السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — المعارج 70:1 – الإنسان 76:31
المحتويات
- المعارج 70:1
- المعارج 70:2
- المعارج 70:3
- المعارج 70:4
- المعارج 70:5
- المعارج 70:6
- المعارج 70:7
- المعارج 70:8
- المعارج 70:9
- المعارج 70:10
- المعارج 70:11
- المعارج 70:12
- المعارج 70:13
- المعارج 70:14
- المعارج 70:15
- المعارج 70:16
- المعارج 70:17
- المعارج 70:18
- المعارج 70:19
- المعارج 70:20
- المعارج 70:21
- المعارج 70:22
- المعارج 70:23
- المعارج 70:24
- المعارج 70:25
- المعارج 70:26
- المعارج 70:27
- المعارج 70:28
- المعارج 70:29
- المعارج 70:30
- المعارج 70:31
- المعارج 70:32
- المعارج 70:33
- المعارج 70:34
- المعارج 70:35
- المعارج 70:36
- المعارج 70:37
- المعارج 70:38
- المعارج 70:39
- المعارج 70:40
- المعارج 70:41
- المعارج 70:42
- المعارج 70:43
- المعارج 70:44
- نوح 71:1
- نوح 71:2
- نوح 71:3
- نوح 71:4
- نوح 71:5
- نوح 71:6
- نوح 71:7
- نوح 71:8
- نوح 71:9
- نوح 71:10
- نوح 71:11
- نوح 71:12
- نوح 71:13
- نوح 71:14
- نوح 71:15
- نوح 71:16
- نوح 71:17
- نوح 71:18
- نوح 71:19
- نوح 71:20
- نوح 71:21
- نوح 71:22
- نوح 71:23
- نوح 71:24
- نوح 71:25
- نوح 71:26
- نوح 71:27
- نوح 71:28
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:3
- الجن 72:4
- الجن 72:5
- الجن 72:6
- الجن 72:7
- الجن 72:8
- الجن 72:9
- الجن 72:10
- الجن 72:11
- الجن 72:12
- الجن 72:13
- الجن 72:14
- الجن 72:15
- الجن 72:16
- الجن 72:17
- الجن 72:18
- الجن 72:19
- الجن 72:20
- الجن 72:21
- الجن 72:22
- الجن 72:23
- الجن 72:24
- الجن 72:25
- الجن 72:26
- الجن 72:27
- الجن 72:28
- المزمل 73:1
- المزمل 73:2
- المزمل 73:3
- المزمل 73:4
- المزمل 73:5
- المزمل 73:6
- المزمل 73:7
- المزمل 73:8
- المزمل 73:9
- المزمل 73:10
- المزمل 73:11
- المزمل 73:12
- المزمل 73:13
- المزمل 73:14
- المزمل 73:15
- المزمل 73:16
- المزمل 73:17
- المزمل 73:18
- المزمل 73:19
- المزمل 73:20
- المدثر 74:1
- المدثر 74:2
- المدثر 74:3
- المدثر 74:4
- المدثر 74:5
- المدثر 74:6
- المدثر 74:8
- المدثر 74:9
- المدثر 74:10
- المدثر 74:11
- المدثر 74:12
- المدثر 74:13
- المدثر 74:14
- المدثر 74:15
- المدثر 74:16
- المدثر 74:17
- المدثر 74:18
- المدثر 74:19
- المدثر 74:20
- المدثر 74:21
- المدثر 74:22
- المدثر 74:23
- المدثر 74:24
- المدثر 74:25
- المدثر 74:26
- المدثر 74:27
- المدثر 74:28
- المدثر 74:29
- المدثر 74:30
- المدثر 74:31
- المدثر 74:32
- المدثر 74:33
- المدثر 74:34
- المدثر 74:35
- المدثر 74:36
- المدثر 74:37
- المدثر 74:38
- المدثر 74:39
- المدثر 74:40
- المدثر 74:41
- المدثر 74:42
- المدثر 74:43
- المدثر 74:44
- المدثر 74:45
- المدثر 74:46
- المدثر 74:47
- المدثر 74:48
- المدثر 74:49
- المدثر 74:50
- المدثر 74:51
- المدثر 74:52
- المدثر 74:53
- المدثر 74:54
- المدثر 74:55
- المدثر 74:56
- القيامة 75:1
- القيامة 75:2
- القيامة 75:3
- القيامة 75:4
- القيامة 75:5
- القيامة 75:6
- القيامة 75:7
- القيامة 75:8
- القيامة 75:9
- القيامة 75:10
- القيامة 75:11
- القيامة 75:12
- القيامة 75:13
- القيامة 75:14
- القيامة 75:15
- القيامة 75:16
- القيامة 75:17
- القيامة 75:18
- القيامة 75:19
- القيامة 75:20
- القيامة 75:21
- القيامة 75:22
- القيامة 75:23
- القيامة 75:24
- القيامة 75:25
- القيامة 75:26
- القيامة 75:27
- القيامة 75:28
- القيامة 75:29
- القيامة 75:30
- القيامة 75:31
- القيامة 75:32
- القيامة 75:33
- القيامة 75:34
- القيامة 75:35
- القيامة 75:36
- القيامة 75:37
- القيامة 75:38
- القيامة 75:39
- القيامة 75:40
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:2
- الإنسان 76:3
- الإنسان 76:4
- الإنسان 76:5
- الإنسان 76:6
- الإنسان 76:7
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:9
- الإنسان 76:10
- الإنسان 76:11
- الإنسان 76:12
- الإنسان 76:13
- الإنسان 76:14
- الإنسان 76:15
- الإنسان 76:16
- الإنسان 76:17
- الإنسان 76:18
- الإنسان 76:19
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:21
- الإنسان 76:22
- الإنسان 76:23
- الإنسان 76:24
- الإنسان 76:25
- الإنسان 76:26
- الإنسان 76:27
- الإنسان 76:28
- الإنسان 76:29
- الإنسان 76:30
- الإنسان 76:31
المعارج 70:1
﴿سأل سائل﴾ أي : دعا داع ﴿بعذاب واقع﴾ فضمن سأل معنى دعا، فلذلك عدى تعديته، وقيل : الباء بمعنى عن كقوله تعالى :﴿فاسأل به خبيراً﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي : عنه، أي : سأل سائل عن عذاب واقع، والأول أولى لأن التجوز في الفعل أولى منه في الحرف لقوتّه.
واختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هو النضر بن الحارث حيث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزل سؤاله وقتل يوم بدر صبراً هو وعتبة بن أبي معيط لم يقتل صبراً غيرهما، وقيل : هو الحارث بن النعمان، وذلك «أنه لما بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عليّ : من كنت مولاه فعليّ مولاه ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح، ثم قال : يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه وأن نصلي خمساً ونزكي أموالنا فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في عام فقبلناه منك وأن نحج فقبلناه منك ثم لم ترض حتى فضلت ابن عمك علينا، أفهذا شيء منك أم من الله تعالى ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «والذي لا إله إلا هو ما هو إلا من الله » فولى الحارث وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله تعالى بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله فنزلت.
وقال الربيع : هو أبو جهل، وقيل : إنه قول جماعة من كفار قريش، وقيل : هو نوح عليه السلام سأل العذاب على الكافرين، وقيل : هو نبينا صلى الله عليه وسلم استعجل بعذاب الكافرين ويدل عليه قوله تعالى بعد ذلك ﴿فاصبر صبراً جميلاً﴾ أي : لا تستعجل فإنه قريب، وقرأ نافع وابن عامر بغير همز بعد السين، والباقون بهمزة مفتوحة بعد السين.
تنبيه : ما تقدم من الوجهين في كون سأل ضمن أو أن الباء بمعنى عن هو على القراءة بالهمز، وأما على عدمه ففيه وجهان : أحدهما : أنه لغة في السؤال يقال : سأل يسأل كخاف يخاف وعين الكلمة واو، قال الزمخشري : وهي من لغة قريش.
المعارج 70:2
والثاني : أنه من السيل ومعناه اندفع عليهم واد بعذاب، وقيل : سال واد من أودية جهنم وقوله تعالى :﴿للكافرين﴾ فيه أوجه : أحدها : أنه يتعلق بسأل مضمناً معنى دعا كما مر، أي : دعا لهم بعذاب واقع. الثاني : أنه يتعلق بواقع واللام للعلة، أي : نازل لأجلهم. الثالث : أن يتعلق بمحذوف صفة ثانية للعذاب، أي : كائن للكافرين. الرابع : أن يكون جواباً للسائل فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي : هو للكافرين. الخامس : أن تكون اللام بمعنى على، أي : واقع على الكافرين.
﴿ليس له﴾ أي : بوجه من الوجوه ولا حيلة من الحيل ﴿دافع﴾ يردّه.
المعارج 70:3
وقوله تعالى :﴿من الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي لا كفء له يجوز أن يتعلق بدافع بمعنى ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته لتعلق إرادته به وأن يتعلق بواقع، وبه بدأ الزمخشري، أي : واقع من عنده ﴿ذي المعارج﴾ أي : المصاعد وهي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح أو يترقى فيها المؤمنون في سلوكهم أو في دار ثوابهم، أو مراتب الملائكة أو السماوات، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : ذي السماوات، سماها معارج الملائكة لأن الملائكة يعرجون فيها فوصف نفسه بذلك، أو ذي العلوّ والدرجات الفواضل والنعم، لأنها تصل إلى الناس على مراتب مختلفة، قاله ابن عباس وقتادة رضي الله عنهم، فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق. وقيل : ذي العظمة والعلا، وقيل : المعارج الغرف، أي : إنه ذو الغرف، أي : جعل لأوليائه الجنة غرفاً.
المعارج 70:4
وقرأ :﴿تعرج الملائكة﴾ الكسائي بالياء التحتية، والباقون بالتاء الفوقية، وأدغم جيم المعارج في تاء تعرج هنا السوسي، واستضعف بعضهم ذلك من حيث إن مخرج الجيم بعيد من مخرج التاء. وأجيب عن ذلك بأن الإدغام يكون لمجرد الصفات وإن لم يتقاربا في المخرج والجيم تشارك التاء في الاستفال والانفتاح والشدة والجملة من تعرج مستأنفة.
وقوله تعالى :﴿والروح﴾ من عطف الخاص على العام إن أريد بالروح جبريل عليه السلام كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى :﴿نزل به الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] أو ملك آخر من جنسهم عظيم الخلقة : وقال أبو صالح : إنه خلق من خلق الله كهيئة الناس وليس بالناس. وقال قبيصة بن ذؤيب : إنه روح الميت حين يقبض، ﴿إليه﴾ أي : مهبط أمره من السماء. وقيل : هو كقول إبراهيم عليه السلام :﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ [الصافات: ٩٩]، أي : إلى الموضع الذي أمرني به، وقيل : إلى عرشه، وعلق بالعروج أو بواقع قوله تعالى :﴿في يوم﴾ أي : من أيامكم، وبين عظمه بقوله تعالى :﴿كان﴾ أي : كوناً هو في غاية الثبات ﴿مقداره﴾ أي : لو كان الصاعد فيه آدمياً ﴿خمسين ألف سنة﴾ أي : من سني الدنيا وذلك أن تصعد من منتهى أمر الله تعالى من أسفل الأرض السابعة، روي عن مجاهد رضي الله عنه أن مقدار هذا خمسين ألف سنة. وقال محمد بن إسحاق : لو سار بنو آدم من الدنيا إلى موضع العرش ساروا خمسين ألف سنة. وقال عكرمة وقتادة رضي الله عنهما : هو يوم القيامة وأراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ليس يعني به أن مقدار طوله هكذا دون غيره ؛ لأن يوم القيامة ليس له أول وليس له آخر لأنه يوم ممدود، ولو كان له آخر لكان منقطعاً.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يوم القيامة يكون على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال :«قيل : لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فما أطول هذا اليوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا ».
وقيل : معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله تعالى لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة قال عطاء رضي الله عنه : ويفرغ الله تعالى في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، وقيل : فيه خمسون موطناً على الكافر، كل موطن ألف سنة وما ورد ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر.
وروي عن الكلبي أنه قال : يقول الله تعالى : لو وليت حساب ذلك الملائكةُ والإنس والجن وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه في خمسين ألف سنة وأنا أفرغ منه في ساعة من النهار. وقال بيان : هو يوم القيامة فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة، وفيه تقديم وتأخير كأنه قال : ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه.
فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة السجدة :﴿في يوم كان مقداره ألف سنة﴾ [السجدة: ٥] ؟ أجيب : بأنه يحتمل أن من أسفل العالم إلى أعلى العرش خمسين ألف سنة، ومن أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة لأن عرض كل سماء خمسمائة وما بين أسفل إلى قرار الأرض خمسمائة، فقوله في يوم من أيام الدنيا وهو مقدار ألف سنة لو صعدوا فيه إلى سماء الدنيا، ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى أعلى العرش.
المعارج 70:5
وقوله تعالى :﴿فاصبر صبراً جميلاً﴾ متعلق كما قال الرازي : بسأل سائل، لأن استعجالهم بالعذاب كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بالصبر، والمعنى : جاء العذاب لقرب وقوعه فاصبر على أذى قومك، والصبر الجميل : هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله تعالى.
وقيل : أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو، وقال ابن زيد والكلبي رضي الله عنهم : هذه الآية منسوخة بالأمر بالقتال.
المعارج 70:6
﴿إنهم﴾ أي : الكفار ﴿يرونه﴾ أي : ذلك اليوم الطويل أو عذابه ﴿بعيداً﴾ أي : زمن وقوعه لأنهم يرونه غير ممكن، أو يفعلون أفعال من يستبعده.
المعارج 70:7
﴿ونراه﴾ أي : لما لنا من العظمة التي قضت بوجوده وهو علينا هين ﴿قريباً﴾ سواء أريد بذلك قرب الزمان أو قرب المكان فهو هين على قدرتنا وهو آت لا محالة، وكل آت قريب، والقريب والبعيد عندنا على حدٍ سواء، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين بين، والباقون بالفتح.
المعارج 70:8
وقوله تعالى :﴿يوم تكون السماء﴾ متعلق بمحذوف، أي : يقع فيه من الأهوال ﴿كالمهل﴾ أي : كدردي الزيت، وعن ابن مسعود رضي الله عنه : كالفضة البيضاء في تلونها.
المعارج 70:9
﴿وتكون الجبال﴾ أي : التي هي أشد الأرض وأثقل ما فيها ﴿كالعهن﴾ أي : كالصوف في الخفة والطيران بالريح. وقيل : أول ما تتفرق الجبال تصير رملاً ثم عهناً منفوشاً ثم هباء منثوراً منبثاً.
المعارج 70:10
﴿ولا يسأل﴾ أي : من شدة الأهوال ﴿حميم حميماً﴾ أي : قريب في غاية القرب والصداقة قريباً مثله عن شيء من الأشياء لفرط الشواغل ولأنه قد كشفت لهم أنه لا تغني نفس عن نفس شيئاً وأنه قد تقطعت الأسباب وتلاشت الأنساب وعلم أنه لا عز إلا بالتقوى.
المعارج 70:11
﴿يبصرونهم﴾ أي : يبصرهم بهم مبصر فلا يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه ﴿يودّ المجرم﴾ أي : يتمنى الكافر أو هذا النوع سواء كان كافراً أم مسلماً عاصياً علم أنه يعذب بعصيانه ﴿لو﴾ بمعنى أن ﴿يفتدي﴾ أي : يفدي نفسه ﴿من عذاب يومئذ﴾ أي : يوم إذ كانت هذه المخاوف. وقرأ نافع والكسائي بفتح الميم والباقون بكسرها، ﴿ببنيه﴾ أي : بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه لشدة ما يرى.
المعارج 70:12
ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه نصره والذب عنه أتبعه ما يليه في الرتبة والمودة بقوله تعالى :﴿وصاحبته﴾ أي : زوجه التي يلزمه الذب عنها لاسيما عند العرب من أقبح العار ولكونه دائماً معها. ولما ذكر الصاحبة لما لها من تمام الوصلة أتبعها الشقيق الذي هو عليه شفيق بقوله تعالى :﴿وأخيه﴾ أي : الذي له به النصرة على من يريد، قال الشاعر :
أخاك أخاك إن من لا أخا له؍ كنازل الهيجاء بغير سلاح؍
المعارج 70:13
ولما كان من بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم بقوله تعالى :﴿وفصيلته﴾ أي : عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه، وقال ثعلب : الفصيلة الآباء الأدنون، وقال أبو عبيدة رضي الله عنه : الفخذ، وقال مجاهد وابن زيد رضي الله عنهم : عشيرته الأقربون، ﴿التي تؤويه﴾ أي : تضمه إليها عند الشدائد وتحميه لأنه أقرب الناس إليها وأعزهم عليها.
المعارج 70:14
ولما خصص عمم بقوله تعالى :﴿ومن في الأرض﴾ أي : من الثقلين وغيرهم سواء كان فيهم صديق لا صبر عنه ولا بدّ في كل حال منه أم لا، ثم أكد ذلك بقوله تعالى :﴿جميعاً﴾ وقوله تعالى :﴿ثم ينجيه﴾ أي : ذلك الافتداء عطف على يفتدى.
المعارج 70:15
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردّ وردع وزجر لما يودّه، وقال القرطبي : وإنها تكون بمعنى حقاً وبمعنى لا وهي هنا تحتمل الأمرين فإذا كانت بمعنى حقاً كان تمام الكلام ينجيه، وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها إذ ليس من عذاب الله افتداء.
ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ذلك المضمر أشار إلى أنه مستحضر في الذهن لا يغيب قال تعالى :﴿إنها﴾ أي : النار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة لفظ عذاب عليها، وقيل : الضمير للقصة. وقيل : مبهم يفسره قوله تعالى :﴿لظى﴾ أي : ذات اللهب الخالص المتناهي في الحرّ اسم لجهنم تتلظى، أي : تتوقد فتأكل بسببه بعضها بعضاً إن لم تجد ما تأكله وتأكل كل ما وجدته كائناً ما كان.
المعارج 70:16
وقوله تعالى :﴿نزاعة للشوى﴾ جمع شواة وهي جلدة الرأس، أي : شديدة النزع لجلود الرؤوس. وقال في «القاموس » : اليدان والرجلان والأطراف ومخ الرأس وما كان غير مقتل ا. ه. وقرأ حفص بالنصب على الاختصاص والحال المؤكدة والمستقلة على أن لظى متلظية، والباقون بالرفع على أنها خبر إن.
المعارج 70:17
﴿تدعو من أدبر وتولى﴾ عن الإيمان، تقول : إليّ يا مشرك، إليّ يا فاسق ونحو هذا، ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب.
المعارج 70:18
ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين، فكان الإقبال على أحدهما دالاً على الإعراض عن الأخرى قال تعالى دالاً على إدباره بقلبه :﴿وجمع﴾ أي : كل ما كان منسوباً إلى الدنيا ﴿فأوعى﴾ أي : جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصاً وطول أمل ولم يعط حق الله تعالى منه فكان همه الإعطاء لا إبطاء ما وجب من الحق إقبالاً على الدنيا وإعراضاً عن الآخرة، وقرأ :﴿لظى﴾ و ﴿للشوى﴾ و ﴿تولى﴾ ﴿فأوعى﴾ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ورش قليل والباقون بالفتح.
المعارج 70:19
﴿إن الإنسان﴾ أي : الجنس عبر به لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولدينه ﴿خلق هلوعاً﴾ أي : جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو أفحش الجزع مع شدة الحرص وقلة الصبر والشح على المال والسرعة فيما لا ينبغي، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إنه الحريص على ما لا يحل له.
المعارج 70:20
وروي عنه أن تفسيره ما بعده وهو قوله تعالى :﴿إذا مسه﴾ أي : أدنى مس ﴿الشر﴾ أي : هذا الجنس، وهو ما تطاير شرره من الضرر ﴿جزوعاً﴾ أي : عظيم الجزع وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقدّ نصفين ويتفتت.
المعارج 70:21
﴿وإذا مسه﴾ كذلك ﴿الخير﴾ هذا الجنس وهو ما يلائمه فيجمعه من السعة في المال وغيره من أنواع الرزق ﴿منوعاً﴾ أي : مبالغاً في الإمساك عما يلزمه من الحقوق للانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليه وقوفاً مع المحسوس لغلبة الجمود والبلادة، وهذا الوصف ضد الإيمان لأنه نصفان شكر وصبر.
فإن قيل : حاصل هذا الكلام أنه نفور عن المضارّ طالب للراحة، وهذا هو اللائق بالعقل فلم ذمه الله تعالى عليه ؟ أجيب : بأنه إنما ذمه عليه لقصور نظره على الأمور العاجلة، والواجب عليه أن يكون شاكراً راضياً في كل حال.
المعارج 70:22
وقوله تعالى :﴿إلا المصلين﴾ استثناء للموصوفين بالصفات الآتية من المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل مضادّة تلك الصفات لها من حيث إنها دالة على الاستغراق في طاعة الحق، والإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف من العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار العاجل على الآجل، وتلك ناشئة عن الانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليها.
المعارج 70:23
﴿الذين هم﴾ أي : بكلية ضمائرهم وظواهرهم ﴿على صلاتهم﴾ أي : التي هي معظم دينهم وهي النافعة لهم لا لغيرهم بما أفادته الإضافة، والمراد الجنس الشامل لجميع الأنواع إلا أن معظم المقصود الفرض، ولذلك عبر بالاسم الدال على الثبات في قوله تعالى :﴿دائمون﴾ أي : لا فتور لهم عنها ولا انفكاك لهم منها، وقال عقبة بن عامر : هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يميناً ولا شمالاً، والدائم : الساكن، ومنه نهي عن البول في الماء الدائم، أي : الساكن. وقال ابن جريج والحسن : هم الذين يكثرون فعل التطوع منها.
فإن قيل : كيف قال تعالى :﴿على صلاتهم دائمون﴾ وقال تعالى في موضع آخر :﴿على صلواتهم يحافظون﴾ [الأنعام: ٩٢] ؟ أجيب : بأن دوامهم عليها أن لا يتركوها في وقت، ومحافظتهم عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها حتى تأتي على أكمل الوجوه من المحافظة على شرائطها، والإتيان بها في الجماعة وفي المساجد الشريفة، وفي تفريغ القلب عن الوسواس والرياء والسمعة، وأن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، وأن يكون حاضر القلب فاهماً للأذكار، مطلعاً على حكم الصلاة متعلق القلب بدخول أوقات الصلاة.
المعارج 70:24
ولما ذكر تعالى زكاة الروح أتبعه زكاة عديلها، فقال تعالى مبينا للرسوخ في الوصف بالعطف بالواو :﴿والذين في أموالهم﴾ التي منّ الله سبحانه بها عليهم ﴿حق معلوم﴾ أي : من الزكوات وجميع النفقات الواجبة. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق.
المعارج 70:25
﴿للسائل﴾ أي : الذي يسأل ﴿والمحروم﴾ أي : الذي لا يسأل، فيحسب غنياً فيحرم فهو يتلظى بناره في ليله ونهاره، ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته وسره إلا إلى إفاضة مدامعه بذلة وانكسار، وهذا من الله تعالى حث على تفقد أرباب الضرورات ممن لا كسب له ومن افتقر بعد الغنى، وقد كان للسلف الصالح في هذا قصب السبق، حكي عن زين العابدين أنه لما مات وجد في ظهره آثار سواد كأنها السيور، فعجبوا منها فقال بعد موته نسوة أرامل : كان شخص يأتي إلينا ليلاً بقرب الماء على ظهره وأجربة الدقيق ففقدناه واحتجنا، فعلموا أنه هو وأن تلك السيور من ذلك، وحكي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن شخصاً رآه ماشياً في زمن خلافته في الليل فتبعه، فجاء إلى بيت نسوة أرامل فقال : أعندكن ماء وإلا املأ لكنّ، فأعطينه جرة فأخذها وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهنّ. والحكايات عنهم في هذا كثيرة.
المعارج 70:26
﴿والذين يصدّقون﴾ أي : يوقعون التصديق لمن يخبرهم ويجدّدونه كل وقت ﴿بيوم الدين﴾ أي : الجزاء الذي ما مثله يوم وهو يوم القيامة الذي يقع الحساب فيه على النقير والقمطير والتصديق به حق التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة، فالذين يعلمون لذلك اليوم هم العمال، وأما المصدّقون بمجرّد الأقوال فلهم الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال.
المعارج 70:27
﴿والذين هم﴾ أي : بجميع ضمائرهم وظواهرهم ﴿من عذاب ربهم﴾ أي : المحسن إليهم لا من عذاب غيره فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه ﴿مشفقون﴾ أي : خائفون في هذه الدار خوفاً عظيماً هو في غاية الثبات من أن يعذبهم في الآخرة أو في الدنيا أو فيهما، فهم لذلك لا يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه.
المعارج 70:28
﴿إن عذاب ربهم﴾ أي : الذي هم مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على الانتقام ولو بقطع الإحسان ﴿غير مأمون﴾ أي : لا ينبغي لأحد أن يأمنه بل يجوز أن يحل به وإن بالغ في الطاعة ؛ لأن الملك مالك وهو تام الملك، له أن يفعل ما شاء، ومن جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل مترجحاً بين الخوف والرجاء.
المعارج 70:29
﴿والذين هم﴾ أي : ببواطنهم الغالبة على ظواهرهم ﴿لفروجهم﴾ أي : سواء أكانوا ذكوراً أم إناثاً ﴿حافظون﴾ أي : حفظاً ثابتاً دائماً عن كل ما نهى الله تعالى عنه.
المعارج 70:30
﴿إلا على أزواجهم﴾ أي : من الحرائر بعقد النكاح، وقدمهنّ لشرفهنّ وشرف الولد بهنّ، ثم أتبعه قوله تعالى :﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ أي : من السراري التي هي محل الحرث والنسل واللاتي هن أقل عقلاً من الرجال، ولهذا عبر بما التي هي في الأغلب لغير العقلاء، وفي ذلك إشارة إلى اتساع النطاق في احتمالهن.
﴿فإنهم﴾ أي : بسبب إقبالهم بالفروج عليهن وإزالة الحجاب من أجل ذلك ﴿غير ملومين﴾ أي : في الاستمتاع بهن من لائم ما، كما نبه عليه البناء للمفعول، فهم يصحبونهن للتعفف وصون النفس وابتغاء الولد للتعاون على طاعة الله تعالى، واكتفى في مدحهم بنفي اللوم لإقباله عن تحصيل ما له من المرام.
المعارج 70:31
﴿فمن ابتغى﴾ أي : طلب وعبر بصيغة الافتعال لأن ذلك لا يقع إلا عن إقبال عظيم من النفس واجتهاد في الطلب. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح. ﴿وراء ذلك﴾ أي : شيئاً من هذا خارجاً عن هذا الأمر الذي أحله الله تعالى له، والذي هو أعلى المراتب في أمر النكاح وقضاء اللذة وأحسنها وأجملها ﴿فأولئك﴾ أي : الذين هم في الحضيض من الدناءة وغاية البعد عن مواطن الرحمة ﴿هم﴾ أي : بضمائرهم وظواهرهم ﴿العادون﴾ أي : المختصون بالخروج عن الحدّ المأذون فيه.
المعارج 70:32
﴿والذين هم لأماناتهم﴾ أي : من كل ما ائتمنهم الله تعالى عليه من حقه وحق غيره، وقرأ ابن كثير بغير ألف بعد النون على التوحيد، والباقون بالألف على الجمع ﴿وعهدهم﴾ أي : ما كان من الأمانات بربط وتوثيق ﴿راعون﴾ أي : حافظون لها معترفون بها على وجه نافع غير ضار.
المعارج 70:33
﴿والذين هم﴾ أي : بغاية ما يكون من توجه القلوب ﴿بشهادتهم﴾ التي شهدوا بها أو يستشهدون بها بطلب أو غيره، وتقديم المعمول إشارة إلى أنهم في فرط قيامهم بها ومراعاتهم لها كأنهم لا شاغل لهم سواها ﴿قائمون﴾ أي : يتحملونها ويؤدّونها على غاية التمام والحسن أداء من هو متهيئ لها واقف في انتظارها، وقرأ حفص بألف بعد الدال على الجمع اعتباراً بتعدد الأنواع والباقون بغير ألف على التوحيد إذ المراد الجنس. قال الواحديّ : والإفراد أولى لأنه مصدر فيفرد كما تفرد المصادر وإنّ أضيف إلى الجمع كصوت الحمير. قال أكثر المفسرين : يقومون بالشهادة على من كانت عليه من قريب وبعيد، يقومون بها عند الحكام ولا يكتمونها. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بشهادتهم أنّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله.
المعارج 70:34
﴿والذين هم على صلاتهم﴾ أي : من الفرض والنفل ﴿يحافظون﴾ أي : يبالغون في حفظها ويجددونه حتى كأنهم يبادرونها الحفظ ويسابقونها فيه فيحفظونها لتحفظهم ويسابقون غيرهم في حفظها، وتقدم أنّ المداومة غير المحافظة، فدوامهم عليها محافظتهم على أوقاتها وشروطها وأركانها ومستحباتها في ظواهرها وبواطنها من الخشوع والمراقبة وغير ذلك من خلال الإحسان التي إذا فعلوها كانت ناهية لفاعلها ﴿إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] فتحمل على جميع هذه الأوامر وتبعد عن أضدادها، فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة والمحافظة إلى أحوالها ذكره القرطبي.
المعارج 70:35
ولما ذكر تعالى خلالهم أتبعه ما أعطاهم، فقال عز من قائل مستأنفاً أو منتجاً من غير فاء إشارة إلى أن رحمته هي التي أوصلتهم إلى ذلك من غير سبب منهم في الحقيقة :﴿أولئك﴾ أي : الذين في غاية العلوّ لما لهم من الأوصاف العالية ﴿في جنات﴾ أي : في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا فلأنهم لما جاهدوا فيه بإتعاب أنفسهم في هذه الأوصاف حتى تخلقوا بها أعطاهم بمباشرتها لذاذات من أنس القرب وحلاوة المناجاة لا يساويها شيء أصلاً، والجنة محل اجتمع فيه جميع الراحات والمستلذات والسرور وانتفى عنه جميع المكروهات والشرور، وضدها النار. وزادهم على ذلك بقوله تعالى :﴿مكرمون﴾ معبراً باسم المفعول إشارة إلى عموم الإكرام من الخالق والخلق الناطق وغيره، لأنه سبحانه قضى بأن يعلي مقدارهم فيكرمهم بأنواع الكرامات فيتلقاهم بالبشرى حين الموت وفي قبورهم ومن حين قيامهم من قبورهم إلى دخولهم إلى قصورهم هذا حال المؤمنين.
المعارج 70:36
وأما حال الكافرين فقال الله تعالى في حقهم :﴿فما للذين كفروا﴾ وقف أبو عمرو على الألف بعد الميم والكسائي يقف على الألف وعلى اللام، ووقف الباقون على اللام، وأما الابتداء فالجميع يبتدؤون أوّل الكلمة أي : أيّ شيء من السعادات للذين ستروا مرائي عقولهم عن الإقرار بمضمون هذا الكلام الذي هو أوضح من الشمس حال كونهم ﴿قبلك﴾ أي : نحوك أيها الرسول الكريم وفيما أقبل عليك ﴿مهطعين﴾ أي : مسرعين مع مد الأعناق وإدامة النظر إليك في غاية العجب من مقالك، هيئة من يسعى إلى أمر لا حياة له بدونه.
المعارج 70:37
﴿عن﴾ أي : متجاوزين إليك مكاناً عن جهة ﴿اليمين﴾ أي : منك حيث يتيمنون به ﴿وعن الشمال﴾ أي : منك وإن كانوا يتشاءمون به، وقوله تعالى :﴿عزين﴾ حال من الذين كفروا، وقيل : من الضمير في مهطعين فتكون حالاً متداخلة، أي : جماعات جماعات وحلقاً حلقاً متفرقين فرقاً شتى أفواجاً لا يتمهلون ليأتوا جميعاً. جمع عزة وأصلها عزوة لأنّ كل فرقة تعتزي إلى غير ما تعتزي إليه الأخرى فهم متفرقون قال الكميت :
ونحن وجندل باغ تركنا؍ كتائب جندل شتى عزينا؍
وجمع عزة جمع سلامة شذوذاً.
وقيل : كان المستهزؤون خمسة أرهط روي أنّ المشركين كانوا يجتمعون حول النبيّ صلى الله عليه وسلم يستمعون كلامه ويستهزؤون به ويكذبونه ويقولون : إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فندخلها قبلهم، فردّ الله تعالى عليهم بقوله عز من قائل :﴿أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم﴾.
المعارج 70:38
﴿أيطمع﴾ أي : هؤلاء البعداء البغضاء، وعبر بالطمع إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب تعاطوه له.
ولما كان إتيانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال تعالى :﴿كل امرئ منهم﴾ أي : على انفراده ﴿أن يدخل﴾ أي : وهو كافر من غير إيمان يزكيه كما يدخل المسلم، فيستوي المسيء والمحسن ﴿جنة نعيم﴾ أي : لا شيء فيها عير النعيم.
المعارج 70:39
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع لهم عن طمعهم ودخولهم الجنة، أي : لا يكون ما طمعوا فيه أصلاً ؛ لأنّ ذلك ثمن فارغ لا سبب له بما دل عليه التعبير بالطمع دون الرجاء. ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إنا خلقناهم﴾ أي : بالقدرة التي لا يقدر أحد أن يقاومها ﴿مما يعلمون﴾ أي : أنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة كما خلق سائر جنسهم، فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة، وإنما تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل : كانوا يستهزؤون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال تعالى :﴿إنا خلقناهم مما يعلمون﴾ أي : من القذر وهو منصبهم الذي لا منصب أوضع منه ولذلك أبهم وأخفى إشعاراً بأنه منصب يستحيا من ذكره، فلا يليق بهم هذا التكبر ويدعون التقدم ويقولون : ندخل الجنة قبلهم.
قال قتادة في هذه الآية إنما خلقت يا ابن آدم من قذر، فاتّقِ الله. وروي أنّ مطرّق بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز وجبة خز، فقال له : يا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله تعالى ؟ فقال له : أتعرفني ؟ قال : نعم، أوّلك نطفة مزرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة فمضى المهلب وترك مشيته.
فائدة : قال ابن عربي في «الفتوحات » : خلق الله الناس على أربعة أقسام : قسم لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم عليه السلام، وقسم من ذكر فقط وهو حوّاء، وقسم من أنثى فقط وهو عيسى عليه السلام، وقسم من ذكر وأنثى وهو بقية الناس.
المعارج 70:40
﴿فلا﴾ زيدت فيه لا ﴿أقسم برب﴾ أي : سيد ومبدع ومدبر ﴿المشارق﴾ أي : التي تشرق الشمس والقمر والكواكب السيارة، كل يوم في موضع منها على المنهاج الذي دبره والطريق والقانون الذي أتقنه وسخره ستة أشهر صاعدة وستة أشهر هابطة ﴿والمغارب﴾ كذلك وهي التي ينشأ عنها الليل والنهار والفصول الأربعة، فكان بها صلاح العالم بمعرفة الحساب وإصلاح المآكل والمشارب وغير ذلك من المآرب، فيوجد كل من الملوين بعد أن لم يكن والنبات من النجم والشجر كذلك عادة مستمرة دالة على أنه تعالى قادر على الإيجاد والإعدام لكل ما يريده من غير كلفة ما. كما قال تعالى :﴿إنا﴾ أي : على ما لنا من العظيمة ﴿لقادرون﴾.
المعارج 70:41
﴿على أن نبدل﴾ أي : تبديلاً عظيماً بما لنا من الجلالة عوضاً عنهم ﴿خيراً منهم﴾ أي : بالخلق أو بتحويل الوصف فيكونون أشدّ بطشاً في الدنيا وأكثر أموالاً وأولاداً وأعلى قدراً وأكثر حشماً وجاهاً وخدماً، فيكونون عندك على قلب واحد في سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من الهزء والتصفيق والصفير وكل ما يضيق به صدرك، وقد فعل ذلك سبحانه بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان بالسعة في الرزق بأخذ أموال الجبارين من كسرى وقيصر والتمكين في الأرض حتى كانوا ملوك الدنيا مع العمل بما يوجب لهم ملك الآخرة، ففرجوا الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلوا في مرضاته الأنفس والأموال ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ أي : لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر نريده بوجه من الوجوه.
المعارج 70:42
﴿فذرهم﴾ أي : اتركهم ولو على أسوأ أحوالهم ﴿يخوضوا﴾ أي : في باطلهم من مقالهم وفعالهم ﴿ويلعبوا﴾ أي : يفعلوا في دنياهم فعل اللاعب الذي لا فائدة لفعله إلا ضياع الزمان واشتغل أنت بما أمرت به ﴿حتى يلاقوا﴾ أي : يلقوا ﴿يومهم الذي يوعدون﴾ وهو يوم كشف الغطاء الذي أوّل مجيئه عند الغرغرة، وتناهيه النفخة الثانية، ودخول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره، وهذه الآية منسوخة بآية السيف كما قاله البقاعيّ وابن عادل.
المعارج 70:43
وقوله تعالى :﴿يوم يخرجون﴾ يجوز أن يكون بدلاً من يومهم أو منصوباً بإضمار أعني ﴿من الأجداث﴾ أي : القبور التي صاروا بتغييبهم فيها تحت وقع الحوافر والخف، فهم بحيث لا يدفعون شيئاً يفعل بهم بل هم كلحم في فم ماضغ، فإنّ الجدث : القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم.
وقوله تعالى :﴿سراعاً﴾ أي : نحو صوت الداعي ذاهبين إلى المحشر، حال من فاعل يخرجون جمع سريع كظراف في ظريف، وقرأ قوله تعالى :﴿كأنهم إلى نصب﴾ ابن عامر وحفص بضم النون والصاد، والباقون بفتح النون وإسكان الصاد على أنه مصدر بمعنى المفعول كما تقول هذا نصب عيني وضرب الأمير، والنصب كل ما نصب فعبد من دون الله ﴿يوفضون﴾ أي : يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصابهم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إلى نصب، أي : إلى غاية وهي التي ينتصب إليها بصرك، وقال الكلبي : هو شيء منصوب علم أو راية. وقال الحسن : كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى لا يلوي أوّلهم على آخرهم.
المعارج 70:44
وقوله تعالى :﴿خاشعة﴾ حال إما من فاعل يوفضون وهو أقرب، أو من فاعل يخرجون وفيه بعد منه، وفيه تعدد الحال لذي حال واحدة وفيه الخلاف المشهور. وقوله تعالى :﴿أبصارهم﴾ فاعل، والمعنى ذليلة خاضعة لا يرفعونها لما يتوقعونه من عذاب الله تعالى ﴿ترهقهم﴾ أي : تغشاهم فتعمهم وتحمل عليهم، فتكلفهم كل عسر وضيق على وجه الإسراع عليهم ﴿ذلة﴾ أي : ضد ما كانوا عليه في الدنيا ؛ لأن من تعزز في الدنيا على الحق ذل في الآخرة، ومن ذل للحق في الدنيا عز في الآخرة.
﴿ذلك﴾ أي : الأمر الذي هو في غاية ما يكون من علوّ الرتبة في العظمة ﴿اليوم الذي كانوا يوعدون﴾ أي : يوعدون في الدنيا أنّ لهم فيه العذاب، وأخرج الخبر بلفظ الماضي ؛ لأنّ ما وعد الله تعالى به فهو حق كائن لا محالة، وهذا هو العذاب الذي سألوا عنه أوّل السورة، فقد رجع آخرها على أوّلها.
نوح 71:1
﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة البالغة ﴿أرسلنا نوحاً إلى قومه﴾ أي : الذين كانوا في غاية القوّة على القيام بما يحاولونه وهم بصدد أن يجيبوه ويكرموه لما بينهم من القرب بالنسب واللسان، وكانوا جميع أهل الأرض من الآدميين، روى قتادة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«أول نبي أرسل نوح عليه السلام » وأرسل إلى جميع أهل الأرض ولذلك لما كفروا أغرق الله تعالى أهل الأرض جميعاً، وهو نوح بن لمك بن متوشلح بن أخنوخ، وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عليه السلام. قال وهب : وكل مؤمنون أرسل إلى قومه وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : وهو ابن أربعين سنة. وقال عبد الله بن شداد : بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة.
ويجوز في قوله تعالى :﴿أن أنذر﴾ أي : حذر تحذيراً عظيماً ﴿قومك﴾ أي : الاستمرار على الكفر أن تكون أن مفسرة فلا يكون لها من الإعراب لأن في الإرسال معنى الأمر فلا حاجة إلى إضمار، ويجوز أن تكون المصدرية أي : أرسلناه بالإنذار ا. ه. قال الزمخشري : والمعنى أرسلناه بأن قلنا له أنذر قومك أي : أرسلناه بالأمر بالإنذار ا. ه. وهذا الذي قدره جواب عن سؤال وهو أنّ قولهم إنّ أن المصدرية يجوز أن توصل بالأمر مشكل ؛ لأنه ينسبك منها ومما بعدها مصدر وحينئذ فتفوت الدلالة على الأمر ألا ترى أنك إذا قدرت كتبت إليه بأن قم : كتبت إليه القيام تفوت الدلالة على الأمر حال التصريح بالمصدر فينبغي أن يقدر كما قاله الزمخشري أي : كتبت إليه بأن قلت له : قم، أي : كتبت إليه بالأمر بالقيام.
وقال القرطبي : أي بأن أنذر قومك ﴿من قبل أن يأتيهم﴾ أي : على ما هم عليه من الأعمال الخبيثة ﴿عذاب أليم﴾ أي : عذاب الآخرة أو الطوفان.
نوح 71:2
﴿قال﴾ أي : نوح عليه السلام ﴿يا قوم﴾ فاستعطفهم بتذكيرهم أنه أحدهم يهمه ما يهمهم ﴿إني لكم نذير﴾ أي : مبالغ في إنذاركم ﴿مبين﴾ أي : أمري بين في نفسه بحيث إنه صار في شدة وضوحه كأنه مظهر لما يتضمنه مناد بذلك للقريب والبعيد والفطن والغبي.
نوح 71:3
ويجوز في قوله تعالى :﴿أن اعبدوا الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي له جميع الكمال، أن تكون أن تفسيرية لنذير، وأن تكون مصدرية والكلام فيها كما تقدّم في أختها. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة في الوصل بكسر النون والباقون بالضم، والمعنى وحدوا الله ﴿واتقوه﴾ أي : اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية تمنعكم من عذابه بالانتهاء عن كل ما يكرهه فلا تتحركوا حركة ولا تسكنوا سكنة إلا في طاعته، وهذا هو العمل الواقي من كل سوء ﴿وأطيعون﴾ أي : لأعرفكم ما تقصر عنه عقولكم من صفات معبودكم ودينكم ودنياكم ومعادكم، وأدلكم على اجتلاب آداب تهديكم واجتناب شبه ترديكم، ففي طاعتي فلأحكم برضا الملك عنكم.
نوح 71:4
وقوله :﴿يغفر لكم﴾ جواب الأمر، وفي من في قوله :﴿من ذنوبكم﴾ أوجه أحدها : أنها تبعيضية، الثاني : أنها لابتداء الغاية، الثالث : أنها مزيدة. قال ابن عطية : وهو مذهب كوفي، وردّ بأنّ مذهبهم ليس ذلك لأنهم يشترطون تنكير مجرورها ولا يشترطون غيره، والأخفش لا يشترط شيئاً، فالقول بزيادتها هنا ماش على قوله لا على قولهم، قاله القرطبيّ، وقيل : لا يصح كونها زائدة لأنّ من لا تزاد في الموجب وإنما هي هنا للتبعيض وهو بعض الذنوب وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين.
﴿ويؤخركم﴾ أي : بلا عذاب تأخيراً ينفعكم ﴿إلى أجل مسمى﴾ أي : قد سماه الله تعالى وعلمه قبل إيجادكم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه فيكون موتكم على العادة أو يأخذكم جميعاً، فالأمور كلها قد قدرت وفرغ من ضبطها لإحاطة العلم والقدرة فلا يزاد فيها ولا ينقص ليعلم أنّ الإرسال إنما هو مظهر لما قدره في الأزل، ولا يظن أنه قالب للأعيان بتغيير ما سبق به القضاء من الطاعة والعصيان، وقرأ : ويوخركم ولا يوخر ورش بإبدال الهمزة واواً وقفاً ووصلاً، وحمزة في الوقف دون الوصل، والباقون بالهمز.
﴿إنّ أجل الله﴾ أي : الذي له الكمال كله فلا رادّ لأمره ﴿إذا جاء لا يؤخر﴾ أي : إذا جاء الموت لا يؤخر بعذاب كان أو بغير عذاب، وأضاف الأجل إليه سبحانه لأنه الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى :﴿إذا جاء أجلهم﴾ [يونس: ٤٩] لأنه مضروب لهم. ﴿لو كنتم تعلمون﴾ أي : لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك ولكنهم لانهماكهم في حبّ الدنيا كأنهم شاكّون في الموت.
نوح 71:5
ولما كان عليه السلام أطول الأنبياء عمراً وكان قد طال نصحه لهم ولم يزدادوا إلا طغياناً وكفراً ﴿قال﴾ منادياً لمن أرسله لأنه تحقق أن لا قريب منه غيره :﴿رب﴾ أي : يا سيدي وخالقي ﴿إني دعوت﴾ أي : أوقعت الدعاء إلى الله بالحكمة والمواعظة الحسنة ﴿قومي﴾ أي : الذين هم جديرون بإجابتي لمعرفتهم بي وقربهم مني، وفيهم قوّة المحاولة لما يريدون ﴿ليلاً ونهاراً﴾ أي : دائماً متصلاً لا أفتر عن ذلك. وقيل : معناه سراً وجهراً.
نوح 71:6
﴿فلم يزدهم دعائي﴾ أي : شيئاً من أحوالهم التي كانوا عليها ﴿إلا فراراً﴾ أي : بعداً وإعراضاً عن الإيمان كأنهم حمر مستنفرة استثناء مفرغ وهو مفعول ثان، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون الياء، والباقون بفتحها وهم على مراتبهم في المد.
نوح 71:7
﴿وإني كلما﴾ أي : على تكرار الأوقات وتعاقب الساعات ﴿دعوتهم﴾ أي : إلى الإقبال إليك بالإيمان بك والإخلاص لك ﴿لتغفر لهم﴾ أي : ليؤمنوا فتمحو ما فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في التجاوز في الحد محواً بالغاً، فلا يبقى لشيء من ذلك عين و لا أثر حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم ﴿جعلوا أصابعهم﴾ كراهة منهم واحتقاراً للداعي ﴿في آذانهم﴾ حقيقة لئلا يسمعوا الدعاء، إشارة إلى أنا لا نريد أن نسمع ذلك منك، فإن أبيت إلا الدعاء فإنا لا نسمع لسد أسماعنا ودل على الإفراط في كراهة الدعاء بما ترجم عنه قوله :﴿واستغشوا ثيابهم﴾ أي : أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم لئلا يبصروه كراهة للنظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله تعالى، وهكذا حال النصحاء مع من ينصحونه دائماً. ﴿وأصروا﴾ أي : أكبوا على الكفر وعلى المعاصي من أصر الحمار على العانة، وهي القطيع من الوحش إذا صر أذنيه وأقبل عليها يكدمها ويطردها ﴿واستكبروا﴾ أي : أوجدوا الكبر طالبين له راغبين فيه وأكد ذلك بقوله :﴿استكباراً﴾ تنبيهاً على أن فعلهم منابذ للحكمة، وقد أفادت هذه الآيات بالصريح في غير موضع أنهم عصوا نوحاً عليه السلام وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهراً بتعطيل الأسماع والأبصار وباطناً بالإصرار والاستكبار.
نوح 71:8
﴿ثم إني دعوتهم جهاراً﴾ أي : معلناً بالدعاء، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بأعلى صوتي.
نوح 71:9
﴿ثم إني أعلنت لهم﴾ أي : كررت لهم الدعاء معلناً، وقرأ نافع وابن كثير بفتح الياء والباقون بسكونها ﴿وأسررت لهم إسراراً﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يريد الرجل بعد الرجل، أكلمه سراً بيني وبينه، أدعوه إلى عبادتك وتوحيدك.
نوح 71:10
﴿فقلت﴾ أي : في دعائي لهم ﴿استغفروا ربكم﴾ أي : اطلبوا من المحسن إليكم المبدع لكم المدبر لأموركم أن يمحو ذنوبكم أعيانها وآثارها بأن تؤمنوا بالله وتتقوه ﴿إنه كان﴾ أي : أزلاً وأبداً ودائماً سرمداً ﴿غفاراً﴾ أي : متصفاً بصفة الستر على من رجع إليه.
نوح 71:11
﴿يرسل السماء﴾ أي : المظلة لأن المطر منها، ويجوز أن يراد السحاب والمطر ﴿عليكم مدراراً﴾.
نوح 71:12
﴿ويمددكم بأموال وبنين﴾ أي : ويكثر أموالكم وأولادكم، وذلك أن قوم نوح عليه السلام لما كذبوه زماناً طويلاً حبس الله تعالى عنهم المطر وعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فهلكت أموالهم ومواشيهم، فقال لهم نوح : استغفروا ربكم من الشرك، أي : استدعوه المغفرة بالتوحيد ﴿يرسل السماء عليكم مدراراً﴾. روى الشعبي : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما خرج يستسقي بالناس فلم يزد على الاستغفار، فلما نزل قيل : يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت ؟ فقال : لقد طلبت الغيث بمخاريج السماء التي بها يستنزل القطر، ثم قرأ هذه الآية، شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطئ. وعن الحسن أن رجلاً شكا إليه الجدب، فقال : استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح : أتاك رجال يشكون أبواباً ويسألون أنواعاً، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا الآية. وقال القشيري : من وقعت له حاجة إلى الله تعالى فلن يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. وقال : إن عمل قوم نوح كان بضد ذلك، كلما ازداد نوح عليه السلام في الضمان ووجوه الخير والإحسان ازدادوا في الكفر والنسيان.
﴿ويجعل لكم﴾ أي : في الدارين ﴿جنات﴾ أي : بساتين عظيمة وأعاد العامل للتأكيد، فقال ﴿ويجعل لكم أنهاراً﴾ أي : يخصكم بذلك عمن لم يفعل ذلك، فإن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً. وقال تعالى :﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦] وقال تعالى :﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ [المائدة: ٦٦] وقال تعالى :﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً﴾ [الجن: ١٦].
نوح 71:13
﴿ما لكم لا ترجون الله﴾ أي : الملك الذي له الأمر كله ﴿وقاراً﴾ أي : ما لكم لا تأملون له توقيراً، أي : تعظيماً، والمعنى : ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب. ولله بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة الوقار، فإنّ بالمعرفة تزكو الأعمال وتصلح الأقوال، إنما سبق أبو بكر رضي الله عنه بشيء وقر في صدره، وإنما يصح تعظيمه سبحانه بأن لا ترى لك عليه حقاً ولا تنازع له اختياراً، وتعظم أمره ونهيه بعدم المعارضة.
نوح 71:14
﴿وقد﴾ أي : والحال أنه قد أحسن إليكم مرّة بعد مرّة بما لا يقدر عليه غيره، فدل ذلك على تمام قدرته ثم لم يقطع إحسانه عنكم، فاستحق أن تؤمنوا به لأنه ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] ورجاء لدوام إحسانه وخوفاً من قطعه لأنه ﴿خلقكم﴾ أي : أوجدكم من العدم مقدّرين ﴿أطواراً﴾ أي : تارات عناصر أولاً ثم مركبات تغذي الحيوانات، ثم أخلاطاً ثم نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً ولحوماً وأعصاباً ودماء، ثم خلقاً آخر تاماً ناطقاً ذكراناً وإناثاً إلى غير ذلك من الأمور الدالة على قدرته على كل مقدور، ومن قدر على هذا ابتداء كان على الإعادة أعظم قدرة.
نوح 71:15
﴿ألم تروا﴾ أي : أيها القوم ﴿كيف خلق الله﴾ أي : الذي له العلم التامّ والقدرة البالغة والعظمة الكاملة ﴿سبع سماوات﴾ هنّ في غاية العلو والسعة والإحكام والزينة ﴿طباقاً﴾ أي : متطابقة بعضها فوق بعض، وكل واحدة في التي تليها محيطة بها ما لها من فروج، ولا يكون تمام المطابقة كذلك إلا بالإحاطة من كل جانب.
نوح 71:16
﴿وجعل القمر﴾ أي : الذي ترونه ﴿فيهنّ نوراً﴾ أي : لامعاً منتشراً كاشفاً للمرئيات، أحد وجهيه يضيء لأهل الأرض ؛ والثاني لأهل السماوات. قال الحسن : يعني في السماء الدنيا، كما تقول : أتيت بني فلان، وإنما أتيت بعضهم وفلان متوار في دور بني فلان، وهو في دار واحدة، وبدأ به لقربه وسرعة حركته وقطعه جميع البروج في كل شهر وغيبوبته في بعض الليالي، ثم ظهوره وذلك أعجب في القدرة.
ولما كان نوره مستفاداً من نور الشمس قال تعالى :﴿وجعل﴾ أي : فيها ﴿الشمس﴾ أي : في السماء الرابعة ﴿سراجاً﴾ أي : نوراً عظيماً كاشفاً لظلمة الليل عن وجه الأرض وهي في السماء الرابعة كما مرّ. وقيل : في الخامسة، وقيل : في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن عمر : أنّ الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وأقفيتهما إلى الأرض، وجعلهما سبحانه آية على رؤية عباده المؤمنين له في الجنة.
نوح 71:17
﴿والله﴾ أي : الملك الأعظم الذي له الأمر كله ﴿أنبتكم﴾ أي : بخلق أبيكم آدم عليه السلام ﴿من الأرض﴾ أي : كما ينبت، وعبر بذلك تذكيراً لنا بما كان من خلق أبينا آدم عليه السلام لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض ﴿نباتاً﴾ أي : أنشأكم منها إنشاء، فاستعير الإنبات له لأنه أدل على الحدوث والتكوّن، وأصله أنبتكم فنبتم نباتاً فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية.
نوح 71:18
﴿ثم يعيدكم﴾ على التدريج ﴿فيها﴾ أي : الأرض بالموت والإقبار وإن طالت الآجال ﴿ويخرجكم﴾ أي : منها بالإعادة، وأكد بالمصدر الجاري على الفعل إشارة إلى شدّة العناية به وتحتم وقوعه لإنكارهم له فقال تعالى :﴿إخراجاً﴾ أي : غريباً ليس هو كما تعلمون بل تكونون به في غاية ما يكون من الحياة الباقية تلابس أرواحكم بها أجسامكم ملابسة لا انفكاك بعدها لا حكماً عن الآخر.
نوح 71:19
﴿والله﴾ أي : المستجمع لجميع الجلال والإكرام ﴿جعل لكم﴾ أي : نعمة عليكم اهتماماً بأمركم ﴿الأرض بساطاً﴾ أي : سهل عليكم التصرّف فيها والتقلب عليها سهولة التصرّف في البساط.
نوح 71:20
ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿لتسلكوا﴾ أي : متخذين ﴿منها﴾ أي : الأرض مجددين ذلك ﴿سبلاً﴾ أي : طرقاً واضحة مسلوكة بكثرة ﴿فجاجاً﴾ أي : ذوات اتساع لتتوصلوا إلى البلاد الشاسعة براً وبحراً، فيعم الانتفاع بجميع البقاع فالذي قدر على إحداثكم وأقدركم على التصرّف في أصلكم مع ضعفكم قادر على إخراجكم من أجداثكم التي لم تزل طوع أمره ومحل عظمته وقهره.
نوح 71:21
ولما أكثروا مع نوح عليه السلام الجدال ونسبوه إلى الضلال وقابلوه بأشنع الأقوال والأفعال :﴿قال نوح﴾ أي : بعد رفقه بهم ولينه لهم :﴿رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ المدبر لي المتولي لجميع أمري ﴿إنهم﴾ أي : قومي الذين دعوتهم إليك مع صبري عليهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴿عصوني﴾ أي : فيما أمرتهم به ودعوتهم إليه، فأبوا أن يجيبوا دعوتي وشردوا عني أشدّ شراد، وخالفوني أقبح مخالفة.
﴿واتبعوا﴾ أي : بغاية جهدهم نظراً إلى المظنون العاجل ﴿من﴾ أي : رؤساءهم البطرين بأموالهم المغترين بولدانهم، وفسرهم بقوله تعالى :﴿لم يزده﴾ أي : شيئاً من الأشياء ﴿ماله﴾ أي : كثرته ﴿وولده﴾ كذلك ﴿إلا خساراً﴾ أي : بالبعد من الله تعالى في الدنيا والآخرة، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح الواوين واللام، والباقون بضم الواو الثانية وإسكان اللام.
نوح 71:22
﴿ومكروا﴾ أي : هؤلاء الرؤساء في تنفير الناس عني ﴿مكراً﴾ وزاده تأكيداً بصيغة هي النهاية في المبالغة بقوله :﴿كباراً﴾ فإنه أبلغ من كبار المخفف الأبلغ من كبير، واختلفوا في معنى مكرهم فقال ابن عباس : قالوا قولاً عظيماً. وقال الضحاك : افتروا على الله تعالى وكذبوا رسله. وقيل : منع الرؤساء أتباعهم عن الإيمان بنوح عليه السلام، فلم يدعوا أحداً منهم بذلك المكر يتبعه وحرشوهم على قتله.
نوح 71:23
﴿وقالوا﴾ أي : لهم ﴿لا تذرن﴾ أي : تتركن ﴿آلهتكم﴾ أي : عبادتها على حالة من الحالات لا قبيحة ولا حسنة، وأضافوها إليهم تحبيباً فيها ثم خصوا بالتسمية زيادة في الحث وتصريحاً بالمقصود، فقالوا مكرّرين اليمين والعامل تأكيداً :﴿ولا تذرنّ ودًّا﴾ قرأ نافع بضم الواو والباقون بفتحها، وأنشدوا بالوجهين قول الشاعر :
حيال وودّ من هداك لقيته؍ وحرض بأعلى ذي فضالة مسجد؍
وقال القرطبي : قال الليث : وَدًّا بفتح الواو : صنم كان لقوم نوح، ووُدًّا بالضم : صنم لقريش وبه سمي عمرو بن وُد. وفي الصحاح والوَدّ بالفتح : الوتد في لغة أهل نجد، كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال ا. ه. ثم أعادوا النفي تأكيداً فقالوا :﴿ولا سواعاً﴾ وأكدوا هذا التأكيد وأبلغوا فيه فقالوا :﴿ولا يغوث﴾. ولما بلغ التأكيد نهايته وعلم أنّ القصد النهي عن كل فرد فرد لا عن المجموع تركوا التأكيد في قولهم :﴿ويعوق ونسرا﴾ للعلم بإرادته.
واختلف المفسرون في هذه الأسماء فقال ابن عباس وغيره : هي أصنام وصور كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب، وهذا قول الجمهور، وقيل : إنها للعرب لم يعبدها غيرهم، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فلذلك خصوها بالذكر بعد قولهم :﴿لا تذرنّ آلهتكم﴾ وقال عروة بن الزبير : اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكان ودّ أكبرهم وأبرّهم به.
قال محمد بن كعب : كان لآدم عليه السلام خمسة بنين : ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكانوا عباداً، فمات رجل منهم فحزنوا عليه فقال الشيطان : أنا أصوّر لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا : افعل، فصوّره في المسجد من صفر ورصاص، ثم مات آخر فصوّره حتى ماتوا كلهم وصوّرهم وتناقصت الأشياء كما تناقصت اليوم إلى أن تركوا عبادة الله تعالى بعد حين، فقال لهم الشيطان : ما لكم لا تعبدون شيئاً ؟ قالوا : وما نعبد ؟ قال : آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترون أنها في مصلاكم فعبدوها من دون الله تعالى حتى بعث الله نوحاً عليه السلام، فقالوا :﴿لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ ودًّا ولا سواعاً﴾ الآية.
وقال محمد بن كعب أيضاً ومحمد بن قيس : بل كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا زين لهم إبليس أن يصوّروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم وليتسلوا بالنظر إليها فصوّروهم، فلما ماتوا جاء آخرون فقالوا : ليت شعري ما هذه الصور التي كان يعبدها آباؤنا، فجاءهم الشيطان فقال : كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر فعبدوها فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت، وبهذا المعنى فسر ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة :«أنّ أمّ حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة تسمى مارية فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ أولئك كانوا إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوّروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ».
وروي عن ابن عباس أنّ نوحاً عليه السلام كان يحرس جسد آدم عليه السلام على جبل الهند فيمنع الكافرين أن يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطان : إنّ هؤلاء يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم وإنما هو جسد وأنا أصوّر لكم مثله تطوفون به، فصوّر لهم هذه الأصنام الخمسة وحملهم على عبادتها، فلما كان أيام الطوفان دفنها الطين والتراب والماء فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب، وكان للعرب أصنام أخر، فاللات كانت لقديد وإساف ونائلة، وهبل كانت لأهل مكة، وكان إساف حيال الحجر الأسود، ونائلة حيال الركن اليماني، وكان هبل في جوف الكعبة.
وقال الماوردي : أما ودّ فهو أوّل صنم معبود فسمي ودًّا لودّهم له وكان بعد قوم نوح لكليب بدومة الجندل في قول ابن عباس وعطاء، وأمّا سواع فكان لهذيل بساحل البحر في قولهم. وقال الرازي : وسواع لهمدان وأمّا يغوث فكان لغطيف من مراد بالجرف من سبأ في قول قتادة. وقال المهدوي : لمراد ثم لغطفان. وقال أبو عثمان الهندي : رأيت يغوث وكان من رصاص، وكانوا يحملونه على جمل أجرد ويسيرونه معهم ولا ينيخونه حتى يبرك بنفسه فإذا برك نزلوا، وقالوا : قد رضي لكم المنزل، وأمّا يعوق فكان لهمدان، وقيل : لمراد، وأمّا نسر فكان لذي الكلاع من حمير في قول قتادة ومقاتل.
وقال الواقدي : كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير. قال البقاعي : ولا يعارض هذا أنهم صور لناس صالحين لأنّ تصويرهم لهم يمكن أن يكون منتزعاً من معانيهم، فكان ودّ للكامل في الرجولية، وكان سواع امرأة كاملة في العبادة، وكان يغوث شجاعاً، وكان يعوق سابقاً قوياً، وكان نسر عظيماً طويل العمر ا. ه.
نوح 71:24
ولما ذكرهم مكرهم وما أظهروا من قولهم عطف عليه ما توقع السامع من أمرهم فقال تعالى :﴿وقد أضلوا﴾ أي : الرؤساء أو الأصنام وجمعهم جمع العقلاء معاملة لهم معاملة العقلاء كقوله :﴿رب إنهنّ أضللن﴾ [إبراهيم: ٣٦] ﴿كثيراً﴾ من عبادك الذين خلقتهم على الفطرة السليمة من أهل زمانهم وممن أتى بعدهم، فإنهم أوّل من سنّ هذه السنة السيئة، فعليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. وقول نوح عليه السلام :﴿ولا تزد الظالمين﴾ أي : الراسخين في الوصف الموجب للنار ﴿إلا ضلالاً﴾ أي : طبعاً على قلوبهم حتى يعموا عن الحق.
عطف على قد أضلوا دعاء عليهم بعدما أعلمه الله تعالى أنهم لا يؤمنون بقوله تعالى :﴿إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾.
نوح 71:25
وكذلك دعا موسى وهارون عليهما السلام في الشدّ على قلوب فرعون وملئه لئلا يؤمنوا في حال ينفعهم فيه وما في قوله تعالى :﴿مما خطيئاتهم﴾ أي : من أجل خطيئاتهم مزيدة للتأكيد والتفخيم، وقرأ أبو عمرو بفتح الطاء وبعدها ألف وبعد الألف ياء وبعد الياء ألف وضم الهاء على وزن قضاياهم، والباقون بكسر الطاء وبعدها ياء تحتية ساكنة، وبعد الياء همزة مفتوحة بعدها ألف وبعد الألف تاء فوقية مكسورة وكسر الهاء على وزن قضياتهم ﴿أغرقوا﴾ أي : بالطوفان طاف عليهم جميع الأرض السهل والجبل فلم يبق منهم أحد، وكذا الكلام فيما تسبب عنه وتعقبه في قوله :﴿فأدخلوا﴾ في الآخرة التي أوّلها البرزخ يعرضون فيه على النار بكرة وعشياً ﴿ناراً﴾ أي : عظيمة جداً أخفها ما يكون من مباديها في البرزخ. قال الملوي : عذبوا في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالحرق. وقال الضحاك : في حالة واحدة كانوا يغرقون من جانب ويحترقون في الماء من جانب بقدرة الله تعالى ﴿فلم يجدوا لهم﴾ أي : عندما أناخ الله بهم سطوته، وأحل بهم نقمته ﴿من دون الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي تضمحل المراتب تحت رتبة عظمته وتذل لعزه وجليل سطوته ﴿أنصاراً﴾ تنصرهم على من أراد بهم ذلك ليمنعوه مما أراده سبحانه من إغراقهم من غير أن يتخلف منهم أحد على كثرتهم وقوّتهم لكونهم أعداءه وإنجاء نبيه عليه السلام ومن آمن معه على ضعفهم وقلتهم لم يفقد منهم أحد لكونهم أولياءه كما أنه لم يسلم ممن أراد إغراقهم أحد على كثرتهم وقوّتهم. قال البقاعي : فمن قال عن عوج ما تقوله القصّاص فهو ضلال أشدّ ضلال، قال : وقائل ذلك هو ابن عربي صاحب الفصوص الذي لم يرد بتصنيفه إلا هدم الشريعة، وزاد في الحط عليه وعلى ابن الفارض وعلى الحلاج وعلى من شابههم، وأمر هؤلاء إلى الله تعالى، فإنه العالم بحقائق الأمور وما تخفي الصدور.
نوح 71:26
﴿وقال نوح﴾ وأسقط الأداة كما هو عادة أهل الحضرة فقال :﴿رب لا تذر﴾ أي : لا تترك ﴿على الأرض﴾ أي : كلها ﴿من الكافرين﴾ أي : الراسخين في الكفر ﴿دياراً﴾ أي : أحداً يدور فيها وهو من ألفاظ العموم التي تستعمل في النفي فيعال من الدور أو الدار لا فعال وإلا لكان دواراً. قال قتادة : دعا عليهم بعد أن أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فأجاب الله تعالى دعوته وأغرق أمّته وهذا كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم «اللهمّ منزل الكتاب وهازم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم ». وقيل : سبب دعائه أنّ رجلاً من قومه حمل ولداً صغيراً على كتفه فمرّ بنوح عليه السلام فقال : احذر هذا فإنه يضلك، فقال : يا أبت أنزلني فأنزله فرماه فشجه فحينئذ غضب ودعا عليهم.
فإن قيل : ما فعل صبيانهم حين أغرقوا ؟ أجيب : بأنهم أغرقوا معهم لا على وجه العقاب ولكن كما يموتون بالأنواع من أسباب الموت وكم منهم من يموت بالغرق والحرق وكان ذلك زيادة في عذاب الآباء والأمّهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى ».
وعن الحسن أنه سئل عن ذلك ؟ فقال : علم الله تعالى براءتهم فأهلكهم بغير عذاب. وقال محمد بن كعب ومقاتل : إنما قال هذا حين أخرج الله تعالى كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم وأعقم أرحام أمّهاتهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة، وقيل : بسبعين سنة فأخبر الله تعالى نوحاً عليه السلام أنهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمناً كما قال تعالى :﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ [هود: ٣٦] فحينئذ دعا عليهم فأجاب الله تعالى دعاءه فأهلكهم كلهم، ولم يكن فيهم صبيّ وقت العذاب لأنّ الله تعالى قال :﴿وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم﴾ [الفرقان: ٣٧] ولم يوجد التكذيب من الأطفال. وقال ابن عربي : دعا نوح عليه السلام على الكافرين أجمعين، ودعا النبيّ صلى الله عليه وسلم على من تحزب على المؤمنين وكفى بهذا أصلاً في الدعاء على الكافرين في الجملة، وأمّا كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه، لأنّ مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة وإنما خص النبيّ صلى الله عليه وسلم عتبة وشيبة وأصحابه لعلمه بما لهم وما كشف الله له من الغطاء عن حالهم.
نوح 71:27
ولما كان الرسل عليهم السلام لا يقولون ولا يفعلون إلا ما كان فيه مصلحة الدين علل دعاءه بقوله :﴿إنك﴾ أي : يا رب ﴿إن تذرهم﴾ أي : تتركهم على أيّ حالة كانت في إبقائهم سالمين على وجه الأرض ولو كانت حالة دنيئة ﴿يضلوا عبادك﴾ أي : الذين آمنوا بك وبي والذين يولدون على الفطرة السليمة ﴿ولا يلدوا﴾ أي : إن قدرت بقاءهم ﴿إلا فاجراً﴾ أي : مارقاً عن كل ما ينبغي الاعتصام به ﴿كفاراً﴾ أي : بليغ الستر لما يجب إظهاره من آيات الله.
فإن قيل : بم علم أنّ أولادهم يكفرون وكيف وصفهم بالكفر عند الولادة ؟ أجيب : بأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل ينطلق بابنه إليه ويقول : احذر من هذا فإنه كذاب، وإنّ أبي حذرنيه، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك، وقد أخبر الله تعالى :﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ [هود: ٣٦]. ومعنى :﴿ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾ : لم يلدوا إلا من سيفجر ويكفر فوصفهم بما يصيرون إليه كقوله صلى الله عليه وسلم :«من قتل قتيلاً فله سلبه ».
نوح 71:28
ولما دعا على أعداء الله تعالى دعا لأوليائه وبدأ بنفسه فقال مسقط الأداة على عادة أهل الخصوص :﴿ربّ﴾ أي : أيها المحسن إليّ باتباع من اتبعني وتجنب من تجنبني ﴿اغفر لي﴾ أي : فإنه لا يسعني وإن كنت معصوماً إلا حلمك وعفوك ومغفرتك، ﴿ولوالديّ﴾ وكانا مؤمنين يريد أبويه اسم أبيه لمك بن متوشلخ، وأمّه شمخا بنت أنوش. وعن ابن عباس : لم يكفر لنوح عليه السلام أب فيما بينه وبين آدم عليه السلام، وقيل : هما آدم وحوّاء وأعاد الجار إظهاراً للاهتمام فقال :﴿ولمن دخل بيتي﴾ أي : منزلي، وقيل : مسجدي، وقيل : سفينتي ﴿مؤمناً﴾ أي : مصدّقاً بالله تعالى فمؤمناً حال، وعن ابن عباس : أي : دخل في ديني.
فإن قيل : على هذا يصير قوله :﴿مؤمناً﴾ تكراراً ؟ أجيب : بأنّ من دخل في دينه ظاهراً قد يكون مؤمناً وقد لا يكون، فالمعنى ولمن دخل دخولاً مع تصديق القلب. ﴿وللمؤمنين والمؤمنات﴾ خص نفسه أوّلاً بالدعاء، ثم من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم المؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة، قاله الضحاك. وقال الكلبي : من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : من قومه والأوّل أولى وأظهر.
ثم ختم الكلام مرّة أخرى بالدعاء على الكافرين فقال :﴿ولا تزد الظالمين﴾ أي : العريقين في الظلم في حال من الأحوال ﴿إلا تباراً﴾ أي : هلاكاً مدمراً والمراد بالظالمين الكافرون، فهي عامة في كل كافر ومشرك. وقيل : أراد مشركي قومه. وتباراً مفعول ثان والاستثناء مفرغ. وقيل : الهلاك الخسران.
الجن 72:1
ولما كان نوح عليه السلام أوّل رسول أرسله الله تعالى إلى المخالفين من أهل الأرض، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فهو آخر رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض وغيرهم ناسب ذكره بعد نوح، فقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : يا أشرف الرسل للناس ﴿أوحي إليّ﴾ وقال ابن عباس : قل يا محمد لأمّتك : أوحي إليّ على لسان جبريل ﴿أنه استمع نفر من الجنّ﴾ والنفر الجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة قال البغوي : وكانوا تسعة من جنّ نصيبين، وقيل : كانوا سبعة وفي هذه العبارة دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا قرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم عند قراءته ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال :«انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسل عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم ؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب فقالوا : ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو وأصحابه بنخلة قاصدين سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ». وهل هذا الاستماع هو المذكور في الأحقاف أو غيره ؟ قال أبو حيان : المشهور أنه هو. وقيل : غيره، والجنّ الذين أتوه جنّ نصيبين والذين أتوه بنخلة جنّ نينوى، والسورة التي استمعوها قال عكرمة العلق، وقيل : الرحمن، ولم يذكر هنا ولا في الأحقاف أنه رآهم.
وعن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال :«أمرت أن أتلو القرآن على الجنّ، فمن يذهب ؟ فسكتوا ثم قال الثانية، فسكتوا ثم قال الثالثة، فقلت : أنا أذهب معك يا رسول الله. قال : فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب بن أبي ذئب خط عليّ خطاً فقال : لا تجاوزه ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل كأنهم رجال الزط قال ابن الأثير في النهاية : الزط قوم من السودان والهنود، وكأنّ وجوههم المكاكي، يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوه فغاب عن بصري فقمت فأومأ إليّ بيده أن اجلس ثم تلا القرآن فلم يزل صوته يرتفع ولصقوا بالأرض حتى صرت لا أراهم ». وفي رواية أخرى «قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أنت ؟ قال : أنا نبي. قالوا : فمن يشهد لك على ذلك، فقال : هذه الشجرة تعالي يا شجرة، فجاءت تجرّ عروقها، لها قعاقع حتى انتصبت بين يديه، فقال : على ماذا تشهدين فيّ ؟ قالت : أشهد أنك رسول الله، قال : اذهبي، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما كانت. قال ابن مسعود : فلما عاد إليّ قال : أردت أن تأتيني قلت : نعم يا رسول الله. قال : ما كان ذلك لك هؤلاء الجنّ أتوا يستمعون القرآن ثم ولوا إلى قومهم منذرين فسألوني الزاد فزوّدتهم العظم والبعر فلا يستطيبن أي يستنجي أحدكم بعظم ولا بعر » وفي رواية :«أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ وضع رأسه على حجر ابن مسعود فرقد ثم استيقظ، فقال : هل من وضوء ؟ قال : لا إلا أنّ معي إداوة نبيذ فقال : هل هو إلا تمر وماء فتوضأ منه ».
قال الرازي : وطريق الجمع بين رواية ابن عباس ورواية ابن مسعود من وجوه :
أحدها : لعل ما ذكره ابن عباس وقع أوّلاً، فأوحى الله تعالى إليه بهذه السورة، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روي عن ابن مسعود أي فالواقعة متعدّدة.
ثانيها : أنها واقعة واحدة إلا أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا عرف ماذا قالوا ولا أيّ شيء فعلوا، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وكذا وفعلوا كذا وكذا.
ثالثها : أنها كانت واحدة وأنه صلى الله عليه وسلم رآهم وسمع كلامهم وهم آمنوا به ثم رجعوا إلى قومهم قالوا لهم على سبيل الحكاية ﴿إنا سمعنا قرآناً عجباً﴾ وكان كذا وكذا فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ما قالوه لقومهم.
قال ابن عربي : ابن مسعود أعرف من ابن عباس لأنه شاهده وابن عباس سمعه وليس الخبر كالمعاينة. وقال القرطبي : إنّ الجنّ أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم دفعتين إحداهما بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود، والثانية : بنخلة وهي التي ذكرها ابن عباس. وقال البيهقي : الذي حكاه ابن مسعود إنما هو في أوّل ما سمعت الجنّ قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه ابن عباس، ثم أتاه داعي الجنّ مرّة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه ابن مسعود.
وقال القشيري : لما رجم إبليس بالشهب فرّق إبليس جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة منهم بطن نخلة فاستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا، ثم أتوا قومهم فقالوا :﴿إنا سمعنا قرآناً عجباً﴾ يعني ولم يرجعوا إلى إبليس لما علموه من كذبه وسفاهته، وجاؤوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في سبعين من قومه فأسلموا فذلك قوله تعالى :﴿وإذ صرفنا إليك نفراً﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآيات.
﴿فقالوا﴾ أي : فتسبب عن استماعهم أن قالوا ﴿إنا سمعنا﴾ أي : حين تعمدنا الإصغاء وألقينا إليه أفهامنا ﴿قرآنا﴾ أي : كلاماً هو في غاية الانتظام في نفسه والجمع لجميع ما يحتاج إليه، وقرأ ابن كثير بالنقل وقفاً ووصلاً وحمزة في الوقف دون الوصل والباقون بغير نقل وقفاً ووصلاً. ثم وصفوا القرآن بالمصدر مبالغة في أمره فقالوا :﴿عجباً﴾ أي : بديعاً خارجاً عن عادة أمثاله من جميع الكتب الإلهية فضلاً عن جميع الناس في جلالة النظم وإعجاز التركيب.
الجن 72:2
﴿يهدي﴾ أي : يبين غاية البيان ﴿إلى الرشد﴾ أي : الحق والصواب ﴿فآمنا﴾ أي : كل من استمع منا لم يتخلف منا أحد ولا توقف بعد الاستماع ﴿به﴾ أي : القرآن أي فاهتدينا به وصدّقنا أنه من عند الله.
﴿ولن نشرك بربنا أحداً﴾ أي : لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه ولا نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك، وهذا يدل على أنّ أولئك الجنّ كانوا مشركين. قال الرازي : واعلم أنّ قوله تعالى :﴿قل﴾ أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يظهر لأصحابه ما أوحي إليه في واقعة الجنّ وفيه فوائد : أحدها : أن يعرفوا بذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجنّ كما بعث إلى الإنس. ثانيها : أن تعلم قريش أنّ الجنّ مع تمرّدهم لما سمعوا القرآن وعرفوا إعجازه آمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ثالثها : أن يعلم القوم أنّ الجنّ مكلفون كالإنس. رابعها : أن يعلم أنّ الجنّ يستمعون كلاماً تفهمه من لغتنا. خامسها : أن يظهر المؤمن منهم بدعوى غيره من الجنّ إلى الإيمان، وفي هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا عرفها الناس.
تنبيهات :
أحدها : اختلف العلماء في أصل الجنّ فروي عن الحس البصري أنّ الجنّ ولد إبليس والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان. وروى الضحاك عن ابن عباس أنّ الجنّ هم ولد الجان وليسوا شياطين ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. وروي أنّ ذلك النفر كانوا يهوداً. وذكر الحسن أنّ منهم يهوداً ونصارى ومجوساً ومشركين.
ثانيها : اختلفوا في دخول الجنّ الجنة على حسب الاختلاف في أصلهم، فمن زعم أنهم من الجانّ لا من ذرية إبليس قال : يدخلون الجنة بإيمانهم، ومن قال إنهم من ذرّية إبليس فلهم فيهم قولان : أحدهما وهو قول الحسن : يدخلونها. والثاني وهو رواية مجاهد : لا يدخلونها.
ثالثها : قال القرطبي : قد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجنّ، وقالوا : إنهم بسائط ولا يصح طعامهم اجتراء على الله تعالى والقرآن والسنة يردّان عليهم، وليس في المخلوقات بسيط بل مركب مزدوج، إنما الواحد الواحد سبحانه وغيره مركب ليس بواحد، وليس بممتنع أن يراهم النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورهم كما يرى الملائكة، وأكثر ما يتصوّرون لنا في صور الحيات.
الجن 72:3
ثم عطفوا على قولهم إنا سمعنا ﴿وأنه﴾ أي : الشأن العظيم قال الجنّ ﴿تعالى﴾ أي : انتهى في العلوّ إلى حدّ لا يستطاع ﴿جدّ﴾ أي : عظمة وسلطان وكمال غنى ﴿ربنا﴾ يقال : جدّ الرجل إذا عظم ومنه قول أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا أي عظم قدره. وقال السدي : جدّ ربنا أي أمر ربنا. وقال الحسن : غني ربنا. ومنه قيل : الحظ جدّ، ورجل مجدود، أي : محظوظ. وفي الحديث :«ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ ». قال أبو عبيد والخليل : أي ذا الغنى منك الغنى إنما تنفعه الطاعة. وقال ابن عباس : قدرة ربنا. وقال الضحاك : فعله. وقال القرطبي : آلاؤه ونعماؤه على خلقه. وقال الأخفش : علا ملكُ ربنا، والأولى جميع هذه المعاني، وقرأ ﴿وأنه تعالى جدّ ربنا﴾ وما بعده إلى قوله تعالى :﴿وأنا منا المسلمون﴾ وهي اثنا عشر موضعاً ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بفتح الهمزة في الجميع والباقون بالكسر.
ولما وصفوه بهذا التعالي الأعظم المستلزم للغنى المطلق والتنزه عن كل شائبة نقص بينوه بنفي ما ينافيه من قولهم إبطالاً للباطل ﴿ما اتخذ صاحبة﴾ أي : زوجة ؛ لأن الصاحبة لا بدّ وأن تكون من نوع صاحبها، ومن له نوع فهو مركب تركيباً عقلياً من صفة مشتركة وصفة مميزة ﴿ولا ولداً﴾ لأنّ الولد لا بدّ وأن يكون جزءاً منفصلاً عن والده ومن له أجزاء فهو مركب تركيباً حسياً، ومن المقطوع به أنّ ذلك لا يكون إلا لمحتاج وأن الله تعالى متعال عن ذلك من تركيب حسي أو عقلي. قال القشيري : ويجوز إطلاق لفظ الجدّ في حق الله تعالى إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ موهم فتجنبه أولى. أي : لأنه قيل إنهم عنوا بذلك الجدّ الذي هو أبو الأب ويكون ذلك من قول الجنّ. قال ابن جعفر الصادق : ليس لله تعالى جدّ وإنما قاله الجنّ للجهالة فلم يؤاخذوا به. وقال القرطبي : معنى الآية ﴿وأنه تعالى جدّ ربنا﴾ أن يتخذ ولداً أو صاحبة للاستئناس بهما أو الحاجة إليهما، والرب تعالى عن ذلك كما تعالى عن الأنداد والنظراء.
الجن 72:4
﴿وأنه﴾ أي : وقالوا : إنّ الشأن هذا على قراءة الكسر وآمنا بأنه على قراءة الفتح. ﴿كان يقول﴾ أي : قولاً هو في عراقته في الكذب بمنزلة الجبلة ﴿سفيهنا﴾ هو للجنس، فيتناول إبليس رأس الجنس تناولاً أوّلياً وكل من تبعه ممن لم يعرف الله تعالى، لأنّ ثمرة العقل العلم، وثمرة العلم معرفة الله تعالى، فمن لم يعرفه فهو الذي يقول ﴿على الله﴾ الذي له صفات الكمال المنافية لقول هذا السفيه ﴿شططاً﴾ أي : كذباً وعدواناً، وهو وصفه بالشريك والولد. والشطط والإشطاط الغلوّ في الكفر. وقال أبو مالك : هو الجور. وقال الكلبي : هو الكذب، وأصله : البعد فعبر به عن الجور لبعده عن العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق.
الجن 72:5
﴿وأنا﴾ أي : يا معشر المسلمين من الجنّ ﴿ظننا﴾ أي : حسبنا لسلامة فطرتنا ﴿أن﴾ أي : أنه وزادوا في التأكيد فقالوا ﴿لن تقول﴾ وبدؤوا بأفضل الجنسين فقالوا ﴿الإنس﴾ وأتبعوهم قرناءهم، فقالوا ﴿والجنّ على الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي بيده النفع والضرّ ﴿كذباً﴾ أي : قولاً هو لعراقته في مخالفة الواقع نفس الكذب، وإنما كنا نظنهم صادقين في قولهم إنّ لله صاحبة وولداً حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق قيل انقطع الإخبار عن الجنّ هاهنا.
الجن 72:6
﴿وأنه﴾ أي : الشان ﴿كان رجال﴾ أي : ذوو قوة وبأس ﴿من الإنس﴾ أي : النوع الظاهر في عالم الحس ﴿يعوذون﴾ أي : يلتجئون ويعتصمون خوفاً على أنفسهم وما معهم إذا نزلوا وادياً ﴿برجال من الجنّ﴾ أي : القبيل المستتر عن الأبصار، وذلك أنّ القوم منهم كانوا إذا نزلوا وادياً أو غيره من القفر تعبث بهم الجنّ في بعض الأحيان ؛ لأنه لا مانع لهم منهم من ذكر الله ولا دين صحيح ولا كتاب من الله تعالى صريح، فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم، فكان الرجل يقول عند نزوله : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في أمن وفي جوار منهم حتى يصبح فلا يرى إلا خيراً، وربما هدوه إلى الطريق وردوا عليه ضالته، قال مقاتل : كان أوّل من تعوذ بالجنّ قوم من أهل اليمن من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله تعالى وتركوهم.
وقال كرم بن أبي السائب الأنصاري : خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أوّل ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملاً من الغنم فوثب الراعي وقال : يا عامر الوادي جارك فنادى منادٍ لا نراه يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمة، فكان ذلك فتنة للإنس باعتقادهم في الجن غير ما هم عليه، فتبعوهم في الضلال وفتنة للجن بأن يغتروا بأنفسهم ويقولوا سدنا الإنس والجن فيَضلوا ويُضلوا ولذلك سبب عنه قوله تعالى :﴿فزادوهم﴾ أي : الإنس والجن باستعاذتهم ﴿رهقاً﴾ أي : ضيقاً وشدّة وغشياناً، فجاءهم فيه من أحوال الضلال التي يلزم منها الضيق والشدّة وقال مجاهد : الرهق : الإثم وغشيان المحارم ورجل رهق إذا كان كذلك. ومنه قوله تعالى :﴿وترهقهم ذلة﴾ [يونس: ٢٧] وقال الأعشى :
لا شيء ينفعني من دون رؤيتها؍ هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا؍
يعني إثماً، وقال مجاهد أيضاً : زادوهم أي : أنّ الإنس زادوا الجن طغياناً بهذا التعوّذ حتى قالت الجن : سدنا الإنس والجن، وقيل : لا ينطلق لفظ الرجال على الجنّ، فالمعنى وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس من شرّ الجن، فكان الرجل مثلاً يقول : أعوذ بحذيفة بن بدر من جنّ هذا الوادي. قال القشيري : وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجل على الجن.
تنبيه : قوله تعالى :﴿من الإنس﴾ صفة لرجال وكذا قوله ﴿من الجنّ﴾.
الجن 72:7
﴿وأنهم﴾، أي : الإنس ﴿ظنوا﴾ والظنّ قد يصيب وقد يخطئ وهو أكثر ﴿كما ظننتم﴾ أي : أيها الجنّ ويجوز العكس ﴿أن﴾ مخففة أي : أنه ﴿لن يبعث الله﴾ أي : الذي له الإحاطة الكاملة علماً وقدرة ﴿أحداً﴾ أي : بعد موته لما لبس به إبليس عليهم حتى رأوا حسناً ما ليس بالحسن، أو أحداً من الرسل يزيل به عماية الجهل، وقد ظهر بالقرآن أن هذا الظنّ كاذب، وأنه لا بدّ من البعث في الأمرين.
الجن 72:8
قال الجن :﴿وأنا لمسنا السماء﴾ أي : زمن استراق السمع منها. قال الكلبي : السماء الدنيا أي : التمسنا أخبارها على ما كان من عادتنا من استماع ما تغوي به الإنس، واللمس المس فاستعير للطلب ؛ لأن الماس طالب متعرّف، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها ﴿فوجدناها﴾ في وجد وجهان :
أظهرهما أنها متعدية لواحد لأنّ معناها أصبنا وصادفنا، وعلى هذا فالجملة من قولهم ﴿ملئت﴾ في موضع نصب على الحال على إضمار قد.
والثاني : أنها متعدّية لاثنين فتكون الجملة في موضع المفعول الثاني ويكون ﴿حرساً﴾ منصوباً على التمييز، نحو : امتلأ الإناء ماء، والحرس اسم جمع لحارس نحو : خدم لخادم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع ويجمع تكسيراً على أحراس، والحارس الحافظ الرقيب، والمصدر الحراسة و ﴿شديداً﴾ صفة لحرس على اللفظ، ولو جاء على المعنى لقيل شداداً بالجمع لأن المعنى ملئت ملائكة شداداً كقولك : السلف الصالح، يعني الصالحين. قال القرطبيّ : ويجوز أن يكون حرساً مصدراً على معنى حرست حراسة شديدة ﴿وشهباً﴾ جمع شهاب ككتاب وكتب وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم المانع لهم عن استراق السمع.
الجن 72:9
﴿وأنا كنا﴾ أي : فيما مضى ﴿نقعد منها﴾ أي : السماء ﴿مقاعد﴾ أي : كثيرة قد علمناها لا حرس فيها صالحة ﴿للسمع﴾ أي : أن نسمع منها بعض ما تتكلم به الملائكة مما أمروا بتدبيره، وقد جاء في الخبر أنّ صفة قعودهم هو أن يكون الواحد منهم فوق الآخر حتى يصلوا إلى السماء، فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان فيزيدُونَّ معها الكذب. ﴿فمن يستمع الآن﴾ أي : في هذا الوقت وفيما يستقبل لا أنهم أرادوا وقت قولهم فقط ﴿يجد له﴾ أي : لأجله ﴿شهاباً﴾ أي : شعلة من نار ساطعة تحرقه ﴿رصداً﴾ أي : أرصد به ليرمى به.
تنبيه : اختلفوا هل كانت الشياطين تقذف قبل البعث أو ذلك أمر حدث بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال قوم : لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسمائة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث منعوا من السماوات كلها وحرست بالملائكة والشهب، وقال عبد الله بن عمر : لما كان اليوم الذي نبئ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين ورموا بالشهب، قال الزمخشري : والصحيح أنه كان قبل البعث وقد جاء شعره في أهل الجاهلية، قال بشر بن أبي حازم :
والعير يرهقها الغبار وجحشها؍ ينقض خلفها انقضاض الكوكب؍
ولكنّ الشياطين كانت تسترق السمع في بعض الأحوال، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كثر الرجم وازداد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجنّ ومنع الاستراق أصلاً.
وعن معمر قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال : نعم. قلت : أرأيت قوله تعالى :﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد﴾ ؟ قال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم وروى الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس قال :«بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار، فقال :«ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية » ؟ فقالوا : كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال صلى الله عليه وسلم «إنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمراً في السماء سبح حملة العرش ثم سبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، فتسأل أهل السماء حملة العرش : ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم وتخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى أهل هذه السماء ». وهذا يدل على أنّ هذه الشهب كانت موجودة قال ابن عادل : وهذا قول الأكثرين.
فإن قيل : كيف تتعرّض الجنّ لاحتراق أنفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك معلوماً لهم ؟ أجيب : بأنَّ الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة. قال القرطبي : والرصد قيل من الملائكة أي ورصداً من الملائكة، والرصد الحافظ للشيء والجمع أرصاد، وقيل : الرصد هو الشهاب، أي : شهاب قد أرصد له ليرجم به فهو فعل بمعنى مفعول.
الجن 72:10
واختلف فيمن قال ﴿وأنا لا ندري﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿أشر أريد﴾ أي : بعدم استراق السمع ﴿بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم﴾ أي : المحسن إليهم المدبر لهم ﴿رشداً﴾ أي : خيراً فقال ابن زيد : معنى الآية أن إبليس قال : لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عقاباً أو يرسل إليهم رسولاً. وقيل : هو من قول الجنّ فيما بينهم قبل أن يستمعوا قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم أي : لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، فإنهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذَّب من الأمم، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان، وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من السماء حراسة للوحي. وقيل : قالوا لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين أي : لما آمنوا أشفقوا أن لا يؤمن كثير من أهل الأرض، فقالوا : إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون.
الجن 72:11
قال الجنّ ﴿وأنا منا الصالحون﴾ أي : العريقون في صفة الصلاح، قال الجلال المحلي بعد استماع القرآن ﴿ومنا دون ذلك﴾ أي : قوم غير صالحين ﴿كنا﴾ أي : كوناً هو كالجبلة ﴿طرائق قدداً﴾ أي : جماعات متفرّقين وأصنافاً مختلفة، قال سعيد بن المسيب : معنى الآية كنا مسلمين ويهوداً ونصارى ومجوساً، وقال الحسن والسدّي : الجنّ أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة وخوارج وشيعة وسنية. وقال ابن كيسان : شيعاً وفرقاً لكل فرقة هوى كأهواء الناس. وقال سعيد بن جبير : ألواناً شتى. وقال أبو عبيدة : أصنافاً وقيل : منا الصالحون ومنا المؤمنون، لم يتناهوا في الصلاح.
قال القرطبي : والأوّل أحسن لأنه كان في الجنّ من آمن بموسى وعيسى، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا :﴿إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه﴾ [الأحقاف: ٣٠] وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة.
تنبيه : القدد جمع قدة والمراد بها الطريقة وأصلها السيرة، يقال : قدة فلان حسنة، أي : سيرته وهو من قدّ السير، أي : قطعه، فاستعير للسيرة المعتدلة. قال الشاعر :
القابض الباسط الهادي بطلعته؍ في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد؍
وقال لبيد يرثي أخاه :
لم تبلغ العين كل نهمتها؍ يوم تمشي الجياد بالقدد؍
والقد بالكسر سير يقد من جلد غير مدبوغ، ويقال : ما له قد ولا قحف، فالقد إناء من جلد والقحف إناء من خشب.
الجن 72:12
﴿وأنا ظننا أن لن نعجز الله﴾ أي : وإنا علمنا وتيقنا بالتفكر والاستدلال في آيات الله أنا في قبضة الملك وسلطانه لن نفوته بهرب ولا غيره لما له من الإحاطة بكل شيء علماً وقدرة لأنه واحد لا مثل له.
تنبيه : أطلقوا الظنّ على العلم إشارة إلى أنّ العاقل ينبغي له أن يتجنب ما يتخيله ضاراً ولو بأدنى أنواع التخيل، فكيف إذا تيقن. وقولهم ﴿في الأرض﴾ حال، وكذلك هرباً في قولهم ﴿ولن نعجزه﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿هرباً﴾ فإنه مصدر في موضع الحال تقديره لا نفوته كائنين في الأرض أو هاربين منها إلى السماء، فليس لنا مهرب إلا في قبضته فأين أم إلى أين المهرب.
الجن 72:13
﴿وأنا لما سمعنا﴾ أي : من النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿الهدى﴾ أي : القرآن الذي له من العراقة التامة في صفة البيان والدعاء إلى الخير ما سوّغ أن يطلق عليه نفس الهدى ﴿آمنا به﴾ وبالله وصدقنا محمداً صلى الله عليه وسلم على رسالته وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الإنس والجنّ. قال الحسن : بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن ولم يبعث الله تعالى قط رسولاً من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء، وذلك لقوله تعالى :﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وفي الصحيح :«وبُعثت إلى الأحمر والأسود » أي الإنس والجنّ، وفي إرساله إلى الملائكة خلاف قدّمنا الكلام عليه.
﴿فمن يؤمن بربه﴾ أي : المحسن إليه منا ومن غيرنا ﴿فلا﴾ أي : فهو خاصة لا ﴿يخاف بخساً ولا رهقاً﴾ قال ابن عباس : لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته لأن البخس النقصان والرهق العدوان وغشيان المحارم.
الجن 72:14
﴿وأنا منا﴾ أي : الجن ﴿المسلمون﴾ أي : المخلصون في صفة الإسلام ﴿ومنا القاسطون﴾ أي : الجائرون أي : وإنا بعد سماع القرآن مختلفون فمنا من أسلم ومنا من كفر، والقاسط الجائر لأنه عدل عن الحق، والمقسط العادل إلى الحق، قسط إذا جار، وأقسط إذا عدل فقسط الثلاثي بمعنى جار، وأقسط الرباعي بمعنى عدل.
وعن سعيد بن جبير : أنّ الحجاج قال له حين أراد قتله : ما تقول فيّ ؟ قال : قاسط عادل. فقال القوم : ما أحسن ما قال، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل. فقال الحجاج : يا جهلة إنما سماني ظالماً مشركاً وتلا لهم قوله تعالى :﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾. ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١].
﴿فمن أسلم﴾ أي : أوقع الإسلام كله بأن أسلم ظاهره وباطنه من الجن وغيرهم ﴿فأولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿تحرّوا﴾ أي : توخوا وقصدوا مجتهدين ﴿رشداً﴾ أي : صواباً عظيماً وسداداً كان لما عندهم من النقائص شارداً عنهم، فعالجوا أنفسهم حتى ملكوه فجعلوه لهم منزلاً.
الجن 72:15
﴿وأما القاسطون﴾ أي : العريقون في صفة الجور عن الصواب من الإنس والجن، فأولئك أهملوا أنفسهم فلم يتحرّوا لها فضلوا فأبعدوا عن الطريق القويم فوقعوا في المهالك التي لا منجى منها. ﴿فكانوا لجهنم﴾ أي : النار البعيدة القعر التي تلقاهم بالتجهم والكراهة والعبوسة ﴿حطباً﴾ أي : توقد بهم النار فهي في اتقاد ما داموا أحياء، مادامت تتقدّ لا يموتون فيستريحون ولا يحيون فينتعشون.
تنبيه : قوله تعالى :﴿فكانوا﴾، أي : في علم الله عز وجلّ. فإن قيل : لم ذكروا عقاب القاسطين ولم يذكروا ثواب المسلمين ؟ أجيب : بأنهم في مقام الترهيب فذكروا ما يحذر وطووا ما يحب للعلم به لأنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً بل لا بد أن يزيد عليه تسعة أضعافه وعنده المزيد أو أنهم ذكروه بقولهم ﴿تحرّوا رشداً﴾ أي : تحرّوا رشداً عظيماً لا يعلم كنهه إلا الله تعالى، ومثل هذا لا يتحقق إلا في الثواب.
فإن قيل : إنّ الجنّ مخلوقون من النار فكيف يكونون حطباً للنار ؟ أجيب : بأنهم وإن خلقوا منها لكنهم يغيرون عن تلك الكيفية فيصيرون لحماً ودماً هكذا قيل وهذا آخر كلام الجن.
الجن 72:16
وأن في قوله تعالى :﴿وأن﴾ هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي : وأنهم وهو معطوف على أنه استمع أي وأوحي إلي أنّ الشأن العظيم. ﴿لو استقاموا على الطريقة﴾ أي : طريقة الإسلام ﴿لأسقيناهم﴾ أي : لجعلنا لهم بما لنا من العظمة ﴿ماء غدقاً﴾ أي : لو آمن هؤلاء الكفار لَوَسّعنا عليهم في الدنيا ولبسطنا لهم في الرزق. وضرب الماء الغدق مثلاً، لأنّ الخير والرزق كله في المطر، كما قال تعالى ﴿ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية. وقال تعالى :﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ [المائدة: ٦٦] الآية. وقال تعالى :﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ [الطلاق: ٢] الآية. وقال تعالى :﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ١٠ يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ إلى قوله :﴿ويمددكم بأموال وبنين﴾ [ نوح : ١٠ ١٢ ] الآية.
الجن 72:17
﴿لنفتنهم﴾ أي : نعاملهم معاملة المختبر بما لنا من العظمة ﴿فيه﴾ أي : في ذلك الماء الذي تكون عنده أنواع النعم لينكشف حال الشاكر والكافر.
قال الرازي : وهذا بعدما حبس عنهم المطر سنين ا. ه. قال الجلال المحلي : سبع سنين. وقال عمر رضي الله تعالى عنه : أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. وقال الحسن وغيره : كانوا سامعين مطيعين، ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه يعني عثمان رضي الله تعالى عنه. قال البقاعي : ويجوز أن يكون مستعاراً للعلم وأنواع المعارف الناشئة عن العبادات التي هي للنفوس كالنفوس للأبدان، وتكون الفتنة بمعنى التخليص من الهموم والرذائل في الدنيا والنعم في الآخرة من فتنت الذهب، إذا : خلصته من غشه.
﴿ومن يعرض﴾ أي : إعراضاً مستمراً إلى الموت ﴿عن ذكر ربه﴾ أي : مجاوزاً عن عبادة المحسن إليه المربي له الذي لا إحسان عنده من غيره. وقيل : المراد بالذكر القرآن، وقيل : الوحي. وقيل : الموعظة. ﴿نسلكه﴾ أي : ندخله ﴿عذاباً﴾ يكون مظروفاً فيه كالخيط في ثقب الخرزة في غاية الضيق ﴿صعداً﴾ أي : شاقاً شديداً يعلوه ويغلبه ويصعد عليه، ويكون كل يوم أعلى مما قبله جزاء وفاقاً. وقال ابن عباس : هو جبل في جهنم. قال الخدري : كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت. وعن ابن عباس : أنّ المعنى مشقة من العذاب، لأنّ الصعد في اللغة هو المشقة، تقول : تصعدني الأمر إذا شق عليك، ومنه قول عمر : ما تصعدني شيء ما تصعدني في خطبة النكاح، يريد ما شق علي وما غلبني والمشي في الصعود يشق.
وقال عكرمة : هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم. وقال الكلبي : يكلف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلاً في النار من صخرة ملساء يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها ولا يبلغ في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف أيضاً الصعود فذاك دأبه أبداً وهو قوله تعالى :﴿سأرهقه صعوداً﴾ [المدثر: ١٧] وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالياء التحتية على الغيبة لإعادة الضمير على الله تعالى والباقون بالنون على الالتفات وهذا كما في قوله تعالى :﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ [الإسراء: ١٠] ثم قال :﴿باركنا حوله لنريه من آياتنا﴾ [الإسراء: ١].
الجن 72:18
واتفقوا على فتح الهمزة في قوله تعالى :﴿وأن﴾ أي : وأوحي إليَّ أنّ ﴿المساجد لله﴾ أي : مختصة بالملك الأعظم والمساجد قيل جمع مسجد بالكسر وهو موضع السجود، وقال الحسن : أراد بها كل البقاع لأنّ الأرض جعلت كلها مسجداً للنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول :«أينما كنتم فصلوا وأينما صليتم فهو مسجد ». وقيل : إنه جمع مسجد بالفتح مراداً به الأعضاء الواردة في الحديث : الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان وهو قول سعيد بن المسيب، وابن حبيب.
والمعنى : أنّ هذه الأعضاء أنعم الله تعالى بها عليك فلا تسجد لغيره فتجحد نعمة الله. قال عطاء : مساجدك أعضاؤك التي أمرت بالسجود عليها لا تذللها لغير خالقها، قال صلى الله عليه وسلم :«أمرت أن أسجد على سبعة أعظم » وذكر الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم :«إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب ». قال ابن الأثير : الآراب الأعضاء. وهذا القول اختاره ابن الأنباري. وقيل : بل جمع مسجد وهو مصدر بمعنى السجود ويكون الجمع لاختلاف الأنواع. وقال القرطبي : المراد بها البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة قال سعيد بن جبير : قالت الجنّ : كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك ؟ فنزلت ﴿وأنّ المساجد لله﴾ أي : بنيت لذكر الله تعالى وطاعته. وقال ابن عباس : المساجد هنا مكة التي هي القبلة وسميت مكة مساجد لأنّ كل أحد يسجد إليها.
قال القرطبي : والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة أظهر الأقوال إن شاء الله تعالى وهو مروي عن ابن عباس، وإضافة المساجد إلى الله تعالى إضافة تشريف وتكريم وخص منها المسجد العتيق بالذكر فقال تعالى ﴿وطهر بيتي﴾ [الحج: ٢٦] وهي وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً قد تنسب إلى غيره تعريفاً قال صلى الله عليه وسلم :«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » وفي رواية :«إن صلاة فيه خير من مائة صلاة في مسجدي هذا ». قال القرطبي : وهذا حديث صحيح. وفي حديث سَابَق صلى الله عليه وسلم بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، ويقال مسجد فلان لأنه حبسه ولا خلاف بين الأمّة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك.
﴿فلا تدعوا﴾ أي : فلا تعبدوا أيها المخلوقون ﴿مع الله﴾ الذي له جميع العظمة ﴿أحداً﴾ وهذا توبيخ للمشركين في دعواهم مع الله تعالى غيره في المسجد الحرام، وقال مجاهد : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر الله تعالى نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها يقول : فلا تشركوا فيها صنماً أو غيره مما يعبد، وقيل : المعنى أفردوا المساجد لذكر الله تعالى ولا تجعلوا لغير الله تعالى فيها نصيباً وفي الصحيح :«من نشد ضالة في المسجد فقولوا : لا ردّها الله عليك، فإنّ المساجد لم تبن لهذا » وقال الحسن : من السنة إذا دخل رجل المسجد أن يقول لا إله إلا الله ؛ لأنّ قوله تعالى :﴿فلا تدعوا مع الله أحداً﴾ في ضمنه أمر بذكر الله تعالى ودعائه، وروى الضحاك عن ابن عباس «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قدّم رجله اليمنى، وقال :﴿وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً﴾ اللهمّ عبدك وزائرك وعلى كل مزور حق وأنت خير مزور، فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار، فإذا خرج من المسجد قدّم رجله اليسرى، وقال : اللهمّ صب عليّ الخير صباً ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبداً ولا تجعل معيشتي كدّاً واجعل لي في الأرض جدّاً » أي : غنى.
الجن 72:19
وقرأ ﴿وأنه﴾ نافع وشعبة بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون بالفتح أي وأوحي إليّ أنه ﴿لما قام عبد الله﴾ أي : عبد الملك الأعلى الذي له الجلال كله والجمال، فلا موجود يدانيه بل كل موجود من فائض فضله وعبد الله هو محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن.
فإن قيل : هلا قيل رسول الله أو النبي ؟ أجيب : بأنّ تقديره وأوحي، فلما كان واقعاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل أو لأنّ المعنى أنّ عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر حتى تكونوا عليه لبداً، ومعنى ﴿يدعوه﴾ أي : يعبده وقال ابن جريج : يدعوه أي قام إليهم داعياً إلى الله تعالى، فهو في موضع الحال أي موحداً له ﴿كادوا﴾ أي : قرب الجنّ المستمعون لقراءته ﴿يكونون عليه﴾ أي : على عبد الله ﴿لبداً﴾ أي : متراكمين بعضهم على بعض من شدّة ازدحامهم حرصاً على سماع القرآن وقيل : كادوا يركبونه حرصاً قاله الضحاك. وقال ابن عباس : رغبة في سماع القرآن وروي عن مكحول أنّ الجنّ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة وكانوا سبعين ألفاً، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر، وعن ابن عباس أيضاً أنّ هذا من قول الجن لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وائتمامهم به في الركوع والسجود.
وقال الحسن وقتادة وابن زيد : يعني لما قام عبد الله محمد بالدعوة تلبدت الإنس والجنّ على هذا الأمر ليبطلوه فأبى الله تعالى إلا أن ينصره ويتم نوره، واختار الطبري أن يكون كادت العرب يجتمعون على النبيّ صلى الله عليه وسلم ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء به، وقرأ هشام بضم اللام والباقون بكسرها، فالأولى جمع لبدة بضم اللام نحو غرفة وغرف. وقيل : بل هو اسم مفرد صفة من الصفات، وعليه قوله تعالى :﴿مالاً لبداً﴾ [البلد: ٦] وأمّا الثانية فجمع لبدة بالكسر نحو قربة وقرب واللبدة واللبدة الشيء الملبد أي المتراكب بعضه على بعض ومنه لبدة الأسد كقول زهير :
لدى أسد شاكي السلاح مقذف؍ له لبد أظفاره لم تقلم؍
ومنه اللبد لتلبد بعضه فوق بعض.
الجن 72:20
ولما قال كفار قريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك ﴿قال﴾ صلى الله عليه وسلم مجيباً لهم ﴿إنما أدعو ربي﴾ أي : الذي أوجدني ورباني ولا نعمة عندي إلا منه وحده لا أدعو غيره حتى تعجبوا مني ﴿ولا أشرك به﴾ أي : الآن ولا في مستقبل الزمان بوجه من الوجوه ﴿أحداً﴾ من ودّ وسواع ويغوث ويعوق وغيرها من الصامت والناطق، وقرأ عاصم وحمزة قل بصيغة الأمر التفاتاً، أي : قل يا محمد والباقون قال بصيغة الماضي والخبر إخباراً عن عبد الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم قال الجحدري : وهو في المصحف كذلك وقد تقدّم لذلك نظائر في ﴿قل سبحان ربي﴾ [الإسراء: ٩٣] في آخر الإسراء وكذا في أوّل الأنبياء وآخرها وآخر المؤمنين.
الجن 72:21
﴿قل﴾ أي : يا أشرف الخلق لهؤلاء الذين خالفوك ﴿إني لا أملك لكم﴾ أي : الآن ولا بعده بنفسي من غير إقدار الله تعالى لي ﴿ضراً ولا رشداً﴾ أي : لا أقدر أن أدفع عنكم ضراً ولا أسوق إليكم خيراً، وقيل : لا أملك لكم ضراً أي كفراً ولا رشداً أي هدى ؛ لأنه لا يؤثر شيء من الأشياء إلا الله تعالى، وإنما عليّ البلاغ. وقيل : الضر الموت والرشد الحياة.
الجن 72:22
﴿قل﴾ أي : لهؤلاء ﴿إني﴾ وزاد في التأكيد لأنّ ذلك في غاية الاستقرار في النفوس فقال :﴿لن يجيرني﴾ أي : فيدفع عني ما يدفع المجير عن جاره ﴿من الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه ﴿أحد﴾ أي : كائن من كان إن أرادني سبحانه بسوء ﴿ولن أجد﴾ أي : أصلاً ﴿من دونه﴾ أي : الله تعالى ﴿ملتحداً﴾ أي : معدلاً وموضع ميل وركون ومدخلاً وملتجأ وحيلة وإن اجتهدت كل الجهد، والملتحد الملجأ وأصله المدخل من اللحد وقيل : محيصاً ومعدلاً.
الجن 72:23
وقوله :﴿إلا بلاغاً﴾ فيه أوجه أحدها : أنه استثناء منقطع أي لكن إن بلغت عن الله رحمني لأنّ البلاغ عن الله لا يكون داخلاً تحت قوله ﴿ولن أجد من دونه ملتحداً﴾ لأنه لا يكون من دون الله بل يكون من الله تعالى وبإعانته وتوفيقه.
الثاني : أنه متصل وتأويله أنّ الاستجارة مستعارة من البلاغ إذ هو سببها وسبب رحمته تعالى والمعنى : لن أجد شيئاً أميل إليه واعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني، وإذا كان متصلاً جاز نصبه من وجهين :
أرجحهما أن يكون بدلاً من ﴿ملتحداً﴾ ؛ لأنّ الكلام غير موجب وهو اختيار الزجاج.
الثاني : أنه منصوب على الاستثناء.
لثالث : أنه مستثنى من قوله لا أملك، فإنّ التبليغ إرشاد وانتفاع وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة.
وقوله :﴿من الله﴾ أي : الذي أحاط بكلّ شيء قدرة وعلماً فيه وجهان أحدهما : أنّ من بمعنى عن لأن بلغ يتعدّى بها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «ألا بلغوا عني ». والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة لبلاغاً. قال الزمخشري : من ليست بصلة للتبليغ، وإنما هي بمنزلة من في قوله تعالى :﴿براءة من الله﴾ [التوبة: ١] بمعنى بلاغاً كائناً من الله. وقوله ﴿ورسالاته﴾ فيه وجهان : أحدهما أنه منصوب نسقاً على بلاغاً كأنه قيل لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات ولم يقل الزمخشري غيره. والثاني أنه مجرور نسقاً على الجلالة، أي : إلا بلاغاً عن الله تعالى وعن رسالاته، كذا قدره أبو حيان وجعله هو الظاهر. ويجوز فيه جعل من بمعنى عن، والتجوّز في الحروف مذهب كوفي ومع ذلك فغير منقاس عندهم.
﴿ومن يعص الله﴾ أي : الذي له العظمة كلها ﴿ورسوله﴾ الذي ختم به النبوّة والرسالة، فجعل رسالته محيطة بجميع الملل في التوحيد وغيره على سبيل الحجر ﴿فإن له﴾ أي : خاصة ﴿نار جهنم﴾ أي : التي تلقاه بالعبوسة والغيظ، وقوله تعالى :﴿خالدين فيها أبداً﴾ حال مقدّرة من الهاء في له. والمعنى : مقدّر خلودهم والعامل الاستقرار الذي تعلق به هذا الجار وحمل على معنى من فعل ذلك، فوحد أوّلاً للفظ وجمع للمعنى. وأكد بقوله تعالى :﴿فيها﴾ ردًّا على من يدعي الانقطاع. قال البقاعي : وأمّا من يدعي أنها لا تحرق وأنّ عذابها عذوبة فليس أحد أجنّ منه إلا من تابعه على ضلاله وغيه ومحاله، وليس لهم دواء إلا السيف في الدنيا والعذاب في الآخرة بما سموه عذوبة وهم صائرون إليه وموقوفون عليه.
الجن 72:24
وحتى في قوله تعالى :﴿حتى إذا رأوا﴾ ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر قبلها أي لا يزالون على كفرهم إلى أن يروا ﴿ما يوعدون﴾ من العذاب في الآخرة أو في الدنيا كوقعة بدر ﴿فسيعلمون﴾ أي : في ذلك اليوم بوعد لا خلف فيه ﴿من أضعف ناصراً﴾ أي : من جهة الناصر أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيداً مستضعفاً أو هم ﴿وأقل عدداً﴾ وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عدداً إلا الله تعالى، فيالله ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون أنفسهم ويذكرون قوّتهم من جهة مولاهم الذي بيده الملك، وله جنود السماوات والأرض بخلاف الجبابرة، فإنهم لا كلام لهم إلا في تعظيم أنفسهم وازدراء غيرهم.
قال مقاتل : لما سمعوا قوله تعالى :﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً﴾ قال النضر بن الحارث : متى يكون هذا الذي توّعدنا به، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا﴾.
الجن 72:25
﴿قل﴾ أي : لهؤلاء في جوابهم بإتيانهم العذاب وسألوا استهزاء عن وقت وقوعه ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أدري﴾ بوجه من الوجوه ﴿أقريب ما توعدون﴾ أي : فيكون الآن أو قريباً من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قرب، وقوله ﴿أم يجعل﴾ أي : أم بعيد يجعل ﴿له﴾ أي : لهذا الوعد ﴿ربي﴾ أي : المحسن إليّ إن قدمه أو أخره ﴿أمداً﴾ أي : أجلاً مضروباً فلا يتوقع دون ذلك الأمد فهو في كل حال متوقع، فكونوا على غاية الحذر لأنه لا بدّ من وقوعه لا كلام فيه، وإنما الكلام في تعيين وقته وليس إليّ.
فإن قيل : أليس إنه صلى الله عليه وسلم قال :«بعثت أنا والساعة كهاتين » فكان عالماً بقرب وقوع القيامة فكيف قال هاهنا لا أدري أقريب أم بعيد ؟ أجيب : بأنّ المراد بقرب وقوعه هو أنّ ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر من القرب معلوم، فأمّا معرفة مقدار القرب المرتب وعدم ذلك فغير معلوم.
تنبيه : أقريب خبر مقدّم وما توعدون مبتدأ مؤخر، ويجوز أن يكون قريب مبتدأ لاعتماده على الاستفهام، وما توعدون فاعل به، أي : أقريب الذي توعدون نحو : أقائم أبواك، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بسكونها.
الجن 72:26
وقوله تعالى :﴿عالم الغيب﴾ بدل من ربي أو بيان أو خبر مبتدأ مضمر، أي : هو عالم الغيب كله وهو ما لم يبرز إلى عالم الشهادة فهو مختص بعلمه سبحانه فلذلك سبب عنه قوله تعالى :﴿فلا يظهر﴾ أي : بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات. ﴿على غيبه﴾ الذي غيبه عن غيره فهو مختص به ﴿أحداً﴾ لعزة علم الغيب ولأنه خاصة الملك. ﴿إلا من ارتضى﴾ وقوله تعالى :﴿من رسول﴾ تبيين لمن ارتضى، أي : إلا من يصطفيه لرسالته ونبوّته فيظهره على ما يشاء من الغيب، وتارة يكون ذلك الرسول ملكاً، وتارة يكون بشراً، وتارة يظهره على ذلك بواسطة ملك، وتارة بغير واسطة كموسى عليه السلام في أوقات المناجاة، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في العالم الأعلى في حضرة قاب قوسين أو أدنى.
الجن 72:27
وقال القرطبي : المعنى ﴿فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول﴾ فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه لأنّ الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض المغيبات كما ورد في التنزيل في قوله تعالى :﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾ [آل عمران: ٤٩].
وقال الزمخشري : في هذه الآية إبطال الكرامات لأنّ الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خص الله تعالى الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وفيها إبطال الكهانة والتنجيم لأنّ أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط ا. ه. وإنكار الكرامات مذهب المعتزلة.
وأمّا مذهب أهل السنة فيثبتونها، فإنه يجوز أن يلهم الله تعالى بعض أوليائه وقوع بعض الوقائع في المستقبل فيخبر به وهو من إطلاع الله إياه على ذلك، ويدل على صحة ذلك ما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس محدثون من غير أن يكونوا أنبياء وإن يكن في أمّتي أحد فإنه عمر » أخرجه البخاري. قال ابن وهب : تفسير محدثون ملهمون ولمسلم عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول :«في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمّتي منهم أحد، فإنّ عمر بن الخطاب منهم » ففي هذا إثبات كرامات الأولياء.
فإن قيل : لو جازت الكرامة للولي لما تميزت معجزة النبي من غيرها وانسدّ الطريق إلى معرفة الرسول من غيره ؟ أجيب : بأنّ معجزة النبي أمر خارق للعادة مع عدم المعارضة مقترن بالتحدّي، ولا يجوز للولي أن يدّعي خرقاً للعادة مع التحدّي إذ لو ادعاه الولي لكفر من ساعته فبان الفرق بين المعجزة والكرامة. وأمّا الكهانة وما ضاهاها فقال القرطبي : إنّ العلماء قالوا لما تمدّح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأعلمهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوّتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ومن يضرب بالحصا وينظر في الكواكب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه.
قال بعض العلماء : وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان مختلفي الأحوال والرتب، فيهم الملك والسوقة والعالم والجاهل والغني والفقير والكبير والصغير مع اختلاف طوالعهم وتباين مواليدهم ودرجات نجومهم، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة، فإن قال قائل : إنما أغرقهم الطالع الذي ركبوا فيه فيكون على مقتضى ذلك أنّ هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه المخصوص به، فلا فائدة إذاً في عمل المواليد ولا دلالة فيها على شقي وسعيد ولم يبق إلا معاندة القرآن الكريم، ولقد أحسن القائل :
حكم المنجم إن طالع مولدي؍ يقضي علي بميتة الغرق؍
قل للمنجم صبحة الطوفان هل؍ ولد الجميع بكوكب الغرق؍
وقيل لعلي رضي الله عنه لما أراد لقاء الخوارج : تلقهم والقمر في العقرب، فقال : فأين قمرهم وكان ذلك في آخر السنة. فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها وما فيها من المبالغة في الردّ على من يقول بالنجم. وقال له مسافر بن عون : يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة وسر بعد ثلاث ساعات تمضين من النهار. فقال له عليّ : ولم ؟ قال له : إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظهرت وظفرت وأصبت ما طلبت، فقال عليّ : ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم ولا لنا من بعده، ثم قال : فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون اتخذ من دون الله ندّاً أو ضدّاً، اللهمّ لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ثم قال للمتكلم : نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي تنهانا عنها، ثم أقبل على الناس فقال : يا أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر إنما المنجم كالكافر، والكافر في النار، والمنجم كالساحر والساحر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم أو تعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيت وبقيت، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان. ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها فلقي القوم فقتلهم وهي وقعة النهروان الثابتة في صحيح مسلم ثم قال :«لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال : إنما كان ذلك بتنجيمي، وما لمحمد منجم وما لنا بعده، وقد فتح الله تعالى علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر البلدان، ثم قال : يا أيها الناس توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفي عمن سواه ».
﴿فإنه﴾ أي : الله سبحانه يظهر ذلك الرسول على ما يريد من ذلك الغيب، وذلك أنه إذا أراد إظهاره عليه ﴿يسلك﴾ أي : يدخل إدخال السلك في الجوهرة في تقوّمه ونفوذه من غير أدنى تعويج إلى غير المراد ﴿من بين يديه﴾ أي : الجهة التي يعلمها ذلك الرسول ﴿ومن خلفه﴾ أي : الجهة التي تغيب عن علمه، فصار ذلك كناية عن كل جهة. قال البقاعي : ويمكن أن يكون ذكر الجهتين دلالة على الكل، وخصهما لأنّ العدو متى أعريت واحدة منهما أتى منها، ومتى حفظتا لم يأت من غيرهما لأنه يصير بين الأوّلين والآخرين ﴿رصداً﴾ أي : حرساً من جنوده يحرسونه ويحفظونه من الشياطين أن يسترقوا السمع من الملائكة ويحفظونه من الجنّ أن يسمعوا الوحي فيلقوه إلى الكهنة قبل الرسول، فيطردونهم عنه ويعصمونه من وساوسهم حتى يبلغ ما يوحى إليه.
وقال مقاتل وغيره : كان الله إذا بعث رسولاً أتاه إبليس في صورة ملك بخبر، فبعث الله تعالى من بين يديه ومن خلفه رصداً من الملائكة يحرسونه ويطردون الشياطين، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان فاحذره، وإذا جاءه ملك قالوا له : هذا رسول ربك. وعن الضحاك : ما بعث نبي إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك.
الجن 72:28
﴿ليعلم﴾ أي : الله علم ظهور كقوله تعالى :﴿حتى نعلم المجاهدين﴾ [محمد: ٣١] ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة، أي أنه ﴿قد أبلغوا﴾ أي : الرسل ﴿رسالات ربهم﴾ وحد أوّلاً على اللفظ في قوله تعالى ﴿من بين يديه ومن خلفه﴾ ثم جمع على المعنى كقوله تعالى :﴿فأنّ له نار جهنم خالدين فيها﴾ [التوبة: ٦٣]، والمعنى ليبلغوا رسالات ربهم كما هي محروسة من الزيادة والنقصان. وقيل : ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن جبريل قد بلغ رسالات ربه. وقيل : ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أنّ الرسل قد بلغوا رسالات ربهم.
﴿وأحاط بما لديهم﴾ أي : بما عند الرسل من الحكم والشرائع لا يفوته منها شيء ولا ينسى منها حرفاً، فهو مهيمن عليها حافظ لها ﴿وأحصى﴾ أي : الله سبحانه وتعالى ﴿كل شيء﴾ أي : من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحر وغير ذلك ﴿عدداً﴾ ولو على أقل المقادير الذرّ فيما لم يزل وفيما لا يزال فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه ؟ وقال ابن جبير رضي الله عنه : ليعلم الرسل أنّ ربهم قد أحاط بما لديهم فيبلغوا رسالاته.
تنبيه : هذه الآية تدل على أنه تعالى عالم بالجزئيات وبجميع الموجودات.
و﴿عدداً﴾ يجوز أن يكون تمييزاً منقولاً من المفعول به، والأصل أحصى عدد كل شيء كقوله تعالى :﴿وفجرنا الأرض عيوناً﴾ [القمر: ١٢] أي : عيون الأرض، وأن يكون منصوباً على الحال، أي : وضبط كل شيء معدوداً محصوراً وأن يكون مصدراً في معنى الإحصاء.
المزمل 73:1
وقوله تعالى :﴿يا أيها المزمّل﴾ أصله : المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، يقال : ازمّل يتزمّل تزمّلاً، فإذا أريد الإدغام اجتلبت همزة الوصل، وهذا الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وفيه ثلاثة أقوال : الأول : قال عكرمة : يا أيها المزمّل بالنبوّة والملتزم للرسالة، وعنه : يا أيها الذي أزمل هذا الأمر، أي : حمله ثم فتر. والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يا أيها المزمّل بالقرآن. والثالث : قال قتادة رضي الله عنه : يا أيها المزمّل بثيابه. قال النخعي : كان متزملاً بقطيفة عائشة بمرط طوله أربعة عشر ذراعاً قالت عائشة رضي الله عنها :«كان نصفه عليّ وأنا نائمة ونصفه على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلي والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزى ولا إبريسماً ولا صوفاً كان سداه شعراً ولحمته وبراً ». ذكره الثعلبي، ولحمة الثوب بفتح اللام وضمها والفتح أفصح ولحمة النسب كذلك والضم أفصح ولحمة البازي بالضم لا غير لأنها كاللقمة.
قال القرطبي : وهذا القول من عائشة رضي الله عنها يدل على أنّ السورة مدنية، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يبن بها إلا بالمدينة، والقول بأنها مكية لا يصح. وقال الضحاك : تزمل لمنامه وقيل : بلغه من المشركين قول سوء فيه فاشتدّ عليه فتزمل وتدثر، فنزلت ﴿يا أيها المزمّل﴾ و﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١].
وقيل : كان هذا في ابتداء ما أوحي إليه «فإنه صلى الله عليه وسلم لما جاءه الوحي في غار حراء رجع إلى خديجة رضي الله عنها زوجته يرجف فؤاده، فقال :«زملوني زملوني لقد خشيت على نفسي » أي : أن يكون هذا مبادئ شعر أو كهانة، وكل ذلك من الشيطان أو أن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس الملك، وكان صلى الله عليه وسلم يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة، فقالت له، وكانت وزيرة صدق رضي الله تعالى عنها : كلا والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ». ونحو هذا من الكمال الذي يثبت.
وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في الليل متزملاً في قطيفة، فنبه ونودي بما يهجن تلك الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته، فقيل له ﴿يا أيها المزمّل﴾ ﴿قم الليل إلا قليلا﴾.
المزمل 73:2
﴿قم الليل﴾ أي : الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر، فصل لنا في كل ليلة من هذا الجنس، وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما أنزل عليك من كلامنا، فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البرّ والبحر والسرّ والجهر، وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة فلذا لم يقيده وهي جامعة لأنواع الأعمال الظاهرة والباطنة وهي عمادها فذكرها دال على ما عداها.
ولما كان للبدن حظ في الراحة قال تعالى مستثنياً من الليل ﴿إلا قليلاً﴾ أي : من كل ليلة، فإن الاشتغال بالنوم فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن ألا ترى إلى قول ذي الرمة :
وكائن تخطت ناقتي من مفازة؍ ومن نائم عن نيلها متزمل؍
يريد الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب ولا يحمل نفسه المشاق والمتاعب ونحوه.
سهداً إذا ما نام ليل الهوجل ***
ومن أمثالهم :
أوردها سعد وسعد مشتمل؍ ما هكذا تورد يا سعد الإبل؍
فذمه بالاشتمال بكسائه وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس، وأمر بأن يختار على الهجود التجهد، وعلى التزمل التشمر والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله لا جرم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر وأقبلوا على إحياء ليلهم ورفضوا له الرقاد والدعة، وتجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرّت ألوانهم وظهرت السيما في وجوههم وتراقى أمرهم إلى حدّ رحمهم له ربهم فخفف عنهم، وقال الكلبي : إنما تزمّل صلى الله عليه وسلم بثيابه ليتهيأ للصلاة وهو اختيار الفرّاء فهو على هذا ليس بتهجين بل هو ثناء عليه وتحسين لحاله التي كان عليها وأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه، وعن عكرمة رضي الله عنه أنّ المعنى يا أيها الذي زمل أمراً عظيماً أي حمله، والزمل الحمل.
قال البغوي : قال الحكماء : كان هذا الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم في أوّل الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبيّ والرسول، وقال السيهلي : ليس المزمل من أسماء النبيّ صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه بعض الناس، وعدّوه في أسمائه صلى الله عليه وسلم وإنما المزمل اسم مشتق من حاله التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك المدّثر.
وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان :
إحداهما : الملاطفة فإنّ العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ حين غاضب فاطمة رضي الله تعالى عنهما فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب، فقال له : قم أبا تراب » إشعاراً له بأنه غير عاتب عليه وملاطفة له، وكذلك «قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة : قم يا نومان » وكان نائماً ملاطفة له وإشعاراً بترك العتب والتأنيب، فقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿يا أيها المزمل قم﴾ فيه تأنيس له وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه.
والفائدة الثانية : التنبيه لكل متزمل راقد ليله أن يتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى فيه ؛ لأنّ الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة، والليل مدّة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. قال القرطبي : واختلف هل كان قيامه فرضاً أو نفلاً ؟ والدلائل تقوّي أنّ قيامه كان فرضاً ؛ لأنّ المندوب لا يقع على بعض الليل دون بعض، لأنّ قيامه ليس مخصوصاً بوقت دون وقت.
واختلف هل كان فرضاً على النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده ؟ أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء ؟ أو عليه وعلى أمته ؟ على ثلاثة أقوال : الأوّل قول سعيد بن جبير رضي الله عنه لتوجه الخطاب إليه.
الثاني : قول ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان قيام الليل فريضة على النبيّ صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله. والثالث : قول عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أيضاً أنه كان فرضاً عليه وعلى أمته لما روى مسلم أنّ هشام بن عامر قال لعائشة رضي الله عنها : أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :«ألست تقرأ يا أيها المزمل، فقلت : بلى. فقالت : فإنّ الله عز وجل افترض قيام الليل في أوّل هذه السورة، فقام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً وأمسك الله عز وجل خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله عز وجلّ في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوّعاً بعد فريضة » وقيل : عسر عليهم تمييز القدر الواجب، فقاموا الليل كله، وشق عليهم فنسخ بقوله تعالى آخرها :﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ وكان بين الوجوب ونسخه سنة، وقيل : نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد حتى نسخ بالمدينة.
وروى وكيع ويعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها وكان بين نزول أوّلها وآخرها نحواً من سنة. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين ﴿إنّ ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل﴾ [المزمل: ٢٠] فخفف الله تعالى عنهم. وقيل : كان قيام الليل واجباً ثم نسخ بالصلوات الخمس.
والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم بعث يوم الاثنين في رمضان وهو ابن أربعين سنة، وقيل : ثلاث وأربعين وآمنت به خديجة رضي الله عنها ثم بعدها قيل : عليّ رضي الله عنه وهو ابن تسع سنين، وقيل : ابن عشر. وقيل : أبو بكر، وقيل : زيد بن حارثة، ثم أمر بتبليغ قومه بعد ثلاث من مبعثه، فأوّل ما فرض عليه صلى الله عليه وسلم بعد الإنذار والدعاء إلى التوحيد من قيام الليل ما ذكر في أوّل السورة، ثم نسخ بما في آخرها ثم نسخ بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء إلى بيت المقدس بمكة بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب، هذا ما ذكره النووي في روضته.
وقال في فتاويه : بعد النبوة بخمس أو ست وجعل الليلة من ربيع الأول وخالفهما في شرح مسلم وجزم بأنها من ربيع الآخر وقلد فيها القاضي عياضاً، والذي عليه الأكثر ما في الروضة واستمرّ يصلي إلى بيت المقدس مدّة إقامته بمكة وبعد الهجرة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر، ثم أمر باستقبال الكعبة، ثم فرض الصوم بعد الهجرة بسنتين تقريباً وفرضت الزكاة بعد الصوم، وقيل : قبله، وفي السنة الثانية قيل : في نصف شعبان. وقيل : في رجب حوّلت القبلة، وفيها فرضت صدقة الفطر، وفيها ابتدأ صلى الله عليه وسلم صلاة عيد الفطر ثم عيد الأضحى، ثم فرض الحج سنة ست وقيل : سنة خمس ولم يحج صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلا حجة الوداع، واعتمر أربعاً وتوفيّ صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة.
فائدة : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم معصومون قبل النبوة من الكفر وفي المعاصي خلاف وبعدها من الكبائر وكذا من الصغائر ولو سهواً عند المحققين.
المزمل 73:3
وقوله تعالى ﴿نصفه﴾ بدل من قليلاً وقلته بالنظر إلى الكل ﴿أو انقص منه﴾ أي : من النصف ﴿قليلاً﴾ أي : الثلث.
المزمل 73:4
﴿أو زد عليه﴾ أي : على النصف إلى الثلثين، وأو للتخيير فكان صلى الله عليه وسلم مخيراً بين هذه المقادير الثلاثة، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب وكذا بعض أصحابه، واشتدّ ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم وقد تقدّم أنّ ذلك نسخ بإيجاب الصلوات الخمس، فصار قيام الليل تطوعاً فينبغي للمتعبد المواظبة عليه خصوصاً في الوقت الذي يبارك الله تعالى بالتجلي فيه، فإنه صح أنه ينزل سبحانه عن أن تشبه ذاته شيئاً أو نزوله نزول غيره، بل هو كناية عن فتح باب السماء الذي هو كناية عن وقت استجابة الدعاء حتى يبقى ثلث الليل، وفي رواية حتى يبقى شطر الليل الآخر إلى سماء الدنيا، فيقول سبحانه هل من سائل فأعطيه هل من تائب فأتوب عليه هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر.
ولما أمر بالقيام وقدّر وقته وعينه أمر بهيئة التلاوة التي هي روح الصلاة على وجه عامّ، فقال تعالى :﴿ورتل القرآن﴾ أي : اقرأه على ترسل وتؤدة وتبيين حروفه وإشباع حركاته بحيث يتمكن السامع من عدّها ويجيء المتلو منه شبيهاً بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان وأن لا يهذه هذاً ولا يسرده سرداً، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : شرّ السير الحقحقة، وشرّ القراءة الهذرمة، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : ولا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذّ الشعر ولكن قفوا عند عجائبه وحرّكوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة.
وقوله تعالى :﴿ترتيلاً﴾ تأكيد في الأمر به وأنه لا بدّ منه للقارئ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : اقرأ على هينتك ثلاث آيات أو أربعاً أو خمساً، وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قام حتى أصبح بآية » والآية ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] وسئلت عائشة رضي الله عنها عن قراءته صلى الله عليه وسلم فقالت :«لا كسردكم هذا لو أراد السامع أن يعد حروفها لعدها ». وسئل أنس رضي الله عنه كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم قال :«كانت مدًّا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمدّ بسم الله ويمدّ الرحمن ويمدّ الرحيم ». وجاء رجل إلى ابن مسعود رضي الله عنه، فقال : قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال : هذاً كهذ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرن بينهنّ فذكر عشرين سورة من المفصل كل سورتين في ركعة.
وروى الحسن رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم «مرّ برجل يقرأ آية ويبكي فقال ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجلّ :﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾ هذا الترتيل ». وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن عوف قال :«قال النبيّ صلى الله عليه وسلم يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة، فيوقف في أوّل درج الجنة، ويقال له اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها ». وندب إصغاء إليه وبكاء عند القراءة وتحسين صوت بها وتعوذ بها جهراً وإعادته لفصل طويل وجلوس لها واستقبال وتدبر وتخشع. وكرهت بفم نجس. وجازت بحمام. وهي نظراً في المصحف أفضل منها على ظهر قلب، نعم إن زاد خشوعه وحضور قلبه في القراءة عن ظهر قلب فهي أفضل في حقه. وهي أفضل من ذكر لم يخص بمحل، وحرم توسد مصحف. وندب كتبه وإيضاحه ونقطة وشكله، ويحرم كتبه بنجس ومسه بنجس غير معفوّ عنه، وتحرم القراءة بالشواذ وهي ما نقل آحاداً وبعكس الآي وكره العكس في السور إلا في تعليم.
وندب ختم القرآن أوّل نهار وأوّل ليل وختمه في الصلاة أفضل من ختمه خارجها، وندب صيام يوم الختم إلا أن يصادف يوماً نهى الشرع عن صيامه، وندب الدعاء بعده وحضوره. والشروع بعده في ختمة أخرى. وندب كثرة تلاوته. ونسيانه كبيرة وكذا نسيان شيء منه ويحرم تفسيره بلا علم.
المزمل 73:5
﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿سنلقي﴾ أي : بوعد لا خلف فيه ﴿عليك قولاً﴾ أي : قرآناً، واختلف في معنى قوله تعالى ﴿ثقيلاً﴾ فقال قتادة رضي الله عنه : ثقيل والله فرائضه وحدوده. وقال مجاهد رضي الله عنه : حلاله وحرامه. وقال محمد بن كعب رضي الله عنه : ثقيلاً على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم ويبطل أديانهم. وقيل : على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم وسب آلهتهم.
قال السدّي رضي الله عنه : ثقيلاً بمعنى كريم مأخوذ من قولهم : فلان ثقل عليّ، أي : كرم عليّ. وقال الفراء : ثقيلاً، أي رزيناً. وقال الحسن بن الفضل : ثقيلاً أي لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد : هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل : ثقيل أي ثابت كثبوت الثقيل في محله. ومعناه : إنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً.
وقيل :﴿ثقيلاً﴾ بمعنى : أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه بالكلية فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، وكذا أهل اللغة والنحو وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدّمون، فعلمنا أنّ الإنسان الواحد لا يقوى على الاستقلال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله.
والأولى أن تحمل هذه المعاني كلها فيه. وقيل : المراد هو الوحي كما جاء في الخبر «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها أي : صدرها على الأرض فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرّى عنه ». وعن الحارث بن هشام أنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي ؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم أحياناً يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهذا أشدّ عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصد عرقاً، أي : يجري عرقه كما يجري الدم من الفاصد. وقوله فينفصم عني أي : ينفصل عني ويفارقني، وقد وعيت أي : حفظت ما قال. وقال القشيري : القول الثقيل هو قول لا إله إلا الله لأنه ورد في الخبر :«لا إله إلا الله خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان ». وقال الزمخشري : هذه الآية اعتراض ثم قال : وأراد بهذا الاعتراض أنّ ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن لأنّ الليل وقت السبات والراحة والهدوء، فلا بدّ لمن أحياه من مضارّة لطبعه ومجاهدة لنفسه ا. ه. فالاعتراض من حيث المعنى لا من حيث الصناعة، وذلك أنّ قوله تعالى :﴿إنّ ناشئة الليل﴾ أي : القيام بعد النوم ﴿هي أشدّ وطأ وأقوم قيلا﴾.
المزمل 73:6
﴿إنّ ناشئة الليل﴾ أي : القيام بعد النوم ﴿هي أشدّ وطأ﴾ أي : موافقة السمع للقلب على تفهم القرآن هي أشدّ مطابق لقوله :﴿قم الليل﴾ فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبين، والمعنى : سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل قولاً ثقيلاً يثقل حمله ؛ لأنّ الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس ومجاهدة الشيطان، فهو أمر ثقيل على العبد.
ولما كان التهجد يجمع القول والفعل وبين ما في الفعل لأنه أشق فكان بتقديم الترغيب بالمدحة أحق أتبعه القول فقال :﴿وأقوم قيلاً﴾ أي : وأعظم سداداً من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب لحضور القلب، لأنّ الأصوات هادية والدنيا ساكتة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه، وقال قتادة ومجاهد رضي الله عنهم : أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم لرياقة الليل بهدوء الأصوات وتجلي الرب سبحانه بحصول البركات وأخلص من الرياء، فبين الله تعالى بهذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار وأنّ الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب.
كان عليّ بن الحسين رضي الله عنه يصلي بين المغرب والعشاء ويقول : هو ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة رضي الله عنهم : هو بدء الليل. وقال في الصحاح : ناشئة الليل أوّل ساعاته، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : هي الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار وهو اختيار مالك، قال ابن عربي : وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة، وقالت عائشة وابن عباس أيضاً ومجاهد رضي الله عنهم : إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم ومن قام قبل النوم فما قام ناشئة. وقال يمان بن كيسان : هو القيام من آخر الليل.
وأما قوله تعالى :﴿أشدّ وطأ﴾ أي : أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأنّ الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل فقد تحمل المشقة العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو وفتح الطاء، وبعدها ألف ممدودة وهمزة منوّنة، وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر، وقرأ الباقون بفتح الواو وسكون الطاء وبعدها همزة منونة فهي مصدر وطأت وطأ ومواطأة أي : وافقت على الأمر من الوفاق تقول : فلان يواطئ اسمه اسمي، أي : يوافقه، فالمعنى أشدّ موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان لانقطاع الأصوات والحركات قاله مجاهد وغيره قال تعالى :﴿ليواطئوا عدّة ما حرّم الله﴾ [التوبة: ٣٧] أي : ليوافقوا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهمّ اشدد وطأتك على مضر » وقيل : أشدّ مهاداً للتصرّف في الفكر والتدبر. وقيل : أشدّ ثباتاً من النهار، فإنّ الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله، فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء الثبات تقول : وطأت الأرض بقدمي وفي الجملة عبادة الليل أشدّ نشاطاً وأتم إخلاصاً وأكثر بركة وأبلغ في الثواب.
المزمل 73:7
﴿إنّ لك﴾ أي : أيها المتهجد أو يا أكرم الخلق إن كان الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿في النهار﴾ الذي هو محل السعي في مصالح الدنيا ﴿سبحاً طويلاً﴾ أي : تصرّفاً وتقلباً وإقبالاً وإدباراً في حوائجك وأشغالك، والسبح : مصدر سبح استعير للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء وهي البعد فيه. وقال القرطبي : السبح الجري والدوران. ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح شديد الجري. وقيل : السبح الفراغ، أي : إنّ لك فراغاً لحاجات النهار. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿سبحاً طويلاً﴾ يعني فراغاً طويلاً لنومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقيل : إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.
المزمل 73:8
﴿واذكر اسم ربك﴾ أي : المحسن إليك والموجد والمدبر لك بكل ما يكون ذكراً من اسم وصفة وثناء وخضوع وتسبيح وتحميد وصلاة وقراءة ودعاء وإقبال على علم شرعي وأدب مرعي، ودُم على ذلك في ليلك ونهارك واحرص عليه، فإذا عظمت الاسم بالذكر فقد عظمت المسمى بالتوحيد والإخلاص، وذلك عون لك على مصالح الدارين، أما الآخرة فواضح وأما الدنيا فقد أرشد النبيّ صلى الله عليه وسلم أعز الخلق عليه فاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها لما سألته خادماً يقيها التعب إلى التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم.
﴿وتبتل﴾ أي : اجتهد في قطع نفسك عن كل شاغل والإخلاص في جميع أعمالها بالتدريج قليلاً قليلاً منتهياً ﴿إليه﴾ ولا تزل على ذلك حتى يصير ذلك لك خلقاً فتكون نفسك كأنها منقطعة بغير قاطع.
وقوله تعالى :﴿تبتيلاً﴾ مصدر تبتل جيء به رعاية للفواصل وهو ملزوم التبتيل، قال الزمخشري : فإن قلت كيف قيل تبتيلاً ؟ مكان تبتلاً قلت : لأنّ معنى تبتل بتل نفسه فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل ا. ه.
والتبتيل الانقطاع ومنه امرأة بتول، أي : منقطعة عن النكاح، وفي الحديث أنه نهى عن التبتل وقال :«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة أي : مؤن النكاح فليتزوج » والمراد به في الآية الكريمة الانقطاع إلى عبادة الله تعالى كما مرّت الإشارة إليه دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل : الانقطاع عن الناس والجماعات، وقيل : إن أصله عند العرب التفرّد قاله ابن عرفة، وقال ابن العربي : هذا فيما مضى، وأما اليوم فقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية : وانقطع عن الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله تعالى. وكذلك قال مجاهد رضي الله عنه : معناه أخلص له العبادة ولم يرد التبتيل، فصار التبتل مأموراً به في القرآن منهياً عنه في السنة ومتعلق الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث لتبيين ما أنزل إليهم، فالتبتل المأمور به الانقطاع إلى الله تعالى بإخلاص العبادة كما قال تعالى :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥] والتبتل المنهي عنه هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون " خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر يفرّ بدينه من الفتن ".
المزمل 73:9
ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم بين سبحانه الذي أنعم بسكن الليل الذي أمرنا بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر بالسبح فيه، فقال تعالى :﴿رب المشرق﴾ أي : موجد محل الأنوار التي بها ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم فيه، ويضيء بها الصباح، وعند الصباح يحمد القوم السرى، قال العلامة تقي الدين بن دقيق العيد :
كم ليلة فيك وصلنا السرى؍ لا نعرف الغمض ولا نستريح؍
واختلف الأصحاب ماذا الذي؍ يزيل من شكواهم أو يريح؍
فقيل تعريسهم ساعة؍ وقلت بل ذكراك وهو الصحيح؍
﴿والمغرب﴾ أي : الذي يكون عند الليل الذي هو موضع السكون ومحل الخلوات ولذيذ المناجاة، فلا تغرب شمس ولا قمر ولا نجم إلا بتقديره ﴿لا إله﴾ أي : لا معبود بحق ﴿إلا هو﴾ أي : ربك الذي دلت تربيته لك على مجامع العظمة وأبهى صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص، وقرأ ﴿رب﴾ ابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الباء على البدل من ربك، وعن ابن عباس رضي الله عنهما على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك : الله لأفعلن، وجوابه : لا إله إلا هو، كما تقول : لا أحد في الدار إلا زيد، والباقون برفعها على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره لا إله إلا هو ﴿فاتخذه﴾ أي : خذه بجميع جهدك وذلك بإفرادك إياه بكونه ﴿وكيلاً﴾أي على كل من خالفك بأن تفوض جميع أمورك إليه، فإنه يكفيكها كلها، فإنه المنفرد بالقدرة عليها، ولاشيء في يد غيره فلا تهتم بشيء أصلاً.
قال البقاعي : وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل، فإن ذلك طمع فارغ، بل بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ليكون متوكلاً في السبب لا من دون سبب، فإنه يكون حينئذ كمن يطلب الولد من غير زوجة وهو مخالف لحكمة هذه الدار المبنية على الأسباب، ولو لم يكن في إفراده بالوكالة إلا أنه يفارق الوكلاء بالعظمة والشرف والرفق من جميع الوجوه، فإن وكيلك من الناس دونك وأنت تتوقع أن يكلمك كثيراً في مصالحك وربك أعظم العظماء وهو يأمرك بأن تكلمه كثيراً في مصالحك وتسأله طويلاً، ووكيلك من الناس إذا حصل مالك سألك الأجرة وهو سبحانه يوفر مالك ويعطيك الأجر، ووكيلك من الناس ينفق عليك من مالك وهو سبحانه يرزقك وينفق عليك من ماله. ومن تمسك بهذه الآية عاش حرًّا كريماً ومات خالصاً شريفاً ولقي الله تعالى عبداً صافياً مختاراً تقياً، ومن شرط الموحد أن يتوجه إلى الواحد ويقبل عليه ويبذل له نفسه ويفوّض إليه أمره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل لربوبيته ويتواضع لعظمته.
المزمل 73:10
﴿واصبر على ما يقولون﴾ أي : المخالفون المفهومون من الوكالة من الأذى والسب والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم ولا تمتنع من دعواهم وفوّض أمرهم إليّ، فإني إذا كنت وكيلاً لك أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك ﴿واهجرهم﴾ أي : أعرض عنهم ﴿هجراً جميلاً﴾ أي : لا تتعرّض لهم ولا تشتغل بمكافأتهم، فإنّ ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، فإنه صلى الله عليه وسلم منع في أوّل الإسلام من قتال الكفار وأمر هو وأصحابه بالصبر على أذاهم بقوله تعالى :﴿لتبلونّ في أموالكم﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية، ثم أمر به إذا ابتدؤوا بقوله تعالى :﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠] ثم أبيح له ابتداؤه في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقاً من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله تعالى :﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ [البقرة: ١٩١].
المزمل 73:11
﴿وذرني﴾ أي : اتركني ﴿والمكذبين﴾ أي : لا تحتاج إلى الظفر بمرادك ومشتهاك إلا أن تخلي بيني وبينهم بأن تكل أمرهم إليّ وتستكفينيه، فإن فيّ ما يفرغ بالك، ويجلي همك وليس ثمّ منع حتى تطلب إليه أن تذره وإياه إلا ترك الاستكفاء والتفويض، كأنه إذا لم يكل إليه أمره فكأنه منعه منه فإذا وكله إليه فقد أزال المنع وتركه وإياه وفيه دليل على الوثوق بأنه يتمكن من الوفاء بأقصى ما تدور حوله أمنية المخاطب وبما يزيد عليه.
واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل : نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة فلم يكن إلا يسيراً حتى قتلوا ببدر. وقال يحيى بن سلام : إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جبير : أخبرت أنهم اثنا عشر رجلاً، وقال البغوي : نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين.
وقوله تعالى :﴿أولي النعمة﴾ نعت للمكذبين أي أصحاب التنعم والترفه.
فائدة : النعمة بالفتح التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرّة.
﴿ومهلهم﴾ أي : اتركهم برفق وتأنّ وتدريج ولا تهتم بشأنهم. وقوله تعالى :﴿قليلاً﴾ نعت لمصدر، أي : تمهيلاً قليلاً أو لظرف زمان محذوف أي زماناً قليلاً فقتلوا بعد يسير ببدر.
المزمل 73:12
وقوله تعالى :﴿إنّ لدينا أنكالاً﴾ جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل الذي لا ينفك أبداً وقال الكلبي : أغلالاً من حديد ﴿وجحيماً﴾ أي : ناراً حامية جدًّا شديدة الاتقاد مما كانوا يتقيدون به من تبريد الشراب والتنعم برقيق اللباس وتكلف أنواع الراحة.
المزمل 73:13
﴿وطعاماً ذا غصة﴾ أي : يغص به في الحلق وهو الزقوم أو الضريع أو الغسلين أو الشوك من نار لا يخرج ولا ينزل ﴿وعذاباً أليماً﴾ أي : مؤلماً. ومعنى الآية : أنّ لدينا في الآخرة ما يضادّ تنعمهم في الدنيا وهي هذه الأمور الأربعة : النكال والجحيم والطعام الذي يغص به والعذاب الأليم، والمراد به سائر أنواع العذاب، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق.
وعن الحسن أنه أمسى صائماً فأتي بطعام فعرضت له هذه الآية، فقال : ارفعه ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال : ارفعه، وكذلك الليلة الثالثة فأخبر ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فجاؤوا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق.
المزمل 73:14
وقوله تعالى :﴿يوم ترجف﴾ منصوب بالاستقرار المتعلق به لدينا والرجفة الزلزلة والزعزعة الشديدة فتزلزل ﴿الأرض﴾ أي : كلها ﴿والجبال﴾ أي : التي هي أشدّها ﴿وكانت﴾ أي : وتكون ﴿الجبال﴾ التي هي مراسي الأرض وأوتادها وعبر عن شدّة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد، فقال تعالى :﴿كثيباً﴾ أي : رملاً مجتمعاً، من كثب الشيء إذا جمعه، كأنه فعيل بمعنى مفعول في أصله، ومنه الكثبة من اللبن ﴿مهيلاً﴾ قال ابن عباس : رملاً سائلاً يتناثر. وقال الكلبي : هو الذي إذا أخذت منه شيئاً تبعك ما بعده. قال القرطبي : وأصله مهيول وهو مفعول من قولك هلت عليه التراب أهيله إهالة وهيلاً إذا صببته، يقال : مهيل ومهيول، ومكيل ومكيول ومعين ومعيون. قال الشاعر :
قد كان قومك يحسبونك سيداً؍ وأخال أنك سيد معيون؍
وقال عليه الصلاة والسلام حين شكوا إليه الجدوبة :«أتكيلون أم تهيلون » ؟ قالوا : نهيل. قال :«كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ».
وأصل مهيل مهيول استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الهاء فالتقى ساكنان، فسيبويه وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف لأنها زائدة، وإن كانت القاعدة أنّ ما يحذف لالتقاء الساكنين الأوّل، ثم كسروا الهاء لتصح الياء، ووزنه حينئذ مفعل، والكسائي ومن تبعه حذفوا الياء لأنّ القاعدة حذف الأوّل كما مرّ.
المزمل 73:15
ولما خوّف تعالى المكذبين أولي النعمة بأهوال يوم القيامة خوّفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا فقال تعالى :﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿أرسلنا إليكم﴾ يا أهل مكة شرفاً لكم خاصة وإلى كل من بلغته الدعوة عامّة ﴿رسولاً﴾ أي : عظيماً جدًّا، وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمامهم وأجلهم وأفضلهم قدراً ﴿شاهداً عليكم﴾ أي : بما تصنعون ليؤدّي الشهادة عند طلبها منه يوم ننزع من كل أمّة شهيداً وهو يوم القيامة ﴿كما أرسلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿إلى فرعون﴾ أي : ملك مصر ﴿رسولاً﴾ وهو موسى عليه الصلاة والسلام، وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. قال مقاتل : وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأنّ أهل مكة ازدروا محمداً صلى الله عليه وسلم واستخفوا به لأنه ولد فيهم، كما أنّ فرعون ازدرى بموسى عليه السلام لأنه رباه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى حكاية عن فرعون :﴿ألم نربك فينا وليداً﴾ [الشعراء: ١٨] وذكر الرازي السؤال والجواب. قال ابن عادل : وهو ليس بالقوي لأنّ إبراهيم عليه السلام ولد ونشأ فيما بين قوم نمروذ وكان آزر وزير نمروذ على ما ذكره المفسرون، وكذا القول في هود ونوح وصالح ولوط لقوله تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة ﴿أخاهم﴾ لأنه من القبيلة التي بعث إليها انتهى. وقد يقال : الجامع بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام التربية، فإنّ أبا طالب تربى عنده النبيّ صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام تربى عند فرعون ولم يكن ذلك لغيرهما.
المزمل 73:16
﴿فعصى فرعون الرسول﴾ إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه أل العهدية والعرب إذا قدمت اسماً ثم أتوا به ثانياً أتوا به معرفاً بأل أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو : رأيت رجلاً فأكرمت الرجل أو فأكرمته، ولو قلت فأكرمت رجلاً لتوهم أنه غير الأوّل. وقال المهدوي : ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدّم ذكره ولذا اختير في أوّل الكتب سلام عليكم وفي آخرها السلام عليكم.
ثم تسبب عن عصيانه قوله تعالى :﴿فأخذناه﴾ أي : فرعون بما لنا من العظمة، وبين أنه أخذ قهر وغضب بقوله تعالى :﴿أخذاً وبيلاً﴾ أي : ثقيلاً شديداً، وضرب وبيل وعذاب وبيل، أي : شديد قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه مطر وابل، أي : شديد قاله الأخفش. وقال الزجاج : أي : ثقيلاً غليظاً ومنه قيل للمطر وابل، وقيل : مهلكاً. والمعنى : عاقبناه عقوبة غليظة، وفي ذلك تخويف لأهل مكة.
المزمل 73:17
ثم خوّفهم بيوم القيامة فقال تعالى :﴿فكيف تتقون إن كفرتم﴾ أي : توجدون الوقاية التي تقي أنفسكم إذا كفرتم في الدنيا، والمعنى : لا سبيل لكم إلى التقوى إذا رأيتم القيامة. وقيل : معناه : فكيف تتقون العذاب يوم القيامة إذا كفرتم في الدنيا. وقوله تعالى :﴿يوماً﴾ مفعول تتقون أي : عذابه أي : بأي حصن تتحصنون من عذاب الله يوم ﴿يجعل الولدان﴾ وقوله تعالى ﴿شيباً﴾ جمع أشيب، والأصل في الشين الضم وكسرت لمجانسة الياء، ويقال في اليوم الشديد : يوم يشيب نواصي الأطفال، وهو مجاز، ويجوز أن يراد في الآية الحقيقة والمعنى : يصيرون شيوخاً شمطاً من هول ذلك اليوم وشدّته وذلك حين يقال لآدم عليه السلام قم : فابعث بعث النار من ذريتك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم فيقول : لبيك وسعديك وفي رواية والخير بين يديك فينادى بصوت إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال : يا رب وما بعث النار. قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد ﴿وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد﴾ [الحج: ٢] فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، قالوا : يا رسول الله أينا ذلك الرجل ؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم أبشروا، فإنّ من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد، ثم قال : أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وفي رواية كالرقة في ذراع الحمار وهي بفتح الراء وسكون القاف الأثر الذي في بطن عضد الحمار وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبر القوم، ثم قال : فثلث أهل الجنة فكبروا، ثم قال : شطر أهل الجنة فكبروا » وفي هذا إشارة إلى الاعتناء بهم لأنّ إعطاء الإنسان مرّة بعد مرّة دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته، وفي هذا أيضاً حملهم على تجديد شكر الله تعالى وحمده على إنعامه عليهم وهو تكبيرهم لهذه البشارة العظيمة.
المزمل 73:18
ثم وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى :﴿السماء منفطر﴾ أي : ذات انفطار أي : انشقاق ﴿به﴾ أي : بسبب ذلك اليوم لشدّته فالباء سببية، وجوّز الزمخشري أن تكون للاستعانة فإنه قال : والباء في به مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به. وقال القرطبي : معنى به أي : فيه أي : في ذلك اليوم. وقيل : به أي : بالأمر أي : السماء منفطر بما يجعل الولدان شيباً، وقيل : منفطر بالله أي : بأمره.
تنبيه : إنما لم تؤنث الصفة لوجوه، منها : قال أبو عمرو بن العلاء : لأنها بمعنى السقف تقول هذا سماء البيت قال تعالى :﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢]. ومنها أنها على النسبة أي : ذات انفطار، نحو امرأة مرضع وحائض أي : ذات إرضاع وذات حيض. ومنها أنها تذكر وتؤنث أنشد الفراء :
فلو رفع السماء إليه قوماً؍ لحقنا بالسماء وبالسحاب؍
ومنها : أنه اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء فيقال : سماءة واسم الجنس يذكر ويؤنث ولهذا قال أبو علي الفارسي : هو كقوله تعالى ﴿منتشر﴾ [القمر: ٧] و﴿أعجاز نخل منعقر﴾ [القمر: ٢٠] يعني : فجاء على أحد الجائزين، أو لأنّ تأنيثها ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز تذكيره. قال الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمها *** بالإثمد الحبرى مكحول
والضمير في قوله تعالى :﴿كان وعده مفعولاً﴾ يجوز أن يكون لله وإن لم يجر له ذكر للعلم به فيكون المصدر مضافاً لفاعله، ويجوز أن يكون لليوم فيكون مضافاً لمفعوله والفاعل وهو الله تعالى مقدّر. قال المفسرون : كان وعده بالقيامة والحساب والجزاء مفعولاً كائناً لا شك فيه ولا خلف. وقال مقاتل : كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كله.
المزمل 73:19
﴿إن هذه﴾ أي : الآيات الناطقة بالوعيد الشديد أو السورة ﴿تذكرة﴾ أي : تذكير عظيم هو أهل لأن يتعظ به، ويعتبر به المعتبر ولاسيما ما ذكر فيها لأهل الكفر من العذاب.
ولما كان سبحانه قد جعل للإنسان عقلاً يدرك به الحسن والقبيح واختياراً يتمكن به من اتباع ما يريد فلم يبق له مانع من جهة اختيار الأصلح والأحسن إلا قهر المشيئة التي لا اطلاع له عليها ولا حيلة له فيها سبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فمن شاء اتخذ﴾ أي : بغاية جهده ﴿إلى ربه﴾ أي : المحسن إليه خاصة لا إلى غيره ﴿سبيلاً﴾ أي : طريقاً إلى رضاه ورحمته فليرغب فقد أمكن له ؛ لأنه أظهر له الحجج والدلائل. قيل : نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى :﴿فمن شاء ذكره﴾ [المدثر: ٥٥] قال الثعلبي : والأشبه أنه غير منسوخ.
المزمل 73:20
﴿إنّ ربك﴾ أي : المدبر لأمرك على ما يكون إحساناً إليك ورفقاً بك ﴿يعلم أنك تقوم﴾ أي : في الصلاة كما أمرت به أوّل السورة ﴿أدنى﴾ أي : زماناً أقل والأدنى مشترك بين الأقرب والأدون الأنزل رتبة ؛ لأنّ كلاً منهما يلزم عنه قلة المسافة. ﴿من ثلثي الليل﴾ وقرأ ﴿ونصفه وثلثه﴾ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي بنصب الفاء بعد الصاد ونصب المثلثة بعد اللام ورفع الهاء فيهما عطف على أدنى والباقون بكسر الفاء والمثلثة وكسر الهاء فيهما عطف على ضمير تقوم وقيامه كذلك مطابق لما وقع التخيير فيه أوّل السورة من قيام النصف بتمامه، أو الناقص منه وهو الثلث، أو الزائد عليه وهو الثلثان، أو الأقل من الأقل من النصف وهو الربع.
وقوله تعالى :﴿وطائفة من الذين معك﴾ عطف على ضمير تقوم، وجاز من غير تأكيد للفصل وقيام طائفة من أصحابه كذلك للتأسي به، ومنهم من كان لا يدري كم يصلي من الليل وكم بقي منه، فكان يقوم الليل كله احتياطاً فقاموا حتى انتفخت أقدامهم سنة وأكثر، فخفف عنهم بقوله تعالى :﴿والله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿يقدّر﴾ أي : تقديراً عظيماً هو في غاية التحرير ﴿الليل والنهار﴾ أي : هو العالم بمقادير الليل والنهار، فيعلم القدر الذي تقومون من الليل والذي تنامون منه.
﴿علم أن﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي : أنه ﴿لن تحصوه﴾ أي : الليل لتقوموا فيما يجب القيام فيه إلا بقيام جميعه، وذلك يشق عليكم ﴿فتاب عليكم﴾ أي : رجع بكم إلى التخفيف بالترخص لكم في ترك القيام المقدّر أوّل السورة.
وقوله تعالى :﴿فاقرؤوا ما تيسر﴾ أي : سهل ﴿من القرآن﴾ فيه قولان :
أحدهما أن المراد بهذه القراءة القراءة في الصلاة، وذلك أنّ القراءة أحد أجزاء الصلاة فأطلق اسم الجزء على الكل، والمعنى : فصلوا ما تيسر عليكم، قال الحسن : يعني في صلاة المغرب والعشاء. قال قيس بن أبي حازم : صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أوّل ركعة بالحمد وأوّل آية من البقرة ثم ركع، ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة ثم ركع، فلما انصرف أقبل علينا، فقال : إنّ الله تعالى يقول :﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾.
قال القشيري : والمشهور أنّ نسخ قيام الليل كان في حق الأمة، وبقيت الفريضة في حق النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : بل نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلاً، وإذا ثبت أنّ القيام ليس فرضاً فقوله تعالى ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ معناه : اقرؤوا إن تيسر عليكم ذلك وصلوا إن شئتم.
والقول الثاني : أنّ المراد بقوله تعالى :﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ دراسته وتحصيل حفظه وأن لا يعرض للنسيان سواء كان في صلاة أم غيرها، قال كعب : من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد : خمسين آية. قال القرطبي : قول كعب أصح لقوله صلى الله عليه وسلم «من قام بعشر آيات من القرآن لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين » خرجه أبو داود والطيالسي. وروى أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«من قرأ خمسين آية في يوم أو في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر » فقوله من المقنطرين أي : أعطي قنطاراً من الأجر. وجاء في الحديث «أنه ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض ».
وقال أبو عبيدة : القناطير واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه ولا واحد للقنطار من لفظه. وقال ثعلب : المعوّل عليه عند العرب أنه أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا : قناطير مقنطرة، فهي اثنا عشر ألف دينار. وقيل : إنّ القنطار ملء جلد ثور ذهباً. وقيل : ثمانون ألفاً. وقيل : هو جملة كثيرة مجهولة من المال نقله ابن الأثير. قال القرطبي : والقول الثاني أصح حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ والقول الأوّل مجاز ؛ لأنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله، وإذا كان ذلك على قيام لا في قدر القراءة فلا دليل فيه على أنّ الفاتحة لا تتعين في الصلاة، بل هي متعينة في كل ركعة لخبر الصحيحين :«لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب » ولخبر «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب » رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما، ولفعله صلى الله عليه وسلم كما في مسلم مع خبر البخاري «صلوا كما رأيتموني أصلي » ويحمل قوله تعالى ﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ مع خبر «ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن » على الفاتحة أو على العاجز عنها جمعاً بين الأدلة.
ولما كان هذا نسخاً لما كان واجباً من قيام الليل أوّل السورة لعلمه سبحانه بعدم إحصائه فسر ذلك العلم المجمل بعلم مفصل بياناً لحكمة أخرى للنسخ، فقال تعالى :﴿علم أن﴾ مخففة من الثقيلة أي : أنه ﴿سيكون﴾ أي : بتقدير لا بدّ منه ﴿منكم مرضى﴾ جمع مريض وهذه السورة من أوّل ما نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم ففي ذلك إشارة بأنّ أهل الإسلام يكثرون جدًّا ﴿وآخرون﴾ غير المرضى ﴿يضربون﴾ أي : يوقعون الضرب ﴿في الأرض﴾ أي : يسافرون لأنّ الماشي يجد ويضرب برجله في الأرض ﴿يبتغون﴾ أي : يطلبون طلباً شديداً ﴿من فضل الله﴾ أي : بعض ما أوجده الملك الأعظم لعباده بالتجارة وغيرها ﴿وآخرون﴾ أي : منكم أيها المسلمون ﴿يقاتلون﴾ أي : يطلبون ويوقعون قتل أعداء الله تعالى، ولذلك بينه بقوله تعالى ﴿في سبيل الله﴾ أي : الملك الأعظم، وكل من الفرق الثلاث يشق عليهم ما ذكر في قيام الليل، وسوّى سبحانه في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين للمال الحلال لنفقته على نفسه وعياله والإحسان فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد ؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله، قال صلى الله عليه وسلم «ما من جالب يجلب طعاماً من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾.
وقال ابن مسعود : أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء وقرأ ﴿وآخرون﴾ الآية. وقال ابن عمر : ما خلق الله تعالى موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إليّ من الموت بين شعبتي رجل ابتغى من فضل الله ضارباً في الأرض، وقال طاووس : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأعاد قوله تعالى :﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ أي : من القرآن للتأكيد.
﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي : المكتوبة وهي خمس بجميع الأمور التي تقوم بها من أركانها وشروطها وأبعاضها وهيئاتها ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي : زكاة أموالكم. وقال عكرمة وقتادة : صدقة الفطر لأنّ زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل : صدقة التطوع. وقيل : كل فعل خير وقال ابن عباس : طاعة الله تعالى والإخلاص.
﴿وأقرضوا الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها الغنى المطلق من أبدانكم وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم ﴿قرضاً حسناً﴾ من نوافل الخيرات كلها برغبة تامّة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه وانتهائه. وقال زيد بن أسلم : القرض الحسن النفقة على الأهل. وقيل : صلة الرحم وقرى الضيف. وقال عمر بن الخطاب : هو النفقة في سبيل الله.
﴿وما تقدّموا لأنفسكم﴾ أي : خاصة سلفاً لأجل ما بعد الموت حيث لا تقدرون على الأعمال ﴿من خير﴾ أي خير كان من عبادات البدن والمال ﴿تجدوه﴾ أي : محفوظاً لكم ﴿عند الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿هو﴾ أي : لا غيره ﴿خيراً﴾ أي : لكم وجاز ضمير الفصل بين غير معرفتين ؛ لأن أفعل منه كالمعرفة ولذلك يمتنع دخول أداة التعريف عليها. والمعنى : هو خير من الذي تدخرونه إلى الوصية عند الموت، قاله ابن عباس. وقال الزجاج : خيراً لكم من متاع الدنيا. وروى البغوي بسنده عن عبد الله أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه ؟ قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وراثه.
قال : اعلموا ما تقولون قالوا : ما نعلم إلا ذاك يا رسول الله. قال : إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر ».
﴿وأعظم أجراً﴾ قال أبو هريرة : يعني الجنة ويحتمل أن يكون أعظم أجراً لإعطائه بالجنة أجراً.
ولما كان الإنسان إذا عمل ما يمدح عليه ولاسيما إذا كان المادح له ربه ربما أدركه الإعجاب بين له أنه لا يقدر بوجه على أن يقدر الله تعالى حق قدره فلا يزال مقصراً فلا يسعه إلا العفو، فقال عز من قائل :﴿واستغفروا الله﴾ أي : اطلبوا وأوجدوا ستر الملك الأعظم الذي لا تحيطون بمعرفته، فكيف بأداء حق خدمته لتقصيركم عيناً وأثراً بفعل ما يرضيه واجتناب ما يسخطه.
﴿إنّ الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿غفور﴾ أي : بالغ الستر لأعيان الذنوب وآثارها حتى لا يكون عنها عقاب ولا عتاب ﴿رحيم﴾ أي : بالغ الإكرام بعد الستر إفضالاً وإحساناً وتشريفاً وامتناناً.
المدثر 74:1
ولما ختمت المزمّل بالبشارة لأرباب البصارة بعد ما بدئت بالاجتهاد في الخدمة المهيء للقيام بأعباء الدعوة افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي النذارة فقال تعالى :
﴿يا أيها المدثر﴾ روي عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أوّل ما نزل من القرآن قال :﴿يا أيها المدثر﴾. قلت يقولون ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١] قال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ذلك الذي قلت، فقال لي جابر : لا أحدثك إلا مثل ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت عن خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة فقلت : دثروني وصبوا عليّ ماءً بارداً »، قال : فنزل ﴿يا أيها المدثر﴾ الآية، وذلك قبل أن تفرض الصلاة، وفي رواية «فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي وذكر نحوه »، وفيه : فإذا قاعد على عرش في الهواء يعني جبريل عليه السلام فأخذتني رجفة شديدة » وعن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدّث عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه :«فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاء لي بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض فَجُئِثْتُ منه رعباً، فقلت : زملوني زملوني فدثروني، فأنزل الله عز وجل :﴿يا أيها المدثر﴾ إلى قوله :﴿فاهجر﴾ وفي رواية :«فَجُئِثْتُ منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي » وذكره ثم حمي الوحي وتتابع.
فإن قيل : إنّ هذا الحديث دال على أنّ سورة المدثر أوّل ما نزل، ويعارضه حديث عائشة المخرج في الصحيحين في بدء الوحي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وفيه :«فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال :﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده » الحديث ؟ أجيب : بأنّ الذي عليه العلماء أنّ أوّل ما نزل من القرآن على الإطلاق ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ كما صرّح به في حديث عائشة. ومن قال : إنّ سورة المدثر أوّل ما نزل من القرآن فضعيف، وإنما كان نزولها بعد فترة الوحي كما صرّح به في رواية الزهريّ عن أبي سلمة عن جابر، ويدل عليه ما في الحديث وهو يحدّث عن فترة الوحي إلى أن قال :«وأنزل الله تعالى ﴿يا أيها المدثر﴾ »، ويدل عليه قوله أيضاً :«فإذا الملك الذي جاءني بحراء ».
وحاصله : أنّ أوّل ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ وأنّ أوّل ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر، وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين.
قوله :«فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض » يريد به السرير الذي يجلس عليه. وقوله :«يحدّث عن فترة الوحي » أي : عن احتباسه وعدم تتابعه وتواليه في النزول وقوله :«فَجُئِثْتُ منه » روي بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير، وروي بثاءين مثلثتين بعد الجيم ومعناها فرعبت منه وفزعت، وقوله :«حمي الوحي وتتابع » أي : كثر نزوله وازداد بعد فترته من قولهم : حميت الشمس والنار إذا ازداد حرّها. وقوله :«وصبوا عليّ ماءً بارداً » فيه أنه ينبغي لمن فزع أن يصبّ عليه الماء ليسكن فزعه.
وأصل المدّثر المتدثر وهو الذي يتدثر في ثيابه ليستدفئ بها، وأجمعوا على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سمي مدّثراً لوجوه :
أحدها : قوله صلى الله عليه وسلم :«دثروني ».
المدثر 74:2
وثانيها : أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً متدثراً بثيابه فجاءه جبريل عليه السلام وأيقظه صلى الله عليه وسلم وقال :﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ أي : حذر الناس من العذاب إن لم يؤمنوا، والمعنى : قم من مضجعك واترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله عز وجل له.
وثالثها : أنّ الوليد بن المغيرة وأبا جهل وأبا لهب والنضر بن الحارث اجتمعوا وقالوا : إنّ وفود العرب يجتمعون في أيام الحج وهم يسألون عن أمر محمد وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون وقائل ساحر وقائل كاهن، وتعلم العرب أنّ هذا كله لا يجتمع في رجل واحد فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة سموا محمداً باسم واحد تجتمعون عليه وتسميه العرب به، فقام رجل منهم فقال : إنه شاعر، فلما سمع صلى الله عليه وسلم ذلك اشتدّ عليه ورجع إلى بيته محزوناً فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى :﴿يا أيها المدثر﴾.
وقيل : إنه ليس المراد التدثر بالثياب وعلى هذا ففيه وجوه أيضاً :
أحدها : قال عكرمة : المعنى : يا أيها المدّثر بالنبوّة والرسالة من قولهم ألبسه الله لباس التقوى وزينه برداء العلم. قال ابن العربي : وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن نبياً بعد أي : على القول بأنها أوّل سورة نزلت وأمّا على أنها نزلت بعد فترة الوحي فليس ببعيد.
وثانيها : أنّ المدّثر بالثوب يكون كالمختفي فيه، وهو صلى الله عليه وسلم كان في جبل حراء كالمختفي من الناس فكأنه قال : يا أيها المدّثر بدثار الاختفاء قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق والدعوة إلى معرفة الحق.
وثالثها : أنه تعالى جعله رحمة للعالمين فكأنه قيل له : يا أيها المدّثر بأثواب العلم العظيم والخلق الكريم والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك، وعلى كلا القولين في ندائه ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته ولم يقل : يا محمد.
المدثر 74:3
﴿وربك﴾ أي : خاصة ﴿فكبر﴾ أي : عظمه عما يقول عبدة الأوثان وصفه بأنه أكبر من أن تكون له صاحبة أو ولد، وفي الحديث أنهم قالوا بم تفتتح الصلاة ؟ فنزل ﴿وربك فكبر﴾ أي : صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي : وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه يرادفه تكبير التقديس والتنزيه بخلع الأنداد والأصنام دونه ولا يتخذ ولياً غيره ولا يعبد سواه.
وروي أنّ أبا سفيان قال يوم أحد : اعل هبل وهو اسم صنم كان لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا الله أعلى وأجل، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها أذاناً وصلاة وذكراً يقول : الله أكبر، وحمل عليه لفظ النبيّ صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق مواردها منها قوله :«تحريمها التكبير وتحليلها التسليم »، والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعزمه. ومن موارده أوقات الإهلال بالله تعالى تخليصاً له من الشرك وإعلاماً باسمه بالنسك وإفراداً لما شرع من أمره بالنسك، والمنقول عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في التكبير في الصلاة هو لفظ الله أكبر.
وقال المفسرون : لما نزل قوله تعالى ﴿وربك فكبر﴾ قام النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال :«الله أكبر » فكبرت خديجة رضي الله تعالى عنها وفرحت وعلمت أنه وحي من الله تعالى » ذكره القشيري، وقال مقاتل : هو أن يقال الله أكبر وقيل : المراد منه التكبير في الصلاة، واستشكل ذلك على القول بأنها أوّل سورة نزلت، فإنّ الصلاة لم تكن فرضت. وأجيب : بأنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان له صلوات تطوّع فأمر أن يكبر فيها.
تنبيه : دخلت الفاء في قوله تعالى ﴿فكبر﴾ وفيما بعده لإفادة معنى الشرط كأنه قيل : وما يكن فكبر ربك أو للدلالة على أنّ المقصود الأوّل من الأمر بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه، فإنّ أوّل ما يجب معرفة الصانع، وأوّل ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه والقوم كانوا مقرّين به.
المدثر 74:4
﴿وثيابك فطهر﴾ أي : من النجاسات لأنّ طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة لا تصح إلا بها وهي الأولى والأحبّ في غير الصلاة، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثاً. قال الرازي : إذا حملنا التطهير على حقيقته ففي الآية ثلاث احتمالات :
الأوّل : قال الشافعي : المقصود من الآية الإعلام بأنّ الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس.
وثانيها : روي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاء شاة فشق عليه، فرجع إلى بيته حزيناً وتدثر في ثيابه صلى الله عليه وسلم فقيل :﴿يا أيها المدّثر قم فأنذر﴾ ولا تمنعك تلك الشناعة عن الإنذار ﴿وربك فكبر﴾ على أن لا يتنقم منهم ﴿وثيابك فطهر﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات.
وثالثها : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى أن يصون ثيابه عنها.
وقيل : هو أمر بتقصيرها ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول، وذلك مما لا يؤمن معه إصابة النجاسة. قال صلى الله عليه وسلم «إزار المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار » فجعل صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب وتوعد على ما تحته بالنار، فما بالُ رجال يرسلون أذيالهم ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر وقال صلى الله عليه وسلم «لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء » وفي رواية «من جرّ إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ». قال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله إنّ أحد شقي إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لست ممن يصنعه خيلاء ».
وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال، ويستهجن من العادات. يقال فلان طاهر الثياب وطاهر الجيب والذيل إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق، وفلان دنس الثياب للغادر وذلك لأنّ الثوب يلابس الإنسان ويشتمل عليه فكني به عنه ألا ترى إلى قولهم : أعجبني زيد ثوبه كما تقول : أعجبني زيد عقله وخلقه، ويقولون : المجد في ثوبه والكرم تحت حلته، ولأنّ الغالب أنّ من طهر باطنه ونقاه عني بتطهير الظاهر وتنقيته، وأبى إلا اجتناب الخبيث وإيثار الطهر في كل شيء. وقال عكرمة : سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله تعالى :﴿وثيابك فطهر﴾ فقال : لا تلبسها على معصية ولا على غدر ثم قال : أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي :
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر؍ لبست ولا من عنده أتقنع؍
والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء طاهر الثياب، ويقولون لمن غدر إنه لدنس الثياب. وقال أبيّ بن كعب : لا تلبسها على غدر ولا على ظلم ولا على إثم البسها وأنت برّ طاهر. وقال الحسن والقرطبي : وخلقك فحسن. وقال سعيد بن جبير : وقلبك وبيتك فطهر. وقال مجاهد وابن زيد : وعملك فأصلح. وروى منصور عن أبي رزين قال : يقول : وعملك أصلح. قال : وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا : إنّ فلاناً نجس الثياب. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات عليهما يعني عمله الصالح والطالح » ذكره الماوردي. وقيل : المراد بالثياب الأهل أي : طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب والعرب تسمي الأهل ثوباً ولباساً وإزاراً. قال تعالى :﴿هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقيل : المراد به الدين أي : ودينك فطهر جاء في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال :«رأيت الناس وعليهم ثياب منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجرّه قالوا : يا رسول الله، فما أولت ذلك ؟ قال : الدين ».
المدثر 74:5
وقوله تعالى :﴿والرجز﴾ فسره النبيّ صلى الله عليه وسلم بالأوثان ﴿فاهجر﴾ أي : دم على هجره. وقيل : الزاي فيه منقلبة من السين والعرب تعاقب بين السين والزاي لقرب مخرجيهما دليل هذا التأويل قوله تعالى :﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] وروي عن ابن عباس أنّ معناه : اترك المآثم، وقرأ حفص بضم الراء والباقون بكسرها، وهما لغتان ومعناهما واحد، وقال أبو العالية : الرجز بضم الراء الصنم وبالكسر النجاسة والمعصية، وقال الضحاك : يعني الشرك. وقال الكلبي : يعني العذاب. قال البغويّ : ومجاز الآية اهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال.
المدثر 74:6
وقوله تعالى :﴿ولا تمنن تستكثر﴾ مرفوع منصوب المحل على الحال أي : لا تعط مستكثراً رائياً لما تعطيه كثيراً واجعله خالصاً لله تعالى ولا تطلب عوضاً أصلاً، ومعنى تستكثر أي : طالباً للكثرة كارهاً أن ينقص المال بسبب العطاء، فيكون الاستكثار هنا عبارة عن طلب العوض كيف كان ليكون عطاؤه صلى الله عليه وسلم خالياً عن انتظار العوض والتفات النفس إليه. وقيل : لا تعط شيئاً طالباً للكثير نهى عن الاستقرار وهو أن يهب شيئاً وهو يطمع أن يعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب وهذا جائز ومنه الحديث :«المستكثر يثاب من هبته » وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون نهياً خاصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر الآية ؛ لأنّ الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق والثاني : أنه نهي تنزيه لا تحريم له ولأمّته. وقيل : إنه تعالى لما أمره بأربعة أشياء : إنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجر الرجز.
ثم قال :﴿ولا تمنن تستكثر﴾ أي : لا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله ﴿ولربك فاصبر﴾ أي : على الأوامر والنواهي متقرّباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. وقال الحسن : بحسناتك تستكثرها. وقال ابن عباس : ولا تعط عطية ملتمساً بها أفضل منها. وقيل : لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنك إنما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى فلا منة لك به عليهم.
ولهذا قال تعالى :﴿ولربك فاصبر﴾ وقيل : لا تمنن عليهم بنبوّتك لتستكثر أي : لا تأخذ منهم أجراً على ذلك تستكثر به مالك، وقال مجاهد والربيع : لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله تعالى به عليك. وقال ابن كيسان : لا تستكثر عملك فتراه من نفسك إنما عملك منة من الله تعالى عليك إذ جعل لك الله تعالى سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم : إذا أعطيت عطية فأعطها لربك لا تقل : دعوت فلم يستجب لي. وقيل : لا تفعل الخير لترائي به الناس.
المدثر 74:8
ولما ذكر تعالى ما يتعلق بإرشاد النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر بعده وعيد الأشقياء بقوله تعالى :﴿فإذا نقر﴾ أي : نفخ ﴿في الناقور﴾ أي : في الصور وهو القرن النفخة الثانية فاعول من النقر أي : من التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت والفاء للسببية كأنه قال تعالى : اصبر على زمان صعب تلقى فيه عاقبة صبرك وأعداؤك عاقبة ضرهم.
المدثر 74:9
وإذا ظرف لما دل عليه قوله تعالى :﴿فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين﴾ لأنّ معناه : عسر الأمر على الكافرين وذلك إشارة إلى وقت النقر وهو مبتدأ خبره يوم عسير ويومئذ بدل أو ظرف لخبره إذ التقدير فذلك الوقت وقوع يوم عسير وقرأ على الكافرين وأصحاب النار أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح.
المدثر 74:10
ولما كان العسر قد يطلق على الشيء وفيه يسر من بعض الجهات أو يعالج فيرجع يسيراً بين أنه ليس كذلك بقوله تعالى :﴿غير يسير﴾ فجمع فيه بين إثبات الشيء ونفي ضدّه تحقيقاً لأمره ودفعاً للمجاز عنه، وتقييده بالكافرين يشعر بيسره على المؤمنين فإنهم لا يناقشون الحساب ويحشرون بيض الوجوه ثقال الموازين. قال الرازي : ويحتمل أنه عسير على المؤمنين والكافرين إلا أنه على الكافرين أشد.
تنبيه : قال الحليمي : سمي الصور باسمين فإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان فإنّ نفخة الإصعاق بخلاف نفخة الإحياء.
وجاء في الأخبار أنّ في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلها وأنها تجمع في تلك الثقب في النفخة الثانية فتخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزعت منه فيعود الجسد حياً بإذن الله تعالى.
المدثر 74:11
﴿ذرني﴾ أي : اتركني على أي حالة اتفقت ﴿ومن خلقت﴾ معطوف على المفعول أو مفعول معه. وقوله تعالى :﴿وحيداً﴾ فيه أوجه : أحدها : أنه حال من الياء في ذرني أي : ذرني وحدي معه فأنا أكفيك في الانتقام منه، الثاني : أنه حال من التاء في خلقت أي : خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه، الثالث : أنه حال من عائد المحذوف أي : خلقته وحيداً، فوحيداً على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف أي : خلقته في بطن أمّه وحيداً لا مال له ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته، قاله مجاهد. الرابع : أن ينتصب على الذم لأنه يقال : إنّ وحيداً كان لقباً للوليد بن المغيرة المخزومي ومعنى وحيداً : ذليلاً قيل : إنه كان يزعم أنه وحيد في فضله وماله وليس في ذلك ما يقتضي صدق مقالته لأنّ هذا اللقب له شهرة به، وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به وإذا كان لقباً تعين نصبه على الذم. قال ابن عباس : كان الوليد يقول : أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير.
قال الرازي : وردّ هذا القول بعضهم بأنه تعالى لا يصدقه في دعواه تلك بأنه وحيد لا نظير له ذكره الواحدي وهو ضعيف من وجوه ثلاثة : لأنه قد يكون الوحيد علماً فيزول السؤال لأنّ اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة بل هو قائم مقام الإشارة. الثاني : أن يكون ذلك بحسب ظنه واعتقاده كقوله عز وجل ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]. الثالث : أنه وحيد في كفره وعناده وخبثه لأن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف. الرابع : قال أبو سعيد : الوحيد الذي لا أب له كما تقدم في الزنيم.
المدثر 74:12
﴿وجعلت له﴾ أي : بأسباب أوجدتها أنا وحدي لا بحول منه ولا قوة بدليل أن غيره أقوى منه بدناً وقلباً وأوسع فكراً وعقلاً وهو دونه في ذلك ﴿مالاً ممدوداً﴾ أي : مالاً واسعاً كثيراً. قال ابن عباس : هو ما كان للوليد بمكة والطائف من الإبل و البقر والغنم والحجور والجنان والعبيد والجواري، واختلفوا في مبلغه فقال مجاهد وسعيد بن جبير : ألف دينار. وقال قتادة : ستة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري : مرة أربعة آلاف دينار ومرة ألف ألف دينار وقال ابن عباس : تسعة آلاف مثقال فضة وقال الرازي : الممدود هو الذي يكون له مدد يأتي منه الجزء بعد الجزء دائماً ولذلك فسره عمر غلة شهر بشهر. وقال النعمان : الممدود بالزيادة كالزروع والضروع وأنواع التجارات وقال مقاتل : كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره شتاء ولا صيفاً.
المدثر 74:13
﴿وبنين﴾ أي : وجعلت له بنين ﴿شهوداً﴾ أي : حضوراً معه لغناهم عن الأسفار بكثرة المال وانتشار الخدم وقوة الأعوان وهم مع حضورهم في الذروة من الحضور بتمام العقل وقوة الحذق، فهم في غاية المعرفة ومع ذلك فهم أعيان المجالس وصدور المحافل كأنه لا شاهد به غيرهم. قال مجاهد وقتادة : كانوا عشرة. وقال السدي والضحاك : كانوا اثني عشر رجلاً، وعن الضحاك سبعة ولدوا بمكة وخمسة بالطائف. وقال مقاتل : كانوا سبعة ولعله اقتصر على من ولد بمكة وعلى كل قول أسلم منهم ثلاثة خالد الذي منّ الله تعالى على المسلمين بإسلامه فكان سيف الله وسيف رسوله صلى الله عليه وسلم وهشام وعمارة.
المدثر 74:14
﴿ومهدت﴾ أي : بسطت ﴿له﴾ العيش والعمر والولد، والتمهيد عند العرب التوطئة والتهيئة ومنه مهد الصبي. وقال ابن عباس : أي : وسعت له ما بين اليمن إلى الشام وعن مجاهد أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش فلم يرع هذه النعمة العظيمة. وقوله تعالى ﴿تمهيداً﴾ تأكيد.
المدثر 74:15
﴿ثم﴾ أي : بعد الأمر العظيم الذي ارتكبه من تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿يطمع﴾ أي : بغير سبب يدلي به مما جعلناه سبب المزيد من الشكر ﴿أن أزيد﴾ أي : فيما آتيته في دنياه أو في آخرته وهو يكذب رسولنا صلى الله عليه وسلم وقال الحسن : ثم يطمع أن أحله الجنة.
المدثر 74:16
وكان الوليد يقول : إن كان محمد صادقاً فما خلقت الجنة إلا لي، فقال الله تعالى ردًّا عليه وتكذيباً له ﴿كلا﴾ أي : وعزتنا وجلالنا لا تكون له زيادة على ذلك أصلاً، وأمّا النقصان فسيرى إن استمرّ على تكذيبه فليرتدع عن هذا الطمع ولينزجر وليرتجع، فإنه حمق محض وزخرف بحت وغرور صرف، قالوا : فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك فقيراً.
تنبيه : كلا قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة فيكون متصلاً بالكلام الأوّل وقيل : كلا بمعنى حقاً.
ويبتدأ بقوله تعالى ﴿إنه﴾ أي : هذا الموصوف ﴿كان﴾ أي : بخلق كأنه جبلة له وطبع لا يقدر على الانفكاك عنه ﴿لآياتنا﴾ على ما لها من العظمة خاصة لكونها هادية إلى الوحدانية لا إلى غيرها من الشبه القائدة إلى الشرك ﴿عنيداً﴾ قال قتادة : أي : جاحداً. وقال مقاتل : معرضاً. وقال مجاهد : إنه المجانب للحق. وجمع العنيد عند، مثل رغيف ورغف والعنيد بمعنى المعاند، والعناد كما قال الملوي من كبر في النفس ويبس في الطبع وشراسة في الأخلاق أو خبل في العقل، وقد جمع ذلك كله إبليس لعنه الله تعالى لأنه خلق من نار وهي من طبعها اليبوسة وعدم الطواعية.
تنبيه : في الآية إشارة إلى أنّ الوليد كان معانداً في أمور كثيرة منها أنه كان يعاند في دلائل التوحيد وصحة النبوّة وصحة البعث، ومنها أنّ كفره كان عناداً لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه. وكفر العناد أفحش أنواع الكفر، ومنها أنّ قوله تعالى كان يدل على أنّ هذه حرفته من قديم الزمان.
المدثر 74:17
﴿سأرهقه﴾ أي : أكلفه ﴿صعوداً﴾ أي : مشقة من العذاب لا راحة له فيها. وروى الترمذي عن أبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «أنه جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوي » وفي رواية أنه «كلما وضع يده في معالجة الصعود ذابت فإذا رفعها عادت وكذا رجله » وقال الكلبي : إنه صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها يجذب من أمامه بسلاسل الحديد ويضرب من خلفه بمقامع الحديد فيصعدها في أربعين عاماً فإذا بلغ ذروتها أسقط إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها فذلك دأبه أبداً.
المدثر 74:18
أي : هذا العنيد ﴿فكر﴾ أي : ردّد فكره وأداره تابعاً لهواه لأجل الوقوع على شيء يطعن به في القرآن أو النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿وقدّر﴾ أي : أوقع تقدير الأمور التي يطعن بها وقاسها في نفسه لعلمه أنها أقرب إلى القبول وذلك أنّ الله تعالى لما أنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿حم ١ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم﴾ إلى قوله تعالى :﴿المصير﴾ [ غافر : ٢ ٣ ] قام النبيّ صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبيّ صلى الله عليه وسلم لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال : والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش : صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلهم. فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزيناً، فقال له الوليد : ما لي أراك حزيناً يا ابن أخي ؟ قال : وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد وأنك داخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة تسأل من فضل طعامهم فغضب الوليد وقال : ألم تعلم أني من أكثرهم مالاً وولداً، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل، ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم : تزعمون أنّ محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق قط ؟ قالوا : اللهمّ لا، قال : تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه قط تكهن ؟ فقالوا : اللهم لا، قال : تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً قط ؟ قالوا : اللهمّ لا. قال : تزعمون أنه كذاب فهل جرّبتم عليه شيئاً من الكذب ؟ قالوا : اللهمّ لا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين قبل النبوّة من صدقه، فقالت قريش للوليد : فما هو ؟ فتفكر في نفسه وقدّر ما أسرّ ».
المدثر 74:19
قال الله تعالى :﴿فقتل﴾ أي : هلك وطرد ولعن في دنياه هذه ﴿كيف قدر﴾ أي : على أي : كيفية أوقع تقديره هذا.
المدثر 74:20
﴿ثم قتل﴾ أي : هلك ولعن هذا العنيد هلاكاً ولعناً هو في غاية العظمة فيما بعد الموت في البرزخ والقيامة. ﴿كيف قدر﴾ فثم للدلالة على أنّ الثانية أبلغ من الأولى ونحوه قوله :
ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ***
ومعنى قول القائل قتله الله ما أشجعه وأخزاه الله ما أشعره للإشعار بأنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد، ويدعو عليه حاسده بذلك. وأما ثم المتوسطة بين الأفعال التي بعدها فهي للدلالة على أنه تأنى في التأمل وتمهل وكان بين الأفعال المتناسقة تراخ وتباعد.
المدثر 74:21
وقوله تعالى :﴿ثم نظر﴾ عطف على فكر وقدر والدعاء اعتراض بينهما والنظر إما في وجوه قومه وإما فيما يقدح به في القرآن.
المدثر 74:22
﴿ثم عبس﴾ أي : قبض وجهه وكلحه ونظر مع تقبض جلد وما بين العينين بكراهة شديدة كالمهتم للتفكر في شيء وهو لا يجد فيه فرجاً لأنه ضاقت عليه الحيل لكونه لم يجد فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مطعناً. وقيل : عبس وجهه في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما قال لقريش : إن محمداً ساحر مرّ على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام فعبس في وجوههم. وقيل : عبس على النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه ﴿وبسر﴾ أي : زاد في القبض والكدح، يقال : وجه باسر، أي : منقبض أسود كالح متغير اللون قاله قتادة.
المدثر 74:23
﴿ثم﴾ أي : بعد هذا التروي العظيم ﴿أدبر﴾ أي : عما أداه إليه فكره من الإيمان بسلامة المنظور فيه وعلوّه عن المطاعن فحاد عن وجوه الأفكار إلى أقفيتها ﴿واستكبر﴾ أي : أوجد الكبر عن الاعتراف بالحق إيجاد من هو في غاية الرغبة فيه.
المدثر 74:24
﴿فقال﴾ أي : عقب ما جرّه إليه طبعه الخبيث من إيقاع الكبر على هذا الوجه لكونه رآه نافعاً لهم في الدنيا ﴿إن﴾ أي : ما ﴿هذا﴾ أي : الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿إلا سحر﴾ أي : أمور تخييلية لا حقائق لها وهي لدقتها بحيث تخفى أسبابها، أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وماله وولده ومواليه، فما هو إلا سحر ﴿يؤثر﴾ أي : من شأنه أن ينقله السامع عن غيره، فهو ينقله من مسيلمة وأهل بابل كما قال :﴿إن هو إلا قول بشر﴾.
المدثر 74:25
﴿إن﴾ أي : ما ﴿هو﴾ أي : القرآن ﴿إلا قول البشر﴾ أي : ليس فيه شيء عن الله تعالى فلا يغتر أحد به ولا يعرج عليه فارتج النادي فرحاً، ثم تفرّقوا معجبين بقوله متعجبين منه قيل : وهذا شبيه بما قال بعضهم :
لو قيل كم خمس وخمس لاغتدى؍ يوماً وليلته يعدّ ويحسب؍
ويقول معضلة عجيب أمرها؍ ولئن فهمت لها لأمري أعجب؍
خمس وخمس ستة أو سبعة؍ قولان قالهما الخليل وثعلب؍
فكان قوله هذا سبب هلاكه فكان كما قال بعضهم :
احفظ لسانك أيها الإنسان؍ لا يلدغنك إنه ثعبان؍
كم في المقابر من قتيل لسانه؍ كانت تهاب لقاءه الشجعان؍
المدثر 74:26
وقوله تعالى :﴿سأصليه﴾ أي : أدخله ﴿سقر﴾ أي : جهنم بوعد لا بدّ منه عن قريب بدل من ﴿سأرهقه صعوداً﴾.
المدثر 74:27
وقوله تعالى :﴿وما أدراك ما سقر﴾ تعظيم لشأنها.
المدثر 74:28
وقوله تعالى :﴿لا تبقي ولا تذر﴾ بيان لذلك أو حال من سقر، والعامل فيها معنى التعظيم، والمعنى : لا تبقي شيئاً يلقى فيها إلا أهلكته، فإذا أهلكته لم تذره هالكاً حتى يعاد أو لا تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة، وسميت سقر من سقرته الشمس إذا أذابته، ولا تنصرف للتعريف والتأنيث. قال ابن عباس : سقر اسم للطبقة السادسة، فإنّ درك النار سبعة جهنم ولظى والحطمة والسعير والجحيم وسقر والهاوية.
المدثر 74:29
﴿لوّاحة﴾ من لوح الهجير قال :
تقول ما لاحك يا مسافر؍ يا ابنة عمي لاحني الهواجر؍
﴿للبشر﴾ أي : محرقة لظاهر الجلد فتدعه أشدّ سواداً من الليل قال تعالى :﴿تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون﴾ [المؤمنون: ١٠٤] والبشر أعالي البشرة وهو جمع بشرة وجمع البشر أبشار. وعن الحسن : تلوح للناس كقوله تعالى :﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ [التكاثر: ٧] وقيل : اللوح شدة العطش يقال : لاحه العطش ولوحه، أي : غيره. وقال الأخفش : والمعنى : أنها معطشة للبشر، أي : لأهلها وأنشد :
سقتني على لوح من الماء شربة؍ سقاها من الله الرهام النواديا؍
يعني باللوح شدّة العطش والرّهام جمع رهمة بالكسر وهي المطرة الضعيفة، وأرهمت السحابة أتت بالرهام.
المدثر 74:30
﴿عليها تسعة عشر﴾ أي : من الملائكة وهم خزنتها مالك ومعه ثمانية عشر، وقيل : التسعة عشر نقباء. وقال أكثر المفسرين : تسعة عشر ملكاً بأعيانهم. وقيل : تسعة عشر ألف ملك. قال ابن جريج : نعت النبيّ صلى الله عليه وسلم خزنة جهنم فقال :«أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي، وأشعارهم تمس أقدامهم يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفاً فيرميهم حيث أراد من جهنم ». قال عمرو بن دينار : إنّ واحداً منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. قال ابن الأثير : الصياصي قرون البقر.
قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمّهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبر أنّ خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم يعني الشجعان أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم ؟ فقال أبو الأشد بن كلدة بن خلف الجمحي : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، عشرة على ظهري وسبعة على بطني فاكفوني أنتم اثنين.
المدثر 74:31
وروي أنه قال : أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وسبعة بمنكبي الأيسر في النار، ونمضي فندخل الجنة، فأنزل الله عز وجل :﴿وما جعلنا﴾ أي : لنا من العظمة وإن خفي وجه العظمة فيه على من عمي قلبه ﴿أصحاب النار﴾ أي : خزنتها ﴿إلا ملائكة﴾ أي : لم نجعلهم رجالاً فتغالبوهم وإنما جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنسي الفريقين من الجنّ والإنس فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرحمة والرأفة ولأنهم أشدّ بأساً وأقوى بطشاً فقوّتهم أعظم من قوّة الإنس والجنّ ولذلك جعل الرسول إلى البشر من جنسهم ليكون له رأفة ورحمة بهم.
فإن قيل : ثبت في الأخبار أنّ الملائكة مخلوقون من النور فكيف تطيق المكث في النار ؟ أجيب : بأنّ الله تعالى قادر على كل الممكنات فكما أنه لا استبعاد في أنه يبقى الحي في مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا استبعاد في إبقاء الملائكة هناك من غير ألم.
﴿وما جعلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿عدّتهم﴾ أي : مذكورة ومحصورة ﴿إلا فتنة﴾ أي : بلية ﴿للذين كفروا﴾ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ضلالة وفتنة مفعول ثان على حذف مضاف أي : إلا سبب فتنة وللذين صفة الفتنة وليست فتنة مفعولاً له. وقول البيضاوي وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو التسعة عشر تبعاً للزمخشري، قال أبو حيان : إنه تحريف لكتاب الله إذ زعم أنّ معنى إلا فتنة للذين كفروا إلا تسعة عشر وهذا لا يذهب إليه عاقل ولا من له أدنى ذكاء.
وقال الرازي : إنما صار هذا العدد سبباً لفتنة الكفار من وجهين : الأوّل : أنّ الكفار يستهزئون ويقولون لم لا يكونون عشرين، وما المقتضي لتخصيص هذا العدد. والثاني : أن الكفار يقولون هذا العدد القليل كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر العالم من الجنّ والإنس من أوّل ما خلق الله إلى قيام الساعة ؟
وأجيب : عن الأوّل بأنّ هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض، وعن الثاني بأنه لا يبعد أن الله تعالى يرزق ذلك العدد القليل قوّة تفي بذلك، فقد اقتلع جبريل عليه السلام مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وأيضاً فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا ولا للعقل فيها مجال. وذكر أرباب المعاني في تقرير هذا العدد وجهين :
أحدهما : ما قاله أرباب الحكمة إنّ سبب فساد النفس الإنسانية في قوّتها النظرية والعملية هو القوى الحيوانية والطبيعية، فالقوى الحيوانية هي الخمسة الظاهرة والخمسة الباطنة والشهوة والغضب فهذه اثنا عشر، وأما القوى الطبيعية فهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، فالمجموع تسعة عشر فلما كانت هذه منشآت لا جرم كان عدد الزبانية هكذا.
ثانيهما : أنّ أبواب جهنم سبعة فستة منها للكفار وواحد للفساق، ثم إن الكفار يدخلون النار لأمور ثلاثة : ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة فالمجموع ثمانية عشر، وأما باب الفساق فليس هناك إلا ترك العمل فالمجموع تسعة عشر مشغولة بغير العبادة فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر.
وقوله تعالى :﴿ليستيقن الذين﴾ متعلق بجعلنا لا بفتنة. وقيل : بفعل مضمر أي : فعلنا ذلك ليستيقن الذين ﴿أوتوا الكتاب﴾ أي : أعطوا التوراة والإنجيل، فإنه مكتوب فيهما إنه تسعة عشر، فذلك موافقة لما عندهم ﴿ويزداد الذين آمنوا﴾ أي : من أهل الكتاب ﴿إيماناً﴾ أي : تصديقاً لموافقة النبيّ صلى الله عليه وسلم لما في كتبهم ﴿ولا يرتاب﴾ أي : يشك ﴿الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون﴾ في عددهم.
فإن قيل : قد أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وزيادة الإيمان للمؤمنين فما فائدة ﴿ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون﴾ ؟ أجيب : بأنّ الإنسان إذا اجتهد في أمر غامض دقيق الحجة كثير الشبه، فحصل له اليقين فربما غفل عن مقدّمة من مقدّمات ذلك الدليل الدقيق فيعود الشك فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك، ففائدة هذه الجملة نفي ذلك الشك، وإنه حصل لهم يقين جازم لا يحصل عقبه شك البتة.
﴿وليقول الذين في قلوبهم مرض﴾ أي شك ونفاق وإن قل ونزول هذه السورة قبل وجود المنافقين فهو علم من أعلام النبوّة فإنه إخبار بمكة عما سيكون بالمدينة بعد الهجرة ولا ينكر جعل الله تعالى بعض الأمور علة إصلاح ناس وفساد آخرين ؛ لأنه لا يسأل عما يفعل على أن العلة قد تكون مقصودة لشيء بالقصد الأوّل ثم يترتب عليها شيء آخر يكون قصده بالقصد الثاني تقول خرجت من البلد لمخافة الشر ومخافة الشر لا يتعلق بها الغرض.
﴿والكافرون﴾ أي : ويقول الراسخون في الكفر الجازمون بالتكذيب الساترون لما دلت عليه الأدلة من الحق ﴿ماذا﴾ أي : أي شيء ﴿أراد الله﴾ أي : الملك الذي له جميع العظمة ﴿بهذا﴾ أي : العدد القليل في جنب عظمته ﴿مثلاً﴾ قال الجلال المحلي : سموه لغرابته بذلك، وأعرب حالاً. وقال الليث : المثل الحديث ومنه ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ [الرعد: ٣٥] أي : حديثها والخبر عنها. وقال الرازي : إنما سموه مثلاً لأنه لما كان هذا العدد عدداً عجيباً ظنّ القوم أنه ربما لم يكن مراد الله تعالى منه ما أشعر به ظاهره، بل جعله مثلاً لشيء آخر وتنبيهاً على مقصود آخر لا جرم سموه مثلاً على سبيل الاستعارة لأنهم لما استغربوه ظنوا أنه ضرب مثلاً لغيره، ومثلاً تمييز أو حال وتسمية هذا مثلاً على سبيل الاستعارة لغرابته.
ولما كان التقدير أراد بهذا إضلال من ضل وهو لا يبالي وهداية من اهتدى وهو لا يبالي كان كأنه قيل : هل يفعل مثل ذلك في غير هذا فقال تعالى :﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا المذكور من الإضلال والهداية ﴿يضل الله﴾ أي : الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز ﴿من يشاء﴾ بأي كلام شاء، كإضلال الله تعالى أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم ﴿ويهدي﴾ بقدرته التامّة ﴿من يشاء﴾ بنفس ذلك الكلام أو بغيره كهداية أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الآية تدل على مذهب أهل السنة لأنه تعالى قال في أوّل الآية ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا﴾ الخ، ثم قال تعالى :﴿كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء﴾.
﴿وما يعلم جنود ربك﴾ أي : المحسن إليك بأنواع الإحسان المدبر لأمرك ﴿إلا هو﴾ أي : الله سبحانه وتعالى. قال مقاتل رضي الله عنه : وهذا جواب لأبي جهل حيث قال : ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر. وقال مجاهد رضي الله عنه :﴿وما يعلم جنود ربك﴾ يعني : من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، ولا يعلم عدتهم إلا الله تعالى.
والمعنى : أن تسعة عشر هم خزنة النار ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولو أراد لجعل الخزنة أكثر من ذلك، فقد روي أنّ البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا تعود لهم نوبة أخرى. وروي أنّ الأرض في السماء كحلقة ملقاة في فلاة، وكل سماء في التي فوقها كذلك، وورد في الخبر :" أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع وفي رواية موضع قدم إلا وفيه ملك قائم يصلي وفي رواية ساجد " وإنما خص هذا العدد لحكم لا يعلمها إلا هو.
ثم رجع إلى ذكر سقر فقال تعالى :﴿وما هي﴾ أي : النار التي هي من أعظم جنوده ﴿إلا ذكرى للبشر﴾ أي : ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله وأنه سبحانه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار، وللبشر مفعول بذكرى واللام فيه مزيدة، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة. وقرأ ورش بين بين، والباقون بالفتح.
المدثر 74:32
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع لمن أنكرها أو إنكار لأن يتذكروا بها قاله البيضاوي. وقال البغويّ : هذا قسم يقول حقاً. وقال الجلال المحلي : استفتاح بمعنى إلا ﴿والقمر﴾ أي : الذي هو آية الليل الهادية من ضل بظلامه.
المدثر 74:33
﴿والليل إذ أدبر﴾ أي : مضى فانقلب راجعاً من حيث جاء فانكشف ظلامه، وقرأ نافع وحمزة وحفص بسكون الذال المعجمة والدال المهملة بعدها وهمزة قطع مفتوحة بين المعجمة والمهملة الساكنين، والباقون بفتح الذال المعجمة وبعدها ألف وفتح المهملة بعد الألف، فالقراءة الأولى إذ أدبر والثانية إذا دبر وكلاهما لغة. يقال : دبر الليل وأدبر إذا ولى مدبراً ذاهباً. قال أبو عمرو : ودبر لغة قريش، وقال قطرب : دبر أي : أقبل، تقول العرب دبرني فلان أي : جاء خلفي فالليل يأتي خلف النهار.
المدثر 74:34
وقوله تعالى :﴿والصبح إذا أسفر﴾ أي : أضاء وتبين.
المدثر 74:35
وقوله تعالى :﴿إنها لإحدى الكبر﴾ جواب للقسم أو تعليل لكلا، والقسم معترض للتوكيد، والكبر جمع الكبرى جعلت ألف التأنيث كتائها، فلما جمعت فعلة على فعل جمعت فعلى عليها. ونظير ذلك القواصع في جمع القاصعاء كأنها جمع فاعلة، أي : لإحدى البلايا والدواهي الكبر. ومعنى كونها إحداهنّ أنها من بينهنّ واحدة في العظم لا نظير لها، كما تقول : هو أحد الرجال وهي إحدى النساء.
المدثر 74:36
وقوله تعالى :﴿نذيراً﴾ تمييز من إحدى على معنى أنها لإحدى الدواهي إنذاراً كما تقول هي إحدى النساء عفافاً وقيل : هي حال وقيل : هو متصل بأوّل السورة أي : قم نذيراً ﴿للبشر﴾ قال الزمخشري : وهو من بدع التفاسير.
المدثر 74:37
وقوله تعالى :﴿لمن شاء﴾ أي : بإرادته ﴿منكم﴾ بدل من البشر ﴿أن يتقدّم﴾ أي : إلى الخير أو إلى الجنة بالإيمان ﴿أو يتأخر﴾ أي : إلى الشر أو النار بالكفر.
المدثر 74:38
﴿كل نفس﴾ أي : ذكر أو أنثى على العموم ﴿بما كسبت﴾ أي : خاصة لا ما كسب غيرها ﴿رهينة﴾ أي : مرهونة مأخوذة وليست بتأنيث رهين في قوله تعالى :﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ [الطور: ٢١] لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصفة لقيل : رهين، لأنّ فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن. ومنه بيت الحماسة :
أبعد الذي بالنعف تعف كويكب؍ رهينة رمس ذي تراب وجندل؍
كأنه قال : والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك.
المدثر 74:39
﴿إلا أصحاب اليمين﴾ وهم المؤمنون فإنهم فكوا رقابهم بإيمانهم وبما أحسنوا من أعمالهم وقيل : هم الملائكة، وروي عن علي أنهم أطفال المسلمين. وقال مقاتل رضي الله عنه : هم أهل الجنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق حين قال لهم الله : هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وعنه أيضاً : هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقال الحسن رضي الله عنه : هم المسلمون الخالصون. وقال القاسم : كل نفس مأخوذة بكسبها بخير أو شر إلا من اعتمد على الفضل، فكل من اعتمد على الكسب فهو رهين به، ومن اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ.
المدثر 74:40
ولما أخرجهم من حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه سببه استأنف بيان حالهم فقال تعالى :﴿في جنات﴾ أي : بساتين في غاية العظم لأنهم أطلقوا أنفسهم وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا ﴿يتساءلون﴾ أي : فيما بينهم يسأل بعضهم بعضاً أو يسألون غيرهم.
المدثر 74:41
﴿عن المجرمين﴾ أي : عن أحوالهم ويقولون لهم بعد إخراج الموحدين من النار :﴿ما سلككم في سقر﴾.
المدثر 74:42
﴿ما﴾ محتملة للاستفهام والتعجب والتوبيخ ﴿سلككم﴾ أي : أدخلكم أيها المجرمون إدخالاً هو في غاية الضيق حتى كأنكم السلك في الثقب، وقرأ السوسي بإدغام الكاف في الكاف والباقون بالإظهار ﴿في سقر﴾.
المدثر 74:43
فأجابوا بأن ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾ أي : صلاة يعتدّ بها فكان هذا تنبيهاً على أنّ رسوخ القدم في الصلاة مانع من مثل حالهم وعلى أنهم معاقبون على فروع الشريعة وإن كانت لا تصلح منهم، فلو فعلوها قبل الإيمان لم يعتدّ بها وعلى أنّ الصلاة أعظم الأعمال وأنّ الحسنات بها تقدّم على غيرها.
المدثر 74:44
﴿ولم نك نطعم المسكين﴾ أي : نعطيه ما يجب علينا إعطاؤه له.
المدثر 74:45
﴿وكنا نخوض﴾ أي : نوجد الكلام الذي هو في غير مواقعه ولا علم لنا به إيجاد المشي من الخائض في ماء غمر ﴿مع الخائضين﴾ بحيث صار لنا هذا وصفاً راسخاً، فنقول في القرآن : إنه سحر، وإنه شعر، وإنه كهانة، وغير هذا من الأباطيل لا نتورّع عن شيء من ذلك ولا نقف مع عقل ولا نرجع إلى صحيح نقل، فليأخذ الذين يبادرون إلى الكلام في كل ما يسألون عنه من أنواع العلم من غير تثبت منزلتهم من هنا.
المدثر 74:46
﴿وكنا نكذب﴾ أي : بحيث صار ذلك وصفاً ثابتاً ﴿بيوم الدين﴾ أي : بيوم البعث والجزاء.
المدثر 74:47
﴿حتى أتانا اليقين﴾ أي : الموت أو مقدّماته الذي قطعنا عن دار العمل. قال الله تعالى ﴿حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٩] فإن قيل : لم أخر التكذيب وهو أخس الخصال الأربع ؟ أجيب : بأنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذبين بيوم الدين، والغرض تعظيم الذنب كقوله تعالى :﴿كان من الذين آمنوا﴾.
المدثر 74:48
ولما أقرّوا على أنفسهم بما أوجب العذاب الدائم فكانوا ممن فسد مزاجه فتعذر علاجه سبب عنه قوله تعالى :﴿فما تنفعهم﴾ أي : في حال اتصافهم بهذه الصفات ﴿شفاعة الشافعين﴾ أي : لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثم شفاعة غير نافعة. كقوله تعالى :﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها ؛ لأنّ تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : يشفع نبيكم عليه الصلاة والسلام رابع أربعة جبرائيل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ثم الملائكة ثم النبيون ثم الصدّيقون ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم يقال لهم ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ إلى قوله تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:49
﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ أي : فما لأهل مكة قد أعرضوا وولوا عن القرآن قال مقاتل رضي الله عنه : معرضين عن القرآن من وجهين : أحدهما : الجحود والإنكار، والثاني : ترك العمل بما فيه، وقيل : المراد بالتذكرة العظة بالقرآن وغيره من المواعظ ومعرضين حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن ما الاستفهامية، ومثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة، وعن التذكرة متعلق به، أي : أيّ شيء حصل لهم في إعراضهم عن الاتعاظ.
المدثر 74:50
﴿كأنهم﴾ في إعراضهم عن التذكرة من شدة النفر ﴿حمر﴾ أي : من حمر الوحش وهي أشد الأشياء نفاراً، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل بسرعة السير بالحمر في عدوها إذا وردت ماء فأحست بما يريبها ﴿مستنفرة﴾ أي : موجدة للنفار بغاية الرغبة حتى كأنها تطلبه من أنفسها لأنه شأنها وطبعها، وقرأ ابن عامر ونافع بفتح الفاء على أنه اسم مفعول أي : نفرها القناص والباقون بكسرها بمعنى نافرة.
المدثر 74:51
﴿فرّت من قسورة﴾ قال مجاهد رضي الله عنه : هي جماعة الرماة الذين يتصيدونها لا واحد له من لفظه، وهي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : هو القناص، وعن زيد بن أسلم : فريق من رجال أقوياء. وكل ضخم شديد عند العرب قسور وقسورة، وعن أبي المتوكل هي لغط القوم وأصواتهم. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال : حبال الصيادين. وقال أبو هريرة رضي الله عنه : هي الأسد، وهو قول عطاء والكلبي، وذلك أن الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن هربوا، وعن عكرمة رضي الله عنه ظلمة الليل ويقال لسواد الليل قسورة، وفي تشبيههم بالحمر مذمّة ظاهرة وتهجين لحالهم بين كما في قوله تعالى ﴿كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾ [الجمعة: ٥] شهادة عليهم بالبله وقلة العقل.
المدثر 74:52
ولما كان الجواب قطعاً لا شيء لهم في إعراضهم هذا أضرب عنه بقوله تعالى :﴿بل يريد﴾ أي : على دعواهم في زعمهم ﴿كل امرئ منهم﴾ أي : المعرضين من ادّعائة الكمال في المروءة ﴿أن يؤتى﴾ أي : من السماء ﴿صحفاً﴾ أي : قراطيس مكتوبة ﴿منشرة﴾ أي : مفتوحة، وذلك أنّ أبا جهل وجماعة من قريش قالوا : يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه : من ربّ العالمين إلى فلان بن فلان ونؤمر فيه باتباعك ونظيره ﴿لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه﴾ [الإسراء: ٩٣] وعن ابن عباس رضي الله عنهما كانوا يقولون : إن كان محمد صادقاً ليصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة فيها براءته من النار. وقال الكلبي رضي الله عنه : إن المشركين قالوا : يا محمد بلغنا أنّ الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوباً عند رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك. وقالوا : إذا كانت ذنوب الإنسان تكتب عليه، فما لنا لا نرى ذلك. قال البغوي : والصحف جمع الصحيفة ومنشرة منشورة.
المدثر 74:53
قال الله تعالى :﴿كلا﴾ أي : لا يؤتون الصحف. وقيل : حقاً قال البغوي : وكل ما ورد عليك منه فهذا وجهه. قال ابن عادل : والأول أجود لأنه ردّ لقولهم. ثم بين تعالى سبب إعراضهم بقوله تعالى :﴿بل لا يخافون﴾ أي : في زمن من الأزمان ﴿الآخرة﴾ فهذا هو السبب في إعراضهم.
المدثر 74:54
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ استفتاح قاله الجلال المحلي. وقال البيضاوي : ردع عن إعراضهم. وقال البغوي وتبعه ابن عادل : حقاً ﴿إنه﴾ أي : القرآن ﴿تذكرة﴾ أي : عظيمة توجب إيجاباً عظيماً اتباعه وعدم الانفكاك عنه بوجه، فليس لأحد أن يقول : أنا مغرور لم أجد مذكراً ولا معرّفاً فإنّ عنده أعظم مذكر وأشرف معرّف.
المدثر 74:55
﴿فمن شاء﴾ أي : أن يذكره ﴿ذكره﴾ أي : اتعظ به وجعله نصب عينيه وعلم معناه وتخلق به فمن فعل ذلك سهل عليه لفظه وبعض معانيه فإنه كالبحر الفرات فمن شاء اغترف.
المدثر 74:56
﴿وما يذكرون﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿إلا أن يشاء الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه ذكرهم أو مشيئتهم كقوله تعالى :﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠] وهو تصريح بأنّ فعل العبد بمشيئة الله تعالى. وقرأ نافع بتاء الخطاب وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون بياء الغيبة حملاً على ما تقدم من قوله تعالى :﴿كل امرئ﴾.
﴿هو﴾ أي : الله سبحانه وتعالى وحده ﴿أهل التقوى﴾ أي : أن يتقيه عباده ويحذروا غضبه بكل ما تصل قدرهم إليه لما له من الجلال والعظمة والقهر. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة وأبو عمرو بين بين، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ﴿وأهل المغفرة﴾ أي : وحقيق أن يطلب غفرانه للذنوب لاسيما إذا اتقاه المذنب ؛ لأنّ له الجمال واللطف وهو القادر ولا قدرة لغيره فلا ينفعه شيء ولا يضرّه روى الترمذي وأحمد والحاكم عن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية :﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ يقول الله تعالى :«أنا أهل أن أتقى فمن اتقى أن يشرك بي غيري فأنا أهل أن أغفر له » ووقف الكسائي على ﴿أهل المغفرة﴾ بالإمالة على أصله وورش بترقيق الراء وقفاً ووصلاً على أصله.
القيامة 75:1
واختلف في لا في قوله تعالى :﴿لا أقسم﴾ على أوجه :
أحدها : أنها نافية لكلام المشركين المنكرين للبعث أي : ليس الأمر كما زعموا ثم ابتدأ أقسم ﴿بيوم القيامة﴾ قال القرطبي : إن القرآن جاء بالردّ على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردّ عليهم كقولك : لا والله لا أفعل فلا ردّ لكلام قد مضى كقولك : لا والله إن القيامة لحق كأنك أكذبت قوماً أنكروه.
الثاني : أنها مزيدة مثلها في ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩].
واعترضوا هذا بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوّله. وأجيب : بأنّ القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض يدل على ذلك أنه قد يجيء ذكر الشيء في سورة ويذكر جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى :﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ [الحجر: ٦] وجوابه في سورة أخرى ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ [القلم: ٢] وإذا كان كذلك كان أوّل هذه السورة جارياً مجرى الوسط، وردّ هذا بأنّ القرآن في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض لا أن تقرن سورة بما بعدها، فذلك غير جائز.
الثالث : قال الزمخشري : إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم، قال امرؤ القيس :
لا وأبيك ابنة العامريّ؍ لا يدّعي القوم أني أفر؍
وفائدتها : توكيد القسم، ثم قال الزمخشري بعد أن ذكر وجه الزيادة والاعتراض : والجواب كما تقدّم والوجه أن يقال : هي للنفي، والمعنى في ذلك : أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له يدل عليه قوله تعالى :﴿فلا أقسم بمواقع النجوم ٧٥ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ [ الجمعة : ٧٥ ٧٦ ] فكأنه بإدخال حرف النفي يقول : إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك. قال بعضهم : قول الزمخشري : والوجه أن يقال إلى آخره تقرير لقوله : إدخال لا النافية فيه على فعل القسم مستفيض إلى آخره. وحاصل كلامه يرجع إلى أنها نافية وأنّ النفي متسلط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه نفع لفظاً ولا معنى، وقرأ ابن كثير بخلاف عن البزي بغير ألف بعد اللام والهمزة مضمومة والباقون بالألف ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر وعن قراءة الباقين بالمدّ.
القيامة 75:2
ولا خلاف في قوله تعالى :﴿ولا أقسم بالنفس اللوامّة﴾ في المدّ والكلام في لا المتقدّمة وجرى الجلال المحلي على أنها زائدة في الموضعين. واختلف في النفس اللوامّة فقيل : هي نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه تقول : ما أردت بكذا ولا تراه يعاتب إلا نفسه. وقال الحسن رضي الله عنه : هي والله نفس المؤمن ما ترى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكلامي ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي، والفاجر لا يحاسب نفسه. وقال مجاهد رضي الله عنه : هي التي تلوم على ما فات، فتلوم نفسها على الشرّ لم فعلته، وعلى الخير لم لا تستكثر منه، وقيل : تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها. وقيل : المراد آدم عليه السلام لم يزل لائماً نفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة. وقيل : هي الملومة فتكون صفة ذمّ وهو قول من نفى أن تكون قسماً، وعلى الأوّل صفة مدح فيكون القسم بها سائغاً. وقال مقاتل رضي الله عنه : هي نفس الكافر يلوم نفسه تحسراً في الآخرة على ما فرّط في جنب الله تعالى.
القيامة 75:3
وجواب القسم محذوف أي : لتبعثنّ دل عليه قوله تعالى :﴿أيحسب الإنسان﴾ أي : هذا النوع الذي جبل على الأنس بنفسه والنظر في عطفيه وأسند الفعل إلى النوع كله ؛ لأنّ أكثرهم كذلك لغلبة الحظوظ على العقل إلا من عصم الله تعالى، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بكسرها ﴿ألن﴾ أي : أنا لا ﴿نجمع﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿عظامه﴾ أي : التي هي قالب بدنه فنعيدها كما كانت بعد تمزقها وتفتتها للبعث والحساب.
وقيل : نزلت في عدي بن ربيعة حليف بني زهرة خال الأخنس بن شريق الثقفي وذلك أن عدياً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد حدّثني عن القيامة متى تقوم ؟ وكيف أمرها وحالها ؟ فأخبره النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن بك، أَوَ يجمع الله العظام بعد تفرّقها ورجوعها رميماً ورفاتاً مختلطاً بالتراب وبعد ما نسفتها الرياح وطيرتها في أباعد الأرض ولهذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول :«اللهمّ اكفني جاري السوء عدي بن ربيعة والأخنس بن شريق » وقيل : نزلت في عدوّ الله أبي جهل أنكر البعث بعد الموت وذكر العظام، والمراد نفسه كلها لأنّ العظام قالب الخلق.
تنبيه : ألن هنا موصولة وليس بين الهمزة واللام نون في الرسم كما ترى.
القيامة 75:4
وقوله تعالى :﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام وهو وقف حسن، ثم يبتدئ بقوله تعالى :﴿قادرين﴾ وقيل : المعنى : بل نجمعها قادرين مع جمعها ﴿على أن نسوي بنانه﴾ أي : أصابعه وسلامياته وهي عظامه الصغار التي في يده، خصها بالذكر لأنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه أي : نجمع بعضها على بعض على ما كانت عليه قبل الموت لأنا قدرنا على تفصيل عظامه وتفتيتها، فنقدر على جمعها وتوصيلها، وقدرنا على جمع صغار العظام فنحن على جمع كبارها أقدر، وقال ابن عباس وأكثر المفسرين : على أن نسوي بنانه أي : نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخف البعير أو كحافر الحمار أو كظلف الخنزير، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئاً، ولكنا فرّقنا أصابعه حتى يفعل بها ما شاء. وقيل : نقدر أن نصير الإنسان في هيئة البهائم فكيف في صورته التي كان عليها وهو كقوله تعالى :﴿وما نحن بمسبوقين ٦٠ على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون﴾ [ الواقعة : ٦٠ ٦١ ].
القيامة 75:5
وقوله تعالى :﴿بل يريد الإنسان﴾ عطف على أيحسب فيجوز أن يكون استفهاماً وأن يكون جواباً لجواز أن يكون الإضراب عن المستفهم وعن الاستفهام ﴿ليفجر أمامه﴾ أي : ليدوم على فجوره فيما يستقبله من زمان لا يبرح عنه ولا يتوب، هذا قول مجاهد رضي الله عنه. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : يقدّم الذنب ويؤخر التوبة، فيقول : سوف أتوب سوف أعمل حتى يأتيه الموت على أشرّ أحواله وأسوأ أعماله. وقال الضحاك رضي الله عنه : هو الأجل يقول : أعيش فأصيب من الدنيا كذا وكذا ولا يذكر الموت. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يكذب بما أمامه من البعث والحساب، وأصل الفجور الميل وسمي الكافر والفاسق فاجراً لميله عن الحق.
القيامة 75:6
﴿يسأل﴾ أي : سؤال استهزاء أو استبعاد ﴿أيان﴾ أي : أي وقت يكون ﴿يوم القيامة﴾.
القيامة 75:7
ولما كان الجواب يوم يكون كذا وكذا عدل عنه إلى ما سبب عن استبعاده لأنه أهول فقال تعالى ﴿فإذا برق البصر﴾ أي : شخص ووقف لما يرى مما كان يكذب به هذا على قراءة نافع بفتح الراء وأما على قراءة كسرها فالمعنى : تحير ودهش مما يرى وقيل : هما لغتان في التحير والدهشة.
القيامة 75:8
﴿وخسف القمر﴾ أي : أظلم وذهب ضوءه، وقد اشتهر أنّ الخسوف للقمر والكسوف للشمس. وقيل : يكونان فيهما، يقال : خسفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف. وقيل : الكسوف أوّله والخسوف آخره.
القيامة 75:9
ولم تلحق علامة التأنيث في قوله تعالى ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ لأنّ التأنيث مجازي، وقيل : لتغليب التذكير، وردّ لأنه لا يقال : قام هند وزيد عند الجمهور من العرب. وقال الكسائي : حمل على جمع النيران. وقال الفرّاء : لم يقل جمعت لأنّ المعنى : جمع بينهما قال الفرّاء والزجاج : جمع بينهما في ذهاب ضوئهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه. وقال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم : قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوّرين مظلمين مقرّنين كأنهما ثوران عقيران في النار، وقال عطاء بن يسار رضي الله عنه : يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى، وقيل : يجمعان في نار جهنم لأنهما قد عبدا من دون الله تعالى ولا تكون النار عذاباً لهما، لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
القيامة 75:10
وقوله تعالى :﴿يقول الإنسان﴾ أي : لشدّة روعه جرياً مع طبعه جواب إذا من قوله تعالى ﴿فإذا برق البصر﴾. ﴿يومئذ﴾ أي : إذا كانت هذه الأشياء، وقوله تعالى :﴿أين المفرّ﴾ منصوب المحل بالقول والمفرّ مصدر بمعنى الفرار. قال الماوردي : ويحتمل وجهين : أحدهما : أين المفرّ من الله تعالى استحياء منه. والثاني : أين المفرّ من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين : أحدهما : أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه تعالى. والثاني : أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها. وقيل : أبو جهل خاصة.
القيامة 75:11
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع عن طلب المفرّ ﴿لا وزر﴾ أي : لا ملجأ ولا حصن استعير من الجبل. قال السدّي : كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال، فقال الله تعالى لهم : لا وزر يعصمكم مني يومئذ واشتقاقه من الوزر وهو الثقل.
القيامة 75:12
﴿إلى ربك﴾ أي : المحسن إليك بأنواع الإحسان لا إلى شيء غيره ﴿يومئذ﴾ أي : إذ كانت هذه الأمور ﴿المستقر﴾ أي : استقرار الخلق كلهم ناطقهم وصامتهم ومكان قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ظاهراً وباطناً لا حكم لغيره بوجه من الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في الدنيا. وقال ابن مسعود : المصير والمرجع، قال الله تعالى ﴿إلى ربك الرجعى﴾ [العلق: ٨] و﴿إليه المصير﴾ [المائدة: ١٨] وقال السدّي : المنتهى، نظيره ﴿وأنّ إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢].
القيامة 75:13
﴿ينبأ﴾ أي : يخبر تخبيراً عظيماً ﴿الإنسان يومئذ﴾ أي : إذا كان الزلزال الأكبر ﴿بما قدّم﴾ قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم : بما قدّم قبل موته من عمل صالح وسيء ﴿وأخر﴾ بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها. وقال ابن عطية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بما قدّم من المعصية وأخر من الطاعة، وقال قتادة : بما قدم من طاعة الله وأخر من حق الله فضيعه. وقال مجاهد : بأوّل عمله وآخره. وقال عطاء : بما قدم في أوّل عمره وما أخر في آخر عمره. وقال يزيد بن أسلم : بما قدّم من أموال نفسه وما أخر خلفة للورثة، والأولى أن يقال ينبأ بجميع ذلك إذ لا منافاة بين هذه الأقوال.
القيامة 75:14
﴿بل الإنسان﴾ أي : كل واحد من هذا النوع ﴿على نفسه﴾ أي : خاصة ﴿بصيرة﴾ أي : حجة بينة على أعماله والهاء للمبالغة يعني : أنه في غاية المعرفة بأحوال نفسه، فيشهد عليه بعمله سمعه وبصره وجوارحه قال الله تعالى :﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء: ١٤]. قال البغوي : ويحتمل أن يكون معناه : بل للإنسان على نفسه يعني جوارحه، فحذف حرف الجر كقوله تعالى :﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم﴾ [البقرة: ٣٣]
أي : لأولادكم، ويجوز أن يكون نعتاً لاسم مؤنث أي : بل الإنسان على نفسه عين بصيرة.
القيامة 75:15
﴿ولو ألقى﴾ أي : ذكر بغاية السرعة ذلك الإنسان من غير تلعثم دلالة على غاية الصدق والاهتمام والتملق. وقوله تعالى :﴿معاذيره﴾ جمع معذرة على غير قياس قاله الجلال المحلي. أي : لو جاء بكل معذرة ما قبلت منه. وقال الزمخشريّ : المعاذير ليس بجمع معذرة، وإنما هو اسم جمع لها ونحوه المناكير في المنكر ا. ه. قال أبو حيان : وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع وإنما هو من أبنية جموع التكسير ا. ه. وقيل : معاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى : ولو أرخى ستوره والمعاذير الستور بلغة اليمن قاله الضحاك. وحكى الماورديّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :﴿ولو ألقى معاذيره﴾ أي : ولو تجرّد من ثيابه.
القيامة 75:16
ولما كان صلى الله عليه وسلم إذا لقن الوحي نازع جبريل عليه السلام القراءة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفاً من أن ينفلت منه أمره الله تعالى بأن ينصت له ملقياً إليه بقلبه وسمعه حتى يقضي الله تعالى وحيه ثم يعقبه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه بقوله تعالى :﴿لا تحرك به﴾ أي : بالقرآن ﴿لسانك﴾ ما دام جبريل عليه السلام يقرؤه ﴿لتعجل به﴾ أي : لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك، فإنّ هذه العجلة وإن كانت من الكمالات بالنسبة إليك وإلى إخوانك من الأنبياء عليهم السلام كما قال موسى عليه السلام :﴿وعجلت إليك ربّ لترضى﴾ [طه: ٨٤] نقل صلى الله عليه وسلم من مقام كامل إلى أكمل منه.
القيامة 75:17
ثم علل النهي عن العجلة بقوله تعالى :﴿إنّ علينا﴾ أي : بما لنا من العظمة لا على أحد سوانا ﴿جمعه﴾ أي : في صدرك حتى تثبته وتحفظه ﴿وقرآنه﴾ أي : قراءتك إياه يعني جريانه على لسانك.
القيامة 75:18
﴿فإذا قرأناه﴾ عليك بقراءة جبريل عليه السلام ﴿فاتبع﴾ أي : بغاية جهدك بإلقاء سمعك وإحضار قلبك ﴿قرآنه﴾ أي : قراءته مجموعة على حسب ما أداه رسولنا وجمعناه لك في صدرك، وكرر تلاوته حتى يصير لك به ملكة عظيمة، ويصير لك خلقاً، فيكون قائدك إلى كل خير. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى :﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ قال :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يعرف منه فأنزل الله تعالى الآية التي في لا أقسم بيوم القيامة ﴿لا تحرّك به لسانك﴾ الآية، فكان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق. فإذا ذهب قرأه كما وعده الله تعالى » قال سعيد بن جبير : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما فأنزل الله عز وجل الآية.
القيامة 75:19
﴿ثم إن علينا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿بيانه﴾ أي : بيان ألفاظه ومعانيه لك سواء أسمعته من جبريل عليه السلام على مثل صلصلة الجرس أم بكلام الناس المعتاد بالصوت والحروف، ولغيرك على لسانك وعلى ألسنة العلماء من أمّتك، والآية مشيرة إلى ترك مطلق العجلة ؛ لأنه إذا نهى عنها في أعظم الأشياء وأهمها كان غيره بطريق الأولى، والمناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنّ تلك تضمنت الإعراض عن آيات الله تعالى، وهذه تضمنت المبادرة إليها بحفظها.
القيامة 75:20
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ استفتاح بمعنى : ألا. وقال الزمخشري : ردع للنبيّ صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة، وقال جماعة من المفسرين : حقاً، والأوّل جرى عليه الجلال المحلي وهو أظهر. ﴿بل يحبون﴾ متجدّدة على تجدد الزمان ﴿العاجلة﴾ بدليل أنهم يقبلون غاية الإقبال عليها وحبها أوجب لهم ارتكاب ما يعلمون قبحه، فإنّ الآخرة والأولى ضرتان من تقرب من أحدهما لا بدّ من تباعده عن الأخرى، فإن حبك للشيء يعمي ويصم.
القيامة 75:21
﴿ويذرون﴾ أي : يتركون على أي وجه كان ولو أنه غير مستحسن ﴿الآخرة﴾ لأنهم يبغضونها لارتكابهم ما يضرّهم فيها وجمع الضمير وإن كان مبنى الخطاب مع الإنسان للمعنى. وقرأ ﴿يحبون﴾ و﴿يذرون﴾ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بياء الغيبة فيهما حملاً على لفظ الإنسان المذكور أوّلاً ؛ لأنّ المراد به الجنس، لأنّ الإنسان بمعنى الناس والباقون بتاء الخطاب فيهما إما خطاباً لكفار قريش أي : تحبون يا كفار قريش العاجلة أي : الدار الدنيا والجاه فيها وتتركون الآخرة والعمل لها، وإما التفاتاً عن الإخبار عن الجنس المتقدّم والإقبال عليه بالخطاب.
القيامة 75:22
ولما ذكر تعالى الآخرة التي أعرضوا عنها ذكر ما يكون فيها بياناً لجهلهم وسفههم وقلة عقولهم وترهيباً لمن أدبر عنها وترغيباً لمن أقبل عليها لطفاً بهم ورحمة لهم فقال تعالى :﴿وجوه﴾ أي : من المحشورين وهم جميع الخلائق ﴿يومئذ﴾ أي : إذ تقوم الساعة ﴿ناضرة﴾ من النضرة بالضاد وهي النعمة والرفاهية أي : هي بهية مشرقة عليها أثر النعمة بحيث يدل ذلك على نعمة أصحابها.
القيامة 75:23
﴿إلى ربها﴾ أي : المحسن إليها خاصة باعتبار أن عد النظر إلى غيره كلا نظر ﴿ناظرة﴾ أي : دائماً هم محدقون أبصارهم لا غفلة لهم عن ذلك، فإذا رفع الحجاب عنهم أبصروه بأعينهم بدليل التعدّي بإلى، وذلك النظر جهرة من غير اكتتام ولا تضامّ ولا زحام كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وأكثر المفسرين، وجميع أهل السنة، وروي عن النبيّ عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة من وجوه كثيرة بحيث اشتهر غاية الشهرة، وتكون الرؤية كما مثلت في الأحاديث كما يرى القمر ليلة البدر أي : كل من يريد رؤيته من بيته يراه مجلياً له، هذا وجه الشبه، لا أنه في جهة ولا في حالة لها شبيه تعالى الله الكريم عن التشبيه.
فمن تلك الأحاديث ما روي عن جرير بن عبد الله قال :«خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال صلى الله عليه وسلم إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ » [طه: ١٣٠].
وفي كتاب النسائي عن وهب قال :«ينكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئاً أحبّ إليهم من النظر ولا أقر لأعينهم ».
وعن جابر قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجلى ربنا عز وجل حتى ننظر إلى وجهه فيخرون له سجداً فيقول تعالى : ارفعوا رؤوسكم، فليس هذا يوم عبادة ».
وقدم الجارّ الدال على الاختصاص إشارة إلى أنّ هذا النظر مباين للنظر إلى غيره، فلا يعد ذلك نظراً بالنسبة إليه وعبر بالوجوه عن أصحابها ؛ لأنها أدل ما يكون على السرور، وليكون ذكرها أصرح في أنّ المراد بالنظر حقيقته.
روى مسلم في قوله تعالى :﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] كان ابن عمر يقول : أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم تلا هذه الآية.
وأنكر الرؤية المعتزلة، واحتجوا بقوله تعالى :﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] ويقولون : النظر المقرون بإلى ليس اسماً للرؤية بل لمقدّمة الرؤية وهي تقليب الحدقة نحو المرئيّ التماساً لرؤيته ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع، ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ [الأعراف: ١٩٨] فأثبت النظر حال عدم الرؤية، فتكون الرؤية غاية النظر وأنّ النظر يحصل والرؤية غير حاصلة. قالوا : ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى :﴿ناظرة﴾ منتظرة كقولك أنا أنظر إليك في حاجتي.
وأجيب عن استدلالهم بقوله تعالى :﴿لا تدركه الأبصار﴾ بأن لا تدركه بالإحاطة والجهة فلا يكون ذلك مانعاً للرؤية على هذا الوجه وعن بقية استدلالهم بما ذكروه بجوابين :
أحدهما : أن نقول : النظر هو الرؤية لقول موسى عليه السلام ﴿أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣] فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإراءة فلا يكون تقليب الحدقة.
الجواب الثاني : سلمنا ما ذكرتموه من أنّ النظر تقليب الحدقة تعذر حمله على الحقيقة فيجب حمله على الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة ؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار.
وأمّا قولهم بحمله على الانتظار فأجيب عنه أيضاً بأن الذي هو بمعنى الانتظار في القرآن غير مقرون بإلى، كقوله تعالى :﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الحديد: ١٣] والذي ندعيه أن النظر المقرون بإلى ليس إلا بمعنى الرؤية ؛ لأنّ وروده بمعنى الرؤية ظاهرة فلا يكون بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك.
القيامة 75:24
ولما ذكر تعالى أهل النعمة أتبعه أضدادهم من أهل النقمة فقال سبحانه وتعالى :
﴿ووجوه يومئذ﴾ أي : في ذلك اليوم بعينه ﴿باسرة﴾ أي : شديدة العبوس والكلوح والتكره لما هي فيه من الغم كأنها قد غرقت فيه. وقال السدي :﴿باسرة﴾ متغيرة.
القيامة 75:25
﴿تظن﴾ أي : يتوقع أربابها بما ترى من المخايل ﴿أن يفعل بها﴾ أي : بهم فإنه إذا أصيب الوجه الذي هو أشرف ما في الجملة كان ما عداه أولى ﴿فاقرة﴾ وهي الداهية العظيمة، قال أبو عبيدة : سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر يقال : فقرته الفاقرة أي : كسرت فقار ظهره ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القل. وقال قتادة : الفاقرة الشر، وقال السدي : الهلاك. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : دخول النار. وقال الكلبي : هي أن تحجب عن رؤية الربّ عز وجل.
القيامة 75:26
وقوله تعالى :﴿كلا﴾ ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة قاله البيضاوي تبعاً للزمخشري، وزاد الزمخشري كأنه قيل : ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا إلى ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم وتنقلبون إلى الآجلة التي تبقوا فيها مخلدين ﴿إذا بلغت﴾ النفس ﴿التراقي﴾ وأضمر النفس وإن لم يجر لها ذكر ؛ لأنّ الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها كما قال حاتم :
أماويّ ما يغني الثراء عن الغنى؍ إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر؍
وتقول العرب : أرسلت، يريدون جاء المطر، ولا تكاد تسمعهم يذكرون السماء. والتراقي : جمع ترقوة وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال، ولكل إنسان ترقوتان. قال البقاعي : ولعله جمع المثنى إشارة إلى شدة انتشارها بغاية الجهد لما فيه من الكرب لاجتماعها من أقاصي البدن إلى هناك ا. ه. وهذا كناية عن الإشفاء على الموت ذكرهم صعوبة الموت وهو أول مراحل الآخرة حين تبلغ الروح التراقي ودنا زهوقها.
القيامة 75:27
﴿وقيل﴾ أي : قال حاضر وصاحبها وهو المحتضر بعضهم لبعض ﴿من راق﴾ أي : أيكم يرقيه مما به ليحصل له الشفاء. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو من كلام ملائكة الموت، أي : أيكم يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، فالأول اسم فاعل من رقى يرقى بمعنى الرقية بالفتح في الماضي والكسر في المضارع. والثاني : الذي بمعنى الصعود بالكسر في الماضي والفتح في المضارع.
القيامة 75:28
﴿وظن﴾ أي : أيقن المحتضر لما لاح له من أنوار الآخرة، وقيل : القائل من راق من أهله ﴿أنه﴾ أي : الشأن العظيم الذي هو فيه ﴿الفراق﴾ لما كان أي : فيه من محبوب العاجلة الذي هو الفراق الأعظم الذي لا فراق مثله، ففي الخبر إن العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول : السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة، وسمي اليقين هنا بالظن لأنّ الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه، فإنه يطمع في الحياة لشدّة حبه لهذه الحياة العاجلة ولا ينقطع رجاؤه عنها، أو أنّ المراد الظن الغالب إذ لا يحصل يقين الموت مع رجاء الحياة. وقيل : سماه بالظن تهكماً قال الرازي : وهذه الآية تدل على أن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد موت البدن لأنه تعالى سمى الموت فراقاً، والفراق إنما يكون إذا كانت الروح باقية، فإنّ الفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف.
القيامة 75:29
﴿والتفت الساق بالساق﴾ أي : اجتمعت إحداهما بالأخرى إذ الالتفاف الاجتماع، قال تعالى :﴿جئنا بكم لفيفاً﴾ [الإسراء: ١٠٤] ومعنى الكلام اتصلت شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن وغيرهما. وقال الشعبي : التفت ساق الإنسان عند الموت من شدة الكرب. قال قتادة : أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب برجله على الأخرى، وقال سعيد بن المسيب : هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن. وقال زيد بن أسلم : التفت ساق الكفن بساق الميت. وقال الضحاك : الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه. وقال السدي : لا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه، وأول الأقوال كما قال النحاس : أحسنها، والعرب لا تذكر الساق إلا في الشدائد والمحن العظام، ومنه قولهم قامت الحرب على ساق، قال أهل المعاني : لأنّ الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن ساقيه، فقيل للأمر الشديد : ساق. قال الجعدي :
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها؍ وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا؍
القيامة 75:30
ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها ذكر غاية ذلك، فقال تعالى مفرداً النبيّ صلى الله عليه وسلم بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه غيره ﴿إلى ربك﴾ أي : المحسن إليك بجميع ما أنت فيه ﴿يومئذ﴾ أي : إذ وقع هذا الأمر ﴿المساق﴾ أي : السوق إلى حكمه تعالى فقد انقطعت عنه أحكام الدنيا فإما أن تسوقه الملائكة إلى سعادة وإمّا إلى شقاوة.
القيامة 75:31
والضمير في قوله تعالى :﴿فلا صدّق﴾ راجع للإنسان المذكور في ﴿أيحسب الإنسان﴾ أي : فلا صدّق النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما أخبره به بما كان يعمل من الأعمال الخبيثة ولا في ماله بالإنفاق في وجوه الخير التي ندب إليها واجبة كانت أو مندوبة. وحذف المعمول لأنه أبلغ في التعميم.
﴿ولا صلى﴾ أي : ما أمر به من فرض وغيره فلا تمسك بحبل الخالق ولا وصل حبل الخلائق، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لم يصدق بالرسالة ولا صلى، أي : دعا لربه عز وجلّ وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال قتادة : فلا صدق بكتاب الله تعالى ولا صلى لله جل ذكره.
القيامة 75:32
﴿ولكن﴾ أي : فعل ضد ما أمر به بأن ﴿كذب﴾ أي : بما أتاه به النبيّ صلى الله عليه وسلم من قرآن وغيره ﴿وتولى﴾ أي : أعرض عنه وهذا الاستدراك واضح إذ لا يلزم من نفي التصديق والصلاة التكذيب والتولي. وقال القرطبي : معناه : كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان. وقيل : نزلت في أبي جهل.
القيامة 75:33
﴿ثم ذهب﴾ أي : هذا الإنسان أو أبو جهل ﴿إلى أهله﴾ غير متفكر في عاقبة ما فعل من التكذيب حالة كونه ﴿يتمطى﴾ أي : يتبختر افتخاراً بتكذيبه وإعراضه وعدم مبالاته بذلك وأصله يتمطط أي : يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، وإنما أبدلت الطاء الثانية ياء كراهة اجتماع الأمثال، وقيل : هو من المطا وهو الظهر لأنه يلويه تبختراً في مشيته.
القيامة 75:34
وقوله تعالى :﴿أولى لك﴾ فيه التفات من الغيبة والكلمة اسم فعل واللام للتبيين أي : وليك ما تكره ﴿فأولى﴾ أي : فهو أولى بك من غيرك.
القيامة 75:35
وقوله تعالى :﴿ثم أولى لك فأولى﴾ تأكيد وقيل : هذه الكلمة تقولها العرب لمن قاربه المكروه، وأصلها من الولي وهو القرب. قال الله تعالى :﴿قاتلوا الذين يلونكم﴾ [التوبة: ١٢٣] وقال قتادة : ذكر لنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية «أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء، وقال له :﴿أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى﴾ فقال أبو جهل : أتوعدني يا محمد فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً، وإني والله لأعز من مشى بين جبليها ». فلما كان يوم بدر صرعه الله شر مصرع وقتله أسوأ قتلة، قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول :«لكل أمة فرعون، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل ».
القيامة 75:36
﴿أيحسب﴾ أي : يجوّز لقلة عقله ﴿الإنسان﴾ أي : الذي هو عبد مربوب ضعيف عاجز محتاج بما يرى من نفسه وأبناء جنسه ﴿أن يترك﴾ أي : يكون تركه بالكلية ﴿سدى﴾ أي : هملاً لاغياً لا يكلف ولا يجازى ولا يعرض على الملك الأعظم الذي خلقه فيسأله عن شكره فيما أسدى إليه، فإنّ ذلك مناف للحكمة فإنها تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن المساوئ والجزاء على كل منهما، وأكثر الظالمين والمظلومين يموتون من غير جزاء فاقتضت الحكمة أنه لا بدّ من البعث للجزاء.
القيامة 75:37
﴿ألم يك﴾ أي : الإنسان ﴿نطفة﴾ أي : شيئاً يسيراً ﴿من منيَ﴾ أي : ماء من صلب الرجل وترائب المرأة ﴿يمنى﴾ أي : تصب في الرحم سبب الله تعالى للإنسان المعالجة في إخراجها بما ركب فيه من الشهوة، وجعل له من الزوج التي يسرها لقضاء وطره حتى إنّ وقت صبها في الرحم تصب منه بغير اختياره حتى كأنه لا فعل له فيها أصلاً.
فإن قيل : ما فائدة ﴿يمنى﴾ بعد قوله تعالى :﴿من منيَ﴾ ؟ أجيب : بأن فيه إشارة إلى حقارة حاله كأنه قيل : إنه مخلوق من المني الذي يجري على مجرى النجاسة فلا يليق بمثل هذا أن يتمرد عن طاعة الله تعالى إلا أنه عبر عن هذا المعنى على سبيل الرمز كما في قوله تعالى في عيسى عليه السلام وأمه مريم ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ [المائدة: ٧٥] والمراد منه قضاء الحاجة.
القيامة 75:38
﴿ثم كان﴾ أي : كوناً محكماً ﴿علقة﴾ أي : دماً أحمر غليظاً شديد الحمرة والغلظ ﴿فخلق﴾ أي : قدر سبحانه عقب ذلك لحمه وعظامه وعصبه وغير ذلك من جواهره وأعراضه ﴿فسوى﴾ أي : عدّل من ذلك خلقاً آخر غاية التعديل شخصاً مستقلاً.
القيامة 75:39
﴿فجعل﴾ أي : بسبب النطفة ﴿منه﴾ أي : من المنيّ الذي صار علقة، أي : قطعة دم ثم مضغة أي : قطعة لحم ﴿الزوجين﴾ أي : النوعين ﴿الذكر والأنثى﴾ يجتمعان تارة وينفرد كل منهما عن الآخر تارة. قال القرطبيّ : وقد احتج بهذه الآية من رأى إسقاط الخنثى، وأجيب بأن هذه الآية وقرينتها خرجت مخرج الغالب أو أنه في نفس الأمر ذكر أو أنثى.
القيامة 75:40
﴿أليس ذلك﴾ أي : الخالق المسوي الإله الأعظم الذي قدر على تمييز ما يصلح من ذلك للذكر وما يصلح منه للأنثى ﴿بقادر على أن يحيي الموتى﴾ أي : أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها للبعث بعد البلى. «روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال : سبحانك اللهم بلى » رواه أبو داود والحاكم، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : من قرأ سبح اسم ربك الأعلى إماماً كان أو غيره فليقل سبحان ربي الأعلى ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة إلى آخرها فليقل سبحانك اللهم بلى إماماً كان أو غيره. وروى البغوي بسنده من طريق أبي داود عن أعرابيَ عن أبي هريرة قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ [التين: ٨] فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ فليقل : بلى، ومن قرأ والمرسلات فبلغ ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ [المرسلات: ٥٠] فليقل : آمنا بالله ». وروي أنّ رجلاً كان يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ قال : سبحانك اللهم بلى، فسألوه عن ذلك فقال : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الإنسان 76:1
ولما تم الاستدلال على البعث والقدرة عليه تلاه بهذا الاستفهام وهو قوله تعالى :﴿هل أتى﴾ قال الزمخشري : بمعنى قد في الاستفهام خاصة والأصل أهل بدليل قول الشاعر :
سائل فوارس يربوع بثدتنا؍ أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؍
فالمعنى : أقد أتى على التقرير والتقريب جميعاً أي : أتى ﴿على الإنسان﴾ قبل زمان قريب ﴿حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ أي : كان شيئاً منسياً غير مذكور نطفة في الأصلاب اه. فقوله على التقرير يعني المفهوم من الاستفهام، وقوله : والتقريب يعني المفهوم من قد التي وقع موقعها هل، ومعنى قوله في الاستفهام خاصة أن هل لا تكون بمعنى قد إلا ومعها استفهام لفظاً كالبيت المتقدم أو تقديراً كالآية الكريمة، ولو قلت : هل جاء زيد بمعنى قد جاء من غير استفهام لم يجز. وغيره جعلها بمعنى قد من غير هذا القيد، وجرى عليه الجلال المحلي. واعترض على الزمخشري بأنه لم يذكر غير كونها بمعنى قد. وبقي قيد آخر وهو أن يقول في الجمل الفعلية لأنها متى دخلت على جملة اسمية استحال كونها بمعنى قد ؛ لأن قد مختصة بالأفعال وأجيب عنه بأن هذا لا يحتاج إليه ؛ لأنه تقرّر أن قد لا تباشر الأسماء.
واختلف في المراد من الإنسان، فقال قتادة وعكرمة والشعبيّ : هو آدم عليه السلام مرّت عليه أربعون سنة قبل أن تنفخ فيه الروح وهو ملقى بين مكة والطائف. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية الضحاك أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة ثم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح. وحكى الماوردي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ الحين المذكور هنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره. وقال الحسن : خلق الله كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دوابّ البرّ والبحر في الأيام الست التي خلق الله تعالى فيها السماوات والأرض وآخرها خلق آدم عليه السلام فهو قوله تعالى :﴿لم يكن شيئاً مذكوراً﴾.
روي أنّ أبا بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية قال : ليتها تمت فلا نبتلى أي : ليت هذه المدّة التي أتت على آدم عليه السلام ﴿لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ تمت على ذلك فلا يلد ولا تبتلى أولاده. وسمع عمر رجلاً يقرأ ﴿لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ قال عمر : ليتها تمت يقول : ليته بقي ما كان، هذا وهما ضجيعاه صلى الله عليه وسلم ولكن بقدر القرب يكون الخوف.
فإن قيل : إنّ الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان إنساناً والآية تقتضي أنه مضى على الإنسان حال كونه إنساناً حين من الدهر مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئاً مذكوراً ؟ أجيب : بأن الطين والصلصال إذا كان مصوراً بصورة الإنسان ويكون محكوماً عليه بأنه سينفخ فيه الروح ويصير إنساناً صح تسميته بأنه إنسان.
روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى :﴿لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ لا في السماء ولا في الأرض بل كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به، ثم نفخ الروح فصار مذكوراً. قال ابن سلام : لم يكن شيئاً لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيواناً.
الإنسان 76:2
وقال الزمخشريّ وتبعه جماعة من المفسرين : إنّ المراد بالإنسان جنس بني آدم بدليل قوله تعالى :﴿إنا خلقنا الإنسان﴾ أي : بعد خلق آدم عليه السلام ﴿من نطفة﴾ أي : مادّة هي شيء يسير جداً من الرجل والمرأة وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه :
ما لي أراك تكرهين الجنة؍ هل أنت إلا نطفة في شنه؍
وعلى هذا فالمراد بالحين المدة التي هو فيها في بطن أمه ﴿لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ إذ كان علقة ومضغة ؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له وقوله تعالى :﴿أمشاج﴾ أي : أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين نعت لنطفة ووقع الجمع نعتاً لمفرد لأنه في معنى الجمع كقوله ﴿رفرف خضر﴾ [الرحمن: ٧٦] أو جعل كل جزء من النطفة نطفة فوصفت بالجمع، وقال الزمخشريّ :﴿نطفة أمشاج﴾ كبرمة أعشار وبرد أكياش، وهي ألفاظ مفردة غير جموع ولذلك وقعت صفات للأفراد، ويقال أيضاً : نطفة مشج قال الشماخ :
طوت أحشاء مرتجة لوقت؍ على مشج سلالته مهين؍
ولا يصح أمشاج أن يكون تكسيراً له بل هما مثلان في الإفراد لوصف المفرد بهما اه. فقد منع أن يكون أمشاجاً جمع مشج بالكسر. قال أبو حيان : وقوله مخالف لنص سيبويه والنحويين على أنّ أفعالاً لا يكون مفرداً، وأجاب بعضهم بأن الزمخشري إنما قال يوصف به المفرد ولم يجعل أفعالاً مفرداً فكأنه جعل كل قطعة من البرمة برمة وكل قطعة من البرد برداً فوصفهما بالجمع، والمعنى : من نطفة قد امتزج فيها الماءان وكل منهما مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة والثخن والقوام والخواص يجمع من الأخلاط وهي العناصر الأربعة : ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان الشبه له.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد فما كان من عصب وعظم وقوّة فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة، قال القرطبيّ : وقد روي هذا مرفوعاً ذكره البزار وعن قتادة : أمشاج ألوان وأطوار، يريد أنها تكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : هي عروق النطفة. وقال مجاهد : نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء، والغرض من هذا التنبيه على أنّ الإنسان محدَث فلا بد له من محدث قادر على تصويره وقد صوّره على صور مختلفة فمنها صغير وكبير وطويل وقصير ومستدير وعريض.
ولما كان الإنسان محتاجاً إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه جعل بين العظام مفاصل ثم أوصلها بأوتار وعروق ولحم، ودوّر الرأس وشق في جانبيه السمع، وفي مقدمه البصر والأنف والفم، وشق في البدن سائر المنافذ، ثم مد اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة، فسبحان من خلق تلك الأشياء من نطفة سخيفة ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ [القيامة: ٤٠].
وقوله تعالى :﴿نبتليه﴾ يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه حال من فاعل خلقنا أي : خلقناه حال كوننا مبتلين له، والثاني : أنه حال من الإنسان وصح ذلك لأنّ في الجملة ضميرين كل منهما يعود على ذي الحال، ثم هذه الحال يجوز أن تكون مقارنة إن كان المعنى : نبتليه نصرّفه في بطن أمّه نطفة ثم علقة، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأن تكون مقدرة إن كان المعنى : نبتليه نختبره بالتكليف لأنه وقت خلقه غير مكلف، وفيما يختبره به وجهان : أحدهما : قال الكلبي : تختبره بالخير والشرّ. والثاني : قال الحسن : نختبر شكره في السرّاء وصبره في الضرّاء. وقيل : نبتليه نكلفه بالعمل بعد الخلق. قال مقاتل رضي الله عنه : وقيل : نكلفه ليكون مأموراً بالطاعة ومنهياً عن المعاصي.
﴿فجعلناه﴾ أي : بما لنا من العظمة بسبب ذلك ﴿سميعاً بصيراً﴾ أي : عظيم السمع والبصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره وسماع الآيات بسمعه ومعرفة الحجج ببصيرته، فيصح تكليفه وابتلاؤه فقدّم العلة الغائية لأنها متقدّمة في الاستحضار على التابع لها المصحح لورودها، وقدّم السمع لأنه أنفع في المخاطبات، ولأنّ الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية، وخصهما بالذكر لأنهما أنفع الحواس، ولأنّ البصر يفهم البصيرة وهي تتضمن الجميع، وقال بعضهم : في الكلام تقديم وتأخير، والأصل إنا جعلناه سميعاً بصيراً نبتليه، أي : جعلنا له ذلك للابتلاء. وقيل : المراد بالسميع المطيع كقولك سمعاً وطاعة وبالبصير العالم يقال : لفلان بصر في هذا الأمر.
الإنسان 76:3
﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿هديناه السبيل﴾ أي : بينا له وعرّفناه طريق الهدى والضلال والخير والشرّ ببعثة الرسل، وقال مجاهد رضي الله عنه : بينا له السبيل إلى السعادة والشقاوة. وقال السدّي رضي الله عنه : السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل : منافعه ومضارّه التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله. قال الرازي : والآية تدل على أنّ العقل متأخر عن الحواس. قال : وهو كذلك.
وقوله تعالى :﴿إمّا شاكراً﴾ أي : لإنعام ربه عليه ﴿وإمّا كفوراً﴾ أي : بليغ الكفر بالإعراض والتكذيب نصب على الحال وفيه وجهان : أحدهما : أنه حال من مفعول هديناه أي : هديناه مبيناً له كلتا حالتيه، والثاني : أنه حال من السبيل على المجاز. قال الزمخشري : ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي : عرّفناه السبيل إمّا سبيلاً شاكراً وإمّا سبيلاً كفوراً كقوله تعالى :﴿وهديناه النجدين﴾ [البلد: ١٠] فوصف السبيل بالشكر والكفر مجازاً، وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » الحديث، وعن جابر رضي الله عنه :«كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إمّا شاكراً وإمّا كفوراً ».
الإنسان 76:4
ولما قسمهم إلى قسمين ذكر جزاء كل فريق فقال تعالى :﴿إنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿أعتدنا﴾ أي : هيأنا وأحضرنا بشدّة وغلظة ﴿للكافرين﴾ أي : العريقين في الكفر خاصة وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل فقال تعالى :﴿سلاسلا﴾ جمع سلسلة أي : يقادون ويوثقون بها ﴿وأغلالاً﴾ أي : في أعناقهم تشد فيها السلاسل فتجمع أيديهم إلى أعناقهم ﴿وسعيراً﴾ أي : ناراً حامية جداً شديدة الاتقاد.
وقرأ نافع وهشام وشعبة والكسائي سلاسلاً وصلاً بالتنوين والباقون بغير تنوين وأما الوقف على الثانية فوقف عليها بغير ألف قنبل وحمزة، ووقف البزي وابن ذكوان وحفص بغير ألف وبالألف، ووقف الباقون بالألف ولا وقف على الأولى والرسم بالألف. أمّا من نوّن سلاسل فوجه بأوجه منها أنه قصد بذلك التناسب لأنّ ما قبله وما بعده منوّن منصوب. ومنها أن الكسائي وغيره من أهل الكوفة حكوا عن بعض العرب أنهم يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا أفضل منك. وقال الأخفش : سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف لأنّ الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف لعارض فيها. وروي عن بعضهم أنه يقول : رأيت عمراً بالألف يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأيضاً هذا الجمع قد جمع وإن كان قليلاً، قالوا صواحب وصواحبات. وفي الحديث :«إنكن صواحبات يوسف » ومنها أنه مرسوم في الإمام أي : مصحف الحجاز والكوفة بالألف، رواه أبو عبيدة ورواه قالون عن نافع، وروى بعضهم ذلك عن مصاحف البصرة أيضاً.
وقال الزمخشري : فيه وجهان : أحدهما : أن يكون هذا التنوين بدلاً من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، والثاني : أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ضرى برواية الشعر ومرّن لسانه على صرف غير المنصرف ا. ه. قال بعض المفسرين : وفي هذه العبارة فظاظة وغلظة لاسيما على مشايخ الإسلام وأئمة العلماء الأعلام، وأما من لم ينوّنه فوجهه ظاهر لأنه على صيغة منتهى الجموع وقولهم : قد جمع نحو صواحبات لا يقدح لأنّ المحذور جمع التكسير، وهذا جمع تصحيح، وأما من لم يقف بالألف فواضح.
الإنسان 76:5
ولما أوجز في جزاء الكافر أتبعه جزاء الشاكر وأطنب تأكيداً للترتيب فقال تعالى :﴿إنّ الأبرار﴾ جمع برّ كأرباب جمع رب أو بار كأشهاد جمع شاهد، وفي الصحاح وجمع البار البررة وهم الصادقون في أيمانهم المطيعون لربهم الذين سمت همتهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة، وروى ابن عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«إنما سماهم الله تعالى الأبرار ؛ لأنهم برّوا الآباء والأبناء كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق ». وقال الحسن رضي الله عنه : البرّ الذي لا يؤذي الذرّ. وقال قتادة رضي الله عنه : الأبرار الذين يؤدّون حق الله ويوفون بالنذر. وفي الحديث «الأبرار الذين لا يؤذون أحداً ».
﴿يشربون من كأس﴾ هو إناء شرب الخمر وهي فيه والمراد من خمر تسمية للحالّ باسم المحل ومن للتبعيض ﴿كان مزاجها﴾ أي : ما تمزج به ﴿كافوراً﴾ لبرده وعذوبته وطيب عرفه، وذكر فعل الكون يدل على أنّ له شأناً في المزج عظيماً يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد، والكافور نبت معروف وكان اشتقاقه من الكفر وهو الستر لأنه يغطي الأشياء برائحته والكافور أيضاً كمام الشجر الذي هو ثمرتها، والكافر البحر، والكافر الليل، والكافر الساتر لنعم الله تعالى، والكافر الزارع لتوريته الحب في الأرض، قال الشاعر :
وكافر مات على كفره؍ وجنة الفردوس للكافر؍
والكفارة تغطية الإثم في اليمين الفاجرة والنذور الكاذبة بالمغفرة، والكافور : ماء جوف الشجر مكفور فيغرزونه بالحديد فيخرج إلى ظاهر الشجر فيضربه الهواء فيجمد وينعقد كالصمغ الجامد على الأشجار.
فإن قيل : مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذاً فما السبب في ذكره ؟ أجيب : بأوجه :
أحدها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : الكافور اسم عين في الجنة يقال لها عين الكافور، أي : يمازجها ماء هذه العين التي تسمى كافوراً في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرّته.
ثانيها : أنّ رائحة الكافور عرض، والعرض لا يكون إلا في جسم فخلق الله تعالى تلك الرائحة في جرم ذلك الشراب، فسمي ذلك الجسم كافوراً وإن كان طعمه طيباً فيكون الكافور ريحها لا طعمها.
ثالثها : أنّ الله تعالى يخلق الكافور في الجنة مع طعم طيب لذيذ ويسلب عنه ما فيه من المضرّة، ثم إنه تعالى يمزجه بذلك الشراب كما أنه تعالى يسلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها في الدنيا من المضارّ وقال سعيد عن قتادة رضي الله عنهم : يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. وقيل : يخلق فيها رائحة الكافور وبياضه فكأنها مزجت بالكافور.
الإنسان 76:6
وقوله تعالى :﴿عيناً﴾ في نصبه أوجه : أحدها : أنه بدل من ﴿كافوراً﴾ لأنّ ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وبرده واقتصر على هذا الجلال المحلي.
الثاني : أنه بدل من محل ﴿من كأس﴾ قاله مكي ولم يقدّر حذف مضاف، وقدّر الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف، قال : كأنه قيل : يشربون خمراً خمر عين. الثالث : أنه نصب على الاختصاص قاله الزمخشري. الرابع : أنه بإضمار أعني قاله القرطبي، وقيل : غير ذلك.
﴿يشرب بها﴾ قال الجلال المحلي : منها. وقال البقاعي : أي : بمزاجها. وقال الزمخشري : بها الخمر، قال : كما تقول شربت الماء بالعسل والأوّل أوضح. ﴿عباد الله﴾ أي : أولياؤه.
فإن قيل : الكفار عباد الله وهم لا يشربون منها بالاتفاق ؟ أجيب : بأنّ لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان ولكن يشكل بقوله تعالى :﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ [الزمر: ٧] فإنه يصير تقدير الآية ولا يرضى لعبادة المؤمنين الكفر مع أنه سبحانه لا يرضى الكفر للكافر ولا لغيره، وقد يجاب بأنّ هذا أكثري لا كلي، أو يقال : حيث أضيف العباد أو العبد إلى اسم الله الظاهر سواء كان بلفظ الجلالة أم لا فالمراد به المؤمن، وإن أضيف إلى ضميره تعالى فيكون بحسب المقام، فتارة يختص بالمؤمن كقوله تعالى :﴿إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] وتارة يعمّ كقوله تعالى :﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ وقوله تعالى :﴿نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾ [الحجر: ٤٩] ﴿يفجرونها﴾ أي : يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم وإن علت ﴿تفجيراً﴾ سهلاً لا يمتنع عليهم.
الإنسان 76:7
ولما ذكر جزاءهم ذكر وصفهم الذي يستحقون عليه ذلك بقوله تعالى :﴿يوفون بالنذر﴾ وهذا يجوز أن يكون مستأنفاً ويجوز أن يكون خبراً لكان مضمرة. قال الفراء : التقدير : كانوا يوفون بالنذر في الدنيا وكانوا يخافون. وقال الزمخشري : يوفون جواب من عسى يقول : ما لهم يرزقون ذلك. قال أبو حيان : واستعمل عسى صلة لمن وهو لا يجوز، وأتى بالمضارع بعد عسى غير مقرون بأن وهو قليل أو في الشعر، والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأنّ من وفّى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله تعالى كان بما أوجبه الله تعالى عليه أوفى، وقال الكلبي :﴿يوفون بالنذر﴾ أي : يتممون العهود لقوله تعالى :﴿وأوفوا بعهد الله﴾ [النمل: ٩١] ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] أمروا بالوفاء بها لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان. قال القرطبي : والنذر حقيقة ما أوجبه المكلف على نفسه من شيء يفعله، وإن شئت قلت في حدّه : هو إيجاب المكلف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ».
ولما دل وفاؤهم على سلامة طباعهم قال تعالى عاطفاً دلالة على جمعهم للأمرين المتعاطفين، فهم يفعلون الوفاء لا لأجل شيءٍ بل لكرم الطبع. ﴿ويخافون﴾ أي : مع فعلهم للواجبات ﴿يوماً﴾ قال ابن عبد السلام : شرّ يوم أو أهوال يوم ﴿كان﴾ أي : كوناً هو في جبلته ﴿شرّه﴾ أي : ما فيه من الشدائد ﴿مستطيراً﴾ أي : فاشياً منتشراً غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من طار. وقال قتادة رضي الله عنه : كان شرّه فاشياً في السماوات فانشقت وتناثرت الكواكب وكوّرت الشمس والقمر وفزعت الملائكة ونسفت الجبال وغارت المياه وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء، وفي ذلك إشعار بحسن عقيدتهم وإحسانهم واجتنابهم عن المعاصي فإن الخوف أدل دليل على عمارة الباطن، قالوا : ما فارق الخوف قلباً إلا خرب، ومن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل.
فإن قيل : لم قال تعالى :﴿كان شرّه﴾ ولم يقل سيكون ؟ أجيب : بأنه كقوله تعالى :﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١] فبما قيل في ذاك يقال هنا.
الإنسان 76:8
﴿ويطعمون الطعام﴾ أي : على حسب ما يتيسر لهم من عال ودون، وقوله تعالى :﴿على حبه﴾ حال إما من الطعام أي : كائنين على حبهم إياه فهو في غاية المكنة منهم والاستعلاء على قلوبهم لقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه، كما قال تعالى :﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] ليفهم أنهم للفضل أشدّ بذلاً، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حق الصحابة رضي الله عنهم :«لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته بعد، وإما من الفاعل والضمير في حبه لله أي : على حب الله وعلى التقديرين فهو مصدر مضاف للمفعول. وقال الفضيل بن عياض : على حب إطعام الطعام.
﴿مسكيناً﴾ أي : محتاجاً احتياجاً يسيراً فصاحب الاحتياج الكثير أولى ﴿ويتيماً﴾ أي : صغيراً لا أب له ﴿وأسيراً﴾ أي : في أيدي الكفار. وخص هؤلاء بالذكر لأنّ المسكين عاجز عن الاكتساب بنفسه عما يكفيه، واليتيم مات من يكتسب له وبقي عاجزاً عن الكسب لصغره، والأسير لا يتمكن لنفسه نصراً ولا حيلة.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير رضي الله عنهم : الأسير المحبوس فيدخل في ذلك المملوك والمسجون والكافر الذي في أيدي المسلمين، وقد نقل في غزوة بدر أن بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه بالخبز، وكان الخبز إذ ذاك عزيزاً حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارمهم حتى كان ذلك مما دعاه إلى الإسلام، وذلك لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما دفعهم إليهم قال :«استوصوا بهم خيراً ». وقيل : الأسير المملوك، وقيل : المرأة لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم «اتقوا الله في النساء فإنهنّ عندكم عوان » أي : أسرى.
الإنسان 76:9
وقوله تعالى :﴿إنما نطعمكم﴾ على إضمار القول أي : يقولون بلسان المقال أو الحال : إنما نطعمكم أيها المحتاجون ﴿لوجه الله﴾ أي : لذات الملك الذي استجمع الجلال والإكرام لكونه أمرنا بذلك، وعبر بالوجه لأنّ الوجه يستحى منه ويرجى ويخشى عند رؤيته ﴿لا نريد منكم﴾ لأجل ذلك ﴿جزاء﴾ أي : لنا من أعراض الدنيا ﴿ولا شكوراً﴾ أي : لشيء من قول ولا فعل، روي أنّ عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل المبعوث ما قالوا، فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً عند الله تعالى.
الإنسان 76:10
ثم عللوا قولهم هذا على وجه التأكيد بقولهم ﴿إنا نخاف من ربنا﴾ أي : الخالق لنا المحسن إلينا ﴿يوماً﴾ أي : أهوال يوم هو في غاية العظمة وبينوا عظمته بقولهم ﴿عبوساً﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : ووصف اليوم بالعبوس مجاز على طريقين أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولك : نهارك صائم روي أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وأن يشبه في شدّته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل.
﴿قمطريراً﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : طويلاً. وقال مجاهد وقتادة رضي الله عنهم : القمطرير الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبس. وقال الكلبي : العبوس الذي لا انبساط فيه والقمطرير الشديد وقال الأخفش : القمطرير أشدّ ما يكون من الأيام وأطوله في البلاد يقال يوم قمطرير وقماطير إذا كان شديداً كريهاً.
الإنسان 76:11
ولما كان فعلهم هذا خالصاً لله تعالى سبب عنه جزاءهم فقال تعالى :﴿فوقاهم الله﴾ أي : الملك الأعظم بسبب خوفهم ﴿شر ذلك اليوم﴾ أي : العظيم ولا بدّ لهم من نعيم ظاهر وباطن ومسكن يقيمون فيه وملبس وقد أشار إلى الأوّل بقوله تعالى :﴿ولقاهم﴾ أي : أعطاهم ﴿نضرة﴾ أي : حسناً دائماً في وجوههم، وأشار إلى الثاني بقوله تعالى :﴿وسروراً﴾ أي : في قلوبهم دائماً في مقابلة خوفهم في الدنيا.
الإنسان 76:12
وأشار إلى الثالث بقوله تعالى :﴿وجزاهم بما صبروا﴾ أي : بسبب ما أوجدوا من الصبر على العبادة من لزوم الطاعة واجتناب المعصية ومنع أنفسهم الشهوات وبذل المحبوبات ﴿جنة﴾ أي : ادخلوا بستاناً جامعاً يأكلون منه ما يشتهون جزاء على ما كانوا يطعمون وإن كان غيرهم يشاركهم في ذلك دونهم في الجزاء وأشار إلى الرابع بقوله تعالى :﴿وحريراً﴾ أي : ألبسوه أي : هو في غاية العظمة وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري عن ابن عباس أنّ الحسن والحسين رضي الله عنهما مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما صوم ثلاثة أيام إن برئا فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض عليّ من شمعون اليهودي الخيبري ثلاثة آصع من شعير وطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا وضعوا الطعام بين أيديهم فوقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك زاد في الكشاف فلما أصبحوا أخذ عليّ رضي الله تعالى عنه بيد الحسن والحسين فأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال : ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل عليه السلام وقال : خذها يا محمد أي : السورة هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة حديث موضوع.
الإنسان 76:13
ثم بين حالهم فيها بقوله تعالى ﴿متكئين فيها﴾ أي : الجنة. واختلفوا في إعراب متكئين، فقال الجلال المحلي : حال من مرفوع ادخلوها المقدر. وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون حالاً من المفعول في جزاهم وأن يكون صفة، واعترض عليه في كونه صفة بأنه لا يجوز عند البصريين لأنه كان يلزم الضمير، فيقال : متكئين هم فيها لجريان الصفة على غير من هي له وقيل : إنه من فاعل صبروا، واعترض أنّ الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة، وأجيب بأنه يصح أن يكون حالاً مقدرة لأنّ مآلهم بسبب صبرهم إلى هذه الحالة.
ثم أشار إلى زيادة راحتهم بقوله تعالى :﴿على الأرائك﴾ أي : السرر في الحجال ولا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة وقيل : الأرائك الفرش على السرر. وقوله تعالى :﴿لا يرون فيها﴾ أي : الجنة حال ثانية على الخلاف المتقدم في الأولى، ومن جوّز أن تكون الأولى صفة جوّزه في الثانية. وقيل : إنها حال من الضمير المرفوع المستكن في متكئين فتكون حالاً متداخلة. ﴿شمساً﴾ أي : حرًّا ﴿ولا﴾ يرون فيها ﴿زمهريراً﴾ أي : برداً شديداً فالآية من الاحتباك دل نفي الشمس أوّلاً على نفي القمر ودل نفي الزمهرير الذي هو سبب البرد ثانياً على نفي الحرّ الذي سببه الشمس، فأفاد هذا أنّ الجنة غنية عن النيرين، لأنها نيرة بذاتها وأهلها غير محتاجين إلى معرفة زمان إذ لا تكليف فيها بوجه وأنها ظليلة معتدلة دائماً بخلاف الدنيا، فإنّ فيها الحاجة إلى ذلك، والحرّ والبرد فيها من فيح جهنم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اشتكت النار إلى ربها قالت : يا رب أكل بعضي بعضاً فجعل لها نفسين نفساً في الشتاء ونفساً في الصيف فشدة ما تجدونه من البرد من زمهريرها وشدة ما تجدونه من الحرّ من سمومها » وقيل : الزمهرير القمر بلغة طيئ، وأنشدوا :
وليلة ظلامها قد اعتكر؍ قطعتها والزمهرير ما زهر؍
ويروى ما ظهر.
الإنسان 76:14
﴿ودانية﴾ أي : قريبة مع الارتفاع ﴿عليهم ظلالها﴾ أي : شجرها من غير أن يحصل منها ما يزيل الاعتدال. واختلف في نصب دانية، فقال البغوي : عطف على متكئين. وقال الجلال المحلي : عطف على محل لا يرون وذكره البغوي بعد الأوّل بصيغة قيل، قال البيضاوي : أو عطف على جنة أي : وجنة أخرى دانية لأنهم وعدوا جنتين لقوله تعالى :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦]. فإن قيل : إن الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، والجنة لا شمس فيها فكيف يحصل الظل ؟ أجيب : بأنّ أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار مظلة منها، وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة وإن كان لا وسخ ولا شعث.
﴿وذللت قطوفها﴾ جمع قطف بالكسر وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي : المجنية ﴿تذليلاً﴾ أي : سهل تناولها تسهيلاً عظيماً لا يردّ اليد عنها بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة كانت من اتكاء وغيره، فإن كانوا قعوداً أو مضطجعين تدلت إليهم، وإن كانوا قياماً وكانت على الأرض ارتفعت إليهم، وقال البراء : ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاؤوا، فمن أكل قائماً لم يؤذه ومن أكل جالساً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه، وهذا جزاؤهم على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر الله تعالى.
الإنسان 76:15
ولما وصف تعالى طعامهم ولباسهم وسكنهم وصف شرابهم بقوله تعالى :﴿ويطاف﴾ أي : من أي طائف كان لكثرة الخدم ﴿عليهم بآنية﴾ جمع إناء كسقاء وأسقية وجمع الآنية أوان وهي ظروف للمياه ومعنى يطاف أي : يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشرب. ثم بين تلك الآنية بقوله تعالى :﴿من فضة﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء أي : الذي في الجنة أشرف وأعلى ولم ينف الآنية الذهبية بل المعنى : يسقون في الأواني الفضة وقد يسقون في الأواني الذهب كما قال تعالى :﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ [النحل: ٨١] أي : والبرد فنبه بذكر أحدهما على الآخر.
ولما جمع الآنية خص فقال تعالى ﴿وأكواب﴾ جمع كوب، وهو كوز لا عروة له فيسهل الشرب منه من كل موضع فلا يحتاج عند التناول إلى إدارة ﴿كانت﴾ أي : تلك الأكواب كوناً هو من جبلتها ﴿قوارير﴾ أي : كانت بصفة القوارير من الصفاء والرقة والشفوف والإشراق، جمع قارورة وهي ما أقرّ فيه الشراب ونحوه من كل إناء رقيق صاف. وقيل : هو خاص بالزجاج.
الإنسان 76:16
ولما كان رأس آية وكان التعبير بالقوارير ربما أفهم أنها من الزجاج، وكان في الزجاج من النقص سرعة الانكسار لإفراط الصلابة، قال تعالى معيد للفظ أوّل الآية الثانية تأكيداً للاتصاف بالصالح من أوصاف الزجاج وبياناً لنوعها :﴿قوارير من فضة﴾ أي : قد جمعت صفتي الجوهرين المتباينين صفاء الزجاج وشفوفه وبريقه، وبياض الفضة وشرفها ولينها، وقال الكلبي : إن الله تعالى جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإنّ أرض الجنة من فضة فجعل منها قوارير يشربون منها. وقرأ نافع وشعبة والكسائي وصلاً بالتنوين فيهما ووافقهم ابن كثير في الأول دون الثاني، والباقون بغير تنوين، وأما الوقف فمن نون وقف بالألف، ومن لم ينون وقف بغير ألف إلا هشاماً، فإنه وقف على الثاني بالألف وفي الوصل لم ينون فالقراءات حينئذ على خمس مراتب : إحداها : تنوينهما معاً، والوقف عليهما بالألف. الثانية : مقابله وهو عدم تنوينهما وعدم الوقف عليهما بالألف، الثالثة : عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف، الرابعة : تنوين الأول دون الثاني والوقف على الأول بالألف وعلى الثاني بدونها. الخامسة : عدم تنويهما معاً والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها. وأما من نوّنهما فلما مرّ في تنوين سلاسل ؛ لأنهما صيغة منتهى الجموع ذاك على مفاعل وذا على مفاعيل، والوقف بالألف التي هي بدل التنوين، فأما عدم تنوينهما وعدم الوقف بالألف فظاهر، وأما من نوّن الأول دون الثاني فإنه ناسب بين الأول وبين رؤوس الأي، ولم يناسب بين الثاني وبين الأوّل، والوجه في وقفه على الأوّل بالألف وعلى الثاني بغير ألف ظاهر، وأما من لم ينوّنهما ووقف على الأوّل بألف وعلى الثاني بدونها فلأنّ الأوّل رأس آية فناسب بينه وبين رؤوس الأي في الوقف بالألف وفرق بينه وبين الثاني لأنه ليس برأس آية، وأما من لم ينوّنهما ووقف عليهما بالألف، فإنه ناسب بين الأول وبين رؤوس الأي وناسب بين الثاني وبين الأول.
وقال الزمخشري : وهذا التنوين بدل من ألف الإطلاق ؛ لأنها فاصلة وفي الثاني لإتباعه الأوّل يعني : أنهم يأتون بالتنوين بدلاً من حرف الإطلاق الذي للترنم، كقوله :
يا صاح ما هاج العيون الذرفن ***
وقوله تعالى ﴿قدّروها تقديراً﴾ صفة لقوارير من فضة وفي الواو في قدّروها وجهان : أحدهما : أنه للمطاف عليهم، ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على تقادير وأشكال على حسب شهواتهم فجاءت كما قدّروا. والثاني : أنه للطائفين بها دل عليه قوله تعالى :﴿ويطاف عليهم﴾ [الإنسان: ١٥] على أنهم قدّروا شرابها على قدر الري وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنه ولا يعجز، وعن مجاهد رضي الله عنه لا تغيض ولا تفيض وعن ابن عباس رضي الله عنهما قدّروها على ملء الكف حتى لا تؤذيهم بثقل أو بإفراط صغر، وجوّز أبو البقاء أن تكون الجملة مستأنفة.
الإنسان 76:17
﴿ويسقون﴾ أي : ممن أرادوه من خدمهم الذين لا يحصون كثرة ﴿فيها﴾ أي : في الجنة أو تلك الأكواب ﴿كأساً﴾ أي : خمراً في إناء ﴿كان مزاجها﴾ أي : ما تمزج به على غاية الإحكام ﴿زنجبيلاً﴾ أي : غاية اللذة، وكانت العرب تلتذ بالشراب الممزوج به لهضمه وتطييبه الطعم، والزنجبيل : نبت معروف، وسمي الكأس بذلك لوجود طعم الزنجبيل فيها قال الأعشى :
كأن القرنفل والزنجبي؍ ل باتا بفيها وأريا مشورا؍
وقال المسيب بن علس :
وكأن طعم الزنجبيل به؍ إذ اذقته وسلافة الخمر؍
الإنسان 76:18
وقوله تعالى :﴿عيناً فيها﴾ أي : الجنة بدل من زنجبيلاً وكون الزنجبيل عيناً فيه خرق للعوائد ؛ لأنّ الزنجبيل عندنا شجر يحتاج في تناوله إلى علاج، فبين أنه هناك عين لا يحتاج في صيرورته زنجبيلاً إلى أن تحيله الأرض بتخميره فيها حتى يصير شجراً ليتحوّل عن طعم الماء إلى طعم الزنجبيل ﴿تسمى﴾ أي : تلك العين لسهولة إساغتها ولذة طعمها وسموّ وصفها ﴿سلسبيلاً﴾ والمعنى : أن ماء تلك العين كالزنجبيل الذي تلتذ به العرب سهل المساغ في الحلق، فليس هو كزنجبيل الدنيا يلذع في الحلق فتصعب إساغته. والسلسبيل والسلسل والسلسال ما كان من الشراب غاية في السلاسة زيدت فيه الباء زيادة في المبالغة في هذا المعنى، وقال مقاتل وابن حبان رضي الله عنهما : سميت سلسبيلاً لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان. قال البغوي : وشراب الجنة في برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك من غير لذع. وقال مقاتل رضي الله عنه : يشربها المقربون صرفاً وتمزج لسائر أهل الجنة.
الإنسان 76:19
ولما ذكر تعالى المطوف به لأنه الغاية المقصودة وصف الطائف لما في طوافه من العظمة المشهودة بقوله تعالى :﴿ويطوف عليهم﴾ أي : بالشراب وغيره من الملاذ والمحاب ﴿ولدان﴾ أي : غلمان هم في سن من هو دون البلوغ ؛ لأنّ الفقهاء قالوا : الناس غلمان وصبيان وأطفال وذراري إلى البلوغ ثم هم بعد البلوغ شبان وفتيان إلى الثلاثين، ثم هم بعدها كهول إلى الأربعين ثم بعدها شيوخ واستنبط بعضهم ذلك من القرآن في حق بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى في حق يحيى :﴿وآتيناه الحكم صبياً﴾ [مريم: ١٢]
وفي حق عيسى :﴿ويكلم الناس في المهد وكهلاً﴾ [آل عمران: ٤٦] وعن إبراهيم :﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٠] وعن يعقوب :﴿إنّ له أباً شيخاً كبيراً﴾ [يوسف: ٧٨]. وقالوا : وأقل أهل الجنة من يخدمه ألف غلام، ويعطى في الجنة قدر الدنيا عشر مرّات. وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها.
ثم وصف تعالى تلك الغلمان بقوله تعالى :﴿مخلدون﴾ أي : قد حكم من لا يرد حكمه بأن يكونوا كذلك دائماً من غير علة ولا ارتفاع عن ذلك الحدّ مع أنهم مزينون بالحلي وهو الحلق والأساور والقرط والملابس الحسنة.
﴿إذا رأيتهم﴾ أي : يا أعلى الخلق وأنت أثبت الناس نظراً أو أيها الرائي الشامل لكل راء في أي حالة رأيتهم فيها ﴿حسبتهم﴾ أي : من بياضهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في الخدمة ﴿لؤلؤاً منثوراً﴾ أي : من سلكه أو من صدفه وهو أحسن منه في غير ذلك، قال بعض المفسرين : هم غلمان ينشئهم الله تعالى لخدمة المؤمنين. وقال بعضهم : أطفال المؤمنين لأنهم ماتوا على الفطرة. وقال ابن برجان : وأرى والله أعلم أنهم من علم الله تعالى إيمانه من أولاد الكفار، وتكون خدماً لأهل الجنة كما كانوا لنا في الدنيا سبياً وخداماً. وأما أولاد المؤمنين فيلحقون بآبائهم سناً وملكاً سروراً لهم. ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ابنه إبراهيم عليه السلام :«إن له لظئراً تتم رضاعه في الجنة » فإنه يدل على انتقال شأنه فيما هنالك وكتنقله في الأحوال في الدنيا، ولا دليل على خصوصيته بذلك. وقرأ السوسي وشعبة بإبدال الهمزة الأولى الساكنة وقفاً ووصلاً، وإذا وقف حمزة أبدل الأولى والثانية.
الإنسان 76:20
ولما ذكر المخدوم والخدم ذكر المكان بقوله تعالى :﴿وإذا رأيت﴾ أي : وجدت منك الرؤية ﴿ثم﴾ أي : هناك في أي مكان كان في الجنة، وأي شيء كان فيها. وقوله تعالى ﴿رأيت﴾ جواب إذا أي : رأيت ﴿نعيماً﴾ أي : ليس فيه كدر بوجه من الوجوه ولا يقدر على وصفه واصف. ﴿وملكاً كبيراً﴾ أي : لم يخطر على باله مما هو فيه من السعة وكثرة الموجود والعظمة.
قال سفيان الثوري : بلغنا أن المُلْك الكبير تسليم الملائكة عليهم. وقيل : كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على رؤوس الملوك، وقال الحكيم الترمذي : هو ملك التكوين إذا أرادوا شيئاً، قالوا له : كن فيكون. وفي الخبر : إنّ الملك الكبير هو أنّ أدناهم منزلة أي : وما فيهم دنيء الذي في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أعظمهم منزلة من ينظر إلى وجه ربه سبحانه وتعالى كل يوم. أي : قدر يوم من أيام الدنيا مرّتين.
الإنسان 76:21
ولما ذكر الدار وساكنيها من مخدوم وخدم ذكر لباسهم بقوله تعالى :﴿عاليهم﴾ أي : فوقهم ﴿ثياب سندس﴾ هو ما رق من الحرير ﴿خضر وإستبرق﴾ وهو ما غلظ من الديباج فهو البطائن، والسندس الظهائر، وقرأ نافع وحمزة ﴿عاليهم﴾ بسكون الياء بعد اللام وكسر الهاء والباقون بفتح الياء وضم الهاء ؛ لأنّ الياء لما سكنت كسرت الهاء ولما تحرّكت ضمت الهاء، فأما قراءة نافع وحمزة ففيها أوجه : أظهرها : أن يكون خبراً مقدّماً، وثياب مبتدأ مؤخر.
وأمّا قراءة الباقين ففيها أيضاً أوجه : أظهرها : أن يكون خبراً مقدّماً وثياب مبتدأ مؤخراً. كأنه قال : فوقهم ثياب. قال أبو البقاء : لأنّ عاليهم بمعنى فوقهم، والضمير المتصل به للمطوف عليهم أو للخادم والمخدوم جميعاً وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب. وقرأ نافع وحفص خضر وإستبرق برفعهما، وقرأ حمزة والكسائي بخفضهما. وقرأ أبو عمرو وابن عامر برفع خضر وجرّ إستبرق، وقرأ ابن كثير وشعبة بجرّ خضر ورفع إستبرق.
وحاصل القراءات في ذلك أربع مراتب : الأولى : رفعهما، الثانية : خفضهما، الثالثة : رفع الأوّل وخفض الثاني، الرابعة : عكس ذلك. فأمّا القراءة الأولى : فإنّ رفع خضر على النعت لثياب ورفع إستبرق نسق على الثياب، ولكن على حذف مضاف أي : وثياب إستبرق، وأمّا القراءة الثانية : فيكون جرّ خضر على النعت لسندس. ثم استشكل على هذا وصف المفرد بالجمع، فقال مكي : هو اسم جمع، وقيل : هو جمع سندسة كتمر وتمرة، ووصف اسم الجنس بالجمع صحيح قال تعالى :﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ [الرعد: ١٢]، ﴿أعجاز نخل منقعر﴾ [القمر: ٢٠]، ﴿ومن الشجر الأخضر﴾ [يس: ٨٠] وإذا كانوا قد وصفوا المحلى لكونه مراداً به الجنس بالجمع في قولهم : أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض وفي التنزيل ﴿أو الطفل الذين﴾ فلأن يوجد ذلك في أسماء الجموع أو أسماء الأجناس الفارق بينها وبين واحدها تاء التأنيث بطريق الأولى، وجرّ إستبرق نسقاً على سندس لأنّ المعنى : ثياب من سندس وثياب من إستبرق، وأمّا القراءة الثالثة : فرفع خضر نعتاً لثياب وجرّ إستبرق نسقاً على سندس أي : ثياب خضر من سندس ومن إستبرق، فعلى هذا يكون الإستبرق أيضاً أخضر، وأمّا القراءة الرابعة : فجرّ خضر على أنه نعت لسندس ورفع إستبرق على النسق على ثياب بحذف مضاف أي : وثياب إستبرق.
ثم أخبر تعالى عن تحليتهم بقوله سبحانه ﴿وحلوا﴾ أي : المخدوم والخادم ﴿أساور من فضة﴾ وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب وهي بالغة من الأعضاء ما يبلغه التحجيل في الوضوء كما قال صلى الله عليه وسلم «الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء » فلذلك كان أبو هريرة يرفع إلى المنكبين وإلى الساقين.
تنبيه : قال هنا :﴿أساور من فضة﴾ وفي سورة فاطر :﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾ [فاطر: ٣٣] وفي سورة الحج :﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ﴾ [الحج: ٢٣] فقيل : حلي الرجال الفضة وحلي النساء الذهب. وقيل : تارة يلبسون الذهب وتارة يلبسون الفضة. وقيل : يجمع في يدي أحدهم سواران من ذهب، وسواران من فضة، وسواران من لؤلؤ لتجتمع لهما محاسن الجنة قاله سعيد بن المسيب. وقيل : يعطى كل أحد ما يرغب فيه وتميل نفسه إليه. وقيل : أسورة الفضة إنما تكون للولدان وأسورة الذهب للنساء. وقيل : هذا للنساء والصبيان. وقيل : هذا يكون بحسب الأوقات والأعمال.
﴿وسقاهم ربهم﴾ أي : الموجد لهم المحسن إليهم المدبر لمصالحهم ﴿شراباً طهوراً﴾ أي : ليس هو كشراب الدنيا سواء أكان من الخمر أم من الماء أم من غيرهما فهو بالغ الطهارة.
وقال عليّ رضي الله عنه : إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من ساقها عينان فيشربون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلا تتغير أبشارهم ولا تشعث شعورهم أبداً، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من الأذى ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقال النخعي وأبو قلابة : هو إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم وصار ما أكلوه وشربوه رشح مسك وضمرت بطونهم. وقال مقاتل : هو من عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق شجرة، من شرب منها نزع الله تعالى ما كان في قلبه من غش وغل وحسد وما كان في جوفه من أذى، وعلى هذا فيكون فعول للمبالغة. وقال الرازي : قوله تعالى ﴿طهوراً﴾ في تفسيره احتمالات : أحدها : لا يكون نجساً كخمر الدنيا، وثانيها : المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأرجل الدنسة ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها. وثالثها : أنه لا يؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهراً لأنه يطهر بواطنهم من الأخلاق الذميمة والأشياء المؤذية.
فإن قيل : هل هذا نوع آخر غير ما ذكر قبل ذلك من أنهم يشربون من الكافور والزنجبيل والسلسبيل أم لا ؟ أجيب : بأنه نوع آخر لوجوه : أولها : رفع. ثانيها : أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه بقوله تعالى :﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾ وذلك يدل على فضل هذا دون غيره، ثالثها : ما روي أنه تقدّم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر ذلك بطونهم ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسك، وهذا يدل على أنّ ذلك الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأنّ هذا الشراب يهضم سائر الأشربة، ثم إنّ له مع هذا الهضم تأثيراً عجيباً وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقاً يفوح منه ريح كريح المسك ويطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الخسيسة والركون إلى ما سوى الحق فيتجرّد لمطالعة جلاله متلذذاً بلقائه باقياً ببقائه وهو منتهى درجات الصدّيقين وكل ذلك يدل على المغايرة.
الإنسان 76:22
وقوله تعالى :﴿إنّ﴾ على إضمار القول أي : ويقال لهم إنّ ﴿هذا كان لكم جزاء﴾ أي : على أعمالكم التي كنتم تجاهدون فيها أنفسكم عن هواها إلى ما يرضي ربكم والإشارة إلى ما تقدّم من عطاء الله تعالى لهم ﴿وكان﴾ أي : على وجه الثبات ﴿سعيكم مشكوراً﴾ أي : لا نضيع شيئاً منه ونجازي بأكثر منه أضعافاً مضاعفة.
الإنسان 76:23
ولما بين تعالى بهذا القرآن العظيم الوعد والوعيد ذكر سبحانه أنه من عنده وليس هو بسحر ولا كهانة ولا شعر بقوله تعالى :﴿إنا نحن﴾ أي : على ما لنا من العظمة التي لا نهاية لها لا غيرنا ﴿نزلنا عليك﴾ وأنت أعظم الخلق إنزالاً استعلى حتى صار المنزَّل خلُقُاً لك ﴿القرآن﴾ أي : الجامع لكل هدى ﴿تنزيلاً﴾ قال ابن عباس : متفرّقاً آية بعد آية ولم ينزل جملة واحدة.
قال الرازي : والمقصود من هذه الآية تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وشرح صدره فيما نسبوه إليه صلى الله عليه وسلم من كهانة وسحر، فذكر تعالى أنّ ذلك وحي من الله تعالى فكأنه تعالى يقول : إن كان هؤلاء الكفار يقولون : إنّ ذلك كهانة فأنا الله الملك الحق أقول على سبيل التأكيد : إنّ ذلك وحي حق وتنزيل صدق من عندي. وفي ذلك فائدتان، الأولى : إزالة الوحشة الحاصلة بسبب طعن الكفار، لأنّ الله تعالى عظمه وصدّقه. الثانية : تقويته على تحمل مشاق التكليف، فكأنه تعالى يقول له : إني ما نزلت القرآن عليك متفرّقاً إلا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، وقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في القتال.
الإنسان 76:24
﴿فاصبر لحكم ربك﴾ أي : المحسن إليك. قال ابن عباس : اصبر على أذى المشركين ثم نسخ بآية القتال. وقيل : اصبر لما يحكم عليك به من الطاعات أو انتظر حكم الله إذ وعدك بالنصر عليهم ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة ﴿ولا تطع منهم﴾ أي : الكفرة الذين هم ضد الشاكرين ﴿آثماً﴾ أي : داعياً إلى إثم سواء كان مجرّداً عن مطلق الكفر أو مصاحباً له ﴿أو كفوراً﴾ أي : مبالغاً في الكفر وداعياً إليه وإن كان كبيراً وعظيماً في الدنيا، فإنّ الحق أكبر من كل كبير. وقال قتادة : أراد بالآثم والكفور أبا جهل، وذلك أنه لما فرضت الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها وقال : لئن رأيت محمداً يصلي لأطأنّ على عنقه.
وقال مقاتل : أراد بالآثم عتبة بن ربيعة وبالكفور الوليد بن المغيرة، وكانا أتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج على أن يترك ذكر النبوّة عرض عليه عتبة ابنته وكانت من أجمل النساء، وعرض عليه الوليد أن يعطيه من الأموال حتى يرضى ويترك ما هو عليه، فقرأ عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات من أوّل حم السجدة إلى قوله تعالى :﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ [فصلت: ١٣] فانصرفا عنه. وقال أحدهما : ظننت أنّ الكعبة ستقع عليّ.
فإن قيل : كانوا كلهم كفرة فما معنى القسمة في قوله :﴿آثماً أو كفوراً﴾ أجيب : بأنّ معناه : ولا تطع منهم راكباً لما هو إثم داعياً لك إليه أو فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه ؛ لأنهم إمّا أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر أو غير إثم ولا كفر، فنهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث.
ثم قال فإن قيل : معنى أو : ولا تطع أحدهما فهلا جيء بالواو ليكون نهياً عن إطاعتهما جميعاً ؟ أجيب : بأنه لو قال : ولا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما وإذا قيل : ولا تطع أحدهما علم أنّ الناهي عن طاعة أحدهما أنهى عن طاعتهما جميعاً كما إذا نهى أن يقول لأبويه : أف علم أنه نهى عن ضربهما بطريق الأولى.
فإن قيل : إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يطيع أحداً منهم فما فائدة هذا النهي ؟ أجيب : بأنّ المقصود بيان أنّ الناس محتاجون إلى التنبيه والإرشاد لأجل ما تركب فيهم من الشهوة الداعية إلى النساء وأنّ الواحد لو استغنى عن توفيق الله تعالى وإرشاده لكان أحق الناس به هو رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم دائماً أبداً، ومتى ظهر لك ذلك عرفت أنّ كل مسلم لا بدّ له من الرغبة إلى الله تعالى والتضرّع إليه أن يصونه عن الشهوات.
الإنسان 76:25
﴿واذكر﴾ أي : في الصلاة ﴿اسم ربك﴾ أي : المحسن إليك بكل جميل ﴿بكرة﴾ أي : الفجر ﴿وأصيلاً﴾ أي : الظهر والعصر.
الإنسان 76:26
﴿ومن الليل﴾ أي : بعضه والباقي للراحة بالنوم ﴿فاسجد له﴾ أي : المغرب والعشاء ﴿وسبحه ليلاً طويلاً﴾ أي : صل التطوّع فيه كما تقدّم من ثلثيه أو نصفه أو ثلثه أو اذكره بلسانك بكرة عند قيامك من منامك الذي هو الموتة الصغرى وتذكرك أنه يحيي الموتى ويحشرهم جميعاً وأصيلاً أي : عند انقراض نهارك وتذكرك انقراض دنياك وطي هذا العالم لأجل يوم الفصل، وفي ذكر الوقتين إشارة إلى دوام الذكر وذكر اسمه لازم لذكره والذي عليه أكثر المفسرين. الأوّل قال ابن عباس وسفيان : كل تسبيح في القرآن فهو صلاة لأنّ الصلاة أفضل الأعمال البدنية لأنها أعظم الذكر لأنها ذكر اللسان والجنان والأركان فوظفت فيها أركان لسانية وحركات وسكنات على هيئات مخصوصة من عادتها أن لا تفعل إلا بين يدي الملوك.
الإنسان 76:27
ولما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعظيم والأمر والنهي عدل سبحانه إلى شرح أحوال الكفار والمتمردّين فقال تعالى :﴿إنّ هؤلاء﴾ أي : الذين يغفلون عن الله من الكفار والمتمردّين ﴿يحبون﴾ أي : محبة تجدّد عندهم زيادتها في كل وقت ﴿العاجلة﴾ لقصور نظرهم وجمودهم على المحسوسات التي الإقبال عليها منشأ البلادة والقصور ومعدن الأمراض للقلوب التي في الصدور، ومن تعاطى أسباب الأمراض مرض وسمي كفوراً، ومن تعاطى ضدّ ذلك شفي وسمي شاكراً.
﴿ويذرون﴾ أي : ويتركون ﴿وراءهم﴾ أي : قدّامهم على وجه الإحاطة بهم وهم عنه معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه أو خلف ظهورهم لا يعبؤون به وقوله تعالى :﴿يوماً﴾ مفعول يذرون لا ظرف وقوله تعالى :﴿ثقيلاً﴾ وصف له استعير له الثقل لشدّته وهو له من الشيء الثقيل الباهظ لحامله ونحوه ثقلت في السماوات والأرض.
الإنسان 76:28
﴿نحن خلقناهم﴾ أي : بما لنا من العظمة لا غيرنا ﴿وشددنا﴾ أي : قوّينا ﴿أسرهم﴾ أي : توصيل عظامهم بعضها ببعض وتوثيق عظامهم بالأعصاب بعد أن كانوا نطفاً أمشاجاً في غاية الضعف. وأصل الأسر الربط والتوثيق، ومنه أسر الرجل إذا وثق بالقدّ وهو الإسار، وفرس مأسور الخلق ﴿وإذا شئنا﴾ أي : بما لنا من العظمة أن نبدّل ما نشاء من صفاتهم أو ذواتهم ﴿بدّلنا أمثالهم﴾ أي : جئنا بأمثالهم بدلاً منهم إمّا بأن نهلكهم ونأتي ببدلهم ممن يطيع، وإمّا بتغيير صفاتهم كما شوهد في بعض الأوقات من المسخ وغيره، وقوله تعالى :﴿تبديلاً﴾ تأكيد. قال الجلال المحلي : ووقعت إذا موقع إن، نحو ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ [النساء: ١٣٣] لأنه تعالى لم يشأ ذلك وإذاً لما يقع. وفي ذلك رد لقول الزمخشري : وحقه أن يجيء بإن لا بإذا كقوله :﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم﴾ [محمد: ٣٨] ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ [النساء: ١٣٣].
الإنسان 76:29
﴿إن هذه﴾ أي : السورة أو الآيات القريبة ﴿تذكرة﴾ أي : عظة للخلق فإنّ في تصفحها تنبيهات للغافلين، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين السالكين ممن ألقى سمعه وأحضر قلبه وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه ﴿فمن شاء﴾ أي : بأن اجتهد في وصوله إلى ربه ﴿اتخذ﴾ أي : أخذ بجهده في مجاهدة نفسه ومغالبة هواه ﴿إلى ربه﴾ أي : المحسن إليه الذي ينبغي له أن يحبه بجميع جوارحه وقلبه ويجتهد في القرب منه ﴿سبيلاً﴾ أي : طريقاً واضحاً سهلاً واسعاً بأفعال الطاعة التي أمر بها لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس وأزلنا جميع موانع الفهم، فلم يبق مانع من استطراق الطريق غير مشيئتنا.
الإنسان 76:30
﴿وما تشاؤون﴾ أي : في وقت من الأوقات شيئاً من الأشياء. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالياء التحتية على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب. وإذا وقف حمزة سهل الهمزة مع المدّ والقصر، وله أيضاً إبدالها واواً مع المدّ والقصر ﴿إلا﴾ وقت ﴿أن يشاء الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي له الأمر كله والملك كله على حسب ما يريد ويقدر وقد صح بهذا ما قال الأشعري وسائر أهل السنة من أن للعبد مشيئة تسمى كسباً لا تؤثر إلا بمشيئة الله تعالى، وانتفى مذهب القدرية الذين يقولون : إنا نخلق أفعالنا، ومذهب الجبرية القائلين : لا فعل لنا أصلاً، ومثل الملوي ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدّد سكينة وهيأها وأوجد فيها أسباب القطع وأزال عنها موانعه، ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون أن يتحامل عليها التحامل المعروف لذلك، ولو وضع عليها ما لا يصلح للقطع كحطبة مثلاً لم تقطع ولو تحامل، فالعبد كالسكين خلقه الله تعالى وهيأه بما أعطاه من القدرة للفعل، فمن قال : أنا أخلق فعلي مستقلاً به فهو كمن قال : السكين تقطع بمجرّد وضعها من غير تحامل، ومن قال : الفاعل هو الله من غير نظر إلى العبد أصلاً كان كمن قال : هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ملساء من غير سكين، والذي يقول : إنه باشر بقدرته المهيأة لفعل يخلقه الله تعالى لها في ذلك الفعل، كمن قال : إنّ السكين قطعت بالتحامل عليها بهذا أجرى الله سبحانه وتعالى عادته في الناس ولو شاء غير ذلك فعل، ولا يخفى أنّ هذا هو الحق الذي لا مرية فيه.
ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم بقوله تعالى ﴿إنّ الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة ﴿كان﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي : بما يستأهل كل أحد ﴿حكيماً﴾ أي : بالغ الحكمة فهو يمنع منعاً محكماً من أن يشاء غيره ما لم يأذن فيه فمن علم في جبلته خيراً أعانه عليه، ومن علم منه الشرّ ساقه إليه وحمله عليه وهو معنى قوله تعالى :﴿يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾.
الإنسان 76:31
﴿يدخل من يشاء﴾ أي : ممن علمه من أهل السعادة ﴿في رحمته﴾ أي : جنته وهم المؤمنون. وقوله تعالى ﴿والظالمين﴾ أي : الكافرين منصوب بفعل يفسره قوله تعالى :﴿أعدّ لهم﴾ مثل أوعد وكافأ ليطابق الجمل المعطوف عليها ﴿عذاباً أليماً﴾ أي : مؤلماً فهم فيه خالدون أبد الآبدين.