالى :﴿أذن للذين يقاتلون﴾ أي : المشركين والمأذون فيه وهو في القتال محذوف لدلالة يقاتلون عليه ﴿بأنهم﴾ أي بسبب أنهم ﴿ظلموا﴾ فكانوا يأتونه صلى الله عليه وسلم بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم : اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت وهي أوّل آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية وقيل نزلت في قوم بأعيانهم مهاجرين من مكة إلى المدينة فاعترضهم مشركو مكة فأذن الله لهم في قتال الكفار الذي منعوهم من الهجرة بأنهم ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم بضم الهمزة والباقون بفتحها. ولما كان التقدير فإنّ الله أراد إظهار دينه بهم عطف عليه قوله تعالى :﴿وإنّ الله﴾ أي : الذي هو الملك الأعلى ﴿على نصرهم لقدير﴾ وفي ذلك وعد من الله بنصر المؤمنين.

الحج 22:40

ثم وصفهم بقوله تعالى :﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ إلى الشعب والحبشة والمدينة ﴿بغير حق﴾ أوجب ذلك ما أخرجوا ﴿إلا أن يقولوا﴾ أي : بقولهم ﴿ربنا الله﴾ وهذا القول حق والإخراج به إخراج بغير حق ونظير ذلك قوله تعالى :﴿هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ [المائدة: ٥٩]. تنبيه : الذين أخرجوا مجرور نعت للذين يقاتلون، أو بدل منه، أو منصوب على المدح، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف ﴿ولولا دفع الله﴾ أي : المحيط بكل شيء علماً ﴿الناس بعضهم ببعض﴾ أي : بتسليط المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمانهم وعلى متعبداتهم كما قال تعالى :﴿لهدّمت﴾ أي : خربت ﴿صوامع﴾ وهي : معابد صغار للرهبان مرتفعة ﴿وبيع﴾ كنائس للنصارى ﴿وصلوات﴾ أي : كنائس لليهود وسميت بها لأنها يصلى فيها، وقيل : هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية صلوتا ﴿ومساجد﴾ للمسلمين ﴿يذكر فيها﴾ أي : هذه المواضع المذكورة ﴿اسم اللَّه﴾ العليّ العظيم ﴿كثيراً﴾ وتنقطع العبادات بخرابها، وقيل : الضمير يرجع للمساجد فقط تشريفاً لها بأن ذكر الله يحصل فيها كثيراً فإن قيل لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد أجيب بأنها أقدم في الوجود وقيل : أخرها في الذكر كما في قوله تعالى :﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾ [ فاطر، ٣٢ ] ولأنّ الذكر آخر العمل فلما كان نبينا صلى الله عليه وسلم خير الرسل وأمتنا خير الأمم لا جرم كانوا آخرهم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «نحن الآخرون والسابقون » وقيل : أخرها لتكون بعيدة عن الهدم قريبة من الذكر وقرأ نافع دفاع بكسر الدال وفتح الفاء وألف بعدها والباقون بفتح الدال وسكون الفاء وقرى نافع وابن كثير لهدمت بتخفيف الدال والباقون بتشديدها وأظهر التاء عند الصاد نافع وابن كثير وعاصم وأدغمها الباقون ﴿ولينصرن الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿من ينصره﴾ أي : ينصر دينه وأولياءه كائناً من كان منهم أو من غيرهم وقد أنجز الله تعالى وعده بأن سلطا المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم وأورثهم أرضهم وديارهم ﴿إنّ الله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿لقويّ﴾ أي : على ما يريد ﴿عزيز﴾ أي : منيع في سلطانه وقدرته.

الحج 22:41

وقوله تعالى :﴿الذين إن مكناهم﴾ أي : بما لنا من القدرة ﴿في الأرض﴾ بإعلائهم على ضدّهم ﴿أقاموا الصلاة﴾ أي : التي هي عماد الدين الدالة على المراقبة والإعراض عن تحصيل الفاني ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي المؤذنة بالزهد في الحاصل منه المؤذن بعمل النفس للرحيل ﴿وأمروا بالمعروف﴾ أي : الذي أمر الله تعالى ورسوله به ﴿ونهوا عن المنكر﴾ أي : الذي نهى الله ورسوله عنه وصف للذين هاجروا وهو إخبار من الله تعالى بظهر الغيب عما ستكون عليه سيرة المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه هذا والله ثناء قبل بلاء يريد أن الله تعالى أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. تنبيه : في ذلك دليل على صحة خلافة الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين إذ لم يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين وإذا ثبت ذلك وجب أن يكونوا على الحق ولا يجوز حمل الآية على أمير المؤمنين عليّ وحده لأنّ الآية دالة على الجمع، وعن الحسن هم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : الذين منصوب بدل من قوله تعالى من ينصره ﴿والله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿عاقبة الأمور﴾ أي : آخر أمور الخلق ومصيرها إليه في الآخرة فلا يكون لأحد فيها أمر حتى أنه لا ينطق أحد إلا بإذن منه.

الحج 22:42

ولما بين سبحانه وتعالى فيما تقدّم إخراج الكفار للمؤمنين من ديارهم بغير حق وأذن في مقاتلتهم وضمن لرسوله صلى الله عليه وسلم النصرة وبين أنّ الله عاقبة الأمور أردفه بما يرجي مجرى التسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم في الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره فقال تعالى :﴿وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم﴾ أي : قبل قومك ﴿قوم نوح﴾ وتأنيث قوم باعتبار المعنى وتحقير المكذبين في قدرته وإن كانوا من أشدّ الناس ﴿وعاد﴾ أي : ذوو الأبدان الشداد قوم هود ﴿وثمود﴾ ولو الأبنية الطوال في السهول والجبال قوم صالح.

الحج 22:43

﴿وقوم إبراهيم﴾ المتجبرون المتكبرون ﴿وقوم لوط﴾ الأنجاس بما لم يسبقهم إليه أحد من الناس.

الحج 22:44

﴿وأصحاب مدين﴾ أرباب الأموال المجموعة من خزائن الضلال فأنت يا أشرف الخلق لست بأوحديّ في التكذيب، فإنّ هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومك. ولما كان موسى عليه السلام قد أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم يأت بمثله أحدهن تقدّمه فكان تكذيبه في غاية البعد غير سبحانه وتعالى الأسلوب تنبيها على ذلك وعلى أنّ الذين أطبقوا على تكذيبه القبط وأمّا قومه فما كذبه منهم إلا أناس يسير فقال تعالى :﴿وكذب موسى﴾ وفي ذلك أيضاً تعظيم للتأسية وتفخيم للتسلية ﴿فأمليت للكافرين﴾ أي : أمهلتهم بتأخير العقاب عنهم إلى الوقت الذي ضربته لهم وعبر عن طول الإملاء بأداة التراخي لزيادة التأسية فقال تعالى ﴿ثم أخذتهم﴾ أخذ عزيز مقتدر. ثم نبه سبحانه وتعالى بالاستفهام في قوله تعالى :﴿فكيف كان نكير﴾ أي : إنكاري لأفعالهم على أنه كان في أخذهم عبر وعجائب وأهوال وغرائب حيث أيد لهم بالنعمة محنة، وبالحياة هلاكاً، وبالعمارة خراباً، والاستفهام للتقرير أي : وهو واقع موقعه فليحذر هؤلاء الذين أتبتهم بأعذم ما أتى به رسول قومه مثل ذلك فإن لم يؤمنوا بك فعلت بهم كما فعلت بهؤلاء وإن كانوا أمكن الناس فلا يحزنك أمرهم.

الحج 22:45

تنبيه : أثبت ورش الياء بعد الراء من نكير في الوصل وحذفها الباقون وقفاً وصلاً ﴿فكأين﴾ أي : وكن ﴿من قرية﴾ وقيل : معنى كأين رُبَّ، وقوله تعالى :﴿أهلكتها﴾ قرأه أبو عمرو بعد الكاف بتاء فوقية مضمومة والباقون بعد الكاف بنون وبعدها ألف والمراد أهلها بدليل قوله تعالى ﴿وهي﴾ أي والحال أنها ﴿ظالمة﴾ أي أهلها بكفرهم ويحتمل أن يكون المراد أهلاك نفس القرية فيدخل تحت هلاكها هلاك من فيها لأنّ العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة جعل هالكاً لمن فيها وإن كان الأوّل أقرب ﴿فهي﴾ أي : فتسبب عن إهلاكها أنها ﴿خاوية﴾ أي : منهدمة ساقطة أي : جدرانها ﴿على عروشها﴾ أي : سقوفها إذ كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظله أو كرم فهو عرش والخاوي الساقط من خوى إذا سقط أو الخالي من خوى المنزل إذا خلا من أهله وخوى بطن الحامل. تنبيه : قوله :﴿على عروشها﴾ لا يخلو من أن يتعلق بخاوية، فيكون المعنى إنها ساقطة على عروشها أي : سقوفها، أي : تقصفت الأخشاب أوّلاً من كثرة الأمطار وغير ذلك من الأشرار، فسقطت ثم سقط عليها الجدران، فسقطت فوق السقوف أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها وإما أن يكون خبراً بعد خبر كأنه قيل : هي خاوية وهي على عروشها، أي : قائمة مظلة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان مائلة فهي مشرفة على السقوف الساقطة، وقوله :﴿فهي خاوية﴾ جملة معطوفة على ﴿أهلكتها﴾ لا على ﴿وهي ظالمة﴾، فإنها حال كما قدّرته، والإهلاك ليس حال خرابها، فلا محل لها إن نصبت كأين بمقدّر يفسره أهلكتها لأنها معطوفة على جملة أهلكتها كما مرّ، وهي مفسرة لا محل لها، وإن رفعت كأين بالابتداء فمحلها رفع خبراً ثانياً لكأين والخبر الأوّل أهلكتها ﴿و﴾ كم من ﴿بئر معطلة﴾ أي : متروكة بموت أهلها ﴿وقصر مشيد﴾ أي : رفيع خال بموت أهله. تنبيه : علم مما قدّرته أن بئر معطوف على قرية، وهو يقوي على أنّ عروشها بمعنى مع أوجه، وروي أنّ هذه بئر نزل عليها صالح عليه السلام مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله تعالى من العذاب وهي بحضرموت، وإنما سميت بذلك ؛ لأنّ صالحاً حين حضرها مات، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح وأمّروا عليهم جهلس بن جلاس وأقاموا بها زماناً، ثم كفروا وعبدوا صنماً فأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان عليه السلام نبياً فقتلوه، فأهلكهم الله تعالى وعطل بئرهم، وخرب قصورهم.

الحج 22:46

وقوله تعالى :﴿أفلم يسيروا﴾ أي : كفار مكة ﴿في الأرض﴾ يحتمل أنهم لم يسافروا فحثوا على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله تعالى بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا، وإن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا، فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا ﴿فتكون﴾ أي : فتسبب عن سيرهم أن تكون ﴿لهم قلوب﴾ واعية ﴿يعقلون بها﴾ ما رأوه بأبصارهم مما نزل بالمكذبين قبلهم ﴿أو﴾ أي : أو يكون لهم إن كانوا عمي الأبصار كما دل عليه جعل هذا قسيماً ﴿آذان يسمعون بها﴾ أخبارهم بالإهلاك وخراب الديار فيعتبروا ﴿فإنها﴾ أي : القصة ﴿لا تعمى الأبصار﴾ ويجوز أن يكون الضمير مبهماً يفسره الأبصار وفي تعمى راجع إليه، والمعنى أنّ أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى فيها، وإنما العمى لقلوبهم كما قال تعالى :﴿ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ ولا يعتد بعمى الأبصار، فإنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب. فإن قيل : فأي فائدة في ذكر الصدور ؟ أجيب : بأن الذي قد تعورف واعتقد أنّ العمى على الحقيقة للبصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب استعارة وتمثيل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا التصوير إلى زيادة تبيين وفضل تعريف ليتقرّر أنّ مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول : ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك : الذي بين فكيك تقرير لما ادّعيته للسانه وتثبيت ؛ لأن محل المضاء هو لا غير، فكأنك قلت : ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهواً مني ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمداً.

الحج 22:47

قيل : لما نزل قوله تعالى :﴿ومن كان في هذه أعمى﴾ فهو في الآخرة أعمى ؛ قال ابن أم مكتوم : يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى، فنزلت :﴿ويستعجلونك بالعذاب﴾ الذي توعدتهم به تكذيباً واستهزاء ﴿و﴾ الحال أنه ﴿لن يخلف الله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿وعده﴾ لامتناع الخلف فيه وفي خبره سبحانه وتعالى فيصيبهم ما وعدهم به، ولو من بعد حين لكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، وقد أنجزه يوم بدر ﴿وإنّ يوماً عند ربك﴾ أي : المحسن إليك بتأخير العذاب عنهم إكراماً لك من أيام الآخرة بالعذاب ﴿كألف سنة مما تعدّون﴾ في الدنيا وطول أيامه حقيقة أو من حيث أنّ أيام الشدائد مستطالة، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب.

الحج 22:48

﴿وكأين من قرية أمليت لها﴾ أي : أمهلتها كما أمهلتكم ﴿وهي ظالمة﴾ كظلمكم بالاستعجال وغيره ﴿ثم أخذتها﴾ أي : بالعذاب والمراد أهلها ﴿وإليّ المصير﴾ أي : المرجع فينقطع كل حكم دون حكمي ففيه وعيد وتهديد. فإن قيل : لم قال :﴿فكأين من قرية أهلكناها﴾ [ الحج، ٤٥ ] بالفاء، وقال هنا بالواو ؟ أجيب : بأنّ الأولى وقعت بدلاً عن قوله تعالى :﴿فكيف كان نكير﴾، وأما هذه فحكمها حكم ما تقدّم من الجملتين المعطوفتين بالواو أعني قوله تعالى :﴿ولن يخلف الله وعده وإنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾،

الحج 22:49

ولما كان الاستعجال لا يطلب من الرسول وإنما يطلب من المرسل، أمره الله تعالى بأن يديم لهم التخويف والإنذار بقوله تعالى :﴿قل﴾. أي : لهم ولا يصدَّنك عن دعائهم ما أخبرناك به من عملهم ﴿يا أيها الناس﴾ أي : جميعاً من قومك وغيرهم ﴿إنما أنا لكم نذير مبين﴾ أي : بين الإنذار والاقتصار على الإنذار مع عموم الخطاب،

الحج 22:50

وذكر الفريقين لأنّ صدر الكلام وسياقه للمشركين، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم بقوله :﴿فالذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان ﴿وعملوا﴾ أي : تصديقاً لدعواهم تلك ﴿الصالحات لهم مغفرة﴾ أي : لما فرط منهم ﴿ورزق﴾ أي : في الدنيا بالغنائم وغيرها، وفي الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿كريم﴾ أي : لا خسة فيه ولا دناءة بانقطاع ولا غيره زيادة في غيظهم.

الحج 22:51

ولما كان في سياق الإنذار قال معبراً بالماضي زيادة في التخويف :﴿والذين سعوا﴾ أي : أوقعوا السعي ولو مرّة واحدة ﴿في آياتنا﴾ أي : القرآن بإبطالها ﴿معجزين﴾ من اتبع النبيّ صلى الله عليه وسلم أي : ينسبونهم إلى العجز ويثبطونهم عن الإيمان أو مقدّرين عجزنا عنهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد الجيم بعد العين على أنها حال مقدّرة والباقون بألف بعد العين وتخفيف الجيم أي : مسابقين مشاقين للساعين فيها بالتثبيط ﴿أولئك﴾ البعداء البغضاء ﴿أصحاب الجحيم﴾ أي : النار استحقاقاً بما سعوا فيسكنهم فيها ليعلموا أنهم هم العاجزون.

الحج 22:52

ولما لاح من ذلك أنّ الشيطان ألقى شبهاً يفاخرون فيها بجدالهم في دين الله الذي أمر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بإظهاره وتقريره وإشهاره عطف عليه تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله تعالى :﴿وما أرسلنا﴾ أي : بعظمتنا ﴿من قبلك﴾ ثم أكد الاستغراق بقوله تعالى :﴿من رسول﴾ وهو نبيّ أمر بالتبليغ ﴿ولا نبيّ﴾ وهو من لم يؤمر بالتبليغ وهذا هو المشهور، فمعنى أرسلنا أوحينا، فالنبي أعم من الرسول، ويدل عليه ما رواه الإمام أحمد من أنه صلى الله عليه وسلم " سئل عن الأنبياء فقال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قيل : فكم الرسل، فقال : ثلاثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً ". وقيل : كما هو ظاهر الآية الرسول من جمع إلى المعجزة كتاباً منزلاً عليه، والنبيّ غير الرسول من لا كتاب له، وقيل : يمكن حمل الآية عليه أيضاً، والرسول من يأتيه الكتاب، والنبيّ يقال له ولمن يوحى إليه في المنام ﴿إلا إذا تمنّى﴾ أي : تلا على الناس ما أمره الله تعالى به أو حدّثهم به، واشتهى في نفسه أن يقبلوه حرصاً منه على إيمانهم شفقة عليهم ﴿ألقى الشيطان﴾ من التشبيه والتخييلات ﴿في أمنيته﴾ أي : فيما تلاه أو حدث به واشتهى أن يقبل ما يتلقفه منه أولياؤه فيجادلون به أهل الطاعة ليضلوهم، وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، ﴿وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوّاً شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً﴾ [ الأنعام، ١١٢ ] كما يفعل هؤلاء فيما يفترقون به في وجه الشريعة أصولاً وفروعاً من قولهم في القرآن شعر وسحر وكهانة، وقولهم :﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ [ الأنعام، ١٤٨ ]، وقولهم : إنّ ما قتله الله تعالى بالموت حتف أنفه أولى بالأكل مما ذبح، وقولهم : نحن أهل الله وسكان حرمه، ولا نخرج من الحرم فنقف في الحج بالمشعر الحرام، وتقف الناس بعرفة، ونحن نطوف في ثيابنا وكذا من ولدناه، وأمّا غيرنا فلا يطوف إلا عارياً ذكراً كان أو أنثى إلا أن يعطيه أحدنا ما يلبسه، ونحو ذلك مما يريدون أن يطفئوا به نور الله تعالى، وكذا تأويلات الباطنية والاتحادية، وأنظارهم التي ألحدوا فيها يضل الله تعالى بها من يشاء، ثم يمحوها ممن أراد من عباده، وما أراد من أمره ﴿فينسخ﴾ أي : فيتسبب عن إلقائه أنه ينسخ ﴿الله﴾ أي : المحيط بكل شيء علماً وقدرة ﴿ما يلقي الشيطان﴾ فيبطله بإيضاح أمره ﴿ثم يحكم الله آياته﴾ أي : ثم يجعلها جلية فيما يريد منها وأدل دليل على أنّ هذا هو المراد من الافتتاح بالمتأخرة في الآيات الختام بقوله عطفاً على ما تقديره فالله على ما يشاء قدير ﴿والله عليم﴾ بأحوال خلقه ﴿حكيم﴾ فيما يفعله بهم. وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت، وقال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسرين لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم لما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في نادٍ من أندية قريش كثير أهله، وأحب يومئذٍ أن يأتيه من الله تعالى شيء لم ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة والنجم إذا هوى، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهواً إلى أن قال : تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهنّ لترتجى ففرح به المشركون، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءة السورة كلها، وسجد في آخرها، وسجد المسلمون لسجوده وجميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها على جبهتهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود، وتفرّقت قريش وقد سرهم ما سمعوا، وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا تشفع بأحسن الذكر وقالوا : قد عرفنا أنّ الله تعالى يحيي ويميت ويرزق، ولكن هذه آلهتنا تشفع لنا عنده، فإذا جعل لهم محمداً نصيباً فنحن معه، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال : يا محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً وخاف من الله تعالى خوفاً شديداً، فأنزل الله تعالى هذه الآية تعزية له وكان به رحيماً، وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود قريش، وقيل : قد أسلمت أهل مكة، فرجع أكثرهم إلى عشائرهم وقالوا : هم أحبّ إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا يتحدّثون به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار مستخفياً، فلما نزلت هذه الآية قالت قريش : ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله تعالى، فغيّر ذلك. قال الرازي : هذه رواية عامّة المفسرين الظاهرية أما أهل التحقيق فقد قالوا : هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا على البطلان بالقرآن والسنة والمعقول. أمّا القرآن فبوجوه أحدها : قوله تعالى :﴿ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل ٤٤ لأخذنا منه باليمين ٤٥ ثم لقطعنا منه الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥، ٤٦] ثانيها : قوله تعالى :﴿قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [ يونس، ١٥ ]، ثالثها : قوله تعالى :﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [ النجم، ٣ ]. وأمّا السنة فمنها ما روي عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة، فقال : هذا من وضع الزنادقة وصنف فيه كتاباً، وقال البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، فقد روى البخاري في صحيحه :«أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وسجد فيها، وسجد المسلمون والكفار والإنس والجن »، وليس فيه حديث الغرانيق. وأما المعقول فمن وجوه : أحدها : أنّ من جوّز على النبيّ صلى الله عليه وسلم تعظيم الأوثان فقد كفر ؛ لأنّ من المعلوم بالضرورة أن النبيّ كان معظم سعيه في نفي الأوثان، ثانيها : قوله تعالى :﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ [ الحج، ٥٢ ]، وإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول صلى الله عليه وسلم أقوى من نسخ هذه الآيات التي تبقى الشبهة معها فإذا أراد الله تعالى إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآناً، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلاً أولى، ثالثها : وهو أقوى الوجوه لو جوّزنا ذلك ارتفع الإيقان عن شرعه ولجوّزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك فيبطل قوله تعالى :﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ [ المائدة، ٦٧ ]، فإنه لا فرق في العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه. وزاد الرازي أدلة أخرى على ذلك ثم قال : وقد عرفنا أنّ هذه القصة موضوعة أكثر ما في الباب أنّ جمعاً من المفسرين ذكروها وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية المتواترة، انتهى. وهذا هو الذي يطمئن إليه القلب وإن أطنب ابن حجر العسقلاني في صحتها، ثم قال : وحينئذٍ فيتعين تأويل ما وقع فيها مما ينكر، وهو قوله : ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق الخ، انتهى. وعلى القول بها قد سلك العلماء في ذلك مسالك أحسنها أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها، وقال البيضاوي : بعد أن ذكر بعض هذه القصة وهو مردود عند المحققين، وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه، انتهى. قال ابن الأثير : والغرانيق هنا الأصنام، وهي في الأصل للذكور من طير الماء واحدها غرنوق وغرنيق سمي به لبياضه قال : وكانوا يزعمون أنّ الأصنام تقرّبهم من الله وتشفع لهم فشبهت بالطيور التي تعلو إلى السماء وترتفع، وقيل : تمنى أي : قرأ، كقول حسان في حق عثمان بن عفان : تمنى كتاب الله أوّل ليلة؍ تمنى داود الزبور على رسل؍ أي : على تأن وتمهل.

الحج 22:53

ولما ذكر سبحانه وتعالى ما حكم به من تمكين الشيطان من هذا الإلقاء ذكر العلة في ذلك بقوله تعالى : ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان﴾ أي : في المتلو أو المحدّث به من تلك الشبهة في قلوب أوليائه على التفسير الأوّل، وعلى الثاني وغيره يؤوّل بما يناسبه ﴿فتنة﴾ أي : اختباراً وامتحاناً ﴿للذين في قلوبهم مرض﴾ أي : شك ونفاق ﴿والقاسية﴾ أي : الجافية ﴿قلوبهم﴾ عن قول الحق وهم المشركون ﴿وإنّ الظالمين﴾ أي : الواضعين لأقوالهم وأفعالهم في غير مواضعها كفعل من هو في الظلام ﴿لفي شقاق﴾ أي : خلاف لكونهم في شق غير شق حزب الله بمعاجزتهم في الآيات بتلك الشبهة التي تلقوها من الشيطان، وجادلوا بها أولياء الرحمن ﴿بعيد﴾ عن الصواب ﴿لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [ الأنعام، ١١٣ ]، وعلى ثبوت ذكر القصة وجرى عليه الجلال المحلي ؛ قال : إنهم في خلاف طويل مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حيث جرى على لسانه ذكر آلهتهم بما يرضيهم، ثم أبطل ذلك.

الحج 22:54

﴿وليعلم الذين أوتوا العلم﴾ بإتقان حججه وإحكام براهينه وضعف شبه المعاجزين ﴿أنه﴾ أي : الشيء الذي تلوته أو تحدثت به ﴿الحق﴾ أي : الثابت الذي لا يمكن زواله ﴿من ربك﴾ أي : المحسن إليك بتعليمك إياه ﴿فيؤمنوا به﴾ لما ظهر لهم من صحته بما ظهر من ضعف تلك الشبهة ﴿فتخبت﴾ أي : تطمئن وتخضع ﴿له قلوبهم﴾ وتسكن به نفوسهم ﴿وإنّ الله﴾ بجلاله وعظمته ﴿لهادي الذين آمنوا﴾ في جميع ما يلقيه أولياء الشيطان ﴿إلى صراط مستقيم﴾ أي : قويم، وهو الإسلام يصلون به إلى معرفة بطلانه حتى لا تلحقهم حيرة، ولا تعتريهم شبهة، فيوصلهم ذلك إلى سعادة الدارين.

الحج 22:55

﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ أي : وجد منهم الكفر وطبعوا عليه ﴿في مرية﴾ أي : شك ﴿منه﴾ قال ابن جريج : أي : من القرآن، وقيل : مما ألقى الشيطان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قولون : فما باله ذكرها بخير ثم ارتدّ عنها، وقيل : من الدين وهو الصراط المستقيم ﴿حتى تأتيهم الساعة﴾ أي : القيامة، وقيل : أشراطها، وقيل : الموت ﴿بغتة﴾ أي : فجأة ﴿أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾ قال عكرمة والضحاك : لا ليل بعده وهو يوم القيامة، والأكثرون على أنه يوم بدر، وسمي عقيماً لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، وقيل : لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، ويقوي التفسير الأوّل قوله تعالى :﴿الملك يومئذٍ﴾.

الحج 22:56

﴿الملك يومئذٍ﴾ أي : يوم القيامة ﴿لله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال وحده، ولما كان كأنه قيل : ما معنى اختصاصه به، وكل الأيام له قيل :﴿يحكم بينهم﴾ أي : المؤمنين والكافرين بالأمر الفصل الذي لا حكم فيه ظاهراً ولا باطناً لغيره كما ترونه الآن بل يمشي فيه الأمر على أتم شيء من العدل ﴿فالذين آمنوا وعملوا﴾ أي : وصدّقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا ﴿الصالحات﴾ وهي ما أمرهم الله به ﴿في جنات النعيم﴾ فضلاً منه ورحمة لهم بما رحمهم الله تعالى من توفيقهم للأعمال الصالحات.

الحج 22:57

﴿والذين كفروا﴾ أي : ستروا ما أعطيناهم من المعرفة بالأدلة على وحدانيتنا ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ أي : ساعين بما أعطيناهم من الفهم في تعجيزها بالمجادلة بما يوحي إليهم أولياؤهم من الشياطين من الشبه ﴿فأولئك﴾ أي : البعداء عن أسباب الكرم ﴿لهم عذاب مهين﴾ أي : شديد بسبب ما سعوا في إهانة آياتنا مريدين إعزاز أنفسهم بمغالبتنا والتكبر عن آياتنا. فإن قيل : لم أدخل الفاء في خبر الثاني دون الأوّل ؟ أجيب : بأن في ذلك تنبيهاً على أنّ إثابة المؤمنين بالجنان تفضل من الله تعالى، وأن عقاب الكافرين مسبب عن أعمالهم، ولذلك قال :﴿لهم عذاب﴾ ولم يقل : هم في عذاب.

الحج 22:58

ولما كان المؤمنون في حصر مع الكفار رغبهم الله في الهجرة بقوله تعالى :﴿والذين هاجروا في سبيل الله﴾ أي : فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله وطلب مرضاته من مكة إلى المدينة ﴿ثم قتلوا﴾ في الجهاد بعد الهجرة، وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف، وألحق به مطلق الموت فضلاً منه بقوله تعالى :﴿أو ماتوا﴾ أي : من غير قتل ﴿ليرزقنّهم الله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال ﴿رزقاً حسناً﴾ هو رزق الجنة من حين تفارق أرواحهم أشباحهم ؛ لأنهم أحياء عند ربهم ﴿وإنّ الله﴾ أي : الملك الأعلى القادر على الإحياء كما قدر على الإماتة ﴿لهو خير الرازقين﴾ فإنه يرزق بغير حساب يرزق الخلق عامة البارّ منهم والفاجر. فإن قيل : الرازق في الحقيقة هو الله تعالى لا رازق للخلق غيره فكيف قال :﴿لهو خير الرازقين﴾ ؟ أجيب : بأنّ غير الله يسمى رازقاً على المجاز كقولهم : رزق السلطان الجيش أي : أعطاهم أرزاقهم، وإن كان الرازق في الحقيقة هو الله تعالى،

الحج 22:59

ولما كان الرزق لا يتم إلا بحسن الدار وكان ذلك من أفضل الرزق قال تعالى دالاً على ختام التي قبل :﴿ليدخلنّهم مدخلاً يرضونه﴾. هو الجنة يكرمون فيه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولا ينالهم فيها مكروه، وقيل : هو خيمة في الجنة من درّة بيضاء لها سبعون ألف مصراع، وقرأ نافع بفتح الميم أي : دخولاً، أو مكان دخول، والباقون بالضم أي : إدخالاً أو مكان إدخال ﴿وإنّ الله﴾ أي : الذي عمت رحمته وتمت عظمته ﴿لعليم﴾ أي : بمقاصدهم وما عملوا مما يرضيه وغيره ﴿حليم﴾ عما قصروا فيه من طاعته وما فرّطوا في جنبه تعالى، فلا يعاجل أحداً بالعقوبة. روي أنّ طوائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا نبيّ الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.

الحج 22:60

﴿ذلك﴾ أي : الأمر المقرّر من صفات الله تعالى الذي قصصناه عليك ﴿ومن عاقب﴾ أي : جازى من المؤمنين ﴿بمثل ما عوقب به﴾ ظلماً من المشركين أي : قاتلهم كما قاتلوه في الشهر الحرام ﴿ثم بغي عليه﴾ أي : ظلم بإخراجه من منزله، قال مقاتل : نزلت في قوم من المشركين أتوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من محرم، فقال بعضهم لبعض : إنّ أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام، فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون وكرهوا قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال لأجل الشهر الحرام، فأبى المشركون، فقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصرهم الله تعالى عليهم فذلك قوله تعالى :﴿لينصرنّه الله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿إنّ الله﴾ أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿لعفو﴾ عن المؤمنين ﴿غفور﴾ لهم. فإن قيل : لم سمى ابتداءً فعلهم عقوبة مع أن العقاب من العقب وهو منتف في الابتداء ؟ أجيب : بأنه أطلق عليه ذلك للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [ الشورى، ٤٠ ] ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [ النساء، ١٤٢ ]، وكما في قوله : كما تدين تدان. فإن قيل : كيف طابق ذكر العفو الغفور في هذا الموضع مع أنّ ذلك الفعل جائز للمؤمنين ؛ لأنهم مظلومون ؟ أجيب : بأن المنتصر لما اتبع هواه في الانتقام، وأعرض عما ندب الله تعالى له بقوله تعالى :﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ [ الشورى، ٤٣ ] وبقوله تعالى :﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [ الشورى، ٤٠ ] وبقوله تعالى :﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ [ البقرة، ٢٣٧ ]، فكان في إعراضه عما ندب إليه نوع إساءة أدب فكأنه تعالى قال : عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها له، فإني أنا الذي أذنت له فيها، وفي ذكر العفو تنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضدّه.

الحج 22:61

﴿ذلك﴾ أي : النصر ﴿بأنّ الله﴾ أي : المتصف بجميع صفات الكمال ﴿يولج﴾ أي : يدخل لأجل مصالح العباد المسيء والمحسن ﴿الليل في النهار﴾ فيمحو ظلامه بضيائه، ولو شاء الله تعالى مؤاخذة الناس لجعله سرمداً فتعطلت مصالح النهار ﴿ويولج النهار في الليل﴾ فينسخ ضياءه بظلامه ولولا ذلك لتعطلت مصالح الليل، أو بأنّ يدخل كلاً منهما في الآخر فيزيد به وذلك من أثر قدرته التي بها النصر ﴿وأنّ الله﴾ بجلاله وعظمته ﴿سميع﴾ لكل ما يقال ﴿بصير﴾ لكل ما يفعل، دائم الاتصاف بذلك، فهو غير محتاج إلى سكون الليل ليسمع، ولا لضياء النهار ليبصر ؛ لأنه سبحانه وتعالى منزه عن الأغراض.

الحج 22:62

ولما وصف تعالى نفسه بما ليس لغيره علله بقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الاتصاف بتمام القدرة وشمول العلم ﴿بأنّ الله﴾ أي : القادر على كل ما أراد ﴿هو﴾ وحده ﴿الحق﴾ أي : الثابت الواجب الوجود ﴿وأنّ ما يدعون﴾ أي : يعبد المشركون ﴿من دونه﴾ وهو الأصنام ﴿هو الباطل﴾ الزائل، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة بالتاء على الخطاب للمشركين، والباقون بالياء على الغيبة، وأنّ هذه مقطوعة من ما في الرسم ﴿وأنّ الله﴾ لكونه هو الحق الذي لا كفء له ﴿هو﴾ وحده ﴿العليّ﴾ أي : العالي على كل شيء بقدرته ﴿الكبير﴾ وكل ما سواه سافل حقير تحت قهره وأمره.

الحج 22:63

ثم إنه سبحانه وتعالى استدل على كمال قدرته بأمور ستة : الأول : قوله تعالى :﴿ألم ترَ﴾ أي : أيها المخاطب ﴿أنّ الله﴾ أي : المحيط قدرة وعلماً ﴿أنزل من السماء ماءً﴾ أي : مطراً بأنّ يرسل رياحاً فتثير سحاباً، فيمطر على الأرض الماء ﴿فتصبح الأرض﴾ أي : بعد أنّ كانت مسودّة يابسة ميتة جامدة ﴿مخضرة﴾ حية يانعة مهتزة نامية بما فيه رزق العباد وعمارة البلاد فإن قيل : لم قال تعالى :﴿فتصبح﴾، ولم يقل : فأصبحت ؟ أجيب : بأنّ ذلك لنكتة وهي إفادة بقاء المطر زماناً بعد زمان كما تقول : أنعم عليّ فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له، ولو قلت : فرحت وغدوت شاكراً له لم يقع ذلك الموقع. فإن قيل : لم رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام ؟ أجيب : بأنه لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض ؛ لأنّ معناه أنبتت الأخضر فينقلب بالنصب إلى نفي الأخضر، ووجه ذلك : بأنّ النصب بتقدير أنّ وهو علم للاستقبال فيجعل الفعل مترقباً والرفع جزم بإثباته مثاله أنّ تقول لصاحبك : ألم ترَ أني أنعمت عليك فتشكر، فإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك في تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره، وهذا وأمثاله مما يجب أنّ يتنبه له من اتسم بالعلم في علم الإعراب، وتوقير أهله ﴿إن الله﴾ أي : الذي له تمام النعم وكمال العلم ﴿لطيف﴾ بعباده في إخراج النبات بالماء ﴿خبير﴾ أي : بمصالح الخلق ومنافعهم، فإنه مطلع على السرائر، وإن دقت فلا يستبعد عليه إحياء من أراد بعد موته، وقال ابن عباس : لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط.

الحج 22:64

الأمر الثاني : قوله تعالى :﴿له ما في السماوات﴾ أي : التي أنزل منها الماء ﴿وما في الأرض﴾ أي : التي استقر فيها ملكاً وخلقاً ﴿وإنّ الله﴾ أي : الذي له الإحاطة التامة ﴿لهو﴾ أي : وحده ﴿الغني﴾ في ذاته عن كل شيء ﴿الحميد﴾ أي : المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.

الحج 22:65

الأمر الثالث : قوله تعالى :﴿ألم ترَ﴾ أي : أيها المخاطب ﴿أنّ الله﴾ ذا الجلال والإكرام ﴿سخر لكم﴾ فضلاً منه ﴿ما في الأرض﴾ كله من مسالكها وفجاجها، وما فيها من حيوان وجماد وزرع وثمار، فلولا تسخيره تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى ذللهما للضعيف من الناس لما انتفع بهما أحد منهم. الأمر الرابع : قوله تعالى :﴿والفلك﴾ أي : وسخر لكم الفلك أي : السفن، ثم بيّن تسخيرها بقوله :﴿تجري في البحر﴾ العجاج المتلاطم بالأمواج بريح طيبة للركوب والحمل ﴿بأمره﴾ أي : بإذنه. الأمر الخامس : قوله تعالى :﴿ويمسك السماء﴾ أي : كراهة ﴿أنّ تقع على الأرض﴾ التي تحتها مع علوها وعظمها وكونها بغير عمد فتهلكوا ﴿إلا بإذنه﴾ أي : بمشيئته، فيقع ذلك يوم القيامة حين يريد طي هذا العالم وإيجاد عالم البقاء ﴿إن الله﴾ أي : الذي له الخلق والأمر ﴿بالناس﴾ أي : على ظلمهم ﴿لرؤوف﴾ أي : بما يحفظ من سرائرهم ﴿رحيم﴾ أي : حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال وفتح لهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أبواب المضار.

الحج 22:66

﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿الذي أحياكم﴾ أي : عن الجمادية بعد أنّ أوجدكم من العدم ﴿ثم يميتكم﴾ أي : عند انقضاء آجالكم ليكون الموت واعظاً لأولي البصائر منكم ﴿ثم يحييكم﴾ أي : يوم البعث للثواب والعقاب وإظهار العدل في الجزاء ﴿إن الإنسان﴾ أي : المشرك ﴿لكفور﴾ أي : لبليغ الكفر حيث لم يشكر على هذه النعم المحيطة به فيوحد الله تعالى، وقال ابن عباس : هو الأسود بن عبد الأسد، وأبو جهل، والعاص بن وائل، وأبيّ بن خلف، قال الرازي : والأولى تعميمه في كل المنكرين.

الحج 22:67

﴿لكل أمة﴾ أي : في كل زمان ﴿جعلنا منسكاً﴾ قال ابن عباس : شريعة يتعبدن بها ﴿هم ناسكوه﴾ أي : عاملون بها، وروي عنه أنه قال : عيداً، وقال مجاهد وقتادة : موضع قربان يذبحون فيه، وقيل : موضع عبادة، وقرأ حمزة والكسائي : منسكاً، بكسر السين، والباقون بفتحها ﴿فلا ينازعنك في الأمر﴾ أي : أمر الذبائح، نزلت في بديل بن ورقاء، وبشر بن سفيان، ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبيّ : صلى الله عليه وسلم ما لكم تأكلون مما تقتلون، ولا تأكلون مما قتله الله تعالى ؟ يعنون الميتة، وقال الزجاج : هو نهي له صلى الله عليه وسلم عن منازعتهم كما تقول : لا يضاربنك فلان أي : فلا تضاربه، وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين معناه لا تنازعهم أنت ﴿وادع﴾ أي : أوقع الدعوة لجميع الخلق ﴿إلى ربك﴾ المحسن إليك أي : إلى دينه، ثم علل ذلك بقوله :﴿إنك﴾ مؤكداً له بحسب ما عندهم من الإنكار ﴿لعلى هدى﴾ أي : دين واضح ﴿مستقيم﴾ هو دين الإسلام.

الحج 22:68

﴿وإن جادلوك﴾ أي : في أمر الدين بعد أنّ ظهر الحق ولزمت الحجة ﴿فقل الله﴾ أي : الملك المحيط بالعز والعلم ﴿أعلم بما تعملون﴾ من المجادلة الباطلة وغيرها، فيجازيكم عليه وهذا وعيد فيه رفق، وكان ذلك قبل الأمر بالقتال.

الحج 22:69

ولما أمر الله تعالى بالإعراض عنهم، وكان ذلك شديداً على النفس لتشوقها إلى النصرة رجاه في ذلك بقوله تعالى مستأنفاً تحذيراً لهم :﴿الله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿يحكم بينكم﴾ أي : بينك مع اتباعك وبينهم ﴿يوم القيامة﴾ الذي هو يوم التغابن ﴿فيما كنتم فيه تختلفون﴾ من أمر الدين ومن نصر ذلك اليوم لم يبال بما حلّ به، فهو كقوله :﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [ الشعراء، ٢٢٧ ] ؛ قال البغوي : والاختلاف ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر.

الحج 22:70

﴿ألم تعلم أنّ الله﴾ بجلال عزه وعظيم سلطانه ﴿يعلم ما في السماء والأرض﴾ فلا يخفى عليه شيء ﴿إن ذلك﴾ أي : ما ذكر ﴿في كتاب﴾ كتب فيه كل شيء حكم بوقوعه قبل وقوعه، وكتب جزاؤه وهو اللوح المحفوظ ﴿إن ذلك﴾ أي : علم ما ذكر ﴿على الله﴾ وحده ﴿يسير﴾ أي : سهل ؛ لأنّ علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل المعلومات على السواء.

الحج 22:71

﴿ويعبدون﴾ أي : المشركون على سبيل التجدّد والاستمرار ﴿من دون الله﴾ أي : من أدنى رتبة من رتبه الذي قامت جميع الدلائل على احتوائه على جميع صفات الكمال وتنزيهه عن شوائب النقص ﴿ما لم ينزل به سلطاناً﴾ أي : حجة واحدة من الحجج وهو الأصنام ﴿وما ليس لهم به علم﴾ حصل لهم من ضرورة العقل واستدلاله بالحجة ﴿وما للظالمين﴾ أي : الذين وضعوا التعبد في غير موضعه لارتكابهم لهذا الأمر العظيم الخطر، وأكد النفي واستغرق المنفي بإثبات الجار، فقال تعالى :﴿من نصير﴾ أي : ينصرهم من الله لا مما أشركوه به ولا من غيره فيدفع عنهم عذابه أو يقرّر مذهبهم.

الحج 22:72

﴿وإذا تتلى﴾ أي : على سبيل التحذير والمبالغة من أيّ تال كان ﴿عليهم آياتنا﴾ أي : من القرآن حال كونها ﴿بينات﴾ لا خفاء فيها عند من له بصيرة في شيء مما دعت إليه من الأصول والفروع ﴿تعرف في وجوه الذين كفروا﴾ أي : تلبسوا بالكفر ﴿المنكر﴾ أي : الإنكار الذي هو منكر في نفسه، فيظهر أثره في وجوههم من الكراهة والعبوس لما حصل لهم من الغيظ، ثم بيّن ما لاح في وجوههم بقوله تعالى :﴿يكادون يسطون﴾ أي : يوقعون السطوة بالبطش والعنف ﴿بالذين يتلون عليهم آياتنا﴾ أي : الدالة على أسمائنا الحسنى وصفاتنا العليا القاضية بوحدانيتنا مع كونها بينات في غاية الوضوح في أنها كلامنا لما فيها من الحكم والبلاغة التي عجزوا عنها، ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنّ يقابلهم بالوعيد بقوله تعالى :﴿قل أفأنبئكم﴾ أي : أفأخبركم خبراً عظيماً ﴿بشر من ذلكم﴾ بأكره إليكم من القرآن المتلوّ عليكم، وقوله تعالى :﴿النار﴾ كأنه جواب سائل قال : ما هو ؟ فقيل : النار، أي : هو النار، ويجوز أنّ تكون مبتدأ خبره ﴿وعدها الله الذين كفروا﴾ جزاء لهم فبئس الموعد هي ﴿وبئس المصير﴾ أي : النار.

الحج 22:73

ولما بين تعالى أنه لا حجة لعابد غيره اتبعه بأنّ الحجة قائمة على أنّ ذلك الغير في غاية الحقارة، فقال تعالى منادياً أهل العقل منبهاً تنبيهاً عاماً :﴿يا أيها الناس ضرب مثل﴾ حاصله أنّ من عبدتموه من الأصنام أحقر منكم ﴿فاستمعوا﴾ أي : أنصتوا ﴿له﴾ وتدبروه، ثم فسره بقوله تعالى :﴿إن الذين تدعون﴾ أي : تعبدون وتدعونهم في حوائجكم وتجعلونهم آلهة ﴿من دون الله﴾ أي : الملك الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترّون ﴿لن يخلقوا ذباباً﴾ أي : لا قدرة لهم على ذلك في زمن من الأزمان على حال من الأحوال مع صغره فكيف بما هو أكبر منه ﴿ولو اجتمعوا﴾ أي : الذين زعمتموهم شركاء ﴿له﴾ أي : الخلق فهم في هذا أمثالكم. تنبيه :﴿محل ولو اجتمعوا له﴾ النصب على الحال كأنه قال تعالى : يستحيل أنّ يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم لخلقه وتعاونهم عليه، وهذا من أبلغ ما أنزل الله تعالى في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أنّ الشيطان قد خدعهم بخداعه حيث وصفوا بالإلهية التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها والإحاطة بالمعلومات عن آخرها صوراً وتماثيل يستحيل منها أنّ تقدر على أقل ما خلقه الله تعالى وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم أنّ هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئاً فاجتمعوا على أنّ يستخلصوه منه لم يقدروا كما قال تعالى :﴿وإن يسلبهم الذباب﴾ أي : الذي تقدّم أنهم لا قدرة لهم على خلقه، وهو غاية في الحقارة ﴿شيئاً﴾ أي : من الأشياء جل أو قل ﴿لا يستنقذوه منه﴾ لعجزهم، فكيف يجعلونهم شركاء لله ؟ هذا أمر مستغرب عبر عنه بضرب مثل. تنبيه : الذباب مفرد وجمعه القليل : أذبة، والكثير : ذبان مثل غراب وأغربة وغربان، وعن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل، ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. وعن ابن زيد : كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلئ، وأنواع الجواهر ويطيبونها بألوان الطيب فربما يسقط شيء منها فيأخذه طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استرداده منه ﴿ضعف الطالب﴾ قال الضحاك : هو العابد ﴿والمطلوب﴾ المعبود، وقال ابن عباس : الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب الذي على الصنم، والمطلوب هو الصنم، وقيل : على العكس الطالب الصنم، والمطلوب الذباب، أي : لو طلب الصنم أنّ يخلق الذباب لعجز عنه.

الحج 22:74

ولما أنتج هذا جهلهم بالله عز وجل عبّر عنه بقوله تعالى :﴿ما قدروا الله﴾ أي : الذي له الكمال كله ﴿حق قدره﴾ أي : ما عظموه حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته حيث أشركوا به ما لا يمتنع عن الذباب ولا ينتصف منه ﴿إنّ الله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال ﴿لقويّ﴾ على خلق الممكنات بأسرها ﴿عزيز﴾ أي : لا يغلبه شيء وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة عن أقلها مقهورة من أذلها ؛ قال الكلبي في هذه الآية وفي نظيرها في سورة الإنعام أنها نزلت في جماعة من اليهود مالك بن الصيف، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهم حيث قالوا : إنّ الله تعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض وأجناس خلقها استلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم، ونزل قوله تعالى :﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ ق، ٣٨ ] ؛ قال الرازي : واعلم أنّ منشأ هذه الشبهة هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال أعني عن الغرض والدواعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما يقوله المعتزلة، قال أبو القاسم الأنصاري رحمه الله تعالى : فهو سبحانه وتعالى خير النعت عزيز الوصف، فالأوهام لا تصوّره والأفكار لا تقدره، والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحدّه، صمديّ الذات سرمديّ الصفات.

الحج 22:75

ولما ذكر سبحانه وتعالى ما يتعلق بالإلهيات ذكر ما يتعلق بالنبوّات بقوله تعالى :﴿الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿يصطفي﴾ أي : يختار ويختص ﴿من الملائكة رسلاً﴾ كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم الصلاة والسلام ﴿ومن الناس﴾ كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم نزلت حين قال المشركون :﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا﴾ [ ص، ٨ ] فأخبر تعالى أنّ الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه ﴿إنّ الله﴾ أي : الذي له الجلال والجمال ﴿سميع﴾ لمقالتهم ﴿بصير﴾ بمن يتخذه رسولاً.

الحج 22:76

﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي : الرسل ﴿وما خلفهم﴾ أي : علمه محيط بما هم مطلعون عليه، وبما غاب عنهم، فلا يفعلون شيئاً إلا بإذنه ﴿وإلى الله﴾ أي : وحده تعالى ﴿ترجع﴾ بغاية السهولة ﴿الأمور﴾ يوم يتجلى لفصل القضاء فيكون أمره ظاهراً لا خفاء فيه، ولا يصدر شيء من الأشياء إلا على وجه العدل الظاهر لكل أحد، ولا يكون لأحد التفات إلى غيره، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الجيم.

الحج 22:77

ولما أثبت سبحانه وتعالى أنّ الملك والأمر له وحده خاطب المقبلين على دينه وهم الخلص من الناس بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : تلبسوا بالإيمان ﴿اركعوا﴾ تصديقاً لإيمانكم ﴿واسجدوا﴾ أي : صلوا الصلاة التي شرعتها لكم فإنها رأس العبادة ليكون دليلاً على صدقكم في الإقرار بالإيمان. تنبيه : إنما خص هذين الركنين في التعبير عن الصلاة لأنهما لمخالفتهما الهيئات المعتادة هما الدالان على الخضوع، فحسن التعبير بهما، وذكر عن ابن عباس أنّ الناس كانوا في أوّل الإسلام يركعون ولا يسجدون، وقيل : كان الناس أوّل ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود حتى نزلت هذه الآية، ولما خص أفضل العبادة عمم بقوله تعالى :﴿واعبدوا﴾ أي : بأنواع العبادة ﴿ربكم﴾ أي : المحسن إليكم بكل نعمة دينية ودنيوية، ولما ذكر عموم العبادة أتبعها ما قد يكون أعم منها مما صورته صورتها، أو قد يكون بلا نية، فقال :﴿وافعلوا الخير﴾ أي : كله من القرب كصلة الأرحام وعيادة المريض ونحو ذلك من معالي الأخلاق بنية وبغير نية حتى يكون لكم ذلك عادة فيخف عليكم عمله لله تعالى ؛ قال أبو حيان : بدأ تعالى بخاص وهو الصلاة، ثم بعام وهو : واعبدوا ربكم، ثم بأعمّ وهو : وافعلوا الخير ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي : افعلوا هذا كله وأنتم راجون الفلاح وهو الفوز بالبقاء في الجنة طامعون فيه غر مستيقنين، ولا تتكلوا على أعمالكم، وقال الإمام أبو القاسم الأنصاريّ : لعل كلمة ترج تشعر بأنّ الإنسان قلما يخلو في أداء فريضة من تقصير، وليس هو على يقين من أنّ الذي أتى به مقبول عند الله والعواقب مستورة وكلٌ ميسر لما خلق له. تنبيه : اختلف في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية فذهب قوم إلى أنه يسجد عندها، وهو قول عمر وعليّ وابن عمر وابن مسعود وابن عباس، وبه قال ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود وقول البيضاوي ولقوله صلى الله عليه وسلم «فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرأهما » حديث ضعيف رواه الترمذي وضعفه، وذهب قوم إلى أنه لا يسجد وهو قول سفيان الثوري، وقول أبي حنيفة وأصحابه ؛ لأنهم يقولون : قرن السجود بالركوع في ذلك، فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة.

الحج 22:78

ولما كان الجهاد أساس العبادة وهو مع كونه حقيقة في جهاد الكفار صالح لأنّ يعم كل أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل، بالسيف وغيره وكل جهاد في تهذيب النفس وإخلاص العمل ختم به فقال تعالى :﴿وجاهدوا في الله﴾ أي : لله ومن أجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس، وقول البيضاوي : وعنه عليه الصلاة والسلام أنه رجع من غزوة تبوك فقال :«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ». حديث رواه البيهقي وضعف إسناده، وقال غيره : لا أصل له، قيل : أراد بالأصغر جهاد الكفار وبالأكبر جهاد النفس ﴿حق جهاده﴾ أي : باستفراغ الطاقة في كل ما أمر به من جهاد العدوّ والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو وغيرهما. فإن قيل : ما وجه هذه الإضافة، وكان القياس في حق الجهاد في الله أو حق جهادكم في الله، كما قال تعالى :﴿وجاهدوا في الله﴾ ؟ أجيب : بأنّ الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث أنه مفعول لأجله صحت إضافته إليه، وعن مجاهد عن الكلبي أنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [ التغابن، ١٦ ]، ولما أمر الله تعالى بهذه الأوامر أتبعها ببعض ما يجب به شكره وهو كالتعليل لما قبله فقال تعالى :﴿هو اجتباكم﴾ أي : اختاركم لدينه ولنصرته، وجعل الرسالة فيكم والرسول منكم وجعله أشرف الرسل، ودينه أشرف الأديان، وكتابه أعظم الكتب، وجعلكم لكونكم أتباعه خير الأمم ﴿وما جعل عليكم في الدين﴾ أي : الذي اختاره لكم ﴿من حرج﴾ أي : من ضيق وشدّة وهو أنّ المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله تعالى له منه مخرجاً بعضها بالتوبة وبعضها بردّ المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات من الأمراض والمصائب وغير ذلك، فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من الذنوب ومن العقاب لمن وفقه الله تعالى وسهله عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمريض والمسافر، وغير ذلك ؛ قال صلى الله عليه وسلم :«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » رواه البخاري، وعن ابن عباس أنه قال : الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم وضعها الله تعالى عن هذه الأمة، وقوله تعالى :﴿ملة أبيكم﴾ نصب بنزع الخافض وهو الكاف أو على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبله بحذف المضاف أي : وسع دينكم توسعة ملة أبيكم أو على الإغراء أي : اتبعوا ملة أبيكم، أو على الاختصاص أي : أعني بالدين ملة أبيكم كقولك : الحمد لله الحميد، وقوله تعالى :﴿إبراهيم﴾ عطف بيان. فإن قيل : لم كان إبراهيم أباً للأمة كلها ؟ أجيب : بأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أباً لأمّته ؛ لأنّ أمّة الرسول في حكم أولاده. واختلف في عود ضمير ﴿هو﴾ على قولين أحدهما أنه يعود على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنّ لكل نبيّ دعوة مستجابة، ودعوة إبراهيم عليه السلام :﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ [ البقرة، ١٢٨ ]، فاستجاب الله تعالى له فجعلها محمداً صلى الله عليه وسلم وأمّته، والثاني : أنه يعود على الله تعالى في قوله تعالى :﴿هو اجتباكم﴾، وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال إن الله تعالى ﴿سمّاكم المسلمين من قبل﴾ أي : في كل الكتب المنزلة التي نزلت قبل إنزال هذا لقرآن ﴿وفي هذا﴾ أي : وسماكم في هذا القرآن الذي أنزل عليكم من بعد إنزال تلك الكتب، وهذا القول كما قال الرازي : أقرب لأنه تعالى قال :﴿ليكون الرسول شهيداً عليكم﴾ أي : يوم القيامة أنه بلغكم ﴿وتكونوا شهداء على الناس﴾ أي : أنّ رسلهم بلغتهم، فبيّن أنه تعالى سمّاهم بذلك لهذا الغرض، وهذا لا يليق إلا بالله تعالى، وإنما كانوا شهداء على الناس لسائر الأنبياء ؛ لأنهم لم يفرقوا بين أحد منهم وعلموا أنّ أخبارهم من كتابهم على لسان نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك صحت شهادتهم وقبلها الحكم العدل وعن كعب أعطيت هذا الأمة ثلاثاً لم يعطهن إلا الأنبياء : جعلهم شهداء على الناس وما جعل عليهم في الدين من حرج، وقال تعالى :﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [ غافر، ٦٠ ]، وعن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال : لم يذكر الله بالإيمان والإسلام غير هذه الأمّة ذكرها بهما وكرّرهما جميعاً، ولم يسمع بأمة ذكرت بالإسلام والإيمان غيرها وعن مكحول أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :" تسمى الله عز وجل باسمين سمى بهما أمّتي ؛ هو السلام وسمى أمتي المسلمين، وهو المؤمن وسمى أمتي المؤمنين ". تنبيه : في الآية دليل على أنّ شهادة غير المسلم ليست مقبولة، ولما ندبهم تعالى ليكونوا خير الأمم تسبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فأقيموا الصلاة﴾ التي هي أركان قلوبكم وصلة ما بينكم وبين ربكم أي : داوموا عليها ﴿وآتوا الزكاة﴾ التي هي طهرة أبدانكم، وصلة بينكم وبين إخوانكم ﴿واعتصموا بالله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال في جميع ما أمركم به من المناسك التي تقدمت وغيرها، ثم علل تعالى أهليته بقوله تعالى :﴿هو﴾ أي : وحده ﴿مولاكم﴾ أي : المتولي لجميع أموركم فهو ينصركم على كل من يعاديكم بحيث أنّ تتمكنوا من إظهار هذا الدين من مناسك الحج وغيرها، ثم علل الأمر بالاعتصام وتوحده بالولاية بقوله تعالى :﴿فنعم المولى﴾ أي : هو ﴿ونعم النصير﴾ أي : الناصر لكم لأنه تعالى إذا تولى أحداً كفاه كل ما أهمه وإذا نصر أحد أعلاه عن كل من خاصمه " ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته " الحديث إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، وهذا نتيجة التقوى، وما قبله من أفعال الطاعة دليلها فقد انطبق آخر السورة على أوّلها ورد مقطعها على مطلعها.

المؤمنون 23:1

﴿بسم الله﴾ الذي له الأمر كله ﴿الرحمن﴾ الذي عم إنعامه ﴿الرحيم﴾ الذي خص من أراد بالإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل، فأنزل عليه يوماً فمكث ساعة حتى سرّي عنه، فاسقبل القبلة ورفع يديه فقال : اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم أرضنا وارض عنا، ثم قال : لقد أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة »، ثم قرأ :﴿قد أفلح المؤمنون﴾. حتى ختم العشرة آيات، قال ابن عباس : قد سعد المصدّقون بالتوحيد وبقوا في الجنة، وقيل : الفلاح البقاء والنجاة، روى هذا الحديث الترمذي وغيره وأنكره النسائي وغيره. تنبيه : قال الزمخشري قد نقيضة لما هي تثبت المتوقع ولما تنفيه، ولا شك أنّ المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. فإن قيل : ما المؤمن ؟ أجيب : بأنه في اللغة هو المصدق وأما في الشريعة فقد اختلف فيه على قولين : أحدهما : أنّ كل من نطق بالشهادتين مواطئاً قلبه لسانه، فهو مؤمن والآخر أنه صفة مدح لا يستحقها إلا البر التقي دون الفاسق، ثم إنه تعالى حكم بحصول الفلاح لمن كان مستجمعاً لصفات سبعة : الصفة الأولى : كونهم مؤمنين.

المؤمنون 23:2

الصفة الثانية : المذكورة في قوله تعالى :﴿الذين هم﴾ أي : بضمائرهم وظواهرهم ﴿في صلاتهم خاشعون﴾ قال ابن عباس : مخبتون أذلاء، وقيل : خائفون، وقيل : متواضعون، وعن قتادة : الخشوع إلزام موضع السجود، روى الحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين :«أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي رافعاً بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره إلى نحو مسجده » أي : موضع سجوده وكان الرجل إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أنّ يشدّ بصره إلى شيء أو يحدّث بشيء من شأنّ الدنيا، وقيل : هو جمع الهمة لها والإعراض عما سواها، ومن الخشوع أنّ يستعمل الأدب فيتوقى كف الثوب والعبث بجسده وثيابه والتشبيك والالتفات والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والسدل والفرقعة والاختصار، وتقليب الحصى ؛ روى الترمذي لكن بسند ضعيف :«أنه صلى الله عليه وسلم أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال : لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه »، ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول : اللهم زوّجني الحور العين فقال : بئس الخاطب أنت تخطب وأنت تعبث، وعنه أنه قال : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع، وعن معاذ بن جبل : من عرف من على يمينه وشماله وهو في الصلاة فلا صلاة له، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها »، وقال صلى الله عليه وسلم «كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب » وقال :«من لم تنهه الصلاة عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ». فينبغي للشخص أنّ يحتاط في صلاته ليوقعها على التمام، فإنّ بعض العلماء اختار عدم الإمامة، فقيل له في ذلك، فقال : أخاف إن تركت الفاتحة أنّ يعاتبني الشافعيّ وإن قرأتها أنّ يعاتبني أبو حنيفة فاخترت عدم الإمامة طلباً للخلاص من هذا الخلاف. فإن قيل : لم أضيفت الصلاة إليهم ؟ أجيب : بأنّ الصلاة وصلة بين الله وبين عباده والمصلي هو المنتفع بها وحده، وهي عدّته وذخيرته فهي صلاته، وأما الله تعالى فهو غنيّ متعالٍ عن الحاجة إليها والانتفاع بها.

المؤمنون 23:3

الصفة الثالثة المذكورة في قوله تعالى :﴿والذين هم﴾ أي : بضمائرهم التي تتبعها ظواهرهم ﴿عن اللغو﴾ قال ابن عباس : عن الشرك ﴿معرضون﴾ أي : تاركون، وقال الحسن : عن المعاصي، وقال الزجاج : هو كل باطل ولهو وما لا يحمد من القول والفعل، وقيل : هو كل ما لا يعني الشخص من قول أو فعل وهو ما يستحق أنّ يسقط ويلغى، فمدحهم الله تعالى بأنهم معرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه هو بأنّ لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه كما قال تعالى :﴿وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً﴾ [ الفرقان، ٧٢ ] أي : إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه.

المؤمنون 23:4

الصفة الرابعة المذكورة في قوله تعالى :﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ أي : مؤدون. تنبيه : الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى فالعين هو القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى المستحق والمعنى فعل المزكي الذي هو التزكية، وهو المراد هنا ؛ لأنه ما من مصدر إلا ويعبر عن معناه بالفعل، ويقال لمحدثه : فاعل، تقول للضارب : فاعل الضرب، وللقاتل : فاعل القتل، وللمزكي : فاعل التزكية، ويجوز أنّ يراد بالزكاة العين ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء، وقيل : الزكاة هنا هي العمل الصالح ؛ لأنّ هذه السورة مكية وإنما فرضت الزكاة بالمدينة سنة اثنتين من الهجرة قال البقاعي : والظاهر أنّ التي فرضت بالمدينة هي ذات النصب، وأنّ أصل الزكاة كان واجباً بمكة كما قال تعالى في سورة الأنعام :﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [ الأنعام، ١٤١ ] انتهى.

المؤمنون 23:5

الصفة الخامسة المذكورة في قوله تعالى :﴿والذين هم لفروجهم﴾ في الجماع ومقدّماته ﴿حافظون﴾ أي : دائماً لا يتبعونها شهوتها، والفرج اسم لسوأة الرجل والمرأة، وحفظه التعفف عن الحرام.

المؤمنون 23:6

ثم استثنى من ذلك قوله تعالى :﴿إلا على أزواجهم﴾ اللاتي استحقوا أبضاعهنّ بعقد النكاح، ولعلوّ الذكر عبر بعلى ونظيره كان زياد على البصرة أي : والياً عليها، ومنه قولهم : فلانة تحت فلان، ومن ثم سميت المرأة فراشاً، وقيل : على بمعنى من، وجرى على ذلك البغوي ﴿أو ما ملكت إيمانهم﴾ رقابه من الإماء. فإن قيل : هلا قال تعالى : أو من ملكت ؟ أجيب : بأنه إنما عبر بما لقرب الإماء مما لا يعقل لنقصهن عن الحرائر الناقصات عن الذكر ولأنه اجتمع فيها وصفان : أحدهما : الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل والأخرى : كونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع، قال البغوي : والآية في الرجال خاصة ؛ لأنّ المرأة لا يجوز لها أنّ تستمتع بفرج مملوكها ﴿فإنهم غير ملومين﴾ على ذلك إذا كان على وجه أذن فيه الشرع دون الإتيان في غير المأتي، وفي حال الحيض أو النفاس أو نحو ذلك كوطء الأمة قبل الاستبراء، فإنه حرام ومن فعله فإنه ملوم.

المؤمنون 23:7

﴿فمن ابتغى﴾ أي : طلب متعدياً ﴿وراء ذلك﴾ العظيم المنفعة الذي وقع استثناؤه بزنا أو لواط أو استمناء بيد أو بهمية أو غيرها ﴿فأولئك﴾ المبعدون من الفلاح ﴿هم العادون﴾ أي : المبالغون في تعدّي الحدود، عن سعيد بن جبير قال : عذب الله تعالى أمّة كانوا يعبثون بمذاكيرهم، أي : في أيديهم، وقيل : يحشرون وأيديهم حبالى.

المؤمنون 23:8

الصفة السادسة : المذكورة في قوله تعالى :﴿والذين هم لأماناتهم﴾ أي : في الفروج وغيرها سواء كانت بينهم وبين الله كالصلاة والصيام، أو بينهم وبين الخلق كالودائع والبضائع، أو في المعاني الباطنة كالإخلاص والصدق ﴿وعهدهم راعون﴾ أي : حافظون بالقيام والرعاية والإصلاح، والعهد ما عقده الشخص على نفسه فيما يقربه إلى ربه، ويقع أيضاً على ما أمر الله تعالى به كقوله تعالى :﴿قالوا إن الله عهد إلينا﴾ [ آل عمران، ١٨٣ ]. تنبيه : سمي الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً، ومنه قوله تعالى :﴿إنّ الله يأمركم أنّ تؤدّوا الأمانات إلى أهلها﴾ [ النساء، ٥٨ ]، وقال تعالى :﴿وتخونوا أماناتكم﴾ [ الأنفال، ٢٧ ]، وإنما تؤدّى العيون لا المعاني ويخان المؤتمن عليه لا الأمانة في نفسها. وقرأ ابن كثير : لأمانتهم بغير ألف بين النون والتاء على الإفراد لا من الإلباس أو لأنها في الأصل مصدر، والباقون بالألف على الجمع.

المؤمنون 23:9

الصفة السابعة المذكورة في قوله تعالى :﴿والذين هم على صلواتهم﴾ التي وصفوا بالخشوع فيها ﴿يحافظون﴾ أي : يواظبون عليها ولا يتركون شيئاً من مفروضاتها ولا مسنوناتها يجتهدون في كمالاتها جهدهم، ويؤدّونها في أوقاتها. فإن قيل : كيف كرّر الصلاة أولاً وآخراً ؟ أجيب : بأنهما ذكران مختلفان فليس بمكرر وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم وآخر بالمحافظة عليها وذلك أنّ لا يسهوا عنها ويؤدوها في أوقاتها، ويقيموا أركانها ويوطنوا أنفسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أنّ تتم به أوصافها، وأيضاً فقد وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أيّ صلاة كانت وجمعت آخراً على غير قراءة حمزة والكسائي، فإنّ غيرهما قرأ بالجمع، وأمّا هما فقرأا بالإفراد لتفاد المحافظة على أعدادها وهي الصلوات الخمس والسنن المرتبة مع كل صلاة، وصلاة الجمعة وصلاة الجنازة والعيدين والكسوفين والاستسقاء، والوتر والضحى وصلاة التسبيح، وصلاة الحاجة، وغيرها من النوافل.

المؤمنون 23:10

ولما ذكر تعالى مجموع هذه الصفات العظيمة فخم جزاءهم فقال تعالى : ﴿أولئك﴾ أي : البالغون من الإحسان أعلى مكان ﴿هم الوارثون﴾ أي : المستحقون لهذا الوصف، فيرثون منازل أهل الجنة في الجنة روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله » وقال مجاهد : لكل واحد منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فأمّا المؤمن فيبني منزله الذي له في الجنة ويهدم منزله الذي له في النار، وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة ويبني منزله الذي له في النار »، وقال بعض المفسرين : معنى الوراثة هو أنّ يؤول أمرهم إلى الجنة وينالوها كما يؤول أمر الميراث إلى الوارث.

المؤمنون 23:11

﴿الذين يرثون الفردوس﴾ وهو أعلى الجنة، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، منها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون عرش الرحمن، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس » اللهمّ بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أنّ تجعلنا ووالدينا وأحبابنا من أهله ﴿هم فيها خالدون﴾ أي : لا يخرجون منها ولا يموتون وأنث الفردوس بقوله تعالى :﴿فيها﴾، على تأنيث الجنة، وهو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر، روي «أنّ الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل خلالها المسك الإذفر وفي رواية : ولبنة من مسك مذرى وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان »، وروي «أنّ الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال : وعزتي لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث »، والمراد أنّ الله تعالى لم يكل ذلك إلى غيره من ملك من الملائكة، والجنة مخلوقة الآن ؛ قال تعالى :﴿أعدت للمتقين﴾ [ آل عمران، ١٣٣ ]، ولما أمر سبحانه وتعالى بالعبادات في هذه الآيات والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفة الله تعالى عقبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية فذكر من الدلائل أنواعاً : الأول : الاستدلال بتقليب الإنسان في أدوار الخلقة وأدوار الفطرة، وهي تسع مراتب.

المؤمنون 23:12

الأولى : قوله تعالى :﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ أي : آدم ﴿من سلالة﴾ هي من سللت الشيء من الشيء أي : استخرجته منه، وهو خلاصته، وقال ابن عباس : السلالة صفرة الماء، وقوله تعالى :﴿من طين﴾ متعلق بسلالة، وقيل : المراد بالإنسان هذا النوع ؛ والسلالة قال مجاهد : من بني آدم، وقال عكرمة : هو الماء يسيل من الظهر، والعرب تسمي النطفة سلالة، والولد سليلاً وسلالة ؛ لأنهما مسلولان منه.

المؤمنون 23:13

المرتبة الثانية : قوله تعالى :﴿ثم جعلناه﴾ أي : نسله، فحذف المضاف ﴿نطفة﴾ أي : منياً من الصلب والترائب بأنّ خلقناه منها ﴿في قرار مكين﴾ أي : مستقر حصين هو الرحم. تنبيه : مكين في الأصل صفة للمستقر في الرحم وصف به المحل للمبالغة كما عبّر عنه بالقرار.

المؤمنون 23:14

المرتبة الثالثة : قوله تعالى :﴿ثم﴾ أي : بعد تراخ في الزمان، وعلوّ في المرتبة والعظمة ﴿خلقنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿النطفة﴾ أي : البيضاء جداً ﴿علقة﴾ حمراء دماً غليظاً. شديد الحمرة جامداً غليظاً. المرتبة الرابعة : قوله تعالى :﴿فخلقنا﴾ أي : بما لنا من القوة والقدرة العظيمة ﴿العلقة مضغة﴾ أي : قطعة لحم قدر ما يمضغ لا شكل فيها ولا تخطيط. المرتبة الخامسة : قوله تعالى :﴿فخلقنا المضغة﴾ أي : بتقليبها بما شئنا لها من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة ﴿عظاما﴾ من رأس ورجلين وما بينهما. المرتبة السادسة : قوله تعالى :﴿فكسونا﴾ بما لنا من قوة الاختراع تلك ﴿العظام لحماً﴾ بما ولدنا منها ترجيعاً لحالها قبل كونها عظاماً فسترنا تلك العظام، وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب. وقرأ ابن عامر وأبو بكر : عظاماً، والعظام بفتح العين وإسكان الظاء من غير ألف على التوحيد اكتفاء باسم الجنس عن الجمع، والباقون بكسر العين وفتح الظاء وألف بعدها على الجمع ؛ قال الجلال المحلي : وخلقنا في المواضع الثلاثة بمعنى صيرنا. المرتبة السابعة : قوله تعالى :﴿ثم أنشأناه﴾ أي : هذا المحدث عنه بعظمتنا ﴿خلقاً آخر﴾ أي : خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً، وكان جماداً وناطقاً، وكان أبكم وسميعاً، وكان أصم وبصيراً وكان أكمه وأودع ظاهره وباطنه بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطره وغرائب حكمه لا تدرك بوصف الواصف، ولا تبلغ بشرح الشارح، وثم لما بين الخلقين من التفاوت ؛ قال الزمخشري : وقد احتج به أبو حنيفة رحمه الله فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده، فقال : يضمن البيضة ولا يرد الفرخ ؛ لأنه خلق آخر سوى البيضة، اه. ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سبباً لتعظيم الخالق ؛ قال تعالى :﴿فتبارك الله﴾ أي : تنزه عن كل شائبة نقص وحاز جميع صفات الكمال، وأشار إلى جمال الإنسان بقوله تعالى :﴿أحسن الخالقين﴾ أي : المقدرين، ومميز أحسن محذوف أي : خلقا. روي «عن عمر رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ قوله ﴿خلقاً آخر﴾ قال :" فتبارك الله أحسن الخالقين " وروي «أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنطق بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هكذا فنزلت فقال عبد الله : إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ »، فلحق بمكة كافراً، ثم أسلم يوم الفتح، وروى «سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب : فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت يا عمر وكان عمر يقول : وافقني ربي في أربع : الصلاة خلف المقام، وضرب الحجاب على النسوة، وقولي لهن أو ليبدلن الله خيراً منكن فنزل قوله تعالى :﴿عسى ربه إن طلقكن﴾ [ التحريم، ٥ ] الآية، والرابع : قلت : فتبارك الله أحسن الخلقين، فقال : هكذا نزل » قال العارفون : هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر والشقاوة لعبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه قيل : إنه مات كافراً ؛ قال الله تعالى :﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيرا﴾ [ البقرة، ٢٦ ].

المؤمنون 23:15

المرتبة الثامنة : قوله تعالى :﴿ثم إنكم بعد ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من الوصف بالحياة والمد في العمر في آجال متفاوتة ما بين طفل ورضيع ومحتلم شديد وشاب نشيط وكهل عظيم وشيخ هرم إلى ما بين ذلك من شؤون لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير ﴿لميتون﴾ أي : لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت وهو ميت دون اسم الفاعل، وهو مائت، فإنه للحدوث لا للثبوت.

المؤمنون 23:16

المرتبة التاسعة : قوله تعالى :﴿ثم إنكم يوم القيامة﴾ أي : الذي تجمع فيه جميع الخلائق ﴿تبعثون﴾ للحساب والجزاء.

المؤمنون 23:17

النوع الثاني : من الدلائل الاستدلال بخلق السماوات وهو قوله تعالى :﴿ولقد خلقنا فوقكم﴾ في جميع جهة الفوق في ارتفاع لا تدركونه حق الإدراك ﴿سبع طرائق﴾ أي : سموات جمع طريقة ؛ لأنها طرق الملائكة ومتعلقاتهم، وقيل : الأفلاك لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها، وقيل : لأنها طرق بعضها فوق بعض كطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله، فهو طريقة ﴿وما كنا﴾ أي : بمالنا من العظمة ﴿عن الخلق﴾ أي : الذي خلقناه تحتها ﴿غافلين﴾ أي : أنّ تسقط عليهم فتهلكهم بل نمسكها كآية ويمسك السماء أنّ تقع على الأرض إلا بإذنه ولا مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلاف وتدبير أمرها حتى تبلغ منتهى أمرها، وما قدر لها من الكمال حسب ما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة.

المؤمنون 23:18

النوع الثالث من الدلائل : الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيرها في النبات، وهو قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء﴾ أي : من جرمها وهو ظاهر اللفظ وعليه أكثر المفسرين أو من السحاب وسماه سماء لعلوه ﴿ماء بقدر﴾ أي : بقدر ما يكفيهم لمعاشهم في الزرع والغرس والشرب وأنواع المنفعة، ويسلمون معه من المضرة إذ لو كان فوق ذلك لأغرقت البحار الأقطار، ولو كان دون ذلك لأدّى إلى جفاف النبات والأشجار ﴿فأسكناه﴾ أي : فجعلناه ثابتاً مستقراً ﴿في الأرض﴾ كقوله تعالى :﴿فسلكه ينابيع في الأرض﴾ [ الزمر، ٢١ ]، و«عن ابن عباس عن النبي : صلى الله عليه وسلم أنّ الله تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون نهر الهند، وجيحون نهر بلخ، ودجلة والفرات نهرا العراق، والنيل نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس من أصناف معايشهم، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء » وذلك قوله تعالى :﴿وإنا على ذهاب به لقادرون﴾ قدرة هي في نهاية العظمة، فإنّا كما قدرنا على إيجاده واختراعه نقدر على رفعه وإزالته وزواله، فإذا رفعت هذه الأشياء كلها من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا ؛ قال البغوي : وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن سفيان عن عثمان بن سعيد عن سابق الإسكندري عن سلمة بن علي عن مقاتل بن حبان. تنبيه : في تنكير ذهاب إيماء إلى تكثير طرقه، وفيه إيذان باقتدار المذهب وأنه لا يتعايا عليه شيء إذا أراده، وهو أبلغ في الإيعاد من قوله تعالى :﴿قل أرأيتم إنّ أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين﴾ [ الملك، ٣٠ ]، فعلى العباد أنّ يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفادها إذا لم تشكر.

المؤمنون 23:19

ثم إنه تعالى سبحانه لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء ذكر بعده هذه النعمة الحاصلة من الماء بقوله تعالى :﴿فأنشأنا﴾ أي : فأخرجنا وأحيينا ﴿لكم﴾ خاصة لا لنا ﴿به﴾ أي : بذلك الماء الذي جعلنا منه كل شيء حي ﴿جنات﴾ أي : بساتين ﴿من نخيل وأعناب﴾ صرح بهذين الصنفين لشرفهما ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار، وسمى الأوّل باسم شجرته لكثرة ما فيها من المنافع المقصودة بخلاف الثاني، فإنه المقصود من شجرته، وأشار إلى غيرهما بقوله تعالى :﴿لكم﴾ أي : خاصة ﴿فيها﴾ أي : الجنات ﴿فواكه كثيرة﴾ تتفكهون بها ﴿ومنها﴾ أي : ومن الجنات من ثمارها وزروعها ﴿تأكلون﴾ رطباً ويابساً وتمراً وزبيباً.

المؤمنون 23:20

وقوله تعالى :﴿وشجرة﴾ عطف على جنات أي : وأنشأنا لكم شجرة أي : زيتونة ﴿تخرج من طور سيناء﴾ وهو الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى بن عمران عليه السلام بين مصر وإيلة، وقيل : بفلسطين، وفي رواية أخرى : طور سينين، ولا يخلو إما أنّ يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء أو سينين، وإما أنّ يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيس، وبعلبك فيمن أضاف، فمن كسر سين سيناء وهو نافع وابن كثير وأبو عمرو، فقد منع الصرف للتعريف والعجمة والتأنيث لأنها بقعة، وفعلاء لا تكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء، ومن قرأ بفتح السين وهم الباقون لم يصرفه ؛ لأنّ الألف للتأنيث كصحراء ؛ قال مجاهد : معناه البركة أي : من جبل مبارك، وقال قتادة : معناه الحسن أي : الجبل الحسن، وقال الضحاك : هو بالقبطية ومعناه الحسن، وقال عكرمة : بالحبشية، وقال مقاتل : كل جبل فيه أشجار مثمرة، فهو سيناء وسينين بلغة القبط. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿تنبت﴾ بضم التاء الفوقية، و كسر الباء الموحدة من الرباعي، والباقون بفتح الفوقية وضم الموحدة من الثلاثي فقوله تعالى :﴿بالدهن﴾ تكون الباء على الأول زائدة، وعلى الثاني معدية قال المفسرون : وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل ؛ لأنّ منه تشعبت في البلاد وانتشرت ؛ ولأنّ معظمها هناك. قال بعض المفسرين : وإنما عرف الدهن ؛ لأنه أجل الأدهان وأكملها، وهو في الأصل مائع لزج خفيف يتقطع ولا يختلط بالماء الذي هو أصله فيسرج ويدهن به، وقوله تعالى :﴿وصبغ للآكلين﴾ عطف على الدهن أي : إدام يصبغ اللقمة بغمسها فيه، وهو الزيت ؛ قيل : إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان ووصفها الله تعالى بالبركة في قوله تعالى :﴿يوقد من شجرة مباركة﴾ [ النور، ٣٥ ].

المؤمنون 23:21

النوع الرابع من الدلائل : الاستدلال بأحوال الحيوانات، وهو قوله تعالى : ﴿وإن لكم في الأنعام﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿لعبرة﴾ عظيمة تعتبرون بها وتستدلون بها على البعث وغيره ﴿نسقيكم مما في بطونها﴾ أي : اللبن نجعله لكم شراباً نافعاً للبدن موافقاً للشهوة تلتذون به من بين الفرث والدم ﴿ولكم فيها﴾ أي : جماعة الأنعام، وقدم الجار تعظيماً لمنافعها حتى كأنّ غيرها عدم ﴿منافع كثيرة﴾ باستسلامها لما يراد منها مما لا يتيسر من أصغر منها وبأولادها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من آثارها ﴿ومنها تأكلون﴾ أي : وكما تنتفعون بها وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح أيضاً بسهولة من غير امتناع مّا من شيء من ذلك ولو شاء لمنعها وسلطها عليكم، ولو شاء لجعل لحمها لا ينضج أو جعله قذراً لا يؤكل، ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها.

المؤمنون 23:22

﴿وعليها﴾ أي : الأنعام الصالحة للحمل وهي الإبل والبقر، وقيل : المراد الإبل خاصة ؛ لأنها هي المحمول عليها في العادة وقرنها بالفلك التي هي السفن في قوله تعالى :﴿وعلى الفلك تحملون﴾ لأنها سفائن البر، فكما يحمل على الفلك في البحر فيحمل على هذه في البر قال ذو الرمة في المعنى : سفينة بر تحت خدي زمامها *** قال الزمخشري : يريد صيدحه أي : ناقته ؛ لأنّ اسمها كان صيدح قال : رأيت الناس ينتجعون غيثاً؍ فقلت لصيدح انتجعي بلالا؍ يريد بلال بن أبي بردة الأشعري والي الكوفة.

المؤمنون 23:23

ولما بيّن سبحانه وتعالى دلائل التوحيد أردفها بذكر القصص كما هو العادة في سائر السور مبتدئاً بقصة نوح عليه السلام، فقال تعالى :﴿ولقد أرسلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿نوحاً﴾ وهو الأب الثاني بعد آدم عليهما الصلاة والسلام، وكان اسمه يشكر، وسمي نوحاً لوجوه : أحدها : لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك، فأهلكهم الله تعالى بالطوفان، فندم على ذلك، ثانيها : لمراجعته ربه في شأنّ ابنه، ثالثها : أنه مرّ بكلب مجذوم فقال له : اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك. ﴿إلى قومه﴾ وهم جميع أهل الأرض لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة محصورين لا أنه أرسل إلى الخلق كافة ؛ لأنّ ذلك من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء ﴿فقال﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنّ قال ﴿يا قوم﴾ ترفقاً بهم ﴿اعبدوا الله﴾ وحده لأنه إلهكم وحده لاستحقاقه لجميع خلال الكمال، واستأنف على سبيل التعليل قوله :﴿ما لكم من إله﴾ أي : معبود بحق ﴿غيره﴾ فلا تعبدوا سواه ﴿أفلا تتقون﴾ أي : أفلا تخافون عقوبته إن عبدتم غيره، وقرأ الكسائي بكسر الراء والهاء، والباقون بضمهما.

المؤمنون 23:24

﴿فقال﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنّ كذبوه بأنّ قال ﴿الملأ﴾ أي : الأشراف الذي تملأ رؤيتهم الصدور عظمة ﴿الذين كفروا من قومه﴾ لعوامهم ﴿ما هذا﴾ أي : نوح عليه السلام ﴿إلا بشر مثلكم﴾ أي : فلا يعلم ما لا تعلمون فأنكروا أنّ يكون بعض البشر نبياً، ولم ينكروا أنّ يكون بعض الطين إنساناً وبعض الماء علقة، وبعض العلقة مضغة إلى آخره، فكأنه قيل : ما حمله على ذلك فقالوا :﴿يريد أنّ يتفضل﴾ يتكلف الفضل بادعاء مثل هذا ﴿عليكم﴾ لتكونوا أتباعاً له ولا خصوصية له دونكم ﴿ولو شاء الله﴾ أي : الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره ﴿لأنزل﴾ كذلك ﴿ملائكة﴾ رسلاً بإبلاغ الوحي إلينا قال الزمخشري : وما أعجب شأنّ الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر، وقد رضوا للألوهية بحجر ﴿ما سمعنا بهذا﴾ أي : الذي دعا إليه نوح من التوحيد ﴿في آبائنا الأولين﴾ أي : الأمم الماضية.

المؤمنون 23:25

﴿إن﴾ أي : ما ﴿هو إلا رجل به جنة﴾ أي : جنون ولأجله يقول ما يدعيه ﴿فتربصوا به﴾ أي : فتسبب عن الحكم بجنونه إنا نأمركم بالكف عنه لأنه لا حرج على جنونه ﴿حتى﴾ أي : إلى ﴿حين﴾ لعله يفيق أو يموت.

المؤمنون 23:26

فكأنه قيل : فما قال ؟ فقيل :﴿قال﴾ عندما أيس من فلاحهم ﴿رب انصرني﴾ أي : أعني عليهم ﴿بما كذبون﴾ أي : بسبب تكذيبهم لي فإن تكذيب الرسول استخفاف بالمرسل.

المؤمنون 23:27

﴿فأوحينا﴾ أي : فتسبب عن دعائه أنّ أوحينا ﴿إليه أنّ اصنع الفلك﴾ أي : السفينة ﴿بأعيننا﴾ أي : إنه لا يغيب عنا شيء من أمرك ولا من أمرهم، وأنّ تعرف قدرتنا على كل شيء، فثق بحفظنا ولا تخف شيئاً من أمرهم، روي أنه لما أوحي إليه أنّ يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر ؛ قال الجوهري : جؤجؤ الطائر والسفينة صدرهما والجمع الجآجئ. ولما كان لا يعلم الصنعة قال تعالى :﴿ووحينا﴾ أي : وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع، فإنّ جبريل علمه عمل السفينة، ووصف كيفية اتخاذها له، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في سورة هود ﴿فإذا جاء أمرنا﴾ أي : بالهلاك عقب فراغك منها أو بالركوب ﴿وفار التنور﴾ قال ابن عباس : وجه الأرض، وفي القاموس : التنور الكانون يخبز فيه، ووجه الأرض، وعن قتادة : أنه أشرف موضع في الأرض أي : أعلاه، وعن علي : طلع الفجر، وعن الحسن : أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه، وقيل : هو مثل كقولهم : حمي الوطيس، والأقرب كما قال الرازي، وعليه أكثر المفسرين، هو التنور المعروف بتنور الخباز، فيكون له فيه آية، روي أنه قيل لنوح : إذا رأيت الماء يفور في التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته، فركب وقيل : كان تنور آدم، وكان من حجارة، فصار إلى نوح، واختلف في مكانه، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد، وقيل : بالشام بموضع يقال له عين وردة، وقيل : بالهند. وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى من الهمزتين المفتوحتين من كلمتين، وحقق الأولى وسهل الثانية ورش وقنبل ﴿فاسلك﴾ أي : أدخل ﴿فيها﴾ أي : السفينة ﴿من كل زوجين، ﴾ من الحيوان ﴿اثنين﴾ ذكراً وأنثى، وقرأ حفص بتنوين اللام من كل أي : من كل نوع زوجين، فزوجين مفعول واثنين تأكيد، و الباقون بغير تنوين، فاثنين مفعول، ومن متعلق باسلك، وفي القصة إن الله تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب يده في كل جمع، فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة، وروي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض ﴿وأهلك﴾ أي : وأهل بيتك من زوجك وأولادك ﴿إلا من سبق عليه﴾ لا له ﴿القول منهم﴾ بالهلاك وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ويافث، فحملهم وزوجاتهم الثلاثة، وفي سورة هود ﴿ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾ [ هود، ٤٠ ]، قيل : كانوا ستة رجال ونساءهم، وقيل : جميع من كان في السفينة ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء ﴿ولا تخاطبني﴾ أي : بالسؤال في النجاة ﴿في الذين ظلموا﴾ أي : كفروا، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إنهم مغرقون﴾ أي : قد حتم القضاء عليهم لظلمهم بالإشراك والمعاصي، ومن هذا شأنه لا يشفع له، فإنه تعالى بعد أنّ أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ضلالاً ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أنّ يجعلوا عبرة للمعتبرين ونحن نكرمك عن سؤال لا يقبل.

المؤمنون 23:28

ولقد بالغ سبحانه وتعالى حيث اتبع النهي عنه الأمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم بقوله تعالى :﴿فإذا استويت﴾ أي : اعتدلت ﴿أنت ومن معك﴾ أي : من البشر وغيرهم ﴿على الفلك﴾ ففرغت من امتثال الأمر بالحمل ﴿فقل الحمد لله﴾ أي : الذي لا كفء له ؛ لأنه مختص بصفات الحمد ﴿الذي نجانا﴾ بحملنا فيه ﴿من القوم﴾ أي : الأعداء الأغبياء ﴿الظالمين﴾ أي : الكافرين لقوله تعالى :﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ [ الأنعام، ٤٥ ]. تنبيه : إنما قال تعالى : قل، ولم يقل : قولوا ؛ لأنّ نوحاً عليه السلام كان لهم نبياً وإماماً فكان قوله قولاً لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبية، وإن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي.

المؤمنون 23:29

ولما أشار له بهذا القول إلى السلامة بالحمل أتبعه بالإشارة إلى الوعد بإسكان الأرض بقوله تعالى : ﴿وقل رب أنزلني﴾. في الفلك ثم في الأرض، وفي كل منزل تنزلني به وتورثني إياه ﴿منزلاً مباركاً﴾ أي : يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين، وقرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزاي أي : مكان النزول، والباقون بضم الميم وفتح الزاي مصدر أو اسم مكان، ثم إن الله تعالى أمره أنّ يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته وهو قوله تعالى :﴿وأنت خير المنزلين﴾ ما ذكر لأنك تكفي نزيلك كل ملم وتعطيه كل أمر.

المؤمنون 23:30

ولما كانت هذه القصة من أغرب القصص حث على تدبرها بقوله تعالى : ﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من أمر نوح والسفينة وإهلاك الكفار ﴿لآيات﴾ أي : دلالات على قدرة الله تعالى وصدق الأنبياء في أنّ المؤمنين هم المفلحون وأنهم الوارثون للأرض بعد الظالمين، وإن عظمت شوكتهم واشتدت صولتهم ﴿وإن كنا﴾ بما لنا من العظمة والوصف الثابت الدال على تمام القدرة ﴿لمبتلين﴾ أي : فاعلين فعل الخبير المختبر لعبادنا بإرسال الرسل ليظهر في عالم الشهادة الصالح منهم من غيره، ثم نبتلي الصالحين منهم بما يزيد حسناتهم وينقص سيئاتهم ويعلي درجاتهم، ثم نجعل لهم العاقبة كما قال تعالى :﴿والعاقبة للمتقين﴾ [ الأعراف، ١٢٨ ]. تنبيه : إن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام هي الفارقة.

المؤمنون 23:31

القصة الثانية : قصة هود، وقيل : صالح عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ثم أنشأنا﴾ أي : أحدثنا وأحيينا ﴿من بعدهم﴾ أي : من بعد إهلاكهم ﴿قرناً﴾ أي : قوماً ﴿آخرين﴾ هم عاد قوم هود، وقيل : ثمود قوم صالح.

المؤمنون 23:32

﴿فأرسلنا﴾ أي : فتعقب إنشاءنا لهم وتسبب عنه أنا أرسلنا ﴿فيهم رسولاً منهم﴾ هو هود، وقيل : صالح ؛ قال البغوي : والأوّل هو الأظهر وهو المروي عن ابن عباس ويشهد له حكاية الله قول هود :﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾ [ الأعراف، ٦٩ ] ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء، ثم بين تعالى ما أرسل به بقوله تعالى :﴿أن اعبدوا الله﴾ أي : وحدوه لأنه لا مكافئ له، ثم دل على الاستغراق بقوله تعالى :﴿ما لكم من إله غيره أفلا تتقون﴾ أي : هذه الحالة التي أنتم عليها مخافة عقابه فتؤمنون، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي بضم النون في الوصل والباقون بكسرها، والقراءة في غيره ذكرت قريباً.

المؤمنون 23:33

﴿وقال الملأ﴾ أي : الأشراف التي تملأ رؤيتهم الصدور ﴿من قومه الذين كفروا﴾ أي : غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد والانتقام من المشركين ﴿وكذبوا بلقاء الآخرة﴾ أي : بالمصير إليها ﴿وأترفناهم﴾ أي : والحال أنا بما لنا من العظمة نعمناهم ﴿في الحياة الدنيا﴾ بالأموال والأولاد وكثرة السرور يخاطبون أتباعهم ﴿ما هذا﴾ أشاروا إليه تحقيراً له عند المخاطبين ﴿إلا بشر مثلكم﴾ في الخلق والحال، ثم وصفوه بما يوهم المساواة لهم في كل وصف فقالوا :﴿يأكل مما تأكلون منه﴾ أي : من طعام الدنيا ﴿ويشرب مما تشربون﴾ أي : من شرابها فكيف يكون رسولاً دونكم.

المؤمنون 23:34

وقولهم :﴿ولئن﴾ اللام لام قسم أي : والله لئن ﴿أطعتم بشراً مثلكم﴾ أي : فيما يأمركم به ﴿إنكم إذاً﴾ أي : إن أطعتموه ﴿لخاسرون﴾ أي : مغبونون لكونكم فضلتم مثلكم عليكم بما يدعيه.

المؤمنون 23:35

ثم بينوا إنكارهم بقولهم :﴿أيعدكم أنكم إذا متم﴾ ففارقت أرواحكم أجسادكم ﴿وكنتم﴾ أي : وكانت أجسادكم ﴿تراباً﴾ باستيلاء التراب على ما دون عظامكم ﴿وعظاماً﴾ مجردة عن اللحوم والأعصاب ﴿أنكم مخرجون﴾ أي : من تلك الحالة التي صرتم إليها فراجعون إلى ما كنتم عليه من الحياة على ما كان لكم من الأجسام. تنبيه : قوله تعالى : مخرجون خبر إنكم الأولى، وإنكم الثانية تأكيد لها لما طال الفصل.

المؤمنون 23:36

ثم استأنفوا التصريح بما دل عليه الكلام من استبعاد ذلك فقالوا :﴿هيهات هيهات﴾ اسم فعل ماض بمعنى مصدر أي : بعد بعد جداً، وقال ابن عباس : هي كلمة بعد أي : بعيد، ثم كأنه قيل : لأي شيء هذا الاستبعاد ؟ فقيل :﴿لما توعدون﴾ من الإخراج من القبور فإن قيل : ما توعدون هو المستبعد ومن حقه أنّ يرفع بهيهات كما ارتفع به في قوله : فهيهات هيهات العقيق وأهله *** فما هذه اللام ؟ أجيب : بأنّ الزجاج قال في تفسيره : البعد لما توعدون فنزل منزلة المصدر، ويصح أنّ تكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في هيت لك لبيان المهيت به أو أنّ اللام زائدة للبيان. فائدة : وقف البزي والكسائي على هيهات الأولى والثانية بالهاء، والباقون بالتاء على المرسوم.

المؤمنون 23:37

وقولهم :﴿إن هي﴾ ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله إن الحياة ﴿إلا حياتنا الدنيا﴾ ثم وضع هي موضع الحياة ؛ لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها، ومنه هي النفس تتحمل ما حملت، والمعنى : لا حياة إلا هذه الحياة ؛ لأنّ إن النافية دخلت على هي التي بمعنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس ﴿نموت ونحيى﴾ أي : يموت منا من هو موجود وينشأ آخرون بعدهم، وقيل : يموت قوم ويحيا قوم، وقيل : تموت الآباء وتحيا الأبناء، وقيل : في الآية تقديم وتأخير أي : نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت كما قالوا :﴿وما نحن بمبعوثين﴾ بعد الموت

المؤمنون 23:38

فكأنه قيل : فما هذا الكلام الذي يقوله ؟ فقيل : كذب ثم حصروا أمره في الكذب فقالوا :﴿إن﴾ أي : ما ﴿هو إلا رجل افترى﴾ أي : تعمد ﴿على الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿كذباً﴾ فلا يلتفت إليه ﴿وما نحن له بمؤمنين﴾ أي : بمصدقين فيما يخبرنا به من البعث والرسالة،

المؤمنون 23:39

فكأنه قيل : فما قال ؟ فقيل :﴿قال رب﴾ أيها المحسن إليّ بالرسالة وبإرسالي إليهم وبغيره من أنواع النعم ﴿انصرني﴾ أي : أوقع لي النصر ﴿بما كذبون﴾ فأجابه ربه بأن :﴿قال عما قليل﴾ من الزمان وما زائدة وأكدت القلة بزيادتها ﴿ليصبحن﴾ أي : ليصيرنّ ﴿نادمين﴾ أي : على كفرهم وتكذيبهم إذا عاينوا العذاب. .

المؤمنون 23:40

فكأنه قيل : فما قال ؟ فقيل :﴿قال رب﴾ أيها المحسن إليّ بالرسالة وبإرسالي إليهم وبغيره من أنواع النعم ﴿انصرني﴾ أي : أوقع لي النصر ﴿بما كذبون﴾ فأجابه ربه بأن :﴿قال عما قليل﴾ من الزمان وما زائدة وأكدت القلة بزيادتها ﴿ليصبحن﴾ أي : ليصيرنّ ﴿نادمين﴾ أي : على كفرهم وتكذيبهم إذا عاينوا العذاب..

المؤمنون 23:41

﴿فأخذتهم الصيحة﴾ أي : صيحة العذاب والهلاك كائنة ﴿بالحق﴾ أي : الأمر الثابت من العذاب الذي لا يمكن مدافعته لهم ولا لغيرهم غير الله تعالى فماتوا، وقيل : صيحة جبريل عليه السلام، ويكون القوم ثمود على الخلاف السابق ﴿فجعلناهم﴾ بسبب الصيحة ﴿غثاء﴾ أي : مطروحين ميتين كما يطرح الغثاء شبهوا في دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما بلي واسودّ من الورق والعيدان ومنه قوله :﴿فجعله غثاء أحوى﴾ [ الأعلى، ٥ ] أي : أسود يابساً، ولما كان هلاكهم على هذا الوجه سبباً لهوانهم عبر عنه بقوله تعالى :﴿فبعداً﴾ أي : هلاكاً وطرداً عن الرحمة ﴿للقوم الظالمين﴾ الذين وضعوا قوّتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر الرسل في خذلانهم. تنبيه : يحتمل هذا الدعاء عليهم والإخبار عنهم، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتعليل وبعداً وسحقاً ونفراً وتخويفاً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه : نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها.

المؤمنون 23:42

القصة الثالثة : المذكورة في قوله تعالى :﴿ثم أنشأنا﴾ أي : بعظمتنا التي يضرها تقديم ولا تأخير ﴿من بعدهم﴾ أي : من بعد من قدّمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده ﴿قرونا﴾ أي : أقواماً ﴿آخرين﴾ فهو سبحانه وتعالى تارة يقص علينا في القرآن مفصلاً كما تقدم، وتارة يقص مجملاً كما هنا، وقيل : المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام، وعن ابن عباس : بني إسرائيل،

المؤمنون 23:43

ثم إنه تعالى أخبر بأنه لم يعجل على أحد منهم قبل الأجل الذي أجل لهم بقوله تعالى :﴿ما تسبق من أمة أجلها﴾. أي : الذي قدر لها بأنّ تموت قبله ﴿وما يستأخرون﴾ عنه. تنبيه : ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية للمعنى ومن زائدة.

المؤمنون 23:44

﴿ثم أرسلنا رسلنا تتراً﴾ أي : متتابعين بين كل اثنين زمان طويل، وقرأ أبو عمرو : رسلنا بسكون السين، والباقون برفعها، وقرأ تترا، ابن كثير وأبو عمرو في الوصل بتنوين الراء على أنه مصدر بمعنى التواتر وقع حالاً، والباقون بغير تنوين، ولما كان كأنه قيل : فكان ماذا ؟ قيل :﴿كلما جاء أمّة رسولها﴾ أي : بما أمرناه من التوحيد ﴿كذبوه﴾ أي : كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك. تنبيه : أضاف الرسول مع الإرسال إلى الرسل ومع المجيء إلى المرسل إليهم ؛ لأنّ الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الذي هو منتهاه إليهم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والواو، والباقون بتحقيقهما، وهم على مراتبهم في المدّ ﴿فأتبعنا﴾ القرون بسبب تكذيبهم ﴿بعضهم بعضاً﴾ في الإهلاك، فلم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم كما قال تعالى :﴿وجعلناهم أحاديث﴾ أي : أخبار يسمعونها ويتعجب منها ليكونوا عظة للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون، وما أحسن قول القائل : ولا شيء يدوم فكن حديثاً؍ جميل الذكر فالدنيا حديث؍ والأحاديث تكون جمعاً للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكون جمعاً للأحدوثة التي هي مثل الأعجوبة والألعوبة وهي ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً وهو المراد هنا، ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم قال تعالى :﴿فبعداً لقوم﴾ أي : أقوياء على ما يطلب منهم ﴿لا يؤمنون﴾ أي : لا يوجد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة لأنه لا مزاج لهم معتدل.

المؤمنون 23:45

القصة الرابعة : قصة موسى وهارون عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ثم أرسلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿موسى وأخاه هارون بآياتنا﴾ قال ابن عباس : الآيات التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والبحر والسنين ونقص الثمرات ﴿وسلطان مبين﴾ أي : حجة بيّنة وهي العصا وأفردها بالذكر ؛ لأنها قد تعلق بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها، وكونها حارساً وشمعة وشجرة خضراء مثمرة ودلواً ورشاء، فجعلت كأنها ليست بعصا لما استبدت به من الفضائل فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى :﴿من كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [ البقرة، ٩٨ ]، ويجوز أنّ يراد بالآيات نفس تلك المعجزات وبالسلطان المبين كيفية دلالتها على الصدق وذلك لأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها آيات، فقد فارقتها في قوّة دلالتها على قول موسى عله السلام، وإنّ يراد بالسلطان المبين المعجزات وبالآيات الحجج، وإنّ يراد بها المعجزات فإنها آيات النبوّة وحجة بينة على ما يدعيه النبي، قال الرازي : واعلم أنّ الآية تدل على أنّ معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضاً وأنّ النبوّة كما كانت مشتركة بينهما، فكذلك المعجزات.

المؤمنون 23:46

﴿إلى فرعون وملئه﴾ أي : وقومه ولكن لما كان الأطراف لا يخافون الأشراف عدهم عدماً، ومن الواضح أنّ التقدير أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وأشار بقوله تعالى :﴿فاستكبروا﴾ إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما دعوهم إليه عقب الإبلاغ من غير تأمل ولا تثبت، وطلبوا أنّ لا يكونوا تحت أمر من دعاهم، وأشار بالكون إلى فساد جبلتهم بقوله تعالى :﴿وكانوا قوماً﴾ أي : أقوياء ﴿عالين﴾ أي : متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم.

المؤمنون 23:47

ولما تسبب عن استكبارهم وعلوهم إنكارهم للاتباع قال تعالى :﴿فقالوا أنؤمن﴾ أي : بالله تعالى مصدقين ﴿لبشرين مثلنا﴾ أي : في البشرية والمأكل والمشرب وغيرهما مما يعتري البشر كما قال من تقدمهم :﴿وقومهما﴾ أي : والحال أنّ قومهما أي : بني إسرائيل ﴿لنا عابدون﴾ خضوعاً وتذللاً أي : في غاية الذل والانقياد كالعبيد، فنحن أعلى منهما بهذا، أو لأنه كان يدعي الإلهية، فادعى للناس العبادة وأنّ طاعتهم له عبادة على الحقيقة.

المؤمنون 23:48

﴿فكذبوهما﴾ أي : فرعون وملؤه موسى وهارون، ﴿فكانوا﴾ أي : فرعون وملؤه بسبب تكذيبهم ﴿من المهلكين﴾ أي : بالغرق ببحر القلزم ولم تغنِ عنهم قوّتهم في أنفسهم، ولا قوتهم على خصوص بني إسرائيل واستعبادهم ولا ضر بني إسرائيل ضعفهم عن دفاعهم ولا ذلهم لهم وصغارهم في أيديهم.

المؤمنون 23:49

ولما كان ضلال بني إسرائيل بعد إنقاذهم من عبودية فرعون وقومه أعجب قال تعالى تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿ولقد آتينا﴾ أي : بعظمتنا ﴿موسى الكتاب﴾ أي : التوراة ﴿لعلهم﴾ أي : قوم موسى وهارون عليهما السلام ﴿يهتدون﴾ من الضلالة إلى المعارف والأحكام، ولا يصح عود الضمير إلى فرعون وملئه ؛ لأنّ التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملئه بدليل قوله تعالى :﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ [ القصص، ٤٣ ].

المؤمنون 23:50

القصة الخامسة : قصة عيسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وجعلنا﴾ أي : بعظمتنا وقدرتنا ﴿ابن مريم﴾ نسبه إليها تحقيقاً لكونه لا أب له، وكونه بشراً محمولاً في البطن مولوداً لا يصلح لرتبة الإلهية، وزاد في تحقيق ذلك بقوله :﴿وأمه﴾ وقال تعالى :﴿آية﴾ ولم يقل : آيتين ؛ لأنّ الآية فيهما واحدة ولادته من غير فحل، ويحتمل أنّ الآية الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها، والتقدير : وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية لأنّ الله تعالى : جعل مريم آية لأنها حملته من غير ذكر، وقال الحسن : قد تكلمت في صغرها كما تكلم عيسى وهو قولها :﴿هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ [ آل عمران، ٣٧ ]، ولم تلتقم ثدياً قط. تنبيه : قال بعض المفسرين : ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكلمت به آية للقدرة على إيجاد الإنسان بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى، وهو آدم عليه السلام، ومن ذكر بلا أنثى وهي حوّاء عليها السلام، ومن أنثى بلا ذكر وهو عيسى عليه السلام، ومن الزوجين وهو بقية الناس ﴿وآويناهما﴾ أي : بعظمتنا ﴿إلى ربوة﴾ أي : مكان عالٍ من الأرض. تنبيه : قد اختلف في هذه الربوة، فقال عطاء عن ابن عباس : هي بيت المقدس، وهو قول قتادة وكعب، قال كعب : هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً، وقال عبد الله بن سلام : هي دمشق، وقال أبو هريرة : هي الرملة، وقال السدي : هي أرض فلسطين، وقال ابن زيد : هي مصر، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء، والباقون بضم الراء ﴿ذات قرار﴾ أي : منبسطة مستوية واسعة يستقر عليها ساكنوها ﴿ومعين﴾ أي : ماء جار ظاهر تراه العيون. تنبيه : قد اختلف في زيادة ميم معين وأصالتها فوجه من جعلها مفعولاً أنه مدرك بالعين لظهوره من عانه إذا أدركه بعينه نحو ركبه إذا ضربه بركبته، ووجه من جعله فعيلاً أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة قيل : سبب الإيواء أنها مرت بابنها إلى الربوة، وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم وهاهنا آخر القصص.

المؤمنون 23:51

وقد اختلف في المخاطب بقوله تعالى :﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ على وجوه ؛ أحدها : أنه محمد صلى الله عليه وسلم وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة، ثانيها : أنه عيسى عليه السلام ؛ لأنه روي أنّ عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه، ثالثها : أنه كل رسول خوطب بذلك، ووصي به لأنه تعالى في الأزل متكلم آمر ناهٍ، ولا يشترط في الأمر وجود المأمورين بل الخطاب أزلاً على تقدير وجود المخاطبين، فقول البيضاوي : لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أنّ كلاً منهم خوطب به في زمانه، تبع فيه «الكشاف »، فإن المعتزلة أنكروا قدم الكلام فحملوا الآية على خلاف ظاهرها، وأنت خبير بأنّ عدم اشتراط ما ذكر إنما هو في التعلق المعنوي لا التنجيزي الذي الكلام فيه، فإنه مشروط فيه ذلك، وإنما خاطب جميع الرسل بذلك ليعتقد السامع أنّ أمراً خوطب به جميع الرسل ووصوا به حقيق أنّ يؤخذ به ويعمل عليه، وهذا كما قال الرازي أقرب ؛ لأنه روي «عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم، فرد صلى الله عليه وسلم إليها وقال : من أين لك هذا ؟ فقالت : من شاة لي، ثم رده صلى الله عليه وسلم وقال : من أين هذه الشاة ؟ فقالت : اشتريتها من مالي، فأخذه ثم إنها جاءته فقالت : يا رسول الله لم رددته ؟ فقال صلى الله عليه وسلم بذلك أمرت الرسل أنّ لا تأكل إلا طيباً، ولا تعمل إلا صالحاً »، والمراد بالطيب الحلال، وقيل : طيبات الرزق الحلال الصافي القوام، فالحلال هو الذي لا يعصى الله تعالى فيه، والصافي هو الذي لا ينسى الله فيه، والقوام هو الذي يمسك النفس ويحفظ العقل، وقيل : المراد بالطيب المستلذ أي : ما تستلذه النفس من المأكل والمشرب والفواكه، ويشهد له مجيئه على عقب قوله تعالى :﴿وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾ [ المؤمنون، ٥٠ ]، واعلم أنه سبحانه وتعالى كما قال للمرسلين :﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ قال للمؤمنين :﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾، ودل سبحانه وتعالى على أنّ الحلال عون على الطاعة بقوله تعالى :﴿واعملوا صالحاً﴾ فرضاً ونفلاً سراً وجهراً غير خائفين من أحد غير الله تعالى، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله تعالى :﴿إني بما﴾ أي : بكل شيء ﴿تعملون عليم﴾ أي : بالغ العلم فأجازيكم عليه،

المؤمنون 23:52

وقرأ :﴿وإن هذه﴾ بكسر الهمزة الكوفيون على الاستئناف، والباقون بفتحها على تقدير واعلموا أنّ هذه أي : ملة الإسلام، وخفف النون ساكنة ابن عامر وشدّدها مفتوحة الباقون ﴿أمتكم﴾ أي : دينكم أيها المخاطبون أي : يجب أنّ تكونوا عليها حال كونها ﴿أمة واحدة﴾ لا شتات فيها أصلاً، فما دامت موحدة، فهي مرضية ﴿وأنا ربكم﴾ أي : المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي، فمن وحدني نجا، ومن أشرك معي غيري هلك ﴿فاتقون﴾ أي : فاحذرون.

المؤمنون 23:53

﴿فتقطعوا﴾ أي : الأمم وإنما أضمرهم لوضوح إرادتهم ؛ لأنّ الآية التي قبلها قد صرحت بأنّ الأنبياء ومن نجا منهم أمة واحدة لا خلاف بينهما، فعلم قطعاً أنّ الضمير للأمم، ومن نشأ بعدهم ولذلك كان النظر إلى الأمر الذي كان واحداً أهم فقدم، وقوله :﴿أمرهم﴾ أي : دينهم بعد أنّ كان مجتمعاً متصلاً ﴿بينهم﴾ وقوله تعالى :﴿زبراً﴾ حال من فاعل تقطعوا أي : أحزاباً متخالفين، فصاروا فرقاً كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الأديان المختلفة جمع زبور بمعنى الفرقة، وقيل : معنى زبراً كتباً أي : تمسك كل قوم بكتاب فآمنوا به وكفروا بما سواه من الكتب ﴿كل حزب﴾ أي : فرقة من المتحزبين ﴿بما لديهم﴾ أي : عندهم من ضلال وهدى، وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها ﴿فرحون﴾ أي : مسرورون فضلاً عن أنهم راضون.

المؤمنون 23:54

وقوله تعالى :﴿فذرهم﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي : اترك كفار مكة ﴿في غمرتهم﴾ أي : ضلالتهم، شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها ﴿حتى حين﴾ أي : إلى أنّ يقتلوا أو يموتوا، سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره.

المؤمنون 23:55

ولما كان الموجب لغرورهم ظنهم أنّ حالهم في بسط الأرزاق من الأموال والأولاد حالة رضا عنهم أنكر ذلك عليهم تنبيهاً لمن سبقت له السعادة، و كتبت له الحسنى وزيادة فقال تعالى :﴿أيحسبون﴾ أي : لضعف عقولهم، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بكسرها ﴿أنما نمدهم﴾ أي : نعطيهم ونجعله مدداً لهم ﴿به من مال﴾ نيسره لهم ﴿وبنين﴾ نمتعهم بهم.

المؤمنون 23:56

ثم أخبر عن أنّ بقوله تعالى :﴿نسارع﴾ أي : نعجل ﴿لهم﴾ أي : به ﴿في الخيرات﴾ لا نفعل ذلك ﴿بل لا يشعرون﴾ أنهم في غاية البعد عن الخيرات ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [ الأعراف، ١٨٢ ]، وقال تعالى في موضع آخر :﴿فلا تعجبك أمولهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ [ التوبة، ٥٥ ]، وروي عن زيد بن ميسرة أنه قال : أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء أيفرح عبدي أنّ أبسط إليه الدنيا، وهو أبعد له مني، ويحزن أنّ أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني، وعن الحسن أنه لما أتي عمر رضي الله عنه بسواري كسرى فأخذهما ووضعهما في يد سراقة بن مالك فبلغا منكبيه، فقال عمر : اللهم إني قد علمت أنّ نبيك عليه الصلاة والسلام كان يحب أن يصيب مالاً لينفقه في سبيلك، فزويت ذلك عنه، ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك اللهم لا يكون ذلك مكراً منك، ثم تلا :﴿أيحسبون﴾ الآية.

المؤمنون 23:57

ولما ذكر أهل الافتراق ذكر أهل الوفاق ووصفهم بأربع صفات. الأولى : قوله تعالى :﴿إن الذين هم﴾ أي : ببواطنهم ﴿من خشية ربهم﴾ أي : الخوف العظيم من المحسن إليهم المنعم عليهم ﴿مشفقون﴾ أي : دائمون على الحذر.

المؤمنون 23:58

الصفة الثانية : قوله تعالى :﴿والذين هم بآيات ربهم﴾ أي : القرآن ﴿يؤمنون﴾ أي : يصدقون.

المؤمنون 23:59

الصفة الثالثة : قوله تعالى :﴿والذين هم بربهم﴾ أي : الذي لا محسن إليهم غيره ﴿لا يشركون﴾ أي : شيئاً من شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في الإحسان إليهم أحد.

المؤمنون 23:60

ولما أثبت لهم الإيمان الخالص نفى عنهم العجب بقوله تعالى :﴿والذين يؤتون﴾ أي : يعطون ﴿ما آتوا﴾ أي : ما أعطوا من الصدقة والأعمال الصالحة، وهذه الصفة الرابعة ﴿وقلوبهم وجلة﴾ أي : شديدة الخوف أنّ لا يقبل منهم ولا ينجيهم من عذاب الله، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿أنهم إلى ربهم﴾ أي : الذي طال إحسانه إليهم ﴿راجعون﴾ بالبعث، فيجازيهم على النقير والقطمير، ويجزيهم بكل قليل وكثير، وهو الناقد البصير، ولا تنفع هناك الندامة، وليس هناك إلا الحكم العدل والحكم القاطع من جهة مالك الملك ؛ قال الحسن البصري : المؤمن جمع إيماناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً.

المؤمنون 23:61

ثم أثبت لهم ما أفهم أنّ ضده لأضدادهم بقوله تعالى :﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ أي : يبادرون إلى الأعمال الصالحة قبل الموت.

المؤمنون 23:62

ولما ذكر تعالى كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر أنه تعالى لا يكلف أحداً فوق طاقته بقوله تعالى :﴿ولا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ أي : طاقتها، فمن لم يستطع أن يصلي الفرض قائماً فليصل قاعداً، ومن لم يستطع أنّ يصلي قاعداً فليصل مضطجعاً، ومن لم يستطع أنّ يصوم رمضان فليفطر ؛ لأنّ مبنى المخلوق على العجز ﴿ولدينا﴾ أي : وعندنا ﴿كتاب ينطق بالحق﴾ بما عملته كل نفس، وهو اللوح المحفوظ تسطر فيه الأعمال، وقيل : كتب الحفظة ونظيره قوله تعالى :﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ [ الجاثية، ٢٩ ]، وقوله تعالى :﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ [ الكهف، ٤٩ ]، فشبه تعالى الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرف بما فيه كما يعرف بنطق الناطق إذا كان محقاً فإن قيل : ما فائدة ذلك الكتاب مع أنّ الله تعالى يعلم ذلك إذ لا تخفى عليه خافية ؟ أجيب : بأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء، وقد يكون في ذلك حكمة لا يطلع عليها إلا هو تعالى ﴿وهم﴾ أي : الخلق كلهم ﴿لا يظلمون﴾ أي : لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد في سيئاتهم.

المؤمنون 23:63

ثم ذكر حال الكفار فقال تعالى :﴿بل قلوبهم﴾ أي : الكفرة من الخلق ﴿في غمرة﴾ أي : جهالة قد أغرقتها ﴿من هذا﴾ أي : القرآن أو الذي وصف به حال هؤلاء أو من كتاب الحفظة ﴿ولهم أعمال من دون ذلك﴾ المذكور للمؤمنين ﴿هم﴾ أي : الكفار ﴿لها﴾ أي : لتلك الأعمال الخبيثة ﴿عاملون﴾ أي : لا بد أنّ يعملوها فيعذبون عليها لما سبق من الشقاوة.

المؤمنون 23:64

﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم﴾ أي : رؤساءهم وأغنياءهم ﴿بالعذاب﴾ قال ابن عباس : هو السيف يوم بدر، وقيل : هو الجوع دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :«اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف » فابتلاهم الله تعالى بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة والقذر والأولاد ﴿إذا هم يجأرون﴾ أي : يصيحون ويستغيثون ويجزعون، وأصل الجأر رفع الصوت بالتضرع ؛ قاله البغوي، فكأنه قيل : فهل يقبل اعتذارهم أو يرحم انكسارهم ؟ فقيل : لا بل يقال لهم بلسان الحال أو المقال.

المؤمنون 23:65

﴿لا تجأروا اليوم﴾ فإن الجأر غير نافع لكم، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إنكم منا لا تنصرون﴾ أي : بوجه من الوجوه، ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصراً فلا فائدة لجأره إلا إظهار الجزع.

المؤمنون 23:66

ثم علل عدم نصره لهم بقوله تعالى :﴿قد كانت آياتي﴾ أي : من القرآن ﴿تتلى عليكم﴾ أي : من أوليائي وهم الهداة النصحاء ﴿فكنتم﴾ كوناً هو كالجبلة ﴿على أعقابكم﴾ عند تلاوتها ﴿تنكصون﴾ أي : تعرضون مدبرين عن سماعها والعمل بها، والنكوص الرجوع القهقرى.

المؤمنون 23:67

﴿مستكبرين﴾ عن الإيمان، واختلف في عود الضمير في ﴿به﴾ فقال ابن عباس : بالبيت الحرام، وشهرة استكبارهم وافتخارهم أنهم قوّامه أغنت عن سبق ذكره، وذلك أنهم يقولون : نحن أهل حرم الله وجيران بيته، فلا يظهر علينا أحد ولا نخاف أحداً، فيأمنون فيه، وسائر الناس في الخوف، وقيل : بالقرآن، فلم يؤمنوا به، وقوله تعالى :﴿سامراً﴾ نصب على الحال أي : جماعة يتحدثون بالليل حول البيت، وقوله تعالى :﴿تهجرون﴾ قرأه نافع بضم التاء وكسر الجيم من الإهجار وهو الإفحاش أي : تفحشون وتقولون الخنا ذكر أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والباقون بفتح التاء وضم الجيم، أي : تعرضون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الإيمان وعن القرآن وترفضونها وتسمون القرآن سحراً وشعراً.

المؤمنون 23:68

ثم إنه تعالى لما وصف حالهم ردَّ عليهم بأنّ بين أنّ إقدامهم على هذه الأمور لا بد أنّ يكون لأحد أمور أربعة : أحدها : أنّ لا يتأملوا في دليل نبوّته، وهو المراد من قوله تعالى :﴿أفلم يدّبروا القول﴾ أي : القرآن الدال على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأصل يدبروا يتدبروا أدغمت التاء في الدال. ثانيها : أنّ يعتقدوا أنّ ما جاء به الرسول أمر على خلاف العادة وهو المراد من قوله تعالى :﴿أم جاءهم﴾ في هذا القول ﴿ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ الذين بعد إسماعيل وقبله.

المؤمنون 23:69

ثالثها : أنّ لا يكونوا عالمين بأمانته وحسن حاله قبل ادعائه النبوّة، وهو المراد من قوله تعالى :﴿أم لم يعرفوا رسولهم﴾ أي : الذي أتاهم بهذا القول الذي لا قول مثله، وهم يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، وما جاءهم به من معالي الأخلاق حتى أنهم لا يجدون فيه إذا تحققت الحقائق نقيصة يذكرونها ولا وصمة يستحلونها كما دلت عليه الأحاديث الصحاح منها حديث أبي سفيان بن حرب الذي في أول البخاري في سؤال هرقل ملك الروم له عن شأنه صلى الله عليه وسلم وقد اتفقت كلمتهم بتسميته الأمين ﴿فهم﴾ أي : فتسبب عن جهلهم به أنهم ﴿له﴾ أي : نفسه أو القول الذي أتى به ﴿منكرون﴾ فيكونوا ممن جهل الحق لجهل حال الآتي به، وفي هذا غاية التوبيخ لهم بجهلهم وبغباوتهم بأنهم يعرفون أنه أصدق الخلق وأعلاهم في كل معنى جميل، ثم كذبوه.

المؤمنون 23:70

رابعها : أنّ يعتقدوا فيه الجنون فيقولوا إنما حمله على ادعائه الرسالة جنونه، وهو المراد من قوله تعالى : ﴿أم يقولون﴾ أي : بعد تدبر ما أتى به وعدم عثورهم فيه على وجه من وجوه الطعن ﴿به﴾ أي : رسولهم ﴿جنة﴾ أي : جنون فلا يوثق به. ولما كانت هذه الأقسام منفية عنه فإنهم أعرف الناس بهذا النبي الكريم، وإنه أكملهم خلقاً وأشرفهم خلقاً، وأظهرهم شيماً، وأعظمهم همماً، وأرجحهم عقلاً وأمتنهم رأياً، وأرضاهم قولاً وأصوبهم فعلاً أضرب عنها وقال تعالى :﴿بل﴾ أي : لم ينكصوا عند سماع الآيات ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى، وإنما فعلوا ذلك لأنّ هذا الرسول الكريم ﴿جاءهم بالحق﴾ أي : القرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام، وقال الجلال المحلي : الاستفهام فيه للتقرير بالحق من صدق النبي ومجيء الرسول للأمم الماضية ومعرفة رسولهم بالصدق والأمانة وأنّ لا جنون به، وبل للانتقال ﴿وأكثرهم﴾ أي : والحال أنّ أكثرهم ﴿للحق كارهون﴾ متابعة للأهواء الردية والشهوات البهيمية عناداً، وإنما قيد تعالى الحكم بالأكثر ؛ لأنّ بعضهم يتركه جهلاً وتقليداً وخوفاً من أنّ يقال صبأ، وبعضهم يتبعه توفيقاً من الله تعالى وتأييداً.

المؤمنون 23:71

ثم بين تعالى أنّ اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم بقوله تعالى :﴿ولو اتبع الحق﴾ أي : القرآن ﴿أهواءهم﴾ بأنّ جاء بما يهووه من الشرك والولد لله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ﴿لفسدت السماوات﴾ على علوها وإحكامها ﴿والأرض﴾ على كثافتها وانتظامها ﴿ومن فيهن﴾ على كثرتهم وانتشارهم وقوّتهم أي : خرجت عن نظامها المشاهد بسبب ادعائهم تعدد الآلهة لوجود التمانع في الشيء عادة عند تعدد الحاكم كما سبق تقريره في قوله تعالى :﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [ الأنبياء، ٢٢ ]، ﴿بل أتيناهم﴾ بعظمتنا ﴿بذكرهم﴾ أي : بالقرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم، وقيل : بالذكر الذي تمنوه بقولهم : لو أنّ عندنا ذكراً من الأولين ﴿فهم عن ذكرهم﴾ أي : الذي هو شرفهم ﴿معرضون﴾ لا يلتفتون إليه.

المؤمنون 23:72

ثم بين تعالى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يطمع فيهم حتى يكون ذلك سبباً لنفرتهم بقوله تعالى :﴿أم تسألهم﴾ أي : على ما جئتم به ﴿خرجاً﴾ أي : أجراً، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الراء وبعدها ألف، والباقون بسكون الراء، ولما كان الإنكار معناه النفي حسن موقع فاء السببية في قوله تعالى :﴿فخراج ربك﴾ أي : رزقه في الدنيا وثوابه في العقبى ﴿خير﴾ لسعته ودوامه، ففيه مندوحة لك عن عطائهم، وقرأ ابن عامر بسكون الراء والباقون بفتحها وألف بعدها قال أبو عمرو بن العلاء : الخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه ؛ قال الزمخشري : والوجه أنّ الخرج أخص من الخراج كقولك : خراج القرية، وخرج الكردة أي : الرقبة زيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذلك حسنت قراءة من قرأ خرجاً فخراج ربك يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير، وقوله تعالى :﴿وهو خير الرازقين﴾ تقرير لخيرية خراجه.

المؤمنون 23:73

ولما زيف سبحانه وتعالى طريق القوم أتبعه بصحة ما جاء به الرسول عليه السلام بقوله تعالى :﴿وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم﴾ تشهد عقولهم السليمة على استقامته لا عوج فيه يوجب اتهامهم له، كما تشهد له به العقول الصحيحة، فمن سلكه أوصله إلى الغرض، فحاز كل شرف. تنبيه : قد ألزمهم الله تعالى الحجة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم وعللهم، فإن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله مخبور سره وعلنه خليق بأنّ يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم وأنه لم يعرض له حتى يدعي مثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل له سلماً إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم إلا مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل من غير برهان.

المؤمنون 23:74

﴿وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي : بالبعث والثواب والعقاب ﴿عن الصراط﴾ أي : الذي لا صراط غيره ؛ لأنه لا موصل إلى القصد غيره ﴿لناكبون﴾ أي : عادلون منحرفون في سائر أحوالهم سائرون على غير منهج أصلاً بل خبط عشواء.

المؤمنون 23:75

﴿ولو رحمناهم﴾ أي : عاملناهم معاملة المرحوم في إزالة ضرره وهو معنى قوله تعالى :﴿وكشفنا ما بهم من ضر﴾ أي : جوع أصابهم بمكة سبع سنين ﴿للجوا﴾ أي : عادوا وتمادوا ﴿في طغيانهم﴾ الذي كانوا عليه قبل هذا ﴿يعمهون﴾ أي : يترددون.

المؤمنون 23:76

﴿ولقد أخذناهم بالعذاب﴾ وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش أنّ يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال : بلى، فقال : قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فقد أكلوا الفرث والعظام والعلهز وشكا إليه الضرع فادع الله تعالى يكشف عنا هذا القحط فدعا فكشف عنهم فأنزل الله تعالى هذه الآية. تنبيه : العلهز وبر يخلط بدماء اللحم، فيؤكل في الجدب والعلهز أيضاً : القراد الضخم، وشكا بعض الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم السنة فقال : ولا شي مما يأكل الناس عندنا؍ سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل؍ وليس لنا إلا إليك فرارنا؍ وأين فرار الناس إلا إلى الرسل؍ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم «واستسقى لرفع هذه المحن » فقال الله تعالى عنهم :﴿فما استكانوا﴾ أي : خضعوا خضوعاً هو كالجبلة لهم وأصله طلب السكون ﴿لربهم﴾ أي : المحسن إليهم عقب المحنة ﴿وما يتضرعون﴾ أي : يجددون الدعاء بالخضوع والذل والخشوع في كل وقت بحيث يكون لهم عادة بل هم على ما جبلوا عليه من الاستكبار والعتو.

المؤمنون 23:77

﴿حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا﴾ أي : صاحب ﴿عذاب شديد﴾ قال ابن عباس : يعني القتل يوم بدر، وهو قول مجاهد، وقيل : هو الموت، وقيل : هو قيام الساعة ﴿إذا هم فيه﴾ أي : ذلك الباب مطروحون لا يقدرون منه على نوع خلاص ﴿مبلسون﴾ متحيرون آيسون من كل خير.

المؤمنون 23:78

ثم إنه سبحانه التفت إلى خطابهم وبين عظيم نعمته من وجوه : أحدها : ما ذكره بقوله تعالى : ﴿وهو الذي أنشأ﴾ أي : خلق ﴿لكم﴾ يا من يكذب بالآخرة ﴿السمع﴾ بمعنى الإسماع ﴿والأبصار﴾ على غير مثال سبق لتحسنوا بها ما نصب من الآيات ﴿والأفئدة﴾ أي : التي هي مراكز العقول فتتفكروا في الآيات وتستدلوا بها على الوحدانية فكنتم بها أعلى من بقية الحيوان جمع فؤاد وهو القلب، وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر ؛ لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها، فمن لم يعملها فيما خلقت له، فهو بمنزلة عادمها كما قال عز وجل :﴿فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم، ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله﴾ [ الأحقاف، ٢٦ ]، ولما صور لهم هذه النعم وهي بحيث لا يشك عاقل في أنه لو تصور أنّ يعطي آدمي شيئاً منها لم يقدر على مكافأته حسن تبكيتهم في كفر النعم، فقال تعالى :﴿قليلاً ما تشكرون﴾ لمن أولاكم هذه النعم التي لا يقدر غيره على شيء منها مع ادعائكم أنكم أشكر الناس لمن أسدى إليكم أقل ما يكون من النعم التي يقدر على مثلها كل أحد، فكنتم بذلك مثل الحيوانات العجم صماً بكماً عمياً ؛ قال أبو مسلم : ليس المراد أنّ لهم شكراً وإن قل، لكنه يقال للكفور الجاحد النعمة ما أقل شكر فلان.

المؤمنون 23:79

ثانيها : ما ذكره في قوله تعالى :﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿الذي ذرأكم﴾ أي : خلقكم وبثكم ﴿في الأرض﴾ للتناسل ﴿وإليه﴾ وحده ﴿تحشرون﴾ يوم النشور.

المؤمنون 23:80

ثالثها : ما ذكره بقوله تعالى :﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿الذي﴾ من شأنه أنه ﴿يحي ويميت﴾ فلا مانع له من البعث ولا غيره مما يريده. رابعها : ما ذكره بقوله تعالى :﴿وله اختلاف الليل والنهار﴾ أي : التصرف فيهما بالسواد والبياض والزيادة والنقصان ﴿أفلا تعقلون﴾ أي : بالنظر والتأمل أنّ الكل منا وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها، وأن البعث من جملتها فتعتبرون.

المؤمنون 23:81

ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري النفي حسن بعده بقوله تعالى :﴿بل قالوا﴾ أي : هؤلاء العرب ﴿مثل ما قال الأولون﴾ من قوم نوح ومن بعدهم فقالوا ذلك تقليداً للأولين.

المؤمنون 23:82

ثم حكى الشبهة عنهم من وجهين : أحدهما : ما ذكره بقوله تعالى :﴿قالوا﴾ أي : منكرين للبعث متعجبين من أمره ﴿أئذا متنا وكنا﴾ أي : بالبلاء بعد الموت ﴿تراباً وعظاماً﴾ نخرة، ثم أكدوا الإنكار بقولهم :﴿أئنا لمبعوثون﴾ أي : لمحشورون بعد ذلك قالوا ذلك استبعاداً ولم يتأملوا أنهم قبل ذلك أيضاً كانوا تراباً فخلقوا.

المؤمنون 23:83

ثانيهما : ما ذكره بقوله تعالى : إنهم قالوا :﴿لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا﴾ أي : البعث بعد الموت ﴿من قبل﴾ كأنهم قالوا : إن هذا الوعد كما وقع منه صلى الله عليه وسلم فقد وقع قديماً من سائر الأنبياء ولم يوجد مع طول العهد، وظنوا أنّ الإعادة تكون في دار الدنيا، ثم قالوا :﴿إن﴾ أي : ما ﴿هذا إلا أساطير﴾ أي : أكاذيب ﴿الأولين﴾ كالأضاحيك والأعاجيب جمع أسطورة بالضم، وقيل : جمع أسطار جمع سطر ؛ قال رؤبة : إني وأسطار سطرن سطراً *** وهو ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له.

المؤمنون 23:84

ولما أنكروا البعث هذا الإنكار المؤكد ونفوه هذا النفي المحتم أمره الله تعالى أنّ يقررهم بثلاثة أشياء هم بها مقرون، ولها عارفون يلزمهم من تسليمها الإقرار بالبعث قطعاً : أحدها : قوله تعالى :﴿قل﴾ أي : مجيباً لإنكارهم البعث ملزماً لهم ﴿لمن الأرض﴾ أي : على سعتها وكثرة عجائبها ﴿ومن فيها﴾ على كثرتهم واختلافهم ﴿إن كنتم﴾ أي : مما هو كالجبلة لكم ﴿تعلمون﴾ أي : أهلاً للعلم وفيه تنبيه على أنهم أنكروا شيئاً لا ينكره عاقل.

المؤمنون 23:85

ولما كانوا مقرين بذلك أخبر تعالى عن جوابهم قبل جوابهم ليكون من دلائل النبوة وإعلام الرسالة بقوله تعالى استئنافاً :﴿سيقولون﴾ أي : قطعاً ذلك كله ﴿لله﴾ أي : المختص بصفات الكمال، ثم إنه تعالى أمره بقوله :﴿قل﴾ أي : لهم إذا قالوا لك ذلك منكراً عليهم ﴿أفلا تذكرون﴾ أي : في ذلك المركوز في طباعكم المقطوع به عندكم ما غفلتم عنه من تمام قدرته وباهر عظمته فتصدقوا ما أخبر به من البعث الذي هو دون ذلك، وتعلموا أنه لا يصلح شيء منها وهو ملكه أنّ يكون شريكاً له تعالى ولا ولداً وتعلموا أنّ القادر على الخلق ابتداءً قادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يصح في الحكمة أصلاً أنّ يترك البعث لأنّ أقلكم لا يرضى بترك حساب عبيده والعدل بينهم، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد بإدغام التاء الثانية في الذال.

المؤمنون 23:86

ثانيها : قوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم ﴿من رب﴾ أي : خالق ومدبر ﴿السماوات السبع﴾ كما تشاهدون من حركاتها وسير أفلاكها ﴿ورب العرش﴾ أي : الكرسي ﴿العظيم﴾ كما قال تعالى :﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [ البقرة، ٢٥٥ ].

المؤمنون 23:87

﴿سيقولون لله﴾ أي : الذي له كل شيء هو رب ذلك لا جواب لهم غير ذلك، ولما تأكد الأمر وزاد الوضوح حسن التهديد على التمادي فقال تعالى :﴿قل﴾ أي : منكراً عليهم ﴿أفلا تتقون﴾ أي : تحذرون عبادة غيره.

المؤمنون 23:88

ثالثها قوله :﴿قل﴾ أمره الله تعالى بعدما قرّرهم بالعالمين العلوي والسفلي أن يقرّرهم بما هو أعم وأعظم وهو قوله تعالى :﴿من بيده﴾ أي : من تحت قدرته ومشيئته ﴿ملكوت كل شيء﴾ من إنس وجن وغيرهما، والملكوت : الملك البليغ، قال ابن الأثير : كانت العرب إذا كان السيد فيهم أجار أحداً لا يخفر جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يعاب عليه، ولو أجار ما أفاد، ولهذا قال تعالى :﴿وهو يجير﴾ أي : يمنع ويغيث من شاء فيكون في حرز لا يقدر أحد على الدنو من ساحته ﴿ولا يجار عليه﴾ أي : ولا يمكن أحداً أبداً أن يجير جواراً يكون مستعلياً عليه بأن يكون على غير مراده بل يأخذ من أراد وإن نصره جميع الخلائق ويعلي من أراد وإن تحاملت عليه كل المصائب فتبين كالشمس أنه لا شريك يمانعه ولا ولد يضارعه، وأنه السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ثم ألهبهم إلى المبادرة إلى الاعتراف به وهيجهم بقوله تعالى :﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي : في عداد من يعلم،

المؤمنون 23:89

ولذلك استأنف قوله تعالى :﴿سيقولون لله﴾. أي : الذي بيده ذلك خاصاً به. تنبيه : سيقولون لله الأول لا خلاف فيها، وأما الثانية والثالثة فقرأ أبو عمرو : سيقولون الله بزيادة همزة الوصل مع التفخيم فيهما، ورفع الهاء والباقون بغير همز الوصل مع الترقيق وكسر الهاء والتقدير ذلك كله لله، ولما كان جوابهم بذلك يقتضي إنكار توقفهم في الإقرار بالبعث استأنف قوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم منكراً عليهم ﴿فأنى تسخرون﴾ أي : فكيف بعد إقراركم بهذا كله تخدعون وتصرفون عن الحق وكيف يخيل لكم أنه باطل.

المؤمنون 23:90

ولما كان الإنكار بمعنى النفي حسن قوله تعالى : ﴿بل﴾ أي : ليس الأمر كما يقولون بل ﴿أتيناهم بالحق﴾ أي : بالصدق من التوحيد والوعد بالنشور ﴿وإنهم لكاذبون﴾ في كل ما ادعوه من الولد والشريك وغيرهما مما بين القرآن فساده ومن أعظم كذبهم قولهم :﴿اتخذ الرحمن ولداً﴾ [ مريم، ٨٨ ].

المؤمنون 23:91

قال تعالى رداً عليهم : ﴿ما اتخذ الله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿من ولد﴾ أي : لا من الملائكة ولا من غيرهم لما قام من الأدلة على غناه وأنه لا مجانس له، ولما كان الولد أخص من مطلق الشريك قال تعالى :﴿وما كان معه﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿من إله﴾ يشابهه في الألوهية ﴿إذاً﴾ لو كان معه إله آخر ﴿لذهب كل إله بما خلق﴾ بالتصرف فيه وحده ليتميز ما له مما لغيره. فإن قيل : إذاً لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله تعالى :﴿لذهب﴾ جزاءً وجواباً، ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل ؟ أجيب : بأن الشرط محذوف تقديره ولو كان معه آلهة، وإنما حذف لدلالة قوله تعالى : وما كان معه من إله عليه وهو جواب لمن معه المحاجة من المشركين ﴿ولعلا بعضهم﴾ أي : بعض الآلهة ﴿على بعض﴾ إذا تخالفت أوامرهم، فلم يرض أحد منهم أن يضاف ما خلقه إلى غيره، ولا أن يمضي فيه أمر على غير مراده كما هو مقتضى العادة، فلا يكون المغلوب إلهاً لعجزه ولا يكون مجيراً غير مجار عليه بيده وحده ملكوت كل شيء. ولما طابق الدليل الإلزامي نفي الشريك نزه نفسه الشريفة بما هو نتيجة ذلك من قوله تعالى :﴿سبحان الله﴾ أي : المتصف بجميع صفات الكمال المنزه عن شائبة كل نقص ﴿عما يصفون﴾ من كل ما لا يليق بجناية المقدس من الأنداد والأولاد لما سبق من الدليل على فساده.

المؤمنون 23:92

ثم أقام دليلاً آخر على كماله يوصفه بقوله تعالى :﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي : ما غاب وما شوهد، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي برفع الميم على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو، والباقون بالخفض على أنه صفة لله، ثم رتب على هذا الدليل قوله تعالى :﴿فتعالى﴾ أي : تعاظم ﴿عما يشركون﴾ معه من الآلهة.

المؤمنون 23:93

ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿قل رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿إما﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة أي : إن كان لا بد أن ﴿تريني﴾ لأنَّ ما والنون للتأكيد ﴿ما يوعدون﴾ من العذاب في الدنيا والآخرة.

المؤمنون 23:94

﴿رب فلا تجعلني﴾ بإحسانك إليّ ﴿في القوم الظالمين﴾ أي : قرينا لهم في العذاب. فإن قيل : كيف يجوز أن يجعل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم ؟ أجيب : بأنه يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه وإخباتاً له واستغفاره صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه سبعين مرة أو مائة مرة لذلك وما أحسن قول الحسن في قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : وليتكم ولست بخيركم، كان يعلم أنه خيرهم ولكن المؤمن يهضم نفسه وإنما ذكر ربه مرتين مرة قبل الشرط، ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع.

المؤمنون 23:95

﴿وإنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿على أن نريك﴾ أي : قبل موتك ﴿ما نعدهم﴾ من العذاب ﴿لقادرون﴾ لكنا نؤخره علماً بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون وهو صادق بالقتل يوم بدر أو فتح مكة.

المؤمنون 23:96

ثم كأنه قال : فماذا أفعل فيما تعلم من أمرهم، فقال تعالى :﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ أي : من الأقوال والأفعال بالصفح والمداراة ﴿السيئة﴾ أذاهم إياك وهذا قبل الأمر بالقتال فهي منسوخة، وقيل : محكمة لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة ﴿نحن أعلم بما يصفون﴾ في حقك وحقنا، فلو شئنا منعناهم منه أو عاجلناهم بالعذاب، وليس أحد بأغير منا فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.

المؤمنون 23:97

ولما أدب سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يدفع بالتي هي أحسن علمه ما به يقوى على ذلك بقوله تعالى :﴿وقل رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿أعوذ بك﴾ أي : ألتجئ إليك ﴿من همزات الشياطين﴾ أي : أن يصلوا إليّ بوساوسهم، وأصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الرائض الدواب على المشي وإنما جمع همزات لتنوع الوسواس أو لتعدد المضاف إليه.

المؤمنون 23:98

﴿وأعوذ بك رب﴾ أي : أيها المربى لي ﴿أن يحضرون﴾ في حال من الأحوال خصوصاً حال الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل ؛ لأنها أحرى الأحوال، وهم إنما يحضرون بالسوء، ولو لم تصل إليَّ وساوسهم، فإن بعدهم بركة، وعن جبير بن مطعم قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة قال عمر : ولا أدري أي صلاة هي فقال :«الله أكبر كبيراً ثلاثاً، والحمد لله كثيراً ثلاثاً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ثلاثاً أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه ؛ قال : نفثه الشعر ونفخه الكبر، وهمزه الموتة » أخرجه أبو داود ؛ لأن الشعر يخرج من القلب فيلفظ به اللسان، وينفثه كما ينفث الريق والمتكبر ينتفخ ويتعاظم ويجمع نفسه ويحتاج إلى أن ينفخ، والموتة الجنون والمجنون يصير في الدنيا كالميتة.

المؤمنون 23:99

ثم إن الله تعالى أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت بقوله تعالى :﴿حتى﴾ وهي هنا كما قال الجلال المحلي ابتدائية أو متعلقة بيصفون أو بكاذبون كما قال الزمخشري، وقدّم المفعول ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال :﴿إذا جاء أحدهم الموت﴾ فكشف له الغطاء وظهر له الحق ولاحت له بوارق العذاب، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب ﴿قال﴾ متحسراً على ما فرّط فيه من الإيمان والطاعة مخاطباً لملائكة العذاب على عادة جهله ووقوفه مع المحسوس من دأب البهائم ﴿رب ارجعون﴾ أي : ردوني إلى الدنيا دار العمل، ويجوز أن يكون الجمع له تعالى وللملائكة أو للتعظيم على عادة مخاطبات الأكابر سيما الملوك كقوله : ألا فارحموني يا إله محمد *** وقوله : فإن شئت حرمت النساء سواكم *** أو القصد تكرير الفعل للتأكيد ؛ لأنه في معنى أرجعني كما قيل في قفا واطرقا فإنهما بمعنى قف قف واطرق اطرق،

المؤمنون 23:100

ولما كان في تلك الحالة مع وصوله إلى الغرغرة ليس على القطع من اليأس قال :﴿لعلي أعمل﴾ أي : لأن كون على رجاء من أن اعمل ﴿صالحاً فيما تركت﴾ أي : ضيعت من الإيمان بالله وتوابعه فيدخل في الأعمال الأعمال البدنية والمالية وعنه صلى الله عليه وسلم «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا : نرجعك إلى الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان بلى قدوماً على الله، وأما الكافر فيقول : رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت » قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهله ولا عشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله فرحم الله امرأ عمل فيما تمناه الكافر إذا رأى العذاب، وقال ابن كثير : كان العلاء بن زياد يقول : لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت واستقال ربه، فأقاله فليعمل بطاعة الله تعالى، ولما كان القضاء قد قطع بأنه لا يرجع ولو رجع لم يعمل بطاعة الله عز وجل، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون، قال الله تعالى له ردعاً ورداً لكلامه :﴿كلا﴾ أي : لا يكون شيء من ذلك وكأنه قيل : فما حكم ما قال ؟ فقيل :﴿إنها كلمة﴾ والمراد بالكلمة في اللغة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض رب ارجعون إلى آخره ﴿هو قائلها﴾ وقد عرف منه الخداع والكذب فهي كما عهد منه لا حقيقة لها، فلا يجاب إليها ولا تسمع منه وهو لا محالة لا يخليها، ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه، وتسلط الندم ﴿ومن ورائهم﴾ أي : أمامهم والضمير للجماعة ﴿برزخ﴾ أي : حاجز حائل بينهم وبين الرجعة، واختلف في معناه فقال مجاهد : حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، وقال قتادة : بقية الدنيا، وقال الضحاك : البرزخ ما بين الموت إلى البعث، وقيل : هو الموت، وقيل : هو القبر هم فيه ﴿إلى يوم يبعثون﴾ وهو يوم القيامة، وفي هذا إقناط كليّ من الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا، وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة.

المؤمنون 23:101

﴿فإذا نفخ في الصور﴾ أي : القرن، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنها النفخة الأولى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض ﴿فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون﴾ ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وعن ابن مسعود أنها النفخة الثانية قال : يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي منادٍ هذا فلان بن فلان، فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه فيفرح المرء أن يكون له حق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه، فيأخذه منهم، ثم قرأ ابن مسعود فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون، وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنها النفخة الثانية فلا أنساب بينهم أي : لا يتفاخرون بالأنساب يومئذٍ كما كانوا يتفاخرون بها في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا من أنت ومن أي قبيل أنت، ولم يرد أن الإنسان ينقطع نسبه، فإن قيل : قد قال تعالى هنا : ولا يتساءلون، وقال تعالى في موضع آخر :﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ [ الصافات، ٢٧ ] ؟ أجيب : بأن ابن عباس قال : إن للقيامة أحوالاً ومواطن ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون، وقيل : التساؤل بعد دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

المؤمنون 23:102

﴿فمن ثقلت موازينه﴾ أي : بالأعمال المقبولة، قال البقاعي : ولعل الجمع لأن لكل عمل ميزاناً يعرف أنه لا يصلح له غيره، وذلك أدل دليل على القدرة ﴿فأولئك﴾ أي : خاصة قال أيضاً : ولعله جمع للبشارة بكثرة الناجي بعد أن أفرد للدلالة على كثرة الأعمال أو على عموم الوزن لكل فرد ﴿هم المفلحون﴾ أي : الفائزون بالنجاة والدرجات العلى.

المؤمنون 23:103

﴿ومن خفت موازينه﴾ لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على الإيمان ﴿فأولئك﴾ خاصة ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال وشغلها بأهوائها عن مراتب الكمال وقوله تعالى :﴿في جهنم خالدون﴾ بدل من الصلة، أو خبر ثان لأولئك، وهي دار لا ينفك أسيرها ولا ينطفئ سعيرها.

المؤمنون 23:104

ثم استأنف قوله تعالى :﴿تلفح﴾ أي : تغشى بشدّة حرّها وسمومها ووهجها ﴿وجوههم النار﴾ فتحرقها، فما ظنك بغيرها، واللفح كالنفح إلا أنه أشد تأثيراً ﴿وهم فيها كالحون﴾ أي : عابسون قد شمرت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم، وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته ».

المؤمنون 23:105

وقوله تعالى :﴿ألم تكن آياتي﴾ أي : من القرآن على إضمار القول أي : يقال لهم : ألم تكن آياتي ﴿تتلى عليكم﴾ أي : تتابع لكم قراءتها في الدنيا شيئاً فشيئاً ﴿فكنتم بها تكذبون﴾.

المؤمنون 23:106

ثم استأنف جوابه بقوله تعالى :﴿قالوا ربنا﴾ أي : المسبغ علينا نعمه ﴿غلبت علينا شقوتنا﴾ أي : ملكتنا بحيث صارت أحوالها مؤدّية إلى سوء العاقبة ﴿وكنا﴾ أي : بما جبلنا عليه ﴿قوماً ضالين﴾ في ذلك عن الحق أقوياء في موجبات الشقوة فكان سبباً للضلال عن طريق السعادة.

المؤمنون 23:107

﴿ربنا﴾ يا من عودنا بالإحسان ﴿أخرجنا منها﴾ أي : من النار تفضلاً منك على عادة فضلك وردّنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك ﴿فإن عدنا﴾ إلى مثل ذلك الضلال ﴿فإنا ظالمون﴾ لأنفسنا.

المؤمنون 23:108

ثم استأنف جوابهم بأن :﴿قال﴾ لهم بلسان ملك بعد قدر الدنيا مرتين كما يقال للكلب ﴿اخسؤوا﴾ أي : انزجروا زجر الكلاب وانطردوا عن مخاطبتي ساكتين سكوت هوان ﴿فيها﴾ أي : النار ﴿ولا تكلمون﴾ أصلاً، فإنكم لستم بأهل لمخاطبتي لأنكم لن تزالوا متصفين بالظلم فييأس القوم بعد ذلك، ولا يتكلموا بكلمة إلا الزفير والشهيق والعواء كعواء الكلاب، وقال القرطبي : إذا قيل لهم ذلك انقطع رجاؤهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض فانطبقت عليهم، وعن ابن عباس أنّ لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة : ربنا أبصرنا وسمعنا، فيجابون : حق القول مني، فينادون ألفاً : ربنا أمتنا اثنتين، فيجابون : ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، فينادون ألفاً : يا مالك ليقض علينا ربك، فيجابون : إنكم ماكثون، فينادون ألفاً : ربنا أخرجنا منها، فيجابون : أولم تكونوا أقسمتم، فينادون ألفاً : أخرجنا نعمل صالحاً، فيجابون : أولم نعمركم، فينادون ألفاً : رب ارجعون، فيجابون : اخسؤوا فيها ولا تكلمون، ثم لا يكون لهم إلا الزفير والشهيق والعواء،

المؤمنون 23:109

ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إنه كان﴾. أي : كوناً ثابتاً ﴿فريق﴾ أي : ناس قد استضعفتموهم﴿من عبادي﴾ وهم المؤمنون ﴿يقولون﴾ مع الاستمرار ﴿ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق ﴿آمنا﴾ أي : أوقعنا الإيمان بجميع ما جاءتنا به الرسل ﴿فاغفر لنا﴾ أي : استر لنا زللنا ﴿وارحمنا﴾ أي : افعل بنا فعل الراحم ﴿وأنت خير الراحمين﴾ لأنك تخلص برحمتك من كل شقاء وهوان.

المؤمنون 23:110

﴿فاتخذتموهم﴾ أي : فتسبب عن إيمانهم أن اتخذتموهم ﴿سخرياً﴾ أي : تسخرون منهم وتستهزؤن بهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين، والباقون بالكسر وهو مصدر سخر كالسخر إلا أن في ياء النسب زيادة قوّة في الفعل كما قيل : الخصوصية في الخصوص، وعن الكسائي والفرّاء أن المكسور من الهزء والمضموم من السخرية والعبودية، أي : تسخرونهم وتتعبدونهم ؛ قال الزمخشري : والأول مذهب الخليل وسيبويه، انتهى. وأظهر الذال عند التاء ابن كثير وحفص، والباقون بالإدغام ﴿حتى أنسوكم ذكري﴾ أي : بأن تذكروني فتخافوني، وأضاف ذلك إليهم لأنهم كانوا السبب فيه لفرط اشتغالهم بالاستهزاء بهم ﴿وكنتم منهم تضحكون﴾ استهزاء بهم نزلت في كفار قريش كانوا يستهزئون بالفقراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل بلال وعمار وصهيب وخباب.

المؤمنون 23:111

ولما تشوّقت النفس بعد العلم بما فعل بأعدائهم إلى جزائهم قال الله تعالى :﴿إني جزيتهم اليوم﴾ أي : بالنعيم المقيم ﴿بما صبروا﴾ أي : على عبادتي ولم يشغلهم عنها تألمهم بأذاكم، كما يشغلكم عنها التذاذكم بإهانتهم ففازوا دونكم وهو معنى قوله تعالى :﴿إنهم هم الفائزون﴾ أي : بمطلوبهم الناجون من عذاب النار، وقرأه حمزة والكسائي بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون بفتحها على أنها مفعول ثان لجزيتهم.

المؤمنون 23:112

ثم إن الله تعالى :﴿قال﴾ لهم على لسان الملك المأمور بسؤالهم تبكيتاً وتوبيخاً لأنهم كانوا يظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنها دائمة، وأنهم فيها مخلدون سألهم ﴿كم لبثتم في الأرض﴾ على تلك الحال في الدنيا التي كنتم تعدونها فوزاً ﴿عدد سنين﴾ أنتم فيها ظافرون ولأعدائكم قاهرون، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : قل كم، بضم القاف وسكون اللام على الأمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار، والباقون بفتح القاف واللام وألف بينهما خبراً وتقدم توجيهه وأظهر الثاء المثلثة عند التاء المثناة فوق نافع وابن كثير وعاصم وأدغمها فيها الباقون.

المؤمنون 23:113

﴿قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ يشكون في ذلك. فإن قيل : كيف يصح في جوابهم أن يقولوا ذلك، ولا يقع من أهل النار الكذب ؟ أجيب : بأنهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال، وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا :﴿فاسأل العادين﴾ أي : الملائكة المحصين أعمال الخلق وأعمارهم ؛ قال ابن عباس : أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين، وقيل : قالوا ذلك تصغيراً للبثهم وتحقيراً له بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من دوام العذاب قال بعضهم : ألا أن أيام الشقاء طويلة؍ كما أن أيام السرور قصار؍ وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين وترك الهمز بعدها وكذا يفعل حمزة في الوقف والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها

المؤمنون 23:114

ثم :﴿قال﴾ الله تعالى لهم على لسان الملك :﴿إن﴾ أي : ما ﴿لبثتم﴾ أي : في الدنيا ﴿إلا قليلاً﴾، لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلاً في جنب ما يلبث في الآخرة ﴿لو أنكم كنتم تعلمون﴾ أي : في عداد من يعلم في ذلك الوقت لما آثرتم الفاني على الباقي ولأقبلتم على ما ينفعكم ولتركتم أفعالكم التي لا يرضاها عاقل، ولكنكم كنتم في عداد البهائم، وقرأ حمزة والكسائي : قل ؛ أمراً، والباقون : قال ؛ خبراً، ولبثتم تقدم مثله، وتوجيه قال وقل.

المؤمنون 23:115

ثم وبخهم الله تعالى على تغافلهم بقوله تعالى :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم﴾ على ما لنا من العظمة، وقوله تعالى :﴿عبثاً﴾ حال أي : عابثين كقوله : لاعبين، أو مفعول له أي : ما خلقناكم للعبث، ولم يدعنا إلى خلقكم إلا حكمة اقتضت ذلك، وهي أن نتعبدكم ونكلفكم المشاق من الطاعات وترك المعاصي ﴿و﴾ حسبتم ﴿أنكم إلينا لا ترجعون﴾ في الآخرة للجزاء، وروى البغوي بسنده عن أنس «أن رجلاً مصاباً مرَّ به على ابن مسعود فرقاه في أذنه أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون، ثم ختم السورة فبرئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على جبل لزال ». وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء الفوقية وكسر الجيم، والباقون بضم الفوقية وفتح الجيم.

المؤمنون 23:116

ثم نزّه سبحانه وتعالى نفسه عما يقوله ويصفه به المشركون بقوله تعالى :﴿فتعالى الله﴾ أي : الذي له الجلال والجمال علواً كبيراً عن العبث، وغيره مما لا يليق به ﴿الملك﴾ أي : المحيط بأهل مملكته علماً وقدرة وسياسة وحفظاً ورعاية ﴿الحق﴾ أي : الذي لا يتطرق الباطل إليه في شيء في ذاته ولا في صفاته فلا زوال له ولا لملكه ﴿لا إله إلا هو﴾ فلا يوجد له نظير أصلاً في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو متعالٍ عن سمات النقص والعبث، ثم زاد في التعيين والتأكيد والتفرد بوصفه بصفة لا يدعيها غيره بقوله تعالى :﴿رب العرش﴾ أي : السرير المحيط بجميع الكائنات التي تنزل منه محكمات الأقضية والأحكام ولذا وصفه بالكرم فقال :﴿الكريم﴾ أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.

المؤمنون 23:117

ولما بيّن سبحانه وتعالى أنه الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن من ادّعى إلهاً آخر، فقد ادعى باطلاً بقوله تعالى :﴿ومن يدع مع الله﴾ أي : الملك الذي لا كفء له ﴿إلهاً آخر﴾ يعبده ﴿لا برهان له به﴾ أي : بسبب دعائه بذلك إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد، ثم ذكر أنّ من قال ذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله تعالى :﴿فإنما حسابه﴾ أي : جزاؤه الذي لا يمكن زيادته ولا نقصه ﴿عند ربه﴾ أي : الذي رباه ولم يربه أحد سواه الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته، فلا يخفى عليه شيء من أمره، ولما افتتح السورة بقوله :﴿قد أفلح المؤمنون﴾ ختمها بقوله :﴿إنه لا يفلح الكافرون﴾ أي : لا يسعدون، فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.

المؤمنون 23:118

ولما شرح الله تعالى أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام بالانقطاع إليه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته بقوله تعالى :﴿وقل رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿اغفر وارحم﴾ أي : أكثر من هذين الوصفين ﴿وأنت خير الراحمين﴾ فمن رحمته أفلح بما توفقه له من امتثال ما أشرت إليه أول السورة، فكان من المؤمنين وكان من الوارثين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، فقد انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل مؤمن وخيبة كل كافر، فنسأل الله تعالى أن يكون لنا ولوالدينا ولأحبابنا أرحم راحم وخير غافر إنه المتولي للسرائر والمرجو لإصلاح الضمائر.