Lafzullah

التفسير المظهري — الزمر 39:1 – الشورى 42:53

المؤلف / المصدر: القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري (ت 1225هـ) — تحقيق: غلام نبي تونسي · مكتبة الرشدية - الباكستان · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-284)

المحتويات
  1. الزمر 39:1
  2. الزمر 39:4
  3. الزمر 39:5
  4. الزمر 39:7
  5. الزمر 39:8
  6. الزمر 39:10
  7. الزمر 39:11
  8. الزمر 39:16
  9. الزمر 39:18
  10. الزمر 39:20
  11. الزمر 39:22
  12. الزمر 39:23
  13. الزمر 39:24
  14. الزمر 39:29
  15. الزمر 39:30
  16. الزمر 39:32
  17. الزمر 39:33
  18. الزمر 39:36
  19. الزمر 39:39
  20. الزمر 39:43
  21. الزمر 39:47
  22. الزمر 39:50
  23. الزمر 39:53
  24. الزمر 39:54
  25. الزمر 39:60
  26. الزمر 39:64
  27. الزمر 39:66
  28. الزمر 39:68
  29. الزمر 39:70
  30. الزمر 39:72
  31. الزمر 39:74
  32. الزمر 39:75
  33. غافر 40:1
  34. غافر 40:2
  35. غافر 40:3
  36. غافر 40:5
  37. غافر 40:7
  38. غافر 40:8
  39. غافر 40:10
  40. غافر 40:12
  41. غافر 40:16
  42. غافر 40:17
  43. غافر 40:18
  44. غافر 40:21
  45. غافر 40:26
  46. غافر 40:28
  47. غافر 40:29
  48. غافر 40:31
  49. غافر 40:34
  50. غافر 40:35
  51. غافر 40:38
  52. غافر 40:42
  53. غافر 40:44
  54. غافر 40:47
  55. غافر 40:51
  56. غافر 40:56
  57. غافر 40:58
  58. غافر 40:59
  59. غافر 40:61
  60. غافر 40:65
  61. غافر 40:68
  62. غافر 40:73
  63. غافر 40:78
  64. غافر 40:82
  65. غافر 40:84
  66. فصلت 41:1
  67. فصلت 41:4
  68. فصلت 41:7
  69. فصلت 41:9
  70. فصلت 41:11
  71. فصلت 41:13
  72. فصلت 41:15
  73. فصلت 41:17
  74. فصلت 41:22
  75. فصلت 41:26
  76. فصلت 41:30
  77. فصلت 41:31
  78. فصلت 41:32
  79. فصلت 41:34
  80. فصلت 41:35
  81. فصلت 41:39
  82. فصلت 41:40
  83. فصلت 41:43
  84. فصلت 41:45
  85. فصلت 41:47
  86. فصلت 41:50
  87. فصلت 41:52
  88. فصلت 41:54
  89. الشورى 42:1
  90. الشورى 42:4
  91. الشورى 42:6
  92. الشورى 42:8
  93. الشورى 42:10
  94. الشورى 42:13
  95. الشورى 42:14
  96. الشورى 42:15
  97. الشورى 42:17
  98. الشورى 42:20
  99. الشورى 42:22
  100. الشورى 42:24
  101. الشورى 42:25
  102. الشورى 42:26
  103. الشورى 42:27
  104. الشورى 42:28
  105. الشورى 42:31
  106. الشورى 42:35
  107. الشورى 42:38
  108. الشورى 42:40
  109. الشورى 42:41
  110. الشورى 42:45
  111. الشورى 42:49
  112. الشورى 42:52
  113. الشورى 42:53

الزمر 39:1

سورة الزمر مكيّة الا قوله تعالى قل يا عبادى الّذين أسرفوا الاية وهى خمس وسبعون اية وقيل اثنان وسبعون «١» ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. تَنْزِيلُ الْكِتابِ خبر مبتدا محذوف اى هذا او مبتدا خبره مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ فى ملكه الْحَكِيمِ (١) فى صنعه وهو على الاول صلة التنزيل او خبر ثان او حال عمل فيها معنى الاشارة او التنزيل والظاهر ان الكتاب على الاول السورة وعلى الثاني القران. إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ اى متلبسا بالحق او بسبب اثبات الحق وإظهاره وتفصيله وليس هذا تكرارا لان الاول كالعنوان للكتاب والثاني لبيان ما فيه فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) مخلصا له الدين من الشرك والرياء وتقديم والخبر لتأكيد الاختصاص المستفاد من اللام كما صرح به مؤكدا وأجراه مجرى العلوم المقرر لكثرة حججه وظهور براهينه فقال. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ جملة معترضة للتنبيه اى انا هو الذي وجب اختصاصه بان يخلص له الطاعة فانه المنفرد بصفات الالوهية والاطلاع على الاسرار والضمائر وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا يعنى الكفرة الذين اتخذوا مِنْ دُونِهِ اى من دون الله أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ اى قالوا ما نعبدهم إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ كذلك قرأ ابن مسعود وابن عباس وحينئذ قالوا المقدر بدل من الصلة او حال بتقدير قد من فاعل اتخذوا وقوله زُلْفى مصدر بمعنى قربى قال البغوي اسم أقيم مقام المصدر كانه قال ليقرّبونا الى الله تقريبا او حال والموصول مبتدا خبره إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ (١) هذا عند اهل الحجاز والبصرة ١٢

الزمر 39:4

وبين المسلمين فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من امر الدين بإدخال المحق الجنة والمبطل النار والضمير للكفرة ومقابليهم وجاز ان يكون خبر الموصول جملة قالوا ما نعبدهم وجملة انّ الله يحكم بينهم مستأنفة وجاز ان يكون المراد بالموصول المعبودون بالباطل على حذف الراجع يعنى الّذين اتّخذوهم من دونه اولياء من الملائكة وعيسى والأصنام انّ الله يحكم بينهم وجملة ما نعبدهم بتقدير القول حال او بدل للصلة ولا يحتمل كونه خبرا اخرج جويبر عن ابن عباس فى هذه الاية قال أنزلت فى ثلاثة احياء عامر وكنانة وبنى سلمة كانوا يعبدون الأوثان ويقولون الملائكة بناته فقالوا ما نعبدهم الّا ليقرّبونا الى الله زلفى وقال البغوي انهم كانوا إذا قيل لهم من ربكم ومن خلقكم ومن خلق السّماوات والأرض قالوا لله فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأوثان قالوا ليقرّبونا الى الله زلفى إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ بنسبة الولد الى الله وبقوله الأصنام تشفع عند الله كَفَّارٌ (٣) لانعام الله حيث يشرك به غيره يعنى ان الله لم يرد ولا يريد ان يهديهم ولو شاء لهداهم فلم يكذبوا ولم يكفروا جملة معترضة.. لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً كما زعموا لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ العائد الى الموصول ضمير منصوب محذوف والموصول مع الصلة مفعول لاصطفى وممّا يخلق حال منه والعائد الى الموصول فيه ايضا ضمير منصوب يعنى لو أراد الله اتخاذ الولد لاصطفى ما يشاءه مما خلق إذ لا موجود الا وهو مخلوقه لقيام الادلة على امتناع وجود واجبين ووجوب استناد ما عدا الواجب اليه ومن البين ان المخلوق لا يماثل الخالق فيقول مقام الولد له فهذا الكلام فى قوة ان يقال لو أراد الله ان يتّخذ ولدا لا يتصور ذلك فحذف الجزاء وأقيم دليله مقامه وجاز ان يكون العائد الى الموصول فى ممّا يخلق الضمير المرفوع والمعنى لو أراد الله ان يتّخذ ولدا لاصطفى ولدا بقدر على خلق الأشياء وذا محال لانه يستلزم تعدد الالهة فهو دليل على امتناع ارادة الله ان يتخذ ولدا ثم قرر ذلك بقوله سُبْحانَهُ ان يكون له ولد هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ يعنى ان الالوهية التي تتبع الوجوب مستلزم للتوحد فى ذاته وصفاته وتنافى المماثلة والمشاركة فانى يكون له ولد والولد لا يكون

الزمر 39:5

الا من جنس الوالد ناشيا من بعض اجزائه الْقَهَّارُ (٤) القهارية المطلقة ينافى المشاركة وقبول الزوال المحوج الى الولد ثم استدل على ذلك بقوله. خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ اى متلبسا بالحق غير عابث بل ليكون دليلا على الصانع يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ يغشى كل واحد منهما الاخر كانه يلف عليه لف اللباس باللابس او يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفاف او يجعله كارا عليه كرورا متتابعا مثل اكوار العمامة والحاصل انه يخلق كل واحد منهما عقيب الاخر قال الحسن والكلبي ينقص من الليل ويزيد فى النهار وينقص من النهار ويزيد فى الليل وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي فى الفلك لِأَجَلٍ مُسَمًّى اى ليوم القيامة أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على كل شىء الْغَفَّارُ (٥) حيث لم يعاجل فى العقوبة ولم يسلب ما فى هذه الصنائع من الرحمة والمنفعة-. خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم عليه السلام خلقها من غير اب وأم ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها استدلال اخر بما أوجده فى العالم السفلى وثمّ للعطف على محذوف هو صفة نفس اعنى خلقها او على معنى واحدة اى من نفس وحّدت ثم جعل منها زوجها فشفعها بها او على خلقكم والعطف بثم لتفاوت ما بين الآيتين فان الاول عادة مستمرة دون الثانية وقيل معنى قوله خلقكم من نفس انه أخرجكم من ظهره كل ذرية ذراها حين أخذ الميثاق ثم خلق منها حواء زوجها وَأَنْزَلَ لَكُمْ اى قضى وقسّم لكم فان قضاياه وقسمه يوصف بالنزول من السماء لما كتب فى اللوح او المعنى أحدث لكم بأسباب نازلة من السماء كاشعة الكواكب والأمطار وقيل معناه خلق فى الجنة مع آدم عليه السلام ثم انزل منها لكم مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ذكر وأنثى من الإبل وو البقر والضأن والمعز حال من الانعام يَخْلُقُكُمْ جملة مبينة لما سبق اى يخلق الانس والانعام فيه تغليب لذوى العقول على غيرهم فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسى لحما ثم ينفخ فيه الروح فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ظلمة البطن والرحم والمشيمة او الصلب والرحم والبطن ذلِكُمُ

الزمر 39:7

اى الذي فعل هذه الافعال مبتدا خبره اللَّهُ رَبُّكُمْ خبر ثان لَهُ الْمُلْكُ خبر ثالث لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر رابع اى لا يستحق العبادة أحد غيره لعدم اشتراك أحد فى الخلق فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) الفاء للسببية والاستفهام للاستبعاد والتعجب يعنى كيف تصرفون عن طريق الحق بعد هذا البيان الشافي وعن عبادته الى عبادة غيره-. إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وعن ايمانكم شرط حذف جزاؤه وأقيم دليله مقامه تقديره ان تكفروا يعود وبال كفركم إليكم لا الى الله تعالى فانّ الله غنىّ عنكم وعن ايمانكم وانما أنتم تحتاجون اليه لتضرركم بالكفر وانتفاعكم بالايمان وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ عطف على الشرطية يعنى الكفر مبغوض غير مرضى له تعالى وان كان بإرادته حيث قال من يرد الله ان يّهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا وهو قول السلف وعليه اجماع اهل السنة والجماعة خلافا للمعتزلة وذكر البغوي انه قال ابن عباس والسدىّ معناه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم انّ عبادى ليس لك عليهم سلطان وهذا القول مبنى على ان يكون الرضاء بمعنى الارادة مجازا والا فالحق انه لا يستلزم الارادة ولا يرادفه فان إرادته يتعلق بالخير والشر كله ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ويستحيل تخلف المراد عن إرادته قال الله تعالى انّما قولنا لشئ إذا أردناه ان نقول له كن فيكون وَإِنْ تَشْكُرُوا اى تؤمنوا بربكم وتطيعوه يَرْضَهُ لَكُمْ قيل فى تفسيره يثيبكم به وهذا حاصل المعنى فان الرضاء يستلزم الاثابة أصله يرضاه سقط الالف بالجزم فقرأ نافع وعاصم وحمزة وهشام «ويعقوب وابن وردان بخلاف عنه ابو محمد» باختلاس حركة هاء الضمير ابقاء على ما كان لان ما قبله ساكن تقديرا وابو عمر وابن كثير وابن ذكوان والكسائي «اى الدوري بخلاف منه- ابو محمد» « (وخلف وابو جعفر بخلاف عنه-» بإشباع الحركة لانها صارت بحذف الالف موصولة بمتحرّك وهى رواية ابى حمدان وغيره عن اليزيدي وفى رواية عن ابى عمرو بإسكان الهاء وبه قرا يعقوب وَلا تَزِرُ نفس وازِرَةٌ وِزْرَ نفس أُخْرى اى لا تحمله فيه اشارة الى ان وبال كفركم لا يتجاوز عنكم الى غيركم فلا يتضرر به النبي ﷺ فدعوته إياكم الى الايمان ليس الا لاجل ان ينفعكم ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ

الزمر 39:8

تَعْمَلُونَ بالمجازاة إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) فيجازى على أعمالكم على حسب نياتكم-. وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الكافر ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً اى راجعا إِلَيْهِ مستغيثا ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ اى أعطاه او جعله ذا حشم واتباع والخول الحشم والاتباع قال رسول الله ﷺ فى العبيد إخوانكم وخولكم جعل الله تحت ايديكم او تعهده كما فى الحديث كان عليه السلام يتخولنا اى يتعهدنا بالموعظة من قولهم فلان خائل مال وهو الذي يصلحه ويقوم به كذا فى النهاية والقاموس نِعْمَةً مِنْهُ اما مفعول ثان لخوّله ان كان بمعنى أعطاه او مفعول له نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ اى الضرّ الذي كان يدعوا الله الى إزالته او نسى ربه الذي كان يتضرع اليه وما حينئذ بمعنى من كما فى قوله تعالى وما خلق الذّكر والأنثى مِنْ قَبْلُ النعمة وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً اى شركاء لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ اى دين الإسلام قرأ ابن كثير وابو عمرو ورويس بفتح الياء والباقون بضمها والضلال والإضلال لمّا ترتب على ذلك شبّه بالعلة الغائية كما فى قوله تعالى فالتقطه ال فرعون ليكون لهم عدوّا وحزنا قُلْ يا محمد لهذا الكافر تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا فى الدنيا الى أجلك امر تهديد وفيه اقناط للكافرين من التمتع فى الاخرة ولذلك علله على سبيل الاستيناف بقوله إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) قيل نزلت فى عيينة بن ربيعة وقال مقاتل نزلت فى ابى حذيفة بن المغيرة المخزومي-. أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ اى قائم بوظائف الطاعات قال ابن عمر القنوت قراءة القرآن وطول القيام قرأ ابن كثير ونافع وحمزة بتخفيف الميم فالتقديرا من هو قانت لله كمن جعل له أندادا وقرأ الباقون بتشديد الميم فام حينئذ منقطعة والمعنى امّن هو قانت كمن جعل له أندادا او متصلة بمحذوف تقديره امّن جعل لله أندادا ولم يشكر نعمته خير أم من هو قانت آناءَ اللَّيْلِ ساعاته ساجِداً وَقائِماً فى الصلاة حالان من الضمير فى قانت يَحْذَرُ الْآخِرَةَ اى يخاف عذاب الاخرة استقصارا لنفسه فى العمل وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ غير معتمد على عمله يعنى يجمع بين الخوف والرجاء

الزمر 39:10

ولا يجاوز فى الخوف حده حتى يكون أنسا فانّه لا ييئس من روح الله الّا القوم الكافرون ولا فى الرجاء حده حتى يكون أمنا فانه لا يأمن من «١» مكر الله الّا القوم الخاسرون. والجملتان واقعتان موقع الحال او الاستئناف للتعليل قال البغوي قال ابن عباس فى رواية الضحاك نزلت هذه الاية فى ابى بكر الصديق واخرج ابن ابى سعيد من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس انه قال نزلت فى عمار بن ياسر واخرج جويبر عن ابن عباس انه قال نزلت فى ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى ابى حذيفة واخرج جويبر عن عكرمة قال نزلت فى عمار بن ياسر وقال البغوي قال الضحاك نزلت فى ابى بكر وعمر رضى الله عنهما وعن ابن عمر انها نزلت فى عثمان وكذا اخرج ابن ابى حاتم عنه وعن الكلبي انها نزلت فى ابن مسعود وعمار وسلمان ووجه الجمع بين الأقوال انها نزلت فى جميعهم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الله تعالى متصفا بصفات الجلال والجمال فيحذر عذابه ويرجو رحمته فيعمل فى طاعته ويتقى عن معاصيه وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ذلك والاستفهام للانكار اى لا يستوون فهذه الجملة تقرير للاول على سبيل التعليل وقيل تقرير له على سبيل التشبيه يعنى كما لا يستوى العالم والجاهل كذلك لا يستوى المطيع والعاصي وقيل نفى لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيهما باعتبار القوة العملية على وجه الأبلغ لمزيد الفضل قيل الّذين يعلمون عمار والذين لم يعلموا ابو حذيفة المخزومي إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) بامثال هذه البيانات.. قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اى أمنوا وأحسنوا العمل يعنى أتوه بالخشوع والخضوع كما قال رسول الله ﷺ الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك فِي هذِهِ الدُّنْيا متعلق بقوله أحسنوا حَسَنَةٌ فى الاخرة يعنى الجنة مبتدا خبره للذين أحسنوا والجملة تعليل بقوله اتقوا ربكم وقيل فى الدنيا ظرف مستقر حال من حسنة وهو فاعل للظرف المستقر اعنى قوله للّذين أحسنوا قال السدىّ فى هذه الدّنيا حسنة الصحة والعافية وهذا القول (١) وفى القران فلا يأمن مكر الله إلخ ليس بسديد فان الصحة والعافية كما يعطى المؤمن يعطى الكافر ايضا بل قد ينعكس الأمر. وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ فلا عذر للمقصرين فى الطاعة لمزاحمة الكفار ففيه كناية عن طلب الهجرة من البلد الذي يتعسر فيه الإحسان ومن ثم قال ابن عباس فى تفسيره ارتحلوا من مكة وعن مجاهد انه قال فى هذه الاية قال الله تعالى ارضى واسعة فهاجروا واعتزلوا وقال سعيد بن جبير يعنى من امر بالمعاصي فليهرب والجملة اما معطوفة على قوله للّذين أحسنوا فى هذه الدّنيا حسنة واما على قوله اتّقوا ربّكم لكونها بمعنى هاجروا إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١) قيل يعنى الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للاذى من الكفار او صبروا على مفارقة الأوطان والمعارف قيل نزلت الاية فى جعفر بن ابى طالب وأصحابه مهاجرى الحبشة حيث لم يتركوا دينهم فاذا اشتد فيهم البلاء صبروا وهاجروا واللفظ عام يعمهم وكل من صبر على البلاء وعلى مشقة الطاعة وحبس النفس عن المعصية- قال البغوي قال على رضى الله عنه كل مطيع يكال له كيلا ويؤزن له وزنا الا الصابرون فانهم يحثى عليهم حثيا- وروى الاصبهانى عن انس قال قال رسول الله ﷺ تنصب الموازين ويؤتى باهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى باهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى باهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى باهل البلاء فلا تنصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصبّ عليهم الاجر صبّا بغير حساب حتى يتمنى اهل العافية انهم كانوا فى الدنيا تقرض أجسادهم بالمقاريض مما يذهب به اهل البلاء وذلك قوله تعالى انّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب. وذكر البغوي نحوه واخرج الطبراني وابو يعلى بسند لا بأس به عن ابن عباس قال يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب ثم يؤتى بالمصدق فينصب للحساب ثم يؤتى باهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان فيصب لهم الاجر صبّا حتى ان اهل العافية ليتمنون بالموقف ان أجسادهم قرضت بالمقاريض من حيث ثواب الله لهم. واخرج الترمذي وابن ابى الدنيا عن جابر قال قال رسول الله ﷺ يودّ اهل العافية يوم القيامة حين يعطى اهل البلاء الثواب لو ان جلودهم

الزمر 39:11

قرضت بالمقاريض- قلت لعل المراد باهل البلاء اهل العشق بالله بدليل ان الشهيد لم يعد من اهل البلاء مع ان أشد بلاء الدنيا القتل وهو قد صبر على بذل نفسه فى سبيل الله.. قُلْ إِنِّي قرأ نافع «ابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) اى موحد اله. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) اى أمرت بالإخلاص لاجل ان أكون مقدمهم فى الدنيا والاخرة لان قصب السبق انما هو بالإخلاص او لكونى أول من اسلم من قريش ومن دان بدينهم والعطف لمغائرة الثاني الاول بتقيده بالعلة وللاشعار بان العبادة المقرونة بالإخلاص وان اقتضت لذاتها كونها مأمورا بها فهى ايضا مقتضية لما يلزمه من السبق فى الدين وجاز ان يكون اللام زائدة كما فى أردت لان افعل فيكون امرا بالتقدم فى الإسلام والبدء بنفسه فى الدعاء اليه بعد الأمر به فانه بعث داعيا للنّاس الى الإسلام وذلك يقتضى كونه أول المسلمين فان دعوة غيره فرع اتصافه بنفسه وفيه امالة لغيره الى الإسلام يعنى انى لا أدعوكم الا الى ما هو خير إذ لو لم يكن خيرا لما اخترته لنفسى وقد اخترته اولا. قُلْ إِنِّي قرأ نافع وابو عمرو «وابو جعفر ابو محمد» وابن كثير بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بترك الإخلاص والميل الى ما أنتم عليه من الشرك وسوء الأعمال عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) فيه تحذير للمخاطبين عن العصيان كما فى الاية السابقة وامالة الى الإسلام قال البغوي هذه الاية نزلت حين دعى الى دين ابائه. قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) امر بالأخبار عن إخلاصه فى العبادة بعد الأمر بالأخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص خائفا على المخالفة من العقاب قطعا لاطماعهم ولذلك رتب عليه قوله.. فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ تهديدا وخذلانا لهم وهذا جواب شرط محذوف تقديره ان لم توافقونى فى العبادة لله خالصا فاعبدوا ما شئتم فسترون ما يترتب عليه من العذاب والخسران قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالضلال وَأَهْلِيهِمْ يعنى اتباعهم من الأزواج والأولاد والخدم بالإضلال يَوْمَ الْقِيامَةِ حين أوردهم النار ظرف لخسروا من خسر التاجر إذا غبن فى تجارته

الزمر 39:16

فانهم بالضلال والإضلال بدلوا نصيبهم من الجنة بنصيبهم من النار وهو لازم وجاء هاهنا متعديّا قال البغوي قال ابن عباس وذلك (يعنى خسران الأهل) ان الله جعل لكل انسان منزلا فى الجنة وأهلا فمن عمل بطاعة الله كان ذلك المنزل والأهل له ومن عمل بمعصية كان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بالطاعة قلت فعلى هذا معنى خسر اهله انه فوّت اهله وقيل خسران الأهل ان كانوا من اهل النار فبالاضلال وان كانوا من اهل الجنة فلذهابه عنهم ذهابا لا رجوع بعده أَلا ذلِكَ اى خسران يوم القيامة هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) دون غير ذلك من اصناف الخسران فان خسران الدنيا سهل ويتبدل وفيه مبالغة فى خسرانهم لما فيه من الاستئناف والتصدير بالا وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخسران ووصفه بالمبين ثم شرح الخسران بقوله. لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ أطباق سرادقات من النار ودخانها وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ فرش ومهاد من النار الى ان ينتهى الى القعر- سمّى السافلة ظللا لكونها ظللا لمن تحتهم ذلِكَ العذاب هو الذي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ليجتنبوا ما يوقعهم فيه يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) اى اتقونى ولا تتعرضوا لما يوجب سخطى وعذابى-. وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ البالغ فى الطغيان فعلوت منه بتقديم اللام على العين بنى للمبالغة فى المصدر كالرحموت ثم وصف به للمبالغة فى النعت ولذلك اختص بالشيطان وفسره البغوي بالأوثان لان تأنيث الضمير فى قوله أَنْ يَعْبُدُوها وهو بدل اشتمال من الطاغوت يدل على ان المراد به الأوثان وَأَنابُوا اى اقبلوا بشراشرهم إِلَى اللَّهِ عمّا سواه لَهُمُ الْبُشْرى بالثواب على السنة الرسل فى الدنيا وعلى السنة الملائكة عند حضور الموت يعنى هم استحقوا ان يبشروا ولذلك فرع قوله فَبَشِّرْ يا محمد عِبادِ (١٧) قرأ ابو شعيب بياء مفتوحة وصلا ساكنة وقفا وابو حمدون وغيره عن اليزيدي مفتوحة فى الوصل محذوفة فى الوقف وهو قياس قول ابى عمرو حيث يتبع الرسم فى الوقف والباقون يحذفونها فى الحالين. «ووقف يعقوب بالياء- ابو محمد» اخرج جويبر بسنده عن جابر بن عبد الله قال لمّا نزلت لها سبعة أبواب الاية اتى رجل من الأنصار النبي صلى الله

الزمر 39:18

عليه وسلم فقال يا رسول الله ان لى سبعة مماليك وانى قد اعتقت لكل باب منها مملوكا فنزلت فبشّر عبادى. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ يعنى يستمعون القران وغيره فيتبعون القران ويستمعون كلام الرسول وكلام الكفار فيتبعون كلام الرسول كان حق الكلام فبشرهم فوضع الظاهر اعنى عبادى الّذين يستمعون ألح موضعه للدلالة على ان مبدا اجتنابهم من الطاغوت انهم نقادون للاقوال يميزون بين الخبيث والطيب والقبيح والحسن وبين الحسن والأحسن قال عطاء عن ابن عباس أمن ابو بكر رضى الله عنه بالنبي ﷺ فجاءه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن ابى وقاص وسعيد بن زيد فسالوه فاخبرهم بايمانه فامنوا فنزلت فيهم هذه الاية والأحسن حينئذ بمعنى الحسن إذ لا حسن فى اقوال الكفار قال ابن زيد نزلت الآيتان فى ثلاثة نفر كانوا من الجاهلية يقولون لا اله الا الله زيد بن عمرو بن نفيل او سعيد بن زيد وابى ذر الغفاري وسلمان الفارسي والأحسن قول لا اله الا الله وقال السدىّ يتبعون احسن ما يؤمرون به فيعملون به قيل هو ان الله ذكر فى القران الانتصار من الظالم والعفو والعفو احسن الامرين وذكر العزائم والرخص والعزائم احسن أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) اى ذوى العقول السليمة عن معارضة الأوهام والعادات وفى ذلك دلالة على ان الهداية تحصل بخلق الله تعالى وقبول النفس لها-. أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ فى علم الله القديم كذا قال ابن عباس كَلِمَةُ الْعَذابِ يعنى خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي أَفَأَنْتَ يا محمد تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) يعنى لا تقدر عليه قال ابن عباس يريد أبا لهب وولده الجملة الشرطية معطوفة على جملة محذوفة دل عليه الكلام تقديرهء أنت مالك أمرهم فمن حقّ عليه كلمة العذاب فانت تنقذه من النّار كرّرت الهمزة فى الجزاء لتأكيد الإنكار والاستبعاد ووضع من فى النّار موضع الضمير لذلك وللدلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لامتناع الخلف فيه وان اجتهاد الرسول ﷺ فى دعائهم الى الايمان سعى فى إنقاذهم من النار ويجوز

الزمر 39:20

ان يكون أفأنت تنقذ جملة مستأنفة للدلالة على ذلك والاشعار بالجزاء المحذوف تقديره أفمن حقّ عليه كلمة العذاب تهديه أفأنت تنقذ من فى النّار فان من حقّ عليه كلمة العذاب كانه فى النار حالا- ثم استدرك لدفع توهم كون سعيه ﷺ غير مفيد مطلقا بقوله. لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ يعنى لكن الذين حق لهم كلمة الرحمة وسبق فى علم الله انهم يتقون ربهم فى إيراده بصيغة الماضي ايضا اشعار بان من حكم بانهم يتقون فهم كالذين وقع منهم التقوى لَهُمْ غُرَفٌ منازل رفيعة فى الجنة مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ منازل ارفع من الاولى مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اى من تحت كل من الفوقانية والتحتانية الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ اى وعدهم الله تلك الغرف وعدا مصدر مؤكد لنفسه لان قوله لهم غرف فى معنى الوعد لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) لان الخلف نقص وهو على الله محال عن ابى سعيد الخدري رضى الله عنه عن النبي ﷺ ان اهل الجنة يتراءون اهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر فى الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغهم غيرهم قال بلى والذي نفسى بيده رجال أمنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين- وقد ذكرنا الأحاديث الواردة فى الباب فى تفسير سورة الفرقان فى تفسير قوله تعالى أولئك يجزون الغرفة بما صبروا-. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً مطرا الاستفهام للانكار وانكار النفي اثبات وانّ مع جملتها قائم مقام المفعولين لِأ لم تر فَسَلَكَهُ فادخله يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ الظرف متعلق بسلكه على طريقة قوله تعالى كذلك سلكناه فى قلوب المجرمين وينابيع حال من الضمير المنصوب قال الشعبي كل ماء فى الأرض فمن السماء وجاز ان يكون ينابيع مفعولا ثانيا لسلكه على التوسع على طريقة أدخلته بيتا فى الدار والينبوع جاء للمنبع والنابع فعلى الاول للنابع وعلى الثاني للمنبع ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ اى اخرج بالماء زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ اصنافه من بر وشعير وغيرهما او كيفياته من خضرة وحمرة وغيرهما ثُمَّ يَهِيجُ اى ييبس فَتَراهُ بعد خضرته ونضرته مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً فتاتا منكسرا

الزمر 39:22

إِنَّ فِي ذلِكَ الأحداث والتغير لَذِكْرى اى لتذكيرا على وجود الصانع القديم القادر الحكيم الذي دبّره وسوّاه على انه مثل الحيوة الدنيا فلا ينبغى ان يغتر بها لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) إذ لا يتذكر بها غيره ومن لم يتذكر فليس من اولى الألباب بل كالانعام بل أضل منها.. أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يعنى أفاض فى قلبه نورا أدرك به الحق حقا والباطل باطلا فاذعن بكل ما جاء به النبي ﷺ بلا ارتياب عبّر عن تلك الحالة بشرح الصدر لان الصدر محل القلب والروح القابل للاسلام فاذا كان قلبه قابلا لاحكام الإسلام صار كظرف انشرح وتفسح حتى حال فيه المظروف فَهُوَ اى ذلك الشخص عَلى نُورٍ اى بصيرة مِنْ رَبِّهِ الهمزة للانكار والفاء للعطف على ما فهم مما سبق من قوله تعالى أفمن حقّ عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النّار لكن الّذين اتّقوا ربّهم فانه يفهم منه الفرق بين المؤمن والكافر والموصول مبتدا وخبره محذوف يدل عليه ما بعده والإنكار راجع الى مضمون الفاء كانه قال لما ثبت الفرق بين المؤمن والكافر فليس من شرح الله صدره للاسلام وترتب عليه كونه على نور من ربه فامن واهتدى كمن طبع الله على قلبه فقسى عن ابن مسعود قال تلا رسول الله ﷺ أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربّه قلنا يا رسول الله كيف انشرح صدره قال إذا دخل النور القلب انشرح صدره وانفسح قلنا يا رسول الله فما علامة ذلك قال الانابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله. رواه البغوي والحاكم والبيهقي فى شعب الايمان فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ الفاء للسببية مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ متعلق بالقاسية والمعنى من أجل ذكر الله اى إذا ذكر الله عندهم او تليت عليهم آياته اشتدت قساوتهم وهو ابلغ من ان يكون عن مكان من لان القاسية من أجل الشيء أشد تأبيا من القبول من القاسي عنه بسبب اخر وللمبالغة فى وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بالامتناع ذكر شرح الصدر وأسنده الى الله وقابله بقساوة القلب وأسنده الى القلب فهذه الاية فى معنى قوله تعالى والّذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم وماتوا وهم كافرون وقيل بحذف المضاف تقديره من ترك ذكر الله أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) قال

الزمر 39:23

مالك بن دينار ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب وما غضب الله على قوم إلا نزع منهم الرحمة- روى الحاكم وغيره عن سعد بن ابى وقاص قال انزل على النبي ﷺ القران فتلا عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا واخرج ابن جرير عن عون بن عبد الله ان اصحاب رسول الله ﷺ ملوا ملة فقالوا لو حدثتنا فنزلت. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ تقرير لقوله انّا أنزلنا إليك الكتاب وما بينهما معترضات وفى الابتداء باسم الله وبناء نزّل عليه تأكيد للاسناد اليه وتفخيم للمنزل واستشهاد على حسنه كِتاباً بدل من احسن الحديث او حال منه مُتَشابِهاً صفة لكتابا يعنى يشبه بعضه بعضا فى صحة المعنى والدلالة على المنافع العامة والحسن المعجز ويصدق بعضه بعضا مَثانِيَ صفة اخرى جمع مثناة اسم الظرف فانه ثنى فيه ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهى والاخبار والاحكام وصف به الكتاب باعتبار تفاصيله فهو كقولك القران سور وآيات والإنسان عروق وعظام ولحم واعصاب او جعل تميزا من متشابها كقولك رايت رجلا جسيما حسنا شمائل او جمع مثنية اسم الفاعل فان آياته تثنى على الله لصفاته الكمال تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ خوفا لما فيه من الوعيد الجملة صفة ثالثة لكتابا ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ اى لذكر الله بالرحمة وعموم المغفرة- والإطلاق للاشعار بأن اصل امره الرحمة وان رحمته سبقت غضبه والتعدية بالى لتضمين معنى السكون والاطمينان وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هى من عوارضها يعنى إذا ذكر عذاب الله فى آيات الوعيد من القران يخاف قلوب المؤمنين وتقشعر جلودهم والاقشعرار انقباض وتغير فى جلد الإنسان عند الخوف وإذا ذكر الله بالرحمة فى آيات الوعد من القران تلين جلودهم وتسكن قلوبهم- لمّا وصف الله القران بكونه مثانى؟؟؟ فيه ذكر الوعيد والوعد وصفه بما يتاثر به المؤمنون عند الوعيد والوعد فكان تقدير الكلام يخاف منه قلوب الذين يخشون ربهم وتقشعر جلودهم ثم تلين جلودهم وتطمئن قلوبهم الى ذكر الله عن العباس رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه «اى تساقطت- نهايه منه ره» كما يتحاتت عن الشجر اليابسة ورقها- رواه الطبراني بسند ضعيف ورواه البغوي وفى رواية للبغوى إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه الله على النار- فان قيل بعض اهل العشق من الصوفية الكرام يغشى عليه عند استماع القران فهل هو من الأحوال الحميدة او القبيحة وقد شنع عليهم الامام محى السنة البغوي رحمة الله عليه فى تفسيره فقال قال قتادة هذا يعنى ما ذكر من اقشعرار الجلد من خشية الله نعت اولياء الله نعتهم الله بان تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم انما ذلك فى اهل البدع وهو من الشيطان أخبرنا عن عبد الله بن الزبير قال قلت لجدتى اسماء بنت ابى بكر كيف كان اصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القران قالت كانوا كما نعتهم الله عز وجل تدمع عيونهم وتقشعر جلودهم قال فقلت لها ان نأسا إذا قرئ عليهم القران خرّ أحدهم مغشيّا عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- وروى البغوي ان ابن عمر مرّ على رجل (من اهل العراق) ساقط فقال ابن عمر ما بال هذا قالوا انه إذا قرئى عليه القران وسمع ذكر الله سقط فقال ابن عمر انا لنخشى الله وما نسقط وقال ابن عمر ان الشيطان يدخل فى جوف أحدهم ما كان هكذا صنيع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قلت وجه طريان هذه الحالة كثرة نزول البركات والتجليات مع ضيق حوصلة الصوفي وضعف استعداده وانما لم توجد هذه الحالة فى الصحابة رضى الله عنهم مع وفور بركاتهم لاجل سعة حواصلهم وقوة استعداداتهم ببركة صحبة النبي ﷺ واما غير الصحابة من الصوفية فعدم طريان تلك الحالة عليهم اما لقلة نزول البركات واما لسعة الحوصلة والعجب من الامام الهمام محى السنة البغوي رحمه الله كيف أنكر على اصحاب تلك الحالة وشنع عليهم ونسى قوله تعالى حتّى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربّكم قالوا الحقّ وهو العلىّ الكبير وقد روى هو فى تفسير تلك الاية عن النواس بن سمعان رضى الله عنه إذا أراد الله بالأمر تكلم بالوحى أخذت السماوات منه رجفة او قال رعدة شديدة خوفا من الله فاذا سمع ذلك اهل السماوات صعقو او خرّوا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبرئيل الحديث- وروى البخاري عن ابى هريرة عن النبي ﷺ نحوه بلفظ إذا قضى الله الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كانه سلسلة على صفوان فاذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربّكم قالوا الحقّ الحديث- وقوله تعالى فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا. وقول ابن عمر ان الشيطان يدخل فى جوف أحدهم وكذا استعاذة اسماء محمول على انهما زعما غشى ذلك الرجل تكلفا ومكرا ولذا نسباه الى الشيطان وانما كان انكار تلك الحالة منهما لعدم طريان الحالة عليهما وعلى أمثالهما بناء على وسعة الحوصلة وقوة الاستعداد- ويدل على ما قلت انه ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القران فقال بيننا وبينهم ان يقعد أحدهم على ظهر بنية باسطا رجليه ثم يقرا عليهم القران من اوله الى آخره فان رمى بنفسه فهو صادق حيث علّق صدقه على رمى نفسه من ظهر بنية مرتفعة فعلم منه انه حمل صرعه على الكذب والتكلف- اعلم ان البشر أقوى استعدادا وأوسع حوصلة من الملائكة كما يشهد عليه قوله تعالى انّى جاعل فى الأرض خليفة الى قوله انّى أعلم ما لا تعلمون- وقوله تعالى انّا عرضنا الامانة على السّموات والأرض الاية ولاجل ذلك يأتى حالة الغشي على الملائكة كلّما سمعوا الوحى دون البشر واما البشر فاذا تمّ نزوله لا يتغير حاله الا نادرا وإذا تم عروجه وقصر نزوله يتغير غالبا واعلم ان الصوفي متى كان فى السكر يتغير حاله غالبا عند ذكر المحبوب فى الشعر والتغني ولذلك يستحبون السماع لكن تغير الحال عند سماع القران اشرف منه حالا لان عند استماع القران وتلاوته تتنزل البركات الاصلية المتعلقة بالتجليات الذاتية والصفات الحقيقية ولا سبيل إليها لاكثر الصوفية المحتبسين فى مقام ولاجل ذلك تراهم يتغير حالهم عند السماع ما لا يتغير عند تلاوة القران واما الذين صعدوا ذروة الأفق الأعلى ثم دنى رب العزة وتدلّى فكان قاب قوسين أفادني لا يتغير أحوالهم الا كما كان يتغير حال اصحاب رسول الله ﷺ رضى الله عنهم

الزمر 39:24

تدمع عيونهم وتقشعرّ جلودهم ثم تلين جلودهم وتطمئن قلوبهم الى ذكر الله ذلِكَ الخوف والرجاء او احسن الحديث هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ هدايته وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ اى يخذله فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٦٣) يخرجه من الضلالة-. أَفَمَنْ يَتَّقِي الاستفهام للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أيستوي الفريقان فمن يتّقى بِوَجْهِهِ اى يجعله وقاية لنفسه ومعناه ان الإنسان إذ القى مخوفا من المخاوف استقبله بيديه يتّقى بهما وجهه لانه أعزّ أعضائه والكافر حين يلقى فى النار تكون يداه مغلولتين الى عنقه فلا يستطيع ان يتّقى الا بوجهه- قال مجاهد يجر على وجهه فى النار منكوسا فاول شىء منه تمسه النار وجهه وقال مقاتل هو ان الكافر يرمى فى النار مغلولة يده الى عنقه وفى عنقه صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت فيشتعل النار فى الحجر وهو معلق فى عنقه ويده سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ كمن هو أمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف فى نظائره وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ اى لهم وضع الظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم واشعارا بموجب ما يقال وهو ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) اى وباله وجملة وقيل للظّالمين حال بتقدير قد من فاعل يتقون وجاز ان يكون معطوفا على مفهوم ما سبق اعنى عذب. كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اى قبل كفار مكة كذبوا الرسل فى إتيان العذاب فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) اى من الجهة التي لا يخطر ببالهم إتيان الشرّ منها. فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ اى الذلّ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا كالمسخ والخسف والقتل وتسليط الريح والصيحة والرمي بالحجارة والغرق وغير ذلك وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ المعدّ لهم أَكْبَرُ من عذاب الدنيا لشدته ودوامه لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) اى لو كان اهل مكة من اهل العلم والنظر لاعتبروا بمن قبلهم او المعنى لو كان المكذّبون يعلمون وبال التكذيب ما كذبوا.. وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ اى لاجل انتفاعهم وتبصرهم فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يحتاج اليه الناظر فى امر دينه لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) يتعظون به. قُرْآناً عَرَبِيًّا منصوب على المدح او الحال من هذا ان قلنا ان المجرور مفعول به

الزمر 39:29

او بتقدير فى تنزيل هذا القران حتى يكون مفعولا لتنزيل المقدر والاعتماد فيها على الصفة كقوله جاءنى زيد رجلا صالحا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لا اختلال فيه بوجه ما فهو ابلغ من المستقيم واختص بالمعاني قال ابن عباس غير مختلف وقال مجاهد غير ذى لبس يعنى لا ريب فيه وقال السدى غير مخلوق ويروى ذلك عن مالك بن انس قال البغوي وحكى عن سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين ان القران ليس بخالق ولا مخلوق يعنون انه صفة من صفات الله تعالى ليس عين ذاته تعالى فيكون خالقا ولا غيره منفكا عنه فيكون حادثا مخلوقا وهذا يدل على ان الكلام اللفظي قديم صفة من صفات الله تعالى إذ الكلام النفسي الذي يدل عليه الكلام اللفظي لا يوصف بكونه عربيّا واما تعاقب حروف الكلام اللفظي الدال على حدوثه فانما لضيق المحل وحدوثه واما الكلام القائم بذاته فتوهم التعاقب فيه قياس للغائب على الشاهد كما يتوهم النافون للرؤية اشتراط الجهة والمسافة وغير ذلك فى رؤية البصر ليس كمثله شىء فى ذاته ولا فى اتصافه بصفاته ولا فى شىء من صفاته وله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) الكفر والمعاصي علة اخرى مرتبة على الاولى او بدل او بيان للاولى.. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا للمشرك والموحد رَجُلًا بدل من مثل بتقدير المضاف اى مثل رجل فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ اى مختلفون صفة لشركاء وهو فاعل للظرف المستقر او مبتدا خبره الظرف والجملة صفة لرجلا يعنى مثل المشرك على زعمه حيث يدعى الهة متعددة مثل عبد مشترك فى جماعة مختلفين يتجاذبونه ويتعاورونه فى مهامهم المختلفة فهو فى تحير وتوزع قلب وَرَجُلًا سَلَماً اى خالصا ومسلما لِرَجُلٍ لا منازع له فيه قرأ ابن كثير وابو عمرو «ويعقوب- ابو محمد» سالما على وزن فاعلا والباقون من غير الف على وزن حسن يعنى مثل المؤمن الموحد مثل عبد لواحد لا شريك فيه وليس لغيره اليه سبيل هَلْ يَسْتَوِيانِ اى ذانك العبدان مَثَلًا اى صفة وحالا ونصبه على التميز ولذلك وحده والاستفهام للانكار والتقرير يعنى حمل المخاطب على الإقرار بانهما لا يستويان حالا فان الموحد حسن حالا من المشرك وجملة هل يستويان تقديره قال الله هل يستويان مثلا بيان لمقصود قوله ضرب الله مثلا الْحَمْدُ لِلَّهِ يعنى الحمد كله لله لا يشاركه فيه على الحقيقة أحد غيره لانه المنعم بالذات

الزمر 39:30

والمالك على الإطلاق بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) ذلك فيشركون به غيره من فرط جهلهم وقيل تقدير الكلام قل الحمد لله على نعمة التوحيد والاختصاص بالمولى الواحد الحميد وبل حينئذ ليست للاضراب بل هى ابتدائية حكاية عن حال الجاهلين.. إِنَّكَ مَيِّتٌ اى ستموت ابرز بلفظ الصفة المشبهة الدالّة على الثبوت حالا لكونه متيقن الوقوع وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) اى كفار مكة او جميع الناس بصدد الموت فلا شماتة بالموت قال المحلى نزلت لمّا استبطؤا موت النبي ﷺ قال الفراء والكسائي الميّت بالتشديد من لم يمت وسيموت والميت بالتخفيف من فارقه الروح ولذلك لم يخفف هاهنا. ثُمَّ إِنَّكُمْ يعنى أنت وكفار مكة او الناس أجمعون يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فتحتج عليهم وتقول يا ربّ انّ قومى اتّخذوا هذا القران مهجورا وانهم كذبونى وكنت على الحق فى التوحيد وكانوا على الباطل فى التشريك واجتهدتّ فى الإرشاد والتبليغ ولجّوا فى العناد والتكذيب ويعتذرون بالأباطيل مثل قولهم والله ربّنا ما كنّا مشركين وقولهم ما جاءنا من بشير ولا نذير وقولهم انّا اطعنا سادتنا وكبراءنا- ما وجدنا عليه آباءنا ويختصم الناس بعضهم مع بعض فاول ما يقضى فيه الدماء اخرج الشيخان فى الصحيحين عن ابن مسعود رض قال قال رسول الله ﷺ أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء واخرج الترمذي وحسنه وابن ماجة والطبراني وابن مردوية عن ابن عباس قال سمعت النبي ﷺ يقول يأتى المقتول متعلق رأسه بإحدى يديه متكيا قاتله باليد الاخرى وتشخب أوداجه دما حتى يأتى العرش فيقول المقتول لرب العلمين هذا قتلنى فيقول الله للقاتل تعست ويذهب به الى النار- واخرج الطبراني فى الأوسط عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال يجئ المقتول أخذا قاتله وأوداجه تشخب دما فيقول رب سل هذا فلم قتلنى فيقول قتلته ليكون العزة لفلان قال هى لله تبارك وتعالى وروى ابن ابى حاتم عن ابن مسعود فذكر انه يؤتى بالقاتل والمقتول فيوقفان بين يدى الرحمان فيقال له لم قتلته فان كان قتله لله قال قتلته ليكون العزة لله فيقال فانها لله وان كان قتله لخلقه من خلق الله يقول قتلته ليكون العزة لفلان فبقال فانها ليست له فيقتل يومئذ كل خلق الله قتله ظالم غير انه يذاق الموت عدة الأيام التي أذاقها الاخر فى الدنيا- واخرج احمد والترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن الزبير عن أبيه لما نزلت انّك ميّت وانّهم ميّتون ثمّ انّكم يوم القيامة عند ربّكم تختصمون قال الزبير يا رسول الله أيكرر علينا ما بيننا فى الدنيا مع خواص الذنوب قال نعم ليكررن عليكم ذلك حتى يصل الى كل ذى حق حقه- قال الزبير والله ان الأمر لشديد- واخرج الطبراني بسند لا بأس به عن ابى أيوب رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ قال أول من يختصم يوم القيامة الرجل والمرأة والله ما يتكلم لسانه ولكن يداها ورجلاها يشهدن عليها بما كانت تعيب لزوجها وتشهد يداه ورجلاه بما كان يوليها ثم يدعى الرجل وخدمه مثل ذلك ثم يدعى اهل الأسواق وما يوجد ثمه دوانيق ولا قراريط ولكن حسنات هذا يدفع الى هذا الذي ظلم وسيئات هذا الذي ظلمه يوضع عليه ثم يؤتى بالجبارين فى مقامع من حديد فيقال أوردوهم الى النار- واخرج احمد بسند حسن عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ أول خصمين يوم القيامة الجاران- واخرج البخاري عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال من كان عنده مظلمة لاخيه فليحلله منها فى الدنيا فانه ليس ثمه دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتحمل عليه- واخرج مسلم والترمذي عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال رسول الله ﷺ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلوة وصيام وزكوة قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيقبض ويقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل ان يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فيطرح عليه ثم طرح فى النار- قلت المراد بالحسنات التي يأخذها المظلوم من الظالم اجر حسناته ما سوى الايمان إذ المظالم وغيرها من السيئات ما عدا الكفر جزاؤه متناه على اصول اهل السنة

الزمر 39:32

والجماعة فان مرتكب الكبيرة عندهم لا يخلد فى النار والايمان جزاؤه الخلود فى الجنة وهو غير متناه فلا يأتى ما هو متناه على ما ليس بمتناه- فالحاصل انه إذا فنيت حسنات الظالم قبل ان يقتض ما عليه من الخطايا وبقي عنده الايمان المجرد أخذ من خطايا المظلومين ما عدا الكفر لكونه غير متناه الجزاء فلا يوازن ما هو متناه الجزاء فيطرح على الظالم ثم طرح فى النار ان لم يعف عنه حتى إذا انتهت عقوبة تلك الخطايا ادخل الجنة بايمانه ويخلد فيها وقال البيهقي مثل ما قلت واخرج مسلم عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال لتردن الحقوق الى أهلها يوم القيامة حتى تعاد للشاة الجماء من الشاة القرناء- وفيه حتى للجاء من القرناء وللذرة من الذرة- وفى الباب أحاديث كثيرة لم اذكرها وروى البيهقي عن الزبير بن العوام قال لمّا نزلت على رسول الله ﷺ ثمّ انّكم يوم القيامة عند ربّكم تختصمون قلنا كيف نختصم وديننا وكتابنا واحد حتى رايت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت انه نزلت فينا- وعن ابن عمر نحوه وعن ابى سعيد الخدري فى هذه الاية قال كنا نقول ربنا واحد ونبينا واحد وكتابنا واحد فما هذه الخصومة فلمّا كان يوم الصفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا- وعن ابراهيم قال لما نزلت ثمّ انّكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قالوا كيف نختصم ونحن اخوان فلمّا قتل عثمان قالوا هذا خصومتنا- ومقتضى هذه الأقوال انهم كانوا يزعمون ان الاختصام فى الدماء لا يكون الا بين المؤمنين والكافرين فلمّا ظهر البغي والفساد بين المسلمين اتضح لهم انه يكون بين المؤمنين ايضا-. فَمَنْ أَظْلَمُ الفاء للسببية فان اختصام الكفار مع النبي ﷺ سبب لكونهم اظلم الناس والاستفهام للانكار يعنى لا أحد اظلم مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فزعم ان له ولدا وشريكا- وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ اى بما جاء به النبي ﷺ من القران وغيره إِذْ جاءَهُ من غير توقف وتفكر فى امره بل مع الشواهد والادلة القاطعة على صدقه أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً اى منزلا ومقاما لِلْكافِرِينَ (٣٢) استفهام للتقرير فقوله تعالى انّك ميّت وانّهم ميّتون مع ما يتلوه تسلّية للنبى ﷺ على

الزمر 39:33

تكذيب القوم حتى لا تهتم فى الانتقام منهم فان جهنم يكفيهم مجازاة لاعمالهم. وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أراد به الجنس ليتناول الرسل والمؤمنين يدل عليه قوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) بصيغة الجمع ويؤيده قراءة ابن مسعود والّذين جاءوا بالصّدق وصدّقوا به قال ابن عباس يعنى رسول الله ﷺ جاء بلا اله الا الله وصدّق به ايضا اى بلّغه الى الخلق وعلى هذا جمعية الخبر بناء على ان المراد هو ومن تبعه كما فى قوله تعالى ولقد اتينا موسى الكتب لعلّهم يهتدون وقال السدى الّذى جاء بالصّدق جبرئيل وصدّق به محمد ﷺ تلقاه بالقبول وقال الكلبي وابو العالية الّذى جاء بالصّدق رسول الله ﷺ وصدّق به ابو بكر الصديق رضى الله عنه وكذا ذكر الزجاج قول على رضى الله عنه وكذا روى عن ابى هريرة وقال قتادة ومقاتل الّذى جاء بالصّدق رسول الله ﷺ وصدّق به المؤمنون وقال عطاء والّذى جاء بالصّدق الأنبياء وصدّق به الاتباع- قال صاحب المدارك والبيضاوي والوجه فى العربية ان يكون جاء وصدّق لفاعل واحد لان التغاير يستدعى إضمار الذي وذا غير جائز او إضمار الفاعل من غير تقدم ذكر وذا بعيد- قلت وكيف يحكم بعدم جواز حذف الموصول وقد روى عن علماء التفسير من الكلبي وابى العالية وقتادة ومقاتل ما ذكرنا وورد فى شعر حسان بن ثابت رضى الله عنه امن يهجو رسول الله منهم ويمدحه وينصره سواء فان التقدير امن يهجو ومن يمدحه سواء وقال صاحب البحر المواج يمكن ان يقال انه من باب اللف والنشر الإجمالي على طريقة قالوا لن يّدخل الجنّة الّا من كان هودا او نصرى او يقال تقديره والفريق الّذى جاء بالصّدق وصدّق به وهو شامل للنبى ﷺ وابى بكر وضمير جاء بالصدق راجع الى الموصول نظرا الى النبي ﷺ وضمير صدق به راجع اليه نظر الى ابى بكر. لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ فى الجنة ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) على إحسانهم. لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا يسترها عليهم بالمغفرة خص الأسوأ بالذكر للمبالغة فانه إذا كفّر الا سوا فغيره اولى فيه رد لمذهب المعتزلة حيث يدل على عفو كبيرة والاشعار

الزمر 39:36

بانهم لاستعظامهم الذنوب يحسبون كل سيئة عملوها أسوأ الذنوب ويقال افعل هاهنا للتفضيل مطلقا لا على ما أضيف اليه وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ اى يعطيهم ثوابهم اى ثواب أعمالهم بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) يعنى يعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها فى زيادة الاجر وعظمه لفرط إخلاصهم او يقال احسن هاهنا ايضا للزيادة المطلقة قال مقاتل يجزيهم بمحاسن أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوي.. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ استفهام للنفى مبالغة فى الإثبات يعنى الله كاف عَبْدَهُ محمدا ﷺ وقرأ ابو جعفر وحمزة والكسائي «وخلف- ابو محمد» عباده يعنى أنبياءه او محمدا ﷺ وأصحابه وَيُخَوِّفُونَكَ عطف على معنى اليس الله بكاف تقديره الله كاف عبده ويخوّفونك وجاز ان يكون حالا بتقدير وهم يخوّفونك بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ قال البغوي وذلك انهم خوّفوا النبي ﷺ معرة الأوثان وقالوا لتكفنّ عن شتم الهتنا او ليصيبنّك منهم خبل او جنون وكذا اخرج عبد الرزاق وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ حتى غفل عن كفاية الله له وخوفه بما لا يضر ولا ينفع فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) يهديهم الى الرشاد. وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ إذ لا راد لفضله أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ الاستفهام للانكار يعنى الله غالب ينفع ذِي انْتِقامٍ (٣٧) منتقم من أعدائه. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعنى كفار مكة مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية وبداهة عدم صلاح الأوثان لها وكان اهل مكة يعترفون بذلك قُلْ يا محمد بعد اعترافهم لذلك أَفَرَأَيْتُمْ يعنى أخبروني بعد ما اعترفتم بان خالق العالم هو الله لا غير ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ قرأ حمزة بسكون الياء والباقون بفتحها اللَّهُ بِضُرٍّ اى بشدة وبلاء هَلْ هُنَّ يعنى اوثانكم كاشِفاتُ ضُرِّهِ عنى أَوْ ان أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ عنى قرأ ابو عمرو «ويعقوب ابو محمد» كاشفات ممسكات بالتنوين فيهما ونصب ضرّه ورحمته على المفعولية والباقون بالاضافة استفهام انكار يعنى يلزمهم باعترافهم السابق انكار كون الأصنام قادرة على كشف ضر او إمساك

الزمر 39:39

رحمة قال مقاتل فسالهم النبي ﷺ عن ذلك فسكتوا فقال الله تعالى لرسوله قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ يكفينى فى إصابة الخير ودفع الضرّ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) اى المؤمنون لعلمهم بانه نافع ولا ضارّ الا هو عبّر المؤمنين بالمتوكلين لان شأنهم التوكل على الله. قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ اى على حالكم اسم للمكان استعير هنا للحال كما ان حيث وهنا اسمان للزمان وقد يستعار أحدهما للمكان إِنِّي عامِلٌ اى على مكانتى فحذف للاختصار والمبالغة فى الوعيد والاشعار بان حاله ﷺ لا يقف على حد بل الله سبحانه يزيده على مر الدهور قوة ونصرة ولذلك توعدهم بكونه منصورا عليهم فى الدارين فقال فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ فان خزى أعدائه دليل على غلبته وقد أخزاهم يوم بدر وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) دائم وهو عذاب النار. إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ لان يهتدوا به الى مصالحهم فى المعاش والمعاد بِالْحَقِّ اى متلبسا به هذه الجملة متصلة بقوله ولقد ضربنا للنّاس فى هذا القران وما بينهما معترضات فَمَنِ اهْتَدى بالكتاب فَلِنَفْسِهِ ينتفع نفسه به وَمَنْ ضَلَّ طريق مصالح فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لا يتجاوز عنها وبال ضلاله وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اى ما وكلت عليهم لتجبرهم على الاهتداء به انما أمرت بالبلاغ وقد بلّغت فلا يضرك ضلالهم-. اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها اى يقبضها عن الأبدان اما بان يقطع تعلقها عنها بالكلية فلا يمكن لها التصرف فيها ظاهرا ولا باطنا وذلك حين موتها ونزعها عنها واما بان يقبضها ظاهرا بعض القبض بان يسلب عنها الحس والحركة الارادية وذلك بان يجعله الله تعالى متوجها الى مطالعة عالم المثال عاطلا عن عالم الشهادة ليستريح وذلك فى المنام فالتوفى بالمعنى الاول حقيقة وبالثاني مجاز فيحمل الكلام هاهنا اما على عموم المجاز وهو القبض مطلقا اما ظاهرا فقط او ظاهرا وباطنا واما على تقدير الفعل كانه قال والّتى لم تمت يقبضها فى منامها اى يقبض حسها وحركتها وما قيل ان للانسان نفسا وروحا فعند النوم لخرج النفس ويبقى الروح أريد بالنفس قوتها التي بها العقل والتميز يعنى يسلب عنه تلك القوة ويبقى الروح التي بها الحيوة والتنفس قال البغوي عن على كرم الله وجهه قال يخرج الروح عند نومه ويبقى شعاعه فى الجسد فبذلك يرى الرؤيا «١» فاذا انتبه من النوم عاد الروح الى جسده بأسرع من لحظة- ان صح هذا الأثر فالمعنى عندى ان الروح يتوجه الى مطالعة عالم المثال خارج البدن فى عالم الملكوت وذلك خروجه عند نومه ويبقى شعاعه يعنى تعلقه بالجسد كما كان فبذلك اى بخروجه يرى الرؤيا فاذا انتبه من النوم عاد الروح اى توجه الى جسده بأسرع من لحظة فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ولا يردها الى البدن حتى ينفخ نفخة البعث قرأ حمزة والكسائي قضى بضم القاف وكسر الضاد على البناء للمفعول والموت بالرفع والباقون على البناء للفاعل مسندا الى المستكن الراجع الى الله والموت بالنصب على المفعولية وَيُرْسِلُ الْأُخْرى اى النفس النائمة الى الافاقة والاحساس إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى اى الوقت المضروب لموته فى الصحيحين عن البراء بن عازب قال كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول اللهم بك أموت واحيى وإذا استيقظ قال الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذ أوى أحدكم الى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فانه لا يدرى ما خلفه عليه ثم يقول باسمك ربى وضعت جنبى وبك ارفعه ان أمسكت نفسى فارحمها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين- وفى رواية ثم ليضطجع على (١) عن سليم بن عامر ان عمر بن الخطاب قال العجب من رويا الرجل انه يبيت فيرى الشيء ولم يخطر على بال فيكون روياه كالاخذ باليد ويرى الرجل رؤيا فلا يكون روياه شيئا فقال على رضى الله عنه أفلا أخبرك بذلك يا امير المؤمنين ان الله يقول الله يتوفّى الأنفس حين موتها والّتى لم تمت فى منامها فيمسك الّتى قضى عليها الموت ويرسل الاخرى الى أجل مسمّى فالله يتوفى الأنفس كلها فما رأت وهى عنده فى السماء فهى الرؤيا الصادقة وما رات إذا أرسلت الى أجسادها تلقتها الشياطين فى الهوى فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها فعجب عمر من قوله- ١٢ منه رحمه الله-

الزمر 39:43

شقه الايمن ثم ليقل وفى رواية فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات وان أمسكت نفسى فاغفر لها إِنَّ فِي ذلِكَ التوفى والإمساك والإرسال لَآياتٍ اى دلالات على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) فى كيفية تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها بالكلية عند الموت وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها وما يعتريها من السعادة والشقاوة والحكمة فى توفيها عن ظواهرها وإرسالها حينا بعد حين الى توفى اجالها فيعلمون ان القادر على ذلك قادر على البعث- وهذه الاية فى مقام التعليل لقوله وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون.. أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ أم ابتدائية بمعنى الهمزة للانكار او متصلة معطوفة على جملة محذوفة تقديره اجعلوا لله شركاء أم اتّخذوا من دونه شفعاء او منقطعة بمعنى بل للاضراب عن مضمون قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ والهمزة للانكار قُلْ يا محمد أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) الهمزة للانكار والتقدير ايشفعون لكم ولو كانوا على هذه الصفة التي تشاهدونهم عليها جمادات لا تعقل ولا تقدر- ولما كان هاهنا مظنة ان يقولوا انا نعبد اشخاصا مقربين لله تعالى وتلك الأصنام تماثيلهم قال الله تعالى ردا لهذا القول وتعليلا لقوله لا يملكون. قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ثم قرر ذلك بقوله لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يملك أحد ان يتكلم فى امر الا باذنه ورضائه فهو مالك الشفاعة كلها ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) يوم القيامة فيكون له الملك ايضا حينئذ. وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ اى نفرت وانقبضت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعنى الأوثان إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) اى يعرجون قال البغوي قال مجاهد ومقاتل وذلك حين قرأ النبي ﷺ سورة والنجم والقى الشيطان فى أمنيته تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى ففرح به الكفار- وكذا اخرج ابن المنذر عن مجاهد- قال البيضاوي لقد بالغ فى الامرين حتى بلغ الغاية فان الاستبشار ان يمتلى قلبه سرورا حتى ينبسط له بشرة وجهه والاشميزاز ان يمتلى غمّا وغضبا حتى ينقبض أديم وجهه والعامل فى إذا معنى المفاجاة. قُلِ اللَّهُمَّ

الزمر 39:47

فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ امر الله سبحانه رسوله بالالتجاء الى الله بالدعاء لمّا تحير فى أمرهم وعجز فى عنادهم وشدة شكيمتهم فانه القادر على الأشياء كلها العالم بالأحوال جميعها ما غاب عنّا وما شاهدناه أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فتنصر المحق وتخذل المبطل فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) عن ابى سلمة قال سالت عائشة بما كان رسول الله ﷺ يفتح الصلاة من الليل قالت كان يقول اللهم رب جبرئيل وميكائيل واسرافيل فاطر السّموات والأرض عالم الغيب والشّهادة أنت تحكم بين عبادك فى ما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم-. وَلَوْ ثبت أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وعيد شديد واقناط بليغ لهم من الخلاص وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) فى مراتب التعذيب فيه مبالغة بليغة فى مقابلة قوله تعالى للمؤمنين فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين- قال مقاتل ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا فى الدنيا انه نازل بهم فى الاخرة وجاز ان يكون المعنى انهم يحتسبون ان الأوثان يشفع لهم او لا يكون لهم بعث ونشور او يكونوا فى الاخرة حسن حالا من المؤمنين فيظهر خلاف ذلك وقال السدى ظنوا انها حسنات فبدت لهم انها سيئات يعنى كانوا يزعمون التقرب الى الله بعبادة الأوثان فلمّا عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا اى بدا مساوى أعمالهم من الشرك والظلم الى اولياء الله حين يعرض عليهم صحائفهم وَحاقَ اى أحاط بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) ما موصولة والمراد به العذاب او مصدرية والمعنى حاق بهم جزاء استهزائهم.. فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الكافر وقيل اخبار عن الجنس بما يغلب فيه ضُرٌّ شدة دَعانا معطوف على قوله وإذا ذكر الله وحده بالفاء لبيان تناقضهم وتعكيسهم فى السبب يعنى يشمازّون عند ذكر الله وحده ويستبشرون عند ذكر الأصنام فاذا مسهم

الزمر 39:50

ضر دعوا من اشمأزّوا بذكره دون من استبشروا به وما بينهما اعتراض مؤكد لانكار ذلك ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أعطيناه نِعْمَةً مِنَّا تفضلا فان التخويل مختص به قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ منى بوجوه كسبه او بانى أعطيته لمالى من استحقاقه او من الله بي واستيجابى والضمير لما ان جعلت موصولة والا فلنعمة والتذكير لان المراد شىء منها بَلْ هِيَ اى النعمة فِتْنَةٌ امتحان من الله أيشكر أم يكفر او استدراج لهم ليكون سببا لتعذيبهم وقيل بل الكلمة التي قالها فتنة له موجب للتعذيب وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) ذلك قال البيضاوي هذا دليل على ان المراد بالإنسان الجنس قلت وان كان المراد بالإنسان الكافر فالمراد بأكثرهم كلهم او يقال ان بعضهم كانوا يعتقدون انهم على الباطل كاحبار اليهود وما كانوا ليؤمنوا تعنتا وعنادا. قَدْ قالَهَا اى تلك الكلمة الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال مقاتل يعنى قارون حيث قال انّما أوتيته على علم عندى وصيغة الجمع بناء على شموله لمن رضى بقوله فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) من الكنوز ما انّ مفاتحه لتنوا بالعصبة اولى القوّة. فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا اى جزاءها سمى جزاء السيئة سيئة نظرا للمقابلة وَالَّذِينَ ظَلَمُوا اى كفروا مِنْ هؤُلاءِ اى من كفار مكة سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا كما أصاب أولئك فاصابهم بان قحطوا سبع سنين وقتل ببدر صناديدهم وادخلوا النار الا من تاب وأمن منهم وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) اى فائتين. أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ لمن يشاء ابتلاء الاستفهام للانكار والعطف على محذوف تقديره أيقولون هذا القول يعنى انّما أوتيته على علم ولم يعلموا ان توسعة الرزق وتضيقه من الله تعالى قد يوسع الرزق لمن لا يعلم وجوه الكسب وليس له استحقاق الكرامة أصلا وقد يضيقه على عكس ذلك إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) بان الحوادث كلها من الله تعالى والأسباب انما هى على مجرى العادة فى الظاهر. روى الشيخان فى الصحيحين ان ناسا من اهل الشرك قتلوا فاكثروا وزنوا فاكثروا ثم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا ان الذي تقول وتدعونا اليه لحسن لو تخبرنا انّ لما عملنا كفارة

الزمر 39:53

فنزلت ما فى سورة الفرقان والّذين لا يدعون مع الله الها اخر الى قوله غفورا رحيما ونزلت. قُلْ يا عِبادِيَ الاية قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي «ويعقوب وخلف- ابو محمد» بسكون الياء وحذفها وصلا لاجتماع الساكنين والباقون بفتحها «١» واخرج ابن ابى حاتم بسند صحيح عن ابن عباس انها نزلت فى مشركى مكة كذا ذكر البغوي قول عطاء عن ابن عباس وكذا اخرج الطبراني عن ابن عباس بسند ضعيف انه بعث رسول الله ﷺ الى وحشي قاتل حمزة يدعوه الى الإسلام فارسل اليه كيف تدعونى الى دينك وأنت تزعم انه من قتل او أشرك او زنى يلق أثاما يّضاعف له العذاب يوم القيامة وانا قد فعلت ذلك كله فانزل الله تعالى الّا من تاب وأمن وعمل عملا صالحا فقال وحشي هذا شرط شديد لعلى لا اقدر على ذلك فهل غير ذلك فانزل الله تعالى انّ الله لا يغفر ان يّشرك به فيغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقال وحشي أراني بعد فى شبهة فلا أدرى يغفرلى أم لا فانزل الله هذه الاية- زاد البغوي فقال المسلمون هذا له خاصة أم للمسلمين عامة قال رسول الله ﷺ بل للمسلمين عامة- واخرج الحاكم عن ابن عمر قال كنا نقول ما للمفتتن توبة إذا ترك دينه بعد إسلامه ومعرفته فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة انزل فيهم قل يعبادى الّذين أسرفوا الاية- وذكر البغوي انه روى عن ابن عمر انه قال نزلت هذه الاية فى عيّاش بن ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد اسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا ابدا قوم اسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه فانزل الله تعالى هذه الآيات فكتبها عمر بيده ثم بعث بها الى عيّاش بن ربيعة والوليد بن الوليد وأولئك النفر فاسلموا وهاجروا الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ اى افرطوا بالجناية عليها بالكفر والمعاصي قال البغوي روى عن ابن عمر انه أراد بالإسراف الكبائر لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ اى لا تيئسوا من مغفرته وتفضله إذا أمنتم وتبتم عن الشرك وهذا القيد ثابت بالإجماع وبقوله تعالى انّ الله لا يغفر ان يّشرك به وبالروايات الواردة فى سبب نزول الاية فالمعنى لا تتركوا الايمان اياسا من رحمة الله بناء على ما اسرفتم من قبل إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (١) وفى الأصل بحذفها ولا شك انه سباق قلم. صغيرها وكبيرها إذا تبتم عن الشرك وأمنتم بالله وحده فان الإسلام يهدم ما كان قبله- رواه مسلم عن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ ومورد هذه الاية وان كان خاصا فانها نزلت فى من ارتكب الكبائر فى حالة الشرك ثم اسلم لكن لفظها عام يدل على ان العبد إذا أمن (كما يدل عليه إضافته تعالى العبد الى نفسه بناء على عرف القرآن وان كان ارتكب الكبائر بعد الإسلام) ليرجو ان يغفر الله له ان شاء وان لم يتب كما يدل عليه قوله تعالى انّ الله لا يغفر ان يّشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والتعليل فى هذه الاية بقوله إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) بصيغة المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة وتقديم ما يستدعى عموم المغفرة مما فى عبادى من الدلالة على الزلة والاختصاص المقتضيين للترحم وتخصيص ضرر الإسراف بانفسهم والنهى عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة وإطلاقها وتعليله بان الله يغفر الذنوب جميعا ووضع اسم الله موضع الضمير للدلالة على انه المستغنى والمنعم على الإطلاق والتأكيد بالجمع والأحاديث الواردة فى هذا الباب واجماع الامة- روى مقاتل بن حبان عن نافع عن ابن عمر قال كنا معشر اصحاب رسول الله ﷺ نرى او نقول ليس شىء من حسناتنا الا وهى مقبولة حتى نزلت يايّها الّذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول ولا تبطلوا أعمالكم قلنا ما هذا الذي نبطل اعمالنا فقلنا الكبائر والفواحش- قال فكنا إذا راينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك فنزلت هذه الاية قل يا عبادى الّذين أسرفوا- فكففنا عن القولين فكنا إذا راينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه وان لم يصب منها شيئا رجونا له- وروى عن ابن مسعود انه دخل المسجد قاصّ يقصّ وهو يذكر النار والاغلال فقام على رأسه فقال يا مذكّر لم نقنط الناس ثم قرأ قل يا عبادى الّذين أسرفوا عمل أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة الله الاية- وعن اسماء بنت زيد قالت سمعت رسول الله ﷺ يقرأ يا عبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة الله انّ الله يغفر الذّنوب جميعا ولا يبالى- رواه احمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وفى شرح السنة يقول بدل يقرا وعن ابى سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان فى بنى إسرائيل رجل قتل تسعا وتسعين إنسانا ثم خرج فاتى راهبا فساله فقال ليس لك توبة قال فقتله وجعل يسئل فقال له رجل ايت قرية كذا وكذا فادركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فاوحى الله الى هذه ان تقربى واوصى الى هذه ان تباعدى فقال قيسوا ما بينهما فوجدوا الى هذه اقرب بشبر فغفر له- متفق عليه وروى مسلم بن الحجاج هذا الحديث وفيه فدلّ على راهب فاتى فقال انه قتل تسعا وتسعين نفسا فهل لى توبة فقال لا فقتله وكمل به مائة ثم سال اعلم اهل الأرض فدل على رجل عالم فقال انه قتل مائة نفسا فهل له توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق الى ارض كذا وكذا فان بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم فلا ترجع الى أرضك فانها ارض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فاتاهم ملك فى صورة فجعلوه حكما فقال قيسوا بين الأرضين فالى أيتهما ادنى فهو له فقاسوا فوجدوه ادنى الى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال كان رجل لم يعمل خيرا قط فاوصى لاهله إذا مات فحرقوه ثم ذروا نصفه فى البر ونصفه فى البحر فو الله لان قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين قال فلمّا مات فعلوا ما أمرهم فامر الله البحر فجمع ما فيه وامر البر فجمع ما فيه ثم قال له لم فعلت هذا قال من خشيتك يا ربّ وأنت اعلم فغفر له- متفق عليه- وروى البغوي عن ضمضم بن حوش قال دخلت مسجد المدينة فنادانى شيخ فقال يا يمانى (تعال ولا أعرفه) فقال لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة فقلت من أنت يرحمك الله قال ابو هريرة قال فقلت وان هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض لاهله إذا غضب او لزوجته او لخادمه قال فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول ان رجلين كانا فى بنى إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد فى العبادة والاخر كان مذنبا فجعل يقول له اقصر عما أنت فيه قال فيقول خلّنى وربى قال حتى وجده يوما على ذنب استعظمه فقال اقصر فقال خلنى وربى أبعثت علىّ رقيبا فقال والله لا يغفر الله لك ابدا ولا يدخلك الله الجنة ابدا قال فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده قال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للاخر اتستطيع ان تحظر على عبادى رحمتى فقال لا يا رب فقال اذهبوا به الى النار قال ابو هريرة والذي نفسى بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته وروى احمد عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان رجلين كانا فى بنى إسرائيل متحابين ذكر الحديث الى آخره بعينه وعن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ لا أحب ان لى الدنيا وما فيها بهذه الاية يا عبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة الله الاية- رواه احمد بسند حسن وابن جرير والطبراني فى الأوسط والبيهقي فى شعب الايمان وفيه فقال رجل يا رسول الله ومن أشرك فنكس ساعة ثم قال الا ومن أشرك ثلاث مرات وعن جندب ان رسول الله ﷺ حدّث ان رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان وان الله قال من الذي يتالى علىّ «اى يقسم منه ره» انى لا اغفر لفلان فانى قد غفرت لفلان واحبطتّ عملك- او كما قال رواه مسلم وعن ابن عباس فى قوله تعالى الّا اللّمم قال رسول الله ﷺ ان تغفر اللهم تغفر جمّا واىّ عبد لك لا الما- رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب. وفى حديث قدسى طويل عن ابى ذر عن النبي ﷺ افعل ما أريد عطائى كلام وعذابى كلام انما امرى لشئ إذا أردته ان أقول له كن فيكون- رواه احمد والترمذي وابن ماجة وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان الله عزّ وجلّ ليرفع الدرجة للعبد الصالح فى الجنة فيقول يا رب انّى لى هذا فيقول باستغفار ولدك لك- رواه احمد وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ الميّت فى القبر كالغريق المتغوث ينتظر دعوة يلحقه من اب او أم او أخ او صديق فاذا ألحقته كان أحب اليه من الدنيا وما فيها وان الله ليدخل على اهل القبور من دعاء اهل الأرض أمثال الجبال وان هدية الاحياء الى الأموات الاستغفار لهم- رواه البيهقي فى شعب الايمان وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ان الله ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب قالوا يا رسول الله وما الحجاب قال ان تموت النفس وهى مشركة رواه احمد والبيهقي فى كتاب البعث والنشور وعنه قال قال رسول الله ﷺ من لقى الله لا يعدل به شيئا فى الدنيا ثم كان عليه مثل جبال ذنوب غفر الله له- رواه البيهقي فى كتاب البعث والنشور وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان لله مائة رحمة انزل منها رحمة واحدة بين الجن والانس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش على ولدها واخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة- متفق عليه وروى مسلم عن سلمان نحوه وفى آخره فاذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة- وعن عمر بن الخطاب قال قدم على النبي ﷺ سبى فاذا امراة من السبي قد تحلب ثديها تسعى إذا وجدت صبيّا فى السبي أخذته فالصقته ببطنها وارضعته فقال لنا النبي ﷺ أترون هذه طارحة ولدها فى النار فقلنا لا وهى تقدر على ان لا تطرحه فقال الله ارحم بعباده من هذه بولدها- متفق عليه وعن ابى الدرداء انه سمع النبي ﷺ يقص على المنبر وهو يقول ولمن خاف مقام ربّه جنّتان قلت وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثانية ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثانية وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثالثة ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثالثة وان زنى وان سرق يا رسول الله قال وان رغم انف ابى الدرداء- رواه احمد- وعن عامر الرام قال بينا نحن عنده (يعنى النبي صلى الله عليه وسلم) إذ اقبل رجل عليه كساء وفى يده شىء قد التف عليه فقال يا رسول الله مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فاخذتهن فوضعتهن فى كسائى فجاءت امهن فاستدارت على رأسى فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن فلففتهن بكسائى فهن أولاء معى قال ضعهن فوضعتهن وأبت امهن الا لزومهن فقال رسول الله ﷺ أتعجبون لرحم أم الافراخ فراخها فو الذي بعثني بالحق لله ارحم بعباده من أم الا فراخ بفراخها ارجع بهن فضعهن من حيث اخذتهن وامهن معهن فرجع بهن- رواه ابو داود وعن عبد الله بن عمر قال كنا مع النبي ﷺ فى بعض غزواته فمرّ بقوم فقال من القوم قالوا نحن المسلمون وامراة تخضب بقدرها ومعها ابن لها فاذا ارتفع وهج تنحت به فاتت النبي ﷺ فقالت أنت رسول الله قال نعم قالت بابى أنت وأمي اليس الله ارحم الراحمين قال بلى قالت أليس الله ارحم بعباده من الام بولدها قال بلى قالت ان الام لا تلقى ولدها فى النار فاكب رسول الله ﷺ يبكى ثم رفع رأسه إليها فقال ان الله لا يعذب من عباده الا المارد المتمرد «الشديد العالي- منه ره» الذي يتمرد على الله والى ان يقول لا اله الا الله- رواه ابن ماجة وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ما من عبد قال لا اله الا الله ثم مات على ذلك الا دخل الجنة قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان رنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان زنى وان سرق قال وان رنى وان سرق على رغم انف ابى ذر متفق عليه وفى الباب أحاديث كثيرة تدل على ان مال المؤمن الى الجنة لا كما قالت المعتزلة ان مرتكب الكبيرة ان لم يتب يخلد فى النار- واما استدلال المرجئة بهذه الأحاديث على ان المعاصي صغائر كانت او كبائر لا يضر مع الايمان كما ان الطاعة لا ينفع مع الكفر فباطل مستلزم لانكار الآيات والأحاديث الواردة فى المناهي وكون الصغائر والكبائر مفضية الى التعذيب والسخط من الله تعالى الا ان يتداركه المغفرة فالمذهب الحق ما قال اهل السنة والجماعة رضى الله عنهم ان الطاعة لا تنفع مع الكفر لان الطاعة لا يكون طاعة الا إذا كانت خالصة لله تعالى والا فهى معصية والايمان شرط للطاعة كالوضوء للصلوة واما المعصية فهى وان كانت فى نفسها مقتضية للتعذيب لكنها فى مشية الله تعالى ان شاء غفر له وان شاء عذبه فان غفر له غفر له اما بالتوبة واما بشفاعة من النبي ﷺ او من أحد من اتباعه واما بمحض فضل من الله تعالى وان عذبه لا يكون تعذيبه مؤبدا ان كان المرء مؤمنا لان الله تعالى وعد بالثواب على كل حسنة قال الله تعالى ومن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره والايمان رأس الحسنات والخلف فى الوعد محال ومحل الثواب الجنة لا محالة لكن المؤمن يرى ذنبه كانه قاعد تحت جبل والفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على انفه فقال به هكذا بيده فذبه عنه. رواه البخاري

الزمر 39:54

عن النبي صلى الله عليه وسلم-. وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ اى ارجعوا اليه بالتوبة من الشرك وَأَسْلِمُوا اى انقادوا له من قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ فى القبر او بعد البعث فحينئذ لا ينفع الايمان منكم كما يدل عليه قوله ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) عطف على جملة مستأنفة وتقديره تعذبون ثم لا تنصرون. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى القران فانه احسن من كل كلام او المراد به العزائم دون الرخص مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) بمجيئه. أَنْ تَقُولَ اى كراهة ان تقول او لئلا تقول نَفْسٌ تنكير نفس لان القائل به بعض الأنفس او للتكثير وهو منصوب على العلية لقوله أنيبوا وقال المبرد تقديره بادروا واحذروا ان تقول نفس يا حَسْرَتى الحسرة الاغتمام وأصله يا حسرتى انقلبت الياء الفا فى الاستغاثة وربما الحقوا به ياء المتكلم بعد الف الاستغاثة كذلك قرأ ابو جعفر يا حسرتاى «بخلاف عن ابن وردان- ابو محمد» عَلى ما فَرَّطْتُ ما مصدرية اى على تفريطى وتقصيرى فِي جَنْبِ اللَّهِ قال الحسن اى قصرت فى طاعة الله وقال مجاهد فى امر الله وقال سعيد بن جبير فى حق الله وقيل فى ذات الله على تقدير مضاف اى فى طاعته او فى قربه وقيل معناه قصرت فى الجانب الذي يردّنى الى رضاء الله وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) ان مخففة من الثقيلة واسمه ضمير الشأن واللام فارقة والجملة فى محل النصب على الحال كانّه قال وانا كنت ساخرا مستهزءا بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين. أَوْ تَقُولَ لَوْ ثبت أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) من الشرك والمعاصي. أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ عيانا لَوْ للتمنى أَنَّ لِي كَرَّةً اى رجعة الى الدنيا فَأَكُونَ منصوب بعد الفاء فى جواب التمني مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) معناه اتمنى كون بي رجعة الى الدنيا فكونى من المحسنين فى العقيدة والأعمال والعطف باو للدلالة على انه لا يخلو عن مثل هذه الأقوال تحيرا او تعللا بما لا طائل تحته.. بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥١) ومن الله

الزمر 39:60

عليه لما تضمنه قوله لو انّ الله هدانى لكنت من المتّقين فان معناه لم يهدنى الله فان كان المراد بها اراءة الطريق فالمعنى بلى قد هديتك حيث أرسلت إليك رسولى وجاءتك كتابى فكذبت بها وكان قوله لو انّ الله هدانى إنكارا لتبليغ الرسل كما جاء فى الحديث يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلّغت فيقول نعم فيدعى أمته فيقال لهم هل بلّغكم فيقولون لا ما جاءنا من بشير ولا نذير وقد ذكرنا الحديث فى تفسير قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وقوله تعالى فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وان كان المراد بها خلق الهداية والإيصال الى المطلوب فقولهم مبنى على التشبث بالجبر وانكار قدرتهم على كسب الايمان والطاعة فمعنى الاية بلى قد خلقت فيك القدرة التي يترتب عليها العذاب والثواب فكذّبت باختيارك لما جاءتك آياتي وهذا لا ينافى تأثير قدرت الله فى افعال العباد كما هو مذهب اهل السنة والجماعة فان قيل فما وجه الفصل بين الرد والمردود قلنا وجه ذلك ان تقديم هذه الاية مفرق القرائن وتأخير المردود يخل بالنظم المطابق للوجود لانه يتحسر بالتفريط ثم يتعلل بفقد الهداية ثم يتمنى الرجعة وتذكير الخطاب نظرا الى المعنى. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بان وصفوه بما لا يجوز كاتخاذ الولد وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ الجملة حال من مفعول ترى لانه من رؤية البصر أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) عن الايمان والجملة تقرير لكونهم يرون ذلك. وَيُنَجِّي اللَّهُ من جهنّم الَّذِينَ اتَّقَوْا من الشرك بِمَفازَتِهِمْ قرأ حمزة والكسائي وابو بكر «وخلفه ابو محمد» بمفازاتهم بالألف على الجمع والباقون بغير الف على الافراد اى بفلاحهم وتفسيرها بالنجاة تخصيص باهم اقسامه وبالسعادة والعمل الصالح اطلاق للمسبب على السبب والباء للسببية صلة لينجى او لقوله لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) حال او استئناف لبيان المفازة-. اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر والايمان والكفر هذه الجملة متصلة بقوله الله يتوفّى الأنفس وما بينهما معترضات وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) اى الأشياء كلها موكولة اليه وهو القائم بحفظها الجملة عطف او حال. لَهُ مَقالِيدُ جمع قلاد او مقليد كمفتاح ومفاتيح او منديل ومناديل السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعنى لمفاتيح خزائن السماوات والأرض بيده ملكوتها لا يتمكن من التصرف فيها غيره قال قتادة ومقاتل مفاتيح السماوات والأرض بالرزق والرحمة وقال الكلبي خزائن المطر وخزائن النبات وعن عثمان رضى الله عنه انه سال النبي ﷺ عن المقاليد قال تفسيرها لا اله الا هو والله اكبر وسبحان الله وبحمده واستغفر الله ولا حول ولا قوة الا بالله هو الاول والاخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيى ويميت وهو على كل شىء قدير «١» - أخرجه ابو يعلى فى مسنده وابن ابى حاتم فى تفسيره والعقيلي فى الضعفاء والطبراني فى الدعاء والبيهقي فى الأسماء والصفات من حديث ابن عمر وذكره ابن الجوزي فى الموضوعات- قلت لعل المعنى ان صفات الله تعالى المذكورة فى هذه الكلمات تفسير للمقاليد يعنى من كان متصفا بتلك الصفات فهو مالك خزائن السماوات والأرض بيده ملكوتها والتصرف ومن يعتقد بها ويذكرها يتاهل ان يفتتح له الخزائن اما عاجلا او أجلا وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ اى بالقران وبكلمات تمجيده وتوحيده او بدلائل قدرته واستبداده بامر السماوات والأرض أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) حصر الخسار بهم لان غيرهم ذو حظ من الرحمة والثواب فإن فات عنهم شىء من حظوظ الدنيا فهم مستبدلوها بما لا عين رات ولا اذن سمعت من الحظوظ فى الاخرة واما الكفار فان كان لهم نصيب من خزائن الرزق والمطر فى الدنيا فلا نصيب لهم فى الشكر فلا نصيب لهم فى خزائن الرحمة والحظوظ العاجلة تنقلب عليهم وبالا واستدراجا وجاز ان يكون هذه الاية متصلة بقوله وينجّى الله (١) وروى قصة سوال عثمان عن المقاليد من حديث ابى هريرة نحوه ومن حديث ابن عباس نحوه وزاد فيه من قالها إذا أصبح عشر مرات وإذا امسى أعطاه الله ست خصال اما او لهن فيحرس من إبليس وجنوده واما الثانية فيعطى قنطارا فى الجنة واما الثالثة فيزوج من حور العين واما الرابعة فيغفر له ذنوبه واما الخامسة فيكون مع ابراهيم عليه السلام واما السادسة فيحضره اثنا عشر ملكا عند موته فيبشرونه بالحق ويزفونه من قبره الى الموقف فاذا أصابه شىء من أهاويل يوم القيامة قالوا لا تخف انك من الآمنين ثم يحاسبه الله حسابا يسيرا ثم يؤمر به الى الجنة يزفونه الى الجنة من موقفه كما يزف العروس حتى يدخلونه الجنة بإذن الله والناس فى شدة الحساب ١٢ منه نور الله ضريحه ١٢

الزمر 39:64

الّذين اتّقوا وما بينهما اعتراض للدلالة على انه مهيمن على العباد مطلع على أفعالهم مجاز عليها وتغير النظم للاشعار بان العمدة فى فلاح المؤمنين فضل الله وفى خسران الكافرين كفرهم بايات الله والتصريح بالوعد والتعريض بالوعيد قضية المكر والله اعلم- اخرج الطبراني وابن ابى حاتم عن ابن عباس ان قريشا دعت رسول الله ﷺ الى ان يعطوه مالا فيكون اغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء فقالوا هذا لك يا محمد وكفّ عن شتم الهتنا ولا تذكرها بسؤ فان لم تفعل فاعبد الهتنا سنة ونعبد إلهك سنة قال حتى انظر ما يأتينى من ربى فانزل الله تعالى قل يا ايّها الكافرون الى اخر السورة وانزل. قُلْ يا محمد أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي قرأ نافع وابن كثير «وابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) واخرج البيهقي فى الدلائل عن الحسن البصري قال قال المشركون للنبى ﷺ تضلل آباءك وأجدادك يا محمد فانزل الله هذه الاية الى قوله من الشّاكرين وقال البغوي قال مقاتل ان كفار مكة دعوه الى دين ابائه فنزلت قرأ اهل الشام بنونين خفيفتين واهل المدينة بنون واحدة خفيفة على الحذف فانها تحذف كثيرا والباقون بنون واحدة مشددة على الإدغام والهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف وغير مفعول لاعبد قدم عليه لانه محل الإنكار وتأمرونى جملة معترضة تقديرهء أكفر فغير الله اعبد تأمرونى بذلك وجاز ان ينتصب غير بما دلّ عليه تأمروني اعبد لانه بمعنى تعبّدونى من التفعيل على ان أصله تأمرونني ان اعبد غير الله فحذف ان ورفع الفعل كقوله احضر الوعى ويؤيده قراءة اعبد بالنصب فالتقدير الم يتضح عليكم التوحيد بعد تلك الدلائل فتعبّدوننى غير الله حيث تأمرونني ان اعبد غير الله. وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) كلام على سبيل الفرض والمراد به اقناط الكفرة والاشعار على حكم الامة. وبهذه الاية نحكم بان الردة محبط لثواب جميع الحسنات كما ان الإسلام يهدم ما كان قبله من السيئات فان اسلم بعد الردة فى وقت صلوة

الزمر 39:66

صلاها فعليه أداؤه ثانيا وكذا يجب الحج ثانيا على من حج ثم ارتد ثم اسلم كذا قال الامام ابن الهمام وقال البيضاوي اطلاق الإحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم لان شركهم أقبح وأن يكون على التقييد بالموت كما صرح به فى قوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم وهذا القول باطل لان القول بكونها من خصائص الأنبياء شنيع جدا تكاد السّماوات يتفطّرن من هذا القول إذ الكلام انما هو على سبيل الفرض المحال وانما المراد به الاشعار على حكم غيرهم وقوله من يرتد دمنكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم لا يدل على نفى الحبط إذا لم يوجد الموت على الكفر بل المطلق عندنا يبقى على إطلاقه لا ضرورة فى حمله على المقيد والله اعلم-. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ رد لما أمروه به والله منصوب باعبد والفاء اما زائدة واما بتقدير امّا وتقديم المعمول لقصد الحصر وبل للعطف على محذوف دل عليه قوله لان أشركت إلخ تقديره لا تعبد غير الله بل الله اعبد او بل امّا الله فاعبد وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) انعامه عليك وفيه اشارة الى موجب الاختصاص اخرج الترمذي عن ابن مسعود قال مرّ يهودىّ بالنبي ﷺ فقال كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه فانزل الله تعالى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ يعنى ما عرف الناس عظمة الله سبحانه حق عظمته حيث جعلوا له شركاء ووصفوه بما لا يليق به ولم يعبدوه حق عبادته ولم يشكروه حق شكره وأنكروا البعث بعد الموت. وَالْأَرْضُ جَمِيعاً يعنى الأرضين السبع بجميع أبعاضها البادية والغارية قَبْضَتُهُ القبضة المرة من القبض أطلقت على المقدار المقبوض بالكف تسمية المفعول بالمصدر او بتقدير ذات قبضته يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ هذه الاية من المتشابهات المصروفة عن الظاهر لا يعلم تأويله الا الله والغرض منه التنبيه على عظمته وكمال قدرته وحقارة الافعال العظام التي يتخير فيها الأوهام بالاضافة على قدرته وعلى ان تخريب العالم أهون شىء عليه- وقال علماء البيان هذا الكلام وارد على طريقة التمثيل والتخيل من غير اعتبار القبضة واليمن حقيقة ولا مجازا كقولهم شابّت لمة الليل- ووجه نزول الاية بعد قول اليهودي تصديق ما حكاه اليهودي عن التورية فان كتب الله تعالى مصدقة بعضها لبعض- وفى الصحيحين حديث ابن مسعود بلفظ جاء حبر من اليهود الى النبي ﷺ فقال يا محمد ان الله يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ثم يهزهن فيقول انا الملك انا الله فضحك النبي ﷺ تعجّبا ممّا قال الحبر تصديقا له ثم قرأ وما قدروا الله حقّ قدره الاية- لعل وجه التطبيق بين رواية الترمذي ورواية الصحيحين ان الاية نزلت حينئذ فقرأها النبي ﷺ كما نزلت على اليهودي وفى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول انا الملك اين ملوك الأرض- وروى مسلم عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ يطوى الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول اين الجبارون اين المتكبرون ثم يطوى الأرضين بشماله- وفى رواية يأخذهن بيده الاخرى ثم يقول انا الملك اين الجبارون اين المتكبرون- واخرج ابو الشيخ عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال إذا كان يوم القيامة جمع الله السماوات والأرضين السبع فى قبضة ثم يقول انا الله انا الرحمان انا الملك انا القدوس انا المؤمن انا المهيمن انا العزيز انا الجبار انا المتكبر انا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئا انا الذي أعيدها اين الملوك اين الجبابرة- قال القاضي عياض القبض والطى والاخذ كلها بمعنى الجمع فان السماوات مبسوطة والأرض مدحوة ممدودة ثم رجع ذلك الى معنى الرفع والازالة والتبديل وقال القرطبي المراد بالطي الاذهاب والافناء واخرج ابن ابى حاتم عن الحسن قال عدّت اليهود فنظروا فى خلق السماوات والأرض والملائكة فلمّا فرغوا أخذوا يقدرونه فانزل الله تعالى وما قدروا الله حق قدره واخرج عن سعيد بن جبير قال قال تكلمت اليهود فى صفة الرب فقالوا بما لم يعلموا ولم يروا فانزل الله تعالى وما قدروا الله الاية واخرج ابن المنذر عن الربيع بن

الزمر 39:68

انس قال لمّا نزلت وسع كرسيّه السّموت والأرض قالوا يا رسول الله هذا الكرسي هكذا فكيف العرش فانزل الله تعالى وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسّموت مطويّت بيمينه سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) ما ابعد أعلا من هذه قدرته عن اشراكهم او ما يضاف اليه من الشركاء-. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعنى النفخة الاولى فَصَعِقَ اى مات مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قد ذكرنا المراد بالمستثنى فى هذه الاية فى سورة النمل فى تفسير قوله تعالى ونفخ فى الصّور ففزع من فى السّموت ومن فى الأرض الّا من شاء الله قال الحسن الّا من شاء الله يعنى الله وحده ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى اى نفخة اخرى يحتمل النصب والرفع فَإِذا هُمْ قِيامٌ قائمون من قبورهم يَنْظُرُونَ (٦٨) يقلّبون أبصارهم فى الجوانب كالمبهوت او ينتظرون ما يفعل بهم وبين النفختين أربعون يوما وقد ذكرنا ما ورد فيه من الأحاديث فى سورة النازعات. وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ يعنى ارض عرصات القيامة عطف على نفخ فيه اخرى بِنُورِ رَبِّها بنور خالقها قال البغوي وذلك حين يتجلّى الربّ لفصل القضاء بين خلقه فما يتضارون فى نوره كما لا يتضارون بالشمس فى اليوم الصحو وقال الحسن والسدىّ اى بعدل ربها قيل سماه نورا لانه يزين البقاع ويظهر الحقوق كما سمى الظلم ظلمة قال رسول الله ﷺ الظلم ظلمات يوم القيامة- متفق عليه من حديث ابن عمرو وُضِعَ الْكِتابُ اى صحائف الأعمال فى أيدي العمال واكتفى باسم الجنس عن الجمع اخرج البيهقي عن انس عن النبي ﷺ قال الكتب كلها تحت العرش فاذا كان الموقف بعث الله تعالى ريحا فتطيرها بالايمان والشمائل أول خط فيها اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا- واخرج ابو نعيم عن ابن مسعود موقوفا والديلمي عن ابى هريرة مرفوعا عنوان كتاب المؤمن يوم القيامة حسن ثناء الناس وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ قال السيوطي قال العلماء يكون الحساب بمشهد من النبيين وغيرهم واخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيّب قال وليس من يوم

الزمر 39:70

الا ويعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم وَالشُّهَداءِ قال ابن عباس الذين يشهدون للرسل على تبليغ الرسالة وهم امة محمد ﷺ وقال عطاء يعنى الحفظة يدل عليه قوله تعالى وجاءت كلّ نفس «١» معها سائق وشهيد وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ اى بين العباد بِالْحَقِّ اى بالعدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) اى لا يزاد فى سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ اى جزاوه وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) قال عطاء يعنى انه تعالى عالم بأفعالهم لا يحتاج الى كاتب وشاهد انما الكتاب والشهود جريا على العادة وإلزاما للكفرة- ثم فصل الله التوفية وقال. وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً اى أفواجا متفرقة بعضها على عقب بعض على تفاوت أقدامهم فى الضلالة قال ابو عبيدة والأخفش زمرا اى جماعات فى فرقة واحدتها زمرة واشتقاقها من الزمر وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه او من قولهم شاة زمرة اى قليلة الشعر ورجل زمر قليل المروة وهى الجمع القليل حَتَّى إِذا جاؤُها ليدخلوها فُتِحَتْ قرأ الكوفيون بالتخفيف والباقون بالتشديد على التكثير اى فتحّت ابوابها السبعة كلها وكانت مغلقة قبل ذلك وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها تقريعا وتوبيخا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ اى من جنسكم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا اى وقتكم هذا اى وقت دخولكم النار قال البيضاوي فيه دليل على انه لا تكليف قبل الشرع من حيث انهم عللوا توبيخهم بإتيان الرسل وإنذار الكتب قلت هذه الاية لا تدل على عدم التعديب على الإشراك بالله عند عدم الرسل بل على كمال التوبيخ بعد تمام الحجج فان العقل وان لم يكن مستقلا فى درك الشرائع لكن الدلائل المنصوبة على الوحدانية كاف لحكم العقل بالتوحيد فاذا أرسل الله سبحانه الرسل وانزل الكتب وأوضح الطريق لم يبق العذر بوجه من الوجوه والله اعلم قالُوا بَلى وَلكِنْ (١) وفى الأصل وجاءت كلّ امّة إلخ ١٢-

الزمر 39:72

حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ اى كلمة الله بالعذاب وحكمه فى الأزل انهم من الأشقياء عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) وضع المظهر موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك الحكم بالكفر. قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبهم القائل لتهويل ما يقال لهم فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) اللام للجنس والمخصوص بالذم محذوف لما سبق ذكره يعنى جهنم والفاء للسببية فان الكلام السابق سبب للذم وفيه اشعار بان مثواهم الجهنم لتكبرهم عن الحق وذا لا ينافى كون دخولهم فيها لما حقت عليهم كلمة العذاب فان تكبرهم وسائر مقابحهم مسببة عنه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ فى حديث طويل ان الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل اهل الجنة حتى يموت على عمل من اعمال الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل اهل النار حتى يموت على عمل من اعمال اهل النار فيدخل به النار- رواه مالك وابو داود والترمذي-. وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ اسراعا بهم الى دار الكرامة وقيل سيق مراكبهم إذ لا يذهب بهم الا راكبين زُمَراً على تفاوت مراتبهم فى الشرف وعلو الطبقة حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ قرأ الكوفيون بالتخفيف والباقون بالتشديد على التكثير أَبْوابُها حال يعنى وقد فتحت ابوابها قبل مجيئهم تعظيما لهم كيلا ينتظروا وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ اى لا يعتريكم مكروه ابدا طِبْتُمْ اى طهرتم من دنس المعاصي وهذا اما لعدم ارتكابهم المعاصي او لطهارتهم عنها بالمغفرة او بالعقوبة قال قتادة إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا وطيبوا دخلوا الجنة وقال لهم رضوان وأصحابه سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين- وعن على رضى الله عنه قال سيقوا الى الجنة وإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة تخرج من تحت ساقها عينان فيغتسل المؤمن من إحداهما فيطهر ظاهره ويشرب من الاخرى فيطهر باطنه

الزمر 39:74

وتلقته الملائكة على أبواب «١» الجنة يقولون سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين- وقال الزجاج معناه كنتم طيبين فى الدنيا عن خبائث الشرك والمعاصي وقال ابن عباس معناه طاب لكم المقام فَادْخُلُوها الفاء للدلالة على ان طيبهم سبب لدخولهم وخلودهم هذا على التأويلات المتقدمة واما على قول ابن عباس فطيب مقامهم سبب لدخولهم يعنى لمّا كانت الجنة مقاما طيّبا استأهل ان تكون محلا لهم خالِدِينَ (٧٣) اى مقدرين الخلود-. وَقالُوا عطف على محذوف وهو جواب إذا حذف للدلالة على ان لهم مع الدخول من الكرامة ما لا يسعه المقال تقديره حتّى إذا جاءوها وفتحت ابوابها وقال لهم خزنتها كذا دخلوها ووجدوا فيها ما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر ببال أحد ولا يسعه المقال وقالوا شكرا لما أنعم عليهم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ بدخول الجنة وبما أخفى لهم من قرّة أعين وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ اى ارض الجنة وايراثها تحليهم إياها نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ اى يتبوا كل منا فى اىّ مقام أراد من جنته الواسعة وإذا أراد زيارة الأنبياء واصحاب الدرجات العلى تيسر لهم ذلك اخرج الطبراني وابو نعيم والضياء وحسنه عن عائشة قالت جاء رجل الى النبي ﷺ فقال يا رسول الله انك لاحبّ الىّ من نفسى ومن أهلي وولدي وانى لاكون فى البيت فاذكرك ولا اصبر حتى اتيك فانظر إليك فاذا ذكرت موتى وموتك عرفت انك إذا دخلت وقفت مع النبيين وانى ان دخلت خشيت ان لا أراك فلم يرد عليه شيئا حتى نزل جبرئيل بقوله تعالى ومن يطع الله والرّسول «٢» فاولئك (١) عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال من أنفق بزوجين من ماله فى سبيل الله دعى من أبواب الجنة وللجنة أبواب فمن كان من اهل الصلاة دعى من باب الصلاة ومن كان من اهل الصيام دعى من باب الريان ومن كان من اهل الصدقة دعى من باب الصدقة ومن كان من اهل الجهاد دعى من باب الجهاد فقال ابو بكر يا رسول الله فهل يدعى أحد منها كلها قال نعم وأرجو ان تكون منهم ١٢ منه نور الله ضريحه. (٢) وفى الأصل ورسوله إلخ ١٢-

الزمر 39:75

الّذين أنعم الله عليهم من النّبيين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٣) الجنة.. وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ محدقين محيطين حال مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قيل هذا تسبيح تلذّذ لا تسبيح تعبّد لان التكليف ساقط حينئذ وجملة يسبحون حال من فاعل حافين وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ اى بين الخلائق بِالْحَقِّ بالعدل بإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار وقيل بين الملائكة بإقامتهم فى منازلهم على حسب تفاضلهم وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) يعنى يقول ذلك اهل الجنة شكرا حين ثم وعد الله لهم وقيل يقول ذلك الملائكة شكرا لله على إدخال اولياء الله الجنة واعداء الله النار عن عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله ﷺ يقرأ كل ليلة بنى إسرائيل والزمر- رواه الترمذي والنسائي والحاكم تمت سورة الزمر غرة رمضان سنة ١٢٠٧ هـ- ويتلوه ان شاء الله تعالى سورة المؤمن.

غافر 40:1

سورة المؤمن مكية وهى خمس وثمانون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ روى البغوي بسنده عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه انه قال ان مثل القران كمثل رجل انطلق يرتاد «١» لاهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث الاول فهذا اعجب وأعجبه فقيل له ان مثل الغيث الاول مثل عظم القرآن وان مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل ال حم فى القران- وقال البغوي قال ابن مسعود إذا وقعت فى ال حم وقعت فى روضات اتانق فيهن «اى استرحيهن- منه ره» وفى رواية إذا قرات ال حم وقعت فى روضات دمثات- وروى ايضا بسنده عن ابن عباس قال لكل شىء لباب ولباب القران الحواميم وقال البغوي قال ابراهيم كل ال حم يسمين العرائس واخرج الحاكم عن ابن مسعود موقوفا الحواميم ديباج «پارچهـ ابريشمى- منه ره» القران. حم (١) قد سبق الكلام فى الحروف المقطعات وقال البغوي قال السدى حم اسم الله الأعظم وروى عن عكرمة عنه قال الرحم ن حروف الرحمان مقطعة وقال سعيد بن جبير وعطاء الخراسانى الحاء افتتاح أسمائه حكيم حميد حى حيان والميم افتتاح أسمائه ملك مجيد منان وقال الكسائي قضى ما هو كائن كانهما أشار الى ان معناه حمّ بضم الحاء وتشديد الميم قرأ ابن كثير وقالون وحفص «وابو جعفر ويعقوب- ابو محمد» وهشام بفتح الحاء فى الحواميم كلها وورش وابو عمر بين بين والباقون بالامالة. (١) يرتاد اى يطلب مكانا لرعى المواشي والرائد الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلاء ومساقط الغيث- منه رح .

غافر 40:2

تَنْزِيلُ الْكِتابِ خبر مبتدا محذوف اى هذا تنزيل الكتاب او مبتدا خبره مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ فى ملكه الْعَلِيمِ (٢) بخلقه لعل تخصيص الوصفين بالذكر لما فى القران من الاعجاز والحكمة الدال على القدرة الكاملة والحكمة البالغة. غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ للمؤمنين مصدر تاب يتوب توبة وقيل التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم قال ابن عباس غافر الذّنب لمن قال لا اله الا الله قابل التّوب ممن قال لا اله الا الله محمد رسول الله صفتان لله تعالى والاضافة فيهما معنوية لانه لم يرد زمان مخصوص بل الاستمرار وتوسيط الواو لافادة الجمع بين محو الذنب وقبول التوبة او تغائر الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد او تغائر موقع الفعلين لان الغفر هو الستر فيكون الذنب باقيا وذلك لمن لم يتب والتائب كمن لا ذنب «١» له- رواه ابن ماجة مرفوعا عن ابن مسعود والحكيم عن أبيّ وابن النجار عن على وابن عساكر والبيهقي عن ابن عباس فهو دليل على جواز المغفرة لمن لم يتب شَدِيدِ الْعِقابِ لمن لم يقل لا اله الا الله ذِي الطَّوْلِ (١) عن يزيد بن الأصم ان رجلا كان ذا بأس وكان عمر يعد لبأسه وكان من اهل الشام وان عمر فقده فسال عنه فقيل له تتابع فى هذا الشرب فدعا كاتبه فقال اكتب من عمر بن الخطاب الى فلان سلام عليكم فانى احمد إليك الله الذي لا اله الا هو غافر الذّنب وقابل التّوب شديد العقاب ذى الطّول لا اله الّا هو اليه المصير ثم دعا وامر من عنده فيدعو له ان يقبل الله عليه بقلبه وان يتوب عليه- فلمّا أتت الرجل جعل يقرأها ويقول غافر الذّنب قد وعد فى الله ان يغفر لى وقابل التّوب شديد العقاب قد حذرنى عقابه ذى الطّول والطول الخير الكثير اليه للصير فلم يزل يرددها على نفسه حتى بكى ثم نزع فاحسن النزع- فبلغ عمر امره فقال هكذا فاصنعوا إذا رايتم أخا لكم ذلّ ذلّة فسددوه ووفقوه وادعوا الله له ان يتوب عليه ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه- وعن قتادة قال كان شاب بالمدينة صاحب عبادة وكان عمر محبّا له فانطلق الى مصرف فسد فجعل لا يمتنع من شر فقدم الى عمر بعض اهله فساله حتى ساله عن الشاب فقال لا تسئلنى عنه قال لم قال انه فسد وخلع فكتب اليه عمر الى فلان حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم الاية فجعل يقرأها على نفسه فاقبل بخير- وعن ابى إسحاق السبيعي قال جاء رجل الى عمر فقال يا امير المؤمنين انى قتلت فهل لى من توبة فقرأ عليه حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذّنب وقابل التّوب وقال اعمل ولا تيئس ١٢ منه نور الله مرقده-[.....]

غافر 40:3

قال مجاهد اى ذى السعة والغنى وقال قتادة ذى النعم وقيل ذى القدرة وقال الحسن ذى الفضل قيل غافر الذنب وما بعدها ابدال ليست بصفات واضافة الثلاثة منها لفظية لا تفيد التعريف فلا تصلح كونها صفات وعلى هذا ذى الطّول ايضا بدل لامتناع تقدم البدل على الصفة وقال صاحب الكشاف والبيضاوي هى كلها صفات كالاولين والاضافة فيها حقيقية لما ذكرنا انه لم يرد زمان مخصوص وأريد بشديد العقاب مشددة فالاضافة فيه ايضا حقيقية إذ هو فى الأصل الشديد عقابه فحذف اللام للازدواج والامن من اللبس فهو معرف باللام وجعله وحده بدلا مشوش للنظم وقال الزجاج شديد العقاب بدل ليس بصفة وبه قال صاحب المبارك للقطع بكونه نكرة وحذف اللام لا يجوز وعلى هذا ذى الطّول ايضا بدل وما قال البيضاوي اولى من حيث المعنى لان كلها توابع تدل على معان فى متبوعها أوردت للمدح والترغيب والترهيب والحثّ على ما هو المقصود منه والمقصود بالنسبة انما هو الله لا غير. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فيجب الإقبال الكلى على عبادته قال صاحب المدارك هذا صفة اخرى كذى الطّول والظاهر انه استئناف إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) فيجازى المطيع والعاصي. ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ اى فى دفع آيات الله بالتكذيب او اثبات التناقض او فى الآيات المتشابهات بتأويلات مخالفة للمحكمات او مخالفة لما تواتر عن النبي ﷺ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمع رسول الله ﷺ قوما يتمارون «اى يتجادلون- منه ره» فى القران فقال انما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وانما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم فقولوه وما جهلتم فوكلوه الى عالمه- رواه البغوي ورواه مسلم بلفظ ان عبد الله بن عمرو (يعنى جد عمرو بن شعيب) قال هجّرت الى رسول الله ﷺ يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا فى اية فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف فى وجهه الغضب فقال انما هلك من كان قبلكم باختلافهم فى الكتاب. وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ انه قال ان جدلا فى

غافر 40:5

القران كفر- رواه البغوي ورواه البيهقي فى شعب الايمان والطيالسي من حديث عبد الله ابن عمر ورواه ابو داود والحاكم وصححه عن ابى هريرة مرفوعا بلفظ المراء فى القران كفر قال البيضاوي لما حقق الله سبحانه امر التنزيل سجل بالكفر على المجادلين فيه بالطعن وادحاض الحق كقوله وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحقّ فاما الجدال «١» فيه لحل عقدة واستنباط حقائقه وقطع تشبث اهل الزيغ وقطع مطاعنهم فيه فمن أعظم الطاعات ولذلك قال عليه السلام ان جدالا فى القران كفر- بالتنكير مع انه ليس جدالا فيه على الحقيقة فَلا يَغْرُرْكَ يا محمد تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) يعنى إمهالهم وإقبالهم فى دنياهم وتقلبهم فى بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة. اخرج ابن ابى حاتم عن السدىّ عن ابى مالك انه قال نزلت فى الحارث بن قيس السهمي يعنى انهم مواخذون عن قريب بكفرهم كالذين قبلهم كما قال. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ اى الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح كعاد وثمود يعنى كذبوا نوحا وغيره من الرسل هذه معللة بقوله فلا يغررك وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ منهم بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ قال ابن عباس اى ليقتلوه ويهلكوه وقيل لياسروه والعرب يسمى الأسير اخيذا وَجادَلُوا بِالْباطِلِ اى بمثل قولهم ما أنتم الّا بشر مثلنا ولولا انزل علينا الملائكة او نرى ربّنا ونحو ذلك لِيُدْحِضُوا اى ليزيلوا ويبطلوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ بالإهلاك جزاء لهمهم عطف على جادلوا فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) اى عقابى فانكم تمرون على ديارهم وترون اثره والاستفهام للتقرير والتعجيب. وَكَذلِكَ اى وجوبا مثل وجوب إهلاكهم فى الدنيا حَقَّتْ اى وجبت فى الاخرة كَلِمَةُ رَبِّكَ او المعنى كما حقت كلمة العذاب على الأمم (١) قال فى النهاية انما جاء هذا فى الجدال والمراء فى الآيات التي ذكر فيها القدر ونحوه من المعاني على مذهب اهل الكلام واصحاب الأهواء والآراء دون ما تضمنه من الاحكام وأبواب الحلال والحرام فان ذلك قد جرى من الصحابة فمن بعدهم من العلماء وذلك فيما يكون الغرض منه والباعث عليه ظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز ١٢ منه نور الله مرقده.

غافر 40:7

المكذبة السابقة كذلك حقت كلمة العذاب عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا من قومك أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) بدل من كلمت ربّك بدل الكل على قراءة كلمة ربّك وبدل البعض على قراءة كلمات او بدل الاشتمال على ارادة اللفظ او المعنى وقال الأخفش تقديره لانّهم وبانّهم اصحاب النّار-. الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ اى الطائفون به وهم الكروبيون وهم سادة الملائكة قال ابن عباس حملة العرش ما بين كعب أحدهم الى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام ويروى ان أقدامهم فى تخوم الأرضين «اى حدودها ومعالمها- منه ره» والأرضون والسماوات الى حجزتهم وهم يقولون سبحان ذى العزة والجبروت سبحان ذى الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح- وقال ميسرة بن عبد ربه أرجلهم فى ارض السفلى ورءوسهم تحت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشد خوفا من اهل السماء السابعة واهل السماء السابعة أشد خوفا من التي تليها والتي تليها أشد خوفا من التي تليها- وقال مجاهد بين الملائكة والعرش سبعون حجابا من نور وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله ﷺ اذن لى ان أحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة اذنه الى عاتقه مسيرة سبع مائة عام- رواه ابو داود والضياء بسند صحيح وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال ان ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين الف سنة والعرش يكسى كل يوم سبعون الف لون من النور لا يستطيع ان ينظر اليه خلق من خلق الله والأشياء كلها فى العرش كحلقة فى فلاة- وقال مجاهد بين السماء السابعة وبين العرش سبعون الف حجاب حجاب من نور وحجاب من ظلمة وحجاب من نور وحجاب من ظلمة- وقال وهب بن منبه ان حول العرش سبعون الف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون بالعرش يقبل هولاء ويقبل هؤلاء فاذا استقبل بعضهم بعضا هلّل هؤلاء وكبر هولاء ومن ورائهم سبعون الف صف قيام أيديهم الى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم فاذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رافعوا أصواتهم فقالوا سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا اله غيرك أنت الأكبر الخلق كلهم راجعون إليك ومن وراء هولاء مائة الف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد الا وهو يسبح بتحميدة لا يسبحه الاخر ما بين جناحى أحدهم مسيرة ثلاث مائة عام وما بين شحمة اذنه الى عاتقه اربع مائة عام واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابا من نار وسبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور وسبعين حجابا من در ابيض وسبعين حجابا من ياقوت احمر وسبعين حجابا من ياقوت اصفر وسبعين حجابا من زبرجد اخضر وسبعين حجابا من ثلج وسبعين حجابا من ماء وسبعين حجابا من برد وما لا يعلمه الا الله تعالى قال ولكل واحد من جملة العرش ومن حوله اربعة وجوه وجه ثور ووجه اسد ووجه نسر ووجه انسان ولكل واحد منهم اربعة اجنحة اما جناحان فعلى وجهه مخافة ان ينظر الى العرش فيصعق واما جناحان فيهفو بهما كما يهفو هذا الطائر بجناحيه إذا حركه ليس لهم كلام الا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد- يُسَبِّحُونَ الله اى يذكرونه بمجامع الثناء من صفات الجلال والإكرام متلبسين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قال البيضاوي جعل التسبيح أصلا والحمد حالا لان الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح وَيُؤْمِنُونَ بِهِ اى يصدقون بانه تعالى موجود واجب وجوده خالق للاشياء كلها أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد اخبر الله تعالى عنهم بالايمان إظهارا لفضله وتعظيما لاهله وايماء بان الملائكة فى العبودية والعجز والايمان بالغيب كسائر الخلائق لا كما تزعم الكفار انهم بنات الله وردّا على المجسمة عن شهر بن حوشب قال حملة العرش ثمانية اربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك قال فكانهم يرون ذنوب بنى آدم وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فيه تنبيه على ان المشاركة فى الايمان يوجب النصح والشفقة وان تخالف الأجناس لانها أقوى المناسبات كما قال الله تعالى انّما المؤمنون اخوة رَبَّنا اى يقولون ربّنا وجملة يقولون مع ما فى حيزه حال من فاعل يستغفرون وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً اى وسعت كل شىء رحمتك وعلمك فازيل عن أصله للاغراق فى وصفه بالرحمة والعلم

غافر 40:8

والمبالغة فى عمومها وقدم الرحمة لانها المقصودة بالذات هاهنا فَاغْفِرْ الفاء للسببية فان سعة الرحمة سبب للمغفرة لِلَّذِينَ تابُوا اى رجعوا عن الكفر الى الإسلام وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ اى دينك الذي بعثت به رسلك وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) اى احفظهم عنه تصريح بعد اشعار للتأكيد قال مطرف انصح عباد الله للمؤمنين الملائكة واغش الخلق لهم الشياطين. رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ اى «١» اقامة الَّتِي وَعَدْتَهُمْ إياها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ من صلح عطف على هم فى أدخلهم او لما وعدتهم يعنى وعدتهم ووعدت من صلح من ابائهم ولعل المراد بالصلاح هاهنا نفس الايمان فان المؤمن صالح لدخول الجنة وان كان مرتكبا للكبائر بغفران الله تعالى فان الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء وانما قلنا ذلك ليتحقق التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه ولو كان المراد بالصلاح صلاح العقائد والأعمال والأخلاق جميعا كان من صلح داخلا فى الذين تابوا واتبعوا سبيل الله والله اعلم- قال البغوي قال سعيد بن جبير يدخل المؤمن الجنة فيقول اين ابى اين أمي اين ولدي اين زوجى فيقال انهم لم يعملوا مثل عملك فيقول انى كنت اعمل لى ولهم فيقال أدخلوهم الجنة وهذا موقوف فى حكم المرفوع وصريح فى ان المراد بالصلاح فى الاية نفس الايمان إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الذي يقدر على كل شىء ولا يمتنع عنه ما أراد الْحَكِيمُ (٨) الذي لا يفعل الا ما يقتضيه الحكمة ومن ذلك الوفاء بالوعد. وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ اى العقوبات او جزاء الأعمال السيئة وهذا تعميم بعد تخصيص او مخصوص عن من صلح او المعنى وقهم السّيّئات اى عن الأعمال السيئة فى الدنيا وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ اى يوم الجزاء او فى الدنيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ دليل على جزاء الشرط المحذوف أقيم مقامه تقديره ومن تق السّيّئات يفلح إذ قد رحمته وَذلِكَ اى الرحمة او الوقاية او مجموعهما (١) عن قتادة انه قال ان عمر بن الخطاب قال يا كعب ما عدن قال قصور من ذهب فى الجنة يسكنها النبيون والصديقون دائمة العدل ١٢ منه رح

غافر 40:10

هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) فان قيل اىّ فائدة فى سوال الملائكة للمؤمنين بإدخال الجنة بعد ما وعدهم الله تعالى به واستحالة الخلف فى وعد الله وكذا فى سوال المؤمنين للنبى ﷺ بقوله اللهم ات محمد ان الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته قلت الباعث على الدعاء حبهم إياهم لما القى الله تعالى فى قلوبهم وفائدته استجلاب مزيد رحمة الله للمدعو لهم واستجلاب رضوان الله ورحمته للداعين لاجل المحبوبين لله تعالى والله اعلم-. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الى آخره متصل بقوله ما يجادل فى آيات الله الّا الّذين كفروا وما بينهما معترضات فى مدح الملائكة الموصوفين بالايمان المستغفرين للمؤمنين الذين هم اعداء الكافرين يُنادَوْنَ اى يناديهم خزنة النار يوم القيامة وهم فى النار وقد مقتوا أنفسهم الامّارات بالسوء حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا جزاءها فيقال لهم لَمَقْتُ اللَّهِ إياكم أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) ظرف لفعل دل عليه المقت الاول لاله لانه مصدر وخبره اكبر من مقتكم فلا تعمل فى إذ تدعون لان المصدر إذا اخبر عنه لم يجز ان يتعلق شىء يكون فى صلته لان الاخبار عنه يؤذن بتمامه وما يتعلق به يؤذن بنقصانه ولا للمقت الثاني لانه عند حلول العذاب- او تعليل للحكم وزمان المقتين واحد. قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا موتتين اثْنَتَيْنِ او مرتين وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ اى خلقتنا أمواتا نطفا فى أصلاب الآباء ثم أحييتنا فى أرحام الأمهات فى الدنيا ثم أمتنا عند انقضاء الآجال ثم أحييتنا يوم القيامة كذا قال ابن عباس وقتادة والضحاك ونظيره قوله تعالى كنتم أمواتا فاحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم وقال السدىّ معناه امتّنا فى الدنيا ثم أحييتنا فى القبر للضوال ثم امتّنا فى القبر ثم أحييتنا يوم البعث ومبنى هذا القول الزعم بان الاماتة يقتضى الحيوة قبل الموت وهذا ليس الان الاماتة جعل الشيء عديم الحيوة ابتداء او بالتصيّر كما قيل سبحان من صغر البيض وكبر الفيل وان خص بالتصيّر فاختيار الفاعل أحد مفعوليه بأحد الوصفين تصيّر و

غافر 40:12

صرف له عن الاخر والسؤال فى القبر لا يستدعى حيوة مثل حيوة الدنيا ولو استدعى ذلك لاستدعى عذاب القبر ايضا مثل ذلك ولزم انقطاع عذاب القبر عن الكفار إذا أميتوا فى القبر بعد السؤال وليس كذلك فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا الفاء للسببية ولما كان سبب اعترافهم معاينتهم الحيوة الثانية بعد الموت الثانية جعل مجموع الموتتين والحياتين سببا له فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ واحد او نوع من الخروج من النار سريع او بطى ورجوع الى الدنيا مِنْ سَبِيلٍ (١١) طريق فنسلكه استفهام ومعناه التمني فينادون لا سبيل لكم الى الخروج فحذف هذه الجملة لما يدل عليه قوله. ذلِكُمْ يعنى انتفاء سبيل للخروج وما أنتم فيه من العذاب بِأَنَّهُ اى بسبب انه إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ اى متوحدا وتوحد وحده فحذف الفعل وأقيم مقامه فى الحالية كَفَرْتُمْ يعنى إذا قيل لا اله الا الله انكرتم وقلتم اجعل الالهة الها واحدا وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ غيره تُؤْمِنُوا تصدقوا بالاشراك وإذا كان هذا سببا لدخولكم فى النار فَالْحُكْمُ لِلَّهِ يعنى هذا الحكم لله خاصة الذي هو المستحق للعبادة المنزه عن الشريك وهو قد حكم عليكم بالعذاب الشديد الدائم بسبب كفركم ولو كان له شريك مما عبدتموها أنجاكم من عذابه وكان لكم حينئذ سبيل الى الخروج الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) من ان يشرك ويسوى به غيره.. هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ الدالة على التوحيد وسائر ما يجب ان يعلم وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً اى مطرا يكون سببا لرزقكم فيه ولمعذرتهم بالجهل بعد رؤية ما كان صالحا للاستدلال على التوحيد وَما يَتَذَكَّرُ بالآيات إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) الى الله ويرجع عن التعصب والعناد وهذه الجملة مبتدئة خطاب للنبى ﷺ بعد ما تم الجواب لاهل النار. فَادْعُوا اللَّهَ يعنى إذا سمعتم ما يؤل اليه امر المشركين فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اى الطاعة والعبادة من الشرك وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) يعنى وان غاظ ذلك أعداءكم الكافرين. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ اى رفيع درجات كماله بحيث لا يظهر بجنبها كمال وقيل الرفيع هاهنا

غافر 40:16

بمعنى رافع درجات أنبيائه وأوليائه فى مراتب القرب اليه وفى الجنة بعضها فوق بعض ذُو الْعَرْشِ خالقه ومالكه يُلْقِي الرُّوحَ اى ينزل الوحى سماه روحا لانه يحيى به القلوب كما يحيى الأبدان بالأرواح مِنْ أَمْرِهِ قال البغوي قال ابن عباس يعنى من فضله فمن للابتداء وقيل من قوله فمن للبيان عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ الثلاثة كلها اخبار لهو مترادفة لموصول دالة على توحيده وعلو صمديته وتمهيد للنبوة او اخبار مبتدا محذوف اى هو لِيُنْذِرَ متعلق بيلقى والمستكن فيه لله او للروح او لمن وهو اظهر واقرب ويؤيده قراءة يعقوب «لا يدعى الحسن بالتاء- ابو محمد» بالتاء للخطاب اى لتنذر أنت يا محمد وحذف المفعول للدلالة على عموم دعوته وشمول إنذاره الثقلين يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) اى يوم يلتقى فيه الخلائق كلها اهل السماوات والأرض وقال مقاتل وقتادة يوم يلتقى فيه الخالق والخلائق وقال ميمون بن مهران يلتقى فيه الظالم والمظلوم والخصوم وقيل يلتقى العابدون والمعبودون وقيل المرء مع عمله- اخرج الحاكم وابن جرير وابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا فى كتاب الأهوال عن ابن عباس انه قرأ يوم تشقّق السّماء بالغمام قال يجمع الله الخلق يوم القيامة فى صعيد واحد الجن والانس والبهائم والسباع والطير فتشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم اكثر ممن فى الأرض من الجن والانس الحديث بطوله ذكر فيها نزول اهل السماوات السبع بعضهم عقيب بعض ونزول الله تعالى وهو من المتشابهات وذكرنا تأويلها فى سورة الفرقان فى تفسير قوله تعالى يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وفى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة. يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ ٥ اى خارجون من قبورهم او ظاهرون لا يسترهم شىء من جبل او اكمة او بناء او ظاهرة نفوسهم لا يحجبهم غواشى الأبدان او ظاهرة أعمالهم وسرائرهم لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ اى من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم شَيْءٌ تقرير لقوله يوم هم بارزون وازاحة لنحو ما يتوهم فى الدنيا لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ حكاية لما يسئل عنه فى ذلك اليوم وذلك بعد فناء الخلق قبل البعث وحينئذ لا يكون أحد يجيبه فيجيب نفسه ويقول لِلَّهِ الْواحِدِ المتوحد فى

غافر 40:17

جلال الذات وكمال الصفات المنزه عن الشريك فى الالوهية وفى شيء من الممكنات الْقَهَّارِ (١٦) الذي قهر الخلق بالموت وبالتصرف فيها بما أراد. رواه يعنى كون السؤال والجواب من الله بعد فناء الخلق قبل البعث ابو هريرة فى حديث طويل عن النبي ﷺ رواه الطبراني فى المطولات وابو يعلى فى مسنده والبيهقي فى البعث وغيرهم واخرج ابن ابى داود فى البعث عن ابى سعيد عن النبي ﷺ قال ينادى مناد بين الصيحة يا ايّها الناس أتاكم الساعة ومدّ بها صوته يسمعها الاحياء والأموات وينزل الله الى السماء الدنيا ثم ينادى مناد لمن الملك اليوم لله الواحد القهار- واخرج البيهقي عن انس دفعه فى قوله تعالى ونفخ فى الصّور الاية فكان ممّن استثنى الله ثلاثة جبرئيل وميكائيل وملك الموت فيقول الله (وهو اعلم) يا ملك الموت من بقي فيقول وجهك الباقي الكريم وعبدك جبرئيل وميكائيل وملك الموت فيقول توف نفس ميكائيل ثم يقول (وهو اعلم) يا ملك الموت من بقي فيقول بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك جبرئيل وملك الموت فيقول توف نفس جبرئيل ثم يقول (وهو اعلم) يا ملك الموت من بقي فيقول بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك ملك الموت وهو ميت فيقول مت ثم ينادى انا بدأت الخلق ثم أعيده اين الجبارون المتكبرون ثم ينادى لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول هو لله الواحد القهّار ثم ينفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون- وسياق الاية يقتضى انه حكاية لما يسئل عنه فى ذلك اليوم بعد احياء الخلق يوم هم بارزون او حكاية لما دلّ عليه ظاهر الحال فى ذلك الوقت من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط وسلب الاضافة المجازى للملك والحكم الى غيره تعالى واما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما. الْيَوْمَ يعنى حين يسلب الملك المجازى من غيره تعالى ويكون الملك خاصة له ظاهرا كما هوله خاصة دائما على الحقيقة تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ بنقص الثواب وزيادة العقاب بناء على الوعد ولان الحاكم حينئذ هو الله وحده ولا يتصور منه الظلم لان الظلم ما يفعله أحد

غافر 40:18

فى غير ملكه بلا اذن مالكه وكل ما يفعله الله يفعله فى ملكه إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) يحاسب الناس كلهم فى قدر نصف يوم من ايام الدنيا بناء على مشيته والا فهو قادر على ان يحاسبهم دفعة فى ان واحد إذ لا يشغله شأن عن شأن-. وَأَنْذِرْهُمْ عطف على الاخبار السابقة بتقدير يقال لك انذرهم يَوْمَ الْآزِفَةِ اى القيامة سمّيت بها لازوافها اى قربها إذ كل ما هو ات قريب إِذِ الْقُلُوبُ إذ بدل من يوم الآزفة لَدَى الْحَناجِرِ فانها ترفع عن أماكنها من شدة الهول فتلتصق بحلوقهم فلا يعود حتى يترحوا ولا يخرج فيموتوا كاظِمِينَ مكروبين ممتلين خوفا وو حزنا والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن فى القلب حتى تطيق به- القلوب مبتدا ولدى الحناجر خبره والكاظمين حال من القلوب محمول على أصحابها وانما جمع الكاظم جمع السلامة لانه وصف بالكظم الذي هو من افعال العقلاء ما لِلظَّالِمِينَ الكافرين والضمائر ان كانت للكفار كان هذا وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك بهم وانه لظلمهم مِنْ حَمِيمٍ اى قريب مشفق وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) اى ولا شفيع مشفع لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا فما لهم من شافعين او له مفهوم على زعمهم ان لهم شفعاء اى لو شفعوا فرضا لا تقبل شفاعتهم. يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ اى النظرة الخائنة كالنظرة الى من حرم النظر إليها واستراق النظر إليها او مصدر بمعنى الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة يعنى يعلم خيانة الأعين الجملة خبر اخر لهو فى قوله هو الّذى يريكم آياته وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) من الضمائر قيل يعنى ما يتفكر الرجل بقلبه فى جمال امراة اجنبية بعد ما ينظر إليها بشهوة مسارقة. وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ لانه المالك على الإطلاق والحكيم والعليم بما ظهر وما بطن فلا يقضى الا بما يقتضيه علمه وحكمته ولا يقضى الا وهو حقه والجملة عطف على يعلم وَالَّذِينَ يَدْعُونَ قرا نافع وهشام بالتاء للخطاب على الالتفات او بإضمار قل والباقون بالياء للغيبة مِنْ دُونِهِ من الأوثان والشياطين والملوك الجبابرة لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ لعدم قدرتهم على القضاء إِنَّ اللَّهَ هُوَ

غافر 40:21

السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) تقرير لعلمه بخائنة الأعين وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون وتعريض بحال ما يدعون من دونه بانها لا تسمع ولا تبصر. أَوَلَمْ يَسِيرُوا عطف على محذوف تقديره اينكرون وبال الكفر ولم يسيروا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ اى مال اليه امر الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم المكذبة للرسل كعاد وثمود كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً قدرة وتمكنا جئ بالفصل لمشابهة افعل من بالمعرفة فى امتناع دخول اللام عليه قرأ ابن عامر أشدّ منكم على الالتفات وَآثاراً فِي الْأَرْضِ من القلاع والمدائن الحصينة وقيل المعنى اكثر اثارا كقوله متقلدا سيفا ورمحا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ فاهلكهم بالريح او الصيحة او نحو ذلك وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) يمنع عنهم من العذاب حيث لم يلتجئوا اليه الجملة عطف او حال ذلك الاخذ. بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ اى المعجزات او الاحكام الواضحات الصحّة والصلاح فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ قادر على كل ما يريد غاية القدرة شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢) اى شديد عقابه الجملة تعليل للاخذ القوى-. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا اى المعجزات التسع وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) حجة ظاهرة العطف لتغائر الوصفين او لافراد بعض المعجزات كالعصا تفخيما لشأنه وتخصيصا بعد تعميم. إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) يعنون موسى عليه السلام تسلية للنبى ﷺ وبيان لعاقبة بعض من كان قبلهم من الذين كانوا أشد بطشا واقرب زمانا. فَلَمَّا جاءَهُمْ موسى بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ اى أعيدوا عليهم القتل وَاسْتَحْيُوا اى استبقوا نِساءَهُمْ كما كنتم فعلتم ذلك اولا كى يصدوا عن مظاهرة موسى عليه السلام وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ وضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل على كفرهم ولتعميم الحكم والدلالة على العلة إِلَّا فِي ضَلالٍ (٢٥) اى فى

غافر 40:26

ضياع فانهم أرادوا ابطال امر موسى فرد الله عليهم كيدهم واهلكهم وجعل موسى ومن تبعه ملوك الأرض. وَقالَ فِرْعَوْنُ لقومه ذَرُونِي قرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بإسكانها أَقْتُلْ مُوسى وقال البغوي انما قال هذا لانه كان فى خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى خوفا من الهلاك كانوا يقولون انه ليس للذى تخافه بل هو ساحر ولو قتلته لظن الناس انك عجزت عن معارضته بالحجة قال البيضاوي فيه دليل على انه تيقن بنبوة موسى فخاف من قتله او ظن وانه لو حاوله لم يتيسر له ويؤيده قوله وَلْيَدْعُ موسى رَبَّهُ الذي يزعم انه أرسله إلينا فيمنعه منا فانه تجلد وعدم مبالاة بدعائه وكان قوله ذرونى اقتل موسى تمويها على قومه وإيهاما بانهم هم الذين يكفونه عن قتله وما كان يكفه الا ما استقر فى قلبه من هول امر العصا إِنِّي قرأ نافع وابن كثير و «وابو جعفر- ابو محمد» وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ ان لم اقتله أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ اى يغير ما أنتم عليه من عبادة الأصنام لقوله تعالى ويذرك والهتك أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) قرأ يعقوب واهل الكوفة او ان والآخرون وان وقرأ اهل المدينة والبصرة «وحفص» يظهر بضم الياء وكسر الهاء من الافعال والفساد بالنصب على المفعولية والباقون بفتح الياء والهاء من المجرد ورفع الفساد على الفاعلية وأراد بالفساد تبديل الدين وعبادة الأوثان او ما يفسد الدنيا من التجارب والتهارج.. وَقالَ مُوسى لقومه لما توعده فرعون بالقتل إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) صدر الكلام بانّ تأكيدا واشعارا على ان السبب المؤكد فى دفع الشر هو العياذ بالله وخص اسم الرب لان المطلوب هو الحفظ والتربية وإضافته اليه وإليهم لان حفظ موسى متضمن ومتكفل لحفظهم أجمعين وحثا لهم على موافقته فى الاستعاذة لما فى تظاهر الأزواج من استجلاب الاجابة ولم يذكر فرعون وذكر وصفا يعمه وغيره لتعميم الاستعاذة ورعاية الحق والدلالة على الحامل له على الشر وجاز ان يكون هذا خطابا لفرعون وقومه وفى قوله ربّكم تنبيه على التوحيد وانكار على اشراكهم.

غافر 40:28

وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ قال مقاتل والسدىّ كان قبطيا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله عنه فى سورة القصص وجاء رجل من اقصا المدينة يسعى قيل كان اسمه حبيب وقال قوم كان اسرائيليا ومجاز الاية وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من ال فرعون وكان اسمه جزئيل على ما روى عن ابن عباس واكثر العلماء وقال ابن إسحاق كان اسمه خبول أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا اى تقصدون «١» قتله أَنْ يَقُولَ اى لان يقول او وقت ان يقول من غير رؤية وتأمل فى امره او مخافة ان يقول رَبِّيَ اللَّهُ وحده وهو فى الدلالة على الحصر مثل صديقى زيد وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات الكثيرة الشاهدة على صدقه مِنْ رَبِّكُمْ حيث لا يقدر على إتيان تلك المعجزات الا الذي خلقكم فانه قادر على كل شىء دون غيره وأضاف الربّ إليهم اشعارا بانه من خلقكم ورباكم قادر على ان يأخذكم بالعذاب والجملة حال من فاعل يقول ثم أخذ الرجل القائل بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال وَإِنْ يَكُ كاذِباً كما زعمتم فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ لا يتخطاه وبال كذبه حتى يحتاج فى دفعه الى قتله وَإِنْ يَكُ صادِقاً كما يدل عليه المعجزات والشواهد يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ اى فلا اقل ان يصيبكم بعضه وذلك البعض يكفى لهلاككم ففيه مبالغة فى التحذير واظهار الانصاف وعدم التعصب ولذلك قدم كونه كاذبا إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) احتجاج ثالث ذو وجهين أحدهما انه لو كان مسرفا لما هداه الله الى البينات ولما (١) عن على انه قال ايها الناس أخبروني بأشجع الناس قالوا لا نعلم قال ابو بكر رايت رسول الله ﷺ وأخذ قريش فهذا يجبئه (يجبئه: اى يجعله مثل الراكع- ١٢ منه رح) وهذا يتلتله (يتلتله: أي يحركه ويسوقه بعنف- ١٢ منه رح)، وهم يقولون أنت الذي جعلت الالهة الها واحدا قال فو الله ما دنا منا أحد الا ابو بكر يضرب هذا يجبئه وهذا يتلتله وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا ان يقول ربّى الله ثم رفع على برده كانت عليه فبكى حتى ابتلت لحيته ثم قال أنشدكم مؤمن ال فرعون خير أم ابو بكر فسكت القوم فقال الا تجيبونى فو الله لساعة من ابى بكر خير من مؤمن ال فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه- ١٢ منه نور الله مرقده ١٢-

غافر 40:29

عضده بالمعجزات وثانيهما انه كان مسرفا كذابا خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم الى قتله ولعله أراد به المعنى الاول وخيّل إليهم الثاني ليلين شكيمتهم- «اى شدة نفسهم- منه ره» وتعريض به لفرعون بانه مسرف كذاب لا يهديه الله سبيل الصواب والنجاة عن عروة بن الزبير قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني باشد ما صنعه المشركون برسول الله ﷺ قال بينا رسول الله ﷺ يصلى بفناء الكعبة إذا قبل عقبة بن ابى معيط فاخذ بمنكبي رسول الله ﷺ ولوى ثوبه فى عنقه فخنقه خنقا شديدا فاقبل ابو بكر «١» فاخذ بمنكبيه ودفع عن رسول الله ﷺ وقال أتقتلون رجلا ان يقول ربّى الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم- رواه البخاري. يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ غالبين عالين حال من كم فى لكم فِي الْأَرْضِ ارض مصر فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا يعنى لكم الملك والغلبة فى الأرض فلا تبطلوا ملككم وغلبتكم بالتعرض لعذاب الله بقتل نبيه فانه ان جاءنا لا يمنعنا منه أحد أدرج نفسه فى الضمير لانه كان منهم فى القرابة وليريهم انه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ من الرأى اى ما اشيركم وقال الضحاك ما أعلمكم إِلَّا ما أَرى اى ما أراه واعلمه صوابا يعنى قتله وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) طريق الصواب-. وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ عَلَيْكُمْ فى تكذيبه والتعرض له مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) (١) وعن عمرو بن العاص قال ما تنوول من رسول الله ﷺ من طاف بالبيت صخر فلقوه حين فرغ فاخذوا بمجامع ردائه وقالوا أنت الذي تنها ناعما كان يعبد آباؤنا فقال انا ذاك فقام ابو بكر فالتزمه من ردائه ثم قال أتقتلون رجلا ان يقول ربّى الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم ان ى ك كاذبا فعليه كذبه وان يك صادقا يصبكم بعض الّذى يعدكم انّ الله لا يهدى من هو مسرف كذّاب رافعا صوته بذلك وعيناه تسيحان حتى أرسلوه- وعن انس بن مالك قال قد ضربوا رسول الله ﷺ حتى غشى عليه فقام ابو بكر فجعل ينادى ويلكم اتقتلون رجلا ان يقول ربّى الله قالوا من هذا قالوا هذا ابن ابى قحافة ١٢ منه رضى الله-

غافر 40:31

تقديره انّى أخاف عليكم عذابا مثل عذاب يوم الأحزاب اى ايام الأحزاب يعنى الأمم الماضية المكذبة للرسل وجمع الأحزاب مع التفسير الذي بعده اغنى عن جمع اليوم او المعنى عذاب يوم حزب من الأحزاب. مِثْلَ جزاء دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ كقوم لوط ونمرود الجبار اى مثل جزاء ما كان عادتهم من التكذيب وإيذاء الرسل وهذه الاية تدل على انه كان فى قوم فرعون علم بالأولين وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) اللام زائدة لتقوية عمل المصدر والعباد مفعول لظلما يعنى لا يريد ان يظلم عبدا فيعاقبهم بغير ذنب او يترك الظالم منهم بغير انتقام او ينقص من اجر حسنة لاحد او يزيد فى عقوبة أحد. وَبعد ما خوّفهم بعذاب الدنيا خوّفهم بعذاب الاخرة فقال يا قَوْمِ إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو «وابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ قرأ ابن كثير «ويعقوب- ابو محمد» التّنادى وصلا ووقفا بإثبات الياء وورش «وابن دردان- ابو محمد» وصلا فقط واختلف فيهما عن قالون «والحذف عنه أقوى ابو محمد» والباقون بحذف الياء فى الحالين. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ بدل من يوم التناد قال مجاهد يعنى فارّين غير معجزين قيل المراد منه يوم ينفخ فى الصور نفخة الفزع قبل نفخة الصعق لما روى ابن جرير فى المطولات وابو يعلى فى مسنده والبيهقي فى البعث وعبد بن حميد وابو الشيخ فى كتاب العظمة عن ابى هريرة عن النبي ﷺ حديثا طويلا وذكر فيه ثلاث نفخات قال فيأمر الله اسرافيل بالنفخة الاولى فيقول الله تعالى انفخ نفخة الفزع فينفخ فيفزع اهل السماوات والأرض الا ما شاء الله فيأمره فيمدها فيطيلها ولا يفتر الى ان قال فتذهل المراضع عمّا أرضعت وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتى الأقطار فتتلقتها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع وتولى الناس مدبرين ينادى بعضهم بعضا وهو الذي يقول الله يوم التناد الحديث- وقيل المراد يوم القيامة إذا دعى كل أناس بامامهم اخرج ابو نعيم عن ابى حازم الأعرج رضى الله عنه انه قال (يخاطب نفسه) يا اعرج ينادى يوم القيامة يا اهل خطيّات كذا وكذا فتقوم معهم ثم ينادى يا اهل خطيّات اخرى فتقوم معهم فاراك يا اعرج تريد ان تقوم مع اهل خطيئة- واخرج ابن ابى عاصم فى السنة عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة نادى مناد الا ليقم خصماء الله (وهم القدرية) وإذا ينادى اصحاب الجنة اصحاب النار واصحاب النار اصحاب الجنة وينادى اصحاب الأعراف كما حكى الله تعالى فى سورة الأعراف وإذا ينادى بالسعادة والشقاوة الا ان فلان ابن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها ابدا الا ان فلان بن فلان شقى شقاوة لا يسعد بعدها ابدا- اخرج البزار والبيهقي عن انس عن النبي ﷺ قال يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كفتى الميزان ويوكّل به ملك فان ثقلت موازينه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها ابدا وان خفت موازينه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها ابدا- وإذا ينادى الا انى جعلت نسبا وجعلتم نسبا اخرج الطبراني فى الأوسط عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة امر الله مناديا ينادى الا انى جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم فابيتم الا ان تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان فاليوم ارفع نسبى وأضع نسبكم اين المتقون. وإذا ينادى حين يذبح الموت يا اهل الجنة خلود ولا موت ويا اهل النار خلود ولا موت- اخرج الشيخان فى الصحيحين عن ابن عمر قال قال النبي ﷺ إذا صار اهل الجنة الى الجنة واهل النار الى النار جئ بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادى منادى يا اهل الجنة لا موت ويا اهل النار لا موت فيزداد اهل الجنة فرحا الى فرحهم واهل النار حزنا الى حزنهم- وعن ابى سعيد نحوه وعند الحاكم وابن حبان عن ابى هريرة نحوه- وقرأ ابن عباس والضحاك يوم التّناد بتشديد الدال اى يوم التنافر وذلك لانهم هربوا فندوا فى الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها. اخرج ابن جرير

غافر 40:34

وابن المبارك عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة امر الله السماء الدنيا فتشققت باهلها فتكون الملائكة على حافتها حين يأمرهم الربّ فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فصفوا صفّا دون صف ثم ينزل الملك الأعلى بجنبته اليسرى جهنم فاذا راها اهل الأرض ندّوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض الا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فرجعوا الى المكان الذي كانوا فيه وذلك قول الله تعالى انّى أخاف عليكم يوم التّناد يوم تولّون مدبرين ما لكم من الله من عاصم وذلك قوله تعالى وجاء ربّك والملك صفّا صفّا وجيئ يومئذ بجهنّم وقوله تعالى يا معشر الجنّ والانس ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السّموات والأرض فانفذوا وقوله تعالى وانشقّت السّماء فهى يومئذ واهية والملك على أرجائها يعنى ما تشقق منها فبينما كذلك إذا سمعوا الصوت فاقبلوا الى الحساب وقيل معنى قوله تعالى يوم تولّون مدبرين يوم تولون منصرفين عن موقف الحساب الى النار ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعصمكم من عذابه يعنى غير الله لا يقدر على دفع عذاب الله قطعا وانما يدفع عذاب الله رحمته ولا يكون لهم من الله رحمة تعصمهم من عذابه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ اى يضله عن طريق الجنة فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) اليه. وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم عليه السلام على ان فرعونه فرعون موسى طال عمره او على نسبة احوال الآباء الى الأولاد يعنى جاء اباءكم يوسف وقيل المراد يوسف بن ابراهيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام أرسل إليهم مِنْ قَبْلُ اى قبل موسى بِالْبَيِّناتِ اى بالمعجزات فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ قال ابن عباس من عبادة الله وحده مخلصا له الدين حَتَّى إِذا هَلَكَ اى مات يوسف عليه السلام قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا اى أقمتم على كفركم وزعمتم ان الله لا يجدد عليكم الحجة كَذلِكَ اى اضلالا مثل ذلك الإضلال يُضِلُّ اللَّهُ فى العصيان مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مشرك

غافر 40:35

مُرْتابٌ (٣٤) اى شاك فيما يشهد به البينات لغلبة الوهم والانهماك فى التقليد. الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بدل من الموصول الاول لانه بمعنى الجمع بِغَيْرِ سُلْطانٍ حجة واضحة بل اما بتقليد او شبهة داحضة أَتاهُمْ من عند الله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا فيه ضمير من وافراده نظرا الى لفظه ويجوز ان يكون الّذين مبتدا وخبره كبر على حذف مضاف تقديره وجدال الّذين يجادلون فى آيات الله كبر مقتا او الذين مبتدا وخبره بغير سلطان وفاعل كبر كَذلِكَ على ان كاف اسم بمعنى مثل اى كبر مقتا مثل ذلك الجدال فيكون قوله يَطْبَعُ اللَّهُ استئنافا للدلالة على موجب جدالهم وجاز ان يكون المعنى كذلك مثل اضلالهم يطبع الله اى يختم بالضلال ويوثق عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) بحيث لا يدخله نور الايمان قرأ ابو عمرو وابن ذكوان قلب بالتنوين على وصفه بالتكبر والتجبر لانه صنيعهما كقولهم رات عينى وسمعت اذنى او على حذف المضاف تقديره على قلب كل ذى قلب متكبر جبار والباقون بالاضافة.. وَقالَ فِرْعَوْنُ لوزيره هامان يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً اى بناء عاليا لا يخفى على الناظر وان بعد ومنه التصريح بمعنى الإظهار لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) اى الطرق. أَسْبابَ السَّماواتِ اى طرقها وابوابها من سماء الى سماء وكل ما يؤدى الى شىء فهو سبب له كالرشاء والدلو للماء واسباب الثاني بيان للاول وفى إيضاحها بعد ابهامها تفخيم لشانها وتشويق للسامع الى معرفتها فَأَطَّلِعَ قرأ حفص بالنصب على جواب لعل بالفاء والباقون بالرفع عطفا على ابلغ إِلى إِلهِ مُوسى الظاهر انه امر بالبناء كبناء نمرود وذكرناه فى سورة النمل وقال البيضاوي لعله أراد ان يبنى له رصدا فى موضع عال يرصد منه احوال الكواكب التي هى اسباب سماوية تدل على الحوادث الارضية فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله تعالى إياه- او ان يرى الناس فساد قول موسى بان اخباره من اله السماء يتوقف على اطلاعه ووصوله اليه وذلك

غافر 40:38

لا يتاتى الا بالصعود الى السماء وهو ممّا لا تقوى عليه الإنسان وذلك لجهله بالله وكيفية استنبائه وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً فى دعوى الرسالة وَكَذلِكَ اى تزيينا مثل ذلك التزين يعنى تزيين بناء الصرح للاطلاع على رب السماوات زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ اى كل عمل سئ يأباه العقل السليم يعنى أفسد الله بصيرته فكان يرى كل عمل سئ حسنا وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ سبيل الرشاد قرأ الكوفيون ويعقوب بضم الصاد على البناء للمفعول والفاعل على الحقيقة هو الله سبحانه يضلّ من يشاء ويهدى من يشاء والباقون بفتح الصاد يعنى صدّ فرعون الناس عن الهدى بامثال هذه الشبهات والتمويهات ويؤيده قوله تعالى وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ فى ابطال امر موسى إِلَّا فِي تَبابٍ (٣٧) اى فى خسار وضياع-. وَقالَ الَّذِي آمَنَ من ال فرعون يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ قرأ ابن كثير «ويعقوب- ابو محمد» اتّبعونى بإثبات الياء فى الحالين وقالون وابو عمرو «وابو جعفر- ابو محمد» وصلا فقط والباقون بحذف الياء فى الحالين أَهْدِكُمْ اى أدلكم سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) اى سبيلا يوصل سالكه الى المقصود وفيه تعريض الى ان ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغىّ. يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ يسير يتمتعون بها مدة يسيرة ثم ينقطع وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) التي لا تزول فعليكم بما ينفعكم فى الاخرة. مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ اى فى حال الايمان فان الايمان شرط لجزاء كل عمل صالح لان الله تعالى هو المالك للجزاء فلا بد للايمان به على ما يرتضيه حتى يجزى ما عمل لوجهه خالصا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) بغير تقدير وموازنة للاعمال بل أضعافا مضاعفة فضلا منه ورحمة. وَيا قَوْمِ ما لِي قرأ الكوفيون وابن ذكوان «ويعقوب- ابو محمد» بسكون الياء والباقون بفتحها والمعنى ما لكم كما تقول ما لى أراكم حزينا يعنى أخبروني كيف حالكم على خلاف ما يقتضيه العقل والعرف أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ من النار

غافر 40:42

بالايمان بالله وحده وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) اى الى الشرك الذي يوجب النار كور نداءهم ايقاظا لهم عن سنة الغفلة واهتماما بالمناولة ومبالغة فى توبيخهم على ما يقابلون به نصحه- لم يعطف النداء الثاني على الاول لانه بيان لما قبله وعطفه الثالث على الثاني او على الاول. تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ بدل من تدعوننى الاول او بيان منه تعليل والدعاء يعدى بالى وباللام كالهداية وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ اى بربوبيته عِلْمٌ بل عندى دليل قاطع على امتناعه ولا بد للايمان من برهان على وجوده وربوبيّته ولا يصح الاعتقاد الا عن ايقان وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الغالب القادر على الانتقام ممن كفر به الْغَفَّارِ (٤٢) لذنوب من شاء ممن أمن به فهو المستجمع لصفات الالوهية من كمال القدرة والعلم والارادة.. لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ قيل لا فى لا جرم رد لما دعوه اليه من عبادة الأصنام وجرم فعل بمعنى حقّ وفاعله انّ مع جملتها اى حق عدم دعوة الهتكم الى عبادتها أصلا فى الدارين لانها جمادات لا دعوة لهم فى الدنيا الى العبادة وفى الاخرة تتبرّأ عن عابديها وليس لها ما يقتضى الوهيتها او حق عدم دعوة مستجابة لها او عدم استجابة دعوة لها قال السدىّ لا يستجيب لاحد فى الدنيا ولا فى الاخرة- وقيل جرم فعل من الجرم بمعنى القطع ولا للنفى كما ان بدّا من لا بدّ فعل من التبديد بمعنى التفريق والمعنى لا قطع لبطلان دعوة الوهية الأصنام اى لا ينقطع فى وقت ما فيكون معناه استمرّ كما فى ما برح وما زال وحاصل معناه حقّا وفى القاموس لا جرم اى لا بدّ او حقّا او لا محالة او هذا أصله ثم تحول الى القسم فلذلك يجاب عنه باللام يقال لا جرم لاتينك وقيل جرم بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه الى كسب ذلك الدعاء اليه ان لا دعوه له بمعنى ما حصل من ذلك الا ظهور بطلان دعوته ولا على هذا ايضا لرد ما دعوه اليه وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ بعد الموت فيجازى كلّا بما يستحقه وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ فى الضلالة الطغيان بالاشراك

غافر 40:44

وسفك الدماء هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) ملازموها. فَسَتَذْكُرُونَ اى سيذكر بعضكم بعضا عند معائنة العذاب حين لا ينفعكم الذكر ما أَقُولُ لَكُمْ من النصيحة وَأُفَوِّضُ أَمْرِي قرأ نافع وابو عمرو «وابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها إِلَى اللَّهِ ليعصمنى من كل سوء قال ذلك لما توعدوه إذا ظهر مخالفته لدينهم إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) يعلم المحق من المبطل ثم خرج المؤمن من بينهم فطلبوه فلم يقدروا عليه وذلك قوله عز وجل. فَوَقاهُ اللَّهُ عطف على جمل محذوفة تقديره فاراد ال فرعون قتله ففرّ منهم فارسل فرعون جماعة ليأخذوه فوقيه الله سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا اى ما أرادوا به وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ اى بفرعون وقومه واستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بانه اولى بذلك سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) اى الغرق فى الدنيا والنار فى الاخرة وقيل حاق بال فرعون يعنى بالذين أرسلوا لطلب المؤمن من ال فرعون سوء العذاب اى القتل فانه لمّا فرّ الى الجبل فاتبعه طائفة فوجدوه يصلى والوحوش صفوف حوله فرجعوا رعبا فقتلهم فرعون-. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا جملة مستأنفة او النّار خبر محذوف ويعرضون استئناف للبيان او النّار بدل من سوء العذاب ويعرضون حال منها او من الال- قال ابن مسعود أرواح ال فرعون فى أجواف طير سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح الى النار فيقال يا ال فرعون هذه مأواكم حتى تقوم الساعة- أخرجه عبد الرزاق وابن ابى حاتم وقال مقاتل والسدىّ والكلبي يعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشيّا ما دامت الدنيا يعنى الى قيام الساعة- ويؤيده ما فى الصحيحين عن عبد الله بن عمران رسول الله ﷺ قال ان أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغدوة والعشى ان كان من اهل الجنة فمن اهل الجنة وان كان من اهل النار فمن اهل النار فيقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله الى يوم القيامة وفيه دليل على بقاء النفس وعذاب القبر

غافر 40:47

وقد دلت الأحاديث عليه وانعقد عليه الإجماع وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وابو بكر بهمزة الوصل وضم الخاء يعنى يقال لهم ادخلوا يا آلَ فِرْعَوْنَ وقرأ الباقون بهمزة القطع وكسر الخاء من الإدخال اى يقال للملائكة ادخلوا ال فرعون أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) قال ابن عباس يريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا يعنى فى عالم البرزخ. وَإِذْ يَتَحاجُّونَ اى اهل النار فِي النَّارِ اى اذكر يا محمد لقومك وقت مخاصمتهم فى النار وجاز ان يكون الظرف عطفا على غدوّا فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا تفصيل للمحاجة إِنَّا كُنَّا لَكُمْ فى الدنيا تَبَعاً والتبع يكون واحدا وجمعا لتابع كخدم جمع خادم على قول البصريين وقيل معناه ذوى تبع بمعنى اتباع على الإضمار او التجوز وقال الكوفيون جمع لا واحد له وجمعه اتباع فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (٤٧) بالدفع استفهام بمعنى الأمر ونصيبا مفعول لما دل عليه مغنون اوله بالتضمين او مصدر كشيئا فى قوله تعالى لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا فيكون صلة لمغنون. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا اى نحن وأنتم كُلٌّ اى كل واحد منا فِيها اى فى النار فكيف نغنى عنكم ولو قدرنا لاغنينا عن أنفسنا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) بدخول اهل الجنّة الجنة واهل النار النار ولا معقب لحكمه.. وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ حين اشتد عليهم العذاب لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ وضع جهنم موضع الضمير للتهويل ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً شيئا مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا اى خزنة جهنم أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ استفهام للانكار والتوبيخ على اضاعتهم اوقات الدعاء واسباب الاجابة وعطف على محذوف تقديره اما علمتم فى الدنيا ما لحقكم فى الاخرة من العذاب ولم تك تأتيكم رسلكم بالبيّنات منذرين به قالُوا بَلى جاءتنا رسلنا مبشرين

غافر 40:51

ومنذرين قالُوا فَادْعُوا امر على سبيل الاستهزاء ومعناه الاقناط وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٥٠) اى ضياع لايجاب هذا قول من الله ويحتمل ان يكومن كلام الخزنة وعلى هذا فهو حال او معترضة لمّا سبق قصة موسى وانتصاره وقومه على فرعون أعقبه ما استحقه الرسل والمؤمنون من النصر عموما فقال. إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال الضحاك بالحجة وقال ابن عباس بالغلبة والقهر قال البيضاوي ولا ينتقض ذلك بما كان للكافرين من الغلبة أحيانا امتحانا إذ العبرة بالعواقب وغالب الأمر وقيل بالانتقام من الأعداء فى الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يعنى يوم القيامة يقوم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ اى الكافرين بدل من يوم يقوم مَعْذِرَتُهُمْ لكونها باطلة قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر «وابو جعفر ويعقوب- ابو محمد» لا تنفع بالتاء الفوقانية لتأنيث الفاعل والباقون بالياء لكون التأنيث غير حقيقى وللفصل وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ اى البعد من الرحمة حال من الظالمين وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) اى الدار السواى يعنى جهنم-. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى متصل بقصة موسى وبين ذلك اعتراض يعنى اتينا موسى ما يهتدى به فى الدين اى التوراة وذلك بعد إهلاك فرعون وقومه وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) اى التوراة بعد موسى. هُدىً وَذِكْرى اى للهداية والتذكرة او هاديا ومذكّرا لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) اى لذوى العقول السليمة-. فَاصْبِرْ يا محمد على أذى المشركين إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ لك بالنصر حَقٌّ لا يحتمل الخلف واستشهد بحال موسى وفرعون وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ امر تعبدى ليزيدنه درجته ويصير سنة لما بعده وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ اى صلّ شاكرا لربك بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) قال الحسن يعنى صلوة العصر وصلوة

غافر 40:56

الصبح وقال ابن عباس يعنى الصلوات الخمس. إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ اى ينكرون القران بِغَيْرِ سُلْطانٍ اى حجة أَتاهُمْ من الله تعالى إِنْ فِي صُدُورِهِمْ كنى بالصدر القلب لكونه موضعه اى ما فى قلوبهم إِلَّا كِبْرٌ قال ابن عباس اى ما يحملهم على تكذيبك الا ما فى صدورهم من الكبر والعظمة يعنى يتكبرون عليك ويتعظمون أنفسهم عن اتباعك ما هُمْ بِبالِغِيهِ قال مجاهد ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لان الله عزّ وجلّ يذلهم وقال ابن قتيبة ان فى صدورهم الا تكبر على محمد وطمع فى ان يغلبوه وما هم ببالغي ذلك الكبر فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شرهم إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لاقوالكم وأفعالكم تعليل للاستعاذة. لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ فمن قدر على خلقها مع عظمها اوّلا من غير اصل قدر على خلق الناس ثانيا من اصل وهو ازاحة لاشكال ما يجادلون فيه مما نطق به القران من امر البعث وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) لانهم لا ينظرون ولا يتاملون لفرط غفلتهم واتباع اهوائهم وتقليد ابائهم- واخرج ابن ابى حاتم عن ابى العالية قال جاءت اليهود الى رسول الله ﷺ فذكروا الدجال فقالوا يكون منافى اخر الزمان فعظموا امره وقالوا يصنع كذا وكذا فانزل الله تعالى انّ الّذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم ان فى صدورهم الّا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله فامر نبيه ان يتعوذ من فتنة الدجال لخلق السّموت والأرض اكبر من خلق النّاس قال اى من خلق الدجال- واخرج عن كعب الأحبار قوله انّ الّذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان قال هم اليهود نزلت فيما ينتظرونه من امر الدجال عن عمران بن حصين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما بين خلق آدم الى قيام الساعة امر اكبر من الدجال- رواه مسلم وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ انه لا يخفى عليكم ان الله ليس باعور وان مسيح الدجال اعور عين اليمنى كانّ عينه عنبة طافية. متفق عليه وعن انس قال قال رسول الله ﷺ ما من نبى الا قد انذر أمته الأعور الكذاب الا انه اعور وان ربكم ليس باعور مكتوب بين عينيه ك ف ر- متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبى قومه انه اعور وانه يجئ معه مثل الجنة والنار فالتى يقول انها الجنة هى النار وانى أنذركم كما انذر به نوح قومه- متفق عليه وعن حذيفة عن النبي ﷺ قال ان الدجال يخرج وان معه ماء ونارا فاما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق واما الذي يراه الناس نارا فماء بارد عذب فمن أدرك ذلك منكم فليقع فى الذي يراه نارا فانه ماء بارد طيب- متفق عليه وزاد مسلم وان الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب- وعنه قال قال رسول الله ﷺ الدجال اعور العين اليسرى جعد الشعر «يعنى درشت و ژوليده مو- منه ره» معه جنته وناره فناره جنة وجنته نار رواه مسلم وعن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله ﷺ الدجال فقال ان يخرج وانا فيكم فانا حجيجه دونكم وان يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتى على كل مسلم انه شابّ قطط عينه طافية «١» «شديد الجعودة- منه ره» كانى أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرا عليه فواتح سورة الكهف فانها جواركم من فتنته انه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا «اى مفسد- منه ره» وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا- قلنا يا رسول الله وما لبثه فى الأرض قال أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهو ويوم كجمعة وسائر أيامه كايامكم قلنا فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلوة يوم قال لا اقدر وله قدره- الحديث بطوله رواه مسلم- وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فيلقاه المسالح مسالح «٢» الدجال فيقولون له اين تعمد فيقول اعمد الى هذا الذي خرج قال فيقولون له او ما تؤمن بربنا فيقول ما بربنا خفاء فيقولون اقتلوه فيقول بعضهم لبعض اليس قد نهاكم ربكم ان تقتلوا أحدا دونه (١) طافية هى الحبة التي قد خرجت من حد أخواتها فارتفعت عليها وقيل أراد حبة الطافية على الماء- منه رح (٢) مسالح جمع مسلح وهو القوم الذين يحفظون الثغور من العدو سموا مسلحة لانهم يكونون ذو سلاح- منه رح فينطلقون به الى الدجال فاذا راه المؤمن قال يا ايها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ قال فيأمر الدجال به فيشبح فيقول خذوه وشجوه فيوسع ظهره وبطنه ضربا قال فيقول اما تؤمن بي فيقول المسيح الكذاب قال فيؤمر به فيوشر بالميشار «اى يقطع منه ما يقطع به الخشب- منه ره» من مفرقه حتى يفرق بين رجليه قال ثم يمشى الدجال بين القطعتين ثم يقول له قم فيستوى قائما ثم يقول له أتؤمن بي فيقول ما ازددت فيك الا بصيرة قال ثم يقول يا ايها الناس انه لا يفعل بعدي بأحد من الناس قال فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته الى ترقوته نحاسا فلا يستطيع اليه سبيلا قال فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس انما قذفه الى النار وانما القى الى الجنة فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين- رواه مسلم وعن انس عن رسول الله ﷺ قال يتبع الدجال من يهود أصفهان سبعون الفا عليهم الطيالسة رواه مسلم وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ يأتى الدجال وهو محرّم عليه ان يدخل نقاب المدينة فينزل بعض السباخ التي تلى المدينة فيخرج اليه رجل وهو خير الناس او من خيار الناس فيقول اشهد انّك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ فيقول الدجال ارايتم ان قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون فى الأمر فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول والله ما كنت فيك أشد بصيرة منى اليوم فيريد الدجال ان يقتله فلا يسلط عليه- متفق عليه وعن ابى بكرة عن النبي ﷺ لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال لما يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان- متفق عليه- وعن ابى بكر الصديق قال حدثنا رسول الله ﷺ قال الدجال يخرج من ارض بالمشرق يقال له خراسان يتبعه أقوام كان وجوههم المجان المطرقة- «اى سيرها دومة منه ره» رواه الترمذي وعن اسماء بنت يزيد بن السكن قالت قال النبي ﷺ يمكث الدجال فى الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام السعفة فى النار- رواه البغوي فى شرح السنة والمعالم وعن ابى

غافر 40:58

سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ يتبع الدجال من أمتي (لعل المراد بالامة امة الدعوة) سبعون الفا عليهم التيجان- رواه البغوي فى شرح السنة والمعالم قال البغوي ويرويه ابو امامة عن رسول الله ﷺ قال ويتبع الدجال يومئذ سبعون الف يهودى كلهم ذو تاج وسيف محلى. وعن اسماء بنت يزيد الانصارية قالت كان رسول الله ﷺ فى بيتي فذكر الدجال فقال ان بين يديه ثلاث سنين سنة تمسك السماء فيها ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها والثانية تمسك السماء ثلثى قطرها والأرض ثلثى نباتها والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله فلا تبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم الا هلك وان من أشد فتنته ان يأتى اعرابيّا فيقول ارايت ان أحييت لك إبلك الست تعلم انى ربك فيقول بلى فيمثل له الشياطين نحو ابله كاحسن ما يكون ضروعا وأعظمه اسنمة قال ويأتى الرجل قد مات اخوه ومات أبوه فيقول ارايت ان أحييت لك أباك وأخاك الست تعلم انى ربك فيقول بلى فيمثل له الشياطين نحو أبيه ونحو أخيه قالت ثم خرج رسول الله لحاجته ثم رجع والقوم فى اهتمام وغم ممّا حدثهم قالت فاخذ بلحمتى الباب فقال مهيم اسماء قلت يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال قال ان يخرج وانا حى فانا حجيجه والا فان ربى خليفتى على كل مؤمن فقلت يا رسول الله انا لنعجن عجينا فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ قال تجزئهم ما يجزئ اهل السماء من التسبيح- رواه احمد والبغوي فى المعالم وعن المغيرة بن شعبة قال ما سال أحد رسول الله ﷺ عن الدجال اكثر مما سالته وانه قال لى ما يضرك قلت انهم يقولون ان معه جبل خبز ونهر ماء قال هو أهون على الله من ذلك متفق عليه- ولمّا قال الله سبحانه ولكنّ اكثر الناس لا يعلمون نبه على ان الجاهل كالاعمى والعالم كالبصير فقال. وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ الجاهل والعالم والمحسن والمسيء فلا بد ان يكون لهم محل يظهر فيه تفاوتهما ولا تفاوت لهما فى الدنيا فهو ما بعد الموت والبعث وزيادة لا فى المسيء

غافر 40:59

لان المقصود نفى مساواته للمحسن فيما له من الثواب والكرامة- والعاطف الثاني عطف الموصول مع ما عطف عليه على الأعمى والبصير لتغائر الوصفين فى المقصود او الدلالة بالصراحة والتمثيل قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) اى تذكرا قليلا او زمانا قليلا تتذكرون قرأ الكوفيون بالتاء الفوقانية على تغليب المخاطب او الالتفات او امر الرسول بالمخاطبة والباقون بالتحتانية لان أول الآيات وآخرها خبر عن قوم غيب والضمير للناس او الكفار. إِنَّ السَّاعَةَ اى القيامة لَآتِيَةٌ حتى يظهر تفاوت المحسن والمسيء لا رَيْبَ فِيها اى فى إتيانها بناء على استحالة خلف ما اخبر الله به وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) بها ولا يصدقون وعد الله لغفلتهم وشقاوتهم وقصور نظرهم على المحسوسات-. وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي قرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بإسكانها قيل معناه اعبدوني دون غيرى ولمّا عبر عن العبادة بالدعاء قال موضع اثيبكم أَسْتَجِبْ لَكُمْ والقرينة على ان المراد بالدعاء العبادة وبالاستجابة الاثابة قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) اى ذليلين قرأ ابن كثير وابو جعفر وابو بكر «ورويس- ابو محمد بخلاف عنه ابو محمد» سيدخلون بضم الياء وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء والظاهر ان المراد بالدعاء والعبادة كليهما السؤال فان سوال كل ما يحتاج المرء اليه وعدم التوجه الى غيره تعالى فى شىء من الأمور كمال العبودية والافتقار والاعتراف بصمديته تعالى عن انس قال قال رسول الله ﷺ يسئل أحدكم ربه حاجاته كلها حتى يسئل شسع نعله إذا انقطع- رواه الترمذي وزاد فى رواية عن ثابت البناني مرسلا حتى يسئل الملح وحتى يسئل شسعه إذا انقطع- عن النعمان بن بشير قال رسول الله ﷺ ان الدعاء هو العبادة ثم قرأ ادعوني استجب لكم انّ الّذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنّم داخرين- رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة فى مسانيدهم وقال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه ابن ابى شيبة فى المصنف والحاكم فى المستدرك فى صحيحه وابن حران فى صحيحه عنه انه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر فذكر الحديث- أورد النبي ﷺ ضمير الفصل والخبر معرفا باللام ويقصد فى أمثال ذلك حصر المسند على المسند اليه كما فى قوله تعالى انّ الله هو الرّزّاق اى لا رازق سواه وقد يقصد قصر المسند اليه على المسند كما فى قوله الكرم هو التقوى والحسب هو الايمان يعنى لا كرم الا التقوى ولا حسب الا الايمان وهاهنا يحتمل المعنيين والحصر انما هو على سبيل المبالغة ولعل المراد هاهنا ان الدعاء والعبادة متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار والمفهوم فان كل دعاء وسوال فهو عبادة وطاعة لان فى السؤال ذلّ وافتقار والعبودية فى اللغة اظهار التذلل والافتقار والعبادة ابلغ منها لانها غاية التذلل ولذا لا يستحقه الا الله تعالى وقضى ربّك الّا تعبدوا الّا ايّاه وكل عبادة وطاعة فهو سوال حيث قال رسول الله ﷺ اكثر دعائى ودعاء الأنبياء قبلى بعرفات لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير- رواه ابن ابى شيبة فى المصنف وقال الله تعالى واخر دعويهم ان الحمد لله ربّ العالمين قال الجزر كافى النهاية انما سمى التهليل والتحميد دعاء لانه بمنزلته فى استيجاب ثواب الله وجزائه كالحديث الاخر إذ اشغل عبدى ثناءه علىّ عن مسئلتى أعطيته أفضل ما اعطى السائلين- وروى الترمذي ومسلم من شغله القران وذكرى عن مسئلتى أعطيته أفضل ما اعطى السائلين- وفى رواية من شغله القران وذكرى عن مسئلتى- الحديث- اعلم ان الدعاء منه ما هو فريضة وهو قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فى الفاتحة فى الصلاة او سنة مؤكدة كالدعاء فى القعدة الاخيرة ومواقف الحج وغير ذلك ومنه ما هو حرام او مكروه وهو قصر السؤال على لذات الدنيا وسوال ما هو معصية وسوال ما هو مستحيل او ما فى معناه قال الله تعالى فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وقال الله تعالى وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ واما سوال كل امر يحتاج اليه العبد فى الدنيا والاخرة والاستعاذة من كل شر فمامور به مستحب بإجماع العلماء وذهب طائفة من الزهاد الى انّ ترك الدعاء أفضل إسلاما للقضاء وقال طائفة ان دعا للمسلمين فحسن وان خص نفسه فلا والحجة لنا الكتاب والسنة والإجماع عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ليس شىء أكرم على الله من الدعاء- رواه الترمذي وقال حسن غريب وابن ماجة والحاكم وعن انس قال قال رسول الله ﷺ الدعاء مخ العبادة- رواه الترمذي وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ سلوا الله من فضله فان الله يحب ان يسئل وأفضل العبادة انتظار الفرج- رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من لم يسئل الله يغضب عليه- رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وقال الترمذي حديث غريب والمراد من هذه الأحاديث انه من لم يسئل الله تعالى استكبارا غضب عليه حيث قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ وعن انس قال قال رسول الله ﷺ لا تعجزوا فى الدعاء فانه لن يهلك مع الدعاء أحد- رواه ابن حبان والحاكم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض- رواه الحاكم فى المستدرك وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة وما سئل الله شيئا احبّ اليه من ان يسئل العافية- رواه الترمذي ورواه الحاكم فى المستدرك فتحت له أبواب الجنة- فصل فيما وعد عن الاستجابة لمن يدعو الله منها هذا الحديث عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ من فتح له فلكم باب الدعاء فتحت له أبواب الاجابة- رواه ابن ابى شيبة وعن سلمان قال قال رسول الله ﷺ ان ربكم حيى كريم يستحيى من عبده إذا رفع يديه اليه ان يردهما صفرا- رواه الترمذي وابو داود والبيهقي فى الدعوات الكبير وعن ابى سعيد الخدري ان النبي ﷺ قال ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها اثم ولا قطيعة رحم الا أعطاه الله إياه بها احدى ثلاث اما ان يعجل له دعوته واما ان يدخرها له فى الاخرة واما ان يصرف عنه من السوء مثلها قالوا إذا نكثر قال الله اكثر- رواه احمد وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل يا رسول ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم ار يستجاب لى فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء- رواه مسلم وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء- رواه الترمذي ورواه احمد عن معاذ بن جبل وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ ما من أحد يدعو بدعاء الا أتاه الله ما سال او كفّ عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم- رواه الترمذي- (فصل) فيمن لا يرد دعوته عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة الوالد ودعوة المسافر ودعوة المظلوم رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة وعنه قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا يرد دعوتهم الصائم حين يفطر والامام العادل ودعوة المظلوم برفعها اليه فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الربّ وعزتى لا نصرنك ولو بعد حين- رواه الترمذي وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ دعوة المرء المسلم لاخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك مؤكل كلّما دعا لاخيه بخير قال الملك المؤكل به أمين ولك بمثله- رواه مسلم وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال خمس دعوات تستجاب لهن دعوة المظلوم حتى ينتصر ودعوة الحاج حتى يصدر ودعوة المريض حتى يبرأ ودعوة الأخ لاخيه بظهر الغيب ثم قال واسرع الدعوات اجابة دعوة الأخ بظهر الغيب- رواه البيهقي فى دعوات الكبير وعن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله ﷺ ان اسرع الدعاء اجابة دعوة غائب لغائب- رواه الترمذي وابو داود- (فصل) فى شرائط الاستجابة للدعاء منها تجنب الحرام فى المأكل والمشرب والمكسوب عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان الرجل يطيل السفر اشعث اغبر يمد يديه الى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فانى يستجاب لذلك- رواه مسلم وفيها حضور القلب عند الدعاء عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعو الله وأنتم موقنون بالاجابة واعلموا ان الله لا يستجيب دعاء من قلب لاه- رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب ومنها الجد فى الدعاء عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لى ان شئت ولكن ليعزم وليعظم الرغبة فان الله لا يتعاظمه شىء أعطاه- رواه مسلم- (فصل) فى سنن الدعاء وآدابه عن فضالة بن عبيد قال بينما رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال اللهم اغفر لى وارحمني فقال رسول الله ﷺ عجلت ايها المصلى إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو اهله وصل علىّ ثم ادعه قال ثم صلى رجل اخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي ﷺ فقال له النبي صلى الله ايها المصلى ادع تجب- رواه الترمذي وروى ابو داود والنسائي نحوه وعن ابن مسعود قال كنت أصلي (والنبي ﷺ وابو بكر وعمر معه فلمّا جلست بدأت بالثناء على الله ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم دعوت لنفسى فقال النبي ﷺ سل تعطه- رواه الترمذي وعن عمر بن الخطاب قال ان الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شىء حتى تصلى على نبيك- رواه الترمذي وعن مالك بن يسار قال قال رسول الله ﷺ إذا سالتم الله فاسئلوه ببطون أكفكم ولا تسئلوه بظهورها- وفى رواية ابن عباس سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسئلوه بظهورها فاذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم- رواه ابو داود وعن عمر قال كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه فى الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه- رواه الترمذي وعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوا ذلك- رواه ابو داود وعن انس قال كان رسول الله ﷺ يرفع يديه فى الدعاء حتى يرى بياض ابطيه- وعن السائب بن يزيد عن

غافر 40:61

أبيه ان النبي ﷺ كان إذا دعا رفع يديه مسح وجهه بيديه- رواه البيهقي فى الدعوات الكبير وعن عكرمة عن ابن عباس قال المسألة ان ترفع يديك حذو منكبيك او نحوهما- رواه ابو داود وعن ابن عمر انه يقول ان رفعكم ايديكم بدعة ما زاد رسول الله ﷺ على هذا يعنى الى الصدر. رواه احمد وعن ابى بن كعب قال كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعاه بدأ بنفسه- رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب صحيح.. اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ اى لتستريحوا فيه بالنوم وَالنَّهارَ مُبْصِراً اى يبصر فيه واسناد الابصار اليه مجازى مبالغة ولذلك عدل به عن التعليل إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عظيم عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواقع النعم وعظم الفضل وتكرير الناس لتخصيص الكفران بهم يعنى انهم هم الذين يكفرون ولا يشكرون كقوله انّ الإنسان لظلوم كفّار وجملة الله الّذى جعل لكم متصل بقوله هو الّذى يريكم آياته والله مبتدا والموصول خبره او خبر مبتدا محذوف والموصول صفة له. ذلِكُمُ المخصوص بتلك الافعال المقتضية للالوهية والربوبية مبتدا اللَّهُ لا غيره رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ من الجواهر والاعراض وافعال العباد لا إِلهَ اى لا تستحق العبادة أحد إِلَّا هُوَ إذ ليس أحد غيره موصوفا بشئ من الصفات المقتضية للالوهية المستوجبة للعبادة فَأَنَّى فكيف تُؤْفَكُونَ (٦٢) تصرفون من عبادته الى عبادة غيره الاربعة كلها اخبار مترادفة. كَذلِكَ اى كما افك كفار مكة يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ «١» اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً اى مستقرا وَالسَّماءَ بِناءً سقفا فوقكم استدلال ثان بافعال اخر مختصة به تعالى وَصَوَّرَكُمْ ايها الناس فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ يعنى خلقكم منتصب القامة بادى البشرة متناسب الأعضاء متهيّأ لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات قال ابن عباس خلق ابن آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده وغيره (١) وفى الأصل

غافر 40:65

يتناول بفيه وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ اى الاطعمة اللذيذة الله مبتدا والموصول خبره او خبر مبتدا محذوف يعنى هو والموصول صفة والجملة مقررة للجملة السابقة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) فان كل ما سواه مربوب مفتقر بالذات معترض للزوال. هُوَ الْحَيُّ المتفرد بالحياة الذاتية الذي يقتضى ذاته وجوده الوجوب والوجود وان كانا صفتى كمال لكنها ظلان من ظلال ذاته لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر ثان لهو اى لا يستحق العبادة الا من كان لهذا شأنه ولا شىء كذلك الا هو فَادْعُوهُ اى فاعبدوه واسئلوا منه حوائجكم الفاء للسببية فان ما ذكر من الصفات موجبات لعبادته مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اى الطاعة من الشرك والرياء الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) قيل معناه قائلين ذلك وقال الفراء هو خبر وفيه إضمار الأمر مجازه فادعوه وقولوا الحمد لله ربّ العلمين وروى عن مجاهد عن ابن عباس قال من قال لا اله الّا الله فليقل على اثره الحمد لله ربّ العالمين فذلك قوله عز وجل فادعوه مخلصين له الدّين الحمد لله ربّ العالمين والله اعلم- اخرج جويبر عن ابن عباس ان الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة قالوا يا محمد ارجع عما تقول وعليك بدين ابائك وأجدادك فانزل الله تعالى. قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي اى من الحجج والآيات فانها مقويّة لادلة عقلية منهية عنها وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) اى انقاد له وأخلص له دينى. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا اى أطفالا والتوحيد لارادة الجنس او على تاويل كل واحد منكم ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ اللام متعلق بمحذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا وكذا فى قوله ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ويجوز عطفه على لتبلغوا قرأ نافع وابو عمر وحفص وهشام «وابو جعفر ويعقوب وخلف ابو محمد» بضم الشين والباقون بكسرها وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ اى قبل الشيخوخة او بلوغ الأشد وَلِتَبْلُغُوا اى ويفعل ذلك لتبلغوا أَجَلًا مُسَمًّى اى وقتا معينا لا يجاوزونه يريد أجل الحيوة

غافر 40:68

الى الموت وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) اى لتعقلوا ما فى ذلك من الحجج والعبر. هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى «١» اى أراد أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) اى لا يحتاج فى تكوينه تجشم كلفة الفاء الاولى للدلالة على ان ذلك نتيجة ما سبق من حيث انه يقتضى قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد.. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعنى يقولون انها ليست من عند الله او يتولون خلاف سبيل الرسول والمؤمنين الاستفهام للانكار وانكار النفي اثبات وتقرير وفيه تعجيب أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) كيف صرفوا عن الحق استفهام للتوبيخ وتكرير ذم المجادلة للتاكيد او لتعدد المجادل او المجادل فيه روى عن محمد بن سيرين ان الاولى كانت فى المشركين وهذه الاية نزلت فى القدرية. الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من الشرائع بدل من الّذين يجادلون فان كان المراد به القدرية مجوس هذه الامة فهم يكذبون ما تبت بالكتاب والسنة من كون الله سبحانه خالقا للاشياء كلها من الخير والشر والجواهر والاعراض قادرا على كل شىء يغفر لمن يشاء ما يشاء من الصغائر والكبائر ويعذب من يشاء يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يجب عليه شىء لا يسئل عمّا يفعل وهم يسئلون وينكرون الصراط والميزان والشفاعة وغير ذلك- وجاز ان يكون الّذين كذّبوا مبتدا فيه معنى الشرط وخبره فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ بالرفع عطف على الاغلال او مبتدا خبره يُسْحَبُونَ (٧١) اى يجرون. فِي الْحَمِيمِ والعائد محذوف اى يسحبون بها وهو على الاول حال واخرج ابن ابى حاتم من طريق ابى الجوزاء عن ابن عباس انه قرأ والسّلسل بالنصب على المفعولية ويسحبون بفتح الياء على البناء للفاعل قال وذلك أشد عليهم وهم يسحبون السّلاسل ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) اى يحرقون من شجر التّنور إذ املاه بالوقود وقال مقاتل وقد بهم النار وقال مجاهد يصيرون وقود النار والمراد تعذيبهم بانواع العذاب ينقلون من (١) وفى الأصل وإذا قضى ١٢

غافر 40:73

بعضها الى بعض تارة بالحميم واخرى بالنار- اخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن ابى حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضى الله عنهما ان رسول الله ﷺ تلا هذه الاية الى قوله يسجرون فقال لو ان رصاصة مثل هذه (وأشار الى جمجمة) أرسلت من السماء الى الأرض وهى مسيرة خمس مائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل ولو انها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل ان يبلغ أصلها او قعرها-. ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ يعنى الأصنام قالُوا ضَلُّوا اى غابوا عنّا فلا نراهم وذلك قبل ان يقرن بهم التهم او المعنى ضاعوا عنا فلم نجد منهم ما كنا نتوقع منهم بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً قيل هذا انكار للاشراك مثل قولهم والله ربّنا ما كنّا مشركين وقيل معناه لم نكن نّدعوا من قبل شيئا ينفعنا او يدفع عنا المكروه وقال الحسن بن الفضل اى لم نصنع من قبل شيئا اى ضاعت عبادتنا كما يقول من ضاع عمله ما كنت اعمل شيئا كَذلِكَ اى اضلالا مثل إضلال هؤلاء المشركين او مثل إضلال القدرية يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) أجمعين حتى لا يهتدوا الى شىء ينفعهم. ذلِكُمْ الإضلال بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ اى تبطرون وتتكبرون بِغَيْرِ الْحَقِّ وهو الشرك والطغيان وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) اى تتوسعون فى الفرح والعدول الى الخطاب للمبالغة فى التوبيخ. ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ السبعة المقسومة لكم خالِدِينَ مقدرين الخلود فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) عن الحق جهنم وكان مقتضى النظم فبئس مدخل المتكبرين ولما كان الدخول المقيد بالخلود سبب الثواء عبر بالمثوى.. فَاصْبِرْ يا محمد على إيذاء المشركين إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بنصرك وإهلاك الكافرين حَقٌّ كائن لا محالة فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ان شرطية أدغمت فى ما الزائدة لتأكيد الشرطية ولذلك لحقت النون الفعل بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من القتل والأسر أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل ان نريهم فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) يوم القيامة فنجازيهم على أعمالهم

غافر 40:78

وهو جواب نتوفّينّك وجواب نرينّك محذوف مثل فذلك وجاز ان يكون هذا جوابا لهما بمعنى ان نعذبهم فى حياتك او لم نعذبهم فانا نعذبهم فى الاخرة أشد العذاب ويدل على شدته الاقتصار بذكر الرجوع فى هذا المعرض. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا التنوين للتكثير والتعظيم مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ اخرج احمد وابن راهويه فى مسنديهما وابن حبان فى صحيحه والحاكم فى المستدرك من حديث ابى لبابة ان النبي صلى الله عليه سئل عن عدد الأنبياء فقال مائة الف واربعة وعشرون الفا فقيل فكم الرسل منهم قال ثلاث مائة وثلاثة عشر جمّا غفيرا واخرج ابن حبان من حديث ابى ذر نحوه والمذكور فى القران سبعة وعشرون وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ اى معجزة إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ اى بامره وإرادته ليس لهم اختيار فى إتيان بعضها والاستبداد بإتيان المقترح بها فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قضاؤه بين الأنبياء والأمم قُضِيَ بِالْحَقِّ اى بنصر الأنبياء والمؤمنين وتعذيب الكفار وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) الكفار المعاندون باقتراح الآيات بغير ظهور الحق بالمعجزات.. اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) فان من جنسها ما يؤكل كالغنم ومنها ما يؤكل ويركب وهو الإبل والبقر الجملة متصله بقوله هو الّذى يحيى ويميت. وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ فى أصوافها واوبارها واشعارها وألبانها وجلودها وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ بالمسافرة عليها عطف على قوله لتركبوا منها وَعَلَيْها فى البر وَعَلَى الْفُلْكِ فى البحر تُحْمَلُونَ (٨٠) وانما قال على الفلك ولم يقل فى الفلك مزاوجة وتغير النظم فى الاكل لانه فى حيز الضرورة إذ يقصد به التعيش والتلذذ والركوب والمسافرة عليها قد يكون لاغراض دينية واجبة او مندوبة او للفرق بين العين والمنفعة. يُرِيكُمْ آياتِهِ الدالة على وجوده وكمال قدرته وفرط رحمته أَيَ اية من اتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) استفهام للانكار على الإنكار فانها لكثرتها ولظهورها لا تقبل للانكار وهو ناصب اىّ..

غافر 40:82

أَفَلَمْ يَسِيرُوا تقديره الم يخرجوا فلم يسيروا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ اى ما بقي منهم من القصور والمصانع ونحوها فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) يعنى فلم ينفعهم ذلك ما الاولى نافية او استفهامية للانكار منصوبة باغنى والثانية موصولة او مصدرية مرفوعة بها. فَلَمَّا جاءَتْهُمْ عطف على ما اغنى رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات والآيات الواضحات فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ واستحقروا علم الرسل والمراد بالعلم ما يزعمونه علما نافعا وهو فى الحقيقة اما جهل مركب كقول اليونانيين وغيرهم من الكفار فى الإلهيات وبعض الطبيعيات والرياضيات وكقول كفار مكة لن نبعث ولن نعذب كذا قال مجاهد وكقول اليهود والنصارى لن يّدخل الجنّة الّا من كان هودا او نصرى واما علم متعلق بامور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها قال الله تعالى يعلمون ظاهرا من الحيوة الدّنيا وهم عن الاخرة هم غفلون فلمّا جاءتهم رسلهم معلوم الديانات وهى ابعد شىء من علمهم لبنائها على الإجمال فى طلب الدنيا وترك اتباع الشهوات لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها واستهزءوا بهم واعتقدوا ان علمهم انفع واجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به واما علم بأشياء لا ينفعهم فى الاخرة كعلم الطبيعي والرياضي والنجوم والسحر والشعبدة لاهل اليونان والهند وغيرهم- روى ان أفلاطون سأل عيسى بن مريم عليه السلام امتحانا لنبوته فقال ان كانت السماوات قسيّا والحوادث سهاما والإنسان هدفا والرامي هو الله فاين المفر فاجاب عيسى عليه السلام ففرّوا الى الله فحينئذ أيقن أفلاطون بنبوته لكن قال انما الأنبياء لاجل الناقصين ونحن كاملون لا حاجة لنا الى الرسل وعن سقراط انه سمع موسى عليه السلام وقيل له لو هاجرت اليه فقال نحن قوم مهتدون لا حاجة لنا بمن يهدينا- وقيل معناه فرحوا اى ضحكوا استهزاء بما عندهم اى عند الأنبياء من العلم ويؤيده قوله تعالى وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)

غافر 40:84

وقيل ضمير فرحوا راجع الى الرسل يعنى لمّا راى الأنبياء تمادى جهل الكفار وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من الله العلم وشكروا الله تعالى عليه وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. فَلَمَّا رَأَوْا اى الكفار بَأْسَنا اى شدة عذابنا عند الموت قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) اى تبرأنا مما كنا نعبد من الأصنام. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ هذا اما من باب تنازع العاملين واعمال أحدهما والإضمار فى الثاني او يكون اسم يك ضمير الشان مستترا فيه او يكون يك تامة وينفعهم بتقدير ان فاعل له فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا اى عذابنا لامتناع قبوله حينئذ ولذلك قال لم يك بمعنى لم يصح ولم يستقم سُنَّتَ اللَّهِ منصوب على المصدرية من فعل محذوف للتأكيد اى سن الله ذلك سنة ماضية فى العباد ان الايمان عند نزول العذاب لا ينفع وان العذاب نازل على مكذبى الرسل وقيل منصوب بنزع الخافض كسنة الله وقيل على الإغراء اى احذروا سنة الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ اى وقت رؤيتهم البأس الْكافِرُونَ (٨٥) بذهاب الدارين قال الزجاج الكافر خاسر فى كل وقت ولكن يتبين لهم خسرانهم إذا رأووا العذاب- تم تفسير سورة المؤمن من التفسير المظهرى الثامن والعشرين من ذى الحجة من السنة السابعة سنة ١٢٠٧ هـ- بعد الف ومائتين ويتلوه ان شاء الله تعالى تفسير سورة فصلت بعون الله تعالى والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين.

فصلت 41:1

سورة فصّلت (حم السّجدة) مكّيّة وهى اربع وخمسون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (١) ان جعلته مبتدا فخبره. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) وان جعلته تعديد الحروف فتنزيل خبر محذوف وقال الأخفش تنزيل مبتدا لتخصيصه بالصفة وخبره. كِتابٌ وهو على الأولين بدل منه او خبر اخر او خبر محذوف ولعل افتتاح هذه السور السبع بحم وتسميتها به لكونها مصدرة ببيان الكتاب متشاكلة فى النظم والمعنى قال رسول الله ﷺ أعطيت طه والطواسين والحواميم من الواح موسى رواه الحاكم فى المستدرك والبيهقي عن معقل بن يسار واضافة التنزيل الرحمان الرحيم للدلالة على انه مناط المصالح الدينية والدنيوية فُصِّلَتْ آياتُهُ اى بينت بالاحكام والقصص والمواعظ قُرْآناً عَرَبِيًّا نصب على المدح او الحال من لضمير المجرور فى آياته فانه أضيف اليه فاعل فصلت مثل ميتا فى قوله تعالى يأكل لحم أخيه ميتا وفيه امتنان عليهم بسهولة قرائته وفهمه فانه لو كان بغير لغتهم لما فهموه لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) نزل منزلة اللازم اى لقوم ذوى علم ونظر لا لمن اعرض عنها او يقال مفعوله محذوف منوى اى لقوم يعلمون معانيه ويفهونه او يكون على طريقة من يسمع يخل بتقدير مفعوليه اى لقوم يعلمونه حقا والجملة صفة اخرى لقرءانا او صلة لتنزيل او لفصلت والاول اولى لوقوعه بين الصفات.

فصلت 41:4

بَشِيراً لاولياء الله وَنَذِيراً لاعدائه فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ عن تدبره وقبوله عطف على فصلت فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) اى لا يستمعون تعنتا وعنادا او لا يقبلون يقال شفعت الى فلان فلم يسمع قولى يعنى لم يقبل والجملة بيان للاعراض. «١». وَقالُوا يعنى مشركى مكة عطف على اعراض قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ اغطية جمع كنان مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد فلا نفقه ما تقول وَفِي آذانِنا وَقْرٌ ثقل وصمم لا نسمع ما تقول والمعنى انا فى ترك القبول عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ خلاف فى الدين يمنعنا عن التواصل وللدلالة على ان الحجاب مبتدا منهم ومنه بحيث استوعب المسافة المتوسطة ولم يبق فراغ أصلا- وهذه تمثيلات لامتناع القبول والمواصلة والمعنى انا فى ترك القبول والتواصل منك بمنزلة من بينهما حاجز قوى فَاعْمَلْ على دينك او فى ابطال أمرنا إِنَّنا عامِلُونَ (٥) على ديننا او فى ابطال أمرك. قُلْ يا محمد فى جوابهم إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ قال الحسن علمه الله التواضع يعنى ما انا الا واحد منكم لولا الوحى لم يكن عندى من العلم ما ترونه ولكن اوحى الىّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فعليكم باصغائه وتلقيه او المعنى لست بملك ولا جنى لا يمكنكم التلقي منه ولا أدعوكم الى ما يابى عنه العقول بل أدعوكم الى التوحيد الذي يدل عليه العقل (١) عن عمر بن الخطاب قال اقبل قريش الى النبي ﷺ فقال ما يمنعكم من الإسلام فتسور والعرب قالوا يا محمد ما نفقه ما تقول ولا نسمعه وان على قلوبنا لغلفا وأخذ ابو جهل ثوبا جما بينه وبين النبي ﷺ وقال يا محمد قلوبنا فى اكنة ممّا تدعونا اليه وفى اذننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فقال لهم النبي ﷺ أدعوكم الى خصلتين ان تشهدوا ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وانى رسول الله فلما سمعوا شهادة ان لا اله الا الله ولّوا على ادبارهم نفورا وقالوا اجعل الالهة الها واحدا انّ هذا الشيء عجاب وقال بعضهم لبعض امشوا واصبروا على الهتكم انّ هذا لشئ يراد ما سمعنا بهذا فى الملّة الاخرة ان هذا الّا اختلاق أنزل عليه الذّكر من بيننا وهبط جبرئيل فقال يا محمد ان الله يقرأك السلام اليس يزعم هؤلاء ان على قلوبهم أكنّة ان يفقهوه وفى آذانهم وقرا فليس يسمعون قولك كيف وإذا ذكرت ربّك فى القران وحده ولّوا على ادبارهم نفورا لو كان كما زعموا لم ينفروا ولكنهم كاذبون يسمعون ولا ينتفعون بذلك كراهة له- فلما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلا الى النبي ﷺ فقالوا يا محمد اعرض عليهم الإسلام اسلموا من آخرهم فتبسم رسول الله ﷺ وقال الحمد لله بالأمس تزعمون ان قلوبكم فى اكنة مما ندعوكم اليه وفى اذنكم وقر أصبحتم اليوم مسلمين فقالوا يا رسول الله كذبنا بالأمس لو كان كذلك ما اهتدينا ابدا ولكن الله الصادق والعباد كاذبون عليه وهو الغنى ونحن الفقراء اليه ١٢ منه برد الله مضجعه-

فصلت 41:7

والنقل فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ اى توجهوا الى الله بالطاعة ولا تميلوا عن طاعته وَاسْتَغْفِرُوهُ مما أنتم عليه من الشرك وسوء الأعمال ثم هددهم على ذلك بقوله وَوَيْلٌ كلمة عذاب مبتدا خبره لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ قال ابن عباس الذين لا يقولون لا اله الا الله وهى زكوة الأنفس والمعنى لا يطهرون أنفسهم عن الشرك بالتوحيد وقال الحسن وقتادة لا يقرون بالزكاة ولا يرونه واجبا وكان يقال الزكوة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخالف عنها هلك وقال مقاتل والضحاك لا ينفقون فى الطاعة ولا يتصدقون وقال مجاهد لا يزكون أعمالهم قال البيضاوي فيه دليل على ان الكفار مخاطبون بالفروع وقد ذكرنا هذه المسألة فى تفسير سورة المدثر فى قوله تعالى لم نك من المصلّين الاية. وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) حال مشعر بان امتناعهم من الزكوة مبنى على انكارهم للاخرة فان من لم يعتقد بالاخرة وثواب الزكوة فيها اعتقد إعطاء المال للفقير اضاعة لا محالة جعل الله سبحانه منع الزكوة مقرونا بالاشراك والكفر بالاخرة لان المال أحب الأشياء الى الأنفس فبذله فى سبيل الله أول دليل على إيمانه ففيه حث للمؤمنين على إيتاء الزكوة وتهديد شديد على منعه-. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قال ابن عباس غير مقطوع وقال مقاتل غير منقوص وقيل غير ممنون لى لا يمنّ به عليهم من المن وقال مجاهد غير محسوب وقال السدى نزلت الاية فى المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة يكتب لهم الاجر على حسب ما كانوا يعملون فى الصحة عن عبد الله عمر وقال قال رسول الله ﷺ ان العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك المؤكل به اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه- رواه البغوي فى شرح السنة والتفسير وعن ابى موسى قال قال رسول الله ﷺ إذا مرض العبد او سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا- رواه البخاري وعن انس ان رسول الله ﷺ قال إذا ابتلى المسلم ببلاء فى جسده

فصلت 41:9

قال للملك اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل فان شفاه غسله وطهّره وان قبضه غفر له ورحمه- رواه البغوي فى شرح السنة وعن ابن مسعود انه قال يكتب للعبد من الاجر إذا مرض ما كان يكتب له قبل ان يمرض فمنعه منه المرض- رواه رزين-. قُلْ أَإِنَّكُمْ استفهام توبيخ والجملة الاستفهامية مستأنفة فى جواب ما أقول لهم ان لم يستقيموا ولم يستغفروا لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ اى فى مقدار يومين سميا بيوم الأحد والاثنين وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ولا يجوز له ند ذلِكَ الذي خلق الأرض فى يومين رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) اى خالق لجميع ما وجد من الممكنات ومربّ لها- جمع العالم (لاختلاف أنواعه) بالياء والنون تغليبا للعقلاء وجملة ذلك ربّ العالمين تعليل للتوبيخ. وَجَعَلَ فِيها اى فى الأرض رَواسِيَ جبالا ثوابت مِنْ فَوْقِها اى فوق الأرض مرتفعة ليظهر للناظرين ما فيها من وجوه الاستبصار ويكون منافعها معرضة للطلاب وَبارَكَ فِيها اى فى الأرض بما خلق فيها من البحار والأنهار والثمار والأشجار والحيوانات وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها اى أقوات أهلها او الاضافة لادنى ملابسة اى أقوات خلق فيها قال الحسن قسم فى الأرض أرزاق العباد والبهائم بان عيّن لكل ما يصلحه ويعيش به وقد قرأ ابن مسعود وقسّم فيها أقواتها وقال عكرمة والضحاك قدر فى كل بلد ما لم يجعل فى الاخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد الى بلد قال الكلبي قدر الخبز لاهل قطر والذرة لاهل قطر والسمك لاهل قطر والتمر لاهل قطر فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ اى فى تتمة اربعة ايام يعنى فى يومين يوم الثلثاء والأربعاء متصلين باليومين الأولين فهو كقولك سرت من البصرة الى بغداد فى عشرة والى كوفة فى خمسة عشر ولم يقل فى يومين للاشعار باتصالهما باليومين الأولين سَواءً بالنصب اى استوت سواء بمعنى استواء او قدر تقديرا سواء والجملة صفة ايام ويدل عليه قراءة يعقوب بالجر صفة لاربعة وقيل حال من الضمير فى أقواتها او فى فيها وقرأ ابو جعفر سواء بالرفع على انه خبر محذوف اى هو

فصلت 41:11

لِلسَّائِلِينَ (١٠) متعلق بمحذوف اى هذا الحصر مبين للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها كذا قال قتادة والسدىّ او بقدّر اى قدّر فيها الأقوات للطالبين لها-. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ اى قصد نحوها من قولهم استوى الى مكان كذا إذا توجه اليه توجها لا يلوى على غيره والظاهر ان ثم لتفاوت ما بين الخلقتين لا للتراخى فى المرة لقوله تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فان دحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها وَهِيَ دُخانٌ لعله أراد مادتها والاجزاء المتصغرة التي ركبت منها وكان مادة السماء دخانا بخارا للماء كذا قال البغوي فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وإبراز ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة او ليأت كل منكما فى حدوث ما أريد توليده منكما- قال طاءوس عن ابن عباس اى أعطيا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد وقال ابن عباس قال الله عزّ وجلّ اما أنت يا سماء فاطلعى شمسك وقمرك ونجومك وأنت يا ارض فشقى أنهارك واخرجى ثمارك ونباتك طَوْعاً أَوْ كَرْهاً منصوب على الحال اى طائعتين او كارهتين او على الظرف اى ايتيا وقت طوع او كره او على المصدر من طريق ضربته سوطا اى ايتيا إتيان طوع او كره قال ابن عباس قال الله تعالى لهما افعلا ما أمرتكما والا الجأتكما الى ذلك حتى تفعلاه كرها فاجابتا بالطوع وقالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) ولم يقل طائعتين لانه ذهب به الى السماوات والأرض ومن فيهن مجازه اتينا بما فينا طائعين فيه تغليب للعقلاء او لما وصفهما بالقول اجراهما فى الجمع مجرى من يعقل والأظهر ان الكلام وارد مورد التمثيل وأراد بقوله ايتيا طوعا او كرها اظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده وبقوله قالتا اتينا طائعين سرعة تأثرهما بالذات فهو تمثيل بامر المطاع واجابة المطيع الطائع كقوله كن فيكون.. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ اى فخلقهن خلقا ابداعيّا واتقن امرهن والضمير للسماء على المعنى او مبهم وسبع سموات حال على الاول وتميز على الثاني

فصلت 41:13

فِي يَوْمَيْنِ يوم الخميس والجمعة قال المحلى ففرغ منها فى اخر ساعة منه وفيها خلق آدم ولذلك لم يقل هاهنا سواء قلت لعل قول المحلى هذا مبنى على ما رواه مسلم من حديث ابى هريرة انه قال أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة فى اخر الخلق واخر ساعة من النهار فيما بين العصر الى الليل- والظاهر ان هذا الحديث وهم فيه الراوي فان الثابت بالقران خلق السماوات والأرض فى ستة ايام وذكر فى هذا الحديث سبعة ايام والصحيح ان بدء الخلق من يوم الأحد وهذا الحديث يدل على انه من يوم السبت ومنطوق هذه الاية ان الله خلق الجبال رواسى وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها فى يوم الثالث والرابع وهذا الحديث يدل على انه خلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين والظاهر من سياق قصة آدم عليه السلام ان خلق آدم كان بعد زمان طويل من خلق السماوات والأرض إذ قال ربّك للملائكة انّى جاعل فى الأرض خليفة الآيات وفى قصة خلق آدم تعجين طينه أربعين يوما فلو صح خلق آدم فى اخر ساعة من الجمعة فذلك الجمعة بدا الخلق والله اعلم وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قال عطاء عن ابن عباس خلق فى كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار والجبال والبرد وما لا يعلم الا الله وقال قتادة والسدىّ يعنى خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وقال مقاتل اوحى الى كل سماء ما أراد من الأمر والنهى وقيل اوحى فى كل سماء الأمر الذي امر به من فيها من الطاعة وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ اى كواكب وَحِفْظاً اى وحفظناها من الآفات او من المسترقة حفظا وقيل مفعول له على المعنى كانه قال وخصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظا ذلِكَ الذي ذكرت من صنعه تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ فى ملكه الْعَلِيمِ (١٢) بخلقه. فَإِنْ أَعْرَضُوا عطف على قل ائنّكم يعنى ان اعرضوا اى كفار مكة عن الايمان بعد هذا البيان فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً اى فحذرهم ان يصيبهم عذاب شديد مهلك والصاعقة المهلكة من كل شىء مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ يعنى عادا وثمود الرُّسُلُ جملة إذ جاءتهم الرّسل حال من صاعقة عاد ولا يجوز جعله صفة لصاعقة او ظرفا لانذرتكم لفساد المعنى مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ اى من جميع جوانبهم واجتهدوا بهم من كل جهة او من جهة الزمان الماضي بالإنذار عمّا جرى فيه على الكفار ومن جهة المستقبل بالتحذير عما أعد لهم فى الاخرة وكل من اللفظين يحتملهما- او من قبلهم ومن بعدهم إذ قد بلغهم خبر المتقدمين وأخبرهم هود وصالح عن المتأخرين داعين الى الايمان بهم أجمعين ويحتمل ان يكون عبارة عن الكثرة كقوله يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان أَلَّا تَعْبُدُوا ان مخففة من الثقيلة بإضمار ضمير الشأن او مفسرة لانه بعد ذكر الرسالة وفيه معنى القول او مصدرية والباء مقدرة اى بان لا تعبدوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا اى عاد وثمود لَوْ شاءَ رَبُّنا إرسال الرسل لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً برسالته فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ على زعمكم كافِرُونَ (١٤) انما أنتم بشر مثلنا لافضل لكم علينا- روى البغوي عن جابر بن عبد الله قال قال الملأ من قريش وابو جهل قد التبس علينا امر محمد فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكمانة والسحر فاتاه فكلمه ثم أتانا ببيان من امره فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر وعلمت من ذلك علما وما يخفى علىّ ان كان كذلك فاتاه فلما خرج اليه قال أنت يا محمد خير أم هاشم أنت خير أم عبد المطلب أنت خير أم عبد الله فبم تشتم الهتنا وتضلّل آباءنا فان كنت انما تريد الرياسة عقدنا لك اولويتنا فكنت راسا ما بقيت وان كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من اىّ بنات قريش وان كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغنى أنت وعقبك من بعدك- ورسول الله ﷺ ساكت فلمّا فرغ قرأ رسول الله ﷺ بسم الله الرّحمن الرّحيم حم تنزيل من الرّحمن الرّحيم كتب فصّلت آياته قرءانا الى قوله فان اعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد وثمود الاية فامسك عتبة على فيه فناشده بالرحم ورجع الى اهله ولم يخرج الى قريش فاحتبس عنهم فقال ابو جهل يا معشر قريش والله ما نرى عتبة الا قد صبا الى محمد وقد أعجبه طعامه وما ذاك الا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا اليه فانطلقوا اليه فقال ابو جهل والله يا عتبة ما حبسك عنا الا انك صبوت الى محمد وأعجبك طعامه فان كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا يغنيك عن طعام محمد فغضب عتبة واقسم ان لا يكلم محمدا ابدا وقال والله لقد علمتم انى من اكثر قريش مالا ولكنى أتيته وقصصت عليه القصة فاجابنى بشئ والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ السورة الى قوله (تعالى) فان اعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فامسكت بغيه وناشدته بالرحم ان يكف ولقد علمتم ان محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت ان ينزل عليكم العذاب- وقال قال محمد بن كعب القرظي حدثت ان عتبة بن ربيعة كان سيدا حليما قال يوما وهو جالس فى نادى قريش ورسول الله ﷺ جالس وحده فى المسجد قال يا معشر قريش الا أقوم الى محمد وأكلمه واعرض عليه أمورا لعله يقبل منا بعضهن فنعطيه ويكف عنا (وذلك حين اسلم حمزة وراوا اصحاب محمد ﷺ يزيدون ويكثرون) قالوا بلى يا أبا الوليد فقم اليه فكلمه فقام عتبة الى رسول الله ﷺ فقال يا ابن أخي انك منا حيث علمت من البسطة فى العشيرة والمكان فى النسب وانك قد أتيت بامر عظيم فرقت جماعتهم وسفهت أحلامهم وعبت الهتهم وكفرت من مضى من ابائهم فاستمع منى اعرض عليك أمورا اتنظر فيها فقال رسول الله ﷺ قل يا أبا الوليد فقال يا ابن أخي ان كنت انما تريد بما جئت المال جمعنا لك من أموالنا حتى تكون اكثر منّا مالا وان كنت تريد شرفا سوّدناك علينا وان كان هذا الذي بك رئيا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب او لعل هذا شعر جاش به صدرك فانكم لعمرى بنى عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا يقدر عليه غيركم حتى إذا فرغ فقال له رسول الله ﷺ اوقد فرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فاستمع منى

فصلت 41:15

قال افعل فقال بسم الله الرّحمن الرّحيم حم تنزيل من الرّحمن الرّحيم كتب فصّلت آياته قرءانا عربيّا ثم مضى فيها يقرأ فلمّا سمع عتبة انصت والقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يستمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ الى السجدة فسجد ثم قال قد سمعت يا أبا الوليد فانت وذاك فقام عتبة الى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم ابو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلمّا جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد فقال ورائ انى قد سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة يا معشر قريش أطيعوني خلوا ما بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وان يظهر على العرب به فملكه ملككم وعزّه عزّكم فانتم اسعد الناس به فقالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رائى لكم فاصنعوا ما بدا لكم.. فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ اى تعظموا على اهل الأرض بغير استحقاق وَقالُوا لما خوّفوا بالعقاب اغترارا بقوتهم وشوكتهم مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً يعنى ليس أحد أشد قوة منا ندفع العذاب بقوتنا كان أحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث يشاء فقال الله تعالى ردّا عليهم أَوَلَمْ يَرَوْا الاستفهام للانكار والعطف على محذوف تقديره أقالوا ذلك ولم يروا اى لم يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا اى بمعجزاتنا يَجْحَدُونَ (١٥) اى يعرفون انها حق وينكرونها عطف على قالوا. فَأَرْسَلْنا عطف على كانوا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً عاصفا شديد الصوت شديد البرد من الصر بمعنى البرد اى يصر اى يجمع ويقبض او الصرة بمعنى الصيحة فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو ويعقوب بسكون الحاء والباقون بكسرها اى مشومات ذات نحوس فى حقهم قال الضحاك امسك الله عنهم المطر ثلاث سنين ودامت الرياح عليهم من غير مطر قيل كان اخر شوال من الأربعاء الى الأربعاء وما عذب قوم الا يوم الأربعاء لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ اى عذاب الهوان أضاف العذاب الى الخزي اضافة الموصوف

فصلت 41:17

الى الصفة مثل رجل الحرب وحاتم الجود بدليل ولعذاب الاخرة اخزى وهو فى الأصل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى عطف على أرسلنا وهو فى الأصل صفة المعذب وصف به العذاب للمبالغة مجازا وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) بدفع العذاب عنهم. وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ اى دللناهم على الخير والشر بإرسال الرسل وبيّناهم سبيل الهدى كذا قال ابن عباس فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى اى اختاروا الجهل والكفر على الايمان فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ اى صيحة من السماء مهلكة للعذاب والهوان والذل واضافتها الى العذاب ووصفه بالهون للمبالغة بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) من اختيار الضلالة. وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) من تلك الصاعقة.. وَاذكر يَوْمَ يُحْشَرُ قرأ نافع ويعقوب بفتح النون وضم الشين على صيغة المتكلم المبنى للفاعل أَعْداءُ اللَّهِ بالنصب على المفعولية والباقون بضم الياء وو فتح الشين على البناء للمفعول واعداء الله بالرفع إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) اى يساقون ويدفعون الى النار وقال قتادة والسدىّ يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا قال البيضاوي وهى عبارة عن كثرة اهل النار. حَتَّى ابتدائية إِذا ما جاؤُها إذا حضروها وما زائدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) قال السدىّ وجماعة المراد بالجلود الفروج وقال مقاتل ينطق جوارحهم روى مسلم عن انس قال كنا مع رسول الله ﷺ فضحك فقال هل تدرون مما اضحك قلنا الله ورسوله اعلم قال من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب الم تجرنى من الظلم فيقول بلى قال فيقوله فانى لا أجيز على نفسى الا شاهدا منى فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه ويقال لاركانه انطقى فينطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكنّ وسحقا فعنكنّ أناضل- «اى أجادل وأخاصم- نهاية منه ره» وفى حديث ابى هريرة عند مسلم فيختم على فيه ويقول لفخذه انطق فينطق فخذه ولحمه وعظمه بعمله. وَقالُوا

فصلت 41:22

اى الذين يحشرون الى النار لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا بعدا لكن وسحقا فعنكن اناضل وهذا السؤال سوال توبيخ قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ذى نطق وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) قدّم الظرف للحصر والاهتمام ورعاية الفواصل وهذه الجملة يحتمل ان يكون من تمام كلام الجوارح وان يكون استئنافا مثل ما بعده- روى الشيخان فى الصحيحين والبغوي عن ابن مسعود قال اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشى او قرشيان وثقفى كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال أحدهم أترون ان الله يسمع ما نقول قال الاخر يسمع ما جهرنا ولا يسمع ان أخفينا وقال الاخر ان كان يسمع إذا جهرنا فانه يسمع إذا أخفينا قال البغوي قيل الثقفي عبد ياليل والقرشيان ختنا ربيعة وصفوان ابن امية فانزل الله تعالى. وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ اى اية قال البغوي معناه تستخفون عند اكثر اهل العلم وقال مجاهد تتقون وقال قتادة تظنون يعنى ما كنتم تستترون الفواحش من جوارحكم مخافة أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ كما كنتم تستترونها عن الناس مخافة الفضيحة فالمعنى ما كنتم تظنون ان جوارحكم تشهد عليكم وفيه تنبيه وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) فلذلك اجرأتم على ما فعلتم. وَذلِكُمْ اى ظنكم هذا مبتدا وقوله ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ اى أهلككم خبر ان له ويجوز ان يكون ظنّكم بدلا من اسم الاشارة وارديكم خبره فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) ثم اخبر عن حالهم فقال. فَإِنْ يَصْبِرُوا فى النار فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ لاخلاص لهم عنها وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) اى ان طلبوا العتبى وهو الرجوع الى ما يحبون ويسترصون ربهم فما هم بمجابين الى ذلك. وَقَيَّضْنا اى بعثنا ووكلنا وقال مقاتل هيأنا عطف على قوله فى صدر السورة فاعرض أكثرهم- وقالوا قلوبنا فى أكنّة وبينهما معترضات لَهُمْ اى للكافرين قُرَناءَ جمع قرين ككرماء جمع كريم يعنى نظراء من الشياطين

فصلت 41:26

يستولون عليهم استيلاء القيض على البيض وهو القشر وقيل اصل القيض البدل ومنه المقائضة للمعاوضة فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من امر الدنيا واتباع الشهوات وَما خَلْفَهُمْ من امر الاخرة فدعوهم الى التكذيب وانكار البعث وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ اى كلمة العذاب فِي أُمَمٍ حال من الضمير المجرور اى كائنين فى جملة امم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ صفة لامم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقد عملوا مثل أعمالهم صفة اخرى لامم إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) بايثار موجبات العذاب على موجبات الرحمة تعليل لاستحقاقهم العذاب والضمير لهم او للامم.. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من اهل مكة لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ قال ابن عباس كان بعضهم يوصى الى بعض إذا رايتم محمدا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر واللغو وقال مجاهد الغوا فيه بالمكاء والصفير وقال الضحاك أكثروا الكلام فتخلطوا عليه ما يقول وقال السدىّ صيحوا فى وجهه لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) محمدا على قراءته. فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وضع المظهر موضع الضمير تسجيلا للكفر وللدلالة على شمول هذا الحكم لهم ولغيرهم عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) اى سيئات أعمالهم او المعنى لنجزينّهم جزاء كفرهم الذي هو أسوأ ما كانوا يعملون فى الدنيا. ذلِكَ مبتدا اى الاسوأ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ خبره النَّارُ عطف بيان للجزاء او خبر محذوف لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ اى دار الاقامة جَزاءُ منصوب على المصدرية لفعله المقدر اى يجزون والجملة تأكيد لما سبق بِما كانُوا بِآياتِنا اى القران يَجْحَدُونَ اى ينكرون الحق او المعنى يلغون عند قراءة القران وذكر الجحود الذي هو سبب اللغو. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف على مضمون الكلام السابق اى عذبوا ذلك العذاب وقالوا يعنى يقولون بعد ما يلقون فى النار رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يعنون شيطانى النوعين الحاملين إياهما على الضلال والعصيان وقيل هما إبليس وقابيل بن آدم لانهما سنا الكفر والمعصية قرأ ابن عامر

فصلت 41:30

وابن كثير ويعقوب وابو بكر والسوسي أرنا بالتخفيف اى بسكون الراء هاهنا خاصة وقرأ الدوري باختلاس كسرة الراء والباقون باشباعها «اى بكسره كاملة- ابو محمد» نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا فى النار لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) اى فى الدرك الأسفل من النار قال ابن عباس ليكونا أشد عذابا منّا-. إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ اعترافا بربوبيته وإقرارا بوحدانيته ثُمَّ اسْتَقامُوا اى التزموا المنهج المستقيم قال المحلى نزلت فى ابى بكر الصديق وثم لتراخيه عن الإقرار فى الرتبة والمراد بالاستقامة الاعتدال وعدم الزيغ والانحراف عن الحق بوجه من الوجوه لا فى الاعتقاد ولا فى الأخلاق ولا فى الأعمال قال فى القاموس استقام اعتدل وقومته عدلته فهو قويم ومستقيم ومنه الصراط المستقيم للطريق السوي الذي يوصل سالكه الى المطلوب البتة. فالاستقامة لفظ مختصر شامل لجميع الشرائع من الإتيان بالمأمورات والاجتناب عن المنهيات على سبيل الدوام والثبات ومن هاهنا أجاب رسول الله ﷺ سفيان بن عبد الله الثقفي حين قال يا رسول الله قل لى فى الإسلام قولا لا اسئل عنه أحدا بعدك وفى رواية غيرك قال قل امنت بالله ثم استقم- رواه مسلم قال البغوي سئل ابو بكر الصديق عن الاستقامة فقال ان لا تشرك بالله شيئا «١» وقال عمر بن الخطاب الاستقامة ان تستقيم على الأمر والنهى ولا تروغ روغان الثعالب وقال عثمان بن عفان أخلصوا العمل لله وقال علىّ أدوا الفرائض وقال ابن عباس استقاموا على أداء الفرائض وقال (١) روى عن ابى بكر الصديق انه قال ما تقولون فى هاتين الآيتين انّ الّذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا والّذين أمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم قالوا الّذين قالوا ربّنا الله ثم عملوا بها واستقاموا على امره فلم يذنبوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم لم يذنبوا قال لقد حملتموها على امر شديد الّذين أمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم نقول بشرك والّذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا فلم يرجعوا الى عبادة الأوثان- كذا فى ازالة الخفا للشيخ ولى الله المحدث وروى النسائي والبزار وابو يعلى وغيرهم عن انس قال قرأ علينا رسول الله ﷺ هذه الاية انّ الّذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا قد قالها ناس من الياس (ثم كف أكثرهم فمن قالها حين يموت فهو ممّن استقام علما ١٢ منه رحمه الله)

فصلت 41:31

الحسن استقاموا على امر الله فاعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته وقال مجاهد وعكرمة استقاموا على شهادة ان لا اله الّا الله حتى تلحقوا بالله وقال مقاتل استقاموا على المعرفة فلم يرتدوا- فكلها عبارات عما ذكرنا فان قول عمر ليستقيم على الأمر والنهى ولا تروغ روغان الثعالب وقول على وابن عباس وكذا قول الحسن شامل لجميع ما فرض الله إتيانه او الاجتناب عنه فى العقائد والأخلاق والأعمال- وقول ابى بكر لا تشرك بالله شيئا وقول عثمان أخلصوا لله العمل بيان لعدم الرياء والسمعة فى شىء من الأعمال وهو المعنى من قول مجاهد وعكرمة- فالاستقامة لا تتصور بدون فناء القلب والنفس وحصول المعرفة بالله على ما اصطلح عليه الصوفية وذلك قول مقاتل وقال قتادة كان الحسن إذا تلا هذه الاية قال اللهم أنت ربّنا فارزقنا الاستقامة وكان الحسن رأس الصوفية ينتهى اكثر السلاسل اليه- تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ عند الموت كذا قال ابن عباس وقال قتادة ومقاتل إذا قاموا من قبورهم وقال وكيع بن الجراح البشرى يكون فى ثلاثة مواطن عند الموت وفى القبر وعند البعث أَلَّا تَخافُوا ان مفسرة لان تتنزّل عليهم يتضمن معنى الوحى الذي فيه معنى القول او مخففة من الثقيلة اسمه ضمير الشأن او مصدرية يعنى لا تخافوا على ما تقدمون عليه من امر الاخرة كذا قال مجاهد وَلا تَحْزَنُوا على ما خلفتم من اهل وولد فانا نخلفكم فى ذلك فالخوف غم يلحق لتوقع مكروه والحزن غم يلحق لوقوعه فى مكروه من فوات نافع او حصول ضار وقال عطاء بن ابى رباح لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم يعنى لا تخافوا العقاب ولا تحزنوا على صدور العصيان فان الله يغفرها لكم وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) فى الدنيا على لسان الرسل اخرج ابو نعيم عن ثابت البناني انه قرأ حم السجدة حتى بلغ الى قوله تتنزّل عليهم الملائكة فقال بلغنا ان العبد المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان الذان كانا معه فى الدنيا فيقولان لا تخف ولا تحزن وابشر بالجنة التي كنت توعد قال فيأمن الله خوفه ويقر عينه. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ

فصلت 41:32

فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعنى كنا معكم فى الدنيا نحفظكم من الشياطين ونلهمكم بالخيرات وَنحن اولياؤكم فِي الْآخِرَةِ لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة وَلَكُمْ فِيها اى فى الجنه ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ من اللذات والكرامات وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) اى ما تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من الاول. نُزُلًا كائنا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) نزلا حال من ما تدّعون وفيه اشعار بان ما يتمنون بالنسبة الى ما يعطون مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف اخرج البزار وابن ابى الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ انك لتنظر الى الطير فى الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا- واخرج ابن ابى الدنيا عن ابى امامة ان الرجل من اهل الجنة ليشتهى الطير فى الجنة فيخر مثل البختي حتى يقع على خوانه لم نصبه دخان ولا تمسه نار فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير- وأخرجه الترمذي وحسنه والبيهقي قال قال رسول الله ﷺ المؤمن إذا اشتهى الولد فى الجنة كان حمله ووضعه وسنه فى ساعة كما يشتهى- وعند هناد فى الزهد عن ابى سعيد قلنا يا رسول الله ان الولد من قرة العين وتمام السرور فهل يولد لاهل الجنة فقال إذا اشتهى الى آخره- واخرج الاصبهانى فى الترغيب عن ابى سعيد الخدري ولم يرفعه قال ان الرجل من اهل الجنة يتمنى الولد فيكون حمله ورضاعه وفطامه وشبابه فى ساعة واحدة- واخرج البيهقي مرفوعا بلفظ ان الرجل يشتهى الولد فى الجنة فيكون الى آخره- واخرج فى التاريخ والبيهقي نحوه-. وَمَنْ أَحْسَنُ يعنى لا أحد احسن قَوْلًا مِمَّنْ دَعا الناس إِلَى اللَّهِ الى عبادة الله وتوحيده وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين ربه وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) تفاخرا او اتخاذا للاسلام دينا ومذهبا من قولهم هذا قول فلان لمذهبه قال محمد بن سيرين والسدىّ هو رسول الله ﷺ وقال الحسن هو المؤمن أجاب الله فى دعوته وعمل صالحا فى اجابته وقال انّنى من المسلمين وقالت عائشة ارى هذه الاية نزلت فى المؤذّنين وقال ابو امامة الباهلي دعا الى الله يعنى اذّن وعمل صالحا صلى ركعتين بين الاذان والاقامة قال قيس بن حازم عمل صالحا هو الصلاة بين الاذان والاقامة عن عبد الله بن معقل قال قال رسول الله ﷺ بين كل أذانين صلوة بين كل أذانين صلوة قال فى الثالثة بين كل أذانين صلوة لمن شاء- متفق عليه وعن انس بن مالك قال لا اعلم وقد رفعه انس الى النبي ﷺ قال لا يرد الدعاء بين الاذان والاقامة- رواه ابو داود والترمذي فصل فى فضل الاذان عن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة. رواه مسلم وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله عليه وسلم لا يسمع مدى صوت المؤذّن جن ولا انس ولا شىء الا شهد له يوم القيامة رواه البخاري وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الامام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم ارشد الائمة واغفر للمؤذنين- رواه احمد وابو داود والترمذي والشافعي وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من اذن سنبع سنين محتسبا كتب له براءة من النار. رواه الترمذي وابن ماجة وابو داؤد وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة على كثبان الجنة عبد ادّى حق الله وحق مولاه ورجل امّ قوما وهم به راضون ورجل ينادى بالصلوات الخمس كل يوم وليلة- رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلوة ويكفر عنه ما بينهما- رواه احمد وابو داود وابن ماجة وعن سهل بن سعد رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ ثنتان لا تردان او قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا وعن ابن عمر رضى الله عنهما ان رسول الله ﷺ قال من اذّن «١» ثنتى عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه فى كل يوم ستون حسنة وبكل اقامة ثلاثون حسنة (١) عن عمر بن الخطاب انه قال لو أطقت الاذان مع الخلافة لاذّنت- منه رحمه الله-

فصلت 41:34

رواه ابن ماجة وعنه قال كنا نؤمر بالدعاء عند أذان المغرب- رواه البيهقي فى الدعوات الكبير- (فصل فى جواب الاذان) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىّ فانه من صلى علىّ صلوة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فانها منزلة فى الجنة لا تنبغى الا لعبد من عباد الله وأرجو ان أكون انا هو فمن سال لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى- رواه مسلم وعن عمر قال قال رسول الله ﷺ إذا قال المؤذن الله اكبر الله اكبر فقال أحدكم الله اكبر الله اكبر الحديث يعنى يقول مثل ما يقول المؤذن وحين يقول حى على الصلاة وحى على الفلاح يقول لا حول ولا قوة الا بالله دخل الجنة رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر قال رجل يا رسول الله ان المؤذنين يفضلوننا فقال رسول الله ﷺ قل كما يقولون فاذا انتهيت فسل تعط- رواه ابو داود-. وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ فى الجزاء وحسن العاقبة ولا الثانية مزيدة لتأكيد النفي يعنى مهما أمكن للانسان فلا بد ان يختار الخصلة الحسنة على الخصلة السيئة فليختر الصبر على الغضب والحلم على الجهل والعفو على الانتقام والسخاء على البخل والشجاعة على الجبن والعفة على العنت ادْفَعْ بِالَّتِي اى بالخصلة التي هِيَ أَحْسَنُ المراد بالأحسن هاهنا الزائد فى الحسن مطلقا إذ لا حسن فى السيئة أصلا قال ابن عباس امر بالصبر فى مقابلة من يغضب عليه وبالحلم فى مقابلة من يجهل عليه وبالعفو فى مقابلة من يسئ اليه وقيل معناه لا تستوى الحسنة فى جزئياتها ولا تستوى السيّئة فى جزئياتها بل بعضها فوق بعض فى الحسن والسوء فاذا اعترضك من بعض أعدائك سيّئة فادفعها بأحسن الحسنات كما لو أساء إليك رجل فالحسنة ان تعفو عنه والتي احسن ان تحسن اليه فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ إذا للمفاجاة أضيف الى الجملة والعامل فيه معنى المفاجاة والمعنى فوجى ذلك وقت صيرورة الذي بينك وبينه عداوة كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)

فصلت 41:35

الذي مبتدا وكانّه خبر وإذا ظرف لمعنى التشبيه وقوله ادفع الى آخره جملة مستأنفة كانه قيل كيف اصنع إذا أساء أحد الىّ فقال ادفع قال مقاتل بن حبان نزلت فى ابى سفيان بن حرب وليس بسديد لان الاية مكية واسلام ابى سفيان كان بعد الفتح. وَما يُلَقَّاها جملة معترضة اى ما يؤتى هذه الخصلة وهى مقابلة الاساءة بالإحسان إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على مخالفة النفس والهوى وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) من التجليات الصفاتية والذاتية فان النفس إذا تجلت عليها الصفات الحسنى انسلخت من صفاتها السواى. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ عطف على ادفع وما زائدة اتصلت بان الشرطية مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ النزغ شبه النخس والشيطان ينزع كانه ينخس ويبعث على المعصية وفى القاموس نزغه كمنعه طعن فيه ونزغ بينهم أفسد واغرى ووسوس وهو فعل الشيطان أسند الى نزغه مجازا على طريقة جدجده وعلى هذا من للابتداء او أريد بالنزغ المسند اليه النازغ وصفا للشيطان بالمصدر مبالغة ومن الشّيطان بيان له حال منه والمعنى وان وسوس فيك الشيطان وحملك على الانتقام ومقابلة الاساءة بالاساءة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شره ولا تطعه هذا جواب الشرط وجواب الأمر محذوف اى يدفع الله عنك إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لاستعاذتك الْعَلِيمُ (٣٦) بنيتك وصلاحك-. وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فان كل واحد منها تدل على وجوب وجود صانعها وصفاته الكاملة ووحدانيته لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ لانهما مخلوقان مأموران مثلكم وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ الضمير للاربعة المذكورة والمقصود تعليق الفعل بهما اشعارا بانهما من عداد ما لا يعلم ويختار إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فان السجود يختص لله تعالى وهذا موضع السجود عند الشافعي رحمه الله لاقتران الأمر به وهو مروى عن ابن مسعود وابن عمر اخرج الطحاوي بسنده عن عبد الرحمان بن يزيد يذكر ان عبد الله بن مسعود كان يسجد فى الاية الاولى من حم واخرج بسنده عن نافع عن ابن عمر مثله. فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا عن الامتثال والسجود شرط حذف جزاؤه وأقيم علته مقامه تقديره فان استكبروا لا يضره فَالَّذِينَ اى لانّ الذين عِنْدَ رَبِّكَ عندية غير متكيفة وهم الأنبياء والملائكة والأولياء يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) عطف او حال اى لا يملّون بل يتلذذون به قال رسول الله ﷺ أرحني يا بلال. قال ابو حنيفة رحمه الله هذا موضع السجود وهو المروي عن ابن عباس اخرج ابن ابى شيبة فى مصنفه والطحاوي عن مجاهد عن ابن عباس انه كان يسجد فى الاية الاخيرة من حم تنزيل. وزاد فى رواية راى رجلا يسجد عند قوله ان كنتم ايّاه تعبدون فقال له قد عجلت واخرج الطحاوي عن مجاهد قال سالت عن ابن عباس عن السجود الذي فى حم قال اسجد باخر الآيتين وروى الطحاوي ايضا بسنده عن ابى وائل انه كان يسجد فى الاية الاخيرة من حم وروى عن ابن سيرين مثله وعن قتادة مثله قال صاحب الهداية هذا قول عمر قال ابن همام كونه قول عمر غريب وأخذ ابو حنيفة هذا القول للاحتياط فانه ان كان السجود عند تعبدون لا يضره التأخير الى الاية الاخيرة وان كان عند لا يسئمون لم يكن السجود قبله مجزيّا- وقال الطحاوي ما حاصله ان السجود فى الاية الاخيرة هو مقتضى النظر وذلك انا راينا السجود المتفق عليه هو عشر سجدات منها الأعراف وموضع السجود منها قوله انّ الّذين عند ربّك لا يستكبرون عن عبادته ويسبّحونه وله يسجدون ومنها الرعد وموضع السجود منها ولله يسجد من فى السّموت ومن فى الأرض طوعا وكرها وظللهم بالغدوّ والآصال ومنها النحل وموضع السجود منها عند قوله ولله يسجد ما فى السّموات وما فى الأرض من دابّة الى قوله يؤمرون ومنها بنى إسرائيل وموضع السجود منها عند قوله ويخرّون للاذقان سجّدا الى قوله خشوعا ومنها مريم وموضع السجود منها عند قوله إذا تتلى عليهم ايت الرّحمن خرّوا سجّدا وبكيّا ومنها الحج والمتفق عليه فيها عند قوله الم تر انّ الله يسجد له من فى السّموت ومن فى الأرض الاية ومنها الفرقان وموضع السجود منها عند قوله وإذا قيل لهم اسجدوا للرّحمن قالوا وما الرّحمن الاية ومنها النمل وموضع السجود منها الّا يسجدوا لله الّذى يخرج الخبء الاية

فصلت 41:39

ومنها الم تنزيل وموضع السجود منها عند قوله انّما يؤمن بايتنا الاية ومنها حم تنزيل وموضع السجود منها مختلف فيه فقال بعضهم يعبدون وبعضهم وهم لا يسئمون وكان كل موضع من المواضع المذكورة موضع اخبار يعنى من استكبار المتكبرين او من خشوع الخاشعين ولزمنا مخالفة المتكبرين وموافقة الخاشعين وليس شىء منها بموضع امر بالسجود وقد راينا السجود مذكورا فى مواضع اخر بصيغة الأمر منها قوله تعالى اقنتى لربّك واسجدي ومنها كن من السّاجدين وليس هناك سجود بالإجماع فالنظر يقتضى ان يكون كل موضع فيها الأمر بالسجود يحمل على الأمر بالعبادة والسجود الصلاتية وكل موضع فيها الاخبار يكون هناك سجدة التلاوة وهذا النظر يقتضى ان لا يكون فى الحج سجدة ثانية لانه بلفظ الأمر حيث قال الله تعالى اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم ومن ثم قال ابو حنيفة هى سجدة صلاتية يدل عليها المقارنة بالركوع وان لا يكون فى هذه السورة عند الاية الاولى سجدة لكونه بصيغة الأمر وان يكون عند الاية الاخيرة لكونه بصيغة الاخبار- وهذا النظر يقتضى ان يكون فى سورة ص سجدة تلاوة كما قال ابو حنيفة خلافا لغيره لان موضع السجود منها اخبار ليس بامر وهو قوله فاستغفر ربّه وخرّ راكعا وأناب وكذا فى سورة إذا السماء انشقت فى قوله فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون فانه موضع اخبار وليس بامر- غير ان هذا النظر يقتضى ان لا يكون فى سورة النجم واقرأ سجدة لان موضع السجود منهما قوله تعالى فاسجدوا لله واعبدوا وقوله تعالى واسجد واقترب وهما بصيغة امر لكن ابو حنيفة رحمه الله ترك النظر هناك لاتباع ما قد ثبت عنده عن رسول الله ﷺ كما ذكرنا هناك وقد قال مالك لا سجود فى المفصل- قلت وقد ذكرنا فى سورة الحج ما يدل على ان فيها سجدتين والله اعلم-. وَمِنْ آياتِهِ اى دلائل قدرته أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً يابسة غبراء لانبات فيها مستعار من الخشوع بمعنى التذلل فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ اى تحركت وَرَبَتْ اى علت وانتفخت بخروج النبات إِنَّ الَّذِي أَحْياها

فصلت 41:40

اى أحيا نباتها لَمُحْيِ الْمَوْتى يوم القيامة إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الاحياء والإماتة قَدِيرٌ (٣٩). إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا قال مجاهد يلحدون فى آياتنا «١» بالمكاء والتصدية واللغو واللغط وقال قتادة يكذبون آياتنا وقال السدى يعاندون ويشاقون قال مقاتل نزلت فى ابى جهل قلت واللفظ يعم من يلحد بالتكذيب والإلغاء ومن يلحد بالتحريف والتأويل الباطل المخالف لتأويل السلف لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا فلا يأمنوا عن الجزاء والانتقام أَفَمَنْ يُلْقى الهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره يفتخر هؤلاء الكفار ويعجبون بانفسهم أفمن يّلقى فِي النَّارِ ابو جهل وأمثاله خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اخرج ابن المنذر عن بشير بن فتح قال نزلت هذه الاية فى ابى جهل وعمار بن ياسر وقيل من ياتي أمنا هو حمزة وقيل عثمان واللفظ يعمهم وغيرهم ذكر الله سبحانه الإتيان أمنا فى مقابلة الإلقاء فى النار مبالغة وكان القياس ان يقال أفمن يلقى فى النار خير أم من يدخل الجنة لان مفاد الكلام ان الآتي أمنا خير ممن يلقى فى النار فكيف من يكرم ويدخل الجنة اعْمَلُوا «٢» ايها الكفار ما شِئْتُمْ من الكفر والمعاصي إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) فاجازيكم على ما تعملون فيه تهديد شديد-. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ اى القران لَمَّا جاءَهُمْ ان مع جملتها بدل من قوله انّ الّذين يلحدون او مستأنف وخبران محذوف مثل معاندون او هالكون او يجازيهم بكفرهم وقيل خبره قوله من بعد أولئك ينادون من مكان بعيد وَإِنَّهُ اى القران لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) حال او استئناف قال الكلبي عن ابن عباس اى كريم على الله وقال قتادة أعزّه الله فلا يجد الباطل اليه سبيلا. لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال قتادة والسدىّ الباطل هو الشيطان (١) عن عمر بن الخطاب قال ان هذا القران كلام الله فضعوه فى مواضعه ولا تتبعوا فيه هواكم منه ره (٢) عن ابن عباس فى قوله اعملوا ما شئتم قال لاهل البدر خاصة وعن ابراهيم النخعي ذكر ان السماء فرجت يوم بدر فقيل اعملوا ما شئتم. ١٢ منه رحمه الله

فصلت 41:43

لا يستطيع ان يغيره او يزيد فيه او ينقص منه قلت وهو يعم شياطين الانس والجن كما ان الروافض زاد وانى القران عشرة اجزاء فلم يستطيعوا ورد الله كيدهم وزادوا فى بعض الآيات وبعض الألفاظ كما قالوا فى قوله تعالى انّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد علىّ وسيعلم الّذين ظلموا ال محمّد اىّ منقلب ينقلبون ونحو ذلك فانهم فعلوا ذلك وأبطل الله عملهم فلم يلتحق بالقران قال الزجاج معناه انه محفوظ من ان ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه او يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه وعلى هذا معنى الباطل الزيادة والنقصان وقال مقاتل لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا يجيء بعده كتاب يبطله او ينسخه تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ كامل الحكمة حَمِيدٍ (٤٢) يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمة وهو حميد فى نفسه لا يحتاج الى ان يحمده غيره. ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ قيل هذا تسلية للنبى ﷺ بانه ما يقول لك كفار مكة قد قيل مثله للانبياء من قبلك انه ساحر كذاب فاصبر كما صبروا ولا تغتم به وقيل معناه ما اوحى إليك الأمثل ما اوحى إليهم من التوحيد واصول الدين والوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين وقيل مقول القول قوله إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للمومنين وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) للكافرين والجملة على الاول مستأنفة- ولمّا قال الكفار اقتراحا وتعنتا هل انزل القران بلغة العجم يعنون كما أنزلت التوراة والإنجيل نزلت. وَلَوْ جَعَلْناهُ اى لو جعلنا هذا الذكر الذي تقرأه على الناس قُرْآناً أَعْجَمِيًّا اى مقروا بلغة العجم لَقالُوا يعنى اهل مكة لَوْلا هلا فُصِّلَتْ بينت آياتُهُ بلغة العرب حتى فهمناها هذه الجملة متصلة بجمل واردة فى صدر السورة فى مدح القران اعنى كتاب فصّلت آياتهءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قرا هشام أعجميّ بهمزة واحدة من غير مد على الخبر يعنى كتاب أعجميّ ورسول عربىّ والباقون بهمزتين على الاستفهام للانكار فقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي «وخلف وروح ابو محمد» بهمزتين محققتين والباقون بهمزة ومدة «اى بهمزة مسهلة- ابو محمد» وقالون وابو عمرو يشبعانها لان من قولهما إدخال الالف بين

فصلت 41:45

الهمزة المحققة والملينة وورش «بخلاف عنه ابو محمد» على أصله فى ابدال الهمزة الثانية ألفا من غير فاصل بينهما «وورش في وجه الثانية ابو محمد» وابن كثير ايضا على أصله فى جعل الثانية بين بين من غير فاصل وهكذا قرا حفص وابن «ورويس بخلاف عنه ابو محمد» ذكوان فى هذا المقام خاصة قال مقاتل وذلك ان رسول الله ﷺ كان يدخل على يسار غلام لعامر الحضرمي وكان يهوديّا اعجميّا يكنى أبا فكيهة فقال المشركون انما يعلمه يسار فضربه سيده وقال انك تعلّم محمدا فقال يسار هو يعلّمنى فانزل الله هذه الاية واخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال قالت قريش لولا انزل هذا القران اعجميّا وعربيّا فانزل الله لقالوا لولا فصّلت آياته الاية وانزل الله بعد هذه الاية فيه لكل لسان قال ابن جرير والقراءة على هذا أعجمي بلا استفهام قُلْ يا محمد هُوَ اى القران لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً من الضلالة وَشِفاءٌ التنكير للتعظيم اى هدى وشفاء عظيم لما فى الصدور من الجهل ورذائل أوصاف القلب والنفس وقيل شفاء من الأمراض والأوجاع وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مبتدا خبره فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ اى ثقل لقوله وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى اى ظلمة وشبهة قال قتادة عموا عن القران وصموا عنه فلا ينتفعون به والأخفش جوز العطف على معمولى عاملين والمجرور مقدم فالموصول عنده عطف على الموصول فى للّذين أمنوا هدى وشفاء أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) تمثيل لهم فى عدم قبولهم وعدم استماعهم له بمن يصاح به من مسافة بعيدة-. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ جواب لقسم محذوف يعنى اختلف قوم موسى بالتصديق والتكذيب كما اختلف قريش فى القران وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ فى تأخير العذاب عن المكذبين الى يوم القيامة او الى أجل معلوم لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم وَإِنَّهُمْ اى المكذبين لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اى من التوراة او من القران مُرِيبٍ (٤٥) موقع فى الريبة. مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ نفعه وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها مضرته وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) فلا يضيع عمل المحسنين ولا يزيد على

فصلت 41:47

جزاء المسيئين أورد صيغة المبالغة تعريضا على الكفار بانهم هم الظلامون المبالغون فى الظلم والله سبحانه لا يتصور منه الظلم أصلا لان الظلم ان يتصرف أحد فى ملك غيره بغير اذنه-. إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ اى علم وقت قيامها يرد اليه يعنى يجب على كل من سئل عنها ان يقول الله اعلم إذ لا يعلمها الا هو وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها اى من اوعيتها جمع كمّ بالكسر قرأ نافع وابن عامر وحفص «وابو جعفر ابو محمد» ثمرات على الجمع والباقون ثمرت على التوحيد بارادة الجنس وما نافية ومن الاولى مزيدة للاستغراق وثمرات فى محل الرفع ويحتمل ان يكون ما موصولة معطوفة على الساعة ومن بيانية بخلاف قوله وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى فانها نافية ومن زائدة البتة وَلا تَضَعُ اى أنثى إِلَّا بِعِلْمِهِ اى الا مقرونا بعلمه حسب تعلقه به والمراد انه كما لا يعلم بالساعة غيره كذلك لا يعلم بما يخرج من الثمرات وما تحمل أنثى الا هو- قوله الّا بعلمه استثناء مفرغ يتوجه الى الافعال الثلاثة على سبيل التنازع اعمل الأخير وقدر فى الأولين وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ اى يوم ينادى الله المشركين بقوله أَيْنَ شُرَكائِي قرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بإسكانها يسئلهم الله تهكما وتوبيخا اين شركائى التي كنتم تزعمونها الهة قالُوا اى المشركون آذَنَّاكَ أعلمناك الان ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) اى من يشهد لهم بالشرك الجملة حال يعنى يتبرءون عنهم لمّا عاينوا العذاب او المعنى ما منا من أحد يشاهدهم لانهم غابوا عنّا. وَضَلَّ عَنْهُمْ يعنى لا ينفعهم او غاب عنهم فلا يرون ما كانُوا يَدْعُونَ اى يعبدون مِنْ قَبْلُ ذلك اليوم يعنى فى الدنيا وَظَنُّوا اى أيقنوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) اى مهرب الظن معلق عنه بحرف النفي وقيل جملة المنفي سدّ مسد المفعولين-. لا يَسْأَمُ اى يمل الْإِنْسانُ الكافر مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ لا يزال يسئل الله تعالى المال والغنى والصحة وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ اى الشدة من الفقر

فصلت 41:50

والمرض فَيَؤُسٌ اى فهو يؤس من روح الله قَنُوطٌ (٤٩) من رحمته. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ اى الكافر جواب قسم محذوف رَحْمَةً مالا وعافية مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي جواب للقسم لفظا وللشرط معنى يعنى هذا حقى لما فىّ من الفضل والعمل والعلم، او هذا لى دائما لا يزول وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً اى تقوم وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي قرأ وابو جعفر- ابو محمد ابو عمرو ونافع بخلاف عن قالون بفتح الياء والباقون بإسكانها إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى يعنى لان قامت القيامة على التوهم لكان لى عند الله الحالة الحسنة من الكرامة وذلك لاعتقاده ان ماله من الدنيا انما هو لاستحقاقه الكرامة الغير المنفك عنه فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب قسم محذوف والفاء للسببية بِما عَمِلُوا قال ابن عباس لنفتنهم على مساوى أعمالهم وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) لا يمكنهم التفصى عنه-. وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ الكافر أَعْرَضَ عن الشكر وَنَأى بِجانِبِهِ اى ثنى عطفه وقيل الجانب كناية عن النفس كالجنب فى قوله تعالى جنب الله يعنى ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته لكمال الغلفة وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) اى كثير مستعار ممّا له عرض وسيع للاشعار بكثرته والعرب يستعمل الطول والعرض فى الكثرة يقال أطال فى الكلام والدعاء واعرض اى اكثر والعريض ابلغ من الطويل إذ الطول أطول الامتدادين فاذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله ومن ثم قال الله تعالى جنّة عرضها السّموات- ولا منافاة بين قوله وإذا مسّه الشّرّ فيؤس قنوط وبين قوله فذو دعاء عريض لان الاولى فى قوم آخرين ولعل الاولى فى الكفار ولا يياس من روح الله الّا القوم الكافرون ومن يّقنط من رّحمة الله الّا القوم الضّالّون «١» والثانية فى الغافلين من المؤمنين. وجاز ان يكون كلا الآيتين فى الكفار والمراد انهم إذا مسّهم شر دعوا مخلصين له الدين فاذا روا تاخرا فى الاجابة يئسوا وقنطوا بخلاف المؤمنين الصالحين فانهم لا يقنطون ويرون فى تأخير الاجابة حكمة قال (١) فى القران الّا الضّالّون ١٢ [.....]

فصلت 41:52

رسول الله ﷺ اما ان يجعلها لهم واما ان يدخرها لهم او يقال يؤس قنوط بالقلب وذو دعاء عريض باللسان او قنوط الصنم وذو دعاء من الله تعالى (مسئلة) من أحب ان يستجاب دعاؤه فى الشدة فليكثر الدعاء فى الرخاء كذا ورد فى حديث رواه. قُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كانَ القران مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) هذه الجملة متصلة بقوله تعالى قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ كان الأصل من أضل منكم فوضع الموصول موضع الضمير شرحا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم لانه فى تأويل قوله ان كان القرءان من عند الله كان حقّا بلا شبهة وكان الكفر به شقاقا بعيدا من الحق وأنتم قد كفرتم به فلا أضل منكم. سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ قال ابن عباس يعنى منازل الأمم الخالية وَفِي أَنْفُسِهِمْ يعنى يوم بدر وكذا قال قتادة وقيل فى أنفسهم البلايا والأمراض وقال مجاهد والسدىّ فى الآفاق ما يفتح القرى على محمد ﷺ والمسلمين وفى أنفسهم فتح مكة وقال عطاء وابن زيد فى الآفاق يعنى فى أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار وفى أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة- قال البيضاوي فى الآفاق يعنى ما أخبرهم النبي ﷺ من الحوادث الآتية واثار النوازل الماضية وما يسر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة وفى أنفسهم ما ظهر فيما بين اهل مكة وما حلّ بهم او ما فى بدن الإنسان من عجائب الصنع الدالة على كمال القدرة حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ اى القران من عند الله والرسول مؤيد من الله او التوحيد مؤيد من الله ودين الله حق او الله هو الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ الباء زائدة وربك فى محل الرفع على الفاعلية ولا تزاد الباء فى الفاعل الا مع كفى أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) بدل من الفاعل والمعنى او لم يكف ان ربك على كلّ شىء شهيد والاستفهام للانكار والواو للعطف على محذوف تقديره أتشك فى عاقبة أمرك ولم يكف انه تعالى على كل شىء شهيد محقق

فصلت 41:54

فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة كما حقق سائر الأشياء الموعودة او انه تعالى مطلع فيعلم حالك وحالهم او المعنى الم ينته الإنسان عن المعاصي ولم يكف له رادعا انه تعالى مطلع على كل شىء لا يخفى عليه خافية فيجازيه عليها وقال مقاتل او لم يكف بربك شاهدا على ان القران من الله شهادته على ذلك جعله معجزا وقال الزجاج معنى الكفاية ان الله تعالى قد بين من الدلائل ما فيه كفاية يعنى او لم يكف بربّك شاهدا لانه على كل شىء شهيد لا يغيب عنه شىء-. أَلا إِنَّهُمْ يعنى كفار مكة فِي مِرْيَةٍ اى شك مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ اى من البعث والجزاء أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) علما باجمالها وتفصيلها مقتدر عليها لا يفوته شىء منها او انه محيط بكل شىء احاطة ذاتية غير متكيفة لا يفوته شىء منها- تمت سورة فصلت تفسيرها من التفسير المظهرى فى اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر من السنة الثامنة بعد الف سنة ١٢٠٨ هـ- ومائتين من الهجرة على صاحبها الصلاة والسلام والتحية ويتلوه ان شاء الله تعالى تفسير سورة الشورى والحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين.

الشورى 42:1

سورة الشّورى مكيّة وهى ثلاث وخمسون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) عسق (٢) قال البغوي سئل الحسن بن الفضل لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال لانها سورة من سور اوائلها حم فجرت مجرى نظائرها ولان حم مبتدا وعسق خبره ولانهما عدا ايتين وأخواتها مثل كهيعص والمص عدت اية واحدة وقيل اهل التأويل لم يختلفوا فى كهيعص وأخواتها انها حروف للتهجى لا غير واختلفوا فى حم وأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلا معناه حمّ اى قضى ما هو كائن وروى عكرمة عن ابن عباس انه قال ح حلمه م مجده ع علمه س سناؤه ق قدرته اقسم الله بها وقال شهر بن حوشب وعطاء بن ابى رباح ح حرف يعز فيها الذليل ويزل فيها العزيز من فرس م ملك يتحول من قوم الى قوم اخر ع عدو لقريش يقصدهم س سيء بكور فيهم ق قدرة الله النافذة فى خلقه وروى عن ابن عباس انه قال ليس من نبى صاحب كتاب الا وقد أوحيت اليه حم عسق حيث قال الله تعالى. كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الغالب لقهره الْحَكِيمُ (٣) المصيب فى حكمه اى مثل ما فى هذه السورة من المعاني او ايحاء مثل ايحائها اوحى الله إليك والى الرسل من قبلك ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار الوحى وان ايحاء مثله عادته تعالى- قرأ الجمهور يوحى بكسر الحاء على المضارع المبنى

الشورى 42:4

للفاعل والله فاعله وقرا ابن كثير بفتح الحاء على البناء للمفعول على ان كذلك مرفوع على الابتداء اى مثل ذلك ويوحى خبره المسند الى ضميره او كذلك منصوب على المصدر ويوحى مسند الى إليك والله مرفوع على انه فاعل لفعل محذوف دل عليه السؤال المقدر يعنى من يوحى اليه فقال الله كما فى قول الشاعر ليبك يزيد ضارع لخصومة- على البناء للمفعول والعزيز الحكيم صفتان له مقررتان لعلو شأن الموحى به او الله مبتدا والعزيز وما بعد اخبار او العزيز الحكيم صفتان وكذا قوله. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ صفة بتقدير الذي او حال وَهُوَ الْعَلِيُّ على خلقه الْعَظِيمُ (٣) حال اخر او تذييل وهو على الوجوه الاخر جملتان مستأنفتان مقررتان لعزته وحكمته-. تَكادُ قرأ نافع والكسائي بالياء التحتانية لان الفاعل مؤنث غير حقيقى والباقون بالتاء الفوقانية لتأنيث السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ اى يتشققن من عظمة الله تعالى وعلو شأنه يدل عليه ذكره بعد قوله العلىّ العظيم وقيل يتفطرن من قول المشركين اتخذ الله ولدا نظيره فى سورة مريم لقد جئتم شيئا ادّا تكاد السّموت يتفطّرن وقيل يتشققن من كثرة الملائكة قال رسول الله ﷺ أطت «١» السماء وحقها ان تاط والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر الا فيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمده- رواه ابن مردوية عن انس ورواه البغوي بلفظ ما فيها موضع قدم الا وعليه ملك قائم او راكع او ساجد- قرأ البصريان وابو بكر ينفطرن من الانفطار مِنْ فَوْقِهِنَّ اى يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية وتخصيصها على الاول لانه أعظم الآيات وادلها على علو شأنه وعلى الثاني ليدل على ان الانفطار من تحتهن بالطريق الاولى وعلى الثالث لازدحام الملائكة على الفوق وقيل الضمير للارض فان المراد بها الجنس وهذا على الثاني وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ اى ينزهون عما يقول الظالمون من نسبة الولد وكل ما لا يليق بشأنه خضوعا لما يرون من عظمة الله (١) الأطيط صوت الاقتاب وأطيط الإبل أصواتها وحنينها اى ان كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت. ١٢ نهايه منه رحمه الله

الشورى 42:6

سبحانه ملابسين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أداء لشكر نعمائه وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ من المؤمنين أداء لحق المشاركة فى الايمان والجملة حال أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ لاوليائه الرَّحِيمُ (٥) بهم. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ شركاء وأندادا اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ رقيب على أحوالهم وأعمالهم يحصى عليهم فيجازيهم بها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ يا محمد بِوَكِيلٍ (٦) بموكل بهم تحصل المطلوب منهم او موكول إليك أمرهم. وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الاشارة الى مصدر يوحى وقوله قُرْآناً عَرَبِيًّا منصوب على المفعولية او هو اشارة الى معنى الاية المتقدمة فانه مكرر فى القران فى مواضع فيكون الكاف مفعولا به وقوله قرءانا عربيّا حالا منه لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى اى أهلها وهى مكة فان اكثر قرى العرب خرجت منها وَمَنْ حَوْلَها اى العرب لينصروه فى إعلاء كلمة الله او قرى الأرض كلها مشرقها ومغربها وجنوبها وشمالها قال رسول الله ﷺ فضلت على الأنبياء بخمس بعثت الى الناس كافة وذخرت شفاعتى لامتى ونصرت بالرعب شهرا امامى وشهرا خلفى وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لى الغنائم ولم يحل لاحد قبلى رواه الطبراني بسند صحيح عن السائب بن يزيد وروى مسلم فى الصحيح والترمذي عن ابى هريرة قوله ﷺ فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لى الغنائم وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت الى الخلق كافة وختم بي النبيون وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ اى لتنذرهم بيوم القيامة التي يجمع فيه الأولون والآخرون حذف ثانى مفعولى تنذر الاول وأول مفعولى الثاني للتهويل والتعميم لا رَيْبَ فِيهِ اعتراض لا محل له من الاعراب فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) تقديره فريق منهم فى الجنّة وفريق منهم فى السّعير وضمير منهم للمجموعين لدلالة الجمع عليه والجملتان منصوبتان على الحال منهم اى وينذرهم يوم يجمعون كائنين متفرقين فى دارى الثواب والعقاب او مستأنفتان عن عبد الله بن عمرو قال خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم قابض على كفيه ومعه كتابان قال أتدرون ما هذان الكتابان

الشورى 42:8

قلنا لا يا رسول الله فقال للذى فى يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء اهل الجنة واسماء ابائهم وعشائرهم وعدتهم قبل ان يستقروا فى الأصلاب وقبل ان يستقروا نطفا فى الأرحام إذ هم فى الطينة منجدلون «اى ملقون على الجدالة وهى الأرض منه ره» فليس بزائد منهم ولا ناقص منهم إجمال من الله عليهم الى يوم القيامة ثم قال للذى فى يساره هذا كتاب من رب العالمين بأسماء اهل النار واسماء ابائهم وعشائرهم وعدتهم قبل ان يستقروا فى الأصلاب وقبل ان يستقروا نطفا فى الأرحام إذ هم فى الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا نافض منهم إجمال من الله عليهم الى يوم القيامة- فقال عبد الله بن عمرو ففيم العمل إذا فقال اعملوا وسددوا وقاربوا فان صاحب الجنة يختم له بعمل اهل الجنة وان عمل اىّ عمل وان صاحب النار يختم له بعمل اهل النار وان عمل اىّ عمل ثم قال فريق فى الجنّة وفريق فى السعير عدل من الله عزّ وجل- رواه البغوي وكذا روى الترمذي-. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً عطف على مضمون فريق فى الجنّة اى الامة اى يفترقون فريقين قال ابن عباس على دين واحد وقال مقاتل على دين الإسلام لقوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ بالهداية الى دين الإسلام وَالظَّالِمُونَ الكافرون ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) اى لا يدخلهم فى رحمته فلا يكون لهم ولى يدفع عنهم العذاب ولا نصير يمنعهم من النار ولعل تغير المقابلة للمبالغة فى الوعيد إذ الكلام فى الانذار. أَمِ اتَّخَذُوا عطف على والظّالمون الاية أم منقطعة بمعنى بل للاضراب والهمزة للانكار يعنى الكافرون لم يتخذوا الله وليّا ونصيرا بلء اتخذوا مِنْ دُونِهِ كالاصنام والشياطين أَوْلِياءَ لا ينبغى ذلك او المعنى ليس المتخذون اولياء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ جواب شرط محذوف مثل ان أرادوا اولياء فالله هو الولي يعنى هو الحقيق بان يتخذ وليا وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى ليجزى كل نفس ما عملت وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) هذه الجملة فى مقام التعليل لقوله هو الولي وقال ابن عباس فالله وليك وولى من تبعك اى ناصرك وإياهم والفاء حينئذ لمجرد العطف لا لجزاء الشرط.

الشورى 42:10

وَمَا اخْتَلَفْتُمْ ايها الناس فِيهِ مِنْ شَيْءٍ من امر الدين فَحُكْمُهُ مفوض إِلَى اللَّهِ يحكم يوم القيامة بينهم فيميز المحق من المبطل وقيل ما اختلفتم فيه من تأويل متشابه فارجعوا فيه الى المحكم من الله ذلِكُمُ الذي يحكم بينكم اللَّهِ اى قل لهم يا محمد ذلكم الله رَبِّي بدل من الله او عطف بيان عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فى رد كيد الأعداء وفى الأمور كلها وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) اى ارجع فى المعضلات. فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما خبر اخر لذلكم او خبر مبتدا محذوف او مبتدا خبره ما بعده جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ من جنسكم أَزْواجاً نساء وَمِنَ الْأَنْعامِ اى جعل للانعام من الانعام أَزْواجاً او جعل لكم من الانعام أصنافا او ذكورا وإناثا جملة جعل على التقدير الأولين حال بتقدير قد يَذْرَؤُكُمْ اى يكثركم من الذرء وهو البث الضمير للمخاطبين والانعام تغليبا فِيهِ اى فى هذا التدبير وهو جعل الناس والانعام أزواجا ليكون بينهم توالد وقيل فيه اى فى الرحم وقيل فى البطن وقيل فى بمعنى الباء اى يذرؤكم به قيل معناه يكثركم بالتزويج لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ المثل زائد والمعنى ليس هو كشئ فادخل المثل للتأكيد كقوله فان أمنوا بمثل ما أمنتم به وقيل الكاف زائدة ومعناه ليس مثله شىء يزاوجه ويناسبه قال ابن عباس ليس له نظير وقيل هذا من باب الكناية نظيره قولهم مثلك لا يفعل كذا على قصد المبالغة فى نفيه عنه فانه إذا نفى عمّن يناسبه ويسدّ مسده كان نفيه عنه بالطريق الاولى وإذا كان كناية فلا يقتضى ان يكون له مثل فان فى الكناية لا يشترط تحقق المعنى الحقيقي كما يقال فلان طويل النجاد وان لم يكن له نجاد أصلا ونظيره قوله تعالى بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ كناية عن كونه جوادا مع استحالة الجارحة وقيل معنى مثله صفته اى ليس كصفته صفة شىء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لكل ما يسمع ويبصر وكل سميع وبصير فسمعه وبصره مستعار منه تعالى كانه ذكرهما لئلا يتوهم انه لا صفة له كما انه لا مثل له. لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى خزائن الرزق فى السماوات والأرض قال الكلبي المطر والنبات يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ اى يوسع ويضيق على وفق مشيته

الشورى 42:13

ابتلاء وامتحانا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) فيفعل على ما ينبغى.. شَرَعَ لَكُمْ يا امة محمد ﷺ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى يعنى ان دين الإسلام الذي شرع الله لامة محمد ﷺ ليس امرا مبتدعا بل هو دين الأنبياء كلهم فان الحق لا يكون الا واحدا وماذا بعد الحقّ الّا الضّلال وما أنكر من اهل الكتاب الا تعنتا وعنادا عن ابن مسعود قال خطّ لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو اليه وقرأ وانّ هذا صراطى مستقيما فاتّبعوه الاية- رواه احمد والنسائي والدارمي وذلك الدين هو الايمان بالله وحده وبصفاته وبانبيائه وكتبه وملائكته والبعث بعد الموت وبكل ما جاء به الانبيا والإتيان بما امر الله به والانتهاء عما نهى عنه- وهذا امر جامع للشرائع متفق عليها والنسخ فى بعض الاحكام العملية لا يستلزم اختلاف الأديان الا ترى ان النسخ قد يكون فى دين نبى واحد فان النبي ﷺ صلى الى بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم صلى الى الكعبة فكما ان هذا لا يقتضى اختلاف الأديان فكذلك الاختلاف فى الفروع فى شرائع الأنبياء لا يقتضى اختلاف الدين فان مال الكل الإتيان بما امر الله به والانتهاء عما نهى عنه أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ان مفسرة لاوحينا ووصّينا فان فيها معنى القول او مصدرية والمصدر منصوب بدل من ما وصّى مفعول شرع او مرفوع خبر مبتدا محذوف اى هو يعنى خذوا ما أتاكم الرّسول بلا زيغ وانحراف وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ باتباع الآراء الأهواء او بالتعصب والعناد فان افتراق امة محمد ﷺ الى ثلاث وسبعين فرقة انما نشأ باتباع الآراء والأهواء وهو المراد بما ذكرنا من حديث رسول الله ﷺ انه خط خطا وقال هذا سبيل الله وخطوطا وقال هذه سبل على كل منها شيطان وترك اليهود والنصارى الايمان بمحمد ﷺ انما نشأ من العناد والتعصب وعن على رضى الله عنه قال لا تتفرقوا فالجماعة رحمة والفرقة عذاب- وعن ابى ذر

الشورى 42:14

قال قال رسول الله ﷺ من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه- رواه احمد وابو داود وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ يد الله على الجماعة- رواه الترمذي بسند حسن وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ ان الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاذّة «متفرقة منه ره» والقاصية «دور رفته منه ره» والناحية «يسكو رونده منه ره» وإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة رواه احمد كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من الدين القويم الناطق بالتوحيد وترك الأصنام اللَّهُ يَجْتَبِي اى يصطفى إِلَيْهِ اى الى دينه او الى ما تدعوهم اليه او الى نفسه مَنْ يَشاءُ سواء وجد من المجتبى سعى وارادة اولا وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) اى يقبل اليه قالت الصوفية من يجتبيه ويجذبه الى نفسه من غير اختياره فهو مراد الله وهم الأنبياء والصديقون ومن أناب الى الله فهداه الله فهو المريد وهم اولياء الله الصالحون من عباده-. وَما تَفَرَّقُوا عطف على شرع قال ابن عباس يعنى اهل الكتاب إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ من الكتب السّماوية السابقة بان دين الأنبياء كلهم واحد وان الذي اوحى الى محمد ﷺ هو الذي جاء به ابراهيم وموسى وعيسى بَغْياً بَيْنَهُمْ قال عطاء بغيا بينهم على محمد ﷺ يعنى تكبرا واستطالة قال فى القاموس بغى عليه يبغى بغيا علا وظلم وعدل واستطال وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ فى تأخير العذاب إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى الى دار الجزاء لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ اى بين من أمن ومن كفر فى الدنيا باستيصال المبطلين واستيلاء المحقين وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ يعنى اليهود والنصارى مِنْ بَعْدِهِمْ اى بعد أنبيائهم وقيل بعد الأمم الخالية وقيل المراد مشركى مكة الّذين أورثوا الكتاب اى القرءان من بعدهم اى بعد اهل الكتاب لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اى من كتابهم لا يعلمونه كما هو ولا يؤمنون به حق الايمان او من القران مُرِيبٍ (١٤) مقلق او مدخل فى الريبة.

الشورى 42:15

فَلِذلِكَ اى للتفرق من اهل الكتاب فَادْعُ الفاء فى جواب اما المحذوف تقديره اما أنت فادع الناس الى اقامة الدين وعدم التفرق واتباع ما أوتيت وَاسْتَقِمْ أنت عليه كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ الزائغة وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ اى بجميع الكتب المنزلة لا كما قالت اليهود والنصارى نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون ان يتّخذوا بين ذلك سبيلا وَأُمِرْتُ بالعدل لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ فى تبليغ الشرائع والحكم بين المتخاصمين الاول اشارة الى كمال القوة النظرية وهذا اشارة الى كمال القوة العملية اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ خالق الكل ومتولى أمورهم لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ كل يجزى على حسب عمله لا حُجَّةَ اى لا خصومة بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ لان أعمالكم لا يضرّنا واعمالنا لا يضرّكم انما ندعوكم الى الإسلام نصحا لّكم فلا وجه للخصومة والعداوة كان نزول هذه الاية فى مكة قبل الأمر بالقتال والمعادات فنسختها اية القتال وقوله تعالى يا ايّها الّذين أمنوا لا تتّخذوا عدوّى وعدوّكم اولياء الى قوله بدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتّى تؤمنوا بالله وحده اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا يوم القيامة فيحكم بيننا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) اخرج ابن المنذر عن عكرمة قال لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح ورايت النّاس يدخلون فى دين الله أفواجا قال المشركون بمكة لمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قد دخل الناس فى دين الله أفواجا فاخرجوا من بين أظهرنا فعلى كم تقيمون بين أظهرنا فنزلت. وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ اى فى دينه واخرج عبد الرزاق انه قال قتادة هم اليهود والنصارى قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم فهذه خصومتهم مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ اى بعد ما استجاب الناس دعوته فاسلموا ودخلوا فى دينه لظهور معجزته وحسن دعوته حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ اى خصومتهم باطلة زائلة او المعنى ما يزعمونه حجة فهو فى الحقيقة شبهة باطلة وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ من الله لمعاندتهم وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) على كفرهم.

الشورى 42:17

اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ اى جنس الكتب بِالْحَقِّ اى متلبسا به بعيدا من الباطل وبما يحق به انزاله من العقائد الحقة والاحكام وَالْمِيزانَ قال قتادة ومجاهد ومقاتل بالعدل سمى العدل ميزانا لان الميزان فمعز الدولة الانصاف والتسوية وقال ابن عباس امر الله تعالى بالإيفاء ونهى عن البخس وقيل المراد به الشرع فانه توازن به الحقوق وتسوى بين الناس وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) قال الكسائي اى قريب إتيانها فاتبع الكتاب واعمل بالشرع وواظب على العدل قبل ان نفاجئك الساعة يؤزن حينئذ أعمالك ويوفى جزاؤك وقيل تذكير القريب كانه بمعنى ذات قرب او لان الساعة بمعنى البعث وجملة لعلّ السّاعة قريب سدّ مسد المفعولين ليدريك ولعل علق الفعل عن العمل قال مقاتل ذكر النبي ﷺ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا تكذيبا متى الساعة فانزل الله تعالى. يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها استهزاء وظنّا انها غير اتية وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها اى خائفون منها لاحتمال العذاب وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ الكائن لا محالة أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ اى يجادلون فيها ويشكون فى إتيانها فى القاموس المرية بالكسر والضم الشك والجدل وماراه مماراة شك واصل ذلك من مرنت الناقة إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لان كلّا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) عن الحق فان البعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن لم يهتد الى تجويزه مع كمال قدرة الله بعد دلالة الكتاب والسنة عليه وشهادة العقل على دار الجزاء فهو ابعد من الاهتداء الى ما وراء. اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ قال ابن عباس حفىّ بهم قال عكرمة بارّ بهم قال السدىّ رفيق وقال مقاتل لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جزاء لمعاصيهم وقيل لطيف فى إيصال المنافع وصرف البلاء من وجه بلطف إدراكه قيل لطيف بالغوامض علمه وعظيم عن الجرائم حلمه وينشر المناقب ويستر العيوب ويعطى العبد فوق الكفاية ويكلفه بالطاعة دون الطاقة يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ما يشاء فيختص كلّا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته وكل من يرزق من مؤمن وكافر وذى

الشورى 42:20

روح فهو ممن يشاء الله ان يرزقه- قال جعفر بن محمد عليهما السلام اللطيف فى الرزق من وجهين أحدهما انه جعل رزقك من الطيبات والثاني انه لم يدفعه إليك بمرة واحدة وَهُوَ الْقَوِيُّ الباهر قدرته الْعَزِيزُ (١٩) المنيع الذي لا يغلب والجملة حال او تذييل. مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ الحرث فى الأصل إلقاء البذر فى الأرض ويقال للزرع الحاصل منه وفى القاموس الحرث الكسب وجمع المال والزرع والمراد هاهنا ثواب الاخرة شبهه بالزرع من انه ثمرة للعمل فى الدنيا ولذلك قيل الدنيا مزرعة الاخرة او شبهه بالكسب اى ما حصل منه فانه يحصل بما يكسب فى الدنيا نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ اى فى كسبه وزرعه فنعطيه بالواحد عشرا الى سبع مائة كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل فى كلّ سنبلة مائة حبّة وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا اى يريد بعمله نصيبا من الدنيا نُؤْتِهِ مِنْها شيئا على ما قسمنا له وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) عطف على نؤته عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امراة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه- متفق عليه وعن أبيّ بن كعب قال قال رسول الله ﷺ بشر هذه الامة بالسّناء والرفعة والنصرة والتمكين فى الأرض فمن عمل منهم عمل الاخرة للدنيا لم يكن له فى الاخرة نصيب- رواه البغوي-. أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أم منقطعة بمعنى بل والهمزة للانكار يعنى بل الهم ما زعموا شركاء لله سبحانه خصص الشركاء بهم لانهم اتخذوها شركاء شَرَعُوا اى تلك الشركاء لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ قال ابن عباس شرعوا دينا غير دين الإسلام يعنى الشرك وانكار البعث والعمل للدنيا والجملة متصلة بقوله شرع لكم من الدّين وقيل أم متصلة معادلة لجملة محذوفة مصدرة بالهمزة تقديرها أيقبلون ما شرع الله أم يقبلون ما شرع لهم شركاؤهم ولولا كَلِمَةُ الْفَصْلِ اى القضاء السابق بتأخير الجزاء الى يوم القيامة كما قال بل السّاعة موعدهم لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ اى بين الكافرين والمؤمنين وفرغ من تعذيب من كذّبك فى الدنيا والجملة معترضة وَإِنَّ الظَّالِمِينَ

الشورى 42:22

اى المشركين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) فى الاخرة وضع المظهر موضع المضمر لبيان استحقاقهم والتقدير انّهم لهم عذاب اليم لما كانوا ينكرونه. تَرَى الظَّالِمِينَ اى المشركين يوم القيامة مُشْفِقِينَ خائفين مفعول ثان لترى او حال مِمَّا كَسَبُوا اى من جزاء ما كسبوا من الشرك والمعاصي وَهُوَ اى جزاء ما كسبوا واقِعٌ بِهِمْ لا محالة اشفقوا او لم يشفقوا حال مقدرة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ اى أطيب بقاعها وأنزهها لَهُمْ ما يَشاؤُنَ اى ما يشتهونه ثابت لهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ الذي ذكرت من نعيم الجنة هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) الذي يصغر دونه ما لهم فى الدنيا. ذلِكَ الثواب الَّذِي يُبَشِّرُ قرأ ابن كثير وابو عمرو وحمزة والكسائي يبشر بالتخفيف من البشرة والباقون من التفعيل اللَّهُ به عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ يا محمد لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة أَجْراً اى نفعا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى حال من المودة اى الا ان تودونى لقرابتى منكم والجملة معترضة روى البخاري فى الصحيح بسند عن عبد الملك بن ميسرة قال سمعت طاءوسا انه قال سئل ابن عباس عن المودة فى القربى فقال سعيد بن جبير القربى ال محمد فقال ابن عباس عجلت ان النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش الا كان له فيهم قرابة فقال الا ان تصلوا بينى وبينكم من القرابة قال البغوي وكذلك روى الشعبي عن ابن عباس قال المودة فى القربى يعنى ان تحفظوني قرابتى وتودونى وتصلحوا رحمى- واليه ذهب مجاهد وعكرمة ومقاتل والسدى والضحاك قال عكرمة لا اسئلكم على ما أدعوكم اجرا الا ان تحفظوني وقرابتى بينى وبينكم وليس كما يقول الكذابون- قال البغوي قال قوم هذه الاية منسوخة وانما نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله ﷺ فانزل الله هذه الاية فامرهم بمودة رسول الله ﷺ وصلة رحمه فلمّا هاجر الى المدينة واواه الأنصار ونصروه أحب الله ان يلحقه بإخوانه من الأنبياء عليهم السلام حيث قالوا وما اسئلكم عليه من اجر ان اجرى الّا على ربّ العالمين فانزل الله قل لا اسئلكم عليه اجرا فهى منسوخة بهذه الاية وبقوله قل لا اسئلكم عليه من اجر وما انا من المتكلّفين وغيرها من الآيات والى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل قال البغوي وهذا قول غير مرضى لان مودة النبي ﷺ وكف الأذى عنه وكذا مودة أقاربه من فرائض الدين قلت لا شك ان مودة رسول الله ﷺ وأقاربه فريضة محكمة لا يحتمل النسخ لحديث انس قال قال رسول الله ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده والنّاس أجمعين- وعنه قال قال رسول الله ﷺ ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه الا لله ومن يكره ان يعود فى الكفر بعد ان أنقذه الله منه كما يكره ان يلقى فى النار- روى الحديثين الشيخان فى الصحيحين وعلى ذلك انعقد الإجماع- لكن يمكن ان يقال ان المنسوخ انما هو ما امر الله تعالى رسوله بسوال الاجر وروى ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عباس فى معنى الاية الا ان تودوا الله وتتقربوا اليه بطاعته- وهذا قول الحسن قال هو القربى الى الله يقول الا التقرب الى الله والتودد اليه بالطاعة والعمل الصالح- وقال بعضهم معناه الا ان تودوا قرابتى وعترتى وتحفظوني فيهم وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب اخرج ابن ابى حاتم والطبراني وابن مردوية عن ابن عباس قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء قال على وفاطمة وابناهما- واستدل الروافض بهذه الاية مع هذا الحديث على حصر الخلافة فى على وبطلان خلافة الخلفاء الثلاثة المرضيين رضى الله عنهم أجمعين وجه احتجاجهم انهم قالوا وجب حب علىّ بهذه الاية مع هذا الحديث وحب غير على ليس بواجب ووجوب المحبة يستلزم وجوب الطاعة فهو الامام لا غير- وقولهم هذا باطل بوجوه (أحدها) ان هذا الحديث غير صحيح فى اسناده حسين الأشعري شيعى غليط وهذه الاية مكية ولم يكن لفاطمة حينئذ ولد (وثانيها) انا نسلم ان حب على وفاطمة وابناهما واجب لكن لا نسلم ان حب غيرهم ليس بواجب كيف وقد قال رسول الله ﷺ حب ابى بكر وعمر ايمان وبغضهما كفر- رواه ابن عدى عن انس وقال رسول الله ﷺ حب ابى بكر وعمر من الايمان وبغضهما كفر وحب الأنصار من الايمان وبغضهم كفر وحب العرب من الايمان وبغضهم كفر ومن سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظنى فيهم فانا احفظه يوم القيامة- رواه ابن عساكر عن جابر وقال رسول الله ﷺ حب الأنصار اية الايمان وبغض الأنصار اية النفاق- رواه النسائي عن انس وقال رسول الله ﷺ حب قريش ايمان وبغضهم كفر وحب العرب ايمان وبغضهم كفر ومن أحب العرب فقد أحبني ومن ابغض العرب فقد ابغضنى- رواه الطبراني فى الأوسط عن انس وقولهم ان من وجب محبته يكون اماما مفروض الطاعة باطل- وقيل هذه الاية لوجوب محبته من حرم عليهم الصدقة وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا فى الجاهلية ولا فى الإسلام وقيل هم ال على وعقيل وجعفر وعباس وفيهم قوله ﷺ انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله واهل بيتي أذكركم الله فى اهل بيتي عن زيد بن أرقم قال قام رسول الله ﷺ فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله واثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال اما بعد الا يا ايها الناس انما انا بشر يوشك ان يأتينى رسول ربى فأجيب وانا تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال واهل بيتي أذكركم الله فى اهل بيتي أذكركم الله فى اهل بيتي قال البغوي قيل لزيد بن أرقم من اهل بيته قال هم ال على وال عقيل وال عباس- فان قيل كيف امر رسول الله ﷺ بسوال مودته او مودة أقربائه اجرا على تبليغ الرسالة مع ان التبليغ كان عليه فريضة ولا يجوز طلب الاجرة على أداء الفريضة بل على العبادة النافلة ايضا لما ذكرنا فى تفسير قوله تعالى من كان يريد حرث الدّنيا نؤته منها وما له فى الاخرة من نصيب قوله ﷺ من عمل منهم عمل الاخرة للدنيا لم يكن له للاخرة نصيب- قلنا اطلاق الاجر على ما امر النبي صلى الله عليه وسلم بسواله على التبليغ انّما هو على المجاز والمشاكلة فان الاجر للسائل على الحقيقة ليس الا ما يكون نافعا له مسئولا لانتفاعه به وهاهنا ليس كذلك بل انما سال النبي ﷺ أمته مودته ومودة أقربائه وامره الله سبحانه ان يسئل ذلك لكى ينتفع الناس بمحبته فان محبة النبي ﷺ مثمرة لمحبة الله تعالى وقربه وولايته وموجبة لكمال الايمان ومن هاهنا أقول ان الاولى ان يقال فى تأويل الاية لا اسئلكم اجرا الا ان تودوا اقربائى واهل بيتي وعترتى وذلك لانه ﷺ كان خاتم النبيين لا نبى بعده وانما انتصب للدعوة الى الله بعده ﷺ علماء أمته من اهل الظاهر والباطن ولذلك امر الله تعالى نبيه ﷺ ان يأمر أمته بمودة اهل بيته لان عليّا رضى الله عنه والائمة من أولاده كانوا اقطابا لكمالات الولاية ومن أجل ذلك قال رسول الله ﷺ انا مدينة العلم وعلى بابها- رواه البزار والطبراني عن جابر وله شواهد من حديث ابن عمر وابن عباس وعلىّ وأخيه وصححه الحاكم ومن أجل ذلك ترى كثيرا من سلاسل المشائخ تنتهى الى ائمة اهل البيت ومضى كثير من الأولياء فى السادات العظام منهم غوث الثقلين محى الدين عبد القادر الجيلي الحسنى الحسيني وبهاء الدين النقشبندي والسيد السند مودود الچشتى وسيد معين الدين الچشتى وابو الحسن الشاذلى وغيرهم ومن أجل ذلك قال رسول الله ﷺ انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى. وقال اكثر علماء التفسير الاستثناء منقطع والاجر مستعمل فى معناه الحقيقي فالمعنى لا اسئلكم اجرا قط ولكنى أذكركم المودة فى القربى وأذكركم قرابتى منكم كما ورد فى حديث زيد بن أرقم أذكركم الله فى بيتي ومما يدل على ان سوال ﷺ مودة نفسه وأقربائه كان لينتفع بها أمته قوله تعالى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً اى من يكتسب حسنة والمراد بها حب رسول الله ﷺ واله ونوابه والا فلا مناسبة لهذه الجملة بما سبق لكن اللفظ عام يعم كل حسنة نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً وذلك ان حب ال رسول الله ﷺ (وهم مشائخ

الشورى 42:24

الطريقة) مثمر للمزيد فى حب النبي ﷺ وحبه ﷺ مثمر للمزيد فى حب الله تعالى ومن هاهنا قالت الصوفية يحصل للصوفى اولا الفناء فى الشيخ ثم الفناء فى الرسول ثم الفناء فى الله تعالى- والفناء عبارة عن شدة الحب بحيث يذهل نفسه عند ذكر المحبوب حتى لا يرى من نفسه ولا من غيره عنها ولا اثرا ما عدا المحبوب وقيل هذه الاية نزلت فى ابى بكر الصديق ومودته للنبى صلى الله عليه وسلم- روى البخاري فى الصحيح عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه انه قال ارقبوا محمدا فى اهل بيته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يغفر ذنوب من يحب رسوله وأولياءه لعل هو المراد بقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر اى من ذنب أوليائك وأحبائك شَكُورٌ (٢٣) على طاعته ومحبته-. أَمْ يَقُولُونَ أم منقطعة والجملة متصلة بقوله قل لا اسئلكم عليه اجرا ومعنى الهمزة الإنكار والتوبيخ وبل للاضراب عن أداء الاجر يعنى انهم لا يؤدون اجر الرسالة بل أيقولون يعنى كفار مكة افْتَرى محمد عَلَى اللَّهِ كَذِباً بدعوى النبوة او القران فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ جملة معترضة أوردت استبعادا للافتراء عن مثله بالاشعار على انه لا يجترى عليه الا من كان مختوما على قلبه جاهلا بربّه فامّا من كان ذا بصيرة معرفة بربه فلا وكانه قال ان يشا الله حد لانك يختم على قلبك لتجترى بالافتراء عليه وقال مجاهد يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك إذا هم وقولهم انك مفتر- وقال قتادة يعنى طبع على قلبك فينسيّك القران وما أتاك فاخبرهم انه لو افترى على الله لفعل به ما اخبر فى هذه الاية وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ استيناف لنفى الافتراء عما يقوله بانه لو كان مفتر لمحاه إذ من عادته تعالى محو الباطل واثبات الحق بوحيه او بقضائه او بوعده بمحق باطلهم واثبات حقه بالقران او بقضائه الذي لا مرد له قال الكسائي فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمحو الباطل وهو فى محل الرفع وليس بمجزوم عطفا على يختم لان المحو غير معلق بالشرط بل هو وعد مطلق وانما حذفت الواو فى الخط

الشورى 42:25

باتباع اللفظ كما حذفت فى قوله تعالى ويدع الإنسان وسندع الزّبانية- وقد فعل ذلك فمحى باطلهم وأعلى كلمة الإسلام بما انزل من آياته إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) قال البغوي قال ابن عباس وكذا اخرج عنه الطبراني بسند ضعيف انه قال لما نزل قل لا اسئلكم عليه اجرا الّا المودّة فى القربى وقع فى قلوب قوم منها شىء وقالوا هذا يريد ان يحثنا على أقاربه من بعده فنزل جبرئيل فاخبره انهم اتهموه وانزل الله هذه الاية فقال القوم يا رسول الله فانا نشهد انك صادق فنزل. وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ قال ابن عباس يريد أولياءه واهل طاعته يقال قبلت منه الشيء إذا أخذته وجعلته مبدأ قبول وقبلت عنه اى عزلته عنه قيل التوبة ترك المعاصي نية وفعلا والإقبال على الطاعة نية وفعلا وقال سهل بن عبد الله التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة الى الأحوال المحمودة وذكر البيضاوي عن على كرم الله وجهه هى اسم يقع على ستة معان على الماضي من الذنوب الندامة ولتضيع الفرائض ال عادة ورد المظالم واذابة النفس فى الطاعة كما اذبتها فى المعصية واذاقتها مرارة الطاعة كما اذاقتها حلوة المعصية والبكاء بدل ضحك ضحكت وروى البغوي فى شرح السنة عن ابن مسعود موقوفا الندم توبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له- (فصل) عن حارث بن سويد قال دخلت على عبد الله أعوده فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول لله افرح بتوبة عبده من رجل (أظنه قال) فى برية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنزل فنام فاستيقظ وقد هلكت راحلته فطاف عليها حتى أدركه العطش قال ارجع الى حيث كانت راحلتى فاموت عليه فرجع فاغفى فاستيقظ فاذ هى عنده عليها طعامه وشرابه- رواه البغوي ( «١» ) وروى مسلم عن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ الله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب اليه من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانقلبت وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فاتى شجرة فاضطجع فى ظلها قد يئس من راحلته فبينما هو كذلك (١) هكذا بياض فى الأصل ١٢

الشورى 42:26

إذ هو بها قائمة عنده فاخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدى وانا ربك اخطأ من شدة الفرح- وروى مسلم عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه- متفق عليه وروى مسلم ايضا عنه قال قال رسول الله ﷺ من تاب قبل ان تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه- وروى ابن ماجة والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ التائب من الذنب كمن لا ذنب له- وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ صغيرها وكبيرها بالتوبة وبلا توبة لمن شاء روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال رجل (لم يعمل خيرا قط) لاهله إذا مات فحرقوه ثم إذ روا نصفه فى البر ونصفه فى البحر فو الله لئن قدر الله عليه.......... ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فامر الله البحر فجمع ما فيه وامر البر فجمع ما فيه ثم قال له لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت اعلم فغفر له- وروى احمد عن ابى الدرداء انه سمع النبي ﷺ يقول على المنبر ولمن خاف مقام ربه جنّتان قال قلت وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثانية ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثانية وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثالثة ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثالثة وان زنى وان سرق يا رسول الله قال وان رغم انف ابى الدرداء وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) قرأ حمزة والكسائي وحفص بالتاء الفوقانية «وخلف ورويس بخلاف عنه- ابو محمد» قالوا هو خطاب للمشركين والباقون بالياء التحتانية لانه بين خبرين عن قوم غيب قبله عن عباده وبعده ويزيدهم من فضله. وَيَسْتَجِيبُ عطف على يقبل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى يستجيب الله دعاءهم إذا دعوا فحذف اللام كما حذف فى وإذا كالوهم وقال عطاء عن ابن عباس معناه ويثبت الذين أمنوا قال البيضاوي معنى الاستجابة الاثابة على الطاعة فانها كدعاء وطلب ومنه قوله ﷺ أفضل الدعاء الحمد لله أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبّان

الشورى 42:27

من حديث جابر والله اعلم روى عن ابراهيم بن أدهم انه قيل له ما بالنا ندعو فلا نجاب قال لانه تعالى دعاكم فلم تجيبوه وَيَزِيدُهُمْ اى يعطيهم زائدا على ما سالوه او استحقوه مِنْ فَضْلِهِ قال ابو صالح عن ابن عباس يشفعهم فى إخوانهم ويزيدهم من فضله فى اخوان إخوانهم وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) فى مقابله ما للمؤمنين من الثواب والفضل والجملة معطوفة على قوله وهو الّذى يقبل التّوبة-. وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ قال البغوي قال خباب بن الأرت فينا نزلت هذه الاية وذلك انا نظرنا الى بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع فتمنّيناها فانزل الله عز وجل ولو بسط الله الرّزق لعباده لَبَغَوْا اى لتكبروا وأفسدوا فِي الْأَرْضِ بطرا او لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء وقال ابن عباس بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس واصل البغي التجاوز عن الاقتصاد فيما يتجزى كمية وكيفية وَلكِنْ يُنَزِّلُ أرزاقهم بِقَدَرٍ يقتضيه حكمته ما يَشاءُ الموصول مفعول لينزل وبقدر حال منه مقدم عليه إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) يعلم خفايا حالهم وما يؤل اليه أمرهم اخرج الحاكم وصححه عن على رضى الله عنه قال نزلت هذه الاية فى اصحاب الصفة وذلك انهم قالوا لو ان لنا فتمنووا الغنى واخرج الطبراني عن عمرو بن حريث مثله روى البغوي بسنده عن انس بن مالك عن النبي ﷺ عن جبرئيل عن الله تعالى قال يقول الله عزّ وجلّ من أهان لى وليّا فقد بارزني بالمحاربة وانى لا غضب لاوليائى كما يغضب الليث الحرد وما «القطع- منه ره» تقرّب الىّ عبدى المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه وما زال عبدى المؤمن يتقرّب الىّ بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا ان دعانى أجبته وان سالنى أعطيته وما ترددتّ فى شىء انا فاعله ترددى فى قبض روح عبدى المؤمن يكره الموت وانا اكره مساءته ولا بد له منه وان من عبادى المؤمنين لمن يسئلنى الباب من العبادة فاكفه عنه لا يدخله عجب فيفسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه الا الغنى ولو أفقرته لافسده ذلك وان من عبادى

الشورى 42:28

المؤمنين لا يصلح إيمانه الا الفقر ولو أغنيته لافسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه الا الصحة ولو أسقمته لافسده ذلك وان من عبادى المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه الا السقم ولو اصححته لافسده ذلك انى أدبر امر عبادى بعلمي فى قلوبهم انى عليم خبير ( «١» ). وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عطف على قوله وهو الّذى يقبل التّوبة وما ذكر من الشرطية معترضة قرأ نافع وابن عامر وعاصم «وابو جعفر- ابو محمد» بالتشديد من التفعيل والباقون بالتخفيف من الافعال الْغَيْثَ اى المطر النافع الذي يغيثهم من الجدب «القحط- منه ره» مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا اى ايئس الناس من نزوله وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ اى مطره او رزقه فى السهل والجبل من النبات والحيوان وَهُوَ الْوَلِيُّ الذي يتولى عباده بإحسانه وينشر الْحَمِيدُ (٢٨) المستحق للحمد فى نفسه وعلى إحسانه. وَمِنْ آياتِهِ اى من دلائل وجوده ووحدته وقدرته وصفات كماله خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فانها بذواتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم وَما بَثَّ فِيهِما عطف على السماوات او على الخلق مِنْ دابَّةٍ من حىّ على اطلاق اسم المسبب للسبب فحينئذ يشتمل الملائكة والجن والشياطين والانس وسائر الحيوانات او المراد مما يدب على الأرض وما يكون فى أحد الشيئين يصدق انه فيهما فى الجملة وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩) فيجمعهم يوم القيامة-. وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ اى بسبب معاصيكم وما شرطية او موصولة متضمنة لمعنى الشرط وكذلك جئ بالفاء فى خبره على قراءة الجمهور وقرأ نافع وابن عامر «وابو جعفر- ابو محمد» بما كسبته بغير الفاء وكذا هو فى مصاحف المدينة والشام لم يذكر الفاء استغناء بما فى الباء من معنى السببية وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) عطف على الجملة الاسمية او معترضة قال الحسن لما نزلت هذه الاية قال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق الا بذنب وما يعفو الله عنه اكثر- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله (١) هكذا بياض فى الأصل

الشورى 42:31

عليه وسلم وصب المؤمن كفارة لخطاياه- «الوصب المرض والتعب منه ره» رواه الحاكم فى المستدرك والبيهقي وروى البغوي بسنده عن على رضى الله عنه قال الا أخبركم بأفضل اية من كتاب الله عزّ وجلّ حدثنا بها رسول الله ﷺ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفوا عن كثير وسافسرها لك يا على ما أصابكم من مرض او عقوبة او بلاء فى الدنيا فبما كسبت ايديكم والله عزّ وجلّ أكرم من ان يثنى عليهم العقوبة فى الاخرة وما عفا الله عنه فى الدنيا فالله احكم ان يعود بعد عفوه- رواه احمد وغيره قال البيضاوي الاية مخصوصة بالمجرمين فان ما أصاب غيرهم فلا سباب اخر منها تعريضه للاجر العظيم بالصبر عليه قال البغوي قال عكرمة ما من نكبة أصاب عبدا فما فوقها الا بذنب لم يكن الله ليغفر له الا بها او درجة لم يكن الله ليبلغه الا بها. وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ فائتين ما قضى عليكم من المصائب حال من مفعول أصابكم او عطف على جملة ما أصابكم وعطف على هذا قوله وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يحرسكم منها وَلا نَصِيرٍ (٣١) يدفعها عنكم.. وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ قرأ ابن كثير «ويعقوب- ابو محمد» الجواري بالياء وصلا ووقفا ونافع وابو عمرو «ابو جعفر- ابو محمد» وصلا فقط والباقون بحذفها فى الحالين فِي الْبَحْرِ السفن الجارية فيه كَالْأَعْلامِ (٣٢) اى كالجبال صفة للجوار وكذا الجملة الشرطية التالية على طريقة ولقد امرّ على اللّيم يسبّنى. إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ التي تجرى بها فَيَظْلَلْنَ اى يبقين بعد سكونها رَواكِدَ اى ثوابت عَلى ظَهْرِهِ اى ظهر البحر لا تجرى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) جملة معترضة اى آيات لكل مؤمن لأن من صفة المؤمن الصبر فى الشدة والشكر فى الرخاء قال رسول الله ﷺ الايمان نصفان فنصف فى الصبر ونصف فى الشكر- رواه البيهقي فى شعب الايمان عن انس. أَوْ يُوبِقْهُنَّ عطف على فيظللن اى او ان يشأ يسكن الرّيح فيوبقهنّ بدوام السكون اى يهلك أهلهن باغراقها وقيل عطف على يسكن الرّيح والتقدير او يرسلها عاصفة فيوبقهنّ بِما كَسَبُوا اى بسبب ما كسب

الشورى 42:35

أهلها من المعاصي وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) اى وينج ناسا على العفو منهم جملة معترضة او معطوفة على ما سبق والتقدير ان يشأ يسكن الرّيح فيظللن رواكد او يرسلها عاصفة فيوبقهنّ او طيبة فيعف عن كثير وانما حذف ما حذف اقتصارا على المقصود. وَيَعْلَمَ قرأ نافع وابن عامر «وابو جعفر» بالرفع على الاستئناف والباقون بالنصب عطفا على علة مقدرة لاسكان الريح والايباق اى ان يشأ يسكن الرّيح لينتقم من اهل السفينة وليعلم الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا بالتكذيب والابطال وقيل هو معطوف على الجزاء ونصب نصب الواقع جوابا للاشياء الستة بتقدير ان عطف المصدر على المصدر يعنى ان يشا الله تعالى اسكان الريح وإهلاك قوم وإنجاء قوم وعلم من يجادل فى آياتنا بانه ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) من العذاب الجملة سدّت مسد المفعولين ليعلم معلق عنها يعلم بحرف النفي اى يعلم الذين يكذبون بالقران ولم يعتبروا بايات الرحمان إذا صاروا الى الله بعد البعث ان لا مهرب لهم من العذاب او يعلموا حين يحيط بهم الرياح فى البحر ان لا مهرب لهم من الغرق-. فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فى الدنيا فَمَتاعُ الْحَياةِ اى فهو متاع الحيوة الدُّنْيا اى تمتعون به مدة حياتكم القريبة الفانية ليس منها رادا للمعاد فاجملوا فى طلبها واقتصروا على ما يكفيكم عمّا يلهيكم وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب فى دار الجزاء خَيْرٌ منها كمّا وكيفا وخالص منفعة بلا شوب مشقة وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) روى عن على رضى الله عنه انه تصدّق ابو بكر بما له كله فلامه جمع فنزلت هذه الاية- ما الاولى موصولة تضمنت معنى الشرط من حيث ان إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع بها فى الحيوة الدنيا فجاءت الفاء فى جوابها بخلاف الثانية. وفى الاية بيان ان المؤمن والكافر يستويان فى ان الدنيا متاع لهما يتمتعان بها فاذا صاروا الى الاخرة كان ما عند الله خيرا للمؤمنين. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ عطف على قوله للّذين أمنوا قرأ حمزة والكسائي «وخلف- ابو محمد» كبير الإثم على الواحد هاهنا وفى سورة النجم

الشورى 42:38

والباقون كبائر بالجمع وَالْفَواحِشَ هى الكبائر وقال السدىّ هى الزنى وقال مقاتل ما يوجب الحد وقد ذكرنا الكبائر فى سورة النساء وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٤٨) عطف على يجتنبون والظرف متعلق بيغفرون وبناء يغفرون على ضميرهم خبرا للدلالة على انهم أحقاء بالمغفرة حال الغضب والجملة معطوفة على الصلة والموصول اما مجرور عطفا على الّذين أمنوا او منصوب على المدح او مرفوع. وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ اى أجابوه الى ما دعاهم اليه من طاعته وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور اى يتشاورون بَيْنَهُمْ فيما يبدو لهم ولا يعجلون ولا شك ان المؤمن إذا استشار مؤمنا يشيره بما هو خير له فى الدارين يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر قال رسول الله ﷺ المستشار مؤتمن- رواه مسلم عن ابى هريرة والترمذي عن أم سلمة وابن ماجة عن ابن مسعود وروى الطبراني فى الأوسط بسند حسن عن على رضى الله عنه المستشار مؤتمن فاذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه- وروى الطبراني فى الكبير بسند حسن عن سمرة بن جندب المستشار مؤتمن ان شاء أشار وان شاء لم يشر وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) فى سبيل الخير عطف او حال.. وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ اى الظلم والعدوان هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) اى ينتقمون ممن ظلمهم من غير ان يعتدوا قال ابن زيد جعل الله المؤمنين صنفين صنفا يعفون عن ظالميهم وصنفا ينتقمون منهم وهم الذين ذكروا فى هذه الاية قال ابراهيم فى هذه الاية انهم كانوا يكرهون ان يستذلوا فاذا قدروا عفوا قال عطاءهم المؤمنون الذين اخرجوا من مكة بغيا عليهم يعنى من غير حقّ الّا ان يّقولوا ربّنا الله ثم مكنّهم الله فى الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم- وقال البيضاوي وصفهم بسائر أمهات الفضائل منها كراهة التذلل وهو لا يخالف وصفهم بالغفران فانه ينبئ عن عجز المغفور والانتصار عن مقاومة الخصم والحلم عن العاجز محمود وعن المتغلب مذموم لانه اجراء وإغراء

الشورى 42:40

على البغي- قلت الباغي ان كان ظالما متعديا على حق الله تعالى وعلى عامة المؤمنين فالاولى بل الواجب هناك الانتقام وسدّ باب الفتنة- وان كان متعديا على نفس أحد فالانتصار «١» والانتقام من غير اعتداء له منه جائز لكن العفو والإصلاح ودفع السيئة بالحسنة أفضل والله اعلم- ولمّا ذكر الله سبحانه جواز الانتصار منعهم عن التعدي فيه فقال. وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها جملة معترضة سمى الجزاء سيئة لتشابهما فى الصورة او لانه تسوء بمن تنزل به او لانه أسوأ من العفو قال مقاتل يعنى القصاص فى الجراحات والدماء وقال مجاهد والسدىّ هو جواب القبيح إذا قال أخزاك الله فيقول أخزاك الله وإذا شتم أحد شتمه بمثلها من غير ان يعتدى- وقال سفيان بن عيينة قلت لسفيان الثوري ما قوله عزّ وجلّ وجزؤا سيّئة سيّئة مثلها ان كان يشتمك رجل تشتمه او يفعل بك فتفعل به فلم أجد عنده شيئا فسالت هشام بن حجيرة عن هذه الاية فقال الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو ان يشتمك فتشتمه «٢» ويؤبد قول هشام قوله ﷺ المستبّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان- رواه احمد والبخاري فى الأدب بسند (١) عن ابن عون قال كنت اسئل عن الانتصار وعن قوله تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل فحدثنى على بن زيد بن ضرعان عن أم محمد امراة أبيه قال ابن عون (وزعموا انها كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة) قالت قالت عائشة أم المؤمنين دخل علىّ رسول الله ﷺ وعندنا زينب بنت جحش فجعل يصنع بيده شيئا فقلت بيده حتى فطنته لها فامسك وأقبلت زينب تقحم لعائشة فنهاها فابت ان تنتهى فقال لعائشة سبيها فسبتها فانطلقت زينب الى على فقالت ان عائشة وقعت بكم وفعلت فجاءت فاطمة فقال لها انها حبة أبيك ورب الكعبة فانصرفت فقالت لهم الى قلت وكذا وكذا فقال لى كذا وكذا قالت وجاء على الى النبي ﷺ فكلمه فى ذلك- أخرجه ابو داود منه برد الله مضجعه (٢) عن ابى هريرة ان رجلا شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس فجعل النبي ﷺ يتعجب ويتبسم فلما اكثر رد عليه بعض قوله فغضب النبي ﷺ وقام فلحقه ابو بكر فقال يا رسول الله كان يشتمنى وأنت جالس فلمّا رددت بعض قوله غضبت وقمت قال انه كان معك ملك يرد عنك فلمّا رددتّ عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لاقعد مع الشيطان ثم قال يا أبا بكر ثلاث هن حق ما من عبد ظلم مظلمة فيغفر عنها الله الا أعزّه الله بها نصرة وما فتح رجل باب عطية يريد بها سلبه الا زاده الله كثرة وما فتح رجل باب مسئلة يريد بها كثرة الا زاد الله بها قلة- رواه احمد منه نور الله ضريحه ١٢.

الشورى 42:41

صحيح عن عياض بن حمار وقوله ﷺ لا يكون اللعّانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة- رواه مسلم وابو داود عن ابى الدرداء لكن قوله ﷺ المستبّان ما قالا فعلى المبادي منهما حتى يعتدى المظلوم- رواه احمد ومسلم وابو داود عن ابى هريرة يدل على كون البادي اظلم والمجيب له نوع رخصة فَمَنْ عَفا عن ظلم صاحبه وَأَصْلَحَ بينه وبين ظالمه فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ اى ان الله يأجره لا محالة قال البغوي قال الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان اجره على الله فليقم فلا يقوم الا من عفا ثم قرأ هذه الاية إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) المبتدين بالسبّ والمتجاوزين على المثل فى الانتقام وقال ابن عباس الذين يبدون بالظلم.. وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ المصدر مضاف الى المفعول اى بعد ظلم الظالم إياه فَأُولئِكَ اى المنتصرين ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) بالمعاتبة والمؤاخذة. إِنَّمَا السَّبِيلُ بالعقاب فى الاخرة والمعاتبة والمؤاخذة فى الدنيا عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ يبدونهم بالإضرار ويؤذونهم فى أنفسهم او أموالهم او اعراضهم بغير حق وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فى القاموس بغى يبغى بغيا علا وظلم وعدا عن الحق واستطال أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ عطف على من انتصر وبينهما اعتراض اى من صبر على ظلم من ظلم عليه وَغَفَرَ الظالم ولم ينتصر مبتدا حذف خبره اى فهو أفضل الناس وأقيم علته مقامه وهى قوله إِنَّ ذلِكَ الصبر والغفران لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) اى من معزوماته بمعنى المطلوبات شرعا قال مقاتل يعنى من الأمور التي امر الله بها وقال الزجاج الصابر يؤتى بصبره الثواب فالرغبة فى الثواب أتم عزم. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ اى ناصر يتولاه اى يلى هدايته ويمنعه من عذاب الله مِنْ بَعْدِهِ اى بعد خذلان الله إياه جملة معترضة وَتَرَى الظَّالِمِينَ ايها المخاطب لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ اى حين يرون العذاب

الشورى 42:45

ذكر بلفظ الماضي تحقيقا يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) الجملة قائم مقام المفعولين لترى اى تراهم قائلين هذا القول استفهام لفظا ومعناه السؤال يسئلون الرجعة الى الدنيا-. وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها اى على النار يدل عليها العذاب خاشِعِينَ اى خائفين متذللين متقاصرين مِنَ الذُّلِّ اى مما يلحقهم من التذلل يَنْظُرُونَ حال بعد حال من فاعل يعرضون مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ اى يبتدئ نظرهم الى النار من تحريك لاجفانهم ضعيف كالصبور ينظر الى السيف بمسارقة النظر خوفا وذلة فى نفسه وقيل من بمعنى الباء وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يعنى من تبعهم فى الكفر بالتعريض للعذاب المخلد وقيل المراد بالأهل الحور فانهم خسروهن بعدم وصولهم إليهن المعدة لهم فى الجنة لو أمنوا يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف للخسران والقول فى الدنيا او للقول اى يقولون إذا راوهم على تلك الحال أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) دائم تمام كلامهم او تصديق من الله بهم. وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ اى يدفعون العذاب عنهم مِنْ دُونِ اللَّهِ حال من اولياء وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) الى الوصول الى الحق فى الدنيا والى الجنة فى العقبى قد انسدّ عليه طرق الخبر كلها-. اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ اى أجيبوا داعى الله محمدا ﷺ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ اى لا يرده الله بعد ما حكم به ومن صلة لمرد وقيل صلة يأتى اى من قبل ان ياتي يوم من الله لا يمكن رده وذلك يوم الموت او يوم القيامة ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ مفر يلحئون اليه يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) اى انكار لما اقترفتموه لانه مدون فى صحائف أعمالكم ويشهد عليه السنتكم وجوارحكم او ما لكم من منكر بغير ما بكم. فَإِنْ أَعْرَضُوا عن إجابتك يا محمد فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً حذف جزاء الشرط وأقيم تعليله مقامه تقديره فلا تحزن لان ما أرسلناك عليهم رقيبا مؤاخذا على اعراضهم إِنْ عَلَيْكَ

الشورى 42:49

إِلَّا الْبَلاغُ وقد بلّغت تعليل لقوله ما أرسلناك عليهم حفيظا وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ أراد به الجنس مِنَّا رَحْمَةً اى نعمة فى الدنيا قال ابن عباس يعنى الغناء والصحة فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ من القحط او الفقر او المرض بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ اى بسبب معاصيهم التي قدموه وعبر بالأيدي لان اكثر الافعال بها فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) بليغ الكفران لما تقدم من نعم الله عليه ينسى ويجحد باقل شىء من الشدة جميع ما أسلف عليه من النعم ويذكر البليّة ويعظّمها ولا يتامل فى سببها- وهذا الحكم وان اختص بالمجرمين جاز اسناده الى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه وتصدير الشرطية الاولى بإذا والثانية بان لان اذاقة النعمة محققة من حيث انها عادة الله تعالى يقتضيه رحمته الذاتية بخلاف إصابة البليّة وأقيم علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضع الضمير فى الثانية للدلالة على ان هذا الجنس موسوم بكفران النعمة. لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فله التصرف فيها كيف يشاء من انعام وانتقام الجملة متصلة بقوله ومن آياته الجوار يَخْلُقُ ما يَشاءُ تعليل لما سبق وقوله يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً الاية قيل بيان للخلق يعنى يهب لبعض الناس أنثى لا يكون له ولد ذكر قيل من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لان الله تعالى بدا بالإناث وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) فلا يكون له أنثى. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً فيجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً فلا يولد له وقيل الجملة بدل من يخلق بدل البعض إِنَّهُ عَلِيمٌ بما يخلق قَدِيرٌ (٥٠) على ما يشاء فيفعل بحكمته واختياره. قال البغوي قالت اليهود للنبى ﷺ الا تكلم الله وتنظر اليه ان كنت نبيّا كما كلمه موسى ونظر اليه فقال لم تنظر موسى الى الله عزّ وجلّ فانزل الله تعالى. وَما كانَ لِبَشَرٍ اى ما صح له أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً وحيا وما عطف عليه منصوب على المصدرية لأن من وراء حجاب صفة كلام محذوف والإرسال نوع من الكلام وهو ما كان بتوسط الرسول وجاز ان يكون منصوبا على الحال ويكون المصدر بمعنى المفعول تقديره الا موحى او مستمعا من وراء حجاب او مرسلا والوحى فى اللغة الاشارة السريعة والمراد هاهنا كلاما خفيا غير مركب من حروف مقطعة متعاقبة يلقيه تعالى فى قلب النبي ﷺ فى المنام او اليقظة ويعبر عنه بالإلهام وهو تعم المشافهة به كما روى فى حديث المعراج وما وعد به فى حديث الرؤية فى الاخرة والمهتف به كما اتفق لموسى على طوى والطور لكن قوله أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ يخصه بالأول فالاية دليل على جواز الرؤية لا على امتناعها قلت لكن ما ذكر البغوي فى شأن نزول الاية يدل على نفى النظر الى الله عند الوحى فى الدنيا فالمراد بالوحى هاهنا إلقاء كلام بسيط فى القلب وبقوله من وراء حجاب كلام مسموع بلا توسط الملك بغير معائنة كما اتفق لموسى فى طوى والطور كذا قال البغوي أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا اما جبرئيل او غيره من الملائكة فَيُوحِيَ ذلك الرسول الى المرسل اليه بِإِذْنِهِ اى بإذن الله ما يَشاءُ قرأ الجمهور يرسل فيوحى بالنصب عطفا على وحيا بتقدير ان المصدرية وقرأ نافع بضم اللام وسكون الياء رفعا على الاستئناف فتكلم الله حينئذ ينحصر فيما كان بلا واسطة الملك ويقابله إرساله الملك بكلامه الى الأنبياء عن عائشة رضى الله عنها قالت ان الحارث بن هشام سال رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحى فقال رسول الله ﷺ أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علىّ فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فاعى ما يقول- قالت عائشة ولقد رايته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه لينفصد عرقا- متفق عليه وعن عبادة بن الصامت قال كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحى كرب لذلك وتربد وجهه رواه مسلم وعن ابن عباس قال اقام رسول بمكة خمس عشر سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا وثمان سنين يوحى اليه واقام بالمدينة عشرا وتوفى وهو ابن خمس وستين سنة- متفق عليه وعن عائشة قالت أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم الحديث- متفق

الشورى 42:52

عليه إِنَّهُ عَلِيٌّ عن صفات المخلوقين حَكِيمٌ (٥١) يفعل ما يقتضيه حكمته فتكلم تارة بغير وسط وتارة بوسط-. وَكَذلِكَ اى ايحاء كايحائنا الى سائر الرسل او كما وصفنا لك أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً اى كتابا وهو القران كذا قال الكلبي ومالك بن دينار وقال السدىّ سماه روحا لان القلوب يحيى به كما يحيى الأبدان بالأرواح وقال الربيع الروح جبرئيل والمعنى أرسلنا إليك جبرئيل وما قال ابن عباس انه النبوة وقال الحسن الرحمة فالمراد به ايضا القران فانه اثر النبوة والرحمة مِنْ أَمْرِنا الذي نوحيه إليك ظرف مستقر لروح اى روحا كائنا من أمرنا ما كُنْتَ تَدْرِي قبل الوحى حال من كاف إليك مَا الْكِتابُ سدّ مسد المفعولين لتدرى وحرف الاستفهام علقه عن العمل وَلَا الْإِيمانُ يعنى شرائعه ومعاملة التي لا طريق اليه غير السمع فقال محمد بن إسحاق المراد بالايمان فى هذه المقام الصلاة كما فى قوله تعالى ما كان الله ليضيع ايمانكم وهذا التفسير مبنى على ان اهل العلم اتفقوا على ان الأنبياء عليهم السلام كانوا ملهمين من الله تعالى بالايمان بالصانع المتوحد بصفات الكمال المنزه عن النقص والزوال. وما قيل ان النبي ﷺ كان قبل الوحى يعبد الله على دين ابراهيم فشئ لا يصاعده العقل والنقل فانه ﷺ كان اميّا لم يقرأ الكتاب ولم يكن دين ابراهيم شائعا فى قريش كانوا يعبدون الحجارة غير انه ﷺ يرغب الى الخلوة قلت ويمكن ان يقال انه ﷺ كان مؤمنا كاملا محققا بحقيقة الايمان لكن لم يدر انّ هذه الحالة ايمان والله اعلم. وَلكِنْ جَعَلْناهُ قال ابن عباس يعنى الايمان وقال السدىّ يعنى القران نُوراً لظلمة الجهل نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا اى نوصل به الى العقيدة الحقة فى الدنيا والى الجنة والى مراتب القرب فى الاخرة وَإِنَّكَ يا محمد لَتَهْدِي الناس كافة إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) وهو الإسلام الموصل الى الجنان والمراد بالهداية هاهنا اراءة

الشورى 42:53

الطريق. صِراطِ اللَّهِ بدل من الاول الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) اى امور الخلائق كلها فى الاخرة بارتفاع الوسائط والتعلقات وفيه وعد للمطيعين ووعيد للمجرمين والله اعلم تم تفسير سورة الشورى من تفسير المظهرى يوم السبت ثالثة عشر من الربيع الاول من السنة الثامنة بعد الف سنة ١٢٠٨ هـ- ومائتين ويتلوه تفسير سورة الزخرف ان شاء الله تعالى وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين. [فهرس السور القرآنية من التفسير المظهرى] فهرس تفسير سورة الزخرف من التفسير المظهرى مضمون صفحه ما ورد فى البعث انه يمطر السماء فينبتون ٣٤٠ ما يقال عند ركوب الدابة ٣٤٠ حديث فاطمة بضعة منى- ٣٤١ ما ورد فى كون الدنيا مهانا عند الله مبغوضا ٣٤٧ حديث الدنيا حرام على اهل الاخرة والاخرة حرام على اهل الدنيا والدنيا والاخرة حرام على اهل الله ٣٤٨ حديث من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه- ٣٤٩ حديث طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ٣٤٩ حديث أيما رجل كسب مالا من حلال ٣٤٩ حديث اجملوا فى طلب الدنيا- ٣٥٠ ما ورد فى كون امر الخلافة فى قريش- ٣٥٢ مضمون صفحه حديث ما ضل قوم بعد هدى الا أوتوا الجدل ٣٥٧ ما ورد فى اشراط الساعة ونزول عيسى عليه السلام ٣٥٨ حديث افترقت اليهود الى احدى وسبعين فرقة والنصارى الى اثنين وسبعين وهذه الامة الى ثلاث وسبعين- ٣٥٩ حديث ليأتين على أمتي كما اتى على اليهود والنصارى ٣٦٠ حديث خليلان مؤمنان وخليلان كافران الحديث ٣٦٠ حديث اين المتحابين فى جلالى أظلهم تحت ظلى ٣٦١ حديث يجمع الله بين المتحابين فى الله يوم القيامة ٣٦١ ما ورد فى خليل الجنة وثمارها- ٣٦٢ ما ورد فى دعاء اهل النار مالكا ودعاء الله ٣٦٣ سبحانه- فهرس تفسير سورة الدّخان من التفسير المظهرى ما ورد فى فضل ليلة النصف من شعبان ٣٦٧ ما ورد فى آيات الساعة الدخان ونزول عيسى السلام ٣٦٩ ما ورد فى الزقوم طعام اهل النار ٣٧٥ ما ورد فى ثياب الجنة ٣٧٧ حديث ما من عبد إلا وله فى السماء بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فاذا مات فقداه وبكيا عليه ٣٧٢ ما ورد فى الحور وفى ثمار الجنة- ٣٧٧ ما ورد فى فضل سورة الدخان ٣٧٨ فهرس تفسير سورة الجاثية من التفسير المظهرى حديث لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر ٣٨٨ حديث كانى أراكم بالكرم دون جهنم جاثين- ٣٨٩ حديث الكتب كلها تحت العرش فاذا كان الموقف بعث الله الريح فتطير بالايمان والشمائل ٣٩٠ حديث لا بعد الموت من مستعتب ٣٩٢ حديث يقول الله تعالى الكبرياء ردائى الحديث ٣٩٢ فهرس تفسير سورة الأحقاف من التفسير المظهرى قصة اسلام عبد الله بن سلام الاسرائيلى الأنصاري رضى الله عنه ٣٩٨ حديث صل أمك ثم أمك الحديث ٤٠٣ الكلام فى اقل مدة الحمل وأكثره- ٤٠٣ ذكر بعض مناقب ابى بكر الصديق رضى الله عنه ٤٠٥ ما ورد فى ترك التمتع بالدنيا وعيش النبي ﷺ وأصحابه ٤٠٨ حديث ما رايت رسول الله ﷺ مستجمعا ٤١٣ ضاحكا انما كان يتبسم وكان إذا راى غيما او ريحا عرف ذلك فى وجهه- خوف النبي ﷺ من عذاب الله ٤١٣ ما كان يقول إذا عصفت الريح او راى السحاب او المطر ٤١٣ فى اولى العزم من الرسل ٤١٧ حديث ان الدنيا لا ينبغى لمحمد ولا لال محمد الحديث ٤١٨ ما ورد فى صبر نبى من الأنبياء على إيذاء قومه ٤١٨ فهرس تفسير سورة محمّد صلّى الله عليه وسلم من التفسير المظهرى مسئلة اختلاف العلماء فى جواز المن والفداء فى الأسارى ٤٢٠ حديث لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق الحديث ٤٢٣ ما ورد فى مراتب الشهداء وفضلهم ٤٢٣ فيمن يقضى عنه دينه يوم القيامة ٤٢٤ حديث ما أنتم فى الدنيا باعرف بازواجكم ومساكتكم من اهل الجنة ٤٢٥ قوله ﷺ لمكة أنت أحب بلاد الله الى الله وإلىّ لو لم يخرجونى لم اخرج منك ٤٢٦ ما ورد فى انهار الجنة وفى ثمار الجنة- ٤٢٨ ما ورد فى اشراط الساعة- ٤٣٠ حديث انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله فى اليوم مائة مرة- ٤٣٢ قول المجدد رضى الله عنه معرفة الله حرام ٤٣٢ على من لم ير نفسه شرا من الكافر- ٤٣٢ قول احمد بن حنبل فى لعن يزيد- ٤٣٤ مسئلة من شرع فى صلوة او صوم تطوعا هل يجوز له الإفساد وهل يجب عليه القضاء بالإفساد وما ورد فيه ٤٣٥ ما ورد فى فضل الانفاق وذم البخل ٤٤٦ حديث لو كان الدين عند الثريا لتناوله رجل من فارس- ٤٤٧.