السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — المرسلات 77:1 – الفجر 89:30
المحتويات
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:2
- المرسلات 77:3
- المرسلات 77:4
- المرسلات 77:5
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:7
- المرسلات 77:8
- المرسلات 77:9
- المرسلات 77:10
- المرسلات 77:11
- المرسلات 77:12
- المرسلات 77:13
- المرسلات 77:14
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:16
- المرسلات 77:17
- المرسلات 77:18
- المرسلات 77:19
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:21
- المرسلات 77:22
- المرسلات 77:23
- المرسلات 77:24
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:26
- المرسلات 77:27
- المرسلات 77:28
- المرسلات 77:29
- المرسلات 77:30
- المرسلات 77:31
- المرسلات 77:32
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:34
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:37
- المرسلات 77:38
- المرسلات 77:39
- المرسلات 77:40
- المرسلات 77:41
- المرسلات 77:42
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:44
- المرسلات 77:45
- المرسلات 77:46
- المرسلات 77:47
- المرسلات 77:48
- المرسلات 77:49
- المرسلات 77:50
- النبأ 78:1
- النبأ 78:2
- النبأ 78:3
- النبأ 78:4
- النبأ 78:5
- النبأ 78:6
- النبأ 78:7
- النبأ 78:8
- النبأ 78:9
- النبأ 78:10
- النبأ 78:11
- النبأ 78:12
- النبأ 78:13
- النبأ 78:14
- النبأ 78:15
- النبأ 78:16
- النبأ 78:17
- النبأ 78:18
- النبأ 78:19
- النبأ 78:20
- النبأ 78:21
- النبأ 78:22
- النبأ 78:23
- النبأ 78:24
- النبأ 78:25
- النبأ 78:26
- النبأ 78:27
- النبأ 78:28
- النبأ 78:29
- النبأ 78:30
- النبأ 78:31
- النبأ 78:32
- النبأ 78:33
- النبأ 78:34
- النبأ 78:35
- النبأ 78:36
- النبأ 78:37
- النبأ 78:38
- النبأ 78:39
- النبأ 78:40
- النازعات 79:1
- النازعات 79:2
- النازعات 79:3
- النازعات 79:4
- النازعات 79:5
- النازعات 79:6
- النازعات 79:7
- النازعات 79:8
- النازعات 79:9
- النازعات 79:10
- النازعات 79:11
- النازعات 79:12
- النازعات 79:13
- النازعات 79:14
- النازعات 79:15
- النازعات 79:16
- النازعات 79:17
- النازعات 79:18
- النازعات 79:19
- النازعات 79:20
- النازعات 79:21
- النازعات 79:22
- النازعات 79:23
- النازعات 79:24
- النازعات 79:25
- النازعات 79:26
- النازعات 79:27
- النازعات 79:28
- النازعات 79:29
- النازعات 79:30
- النازعات 79:31
- النازعات 79:32
- النازعات 79:33
- النازعات 79:34
- النازعات 79:35
- النازعات 79:36
- النازعات 79:37
- النازعات 79:38
- النازعات 79:39
- النازعات 79:40
- النازعات 79:41
- النازعات 79:42
- النازعات 79:43
- النازعات 79:44
- النازعات 79:45
- النازعات 79:46
- عبس 80:1
- عبس 80:2
- عبس 80:3
- عبس 80:4
- عبس 80:5
- عبس 80:6
- عبس 80:7
- عبس 80:8
- عبس 80:9
- عبس 80:10
- عبس 80:11
- عبس 80:12
- عبس 80:13
- عبس 80:14
- عبس 80:15
- عبس 80:16
- عبس 80:17
- عبس 80:18
- عبس 80:19
- عبس 80:20
- عبس 80:21
- عبس 80:22
- عبس 80:23
- عبس 80:24
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:27
- عبس 80:28
- عبس 80:29
- عبس 80:30
- عبس 80:31
- عبس 80:32
- عبس 80:33
- عبس 80:34
- عبس 80:35
- عبس 80:36
- عبس 80:37
- عبس 80:38
- عبس 80:39
- عبس 80:40
- عبس 80:41
- عبس 80:42
- التكوير 81:1
- التكوير 81:2
- التكوير 81:3
- التكوير 81:4
- التكوير 81:5
- التكوير 81:6
- التكوير 81:7
- التكوير 81:8
- التكوير 81:9
- التكوير 81:10
- التكوير 81:11
- التكوير 81:12
- التكوير 81:13
- التكوير 81:14
- التكوير 81:15
- التكوير 81:16
- التكوير 81:17
- التكوير 81:18
- التكوير 81:19
- التكوير 81:20
- التكوير 81:21
- التكوير 81:22
- التكوير 81:23
- التكوير 81:24
- التكوير 81:25
- التكوير 81:26
- التكوير 81:27
- التكوير 81:28
- التكوير 81:29
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:2
- الانفطار 82:3
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:8
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:10
- الانفطار 82:11
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:13
- الانفطار 82:14
- الانفطار 82:15
- الانفطار 82:16
- الانفطار 82:17
- الانفطار 82:18
- الانفطار 82:19
- المطففين 83:1
- المطففين 83:2
- المطففين 83:3
- المطففين 83:4
- المطففين 83:5
- المطففين 83:6
- المطففين 83:7
- المطففين 83:8
- المطففين 83:9
- المطففين 83:10
- المطففين 83:11
- المطففين 83:12
- المطففين 83:13
- المطففين 83:14
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:17
- المطففين 83:18
- المطففين 83:19
- المطففين 83:20
- المطففين 83:21
- المطففين 83:22
- المطففين 83:23
- المطففين 83:24
- المطففين 83:25
- المطففين 83:26
- المطففين 83:27
- المطففين 83:28
- المطففين 83:29
- المطففين 83:30
- المطففين 83:31
- المطففين 83:32
- المطففين 83:33
- المطففين 83:34
- المطففين 83:35
- المطففين 83:36
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:17
- البروج 85:18
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:4
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:8
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:12
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:15
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الأعلى 87:18
- الأعلى 87:19
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:7
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:10
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:24
- الغاشية 88:25
- الغاشية 88:26
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:5
- الفجر 89:6
- الفجر 89:7
- الفجر 89:8
- الفجر 89:9
- الفجر 89:10
- الفجر 89:11
- الفجر 89:12
- الفجر 89:13
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:16
- الفجر 89:17
- الفجر 89:18
- الفجر 89:19
- الفجر 89:20
- الفجر 89:21
- الفجر 89:22
- الفجر 89:23
- الفجر 89:24
- الفجر 89:25
- الفجر 89:26
- الفجر 89:27
- الفجر 89:28
- الفجر 89:29
- الفجر 89:30
المرسلات 77:1
﴿والمرسلات عرفاً﴾ أي : الرياح متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضها بعضاً ونصبها على الحال، هذا ما عليه الجمهور من أنها الرياح قال تعالى :﴿وأرسلنا الرياح﴾ [الحجر: ٢٢] وقال تعالى :﴿ويرسل الرياح﴾ [الأعراف: ٥٧]. وروى مسروق عن عبد الله قال : هي الملائكة أرسلت بالعرف من أمر الله تعالى ونهيه والخير والوحي، وهو قول أبي هريرة ومقاتل والكلبي، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هم الأنبياء عليهم السلام أرسلوا بلا إله إلا الله. وقال أبو صالح : هم الرسل ترسل بما يعرفون به من المعجزات. وقيل : المراد السحاب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت إليه ومن أرسلت إليه.
المرسلات 77:2
﴿فالعاصفات﴾ أي : الرياح الشديدة ﴿عصفاً﴾ أي : عظيماً بما لها من النتائج الصالحة، وقيل : الملائكة شبهت لسرعة جريها في أمر الله تعالى بالرياح، وقيل : الملائكة تعصف بروح الكافر يقال : عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه، وناقة عصوف أي : تعصف بركابها فتمضي كأنها ريح في السرعة، وعصفت الحرب بالقوم أي : ذهبت بهم. وقيل : يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف.
المرسلات 77:3
﴿والناشرات نشراً﴾ أي : الرياح اللينة تنشر المطر. وقال الحسن : هي الرياح التي يرسلها الله تعالى بين يدي رحمته، وقيل : الأمطار لأنها تنشر النبات بمعنى تحييه. وروي عن السدي أنها الملائكة تنشر كتب الله تعالى. وروى الضحاك أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد.
تنبيه : إنما قال الله تعالى ﴿والناشرات﴾ بالواو لأنه استئناف قسم آخر.
المرسلات 77:4
﴿فالفارقات فرقاً﴾ أي : الرياح تفرق السحاب وتبدده قاله مجاهد، وعن ابن عباس هي الملائكة تفرّق الأقوات والأرزاق والآجال، وقيل : هم الرسل فرّقوا بين ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه أي : بينوا ذلك، وقيل : آيات القرآن تفرّق بين الحق والباطل والحلال والحرام.
المرسلات 77:5
﴿فالملقيات ذكراً﴾ أي : الملائكة تنزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقيل : هو جبريل عليه السلام وحده سمي باسم الجمع تعظيماً.
فإن قيل : ما المناسبة على هذا بين الرياح والملائكة في القسم ؟ أجيب : بأنّ الملائكة روحانيون، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح.
وقيل : المراد به الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل عليهم، وذكراً مفعول به ناصبه الملقيات.
المرسلات 77:6
﴿عذراً أو نذراً﴾ مصدران من عذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوّف على فعل كالكفر والشكر. ويجوز أن يكون جمع عذير بمعنى المعذور، وجمع نذير بمعنى الإنذار، وبمعنى العاذر والمنذر. ونصبهما إمّا على البدل من ذكراً على الوجهين الأوّلين أو على المفعول له، وإمّا على الوجه الثالث، فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين. وقرأ ﴿أو نذراً﴾ نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة بضم الذال والباقون بسكونها.
المرسلات 77:7
وقوله تعالى :﴿إنما توعدون لواقع﴾ جواب القسم، ومعناه أنّ الذي توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة، وقال الكلبي : المراد أنّ كل ما توعدون به من الخير والشرّ لواقع.
المرسلات 77:8
ثم بين وقت وقوعه فقال تعالى :﴿فإذا النجوم﴾ أي : على كثرتها ﴿طمست﴾ أي : محي نورها أو ذهب نورها ومحقت ذواتها، وهو موافق لقوله تعالى :﴿انتثرت﴾ [الانفطار: ٢٠] و﴿انكدرت﴾ [التكوير: ٢] قال الزمخشري : ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور.
المرسلات 77:9
﴿وإذا السماء﴾ أي : على عظمها ﴿فرجت﴾ أي : فتحت وشققت فكانت أبواباً، والفرج الشق ونظيره ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١].
المرسلات 77:10
﴿وإذا الجبال﴾ أي : على صلابتها ﴿نسفت﴾ أي : ذهب بها كلها بسرعة من نسفت الشيء : إذا اختطفته، أو نسفت كالحب إذا نسف بالمنسف، ونحوه ﴿وبست الجبال بساً﴾ [الواقعة: ٥] ﴿وكانت الجبال كثيباً مهيلاً﴾ [المزمل: ١٤].
المرسلات 77:11
﴿وإذا الرسل﴾ أي : الذين أنذروا الناس ذلك اليوم فكُذبوا ﴿أقتت﴾ قال مجاهد والزجاج : المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي فيه يحضرون للشهادة على أممهم، أي : جمعت لميقات يومٍ معلومٍ وهو يوم القيامة، والوقت الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه، فالمعنى : جعل لها وقت أجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم كقوله تعالى :﴿يوم يجمع الله الرسل﴾ [المائدة: ١٠٩]. وقرأ أبو عمرو بواو مضمومة والباقون بهمزة مضمومة وهما لغتان، والعرب تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم : وكدت وأكدت.
المرسلات 77:12
وقوله تعالى :﴿لأي يوم﴾ أي : عظيم متعلق بقوله تعالى :﴿أجلت﴾ وهذه الجملة معمولة لقول مضمر أي : يقال لأي يوم أجلت، وهذا القول المضمر يجوز أن يكون جواباً لإذا وأن يكون حالاً من مرفوع ﴿أقتت﴾ أي : مقولاً فيها لأي يوم أجلت أي : أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم وتعجيب له.
المرسلات 77:13
وقوله تعالى :﴿ليوم الفصل﴾ بيان ليوم التأجيل. وقيل : اللام بمعنى إلى، ذكره مكي. قال ابن عباس : يوم فصل الرحمن بين الخلائق كقوله تعالى :﴿إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين﴾ [الدخان: ٤٠].
المرسلات 77:14
ثم أتبع هذا التعظيم تعظيماً آخر بقوله تعالى :﴿وما أدراك ما يوم الفصل﴾ أي : ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله في شدّته ومهابته، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين بين والباقون بالفتح.
المرسلات 77:15
ثم أتبعه تهويلاً ثالثاً بقوله تعالى :﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ يكون يوم الفصل ﴿للمكذبين﴾ أي : بذلك، قال القرطبي : ويل عذاب وخزي لمن كذب بالله تعالى وبرسله وكتبه وبيوم الفصل، وهو وعيد وكرّره في هذه السورة عند كل آية كأنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم، فإنّ لكل مكذب بشيء عذاباً سوى عذاب تكذيبه بشيء آخر، ورب شيء كذب به هو أعظم جرماً من تكذيبه لغيره ؛ لأنه أقبح في تعظيمه وأعظم في الردّ على الله تعالى، وإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك وعلى قدر وفاقه، وهو قوله تعالى :﴿جزاء وفاقاً﴾ [النبأ: ٢٦]. وقيل : كرره لمعنى تكرار التخويف والوعيد، وروي عن النعمان بن بشير قال : ويل واد في جهنم فيه ألوان العذاب، وقاله ابن عباس وغيره، وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال :«عرضت عليّ جهنم فلم أر فيها وادياً أعظم من الويل »، وروي أيضاً أنه مجمع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل الشيء فيما سفل من الأرض، وقد علم العباد في الدنيا أنّ شرّ المواضع ما استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسالات والجيف وماء الحمامات، فذكر أنّ الوادي مستنقع صديد أهل الكفر والشرك ليعلم العاقل أنه لا شيء أقذر منه قذارة ولا أنتن منه نتناً.
تنبيه : ويل مبتدأ، وسوّغ الابتداء به الدعاء، ويومئذ ظرف للويل وللمكذبين خبره. وقال الزمخشري : فإن قلت كيف وقع النكرة مبتدأ ؟ قلت : هو في أصله مصدر منصوب ساد مسدّ فعله لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ونحوه ﴿سلام عليكم﴾ [الرعد: ٢٤] واعترض بأنّ الذي ذكره ليس من المسوّغات التي ذكرها النحويون، وإنما المسوغ كونه دعاء وفائدة العدول إلى الرفع ما ذكره.
المرسلات 77:16
﴿ألم نهلك﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿الأوّلين﴾ من لدن آدم عليه السلام إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم كقوم نوح وعاد وثمود بتكذيبهم أي : أهلكناهم.
المرسلات 77:17
﴿ثم نتبعهم الآخرين﴾ أي : ممن كذبوا ككفار مكة فنهلكهم كما أهلكنا الأوّلين ونسلك بهم سبيلهم ؛ لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم.
المرسلات 77:18
﴿كذلك﴾ أي : مثل ذلك الفعل الشنيع ﴿نفعل بالمجرمين﴾ أي : بكل من أجرم فيما يستقبل إمّا بالسيف وإمّا بالهلاك.
المرسلات 77:19
﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ يوجد ذلك الفعل ﴿للمكذبين﴾ أي : بآيات الله وأنبيائه، قال البيضاوي : فليس تكراراً وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين بواحد لأنّ الويل الأوّل بعذاب الآخرة، وهذا للإهلاك في الدنيا مع أنّ التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب.
المرسلات 77:20
﴿ألم نخلقكم﴾ أي : أيها المكذبون بما لنا من العظمة التي لا تغيرها عظمة ﴿من ماء مهين﴾ أي : ضعيف حقير وهو المني، وهذا نوع آخر من تخويف الكفار وهو من وجهين : الأوّل : أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم وكل ما كان نعمه عليه أكثر كان جنايته في حقه أقبح وأفحش. الثاني : أنه تعالى ذكرهم أنه قادر على الابتداء، والقادر على الابتداء قادر على الإعادة، فكما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة لا جرم قال تعالى في حقهم :﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ وهذه الآية نظير قوله تعالى :﴿ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين﴾ [السجدة: ٨]. وقرأ كل القراء بإدغام القاف في الكاف وإبقاء الصفة ولهم أيضاً إدغام الصفة مع الحذف.
المرسلات 77:21
﴿فجعلناه﴾ أي : بما لنا من القدرة والعظمة بالإنزال للماء في الرحم ﴿في قرار﴾ أي : مكان ﴿مكين﴾ أي : حريز وهو الرحم.
المرسلات 77:22
﴿إلى قدر معلوم﴾ أي : وهو وقت الولادة، كقوله تعالى :﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] إلى قوله :﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ [لقمان: ٣٤].
المرسلات 77:23
﴿فقدرنا﴾ أي : ذلك دون غيرنا ﴿فنعم القادرون﴾ نحن، وقرأ نافع والكسائي بتشديد الدال فيصح على هذه القراءة أن يكون المعنى : فقدّرناه والباقون بالتخفيف، وقال عليّ كرم الله وجهه : ولا يبعد أن يكون المعنى في التخفيف والتشديد واحداً ؛ لأنّ العرب تقول : قدر وقدر عليه الموت.
المرسلات 77:24
﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ كان ذلك ﴿للمكذبين﴾ أي : بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة.
المرسلات 77:25
وقوله تعالى :﴿ألم نجعل﴾ أي : نصير بما شئنا بما لنا من العظمة ﴿الأرض كفاتاً﴾ مصدر كفت بمعنى ضم وعاء ضامّة.
المرسلات 77:26
﴿أحياء﴾ أي : على ظهرها في الدور وغيرها ﴿وأمواتاً﴾ أي : في بطنها في القبور وغيرها. وقيل : الأحياء والأموات ترجع إلى الأرض أي : الأرض منقسمة إلى حيّ وهو الذي ينبت، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت، وقيل : كفاتاً جمع كافت كصيام وقيام جمع صائم وقائم، وقال الخليل : تقليب الشيء ظهراً لبطن أو بطناً لظهر ويقال انكفت القوم إلى منازلهم، أي : انقلبوا، فمعنى الكفات أنهم يتصرّفون على ظهرها وينقلبون إليها فيدفعون فيها.
المرسلات 77:27
﴿وجعلنا﴾ أي : بما لنا من القدرة التامّة ﴿فيها﴾ أي : الأرض ﴿رواسي﴾ أي : جبالاً لولاها لمادت بأهلها، ومن العجائب مراسيها من فوقها خلافاً لمراسي السفن ﴿شامخات﴾ أي : مرتفعات جمع شامخ وهو المرتفع جدّاً، ومنه شمخ بأنفه إذا تكبر، جعل كناية عن ذلك كثنى العطف وصعر الخدّ، كما قال لقمان لابنه :﴿ولا تصعر خدّك للناس﴾ [لقمان: ١٨].
﴿وأسقيناكم﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿ماء﴾ أي : من الأنهار والعيون والغدران والآبار وغير ذلك ﴿فراتاً﴾ أي : عذباً تشربون منه ودوابكم وتسقون منه زرعكم، وهذه الأمور أعجب من البعث، روي في الأرض من الجنة سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة.
المرسلات 77:28
﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ تقوم الساعة ﴿للمكذبين﴾ أي : بأمثال هذه النعم.
المرسلات 77:29
وقوله تعالى :﴿انطلقوا﴾ على إرادة القول، أي : يقال للمكذبين يوم القيامة : انطلقوا. ﴿إلى ما كنتم به تكذبون﴾ من العذاب يعني : النار فقد شاهدتموها عياناً.
المرسلات 77:30
﴿انطلقوا إلى ظل﴾ أي : ظل دخان جهنم لقوله تعالى :﴿وظل من يحموم﴾ [الواقعة: ٤٣]. ﴿ذي ثلاث شعب﴾ أي : تشعب لعظمه كما يرى الدخان العظيم يتفرّق ذوائب. وقيل : يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق ويتشعب من دخانها ثلاث شعب فتظللهم حتى يفرغ حسابهم والمؤمنون في ظل العرش، وقيل : إن الشعب الثلاث : هي الضريع والزقوم والغسلين ؛ لأنها أوصاف النار.
المرسلات 77:31
وقوله تعالى :﴿لا ظليل﴾ أي : كنين يظلهم من حرّ ذلك اليوم تهكم بهم وردّ لما يوهم لفظ الظل. ﴿ولا يغني﴾ أي : ولا يردّ عنهم شيئاً ﴿من اللهب﴾ أي : لهب النار، فليس كالظل الذي يقي حرّ الشمس، وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين. واللهب ما يعلو على النار إذا اضطربت من أحمر وأصفر وأخضر.
المرسلات 77:32
﴿إنها﴾ أي : النار ﴿ترمي﴾ أي : من شدّة الاشتعال ﴿بشرر﴾ وهو ما تطاير من النار ﴿كالقصر﴾ أي : كل شررة كالقصر من البناء في عظمه وارتفاعه. قال ابن مسعود : يعني الحصون، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى :﴿ترمي بشرر كالقصر﴾ قيل : هي الخشب العظام المقطعة، قال : وكنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندّخرها للشتاء فكنا نسميها القصر. وقال سعيد بن جبير والضحاك : هي أصول النخل والشجر العظام واحدتها قصرة مثل جمرة وجمر.
المرسلات 77:33
وقوله تعالى :﴿كأنه﴾ أي : الشرر ﴿جمالات﴾ قرأه حمزة والكسائي وحفص بغير ألف بعد اللام على التوحيد والباقون بالألف على الجمع، جمع جمالة وهي التي قرأ بها أوّلاً وهي جمع جمل مثل حجارة وحجر. وقوله تعالى :﴿صفر﴾ جمع أصفر أي : في هيئتها ولونها. وفي الحديث «شرار النار أصفر كالقير » والعرب تسمي سود الإبل صفراً لشوب سوادها بصفرة، فقيل : صفر في الآية بمعنى سود لما ذكروا في شعر عمران بن حطان الخارجي :
دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم؍ بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى؍
قال الترمذيّ : وهذا القول ضعيف ومحال في اللغة أن يكون من يشوبه شيء قليل، فينسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب ممن قد قال هذا. وقد قال الله تعالى :﴿جمالات صفر﴾ فلا نسلم من هذا شيئاً في اللغة. وقيل : شبه الشرر بالجمالات لسرعة سيرها، وقيل : لمتابعة بعضها بعضاً.
المرسلات 77:34
﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ يكون ذلك ﴿للمكذبين﴾ أي : بهذه الأمور العظام.
المرسلات 77:35
﴿هذا﴾ أي : يوم القيامة ﴿يوم لا ينطقون﴾ أي : بشيء من فرط الدهشة والحيرة، وهذا نوع آخر من أنواع تخويف الكفار بين أنه ليس لهم عذر ولا حجة فيما أتوا به من القبائح وهذا في بعض المواقف، فإنّ يوم القيامة يوم طويل ذو مواطن ومواقيت ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت، ولذلك ورد الأمر أن في القرآن الكريم ففي بعضها يختصمون ويتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ينطقون.
وروى عكرمة أنّ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سأله ابن الأزرق عن قوله تعالى :﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ و﴿فلا تسمع إلا همساً﴾ [طه: ١٠٨] و﴿أقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ [الصافات: ٢٧] فقال : إنّ الله تعالى يقول :﴿وإنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [الحج: ٤٧] فإنّ لكل مقدار من هذه الأيام لوناً من هذه الألوان. وقال الحسن : فيه إضمار أي : هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة نافعة، فجعل نطقهم كلا نطق لأنه لا ينفع ولا يسمع، ومن نطق بما لا ينفع فكأنه ما نطق كما يقال لمن تكلم بكلام لا يفيد : ما قلت شيئاً. وقيل : إنّ هذا وقت جوابهم ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
المرسلات 77:36
﴿ولا يؤذن لهم﴾ أي : في العذر وقوله تعالى :﴿فيعتذرون﴾ عطف على يؤذن من غير تسبب عنه فهو داخل في حيز النفي أي : لا إذن فلا اعتذار.
المرسلات 77:37
﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ كان هذا الموقف ﴿للمكذبين﴾ أي : الذين لا تقبل منهم معذرة.
المرسلات 77:38
﴿هذا يوم الفصل﴾ وهذا نوع آخر من أنواع تهديد الكفار وتخويفهم أي : يقال لهم هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق فيتبين المحق من المبطل ﴿جمعناكم﴾ أيها المكذبون من هذه الأمّة بما لنا من العظمة ﴿والأوّلين﴾ من المكذبين قبلكم فتحاسبون وتعذبون جميعاً. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : جمع الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم والذين كذبوا النبيين من قبل.
المرسلات 77:39
وقوله تعالى :﴿فإن كان لكم كيد﴾ أي : حيلة في دفع العذاب عنكم ﴿فكيدون﴾ أي : فاحتالوا لأنفسكم وقاوون، ولن تجدوا ذلك تقريع لهم على كيدهم لدين الله تعالى وذويه وتسجيل عليهم بالعجب، وقيل : إنّ ذلك من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فيكون كقول هود عليه السلام ﴿فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون﴾ [هود: ٥٥].
المرسلات 77:40
﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ يقال لهم هذا الكلام فيكون زيادة في عذابهم ﴿للمكذبين﴾ أي : الراسخين في التكذيب في ذلك.
المرسلات 77:41
ثم ذكر ضد المكذبين بقوله تعالى :﴿إنّ المتقين﴾ أي : الذين اتقوا الشرك لأنهم في مقابلة المكذبين ﴿في ظلال﴾ أي : تكاثف أشجار إذ لا شمس يظل من حرّها ﴿وعيون﴾ أي : من ماء وعسل ولبن وخمر كما قال تعالى :﴿فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ [محمد: ١٥]. وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم العين والباقون بكسرها.
المرسلات 77:42
﴿وفواكه مما يشتهون﴾ في هذا إعلام بأن المأكل والمشرب في الجنة بحسب شهواتهم بخلاف الدنيا فبحسب ما يجد الناس في الأغلب.
المرسلات 77:43
وقوله تعالى :﴿كلوا واشربوا﴾ في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف الذي هو في ظلال أي : هم مستقرّون في ظلال مقولاً لهم ذلك.
وقوله تعالى :﴿هنيئاً﴾ حال أي : متهنئين ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كنتم تعملون﴾ من طاعات الله تعالى.
المرسلات 77:44
﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿كذلك﴾ أي : كما جزينا المتقين هذا الجزاء العظيم ﴿نجزي المحسنين﴾ أي : نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا.
المرسلات 77:45
﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين ﴿للمكذبين﴾ أي : يمحض لهم العذاب المخلد ضدّ النعيم المؤبد.
المرسلات 77:46
وقوله تعالى :﴿كلوا وتمتعوا﴾ خطاب للكفار في الدنيا ﴿قليلاً﴾ أي : من الزمان وغايته إلى الموت وهو زمان قليل لأنه زائل مع قصر مدّته في زمن الآخرة وفي هذا تهديد لهم، ويجوز أن يكون ذلك خطاباً لهم في الآخرة إيذاناً بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله تذكيراً بحالهم السمجة بما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك الخالد، وهذا ما جرى عليه الزمخشري أوّلاً وذكر الأول ثانياً، واقتصر الجلال المحلي على ما ذكرته أولاً وهو أولى. قال بعض العلماء : التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين، والسعي لها من أفعال الظالمين، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين، والسكون فيها على حد الإذن، والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين، والإعراض عنها من أفعال الزاهدين، وأهل الحقيقة أجل خطراً من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها.
ثم علل ذلك مؤكداً بقوله تعالى لأنهم ينكرون وصفهم بذلك :﴿إنكم مجرمون﴾ ففيه دلالة على أنّ كل مجرم يتمتع أياماً قلائل، ثم البقاء في الهلاك أبداً.
المرسلات 77:47
﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ تعذبون بإجرامكم ﴿للمكذبين﴾ حيث عرّضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل.
المرسلات 77:48
﴿وإذا قيل لهم﴾ أي : لهؤلاء المجرمين من أي : قائل كان ﴿اركعوا﴾ أي : صلوا الصلاة التي فيها الركوع كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وأطلقوه عليها تسمية لها باسم جزئها، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة ولأنه خاص بصلاة المسلمين ﴿لا يركعون﴾ أي : لا يصلون، قال الرازي : وهذا ظاهر لأنّ الركوع من أركانها، فبين تعالى أنّ هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون ويجوز أن يكون اركعوا بمعنى اخشعوا وتواضعوا لله بقبول وحيه واتباع دينه، واطرحوا هذا الاستكبار لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على استكبارهم، وأن يكون بمعنى اركعوا في الصلاة إذ روي أنها نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فقالوا : لا نجبي فإنها مسبة علينا فقال صلى الله عليه وسلم «لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود ». قال في القاموس : جبى تجبية وضع يديه على ركبتيه أو على الأرض أو انكب على وجهه، والتجبية أن تقوم قيام الراكع. واستدل بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأنهم حال كفرهم يستحقون الذم والعقاب بترك الصلاة ؛ لأنّ الله تعالى ذمهم حال كفرهم، وعلى أنّ الأمر للوجوب لأنّ الله تعالى ذمهم بمجرّد ترك المأمور به، وهو يدل على أنّ الأمر للوجوب.
فإن قيل : إنما ذمهم لكفرهم. أجيب بأنه تعالى ذمهم على كفرهم من وجوه إلا أنه تعالى إنما ذمهم في هذه الآية لتركهم المأمور به.
وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها.
المرسلات 77:49
﴿ويل يومئذ﴾ أي : إذ يكون الفصل ﴿للمكذبين﴾ أي : بما أمروا به.
المرسلات 77:50
قال الرازي : إنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى آخرها بهذه الوجوه العشرة المذكورة وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق ختم السورة بالتعجب من الكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل القطعية مع تجليها ووضوحها ﴿فبأي حديث بعده﴾ أي : القرآن ﴿يؤمنون﴾ أي : لا يمكن إيمانهم بغيره من كتب الله تعالى بعد تكذيبهم به لاشتماله على الإعجاز الذي لم يشتمل عليه غيره، واستدل بعض المعتزلة بهذه الآية على أنّ القرآن حادث لأن الله تعالى وصفه بأنه حديث والحديث ضد القديم والضدان لا يجتمعان، فإذا كان حديثاً وجب أن لا يكون قديماً. وأجيب : بأن المراد منه هذه الألفاظ ولا نزاع في أنها محدثة.
النبأ 78:1
وقوله تعالى :﴿عم﴾ أصله عن ما على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية وأدغمت النون في الميم وحذفت ألف ما، كقوله فيم واستعمال الأصل قليل. ومنه قول حسان :
على ما قام يشتمني لئيم؍ كخنزير تمرّغ في رماد؍
ومعنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن كأنه قال عن أي شيء ﴿يتساءلون﴾، ونحوه قولك : زيد ما زيد جعلته لانقطاع قرينه وعدم نظيره كأنه شيء خفي عليك، فأنت تسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره كما تقول : ما الغول، وما العنقاء تريد أي شيء هو من الأشياء هذا أصله، ثم جرد للعبارة عن التفخيم حتى وقع في كلام من لا تخفى عليه خافية، ولذا لما وقف البزي ألحق الميم هاء السكت بخلاف عنه، والضمير في يتساءلون لأهل مكة، كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم. وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون : ماذا جاء به محمد، ويسألون الرسول والمؤمنين عنه استهزاء، وقيل : الضمير للمسلمين والكافرين جميعاً وكانوا جميعاً يتساءلون عنه، أما المسلم فليزداد خشية واستعداداً، وأما الكافر فليزداد استهزاء.
النبأ 78:2
ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا ؟ فقال تعالى :﴿عن النبأ العظيم﴾ قال مجاهد والأكثرون : هو القرآن، دليله قوله تعالى :﴿قل هو نبأ عظيم﴾ [ص: ٦٧] وقال قتادة : هو البعث.
النبأ 78:3
فإن قيل : إذا كان الضمير يرجع للكافر، فكيف يكون قوله تعالى :﴿الذي هم﴾ أي : بضمائرهم مع ادعائهم أنها أقوى الضمائر ﴿فيه مختلفون﴾ مع أنّ الكفار كانوا متفقين على إنكار البعث ؟ أجيب : بأنا لا نسلم اتفاقهم على ذلك بل كان فيهم من يثبت المعاد الروحاني وهم جمهور النصارى، وأما المعاد الجسماني فمنهم من يقطع القول بإنكاره ومنهم من يشك، وأما إذا كان المتسائل عنه القرآن فقد اختلفوا فيه كثيراً وقيل : المتسائل عنه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
النبأ 78:4
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع للمتسائلين هزؤاً، ﴿سيعلمون﴾ ما يحل بهم على إنكارهم له.
النبأ 78:5
وقوله تعالى :﴿ثم كلا سيعلمون﴾ تأكيد وجيء فيه بثم للإيذان بأن الوعيد الثاني أشدّ من الأول. وقال الضحاك : الأولى للكفار والثانية للمؤمنين، أي : سيعلم الكافرون عاقبة تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم.
النبأ 78:6
ثم أومأ تعالى إلى القدرة على البعث بقوله تعالى :﴿ألم نجعل﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿الأرض مهاداً﴾ أي : فراشاً كالمهد للصبيّ وهو ما يمهد له فينوّم عليه تسمية للممهود بالمصدر كضرب الأمير.
النبأ 78:7
﴿والجبال﴾ أي : التي تعرفون شدّتها وعظمها. ﴿أوتاداً﴾ أي : تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد، والاستفهام للتقرير، فيستدل بذلك على قدرته على جميع الممكنات. وإذا ثبت ذلك ثبت القول بصحة البعث، وإنه قادر على تخريب الدنيا بسماواتها وكواكبها وأرضها وعلى إيجاد عالم الآخرة.
تنبيه : مهاداً مفعول ثان لأنّ الجعل بمعنى التصيير، ويجوز أن يكون بمعنى الخلق فتكون حالاً مقدّرة.
النبأ 78:8
﴿وخلقناكم﴾ أي : بما دل على ذلك من مظاهر العظمة ﴿أزواجاً﴾ أي : أصنافاً ذكوراً وإناثاً وقيل : ألواناً.
النبأ 78:9
﴿وجعلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿نومكم سباتاً﴾ أي : راحة لأبدانكم. قال الزجاج : السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. وقيل : معناه جعلنا نومكم قطعاً لأعمالكم وقيل : المسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن الحركة والنوم أحد التوفيتين.
النبأ 78:10
وقوله تعالى :﴿وجعلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿الليل﴾ أي : بعد ذهاب الضياء حتى كأنه لم يكن ﴿لباساً﴾ فيه استعارة أي : يستركم عن العيون بظلمته كما إذا أردتم هرباً من عدوّ أو بياتاً له أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور. قال الشاعر :
وكم لظلام الليل عندي من يد؍ تخبر أنّ المانوية تكذب؍
النبأ 78:11
ولما جعل النوم موتاً جعل اليقظة معاشاً فقال تعالى :﴿وجعلنا﴾ أي : بما لنا من القدرة التامّة ﴿النهار﴾ أي : الذي آيته الشمس ﴿معاشاً﴾ أي : حياة تبعثون فيه عن نومكم، أو وقت معاش تتقلبون فيه في حوائجكم ومكاسبكم لتحصيل ما تعيشون به فمعاشاً على هذا اسم زمان.
النبأ 78:12
﴿وبنينا﴾ بما لنا من الملك التامّ ﴿فوقكم سبعاً﴾ أي : سبع سماوات وقوله تعالى :﴿شداداً﴾ جمع شديدة أي : قوية محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان لا فطور فيها ولا فروج. ونظيره قوله تعالى :﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢].
النبأ 78:13
﴿وجعلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة مما لا يقدر عليه غيرنا ﴿سراجاً﴾ أي : منيراً متلألئاً ﴿وهاجاً﴾ أي : وقاداً وهي الشمس.
النبأ 78:14
﴿وأنزلنا﴾ أي : بما لنا من كمال الأوصاف ﴿من المعصرات﴾ أي : السحاب إذا أعصرت أي : شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك : أجز الزرع أي : حان أن يجز، وأعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض.
وعن الحسن وقتادة : هي السماوات، وتأويله أنّ الماء ينزل من السماء إلى السحاب فكأنّ السماوات عصرن. وقيل : من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب. وقيل : الرياح ذوات الأعاصير، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه. ﴿ماء ثجاجاً﴾ أي : منصباً بكثرة يقال : ثجه وثج بنفسه. وفي الحديث :«أفضل الحج العج والثج » أي : رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مثجاً يسيل غرباً، يعني : يثج الكلام ثجاً في خطبته.
النبأ 78:15
﴿لنخرج﴾ أي : بعظمتنا التي ربطنا بها المسببات بالأسباب ﴿به﴾ أي : بذلك الماء ﴿حباً﴾ أي : نجماً ذا حب مما يتقوّت به كالحنطة والشعير والأرز ﴿ونباتاً﴾ أي : ما يعتلف به كالتبن والحشيش، كما قال تعالى :﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ [طه: ٥٤] ﴿والحب ذو العصف والريحان﴾ [الرحمن: ١٢].
النبأ 78:16
﴿وجنات﴾ أي : بساتين تجمع أنواع الأشجار والنبات المقتات وغيره ﴿ألفافاً﴾ أي : ملتفة بالشجر جمع لفيف كشريف وأشراف. وقيل : هو جمع الجمع، يقال : جنة لفاء وجمعها لف بضم اللام وجمع الجمع ألفاف. وقيل : لا واحد له كالأوزاع والأخياف. وقيل : الواحد لف. قال صحاب الإقليد أنشدني الحسن بن علي الطوسي :
جنة لف وعيش مغدق؍ وندامى كلهم بيض زهر؍
وقال الزمخشري : ولو قيل : هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولاً وجيهاً.
النبأ 78:17
﴿إن يوم الفصل﴾ أي : بين الخلائق ﴿كان﴾ أي : في علم الله تعالى وفي حكمه كوناً لا بدّ منه ﴿ميقاتاً﴾ أي : وقتاً للثواب والعقاب، أو وقتاً توقت به الدنيا وتنتهي عنده مع ما فيها من الخلائق.
النبأ 78:18
وقوله تعالى :﴿يوم ينفخ في الصور﴾ أي : القرن بدل من يوم الفصل أو بيان له، والنافخ إسرافيل عليه السلام أو من أذن الله تعالى له في ذلك ﴿فتأتون﴾ أي : بعد القيام من القبور إلى الموقف ﴿أفواجاً﴾ أي : جماعات مختلفة.
وعن معاذ أنه سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه باكياً، وقال : تحشر عشرة أصناف من أمّتي، بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمياً، وبعضهم صماً بكماً، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم، يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.
ثم فسر هؤلاء بقوله : فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني : النمام، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، وأما المنكبون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم فعلهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ويمنعون حق الله تعالى في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء » ا. ه. وقد تكلم في صحة هذا الحديث نعوذ بالله تعالى من هؤلاء ونسأله التوفيق لنا ولأحبابنا، فإنه كريم جواد لا يردّ من سأله.
النبأ 78:19
﴿وفتحت السماء﴾ أي : شققت لنزول الملائكة ﴿فكانت أبواباً﴾ فإن قيل : هذه الآية تقتضي أنّ السماء بجملتها تصير أبواباً ؟ أجيب : بوجوه أوّلها : أنّ تلك الأبواب لما كثرت صارت كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة، كقوله تعالى :﴿وفجرنا الأرض عيوناً﴾ [القمر: ١٢] كأنّ كلها عيون تتفجر.
ثانيها : أنه على حذف مضاف، أي : فكانت ذات أبواب. ثالثها : أن الضمير في قوله تعالى :﴿فكانت أبواباً﴾ يعود إلى مضمر، والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً، وقيل : الأبواب الطرق والمسالك أي : تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقاً لا يسدها شيء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف التاء بعد الفاء والباقون بتشديدها.
النبأ 78:20
﴿وسيرت الجبال﴾ أي : ذهب بها عن أماكنها ﴿فكانت سراباً﴾ أي : لا شيء كما أنّ السراب كذلك يظنه الرائي ماء وليس بماء، قال الرازي : إنّ الله تعالى ذكر أحوال الجبال بوجوه مختلفة ويمكن الجمع بينها بأن نقول أول أحوالها الاندكاك وهو قوله تعالى :﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة: ١٤] والحالة الثانية : أن تصير كالعهن المنفوش وهو قوله تعالى :﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] والحالة الثالثة : أن تصير كالهباء وهو قوله تعالى :﴿وبست الجبال بساً ٥ فكانت هباء منبثاً﴾ [ الواقعة : ٥ ٦ ] الحالة الرابعة : أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدّمة قارة في مواضعها فترسل عليها الرياح فتنسفها عن وجه الأرض، فتطيرها في الهواء وهو قوله تعالى :﴿ويسألونك عن الجبال قل ينسفها ربي نسفاً﴾ [طه: ١٠٥]
الحالة الخامسة : أن تصير سراباً أي : لا شيء كما يرى السراب من بعد. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ بإدغام تاء التأنيث في السين والباقون بالإظهار.
النبأ 78:21
﴿إنّ جهنم﴾ أي : النار التي تلقى أصحابها متجهمة لهم بغاية ما يكرهون ﴿كانت مرصاداً﴾ أي : ترصد الكفار أو موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار أو خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مرورهم عليها، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عند أوّلها عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاماً جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج فإن جاء به تاماً جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا فيقال : انظروا إن كان له تطوّع أكملوا أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
النبأ 78:22
وأما الكافر فهو مستمرّ فيها كما قال تعالى :﴿للطاغين﴾ أي : الكافرين ﴿مآبا﴾ أي : مرجعاً يرجعون إليه.
النبأ 78:23
وقرأ حمزة ﴿لابثين فيها﴾ بغير ألف بين اللام والباء الموحدة والباقون بألف وهما لغتان والأولى أبلغ قاله البيضاوي.
وقوله تعالى :﴿أحقاباً﴾ جمع حقب والحقب الواحد ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً كل شهر ثلاثون يوماً كل يوم ألف سنة، روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال مجاهد : الأحقاب ثلاثة وأربعون حقباً. وقال الحسن : إنّ الله تعالى لم يجعل لأهل النار مدّة بل قال :﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر إلى الأبد، فليس للأحقاب عدّة إلا الخلود، روي عن عبد الله أنه قال : لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا و لو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصى الدنيا لحزنوا. وقال مقاتل بن حبان : الحقب الواحد سبعة عشر ألف سنة. قال : وهذه الآية منسوخة نسختها ﴿فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ [النبأ: ٣٠] يعني : أنّ العدد قد ارتفع والخلود قد دخل وعلى تقدير عدم النسخ فهو من قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار، ويجوز أن يراد ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾.
النبأ 78:24
﴿لا يذقون﴾ أي : غير ذائقين ﴿فيها﴾ أي : النار ﴿برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً﴾ ثم يبدّلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب، ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأ الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب فيتنصب حالاً عنهم يعني : لابثين فيها حقبين جهدين، وقوله تعالى :﴿لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً﴾ تفسير له والاستثناء منقطع يعني : لا يذوقون فيها برداً. قال عطاء والحسن : أي : راحة وروحاً، أي : ينفس عنهم حرّ النار ولا شراباً يسكن من عطشهم ولكن يذوقون فيها حميماً أي : ماء حارًّا غاية الحرارة وغساقاً وهو ما يسيل من صديد أهل النار فإنهم يذوقونه وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ البرد النوم ومثله، قال الكسائي وأبو عبيدة : تقول العرب منع البرد البرد أي : أذهب البرد النوم، قال الشاعر :
فلو شئت حرمت النساء سواكم؍ وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا؍
وقرأ حمزة والكسائيّ وجعفر بتشديد السين والباقون بتخفيفها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الغساق الزمهرير يحرقهم ببرده.
النبأ 78:25
﴿لا يذقون﴾ أي : غير ذائقين ﴿فيها﴾ أي : النار ﴿برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً﴾ ثم يبدّلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب، ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأ الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب فيتنصب حالاً عنهم يعني : لابثين فيها حقبين جهدين، وقوله تعالى :﴿لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً﴾ تفسير له والاستثناء منقطع يعني : لا يذوقون فيها برداً. قال عطاء والحسن : أي : راحة وروحاً، أي : ينفس عنهم حرّ النار ولا شراباً يسكن من عطشهم ولكن يذوقون فيها حميماً أي : ماء حارًّا غاية الحرارة وغساقاً وهو ما يسيل من صديد أهل النار فإنهم يذوقونه وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ البرد النوم ومثله، قال الكسائي وأبو عبيدة : تقول العرب منع البرد البرد أي : أذهب البرد النوم، قال الشاعر :
فلو شئت حرمت النساء سواكم؍ وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا؍
وقرأ حمزة والكسائيّ وجعفر بتشديد السين والباقون بتخفيفها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الغساق الزمهرير يحرقهم ببرده.
النبأ 78:26
جوزوا بذلك ﴿جزاء وفاقاً﴾ أي : موافقاً لعملهم قال مقاتل : وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الكفر ولا عذاب أعظم من النار.
النبأ 78:27
وقوله تعالى :﴿إنهم كانوا لا يرجون حساباً﴾ بيان لما وافقه هذا الجزاء أي : لا يخافون أن يحاسبوا. والمعنى : أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا أنهم يحاسبون.
النبأ 78:28
﴿وكذبوا بآياتنا﴾ أي : بما جاءت به الأنبياء عليهم السلام، وقيل : القرآن وقرأ ﴿كذاباً﴾ غير الكسائيّ بالتشديد أي : تكذيباً، قال الفراء : وهي لغة يمانية فصيحة يقولون في مصدر التفعيل فعال. وقال الزمخشري : وفعال في باب فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره، وسمعني بعضهم أفسر آية فقال : لقد فسرتها فساراً ما سمع بمثله. وقرأ الكسائيّ بالتخفيف مصدر كذب بدليل قول الشاعر :
فصدقته وكذبتها؍ والمرء ينفعه كذابه؍
قال الزمخشري : وهو مثل قوله :﴿أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [نوح: ١٧] يعني : وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً، أو تنصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا ؛ لأنه كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة، أو كذبوا بها مكاذبين لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر فبلغ فيه أقصى جهده.
النبأ 78:29
﴿وكل شيء﴾ أي : من الأعمال وغيرها ﴿أحصيناه﴾ أي : ضبطناه، وقوله تعالى :﴿كتاباً﴾ فيه وجهان أحدهما : أنه مصدر في موضع إحصاء والإحصاء والكتب يتشاركان في معنى الضبط، ثانيهما : أن يكون حالاً بمعنى مكتوباً في اللوح المحفوظ كقوله تعالى :﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: ١٢]. وقيل : أراد ما تكتبه الملائكة الموكلون بالعباد بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة لقوله تعالى :﴿وإن عليكم لحافظين ١٠ كراماً كاتبين﴾ [ الانفطار : ١٠ ١١ ] والجملة اعتراض.
النبأ 78:30
وقوله تعالى :﴿فذوقوا فلن نزيدكم﴾ أي : شيئاً من الأشياء في وقت من الأوقات ﴿إلا عذاباً﴾ تسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، قال الرازي : وفي هذه الآية مبالغات منها لن للتأكيد ومنها الالتفات، ومنها إعادة قوله تعالى :﴿فذوقوا﴾ بعد ذكر العذاب، قال أبو بردة : سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أشدّ آية في القرآن ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :«قوله تعالى :﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ » أي :﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب﴾ [النساء: ٥٦] و﴿كلما خبت زدناهم سعيراً﴾ [الإسراء: ٩٧]. .
النبأ 78:31
ولما ذكر تعالى ما للكافرين أتبعه بذكر ما للمؤمنين فقال تعالى :﴿إنّ للمتقين مفازاً﴾ أي : مكان فوز في الجنة.
النبأ 78:32
وقوله تعالى :﴿حدائق﴾ أي : بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من مفازاً بدل الاشتمال أو البعض أو بيان له وقوله تعالى :﴿وأعناباً﴾ أي : كروماً عطف على مفازاً.
النبأ 78:33
﴿وكواعب﴾ أي : جواري تكعب ثديهنّ جمع كاعب ﴿أتراباً﴾ أي : على سنّ واحد جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء وقيل : الأتراب اللدات.
النبأ 78:34
﴿وكأساً دهاقاً﴾ أي : خمراً مالئة محالها وفي القتال ﴿وأنهار من خمر﴾ والدهاق المترعة ودهق الحوض ملأه حتى قال : قطني، وقال ابن عباس : مترعة مملوءة. وقال عكرمة : صافية.
النبأ 78:35
﴿لا يسمعون فيها﴾ أي : الجنة في وقت ما عند شرب الخمر وغيره من الأحوال ﴿لغواً﴾ أي : لغطاً يستحق أن يلغى بأن يكون ليس له معنى، وقوله تعالى :﴿ولا كذاباً﴾ قرأه بالتخفيف الكسائي وبالتشديد الباقون، أي : تكذيباً من واحد لغيره بخلاف ما يقع في الدنيا عند شرب الخمر.
النبأ 78:36
﴿جزاء من ربك﴾ أي : المحسن إليك بما أعطاك جزاهم بذلك جزاء. وقوله تعالى :﴿عطاء﴾ بدل من جزاء وهو اسم مصدر وجعله الزمخشري منصوباً بجزاء نصب المفعول به، وردّه أبو حيان بأنه جعل جزاء مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة التي هي ﴿إنّ للمتقين﴾ قال : والمصدر المؤكد لا يعمل لأنه لا ينحل لحرف مصدري والفعل ولا نعلم في ذلك خلافاً ﴿حساباً﴾ أي : كافياً وافياً يقال : أحسبت فلاناً أي : أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي. وقال ابن قتيبة أي : عطاء كثيراً، وقيل : جزاء بقدر أعمالهم.
النبأ 78:37
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن﴾ برفع رب والرحمن وابن عامر وعاصم بخفضهما والآخران بخفض الأول ورفع الثاني.
أما رفعهما فمن أوجه : أحدها : أن يكون رب خبر مبتدأ مضمر أي : هو رب والرحمن كذلك، أو مبتدأ خبره لا يملكون، ثانيها : أن يجعل رب مبتدأ والرحمن خبره، ولا يملكون خبراً ثانياً أو مستأنفاً، ثالثها : أن يكون ربّ مبتدأ والرحمن نعته، ولا يملكون خبر رب. رابعها : أن يكون رب مبتدأ والرحمن مبتدأ ثانٍ ولا يملكون خبره، والجملة خبر الأوّل، وحصل الربط بتكرير المبتدأ بمعناه وهو رأي الأخفش، ويجوز أن يكون لا يملكون حالاً وتكون لازمة.
وأما جرّهما فعلى البيان والنعت أو يجعل رب السماوات تابعاً للأوّل والرحمن تابعاً للثاني، وأما جرّ الأوّل فعلى التبعية للأوّل. ورفع الثاني، فعلى الابتداء والخبر الجملة الفعلية وهي لا يملكون أي : الخلق. ﴿منه﴾ أي : من الله تعالى ﴿خطاباً﴾ والضمير في لا يملكون لأهل السماوات والأرض أي : ليس في أيديهم ما يخاطب به الله، ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرّف الملاك، فيزيدون فيه أو ينقصون منه أولا يملكون أن يخاطبوا بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه.
النبأ 78:38
وقوله تعالى :﴿يوم﴾ متعلق بلا يملكون أو لا يتكلمون ﴿يقوم الروح والملائكة﴾ وقوله تعالى :﴿صفاً﴾ حال أي : مصطفين، والروح أعظم خلقاً من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هو ملك عظيم ما خلق الله تعالى بعد العرش خلقاً أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفاً وقامت الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثلهم، وقال الشعبي : هو جبريل عليه السلام، وقيل : ملك موكل على الأرواح.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : الروح ملك أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة وهو في السماء الرابعة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق من كل تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفاً وحده.
وقال مجاهد وقتادة رضي الله عنهم : الروح خلق على صورة بني آدم وليسوا بناس يقومون صفاً والملائكة صفاً هؤلاء جند وهؤلاء جند. وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا معه واحد منهم، وقال الحسن رضي الله عنه : هو بنو آدم ورواه قتادة عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال : هذا ما كان يكتمه ابن عباس، وقيل : هو جند من جنود الله تعالى ليسوا ملائكة، لهم رؤوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام. وقيل : أرواح بني آدم، وقال زيد بن أسلم : هو القرآن، وقرأ ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢] وإذا كان هؤلاء ﴿لا يتكلمون﴾ وهم من أفضل الخلق وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه تعالى لا يملكون التكلم، فما ظنك بمن عداهم من أهل السماوات والأرض، ويجوز رجوع الضمير للخلق أجمعين.
﴿إلا من أذن له﴾ أي : في الكلام إذناً خاصاً ﴿الرحمن﴾ أي : الملك الذي لا تكون النعمة إلا منه ﴿وقال﴾ قولاً ﴿صواباً﴾ في الدنيا أي : حقاً من المؤمنين والملائكة وهما شريطتان : أن يكون المتكلم مأذوناً له في الكلام، وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى. لقوله تعالى :﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]
وقيل : القول الصواب لا إله إلا الله.
النبأ 78:39
﴿ذلك﴾ أي : المشار إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلوّ منزلته ﴿اليوم الحق﴾ أي : الكائن لا محالة وهو يوم القيامة ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه﴾ أي : المحسن إليه ﴿مآباً﴾ أي : مرجعاً وسبيلاً لطاعته ليسلم من العذاب في ذلك اليوم، فإنّ الله تعالى جعل لهم قوة واختياراً، ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء إلا بمشيئة الله تعالى.
النبأ 78:40
﴿إنّا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿أنذرناكم﴾ أي : يا كفار مكة ﴿عذاباً قريباً﴾ أي : عذاب يوم القيامة الآتي وكل آت قريب، وقوله تعالى :﴿يوم﴾ ظرف لعذاباً بصفته ﴿ينظر المرء﴾ أي : كل امرئ سواء كان مؤمناً أو كافراً نظراً لا مرية فيه ﴿ما﴾ أي : الذي ﴿قدمت يداه﴾ أي : كسبه في الدنيا من خير وشرّ، وقال الحسن رضي الله عنه : أراد بالمرء المؤمن أي : يجد لنفسه عملاً، وأما الكافر فلا يجد لنفسه عملاً فيتمنى أن يكون تراباً، ولأنه تعالى قال :﴿ويقول الكافر﴾ فعلم أنه أراد بالمرء المؤمن وقيل : هو الكافر لقوله تعالى :﴿إنا أنذرناكم﴾ فيكون الكافر ظاهراً وضع موضع الضمير لزيادة الذمّ. ومعنى ﴿ما قدّمت يداه﴾ من الشرّ كقوله تعالى :﴿ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ٩ ذلك بما قدمت يداك﴾ [ الحج : ٩ ١٠ ] وما يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدّمت أي : ينظر أي شيء قدّمت يداه أو موصولة منصوبة بينظر يقال : نظرته بمعنى نظرت إليه والراجع إلى الصلة محذوف.
وقال مقاتل رضي الله عنه : نزل قوله تعالى :﴿يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه﴾ في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، و ﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً﴾ في أخيه الأسود بن عبد الأسد وقال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول : الكافر هنا إبليس، وذلك أنه عاب آدم عليه السلام بأنه خلق من تراب وافتخر بأنه خلق من نار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب والراحة ورأى ما هو فيه من الشدّة والعذاب تمنى أنه كان بمكان آدم فيقول ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾. قال : ورأيته في بعض التفاسير.
قال البغويّ : قال أبو هريرة رضي الله عنه فيقول التراب : لا ولا كرامة لكل من جعلك مثلي. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان ثم يقال للبهائم والطير : كونوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ أي : فلا أعذب وقيل : معنى ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ أي : لم أبعث. وقال أبو الزناد : إذا قضي بين الناس وأمر بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجنّ : عودوا تراباً فيعودون تراباً فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم :﴿يا ليتني كنت تراباً﴾، وقال ليث بن أبي سليم مؤمنو الجنّ يعودون تراباً. وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وغيرهما : مؤمنو الجنّ حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها، والذي عليه الأكثر أنهم مكلفون مثابون ومعاقبون كبني آدم، وقيل : يحشر الله تعالى الحيوان غير مكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يردّه تراباً فيودّ الكافر حاله.
النازعات 79:1
﴿والنازعات﴾ أي : الملائكة تنزع أرواح الكفار ﴿غرقاً﴾ أي : تنزع أرواحهم من أجسادهم بشدّة كما يغرق النازع في القوس ليبلغ بها غاية المدّ بعدما نزعها، حتى إذا كادت تخرج ردّها إلى جسده فهذا عملهم بالكفار. وقال عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما : يريد نفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم من تحت كل شعرة ومن تحت الأظافير وأصول القدمين نزعاً كالسفود ينزع من الصوف الرطب، ثم يغرقها أي : يرجعها إلى أجسادهم ثم ينزعها، فهذا عمله في الكفار.
وقال السدّي رضي الله عنه : والنازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور، وقال مجاهد رضي الله عنه : هي الموت ينزع النفوس. وقال الحسن وقتادة رضي الله عنهم : هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب. وقال عطاء وعكرمة رضي الله عنهم : هي النفوس، وقيل : الغزاة.
تنبيه : غرقاً يجوز أن يكون مصدراً على حذف الزوائد بمعنى إغراقاً، وانتصابه بما قبله لملاقاته في المعنى، وأن يكون على الحال أي : ذوات إغراق. يقال : أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل وبلغ أقصى غايته.
النازعات 79:2
﴿والناشطات نشطاً﴾ أي : الملائكة تنشط أرواح المؤمنين أي : تسلها برفق فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنه.
وفي الحديث :«كأنما نشط من عقال ». وعن ابن عباس رضي الله عنهما :«هي أنفس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت لما ترى من الكرامة ؛ لأنّ الجنة تعرض عليهم قبل الموت ». وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه :«هي الملائكة تنشط أرواح الكفار مما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أفواههم بالكد والغم » والنشط الجذب والنزع، يقال : نشط الدنو نشطاً انتزعها ». وقال السدّي رضي الله عنه : هي النفس تنشط من بين القدمين، أي : تجذب، وقال قتادة رضي الله عنه : هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي : تذهب. يقال : نشط من بلد إلى بلد إذا خرج في سرعة، ويقال حمار ناشط ينشط من بلد إلى بلد. وقال الجوهري : يعني النجوم تنشط من برج إلى برج، كالثور الناشط من بلد إلى بلد.
النازعات 79:3
﴿والسابحات سبحاً﴾ أي : الملائكة تسبح من السماء بأمره أي : ينزلون من السماء مسرعين كالفرس الجواد. يقال له : سابح إذا أسرع في جريه، وقال عليّ رضي الله عنه : هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين. قال الكلبي : كالذي يسبح في الماء، فأحياناً ينغمس وأحياناً يرتفع يسلونها سلاً رفيقاً بسهولة، ثم يدعونها حتى تستريح. وعن مجاهد رضي الله عنه : السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم. وقال قتادة والحسن رضي الله عنهم : هي النجوم تسبح في أفلاكها، وكذا الشمس والقمر، قال تعالى :﴿كل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]. وقال عطاء : هي السفن في الماء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أرواح المؤمنين تسبح شوقاً إلى لقاء الله تعالى ورحمته حتى تخرج، وقيل : هي خيل الغزاة، قال عنترة :
والخيل تعلم حين تس؍ بح في حياض الموت سبحا؍
النازعات 79:4
﴿فالسابقات سبقاً﴾ أي : الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقال مجاهد رضي الله عنه : هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وقال ابن مسعود رضي الله عنه : هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها شوقاً إلى لقاء الله تعالى وكرامته، وقد عاينت السرور. وقال قتادة رضي الله عنه : هي النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير. وقال عطاء : هي الخيل التي تسبق في الجهاد، وقيل : هي ما يسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار. قال الجرجاني : ذكر السابقات بالفاء لأنها مسببة عن الذي قبلها، أي : واللاتي يسبحن فيسبقن.
النازعات 79:5
قال الواحدي : وهذا غير مطرد في قوله تعالى :﴿فالمدبرات أمراً﴾ أي : الملائكة تدبر أمر الدنيا، أي : تنزل بتدبيره. قال الرازي : ويمكن الجواب بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : المدبرات هي الملائكة وكلوا بأمور عرّفهم الله تعالى العمل بها.
قال عبد الرحمن بن سابط : يدبر الأمر في الدنيا أربعة من الملائكة : جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل عليهم السلام، فأما جبريل فوكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وليس في الملائكة أقرب منه وبينه وبين العرش خمسمائة عام. وقيل : هي الكواكب السبع، حكي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
وفي تدبيرها بالأمور وجهان : أحدهما تدبير طلوعها وأفولها، والثاني في تدبير ما قضى الله تعالى فيها من تقليب الأحوال أقسم سبحانه وتعالى بهذه الأمور على قيام الساعة والبعث، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وأما العباد فلا يصح لهم أن يقسموا بغير الله تعالى وصفاته.
النازعات 79:6
وقوله تعالى :﴿يوم ترجف﴾ أي : تضطرب اضطراباً كثيراً مزعجاً ﴿الراجفة﴾ أي : الصيحة منصوب بالجواب، أي : لتبعثنّ يا كفار مكة ﴿يوم ترجف الراجفة﴾ وهي النفخة الأولى بها يرجف كل شيء، أي : يتزلزل ويتحرّك لها كل شيء، ويموت منها جميع الخلائق فوصفت بما يحدث منها.
النازعات 79:7
﴿تتبعها الرادفة﴾ أي : الصيحة التابعة لها وهي النفخة الثانية، ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة، والجملة حال من الراجفة واليوم واسع للنفختين وغيرهما، فصح ظرفيته للبعث الواقع عقيب الثانية. وقال قتادة رضي الله عنه : هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله سبحانه وتعالى، وقال عطاء : الراجفة القيامة والرادفة البعث. روي عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال : يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه ».
النازعات 79:8
﴿قلوب يومئذ﴾ أي : إذ قام الخلائق بالصيحة التابعة للأولى ﴿واجفة﴾ أي : خائفة قلقة مضطربة من الوجيف وهو صفة القلوب، وقال مجاهد رضي الله عنه : وجلة. وقال السدّي : زائلة عن أماكنها، نظيره ﴿إذ القلوب لدى الحناجر﴾ [غافر: ١٨].
النازعات 79:9
﴿أبصارها﴾ أي : أبصار أصحابها، فهو من الاستخدام ﴿خاشعة﴾ أي : ذليلة من الخوف، ولذا أضافها إلى القلوب، كقوله تعالى :﴿خاشعين من الذل﴾ [الشورى: ٤٥].
النازعات 79:10
﴿يقولون﴾ أي : أرباب القلوب والأبصار في الدنيا استهزاء وإنكاراً للبعث ﴿أئنا لمردودون﴾ أي : بعد الموت ﴿في الحافرة﴾ أي : في الحياة التي كنا فيها قبل الموت، وهي حالتنا الأولى، فنصير أحياء بعد الموت كما كنا، تقول العرب : رجع فلان في حافرته، أي : رجع من حيث جاء، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء وأوّل الشيء. وقال بعضهم : الحافرة وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم، سميت حافرة بمعنى المحفورة. كقوله تعالى :﴿عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١] أي : مرضية، وقيل : سميت حافرة لأنها مستقرّ الحوافر، أي : إنا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقاً جديداً نمشي عليها، وقال ابن زيد : الحافرة النار.
النازعات 79:11
﴿أئذا كنا﴾ أي : كوناً صار جبلة لنا. ﴿عظاماً نخرة﴾ أي : بالية متفتتة نحيى بعد ذلك، وقرأ : أئنا وإذا نافع وابن عامر والكسائي بالاستفهام في الأوّل والخبر في الثاني، والباقون بالاستفهام فيهما، وسهل نافع وابن كثير وأبو عمرو والباقون بالتحقيق، وأدخل بين الهمزتين قالون وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه ألفاً والباقون بغير إدخال.
وقرأ ﴿نخرة﴾ حمزة وشعبة والكسائي بالألف بعد النون والباقون بغير ألف، وهما لغتان، مثل : الطمع والطامع، والحذر والحاذر، معناهما البالية، وفرق قوم بينهما فقالوا : النخرة البالية، والنخرة المجوّفة التي تمر فيها الريح فتنخر أي : تصوّت.
النازعات 79:12
﴿قالوا﴾ أي : المنكرون للبعث ﴿تلك﴾ أي : رجعتنا العجيبة إلى الحياة ﴿إذاً﴾ أي : إن صحت ﴿كرّة﴾ أي : رجعة ﴿خاسرة﴾ أي : ذات خسران أو خسار أصحابها، والمعنى : إن صحت فنحن إذاً خاسرون بتكذيبنا وهو استهزاء منهم. وعن الحسن رضي الله عنه أن خاسرة بمعنى كاذبة، أي : ليست كائنة.
النازعات 79:13
قال الله تعالى :﴿فإنما هي﴾ أي : الرادفة التي يتبعها البعث ﴿زجرة﴾ أي : صيحة بانتهار تتضمن الأمر بالقيام والسوق إلى المحشر والمنع من التخلف ﴿واحدة﴾ عبر بالزجرة لأنه أشدّ من النهي، لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام أصلاً فكان كأنه بلسان قال عن تلك الصيحة : أيها الأجساد البالية انتهي عن الرقاد وقومي إلى الميعاد بما حكمنا به من المعاد، فقد انتهى زمن الحصاد، وآن أوان الاجتناء لما قدّم من الزاد، فيا خسارة من ليس له زاد.
النازعات 79:14
﴿فإذا هم﴾ أي : فتسبب عن تلك النفخة وهي الثانية أن كل الخلائق ﴿بالساهرة﴾ أي : صاروا على وجه الأرض بعدما كانوا في جوفها. والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة، قال بعض أهل اللغة : تراهم سموها ساهرة لأنّ فيها نوم الحيوان وسهرهم. قال سفيان رضي الله عنه : هي أرض الشام، وقال قتادة رضي الله عنه : هي جهنم.
فإن قيل : بم يتعلق ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ ؟ أجيب : بأنه متعلق بمحذوف معناه لا تستصعبوها ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ يعني : لا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله تعالى، فإنها سهلة هينة في قدرته تعالى.
وقال الزمخشري : الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك، لأنّ السراب يجري فيها من قولهم : عين ساهرة أي : جارية الماء وفي ضدها نائمة. قال الأشعث بن قيس :
وساهرة يضحى السراب مجللاً؍ لأقطارها قد جبتها متلثما؍
أو لأنّ سالكها لا ينام خوف الهلكة. وقال الراغب : هي وجه الأرض. وقيل : أرض القيامة، وحقيقتها التي يكثر الوطء بها كأنها سهرت من ذلك، والأسهران عرقان في الأنف، والساهور غلاف القمر الذي يدخل فيه عند كسوفه. وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الساهرة أرض من فضة لم يعص الله عليها قط جعلها حينئذ، وقيل : الساهرة اسم للأرض السابعة يأتي بها الله تعالى فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدّل الأرض غير الأرض وقال وهب بن منبه : جبل بيت المقدس. وقال عثمان بن أبي العاتكة : إنه اسم مكان من الأرض بعينه بالشام، وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء وجبل حسان يمدّه الله تعالى كيف شاء.
النازعات 79:15
ثم إنّ الله تعالى سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿هل أتاك﴾ يا أشرف الخلق ﴿حديث موسى﴾ أي : أليس قد أتاك حديثه، فيسليك على تكذيب قومك ويهدّدهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم، فإنه كان أقوى أهل الأرض بما كان له من كثرة الجنود فلما أصرّ على التكذيب ولم يرجع ولا أفاده التأديب أغرقناه وآله، ولم نبقِ منهم أحداً، وقد كانوا لا يحصون عدداً بحيث قيل : إنّ طليعته كانت على عدد بني إسرائيل ستمائة ألف فكيف بقومك الضعاف.
النازعات 79:16
وقوله تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿ناداه﴾ منصوب بحديث لا بأتاك ﴿ربه﴾ أي : المحسن إليه بالرسالة وغيرها ﴿بالواد المقدّس﴾ أي : المطهر غاية الطهر بتشريف الله تعالى له بإنزال النبوّة المفيضة للبركات. وقوله تعالى :﴿طوى﴾ اسم الوادي وهو الذي طوي فيه الشرّ عن بني إسرائيل، ومن أراد الله تعالى من خلقه ونشر فيه بركات النبوّة على جميع أهل الأرض المسلم بإسلامه وغيره برفع عذاب الاستئصال عنه، فإن العلماء قالوا : إنّ عذاب الاستئصال ارتفع حين أنزلت التوراة، وهو واد بالطور بين إيلة ومصر، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بغير تنوين في الوصل والباقون بالتنوين.
النازعات 79:17
وقوله تعالى :﴿اذهب إلى فرعون﴾ أي : ملك مصر الذي كان يستعبد بني إسرائيل على إرادة القول ﴿إنه طغى﴾ أي : تجاوز الحدّ في الكفر وعلا وتكبر.
وقال الرازي : لم يبين أنه طغى في أي شيء، فقيل : تكبر على الله تعالى وكفر به، وقيل : تكبر على الخلق واستعبدهم.
وروي عن الحسن رضي الله عنه قال : كان فرعون علجاً من همدان، وقال مجاهد رضي الله عنه : كان من أهل إصطخر. وعن الحسن أيضاً : كان من أصبهان يقال له : ذو الظفر طوله أربعة أشبار.
النازعات 79:18
وقوله تعالى :﴿فقل﴾ أي : له ﴿هل لك﴾ أي : هل لك سبيل ﴿إلى أن تزكى﴾ أي : تتطهر من الكفر والطغيان. قال ابن عباس رضي الله عنهما : بأن تشهد أن لا إله إلا الله. وقال أبو البقاء : لما كان المعنى أدعوك جاء بإلى، وقال غيره : يقال هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا كما تقول : هل ترغب فيه وهل ترغب إليه. وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي، والأصل تتزكى والباقون بتخفيفها.
النازعات 79:19
﴿وأهديك إلى ربك﴾ أي : وأنبهك على معرفة المحسن إليه ﴿فتخشى﴾ لأنّ الخشية لا تكون إلا بالمعرفة قال الله تعالى :﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] أي : العلماء به، وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر من خشي الله تعالى أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شرّ. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل » بدأ بمخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرفيق ليستدعيه للتلطف في القول ويستنزله بالمداراة من علوه كما أمر بذلك في قوله تعالى :﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ [طه: ٢٥] الآية. وقال الرازي : سائر الآيات تدل على أنه تعالى لما نادى موسى عليه السلام ذكر له أشياء كثيرة ﴿نودي يا موسى ١١ إني أنا ربك﴾ [ طه – ١٢ ] إلى قوله تعالى :﴿لنريك من آياتنا الكبرى ٢٣ اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ [ طه : ٢٣ ٢٤ ] فدل قوله تعالى :﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ أنه من جملة ما ناداه به لا كل ما ناداه به، وأيضاً فليس الغرض أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى فرعون فقط، بل إلى كل من كان في الطور إلا أنه خصه بالذكر لأنّ دعوته جارية مجرى كل القوم.
النازعات 79:20
والفاء في قوله تعالى :﴿فأراه﴾ عاطفة على محذوف يعني : فذهب فأراه ﴿الآية الكبرى﴾ كقوله تعالى :﴿اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ [البقرة: ٦٠] أي : فضرب فانفجرت.
واختلفوا في الآية الكبرى أي : العلامة العظمى وهي المعجزة. فقال عطاء وابن عباس رضي الله عنهم : هي العصا. وقال مقاتل والكلبي رضي الله عنهما : هي اليد البيضاء تبرق كالشمس، والأوّل أولى لأنه ليس في اليد إلا انقلاب لونها، وهذا حاصل في العصا لأنها لما انقلبت حية لا بدّ وأن يتغير اللون الأوّل، فإذن كل ما في اليد فهو حاصل في العصا، وأمور أخر وهي الحياة في الجرم الجمادي وتزايد أجزائه، وحصول القدرة الكبيرة والقوّة الشديدة وابتلاعها أشياء كثيرة وزوال الحياة والقدرة عنها، وذهاب تلك الأجزاء التي عظمت، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين صارت العصا بهما حية، وكل واحد من هذه الوجوه كان معجزاً مستقلاً في نفسه، فعلمنا أنّ الآية الكبرى هي العصا. وقال مجاهد رضي الله عنه : هي مجموع العصا واليد، وقيل : فلق البحر، وقيل : جميع آياته التسع.
النازعات 79:21
﴿فكذب﴾ أي : فتسبب عن رؤيته ذلك أن كذب موسى عليه السلام ﴿وعصى﴾ الله تعالى بعد ظهور الآية وتحقيق الأمر، وقيل : كذب بالقول وعصى بالتمرّد والتجبر.
النازعات 79:22
﴿ثم أدبر﴾ أي : تولى وأعرض عن الإيمان بعد المهل والأناة إعراضاً عظيماً بالتمادي على أعظم ما كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد طويلة، حال كونه ﴿يسعى﴾ أي : يعمل بالفساد في الأرض، أو أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً يسعى أي : يسرع في مشيته. قال الحسن رضي الله عنه : كان رجلاً طياشاً خفيفاً، وتولى عن موسى عليه السلام يسعى ويجتهد في مكايدته، أو أريد : ثم أقبل يسعى كما تقول : أقبل فلان يفعل كذا بمعنى أنشأ يفعل، فوضع أدبر موضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال.
النازعات 79:23
﴿فحشر﴾ أي : فتسبب عن إدباره أنه جمع السحرة للمعارضة وجنوده للقتال ﴿فنادى﴾ حينئذ بأعلى صوته. قال حمزة الكرماني : قال له موسى عليه السلام : إنّ ربي أرسلني إليك لئن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في النعيم والسرور، ثم تموت فتدخل الجنة فقال : حتى أستشير هامان فاستشاره، فقال : أتصير عبداً بعدما كنت رباً، فعند ذلك جمع بعث الشرط وجمع السحرة والجنود.
النازعات 79:24
فلما اجتمعوا قام عدوّ الله على سريره ﴿فقال أنا ربكم الأعلى﴾ أي : لا رب فوقي، وقيل : أراد أنّ الأصنام أرباب وأنا ربها وربكم، وقيل : أمر منادياً فنادى في الناس بذلك، وقيل : قام فيهم خطيباً فقال ذلك.
النازعات 79:25
﴿فأخذه الله﴾ أي : أهلكه بالغرق الملك الأعظم الذي لا كفء له ﴿نكال﴾ أي : عقوبة ﴿الآخرة﴾ أي : هذه الكلمة وهي قوله ﴿أنا ربكم الأعلى﴾. ﴿والأولى﴾ وهي قوله :﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨]. قال ابن عباس رضي الله عنهما : وكان بين الكلمتين أربعون سنة، والمعنى : أمهله في الأولى ثم أخذه في الآخرة فعذبه بكلمتيه. وقال الحسن رضي الله عنه :﴿نكال الآخرة والأولى﴾ هو أن أغرقه في الدنيا وعذبه في الآخرة. وعن قتادة رضي الله عنه : الآخرة هي قوله :﴿أنا ربكم الأعلى﴾ والأولى تكذيبه لموسى عليه السلام.
النازعات 79:26
ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى :﴿إنّ في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم الذي فعله فرعون والذي فعل به حين كذب وعصى ﴿لعبرة﴾ أي : لعظة ﴿لمن يخشى﴾ أي : لمن يخاف الله تعالى لأنّ الخشية أساس الخير كما مرّت الإشارة إليه.
النازعات 79:27
ثم خاطب تعالى منكري البعث بقوله تعالى :﴿أأنتم﴾ أي : أيها الأحياء مع كونكم خلقاً ضعيفاً ﴿أشدّ خلقاً﴾ أي : أخلقكم بعد الموت أشدّ في تقديركم ﴿أم السماء﴾ أي : فمن قدر على خلق السماء على عظمها من السعة والكبر والعلوّ والمنافع قدر على الإعادة، وهذا كقوله تعالى :﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧]، والمقصود من الآية الاستدلال على منكري البعث، ونظيره قوله تعالى :﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ [يس: ٨١] ومعنى الكلام التقريع والتوبيخ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، والباقون بتحقيقهما، وأدخل بينهما ألفاً قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بغير إدخال.
النازعات 79:28
وقوله تعالى :﴿بناها﴾ بيان لكيفية خلقه إياها فالوقف على السماء والابتداء بما بعدها وقوله تعالى :﴿رفع سمكها﴾ جملة مفسرة لكيفية البناء، والسمك الارتفاع أي : جعل مقدارها في سمت العلوّ مديداً رفيعاً مسيرة خمسمائة عام ﴿فسوّاها﴾ أي : فعدلها مستوية ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور، أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها من قولك : سوّى فلان أمر فلان.
النازعات 79:29
﴿وأغطش﴾ أي : أظلم ﴿ليلها﴾ أي : جعله مظلماً بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت الشمس ظهرت عليه، فصار لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء، وأضاف الليل إلى السماء لأنّ الليل يكون بغروب الشمس والشمس تضاف إلى السماء. ويقال : نجوم الليل، لأنّ ظهورها بالليل.
وقوله تعالى :﴿وأخرج ضحاها﴾ فيه حذف، أي : ضحى شمسها، أو أضاف الليل والضحى لها للملابسة التي بينها وبينهما لأنّ الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوّها، وإنما عبر عن النهار بالضحى ؛ لأنّ الضحى أكمل أجزاء النهار بالنور والضوء.
النازعات 79:30
﴿والأرض بعد ذلك﴾ أي : بعد المذكور كله ﴿دحاها﴾ أي : بسطها ومهدها للسكنى وبقية المنافع، وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو فلا معارضة بينها وبين آية فصلت ؛ لأنه خلق الأرض أولاً غير مدحوة ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنهما : خلق الله تعالى الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء فسوّاها سبع سماوات ثم دحا الأرض بعد ذلك. وقيل : معناه والأرض مع ذلك دحاها كقوله تعالى :﴿عتلّ بعد ذلك﴾ [القلم: ١٣] أي : مع ذلك، ومنه قولهم : أنت أحمق، وأنت بعد هذا سيء الخلق.
وقيل : بعد بمعنى قبل كقوله تعالى :﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي : من قبل، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : خلق الله تعالى الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
النازعات 79:31
﴿أخرج منها﴾ أي : الأرض ﴿ماءها﴾ أي : بتفجير عيونها، وإضافتها إليها دليل على أنه مودوع فيها ﴿ومرعاها﴾ أي : النبات الذي يرعى مما يأكله الناس والأنعام من العشب والشجر والثمر والحب حتى النار والملح، لأنّ النار من العيدان قال تعالى :﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾ [الواقعة: ٧١] الآية، والملح من الماء، واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام :﴿يرتع ويلعب﴾ [يوسف: ١٢]
والمرعى في الأصل موضع الرعي.
تنبيه : أخرج حال بإضمار قد أي : مخرجاً، وإضمار قد هو قول الجمهور وخالف الكوفيون والأخفش.
النازعات 79:32
﴿والجبال أرساها﴾ أي : أثبتها على وجه الأرض لتسكن، ونظيره قوله تعالى :﴿والجبال أوتاداً﴾ [النبأ: ٧].
النازعات 79:33
وقوله تعالى :﴿متاعاً﴾ مفعول له لمقدّر، أي : فعل ذلك منفعة أو مصدر لعامل مقدّر أي : متعكم تمتيعاً.
﴿لكم﴾ وقوله تعالى :﴿ولأنعامكم﴾ جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم، وذكر الأنعام لكثرة الانتفاع بها.
النازعات 79:34
﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى﴾ أي : الداهية التي تطم على الدواهي أي : تعلو وتغلب، وفي أمثالهم : جرى الوادي فطم على القرى، قال ابن عباس : وهي النفخة الثانية التي يكون معها البعث. وقال الضحاك : هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء فتغمره. وقال القاسم بن الوليد الهمداني : هي الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.
النازعات 79:35
وقوله تعالى :﴿يوم يتذكر﴾ أي : تذكراً عظيماً ﴿الإنسان﴾ أي : الخلق الآنس بنفسه الغافل عما خلق له بدل من إذا ﴿ما سعى﴾ في الدنيا من خير أو شرّ، يعني : إذا رأى أعماله مدوّنة في كتابه تذكرها، وكان قد نسيها كقوله تعالى :﴿أحصاه الله ونسوه﴾ [المجادلة: ٦] وما في ﴿ما سعى﴾ موصولة أو مصدرية.
النازعات 79:36
﴿وبرّزت الجحيم﴾ أي : أظهرت النار المحرقة إظهاراً بيناً مكشوفاً ﴿لمن يرى﴾ أي : لكل راء، كقولهم : قد تبين الصبح لذي عينين، يريدون لكل من له بصر، وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد، لكن الناجي لا ينصرف بصره إليها فلا يراها، كما قال تعالى :﴿لا يسمعون حسيسها﴾ [الأنبياء: ١٠٢].
النازعات 79:37
وجواب إذا قوله :﴿فأمّا من طغى﴾ أي : تجاوز الحد في العدوان حتى كفر بربه.
النازعات 79:38
﴿وآثر﴾ أي : قدّم واختار ﴿الحياة الدنيا﴾ أي : انهمك فيها ولم يستعدّ للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس.
النازعات 79:39
﴿فإنّ الجحيم﴾ أي : النار الشديدة التوقد العظيمة ﴿هي﴾ أي : خاصة ﴿المأوى﴾ أي : مأواه كما تقول للرجل : غض الطرف، تريد طرفك، وليست الألف واللام بدلاً عن الإضافة، ولكن لما علم أنّ الطاغي هو صاحب المأوى، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره تركت الإضافة.
تنبيه :﴿هي﴾ يجوز أن تكون فصلاً أو مبتدأ.
النازعات 79:40
﴿وأمّا من خاف مقام ربه﴾ أي : قيامه بين يديه لعلمه بالمبدأ وبالمعاد، وقال مجاهد : خوفه في الدنيا من الله تعالى عند مواقعة الذنب فيقلع عنه نظيره ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] ﴿ونهى النفس﴾ أي : الأمارة بالسوء ﴿عن الهوى﴾ وهو اتباع الشهوات وزجرها عنها وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير.
النازعات 79:41
﴿فإنّ الجنة﴾ أي : البستان لكل ما يشتهى ﴿هي﴾ أي : خاصة ﴿المأوى﴾ أي : ليس له سواها مأوى، وحاصل الجواب أنّ العاصي في النار والطائع في الجنة. قال الرازي : هذان الوصفان مضادان للوصفين المتقدّمين فقوله تعالى :﴿فأما من خاف مقام ربه﴾ ضد قوله تعالى :﴿فأما من طغى﴾. ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ ضد قوله تعالى :﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ فكما دخل في ذينك الوصفين جميع القبائح دخل في هذين الوصفين جميع الطاعات. وقال عبد الله بن مسعود : أنتم في زمان يقود الحق الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق، فتعوّذوا بالله من ذلك الزمان.
تنبيه : اختلف في سبب نزول هاتين الآيتين، فقيل : نزلتا في مصعب بن عمير وأخيه. روى الضحاك عن ابن عباس قال :﴿أمّا من طغى﴾ فهو أخو مصعب بن عمير أسر يوم بدر وأخذته الأنصار فقالوا : من أنت، قال : أنا أخو مصعب بن عمير فلم يشدّوه في الوثاق وأكرموه وبيتوه عندهم فلما أصبحوا حدّثوا مصعب بن عمير حديثه، فقال : ما هو لي بأخ شدّوا أسيركم، فإنّ أمّه أكثر أهل البطحاء حلياً ومالاً، فأوثقوه حتى تبعث أمّه فداءه، ﴿وأمّا من خاف مقام ربه﴾ فمصعب بن عمير وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه، والمشاقص جمع مشقص وهو السهم العريض، فلما رآه صلى الله عليه وسلم متشحطاً في دمه قال صلى الله عليه وسلم «عند الله أحتسبك » وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه :«لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما وإنّ شراك نعله من ذهب » وعن ابن عباس أيضاً : نزلت في رجلين أبي جهل بن هشام ومصعب بن عمير. وقال السدي : نزلت الآية الثانية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وقال الكلبي : هما عامّتان.
النازعات 79:42
ولما سمع المشركون أخبار القيامة ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل الطامّة الكبرى والصاخة والقارعة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً متى تكون الساعة ؟ نزل :﴿يسألونك﴾ يا أشرف الخلق ﴿عن الساعة﴾ أي : البعث الآخر لكثرة ما تتوعدهم به من أمرها ﴿أيان مرساها﴾ أي : في أي وقت إرساؤها، أي : إقامتها أرادوا متى يقيمها الله تعالى ويثبتها ويكوّنها، أو أيان منتهاها ومستقرّها، كما أنّ مرسى السفينة مستقرّها حيث تنتهي إليه.
فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه :﴿فيم﴾ أي : في أي شيء ﴿أنت من ذكراها﴾ أي : من أن تذكر وقتها لهم وتعلهم به.
النازعات 79:43
تنبيه :﴿فيم﴾ خبر مقدّم و﴿أنت﴾ مبتدأ مؤخر و ﴿من ذكراها﴾ متعلق بما تعلق به الخبر، والمعنى : أنت في أي شيء من ذكراها، أي : ما أنت من ذكراها لهم وتبيين وقتها في شيء. وعن عائشة رضي الله عنها «لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت » فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل : في أيّ شغل واهتمام أنت من ذكراها والسؤال عنها، والمعنى : أنهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها.
النازعات 79:44
﴿إلى ربك﴾ أي : المحسن إليك بأنواع النعم ﴿منتهاها﴾ أي : منتهى علمها لم يؤت علمها أحداً من خلقه كقوله تعالى :﴿إنما علمها عند ربي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقوله تعالى :﴿إنّ الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] قال القرطبي : ويجوز أن يكون إنكاراً على المشركين في مسألتهم، أي : فيم أنت من ذلك حتى يسألونك، بيانه : ولست ممن يعلمه. روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل : الوقف على قوله تعالى :﴿فيم﴾ وهو خبر مبتدأ مضمر أي : فيم هذا السؤال، ثم يبتدأ بقوله تعالى :﴿أنت من ذكراها﴾ أي : أرسلناك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في فم الساعة ذكر من ذكراها وعلامة من علاماتها فكفاهم بذلك دليلاً على دنوّها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها، ولا معنى لسؤالهم عنها.
النازعات 79:45
﴿إنما أنت﴾ أي : يا أشرف الرسل ﴿منذر﴾ أي : إنما بعثت لإنذار ﴿من يخشاها﴾ أي : لتخويف من يخاف هولها، وهو لا يناسب تعيين الوقت وتخصيص من يخشى ؛ لأنه المنتفع به، أي : إنما ينفع إنذارك من يخافها وإن كنت منذر الكل مكلف.
النازعات 79:46
﴿كأنهم﴾ قال البغوي : يعني : كفار قريش ﴿يوم يرونها﴾ أي : يعلمون قيام الساعة علماً هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من القبور مع علمهم بما مرّ من زمانهم وما أتى فيه ﴿لم يلبثوا﴾ أي : في الدنيا أو في القبور ﴿إلا عشية﴾ أي : من الزوال إلى غروب الشمس ﴿أو ضحاها﴾ أو ضحى عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال، والعشية بعد ذلك أضيف إليها الضحى ؛ لأنها من النهار، والإضافة تحصل بأدنى ملابسة، وهي هنا كونهما من نهار واحد، فالمراد ساعة من نهار من أوّله أو آخره لم يستكملوا نهاراً تامّاً، ولم يجمعوا بين طرفيه، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ».
فإن قيل : هلا قال : إلا عشية أو ضحى، وما فائدة الإضافة ؟ أجيب : بأنّ ذلك للدلالة على أنّ مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يوماً كاملاً، ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه، فلما ترك اليوم أضافه على عشيته فهو كقوله تعالى :﴿لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف: ٣٥] وحسن الإضافة وقوع الكلمة فاصلة.
عبس 80:1
﴿عبس﴾ أي : كلح وجهه النبي صلى الله عليه وسلم ﴿وتولى﴾ أي : أعرض بوجهه لأجل.
عبس 80:2
﴿أن جاءه الأعمى﴾ وهو ابن أمّ مكتوم وأم مكتوم أمّ أبيه واسمها عاتكة بنت عامر بن مخزوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤيّ، وذلك أنه جاءه وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية ابن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم، فتعلو كلمة الله تعالى، فقال : يا رسول الله، أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى وكرّر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه، وقال في نفسه : يقول هؤلاء الصناديد : إنما اتبعه العميان والعبيد والسفلة فعبس وجهه وأعرض عنه وأقبل على القوم الذين يكلمهم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال :«مرحباً بمن عاتبني فيه ربي »، ويبسط له رداءه ويقول له :«هل لك حاجة ؟ » واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما. قال أنس بن مالك : رأيته يوم القادسية راكباً وعليه درع وله راية سوداء.
عبس 80:3
﴿وما يدريك﴾ أي : أيّ شيء يجعلك دارياً بحاله ﴿لعله﴾ أي : الأعمى ﴿يزكى﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الزاي، أي : يتطهر من الذنوب بما يسمع منك وفي ذلك إيماء بأنّ إعراضه كان لتزكية غيره.
عبس 80:4
﴿أو يذكر﴾ فيه إدغام التاء في الذال أي : يتعظ وتسبب عن تزكيته وتذكره قوله تعالى :﴿فتنفعه الذكرى﴾ أي : العظمة المسموعة منك، وقرأ عاصم بنصب العين والباقون برفعها، فمن رفع فهو نسق على قوله تعالى :﴿أو يذكر﴾ ومن نصب فعلى جواب الترجي كقوله تعالى في غافر :﴿فأطلع إلى إله موسى﴾ [غافر: ٣٧]. وقال ابن عطية في جواب التمني لأن قوله تعالى :﴿أو يذكر﴾ في حكم قوله تعالى :﴿لعله يزكى﴾.
واعترض عليه أبو حيان : بأنّ هذا ليس تمنياً وإنما هو ترجٍ. وأجيب عنه : بأنه إنما يريد التمني المفهوم وقت الذكرى.
وقرأ ﴿الذكرى﴾ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين، والباقون بالفتح وقيل : الضمير في لعله للكافر يعني : أنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يذكر فتقرّبه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أنّ ما طمعت فيه كائن.
عبس 80:5
﴿أما من استغنى﴾ أي : بالمال، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : استغنى عن الله وعن الإيمان بما له من المال.
عبس 80:6
﴿فأنت له﴾ أي : دون الأعمى ﴿تصدّى﴾ أي : تتعرّض له بالإقبال عليه والمصادّة المعارضة وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الصاد بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها والباقون بالتخفيف.
عبس 80:7
﴿وما﴾ أي : فعلت ذلك والحال أنه ما ﴿عليك﴾ أي : وليس عليك بأس ﴿ألا يزكى﴾ أي : في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم إن عليك إلا البلاغ.
عبس 80:8
﴿وأما من جاءك﴾ حال كونه ﴿يسعى﴾ أي : يسرع في طلب الخير وهو ابن أمّ مكتوم.
عبس 80:9
﴿وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿يخشى﴾ أي : الله أو الكفار في أذاهم على الإتيان إليك. وقيل : جاء وليس معه قائد فهو يخشى الكبوة، وقرأ قالون وأبو عمرو والسدّي بسكون الهاء والباقون بضمها.
عبس 80:10
﴿فأنت عنه تلهى﴾ فيه حذف التاء الآخرة في الأصل، أي : تتشاغل، وقرأ ﴿وتولى﴾، ﴿الأعمى﴾، ﴿يزكى﴾، ﴿من استغنى﴾، ﴿تصدّى﴾، ﴿يزكى﴾، ﴿يسعى﴾، ﴿يخشى﴾، ﴿تلهى﴾ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ورش قليل والباقون بالفتح.
عبس 80:11
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع من العاتب عليه وعن معاودة مثله. فإن قيل : ما فعله ابن أمّ مكتوم كان يستحق عليه التأديب والزجر، فكيف عاتب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على تأديبه، لأنه وإن كان أعمى فقد سمع مخاطبته صلى الله عليه وسلم لأولئك الكفار، وكان بسماعه يعرف شدّة اهتمام النبيّ صلى الله عليه وسلم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه صلى الله عليه وسلم لغرض نفسه قبل تمام كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم معصية عظيمة، وأيضاً فإنّ الأهمّ يقدّم على المهمّ، وكان قد أسلم وتعلم ما يحتاج من أمر الدين، وأما أولئك الكفار فلم يكونوا أسلموا، وكان إسلامهم سبباً لإسلام غيرهم، فكان كلام ابن أمّ مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك يحرم أيضاً. فإنّ الله تعالى ذمّ الذين ينادونه من وراء الحجرات بمجرّد ندائهم، فهذا النداء الذي هو كالصارف للكفار عن الإيمان أولى أن يكون ذنباً، وأيضاً فمع هذا الاعتناء كيف لقب بالأعمى، وأيضاً فالنبيّ صلى الله عليه وسلم له أن يؤدّب أصحابه بما يراه مصلحة، والتعبيس من ذلك القبيل ؟
أجيب : بأنّ ما فعله ابن أمّ مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالماً بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مشغولاً بغيره وأنه يرجو إسلامهم، ولكنه لم يعلم بذلك. وأيضاً الله سبحانه وتعالى إنما عاتبه على ذلك حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء، أو ليعلم أنّ المؤمن الفقير خير من الغنيّ الكافر.
وقال ابن زيد : إنما عبس النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن أمّ مكتوم وأعرض عنه لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه فدفعه ابن أمّ مكتوم وأبى إلا أن يتكلم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا نزل في حقه ذلك، وأما ذكره بلفظ الأعمى فليس للتحقير بل كان بسبب عماه يستحق أن يزيده تعطفاً وترؤفاً وتقريباً وترحيباً، ولقد تأدب الناس بأدب الله تعالى في هذا تأدباً حسناً، فقد روي عن سفيان الثوري رضي الله عنه : أنّ الفقراء كانوا بمجلسه أمراء، وأما كونه صلى الله عليه وسلم كان مأذوناً له في تأديب أصحابه فلأنّ تقديمهم ربما يوهم ترجيح تقديم الأغنياء على الفقراء فلهذا السبب عوتب.
قال الحسن رضي الله عنه : لما تلا جبريل عليه السلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الآيات عاد وجهه كأنما نسف فيه الرماد ينتظر ما يحكم الله تعالى عليه فلما قال :﴿كلا﴾ سرّي عنه أي : لا تفعل مثل ذلك، وقد بينا نحن أنّ ذلك محمول على ترك الأولى. ثم قال الله تعالى :﴿إنها﴾ أي : هذه السورة. وقال مقاتل رضي الله عنه : آيات القرآن. وقيل : القرآن، وأنثه لتأنيث خبره وهو قوله تعالى :﴿تذكرة﴾ أي : عظة للخلق يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها.
عبس 80:12
﴿فمن شاء ذكره﴾ أي : كان حافظاً له غير ناس، وذكر الضمير لأنّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ.
عبس 80:13
ثم إنّ الله تعالى أخبر عن جلالة ذلك عنده فقال سبحانه ﴿في صحف﴾ أي : منتسخة من اللوح المحفوظ، وقيل : هي كتب الأنبياء عليهم السلام، دليله قوله تعالى :﴿إن هذا لفي الصحف الأولى ١٨ صحف إبراهيم وموسى﴾ [ الأعلى، الآيتان : ١٨ ١٩ ]. ﴿مكرمة﴾ أي : عند الله تعالى.
عبس 80:14
﴿مرفوعة﴾ أي : في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار ﴿مطهرة﴾ أي : منزهة عن أيدي الشياطين لا يمسها إلا أيدي ملائكة كرام مطهرين.
عبس 80:15
كما قال تعالى :﴿بأيدي سفرة﴾ أي : كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وهم الملائكة الكرام الكاتبون واحدهم سافر يقال : سفرت، أي : كتبت، ومنه قيل للكتاب : سفر وجمعه أسفار. وقيل : هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير وهو الرسول، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم بالصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم.
عبس 80:16
ثم أثنى تعالى عليهم بقوله سبحانه :﴿كرام﴾ أي : على الله تعالى وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في كرام قال : مكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إلا إذا خلا بزوجته أو برز لغائط وقيل : يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم. وقوله :﴿بررة﴾ جمع بارّ كساحر وسحرة وفاجر وفجرة، والبارّ هو الصادق المطيع. ومنه برّ فلان في يمينه أي : صدق، وفلان يبر خالقه أي : يطيعه. فمعنى بررة مطيعين صادقين لله تعالى في أعمالهم.
عبس 80:17
ولما ذكر تعالى ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين عجب عباده المؤمنين من ذلك فقال سبحانه :﴿قتل الإنسان﴾ أي : لعن الكافر، وقوله تعالى :﴿ما أكفره﴾ استفهام توبيخ، أي : ما أشدّ تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره البعث وإشراكه بربه وغير ذلك مما حمله على الكفر.
عبس 80:18
وقوله تعالى :﴿من أي شيء خلقه﴾ استفهام تقرير.
عبس 80:19
ثم بينه بقوله تعالى :﴿من نطفة﴾ أي : ماء يسير جدّاً لا من غيره. ﴿خلقه﴾ أي : أوجده مقدّراً على ما هو عليه من التخطيط ﴿فقدّره﴾ أي : علقة ثم مضغة إلى آخر خلقه فكأنه قيل : وأي سبب في هذا الترفع مع أنّ أوّله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين الوقتين حامل عذرة، فإنّ خلقة الإنسان تصلح أن يستدل بها على وجود الصانع ؛ لأنه يستدل بها على أحوال البعث والحشر. قيل : نزلت في عتبة بن أبي لهب والظاهر العموم.
فإن قيل : الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز فالقادر على الكل كيف يليق به ذلك، والتعجب أيضاً إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء، فالعالم به كيف يليق به ذلك ؟ أجيب : بأنّ ذلك ورد على أسلوب كلام العرب لبيان استحقاقهم لأعظم العقاب حيث أتوا بأعظم القبائح. كقولهم إذا تعجبوا من شيء : قاتله الله ما أحسنه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى : اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرنا بعد هذا.
وقيل : الاستفهام استفهام تحقير له فذكر أوّل مراتبه وهو قوله تعالى :﴿من نطفة خلقه﴾ ولا شك أنّ النطفة شيء حقير مهين، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر وقوله تعالى :﴿فقدّره﴾ أي : أطواراً وقيل : سوّاه كقوله تعالى :﴿ثم سوّاك رجلاً﴾ [الكهف: ٣٧] أو قدّر كل عضو في الكيفية والكمية بالقدر اللائق لمصلحته كقوله تعالى :﴿وخلق كل شيء فقدّره تقديراً﴾ [الفرقان: ٢].
عبس 80:20
ثم ذكر المرتبة الوسطى بقوله تعالى :﴿ثم﴾ بعد انتهاء المدّة ﴿السبيل﴾ أي : طريق خروجه من بطن أمّه ﴿يسره﴾ أي : سهل له أمره في خروجه بأن فتح له الرحم وألهمه الخروج منه، ولا شك أنّ خروجه من أضيق المسالك من أعجب العجائب يقال : إنه كان رأسه في بطن أمّه من فوق ورجلاه من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام المراد، ومنه قوله تعالى :﴿وهديناه النجدين﴾ [البلد: ١٠] أي : التمييز بين الخير والشرّ.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سبيل الشقاء والسعادة. وقال ابن زيد : سبيل الإسلام. قال أبو بكر بن طاهر : يسر على كل أحد ما خلقه له وقدر عليه لقوله صلى الله عليه وسلم «كل ميسر لما خلق له ».
عبس 80:21
ثم ذكر المرتبة الأخيرة بقوله تعالى :﴿ثم أماته﴾ وأشار إلى إيجاب المبادرة بالتجهيز بالفاء المعقبة في قوله تعالى :﴿فأقبره﴾ أي : جعله في قبر يستره إكراماً له، ولم يجعله ممن يلقى على وجه الأرض تأكله الطير وغيرها.
عبس 80:22
﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ أي : أحياه بعد موته للبعث، ومفعول شاء محذوف أي : شاء إنشاره وأنشره جواب إذا، وقرأ قالون وأبو عمرو البزي بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وسهل الثانية ورش وقنبل ولهما أيضاً إبدالها ألفاً والباقون بتحقيقهما.
عبس 80:23
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع للإنسان عما هو عليه، وقيل : معناها حقاً. قال الأوّل الزمخشري وتبعه البيضاوي، وقال الثاني الجلال المحلي. ﴿لما يقض﴾ أي : يفعل ﴿ما أمره﴾ به ربه من الإيمان وترك التكبر. وقيل : لم يوف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم عليه السلام. وقيل : المعنى : إن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمره به من التأمّل في دلائل الله تعالى والتدبر في عجائب خلقه.
عبس 80:24
ولما كانت عادة الله تعالى جارية في القرآن أنه كلما ذكر دلائل الإنسان ذكر عقبها دلائل الآفاق بدأ من ذلك بما يحتاج إليه الإنسان بقوله تعالى :﴿فلينظر الإنسان﴾ أي : يوقع النظر التامّ بكل شيء يقدر على النظر به من بصره وبصيرته ﴿إلى طعامه﴾ أي : الذي هو قوام حياته كيف هيأ له أسباب المعاش ليستعدّ بها للمعاد.
قال الحسن ومجاهد : فلينظر إلى طعامه إلى مدخله ومخرجه. وروي عن الضحاك أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ضحاك، ما طعامك ؟ » قلت : يا رسول الله، اللحم واللبن، قال :«فشرابك ماذا ؟ » قلت : الماء قد علمته، قال :«فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا ».
وروي عن ابن عمر أنّ الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه فيأتيه الملك فيقول انظر إلى ما تحليت به إلام صار ؟
عبس 80:25
وقرأ ﴿أنا صببنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿الماء﴾ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة على أنه بدل اشتمال بمعنى أنّ صب الماء سبب في إخراج الطعام فهو مشتمل عليه بهذا التقدير، أو أنه تقدير لام العلة، أي : فلينظر لأنا ثم حذف الخافض، وقال البغوي : أنا بالفتح على تكرير الخافض مجازه فلينظر إلى أنا وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف تعديداً لنعمه تعالى عليه، وقوله تعالى﴿صباً﴾ تأكيد، والمراد بالماء المطر.
عبس 80:26
ولما كان الإنسان محتاجاً إلى جميع ما في الوجود ولو نقص منه شيء اختل أمره وبدأ أولاً بالسماوي لأنه أشرف وبالماء الذي هو حياة كل شيء تنبيهاً له على ابتداء خلقه. ثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال تعالى ﴿ثم﴾ أي : بعد مهلة من إنزال الماء ﴿شققنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿الأرض﴾ أي : بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أضعف الأشياء فكيف بالأرض اليابسة، وقوله تعالى ﴿شقاً﴾ تأكيد.
عبس 80:27
ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له فقال تعالى :﴿فأنبتنا﴾ أي : بما لنا من القدرة التامة ﴿فيها﴾ أي : بسبب الشق ﴿حباً﴾ أي : قمحاً وشعيراً وسلتاً وسائر ما يحصد ويدخر، وقدّم ذلك لأنه كالأصل في التغذية.
عبس 80:28
﴿وعنباً﴾ وذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه ﴿وقضباً﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الرطب لأنه يقتضب من النخل، أي : يقطع ورجحه بعضهم لذكره بعد العنب لأنهما يقترنان كثيراً، وقيل : القت الرطب، وقيل : كل ما يقضب من البقول لبني آدم، و قيل : هو الرطبة والمقضاب أرضه، سمي بمصدر قضبه إذا قطعه لأنه يقضب مرة بعد أخرى. وقال الحسن : القضب العلف للدواب.
عبس 80:29
﴿وزيتوناً﴾ وهو ما يعصر منه الزيت يكون فيه حرافة وغضاضة فيه إصلاح المزاج. وقوله تعالى :﴿ونخلاً﴾ جمع نخلة، وكل من هذه الأشجار مخالف للآخر في الشكل والحمل وغير ذلك مع المرافقة في الأرض والسقي.
عبس 80:30
وقوله تعالى ﴿وحدائق غلباً﴾ جمع أغلب وغلباء كحمر في أحمر وحمراء، أي : بساتين كثيرة الأشجار. والأصل في الوصف بالغلب الرقاب، يقال : رجل أغلب وامرأة غلباء غليظا الرقبة فاستعير. قال عمرو بن معد يكرب :
يمشي بها غلب الرجال كأنهم؍ بزل كسين من الكحيل جلالا؍
وقال مجاهد ومقاتل : الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : الطوال. وقيل : غلاظ الأشجار.
عبس 80:31
﴿وفاكهة﴾ وهي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ، قال النووي في منهاجه : ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمّان وأترج ورطب ويابس أي : كالتمر والزبيب، قال : قلت : وليمون ونبق وبطيخ ولب فستق وبندق وغيرها في الأصح. ﴿وأباً﴾ وهو ما تأكله الدواب لأنه يؤب أي : يؤمّ وينتجع إليه. وقال عكرمة : الفاكهة ما يأكله الناس، والأب ما تأكله الدواب، وقيل : التبن. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الأب فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى ما لا علم لي به. وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية فقال : كل هذا عرفنا فما الأب ؟ ثم رفض عصا كانت بيده، ثم قال : هذا لعمر الله التكلف وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأبّ، ثم قال : اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه.
فإن قيل : هذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته ؟ أجيب : بأنه لم يذهب إلى ذلك ولكن القوم كانت أكثر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم الذي لا يعمل به تكلفاً عندهم، فأراد أنّ الآية مسوقة عندهم في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أنّ الأب بعض ما أنبته الله تعالى للإنسان متاعاً له أو لإنعامه، فعليك بما هو أهمّ من النهوض بالشكر لله تعالى على ما بين لك، ولم يشكل مما عدّد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له، واكتف بالمعرفة الجملية إلى أن يتبين لك من مشكلات القرآن.
عبس 80:32
﴿متاعاً﴾ أي : العشب، أي : منفعة أو تمتيعاً كما تقدّم في السورة قبلها ﴿لكم﴾ أي : الفاكهة ﴿ولأنعامكم﴾ وتقدّم أيضاً في السورة التي قبلها معرفة الأنعام والحكمة في الاقتصار عليها.
ولما ذكر تعالى هذه الأشياء وكان المقصود منها ثلاثة : أوّلها : الدلائل الدالة على التوحيد، وثانيها : الدلائل الدالة على القدرة والمعاد. وثالثها : أنّ هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان لا يليق بالعاقل أن يتمرّد على طاعته وأن يتكبر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكد لهذه الأغراض وهو شرح أحوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمّل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضاً إلى ترك التكبر على الناس وإلى إظهار التواضع فقال تعالى :﴿فإذا جاءت الصاخة﴾.
عبس 80:33
﴿فإذا جاءت﴾ أي : كانت ووجدت لأنّ كل ما هو كائن لاقيك وجاء إليك ﴿الصاخة﴾ أي : صيحة القيامة وهي النفخة الثانية التي تصخ الأذن، أي : تصمها لشدّة وقعتها. مأخوذة من صخه بالحجر أي : صكه به. وقال الزمخشري : صخ لحديثه مثل أصاخ فوصفت النفخة بالصاخة مجازاً، لأنّ الناس يصخون لها. وقال ابن العربي : الصاخة التي تورث الصمم وإنها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة كقوله :
أصمني سرّهم أيام فرقتهم؍ وهل سمعتم بسرّ يورث الصمما؍
وجواب ﴿إذا﴾ محذوف دل عليه قوله تعالى :﴿فإذا جاءت الصاخة﴾ أي : اشتغل كل واحد بنفسه.
عبس 80:34
وقوله تعالى :﴿يوم يفرّ المرء﴾ بدل من إذا ﴿من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته﴾ أي : زوجته ﴿وبنيه﴾ لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئاً كقوله تعالى :﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً﴾ [الدخان: ٤١]
فيفرّ المرء من هؤلاء الذين كان يفرّ إليهم في دار الدنيا ويستجير بهم لكثرة ما يشغله. وبدأ بالأخ لأنه أدناهم رتبة في الحب والذب، ثم بالأمّ لأنها كانت مشاركة له في الإلف ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم للأخ، وهو لها آلف وعليها أحنّ وعليها أرق وأعطف، ثم بالأب لأنه أعظم منها في الإلف لأنه أقرب منها في النوع، وللولد عليه من المعاطفة ما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله، ثم بالصاحبة لأنّ الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد، وكان الإنسان أذب عنها عند الشدائد، ثم بالولد لأنّ له من المحبة والمعاطفة بالسرور والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره.
فقدّم أدناهم مرتبة في الحب والذب، فأدناهم على سبيل الترقي وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في سورة سأل فكأنه قيل : يفرّ المرء من أخيه بل من أمّه بل من أبيه بل من صاحبته بل من بنيه، وقيل : يفرّ منهم حذراً من مطالبتهم بالتبعات. يقول الأخ : لم تواسني بمالك، والأبوان : قصرت في برّنا، والصاحبة : أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون : لم تعلمنا ولم ترشدنا، وقيل : أوّل من يفرّ من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم عليه السلام، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح.
عبس 80:35
وقوله تعالى :﴿يوم يفرّ المرء﴾ بدل من إذا ﴿من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته﴾ أي : زوجته ﴿وبنيه﴾ لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئاً كقوله تعالى :﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً﴾ [الدخان: ٤١]
فيفرّ المرء من هؤلاء الذين كان يفرّ إليهم في دار الدنيا ويستجير بهم لكثرة ما يشغله. وبدأ بالأخ لأنه أدناهم رتبة في الحب والذب، ثم بالأمّ لأنها كانت مشاركة له في الإلف ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم للأخ، وهو لها آلف وعليها أحنّ وعليها أرق وأعطف، ثم بالأب لأنه أعظم منها في الإلف لأنه أقرب منها في النوع، وللولد عليه من المعاطفة ما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله، ثم بالصاحبة لأنّ الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد، وكان الإنسان أذب عنها عند الشدائد، ثم بالولد لأنّ له من المحبة والمعاطفة بالسرور والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره.
فقدّم أدناهم مرتبة في الحب والذب، فأدناهم على سبيل الترقي وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في سورة سأل فكأنه قيل : يفرّ المرء من أخيه بل من أمّه بل من أبيه بل من صاحبته بل من بنيه، وقيل : يفرّ منهم حذراً من مطالبتهم بالتبعات. يقول الأخ : لم تواسني بمالك، والأبوان : قصرت في برّنا، والصاحبة : أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون : لم تعلمنا ولم ترشدنا، وقيل : أوّل من يفرّ من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم عليه السلام، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح.
عبس 80:36
وقوله تعالى :﴿يوم يفرّ المرء﴾ بدل من إذا ﴿من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته﴾ أي : زوجته ﴿وبنيه﴾ لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئاً كقوله تعالى :﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً﴾ [الدخان: ٤١]
فيفرّ المرء من هؤلاء الذين كان يفرّ إليهم في دار الدنيا ويستجير بهم لكثرة ما يشغله. وبدأ بالأخ لأنه أدناهم رتبة في الحب والذب، ثم بالأمّ لأنها كانت مشاركة له في الإلف ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم للأخ، وهو لها آلف وعليها أحنّ وعليها أرق وأعطف، ثم بالأب لأنه أعظم منها في الإلف لأنه أقرب منها في النوع، وللولد عليه من المعاطفة ما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله، ثم بالصاحبة لأنّ الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد، وكان الإنسان أذب عنها عند الشدائد، ثم بالولد لأنّ له من المحبة والمعاطفة بالسرور والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره.
فقدّم أدناهم مرتبة في الحب والذب، فأدناهم على سبيل الترقي وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في سورة سأل فكأنه قيل : يفرّ المرء من أخيه بل من أمّه بل من أبيه بل من صاحبته بل من بنيه، وقيل : يفرّ منهم حذراً من مطالبتهم بالتبعات. يقول الأخ : لم تواسني بمالك، والأبوان : قصرت في برّنا، والصاحبة : أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون : لم تعلمنا ولم ترشدنا، وقيل : أوّل من يفرّ من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم عليه السلام، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح.
عبس 80:37
ولما ذكر الفرار أتبعه سببه فقال تعالى :﴿لكل امرئ﴾ وإن كان أعظم الناس مروءة ﴿منهم يومئذ﴾ أي : إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام. ﴿شأن﴾ أي : أمر عظيم. وقوله تعالى :﴿يغنيه﴾ حال، أي : يشغله عن شأن غيره. وعن سودة رضي الله تعالى عنها زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يبعث الناس حفاة عراة غرلاً أي : بالقلفة قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان » فقلت : يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض ؟ فقال صلى الله عليه وسلم «قد شغل الناس ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ ». وقال قتيبة : يغنيه أي : يصرفه عن قرابته، ومنه يقال : أغن عني وجهك أي : اصرفه. وقال أهل المعاني : يغنيه أي : ذلك الهمّ الذي حصل له قد ملأ صدره، فلم يبق فيه متسع لهم آخر، فصار شبيهاً بالغنى في أنه ملك شيئاً كثيراً.
عبس 80:38
ولما ذكر تعالى حال القيامة في الهول بين أنّ المكلفين على قسمين : سعداء وأشقياء فوصف سبحانه السعيد بقوله تعالى :﴿وجوه يومئذ﴾ أي : إذ كان ما تقدّم من الفرار وغيره ﴿مسفرة﴾ أي : مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء. وعن ابن عباس : من قيام الليل لما روي في الحديث «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهارِ ». وعن الضحاك من آثار الوضوء. وقيل : من طول ما اغبرّت في سبيل الله تعالى.
عبس 80:39
﴿ضاحكة﴾ أي : مسرورة فرحة. قال الكلبيّ : يعني بالفراغ من الحساب ﴿مستبشرة﴾ أي : بما آتاها الله تعالى من الكرامة.
عبس 80:40
ثم وصف الشقيّ بقوله تعالى :﴿ووجوه يومئذ﴾ أي : إذ وجد ما ذكر. ﴿عليها غبرة﴾ أي : غبار.
عبس 80:41
﴿ترهقها﴾ أي : تعلوها ﴿قترة﴾ أي : سواد كالدخان ولا يرى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه كما يرى في وجوه الزنوج إذا اغبرّت.
عبس 80:42
﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء الذين يصنع بهم هذا ﴿هم﴾ أي : خاصة ﴿الكفرة الفجرة﴾ جمع الكافر والفاجر وهو الكاذب والمفتري على الله تعالى فجمع تعالى إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر.
التكوير 81:1
واختلف في معنى قوله تعالى :﴿إذا الشمس﴾ أي : التي هي أعظم آيات السماء الظاهرة وأوضحها للحس ﴿كوّرت﴾ فقال ابن عباس : أظلمت. وقال قتادة : ذهب ضوءها. وقال سعيد بن جبير : غوّرت. وقال مجاهد : اضمحلت. وقال الزجاج : لفت كما تلف العمامة، يقال : كرت العمامة على رأسي أكوّرها كوراً، وكورتها تكويراً إذا لففتها، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض، فمعناه أنّ الشمس يجمع بعضها إلى بعض، ثم تلف، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها. قال ابن عباس : يكوّر الله تعالى الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ثم يبعث عليها ريحاً دبوراً فتضرمها فتصير ناراً. وعن أبي هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«الشمس والقمر يكوّران يوم القيامة ».
تنبيه : ارتفاع الشمس على الفاعلية ورافعها فعل مضمر يفسره كوّرت ؛ لأن إذا تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط.
التكوير 81:2
﴿وإذا النجوم﴾ أي : كلها كبارها وصغارها ﴿انكدرت﴾ أي : انقضت وتساقطت على الأرض.
قال تعالى :﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ والأصل في الانكدار الانصباب.
قال العجاج في مدحه لعمرو بن معديكرب :
إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر؍ تقضي البازي إذا البازي كسر؍
أبصر خربان فضاء فانكدر **
أي : فانقض وسقط، والخربان جمع خرب وهو ذكر الحبارى، والباع يستعمل في الكرم، يقال : فلان كريم الباع ؛ والمعنى : أنّ الكرام إذا ابتدروا فعل المكرمات بدرهم عمرو، أي : أسرع كانقضاض البازي.
وروي عن ابن عباس أنّ النجوم قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور بأيدي الملائكة عليهم السلام، فإذا مات من في السماوات ومن في الأرض تساقطت تلك الكواكب من أيدي الملائكة، لأنه مات من كان يمسكها.
التكوير 81:3
﴿وإذا الجبال﴾ التي هي في العالم السفلي كالنجوم في العالم العلوي، وهي أصلب ما في الأرض. ﴿سيرت﴾ أي : ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبثاً، وصارت الأرض قاعاً صفصفاً.
التكوير 81:4
﴿وإذا العشار﴾ أي : النوق الحوامل جمع عشراء كالنفاس جمع نفساء، وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها. روي أنه صلى الله عليه وسلم «مرّ في أصحابه بعشار من النوق فغض بصره، فقيل له : هذه أنفس أموالنا فلم لا تنظر إليها ؟ فقال : قد نهاني الله عن ذلك ثم تلا :﴿ولا تمدّنّ عينيك﴾ [الحجر: ٨٨] الآية ».
﴿عطلت﴾ أي : تركت مسيبة مهملة بلا راع، أو عطلها أهلها عن الحلب والصر لاشتغالهم بأنفسهم، أو السحاب عطلت عن المطر والعرب تشبه السحاب بالحامل، والأوّل على وجه المثل لأنّ في القيامة لا تكون ناقة عشراء، والمعنى : أنّ يوم القيامة بحالة لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه.
التكوير 81:5
﴿وإذا الوحوش﴾ أي : دواب الأرض التي لا تأنس بأحد التي تظن أنها لا عبرة بها ولا التفات إليها فما ظنك بغيرها ﴿حشرت﴾ أي : جمعت بعد البعث ليقتص لبعضها من بعض ثم تصير تراباً. قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. وقيل : إذا قضي بينها ردّت تراباً فلا يبقى منه إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه. وعن ابن عباس حشرها موتها، يقال إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم : حشرتهم السنة.
التكوير 81:6
وقرأ ﴿وإذا البحار سجرت﴾ أي : على كثرتها ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الجيم والباقون بتشديدها. قال ابن عباس : أوقدت فصارت ناراً تضطرم. وقال مجاهد : فجر بعضها في بعض العذب والملح، فصارت البحار كلها بحراً واحداً. وقال القشيري : يرفع الله تعالى الحاجز الذي ذكره، فإذا رفع ذلك البزرخ تفجرت مياه البحار فعمت الأرض كلها وصارت بحراً واحداً. وروى أبو العالية عن أبيّ بن كعب قال : ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم ؛ إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض فتحرّكت واضطربت وفزعت الجنّ إلى الإنس والإنس إلى الجنّ، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماج بعضهم في بعض فذلك قوله تعالى :﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ أي : اختلطت ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال الجنّ للإنس : نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تتأجج. قال : فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. وعن ابن عباس قال : هي اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا وستة في الآخرة، وهي ما ذكر من بعد.
التكوير 81:7
﴿وإذا النفوس﴾ أي : من كل ذي نفس من الناس وغيرهم ﴿زوّجت﴾ أي : قرنت بأجسادها، وروي أنّ عمر سئل عن هذه الآية، فقال : يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار. وقال الحسن وقتادة : ألحق كل امرئ بشيعته، اليهود باليهود والنصارى بالنصارى. وقال عطاء : زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الشياطين بالكافرين.
التكوير 81:8
﴿وإذا الموءودة﴾ أي : الجارية المدفونة حية. كان الرجل في الجاهلية إذ ولد له بنت، فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمّها : طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيذهب بها إلى البئر، فيقول لها : انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي بالأرض.
وقال ابن عباس : كانت الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإذا ولدت ولداً حبسته. وكانوا يفعلون ذلك لخوف لحوق العار بهم من أجلهنّ، أو الخوف من الإملاق، كما قال تعالى :﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [الأنعام: ١٥١] وكانوا يقولون : إنّ الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهنّ، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد وفيه افتخر الفرزدق في قوله :
ومنا الذي منع الوائدات؍ وأحيا الوئيد فلم توأد؍
التكوير 81:9
﴿سئلت بأيّ﴾ أي : بسبب أيّ ﴿ذنب﴾ يا أيها الجاهلون ﴿قتلت﴾ أي : استحقت به عندكم القتل، وهي لم تباشر سوءاً لكونها لم تصل إلى حدّ التكليف.
فإن قيل : ما معنى سؤالها عن ذنبها الذي قتلت به، وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها ؟ أجيب : بأن سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى عليه السلام :﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ [المائدة: ١١٦]. وروي أنّ قيس بن عاصم «جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إني وأدت ثمان بنات كنّ لي في الجاهلية. فقال صلى الله عليه وسلم أعتق عن كل واحدة منهنّ رقبة. قال : يا رسول الله، إني صاحب إبل ؟ فقال له صلى الله عليه وسلم أهد عن كل واحدة منهنّ بدنة إن شئت ». وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إنّ المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقاً ولدها بيدها ملطخاً بدمائه فيقول : يا رب هذه أمّي وهذه قتلتني ».
التكوير 81:10
﴿وإذا الصحف نشرت﴾ أي : فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير وشر تطوى بالموت، وتنشر في القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها فيقول :﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ [الكهف: ٤٩]. وروي عن عمر أنه كان إذا قرأها قال : إليك يساق الأمر يا ابن آدم. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«يحشر الناس حفاة عراة » فقالت أمّ سلمة : كيف بالنساء ؟ فقال :«شغل الناس يا أمّ سلمة ». قالت : وما يشغلهم، قال :«نشر الصحف فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل ». وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بتخفيف الشين والباقون بتشديدها على تكرير النشر للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير المطيع وقيل لتكرير ذلك من الإنسان.
التكوير 81:11
﴿وإذا السماء﴾ أي : هذا الجنس كله أفرده لأنه يعلم بالقدرة على بعضه القدرة على الباقي. ﴿كشطت﴾ أي : نزعت عن أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة والغطاء عن الشيء. قال القرطبي : يقال : كشطت البعير كشطاً نزعت جلده ولا يقال سلخت لأنّ العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته، والمعنى : أزيلت عما فوقها. وقال القرطبي : طويت.
التكوير 81:12
﴿وإذا الجحيم﴾ أي : النار الشديدة التأجج ﴿سعرت﴾ أي : أججت فأضرمت للكفار وزيد في إحمائها يقال سعرت الناء وأسعرتها. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت فهي سوداء مظلمة » واحتج بهذه الآية من قال : النار مخلوقة الآن لأنه يدل على أنّ سعيرها معلق بيوم القيامة. وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بتشديد العين والباقون بتخفيفها.
التكوير 81:13
﴿وإذا الجنة﴾ أي : البستان ذو الأشجار الملتفة والرياض المعجبة ﴿أزلفت﴾ أي : قرّبت لأهلها ليدخلوها. قال الحسن : إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها. وقال عبد الله بن زيد : زينت والزلفى في كلام العرب القربة.
التكوير 81:14
وقوله تعالى :﴿علمت نفس﴾ جواب إذا أوّل السورة وما عطف عليها، أي : علمت كل نفس من النفوس وقت هذه المذكورات وهو يوم القيامة، فالتنكير فيه مثله في تمرة خير من جرادة، ودلالة هذا السياق للهول على ذلك يوجب اليقين فيه ﴿ما﴾ أي : كل شيء ﴿أحضرت﴾ من خير وشر.
روي عن ابن عباس وعمر أنهما قرأا فلما بلغا ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ قالا : لهذا أجريت القصة. قال الرازي : ومعلوم أنّ العمل لا يمكن إحضاره فالمراد إذن ما أحضرته في صحائفها، أو ما أحضرته عند المحاسبة وعند الميزان من آثار تلك الأعمال. وعن ابن مسعود : أنّ قارئاً قرأها عنده، فلما بلغ ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ قال : واقطع ظهراه.
التكوير 81:15
﴿فلا أقسم﴾ لا مزيدة، أي : أقسم ﴿بالخنس الجوار الكنس﴾ هي النجوم الخمسة زحل والمشتري والمرّيخ والزهرة وعطارد تخنس بضم النون، أي : ترجع في مجراها وراءها بينا نرى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعاً إلى أوّله، وتكنس بكسر النون تدخل في كناسها، أي : تغيب في المواضع التي تغيب فيها فخنوسها رجوعها، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل : هي جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون وتكنس بالليل، أي : تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها.
التكوير 81:16
﴿فلا أقسم﴾ لا مزيدة، أي : أقسم ﴿بالخنس الجوار الكنس﴾ هي النجوم الخمسة زحل والمشتري والمرّيخ والزهرة وعطارد تخنس بضم النون، أي : ترجع في مجراها وراءها بينا نرى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعاً إلى أوّله، وتكنس بكسر النون تدخل في كناسها، أي : تغيب في المواضع التي تغيب فيها فخنوسها رجوعها، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل : هي جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون وتكنس بالليل، أي : تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها.
التكوير 81:17
﴿والليل﴾ أي : الذي هو محل ظهور النجوم وزوال خنوسها وذهاب كنوسها ﴿إذا عسعس﴾ قال البغوي : قال الحسن : أقبل بظلامه. وقال آخرون : أدبر، تقول العرب عسعس الليل وسعسع إذا أدبر، ولم يبق منه إلا القليل.
التكوير 81:18
﴿والصبح إذا تنفس﴾ أي : امتدّ حتى يصير نهاراً بيناً، يقال للنهار إذا زاد تنفس، ومعنى التنفس : خروج النسيم من الجوف، وفي كيفية المجاز قولان : الأوّل : أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم، فجعل ذلك نفساً له على المجاز، فقيل : تنفس الصبح. الثاني : أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي حبس بحيث لا يتحرّك، فإذا تنفس وجد راحة فهنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن، فعبر عنه بالتنفس.
التكوير 81:19
وقوله تعالى :﴿إنه﴾ أي : القرآن ﴿لقول رسول كريم﴾ هو المقسم عليه، والمعنى : أنه لقول رسول عن الله تعالى كريم على الله تعالى، أي : انتفت عنه وجوه المذامّ كلها، وثبت له وجوه المحامد كلها، وهو جبريل عليه السلام. وأضاف الكلام إليه لأنه قاله عن الله عز وجلّ.
التكوير 81:20
﴿ذي قوّة﴾ أي : شديد القوى. روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : من قوّته قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب الأرض المقدّسة فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، ويهبط من السماء إلى الأرض ويصعد في أسرع من الطرف.
﴿عند ذي العرش﴾ أي : الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا عند في الحقيقة إلا له، وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى :﴿مكين﴾ أي : ذي مكانة متعلق به عند، أي : ذي منزلة ومكانة ليس عندية جهة بل عندية إكرام وتشريف كقوله تعالى :«أنا عند المنكسرة قلوبهم » وقيل : قويّ في أداء طاعة الله تعالى وترك الإخلال بها.
التكوير 81:21
﴿مطاع ثمّ﴾ أي : في السماوات. قال الحسن : فرض الله تعالى على أهل السماوات طاعة جبريل عليه السلام كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس :«من طاعة جبريل عليه السلام الملائكة أنه لما أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم قال جبريل عليه السلام لرضوان خازن الجنان : افتح له ففتح فدخلها فرأى ما فيها ». ﴿أمين﴾ أي : بليغ الأمانة على الوحي الذي يجيء به. وقيل : الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى حينئذ : ذي قوة على تبليغ الوحي ﴿مطاع﴾ أي : يطيعه من أطاع الله تعالى.
التكوير 81:22
﴿وما صاحبكم﴾ أي : الذي طالت صحبته لكم، وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال حتى إنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وهذا عطف على أنه إلى آخر المقسم عليه.
وأغرق في النفي فقال تعالى :﴿بمجنون﴾ أي : كما زعمتم يتهم في قوله :﴿بل جاء بالحق وصدّق المرسلين﴾ [الصافات: ٣٧] فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون، ولا قول متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء وأكمل الكمل.
تنبيه : استدلّ بذلك بعضهم على فضل جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم حيث عدّ فضائل جبريل عليه السلام واقتصر على نفي الجنون عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو كما قال البيضاوي : ضعيف ؛ إذ المقصود منه نفي قولهم إنما يعلمه بشر، وقولهم افترى على الله كذباً، وقولهم أم به جنة لا تعديد فضله والموازنة بينهما.
التكوير 81:23
﴿ولقد رآه﴾ أي : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته التي خلق عليها، وله ستمائة جناح. ﴿بالأفق المبين﴾ أي : البين، وهو الأفق الأعلى الذي عند سدرة المنتهى حيث لا يكون لبس أصلاً، ولا يكون للشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق المعرفة. وقال مجاهد وقتادة : بالأفق الأعلى من ناحية المشرق.
وعن ابن عباس «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام :«إني أحب أن أراك على صورتك التي تكون فيها في السماء » قال : لن تقوى على ذلك، قال :«بلى ». قال : فأين تشاء أن أتخيل لك، قال :«بالأبطح ». قال : لا يسعني، قال :«فبمنى ». قال : لا تسعني. قال :«فبعرفات ». قال ذلك بالحري أن يسعني، فواعده فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو بجبريل قد أقبل من جبل عرفات بخشخشة وكلكلة قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبيّ صلى الله عليه وسلم خرّ مغشياً عليه، قال : فتحوّل جبريل عن صورته فضمه إلى صدره، وقال : يا محمد لا تخف فكيف لو رأيت إسرافيل، ورأسه تحت العرش ورجلاه في التخوم السابعة، وإنّ العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع يعني : العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. وقيل : إنّ محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل بالأفق المبين، وهو قول ابن مسعود وقد مرّ ذلك في سورة النجم.
التكوير 81:24
﴿وما﴾ أي : وسمعه ورآه والحال أنه ما ﴿هو﴾ أي : محمد صلى الله عليه وسلم ﴿على الغيب﴾ أي : ما غاب من الوحي وخبر السماء، ورؤية جبريل وغير ذلك مما أخبر به. وقرأ ﴿بضنين﴾ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء المشالة من الظنة، وهي التهمة، أي : فليس بمتهم، والباقون بالضاد موافقة للمرسوم من الضن وهو البخل، أي : فليس ببخيل بالوحي فيزوي بعضه، أو يسأل تعليمه فلا يعلمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلواناً وهو في مصحف عبد الله بالظاء، وفي مصحف أبيّ بالضاد، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما.
قال الزمخشري : وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب، ومعرفة مخرجيهما مما لا بدّ منه للقارئ، فإنّ أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين وإن فرقوا ففرقاً غير صواب، وبينهما بون بعيد، فإنّ مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره، وكان عمر بن الخطاب أضبط يعمل بكلتا يديه، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه، وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين. وأمّا الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء، ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان، واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب.
فإن قلت : فإن وضع المصلي أحد الحرفين مكان صاحبه، قلت : هو كوضع الذال مكان الجيم والثاء مكان السين لأنّ التفاوت بين الضاد والظاء كالتفاوت بين أخواتهما اه. كلامه بحروفه.
التكوير 81:25
﴿وما هو﴾ أي : القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار بالمغيبات. وأغرق في النفي بالتأكيد بالباء فقال تعالى :﴿بقول شيطان﴾ أي : مسترق للسمع فيوحيه إليه كما يوحيه إلى بعض الكهنة ﴿رجيم﴾ أي : مرجوم مطرود بعيد من الرحمة، وذلك أنّ قريشاً كانوا يقولون : إنّ هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على لسانه، يريدون بالشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه، فنفى الله تعالى ذلك.
التكوير 81:26
وقوله تعالى :﴿فأين﴾ منصوب بقوله تعالى :﴿تذهبون﴾ لأنه ظرف مبهم، وقال أبو البقاء : أي إلى أين فحذف الجار، أي : فأيّ طريق تسلكون في إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه، وفي هذا استضلال لهم فيما يسلكون من أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم والقرآن كقولك لتارك الجادّة أين تذهب.
التكوير 81:27
﴿إن﴾ أي : ما ﴿هو﴾ أي : القرآن الذي آتاكم به الرسول ﴿إلا ذكر﴾ أي : عظة وشرف ﴿للعالمين﴾ من إنس وجنّ وملك.
التكوير 81:28
وقوله تعالى :﴿لمن شاء منكم﴾ بدل من العالمين بإعادة الجار ﴿أن يستقيم﴾ باتباع الحق. قال أبو جهل : الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، وهذا هو القدر وهو رأس القدرية فنزل ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾.
التكوير 81:29
﴿وما تشاؤون﴾ الاستقامة على الحق ﴿إلا أن يشاء الله﴾ أي : إلا وقت أن يشاء الملك الأعظم الذي بيده كل شيء مشيئتكم الاستقامة عليه ﴿رب العالمين﴾ أي : مالك الخلق. وفي هذا إعلام أنّ أحداً لا يعمل خيراً إلا بتوفيق الله تعالى، ولا شراً إلا بخذلانه. ونقل البغوي في أوّل السورة بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما : أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من أحب أن ينظر في يوم القيامة فليقرأ ﴿إذا الشمس كوّرت﴾ ».
الانفطار 82:1
﴿إذا السماء﴾ أي : على شدّة إحكامها واتساقها وارتفاعها ﴿انفطرت﴾ أي : انشقت لنزول الملائكة كقوله تعالى :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥].
الانفطار 82:2
﴿وإذا الكواكب﴾ أي : النجوم الصغار والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة توقد النار المرصعة ترصيع المسامير ﴿انتثرت﴾ أي : تساقطت متفرّقة ؛ لأنّ عند انتقاض تركيب السماء تنتثر النجوم على الأرض.
الانفطار 82:3
﴿وإذا البحار﴾ المتفرّقة في الأرض وهي ضابطة لها أتم ضبط لنفع العباد على كثرتها ﴿فجرت﴾ أي : فتح بعضها في بعض فاختلط العذب بالملح وزال البرزخ الذي بينها فصارت البحار بحراً واحداً وروي أنّ الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية. وهو معنى التسجير عند الحسن في قوله تعالى :﴿وإذا البحار سجرت﴾ [التكوير: ٦٠] وقال هنا : فجرت بغت.
الانفطار 82:4
﴿وإذا القبور﴾ أي : مع ذلك كله ﴿بعثرت﴾ أي : قلبت، يقال : بعثره وبحثره بالعين والحاء. قال الزمخشري : وهما مركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما، أي : فهما بمعنى، والمعنى : قلب أعلاها أسفلها وقلب باطنها ظاهرها، وخرج ما فيها من الموتى أحياء، وقيل : التبعثر إخراج ما في بطنها من الذهب والفضة، ثم تخرج الموتى بعد ذلك، وجواب إذا أوّل السورة وما عطف عليه.
الانفطار 82:5
﴿علمت نفس﴾ أي : كل نفس وقت هذه المذكورات، وهو يوم القيامة ﴿ما قدّمت﴾ من عمل ﴿وأخرت﴾ أي : جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما. فإن قيل : أي وقت من القيامة يحصل هذا العلم. قال الرازي : أمّا العلم الإجمالي فيحصل في أوّل زمان الحشر ؛ لأنّ المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أوّل الأمر، وأمّا العلم التفصيلي، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة.
الانفطار 82:6
وقوله تعالى :﴿يا أيها الإنسان﴾ أي : البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه خطاب لمنكري البعث. وروى عطاء عن ابن عباس : أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في أبي الشريق ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله تعالى في أوّل أمره. وقيل : تتناول جميع العصاة لأنّ الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ﴿ما غرّك بربك﴾ أي : ما خدعك وسوّل لك الباطل حتى تركت ما أوجب عليك المحسن إليك وأتيت بالمحرّمات ﴿الكريم﴾ أي : الذي له الكمال كله المقتضي لأن لا يهمل الظالم ولا يسوى بين المحسن والمسيء، هذا إذا حملنا الإنسان على جميع العصاة، فإن حملناه على الكافر وهو ظاهر الآية فالمعنى : ما الذي دعاك إلى الكفر وإنكار الحشر والنشر.
فإن قيل : كونه كريماً يقتضي أن يغترّ الإنسان بكرمه لأنه جواد مطلق، والجواد الكريم يستوي عنده طاعة المطيع وعصيان المذنب، وهذا يوجب الاغترار كما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه صيح بغلام له مرّات فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب فقال له : لم لا تجيبني ؟ فقال : لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه.
وقالوا أيضاً : من كرم ساء أدب غلمانه. وإذا ثبت أنّ كرمه يقتضي الاغترار به فكيف جعله هاهنا مانعاً من الاغترار ؟ أجيب : بأنّ حق الإنسان أن لا يغتر بكرم الله تعالى عليه حيث خلقه حياً، وتفضل عليه فهو من كرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطاً في مدّة التوبة، وتأخيراً للجزاء إلى أن يجمع الناس للجزاء فالحاصل أنّ تأخير العقوبة لأجل الكرم، وذلك لا يقتضي الاغترار بهذا التفضيل فإنه منكر خارج عن حدّ الحكمة، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تلاها :«غرّه جهله ». وقال عمر : غرّه حمقه وجهله. وقال الحسن : غرّه والله شيطانه الخبيث، أي : زين له المعاصي. وقال له : افعل ما شئت فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أوّلاً، وهو متفضل عليك آخراً حتى ورّطه.
وقيل للفضيل بن عياض : إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك :﴿ما غرّك بربك الكريم﴾ ماذا تقول له ؟ قال : أقول غرّني ستورك المرخاة، وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع، ويظنّ به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم أنما قال ﴿بربك الكريم﴾ دون سائر صفاته ليلقن عبده الجواب حتى يقول : غرّني كرم الكريم. وقال مقاتل : غرّه عفو الله حيث لم يعاقبه أوّل مرّة. وقال السدي : غرّه رفق الله تعالى به. وقال قتادة : سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان. وقال ابن مسعود : ما منكم من أحد إلا سيخلو الله تعالى به يوم القيامة فيقول : ما غرّك بي يا ابن آدم ؟ ماذا عملت فيما علمت ؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين ؟
الانفطار 82:7
﴿الذي خلقك﴾ أي : أوجدك من العدم مهيأ بتقدير الأعضاء ﴿فسوّاك﴾ عقب تلك الأطوار بتصوير الأعضاء والمنافع بالفعل ﴿فعدلك﴾ أي : جعل كل شيء من ذلك سليماً مودعاً فيه قوّة المنافع التي خلقه الله تعالى لها.
تنبيه : قوله تعالى :﴿الذي﴾ يحتمل الإتباع على البدل والبيان والنعت والقطع إلى الرفع والنصب. واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بالكرم ذكر هذه الأمور الثلاثة كالدلالة على تحقيق ذلك الكرم فقوله سبحانه ﴿الذي خلقك﴾ أي : بعد أن لم تكن لا شك أنه كرم لأنه وجود، والوجود خير من العدم، والحياة خير من الموت. كما قال تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨].
وقوله تعالى :﴿فسوّاك﴾ أي : جعلك مستوي الخلقة سالم الأعضاء غاية في الكرم كما قال تعالى :﴿أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلاً﴾ [الكهف: ٣٧] أي : معتدل الخلق والأعضاء. وقال ذو النون المصري : أي : سخر لك المكوّنات أجمع، وما جعلك مسخراً لشيء منها، ثم أنطق لسانك بالذكر وقلبك بالعقل وروحك بالمعرفة ومدّك بالإيمان وشرفك بالأمر والنهي، وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلاً. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد، بمعنى جعلك متناسب الأطراف فلم يجعل إحدى يديك أو رجليك أطول، ولا إحدى عينيك أوسع فهو من التعديل. وهو كقوله تعالى :﴿بلى قادرين على أن نسوّي بنانه﴾ [القيامة: ٤]. وقال عطاء عن ابن عباس : جعلك قائماً معتدلاً حسن الصورة لا كالبهيمة المنحنية. وقال أبو علي الفارسي : عدلك خلقك في أحسن تقويم مستوياً على جميع الحيوان والنبات، وواصلاً في الكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا العالم. وأمّا قراءة التخفيف فتحتمل هذا أي : عدل بعض أعضائك ببعض ويحتمل أن يكون من العدول، أي : صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال. ونقل القفال عن بعضهم : أنهما لغتان بمعنى واحد.
الانفطار 82:8
﴿في أيّ صورة﴾ أي : من الصور التي تعرفها والتي لا تعرفها من الدواب والطيور وغير ذلك من الحيوان وغيره، وما في قوله تعالى :﴿ما شاء﴾ مزيدة، وفي أيّ متعلق بركب في قوله تعالى ﴿ركبك﴾ أي : ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه. فإن قيل : هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها ؟ أجيب : بأنها بيان لعدلك ويجوز أن تتعلق بمحذوف، أي : ركبك حاصلاً في بعض الصور، ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف، ويجوز أن يتعلق بعدلك ويكون في أي معنى التعجب، أي : فعدلك في صورة عجيبة : ثم قال :﴿ما شاء ركبك﴾ من التراكيب يعني : تركيباً حسناً.
الانفطار 82:9
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى والتعلق به، وهو موجب الشكر والطاعة إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية. وقوله تعالى :﴿بل تكذبون﴾ أي : يا كفار مكة ﴿بالدين﴾ إضراب إلى ما هو السبب الأصلي في اغترارهم والمراد بالدين الجزاء على الأعمال والإسلام.
الانفطار 82:10
﴿وإنّ﴾ أي : والحال أنّ ﴿عليكم﴾ أي : ممن أقمناهم من جندنا من الملائكة ﴿لحافظين﴾ أي : على أعمالكم بحيث لا يخفى عليهم منها جليل ولا حقير.
الانفطار 82:11
﴿كراماً﴾ أي : على الله تعالى ﴿كاتبين﴾ أي : لهذه الأعمال في الصحف كما تكتب الشهود منكم العهود ليقع الجزاء على غاية التحرير.
تنبيه : هذا الخطاب وإن كان خطاب مشافهة إلا أنّ الأمّة أجمعت على عموم هذا الخطاب في حق المكلفين، وقوله تعالى :﴿حافظين﴾ جمع يحتمل أن يكونوا حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخر، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعاً من الملائكة، كما قيل : اثنان بالليل واثنان بالنهار، أو كما قيل : إنهم خمسة.
واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة. فقيل : لا لأنّ أمرهم ظاهر وعملهم واحد، قال تعالى :﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ [الرحمن: ٤١] وقيل : عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى :﴿بل تكذبون بالدين ٩ وإن عليكم لحافظين﴾ [ الانفطار : ١٠ – ١١ ] وقوله تعالى :﴿وأمّا من أوتي كتابه بشماله﴾ [الحاقة: ٢٥] وقوله تعالى :﴿وأمّا من أوتي كتابه وراء ظهره﴾ [الانشقاق: ١٠] فأخبر أنّ لهم كتاباً وأنّ عليهم حفظة.
فإن قيل فأي شيء يكتب الذي عن يمينه ولا حسنة له ؟ أجيب : بأنّ الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون صاحبه شاهداً على ذلك وإن لم يكتب. وفي هذه الآية دلالة على أنّ الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم لوصف الملائكة بكونهم حافظين كراماً كاتبين.
الانفطار 82:12
﴿يعلمون﴾ أي : على التجدد والاستمرار ﴿ما تفعلون﴾ فدل على أنهم يكونون عالمين بها حتى إنهم يكتبونها، فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء الشهادة، وفي تعظيم الكتبة تعظيم لأمر الجزاء، فإنه عند الله من جلائل الأمور، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه وفيه إنذار وتهويل للعصاة، ولطف بالمؤمنين. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال : ما أشدها من آية على الغافلين.
الانفطار 82:13
ولما وصف تعالى الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين، وقسمهم قسمين، وبدأ بقسم أهل السعادة. فقال تعالى :﴿إنّ الأبرار﴾ أي : المؤمنين الصادقين في إيمانهم بأداء فرائض الله تعالى واجتناب معاصيه ﴿لفي نعيم﴾ أي : محيط بهم أبد الآبدين، وهو نعيم الجنة الذي لا نهاية له.
الانفطار 82:14
ثم ذكر قسم أهل الشقاوة بقوله تعالى :﴿وإنّ الفجار﴾ الذي من شأنهم الخروج عما ينبغي الاستقرار فيه من رضا الله تعالى إلى سخطه، وهم الكفار ﴿لفي جحيم﴾ أي : نار محرقة تتوقد غاية التوقد فهم فيها أبد الآبدين.
الانفطار 82:15
﴿يصلونها﴾ أي : يدخلونها ويقاسون حرّها ﴿يوم الدين﴾ أي : يوم الجزاء وهو يوم القيامة.
الانفطار 82:16
﴿وما هم عنها﴾ أي : الجحيم ﴿بغائبين﴾ أي : مخرجين، ويجوز أن يراد يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك في قبورهم.
وقيل : أخبر الله تعالى في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات حالة الحياة التي يحفظ فيها عمله، وحالة الآخرة التي يجازى فيها، وحالة البرزخ وهو قوله تعالى :﴿وما هم عنها بغائبين﴾.
وروي أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم المدني : ليت شعري ما لنا عند الله، قال : اعرض عملك على كتاب الله تعالى، فإنك تعلم ما لك عند الله تعالى، قال : فأين أجد ذلك في كتاب الله ؟ قال : عند قوله تعالى :﴿إنّ الأبرار لفي نعيم﴾ الآية.
قال سليمان : فأين رحمة الله تعالى ؟ قال : قريب من المحسنين.
الانفطار 82:17
ثم عظم سبحانه وتعالى ذلك اليوم فقال :﴿وما أدراك﴾ أي : وما أعلمك وإن اجتهدت في تطلب الدراية به ﴿ما يوم الدين﴾ أي : أيّ شيء هو في طوله وهوله وفظاعته وزلزاله.
الانفطار 82:18
ثم كرره تعجباً لشأنه فقال تعالى :﴿ثم ما أدراك﴾ أي : كذلك ﴿ما يوم الدين﴾ أي : إنّ يوم الدين الذي بحيث لا تدرك دراية دار كنهه في الهول والشدّة، وكيفما تصوّرته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه. والتكرير لزيادة التهويل.
الانفطار 82:19
ثم أجمل تعالى القول في وصفه فقال سبحانه :﴿يوم لا تملك﴾ أي : بوجه من الوجوه في وقت ما ﴿نفس﴾ أي : أيّ نفس كانت ﴿لنفس شيئاً﴾ أي : قل أوجل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع يوم على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي : هو يوم. وجوّز الزمخشري أن يكون بدلاً مما قبله، يعني : يوم الدين، والباقون بالفتح بإضمار أعني أو اذكر.
﴿والأمر﴾ أي : كله ﴿يومئذ﴾ أي : إذ كان البعث للجزاء ﴿لله﴾ أي : ملك الملوك لا أمر لغيره فيه فلا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحداً شيئاً كما ملكهم في الدنيا.
المطففين 83:1
﴿ويل﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء، وهو إمّا كلمة عذاب أو هلاك ثابت عظيم في كل حال من أحوال الدنيا والآخرة، أو واد في جهنم. وقوله تعالى :﴿للمطففين﴾ خبره، والتطفيف البخس في الكيل والوزن ؛ لأنّ ما يبخس شيء طفيف حقير. قال الزجاج : وإنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان : مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
وروى ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، وكانوا من أبخس الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم وقال :«خمس بخمس » قيل : يا رسول الله ما خمس ؟ قال :«ما نقض قوم العهد إلا سلط الله تعالى عليهم عدوّهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر ». وقال : السدي : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فنزلت.
وقيل : كان أهل المدينة تجاراً يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة فنزلت. وعن عليّ أنه مرّ برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له : أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت كأنه أمر بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن ابن عباس : إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والميزان، وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعاً وكانا مفرّقين في الحرمين، كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون. وعن ابن عمر أنه كان يمرّ بالبائع فيقول : اتق الله وأوف الكيل، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إنّ العرق يلجمهم إلى أنصاف آذانهم. وعن عكرمة أشهد أنّ كل كيال ووزان في النار فقيل له : إن ابنك كيال أو وزان فقال : أشهد أنه في النار. وعن أبيّ : لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين.
المطففين 83:2
ثم بين تعالى المطففين من هم بقوله تعالى :﴿الذين إذا اكتالوا﴾ أي : عالجوا الكيل ﴿على الناس﴾ أي : كائنين من كانوا لا يخافون شيئاً، ولا يراعون أحداً بل صارت الخيانة والوقاحة لهم ديدناً ﴿يستوفون﴾ أي : إذا كالوا منهم وأبدل على مكان من للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال يضرهم ويتحامل فيه عليهم، ويجوز أن يتعلق على ب ﴿يستوفون﴾ ويقدّم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي : يستوفون على الناس خاصة، وأمّا أنفسهم فيستوفون لها. وقال الفراء : من وعلى يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال : اكتلت عليك فكأنه قال : أخذت ما عليك، وإذا قال : اكتلت منك فكقوله : استوفيت منك.
المطففين 83:3
﴿وإذا كالوهم﴾ أي : كالوا للناس أي : حقهم، أي : مالهم من الحق ﴿أو وزنوهم﴾ أي : وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال القائل :
ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً؍ ولقد نهيتك عن بنات الأوبر؍
وقال آخر : والحريص بصيدك لا الجواد. بمعنى جنيت لك ويصيد لك ويقال : وزنتك حقك، وكلتك طعامك، أي : وزنت لك وكلت لك، ونصحتك ونصحت لك، وكسبتك وكسبت لك والأكمؤ جمع كمأة، والعساقل ضرب منها، وأصله : عساقيل لأنّ واحدها عسقول كعصفور فحذفت الياء للضرورة، وبنات أوبر ضرب من الكمأة رديء.
﴿يخسرون﴾ جواب إذا، وهو يتعدى بالهمزة. يقال : خسر الرجل وأخسرته أنا مفعوله محذوف، أي : يخسرون الناس متاعهم. وقيل : يخسرون أي : ينقصون بلغة فارس أي : ينقصون الكيل أو الوزن.
المطففين 83:4
وقوله تعالى :﴿ألا يظنّ أولئك﴾ أي : الأخساء البعداء الأراذل ﴿أنهم مبعوثون ليوم﴾ أي : لأجله أو فيه.
المطففين 83:5
وزاد التهويل بقوله تعالى :﴿عظيم﴾ إنكاراً وتعجيباً من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة والخردلة. وقيل : الظنّ بمعنى اليقين.
المطففين 83:6
وقوله تعالى :﴿يوم﴾ يجوز نصبه بمبعوثون، أو بإضمار أعني، أو بدل من محل يوم فناصبه يبعثون ﴿يقوم الناس﴾ أي : من قبورهم ﴿لرب العالمين﴾ أي : الخلائق لأجل أمره وجزائه وحسابه. وعن ابن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«يوم يقول الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه ». وعن المقداد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد. حتى تكون قيد ميل أو اثنين قال سليم : لا أدري أي : الميلين يعني : مسافة الأرض أو الميل الذي تكتحل به العين قال : فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه على حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاماً، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشير بيده إلى فيه يقول : ألجمه إلجاماً ».
وعن قتادة : أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك. وعن الفضيل : بخس الميزان سواد الوجوه يوم القيامة. وعن عبد الملك بن مروان أنّ أعرابياً قال له : سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أنّ المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم، الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن، وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظنّ ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لله تعالى خاضعين، ووصفه ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم الذنب، وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف، وترك القيام بالقسط والعمل على السوية، والعدل في كل أخذ وإعطاء بل في كل قول وعمل.
وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله تعالى :﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعده. وعن بعض المفسرين أنّ لفظ التطفيف يتناول التطفيف في الوزن والكيل. وفي إظهار العيب وإخفائه وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ويقال : من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف، والمعاشرة والصحبة في هذه المادّة، والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة، ومن طلب حق نفسه من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه.
المطففين 83:7
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع، أي : ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا، وهاهنا تم الكلام. وقال الحسن : كلا ابتداء متصل بما بعده على معنى حقاً، وجرى الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأوّل.
﴿إنّ كتاب الفجار﴾ أي : كتب أعمال الكفار وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف. واختلف في معنى قوله سبحانه وتعالى :﴿لفي سجين﴾ فقيل : هو كتاب جامع، وهو ديوان الشر دوّن الله تعالى فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجنّ والإنس، وقيل : هو مكان تحت الأرض السابعة وهو محل إبليس وجنوده. وقال عبد الله بن عمر : سجين في الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار.
وعن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سجين أسفل سبع أرضين وعليون في السماء السابعة تحت العرش ». وقال الكلبي : هو صخرة تحت الأرض السابعة خضراء خضرة السماوات منها يجعل كتاب الفجار فيها. وقال وهب : هي آخر سلطان إبليس. وعن كعب الأحبار : أنّ روح الفاجر يعني : الكافر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها، ثم هبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس وذلك استهانة بها، ويشهدها الشياطين المدحورون كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقرّبون. وقال عكرمة : لفي سجين، أي : في خسار وضلال.
المطففين 83:8
﴿وما أدراك﴾ أي : جعلك دارياً وإن اجتهدت في ذلك. ﴿ما سجين﴾ وقال الزجاج : أي : ليس لك ذلك ما كنت تعلمه أنت ولا قومك.
المطففين 83:9
وقوله تعالى :﴿كتاب مرقوم﴾ ليس تفسيراً لسجين بل هو بيان للكتاب المذكور في قوله تعالى :﴿إن كتاب الفجار﴾ أي : هو كتاب مرقوم، أي : مسطور بين الكتابة مكتوب فيه أعمالهم مثبت عليهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازون به، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه. وقيل : الرقم الختم بلغة حمير، واقتصر على هذا الجلال المحلي. وقال قتادة : رقم عليه بشرّ كأنه علم بعلامة يعرف بها أنه كافر. والمعنى : أنّ ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي سجيناً فعيلاً من السجن وهو الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض كما مرّ.
فإن قيل : سجين هل هو اسم أو صفة ؟ أجيب : بأنه اسم علم منقول من وصف كحاتم، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف.
المطففين 83:10
﴿ويل﴾ أي : أعظم الهلاك ﴿يومئذ﴾ أي : إذ تقوم الناس لما تقدّم ﴿للمكذبين﴾ أي : بذلك أو بالحق.
المطففين 83:11
وقوله تعالى :﴿الذين يكذبون بيوم﴾ أي : بسبب الإخبار بيوم ﴿الدين﴾ أي : الجزاء الذي هو سر الوجود بدل أو بيان للمكذبين، ثم أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين بثلاث صفات ذكر أولها بقوله تعالى :﴿وما يكذب به إلا كل معتد أثيم﴾.
المطففين 83:12
﴿وما﴾ أي : والحال أنه ما ﴿يكذب به﴾ أي : بذلك اليوم ﴿إلا كل معتد﴾ أي : متجاوز عن النظر غال في التقليد، حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه، فاستحال منه الإعادة. ثم ذكر الصفة الثانية بقوله تعالى :﴿أثيم﴾ أي : منهمك في الشهوات المحرجة بحيث اشتغل عما وراءها وحملته على الإنكار لما عداها.
المطففين 83:13
ثم ذكر الصفة الثالثة بقوله تعالى :﴿إذا تتلى عليه آياتنا﴾ أي : القرآن ﴿قال أساطير الأوّلين﴾ أي : الحكايات سطرت قديماً جمع أسطور بالضم، وذلك لفرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه شواهد النقل كما لا تنفعه دلائل العقل، وهذا عام في كل موصوف بذلك، وقال الكلبي : هو الوليد بن المغيرة. وقيل : هو النضر بن الحارث.
المطففين 83:14
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع وزجر، أي : ليس هو أساطير الأوّلين، وقال الحسن : معناها حقاً كما مرّ. ﴿بل ران﴾ أي : غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم السماء ﴿على قلوبهم﴾ أي : كل من قال هذا القول ﴿ما كانوا يكسبون﴾ أي : كما يركب الصدأ من إصرارهم على الكبائر وتسويف التوبة حتى طبع على قلوبهم فلا تقبل الخير ولا تميل إليه. روى أبو هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نكتت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها وإذا زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلكم الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه المبين ». وقال أبو معاذ : الران أن يسودّ القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب وهو أشدّ من الران، والأقفال أشدّ من الطبع، وهو أن يقفل على القلب، قال تعالى :﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] وقال الحسن : هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب ويغشى فيموت القلب.
قال صلى الله عليه وسلم «إياكم والمحقرات من الذنوب فإنّ الذنب على الذنب يوقد على صاحبه جحيماً ضخمة ». وعن الحسن : الذنب بعد الذنب يسود القلب. يقال : ران عليه الذنب وغان عليه ربنا وغينا والغين الغيم، ويقال : ران فيه النوم : رسخ فيه، ورانت به الخمرة ذهبت به. وقرأ حمزة وشعبة والكسائي بالإمالة : محضة، والباقون بالفتح وسكت حفص على اللام وقفة لطيفة من غير قطع والباقون بغير سكت.
المطففين 83:15
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم، وقيل : بمعنى حقاً كما مرّ ﴿إنهم عن ربهم﴾ أي : المحسن إليهم ﴿يومئذ لمحجوبون﴾ أي : فلا يرونه بخلاف المؤمنين فإنهم يرونه كما ثبت لك في الأحاديث الصحيحة. وقال الحسن : لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا. وسئل مالك عن هذه الآية فقال : لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه.
وفي قوله تعالى :﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ دلالة على أنّ أولياء الله يرون الله تعالى، ومن نفى الرؤية كالزمخشري جعله تمثيلاً للاستخفاف بهم وإهانتهم ؛ لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء والمكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأذناب المهانون عندهم. وعن ابن عباس وقتادة : محجوبون عن رحمته. وعن ابن كيسان : عن كرامته.
المطففين 83:16
﴿ثم إنهم﴾ أي : بعد ما شاء الله تعالى من إمهالهم ﴿لصالوا الجحيم﴾ أي : لداخلوا النار المحرقة.
المطففين 83:17
﴿ثم يقال﴾ أي : تقول لهم الخزنة ﴿هذا﴾ أي : العذاب ﴿الذي كنتم به تكذبون﴾ أي : في دار الدنيا.
المطففين 83:18
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع عن التكذيب، وقيل : معناها حقاً كما مرّ. وقال البيضاوي : تكرير للأوّل ليعقب بوعد الأبرار كما عقب بوعيد الفجار إشعار بأنّ التطفيف فجور والإيفاء برّ، وردع عن التكذيب ﴿إنّ كتاب الأبرار﴾ أي : كتب أعمال المؤمنين الصادقين في إيمانهم ﴿لفي عليين﴾ وعليون علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته صلحاء الثقلين، منقول من جمع فعيل من العلو كسجين من السجن، سمي بذلك إمّا لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإمّا لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريماً له وتعظيماً. وروي «أنّ الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقبلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم إنكم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين، وقد غفرت له وإنها لتصعد بعمل العبد فيزكونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين ». وعن البراء مرفوعاً :«عليين في السماء السابعة تحت العرش ». وقال ابن عباس : هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش، أعمالهم مكتوبة فيها. وقال كعب وقتادة : هو قائمة العرش اليمنى. وقال عطاء عن ابن عباس : هو الجنة. وقال الضحاك : سدرة المنتهى. وقال بعض أهل المعاني علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون. قال الفراء : هو اسم موضع على صيغة الجمع لا واحد له من لفظه مثل عشرين وثلاثين.
المطففين 83:19
﴿وما أدراك﴾ أي : جعلك دارياً وإن بالغت في الفحص ﴿ما عليون﴾ أي : ما كتاب عليين هو ﴿كتاب مرقوم﴾.
المطففين 83:20
﴿كتاب﴾ أي : عظيم ﴿مرقوم﴾ أي : فيه أنّ فلاناً أمن من النار رقماً، يا له من رقم ما أبهاه وأجمله.
المطففين 83:21
﴿يشهده المقرّبون﴾ يحضرونه فيشهدون على ما فيه يوم القيامة، أو يحفظونه.
المطففين 83:22
ولما عظم كتابهم عظم منزلتهم بقوله تعالى :﴿إنّ الأبرار لفي نعيم﴾ أي : في الجنة ثم بين ذلك النعيم بأمور ثلاثة : أوّلها : قوله تعالى :﴿على الأرائك ينظرون﴾.
المطففين 83:23
﴿على الأرائك﴾ أي : الأسرة في الحجال، ولا يسمى أريكة إلا إذا كان كذلك، والحجال بكسر الحاء جمع حجلة، وهي بيت يزين بالثياب والستور والأسرة، قاله الجوهري. ﴿ينظرون﴾ أي : إلى ما شاؤوا مدّ أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم الله تعالى من النعمة والكرامة، وإلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك. وقال الرازي : ينظرون إلى ربهم بدليل قوله تعالى :﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾.
المطففين 83:24
﴿تعرف﴾ أي : أيها الناظر إليهم ﴿في وجوههم﴾ عند رؤيتهم ﴿نضرة النعيم﴾ أي : بهجته وحسنه ورونقه كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه، أو الخطاب إمّا للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو لكل ناظر، وقال الحسن : النضرة في الوجه والسرور في القلب وهذا هو الأمر الثاني.
المطففين 83:25
وأمّا الثالث فهو قوله تعالى :﴿يسقون من رحيق﴾ أي : خمر صافية طيبة وقال مقاتل : الخمر البيضاء. وقال الرازي : لعله الخمر الموصوف بقوله تعالى :﴿لا فيها غول﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿مختوم﴾ أي : ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار. وقال القفال : يحتمل أن يكون ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر أخرى تجري انهاراً لقوله تعالى :﴿وأنهار من خمره لذة للشاربين﴾ [محمد: ١٥] إلا أنّ هذا المختوم أشرف من الجاري.
المطففين 83:26
﴿ختامه مسك﴾ أي : آخر شربه يفوح منه مسك، فالمختوم الذي له ختام، أي : آخر شربه، وختم كل شيء الفراغ منه. وقال قتادة : يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. وقال ابن زيد : ختامه عند الله مسك. وقيل : طينه مسك. وقيل : تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة.
﴿وفي ذلك﴾ أي : الأمر العظيم البعيد التناول، وهو العيش والنعيم أو الشراب الذي هذا وصفه ﴿فليتنافس﴾ أي : فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار ﴿المتنافسون﴾ أي : الذين من شأنهم المنافسة، وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ذلك المتنافس فيه لنفسه خاصة دون غيره ؛ لأنه نفيس جداً، والنفيس هو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتتغالى فيه، والمنافسة في مثل هذا بكثرة الأعمال الصالحة والنيات الخالصة.
وقال مجاهد : فليعمل العاملون نظيره قوله تعالى :﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ [الصافات: ٦١] وقال مقاتل بن سليمان : فليسارع المتسارعون. وقال عطاء : فليستبق المستبقون. وقال الزمخشري : فليرتقب المرتقبون. والمعنى : واحد. وأصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس ويريده كل أحد لنفسه، وينفس فيه على غيره أي : يضنّ.
المطففين 83:27
﴿ومزاجه﴾ أي : ما يمزج به ذلك الرحيق ﴿من تسنيم﴾ وهو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه ؛ لأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتصب في أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة، فإذا امتلأت أمسكت.
المطففين 83:28
وقوله تعالى :﴿عيناً﴾ نصب على المدح، وقال الزجاج : نصب على الحال. ﴿يشرب بها﴾ أي : بسببها على طريقة المزج منها ﴿المقرّبون﴾ وضمن يشرب معنى يلتذ، فهم يشربونها صرفاً، وتمزج سائر أهل الجنة.
المطففين 83:29
﴿إنّ الذين أجرموا﴾ أي : قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وهم رؤوساء قريش. ﴿كانوا من الذين آمنوا﴾ وهم فقراء الصحابة عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ﴿يضحكون﴾ أي : استهزاء بهم.
المطففين 83:30
﴿وإذا مرّوا﴾ أي : المؤمنون ﴿بهم﴾ أي : بالذين أجرموا ﴿يتغامزون﴾ أي : يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء بهم. وقيل : يغمز بعضهم بعضاً ويشيرون بأعينهم. قيل : جاء عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخروا منه المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم الأصلع وضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل عليّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.
المطففين 83:31
﴿وإذا انقلبوا﴾ أي : رجع الذين أجرموا برغبتهم في الرجوع وإقبالهم عليه من غير تكرّه ﴿إلى أهلهم﴾ أي : منازلهم التي هي عامرة بجماعتهم. وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم، وأبو عمرو بكسر الهاء، والباقون بكسر الهاء وضم الميم ﴿انقلبوا﴾ حالة كونهم ﴿فاكهين﴾ أي : متلذذين بما كان من مكنتهم ورفعتهم التي أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم، قال ابن برجان : روي عنه عليه الصلاة والسلام :«إن الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ » «يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر » وفي أخرى :«يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة » وفي أخرى :«العالم فيهم أنتن من جيفة حمار فالله المستعان ». وقرأ حفص بغير ألف بين الفاء والكاف والباقون بالألف، قيل هما بمعنى، وقيل : فكهين فرحين وفاكهين ناعمين. وقيل : فاكهين أصحاب فاكهة ومزاح.
المطففين 83:32
﴿وإذا رأوهم﴾ أي : رأى المجرمون المؤمنين ﴿قالوا﴾ أي : المجرمون ﴿إنّ هؤلاء﴾ أي : المؤمنين ﴿لضالون﴾ أي : لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم يرون أنهم على شيء، وهم على ضلال في تركهم التنعيم الحاضر بسبب شيء لا يدرى هل له وجود أم لا ؟
المطففين 83:33
قال الله تعالى :﴿وما﴾ أي : والحال أنهم ما ﴿أرسلوا﴾ أي : الكفار ﴿عليهم﴾ أي : على المؤمنين ﴿حافظين﴾ أي : موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، وهذا تهكّم بهم. وقيل : هو من جملة قول الكفار، وأنهم إذا رأوا المسلمين قالوا : إنّ هؤلاء لضالون، وأنهم لم يرسلوا عليهم حافظين، إنكار لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام، وجدّهم في ذلك.
المطففين 83:34
وقوله تعالى :﴿فاليوم﴾ منصوب بيضحكون، ولا يضر تقديمه على المبتدأ ؛ لأنه لو تقدّم العامل هنا لجاز ؛ إذ لا لبس بخلاف : زيد قام في الدار لا يجوز في الدار زيد قام، ومعنى فاليوم أي : في الآخرة ﴿الذين آمنوا﴾ ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان ﴿من الكفار يضحكون﴾ وفي سبب هذا الضحك وجوه منها :
أنّ الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا بسبب ما هم فيه من الضر والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين بسبب ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه.
ومنها أنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا الباقي بالفاني.
ومنها أنهم يرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير راحة الأبد.
ومنها : قال أبو صالح : يقال لأهل النار وهم فيها : اخرجوا وتفتح لهم أبوابها فإذا رأوها وقد فتحت أبوابها أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها غُلِّقت دونهم يفعل ذلك بهم مراراً فذلك سبب الضحك.
ومنها : أنهم إذا دخلوا الجنة وأجلسوا على الأرائك ينظرون إلى الكفار كما قال تعالى :﴿على الأرائك ينظرون﴾.
المطففين 83:35
﴿على الأرائك﴾ أي : الأسرة العالية ﴿ينظرون﴾ إليهم كيف يعذبون في النار ويرفعون أصواتهم بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضاً.
تنبيه : ينظرون حال من يضحكون، أي : يضحكون ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان. وقال كعب : بين الجنة والنار كوى، إذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له كان في الدنيا اطلع عليه من تلك الكوى كما قال تعالى :﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥] فإذا اطلعوا من الجنة على أعدائهم وهم يعذبون في النار ضحكوا.
المطففين 83:36
قال الله تعالى :﴿هل ثوّب الكفار﴾ أي : هل جوزوا ﴿ما كانوا يفعلون﴾ أي : جزاء استهزائهم بالمؤمنين، ومعنى الاستفهام هاهنا : التقرير، وثوّبه وأثابه بمعنى واحد إذا جازاه. قال أوس :
سأجزيك أو يجزيك عني مثوّب؍ وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي؍
وقرأ الكسائي وهشام بإدغام اللام في الثاء والباقون بالإظهار.
الانشقاق 84:1
وقوله تعالى :﴿إذا السماء﴾ أي : على ما لها من الأحكام والعظمة ﴿انشقت﴾ كقوله تعالى :﴿إذا الشمس كوّرت﴾ [التكوير: ١] في إضمار الفعل وعدمه، وفي إذا هذه احتمالان : أحدهما : أن تكون شرطية، والثاني : أن تكون غير شرطية. فعلى الأوّل في جوابها أوجه : أحدها : أنه محذوف ليذهب المقدر كل مذهب، أو اكتفاء بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار، وهو قوله تعالى :﴿علمت نفس﴾ [ الانفطار : ٥، وسورة التكوير : ١٤ ]
والثاني : جوابها ما دل عليه ﴿فملاقيه﴾ الثالث : أنه ﴿يا أيها الإنسان﴾ على حذف الفاء وعلى كونها غير شرطية فهي مبتدأ، وخبرها إذا الثانية والواو مزيدة، تقديره : وقت انشقاق السماء وقت مدّ الأرض، أي : يقع الأمران في وقت. قاله الأخفش. وقيل : إنه منصوب مفعولاً به بإضمار اذكر انشقاقها بالغمام، وهو من علامات القيامة كقوله تعالى :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] وعن عليّ تنشق من المجرّة. قال ابن الأثير : المجرّة هي البياض المعترض في السماء والسراب من جانبها.
الانشقاق 84:2
﴿وأذنت﴾ أي : سمعت وأطاعت في الانشقاق ﴿لربها﴾ أي : لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها انقياد المطواع الذي ورد عليه الأمر من جهة المطاع، فأنصت له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع، كقوله :﴿أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١٠] ﴿وحقت﴾ أي : حق لها أن تسمع وتطيع بأن تنقاد ولا تمتنع. يقال : حق بكذا فهو محقوق وحقيق.
الانشقاق 84:3
﴿وإذا الأرض﴾ أي : على ما لها من الصلابة ﴿مدّت﴾ أي : زيد في سعتها كمدّ الأديم ولم يبق عليها بناء ولا جبل، كما قال تعالى :﴿قاعاً صفصفاً ١٠٦ لا ترى فيها عوجاً ولا أمّتا﴾ [ طه : ١٠٦ ١٠٧ ] وعن ابن عباس مدّت مدّ الأديم العكاظيّ لأنّ الأديم إذا مدّ زال كل انثناء فيه وأمت واستوى.
الانشقاق 84:4
﴿وألقت﴾ أي : أخرجت ﴿ما فيها﴾ من الكنوز والموتى كقوله تعالى :﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢١]. ﴿وتخلت﴾ أي : خلت منها حتى لم يبق في بطنها شيء، وذلك يؤذن بعظم الأمر كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدّة، ووصفت الأرض بذلك توسعاً وإلا فالتحقيق أنّ الله تعالى هو المخرج لتلك الأشياء من الأرض.
الانشقاق 84:5
وقوله تعالى :﴿وأذنت لربها وحقت﴾ تقدّم تفسيره، وهذا ليس بتكرار لأنّ الأول في السماء وهذا في الأرض، وتقدّم جواب إذا. ومن جملة ما قيل فيه : وما عطف عليه أنه محذوف دل عليه ما بعده، تقديره : لقي الإنسان عمله وذلك كله يوم القيامة.
الانشقاق 84:6
واختلف في الإنسان في قوله تعالى :﴿يا أيها الإنسان﴾ أي : الآنس بنفسه الناسي لأمر ربه ﴿إنك كادح﴾ فقيل : المراد جنس الإنسان كقولك : يا أيها الرجل، فكأنه خطاب خص به أحد من الناس. قال القفال : وهو أبلغ من العموم ؛ لأنه قائم مقام التنصيص على مخاطبة كل واحد منهم على التعيين بخلاف اللفظ العامّ. وقيل : المراد منه رجل بعينه، فقيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى : إنك كادح في إبلاغ رسالات الله تعالى وإرشاد عباده وتحمل الضرر من الكفار، فأبشر فإنك تلقى الله تعالى بهذا العمل. وقال ابن عباس : هو أبيّ بن خلف وكدحه هو جدّه واجتهاده في طلب الدنيا، وإيذاء النبيّ صلى الله عليه وسلم والإصرار على الكفر. والكدح : جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلده إذا خدشه.
ومعنى كادح ﴿إلى ربك﴾ أي : جاهد إلى لقائه وهو الموت، أي : هذا الكدح يستمرّ إلى هذا الزمن وقال القفال : تقديره إنك كادح في دنياك. ﴿كدحاً﴾ تصير إلى ربك. وقوله تعالى :﴿فملاقيه﴾ يجوز أن يكون عطفاً على كادح، والسبب فيه ظاهر، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي : فأنت ملاقيه، وقيل : جواب إذا، والضمير في ملاقيه إمّا للرب أي : ملاقي حكمه لا مفر لك منه، وإمّا للكدح إلا أنّ الكدح عمل وهو عرض لا يبقى، فملاقاته ممتنعة، فالمراد جزاء كدحك من خير أو شرّ. وقال الرازي : المراد ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك الأعمال، ويؤكد هذا قوله تعالى بعده :﴿فأمّا من أوتي كتابه بيمينه﴾.
الانشقاق 84:7
﴿فأمّا من أوتي كتابه﴾ أي : كتاب عمله الذي كتبته الملائكة. ﴿بيمينه﴾ أي : من أمامه وهو المؤمن المطيع.
الانشقاق 84:8
﴿فسوف يحاسب﴾ أي : يقع حسابه بوعد لا خلف فيه، وإن طال الأمد لإظهار الجبروت والكبرياء والقهر. ﴿حساباً يسيراً﴾ هو عرض عمله عليه كما فسر في حديث الصحيحين وفيه :«من نوقش الحساب هلك » وفي رواية :«من حوسب عذب ». وقالت عائشة :«أليس يقول الله تعالى :﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ فقال : إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب »وإنما حوسب حساباً سهلاً لأنه كان يحاسب نفسه فلا تقع له المخالفة إلا ذهولاً، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ويعفى عن سيئها.
الانشقاق 84:9
﴿وينقلب﴾ أي : يرجع بنفسه من غير مزعج برغبة وقبول ﴿إلى أهله﴾ أي : الذين أهله بهم في الجنة من الحور العين والآدميات والذريات إذا كانوا مؤمنين ﴿مسروراً﴾ أي : قد أوتي جنة وحريراً، فإنه كان في الدنيا في أهله مشفقاً من العرض على الله يحاسب نفسه حساباً عسيراً مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش.
الانشقاق 84:10
﴿وأمّا من أوتي كتابه وراء ظهره﴾ وهو الكافر تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره فيأخذ بها كتابه.
الانشقاق 84:11
﴿فسوف يدعو﴾ أي : بوعد لا خلف في وقوعه ﴿ثبوراً﴾ يقول : يا ثبوراه، والثبور : الهلاك، كقوله تعالى :﴿دعوا هنالك ثبوراً﴾ [الفرقان: ١٣].
الانشقاق 84:12
﴿ويصلى سعيراً﴾ أي : يدخل النار الشديدة. وقرأ أبو عمرو وعاصم بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام، والباقون بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، وإذا فتح ورش غلظ اللام، وإذا أمال رقق والباقون بالفتح.
الانشقاق 84:13
﴿إنه كان﴾ أي : بما هو له كالجبلة ﴿في أهله﴾ أي : عشيرته في الدنيا ﴿مسروراً﴾ قال القفال : أي : منعماً مستريحاً من التعب بأداء العبادات واحتمال مشقة الفرائض من الصلاة والجهاد مقدماً على المعاصي آمناً من الحساب والثواب والعقاب لا يخاف الله تعالى، ولا يرجوه فأبدله الله تعالى بذلك السرور غماً باقياً لا ينقطع.
وقيل : إنّ قوله تعالى :﴿إنه كان في أهله مسروراً﴾ كقوله تعالى :﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين﴾ [المطففين: ٣١] أي : متنعمين في الدنيا معجبين بما هم عليه من الكفر بالله تعالى والتكذيب بالبعث، ويضحكون ممن آمن بالله تعالى، وصدّق بالحساب كما قال صلى الله عليه وسلم «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ».
الانشقاق 84:14
﴿إنه ظنّ﴾ أي : لضعف نظره ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي : أنه ﴿لن يحور﴾ أي : لن يرجع إلى الله تعالى تكذيباً بالمعاد. يقال : لا يحور ولا يحول، أي : لا يرجع ولا يتغير. قال لبيد :
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه؍ يحور رماداً بعد إذ هو ساطع؍
وعن ابن عباس : ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها : حوري، أي : ارجعي.
الانشقاق 84:15
وقوله تعالى :﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي في لن يحور، أي : بلى ليحورنّ. ﴿إنّ ربه﴾ أي : الذي ابتدأ إنشاؤه ورباه ﴿كان﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿به بصيراً﴾ أي : من يوم خلقه إلى يوم بعثه، أو بأعماله لا ينساها. وقال عطاء : بصيراً بما سبق عليه في أمّ الكتاب من الشقاوة.
الانشقاق 84:16
واختلفوا في الشفق في قوله تعالى :﴿فلا أقسم بالشفق﴾ فقال مجاهد : هو النهار كله. وقال عكرمة : ما بقي من النهار. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين : هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وقال قوم : هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة.
تنبيه : سمي بذلك لرقته، ومنه الشفقة على الإنسان رقة القلب عليه واللام في لا أقسم مزيدة للتأكيد.
الانشقاق 84:17
﴿والليل﴾ أي : الذي يغلبه ويذهبه ﴿وما وسق﴾ أي : ما جمع وضم يقال وسقه فاتسق واستوسق قال الشاعر :
مستوسقات لو يجدن سائقاً ***
ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع، ومعناه : وما جمعه وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها.
الانشقاق 84:18
﴿والقمر﴾ أي : الذي هو آيته ﴿إذا اتسق﴾ أي : إذا اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة. وقال قتادة : استدار وهو افتعل من الوسق.
تنبيه : قد اختلف العلماء في القسم بهذه الأشياء هل هو قسم بها أو بخالقها ؟ فذهب المتكلمون. إلى أنّ القسم واقع بربها وإن كان محذوفاً ؛ لأنّ ذلك معلوم من حيث ورود الحظر بأن يقسم بغير الله تعالى أو بصفة من صفاته، وقد مرّ أنّ ذلك يكره في حق الإنسان، فإنّ الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه وجواب القسم.
الانشقاق 84:19
﴿لتركبنّ﴾ أي : أيها الناس، أصله تركبون حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال والواو لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء الموحدة على خطاب الإنسان، والباقون بضمها على خطاب الجمع، وهو معنى الإنسان إذ المراد به الجنس أي : لتركبنّ أيها الإنسان ﴿طبقاً﴾ مجاوزاً ﴿عن طبق﴾ أي : حالاً بعد حال. قال عكرمة : رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وعن ابن عباس : الموت ثم البعث ثم العرض. وعن عطاء : مرّة فقيراً ومرّة غنياً. وقال أبو عبيدة : لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ ! ».
الانشقاق 84:20
وقوله تعالى :﴿فما لهم﴾ أي : الكفار ﴿لا يؤمنون﴾ استفهام إنكار، أي : أيّ مانع لهم من الإيمان، أو أي حجة في تركه بعد وجود براهينه.
الانشقاق 84:21
﴿و﴾ ما لهم ﴿إذا قرئ﴾ أي : من أي : قارئ قراءة مشروعة ﴿عليهم القرآن﴾ أي : الجامع لكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم الفارق بين كل ملتبس ﴿لا يسجدون﴾ أي : لا يخضعون بأن يؤمنوا به لإعجازه، أو لا يصلون، قاله مقاتل، أو لا يسجدون لتلاوته لما روى أنه صلى الله عليه وسلم «قرأ ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩] فسجد ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق رؤوسهم فنزلت ». وعن أبي هريرة قال :«سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ﴿اقرأ باسم ربك﴾ و﴿إذا السماء انشقت﴾ ». وعن نافع قال : صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد فقلت : ما هذه ؟ قال : سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. وليس في ذلك دلالة على وجوبها فهي مندوبة. وعن الحسن : هي واجبة. واحتج أبو حنيفة على وجوب السجود بأنه تعالى ذمّ من سمعه ولم يسجد. وعن ابن عباس : ليس في المفصل سجدة، وما روى أبو هريرة يخالفه. وعن أنس : صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان فسجدوا.
الانشقاق 84:22
﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾ أي : بالقرآن والبعث.
الانشقاق 84:23
﴿والله أعلم بما يوعون﴾ أي : بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو بما يجمعون في صحفهم من الكفر والتكذيب وأعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب.
الانشقاق 84:24
وقوله تعالى :﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ أي : مؤلم استهزاء بهم، أو أنّ البشارة بمعنى الإخبار، أي : أخبرهم.
الانشقاق 84:25
وقوله تعالى :﴿إلا﴾ استثناء منقطع، أي : لكن ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿لهم أجر غير ممنون﴾ أي : غير مقطوع ولا منقوص ولا ممنون به عليهم.
البروج 85:1
وقوله تعالى :﴿والسماء﴾ أي : العالية غاية العلوّ، المحكمة غاية الإحكام ﴿ذات البروج﴾ قسم أقسم الله تعالى به، وتقدّم الكلام على ذلك مراراً، وفي البروج أقوال : فقال مجاهد : هي البروج الاثنا عشر، شبهت بالقصور ؛ لأنها تنزلها السيارات. وقال الحسن : هي النجوم، وقيل : هي منازل القمر. وقال عكرمة : هي قصور في السماء. وقيل : عظام الكواكب سميت بروجاً لظهورها. وقيل : أبواب السماء.
البروج 85:2
وقوله تعالى :﴿واليوم الموعود﴾ قسم آخر وهو يوم القيامة. قال ابن عباس : وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه.
البروج 85:3
واختلفوا في قوله سبحانه وتعالى :﴿وشاهد ومشهود﴾ فقال أبو هريرة وابن عباس : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة. وروى مرفوعاً :«اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة. والشاهد يوم الجمعة » خرّجه الترمذي في جامعه. قال القشيري : فيوم الجمعة يشهد على عامله بما عمل فيه. قال القرطبي : وكذا سائر الأيام والليالي لما روى أبو نعيم الحافظ عن معاوية أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادى فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك شاهد، فاعمل فيّ خيراً أشهد لك به غداً فإني إذا مضيت لم ترني أبداً، ويقول الليل مثل ذلك » حديث غريب. وحكى القشيري عن عمر أنّ الشاهد يوم الأضحى. وقال ابن المسيب : الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة. وروي عن علي : الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر. وقال مقاتل : أعضاء الإنسان هي الشاهد لقوله تعالى :﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم﴾ [النور: ٢٤] الآية. وقال الحسين بن الفضل : الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم لقوله تعالى :﴿وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية. وقيل : الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى :﴿إنا أرسلناك شاهداً﴾ [الأحزاب: ٤٥] وقيل : آدم. وقيل : الحفظة الشاهد والمشهود أولاد آدم، وقيل : غير ذلك وكل ذلك صحيح.
البروج 85:4
واختلف في جواب القسم فقال الجلال المحلي : جواب القسم محذوف صدره أي : لقد ﴿قتل﴾ أي : لعن ﴿أصحاب الأخدود﴾ وقال الزمخشري : محذوف ويدل عليه قوله :﴿قتل أصحاب الأخدود﴾ وكأنه قيل : أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون يعني : كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود، فإنّ السورة وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم. واستظهر هذا البيضاوي. والأخدود : هو الشق المستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه أخاديد، واختلف فيهم فعن صهيب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث إليّ غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب فقعد إليه، وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب فقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه وإذا رجع قعد إلى الراهب وسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه فشكا إلى الراهب فقال : إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر، . فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال : اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر فأخذ حجراً ثم قال : اللهمّ إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى تمضي الناس فرماها فقتلها فمضى الناس فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب : أي : بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبلى فإن ابتليت فلا تدل عليّ فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس الملك وكان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال : هذا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال : إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله فإن آمنت به دعوت الله تعالى فشفاك فآمن بالله فشفاه الله تعالى، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك : من ردّ عليك بصرك ؟ قال : ربي. قال : ربك رب غيري ؟ قال : ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك : أي : بنيّ قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، قال : إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقال : ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل : له : ارجع عن دينك فأبى ففعل به كالراهب، ثم جيء بالغلام فقيل له : ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه وقال : اذهبوا إلى جبل كذا فاصعدوا به، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال : اللهمّ اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال : اللهمّ اكفنيهم بما شئت فانكفأت السفينة بهم فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله تعالى. فقال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك قال : وما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس وقل : بسم الله رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ووضع السهم في كبد القوس، ثم قال : بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات. فقال الناس : آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام ثلاثاً، فأتى الملك فقيل : له : أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فحدت وأضرم النيران، وقال : من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها. أو قيل له : اقتحم، قال : ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي : يا أمّاه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت ». قال البغوي : هذا حديث صحيح. وقيل : إنّ الصبي قال لها : قعي ولا تقاعسي. وقيل : ما هي إلا غميضة فصبرت. وذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أنّ رجلاً كان قد بقي على دين عيسى، فوقع على نجران فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخدّ الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفاً في الأخاديد. وقيل : سبعين ألفاً. ثم غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هارباً واقتحم البحر بفرسه فغرق. قال الكلبي : وذو نواس قتل عبد الله بن التامر رضي الله عنه.
وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن خربة احترقت في زمن عمر فوجدوا عبد الله بن التامر واضعاً يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده عنها أنبعت دماً وإذا تركت ارتدّت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه : ربي الله. فبلغ ذلك عمر فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وعن ابن عباس قال : كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرحبيل في الفترة قبل أن يولد النبيّ صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه سلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام، ولم يجد بدّاً من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم، وكان في طريقه راهب حسن الصوت فأعجبه ذلك، وذكر قريباً من معنى حديث صهيب إلى أن قال الغلام للملك : إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول. قال : فكيف أقتلك ؟ قال : تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم على اسم إلهي، ففعل الملك فقتله فقال الناس : لا إله إلا إله، عبد الله بن التامر لا دين إلا دينه، فغضب الملك وأغلق باب المدينة، وأخذ أفواه السكك وأخدّ أخدوداً وملأه ناراً ثم عرضهم رجلاً رجلاً، فمن رجع عن الإسلام تركه، ومن قال : ديني دين عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود وأحرقه، وكان في مملكته امرأة فأسلمت فيمن أسلم ولها أولاد ثلاثة : أحدهم رضيع فقال لها الملك : ارجعي عن دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار فأبت، فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار، ثم قال لها : ارجعي فأبت فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة بالرجوع فقال لها الصبي : يا أمّاه لا ترجعي عن الإسلام فإنك على الحق ولا بأس عليك فألقى الصبي في النار، وألقيت أمّه على أثره.
وعن علي أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال : هم أهل كتاب، وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناولها بعض ملوكهم فسكر فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت له : المخرج أن تخطب الناس فتقول : يا أيها الناس إنّ الله تعالى أحل لكم نكاح الأخوات، ثم تخطبهم بعد ذلك : أنّ الله تعالى حرّمه. فخطب فلم يقبلوا منه فقالت : ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا، فأمرت بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها، فهم الذين أرادهم الله تعالى بقوله :﴿أصحاب الأخدود﴾ وعن مقاتل : كانت الأخاديد ثلاثة : واحدة بنجران باليمن، وأخرى بالشام، وأخرى بفارس حرقوا بالنار، أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي، وأما التي بفارس فبختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس. فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآناً، وأنزل في التي كانت بنجران. وذلك أنّ رجلاً مسلماً ممن يقرأ الإنجيل أجر نفسه في عمل وجعل يقرأ الإنجيل فرأت بنت المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل فذكرت ذلك لأبيها فرمقه فرآه فسأله فلم يخبره، فلم يزل به حتى أخبره بالدين وبالإسلام فتابعه هو وسبعة وثمانون إنساناً ما بين رجل وامرأة، وهذا بعد ما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، فسمع ذلك يوسف ذو نواس فخدّ لهم في الأرض، وأوقد فيها فعرضهم على الكفر، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار، ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه، وأنّ امرأة جاءت ومعها صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار، فضُربت حتى تقدّمت فلم تزل كذلك ثلاث مرّات، فلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع فقال لها ابنها يا أمّاه إني أرى أمامك ناراً لا تُطفأ، فلما سمعت ذلك قذفا جميعاً أنفسهما في النار فجعلها الله وابنها في الجنة. فقذف في النار في يوم واحد سبعة وسبعون إنساناً فذلك قوله تعالى :﴿قتل أصحاب الأخدود﴾.
البروج 85:5
وقوله تعالى :﴿النار﴾ بدل اشتمال من الأخدود. وقوله تعالى :﴿ذات الوقود﴾ وصف لها بأنها نار عظيمة لها، ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس، واللام في الوقود للجنس.
البروج 85:6
وقوله تعالى :﴿إذ هم عليها قعود﴾ ظرف لقتل أي : لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين حولها، ومعنى عليها على ما يدنوا منها من حافات الأخدود كقوله :
وبات على النار الندى والمحلق ***
وكما تقول : مررت عليه تريد مستعلياً المكان الذي يدنو منه، فكانوا يقعدون حولها على الكراسي. وقال القرطبي : عليها. قوله وقال القرطبي عليها كذا في جميع النسخ وفيه سقط فراجعه.
البروج 85:7
﴿وهم على ما يفعلون بالمؤمنين﴾ بالله من تعذيبهم بالإلقاء في النار إن لم يرجعوا عن إيمانهم ﴿شهود﴾ أي : يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه لم يقصر فيما أمر به أو شهود بمعنى حضور، إذ روي أنّ الله تعالى أنجى المؤمنين الملقين في النار بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها وخرجت النار إلى القاعدين فأحرقتهم. قال الرازي : يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود القاتلين، ويمكن أن يكون المراد بهم المقتولين. والمشهور أن المقتولين هم المؤمنون. وروي أن المقتولين هم الجبابرة. روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار عادت النار على الكفرة فأحرقتهم، ونجّى الله المؤمنين منها سالمين وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدي. وتأوّلوا قوله تعالى :﴿فلهم عذاب جهنم﴾ أي : في الآخرة ﴿ولهم عذاب الحريق﴾ أي : في الدنيا.
فإن فسر أصحاب الأخدود بالقاتلين فيكون قوله تعالى :﴿قتل أصحاب الأخدود﴾ دعاء عليهم كقوله تعالى :﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ [عبس: ١٧] وإن فسر بالمقتولين كان المعنى : أنّ المؤمنين قتلوا بالنار فيكون ذلك خبراً لا دعاءً. والمقصود من هذه الآية : تثبيت قلوب المؤمنين وإخبارهم بما كان يلقاه من قبلهم من الشدائد. وذكر لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلقون من أذى الكفار ليتأسوا بهذا الغلام في صبره على الأذى والصلب، وبذل نفسه في إظهار دعوته ودخول الناس في الدين مع صغر سنه، وكذلك صبر الراهب على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار، وكذلك أكثر الناس لما آمنوا بالله تعالى.
البروج 85:8
﴿وما نقموا﴾ أي : وما أنكروا وكرهوا ﴿منهم﴾ من الخلات وكان ذنباً ونقصاً ﴿إلا أن يؤمنوا﴾ أي : يجدّدوا الإيمان مستمرّين عليه ﴿بالله﴾ أي : الذي له الكمال كله ﴿العزيز﴾ في ملكه الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء. ﴿الحميد﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال، فهو يثيب من أطاعه أعظم ثواب وينتقم ممن عصاه بأشدّ العذاب. وهذا استثناء على طريقة قول القائل :
ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم؍ بهن فلول من قراع الكتائب؍
أي : من ضرابها، والكتائب بالتاء المثناة : جمع كتيبة وهي الجيش، وقال ابن الرقيات :
ما نقموا من بني أمية إلا؍ أنهم يحلمون إن غضبوا؍
ونظيره قوله تعالى :﴿هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ [المائدة: ٥٩].
البروج 85:9
ولما ذكر تعالى الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه عزيزاً غالباً قادراً يخشى عقابه، حميداً منعماً يجب الحمد على نعمه، ويرجى ثوابه قرر ذلك بقوله تعالى :﴿الذي له﴾ أي : خاصة ﴿ملك السماوات والأرض﴾ أي : على جهة العموم مطلقاً، فكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له تقديراً، لأنّ ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغيّ، وإنّ الناقمين أهلٌ لانتقام الله تعالى منهم بعذاب لا يعدله عذاب. ﴿والله﴾ الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة ﴿على كل شيء شهيد﴾ فلا يغيب عنه شيء، وهذا لأنّ الله علم ما فعلوا وهو مجازيهم عليه.
البروج 85:10
ولما ذكر قصة أصحاب الأخدود أتبعها ما يتفرّع من أحكام الثواب والعقاب فقال تعالى :﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ أي : أحرقوهم بالنار، يقال : فتنت الشيء إذا أحرقته، والعرب تقول : فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته. ونظيره ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ [الذاريات: ٧]. قال الرازي : ويحتمل أن يكون المراد : كلُّ مَنْ فَعَلَ ذلك. قال : وهذا أولى لأنّ اللفظ عامّ والحكم عامٌّ، والتخصيص ترك للظاهر من غير دليل.
ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان عبر سبحانه بأداة التراخي فقال تعالى :﴿ثم لم يتوبوا﴾ أي : عن كفرهم وعما فعلوا.
﴿فلهم عذاب جهنم﴾ أي : بكفرهم ﴿ولهم عذاب الحريق﴾ أي : عذاب إحراقهم المؤمنين في الآخرة، وقيل : في الدنيا فأحرقتهم كما تقدّم، ومفهوم الآية أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد، وذلك يدل على أنّ الله تعالى يقبل التوبة من القاتل المتعمد خلاف ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما.
البروج 85:11
ولما ذكر سبحانه وعيد المجرمين ذكر ما أعدّ للمؤمنين بقوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان من المقذوفين في النار وغيرهم من كل طائفة في كل زمان ﴿وعملوا الصالحات﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿لهم جنات﴾ أي : بساتين تفضلاً منه تعالى ﴿تجري من تحتها﴾ أي : تحت غرفها وأسرّتها وجميع أماكنها ﴿الأنهار﴾ يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحرّ الذي صبروا عليه في الدنيا، ويزول عنهم برؤية ذلك مع خضرة الجنان جميع المضارّ والأحزان.
﴿ذلك﴾ أي : الأمر العالي الدرجة العظيم البركة ﴿الفوز﴾ أي : الظفر بجميع المطالب ﴿الكبير﴾ وهو رضا الله تعالى لا دخول الجنة.
وقال تعالى :﴿ذلك الفوز﴾ ولم يقل تلك، لأنّ ذلك إشارة إلى إخبار الله تعالى بحصول الجنان وتلك إشارة إلى الجنة الواحدة، وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه راضياً.
البروج 85:12
﴿إنّ بطش ربك﴾ أي : أخذ المحسن إليك المربي لك المدبر لأمرك الجبابرة والظلمة ﴿لشديد﴾ كقوله تعالى :﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد﴾ [هود: ١٠٢] قال المبردّ :﴿إنّ بطش ربك﴾ جواب القسم، والبطش هو الأخذ بعنف فإذا وصف بالشدّة فقد تضاعف. ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة دل على كمال قدرته واختصاصه بذلك بقوله تعالى مؤكداً لما له من الإنكار :﴿إنه هو يبدئ ويعيد﴾.
البروج 85:13
﴿إنه هو﴾ أي : وحده ﴿يبدئ﴾ أي : يوجد ابتداء أيّ خلق أراد إلى أيّ هيئة أراد ﴿ويعيد﴾ أي : ذلك المخلوق عند البعث. وروى عكرمة قال : عجب الكفار من إحياء الله تعالى الأموات أي : فنزلت.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده عليهم في الآخرة، وهذا اختيار الطبري. وقيل : يبدئ البطش ويعيده فيبطش بهم في الدنيا والآخرة، أو دل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدّة بطشه، أو أوعد الكفرة بأن يعيدهم كما بدأهم ليبطش لهم ؛ إذ لم يشكروا نعمة الإبداء وكذبوا بالإعادة.
البروج 85:14
﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿الغفور﴾ أي : الستور لعباده المؤمنين. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها.
وقوله تعالى :﴿الودود﴾ مبالغة في الود. قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو المتودّد لعباده بالمغفرة، وعن المبرد : هو الذي لا ولد له. وأنشد :
وأركب في الودّ عريانة؍ ذلول الجماع لقاحاً ودودا؍
أي : لا ولد لها تحنّ إليه. وقيل : هو فعول بمعنى مفعول كالركوب والحلوب بمعنى المركوب والمحلوب. وقيل : يغفر ويودّ أن يغفر.
البروج 85:15
﴿ذو العرش﴾ ومالكه، أي : ذو الملك والسلطان كما يقال فلان على سرير ملكه، وإن لم يكن على سرير، ويقال : ثلّ عرشه، أي : ذهب سلطانه، أو السرير الدال على اختصاص الملك بالملك، وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة الذي به قوام الأمور، وقرأ ﴿المجيد﴾ حمزة والكسائي بجرّ الدال على أنه نعت للعرش أو لربك في قوله تعالى :﴿إن بطش ربك﴾ قال مكي : وقيل : لا يجوز أن يكون نعتاً للعرش لأنه من صفات الله تعالى اه. وهذا ممنوع لأنّ مجد العرش علوّه وعظمه كما قاله الزمخشري. وقد وصف العرش بالكريم في آخر المؤمنين. وقرأ الباقون برفع الدال على أنه خبر بعد خبر. وقيل : هو نعت لذو، واستدل بعضهم على تعدّد الخبر بهذه الآية، ومن منع قال لأنها في معنى خبر واحد، أي : جامع بين هذه الأوصاف الشريفة، أو كل منها خبر لمبتدأ مضمر، والمجد : هو النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه موصوف بذلك وتقدّم وصف عرشه بذلك.
البروج 85:16
﴿فعالٌ﴾ أي : على سبيل التكرار والمبالغة ﴿لما يريد﴾ قال القفال : أي : يفعل ما يريد على ما يراه لا يعترض عليه أحد، ولا يغلبه غالب فيدخل أولياءه الجنة لا يمنعه مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر، ويمهل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، فهو يفعل ما يريد.
وعن أبي اليسر : دخل ناس من الصحابة على أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه يعودونه فقالوا : ألا نأتيك بطبيب ؟ قال : قد رآني. قالوا : فماذا قال لك ؟ قال : إني فعال لما أريد. وقال الزمخشري : فعال خبر مبتدأ محذوف، وإنما قال فعال لأنّ ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. وقال الطبري : رفع فعال وهو نكرة محضة على وجه الإتباع لإعراب الغفور الودود.
تنبيه : دلت هذه الآية أنّ جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. قال بعضهم : ودلت على أنّ الله تعالى لا يجب عليه شيء لأنها دالة على أنه يفعل ما يريد.
البروج 85:17
﴿هل﴾ أي : قد ﴿أتاك﴾ أي : يا أشرف الرسل ﴿حديث﴾ أي : خبر ﴿الجنود﴾ أي : الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم
البروج 85:18
وقوله تعالى :﴿فرعون وثمود﴾ يجوز أن يكون بدلاً من الجنود، واستشكل كونه بدلاً ؛ لأنه لم يكن مطابقاً للمبدل منه في الجمعية. وأجيب : بأنه على حذف مضاف، أي : جنود فرعون وأنّ المراد فرعون وقومه، واستغنى بذكره عن ذكرهم لأنهم أتباعه، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه.
والمعنى : إنك قد عرفت ما فعل الله تعالى بهم حين كذبوا رسلهم كيف هلكوا بكفرهم فقومك إن لم يؤمنوا بك فعل بهم كما فعل بهؤلاء، فاصبر كما صبر الأنبياء قبلك على أممهم.
البروج 85:19
﴿بل الذين كفروا﴾ أي : من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك ﴿في تكذيب﴾ لك لا يرعوون عنه، ومعنى الإضراب : أنّ حالهم أعجب من حال هؤلاء فإنهم سمعوا قصتهم ورأوا آثار هلاكهم وكذبوا أشدّ من تكذيبهم، وإنما خص فرعون وثمود لأنّ ثمود في بلاد العرب وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدّمين، وأمر فرعون كان مشهوراً عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك فدل بهما على أمثالهما.
البروج 85:20
وقوله تعالى :﴿والله﴾ أي : والحال أن الملك الذي له الكمال كله ﴿من ورائهم محيط﴾ وفيه وجوه :
أحدها : أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحصره، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه ينسدّ عليه مسلكه فلا يجد مهرباً، يقول الله تعالى : فهم كذا في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا تجزع من تكذيبهم، إياك فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم.
ثانيها : أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقوله تعالى :﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ [يونس: ٢٢]
فهو عبارة عن مشارفة الهلاك.
ثالثها : أنه تعالى محيط بأعمالهم، أي : عالم بها فيجازيهم عليها.
البروج 85:21
﴿بل هو﴾ أي : هذا القرآن الذي كذبوا به، وهو لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿قرآن﴾ أي : جامع لكل منفعة جليلة بالغ الذروة العليا في كل شرف ﴿مجيد﴾ أي : شريف وحيد في اللفظ والمعنى، وليس كما زعم المشركون أنه شعر وكهانة.
البروج 85:22
﴿في لوح﴾ هو في الهواء فوق السماء السابعة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله عز وجل وصدّق بوعيده واتبع رسله أدخله الجنة، قال : واللوح لوح من درّة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدرّ والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور وكلامه نور، معقود بالعرش وأصله في حجر ملك.
وقرأ ﴿محفوظ﴾ بالرفع نافع على أنه نعت لقرآن، والباقون بالجرّ على أنه نعت للوح. وقال مقاتل : اللوح المحفوظ عن يمين العرش وقال البغوي : هو أمّ الكتاب، ومنه تنسخ الكتب محفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان.
الطارق 86:1
وقوله تعالى :﴿والسماء والطارق﴾ قسم أقسم الله تعالى به، وقد أكثر الله تعالى في كتابه العزيز ذكر السماء والشمس والقمر ؛ لأنّ أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة. ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه أوّلاً، ثم عظم القسم به بقوله تعالى :﴿وما أدراك ما الطارق﴾.
الطارق 86:2
﴿وما أدراك﴾ أي : أعلمك يا أشرف خلقنا، وإن حاولت معرفة ذلك وبالغت في الفحص عنه ﴿ما الطارق﴾ وهذا مبتدأ وخبر في محل المفعول الثاني لأدري، وما بعد ما الأولى خبرها، وفيه تعظيم لشأن الطارق. وأصله كل آت ليلاً ومنه النجوم لطلوعها ليلاً. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة وابن ذكوان بخلافٍ عنه بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح.
الطارق 86:3
ثم فسر الطارق بقوله تعالى :﴿النجم الثاقب﴾ أي : المضيء لثقبه الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل : دُرِّيّ لأنه يدرؤه، أي : يدفعه، والمراد جنس النجوم أو جنس الشهب التي يرجم بها. وقال محمد بن الحسين : هو زحل. وقال ابن زيد : هو الثريا. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الجدي. وقال عليّ : هو نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة فهو طارق حين ينزل وحين يرجع.
وفي الصحاح : الطارق النجم الذي يقال له : كوكب الصبح. قال الماوردي : وأصل الطرق الدق، ومنه سميت المطرقة، وسمي النجم طارقاً لأنه يطرق الجني أي : يقتله. روي أنّ أبا طالب أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بخبز ولبن فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأت الأرض نوراً ففزع أبو طالب، وقال : أيّ شيء هذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا نجم رمي به وإنه آية من آيات الله تعالى » فعجب أبو طالب فنزلت السورة. وقال مجاهد : الثاقب المتوهج، وجواب القسم.
الطارق 86:4
﴿إن كل نفس﴾ أي : من الأنفس مطلقاً لاسيما نفوس الناس ﴿لما عليها﴾ أي : بخصوصها ﴿حافظ﴾ وقرأ ابن عامر وعاصم بتشديد الميم والباقون بتخفيفها تكون مزيدة، وإن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي : أنه واللام فارقة وعلى تشديدها فإن نافية، ولما بمعنى إلا. والحافظ : هو المهيمن الرقيب وهو الله تعالى، ﴿وكان الله على كل شيء رقيباً﴾ [الأحزاب: ٥٢]، ﴿وكان الله على كل شيء مقيتاً﴾ [النساء: ٨٥]، أو ملك يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير وشرّ. وروى الزمخشري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :" وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه كما يذب أحدكم عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين اختطفته الشياطين ".
الطارق 86:5
ولما ذكر تعالى أن على كل نفس حافظاً أتبعه بوصية الإنسان بالنظر في حاله فقال تعالى :﴿فلينظر الإنسان﴾ أي : الآنس بنفسه الناظر في عطفه نظر اعتبار في أمره ونشأته الأولى حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسرّه في عاقبته. وقوله تعالى :﴿مم خلق﴾ استفهام، أي : من أيّ شيء، وجوابه.
الطارق 86:6
﴿خلق﴾ أي : الإنسان على أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه السلام من تراب وأمّه حوّاء رضي الله تعالى عنها من ضلعه. ﴿من ماء دافق﴾ أي : مدفوق، فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى :﴿عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١] أو دافق على النسب، أي : ذي دفق أو اندفاق. وقال ابن عطية : يصح أن يكون الماء دافقاً ؛ لأنّ بعضه يدفق بعضاً أي : يدفعه فمنه دافق ومنه مدفوق، والدفق الصب أي : مصبوب في الرحم، ولم يقل تعالى من ماءين فإنه من ماء الرجل وماء المرأة، لأنّ الولد مخلوق منهما لامتزاجهما في الرحم فصارا كالماء الواحد، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه.
الطارق 86:7
﴿يخرج من بين الصلب﴾ أي : للرجل وهو عظام الظهر ﴿والترائب﴾ أي : للمرأة جمع تريبة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة، وعن عكرمة : الترائب ما بين ثدييها، وقيل : الترائب التراقي، وقيل : أضلاع الرجل التي أسفل الصدر. وحكى الزجاج : أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر. وقال ابن عادل جاء في الحديث :«أنّ الولد يخلق من ماء الرجل يخرج من صلبه العظم والعصب، ومن ماء المرأة يخرج من ترائبها اللحم والدم. وحكى القرطبي : إنّ ماء الرجل ينزل من الدماغ ثم يجتمع في الانثيين، وهذا لا يعارضه قوله تعالى :﴿من بين الصلب والترائب﴾ لأنه ينزل من الدماغ ثم يجتمع في الانثين قال المهدودي : ومن جعل يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة لضمير للإنسان.
الطارق 86:8
والضمير في قوله تعالى :﴿إنه﴾ للخالق المدلول عليه بخلق لأنه معلوم أن لا خالق سواه سبحانه وتعالى وفي الضمير في قوله تعالى :﴿على رجعه﴾ وجهان أحدهما : أنه ضمير الإنسان أي : بعثه بعد موته ﴿لقادر﴾ وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، والثاني : أنه ضمير الماء، أي : رجع المنيّ في الإحليل أو الصلب وهذا قول مجاهد. وعن الضحاك أنّ المعنى : إنه على ردَّ الإنسان في الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الكبر. وقال ابن زيد : إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج ؛ لقادر. وقال الماوردي : يحتمل أنه قادر على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه إلى الآخرة ؛ لأنّ الكفار يسألون فيها الرجعة.
الطارق 86:9
وقوله تعالى :﴿يوم﴾ منصوب برجعه ومن يجعل الضمير في رجعه للماء وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب، أو الإحليل وحاله الأولى نصب الظرف بمضمر، أي : واذكر يوم. ﴿تبلى﴾ تختبر وتكشف، ﴿السرائر﴾ أي : ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيات وغيرهما وما أخفى الأعمال وذلك يوم القيامة وبلاؤها تعرفها وتصفحها والتمييز بين ما طاب منها وما خبث. وعن الحسن أنه سمع رجلاً ينشد :
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا؍ سريرة ودّ يوم تبلى السرائر؍
فقال : ما أغفله عما في والسماء والطارق. وقال عطاء بن رباح : إن السرائر فرائض الأعمال كالصوم والصلاة والوضوء والغسل من الجنابة، فإنها سرائر بين الله تعالى وبين العبد، ولو شاء العبد لقال : صمت ولم يصم، وصليت، ولم يصل واغتسلت ولم يغتسل فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها. وقال ابن عمر : يبدي الله تعال كل سرّ فيكون زيناً في وجوه، وشيناً في وجوه. يعني : فمن أدّاها كان وجهه مشرقاً، ومن لم يؤدها كان وجهه أغبر.
الطارق 86:10
﴿فما له﴾ أي : لهذا الإنسان المنكر للبعث الذي أخرجت سرائره. وأعرق في النفي والتعميم فقال تعالى :﴿من قوة﴾ أي : منعة في نفسه يمتنع بها ﴿ولا ناصر﴾ أي : ينصره من عذاب الله تعالى فيدفعه عنه.
الطارق 86:11
ثم ذكر تعالى قسماً آخر فقال تعالى :﴿والسماء﴾ أي : التي تقدّم الإقسام بها، وَصَفَها بما يؤكد العلم بالبعث فقال تعالى :﴿ذات الرجع﴾ أي : التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي تتحرك عنه فترجع الأحوال التي كانت، وتصرّمت من الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب، والفصول من الشتاء وما فيه من برد ومطر، والصيف وما فيه من حرّ وصفاء وسكون، وغير ذلك. وقيل : ذات النفع. وقيل : ذات الملائكة لرجوعهم فيهم بأعمال العبادة. وقيل : ذات المطر لعوده كل حين، أو لما قيل : من أن السحاب تحمل الماء من البحار، ثم ترجعه إلى الأرض، وعلى هذا يجوز أن يراد بالسماء السحاب.
الطارق 86:12
﴿والأرض﴾ أي : مسكنكم الذي أنتم ملابسوه ومعاينوه كل وقت. ﴿ذات الصدع﴾ أي : تنصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار والعيون، نظيره : قوله تعالى :﴿ثم شققنا الأرض شقاً﴾ [عبس: ٢٦] الآية والصدع بمعنى الشق لأنه يصدع الأرض فتنصدع، به فكأنما قال تعالى : والأرض ذات النبات. وقال مجاهد : ذات الطرق التي تصدعها المشاة، وقيل : ذات الحرث لأنه يصدعها، وقيل : ذات الأموات لإصداعهم عنها للنشور. قال الرازي : واعلم أنه تعالى كما جعل كيفية خلقة الحيوان دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقة النبات فقوله تعالى :﴿والسماء ذات الرجع﴾ كالأب، وقوله تعالى :﴿والأرض ذات الصدع﴾ كالأمّ وكلاهما من النعم العظام، لأنّ نعم الدنيا موقوفةٌ على ما ينزل من السماء مكرّراً، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك.
ثم أردف هذا القسم بالمقسم عليه وهو قوله تعالى :﴿إنه لقول فصل﴾.
الطارق 86:13
﴿إنه لقول فصل﴾ وفي هذا الضمير قولان أحدهما : ما قاله القفال : وهو أن المعنى : أنّ ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم يوم تبلى السرائر قول فصل وحق. والثاني : أنه عائد على القرآن، أي : القرآن فاصل بين الحق والباطل كما قيل له : فرقان. قال الرازي : والأوّل أولى ؛ لأنّ عود الضمير إلى المذكور السالف أولى انتهى. وأكثر المفسرين على الثاني.
والفصل : الحكم الذي ينفصل به الحق من الباطل، ومنه فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم الجزم. ويقال : هذا قول فصل قاطع للشرّ والنزاع معناه جدّ ؛ لقوله تعالى :﴿وما هو بالهزل﴾.
الطارق 86:14
﴿وما هو﴾ أي : في باطنه ولا ظاهره ﴿بالهزل﴾ أي : باللعب والباطل بل هو جدّ كله لا هوادة فيه : ومن حقه وقد وصفه الله تعالى بذلك أن يكون مهيباً في الصدور، معظماً في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه أن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح، وأن يلقي ذهنه إلى أنّ جبار السماوات والأرض يخاطبه فيأمره وينهاه، ويعده ويوعده حتى إن لم يستفزه الخوف، ولم تتبالغ فيه الخشية، فأدنى أمره أن يكون جاداً غير هازل، فقد نفى الله تعالى عن المشركين ذلك في قوله تعالى :﴿وتضحكون ولا تبكون ٦٠ وأنتم سامدون﴾ [النجم: ٦١] ﴿والغوا فيه﴾ [فصلت: ٢٦] هذا على عود الضمير للقرآن، وعلى جعله للأوّل فيكون الشخص خائفاً وجلاً من ذلك الذي تبلى فيه السرائر.
الطارق 86:15
﴿إنهم﴾ أي : الكفار أعداء الله تعالى ﴿يكيدون كيداً﴾ أي : يمكرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. واختلف في ذلك الكيد، فقيل : إلقاء الشبهات كقولهم ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨] ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً﴾ [ص: ٥] وما أشبه ذلك وقيل : قصدهم قتله لقوله تعالى :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية.
الطارق 86:16
وأما قوله تعالى :﴿وأكيد﴾ أي : أنا بإتمام اقتداري ﴿كيداً﴾ فاختلف فيه أيضاً، فقيل : معناه أجازيهم جزاء كيدهم، وقيل : هو ما أوقع الله تعالى بهم يوم بدر من القتل والأسر، وقيل : استدراجهم من حيث لا يعلمون، وقيل : كيد الله تعالى لهم بنصره وإعلاء درجته تسمية لأحد المتقابلين باسم الآخر لقوله تعالى :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]. وقول الشاعر :
ألا لا يجهلن أحد علينا؍ فنجهل فوق جهل الجاهلينا؍
وكقوله تعالى :﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢].
الطارق 86:17
ولما كان هذا معلماً بأنهم عدم لا اعتبار بهم، قال تعالى مسبباً عنه تهديداً لهم ﴿فمهل الكافرين﴾ أي : فمهل يا أشرف الخلق هؤلاء البعداء، ولا تستعجل بالانتقام ولا بالدعاء عليهم بإهلاكهم فإنا لا نعجل لأنّ العجلة وهي إيقاع الشيء في غير وقته الأليق به نقص. وقوله تعالى :﴿أمهلهم﴾ تأكيد حسنه مخالفة اللفظ، أي : أنظرهم ﴿رويداً﴾ أي : قليلاً، وهو مصدر مؤكد لمعنى العامل مصغر، روداً و إرواداً على الترخيم، وقد أخذهم الله تعالى ببدر ونسخ الإمهال بالأمر بالجهاد والقتال.
الأعلى 87:1
واختلف في قوله سبحانه وتعالى :﴿سبح اسم ربك﴾ فالأكثرون على أن المعنى : نزه ربك المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال عما لا يليق به، فاسم زائد، كقول لبيد :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ***
وقيل : عَظِّمْ ربك ﴿الأعلى﴾ والاسم زائد كما مرّ، قصد به تعظيم المسمى، وذكر الطبري أن المعنى : نزه اسم ربك الأعلى عن أن تسمي به أحداً سواه. وقيل : نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم لذكره وقال الرازي : معنى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ أي : نزِّهْهُ عن كل ما لا يليق به في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه. أما في ذاته فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض، وأما في صفاته فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهيةٌ ولا ناقصة، وأما في أفعاله فأن تعتقد أنه سبحانه مالك مطلق لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور، وأما في أسمائه فأن لا تذكره سبحانه إلا بالأسماء التي لا توهم نقصاً بوجهٍ من الوجوه، سواءٌ ورد الإذن فيها أم لم يرد، وأما في أحكامه سبحانه فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه بل لمحض المالكية. قال البغوي : ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحد، لأنّ أحداً لا يقول سبحان الله. وسبحان اسم ربنا إنما يقول : سبحان الله وسبحان ربنا. فكان معنى :﴿سبح اسم ربك﴾ اه. وكون الاسم عين المسمى أو غيره قد ذكرتها في مقدّمتي على البسملة والحمدلة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : سبح أي : صل بأمر ربك. وذهب جماعة من الصحابة والتابعين على أنّ المراد قل : سبحان ربي الأعلى، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فقال :«سبحان ربي الأعلى ». وعن عقبة بن عامر «أنه لما نزلت ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: ٧٤]
قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «اجعلوها في ركوعكم ». ولما نزل ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾قال : اجعلوها في سجودكم ». وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك. وروي «أنّ أوّل من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل ».
الأعلى 87:2
ولما أمر تعالى بالتسبيح فكان سائلاً قال : الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة فما الدليل على وجود الرب تعالى ؟ فقال تعالى :﴿الذي خلق فسوى﴾. أي : أوجد من العدم فله صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء ﴿فسوّى﴾ أي : مخلوقه. وقال الرازي : يحتمل أن يريد الناس خاصة، ويحتمل أن يريد الحيوان، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه تعالى، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوهاً : أحدها : اعتدال قامته وحسن خلقه، كما قال تعالى :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [التين: ٤] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى :﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤]. ثانيها : كل حيوان مستعدّ لنوع واحد من الأعمال فقط، أمّا الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات. ثالثها : أنه تعالى هيأه للتكليف والقيام بأداء العبادات. وقال بعضهم : خلق في أصلاب الآباء وسوّى في أرحام الأمّهات.
ومن حمله على جميع الحيوانات فمعناه : أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من الآلات والأعضاء، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية : هو أنه تعالى قادرٌ على كل الممكنات، عالمٌ بجميع المعلومات، يخلق ما أراد على وفق إرادته موصوفاً بالأحكام والإتقان، مبرّأٌ عن النقص والاضطراب.
الأعلى 87:3
وقرأ ﴿والذي قدر﴾ الكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد قال البغوي : وهما بمعنى واحد، أي : أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها وغير ذلك من أحوالها، فجعل البطش لليد، والمشي للرجل، والسمع للأذن، والبصر للعين ونحو ذلك ﴿فهدى﴾ قال مجاهد : هدى الإنسان لسبيل الخير والشرّ والسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراعيها. وقال مقاتل والكلبي : في قوله تعالى :﴿فهدى﴾ عرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى، كما قال تعالى في سورة طه :﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] أي : الذكر للأنثى. وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له. وقيل : قدّر أقواتهم وأرزاقهم وهداهم لمعاشهم إن كانوا أناساً، ولمراعيهم إن كانوا وحوشاً. وقال السدّي : قدّر مدّة الجنين في الرحم ثم هداه إلى الخروج من الرحم، ومن ذلك هدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته وأدويته وأمور دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض إلى معايشها ومصالحها.
يقال : إن الأفعى إذا أتى عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى أن تمسح عينيها بورق الرازيانج الغض فيردّ إليها بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها فترجع باصرة بإذن الله تعالى.
وقيل :﴿فهدى﴾ أي : دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالماً قادراً، والاستدلال بالخلق والهداية معتمد الأنبياء، قال إبراهيم عليه السلام ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ [الشعراء: ٧٨] وقال موسى عليه السلام لفرعون :﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠].
الأعلى 87:4
ولما ذكر سبحانه ما يختص بالناس اتبعه ما يختص بالحيوان فقال تعالى :﴿والذي أخرج المرعى﴾ أي : أنبت ما ترعاه الدواب. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : المرعى الكلأ الأخضر.
الأعلى 87:5
﴿فجعله﴾ أي : بعد أطوار من زمن إخراجه بعد خضرته ﴿غثاء﴾ أي : جافاً هشيماً ﴿أحوى﴾ أي : أسود يابساً. قال الزمخشري : ويجوز أن يكون أحوى حالاً من المرعى أي : أخرجه أحوى أي : أسود من شدّة الخضرة والري فجعله غثاء بعد حويه.
وقال ابن زيد : هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ولذهاب الدنيا بعد نضارتها.
الأعلى 87:6
وقوله تعالى :﴿سنقرؤك فلا تنسى﴾ بشارة من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإعطاء آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي وهو أمّي لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه، فهو نفيٌ أخبر الله تعالى أنّ نبيه صلى الله عليه وسلم لا ينسى. وقيل : نهيٌ، والألف مزيدة للفاصلة كقوله تعالى :﴿السبيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] أي : فلا تفعله كرامةً، وتكريره لئلا ينساه، ومنعه مكي لأنه لا ينهى عما ليس باختياره. وأجيب : بأنّ هذا غير لازم ؛ إذ المعنى : النهي عن تعاطي أسباب النسيان وهو شائع. قال الرزاي : وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين.
الأوّل : أنه كان رجلاً أمّياً فحفظه لهذا الكتاب المطوّل من غير دراسة ولا تكرار خارق للعادة فيكون معجزاً.
الثاني : أنّ هذه السورة من أول ما نزل بمكة، فهذا إخبار عن أمر عجيب مخالف للعادة سيقع في المستقبل، وقد وقع فكان هذا إخباراً، فيكون معجزاً.
الأعلى 87:7
وفي المشيئة في قوله تعالى :﴿إلا ما شاء الله﴾ أي : المَلِك الذي له الأمر كله وجوه : أحدها : التبرّك بهذه الكلمة كقوله تعالى :﴿ولا تقولنّ لشيءٍ إني فاعل ذلك غداً ٢٣ إلا أن يشاء الله﴾ [ الكهف : ٢٣ ٢٤ ] فكأنه تعالى يقول : إني عالم بجميع المعلومات، وعالم بعواقب الأمور على التفصيل، ومع ذلك لا أخبر بوقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة، فأنت وأمّتك يا أشرف الخلق أولى بها.
ثانيها : قال الفرّاء : إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً ؛ إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى يصيره ناسياً لذلك لقدر عليه كقوله تعالى :﴿ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك﴾ [الإسراء: ٨٦] ثم إنا نقطع أنه تعالى ما شاء ذلك. ونظيره قوله تعالى :﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك﴾ [الزمر: ٦٥] مع أنه صلى الله عليه وسلم ما أشرك البتة ففائدة هذا الاستثناء أنّ الله تعالى يعرفه قدرته حتى يعلم أنّ عدم النسيان من فضل الله تعالى وإحسانه لا من قوّته.
ثالثها : أنّ الله تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوّز صلى الله عليه وسلم في كل ما ينزل عليه من الوحي أن يكون ذلك هو المستثنى، فلا جرمٌ بالغ في التثبت والتحفظ في جميع المواضع، فكان المقصود من ذكر الاستثناء بقاؤه صلى الله عليه وسلم على التيقظ في جميع الأحوال.
رابعها : أن ينساه بنسخ تلاوته وحكمه، وكان صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة مع قراءة جبريل عليه السلام خوف النسيان فكأنه قيل له : لا تعجل بها إنك لا تنسى ولا تتعب نفسك بالجهر بها.
﴿إنه﴾ أي : الذي مهما شاء كان ﴿يعلم الجهر﴾ أي : القول والفعل ﴿وما يخفى﴾ أي : منهما، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن حاتم يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل : الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، وما يخفى ما نسخ من صدرك.
الأعلى 87:8
وقوله تعالى :﴿ونيسرك لليسرى﴾ عطف على سنقرؤك، فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما من الجملة اعتراض. قال الضحاك : واليسرى هي الشريعة اليسرى وهي الحنيفية السهلة.
وقال ابن مسعود : اليسرى الجنة، أي : نيسرك إلى العمل المؤدّي إلى الجنة، وقيل : اليسرى الطريقة اليسرى، وهي أعمال الخير.
الأعلى 87:9
والأمر في قوله تعالى :﴿فذكر﴾ للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي : فذكر بالقرآن ﴿إن نفعت الذكرى﴾ أي : الموعظة، وإن شرطية، وفيه استبعاد لتذكرهم. ومنه قول القائل :
لقد أسمعت لو ناديت حياً؍ ولكن لا حياة لمن تنادي؍
ولأنه صلى الله عليه وسلم قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوّاً وطغياناً، وكان صلى الله عليه وسلم يتلظى حسرة وتلهفاً ويزداد جهداً في تذكيرهم، وحرصاً عليه فقيل : إن نفعت الذكرى وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. وقيل : إن بمعنى إذ كقوله تعالى :﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩] وقيل : بعده شيء محذوف تقديره إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع. كقوله تعالى :﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ [النحل: ٨١] أي : البرد وقاله الفراء والنحاس. وقيل : إن بمعنى ما لا بمعنى الشرط لأنّ الذكرى باقية بكل حال.
الأعلى 87:10
ثم بين تعالى من تنفعه الذكرى بقوله سبحانه :﴿سيذكر﴾ أي : بوعد لا خلف فيه ﴿من يخشى﴾ أي : يخاف الله تعالى فهي كآية ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ [ق: ٤٥] وإن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يجب عليه تذكيرهم نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم. وقال ابن عباس : نزلت في ابن أمّ مكتوم. وقيل : في عثمان بن عفان. قال الماوردي : وقد تذكر من يرجوه إلا أن تذكر الخاشع أبلغ فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء. وقال القشيري : المعنى : عمم أنت بالتذكير والوعظ وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء. فإن قيل : التذكير إنما يكون بشيء قد علم، وهؤلاء لم يزالوا كفاراً معاندين أجيب : بأنّ ذلك لظهوره وقوّة دليله، كأنه معلوم لكنه يزول بسبب التقليد والفساد.
تنبيه : السين في قوله تعالى :﴿سيذكر﴾ يحتمل أن تكون بمعنى سوف، وسوف من الله تعالى واجب كقوله تعالى :﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ ويحتمل أن يكون المعنى : أنّ من خشي فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر.
الأعلى 87:11
ولما بين تعالى من ينتفع بالذكرى بين من لا ينتفع بها بقوله تعالى :﴿ويتجنبها﴾ أي : الذكرى أن يتركها جانباً لا يلتفت إليها ﴿الأشقى﴾.
الأعلى 87:12
﴿الذي يصلى النار﴾ وهو الكافر. فإن قيل : الأشقى يستدعي وجود شقي فكيف قال هذا القسم ؟ أجيب : بأنّ لفظ الأشقى من غير مشاركة كقوله تعالى :﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرّاً وأحسن مقيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقوله تعالى :﴿وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. قال الرازي : الفرق ثلاثة العارف والمتوقف والمعاند، فالسعيد هو العارف، والمتوقف له بعض الشقاوة، والأشقى هو المعاند. وقال الزمخشري : الأشقى هو الكافر ؛ لأنه أشقى من الفاسق، أو الذي هو أشقى الكفرة ؛ لتوغله في معاداة النبيّ صلى الله عليه وسلم وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة وعقبة بن ربيعة.
واختلف في قوله تعالى :﴿الكبرى﴾ أي : العظمى على وجوه : أحدها : قال الحسن : هي نار جهنم، والصغرى نار الدنيا. ثانيها : أنّ في الآخرة نيراناً ودركات متفاضلة، فكما أنّ الكافر أشقى العصاة فكذلك يصلى أعظم النيران. ثالثها : أنّ النار الكبرى هي النار السفلى فهي نصيب الكفار، كما قال تعالى :﴿إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥].
الأعلى 87:13
فإن قيل : قوله تعالى :﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ يقتضي أن ثم حالة غير الحياة والموت، وذلك غير معقول. أجيب : عن ذلك بوجهين : أحدهما : لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه كما قال تعالى :﴿لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ [فاطر: ٣٦] وهذا جاء على مذهب العرب يقولون للمبتلى بالبلاء الشديد لا هو حيّ ولا هو ميت. ثانيهما : أنّ نفس أحدهم في النار في حلقة لا تخرج فيموت، ولا ترجع إلى موضعها فيحيا.
تنبيه : قوله تعالى : ثم للتراخي بين الرتب في الشدّة.
الأعلى 87:14
ولما ذكر تعالى وعيد من أعرض عن النظر في دلائل الله تعالى أتبعه بالوعد لضدّه فقال تعالى :﴿قد أفلح﴾ أي : فاز بكل مراد ﴿من تزكى﴾ أي : تطهر من الكفر بالإيمان ؛ لما روي عن ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«قد أفلح من تزكى وشهد أي لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله ». وقيل : تطهر للصلاة وأدّى الزكاة.
الأعلى 87:15
﴿وذكر اسم ربه﴾ أي : بقلبه ولسانه مكبراً ﴿فصلى﴾ أي : الصلوات الخمس. قال الزمخشري : وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح وعلى أنها ليست من الصلاة ؛ لأنّ الصلاة معطوفة عليها. وقال قتادة : تزكى : عَمِلَ صالحاً. وعن عطاء نزلت في صدقة الفطر. قال ابن سيرين : قد أفلح من تزكى، قال : خرج فصلى بعد ما أدّى زكاة الفطر وصلى صلاة العيد. قال بعضهم : لا أدري ما وجه هذا التأويل فإنّ هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر. وأجاب البغوي : بأنه يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم كقوله تعالى :﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ [البلد: ٢] والسورة مكية وظهر أثر الحل يوم الفتح قال صلى الله عليه وسلم :«أحلت لي ساعة من نهار ». وقيل : المراد زكاة الأعمال لا زكاة الأموال، أي : زكى أعماله من الرياء والتقصير. وروي عن عطاء أنه قال : إنّ هذه الآية نزلت في عثمان، وذلك أنه كان بالمدينة منافق له نخلة مائلة إلى دار رجل من الأنصار، إذا هبت الريح تساقط منها بسر ورطب في دار الأنصاري فيأكل هو وعياله من ذلك، فخاصمه المنافق، فذكر الأنصاري ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأرسل خلف المنافق وهو لا يعلم نفاقه فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «إنّ أخاك الأنصاري ذكر أنّ بسرك ورطبك يقع في منزله فيأكل هو وعياله منه فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها ؟ قال : أبيع عاجلاً بآجل لا أفعل » فذكروا أنّ عثمان قد أعطاه حائطاً من نخل بدل نخلته. ويقول فيه :﴿قد أفلح من تزكى﴾ وفي المنافق ﴿ويتجنبها الأشقى﴾ وقال الضحاك : نزلت في أبي بكر
الأعلى 87:16
وقرأ ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب، ومعناه على القراءة الأولى : بل تؤثرون الأشقون، وعلى القراءة الثانية : بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا بالعز الحاضر مع أنها شرٌّ وفانية اشتغالاً بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة بالمحسوسات على الاستكثار من الثواب.
الأعلى 87:17
﴿والآخرة﴾، أي : والحال أنّ الدار التي هي غاية القصد المبرأة عن العيب المنزهة عن الخروج عن الحكمة ﴿خير﴾، أي : من الدنيا ﴿وأبقى﴾ لأنها تشتمل على السعادة الجسمانية، والروحانية، ليست كذلك فالآخرة خير من الدنيا ولأنّ الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام والآخرة ليست كذلك، ولأنّ الدنيا فانية والآخرة باقية، والباقي خير من الفاني.
وعن عمر : ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب. وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية فقال : أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة ؟ قلنا : لا. قال : لأنّ الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وأنّ الآخرة نعتت لنا وزويت عنا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل.
الأعلى 87:18
والإشارة في قوله تعالى :﴿إنّ هذا لفي الصحف الأولى﴾ إلى قوله ﴿قد أفلح من تزكى﴾ إلى قوله ﴿خير وأبقى﴾، أي : هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وقيل : إلى ما في السورة كلها، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس. وقال الضحاك : إنّ هذا القرآن لفي الصحف الأولى ولم يرد أنّ هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما معناه أنّ معنى هذا الكلام في تلك الصحف.
الأعلى 87:19
ثم بين تلك الصحف وهي المنزلة قبل القرآن بقوله تعالى :﴿صحف إبراهيم﴾ وقدمه لأنّ صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر ﴿وموسى﴾ وختم به لأنّ الغالب على كتابة الأحكام والمواعظ فيه قليلة، ومنها الزواجر البليغة كاللعن لمن خالف أوامر التوراة التي أعظمها البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وروي عن أبيّ بن كعب «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كم أنزل الله تعال من كتاب ؟ فقال : مائة وأربعة كتب، منها على آدم عشر صحف وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ». وقيل : في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه. عارفاً بزمانه، مقبلاً على شأنه.
الغاشية 88:1
وقوله سبحانه وتعالى :﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنّ هل بمعنى قد، أي : قد جاءك يا أشرف الخلق حديث الغاشية، كقوله تعالى :﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان: ١]. قال قطرب : والثاني : أنه استفهام على حاله، وتسميه أهل البيان التشويق، والمعنى : إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك وهو معنى قول الكلبي، والغاشية : الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها وهي القيامة من قوله :﴿يوم يغشاهم العذاب﴾ [العنكبوت: ٥٥] وقيل : هي النار من قوله تعالى :﴿وتغشى وجوههم النار﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿ومن فوقهم غواش﴾ [الأعراف: ٤١]. وقيل : المراد النفخة الثانية للبعث لأنها تغشى الخلق. وقيل : الغاشية أهل النار يغشونها ويقتحمون فيها.
الغاشية 88:2
﴿وجوه﴾، أي : كثيرة جدّاً كائنة ﴿يومئذ﴾، أي : يوم إذ غشيت ﴿خاشعة﴾، أي : ذليلة من الخجل والفضيحة والخوف من العذاب، والمراد بالوجوه في الموضعين : أصحابها.
الغاشية 88:3
﴿عاملة ناصبة﴾، أي : ذات نصب وتعب. قال سعيد بن جبير عن قتادة : تكبرت في الدنيا عن طاعة الله تعالى فأعملها الله تعالى وأنصبها في النار بجرّ السلاسل الثقال وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العَرَصَات في يوم كان مقداره ألف سنة. وقال ابن مسعود : تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. وقال الحسن : لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب له فأعملها وأنصبها في جهنم. وقال ابن عباس : هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله تعالى على الكفر، مثل عبدة الأوثان والرهبان وغيرهم لا يقبل الله تعالى منهم إلا ما كان خالصاً له. وعن علي أنهم الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية » الحديث.
الغاشية 88:4
وقرأ ﴿تصلى﴾ أبو عمرو وشعبة بضم التاء الفوقية على ما لم يسم فاعله، والباقون بفتحها على تسمية الفاعل، والضمير على كلتا القراءتين للوجوه. والمعنى : تدخل ﴿ناراً حاميةً﴾، أي : شديدة الحرّ قد أحميت وأوقدت مدّة طويلة، ومنه حمى النار بالكسر، أي : اشتدّ حرّه. وحكى الكسائي اشتدّ حمى الشمس وحموها بمعنى. قال صلى الله عليه وسلم «أوقد عليها ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسوّدت فهي سوداء مظلمة ». وقيل : المصلى عند العرب أن يحفروا حفيراً فيجمعون فيه جمراً كثيراً، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه، فأمّا ما شوي فوق الجمر أو على المقلى أو في التنور فلا يسمى مصلياً.
الغاشية 88:5
ولما بين تعالى مكانهم ذكر شرابهم فقال تعالى :﴿تسقى من عين آنية﴾، أي : شديدة الحرارة كقوله تعالى :﴿بين حميم آن﴾ [الرحمن: ٤٤] متناه في الحرارة. روي أنه لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لأذابتها.
الغاشية 88:6
ولما ذكر تعالى شرابهم أتبعه بذكر طعامهم فقال تعالى :﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ قال مجاهد : هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض تسميه قريش الشبرق، فإذا هاج سموه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه. قال الكلبي : لا تقربه دابة إذا يبس. وقال ابن زيد : أمّا في الدنيا فإنّ الضريع الشوك اليابس الذي ليس له ورق، وهو في الآخرة شوك من نار. وجاء في الحديث عن ابن عباس يرفعه :«الضريع شيء في النار يشبه الشوك أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة، وأشد حرّاً من النار » قال أبو الدرداء والحسن :«إنّ الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية لا هنيئة ولا مريئة، فلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها فإذا وصل بطونهم قطعها فذلك قوله تعالى :﴿وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]. قال بعض المفسرين : فلما نزلت هذه الآية قال المشركون : إنّ إبلنا لتسمن على الضريع، وكذبوا في ذلك فإنّ الإبل إنما ترعاه ما دام رطباً ويسمى شبرقاً فإذا يبس لا يأكله شيء. قال أبو ذؤيب يصف حماراً :
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى؍ وصار ضريعاً بان عنه النحائص؍
والنحوص : من الأتن التي لا لبن لها.
الغاشية 88:7
ولما قالوا ذلك أنزل الله تعالى تكذيباً لهم :﴿لا يسمن ولا يغني﴾، أي : يكفي كفاية مبتدأة ﴿من جوع﴾ فلا يحفظ الصحة ولا يمنع الهزال فنفى السمن والشبع عنه، وعلى تقدير أن يصدقوا فيكون المعنى : أنّ طعامكم من ضريع ليس من جنس ضريعكم إنما هو ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع. فإن قيل : كيف قيل :﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ وفي الحاقة :﴿ولا طعام إلا من غسلين﴾ [الحاقة: ٣٦] ؟ أجيب : بأنّ العذاب ألوان والمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع لكل باب منهم جزء مقسوم.
الغاشية 88:8
ولما ذكر تعالى وعيد الكفار أتبعه بشرح أحوال المؤمنين فقال تعالى :﴿وجوه يومئذٍ﴾، أي : يوم تغشى الناس ووصفها بصفات الأولى قوله تعالى :﴿ناعمة﴾، أي : ذات بهجة وحسن كقوله تعالى :﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ [المطففين: ٢٤] أو متنعمة. قال مقاتل : في نعمة وكرامة.
الغاشية 88:9
الصفة الثانية : قوله تعالى :﴿لسعيها﴾، أي : في الدنيا بالأعمال الصالحة ﴿راضيةٌ﴾، أي : في الآخرة بثواب سعيها حين رأت ما أدّاهم إليه من الكرامة.
الغاشية 88:10
الصفة الثالثة قوله تعالى :﴿في جنة﴾ ثم توصف الجنة بصفات الأولى قوله تعالى :﴿عالية﴾، أي : علية المحل والقدر.
الغاشية 88:11
والصفة الثانية : قوله تعالى :﴿لا يسمع فيها لاغية﴾ قرأ بالتاء الفوقية نافع مضمومة لاغية بالرفع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية مضمومة لاغية بالرفع لقيامها مقام الفاعل، والباقون بالتاء الفوقية مفتوحة لاغية بالنصب فيجوز أن تكون التاء للخطاب، أي : لا تسمع أنت وأن تكون للتأنيث، أي : لا تسمع الوجوه واللغو. وقال ابن عباس : الكذب والبهتان والكفر بالله تعالى. وقال قتادة : لا با طل ولا إثم. وقال الحسن : هو الشتم. وقال الفراء : الحلف الكاذب، والأولى كما قيل : لا يسمع في كلامهم كلمة ذات لغو، وإنما يتكلمون بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم وهذا أحسن الأقوال قاله القفال. وقال الكلبي : لا يسمع في الجنة حالف بيمين لا برّة ولا فاجرة.
الغاشية 88:12
الصفة الثالثة : قوله تعالى :﴿فيها﴾، أي : الجنة ﴿عين جارية﴾ قال الزمخشري : يريد عيوناً في غاية الكثرة كقوله تعالى :﴿علمت نفس﴾ [التكوير: ١٤] وقال القفال : فيها عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود، وتجري لهم كما أرادوا.
الغاشية 88:13
الصفة الرابعة : قوله تعالى :﴿فيها سرر مرفوعة﴾، أي : عالية في الهواء. قال ابن عباس : ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة في السماء ما لم يجيء أهلها، فإذا أرادوا أن يجلسوا عليها تواضعت ثم ترتفع على مواضعها.
الغاشية 88:14
الصفة الخامسة قوله تعالى :﴿وأكواب موضوعة﴾ جمع كوب، وهي الكيزان التي لا عرى لها. قال قتادة : فهي دون الإبريق.
وفي قوله تعالى :﴿موضوعة﴾ وجوه أحدها : أنها معدّة لأهلها كالرجل يلتمس من الرجل شيئاً فيقول هو هاهنا موضوع بمعنى معدّ. ثانيها : موضوعة على حافات العين الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوءة من الشراب. ثالثها : موضوعة بين أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب أو فضة أو من جواهر وتلذذهم بالشرب فيها رابعها : أن يكون المراد موضوعة عن حدّ الكبر، أي : هي أوساط بين الكبر والصغر كقوله ﴿قدّروها تقديراً﴾ [الإنسان: ١٦].
الغاشية 88:15
الصفة السادسة : قوله تعالى :﴿ونمارق﴾ وهي الوسائد، واحدها : نمرقة بضم النون والراء وكسرهما لغتان أشهرهما الأولى وهي وسادة صغيرة قالت :
نحن بنات طارق *** نمشي على النمارق
﴿مصفوفة﴾ أي : واحدة على جنب واحدة أخرى قال الشاعر :
كهولاً وشباناً حساناً وجوههم؍ لهم سرر مصفوفة ونمارق؍
الغاشية 88:16
الصفة السابعة : قوله تعالى :﴿وزرابيّ﴾ وهي جمع زربية بفتح الزاي وكسرها لغتان مشهورتان وهي بسط عراض فاخرة. وقال ابن عباس : الطنافس التي لها خمل، أي : وبر رقيق. واختلف في قوله تعالى :﴿مبثوثة﴾ فقال قتادة : مبسوطة. وقال عكرمة : بعضها فوق بعض. وقال الفراء : كثيرة. وقال القتيبي : مفرّقة في المجالس. قال القرطبي : وهذا أصح فهي كثيرة متفرّقة ومنه قوله تعالى :﴿وبث فيها من كل دابة﴾ [البقرة: ١٦٤].
الغاشية 88:17
ولما ذكر تعالى أمر الدارين تعجب الكفار من ذلك فكذبوه وأنكروه فذكرهم الله تعالى صنعه وقدرته بقوله تعالى :﴿أفلا ينظرون﴾، أي : المنكرون لقدرته سبحانه وتعالى على الجنة، وما ذكر فيها، والنار وما ذكر فيها، أي : نظر اعتبار. ﴿إلى الإبل﴾ ونبه على أنه عجيب خلقها مما ينبغي أن تتوفر الدعاوي على الاستفهام والسؤال عنه بأداة الاستفهام، فقال تعالى :﴿كيف خلقت﴾، أي : خلقاً عجيباً دالاً على كمال قدرته وحسن تدبيره، حيث خلقها للنهوض بالأثقال وجرّها إلى البلاد النائية فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعارض ضعيفاً ولا تنازع صغيراً وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار. وعن بعض الحكماء أنه حدّث عن البعير وبديع خلقه وقد نشأ في بلاد لا إبل بها فتفكر، ثم قال : يوشك أن تكون طوال الأعناق وحين أراد بها أن تكون سفائن البرّ صبرها على احتمال العطش، حتى إنّ ظماءها لتصبر على عشر فصاعداً ليتأتى لها قطع البراري والمفاوز مع ما لها من منافع أخر، ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المثبتة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعاً، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع لأنها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا ترعاه سائر البهائم.
وعن سعيد بن جبير قال : لقيت شريحاً القاضي فقلت له : أين تريد ؟ قال : أريد الكناسة، قلت : وما تصنع بها ؟ قال : أنظر إلى الإبل كيف خلقت.
تنبيه : الإبل اسم جمع واحده بعير وناقة وجمل ولا واحد لها من لفظها. وقال المبرد : الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب. قال الثعلبي : ولم أجد لذلك أصلاً في كتب الأئمة. وقال الماوردي : وفي الإبل وجهان : أظهرهما : أنها الإبل، والثاني : أنها السحاب فإن كان المراد بها السحاب فلما فيها من الآيات والدلالات الدالة على قدرته والمنافع العامّة لجميع خلقه، وإن كان المراد بها الإبل فلأنّ الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوانات لأنّ ضروب الحيوان أربعة حلوبة وركوبة وأكولة وحمولة والإبل تجمع هذه الخلال الأربع، فكانت النعمة بها أعم وظهور القدرة فيها أتم وقيل للحسن : الفيل أعظم من الأعجوبة فقال العرب : بعيدة العهد بالفيل ثم هو لا يؤكل لحمه ولا يركب ولا يحلب درّه.
الغاشية 88:18
﴿وإلى السماء﴾ التي هي من جملة مخلوقاتنا ﴿كيف رفعت﴾، أي : رفعاً بعيداً بلا إمساك وبغير عمد على ما لها من السعة والكبر والثقل والإحكام، وما فيها من الكواكب والغرائب والعجائب.
الغاشية 88:19
﴿وإلى الجبال﴾، أي : الشامخة وهي أشد الأرض ﴿كيف نصبت﴾ نصباً ثابتاً فهي راسية لا تميل ولا تزول كما قال تعالى :﴿وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم﴾ [الأنبياء: ٣١].
الغاشية 88:20
﴿وإلى الأرض﴾، أي : على سعتها ﴿كيف سطحت﴾ سطحاً بتمهيد وتوطئة فهي مهاد للتقلب عليها. واستدلّ بعضهم بذلك على أنّ الأرض ليست بكرة. قال الرزاي : وهو ضعيف لأنّ الكرة إذا كانت في غاية العظمة تكون كل قطعة منها كالسطح. فإن قيل : كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة ؟ أجيب : بأنّ من فسرها بالسحاب فالمناسبة ظاهرة، وذلك على طريق التشبيه والمجاز، ومن فسرها بالإبل فالمناسبة بينها وبين السماء والأرض والجبال من وجهين :
أحدهما : أنّ القرآن نزل على العرب وكانوا يسافرون كثيراً ويسيرون عليها في أوديتهم وبواديهم مستوحشين ومنفردين عن الناس، والإنسان إذا انفرد أقبل على التفكر في الأشياء لأنه ليس معه من يحادثه وليس هناك ما يشغل به سمعه وبصره، فلا بدّ من أن يجعل دأبه التفكر فإذا تفكر في تلك الحال فأوّل ما يقع بصره على البعير الذي هو راكبه فيرى منظراً عجيباً، وإن نظر إلى فوق لم ير غير السماء وإن نظر يميناً وشمالاً لم ير غير الجبال، وإن نظر إلى تحت لم ير غير الأرض فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النظر.
ثانيهما : أنّ جميع المخلوقات دالة على الصانع جلت قدرته إلا أنها قسمان منها ما للشهوة فيه حظ كالوجه الحسن والبساتين النزهة والذهب والفضة، فهذه مع دلالتها على الصانع قد يمنع استسحانها عن كمال النظر فيها ومنها ما لا حظ فيه للشهوة كهذه الأشياء فأمر بالنظر فيها ؛ إذ لا مانع من إكمال النظر فيها. وقال عطاء عن ابن عباس : كأن الله تعالى يقول هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض غيري.
الغاشية 88:21
ولما بين تعالى الدلائل على صحة التوحيد والمعاد قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم :﴿فذكر﴾، أي : بنعم الله تعالى ودلائل توحيده وعظهم بذلك وخوّفهم يا أشرف الخلق ﴿إنما أنت مذكر﴾ فلا عليك أن لا ينظروا ولم يذكروا أو ما عليك إلا البلاغ كما قال تعالى :﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨].
الغاشية 88:22
﴿لست عليهم بمسيطر﴾، أي : بمسلط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان كقوله تعالى :﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ [ق: ٥٠] وهذا قبل الأمر بالجهاد. وقرأ هشام بالسين وقرأ حمزة بخلاف عن خلف بإشمام الصاد كالزاي، والباقون بالصاد الخالصة.
الغاشية 88:23
وقوله تعالى :﴿إلا من تولى﴾ استثناء منقطع، أي : لكن من تولى عن الإيمان ﴿وكفر﴾، أي : بالقرآن.
الغاشية 88:24
﴿فيعذبه الله﴾، أي : الذي له الكمال كله بسبب تكبره عن الحق ومخالفته لأمرك ﴿العذاب الأكبر﴾، أي : عذاب الآخرة لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر. وقيل : استثناء متصل فإنّ جهاد الكفار وقتلهم تسليط فكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة وقيل : هو استثناء من قوله تعالى :﴿فذكر﴾ إلا من انقطع طمعك من إيمانه، وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض.
الغاشية 88:25
﴿إن إلينا﴾، أي : خاصة بما لنا من العظمة ﴿إيابهم﴾، أي : رجوعهم بعد البعث.
الغاشية 88:26
﴿ثم إنّ علينا﴾، أي : خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن نقص العيب والجور وكل نقص لا على غيرنا ﴿حسابهم﴾، أي : جزاءهم فلا نتركه أبداً، وفي هذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم فإنه كان يشق عليه تكذيبهم.
فإن قيل : ما معنى تقديم الظرف ؟ أجيب : بأنّ معناه التشديد في الوعيد، وإنّ إيابهم إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وإنّ حسابهم ليس إلا عليه وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير.
الفجر 89:1
وقوله تعالى :﴿والفجر﴾، أي : فجر كل يوم قسم كما أقسم بالصبح في قوله تعالى :﴿والصبح إذا أسفر﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿والصبح إذا تنفس﴾ [التكوير: ١٨] وقال قتادة : هو فجر أوّل يوم من المحرّم تتفجر منه السنة. وقال الضحاك : فجر ذي الحجة، وقيل : ذلك على مضاف محذوف، أي : وصلاة الفجر. وقيل : ورب الفجر وتقدّم أنّ الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته.
الفجر 89:2
واختلف في قوله تعالى :﴿وليال عشر﴾ فقال مجاهد وقتادة : هو عشر ذي الحجة. وقال الضحاك : هو العشر الأوّل من رمضان. وعن ابن عباس : أنه العشر الأخير من رمضان. وعن يمان بن رباب هو العشر الأوّل من المحرّم التي عاشرها يوم عاشوراء، ولصومه فضل عظيم.
فإن قيل : لم ذكر الليالي من بين ما أقسم به ؟ أجيب : بأنّ ذلك للتعظيم.
الفجر 89:3
﴿والشفع﴾، أي : الزوج ﴿والوتر﴾، أي : الفرد، وقيل : الشفع الخلق كلهم قال الله تعالى :﴿وخلقناكم أزواجاً﴾ [النبأ: ٨] والوتر هو الله تعالى. قاله أبو سعيد الخدري. وقال مجاهد ومسروق : الشفع الخلق كله، قال الله تعالى :﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ [الذاريات: ٤٩] الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجنّ والإنس، والوتر هو الله تعالى ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]. وقال قتادة : هما الصلوات منها شفع ومنها وتر. روى ذلك عن عمران بن حصين مرفوعاً وعن ابن عباس الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب. وقال الحسين بن الفضل : الشفع درجات الجنة لأنها ثمان، والوتر دركات النار لأنها سبع دركات. سئل أبو بكر الوراق عن الشفع والوتر فقال : الشفع تضاد أوصاف المخلوقين من العز والذل، والقدرة والعجز، والقوّة والضعف، والعلم والجهل، والبصر والعمى. والوتر انفراد صفات الله سبحانه وتعالى عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوّة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا موت. وعن عكرمة الوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر، واختاره النحاس وقال هو الذي صح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيوم عرفة وتر لأنه تاسعها ويوم النحر شفع لأنه عاشرها. وقال ابن الزبير : الشفع الحادي عشر والثاني عشر من أيام منى، والوتر الثالث عشر. وقال الضحاك : الشفع عشر ذي الحجة والوتر أيام منى الثلاثة. وقيل : الشفع والوتر آدم عليه السلام كان وتراً فشفع بزوجته حوّاء، حكاه القشيريّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقرأ حمزة والكسائيّ بكسر الواو والباقون بفتحها وهما لغتان الفتح لغة قريش ومن والاها والكسر لغة تميم.
الفجر 89:4
وقوله تعالى :﴿والليل إذا يسر﴾ قسم خامس بعدما أقسم بالليالي العشر على الخصوص أقسم به على العموم، ومعنى يسر سار وذهب كما قال الله تعالى :﴿والليل إذا أدبر﴾ [المدثر: ٣٣].
وقال قتادة : إذا جاء وأقبل وقيل : معنى يسر، أي : يسري فيه كما يقال : ليل نائم ونهار صائم، ومنه قوله تعالى :﴿بل مكر الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣] وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الراء وصلاً لا وقفاً، وأثبتها ابن كثير في الحالين، وحذفها الباقون في الحالين لسقوطها في خط المصحف الكريم وإثباتها هو الأصل لأنها لام فعل مضارع مرفوع، ومن فرق بين حالتي الوقف والوصل فلأنّ الوقف محل استراحة وسئل الأخفش عن العلة في سقوط الياء فقال : الليل لا يسري ولكن يسري فيه فهو مصروف فلما صرفه تجنبه حظه من الإعراب كقوله تعالى :﴿وما كانت أمك بغياً﴾ [مريم: ٢٨] ولم يقل بغية، لأنه صرفه عن باغية وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم والجواب محذوف تقديره : لتعذبن يا كفار مكة بدليل قوله تعالى :﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد﴾ إلى قوله تعالى :﴿فصبّ عليهم ربك سوط عذاب إنّ ربك لبالمرصاد﴾ وما بينهما اعتراض.
الفجر 89:5
وقوله تعالى :﴿هل في ذلك﴾، أي : القسم والمقسم به ﴿قسم﴾، أي : حلف أو محلوف ﴿لذي حجر﴾ استفهام معناه التقرير، كقولك : ألم أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت أو المراد منه التأكيد لما أقسم عليه كمن ذكر حجة بالغة، ثم قال : هل فيما ذكرته حجة والمعنى : إنّ من كان ذا لب علم أنّ ما أقسم الله تعالى به هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه والحجر العقل لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي كما يسمى عقلاً ونهية لأنه يعقل وينهى وحصاه من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء : يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها.
الفجر 89:6
وقوله تعالى :﴿ألم تر﴾ خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به العموم والمراد بالرؤية العلم، أي : ألم تعلم يا أشرف رسلنا ﴿كيف فعل ربك﴾، أي : المحسن إليك بأنواع النعم ﴿بعاد﴾.
الفجر 89:7
﴿إرم﴾ وهو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، ثم إنهم جعلوا لفظ عاد اسماً للقبيلة كما يقال لبني هاشم : هاشم، ولبني تميم : تميم، ثم قيل : للأوّلين منهم عاد الأولى، وإرم تسمية لهم باسم جدهم ولمن بعدهم عاد الأخيرة.
فإرم في قوله تعالى :﴿عاد إرم﴾ عطف بيان لعاد وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة وقيل : إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها. وقوله تعالى :﴿ذات﴾، أي : صاحبة ﴿العماد﴾ فينظر فيه إن كانت صفة للقبيلة فالمعنى : أنهم كانوا بدويين أهل عمد وطوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. وقيل : ذات البناء الرفيع وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى : أنها ذات أساطين وروي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال : أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله تعالى عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثم وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال : هي إرم ذات العماد، وسيدخلها جل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا والله ذلك الرجل.
الفجر 89:8
وقوله تعالى :﴿التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾ صفة أخرى لإرم فإن كانت للقبيلة فلم تخلق مثل عاد في البلاد عظم أجرام وقوّة. قال الزمخشري : كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيقلبها على الحي فيهلكهم. وروي عن مالك أنه كانت تمرّ بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة. وإن كانت للبلدة فلم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنّ الله تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه، فلأن تكونوا مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم أولى وقد ذكركم الله تعالى ثلاث قصص هذه القصة الأولى.
الفجر 89:9
وأما الثانية : فهي في قوله تعالى :﴿وثمود الذين جابوا﴾، أي : قطعوا ﴿الصخر﴾ جمع صخرة وهي الحجر واتخذوها بيوتاً كقوله تعالى :﴿وتنحتون من الجبال بيوتاً﴾ [الشعراء: ١٤٩]. ﴿بالواد﴾، أي : وادي القرى، قيل : أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. وقيل : سبعة آلاف مدينة كلها من الحجارة.
تنبيه : أثبت الياء ورش وابن كثير وصلاً، وأثبتها وقفاً ابن كثير بخلاف عن قنبل.
الفجر 89:10
وأما القصة الثالثة : فهي في قوله تعالى :﴿وفرعون﴾، أي : وفعل بفرعون ﴿ذي الأوتاد﴾ واختلف في تسميته بذلك على وجهين :
أحدهما : أنه سمي بذلك عل كثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا.
والثاني : أنه كان يتد أربعة أوتاد يشدّ إليها يدي ورجلي من يعذبه وعن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إنّ فرعون إنما سمي ذا الأوتاد لأنه كانت امرأة وهي امرأة خازنه حزقيل، وكان مؤمناً كتم إيمانه مائة سنة وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذا سقط المشط من يدها فقالت : تعس من كفر بالله، فقالت بنت فرعون : وهل لك إله غير أبي ؟ فقال : إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي، قال : ما يبكيك ؟ فقالت : الماشطة امرأة خازنك تزعم أنّ إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له، فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت : صدقت. فقال لها : ويحك اكفري بإلهك وأقرّي بأني إلهك، قالت : لا أفعل فمدّها بين أربعة أوتاد ثم أرسل عليها الحيات والعقارب، وقال لها : اكفري بالله وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين فقالت له : لو عذبتني سبعين شهراً ما كفرت بالله، وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على فيها، وقال لها : اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على فيك وكانت رضيعة فقالت : لو ذبحت من في الأرض على فيّ ما كفرت بالله عز وجل، فأتى بابنتها فلما اضجعت على صدرها وأراد ذبحها جزعت المرأة فانطق الله تعالى لسان ابنتها فتكلمت، وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالاً وقالت : يا أمّاه لا تجزعي فإن الله تعالى قد بنى لك بيتاً في الجنة فاصبري فإنك تفضين إلى رحمة الله تعالى وكرامته، فذبحت فلم تلبث أن ماتت فاسكنها الله تعالى الجنة قال : وبعث في طلب زوجها حزقيل : فلم يقدروا عليه، فقيل : لفرعون : إنه قد زوى في موضع كذا في جبل كذا فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه وهو يصلي ويليه صفوف من الوحوش خلفه يصلون خلفه، فلما رأيا ذلك انصرفا فقال حزقيل : اللهم أنت تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة ولم يظهر عليّ أحد فأيما هذين الرجلين أظهر عليّ فعجل في عقوبته في الدنيا واجعل مصيره في الآخرة إلى النار، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن، وأما الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملأ فقال له فرعون : وهل معك غيرك ؟ قال : نعم فلان فدعى به، فقال : حق ما يقول هذا ؟ قال : لا ما رأيت كما قال شيئاً فأعطاه فرعون فأجزل وأما الآخر فقتله ثم صلبه. قال : وكان فرعون قد تزوّج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم فرأت ما صنع فرعون بالماشطة فقالت : وكيف يسعني أن أصبر على ما يأتي من فرعون وأنا مسلمة وهو كافر، فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريباً منها، فقالت : يا فرعون أنت أشر الخلق وأخبثه عمدت على الماشطة فقتلتها، فقال : لعل بك الجنون الذي كان بها ؟ قالت : ما بي من جنون، وإن إلهي وإلهها وإلهك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له فمزق ما عليها وضربها وأرسل على أبويها فدعاهما فقال لهما : ألا تريان أنّ الجنون الذي كان بالماشطة أصابها. قالت : أعوذ بالله من ذلك إني أشهد أن ربي وربك ورب السماوات والأرض واحد لا شريك له، فقال أبوها : يا آسية ألست من خير نساء العماليق وزوجك إله العماليق، قالت : أعوذ بالله من ذلك إن كان ما يقول حقاً فقولا له أن يتوّجني تاجاً تكون الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله، فقال لهما فرعون : أخرجاها عني فمدّها بين أربعة أوتاد يعذبها ففتح الله لها باباً إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون فعند ذلك قالت :﴿رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله﴾ [التحريم: ١١] فقبض الله تعالى روحها وأدخلها الجنة. وروي عن أبي هريرة أنّ فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحاً واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت :﴿رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة﴾ ففرج الله تعالى عن بيتها في الجنة فرأته.
الفجر 89:11
وقوله تعالى :﴿الذين طغوا﴾، أي : تجبروا ﴿في البلاد﴾ في محل نصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على هم الذين طغوا في البلاد، أو مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون فالضمير يرجع لعاد وثمود وفرعون وقيل : يرجع إلى فرعون خاصة.
الفجر 89:12
﴿فأكثروا﴾، أي : طغاتهم ﴿فيها الفساد﴾، أي : بالقتل والكفر والمعاصي قال القفال : وبالجملة فالفساد ضد الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم فمن عمل بغير أمر الله تعالى وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد.
الفجر 89:13
﴿فصب﴾، أي : أنزل إنزالاً هو في غاية القوة ﴿عليهم﴾، أي : في الدنيا ﴿ربك﴾، أي : المحسن إليك بكل جميل ﴿سوط﴾، أي : نوع ﴿عذاب﴾ وقال قتادة : يعني ألواناً من العذاب صبه عليهم، وقال أهل المعاني هذا على الاستعارة لأن السوط عندهم غاية العذاب. وقال الفراء : هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أنّ السوط هو عذابهم الذي يعذبون به فجرى إلى كلّ عذاب إذا كان فيه غاية العذاب. وقال الزجاج : جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب.
وعن الحسن أنه كان إذا أتى على هذه الآية قال : إنّ الله تعالى عنده أسواط كثيرة فأخذهم بسوط منها. وقال قتادة : كل شيء عذب الله تعالى به فهو سوط، وشبه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه.
الفجر 89:14
﴿إنّ ربك﴾، أي : المحسن إليك بالرسالة ﴿لبالمرصاد﴾، أي : يرصد أعمال العباد لا يفوته منها شيء ليجازيهم عليها والمرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد، مفعال من رصده كالميقات من وقته، وهذا مثل لإرصاد العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل : له : أين ربك ؟ فقال : بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه فقال :﴿إنّ ربك لبالمرصاد﴾ يا أبا جعفر عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعده بذلك من الجبابرة. قال الزمخشري : فلله دره، أي : أسد فراس كان بين ثوبيه يدق الظلمة بإنكاره ويقصع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:15
وقوله تعالى :﴿فأما الإنسان﴾ متصل بقوله تعالى :﴿إنّ ربك لبالمرصاد﴾ فكأنه قيل : إنّ الله تعالى يريد من الإنسان الطاعة والسعي للعاقبة، وهو لا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها ﴿إذا ما ابتلاه﴾، أي : اختبره بالنعمة ﴿ربه﴾، أي : الذي أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر شكره أو كفره ﴿فأكرمه﴾، أي : جعله عزيزاً بين الناس وأعطاه ما يكرمونه به من الجاه والمال ﴿ونعمه﴾، أي : جعله متلذذاً مترفهاً بما وسع الله تعالى عليه.
وقوله تعالى :﴿فيقول﴾، أي : سروراً بذلك افتخاراً ﴿ربي أكرمن﴾، أي : فضلني بما أعطاني خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في أمّا من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، كأنه قيل : فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتداء بالأنعام فيظن أنّ ذلك عن استحقاق فيرتفع به.
الفجر 89:16
وكذا قوله تعالى :﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدر﴾، أي : ضيق ﴿عليه رزقه﴾ التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه، أي : بالفقر ليوازي قسيمه ﴿فيقول﴾، أي : الإنسان بسبب الضيق ﴿ربي أهانن﴾ فيهتم لذلك ويضيق به ذرعاً ويكون أكبر همه، وهذا في حق الكافر لقصور نظره وسوء فكره فيرى الكرامة والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته. وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : في عتبة بن ربيعة. وقيل : أبي بن خلف. فإن قيل : كيف سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقتيره ابتلاء ؟ أجيب : بأن كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع فالحكمة فيهما واحدة، ونحوه قوله تعالى :﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥]. فإن قيل : هلا قال فأهانه وقدر عليه رزقه كما قال فأكرمه ونعمه ؟ أجيب : بأن البسط إكرام من الله تعالى لعبده بإنعامه عليه متفضلاً من غير سابقة، وأما التقتير فليس بإهانة له لأنّ الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة ولكن تركاً للكرامة، وقد يكون المولى مكرماً ومهيناً وغير مكرم ولا مهين. وإذا أهدى لك زيد هدية قلت : أكرمني بالهدية، ولا تقول أهانني ولا أكرمني إذا لم يهد إليك. فإن قيل : قد قال تعالى فأكرمه فصحح إكرامه وأثبته ثم أنكر قوله :﴿ربي أكرمن﴾ وذمّه عليه كما أنكر قوله :﴿أهانن﴾ وذمه عليه ؟ أجيب : بوجهين :
أحدهما : إنما أنكر قوله :﴿ربي أكرمن﴾ وذمه عليه لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله تعالى عليه وأثبته، وهو قصده على أن الله تعالى أعطاه ما أعطاه إكراماً مستحقاً ومستوجباً على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم كقوله :﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ [القصص: ٧٨] وإنما أعطاه الله تعالى على وجه التفضل من غير استحباب منه له، ولا سابقة مما لا يعتد الله تعالى إلا به، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها.
ثانيهما : أن ينساق الإنكار والذم إلى قوله :﴿ربي أهانن﴾ يعني أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضل عليه يسمى ترك التفضل هواناً وليس بهوان. قال الزمخشري : ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله تعالى :﴿فأكرمه﴾ وقرأ ﴿ما ابتلاه﴾ في الموضعين حمزة بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح، وقرأ ﴿ربي أكرمن﴾ ﴿ربي أهانن﴾ نافع بإثبات الياء فيهما وصلاً لا وقفاً، وقرأ البزي بإثباتها فيهما وقفاً ووصلاً، وعن أبي عمرو فيهما في الوصل الإثبات والحذف عنه في الوصل أعدل، والباقون بالحذف وقفاً ووصلاً. وقرأ ابن عامر ﴿فقدّر عليه رزقه﴾ بتشديد الدال والباقون بتخفيفها، وهما لغتان معناهما ضيق. وقيل : قدر بمعنى قتر وقدر أعطاه ما يكفيه.
الفجر 89:17
ثم ردّ الله تعالى على من ظن أنّ سعة الرزق إكرام وأنّ الفقر إهانة بقوله تعالى :﴿كلا﴾، أي : ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر إنما هما بالإطاعة والمعصية، وكفار مكة لا ينتبهون لذلك ﴿بل﴾ لهم فعل أشر من هذا القول وهو أنهم ﴿لا يكرمون اليتيم﴾، أي : لا يحسنون إليه مع غناهم، أو لا يعطونه حقه من الميراث. قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف فكان يدفعه فنزلت :﴿ولا تحضون على طعام المسكين﴾.
الفجر 89:18
﴿ولا تحضون﴾، أي : يحثون حثاً عظيماً ﴿على طعام﴾، أي : إطعام ﴿المسكين﴾ فيكون اسم مصدر بمعنى الإطعام، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي : على بذل أو على إعطاء، وفي إضافته إليه إشارة إلى أنه شريك للغنيّ في ماله بقدر الزكاة.
الفجر 89:19
﴿ويأكلون﴾ على سبيل التجدد والاستمرار ﴿التراث﴾، أي : الميراث والتاء في التراث بدل من واو لأنه من الوراثة.
﴿أكلاً لماً﴾، أي : ذا لم واللمّ الجمع الشديد. يقال : لممت الشيء لماً، أي : جمعته جمعاً. قال الحطيئة :
إذا كان لما يتبع الذم ربه؍ فلا قدس الرحمن تلك الطواحنا؍
والجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا يورثون النساء والصبيان ويأكلون انصباءهم ويأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك، فيلمون في الأكل بين حلاله وحرامه ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال مهلاً مهلاً من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلاً واسعاً جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه كما يفعل البطالون.
الفجر 89:20
ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي دل عليه في الإنسان فقال تعالى :﴿ويحبون﴾، أي : على سبيل الاستمرار ﴿المال﴾، أي : هذا النوع من، أي : شيء كان وأكد بالمصدر والوصف فقال تعالى ﴿حباً جماً﴾، أي : كثيراً شديداً مع الحرص والشره ومنع الحقوق.
الفجر 89:21
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أخبر تعالى عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم فقال عز من قائل :﴿إذا دكت الأرض﴾، أي : حصل دكها ورجها وزلزلتها لتسويتها فتكون كالأديم الممدود بشدّة المط لا عوج فيها بوجه ﴿دكاً دكاً﴾، أي : مرّة بعد مرّة، وكسر كل شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر فلم يبق على ظهرها شيء وينعدم.
الفجر 89:22
﴿وجاء ربك﴾ قال الحسن : أمره وقضاؤه ﴿والملك﴾، أي : الملائكة. وقوله تعالى :﴿صفاً صفاً﴾ حال، أي : مصطفين، أي : ذوي صفوف كثيرة فتنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف محدقين بالجن والإنس.
الفجر 89:23
﴿وجيء﴾، أي : بأسهل أمر ﴿يومئذ﴾، أي : إذ وقع ما ذكر ﴿بجهنم﴾، أي : النار التي تتجهم من يصلاها كقوله تعالى :﴿وبرزت الجحيم﴾ [النازعات: ٣٦] ويروى «أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه فأخبروا علياً فجاء فاحتضنه من خلفه وقبل ما بين عاتقيه، ثم قال : يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم وما الذي غيرك فتلا عليه الآية. فقال له علي : كيف يجاء بها ؟ قال : يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع، ثم تعرض لي جهنم فتقول : ما لك ولي يا محمد إنّ الله تعالى قد حرم لحمك علي فلا يبقى أحد إلا قال : نفسي نفسي إلا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : رب أمّتي أمّتي ». وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : تقاد جهنم بسبعين ألف زمام كل زمام بيد ألف ملك لها تغيظ وزفير حتى تنصب على يسار العرش.
وقوله تعالى :﴿يومئذ﴾، أي : يوم يجاء بجهنم بدل من إذ وجوابها ﴿يتذكر الإنسان﴾، أي : يتذكر الكافر ما فرط أو يتعظ لأنه يعلم قبح معاصيه فيندم عليها ﴿وأنى له الذكرى﴾، أي : ومن أين له منفعة الذكرى. قال الزمخشري : لا بد من حذف مضاف وإلا فبين ﴿يتذكر﴾ وبين ﴿وأنى له الذكرى﴾ تناف وتناقض.
تنبيه : أنى خبر مقدّم والذكرى مبتدأ مؤخر وله متعلق بما تعلق به الظرف. وقرأ ﴿وأنى﴾ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بالإمالة بين بين والباقون بالفتح. وقرأ ﴿الذكرى﴾ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين بين، والباقون بالفتح.
الفجر 89:24
﴿يقول﴾، أي : يقول مع تذكره ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ليتني قدّمت لحياتي﴾، أي : في حياتي فاللام بمعنى في، أو قدّمت الإيمان والخير لحياة لا موت فيها، أو وقت حياتي في الدنيا.
الفجر 89:25
﴿فيومئذ﴾، أي : يوم يقول الإنسان ذلك وقرأ ﴿لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد﴾ الكسائي بفتح الذال والثاء على البناء للمفعول، والباقون بكسرهما على البناء للفاعل فأمّا قراءة الكسائي فضمير عذابه ووثاقه للكافر، والمعنى : لا يعذب أحد مثل تعذيبه ولا يوثق مثل إيثاقه، وأما على قراءة الباقين فالضمير فيهما لله تعالى إلى غيره، أو الزبانية المتولين العذاب بأمر الله تعالى.
الفجر 89:26
﴿فيومئذ﴾، أي : يوم يقول الإنسان ذلك وقرأ ﴿لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد﴾ الكسائي بفتح الذال والثاء على البناء للمفعول، والباقون بكسرهما على البناء للفاعل فأمّا قراءة الكسائي فضمير عذابه ووثاقه للكافر، والمعنى : لا يعذب أحد مثل تعذيبه ولا يوثق مثل إيثاقه، وأما على قراءة الباقين فالضمير فيهما لله تعالى إلى غيره، أو الزبانية المتولين العذاب بأمر الله تعالى.
الفجر 89:27
ولما وصف الله تعالى حال من اطمأن إلى الدنيا وصف حال من اطمأن إلى معرفته وعبوديته وسلم أمره إليه فقال تعالى :﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ قال الحسن، أي : المؤمنة الموقنة. وقال مجاهد : الراضية بقضاء الله تعالى. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بثواب الله تعالى. وقال ابن كيسان : المخلصة. وقال ابن زيد : التي بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث ويوم الجمع، ويقال لها : عند الموت.
الفجر 89:28
﴿ارجعي إلى ربك﴾، أي : إلى أمره وإرادته وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : على صاحبك وجسدك. وقال الحسن : إلى ثواب ربك. ﴿راضية﴾، أي : بما أوتيته ﴿مرضية﴾، أي : عند الله تعالى بعملك، أي : جامعة بين الوصفين لأنه لا يلزم من أحدهما الآخر، وهما حالان. قال القفال : هذا وإن كان أمراً في الظاهرة فهو خبر في المعنى، والتقدير : أنّ النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى الله تعالى في القيامة بسبب هذا الأمر.
الفجر 89:29
﴿فادخلي في﴾، أي : في جملة ﴿عبادي﴾، أي : الصالحين والوافدين عليّ الذين هم أهل الإضافة إليّ، أو في أجساد عبادي التي خرجت في الدنيا منها.
الفجر 89:30
﴿وادخلي جنتي﴾، أي : معهم، هي جنة عدن وهي أعلى الجنان ويجيء الأمر بمعنى الخبر كثيراً في كلامهم كقولهم إذا لم تستح فاصنع ما شئت. وقال سعيد بن زيد :«قرأ رجل عند النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال أبو بكر : ما أحسن هذا يا رسول الله فقال له : إنّ الملك سيقوله لك يا أبا بكر ».
وقال سعيد بن جبير : مات ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالطائف فجاء طائر لم ير على خلقه طائر قط فدخل نعشه لم ير خارجاً منه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا يدرى من تلاها ﴿يا أيتها النفس﴾ الآية. وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان حين وقف بئر رومة وقيل : في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال : اللهمّ إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك، فحوّل الله تعالى وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوّله. وقيل : نزلت في حمزة بن عبد المطلب. قال الزمخشري : والظاهر العموم.