التفسير المظهري — الزخرف 43:1 – الفتح 48:28
المحتويات
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:74
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:85
- الدخان 44:1
- الدخان 44:5
- الدخان 44:8
- الدخان 44:14
- الدخان 44:17
- الدخان 44:23
- الدخان 44:30
- الدخان 44:36
- الدخان 44:40
- الدخان 44:47
- الدخان 44:52
- الدخان 44:55
- الجاثية 45:1
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:36
- الأحقاف 46:1
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:16
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:18
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:25
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:35
- محمد 47:1
- محمد 47:3
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:11
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:26
- محمد 47:31
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:37
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:5
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:18
- الفتح 48:21
- الفتح 48:25
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
الزخرف 43:1
سورة الزّخرف
مكّيّة وهى تسع وثمانون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) اى القران الذي هو مبين اى مظهر باعجازه طريق الهدى من الضلالة فانه يقتضى الايمان به والايمان به يوجب العلم بما يحتاج اليه الناس من الشرائع المثمرة للفلاح فى الدنيا والاخرة- الواو للقسم او للعطف ان كان حم مقسما به وجواب القسم.
إِنَّا جَعَلْناهُ اى ذلك الكتاب قُرْآناً عَرَبِيًّا اقسم بالقران على انه جعله قرانا عربيا وهو من البدائع لتناسب المقسم به والمقسم عليه كقول ابى تمام وثناك انها اعريض ولعل اقسام الله تعالى بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة عليه لَعَلَّكُمْ اى لكى تَعْقِلُونَ (٣) اى صيرناها مقروّا بلغتكم لتفهموا معانيه والا فالقرءان من صفاته تعالى غير مخلوق.
وَإِنَّهُ اى القرءان عطف على انا فِي أُمِّ الْكِتابِ اى اللوح المحفوظ فانه اصل كل كتاب لقوله تعالى بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قال ابن عباس أول ما خلق الله القلم فامره ان يكتب بما يريد ان يخلق فالكتاب عنده ثم قرأ وانّه فى امّ الكتاب لَدَيْنا اى عندنا عندية وقربا غير متكيف ولا مكانى قيل تقديره محفوظا لدينا من التغير لَعَلِيٌّ رفيع شأنه من ان يدركه أحد او رفيع شأنه فى الكتب السماوية لكونه معجزا من بينها قال المجدد للالف الثاني رضى الله عنه القرآن فى سائر الكتب السماوية بمنزلة المركز من الدائرة
الزخرف 43:5
يرى كذلك بنظر الكشف فالمركز اصل وإجمال للدائرة بل هو أفضل وأوسع من تمام الدائرة وانما يظهر بنظر الكشف اخصر لكونه ارفع وابعد من الناظر كما ان القمر يظهر للناظر مركزا لدائرة الهالة مع كونه أوسع منها حَكِيمٌ (٤) ذو حكمة بالغة او محكم لا ينسخه غيره وهما خبران لان وفى امّ الكتاب متعلق بعلىّ واللام لا يمنعه او ظرف مستقر حال منه ولدينا بدل منه او حال من امّ الكتاب او من المستكن فى قوله فى أم الكتاب-.
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً الهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أنهاكم فنضرب عنكم الذّكر اى القران يقال ضربت عنه وأضربت عنه إذا تركت وأمسكت عنه وصفحا مصدر من غير لفظه يقال صفحت عنه إذا أعرضت عنه والترك والابعاد اعراض او مفعول له او حال بمعنى صافحين وأصله ان توفى الشيء صفحة عنقك والإنكار راجع الى الإهمال وترك الذكر وهو انكار لا يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب على لغتهم ليفهموه ويمكن ان يكون العطف على جملة انه فى أم الكتاب لعلى حكيم والإنكار راجع الى معنى الفاء اى بعد كون القران كذلك نضرب عنكم الذكر أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) قرأ نافع وحمزة والكسائي «وابو جعفر وخلف ابو محمد» إن بكسر الهمزة على ان الجملة الشرطية مخرجة للحق مخرج المشكوك استجهالا لهم واشعارا بان الإسراف امر لا يجوّز العقل إتيانه فكانّه محال مفروض والجزاء محذوف دل عليه ما قبله والمعنىء إن كنتم قوما مسرفين نهملكم فنضرب عنكم الذّكر صفحا وقرأ الباقون بفتح الهمزة تقديره لان كنتم مسرفين وهو فى الحقيقة علة مقتضية لترك الاعراض جعلها علة للاعراض وأورد عليها همزة الإنكار والمعنى أفنترك عنكم الوحى ونمسك من إنزال القران فلا نأمركم ولا تنهاكم من أجل اسرافكم فى الكفر قال البغوي قال قتادة والله لو كان هذا القران رفع حين رده أوائل لهذه الامة لهلكوا ولكن الله عاد عليهم لعائدته ورحمته فكرره عليهم عشرين سنة او ما شاء وقال مجاهد والسدىّ معناه أفنعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم بكفركم..
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) يعنى أرسلنا فيهم كثيرا من الأنبياء.
الزخرف 43:7
وَما يَأْتِيهِمْ اى وما كان يأتيهم على حكاية الحال الماضية عطف او حال مِنْ نَبِيٍّ من زائدة ونبى فى محل الرفع إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) المستثنى المفرغ منصوب على الحال من المفعول اى الا كائنين على صفة الاستهزاء او على انه صفة لمصدر محذوف اى ما يأتيهم من نبىّ اتيانا الا اتيانا كانوا به يستهزءون او على الظرف اى ما يأتيهم نبىّ فى زمان الّا كانوا فيه يستهزءون به كاستهزاء قومك بك تسلّية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ اى من المسرفين يعنى اهل مكة فيه التفات من الخطاب الى الغيبة أشدّ حال من مفعول أهلكنا المحذوف............. تقديره فاهلكنا الأولين حال كونهم أشد من مشركى مكة بَطْشاً اى قوة تميز نسبة أشد او مفعول مطلق لاهلكنا من غير لفظه وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) اى سبق فى القران قصتهم العجيبة فى إهلاكهم التي حقها ان يسير مسير المثل- وفيه وعد للرسول ﷺ ووعيد للمستهزئين بمثل ما جرى على الأولين-.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ اى كفار مكة جواب قسم محذوف مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) لعله لازم لقولهم او ما دل عليه اجمالا أقيم مقامه تقريرا لالزام الحجة عليهم فانهم قالوا الله كما حكى عنهم فى مواضع اخر وهو الذي من صفته ما ذكر من الصفات ويجوز ان يكون هذا مقولهم وما بعده استئناف.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً اى فراشا كالمهد للصبى وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا يسلكونها لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) اى لكى تهتدوا الى مقاصدكم او الى حكمة الصانع بالنظر فى ذلك.
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ اى بمقدار ينفع ولا يضر فَأَنْشَرْنا التفات من الغيبة الى التكلم اى حيينا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ اى إخراجا وإنشاء مثل ذلك الإنشاء اى إنشاء الأرض بالمطر تُخْرَجُونَ (١١) تنشرون من قبوركم احياء اى كذلك تخرجون جملة معترضة روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
الزخرف 43:12
ما بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت قالوا أربعون عامّا قال أبيت ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شىء تبلى الا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق- واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس وابن جرير عن سعيد بن جبير قال يسيل واد من اصل العرش فتنبت منه كل دابة على وجه الأرض ثم يطير الأرواح فيؤمر ان يدخل الأجساد فهو قوله تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ- واخرج احمد وابو يعلى عن انس قال قال رسول الله ﷺ يبعث الناس يوم القيامة والسماء طش عليهم..
وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ اى اصناف الخلائق كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) اى ما تركبونه على تغليب المتعدى بنفسه على المتعدى بغيره إذ يقال ركبت الدابة وركبت فى السفينة او المخلوق للركوب على المصنوع له او الغالب على النادر ولذلك قال.
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ اى ظهور ما تركبون وجمعه للمعنى ثُمَّ تَذْكُرُوا بقلوبكم نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ بتمليك المركب فى البر والبحر وتسخيرها وَتَقُولُوا بألسنتكم حامدين على النعمة سُبْحانَ اى اسبح سبحان الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) مطيقين من اقرن الشيء إذا اطاقه وأصله وجده قرينه إذ الصعب لا يكون قرينا للضعيف جملة وما كنّا له مقرنين حال من هذا او من ضمير لنا.
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) اى راجعون وجه اتصاله بما سبق ان الركوب للنقل والنقلة العظمى هو الانقلاب الى الله او لانه مخطر فينبغى ان لا يغفل عنه ويستعد للقاء الله هذه الجملة حال اخر روى ابو داود والترمذي والنسائي والبغوي عن على بن ابى طالب رضى الله عنه انه لمّا وضع رجله فى الركاب قال بسم الله فلمّا استوى قال الحمد الله ثم قال سبحان الله الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين وانّا الى ربّنا لمنقلبون ثم حمد الله ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال لا اله الا أنت ظلمت نفسى فاغفر لى ذنوبى فانه لا يغفر الذنوب الا أنت. ثم ضحك فقيل له ما يضحكك يا امير المؤمنين قال رايت
الزخرف 43:15
رسول الله ﷺ فعل مثل ما فعلت وقال مثل ما قلت ثم ضحك فقلنا ما يضحكك يا نبى الله قال عجبت لعبد إذا قال لا اله الا الله ظلمت نفسى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا أنت قوله الّذى جعل لكم الأرض مع ما عطف عليه من الموصولات ومع صلاتها صفات للعزيز العليم وعلى تقدير الاستئناف اخبار لمبتدا محذوف او مفعول لاعنى-.
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً اى وصفوه بان له جزءا معطوف على قوله ولئن سالتهم وجه اتصاله به ان بين الكلامين تناقض فانهم بعد ما اعترفوا انه خالق السماوات والأرض وصفوه بان له جزءا وما يتجزى يستحيل ان يكون واجبا ويستحيل ان يكون خالقا والمراد به قولهم الملائكة بنات الله إذ لا شك ان الولد ما يخلق من نطفة الوالد والنطفة جزء منه ولذلك سمى الولد جزء او بضعة قال رسول الله ﷺ فاطمة بضعة منى فمن أغضبها أغضبني- رواه البخاري عن المسور بن مخرمة وعند احمد والحاكم بلفظ فاطمة بضعة منى يغضبنى ما يغضبها ويبسطنى ما يبسطها وان الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبى وصهرى إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ اى جهول مُبِينٌ (١٥) ظاهر الكفران ومفرط الجهل حيث لم يعرف ما ينبغى ان يسب الى الله سبحانه وما لا ينبغى-.
أَمِ اتَّخَذَ الله سبحانه مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) عطف على يخلق او حال من فاعله والجملة مستأنفة مقدرة بالقول تقديره قل لهم أم اتّخذ ممّا يخلق بنت واصفيكم بالبنين ومن ثم جاز الخطاب واصفيكم والا فهو واقع بين كلامين مسندين الى الغيب اعنى وجعلوا له من عباده جزءا وإذا بشر أحدهم وأم منقطعة بمعنى الهمزة للتوبيخ والإنكار والتعجب وبل للاضراب عن قولهم ان لله ولدا يعنى انهم لم يقنعوا على ان جعلوا لله جزءا حتى جعلوا له من مخلوقاته اجزاء خسيسة مما اختير لهم وابغض الأشياء إليهم بحيث إذا بشر أحدهم بها اشتد غمهم كما قال.
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا اى بالجنس الذي جعل له مثلا إذ الولد لا بد ان يماثل الوالد او المراد بالمثل الوصف والحال
الزخرف 43:18
والمعنى إذا بشر أحد بالوصف الذي جعل للرحمان وصفا اى كونه اما أنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا شديد السواد من غاية الكآبة وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) مملو قلبه من الكرب الجملة الشرطية بتقدير المبتدا حال من ضميرهم فى المقدر تقديره وقل لهم أم اتّخذ ممّا يخلق بنات وأصفكم بالبنين وهم إذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّا وّ هو كظيم.
أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ قرأ حفص وحمزة والكسائي «خلف- ابو» بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين اى يربّى والباقون بفتح الياء وسكون النون وتخفيف الشين اى ينبت ويكبر فى الحلية يعنى النساء فان حسنهن منحصر فى الصورة فيتزين بالحلية ليزددن حسنهن بخلاف الرجال فان حسنهم غالبا بالمعاني والأوصاف وذلك غير محتاج الى الحلية وفيه إشمام بان النشا فى الزينة من المعائب فعلى الرجال ان يجتنبوا من ذلك ويتزينون بلباس التقوى وَهُوَ فِي الْخِصامِ اى فى المحاجة باللسان وبالسنان غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) اى غير مظهر حجتهن لنقصان عقلهن وضعف أبدانهن وقلوبهن قال قتادة ما يتكلم امراة تريد ان تتكلم بحجتها الا تكلمت بالحجة عليها من يّنشؤا منصوب معطوف على بنات والهمزة كررت لتأكيد الإنكار والتوبيخ والتعجيب والمغائرة انما هى لاختلاف الصفات والمعنى أم اتخذ من مخلوقاته بنات مبغوضات مكروهات موجبات لسواد الوجه ناشيات فى الحلية ضعيفات قلبا وقالبا وعقلا وجاز ان يكون مرفوعا مبتدا محذوف الخبر معطوف على مبتدا محذوف تقديره أمن كان شأنه ما ذكر ومن ينشّؤا فى الحلية ومن هو فى الخصام غير مبين ولد الله سبحانه-.
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً قرأ نافع وابن كثير «وابن عامر وابو جعفر ويعقوب ابو محمد» عند بالنون ساكنة وفتح الدال على الظرف والباقون بالباء المفتوحة والالف وضم الدال على انه جمع عبد والجملة عطف على قوله وجعلوا له من عباده جزءا يعنى انهم وصفوا الله سبحانه بما لا يليق به تعالى من انه له ولد من خلقه وذلك تحقير لشأنه تعالى ووصفوا الملائكة الذين هم خيار عباد الله ومقربوه قربا غير متكيف بكونهم إناثا وذلك تحقير لشانهم
الزخرف 43:20
أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ قرأ اهل المدينةء أشهدوا بهمزتين الاولى للانكار وتعليل التشنيع المذكور والثانية همزة الافعال مضمومة مسهلة وسكون الشين على ما لم يسم فاعله وقالون «وابو جعفر بلا خلاف ابو محمد عنه» من رواية ابى نشيط بخلاف عنه يدخل بين الهمزتين الفا والباقون بهمزة واحدة مفتوحة للاستفهام وفتح الشين والمعنى على القراءة الاولىء أحضروا خلقهم وعلى الثانية احضروا خلقهم حين خلقوا إناثا سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ على الملائكة انهم بنات الله وَيُسْئَلُونَ (١٩) عنها يوم القيامة توبيخا اخرج ابن المنذر عن قتادة قال قال ناس من المنافقين ان الله صاهر الجن فخرجت بينهم الملائكة فنزلت فيهم وجعلوا الملئكة الّذين هم عبد الرّحمن إناثا وقال البغوي قال الكلبي ومقاتل لمّا قال اهل مكة هذا القول سالهم النبي ﷺ ما يدريكم انهم بنات الله قالوا سمعنا من ابائنا ونحن نعلم انهم لم يكذبوا فقال الله تعالى ستكتب شهادتهم ويسئلون عنها فى الاخرة-.
وَقالُوا عطف على قوله وجعلوا الملائكة لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ان لا نعبد الملائكة ما عَبَدْناهُمْ يعنون الملائكة قاله قتادة ومقاتل والكلبي وقال مجاهد يعنون الأوثان استدلوا بنفي مشية عدم العبادة على امتناع النهى او على حسنها وذلك باطل لان المشية يرجح بعض الممكنات على بعض مامورا كان او منهيّا حسنا كان او قبيحا ولذلك جهلهم فقال ما لَهُمْ بِذلِكَ اى بما يدعون من انها بنات الله او انها راض بعبادتها مِنْ عِلْمٍ مستند الى حس او عقل موجب للعلم إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) تأكيد لما سبق اى يقولون قولا باطلا بالظن والتخمين- ابدأ الله سبحانه وجوه فساد زعمهم وحكى تنئبهتهم المزيفة ثم نفى ان يكون لهم بها علم من طريق الحس او العقل ثم اضرب عنه الى انكار ان يكون لهم سند من جهة النقل فقال.
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً أم متصلة معادلة بقوله اشهدوا خلقهم يعنى اشهدوا وقت خلقهم أم علموا بكتاب سماوى اتيناهم مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل القران او قبل ادعائهم ينطق على صحة ما قالوه فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) اى بذلك الكتاب.
بَلْ قالُوا عطف على قول أم اتيناهم يعنى ما شهدوا خلقهم وما اتيناهم كتابا بل يتفوهون هذا القول تقليدا حيث قالوا
الزخرف 43:23
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ على دين وملة سميت امة لانها يؤم كالرحلة للمرحول اليه وقال مجاهد على امام وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) يعنى لا حجة لهم عقلية ولا نقلية وانما جنحوا فيه الى تقليد ابائهم الجهلة وسموا ذلك التقليد اهتداء.
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ استثناء مفرغ صفة لقرية اى الا فى قرية قال مُتْرَفُوها اى منعموها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) تسلية لرسول الله ﷺ بان التقليد فى نحو ذلك ضلال قديم وان مقدّميهم ايضا لم يكن لهم علم مستند الى شىء من اسباب العلم وفى تخصيص المترفين اشعار بان التنعم سبب للبطالة والصرف عن النظر الصحيح الى التقليد.
قل قرأ حفص «وابن عامر- ابو محمد» قالَ بصيغة الماضي على انه خبر عما قاله النذير والباقون بصيغة الأمر حكاية لامر ماض اوحى من قبل الى النذير او خطاب لرسول الله ﷺ ويؤيد الاول سياق الكلام حيث قال فانتقمنا منهم بلفظ الماضي أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ قرأ ابو جعفر جئناكم على الجمع والباقون جئتكم على الافراد والهمزة لاستفهام الإنكار والواو للحال تقديره أتتبعون اباءكم ولو جئتكم بِأَهْدى اى بدين وطريقة اهدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا اى قال الكافرون فى جواب المنذرين إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ اى بما أرسلت به أنت ومن قبلك كافِرُونَ (٢٤) وان كان ذلك اهدى إقناطا للنذير من ان ينظروا او يتفكروا فيه.
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالاستيصال فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وكذلك ننتقم ممن كذبك فلا تهتم بتكذيبهم-.
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ اى برئ مصدر وضع موضع النعت مبالغة ولذا لا يثنى ولا يجمع مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) اى من عبادتكم او من معبودكم يعنى اذكر وقت قوله ليروا كيف تبرأ عن التقليد وتمسك بالبرهان او ليقلدوه ان لم يكن لهم بد من التقليد فانهم يعترفون به اشرف ابائهم.
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي اى خلقنى استثناء منقطع او متصل على ان يعم اولى العلم وغيرهم فانهم كانوا يعبدون الأوثان او صفة على ان ما موصوفة اى انّنى براء من الهة تعبدونها غير الذي خلقنى
الزخرف 43:28
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) اى سيثبتنى على الهداية او يرشدنى فوق ما أرشدني اليه.
وَجَعَلَها اى جعل ابراهيم هذه الكلمة اى كلمة التوحيد المفهومة من قوله انّنى براء الى سيهدين كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ اى ذريته قال قتادة لا يزال فى ذريته من يعبد الله وحده وقال القرطبي جعل الله تعالى وصية ابراهيم باقية فى نسله وذريته وقال ابن زيد يعنى قوله أسلمت لربّ العالمين وقرأ هو سمّيكم المسلمين لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) اى اذكر قول ابراهيم لعل اهل مكة يرجعوا الى دين ابراهيم ووصيته.
بَلْ مَتَّعْتُ إضراب عن قوله لعلّهم يرجعون هؤُلاءِ يعنى كفار مكة المعاصرين للنبى ﷺ وَآباءَهُمْ الذين ماتوا على الشرك يعنى لم أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ اى القران وقال الضحاك الإسلام وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) اى ظاهر الرسالة بالمعجزات او مظهر التوحيد بالحجج والآيات او مظهر احكام الله سبحانه.
وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ اى القران قالُوا هذا اى القران سِحْرٌ سموه سحرا لعجزهم عن معارضته وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) اخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس قال لما بعث الله محمدا ﷺ أنكرت العرب ذلك وقالوا الله أعظم من ان يكون رسوله بشرا فانزل الله تعالى أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ وانزل وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا فلمّا كررت الاية عليهم قالوا وان كان بشرا فغير محمد كان أحق بالرسالة.
وَحينئذ قالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ اى من احدى القريتين مكة والطائف عَظِيمٍ (٣١) بالجاه والمال فان الرسالة من الله منصب عظيم لا يليق الا لعظيم ولم يعلموا انها رتبة روحانية يستدعى عظم النفس بالتجلى بالفضائل والكمالات القدسية وكمال الاستعداد للتجليات الذاتية والصفاتية لا التزخرف بالزخارف الدنيوية- واخرج ابن المنذر عن قتادة قال قال الوليد بن المغيرة لو كان ما يقول محمد حقّا انزل علىّ هذا القران وابن مسعود الثقفي فنزلت هذه الاية- وقال البغوي قال مجاهد يعنون عتبة بن ربيعة من مكة و
الزخرف 43:32
عبد ياليل بالطائف وقيل الوليد من مكة ومن الطائف حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي ويرى هذا عن ابن عباس قال الله تعالى ردّا عليهم.
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يعنى النبوة استفهام انكار فيه تجهيل وتوبيخ وتعجيب من تحكمهم نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ اى ما به عيشهم من الأرزاق فِي الْحَياةِ الدُّنْيا تعليل للتجهيل والتوبيخ وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ تميز عن النسبة يعنى رفعنا درجات بعضهم فوق بعضهم بالمال والجاه فجعلنا بعضهم غنيا وبعضهم فقيرا وبعضهم مالكا وبعضهم مملوكا لِيَتَّخِذَ متعلق برفعنا بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا مسخّرا فى العمل له والياء للنسبة قال قتادة والضحاك اى يملك بعضهم بما لهم بعضا بالعبودية والملك ولا يقدر أحدهم ان يزيد فى معيشته وينقص ما فى معيشة غيره ولا ان يعترض على الله فيما فعل من القبض وَرَحْمَتُ رَبِّكَ يعنى النبوة وما يتبعها خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) من حطام الدنيا فاذا لم يقدر أحدهم ان يختار لنفسه الرفعة فى الدنيا فانّى لهم ان يجعلوا النبوة التي هى أعلى مراتب الانسانية حيث شاءوا والعظيم عند الله من رزق النبوة لا من رزق متاع الدنيا والجملة عطف او حال- ولمّا كانت العظمة عند الكفار بكثرة حطام الدنيا بين الله سبحانه كون الدنيا عند الله حقيرا مبغوضا بقوله.
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ كلهم أُمَّةً واحِدَةً يعنى كفارا لحبهم الدنيا العاجلة وغفلتهم عن الاخرى الاجلة ان مع صلته مبتدا وخبره محذوف اى حاصل وجواب لولا قوله لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ بدل اشتمال من قوله لمن يّكفروا علة كقولك وهبت له ثوبا لقميصه سُقُفاً قرأ ابن كثير وابو جعفر «وابو عمرو- ابو محمد» بفتح السين وسكون القاف على الواحد بارادة الجنس والباقون بضم السين والقاف على الجمع للسّقف مثل رهن ورهن قال ابو عبيدة ولا ثالث لهما وقيل هو جمع سقيف وقيل جمع سقوف جمع الجمع مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ اى مصاعد ودرج من فضة لم يذكر الصفة
الزخرف 43:34
هاهنا اكتفاء بذكرها فى المعطوف عليه اعنى سقفا عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) اى يعلون السطوح.
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً جمع سرير اى وجعلنا لهم سررا من فضة عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤).
وَزُخْرُفاً اى زينة عطف على سقف او ذهبا كما فى قوله تعالى او يكون لك بيت من زخرف فهو معطوف على محل من فضة- وذلك اى تخصيص الدنيا بالكفار لكونها مبغوضة عند الله والكافر مبغوضا فيعطى المبغوض للمبغوض وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ المذكورات من سقف الفضة ومعارجها وابوابها وسررها وزخرفها لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا قرأ عاصم وحمزة وهشام «وابن جماز- ابو محمد» بخلاف عنه لمّا مشددة فان نافية ولمّا بمعنى الا والمعنى وما ذلك الا متاع الحيوة الدنيا لا بقاء لها ولا اعتداد لها عند الله والباقون بتخفيف لما فان مخففة من الثقيلة واللام فارقة وما زائدة وَالْآخِرَةُ اى الدار الاخرة متحققة عِنْدَ رَبِّكَ اى فى علمه وقضائه لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) من الشرك والمعاصي فيه دلالة على ان العظيم هو العظيم فى الاخرة لا فى الدنيا واشعار بما لاجله لم تجعل زخارف الدنيا كلها للمؤمنين وجعل بعضها لاعداء الله وذلك انها مبغوضة لله تعالى حريّة ان تجعل كلها للكافرين لولا مخافة اجتماع الناس على الكفر ولو كانت حسنة مرضية لله تعالى لم يعط الكافر منها شيئا- عن سهل بن سعد قال قال رسول الله ﷺ لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وفى رواية قطرة من ماء رواه الترمذي والضياء وعن المستور بن شداد أحد بنى فهر قال كنت وفى الركب الذين وقفوا مع رسول الله ﷺ على السخلة الميتة فقال رسول الله ﷺ اترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها فقالوا من هوانها ألقوها قال رسول الله ﷺ فالدينا أهون على الله من هذه على أهلها- رواه البغوي واخرج ابو نعيم عن داود بن هلال الضبي قال مكتوب فى صحف ابراهيم عليه السلام يا دنيا ما اهونك على الأبرار الذين تزينت لهم انى قد قدمت فى قلوبهم بغضك والصدود عنك ما خلقت أهون علىّ منك كل شأنك صغير والى الفنا تصير قضيت عليك يوم خلقتك ان لا تدومى لاحد ولا يدوم لك أحد وان بخل بك صاحبك وشح عليك طوبى للابرار الذين اطلعونى عن قلوبهم على الرضاء واطلعونى من ضميرهم على الصدق والاستقامة طوبى لهم ما عندى من الجزاء إذا وفدوا الىّ من قبورهم يسعى امامهم والملائكة حافّون بهم حتى ابلغ بهم الى ما يرجون من رحمتى- وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ الدنيا ملعونة وملعون ما فيها الا ما كان من الله عزّ وجلّ- رواه الصياء وروى ابن ماجة عن ابى هريرة والطبراني فى الأوسط بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعا نحوه بلفظ الا ذكر الله وما والاه او عالما او متعلما- والبزار عن ابن مسعود نحوه بلفظ الا امرا بمعروف او نهيا عن منكر او ذكر الله- والطبراني فى الكبير بسند صحيح عن ابى الدرداء مرفوعا نحوه بلفظ الا ما ابتغى به وجه الله عزّ وجلّ- وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له- رواه احمد والبيهقي بسند صحيح ورواه البيهقي عن ابن مسعود موقوفا وعن ابن عمر وقال قال رسول الله ﷺ الدنيا سجن المؤمن وسنته فاذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة- رواه احمد والطبراني والحاكم فى المستدرك وابو نعيم فى الحلية وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر- رواه احمد ومسلم فى الصحيح والترمذي وروى البيهقي والحاكم عن سلمان والبزار عن ابن عمر يعنى ان المؤمن وان كان فى نعيم فالدنيا بالنسبة الى ما أعد له فى الاخرة من الثواب سجن وسنة والكافر وان كان فى ضر وبلاء فالدنيا بالنسبة الى ما أعد له فى الاخرة من العذاب جنة والله اعلم- فان قيل روى صاحب مسند الفردوس عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال الدنيا حرام على اهل الاخرة والاخرة حرام على اهل الدنيا والدنيا والاخرة حرام على اهل الله- ما معنى ذلك قلت
ومعناه عندى والله اعلم ان حب الدنيا حرام على اهل الاخرة يعنى على المؤمنين لا الانتفاع بمتاع الدنيا حيث قال الله تعالى قل من حرّم زينة الله الّتى اخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق قل هى للّذين أمنوا فى الحيوة الدّنيا خالصة يوم القيمة فمن ارتكب بحب الدنيا أضر بآخرته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فاثروا ما يبقى على ما يفنى- رواه احمد والحاكم فى المستدرك بسند صحيح عن ابى موسى والاخرة يعنى حظوظ الاخرة حرام على اهل الدنيا يعنى من همه الدنيا لا غير يعنى الكفار وفيهم قال الله تعالى فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ والدنيا والآخرة يعنى حبهما حرام على اهل الله وهم الذين امتلأ قلوبهم من حب الله تعالى لا تلتفت قلوبهم الى شىء من الدنيا والاخرة غير الله سبحانه روى ان رابعة البصرية أخذت فى احدى يديها ظرفا من ماء وفى الاخرى قطعة من نار فقيل لها اين تريدين قالت أريد ان أطفأ نار جهنم واحرق الجنة كيلا يعبد الناس الله تعالى طمعا فى الجنة ولا خوفا من النار بل خالصا لوجهه تعالى- قال المجدد للالف الثاني رضى الله عنه وكان هذا مبنيّا على السكر منها بل لا بد للمؤمن ان يطمع فى الجنة لا لنفسها بل لكونها محلا لرحمة الله تعالى ويتعوذ من النار لكونها محلا بسخط الله تعالى وغصته نعوذ بالله منها- فان قيل التمتع بحطام الدنيا ما لم يكن محرما لحق الله تعالى ولا الحق العبد جائز لما ذكرنا وطلب المعاش جائز بل فريضة حيث قال رسول الله ﷺ طلب الحلال فريضة بعد الفريضة- رواه الطبراني والبيهقي عن ابن مسعود فما معنى الدنيا وحبها- قلت معنى حب الدنيا ايثارها على الاخرة والانهماك فى اكتسابها ولذاتها بحيث يغفل عن اكتساب الثواب واجتناب العذاب والحرص على جمع المال وطول الأمل وزعم الأغنياء خيرا من الفقراء وتعظيم الأغنياء فوق تعظيم الفقراء لاجل غناه لا لدفع مضرة او مكافاة احسان او لغير ذلك من غرض مشروع او ان يريد علوّا فى الأرض او فسادا- واما طلب المعاش وكسب الأموال (من رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصّلوة وإيتاء الزّكوة يخافون يوما تتقلّب فيه القلوب والابصار) للانفاق على نفسه حتى يتقوى على عبادة ربه وعلى عياله أداء لحقوقهم وللانفاق فى سبيل الله فليس بمكروه بل منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب ومنها ما هو مباح قال رسول الله ﷺ أيما رجل كسب مالا من حلال فاطعم نفسه او كساها فمن دونه من خلق الله كان له
الزخرف 43:36
به زكوة- رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث ابى سعيد ولكن المسنون الإجمال فى طلب الدنيا قال رسول الله ﷺ اجملوا فى طلب الدنيا فان كلّا ميسر لما خلق له- رواه ابن ماجة والحاكم-.
وَمَنْ «١» يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ اى من يعرض عن القران ويتعامى عنه لفرط اشتغاله باللذات وانهماكه فى الشهوات يقال عشوت الى فلان عشوا إذا قصدته مهتديا وعشوت عنه إذا أعرضت عنه كما يقال عدلت الى فلان وعدلت عنه اى ملت اليه وعنه ورغبت فيه ورغبت عنه قال الخليل بن احمد اصل العشو النظر ببصر ضعيف نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً قرأ يعقوب يقيّض بالياء التحتانية على صيغة الغائب والضمير فيه راجع الى الرحمان والباقون بالنون على التكلم والتعظيم اى نصبته له شيطانا ونضمه اليه ونسلط عليه فَهُوَ اى الشيطان لَهُ قَرِينٌ (٣٦) لا يفارقه ويزين له السيئات ويخيل اليه انه على الهدى.
وَإِنَّهُمْ اى الشياطين لَيَصُدُّونَهُمْ اى يمنعونهم جمع الضمير نظرا الى معنى من الموصولة وهم العاشين عَنِ السَّبِيلِ اى سبيل الهدى جملة معترضة وَيَحْسَبُونَ اى العاشون أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) اى على الهداية الجملة حال من الضمير المنصوب من ليصدونهم.
حَتَّى إِذا جاءَنا غاية لحسبانهم قرأ اهل العراق غير ابى بكر جاءنا على الافراد يعنى إذا جاء العاشى والباقون جاءانا على التثنية يعنى إذا جاء العاشى وشيطانه وقد جعلا فى سلسلة واحدة
(١) عن محمد بن عثمان المخزومي ان قريشا قالت قيضوا لكل رجل من اصحاب محمد ﷺ رجلا يأخذه- فقيضوا لابى بكر طلحة بن عبيد الله فاتاه وهو فى القوم فقال ابو بكر الى ما تدعونى قال أدعوك الى عبادة اللات والعزى قال ابو بكر ما اللات قال ربنا قال ما العزى قال بنات فقال ابو بكر فمن أمهم فسكت طلحة ولم يجبه فقال طلحة لاصحابه أجيبوا الرجل فسكت القوم فقال طلحة قم يا أبا بكر اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فانزل ومن يعش عن ذكر الرّحمن نقيّض له شيطانا الاية ١٢-
الزخرف 43:39
قالَ اى العاشى لشيطانه يا للتنبيه او المنادى محذوف تقديره يا قرين لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ اى بعد المشرق من المغرب فغلّب المشرق وثنى وأضيف البعد إليهما او المراد مشرق الصيف ومشرق الشتاء فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) أنت لى قال ابو سعيد الخدري رضى الله عنه إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشيطان فلا يفارقه حتى يصير الى النار- قال الله تعالى.
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ اى فى الاخرة إِذْ ظَلَمْتُمْ إذ تبين لكم انكم أشركتم وظلمتم أنفسكم فى الدنيا وإذ بدل من اليوم أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) لان حقكم ان تشتركوا أنتم وقرناؤكم فى العذاب كما كنتم مشتركين فى موجبه ويجوز ان يسند الفعل اليه يعنى لن ينفعكم كونكم مشتركين فى العذاب كما ينفع الواقعين فى امر صعب معاونتهم فى تحمل إعيائه وتقسمهم بمكائده شدائده لان لكل واحد منكم ومن شياطينكم الحظ الاوفى والأوفر من العذاب وجاز ان يكون جملة ولن يّنفعكم حالا من فاعل قال يليتنى ويكون فيها التفاتا من الغيبة الى الخطاب-.
أَفَأَنْتَ يا محمد تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) عطف على العمى باعتبار تغائر الوصفين والاستفهام للانكار والتعجب والفاء للعطف على محذوف تقديره ءانت تريد ان تهديهم فانت تسمع الصّمّ يعنى لست تقدر على هداية هؤلاء الكفار بعد تمرنهم على الكفر واستغراقهم فى الضلال بحيث صار ظلمة الكفر عليهم غشاوة على أعينهم ووقرا فى آذانهم كانهم لا يسمعون كلامك ولا يبصرون طريقا تهديهم اليه.
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ان شرطية اتصلت بما الزائدة المؤكدة بمنزلة لام القسم فى استجلاب النون المؤكدة والمعنى فان نقبضك قبل تعذيبهم فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) بعدك فى الدنيا وفى الاخرة علة لجزاء محذوف أقيم مقامه يعنى لا تحزن فانّ منهم منتقمون.
أَوْ نُرِيَنَّكَ فى الدنيا الَّذِي وَعَدْناهُمْ من العذاب فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) نحو ما ذكر يعنى لا تعجب فانا على تعذيبهم مقتدرون لا يفوتوننا نعذبهم متى شئنا و
الزخرف 43:43
المراد به مشركوا مكة انتقم الله منهم يوم بدر وهذا قول اكثر المفسرين وقال الحسن وقتادة عنى به اهل الإسلام من امة محمد ﷺ وقد كان بعد النبي ﷺ نقمة شديدة فاكرم الله نبيه ﷺ وذهب به ولم يره فى أمته الا الذي يقر عينه وأبقى النقمة بعده وروى ان النبي ﷺ ارى ما يصيب أمته بعده فما رئى ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله- قلت لعل ذلك مقتل حسين عليه السلام وما فعل بعد ذلك بنوا امية وعن عبد الرحمان بن مسعود العبدى قال قرأ على بن ابى طالب هذه الاية فقال قد ذهب نبيه وبقيت نقمته فى عدوه.
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ من الوحى المتلو وغير المتلو فاحفظه واعمل به الفاء للسببية والجملة متصلة بقوله انّا جعلناه قرءانا عربيّا وبينهما معترضات إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) لا عوج له هذه الجملة فى مقام التعليل للامر بالاستمساك..
وَإِنَّهُ اى القران لَذِكْرٌ لَكَ اى شرف لك وَلِقَوْمِكَ قريش «١» الجملة حال من فاعل استمسك قال البغوي روى الضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما ان النبي ﷺ كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك لم يجب بشئ حتى نزلت هذه الاية وكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك قال لقريش- وكذا روى عن على
(١) وعن عدى بن حاتم قال كنت قاعدا عند رسول الله ﷺ فقال الا ان الله علم ما فى قلبى من حبى لقومى فشرف فيهم فقال وانّه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون فجعل الذكر والشرف لقومى فى كتابه ثم قال وانذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين فالحمد لله الذي جعل الصديق من قومى والشهيد من قومى والائمة من قومى- ان الله قلّب العباد ظهرا وبطنا فكان خير العرب قريشا وهى الشجر المباركة التي قال الله فى كتابه ومثل كلمة طيّبة كشجرة طيبة يعنى قريشا أصلها ثابت وفرعها فى السّماء يقول أصلها محرم وفرعها فى السماء اى الشرف الذي شرفهم الله بالإسلام الذي هداهم له وجعلهم اهله ثم انزل فيهم سورة من كتابه بمكة لايلاف قريش الى آخرها قال عدى بن حاتم ما رايت رسول الله ﷺ ذكر عند قريش بخير قط الا سره حتى يتبين ذلك السرور للناس كلهم فى وجهه وكان كثيرا ما يتلو هذه الاية وانّه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون ١٢ منه برد الله تربته
الزخرف 43:45
رضى الله عنه وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ لا يزال هذا الأمر فى قريش ما بقي اثنان وعن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ان هذا الأمر فى قريش لا يعاديهم أحد الا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين. وقال مجاهد القوم هم العرب والقران لهم شرف إذ نزل بلغتهم ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالاخص عن العرب حتى يكون الأكثر لقريش ولبنى هاشم وقيل ذلك شرف لك بما اعطاك من الحكمة ولقومك المؤمنين بما هداهم الله وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) يوم القيامة عن القران وعما يلزمكم من القيام بحقه جملة معترضة.
وَسْئَلْ عطف على فاستمسك مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) قال البغوي اختلف العلماء فى هذا المسئولين قال عطاء عن ابن عباس رضى الله عنها انه لمّا اسرى بالنبي ﷺ بعث الله له آدم وولده من المرسلين فاذّن جبرئيل ثم اقام وقال يا محمد تقدم فصل بهم فلمّا فرغ من الصلاة قال جبرئيل سل يا محمد من أرسلنا قبلك من رّسلنا الاية فقال رسول الله ﷺ لا اسئل قد اكتفيت- وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد قالوا جمع له الرسل ليلة اسرى به ان يسئلهم فلم يشك ولم يسئل وقال اكثر المفسرين معناه واسئل امم من أرسلنا من قبلك وعلماء دينهم يعنى مومنى اهل الكتاب وهذا قول ابن عباس فى سائر الروايات ومجاهد وقتادة والضحاك والسدىّ والحسن والمقاتلين ويدل عليه قراءة ابن مسعود وأبيّ بن كعب وسئل الّذين أرسلنا إليهم قتلك من رّسلنا ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركى قريش انه لم يأت رسول ولا كتاب بعباده غير الله عزّ وجلّ-.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) يريد باقتصاصه تسلية الرسول ﷺ ومناقضة قولهم لولا نزّل على رجل من القريتين عظيم والاستشهاد بدعوة موسى الى التوحيد.
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا الدالة على رسالته منها العصا واليد البيضا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) استهزاء بها أول ما راوها بلا تأمل فيها لمّا ظرف مضاف
الزخرف 43:48
الى جملة بعدها متعلقة بمعنى المفاجاة الذي هو عامل فى إذا يعنى لما جاءهم بايتنا فوجى وقت كونهم يضحكون وجملة فوجى عطف على قوله فقال انّى رسول ربّ العالمين.
وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ من آيات العذاب كالستين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس فانها كانت آيات على صدق موسى عليه السلام إِلَّا هِيَ اى الا اية هى أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها اى من قرينة التي كانت قبلها وجملة ما نريهم حال من ضمير منها والأظهر ان يقال ان كل واحدة منها كانت بالغة أقصى درجات الاعجاز بحيث يحسب الناظر الى كل واحدة منها انها اكبر من غيرها والمراد وصف الكل بالكبر كقولك رايت رجالا كل واحد منهم أفضل من غيره وكقول الشاعر- من تلق منهم فقد لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسرى بها الساري- او يقال بان كل واحد منها مختصة بنوع من الاعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار وَأَخَذْناهُمْ يعنى ال فرعون بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) اى لكى يرجعوا عن كفرهم وجملة وأخذناهم عطف على ولقد أرسلنا.
وَقالُوا يعنى قال فرعون وقومه لموسى يا أَيُّهَا السَّاحِرُ قرأ ابن عامر بضم الهاء فى ايّه وصلا والباقون بفتحها على الأصل وقرأ ابو عمر والكسائي «ويعقوب- ابو محمد» بالألف وقفا على الأصل والباقون ايّه بغير الف- اطمعوا موسى عليه السلام فى ايمانهم وعلقوا الاهتداء بهدايته على دعائه وكشف الضرّ عنهم ومع ذلك لم يسموه نبيّا وسموه ساحرا كما كانوا يسمونه قبل ذلك وذلك من شدة شكيمتهم على الكفر وفرط حماقتهم قال الزجاج دعوه بذلك الاسم لما تقدم له عندهم من التسمية وقيل انما قالوا هذا تعظيما وتوقيرا له لان السحر كان عندهم علما عظيما وصفة ممدوحة كانّهم قالوا يا ايها العالم الكامل الحاذق وهذا عندى غير سديد لانهم اتهموه بالسحر أول مرة حين أنكروا نبوته وقالوا انّ هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحقّ لمّا جاءكم اسحر هذا ولا يفلح السّاحرون وقيل معناه يا ايها الذي غلبنا بسحره ادْعُ لَنا رَبَّكَ ان يكشف عنا العذاب بِما عَهِدَ عِنْدَكَ متعلق بادع اى بما اخبرتنا عن عهده إليك بكشف العذاب إذا دعوته إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) ان كشف عنا العذاب هذه جملة مستأنفة فدعا موسى عليه السلام
الزخرف 43:50
بكشف العذاب عنهم فكشف الله عنهم العذاب قال الله تعالى.
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ بدعاء موسى عليه السلام إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) فاجئوا نقض عهدهم بالايمان وأصروا على كفرهم حين كشفنا عنهم العذاب..
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ فى مجمعهم وفيما بينهم بعد كشف العذاب عنهم مخافة ان يؤمن بعضهم قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ اى انهار النيل ومعظمها اربعة نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس عطف على ملك مصر تَجْرِي مِنْ تَحْتِي قرأ نافع وابو عمرو البزي «وابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها يعنى من تحت قصورى او تحت امرى او بين يدى فى البساتين حال وجاز ان يكون هذه مبتدا والأنهار صفة له وتجرى خبره والجملة حال أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) ذلك.
أَمْ أَنَا خَيْرٌ بهذه المملكة والبسطة مِنْ هذَا يعنى موسى عليه السلام الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ضعيف حقير لا يستعد للرياسة من المهانة وهى القلة وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) يفصح كلامه للثغة التي كانت فى لسانه عليه السلام بعد ما زالت معظمها بدعائه عليه السلام حين قال واحلل عقدة من لّسانى يفقهو قولى وأم منقطعة ومعنى الهمزة فيها للتقرير إذ قدم من اسباب فضيلته وقال البغوي أم بمعنى بل على قول اكثر المفسرين وقال الفراء الوقف على قوله أم وفيه إضمار تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون وبعده كلام مبتدا فَأَم على هذا متصلة وقيل أم متصلة على اقامة المسبب مقام السبب فان قوله انا خير معناه تعلمون انا خير والعلم بكونه خيرا مسبب للتبصر فكانّه قال أفلا تبصرون أم تبصرون فتعلمون انى خير.
فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ اى على موسى أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ الفاء للسببية فانّ طعن فرعون فى موسى عليه السلام بالحقارة كان سببا لتنديهم على فوات العز والجاه قرأ حفص ويعقوب اسورة جمع سوار والباقون اساورة جمع الجمع قيل أصله اساوير عوض التاء من الياء وقد قرئ به- قال مجاهد كانوا إذا سوّدوا رجلا سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته فقال فرعون فهلّا القى رب موسى على موسى اسورة من ذهب ان كان سيدا يجب علينا طاعة
الزخرف 43:54
أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) متتابعين يتابع بعضهم بعضا يشهدون له بصدقه ويعينونه على امره-.
فَاسْتَخَفَّ اى فرعون عطف على نادى قَوْمَهُ القبط اى وجدهم جهالا وقيل حملهم على الخفة والجهل يقال استخف رأيه إذا حمله على الجهل وازاله عن الصواب وقيل اى طلب منهم الخفة فى مطاوعته فَأَطاعُوهُ فيما أمرهم به من نقض العهد مع موسى عليه السلام إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق.
فَلَمَّا آسَفُونا اى أغضبونا بالإفراط فى العناد والعصيان يقال أسف فلان إذا اشتد غضبه الظرف متعلق بقوله انْتَقَمْنا مِنْهُمْ وهو معطوف على أطاعوه وعطف عليه قوله فَأَغْرَقْناهُمْ فى بحر النيل أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً قرأ حمزة والكسائي بضم السين واللام قال الفراء هو جمع سليف كرغف ورغيف من سلف يسلف بضم اللام فيهما اى تقدم او جمع سالف كصبر جمع صابر او جمع سلف كخشب والباقون بفتحهما مصدر نعت به او جمع سالف كخدم جمع خادم يعنى جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون وَمَثَلًا عبرة وعظة لِلْآخِرِينَ (٥٦) وقيل سلفا لكفار هذه الامة الى النار ومثلا لمن بقي بعدهم وقيل مثلا للاخرين اى قصة عجيبة يسير مسير الأمثال لهم فيقال مثلكم مثل قوم فرعون والله اعلم- اخرج احمد بسند صحيح والطبراني عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال لقريش انه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير فقالوا الست تزعم ان عيسى كان نبيّا وعبدا صالحا وقد عبد من دون الله فانزل الله تعالى.
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا اى ضربه قريش مثلا واخرج ابن مردوية والضياء فى المختار عن ابن عباس قال جاء عبد الله بن الزبعرى الى النبي صلى الله عليه فقال يا محمد انك تزعم ان الله قد انزل إليك انّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنّم أنتم لها واردون قال نعم قال قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير فكل هؤلاء فى النار مع الهتنا فنزلت انّ الّذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون ونزلت ولمّا ضرب ابن مريم مثلا
الزخرف 43:58
الى قوله خصمون إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) قرأ اهل المدينة والشام والكسائي «وخلف- ابو محمد» يصدّون بضم الصاد اى يعرضون عنه ويكون لازما ومتعديا اى يعرضون عنه ويمتنعون او يمنعون الناس عنه والباقون بكسر الصاد وقيل معناه مثل معنى مضموم العين قال الكسائي هما لغتان مثل يعرشون بضم الراء وكسرها اى يصيحون كذا قال سعيد بن المسيب وقال الضحاك يتعجبون وقال قتادة يجزعون وقال القرطبي يضجرون- قال قتادة لمّا ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدّون يقولون ما يريد منا محمد الا ان نعبده ونتخذه الها كما عبدت النصارى عيسى.
وَقالُوا أَآلِهَتُنا قرأ الكوفيون «وروح ابو محمد» بتحقيق الهمزتين والف بعدهما والباقون بتسهيل الثانية وبعدهما الف ولم يدخل أحدهم الفا بين المحققة والمسهلة خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعنون محمدا ﷺ فنعبده ونطيعه ونترك الهتنا وقال ابن زيد والسدىّ أم هو يعنون عيسى عليه السلام قالوا يزعم محمد ان كل من عبد من دون الله فى النار نرضى ان يكون الهتنا مع عيسى وعزير والملائكة فى النار ما ضَرَبُوهُ هذا المثل لَكَ إِلَّا جَدَلًا اى للجدل والخصومة بالباطل لا للتميز بين الحق والباطل لانهم قد علموا ان محمدا ﷺ لا يريد عبادة نفسه او قد علموا ان قوله ما تعبدون من دون الله حصب جهنّم المراد منه الأصنام فان ما لغير ذوى العقول بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) شداد الخصومة حراص على اللجاج اعتادوا بالخصومة عن ابى امامة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا أوتوا الجدل ثم قرأ ما ضربوه لك الّا جدلا بل هم قوم خصمون- رواه البغوي وكذا روى احمد والترمذي وابن ماجة والحاكم فى المستدرك-.
إِنْ هُوَ اى عيسى إِلَّا عَبْدٌ لله ليس ابنه أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بالنبوة والزلفى وَجَعَلْناهُ مَثَلًا اى امرا عجيبا كالمثل السائر واية وعبرة يعرفون به قدرة الله على ما يشاء حيث خلقه من غير اب لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ الى آخره
الزخرف 43:61
جملة معترضة لبيان قدرة الله تعالى لَجَعَلْنا مِنْكُمْ اى لخلقنا منكم اى من الانس او المعنى لاهلكناكم وجعلنا بدلكم مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) اى يخلفونكم فى الأرض يعمرون الأرض ويعبدوننى ويطيعونى وقيل يخلف بعضهم بعضا يعنى ان حال عيسى وان كان عجيبا فنحن قادرون بما هو اعجب منه وان الملائكة مثلكم من حيث انها ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليدا كما جاز خلقها ابداعا فمن اين لها استحقاق الالوهية والانتساب الى الله تعالى.
وَإِنَّهُ يعنى عيسى عليه السلام لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ اى نزوله من اشراط الساعة يعلم به قربها قرأ ابن عباس وابو هريرة وقتادة وانّه لعلم السّاعة بفتح العين واللام اى امارة وعلامة- عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم- رواه الشيخان فى الصحيحين وعن حذيفة بن أسيد الغفاري قال اطلع النبي ﷺ ونحن نتذاكر فقال ما تذكرون قالوا نذكر الساعة قال انها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب واخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس الى محشرهم- وفى رواية وفى العاشرة وريح تلقى الناس فى البحر- رواه مسلم وعن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله ﷺ الدجال فذكر حديثا طويلا فى قصته الى ان قال إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة بيضاء شرقى دمشق بين مهرودتين واضعا كتفه على اجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان كاللؤلؤ الحديث- رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ والذي نفسى بيده ليوشكن ان ينزل فيكم عيسى بن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتّى لا يقبل أحد حتى يكون السجدة الواحد خيرا من الدنيا وما فيها رواه الشيخان فى الصحيحين وأخرجه مسلم من حديثه ايضا لينزلنّ ابن مريم حكما عدلا فليكسرنّ
الزخرف 43:62
الصليب وليقتلنّ الخنزير وليضعنّ الجزية وترك القلاص فلا يسعى عليها وليذهبنّ التباغض وليدعنّ الى المال فلا يقبله أحد- وروى مسلم من حديث جابر فيقول أميركم تعال صل لنا فيقول ان بعضكم على بعض أمراء مكرمة لهذه الامة وذكر البغوي فيأتى بيت المقدس والناس فى صلوة العصر فيتاخر الامام فيقدمه عيسى ويصلى على شريعة محمد ﷺ ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى الا من أمن به- وقال الحسن وجماعة الضمير راجع الى القران يعنى ان القران لعلم للساعة يعلّم بقيامها ويخبركم باحوالها وأهوالها فَلا تَمْتَرُنَّ بِها الفاء للسببية يعنى لما كان عيسى سببا للعلم بقيام الساعة اى فلا تشكنّ فيها قال ابن عباس لا تكذبوا بها وَاتَّبِعُونِ قرأ ابو عمرو «وكذا ابو جعفر ويعقوب فى الحالين- ابو محمد» بالياء وصلا فقط والباقون بحذفها وصلا ووقفا يعنى اتبعوا هداى او شرعى او رسولى وقيل هو قول الرسول ﷺ امر ان يقوله تقديره وقل اتبعونى هذا الذي أدعوكم اليه صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) لا يضل سالكه تعليل لقوله اتبعونى.
وَلا يَصُدَّنَّكُمُ اى لا يمنعكم الشَّيْطانُ عن متابعتى الجملة معطوفة على قوله اتّبعون إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) ظاهر عداوته حيث أخرجكم عن الجنة وعرضكم على البلية ويصدكم عن اتباع الحق والوصول الى الجنة-.
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ اى بالمعجزات او بايات الإنجيل او بالشرائع الواضحات قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ اى بالعلوم الحقة الباء بمعنى مع او للتعدية وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ متعلق بمحذوف تقديره وجئتكم لا بين لكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وذلك ان اليهود صاروا بعد موسى عليه السلام احدى وسبعين فرقة باختلاف الأهواء فلمّا جاء عيسى عليه السلام صدهم عن العقائد الباطلة وهداهم الى الحق والصواب عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة- رواه أبوا داود والترمذي والنسائي وابن ماجة
الزخرف 43:64
بسند صحيح قال الزجاج الذي جاء به عيسى فى الإنجيل انما هو بعض الذي اختلفوا فيه وبين لهم فى غير الإنجيل ما احتاجوا اليه فَاتَّقُوا اللَّهَ الفاء للسببية فان مجئ عيسى بالحكمة سبب للتقوى وَأَطِيعُونِ (٦٣) فيما ابلّغه عنه.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ دون غيره بيان لما أمرهم بالطاعة فيه وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) اشارة الى مجموع الامرين وهذا تتمة كلام عيسى او استئناف من الله تعالى يدل على المقتضى للطاعة فى ذلك.
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ الفرق المتحزبة عطف على قال قد جئتكم مِنْ بَيْنِهِمْ اى بين قوم عيسى كما مرّ فى الحديث انهم تفرقوا الى اثنين وسبعين فرقة او من بين النصارى واليهود فَوَيْلٌ اى هلاك عظيم لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم باتباع الهوى ورفض ما نطق به الكتاب والسنة من المتحزبين مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) اى من نار جهنم الفاء للسببية فان اختلافهم سبب للويل والهلاك عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ ليأتين على أمتي كما اتى على بنى إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى ان من كان منهم من اتى امه علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وان بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم فى النار إلا ملة واحدة قالوا من هى يا رسول الله قال ما انا عليه وأصحابي رواه الترمذي وفى رواية احمد وابى داود عن معاوية ثنتان وسبعون فى النار وواحدة فى الجنة وهى الجماعة.
هَلْ يَنْظُرُونَ يعنى قريشا او الذين ظلموا يعنى لا ينتظرون شيئا إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل من الساعة اى إتيانها يعنى انها اتية لا محالة فكانّهم ينتظرون إتيانها بَغْتَةً فجاءة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) اى غافلون عنها لاشتغالهم بالدنيا وانكارهم لها والجملة حال من فاعل ينظرون او مفعول تأتيهم.
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا المتحابين الْمُتَّقِينَ (٦٧) روى البغوي عن على رضى الله عنه قال فى هذه الاية خليلان مؤمنان وخليلان كافران فمات أحد المؤمنين فقال يا رب ان فلانا
الزخرف 43:68
كان يأمرنى بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرنى بالخير وينهانى عن الشر ويخبرنى انى ملاقيك يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتنى وأكرمه كما أكرمتني فاذا مات خليله المؤمن جمع بينهما فيقول ليمنن أحدكما على صاحبه فيقول نعم الأخ ونعم الخليل ونعم الصاحب قال ويموت أحد الكافرين فيقول يا رب ان فلانا كان ينهانى عن طاعتك وطاعة رسولك ويأمرنى بالشر وينهانى عن الخير ويخبرنى انى غير ملاقيك فيقول بئس الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان الله يقول يوم القيامة اين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم فى ظلى يوم لا ظل الا ظلى- رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لو ان عبدين تحابا فى الله عزّ وجلّ واحد فى المشرق واخر فى المغرب لجمع الله بينهما يوم القيامة يقول هذا الذي كنت تحبه فىّ. رواه البيهقي فى شعب الايمان والله اعلم..
يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) هذه الجملة بتقدير القول مستأنفة اخرى تقديره يقول الله للمتحابين المتقين يومئذ يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون روى البخاري عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال سمعت ان الناس حين يبعثون ليس منهم أحد الا فزع فنادى مناديا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون فيرجوا الناس فيتبعها.
الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا صفة للمنادى وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) حال من فاعل أمنوا اى الذين أمنوا مخلصين غير ان هذه العبارة أكد فيئس الناس كلهم منها غير المسلمين.
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ اى نساؤكم المؤمنات تُحْبَرُونَ (٧٠) اى تسرون سرورا يظهر حباره اى اثره على وجوهكم او تزيّنون من الحبر وهو حسن الهيئة او تكرمون إكراما بليغا والحبرة فيما وصف يحمل- وهذه الجملة ايضا خطاب للمنادى أنتم مبتدا وأزواجكم معطوف عليه وتحبرون خبره وجاز ان يكون أنتم تأكيدا.................
للضمير المستتر فى ادخلوا وأزواجكم معطوف على الضمير المستتر وجملة تحبرون حال منه.
الزخرف 43:71
يُطافُ عَلَيْهِمْ اى يطوف عليهم ولدان مخلّدون بِصِحافٍ جمع صحفة وهى القصاع الواسعة مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ جمع كوب وهو اناء مستدير مدور الرأس لا عرى به الجملة مستأنفة اخرى وفيه التفات من الخطاب الى الغيبة وَفِيها اى فى الجنة عطف على يطاف ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ قرأ اهل المدينة والشام وحفص هكذا وكذا هو فى مصاحفهم والباقون تشتهى بحذف ضمير المفعول وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ اى لكل واحد منهم ما تشتهيه نفسه فالصوفى الذي مشتهاه الوصل العريان بلا كيف ودوام رؤية الله سبحانه فله ذلك واما غيره فله من نعماء الجنة ما يشتهيه روى البغوي عن عبد الرحمان بن سابط قال قال رجل يا رسول الله أفى الجنة خيل فانى أحب الخيل فقال ان يدخلك الله الجنة فلا تشاء تركب فرسا من ياقوتة حمراء فتطير فى اىّ جنة شئت ولا فعلت قال أعرابي يا رسول الله أفى الجنة ابل فانى أحب الإبل فقال يا أعرابي ان يدخلك الله الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك- وروى الترمذي والبيهقي عن بردة نحوه واخرج الطبراني والبيهقي بسند جيد عن عبد الرحمان بن ساعدة والترمذي عن ابى أيوب الفصل الاول اعنى ذكر الخيل وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) فيه التفات من الغيبة الى الخطاب.
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) الجنة خبر للمبتدا والموصول صفة لها او الجنة صفة للمبتدا والموصول خبره والجملة حال من فاعل ادخلوا اخرج ابن ابى حاتم عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ كل من اهل النار يرى به منزلته من الجنة حسرة فيقول لو انّ الله هدانى لكنت من المتّقين وكل من اهل الجنة يرى منزلته من النار فيقول وما كنّا لنهتدى لولا ان هدانا الله يقول شكرا- قال وقال رسول الله ﷺ ما من أحد الا وله منزل فى الجنة ومنزل فى النار والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة فذلك قوله تعالى وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) الجملة الظرفية حال اخرج البزار والطبراني عن ثوبان قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا ينزع رجل من اهل الجنة من ثمرها
الزخرف 43:74
الا أعيد فى مكانها مثلها- اخرج البزار عن ابى موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال ان الله تبارك وتعالى لمّا اخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة وعلمه صفة كل شىء فثماركم لهذه من ثمار الجنة غير ان هذه تتغير وتلك لا تتغير- واخرج ابن ابى الدنيا عن ابن مسعود انه كان بالشام فذكروا الجنة فقال ان العنقود من عنا قيدها من هاهنا الى صنعاء واخرج ابن ابى الدنيا عن ابن عباس قال ان الثمرة من ثمار الجنة طولها اثنى عشر ذراعا ليس لها عجم-.
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ اى الكاملين فى الاجرام وهم الكافرون لانهم جعلوا قسيما للمؤمنين فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٣) هذه الجملة وما بعده مستأنفتان.
لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ اى لا يخفف عنهم من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلا وَهُمْ فِيهِ اى فى العذاب مُبْلِسُونَ (٧٥) اى آيسون من النجاة.
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا عطف على خبران يا مالِكُ اسم لخازن النار لِيَقْضِ عَلَيْنا اى ليمتنا رَبُّكَ فنستريح قالَ الله تعالى او قال مالك بعد الف سنة إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) مقيمون فى العذاب لاخلاص لكم بموت ولا غيره اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا والبيهقي عن ابن عباس فى هذه الاية قال يمكث عنهم الف سنة ثم يجيبهم انّكم مكثون واخرج هناد والطبراني وابن ابى حاتم والحاكم وصححه والبيهقي وعبد الله بن احمد فى زوائد الزهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال ان اهل النار ينادون مالكا يا ملك ليقض علينا ربّك فيذرهم أربعين عاما لا يجيبهم ثم يرد عليهم انّكم ماكثون ثم ينادون ربهم ربّنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قوما ضالّين ربّنا أخرجنا منها فان عدنا فانّا ظلمون فيذرهم مثل الدنيا مرتين لا يجيبهم ثم يجيبهم اخسئوا فيها ولا تكلّمون قال فما يتكلم القوم بعدها بكلمة وما هو الا الزفير والشهيق- واخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن محمد بن كعب انه قال لاهل النار خمس دعوات يجيبهم الله فى اربعة فاذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها ابدا يقولون ربّنا امتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين
الزخرف 43:78
فاعترفنا بذنوبنا فهل الى خروج من سبيل فيجيبهم ذلكم بانّه إذا دعى الله وحده كفرتم وان يّشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلىّ الكبير- ثم يقولون ربّنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا انّا موقنون فيجيبهم الله فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا انّا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون- ثم يقولون ربّنا اخّرنا الى أجل قريب نجب دعوتك ونتّبع الرّسل فيجيبهم او لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال- ثم يقولون ربّنا أخرجنا نعمل صالحا غير الّذى كنّا نعمل فيجيبهم الله او لم نعمّركم ما يتّذكّر فيه من تذكّر وجاءكم النّذير فذوقوا فما للظّالمين من نّصير ثم يقولون ربّنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قوما ضالّين فيجيبهم الله اخسئوا فيها ولا تكلّمون فلا يتكلمون بعدها-.
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ بالإرسال والانزال وهذا تتمة الجواب ان كان فى قال ضمير الله والا فجواب عنه فكانّه تعالى تولّى جوابهم بعد جواب الملائكة وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) لما فى اتباعه خلاف النفس.
أَمْ أَبْرَمُوا أم منقطعة بمعنى الهمزة للانكار والاضراب عن كراهة الحق والترقي فيه يعنى بل أحكموا أَمْراً مكرا برسول الله ﷺ او امرا فى تكذيب الحق ورده ولم تقتصروا على كراهيته فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) محكمون امرا فى مجازاتهم- اخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفى او ثقفيان وقرشى فقال واحد منهم ترون الله يسمع كلامنا فقال الاخر إذا جهرتم سمع وإذا أسررتم لم يسمع فنزلت.
أَمْ يَحْسَبُونَ أم منقطعة للانكار والاضراب يعنى بل أيحسبون أَنَّا لا نَسْمَعُ سرّهم اى حديث نفسهم بذلك وَنَجْواهُمْ اى تناجيهم بَلى نسمعها وَرُسُلُنا اى الملائكة الحفظة ايضا لَدَيْهِمْ ملازمون يَكْتُبُونَ (٨٠) ذلك.
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ قرأ حمزة والكسائي بضم الواو وسكون الدال فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) منكم فان النبي اعلم بالله وبما يصح له وبما لا يصح
الزخرف 43:82
واولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه ومن يعظم الوالد يعظم ولده قال رسول الله ﷺ فاطمة بضعة منى يريبنى ما أرابها- وفى رواية فمن أغضبها أغضبني- رواه البخاري عن مسور ولا يلزم من ذلك جواز البنوة لله سبحانه وعبادته له إذ المحال قد يستلزم المحال بل المراد نفيهما على ابلغ الوجوه كقوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا غير ان لو مشعرة بانتفاء الطرفين وان لا يشعر به ولا بنقيضه فانها لمجرد الشرط- والمقصود ان إنكاره ﷺ للولد ليس لعناد بل لو كان لكان اولى الناس بالاعتراف به كذا قال السدىّ وقيل معناه ان كان لله ولد فى زعمكم فانا أول العابدين لله الموحدين له من اهل مكة يعنى لست قائلا كما زعمتم- وقيل العابدين بمعنى الآنفين اى الجاهدين المنكرين لما زعمتم وقيل معناه انا أول من غضب للرحمان ان يقال له ولد فى القاموس عبد بالتحريك الغضب والحرب الشديد والندامة وملامة النفس والحرص والإنكار عبد كفرح فى الكل والمناسب فى المقام الغضب والإنكار قال البغوي وروى عن ابن عباس ان كان بمعنى ما كان للرّحمن ولد فانا اوّل العابدين الشاهدين بذلك يعنى ان نافية ليست بشرطية.
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) من كونه ذا ولد فان هذه الأجسام لطول بقائها براء عما يتصف به سائر الأجسام من توليد المثل فما ظنك بمبدعهما وخالقهما.
فَذَرْهُمْ يا محمد يَخُوضُوا فى باطلهم مجزوم فى جواب الأمر وَيَلْعَبُوا فى دنياهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) فيه العذاب يعنى يوم القيامة وهو دليل على ان قولهم جهل واتباع هوى وانهم مطبوع على قلوبهم يعذبون فى الاخرة-.
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ قال قتادة يعنى يعبد فى السماء والأرض لا اله غيره اى لا مستحق لان يعبد فيهما غيره والظرف متعلق به لانه بمعنى المعبود او متضمن لمعناه كقولك هو حاتم فى البلد
الزخرف 43:85
وَهُوَ الْحَكِيمُ فى تدبير خلقه الْعَلِيمُ (٨٤) بمصالحهم هذا بمنزلة الدليل على استحقاقه العبادة وهذه جملة معترضة مؤكدة لما سبق وكذا ما عطف عليه.
وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من كائنات الجو وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ اى العلم بوقت قيامها وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) للجزاء قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «ورويس وخلف- ابو محمد» بالياء التحتية على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب.
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ اى يدعونه الكفار وهم الأصنام مِنْ دُونِهِ اى دون الله الشَّفاعَةَ كما زعموا انهم شفعاء عند الله إِلَّا مَنْ شَهِدَ منهم بِالْحَقِّ اى يقول لا اله الا الله استثناء منقطع وجاز ان يكون متصلا والمراد بهم الملائكة فانهم كانوا يعبدون الملائكة ايضا ويقولون انها بنات الله وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) اى يعتقدون بقلوبهم ما يشهد به ألسنتهم.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ اى الكفار العابدين لغير الله مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لتعذر اسناد الخلق الى الجمادات فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) يعنى إذا اعترفوا بان الله خالقهم لا غير فاين يصرفون عن عبادته الى غيره.
وَقِيلِهِ قرأ عاصم وحمزة بالجر وكسر الهاء عطفا على الساعة يعنى عنده علم الساعة وعلم قوله والباقون بالنصب وضم الهاء عطفا على سرّهم او على محل الساعة او بإضمار فعله يعنى قال محمد ﷺ شاكيا الى ربه قيله يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ يعنى كفار مكة قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ اى فاعرض عن دعوتهم آيسا عن ايمانهم وَقُلْ سَلامٌ يعنى بيننا وبينكم متاركة تسلمون منا ونسلم منكم فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) جزاء عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم تسلّية لرسول الله ﷺ قرأ اهل المدينة والشام بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة قال مقاتل نسختها اية السيف تم تفسير سورة الزخرف من التفسير المظهرى (ويتلوه ان شاء الله تعالى تفسير سورة الدخان) يوم الأربعاء الرابع والعشرين من الربيع الاول سنة ثمان بعد الف سنة ١٢٠٨ هـ- ومائتين الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين.
الدخان 44:1
سورة الدّخان
مكّيّة وهى تسع وخمسون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) المظهر للحلال والحرام اى القران والواو للعطف ان كان حم مقسما به والا فللقسم والجواب قوله.
إِنَّا أَنْزَلْناهُ يعنى القران فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ لما فيها نزول القرآن السبب للمنافع الدينية والدنيوية وفيها نزول الملائكة والرحمة واجابة الدعاء وهى ليلة القدر كذا قال قتادة وابن زيد قالا انزل الله القران فى ليلة القدر من أم الكتاب الى السماء الدنيا ثم نزل به جبرئيل عليه السلام على النبي ﷺ نجوما فى عشرين سنة- وما قيل انها ليلة النصف من شعبان فليس بشئ لقوله تعالى شهر رمضان الّذى انزل فيه القران وقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وما روى عن القاسم بن محمد عن أبيه او عمه عن جده عن رسول الله ﷺ انه قال ينزل الله جلّ ثناؤه ليلة النصف من شعبان الى السماء الدنيا فيغفر لكل نفس الا إنسانا فى قلبه شحناء او مشركا بالله- رواه البغوي لا يدل على نزول القران فى تلك الليلة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) الناس عن عذاب الله فى القران جملة مستأنفة او بدل اشتمال من قوله انّا أنزلناه-.
فِيها يُفْرَقُ اى يفعل او يقضى كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) اى محكم او متلبس بالحكمة او اسناده مجازى يعنى حكيم صاحبه جملة مستأنفة او صفة ثانية لليلة وفيه تنبيه على ان
الدخان 44:5
كونها مفرق الأمور المحكمة يستدعى ان ينزل فيه القران الذي هو من عظمائها قال البغوي قال ابن عباس يكتب من أم الكتب فى ليلة القدر ما هو كائن فى السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج يحج فلان ويحج فلان وقال الحسن ومجاهد وقتادة يبرم فى ليلة القدر فى شهر رمضان كل أجل وعمل وخلق ورزق وما يكون فى تلك السنة وقال عكرمة هى ليلة النصف من شعبان ببرم فيه امر السنة وينسخ الاحياء من الأموات فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أحد روى البغوي عن محمد بن الميسرة بن الأخفش ان رسول الله ﷺ قال يقطع الآجال من شعبان الى شعبان حتى ان الرجل لينكح ويولد له ولقد اخرج اسمه فى الموتى- وروى ابو الضحى عن ابن عباس ان الله يقضى الا قضية فى ليلة النصف من شعبان ويسلمها الى أربابها فى ليلة القدر.
أَمْراً مِنْ عِنْدِنا اى اعنى بهذا الأمر امرا حاصلا من عندنا على مقتضى حكمتنا وهو مزيد تفخيم الأمر ويجوز ان يكون حالا من كلّ امر او من الضمير المستكن فى حكيم وجاز ان يكون مفعولا به ليفرق بدلا من كل امر وجاز ان يكون المراد بالأمر طلب الفعل على سبيل الاستعلاء وقع مصدرا ليفرق او لفعله مضمرا من حيث ان الفرق به او حالا من احدى ضميرى أنزلناه يعنى أمرين او مأمورا به إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) محمدا ﷺ ومن قبله من الرسل بدل اشتمال لقوله انّا كنّا منذرين اى انا أنزلنا القران لان من عادتنا الانذار وإرسال الرسل بالكتب الى العباد.
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مفعول له للارسال او لتفريق كل امر حكيم او مفعول به لمرسلين قال ابن عباس رأفة منى بخلقي ونقمة عليهم بما بعثنا عليهم من الرسل ووضع المظهر موضع الضمير للاشعار بان الرّبوبية اقتضت ذلك إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) اى يسمع اقوال العباد ويعلم أحوالهم وهو وما بعده تحقيق لربوبيته فانها لا تحق الا لمن له هذه الصفات.
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما قرأ اهل الكوفة ربّ بالجر على انه بدل من قول ربّك والباقون بالرفع على انه خبر اخر لان او صفة للسّميع العليم او خبر مبتدا محذوف اى هو إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) شرط حذفت جزاؤه يعنى ان كنتم من اهل الإيقان فى العلوم او ان كنتم موقنين فى
الدخان 44:8
إقراركم إذا سئلتم من خلقها فقلتم الله علمتم ان الأمر كما قلنا او ان كنتم مريدين اليقين فايقنوا ذلك او ان كنتم موقنين بان الله رب السماوات والأرض فايقنوا ان محمدا رسول الله.
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ اى لا يستحق العبادة غيره إذ لا خالق سواه جملة مقررة لقوله رب السّموت والأرض او خبر اخر لان يُحْيِي وَيُمِيتُ كما تشاهدون خبر اخر لان او حال من هو رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) خبر اخر لان او بدل من هو.
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ من البعث او من القران إضراب من الإيقان يَلْعَبُونَ (٩) حال من الضمير فى الظرف اى يلهون بالقران ويستهزءون بك يا محمد فيه التفات من الخطاب الى الغيبة-.
فَارْتَقِبْ يا محمد الفاء للسببية يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠).
يَغْشَى النَّاسَ يوم مفعول به لارتقب واختلفوا فى هذا الدخان قال ابن عباس وابن عمر والحسن رضى الله عنهم انه من اشراط الساعة اخرج ابن جرير والثعلبي والبغوي من حديث حذيفة يقول قال النبي ﷺ أول الآيات الدخان ونزول عيسى بن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس الى المحشر تقيل معهم إذا قالوا قال حذيفة يا رسول الله ما الدخان فتلا هذه الاية يوم تأتي السّماء بدخان مبين يملاها بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة فامّا المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة واما الكافر كمنزلة السكران تخرج من منخره واذنيه ودبره- واخرج الطبراني بسند جيد عن ابى مالك الأشعري قال قال رسول الله ﷺ ان ربكم أنذركم ثلاثا الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل سمع فيه والدابة والثالث الدجال- له شواهد قوله هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ مقدر بالقول وقع حالا وقوله إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) وعد منهم بالايمان ان كشف عنهم العذاب تقديره يقول الكافرون من الناس هذا القول.
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى اى من اين لهم التذكر والاتعاظ بهذه الحالة الاستفهام للانكار والجملة مستأنفة قول من الله تعالى فى جواب هل يتذكرون وَقَدْ جاءَهُمْ يعنى والحال انه قد جاء
الدخان 44:14
أمثالهم قبل ذلك رَسُولٌ عظيم الشأن ظاهر البرهان مُبِينٌ (١٣) يظهر لهم ما هو أعظم منها فى إيجاب الادكار من الآيات والمعجزات.
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) يعنى قال بعضهم هو معلّم علمه بشر وهو غلام أعجمي لبعض ثقيف وقال بعضهم هو مجنون.
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ بقدر أربعين يوما جواب لقولهم ربّنا اكشف عنّا العذاب انّا مؤمنون قَلِيلًا اى كشفا قليلا او زمانا قليلا وهو ما بقي من أعمارهم او ما بقي من عمر الدنيا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) الى الكفر تعليل لقلة زمان الكشف-.
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى الى يوم القيامة ظرف لما دلّ عليه قوله إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) لا لمنتقمون لان انّ يحجز عنه وأنكر ابن مسعود هذا التفسير روى البغوي عن ابى الضحى عن مسروق قال بينما رجل يحدث فى كندة فقال يجئ دخان يوم القيامة فيأخذ باسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمنين كهيئة الزكام ففزعنا فاتيت ابن مسعود وكان متكيا فغضب فجلس فقال من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل الله اعلم فان من العلم ان يقول لما لا يعلم الله اعلم- فان الله تعالى قال لنبيه ﷺ قل ما اسئلكم عليه من اجر وما انا من المتكلّفين وان قريشا أبطئوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي ﷺ فقال اللهم اعنى عليهم بسبع كسبع يوسف فاخذتهم سنة حتى اهلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان فجاءه ابو سفيان فقال يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وان قومك قد هلكوا فادع الله فقرأ فارتقب يوم تأتي السّماء بدخان مبين الى قوله انّا كاشفوا العذاب قليلا حتى استسقى لهم النبي ﷺ ثم عادوا الى الكفر كما قال الله تعالى انّكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى اى يوم بدر انّا منتقمون- واخرج البغوي عن ابن مسعود قال خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقمر والدخان- وروى البخاري فى الصحيح عن ابن مسعود قال ان قريشا لما استقصوا على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسنى يوسف فاصابهم قحط حتى أكلوا العظام فجعل الرجل ينظر الى السماء
الدخان 44:17
فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فانزل الله فارتقب يوم تأتى السّماء بدخان مبين فاتى رسول الله ﷺ فقيل يا رسول الله استسق لمصر فانها قد هلكت فاستسقى فسقوا فنزلت انّا كاشفوا العذاب قليلا انّكم عائدون فلمّا أصابتهم الرفاهية عادوا الى ما كانوا فانزل الله يوم نبطش البطشة الكبرى انّا منتقمون يعنى يوم بدر.
وَلَقَدْ فَتَنَّا اى امتحنّا وبلونا جواب قسم محذوف قَبْلَهُمْ اى قبل كفار مكة قَوْمَ فِرْعَوْنَ معه وَجاءَهُمْ رَسُولٌ عظيم الشأن عطف او حال كَرِيمٌ (١٧) على الله او على المؤمنين او فى نفسه لشرف نسبه وفضل حسبه وهو موسى عليه السلام.
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ان مصدرية اى بان أدوا الىّ بنى إسرائيل وأرسلوهم معى واطلقوهم ولا تعذبوهم او بان أدوا الىّ حق الله من الايمان وقبول الدعوة يا عباد الله والمراد بعباد الله فرعون وقومه- وجاز ان يكون ان مفسرة لان مجئ الرسول يكون برسالة ودعوة ففيه معنى القول او مخففة من الثقيلة إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من الله أَمِينٌ (١٨) على وحيه او غير متهم لدلالة المعجزات على صدقى والجملة تعليل لادوا.
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ عطف على ادّوا اى لا ترفعوا علىّ بالامتهانة وترك الطاعة وان كالاولى فى وجوهها إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو «ابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) اى برهان بين على صدقى الجملة علة للنهى ولذكر الامين مع الأداء وتعلّي مع السلطان مناسبة بينة فلما قال ذلك توعدوه بالرجم فقال.
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) اى من ان ترجمونى قرأ ورش «ويعقوب فى الجالين- ابو محمد» بالياء وصلا فقط والباقون بحذفها فى الحالين قال قتادة ان تقتلونى بالرجم وقال ابن عباس تشتمونى وتقولوا ساحر والظاهر هو الاول لان موسى عليه السلام لو استعاذ من؟؟؟ لما شتموه وقد قالوا هذا سحر مبين.
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي قرأ ورش بفتح الياء والباقون بإسكانها اى ان لم تصدقونى فَاعْتَزِلُونِ (٢١) قرأ ورش بالياء «فصلا فقط ويعقوب فى الحالين- ابو محمد» والباقون بحذفها اى فكونوا بمعزل منى لا علىّ ولا لى ولا تتعرّضوا لى بسوء.
فَدَعا رَبَّهُ بعد ما كذبوه ولم يتركوه وآذوه أَنَّ هؤُلاءِ
الدخان 44:23
قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
(٢٢) اى مشركون تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به ولذلك سمى دعاء..
فَأَسْرِ الفاء جزائية والجملة مقدرة بالقول يعنى فاجاب الله وقال ان كان الأمر كذلك فاسر قرأ نافع وابن كثير «وابو جعفر- ابو محمد» بوصل الهمزة من سرى يسرى والباقون بهمزة القطع من الاسراء بِعِبادِي اى المؤمنين وهم بنو إسرائيل لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) يتبعكم فرعون وقومه إذا علموا بخروجكم جملة مستأنفة.
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ إذا خرجت عنه وأصحابك رَهْواً حال من البحر اى مفتوحا ذا فجوة واسعة او ساكنا على هيئته ولا تضربه بعصاك حتى يلتئم قال قتادة لمّا قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه حتى يلتئم وخاف ان يتبعه فرعون وجنوده فقيل له اترك البحر رهوا كما هو قيل رهوا مصدر بمعنى الفاعل إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) الجملة مستأنفة فى مقام التعليل.
كَمْ تَرَكُوا اى تركوا كثيرا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) اى محافل مزينة ومنازل حسنة.
وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) اى متنعمين جملة كم تركوا معترضة.
كَذلِكَ قال الكلبي معناه كذلك افعل بمن عصانى وقيل معناه الأمر كذلك وَأَوْرَثْناها عطف على المقدر تقديره سلبناها منهم وأورثناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) اى بنى إسرائيل او عطف على تركوا.
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ عطف على مضمون الكلام السابق اى أهلكوا كفارا فما بكت وهذا مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم وعدم الاعتداد بوجودهم كقولهم فى نقيض ذلك بكت عليهم السماء وكسفت عليهم الشمس وقيل هو على الحقيقة وذلك بخلاف المؤمن إذا مات تبكى عليه السماء والأرض روى الترمذي عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ما من عبد الا وله فى السماء بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فاذا مات فقداه وبكيا عليه- وروى- ابن جرير والبيهقي فى شعب الايمان عن ابن عباس انه سئل عن قوله تعالى فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ قال نعم انه ليس أحد من الخلائق الا له باب فى السماء ينزل منه رزقه
الدخان 44:30
ويصعد فيه عمله فاذا مات المؤمن فاغلق بابه من السماء فقد بكى عليه وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلى فيها ويذكر الله فيها بكى عليه. واخرج البغوي وابو يعلى وابن ابى حاتم عن انس عن النبي ﷺ نحوه وحديث ابن عباس رواه الترمذي وفى آخره وتلا فما بكت عليهم السّماء والأرض- اخرج ابن جرير عن شريح بن عيينة الحضرمي قال قال رسول الله ﷺ ما مات مؤمن غربة غابت عنه فيها مواكبه الا بكت عليه السماء والأرض ثم قرأ رسول الله ﷺ فما بكت عليهم السّماء والأرض ثم قال انهما لا يبكيان على كافر وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) ممهلين الى وقت اخر عطف على هلكوا-.
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) يعنى قتل الأبناء واستبقاء النساء واستعباد الرجال واستعمالهم فى الأعمال الشاقة.
مِنْ فِرْعَوْنَ بدل اشتمال من العذاب او جعله عذابا لافراطه فى التعذيب على المجاز او على حذف المضاف اى من عذاب فرعون فهو بدل الكل او حال من العذاب اى واقعا من جهتيه او خبر مبتدا محذوف اى هو إِنَّهُ كانَ عالِياً اى متكبرا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) فى العتو والشرارة وهو خبر ثان اى كان متكبرا مسرفا او حال من الضمير فى عاليا اى كان رفيع الطبقة من بينهم والجملة معترضة او مستأنفة.
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ يعنى موسى وبنى إسرائيل عَلى عِلْمٍ حال اى عالمين بانهم أحقاء بذلك او اخترنا بنى إسرائيل على علم منّا بانهم يزيغون فى بعض الأحوال عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) اى على عالمى زمانهم.
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) قال قتادة نعمة بينة وقال ابن زيد ابتلاؤهم بالرخاء والشدة وقرا ونبلوكم بالشّرّ والخير فتنة.
إِنَّ هؤُلاءِ يعنى كفار قريش إذ الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة الدلالة على انهم مثلهم فى الإصرار على الضلالة والانذار عن مثل ما حل بهم لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى يعنى ما العاقبة ونهاية الأمر الا الموتة الاولى المزيلة
الدخان 44:36
للحيوة الدنيوية ولا قصد فيه الى اثبات موتة ثانية كما فى قولك حج زيد الحجة الاولى ومات وقيل لمّا قيل لهم انكم تموتون موتة تعقبها حيوة كما تقدمتكم موتة كذلك قالوا ان هى اى الموتة التي تعقبها الحيوة الا الموتة الاولى دون الثانية وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) اى مبعوثين بعد الموت.
فَأْتُوا بِآبائِنا الذين ماتوا خطاب للنبى ﷺ والمؤمنين جزاء شرط محذوف اى ان كان البعث بعد الموت ممكنا فاتوا بآبائنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) فى انا نبعث بعد الموت شرط مستغن عن الجزاء بما مضى.
أَهُمْ خَيْرٌ فى القوة والشوكة والكثرة من قوم تبّع أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ خير منهم استفهام انكار وتقرير يعنى لستموا خيرا من قوم تبع وقوم تبع كانوا خيرا منهم. وتبع اسم رجل سمى تبع لكثرة اتباعه قيل كانت التبايعة رجالا كل واحد سمى تبعا لانه يتبع صاحبه- ذكر محمد بن إسحاق وغيره عن ابن عباس وغيره قالوا كان اخر التبايعة هو اسعد ابو كرب بن مليك ذكر البغوي قصته فى تفسير هذه الاية وذكرت القصة فى تفسير سورة ق لانى قد سبق منى تفسير تلك السورة- ذم الله تعالى قومه ولم يذمه لانه قد اسلم وكذّبه قومه وقال محمد بن إسحاق فى المبتدا وابن هشام فى التيحان ان بيت ابى أيوب الذي نزل فيه رسول الله ﷺ مقدمة المدينة بناه تبع الاول اسمه تبان بن سعد وذكرت قصته فى سورة الجمعة والله اعلم وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الكافرة كعاد وثمود ونحوهم عطف على قوله قوم تبّع أَهْلَكْناهُمْ استئناف او حال بإضمار قد او خبر للموصول ان استؤنف به إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) اى مشركين تعليل وبيان للجامع المقتضى للاهلاك..
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما اى بين الجنسين لاعِبِينَ (٣٨) اى لاهين فاعلين فعلا عبثا باطلا والجملة ما خلقنا السّماوات إلخ حال من مضمون الكلام السابق المتضمن لانكار البعث تقديره أنكروا البعث والحال انه ما خلقنا السّماوات والأرض وما بينهما لاعبين بل خلقنا هما للاستدلال بهما على وجودنا وصفات كما لنا والابتلاء.
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ اى لاظهار الحق
الدخان 44:40
من التوحيد ووجوب الطاعة لنثيب المطيع ونعذب العاصي هذه الجملة تأكيد ومقرر لما سبق وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) انها خلقت للاستدلال والابتلاء لقلة نظرهم وانهماكهم فى الدنيا.
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ اى يوم القيامة الذي يفصل فيها الحق من الباطل والمحق من المبطل بالجزاء مِيقاتُهُمْ اى ميقات حشرهم وجزائهم أَجْمَعِينَ (٤٠) هذه الجملة مقررة لما سبق من ان خلقها للاستدلال والابتلاء.
يَوْمَ لا يُغْنِي بدل من يوم الفصل او ظرف لما دلّ عليه الفصل لانه للفصل اى يوم لا ينفع مَوْلًى من قرابة او غيره عَنْ مَوْلًى اىّ مولى كان شَيْئاً من الإغناء بجلب منفعة او دفع مضرة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) اى يمنعون من العذاب والضمير لمولى الاول باعتبار المعنى لانه عام.
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ بالعفو وقبول الشفاعة وهم المؤمنون فانه يشفع بعضهم لبعض ويؤذن لهم فى الشفاعة ومحل المستثنى الرفع على البدل من المستتر فى ينصرون او النصب على الاستثناء إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الغالب الذي لا يستطيع واحد ان ينصر من أراد تعذيبه الرَّحِيمُ (٤٢) اخرج سعيد بن منصور عن ابى مالك قال ان أبا جهل كان يأتى بالتمر والزبد فيقول تزقموا فهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد فنزلت.
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣).
طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) اى كثير الإثم وهو الكافر هذه الجملة الى آخرها وما بعدها وهو قوله انّ المتّقين الى آخرها بيان لما سبق من ذكر الفصل والفرق بين المحق والمبطل.
كَالْمُهْلِ خبر اخر لانّ وهو ما يذوب فى النار من المعدنيات وقيل دردى الزيت الأسود كذا فى القاموس يَغْلِي خبر اخر لان قرأ ابن كثير «ورويش- ابو محمد» وحفص بالياء التحتية على ان الضمير للطعام او الزقوم لا للمهل إذ الجملة حال من أحدهما والباقون بالتاء الفوقانية على ان الضمير للشجرة فِي الْبُطُونِ (٤٥) اى بطون الكفار.
كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) اى غليانا مثل غليانه روى البغوي عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ايها الناس اتقوا الله حق تقاته فلو ان قطرة من الزقوم قطرت على
الدخان 44:47
الأرض لامرت على اهل الدنيا معيشتهم فكيف بمن هو طعامه ليس له طعام غيره واخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن ابى حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي نحوه واخرج عبد الله بن احمد فى زوائد الزهد وابو نعيم عن ابى عمرو الخولاني فى هذه الاية قال بلغنا ان ابن آدم لا تنهش منها نهشة الا نهشت منه مثلها.
خُذُوهُ اى يقال للزبانية خذوه اى الأثيم وجملة يقال خبر اخر لان فَاعْتِلُوهُ قرأ اهل الكوفة وابو جعفر وابو عمرو بكسر التاء والباقون بضمها وهما لغتان اى ادفعوه قهرا والعتل الاخذ بجامع الشيء وجرّه بقهر إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) اى وسطه.
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) كان أصله صبّوا فوق رأسه الحميم فقيل صبّوا فوق رأسه عذابا هو الحميم للمبالغة أضيف العذاب الى الحميم للتخفيف وزيدت من للدلالة على ان المصبوب بعض هذا النوع.
ذُقْ تقديره قائلين ذق هذا العذاب إِنَّكَ قرأ الكسائي بفتح الهمزة اى لانك والباقون بكسرها على الابتداء أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) فى زعمك قال البغوي قال مقاتل ان خازن النار يضرب على رأسه فينقب رأسه عن دماغه فيصبّ فيه ماء حميما قد انتهى حرّه ثم يقال ذق انّك أنت العزيز الكريم وذلك ان أبا جهل كان يقول انا أعزّ اهل الوادي وأكرمهم ويقول هذا خزنة النار على طريق الاستخفاف والتوبيخ واخرج الأموي فى مغازيه عن عكرمة قال لقى رسول الله ﷺ أبا جهل فقال ان الله أمرني ان أقول لك اولى لك فاولى قال فنزع ثوبه من يده وقال ما يستطيع لى أنت ولا صاحبك من شىء لقد علمت انى امنع اهل البطحاء وانا العزيز الكريم فقتله الله يوم بدر واذله وعيره بكلمته وانزل ذق انّك أنت العزيز الكريم- واخرج ابن جرير عن قتادة نحوه.
إِنَّ هذا العذاب ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) اى تشكون وتمارون فيه..
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ قرأ اهل المدينة والشام بضم الميم على انه مصدر ميمى اى فى اقامة والباقون بفتح الميم اى موضع اقامة أَمِينٍ (٥١) يأمن فيه صاحبه عن
الدخان 44:52
الآفات والانتقال.
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
(٥٢) بدل من مقام جئ به للدلالة على نزاهته واشتماله على ما يستلذ به من المآكل والمشارب.
يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ خبر ثان او حال من الضمير فى الجار والمجرور او استئناف السّندس مارق من الحرير والإستبرق ما غلظ منه اخرج ابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا عن كعب قال لو ان ثوبا من ثياب الجنة لبس اليوم فى الدنيا لصعق من ينظر اليه وما حملته أبصارهم- واخرج الصابوني فى الماءتين عن عكرمة قال ان الرجل من اهل الجنة ليلبس الحلة فتكون فى ساعته سبعون لونا مُتَقابِلِينَ (٥٣) فى مجالسهم ليستأنس بعضهم ببعض.
كَذلِكَ اى الأمر كذلك وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) الجملة حال بتقدير قد او عطف على خبران اى الزمناهم وقرنّاهم بهن ولذلك عدى بالباء وليس من عقد التزويج لانه لا يقال زوجته بامراة قال ابو عبيدة جعلناهم أزواجا بهن كما تزوج النعل بالنعل اى جعلناهم اثنين اثنين والحور النساء النقيات البياض يحار فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن جمع حوراء والعين جمع العيناء وهى العظيم العينين- اخرج الطبراني عن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ خلق الحور العين من الزعفران- واخرج البيهقي مثله عن انس مرفوعا وعن ابن عباس موقوفا وعن مجاهد كذلك واخرج ابن المبارك عن زيد بن اسلم قال ان الله تبارك وتعالى لا يخلق الحور العين من تراب انما خلقهن من مسك وكافور وزعفران- واخرج ابن ابى الدنيا عن انس قال قال رسول الله ﷺ لو ان حورا بزقت فى بحر لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها- واخرج ابن ابى الدنيا عن ابن عباس قال لو ان حورا أخرجت كفها بين السماء والأرض لافتتن الخلائق بحسنها ولو أخرجت نصيفها لكان الشمس عند حسنه مثل الفتيلة فى الشمس لا ضوء لها ولو أخرجت وجهها لاضاء حسنها ما بين السماء والأرض- واخرج هناد عن حبان بن احيلة قال ان نساء اهل الدنيا إذا ادخلن الجنة فضلن على الحور العين
الدخان 44:55
بأعمالهم فى الدنيا..
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ اشتهوها آمِنِينَ (٥٥) من نفادها ومضرتها الجملة حال اخر اخرج ابن ابى حاتم وابن المنذر فى تفاسيرهما عن ابن عباس قال ما فى الدنيا تمرة حلوة ولا مرة الا وهى فى الجنة حتى الحنظل- واخرج ابن ابى حاتم وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال ليس فى الدنيا مما فى الجنة الا الأسماء.
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ بل يحيون دائما حال اخر إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى الاستثناء منقطع او متصل والضمير للاخرة والموت أول أحوالها او الجنة والميت يشارفها بالموت ويشاهدها عنده فكانه فيها- او الاستثناء للمبالغة فى تعميم النفي وامتناع الموت فكانّه قال لا يذوقون فيها الموت الا إذا أمكن ذوق الموت الاولى فى المستقبل كقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النّساء الّا ما قد سلف وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) الجملة حال من فاعل لا يذوقون بتقدير قد او عطف على اخبار ان.
فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ مصدر لفعله المقدر اى فضلوا فضلا منه واعطوا كل ذلك عطاء منه لا حقا على الله تعالى عن جابر قال قال رسول الله ﷺ لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا انا الا برحمة الله- رواه مسلم ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) لانه خلاص عن المكاره وفوز بالمطالب-.
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ اى القران بِلِسانِكَ حال من الضمير المنصوب اى منلبسا بلغتك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) اى لكى يفهموا ويتذكروا الجملة متصلة بقوله انّا أنزلناه فى ليلة مّباركة وهو فذلكة للسورة.
فَارْتَقِبْ جزاء شرط محذوف تقديره وان لم يتذكروا- فارتقب اى فانتظر يا محمد ما يحل بهم إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) ما يحل بك او فانتظر نصرك انهم منتظرون قهرك بزعمهم- روى الترمذي بسند ضعيف عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من قرأ حم الدخان فى ليلة أصبح يستغفر له سبعون الف ملك- وروى ايضا عنه بسند ضعيف قال قال رسول الله ﷺ من قرأ حم الدخان فى ليلة الجمعة غفر له- وروى ابن الضرير عن الحسن مرسلا من قرأ سورة الدخان فى ليلة غفر له ما تقدم من ذنبه- وروى الطبراني بسند ضعيف عن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ من قرأ حم الدخان فى ليلة جمعة او يوم جمعة بنى الله له بيتا فى الجنة تم تفسير سورة الدخان من التفسير المظهرى بفضل الله وحسن توفيقه يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر الربيع الاول من السنة الثامنة بعد الف ومائتين من الهجرة صلى الله تعالى على صاحبها ويتلوه تفسير سورة الجاثية ان شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين.
الجاثية 45:1
سورة الجاثية
مكّيّة وهى سبع ثلاثون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ ان جعلت حم مبتدا خبره تنزيل الكتاب وان جعلتها تعديدا للحروف وكان تنزيل مبتدا خبره مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ فى انتقامه الْحَكِيمِ (٢) فى تدبيره وعلى التأويل الاول من الله صلة لتنزيل وقيل حم مقسم به وتنزيل الكتاب صفة وجواب القسم.
إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ دالة على قدرة الله ووحدانيته لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) يحتمل ان تكون الاية على ظاهرها وان يكون المعنى ان فى خلق كما فى قوله.
وَفِي خَلْقِكُمْ اى فى خلق كل منكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة الى ان صار إنسانا وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ جاز ان يكون عطفا على الضمير المجرور والأحسن ان يقال انه معطوف على خلقكم فان بثه وتنوعه واستجماعه لما يتم به معاشه الى غير ذلك آياتٌ دلائل على وجود الصانع المختار ووحدته وكمالاته قرأ حمزة والكسائي ويعقوب آيات منصوبا بكسر التاء عطفا على اسم ان والباقون بالرفع عطفا على محلها- لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) انه لا اله الا الله وان البعث حق.
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ صيفا وشتاء وفى ذهابها ومجيئها وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ اى مطر سماه رزقا لكونه سببه فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ
الجاثية 45:6
مَوْتِها اى جعلها مخضرة بعد يبسها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ باختلاف جهاتها وأحوالها قرأ حمزة والكسائي «وخلف- ابو محمد» الرّيح على الافراد باعتبار الجنس والباقون على الجمع باعتبار جهاتها قبولا ودبورا وجنوبا وشمالا آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) الدلائل فيؤمنون او المعنى لقوم اولى عقل فان الكفار كالانعام بل هم أضل قرأ حمزة والكسائي ويعقوب آيات منصوبا بكسر التاء والباقون بالرفع وهو عطف على معمولى عاملين مختلفين كلمة فى مع معنى الابتداء او كلمة انّ والمجرور مقدم الا يضمر فى او ينصب آيات على الاختصاص او ترفع بإضمار هى قال البيضاوي اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات فى الدقة والظهور والظاهر انه لتفنن العبارة والا فالايمان والإيقان واحد وهو من ثمرات العقل فان العقل السليم يقتضى الايمان بمبدع السماوات والأرض وما بينهما.
تِلْكَ الآيات آياتُ اللَّهِ دلائل قدرته مبتدا وخبر نَتْلُوها عَلَيْكَ حال عاملها معنى الاشارة او خبر ثان بِالْحَقِّ متلبسين به او متلبسة به فَبِأَيِّ حَدِيثٍ الفاء جزائية تقديره فان لم تؤمنوا بايات الله فباىّ حديث بَعْدَ اللَّهِ اى بعد كتاب الله وَآياتِهِ الدالة على وجوده يُؤْمِنُونَ (٦) اى كفار مكة اى لا يؤمنون قرأ ابن عامر وحمزة «وخلف وابو محمد» والكسائي وابو بكر ويعقوب «اى رويس- ابو محمد» بالتاء الفوقانية على الالتفات من الغيبة الى الخطاب والباقون بالتحتانية على الغيبة-.
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ كذاب أَثِيمٍ (٧) كثير الإثم أريد به النضر بن الحارث هذه الجملة الى آخرها معترضة.
يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ صفة لاثيم تُتْلى عَلَيْهِ حال من الآيات او من الضمير المرفوع ثُمَّ يُصِرُّ عطف على يسمع وثم لاستبعاد الإصرار بعد سماع الآيات مُسْتَكْبِراً عن الايمان كَأَنْ مخففة من الثقيلة وحذف ضمير الشأن اى كانّه لَمْ يَسْمَعْها الجملة فى موضع الحال اى يصر مشابها لغير السامع فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) الفاء للسببية والبشارة خبر يظهر السرور على بشرته واستعمل هاهنا تهكما فى خير يظهر الحزن على بشرته.
الجاثية 45:9
وَإِذا عَلِمَ عطف على يسمع مِنْ آياتِنا شَيْئاً يعنى إذا بلغه شىء من القران الظرف متعلق بقوله اتَّخَذَها الضمير لشئ لانه بمعنى الاية او لاياتنا بمعنى آياتنا كلها هُزُواً مهزوّا به يعنى بادر الى الاستهزاء أُولئِكَ لَهُمْ اى لكل أفاك عَذابٌ مُهِينٌ (٩) ذو اهانة فى القبور جملة مستانفة.
مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ حال من هم فى أولئك لهم والوراء اسم للجهة التي يوازيها الشخص من خلف او قدام وجهنم قدام باعتبار انهم متوجهون اليه وخلفه من حيث انه بعد اجالهم وَلا يُغْنِي اى لا يدفع عَنْهُمْ ما كَسَبُوا من الأموال والأولاد شَيْئاً من عذاب الله وَلا يغنى عنهم مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ اى ما عبدوه من الأصنام او الذين اتبعوهم من الرؤساء ما مصدرية او موصولة وجملة لا يغنى الى آخرها حال اخر من ضمير لهم فى أولئك لهم وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) حال اخر.
هذا اى القران هُدىً اى ما به الهداية من الضلالة جملة معترضة وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ وهو أشد العذاب أَلِيمٌ (١١) قرأ ابن كثير ويعقوب وحفص بالرفع على انه صفة عذاب والباقون بالجر على انه صفة رجز وجملة والّذين كفروا عطف على هذا هدى-.
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ مبتدا وخبر اى جعله أملس السطح يطغو عليه ما يتخلخل كالاخشاب ولا يمنع الغوص فيه لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ بتسخيره وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ الأرزاق بالتجارة والغوص والصيد من فضله حال من المفعول المحذوف لتبتغوا وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) عطف على لتبتغوا اى لتشكروا هذه النعمة وجملة الله الّذى سخّر لكم البحر متصل بما سبق من آيات قدرته تعالى وما بينهما معترضات.
وَسَخَّرَ لَكُمْ عطف على سخر ما فِي السَّماواتِ من شمس وقمر ونجم وماء وثلج وغيرهما وَما فِي الْأَرْضِ من حيوان ونبت ومعدن وعين ونهر جَمِيعاً
الجاثية 45:14
تأكيد او حال يعنى جعلها مسخرات لامور يعود نفعها إليكم مِنْهُ حال من ما اى سخرها جميعا كائنة منه تعالى او خبر لمحذوف اى هى جميعا منه او خبر لما فى السّموت مع ما عطف عليه سخّر لكم تكرير لتأكيد الاول او خبر لما فى الأرض قال ابن عباس جميعا منه اى كل ذلك رحمة منه وقال الزجاج كل ذلك تفضل منه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) فى عجائب صنعه تعالى فيومنون قال البغوي قال ابن عباس وقتادة ان رجلا من بنى غفار شتم عمر رضى الله عنه بمكة فهم عمران يبطش به فانزل الله.
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا حذف المقول لدلالة جواب الأمر عليه وهو قوله يَغْفِرُوا اى قل لهم اغفروا ان تقل لهم اغفروا يغفروا اى يعفوا ويصفحوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ اى لا يتوقعون ولا يخافون أَيَّامَ اللَّهِ اى وقائعه باعدائه من قولهم ايام العرب لوقائعهم يعنى لا يتوقعون الأوقات التي وقتها الله لنصر المؤمنين وثوابهم وقال البغوي قال القرظي والسدىّ نزلت فى اصحاب رسول الله ﷺ من اهل مكة كانوا فى أذى شديد من المشركين قبل ان يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك الى رسول الله ﷺ فانزل الله هذه الاية ثم نسختها اية القتال لِيَجْزِيَ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «وخلف- ابو محمد» بالنون على التكلم والتعظيم والباقون بالياء التحتانية اى ليجزى الله وقرأ ابو جعفر بضم الياء التحتانية وفتح الزاء على البناء للمفعول والفعل حينئذ مسند الى مصدره اى ليجزى الجزاء كذا قال الكسائي والمراد بالجزاء ما يجزى به فان الاسناد الى المصدر سيما عند وجود المفعول به ضعيف وقال ابو عمرو وهو لحن والجار والمجرور متعلق بقوله يغفروا قَوْماً يعنى يجزى المؤمنين على صبرهم على اذية الكفار او يجزى الكافرين جزاء كاملا لا ينقص منه بالانتقام فى الدنيا او يجزى كليهما بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) من الخير او الشر.
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ اى يعمل لنفسه فان ثوابه لها وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها اى يعمل عليها لان وباله يعود عليه ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) يعنى بعد ما استحققتم
الجاثية 45:16
الثواب او العقاب بالأعمال ترجعون الى ربكم فيجازيكم عليها ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا.
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ التورية والإنجيل والزبور وَالْحُكْمَ حيث جعلنا فيهم اهل الحكم من العلماء والملوك وَالنُّبُوَّةَ خصها بالذكر لكثرة الأنبياء فيهم وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ المن والسلوى وغيرهما من الاطعمة اللذيذة الحلال وَفَضَّلْناهُمْ بمراتب القرب الى الله تعالى إرجاع الضمير الى بنى إسرائيل باعتبار كون الأفضلين بعضهم وهم الأنبياء عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) اى على عالمى زمانهم قال ابن عباس لم يكن من العالمين أحد فى زمانهم أكرم على الله ولا أحب اليه منهم وهذه الاية تدل على ان خواص البشر أفضل من خواص الملائكة.
وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ اى ادلة بينة فى امر الدين بحيث حصل لهم العلم بكل ما يجب به العلم والاعتقاد وحصل لهم العلم بمبعث محمد ﷺ وعلاماته حتى عرفوه كما يعرفون أبناءهم فَمَا اخْتَلَفُوا فى امر الدين او فى امر محمد ﷺ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بحقيقة الحال بَغْياً بَيْنَهُمْ اى عداوة وحسدا واتباعا للهوى والشهوات لابناء على علم مستند الى دليل وهذا يدل على ان افتراق اليهود والنصارى الى احدى وسبعين فرقة او اثنان وسبعين فرقة لم يكن مبنيّا على دليل وكذلك افتراق امة محمد ﷺ الى ثلاث وسبعين ليس مستندا الى دليل بل انما هو باتباع الوهم فى مقابلة النصوص القاطعة كالمعتزلة تشبثوا بأذيال الفلاسفة زعما منهم بان العقل كاف فى كثير من الإدراكات والمجسمة قالوا الموجود لا يكون الا جسما او باتباع الحسد والعناد كالروافض والخوارج ونحو ذلك إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بالمؤاخذة والمجازاة يوم الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) من امر الدين-.
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ اى طريقة حقة وصراط مستقيم بعت عليها الرسل كلها- على شريعة مفعول ثان لجعلنا مِنَ الْأَمْرِ اى امر الدين
الجاثية 45:19
فَاتَّبِعْها اى يا محمد الشريعة الحقة الفاء للسببية وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) خطاب للنبى ﷺ والمراد به الخطاب لامته يعنى لا يتبع أمتك أهواء الذين ليس لهم علم من الكتاب سواء كان لهم جهل مركب كالفلاسفة او جهل بسيط مثل رؤساء قريش كانوا يقولون للنبى ﷺ ارجع الى دين ابائك فانهم كانوا أفضل منك او كان لهم علم لكنهم تركوا العمل بالكتاب عمدا او اوّلوه بتأويلات فاسدة فكانّهم لا يعلمون مثل أحبار اليهود وعلماء الفرق الضالة بالأهواء من اهل الإسلام.
إِنَّهُمْ يعنى ان الذين يستتبعونك الى غير الطريق الحق ان اتبعتهم لَنْ يُغْنُوا اى لن يدفعوا عَنْكَ مِنَ عذاب اللَّهِ شَيْئاً منصوب على المفعولية ومن الله حال مقدم عليه بيان له او على المصدرية اى شيئا من الإغناء ومن فى من عذاب الله للتبعيض الجملة فى مقام التعليل للنهى عن اتباع اهوائهم وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إذ المجانسة علة الانضمام فلا تتخذ أنت منهم اولياء وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) فاتخذه وليّا بالتقوى واتباع الشريعة قيل هذان الجملتان كناية عن قوله وانهم لا يضرونك لانّ الظّالمين بعضهم اولياء بعضهم والله ولىّ المتّقين وكم بين الولايتين فلا يضرنك لقوة ولاية الله.
هذا اى القران او اتباع الشريعة بَصائِرُ اسباب تبصر لِلنَّاسِ يظهر به وجوه فلاحهم فى الدارين وَهُدىً من الضلال وَرَحْمَةٌ من الله لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) بانه من الله تعالى..
أَمْ حَسِبَ
عطف على هذا بصائر أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها انكار الحسبان والتوبيخ ومعنى بل الاضراب عن ايقانهم بان القران بصائر وهدى يعنى انهم لا يوقنون ذلك بل حسب الَّذِينَ اجْتَرَحُوا
اى اكتسبوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
اى نجعلهم مثلهم وهو ثانى مفعولى نجعل نزلت فى نفر من مشركى مكة قالوا للمؤمنين ان كان ما تقولون اى البعث حقّا لنفضّلن عليكم فى الاخرة كما فضّلنا فى الدنيا سَواءً
قرأ حمزة والكسائي وحفص «وخلف ابو محمد» بالنصب على البدل من قوله
الجاثية 45:22
كالّذين أمنوا بدل اشتمال او على الحال من الضمير فى الكاف او على المفعولية والكاف حال ومَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
فاعل لسواء والضميران للموصول الاول وان كان الضميران للثانى فسواء حال من الموصول الثاني وجاز ان يكون الضميران للفريقين وسواء بدل من كالّذين أمنوا او حال من الموصول الثاني وضمير الاول وقرأ الباقون سواء بالرفع على انه خبر محياهم ومماتهم مبتدا والجملة بدل من المفعول الثاني وجاز كون الجملة مفعولا ثانيا او استئناف يبين المقتضى للانكار او حال والضميران للفريقين والمعنى انكار ان يستووا بعد الممات فى الكرامة او ترك المؤاخذة كما استووا فى الرزق والصحة فى الحيوة الدنيا وقيل الضميران للفريقين والجملة مستأنفة والمعنى المؤمن مؤمن محب لله تعالى فى الدنيا والاخرة والكافر مبغوض لله تعالى فى الدنيا والاخرة ساءَ ما يَحْكُمُونَ
(٢١) حكمهم هذا بالمساوات قال البغوي قال مسروق قال لى رجل من اهل مكة هذا مقام أخيك تميم الداري لقد والله ذات ليلة أصبح او كرب ان يصبح يقرأ اية من كتاب الله يركع بها ويسجد ويبكى أم حسب الّذين اجترحوا السّيّئات ان نجعلهم كالّذين أمنوا وعملوا الصّلحت الاية..
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ اى ليدل على وجوده وقدرته وصفات كماله كانه دليل على ما سبق يعنى خلق هذه الأشياء ليس على سبيل اللهو والعبث بل هو متلبس بالحق المقتضى انتصار المظلوم من الظالم والتفاوت بين المسيء والمحسن فاذا لم يكن ذلك فى المحيا لا بد ان يكون بعد الممات وَلِتُجْزى عطف على قوله بالحقّ لانه فى معنى العلة او على علة محذوفة مثل ليستدل الناس بها على الصانع وقدرته وعدله وليقوموا على طاعته ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ محسنة ومسيئة بِما كَسَبَتْ من خير او شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) بنقص ثواب او تضعيف عذاب وتسميته ظلما مع ان فعل الله تعالى لا يكون ظلما لاجل المشاكلة فانه لو فعله غيره لكان ظلما كالابتلاء والاختيار..
أَفَرَأَيْتَ الفاء للعطف على محذوف تقديره أتهتم ان تهديهم فرأيت مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ومن شرطية وجملة اتّخذ مع ما عطف عليه شرط علقت رايت عن العمل فمن يّهديه جزاؤه وهواه مفعول أول لاتّخذ والهه مفعول ثان يعنى جعل هواه معبوده فانه ترك امتثال او امر الله والانتهاء عن مناهيه واتبع هواه فكانّه يعبده- قال ابن عباس والحسن وقتادة ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهويه فلا يهوى شيئا الا ركب لانه لا يؤمن بالله ولا يخافه ولا يحرم ما حرم الله. وقال الآخرون معناه اتخذ معبوده هواه فيعبد ما يهويه نفسه اخرج ابن جرير وابن المنذر وكذا ذكر البغوي قول سعيد بن جبير انه كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فاذا وجدوا احسن من الاول رموه وكسروه وعبدوا الاخر فنزلت هذه الاية قال الشعبي انما سمى الهوى لانّه يهوى صاحبه فى النار وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ اى عالما بضلاله وفساد استعداده وقيل على ما سبق فى علمه بانه ضال قبل ان يخلقه روى احمد عن رجل من اصحاب رسول الله ﷺ يقال له ابو عبد الله دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكى فقالوا له ما يبكيك الم يقل لك رسول الله ﷺ خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقانى قال بلى ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول ان الله عزّ وجلّ قبض بيمينه قبضته والاخرى باليد الاخرى وقال هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي- ولا أدرى فى اىّ القبضتين انا وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ فلا يسمع الموعظة ولا يتفكر فى الآيات وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار قرأ حمزة الكسائي وخلف- ابو محمد غشوة بفتح الغين وسكون الشين والباقون غشاوة وجاز ان يكون من موصولة وهى مع صلتها أول مفعولى رايت وثانيهما محذوف تقديره ارايته تهتدى وعلى هذا قوله فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ معطوف على قوله رايت والاستفهام للانكار ومعناه لا تهديه أحد بعد إضلال الله إياه وجملة أفرأيت معترضة أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) عطف على محذوف تقديره الا تعقلون فلا تذكّرون.
اخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابى هريرة قال كان اهل الجاهلية يقولون انما
الجاثية 45:24
يهلكنا الليل والنهار فانزل الله تعالى.
وَقالُوا عطف على مضمون الكلام السابق اى ضل الكافرون باتباع الهوى وقالوا ما هِيَ اى الحيوة شيئا إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا التي نحن فيها نَمُوتُ فى بعض الأوقات وَنَحْيا فى بعضها بيان لقصر الحيوة على الحيوة الدنيا وقوله نموت ونحيا لا يدل على تعاقب الحيوة بعد الموت فان الواو للجمع المطلق كذا قال الزجاج وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ عطف على نموت ونحيا اى ما يهلكنا الا مرور الزمان فان بمرور الزمان يهرم المرء ويموت وحاصل ذلك انكار الصانع الواجب وجوده والدهر فى الأصل مدة بقاء العالم من مبدا وجوده الى انقضائه تم يعبر عنه عن كل مدة مديدة بخلاف الزمان فانه يطلق على المدة قليلة كانت او كثيرة وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ فان العلم انما يحصل بالبداهة او بالبرهان ولا شىء من ذلك بل البرهان قائم على وجود الصانع القديم الحكيم الجملة حال من فاعل قالوا إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) اى يحكمون بلا علم وبلا دليل تأكيد لما سبق عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر- رواه مسلم وروى البغوي بلفظ قال الله تعالى لا تقل ابن آدم يا خيبة الدهر فانى انا الدهر أرسل الليل والنهار وان شئت قبضتها- ومعنى الحديث ان سب الدهر منكم مبنى على زعمكم ان الدهر فاعل النوائب والحوادث- وجالب الحوادث ومنزّلها فى الواقع هو الله تعالى لا غيره فسبّكم يرجع الى الله تعالى وقيل معنى قوله عليه السلام فان الله هو الدهر ان الله داهر دهر اى خالق الدهر وما فيها فسبّكم الدهر زعما منكم بانه الخالق للاشياء مشرك فاجتنبوه والله اعلم-.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ اى حال كونها واضحات الدلالة على خلاف معتقدهم وعلى البعث بعد الموت او مبينات لذلك ما كانَ حُجَّتَهُمْ متشبثم لمعارضها شيئا إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) فى دعوى البعث وهذا شرط مستغن عن الجزاء بما مضى سماه حجة على حسبانهم او على اسلوب قوله تحيتهم بينهم ضرب وجيع وانه يلزم من عدم حصول الشيء
الجاثية 45:26
حالا امتناعه مطلقا وجملة إذا تتلى عليهم عطف على قالوا ما هى الّا حياتنا الدّنيا.
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ الى اىّ وقت شاء ثُمَّ يُمِيتُكُمْ إذا أراد كما دلت الحجج ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ للجزاء إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كلمة الى زائدة او بمعنى اللام اى ليوم القيامة لا رَيْبَ فِيهِ لان وعد الله حق ومن قدر على الإبداء قادر على الاعادة والحكمة يقتضى المجازاة والجملة تأكيد لما سبق وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) قدرة الله على ذلك لقلة تفكرهم وقصور نظرهم على ما يحسبونه جملة قل الله يحييكم الى آخرها مستأنفة..
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تعميم للقدرة بعد تخصيصها والجملة عطف على خلق الله السّموت والأرض وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ بدل من الاول والظرف متعلق بقوله يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) اى يظهر خسرانهم بان يصيروا الى النار.
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً عطف على يخسر قال البغوي جاثية يعنى باركة على الركب وهى جلسة المخاصم بين يدى الحاكم ينتظر القضاء قال على رضى الله عنه انا أول من يجثو للخصومة بين يدى الله تعالى وقد ذكرنا فى سورة الحج فى تفسير قوله تعالى هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ- قال سلمان الفارسي ان فى القيامة ساعة وهى عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على ركبهم حتى ابراهيم ينادى نفسى لا أسئلك الا نفسى- وقيل معنى كلّ امّة جاثية اى مجتمعة من الجثوة وهى الجماعة ذكر الجزري فى النهاية حديث ابن عمران الناس يصيرون يوم القيامة جثأ اى جماعة تتبع نبيها وتروى هذه اللفظة جثىّ بتشديد الياء جمع جاث وهو الذي يجلس على ركبتيه واخرج عبد الله بن احمد فى زوائد الزهد والبيهقي عن عبد بن ثانية قال قال رسول الله ﷺ كانى أراكم بالكرم دون جهنم جاثين ثم قرأ سفيان وترى كلّ امّة جاثية قال ابن حجر المراد بالكرم المكان العالي الذي عليه امة محمد ﷺ كُلَّ أُمَّةٍ قرأ يعقوب بالنصب على انه بدل من كلّ امّة او تأكيد وما بعده صفة او مفعول ثان والجمهور بالرفع على انه مبتدا خبره تُدْعى
الجاثية 45:29
إِلى كِتابِهَا
اى صحيفة أعمالها اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا عن انس عن النبي ﷺ قال الكتب كلها تحت العرش فاذا كان الموقف بعث الله الريح فتطيرها بالايمان والشمائل أول خط فيها اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا- رواه البيهقي الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) صفة ثانية او خبر ثان لقوله كلّ امّة بتقدير القول اى يقال لهم اليوم تجزون الى قوله تعملون او مستأنفة.
هذا كِتابُنا اى صحائف أعمالكم التي كتبها الكرام الكاتبون بامرنا أضاف الى نفسه لتلك الملابسة وكتابنا صفة لهذا والخبر يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ اى يشهد عليكم بما عملتم او هما خبران لهذا او ينطق حال والعامل معنى الاشارة بِالْحَقِّ اى بالصدق بلا زيادة ونقصان إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ اى نستكتب الحفظة ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) وقيل معنى نستنسخ اى نأخذ نسخة وذلك ان الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان له ثواب او عقاب ويطرح منه اللغو نحو قولهم هلم واذهب وهذه الجملة فى مقام التعليل لينطق-.
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ التي جملتها الجنة والجملة تفصيل لما أجمل فى قوله اليوم تجزون ما كنتم تعملون ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) اى الظفر الظاهر لخلوصه عن الشوائب.
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيقال لهم أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ الاستفهام لانكار النفي وتقرير المنفي والفاء للعطف على محذوف تقديره الم يأتكم رسلى فلم تكن آياتي تتلى عليكم فحذف قوله فيقال لهم وقوله الم يأتكم رسلى اكتفاء بالمقصود واستغناء للقرينة فَاسْتَكْبَرْتُمْ عن الايمان بها هذه الجملة مع ما عطف على مضمون ما سبق يعنى قد أتاكم رسلى وتليت عليكم آياتي فاستكبرتم عن الايمان بها وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) اى قوما عادتكم الكفر والاجرام وكانت المقابلة يقتضى ان يكون الكلام وامّا الّذين كفروا فيدخلكم ربهم فى غضبه الذي من جملتها جهنم لكن عدل الى هذا تنبيها على موجب الغضب.
وَإِذا
الجاثية 45:33
قِيلَ
عطف على قوله استكبرتم يعنى وإذا قيل لكم إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث حَقٌّ يحتمل الموعود والمصدر يعنى الموعود او متعلق الوعد وهو البعث حقّ كائن لا محالة وَالسَّاعَةُ قرأ حمزة بالنصب عطفا على اسم ان والباقون بالرفع عطفا على محله لا رَيْبَ فِيها اى فى إتيانها لاستحالة الخلف فيما اخبر الله به قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ اى اىّ شىء الساعة استغرابا لها إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا أصله نظن ظنّا فادخل حرف النفي والاستثناء لاثبات الظن ونفى ما عداه كانّه قال ما نحن الا نظن ظنّا او لنفى ظنهم فيما سوى ذلك او يقال تنكير الظن للتحقير ومعناه ان نظن الا ظنا ضعيفا فى مرتبة الوهم فان الظن قد يطلق على العلم كما فى قوله تعالى الْخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وقد يطلق على الوهم فالمراد بالأول مطلق العلم وبالثاني الوهم وأكّد نفى الظن بقوله وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا فى الدنيا اى ظهر لهم قبحها او جزاء ما عملوا عطف على مضمون ما سبق يعنى امّا الّذين كفروا فيدخلهم ربهم فى غضبه ويبدو لهم سيئات ما عملوا.
وَحاقَ اى نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) اى جزاء استهزائهم..
وَقِيلَ عطف على بدا لهم الْيَوْمَ نَنْساكُمْ اى نترككم فى العذاب ترك المنسى كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا اى كما تركتم عدته ولم تبالوه واضافة اللقاء الى اليوم اضافة المصدر الى ظرفه اى يوم لقاء ربكم او يوم لقاء جزاء أعمالكم وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) يخلصونكم منها هذان الجملتان اما معطوفتان على مقول قبل او حالان من مفعول ننساكم.
ذلِكُمْ الترك فى العذاب بِأَنَّكُمُ اى بسبب انكم اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً اى مهزوا بها يعنى استهزأتم بها ولم تتفكروا فيها وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا اى حسبتم ان لا حيوة سواها ولا حساب جملة ذلكم الى آخرها مستأنفة فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها قرأ حمزة «وخلف- ابو محمد» والكسائي بفتح الياء وضم الراء على البناء للفاعل والباقون بضم الياء وفتح الراء على البناء
الجاثية 45:36
للمفعول عطف على قوله وامّا الّذين كفروا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) العتبى بالضم الرضاء كذا فى القاموس والاستعتاب الاسترضاء اى لا يطلب منهم ان يرضوا ربهم بالتوبة لفوات او انه قال رسول الله ﷺ لا بعد الموت من مستعتب اى ليس بعد الموت من استرضاء لانها بالأعمال وقد انقضت زمانها- وفى النهاية العتبى الرجوع عن الذنب والاساءة قال البغوي اى لا يطلب منهم ان يرجعوا الى طاعه الله تعالى وتقديم المسند اليه مع ان الخبر فعل يدل على التخصيص فان الكفار لا يستعتبون بخلاف المؤمنين-.
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ اى الوصف بالجميل على وفائه الوعد في المؤمنين والمكذبين رَبِّ السَّماواتِ بدل من الله وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) كرر لفظ الرب لان ربوبية كل شى نعمة مستقلة من الله تعالى دالّة على كمال قدرته- ذكر العاطف بين الأرض والسماوات لتغائرهما وترك العاطف فى ربّ العالمين للاتحاد معنى فان السّموت والأرض معظم افراد العالم فكانّه بمعنى العالمين.
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى اثار عظمته وكبريائه ظاهرة فيهما او يقال الظرف متعلق بمحذوف اى يحكم بهذا الحكم اهل السماوات واهل الأرض فيهما وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الذي لا يغلبه أحد ولا يجوز لاحد ان يستكبر عليه الْحَكِيمُ (٣٧) فيما قدر وقضى عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى الكبرياء ردائى والعظمة إزاري فمن نازعنى واحدا منهما أدخلته النار- وفى رواية قذفته فى النار- رواه مسلم- تم تفسير سورة الجاثية من التفسير المظهرى (ويتلوه تفسير سورة الأحقاف ان شاء الله تعالى) والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين فى التاريخ الثاني والعشرين من الربيع الثاني سنة ثمان بعد الف ومائتين (سنة ١٢٠٨).
الأحقاف 46:1
سورة الأحقاف
مكّيّة وخمس وثلاثون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مرّ تفسيره فى سورة الجاثية.
ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا خلقا متلبّسا بِالْحَقِّ دليلا على وجود الصانع القديم الحكيم وعلى البعث للمجازاة على ما يقتضيه الحكمة والعدالة وَأَجَلٍ مُسَمًّى اى بتقدير أجل مسمى ينتهى اليه السماوات والأرض اى يوم القيامة وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا اى عن الانذار او عما انذروا به فى القران من عذاب يوم القيامة مُعْرِضُونَ (٣) لا يتفكرون فى جوازه عقلا ووجوبه سمعا بشهادة المعجزات ولا يستعدون لحلوله ويدعون من دون الله الهة بلا دليل.
قُلْ لهم يا محمد أَرَأَيْتُمْ الاستفهام للتقرير اى حمل المخاطب على الإقرار ما تَدْعُونَ اى ما تعبدونه مِنْ دُونِ اللَّهِ أصناما أَرُونِي ماذا خَلَقُوا ما استفهامية فى محل النصب على انه مفعول لخلقوا او فى محل الرفع بمعنى اىّ شىء الذي خلقوه مِنَ الْأَرْضِ بيان لما أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ أم منقطعة اى بل الهم مشاركة مع الله فِي خلق السَّماواتِ الموصول مع صلته مفعول أول لارايتم وجملة أروني الى آخرها مفعول ثان والمعنى أخبروني عن حال الهتكم بعد تأمل هل يتعقل انهم خلقوا شيئا من اجزاء العالم او يتصور منهم ان يكونوا شركاء لله فى الخلق يعنى لا يتصور
الأحقاف 46:5
ذلك فكيف تحكمون باستحقاقها للعبادة وتخصيص الشرك بالسماوات احتراز عمّا يتوهم ان للوسائط شركة فى إيجاد الحوادث السفلية ائْتُونِي بِكِتابٍ من عند الله ناطق بالشرك مِنْ قَبْلِ هذا القران الناطق بالتوحيد أَوْ أَثارَةٍ اخرج احمد عن ابن عباس عن النبي ﷺ او اثارة من علم قال الخط قال مجاهد وعكرمة اى رواية وقال قتادة خاصة وقال الكلبي بقية فى القاموس الأثر البقية من الشيء مِنْ عِلْمٍ الأنبياء الأولين مستندا الى الوحى القطعي يدل على الشرك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) فى ان الله امر بعبادة الأوثان شرط مستغن عن الجزاء بما مضى يعنى لا دليل على استحقاقها العبادة عقلا ولا نقلا..
وَمَنْ أَضَلُّ عطف على مقولة القول يعنى لا أحد أضل مِمَّنْ يَدْعُوا اى يعبد ويطلب حاجاته مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إذا دعاه لو سمع دعاءهم فرضا ان يعلم سرائرهم ويراعى مصالحهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ اى ما دامت الدنيا وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) لانها اما جمادات لا يسمع ولا يعقل واما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم كعيسى وعزير والملائكة.
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ يوم القيامة عطف على لا يستجيب كانُوا اى كانت المعبودون لَهُمْ أَعْداءً يضرونهم ولا ينفعونهم وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) مكذبين قائلين تبرّانا إليك ما كانوا ايّانا يعبدون يعنى ليسوا فى الدارين على منفعة إذ لا ينفعهم فى الدنيا ويضرهم فى الاخرة فلا أضل ممن عبدها وترك عبادة الله السميع البصير الخبير القادر المجيب. وقيل الضمير فى قوله كانوا بعبادتهم كافرين للعابدين القائلين والله ربّنا ما كنّا مشركين.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ عطف على قوله والّذين كفروا عمّا انذروا معرضون او على يدعوا فى ممّن يدعوا يعنى ومن اضلّ ممن قال للحق هذا سحر مبين إذا تتلى عليه آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ اى لاجله وفى شأنه والمراد به الآيات ووضعه موضع ضميرها ووضع الّذين كفروا موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق وظهور الصدق وعليهم بالكفر والانهماك فى الضلالة لَمَّا جاءَهُمْ اى فورا حين مجيئها إليهم
الأحقاف 46:8
من غير نظر وتأمل هذا القران سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) ظاهر فى كونه سحرا.
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ محمد من قبل نفسه أم منقطعة استفهام للانكار والتعجيب وإضراب عن قولهم انه سحر الى قولهم انه مفترى قُلْ يا محمد إِنِ افْتَرَيْتُهُ فرضا لكى تتبعونى فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً اى لا تقدرون ان تردوا عنى شيئا من عذاب الله فكيف اجترأ على الله واعرض نفسى للعقاب من غير توقع نفع ولا دفع ضرر من قبلكم هُوَ أَعْلَمُ اى الله اعلم بِما تُفِيضُونَ اى تخوضون فِيهِ من تكذيب آياته والقول بانه سحر او مفترى كَفى بِهِ الباء زائدة والضمير فى محل الرفع على الفاعلية شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يعنى ان الله يشهد لى بالصدق والبلاغ بخلق المعجزات وعليكم بالكذب والإنكار وهو وعيد بجزاء إفاضتهم وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأمن واشعار بحلمه عنهم وعدم استعجالهم بالتعذيب مع عظم جرمهم..
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ اى بديعا مثل نصف ونصيف يعنى لست باول الرسل ادعى ما لم يدعه أحد قبلى بل قد بعث قبلى كثير من الرسل فلم تنكرون نبوتى بعد شهادة المعجزة- او لست اقدر على ما لم يقدر الرسل من قبلى وهو الإتيان بالمقترحات كلها وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ما اما موصولة منصوبة او استفهامية مرفوعة ولا لتأكيد النفي المشتمل على ما يفعل بي والتقدير ما أدرى ما يفعل بي ولا ما يفعل بكم قيل معناه ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة فلما نزلت هذه الاية فرح المشركون وقالوا واللات والعزى ما أمرنا وامر محمد عند الله الا واحد وما له علينا مزية وفضل ولولا انه ابتدع ما يقول من ذات نفسه لا خبره الذي بعثه بما يفعل به فانزل الله ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تاخّر فقالت الصحابة هنيئا لك يا نبى الله قد علمنا ما يفعل بك وإذا ما يفعل بنا فانزل الله ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّات الاية وانزل وبشّر المؤمنين بانّ لهم من الله فضلا كبيرا فبين الله ما يفعل به ربهم قال البغوي وهذا قول انس وقتادة والحسن وعكرمد قالوا انما قال هذا قبل ان يخبره بغفران ذنبه عام الحديبية فنسخ ذلك وهذا القول عندى غير مرضى إذ لا يخلو سورة من القران غالبا (مكية كانت او مدينة) من الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين وكان من أول ما يوحى الى رسول الله ﷺ ان انذر عشيرتك الأقربين يعنى بعذاب الله ان لم يؤمنوا وفى هذه السورة وهذا كتاب مصدّق لسانا عربيّا لّينذر الّذين ظلموا وبشرى للمحسنين انّ الّذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك اصحاب الجنّة الاية وكيف يكون عاقبة المسلمين والمشركين غير معلوم له ﷺ وغير مذكور فى الكتاب فانه يقتضى اعتراض الكافرين ما أمرنا وامر محمد عند الله الا واحد وما نرى لك علينا من فضل فاىّ فائدة فى ترك دين الآباء واتباع الرسل ونزول قوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وقوله لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ بعد بضع عشر سنة تأخير للبيان عن وقت الحاجة وذلك محال- فان قيل روى البغوي بسنده عن خارجة بن يزيد قال كانت أم العلاء الانصارية تقول لما قدم المهاجرون اقترعت الأنصار على سكناهم فطار لنا عثمان بن مظعون رضى الله عنه فى السكنى فمرض فمرّضناه ثم انه توفّى فجاء رسول الله ﷺ فدخلت فقلت رحمة الله عليك أبا السائب شهادتى ان قد أكرمك الله فقال النبي ﷺ ما يدريك ان الله قد أكرمه قلت لا والله لا أدرى فقال النبي ﷺ اما هو فقد أتاه اليقين من ربّه وانى لارجو له الخير والله ما أدرى وانا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم قالت فو الله لا ازكى بعد أحدا ابدا قالت ثم رايت لعثمان بعد فى النوم عينا تجرى فقصّصتها على رسول الله ﷺ فقال ذاك عمله- وهذا الحديث يؤيد قول من قال معناه ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة والا فما معنى لهذا الحديث قلنا مقتضى هذا الحديث انه لا يجوز الحكم قطعا على شخص معين بالنجاة او بالهلاك لانه ادعاء علم الغيب ولا علم على البواطن والسرائر الا لله سبحانه غير ان الرجل إذا كان ظاهر حاله خيرا يرجو له الخير ومعنى قوله ﷺ والله ما أدرى وانا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم انه قد علمنى الله علوم الأولين والآخرين ومع ذلك ما أدرى تفصيلا ما يفعل بي ولا بكم فى جزاء كل عمل مخصوص فكيف دريت أنت فى حق رجل معين ان الله قد أكرمه- وقيل مثل هذا التأويل فى الاية ايضا قالوا معنى الاية ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم فى الدارين إذ لا علم لى بالغيب وهذا لا يقتضيه سياق الاية بل سياق الاية ان الكفار كانوا يريدون من النبي ﷺ ان يتبعهم فى الدين ويطمعونه- بجمع الأموال
له وإنكاح الأزواج بلا سوق مهر ويؤذونه ويخوّفونه على ترك الاتباع فمقتضى سياق الاية ان النبي ﷺ أخبرهم بانه لا يطمع منهم ولا يخافهم ويعلم انهم غير قادرين على ما أرادوا بل الخير والشر كلاهما من الله تعالى يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد فمعنى الاية ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم من النصر والخذلان وانا لا اتبعكم على شىء من التقادير- إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ من القران لا اتركه ابدا قال البيضاوي جواب عن اقتراح الكفار الاخبار عمّا لم يوح اليه من الغيوب او عن استعجال المسلمين ان يتخلصوا من أذى المشركين وبه قال البغوي قال جماعة قوله ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم فى الدنيا واما فى الاخرة فقد علم انه فى الجنة ومن كذّبه فهو فى النار ثم اختلفوا فقال ابن عباس لمّا اشتد البلاء باصحاب رسول الله ﷺ راى رسول الله ﷺ فيما يرى النائم وهو بمكة ارض سباخ ونخل رفعت له يهاجر إليها فقال له أصحابه متى تهاجر إليها فسكت فانزل الله هذه الاية ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم ءانزل فى مكانى او اخرج وإياكم الى الأرض التي رفعت لى- وقال بعضهم معنى ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم اى الى ماذا يصير امرى فى الدنيا اما ان اخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلى منهم ابراهيم عليه السلام او اقتل كما قتل بعض الأنبياء من قبلى منهم يحيى عليه السلام وأنتم ايها المصدقون تخرجون معى او تتركون أم ماذا يفعل بكم وما أدرى ما يفعل بكم ايها المكذبون اترمون بالحجارة كما رمى قوم لوط أم يخسف بكم كما خسف بقارون أم
الأحقاف 46:10
اىّ شىء يفعل بكم مما فعل بالأمم المكذّبة ثم أخبره الله عزّ وجلّ ان يظهر دينه على الأديان كلها فقال هو الّذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه وقال فى أمته ما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون فاخبره ما يصنع به وبامته هذا قول السدىّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ للكافرين من عذاب الله مُبِينٌ (٩) بين الانذار بالشواهد المبينة والمعجزات المصدقة يعنى لست مدعيّا لعلم الغيب ولا مسلطا عليكم أكرهكم على الايمان..
قُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني ماذا حالكم إِنْ كانَ القران مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ حال بتقدير قد اى وقد كفرتم به ايها المشركون ويجوز ان يكون الواو للعطف على فعل الشرط وكذا الواو فى قوله وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ قال قتادة والضحاك هو عبد الله بن سلام بن الحارث ابو يوسف من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم عليهم السلام روى البخاري والبيهقي عن انس ومحمد بن إسحاق عن رجل من ال عبد الله بن سلام عنه والامام احمد ويعقوب بن سفيان عن عبد الله بن سلام والبيهقي عن موسى بن عقبة وعن ابن شهاب قال عبد الله بن سلام لمّا سمعت رسول الله ﷺ وعرفت صفته واسمه وهيئته والذي كنا نتوقع له فكنت مسرّا لذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فلمّا قدم نزل معنا فى بنى عمرو بن عوف فاخبر رجل بقدومه وانا فى رأس نخلة اعمل فيها وعمتى خالدة بنت الحارث تحتى جالسة فلمّا سمعت بقدوم رسول الله ﷺ كبّرت فقالت لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدتّ قال قلت لها اى عمة هو والله اخر موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به قالت فذاك اذن قال ثم خرجت الى رسول الله ﷺ فلمّا ان رايت وجهه عرفت ان وجهه ليس بوجه كذّاب فكان أول ما سمع من النبي ﷺ قوله يا ايها الناس أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام. فقال يا محمد انى سائلك عن ثلاث خلال لا يعلمهن الا نبى ما أول اشراط الساعة وما أول طعام اهل الجنة وما ينزع الولد الى أبيه او الى امه «نزع الى أبيه فى الشبه اى ذهب عنه ره» وما هذا السواد الذي فى القمر فقال أخبرني بهن جبرئيل آنفا قال جبرئيل قال نعم قال ذاك عدو اليهود من الملائكة اما أول اشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق الى المغرب واما أول طعام يأكله اهل الجنة فزيادة كبد الحوت وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة نزعت واما السواد الذي فى القمر فانهما كانا شمسين قال الله تبارك وتعالى وجعلنا اللّيل والنّهار ايتين فمحونا اية اللّيل فالسواد الذي رايت هو المحو فقال اشهد ان لا اله الا الله وانك محمد رسول الله ثم رجع الى اهل بيته فامرهم فاسلموا وكتم إسلامه- ثم خرج الى رسول الله ﷺ فقال ارى اليهود قد علمت انى سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم وانهم قوم بهت «١» وانهم ان يعلموا بإسلامي من قبل ان تسئلهم عنى بهتوني ويقولون فىّ ما ليس فىّ فاحب ان تدخلنى بعض بيوتك فادخله رسول الله ﷺ بعض بيوته وأرسل نبى الله ﷺ الى اليهود فدخلوا عليه فقال يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فو الله الذي لا اله الا هو انكم لتعلمون انى رسول الله وقد جئتكم بالحق فاسلموا فقالوا ما نعلمه فقال اىّ رجل فيكم عبد الله قالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا قال ارايتم ان اسلم قالوا أعاذه الله من ذلك قال لابن سلام اخرج عليهم فخرج فقال اشهد ان لا اله الله واشهد ان محمدا رسول الله يا معشر اليهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به فو الله انّكم لتعلمون انه لرسول الله حقّا تجدونه مكتوبا عندكم فى التوراة اسمه وصفته فانى اشهد انه رسول الله وأومن به وأصدقه وأعرفه قالوا كذبت أنت أشرنا وابن أشرنا وانتقصوا قال هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله الم أخبرك انهم قوم بهت اهل غدر وكذب وفجور فاظهر إسلامه واسلام اهل بيته وأسلمت عمته ابنة الحارث فحسن إسلامها-
(١) بهت جمع بهوت كصبر وصبور مبالغة فى البهت وهو الكذب ثم سكن الهاء تخفيفا- منه رحمه الله واخرج الطبراني بسند صحيح عن عوف بن الأشجعي قال انطلق النبي ﷺ وانى معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم فقال لهم رسول الله ﷺ يا معشر اليهود أروني اثنى عشر رجلا منكم يشهدون ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله يحط الله عن كل يهودى تحت أديم السماء الغضب الذي عليه فسكتوا فما اجابه منهم أحد ثم انصرف فاذا رجل من خلفه فقال كما أنت يا محمد واقبل فقال اىّ رجل تعلمونى منكم يا معشر اليهود قالوا والله ما نعلم فينا رجلا كان اعلم بكتاب الله ولا افقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك قال فانى اشهد بالله انه لنبى الله الذي تجدونه فى التوراة قالوا كذبت ثم ردوا عليه وقالوا شرّا فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج الشيخان عن سعيد بن ابى وقاص قال ما سمعت النبي ﷺ يقول لاحد يمشى على وجه الأرض انه من اهل الجنة الا لعبد الله بن سلام وفيه نزلت هذه الاية وشهد شاهد من بنى اسراءيل- قال الراوي عن مالك (وهو عبد الله بن يوسف شيخ البخاري) لا أدرى قال مالك الاية اوفى الحديث- واخرج ابن جرير عن عبد الله بن سلام قال فيّ نزلت وشهد شاهد من بنى اسراءيل وعلى هذا التقدير الاية مدنية لان اسلام عبد الله بن سلام كان بالمدينة ولفظة مثل فى قوله تعالى عَلى مِثْلِهِ زائدة والضمير للقران والمعنى شهد شاهد عليه اى على كونه يعنى القران من عند الله او المعنى وشهد شاهد على مثل ما قلت اى على كون القران من عند الله فَآمَنَ عبد الله بن سلام وَاسْتَكْبَرْتُمْ عن الايمان يا معشر اليهود- وأنكر مسروق نزول الاية فى عبد الله بن سلام وقال والله ما نزلت فيه لان ال حم نزلت بمكة وانما اسلم عبد الله بن سلام بالمدينة ونزلت الاية فى محاجة كانت من رسول الله ﷺ لقومه ومعنى قوله شهد شاهد من بنى إسرائيل انه شهد موسى وشهادته ما فى التوراة خبر بعثة محمد ﷺ على مثله اى مثل القران وهو ما فى التوراة من المعاني المصدقة للقران فامن موسى عليه السلام
الأحقاف 46:11
واستكبرتم عن الايمان يا معشر قريش وجواب الشرط وهو قوله ان كان من عند الله محذوف تقديره فمن أضل منكم او ألستم ظالمين يدل عليه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وهى جملة مستأنفة فان قيل افعال الشرط اعنى كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل فامن واستكبرتم كلها مجزوم ووقوعها فما وجه استعمال حرف ان فيها وهى تستعمل فى موضع الشك قلت ان الواو فى الجمل كلها للجمع واستعمل كلمة ان للتوبيخ وإيراد المجزوم موقع الشك للدلالة على انه لا يجوز عند العقل السليم الكفر مع كونه من عند الله والاستكبار مع شهادة اهل العلم وإيمانه فهو نظير قوله ان كنتم قوما مسرفين والله اعلم-.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف على قال الّذين كفروا للحقّ الاية لِلَّذِينَ آمَنُوا منهم اى فى حقهم لَوْ كانَ دين محمد ﷺ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ اخرج ابن جرير عن قتادة قال قال أناس من المشركين نحن أعزّ ونحن خير فلو كان خيرا ما سبقنا اليه فلان وفلان فنزلت هذه الاية واخرج ابن المنذر عن عون بن ابى شداد قال كانت لعمر بن الخطاب امة أسلمت قبله يقال لها زنين فكان عمر يضربها على إسلامها حتى تفتن وكان كفار قريش يقولون لو كان خيرا ما سبقتنا اليه رنين فانزل الله فى شأنها هذه الاية واخرج ابن سعد نحوه عن الضحاك والحسن وقال البغوي بناء على نزول الاية السابقة فى عبد الله بن سلام انه قال الذين كفروا من اليهود للذين أمنوا من اليهود لو كان دين محمد خيرا ما سبقونا اليه يعنى عبد الله بن سلام وأصحابه وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ اى بالقران كما اهتدى به اهل الايمان ظرف لمحذوف مثل ظهر عنادهم او ضلوا وهو معطوف على قوله قال الّذين كفروا وعطف على محذوف تعلق به الظرف قوله فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) الفاء للسببية فان هذا القول مسبب لظهور عنادهم وضلالهم وهو كقولهم أساطير الاوّلين يعنى أكاذيب الأولين يعنى اختلق هذا اهل الزمان السابق ثم تلقاه منهم محمد-.
الأحقاف 46:12
وَمِنْ قَبْلِهِ اى قبل القران وهو خبر لقوله كِتابُ مُوسى التوراة إِماماً يقتدى به حال من الضمير المستكن فى قبله وَرَحْمَةً من الله على الناس ليفوزوا الى فلاح الدارين والجملة معترضة وَهذا كِتابٌ من الله تعالى مُصَدِّقٌ لكتاب موسى او لمحمد ﷺ باعجازه صفة لكتاب لِساناً عَرَبِيًّا حال من ضمير كتاب فى مصدق او منه لتخصيصه بالصفة وعاملها معنى الاشارة وفائدتهما الاشعار بالدلالة على ان كونه مصدقا للتورته كما دل على انه حق دل على انه وحي وتوقيف من الله او مفعول به لمصدق بحذف مضاف اى مصدق ذا لسان عربى وهو محمد ﷺ لِيُنْذِرَ قرأ نافع والبزي «وابو جعفر- ابو محمد» بخلاف عنه وابن عامر ويعقوب بالتاء للخطاب اى لتنذر يا محمد والباقون بالياء للغيبة اى لينذر الكتاب او الله او الرسول متعلق بمفهوم هذا كتاب اى انزل لتنذر الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالكفر وَبُشْرى مصدر لفعل محذوف اى وليبشر بشرى او مفعول له معطوف على محل لينذر وهذا لا يجوز الا على قراءة لينذر بصيغة الغائب ويكون الضمير لله تعالى حتى يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل به واحدا وهو انزل وجاز ان يكون خبر المبتدأ محذوفا اى هو والجملة عطف على جملة قبلها لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا قد ذكرنا تفسير الاستقامة فى تفسير حم السجدة فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بعد الموت عن لحوق مكروه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) على فوات محبوب والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط.
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها حال من المستكن فى اصحاب والعامل فيه معنى الاشارة والجملة فى مقام التعليل لنفى الخوف جَزاءً مصدر لفعل دلّ عليه الكلام اى جوزوا جزاء بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) من اكتساب الفضائل العلمية والعملية-.
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ اللام للعهد والمراد به ابو بكر الصديق رضى الله عنه روى عن ابن عباس ان الاية نزلت فى ابى بكر وهو المروي عن على رضى الله قال نزلت فى ابى بكر اسلم أبواه جميعا ولم يجتمع من المهاجرين أبواه فى الإسلام غيره وقال السدىّ والضحاك نزلت فى سعد بن ابى وقاص وقد ذكرنا قصته فى تفسير سورة العنكبوت وقيل اللام للجنس وان كان نازلا فى ابى بكر او سعد وذلك لا يقتضيه سياق الاية كما سنشير اليه بِوالِدَيْهِ متعلق بمحذوف اى ان يحسن بوالديه وهما ابو قحافة عثمان بن عمر وأم الخير بنت الخير بن الصخر بن عمر إِحْساناً كذا قرأ الكوفيون من الافعال فهو منصوب على المصدرية وقرأ الباقون حسنا من المجرد فهو بدل اشتمال لقوله بوالديه منصوب على محله حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً اى ذات كره فهو حال من فاعل حملته او حملا ذاكره فهو مصدر وهو المشقة قرأ اهل الحجاز وهشام وابو عمرو بفتح الكاف فى الموضعين والباقون بضمها وهما لغتان وقيل المضموم اسم والمفتوح مصدر وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً جملتان معترضتان فى مقام التعليل للامر بالإحسان وفيه اشعار بمزية استحقاق الام فى الإحسان قال رسول الله ﷺ صل امّك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك فادناك- وقد مر الحديث فى سورة العنكبوت- وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ وهو الفطام والمراد به الرضاع تسمية الملزوم باسم اللازم وقرأ يعقوب وفصله وهما بتقدير المضاف مبتدا بعده خبره اى مدة حمله ورضاعه ثَلاثُونَ شَهْراً معترضة اخرى لبيان شدة المشقة فى مدة طويلة يستدل بهذه الاية على ان اقل مدة الحمل ستة «١» أشهر لقوله تعالى وفصاله فى عامين فانه إذا ذهب منها
(١) عن قتادة عن ابى الحرب بن ابى الأسود الدؤلي قال رفعت الى عمر امراة ولدت بستة أشهر فسال عنها اصحاب النبي ﷺ فقال على لا رجم عليها الا ترى انه تعالى يقول وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال وفصاله فى عامين فكان الحمل منها ستة أشهر فتركها عمر ثم بلغنا انها ولدت اخر بستة أشهر وعن نافع بن جبير ان ابن عباس أخبره انى لصاحب المرأة التي اتى بها عمر وضعت لستة أشهر فانكر الناس ذلك قلت لعمر كيف تظلم قال كيف قلت اقرأ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا والوالدات يرضعن اولادهنّ حولين كاملين قلت كم الحول قال سنة قلت كم السنة قال اثنا عشر شهرا قلت واربعة وعشرون شهرا حولان كاملان ويؤخر الله من الحمل ما شاء ويقدم فاستراح عمر الى قوله- وعن ابى عبيدة مولى عبد الرحمان بن عوف قال رفعت امراة الى عثمان ولدت لستة أشهر فقال عثمان قد رفعت الىّ امراة ما أراها الا جاءت بشر فقال ابن عباس إذا كملت الرضاعة كان الحمل ستة ١٤ شهر اقرأ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فدرأ عثمان عنها- منه نور الله مرقده- عامين بقي للحمل ستة أشهر وعليه اتفق الائمة فى أفل مدة الحمل واختلفوا فى أكثرها فقال ابو حنيفة سنتان وعن مالك روايات اربع سنين وخمس سنين وسبع سنين وقال الشافعي اربع سنين وعن احمد روايتان المشهور كمذهب الشافعي والاخرى كمذهب ابى حنيفة. وجه قول ابى حنيفة قول عائشة الولد لا يبقى فى بطن امه اكثر من سنتين ولو بقدر فلكة مغزل وفى رواية ولو بقدر ظل مغزل- قال ومثله لا يقال الا سمعا إذا المقدرات لا تدرك بالرأى قلت يحتمل ان يكون قولها على تقدير الصحة مبنيّا على التجربة فى جريان العادة كقول مالك والشافعي قلت والاستدلال بهذه الاية على اقل مدة الحمل مبنى على كون اللام فى الإنسان للجنس وان كان للعهد فلا لانها حينئذ بيان لواقعة حال- والاستدلال بهذه الاية على مذهب ابى حنيفة ان مدة الرضاع ثلاثون شهرا لا يجوز وقد مرّ الكلام فيه وفى غيرها من مسائل الرضاع فى سورة النساء فى تفسير قوله تعالى وامّهاتكم اللّاتى أرضعنكم روى عن عكرمة عن ابن عباس فى تفسير هذه الاية انه قال إذا حملت المرأة تسعة أشهر ارضعته أحد وعشرين شهرا وإذا حملت ستة أشهر ارضعته اربعة وعشرين شهرا والله اعلم حَتَّى إِذا بَلَغَ متعلق بفعل محذوف معطوف على وضعته تقديره وربّياه حتّى إذا بلغ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عطف على بلغ يعنى وبلغ كمال عقله كان ابو بكر صحب النبي ﷺ وهو ابن ثمانى عشرة سنة وذلك بلوغ الأشد وكان النبي ﷺ حينئذ ابن عشرين سنة فى تجارته الى الشام فلمّا بلغ أربعين سنة أمن بالنبي ﷺ ودعا ربه وقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي قرأ ورش والبزي بفتح الياء والباقون بإسكانها والمعنى الهمنى وقيل معناه الكف اى اجعلنى بحيث أزع نفسى يعنى اكفه من الكفران أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ الهداية للاسلام او ما يعمه وغيره وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ نكر صالحا للتعظيم او لانه أراد نوعا من الجنس يستجلب رضاء الله قال ابن عباس فاجابه الله تعالى فاعتق تسعة من المؤمنين يعذبون فى الله ولم يرد شيئا من الخير الا أعانه الله عليه ودعا ايضا وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي فاجابه الله فلم يكن له ولد الا
الأحقاف 46:16
أمنوا جميعا فاجتمع له اسلام أبويه وأولاده جميعا كذا قال ابن عباس وأدرك ابو قحافة صحبة النبي ﷺ وابنه ابو بكر وابنه عبد الرحمان بن ابى بكر وابن عبد الرحمان ابو عتيق ولم يكن ذلك لاحد من الصحابة إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ عن الكفر وعن كل ما لا يرضاه الله او يشغل عنه وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) المخلصين قوله حتّى إذا بلغ الى آخره دليل على ان اللام فى الإنسان للعهد فانه لو كان للجنس لا يستقيم ذلك لان تأخير النعمة القديمة الى بلوغ أربعين سنة لا يجوز فالاية حكاية عن الواقع فانه رضى الله عنه أمن وهو ابن أربعين سنة والمعتبر من الشكر ما كان بعد الايمان- فان قيل المروي ان أباه أبا قحافة اسلم يوم الفتح وكان ابو بكر حينئذ ابن ستين سنة وكان نزول الاية قبل الهجرة لان السورة مكية وحين بلغ ابو بكر أربعين سنة كان ابو قحافة كافرا فكيف يوصى الله بالإحسان به وكيف يقول ابو بكر أنعمت علىّ وعلى والدىّ قلنا قد روى ان أبا بكر اسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة واسلم أبواه بعد ذلك بسنتين وكان ابو بكر حينئذ ابن أربعين سنة فلعل هذه الرواية هى الصحيحة وعلى تقدير نزول الاية بمكة واسلام ابى قحافة بعد الفتح قلنا الوصية بالإحسان للوالدين الكافرين ايضا جائزة قال الله تعالى فى سورة العنكبوت ووصّينا الإنسان بوالديه حسنا وان جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما والمراد حينئذ بنعمتك أنعمت علىّ ما يعم نعمة الدين والدنيا والله اعلم قلت وعلى تقدير كون اللام للجنس يقال معنى الاية انه إذا بلغ الإنسان أشده يعنى بلغ مبلغ الرجال شكر الله تعالى على كمال جسده ثم إذا بلغ أربعين سنة شكر الله سبحانه على كمال عقله والله اعلم..
أُولئِكَ ان كان المراد بالإنسان الجنس فالاشارة الى عامة الموصوفين بالصفات المتقدمة ظاهر وان كان المراد به ابو بكر او سعد فالمشار اليه هو ومن كان مثله فى الصفات المذكورة فذكر حكم ابى بكر وسعد فى ضمن العموم على سبيل الكناية وهو ابلغ من الصريح فانه كدعوى الشيء مع بينة وبرهان الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا فان المباح حسن ولا يثاب عليها او هى من قبيل اضافة الصفة الى موصوفها يعنى
الأحقاف 46:17
نتقبل عنهم ما عملوا احسن مما عمله غيره وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فلا نعاقبهم على شىء منها قرأ حمزة والكسائي وحفص «خلف- ابو محمد» نتقبّل ونتجاوز بالنون على التكلم والتعظيم واحسن منصوبا على المفعولية والباقون بالياء على الغيبة والبناء للمفعول واحسن مرفوعا على انه مسند اليه فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ خبر بعد خبر لاولئك او حال من الضمير المجرور فى عنهم وعن سيّئاتهم اى كاننين فى اعدادهم او مثابين او معدودين فيهم وَعْدَ الصِّدْقِ مصدر مؤكد لنفسه فان يتقبل ويتجاوز وعد اى وعدت وعد الصدق واضافة الوعد الى الصدق من قبيل حاتم الجود الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) فى الدنيا والجملة مستانفة لبيان جزاء الإنسان المذكور..
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ إذا دعواه الى الايمان بالله والإقرار الموصول مبتدا خبره أولئك والجملة مستأنفة اخرى لبيان حكم من خالف المذكورين أُفٍّ لَكُما وهى كلمة كراهية قرأ نافع وحفص «وابو جعفر- ابو محمد» بالتنوين وكسر الفاء وقرأ ابن كثير وابن عامر «ويعقوب- ابو محمد» بفتح الفاء بغير تنوين والباقون بكسر الفاء بغير تنوين أَتَعِدانِنِي قرأ هشام بنون واحدة مشددة والباقون بنونين مكسورتين وقرأ نافع وابن كثير «ابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها والاستفهام للانكار والتوبيخ فى مقام التعليل للتأنيف أَنْ أُخْرَجَ من قبرى حيّا بعد الموت وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي الجملة حال من فاعل اخرج وهاهنا جملة محذوفة معطوفة على هذه الجملة تقديره ولم يخرج أحد منهم وَهُما اى أبواه يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ اى يقولان الغياث بالله منك او يسئلانه تعالى ان يغيثه بالتوفيق للايمان الجملة حال من والديه وَيْلَكَ مصدر لفعل محذوف اى هلكت هلاكات والجملة مقدرة بالقول اى ويقولان له ويلك آمِنْ بالله وبالبعث بعد الموت إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث حَقٌّ هذه الجملة فى مقام التعليل للامر بالايمان فَيَقُولُ ذلك الولد الكافر لوالديه ما هذا الوعد إِلَّا أَساطِيرُ اى أكاذيب الْأَوَّلِينَ (١٧)
الأحقاف 46:18
اخرج البخاري من طريق يوسف بن ماهك قال كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكى يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمان بن ابى بكر شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا فقال مروان هذا الذي انزل الله فيه والّذى قال لوالديه أفّ لّكما اتعداننى فقالت عائشة من وراء الحجاب ما انزل الله فينا شيئا من القران الا ان انزل عذرى- وروى انه غضب عبد الرحمان بن ابى بكر بقول مروان وقال هذا سنة الهراقلة ان يرث الأبناء ملك الآباء- واخرج ابن ابى حاتم عن السدىّ وعن ابن عباس مثل قول مروان وقال نزلت فى عبد الرحمان بن ابى بكر قبل إسلامه ثم اسلم عبد الرحمان وحسن إسلامه- وقال البغوي قال ابن عباس والسدىّ ومجاهد نزلت فى عبد الله وقيل فى عبد الرحمان بن ابى بكر كان أبواه يدعو انه الى الإسلام وهو يأبى ويقول أحيوا لى عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ومشائخ قريش حتى اسئلهم عما تقولون- قلت وقول من قال انها نزلت فى عبد الرحمن بن ابى بكر انما نشا من قول مروان وقد سمعت ان قول مروان انما كان مبنيّا على العناد.
قال البغوي وأنكرت عائشة ان يكون هذا فى عبد الرحمان بن ابى بكر وقالت انما نزلت فى فلان سمت رجلا- وقال الحافظ ابن حجر ونفى عائشة أصح اسنادا واولى بالقبول وقال البغوي والصحيح انها نزلت فى كافر عاق لوالديه المسلمين كذا قال الحسن وقتادة وقال الزجاج قول من قال نزلت فى عبد الرحمان بن ابى بكر قبل إسلامه يبطله قوله تعالى.
أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ اى وجب وثبت عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بانهم اهل النار فان عبد الرحمان كان من أفاضل المسلمين فِي أُمَمٍ اى مع امم كافرة قَدْ خَلَتْ اى مضت مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ بيان لامم وجملة قد خلت صفة لامم وفى امم متعلق بحقّ وهو صلة للموصول والموصول خبر لاسم الاشارة والجملة خبر لقوله والّذى قال لوالديه إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) تذييل..
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا اى من جزاء ما عملوا من الخير او من أجل
الأحقاف 46:20
ما عملوا قال البغوي قال ابن عباس يريد من سبق الى الإسلام فهو أفضل ممن يخلف عنه ولو بساعة وقال مقاتل ولكل فضائل بأعمالهم فيوفيهم حزاء أعمالهم وقيل ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين درجات منازل ومراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم فيجازيهم عليها قال ابن زيد فى هذه الاية درجات اهل النار يذهب سفالا ودرجات اهل الجنة يذهب علوّا وَلِيُوَفِّيَهُمْ قرأ ابن كثير وابو عمرو وهشام وعاصم «ويعقوب- ابو محمد» بالياء على الغيبة والباقون بالنون على التكلم والتعظيم وهو معطوف على علة محذوفة لفعل محذوف تقديره فعلنا ذلك او فعل الله ذلك لحكم ومصالح وليوفّيهم أَعْمالَهُمْ اى جزاء ما عملوا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) بنقص ثواب او زيادة عقاب حال من الضمير المنصوب-.
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ اى يعذبون بها أصله يعرض النار عليهم فقلب مبالغة كقولهم عرضت الناقة على الحوض أَذْهَبْتُمْ مقدر بالقول اى يقال لهم أذهبتم وهو ناصب اليوم قرأ ابن كثير وابن عامر وابو جعفر ويعقوبء أذهبتم بالاستفهام فقرأ ابن ذكوان وروح- ابو محمد بهمزتين محققتين بغير مد وابن كثير وابو جعفر ويعقوب «اى رويس» وهشام «ابو محمد بخلاف عنه ابو محمد» بهمزة ومد «اى همزة سهلة ابو محمد» وهشام أطول مدا على «وابو جعفر- ابو محمد» أصله وابن كثير «ورويس- ابو محمد» يسهل الثانية على أصله «اى بغير إدخال- ابو محمد» والباقون بهمزة واحدة على الخبر قال البغوي كلاهما فصيحتان لان العرب تستفهم للتوبيخ وتترك الاستفهام طَيِّباتِكُمْ ولذائذكم فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا باستيفاء ما كتب لكم حظّا منها فى الدنيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فما بقي لكم منها شىء فَالْيَوْمَ الفاء للسببية عطف على استمتعتم تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ اى العذاب الذي فيه ذل وهوان بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) اى بسبب الاستكبار الباطل والفسوق عن طاعة الله.
قال البغوي وبّخ الله الكافرين بالتمتع فى الدنيا فاثر النبي ﷺ وأصحابه الصالحون اجتناب اللذات ل الدنيا رجاء لثواب الاخرة روى الشيخان فى الصحيحين عن عمر رضى الله عنه قال دخلت على رسول الله ﷺ فاذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد اثر الرمال بجنبه متكيا على وسادة من آدم حشوها ليف قلت يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فان فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله فقال اوفى هذا أنت يا ابن الخطّاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى الحيوة الدنيا- وفى رواية أما ترضى ان تكون لهم الدنيا ولنا الاخرة- وفى الصحيحين عن عائشة ما شبع ال محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم- وروى البخاري عن ابى سعيد المقبري عن ابى هريرة انه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية فدعوه فابى ان يأكل وقال خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير وروى عن عائشة قالت لقد كان يأتى علينا شهر ما توقد فيه نار وما هو الا الماء والتمر غير ان جزى الله النساء من الأنصار خيرا ربما اهدين لنا شيئا من اللبن- وروى احمد والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ يبيت الليالى المتتابعة طاويا واهله لا يجدون عشاء وكان اكثر خبزهم خبز الشعير- وروى الترمذي عن انس قال قال رسول الله ﷺ لقد اخفت فى الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت وما يؤذى أحد ولقد أتت علىّ ثلاثين من بين ليلة ويوم ومالى ولبلال طعام يأكله ذو كبد الا شىء يواريه إبط بلال- قال الترمذي ومعنى الحديث حين خرج النبي ﷺ هاربا من مكة ومعه بلال انما كان مع بلال من الطعام ما تحمل تحت إبطه وروى البخاري عن ابى هريرة قال رايت سبعين من اصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء اما إزار واما كساء قد ربطوا فى أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية ان ترى عورته وروى البخاري عن انس انه مشى الى النبي ﷺ بخبز شعير واهالة سبخة ولقد رهن النبي ﷺ درعا بالمدينة عند يهودى وأخذ منه الشعير لاهله ولقد سمعته يقول ما امسى عند ال محمد صاع بر ولا صاع حب وان عنده تسع نسوة وروى الترمذي عن ابى طلحة قال شكونا الى رسول الله ﷺ الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين وقال الترمذي هذا حديث غريب وروى مسلم عن عبد الرحمان قال جاء ثلاثة نفر الى عبد الله بن عمرو وانا عنده فقالوا يا أبا محمد والله ما نقدر على شىء لا نفقة ولا دابة ولا متاع فقال لهم ما شئتم ان شئتم رجعتم إلينا فاعطيناكم ما يسر الله لكم وان شئتم ذكرنا أمركم للسلطان وان شئتم صبرتم فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول ان فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة الى الجنة بأربعين خريقا قالوا فانا نصبر لا نسئل شيئا- وروى احمد عن معاذ بن جبل ان رسول الله ﷺ لما بعث به الى اليمن قال إياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمين- وروى البيهقي فى شعب الايمان عن على رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من رضى من الله باليسر من الرزق رضى الله عنه بالقليل من العمل- وروى البغوي عن عبد الرحمان بن عوف انه اتى بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير منى فكفن فى بردة ان غطى رأسه بدت رجلاه وان غطى رجلاه بدا رأسه قال واراه قال وقتل حمزة وهو خير منى ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط او قال أعطينا الدنيا وقد خشينا ان تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكى حتى ترك الطعام- وروى عن جابر بن عبد الله انه راى عمر بن الخطاب لحما
معلقا فى يدىّ فقال ما هذا يا جابر قلت اشتهيت لحما فاشتريته فقال عمر فكلما اشتهيت يا جابر اشتريت اما تخاف هذه الاية أذهبتم طيّباتكم فى حياتكم الدّنيا- وقد روى القصة من حديث ابن عمر- وفى رواية من حديث جابر اما يجد أحدكم ان يطوى بطنه لجاره وابن عمه- وروى رزين عن زيد بن اسلم قال استسقى يوما عمر فجئ بماء قد شيب بعسل فقال انه طيب لكنى اسمع الله عزّ وجلّ نفى على قومه شهواتهم فقال أذهبتم طيّباتكم فى حياتكم الدّنيا واستمتعتم بها
الأحقاف 46:21
فاخاف ان تكون حسناتنا عجلت «١» لنا فلم يشربه-.
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ يعنى هود عليه السلام إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ عادا إذ مع ما أضيف اليه بدل اشتمال من أخا عاد اى اذكر وقت إنذاره بِالْأَحْقافِ اى فى الأحقاف قال ابن عباس الأحقاف بين عمان ومهرة وقال مقاتل منازل عاد كان باليمن فى حضرموت بموضع يقال لها مهرة تنسب إليها الإبل المهرية وكانوا اهل عهد سيارة فى الربيع فاذا هاج العود رجعوا الى منازلهم وكانوا من قبيلة ارم قال قتادة ذكر لنا ان عادا كانوا حيّا باليمن كانوا اهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال له يشجر
(١) عن سالم بن عبد الله بن عمران عمر كان يقول ما نعنى بالذات العيش ان نأمر بصفار المغرى فتسمط ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا ونأمر بالذبيب فينبذ لنا فى الاسفان حتى إذا صار مثل عين اليعقوب أكلنا هذا وشربنا هذا ولكنا نريد ان تستبقى طيباتنا لانا سمعنا الله يقول أذهبتم طيّباتكم فى حياتكم الدّنيا- وعن قتادة قال ذكر لنا ان عمر بن الخطاب كان يقول لو شئت كنت أطيبكم طعاما والينكم لباسا ولكنى استبقى طيباتى وذكر لنا ان عمر بن الخطاب لما قدم الشام صنع له طعام لم ير قبله مثله قال هذا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير قال خالد بن الوليد الجنة فاغرورقت عينا عمر فقال لان كان حظنا من هذا الخطام وذهبوا بالجنة لقد بانوا بونا بعيدا- وعن حميد بن هلال قال كان حفص يكثر عشيان امير المؤمنين عمر رضى الله عنه وكان إذا قرب طعاما نفاه فقال له عمر مالك ولطعامنا فقال يا امير المؤمنين ان أهلي يصنعون لى طعاما هو ألين من طعامك فاختر طعامهم على طعامك فقال ثكلتك أمك اما ترانى لو شئت أمرت بشاة فتية سمينة فالقى عنها شعرها ثم أمرت بدقيق فتخل فى خرقة فجعل خبزا مرققا وأمرت بصاع من ذبيب فجعل فى سعن حتى يكون كدم الغزال فقال حفص انى أراك تعرف ليّن الطعام فقال عمر ثكلتك أمك والذي نفسى بيده لولا كراهية ان ينقص من حسناتى يوم القيامة لاشركتم فى لين الطعام- وعن الحسن قال قدم وفد اهل البصرة على عمر مع ابى موسى فكان له كل يوم خبز ملث فربما وافقناها مادوقه بلبن وربما وافقناها القدائد اليابسة قد دقت ثم أعلى تهاور بما وافقناها باللحم الغريض وهو قليل قال وقال لنا عمر انى والله لقد ارى تقديركم وكراهيتكم طعامى انا والله لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وادقكم عيشا اما والله ما أجهل عن كراكر واسمنة وعن هلى وهياب سلابى ولكن وجدت الله عيّر قوما بامر حفاة فقال أذهبتم طيّباتكم فى حياتكم الدّنيا واستمعتم بها- ١٢ منه برد الله مضجعه-
الأحقاف 46:22
والأحقاف جمع حقف وهو المستطيل المعوج من الرمال قال ابن زيد هى ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ ان يكون جبلا وقال الكسائي هى ما استدار من الرمال وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ اى مضت الرسل جملة معترضة او حال من فاعل انذر يعنى والحال انه انذر مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ اى قبل هود نوح وغيره وَمِنْ خَلْفِهِ اى بعده صالح وابراهيم ولوط وغيرهم مثل إنذار هود أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ان مفسرة لانذر او مصدرية بتقدير الباء فان النهى عن الشيء إنذار عن مضرته إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو «وابو جعفر- ابو محمد» بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ عَلَيْكُمْ ان عبدتم غير الله عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) اى عظيم بلاؤه.
قالُوا أَجِئْتَنا استفهام تقرير لِتَأْفِكَنا اى لتصرفنا عَنْ آلِهَتِنا اى عن عبادتها فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب على الشرك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) فى وعيدك شرط مستغن عن الجزاء بما مضى.
قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ لوقت عذابكم عِنْدَ اللَّهِ اى يأتيكم فى وقت مقدر له من المستقبل ولا يستلزم عدم وقوع العذاب الان كونى كاذبا ولا مدخل لى فيه فاستعجلوا وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم من التوحيد والاحكام والأحبار بنزول العذاب ان لم تؤمنوا وَلكِنِّي قرأ نافع وابو عمرو «وابو جعفر- ابو محمد» والبزي بفتح الياء والباقون بإسكانها أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) لا تعلمون ان الله هو العليم القدير والرسل انما بعثوا منذرين مبلغين لا معذبين ولا مقترحين..
فَلَمَّا رَأَوْهُ الضمير عائد الى ما تعدنا وهو العذاب او مبهم تفسيره عارِضاً اى على هيئة سحاب يعرض اى يبدو فى عرض السماء مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ وقد كانوا قد حبس عنهم المطر قبل ذلك سنتين (وقد مرّ قصتهم فى سورة الأعراف وغيرها) استبشروا بها وقالُوا هذا الذي نراه عارِضٌ سحاب عرض مُمْطِرُنا اى يأتينا بالمطر قال الله تعالى او قال هود ليس هذا سحابا ممطرا كما زعمتم بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ من العذاب رِيحٌ
الأحقاف 46:25
خبر مبتدا محذوف اى هى او بدل من الموصول فِيها عَذابٌ صفة لريح أَلِيمٌ (٢٤) صفة عذاب.
تُدَمِّرُ اى تهلك كُلَّ شَيْءٍ مرت به من أنفسهم وأموالهم بِأَمْرِ رَبِّها اى رب الريح فجاءت الريح الشديد تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كانها جرادة وأول ما عرفوا انها عذاب إذا راوا ما كان خارجا من ديارهم من رجال عاد وأموالهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح فغلقت أبوابهم وصرعتهم وامر الله الريح فامالت عليهم الرمال وكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية ايام ثم امر الله الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم فرمت بهم فى البحر فَأَصْبَحُوا لا يُرى عطف على قال الله او قال هود المحذوف قرأ عاصم وحمزة ويعقوب «وخلف- ابو محمد» بضم الياء للغيبة على البناء للمفعول إِلَّا مَساكِنُهُمْ بالضم عندهم على انه مفعول ما لم يسم فاعله والباقون بالتاء للخطاب يعنى لا ترى يا محمد او يا مخاطب مطلقا ومساكنهم عندهم بالنصب على المفعولية كَذلِكَ اى جزاء مثل جزائهم نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) روى ان هودا عليه السلام لما أحس بالريح اعتزل بالمؤمنين فى الخطير- عن عائشة قالت ما رايت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى ارى منه لهواته انما كان يتبسم وكان إذا راى غيما او ريحا عرف ذلك فى وجهه متفق عليه وفى رواية عند البغوي فقلت يا رسول الله ان الناس إذا راوا الغيم فرحوا رجاء ان يكون فيها المطر وإذا رايته عرف فى وجهك الكراهية فقال يا عائشة ما يؤمننى ان يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح وقد راى قوم العذاب فقالوا هذا عارض مّمطرنا- وعنها قالت كان النبي ﷺ إذا عصت الريح قال اللهم انى أسئلك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل واقبل وأدبر فاذا أمطرت سرى عنه فعرفت ذلك عائشة فسالته فقال لعله يا عائشة كما قال عاد فلمّا راوه عارضا مّستقبل أوديتهم
الأحقاف 46:26
قالوا هذا عارض مّمطرنا- وفى رواية ويقول إذا را المطر رحمة- متفق عليه وفى رواية عند ابى داود والنسائي وابن ماجة والشافعي كان النبي ﷺ إذا أبصرنا شيئا من السّماء ترك عمله واستقبله وقال انى أعوذ بك من شر ما فيه الحديث- وعن ابن عباس ما هبت الريح قط الا جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا الحديث- رواه الشافعي والبيهقي..
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ يعنى عادا فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ من القوة والمال ما موصولة او موصوفة وان نافية وهى احسن هاهنا من ما لئلا يلزم التكرار لفظا اى فى الذي او فى شىء مكّنّاكم فيه- او شرطية والجواب محذوف والتقدير ولقد مكّنّاهم فى الّذى او فى شىء ان مكّنّاكم فيه كان بغيكم اكثر او زائدة يعنى مكّنّاهم فيما مكّنّاكم فيه والاول اظهر لقوله تعالى احسن أثاثا وكانوا اكثر منهم وأشدّ قوّة واثارا وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً بمعنى اسماعا وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً قلوبا ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على ما نحها ويواظبوا على شكرها فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ من زائدة يعنى لم ينفعهم شىء منها شيئا من النفع إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ظرف جرى مجرى التعليل من حيث ان الحكم مرتب على ما أضيف اليه فهو علة لما اغنى وَحاقَ اى نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) من العذاب.
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ يا اهل مكة مِنَ الْقُرى كحجر ثمود وارض سدوم قرى قوم لوط والمراد أهلها وَصَرَّفْنَا الْآياتِ اى كررنا الحجج والبينات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) اى لكى يرجعوا يعنى اهل مكة عن كفرهم تعليل للصرف وفيه التفات من الخطاب الى الغيبة.
فَلَوْلا نَصَرَهُمُ فهلا منعهم من عذاب الله الَّذِينَ اتَّخَذُوا اى الذين اتخذوهم مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً اى الهة يتقربون بها الى الله حيث قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله
الأحقاف 46:29
أول مفعولى اتّخذوا الراجع الى الموصول محذوف وثانيهما قربانا والهة بدل او عطف بيان او الهة مفعول ثان وقربانا حال او مفعول له على انه بمعنى التقرب او مفعول مطلق اى اتخاذ تقرب الى الله بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ اى غابوا عن نصرهم عند نزول العذاب وامتنع ان يستمدوا بهم امتناع الاستمداد بالضال وَذلِكَ اى اتخاذ الذين هذا شانهم إِفْكُهُمْ كذبهم وصرفهم عن الحق وقيل ذلك اشارة الى انتفاء نصرهم وهو مبتدا وإفكهم بحذف المضاف خبره والمعنى وذلك اى انتفاء نصرهم اثر إفكهم اى افترائهم والجملة معترضة لبيان سبب المشار اليه وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) اى افتراؤهم انها الهة اخرج ابن ابى شيبة عن ابن مسعود قال ان الجن هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه قالوا انصتوا قالوا صه وكانوا تسعة أحدهم رذبعة فانزل الله.
وَإِذْ صَرَفْنا اى أهلنا إِلَيْكَ هذه الجملة الى آخرها معترضة لتسلّية النبي ﷺ نَفَراً وهى جماعة دون العشرة وجمعه انفار مِنَ الْجِنِّ قال ابن عباس كانوا سبعة من جن نصيبين فيجعلهم رسول الله ﷺ رسلا الى قومهم وقال الآخرون كانوا تسعة قال البغوي روى عاصم عن زر بن حبيش ان رذبعة من التسعة الذين استمعوا القران يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ حال من نفر فَلَمَّا حَضَرُوهُ اى القران او الرسول قالُوا أَنْصِتُوا قال بعضهم لبعض اسكتوا نسمعه فَلَمَّا قُضِيَ اى أتم وفرغ من قراءته وَلَّوْا انصرفوا إِلى قَوْمِهِمْ من الجن مُنْذِرِينَ (٢٩) مخوّفين داعين بامر رسول الله ﷺ وقد ذكرنا القصة بوجوهها فى سورة الجن لما سبق منى تفسيرها.
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى قال عطاء كان دينهم اليهودية قلت لعل معنى قولهم انزل من بعد موسى ناسخا للتورية بخلاف الإنجيل والزبور فانهما لم يكونا ناسخين لكثير من احكام التورية حيث قال الله تعالى فى عيسى عليه السلام ويعلّمه الكتاب والحكمة والتّورية والإنجيل وقال حكاية عنه ولاحلّ لكم بعض الّذى حرّم عليكم مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من التورية والإنجيل وغيرهما
الأحقاف 46:31
من الكتب السماوية حال من فاعل انزل او صفة ثانية لكتابا وكذا قوله يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ من العقائد وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) من الشرائع.
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ محمدا ﷺ الى الإسلام وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ما كان حقا لله بخلاف المظالم فانها لا يغفر بالايمان وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) فاستجاب لهم من قومهم نحو سبعين رجلا من الجن فرجعوا الى رسول الله ﷺ فوافقوه فى البطحاء فقرأ عليهم القران فامرهم ونهاهم وفيه دليل على انه ﷺ كان مبعوثا الى الجن والانس جميعا وقد ذكرنا اختلاف العلماء فى حكم مؤمن الجن فى سورة الجن.
وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ اى لا يعجز الله فيفوته إذا أراد الله تعذيبه وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ يمنعونه من عذاب الله هذه الجملة حال من فاعل ليس بمعجز والجملة الشرطية اعنى من لا يجب داعى الله إلخ معترضة أُولئِكَ اى الذين لم يجيبوا داعى الله فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) فان الهداية منحصرة فى اتباع الرسول.
أَوَلَمْ يَرَوْا الاستفهام للانكار والواو للعطف على محذوف تقديره أينكرون هؤلاء الكفار عن البعث بعد الموت ولم يروا اى لم يعتقدوا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ اى لم يتعب ولم يعجز بِخَلْقِهِنَّ فان قدرته ذاتية لا ينقص ولا ينقطع بالإيجاد ابد الآبدين بِقادِرٍ الباء زائدة واسم الفاعل فى محل النصب على انه مفعول ثان ووجه دخول الباء على خبر انّ المفتوحة انّ انّ مع جملتها قائم مقام مفعولى يروا والنفي فى افعال القلوب يتوجه الى المفعول الثاني. هذا قراءة الجمهور وفى قراءة ابن مسعود قادرا بغير الباء وقرأ يعقوب يقدر بصيغة الفعل المضارع عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ منصوب بقول مضمر تقديره يقال لهم أَلَيْسَ هذا اشارة
الأحقاف 46:35
الى العذاب بالنار الذي ينكرونها فى الدنيا بِالْحَقِّ قالُوا اى الكفار فى الجواب بَلى وَرَبِّنا يقسمون بالله ويعترفون به حين لا ينفعهم الإقرار قالَ اى يقول الله تعالى حينئذ فَذُوقُوا الْعَذابَ الفاء للسببية فان كونها حقّا مع انكارهم إياها فى الدنيا سبب للذوق بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) - اى بسبب كفركم فى الدنيا ومعنى الأمر هو الاهانة والتوبيخ وجملة ويوم يعرض إلخ متصلة بقوله ويوم يعرض الّذين كفروا على النّار أذهبتم طيّباتكم وما بينهما معترضات..
فَاصْبِرْ يا محمد على أذى الكفار الفاء للسببية يعنى إذا علمت انهم يذوقون عذاب النار فاصبر ولا تهتم للانتقام كَما صَبَرَ اى صبرا مثل صبر أُولُوا الْعَزْمِ اى اولى الصبر والثبات والجد مِنَ الرُّسُلِ قبلك فانك من جملتهم واختلفوا فيهم قال ابن زيد كل رسول كان صاحب عزم فان الله لم يبعث نبيّا الا كان ذا عزم وحزم ورأى وكمال عقل ومن للتبيين- وقال بعضهم الأنبياء كلهم أولوا عزم الا يونس بن متى لعجلة كانت منه الا ترى انه قيل للنبى ﷺ ولا تكن كصاحب الحوت وقيل الا يونس والا آدم لقوله تعالى ولم نجد له عزما وقال قوم هم نجباء الرسل المذكورون فى سورة الانعام وهم ثمانية عشر ابراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى والياس وإسماعيل واليسع.
ويونس ولوطا قال الله تعالى بعد ذكرهم أولئك الّذين هدى الله فبهديهم اقتده وقال الكلبي هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع اعداء الله وقيل هم ستة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهم المذكورون على النسق فى سورة الأعراف والشعراء وقال مقاتل هم ستة نوح صبر على أذى قومه وابراهيم صبر على النار وإسحاق صبر على الذبح ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره ويوسف صبر فى البئر والسجن وأيوب صبر على الضرّ وقال ابن عباس وقتادة هم نوح وابراهيم وموسى وعيسى اصحاب الشرائع مع محمد ﷺ وعليهم أجمعين خمسة قال الشيخ محى السنة البغوي ذكرهم الله على التخصيص فى قوله وإذ أخذنا من النّبيّين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم وفى قوله تعالى شرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحا والّذى أوحينا إليك وما وصّينا به ابراهيم وموسى وعيسى وقال الشيخ احمد المجدد للالف الثاني رضى الله عنه هم ستة آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى وسيد الرسل محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين وسلم اما الخمسة فلما ذكر من تخصيصهم للميثاق وكونهم اصحاب الشرائع ومن جاء خلفهم ايّد شرائعهم واما آدم فلا جرم يكون هو صاحب شريعة جديدة لكونه مقدما على غيره.
روى البغوي عن مسروق قال قالت لى عائشة قال لى رسول الله ﷺ يا عائشة ان الدنيا لا ينبغى لمحمد ولا لال محمد يا عائشة ان الله لم يرض من اولى العزم الا الصبر على مكروهها والصبر على محبوبها ولم يرض الا ان كلفنى ما كلفهم وقال فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرّسل وانى والله ما بدلى من طاعته وانى والله لاصبرنّ كما صبروا واجهدنّ كما جهدوا ولا قوة الا بالله ( «١» ) عن ابن مسعود قال كانى انظر الى رسول الله ﷺ يحكى نبيّا من الأنبياء ضربه قومه فادموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومى فانهم لا يعلمون- متفق عليه وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ اى لا تدع على كفار قريش بنزول العذاب عليهم فانه نازل بهم فى وقته لا محالة- كانه ضجر وضاق قلبه بكثرة مخالفات قومه فاحب ان ينزل العذاب بمن ابى منهم فامر بالصبر وترك الاستعجال ثم اخبر عن قرب العذاب فقال كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ من العذاب فى الاخرة لَمْ يَلْبَثُوا فى الدنيا زمانا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ استقصروا من هوله مدة لبثهم فى الدنيا حتى يحسبونها ساعة ولان ما مضى وان كان طويلا فهو إذا انقضى صار كان لم يكن وجملة كانّهم واقع موقع التعليل لعدم الاستعجال
(١) هنا بياض فى الأصل ١٢ فى تعذيب الكفار ثم قال بَلاغٌ اى هذا الذي وعظتم به او هذه السورة او هذا القران وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم اى كفاية او تبليغ الرسول وتنكير البلاغ للتعظيم والتفخيم وقيل بلاغ مبتدا خبره لهم وما بينهما اعتراض اى لهم وقت يبلغون اليه كانهم إذا بلغوه رأسا وراوا ما فيه استقصروا مدة عمرهم فَهَلْ يُهْلَكُ الاستفهام للانكار اى لا يهلك بالعذاب أحد إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) الخارجون عن الاتعاظ او الطاعة قال الزجاج تأويله لا يهلك مع رحمة الله وفضله الّا القوم الفاسقون- ولهذا قال قوم ما فى الرجاء لرحمة الله اية أقوى من هذه الاية- الحمد لله رب العلمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين تمت تفسير سورة الأحقاف من التفسير المظهرى الثالث عشر من الجمادى الاول من السنة الثامنة بعد الف سنة ١٢٠٨ هـ- ومائتين ويتلوه تفسير سورة محمد ﷺ ان شاء الله تعالى-.
محمد 47:1
سورة خاتم النّبيين محمّد صلى الله عليه وسلم
وهى سورة القتال وهى ثمان وثلاثون اية ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى منعوا الناس عن الدخول فى الإسلام إذ امتنعوا عن الدخول فيه وسلوك طريقه أَضَلَّ الله أَعْمالَهُمْ (١) اى جعلها ضائعة محبطة حيث لم يقصدوا بها وجه الله ولم يجعل لها ثوابا وانما يجزون بها فى الدنيا فضلا من الله وأراد بالأعمال ما كان منها حسنا فى الظاهر كاطعام الطعام وصلة الأرحام وفك الأسارى وحفظ الجوار وقال الضحاك أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي ﷺ وجعل الدبرة عليهم.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تخصيص للمنزل عليه مما يجب الايمان به تعظيما له واشعارا بان الايمان لا يتم بدونه وانه الاضل منه وشامل لجميع الايمانيات ولذلك أكده بقوله وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ اعتراضا على طريقة الحصر وجاز ان يكون حالا قيل حقيقته كونه ناسخا لا ينسخ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ اى غفرها وسترها بالايمان وأعمالهم الصالحة وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) اى حالهم فى الدنيا بالنصر على الأعداء وتوفيق الطاعة والحفظ عن المعاصي وتسلط الشيطان وفى الاخرة بالخلود فى النعيم ورضوان الله تعالى وقال ابن عباس يعنى عصمهم ايام حياتهم اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس انه قال الّذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله هم مشركوا مكة
محمد 47:3
والّذين أمنوا وعملوا الصّالحات هم الأنصار قلت واللفظ عام.
ذلِكَ اشارة الى ما مرّ من الإضلال والتكفير والإصلاح مبتدا خبره بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ اى الشيطان وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ اى القران كَذلِكَ اى ضربا مثل ذلك الضرب يَضْرِبُ اللَّهُ اى يبين لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) الضمير راجع الى الناس او الى المذكورين من الفريقين على معنى انه يضرب لاجل الناس حتى يعتبروا أمثال الفريقين جعل الله تعالى اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار والإضلال مثلا لخيبتهم واتباع الحق مثلا للمؤمنين تكفيرا لسيئات مثلا لفوزهم..
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا من اللقاء وهو الحرب فَضَرْبَ الرِّقابِ أصله فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه مضافا الى المفعول للتأكيد والاختصار عبر به عن القتل اشعارا بانه ينبغى ان يضرب الرقبة ما أمكن فانه مفض الى القتل غالبا دون غيره من الجراحات حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ اى أكثرتم قتلهم واغلظتموهم من الثخين بمعنى الغليظ فَشُدُّوا الْوَثاقَ اى فامسكوا عنهم واسروهم وشدوا وثاقهم واحفظوهم كيلا يفروا والوثاق بالفتح والكسر ما يوثق به فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً اى فاما تمنون عليهم بالإطلاق بعد الاسر وشد الوثاق منّا او يفدون فداء- قال البغوي اختلف العلماء فى حكم هذه الاية فقال قوم هى منسوخة بقوله تعالى اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله تعالى فامّا تثقفنّهم فى الحرب فشرّد بهم من خلفهم والى هذا القول ذهب قتادة والضحاك والسدىّ وابن جريج وهو قول الأوزاعي وبه قال ابو حنيفة رحمه الله فى رواية- قلت قوله تعالى فشرّد بهم من خلفهم لا يصلح ناسخا لهذه الاية وقوله تعالى اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم مخصوص بالبعض حيث جاز استرقاق الأسارى بالإجماع واستبقاؤهم ذمة لنا عند ابى حنيفة ومالك فبقى ظنى الدلالة فى الباقي فلا يصلح ناسخا لهذه الاية لكونها قطعية- وذهب الآخرون الى انها محكمة والامام بالخيار فى الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا فى الاسر بين ان يقتلهم او يسترقهم او يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض او يفاديهم بالمال او بأسارى المسلمين واليه ذهب ابن عمرو به قال الحسن وعطاء واكثر الصحابة والعلماء وهو قول الثوري والشافعي واحمد وإسحاق وقال ابن عباس لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم انزل الله عزّ وجلّ فى الأسارى فامّا منّا بعد وامّا فداء وهذا هو الأصح والاختيار لانه عمل به رسول الله ﷺ والخلفاء بعده قلت فهذه الاية ناسخة لقوله تعالى ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فانها نزلت فى غزوة بدر سنة اثنين وقد منّ رسول الله ﷺ على الأسرى بعد ذلك فى الحديبية سنة ست وغير ذلك- عن انس ان ثمانين رجالا من اهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غزوة النبي ﷺ وأصحابه فاخذهم سلما فاستحياهم وفى رواية فاعتقهم فانزل الله تعالى وهو الّذى كفّ أيديهم عنكم وايديكم عنهم ببطن مكّة من بعد ان أظفركم عليهم- رواه مسلم وقد ذكرنا مسائل احكام الأسارى واختلاف العلماء وما ورد فى الباب من الأحاديث فى سورة الأنفال فى تفسير قوله تعالى ما كان لنبىّ ان يكون له اسرى حتّى يثخن فى الأرض- حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ اى اهل الحرب اى المحاربين أَوْزارَها يعنى اثقالها وهى الاسلحة يعنى ينقطع الحرب ولم يبق الا مسلم او مسالم وقيل الأوزار الآثام والمعنى يضع اهل الحرب من المشركين اثامها بان يتوبوا من كفرهم ويؤمنوا بالله ورسوله وقيل حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بان يسلموا والمعنى اثخنوا المشركين بالقتل والاسر حتى يدخل اهل الملل كلها فى الإسلام جعل الله سبحانه انقطاع الحرب غاية للضرب او الشد او المن او الفداء او للمجموع يعنى هذه الاحكام جارية حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم وذلك عند نزول عيسى بن مريم عليه السلام عن عمران بن حصين قال قال رسول الله ﷺ لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناولهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال- رواه ابو داود وروى البغوي عن النبي ﷺ بلفظ الجهاد ماض منذ بعثني الله الى ان يقاتل اخر أمتي الدجال ذلِكَ خبر مبتدا محذوف اى الأمر فيهم ذلك او مبتدا خبره محذوف اى ذلك ثابت او مفعول لفعل محذوف اى افعلوا بهم ذلك فهو تأكيد لما سبق وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ اى لانتقم من الكفار بان يهلكهم من غير تعب منكم فى الجهاد وَلكِنْ أمركم بالقتال لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ اى ليبلو المؤمنين بالكافرين بان يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب والكافرين بالمؤمنين بان يعاجلهم بالعقوبة بايديهم كى يرتدع بعضهم من الكفر ويستوجب بعضهم النار والجملة بيان لحكمة شرعية
القتال مع القدرة على استيصالهم بلا تجشم قتال من المؤمنين وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قرأ اهل البصرة وحفص قتلوا بضم القاف وكسر التاء على البناء للمفعول من المجرد وهم الشهداء والباقون قاتلوا بالألف من المقاتلة وهم المجاهدون فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) خبر للمبتدا الموصول المتضمن لمعنى الشرط اى لا يبطل أعمالهم بارتكاب المعاصي بل يكفر سيئاتهم ويثيب على حسناتهم اخرج البزار والبيهقي والاصفهانى فى الترغيب عن انس قال قال رسول الله ﷺ الشهداء ثلاثة رجل خرج بنفسه وماله محتسبا فى سبيل الله يريد ان يقاتل ويقتل بكثّر سواد المسلمين فان مات او قتل غفرت له ذنوبه كلها وأجير من عذاب القبر ويؤمن من الفزع الأكبر ويزوج من الحور العين ويحل حلة الكرامة ويوضع على رأسه تاج الوقار والثاني رجل خرج بنفسه وماله محتسبا يريدان يقتل ولا يقتل فان مات او قتل كانت ركبتيه مع ابراهيم خليل الرحمان بين يدى الله فى مقعد صدق عند مليك مقتدر والثالث رجل خرج بنفسه
محمد 47:5
وماله محتسبا يريد ان يقتل ويقتل فان مات او قتل جاء يوم القيامة شاهرا سيفه واضعه على عاتقه والناس جاثون على الركب يقولون الا افسحوا لنا فانا بذلنا دماءنا وأموالنا لله حتى يأتوا منابر من نور تحت العرش فيجلسون عليها ينظرون كيف يقضى بين الناس لا يجدون غم الموت ولا يفتنون فى البرزخ ولا يفزعهم الصيحة ولا يهمهم الحساب ولا الميزان ولا الصراط ولا هم يسئلون شيئا الا اعطوا ولا يشفعون فى شىء الا شفعوا ويعطون من الجنة ما احبّوا ويتبؤون من الجنة حيث احبّوا والله اعلم.
اخرج ابن ابى حاتم عن قتادة قال ذكر لنا انه نزلت هذه الاية الّذين قتلوا فى سبيل الله يوم أحد وقد نشب فيهم الجراحات والقتل وقد نادى المشركون بوعيد اعل هبل فنادى المسلمون الله أعلى وأجل فقال المشركون ان لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله ﷺ قولوا الله مولانا ولا مولى لكم.
سَيَهْدِيهِمْ فى الدنيا الى الرشك وفى الاخرة الى الدرجات العلى وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) اى حالهم فى الدارين اما فى الدنيا فلمن لم يقتل ادرجوا فى القتلى تغليبا او لانهم لما خرجوا للقتال ورضوا بان يّقتلوا اعطوا ثوابهم فى الدارين واما فى الاخرى فلمن قتل ولمن لم يقتل بان يكفر سيئاتهم ويقبل حسناتهم ويرضى خصمائهم- اخرج ابو نعيم فى الحلية عن سهل بن سعد والبزار والبيهقي فى شعب الايمان عن ابن عمر قالا قال رسول الله ﷺ ثلاثة يقضى الله تعالى عنهم يعنى ديونهم يوم القيامة رجل خاف العدو على بيضة المسلمين وليس عنده قوة فادّ ان دينا فابتاع به سلاحا وتقوّى به فى سبيل الله فمات قبل ان يقضيه هذا يقضى الله عنه ورجل مات عنده اخوه المسلم فلم يجد ما يكفنه منه فاستقرض فاشترى به كفنا فمات وهو لا يقدر على قضائه فهذا يقضى الله عنه يوم القيامة ورجل خاف على نفسه العنت فتعفف بنكاح امراة فمات ولم يقض فان الله يقضى عنه يوم القيامة واخرج الطبراني فى الأوسط بسند حسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
محمد 47:6
إذا التقى الخلائق يوم القيامة فادخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار نادى منادى يا اهل الجمع تتاركوا المظالم بينكم وثوابكم على الله تعالى.
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) اى يبين لهم منازلهم فى الجنة حتى يهتدوا الى مساكنهم من غير استدلال كانهم سكانها منذ خلقوا فيكون المؤمن اهدى الى منزله ودرجته وزوجته وخدمه منهم الى منزله واهله فى الدنيا هذا قول اكثر المفسرين عن ابى هريرة قال كان رسول الله ﷺ يقول والذي بعثني بالحق ما أنتم فى الدنيا باعرف بازواجكم ومساكنكم من اهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم- رواه فى حديث طويل ابن جرير فى تفسيره والطبراني وابو يعلى والبيهقي فى البعث وغيرهم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ اى تنصروا دينه ورسوله يَنْصُرْكُمْ على عدوكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) فى القيامة بحقوق الإسلام والمجاهدة مع الكفار-.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ مصدر لفعل واجب إضماره سمعا اى فتعسوا تعسا والجملة خبر للموصول او مفسر لناصبه قال ابن عباس معناه بعدا لهم وقال ابو العالية سقوطا لهم وقال الضحاك خيبة لهم وقال ابن زيد شتّا لهم قال الفراء نصب على المصدر على سبيل الدعاء وقيل معناه فى الدنيا العثرة وفى الاخرة التردي فى النار ويقال للعاثر إذا لم يريدوا قيامه تعسا وضده لعا وفى القاموس التعس الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) لانها كانت فى طاعة الشيطان عطف على ناصب تعسا.
ذلِكَ التعس والإضلال بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعنى القران لما فيه من التوحيد والتكاليف المخالفة لما الفوه واشتهته أنفسهم فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) كرره اشعارا بان ذلك من لوازم الكفر.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا يعنى اهل مكة فِي الْأَرْضِ الاستفهام للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره الم يخرجوا فلم يسيروا فى الأرض فَيَنْظُرُوا جواب للنفى او معطوف عليه اى فلم ينظروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ
محمد 47:11
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
من الأمم المكذبة للرسل دَمَّرَ اللَّهُ اى استأصل عَلَيْهِمْ على أنفسهم وأهليهم وأولادهم وأموالهم جملة مستأنفة وَلِلْكافِرِينَ يعنى اهل مكة وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل على كفرهم أَمْثالُها (١٠) اى أمثال تلك العاقبة او العقوبة او الهلكة لان التدمير يدل عليها.
ذلِكَ النصر للمؤمنين والقهر على الكافرين بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا اى وليهم وناصرهم فيؤيدهم ويوفقهم ويسدد أمرهم ويدفع عنهم خطرات الشيطان حيث قال الله تعالى انّ عبادى ليس لك عليهم سلطان وَأَنَّ الْكافِرِينَ الذين قدر عليهم الكفر وسلطان الشيطان لا مَوْلى لَهُمْ (١١).
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ بمتاع الدنيا أياما قلائل وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ صفة لمصدر محذوف وما مصدرية اى أكلا كأكل الْأَنْعامُ حريصين غافلين عن المنعم تاركين شكره غير خائفين عن العاقبة وَالنَّارُ مَثْوىً اى منزل ومقام لَهُمْ (١٢) الجملة حال من فاعل تأكلون.
وَكَأَيِّنْ اى كثير مبتدا مِنْ قَرْيَةٍ اى اهل قرية حذف المضاف واجرى على المضاف اليه احكام المضاف فقال هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً صفة لقرية روعى لفظ القرية وانث الضمير مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ اى اخرجك أهلها أسند الإخراج إليهم باعتبار التسبيب فان النبي ﷺ انما خرج من مكة لاجل إيذاء أهلها اخرج ابو يعلى وذكره البغوي عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال لمّا خرج رسول الله ﷺ من مكة الى الغار التفت الى مكة وقال أنت أحب بلاد الله الى الله وأحب بلاد الله الىّ ولو ان المشركين لم يخرجونى لم اخرج منك فانزل الله تعالى هذه الاية أَهْلَكْناهُمْ خير مبتدا روعى فى الضمير فان المراد من القرية أهلها فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) حكاية حال ماضية اى فلم يكن لهم حينئذ ناصر.
أَفَمَنْ كانَ الاستفهام للانكار والفاء للعطف على محذوف تقديره ايستوى المؤمن الذي الله مولاه والكافر الذي لا مولى له أصلا فمن كان
محمد 47:15
عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ اى على يقين مستند الى حجة من عند ربه اى الى القرآن او ما يعمه والحجج العقلية كالنبى ﷺ والمؤمنين كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ اى زين لهم الشيطان سُوءُ عَمَلِهِ من الشرك والمعاصي وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) فعبدوا الأوثان بلا شبهة لهم فضلا عن حجة..
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الضمير الراجع الى الموصول محذوف اى وعد بها المتّقون- مثل الجنّة اى صفتها العجيبة مبتدا محذوف الخبر تقديره يتلى عليكم فيما بعد وقيل خبره كمن هو خالد فى النّار وتقدير الكلام أمثل اهل الجنّة كمثل من هو خالد فى النّار او أمثل الجنّة كمثل جزاء من هو خالد فى النّار فعرى عن حرف الإنكار وحذف ما حذف استغناء بجرى مثله تصوير المكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة والتابع للهوى بمكابرة من يسوى بين الجنة والنار وقيل خبره فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ صفة لانهار غَيْرِ آسِنٍ الجملة ان لم يكن خبر المثل فهو اما استئناف لشرح المثل او حال من العائد المحذوف اى مثل الجنّة الّتى وعد بها المتّقون كائنة فيها انهار من ماء غير أسن قرأ ابن كثير بالقصر والباقون بالمد وهما لغتان اى غير متغير طعمه ولا ريحه كما يتغير مياه الدنيا بطول المكث وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ كما يتغير البان الدنيا الى الحموضة وغيرها وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ اى لذيذة تأنيث لذّ او مصدر نعت به بإضمار اى ذات لذة او تجوزا للمبالغة لِلشَّارِبِينَ لا يكون فيها كراهة ريح ولا غائلة سكر وخمار بخلاف خمر الدنيا فانها كريهة عند الشرب وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى لم يخالطه الشمع ولا فضلات النحل وغيرها.
عن معاوية بن حيدة قال سمعت النبي ﷺ يقول ان فى الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم يشق الأنهار منها- رواه الترمذي وصححه والبيهقي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ انهار الجنة يفجر من جبل مسك- رواه ابن حبان والحاكم والبيهقي والطبراني وابن ابى حاتم وعن مسروق قال انهار الجنة تجرى من غير أخدود- رواه ابن المبارك والبيهقي وعن انس قال قال رسول الله ﷺ لعلكم تظنون ان انهار الجنة أخدود فى الأرض لا والله انها سابحة على وجه الأرض حافتاه خيام اللؤلؤ وطينها المسك الأزفر- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله سبحان وجيحان والفرات والنيل كلها من انهار الجنة- رواه مسلم وعن عمرو بن عوف قال قال رسول الله ﷺ اربعة انهار الجنة النيل والفرات وسيحان وجيحان واربعة جبال من جبال الجنة أحد والطور ولبنان ودرقان ( «١» ) وعن كعب الأحبار قال نهر النيل هو نهر العسل ونهر دجلة نهر اللبن ونهر الفرات نهر الخمر فى الجنة ونهر سيحان نهر الماء فى الجنة- رواه البيهقي وذكر البغوي قول كعب نهر دجلة نهر ماء اهل الجنة ونهر الفرات نهر لبنهم ونهر مصر نهر خمرهم ونهر سيحان نهر عسلهم وهذه الأنهار الاربعة تخرج من نهر الكوثر- وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ صنف عطف على فيها انهار عن ابن عباس قال ما فى الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة الا وهى فى الجنة حتى الحنظل- رواه ابن ابى حاتم وابن المنذر فى تفسيرهما وعن ابن عباس قال ليس فى الدنيا مما فى الجنة الا الأسماء رواه ابن جرير وابن ابى حاتم ومسدد فى مسنده وهناد فى الزهد والبيهقي وعن ثوبان انه سمع رسول الله ﷺ يقول لا ينزع رجل من اهل الجنة من ثمرها الا أعيد فى مكانها مثلها وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ فهو راض عنهم ابدا مع إحسانه إليهم بما ذكر بخلاف السيد للعبد فى الدنيا فانه قد يسخط عليه عطف على الصنف المحذوف او مبتدا خبره محذوف اى لهم مغفرة من ربهم كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ هذا على تقدير كون مثل الجنة مبتدا محذوف الخبر او كون
(١) هكذا بياض فى الأصل ١٢
محمد 47:16
خبره فيها انهار خبر لمبتدا محذوف تقديره أمن هو خالد فى تلك الجنة كمن هو خالد فى النّار او بدل من قوله كمن زيّن له وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من زيّن سوء عمله ممن هو على بيّنة من ربّه فى الاخرة تقريرا لانكار المساواة وَسُقُوا ماءً حَمِيماً عطف على هو خالد نظرا الى لفظة من وجمع سقوا نظرا الى معناه فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) لشدة الحر فخرجت من ادبارهم اخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال كان المؤمنون والمنافقون يجتمعون عند النبي ﷺ فيستمع المؤمنون منه ما يقول ويعونه ويستمع المنافقون ولا يعونه فاذا خرجوا سالوا المؤمنين ماذا قال آنفا فنزلت.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ عطف على والّذين كفروا يتمتّعون وما بينهما معترضات وهم المنافقون يستمعون قول النبي ﷺ فلا يعونه ولا يفهمونه تهاونا به وتغافلا او لما لا يعتقدونه حقّا حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا افراد ضمير يستمع نظرا الى لفظة من وجمع ضمير خرجوا وقالوا نظرا الى المعنى لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا اى ما الذي قالَ محمد آنِفاً الساعة من قولهم انف الشيء لما تقدم منه مستعار جارحة الانف ومنه استأنف وائتنف وهو ظرف بمعنى وقتا مؤتنفا او حال من الضمير فى قال قرأ ابن كثير وهو غير ماخوذ- ابو محمد فى رواية بالقصر والباقون بالمد ومعناهما واحد قالوا ذلك استعلاما او استهزاء أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فلذلك تهاونوا بكلام الرسول ﷺ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) ولذلك استهزءوا به.
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا بكلام الرسول ﷺ وهم المؤمنون زادَهُمْ الله بكل كلام من الرسول ﷺ هُدىً علما وبصيرة ومشرح صدر وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) اى وفقهم للعمل بما أمروا به او بين لهم ما يتقون به من النار قال سعيد بن جبير أتاهم ثواب تقواهم-.
فَهَلْ يَنْظُرُونَ اى ما ينتظرون يعنى كفار مكة إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً
بدل اشتمال من الساعة والاستفهام للانكار والمعنى ان الساعة اتية بغتة لا محالة فهم لا ينتظرون الا الساعة والجملة الاستفهامية جزاء شرط محذوف تقديره ان لم يتوبوا ولم يتسارعوا فى الطاعة فلا ينتظرون للتوبة والطاعة الا وقت إتيان الساعة وحينئذ لا ينفعهم التوبة ولا يستطيعون الطاعة عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال ما ينتظر أحدكم الا غنى مطغيّا او فقرا منسيّا او مرضا مفسدا او هرما مفندا او موتا مجهّزا او الدجال والدجال شر غائب منتظر او الساعة والسّاعة إذ هى وامرّ ( «١» ) فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها تعليل على إتيان الساعة اى اماراتها وعلاماتها منها شق القمر قال الله تعالى اقتربت السّاعة وانشقّ القمر ومنها الدخان ومنها مبعث النبي ﷺ روى مسلم وابن ماجة عن سهل بن سعد قال رايت النبي ﷺ قال بإصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلى الإبهام بعثت انا والساعة كهاتين- وروى احمد وابن ماجة والترمذي وصححة عن انس نحوه وعن انس قال لاحدثنّكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ لا يحدثكم به أحد غيرى سمعت رسول الله ﷺ يقول ان اشراط الساعة ان يرفع العلم ويكثر الجهل ويكثر الزنى ويكثر شرب الخمر ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امراة قيم واحد- وفى رواية يقل العلم ويظهر الجهل- متفق عليه وعن ابى هريرة قال بينما النبي ﷺ يحدث إذ جاء أعرابي فقال متى الساعة قال إذا ضيعت الامانة فانتظر الساعة قال كيف اضاعتها قال إذا وسدّ الأمر الى غير اهله فانتظر الساعة- رواه البخاري وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا اتخذ الفيء دولا والامانة مغنما والزكوة مغرما وتعلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق امه وادنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات فى المساجد وساد القوم فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم
(١) هكذا بياض فى الأصل
محمد 47:19
الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور ولعن اخر هذه الامة أولها فارتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع- رواه الترمذي وعن على رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إذ فعل أمتي خمس عشرة خصلة حل بهم البلاء وعد هذه الخصال ولم يذكر ويعلم العلم لغير الدين وقال وبرّ صديقه وجفا أباه وقال شرب الخمر ولبس الحرير- رواه الترمذي وهذه الجملة كالعلة لاتيانها بغتة فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ الساعة ذِكْراهُمْ (١٨) الفاء جزائية لشرط محذوف والمعنى ان تأتيهم الساعة بغتة فكيف يكون لهم ذكرهم اى وقت مجيئها كيف يتذكرون إذ حينئذ لا ينفعهم الذكر-.
فَاعْلَمْ أَنَّهُ اى الشأن لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «١» الفاء للسببية اى إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين فاثبت أنت يا محمد على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية وتكميل النفس بإصلاح أحوالها وافعالها النافع يوم القيامة وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ هضما لنفسك وإظهارا للتقصير فى العبادة بالنسبة الى جلال ربّك وعظمته وليستن به أمتك وقد فعله ﷺ حيث
(١) عن ابى بكر الصديق عن رسول الله ﷺ قال عليكم بلا اله الا الله والاستغفار فاكثروا منها فان إبليس قال أهلكت الناس بالذنوب واهلكونى بلا اله الا الله والاستغفار فلمّا رايت ذلك أهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون انهم مهتدون وعن يحيى بن طلحة بن عبيد الله ان عمر راى طلحة حزينا فقال له مالك قال انى سمعت رسول الله ﷺ يقول انى لاعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته الا نفس الله عنه كريته وأشرق لونه واتى ما يسره وما منعنى ان اسئلهما عنها الا القدرة عليه حتى مات فقال عمر انى لاعلمها قال لا تعلم كلمة هى أعظم من كلمة امر بها؟؟؟ لا اله الا الله قال فهى والله هى وعن عثمان بن عفان قال قال رسول الله ﷺ من مات وهو يعلم ان لا اله الا الله دخل الجنة منه نور الله مرقده- ١٢-[.....]
محمد 47:20
قال انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله فى اليوم مائة مرة- رواه مسلم واحمد وابو داود والنسائي من حديث الأغر المزني قلت لعل غين القلب كناية عمّا يرى الصوفي فى نفسه من ظلمات الإمكان بعدها يسند كمالاته الى جناب الرحمان قال المجدد للالف الثاني رضى الله عنه معرفة الله تعالى حرام على من لم ير نفسه شرّا من الكافر الفرنجى قيل عليه كيف يتصور ذلك مع ما يرى نفسه مؤمنا حقا لا اقل منه ويرى الكافر كافرا لا محالة ومعرفة فضل الايمان على الكفر من ضروريات الدين- أجاب عنه بان كل ممكن موجود فهو لا يخلو عن ظلمة الإمكان ونور الوجود المستعار من الرحمان فالعارف بالله يرى فى نفسه غالبا جانب العدم والإمكان وما فيه من الوجود واتباعه من الكمالات يجده مستعارا من الملك المنان امتثالا لامره انّ الله يأمركم ان تؤدّوا الأمانات الى أهلها ويرى فى من سواه غالبا جانب الوجود المستفاد من الرحمان فلا جرم يرى نفسه شرّا من كل من سواه وهذه المعرفة لا يزاحم معرفة فضل الايمان على الكفر باختلاف الالحاظ والحيثيات وسعة العلم والإدراكات بخلاف الغافل يرى وجوده وكمالاته مستندا الى نفسه وينادى انا خير منه ولا حول ولا قوة الا بالله وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ اى استغفر لذنوبهم بالدعاء لهم والتحريض على ما يستدعى لغفرانهم وفى إعادة الجار وحذف المضاف اشعار لفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم وانها جنس اخر قال البغوي هذا إكرام من الله تعالى لهذه الامة حيث امر نبيهم ﷺ ان يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) قال ابن عباس متقلّبكم مصرفكم ومنتشركم فى أعمالكم فى الدنيا ومثويكم مصيركم فى الاخرة الى الجنة او النار وقال مقاتل وابن جرير منصرفكم لاشتغالكم بالنهار ومثويكم ماويكم الى مضاجعكم بالليل وقال عكرمة متقلّبكم من أصلاب الآباء الى أرحام الأمهات ومثويكم مقامكم فى الأرض وقال ابن كيسان متقلّبكم من ظهر الى بطن ومثويكم مقامكم فى القبور والمعنى انه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شىء منها فاحذروه والخطاب للمؤمنين وغيرهم.
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا حرصا منهم على الجهاد لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ تأمرنا
محمد 47:21
بالجهاد فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ اى امر بالجهاد قيل معنى محكمة مبينة لا يحتمل وجها الا وجوب القتال وقال قتادة كل سورة ذكر فيها الجهاد فهى محكمة لان وجوب القتال نسخ ما كان قبل ذلك من الصلح والمهادنة ولا يرد عليه النسخ وهو ماض الى يوم القيامة وكل سورة ذكر فيها القتال كانت هى أشد القران على المنافقين رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ اى ضعف وجبن يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ جبنا ومخافة نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) اى خير لهم.
طاعَةٌ اى طاعة الله ورسوله فى الجهاد وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ اى قول سمعنا واطعنا فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ اى جد الأمر اى جد اصحاب الأمر على القتال فالاسناد اليه مجاز او المعنى لزم وفرض القتال فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ فيما زعموا من الحرص على الجهاد لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) وجملة لو صدقوا جزاء شرط وقيل جزاء الشرط محذوف وهذه مستأنفة تقديره فاذا عزم الأمر لم يصدقوا الله ولو صدقوا الله لكان خيرا لّهم.
فَهَلْ عَسَيْتُمْ فيه التفات من الغيبة الى الخطاب اى فهل يتوقع منكم ايها اصحاب الجبن إِنْ تَوَلَّيْتُمْ اى أعرضتم عن متابعة الرسول شرط مستغن عن الجزاء لوقوعه فى جملة تدل على الجزاء أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي لاجل مخالفة الرسول وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) اى تخالفوا اقرباءكم المؤمنين المجاهدين فى سبيل الله وان مع جملته فاعل لعسيتم والاستفهام للانكار يعنى لا تكونوا بحيث يتوقع منكم الفساد فى الأرض بالكفر والمعاصي وقطع الأرحام «١».
(١) عن بريدة قال كنت جالسا عند عمر إذ سمع صائحا فقال يا يرفا انظر ما هذا الصوت فنظر ثم جاء فقال جارية من قريش تباع أمها فقال عمر ادع المهاجرين والأنصار فلم يمكث الا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة فحمد الله واثنى عليه فقال اما بعد فهل تعلمون كان فيما جاء به محمد ﷺ الفظيعة قالوا لا قال فلما قد أصبحت فيكم فاشبة ثم قرأ فهل عسيتم ان تولّيتم ان تفسدوا فى الأرض وتقطّعوا أرحامكم ثم قال واىّ فظيعة اقطع من ابتياع أم امرئ فيكم وقد أوسع الله لكم قالوا فاصنع ما بدا لك- فكتب فى الآفاق ان لا يبتاع أم حرفانها قطيعة رحم وانه لا يحل منه برد الله مضجعه- ١٢-
.
محمد 47:23
أُولئِكَ يعنى المفسدين فى الأرض والقاطعين الأرحام مبتدا خبره الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى ابعدهم عن رحمته فَأَصَمَّهُمْ عن استماع الحق وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) عن ملاحظته هذه الجملة فى مقام التعليل للانكار فى قوله فهل عسيتم وقيل المراد بالّذين فى قلوبهم مرض المنافقون والمرض الشك والنفاق وقوله فاولى لهم اى فويل شديد لهم أفعل من الويل او من الولي بمعنى القرب او فعلى من ال ومعناه الدعاء عليهم بان يليهم المكروه او يؤل اليه أمرهم- وطاعة وقول معروف مبتدا محذوف الخبر اى وطاعة وقول معروف خير لهم او حكاية عن قولهم اى يقولون طاعة اى أمرنا طاعة وقول معروف فلو صدقوا الله فيما قالوا ان أمرنا طاعة لكان خيرا لهم لكنهم كذبوا فهل عسيتم ان تولّيتم امر الناس يعنى تأمرتم عليهم ان تفسدوا فى الأرض بالظلم- نزلت فى بنى امية وبنى هاشم يدل عليه قراءة على بن ابى طالب ان تولّيتم بضم التاء والواو على البناء للمفعول اى ان وليتم ولاة جائرة خرجتم معهم فى الفتنة وعاديتموهم أولئك الّذين لعنهم الله فاصمّهم وأعمى أبصارهم قال ابن الجوزي انه روى القاضي ابو يعلى فى كتابه المعتمد الأصول بسنده عن صالح بن احمد بن حنبل انه قال قلت لابى يا أبت يرعم بعض الناس انا نحب يزيد بن معاوية فقال احمد يا بنى هل يسوغ لمن يؤمن بالله ان يحب يزيد ولم لا يلعن رجل لعنه الله فى كتابه قلت يا أبت اين لعن الله يزيد فى كتابه قال حيث قال فهل عسيتم ان تولّيتم ان تفسدوا فى الأرض وتقطّعوا أرحامكم أولئك الّذين لعنهم الله فاصمّهم وأعمى أبصارهم-.
محمد 47:24
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ اى لا يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر فيتضح لهم الحق والاستفهام للانكار والتوبيخ والفاء للعطف على محذوف تقديره أيغفلون فلا يتدبّرون القران أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) أقفال القلوب استعارة بالكناية شبّه القلوب بالخزائن واثبت لها ما يناسب الخزائن من الأقفال على وجه التخييل وأضاف الأقفال الى القلوب للدلة على انها أقفال مناسبة لها مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة وهذا الكلام كناية عن عدم الاستعداد ونفى قابلية القلوب للاتعاظ بالكلية فلا يفهمون مواعظ القران وان تدبروا فرضا. وتنكير قلوب لان المراد قلوب بعض منهم او للاشعار بانها لابهام أمرها فى القساوة او لفرط جهالتها كانها مبهم مكنوزة روى البغوي عن هشام بن عروة عن أبيه قال تلا رسول الله ﷺ أفلا يتدبّرون القرءان أم على قلوب اقفالها فقال شابّ من اهل اليمن بل على قلوب اقفالها حتى يكون الله يفتحها او يفرجها فما زال الشابّ فى نفس عمر حتى ولّى فاستعان «١» به..
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ اى على ما كانوا عليه من الكفر مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى قال عروة هم كفار اهل الكتاب كفروا بمحمد ﷺ بعد ما عرفوه ووجدوا نعته فى التوراة وقال ابن عباس والضحاك والسدىّ هم المنافقون الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ اى سهّل لهم اقتراف الكبائر من السؤال وهو الاسترخاء وقيل حملهم على الشهوات من السول وهو التمني وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) قرأ اهل البصرة بضم الالف وكسر اللام وفتح الياء «ويعقوب بإسكان الياء ابو محمد» على ما لم يسم فاعله من الماضي وقرأ مجاهد بإسكان الياء على صيغة المضارع المتكلم من الافعال وروى هذه القراءة عن يعقوب والمعنى وانا املى لهم اى امهلهم والواو
(١) وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله ﷺ أفلا يتدبّرون القرءان أم على قلوب اقفالها فقال شابّ عند النبي ﷺ بلى والله عليها اقفالها حتى يكون الله هو يفكها فلمّا ولّى عمر سال عن ذلك الشابّ ليستعمله فقيل قد مات ١٢ منه برد الله مضجعه-
محمد 47:26
للحال او الاستئناف والباقون بفتح الالف اى املى الشيطان يعنى مدلهم فى الآمال والأماني وجملة انّ الّذين ارتدّوا مستأنفة فى جواب ما سبب ذلك.
ذلِكَ اى تسويل الشيطان وامهال الله سبحانه بِأَنَّهُمْ اى بسبب انّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ اى قال اليهود الذين كفروا بالنبي ﷺ بعد ما تبين لهم نعته من التوراة للمنافقين او قال المنافقون لهم او أحد الفريقين للمشركين سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ اى فى بعض أموركم او فى بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد او الموافقة لهم فى الخروج معهم ان اخرجوا او على التعاون على عداوة محمد ﷺ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) حال من فاعل قالوا قرأ اهل الكوفة غير ابى بكر بكسر الهمزة على المصدر والباقون بفتحها على انه جمع السر ومن أسرارهم قولهم لهذا الذي أفشاه.
فَكَيْفَ الفاء للسببية والاستفهام للتعجيب إِذا تَوَفَّتْهُمُ الظرف متعلق بفعل محذوف تقديره فكيف يحتالون إذا توفتهم الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ حال من الملائكة وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) بمقامع من حديد.
ذلِكَ التوفى على هذا التوجه بِأَنَّهُمُ اى بسبب انّهم اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ قال ابن عباس بما كتموا من التوراة وكفروا بمحمد ﷺ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ اى ما يرضاه من الايمان والجهاد وغيرهما من الطاعات فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) لذلك-.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ اى نفاق أم منقطعة بمعنى بل والهمزة والكلام متصل بقوله الشّيطان سوّل لهم او بقوله أم على قلوب اقفالها أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) اى لن يظهر الله لرسوله والمؤمنين أحقادهم عليهم أم منقطعة للاضراب عما سبق والاستفهام للانكار على حسبانهم.
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ اى لأعلمناكهم وأعرفناكهم جملة معترضة او حال بتقدير ونحن لو نشاء لاريناكهم فَلَعَرَفْتَهُمْ باعلامنا بِسِيماهُمْ اى بعلاماتهم التي نسمهم بها واللام لام الجواب كررت فى المعطوف قال البغوي قال
محمد 47:31
انس فما خفى على رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الاية شىء من المنافقين كان يعرفهم بسيمهم وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ جواب قسم محذوف ولحن القول ازالة الكلام عن جهته الى تعريض وتورية والمعنى انك تعرفهم فيما يعرضون من تهجين أمرك وامر المسلمين والاستهزاء بهم والذم بصورة المدح قال البغوي فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي ﷺ الا عرفه بقوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) الحسنة من القبيحة فان حسن الأعمال وقبحها فيما سوى ما فيه قبح ذاتى كالكفر والزنى يتعلق بالنيات ولا يعلمها الا الله فيجازيكم على حسب قصدكم ونيتكم.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بان نأمركم بالجهاد وجواب قسم محذوف حَتَّى نَعْلَمَ علما بعد الوجود كما كنا نعلم قبل الوجود بانه سيكون او المعنى حتى نميّز او المعنى حتى يعلم اولياؤنا الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ على مشاق الجهاد وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها او قبحها او اخباركم عن ايمانكم وموالاتكم المؤمنين فى صدقها وكذبها قرأ ابو بكر الافعال الثلاثة بالياء على الغيبة والضمير راجع الى الله تعالى فيوافق قوله تعالى الله يعلم والباقون بالنون على التكلم ونبلوا «١» بسكون الواو على تقدير ونحن نبلوا-.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى منعوا الناس عن الايمان واتباع الرسول وَشَاقُّوا الرَّسُولَ اى خالفوه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى هم قريظة والنضير والمطعمون يوم بدر كانوا اثنا عشر رجلا من كفار مكة يطعمون عسكر الكفار فى يوم نوبته لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ بكفرهم شَيْئاً من المضرة انما يضرون أنفسهم وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) فلا يجدون عليها ثوابا فى الاخرة او لا يترتب عليه منفعة فى
(١) وقع التسامح في العبارة هاهنا والغرض انه قرأ رويس ونبلوا بإسكان الواو والباقون بالفتح- ابو محمد عفا الله عنه-
محمد 47:33
الدنيا قال ابن عباس هم المطعمون يوم بدر نظيره قوله تعالى انّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرة ثمّ يغلبون-.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) قال ابن عباس وعطاء لا تبطلوها بالشك والنفاق او العجب وقال الكلبي بالرياء والسمعة وقال الحسن بالمعاصي والكبائر واخرج ابن ابى حاتم ومحمد بن نصر المروزي فى كتاب الصلاة عن ابى العالية قال كان اصحاب رسول الله ﷺ يرون انه لا يضرّ مع لا اله الا الله ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت هذه الاية فخافوا ان يبطل العمل بالذنب وكذا ذكر البغوي عنه وقال مقاتل لا تمنّوا على رسول الله بإسلامكم فتبطل أعمالكم.
(مسئلة) من شرع فى صلوة او صوم او حج او عمرة او غير ذلك تطوعا يجب عليه الإتمام ولا يجوز له الإفساد فى ظاهر الرواية عن ابى حنيفة الا بعذر كذا ذكر صاحب الهداية والقدورى وغيرهما- وهل الضيافة عذر لافطار الصوم تطوعا قيل نعم وقيل لا وقيل عذر قبل الزوال لا بعده الا إذا كان فى عدم الفطر عقوق الوالدين فان أفسد الصلاة او الصوم بعد الشروع تطوعا يجب عليه القضاء عند ابى حنيفة وعند مالك وفى رواية المنتقى عن ابى حنيفة يباح للمتطوع بالصوم الإفطار بغير عذر ويجب عليه القضاء وقال الشافعي واحمد يجب فى العمرة والحج الإتمام والقضاء ان أفسد بخلاف الصلاة والصوم وغيرهما من النوافل فانه يستحب عندهما الإتمام وله قطعهما ولا قضاء عليه- لنا هذه الاية فانها وان كانت واردة فى النهى عن ابطال العمل بالشك والنفاق او بالمعاصي او بالرياء والسّمعة والعجب لكنها بصيغتها يعم الابطال قبل إتمامها بالإفساد لان القدر المودي قربة وعمل وكذا بعده بفعل ما يحبطه من الكبائر او الرياء والسمعة او العجب- ولنا ايضا الأحاديث منها حديث عروة عن عائشة قالت أهديت لحفصة شاة ونحن صائمتان فافطرتنى فلمّا دخل علينا رسول الله ﷺ ذكرنا ذلك له فقال ابد لا مكانه- رواه احمد من طريق سفيان بن حسين عن عروة عن عائشة والترمذي من طريق جعفر بن برقان عن عروة عنها بلفظ قالت كنت وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فاكلنا منه فجاء رسول الله ﷺ فبدرتنى اليه حفصة فقالت يا رسول الله انا كنا صائمتين فعرض طعام اشتهيناه فاكلنا منه قال اقضيا يوما اخر مكانه- وكذا اخرج ابو داود والنسائي عن زميل عن عروة عنها وأعله البخاري بانه لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد سماع من زميل «١» وقال الترمذي روى هذا الحديث صالح بن ابى الأخضر ومحمد بن على بن ابى حفصة عن الزهري عن عروة عن عائشة وروى مالك بن انس ومعمر وعبيد الله بن عمرو وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلا ولم يذكروا فيه عروة وهذا أصح لانه روى عن ابن جريج قال سالت الزهري احدّثك عروة عن عائشة قال لم اسمع من عروة فى هذا شيئا ولكن سمعنا فى خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض من سال عائشة عن هذا الحديث انتهى.
قال ابن همام قول البخاري مبنى على اشتراط العلم بذلك والمختار الاكتفاء بالعلم بالمعاصرة ولو سلم إعلاله وأعلال الترمذي فهو قاصر على هذا الطريق فانما يلزم لو لم يكن له طريق اخر لكن رواه ابن حبان فى صحيحه عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت أصبحت انا وحفصة صائمتين متطوعتين الحديث ورواه ابن ابى شيبة من طريق اخر غيرهما عن خصيف عن سعيد بن جبير ان عائشة وحفصة الحديث ورواه الطبراني فى
(١) وفى الأصل ولا ليزيد سماع من عروة ١٢ معجمه من حديث خصيف عن عكرمة عن ابن عباس ان عائشة وحفصة كانتا صائمتين الحديث- ورواه البزار من طريق اخر عن الحماد بن وليد عن عبيد الله بن عمرو عن نافع عن ابن عمر قال أصبحت عائشة وحفصة صائمتين الحديث لكن الحماد بن الوليد ضعيف واخرج الطبراني من غير الكل فى الأوسط حدثنا موسى بن هارون حدثنا محمد بن مهرن الجمال قال ذكره محمد بن ابى سلمة المكي عن محمد بن عمروية عن ابى سلمة عن ابى هريرة قال أهديت لعائشة وحفصة هدية وهما صائمتان فاكلتا منها فذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ فقال اقضيا يوما مكانه ولا تعودا قال ابن همام فثبت هذا الحديث ثبوتا لا مرد له ولو كان كل طريق من هذه الطرق ضعيفا لتعددها وكثرة مجيئها كيف وبعض طرقه مما يحتج به قلت والمرسل عندنا حجة وما قال ابن الجوزي ان الأمر بالابدال يوما مكانه محمول على الاستحباب خروج عن مقتضاه بغير موجب بل هو محفوف مما يوجب مقتضاه ويؤكده وهو قوله تعالى لا تبطلوا أعمالكم فان قيل كيف يقال هذه الاية مؤكدة لهذا الحديث مع ان المخالفة ظاهرة فان الاية تدل على منع الإفطار بعد الشروع ولا دلالة فيها على وجوب القضاء والحديث يدل على جواز الإفطار مع وجوب القضاء- قلنا دلالة الاية على منع الإفطار دلالة على وجوب القضاء فان منع الابطال عبارة عن وجوب الإتمام ووجوب الشيء يقتضى وجوب قضائه بالمثل المعقول عند الفوات ان كان له مثل وليس فى الحديث دلالة على جواز الإفطار بل على وجوب القضاء فقط ووجوب القضاء يترتب على وجوب الإتمام وحرقه الإفطار وقوله ﷺ لا تعودا صريح فى حرمة الإفطار وهذا هو ظاهر الرواية عن ابى حنيفة رحمه الله.
وفى الباب أحاديث اخر منها ما رواه الدار قطنى عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة عن عائشة أم المؤمنين قالت دخل علينا رسول الله ﷺ فقال انى أريد الصوم واهدى له حيس فقال انى أكل وأصوم يوما مكانه- قال الدار قطنى لم يزد هذا اللفظ عن ابن عيينة غير محمد بن عمرو ابو العباس الباهلي ولم يتابع على قوله وأصوم يوما مكانه ولعله شبه عليه قال الحافظ لكن رواه النسائي عن محمد بن منصور عن ابن عيينة وكذا رواه الشافعي عن ابن عيينة وذكر ان ابن عيينة زادها قبل موته بسنة انتهى قال الحافظ ابن حجر ابن عيينة كان فى الاخر قد تغيّر ومنها ما رواه الدار قطنى بسنده عن محمد بن ابى حميد عن ابراهيم بن عبيد قال صنع ابو سعيد الخدري طعاما فدعا النبي ﷺ وأصحابه فقال رجل من القوم انى صائم فقال رسول الله ﷺ صنع لك أخوك أفطر وصم يوما مكانه- قال الدار قطنى هذا مرسل وقال ابن الجوزي محمد بن ابى حميد ليس بشئ وقال النسائي ليس بثقة وقال ابن حبان لا يحتج به ومنها ما رواه الدار قطنى عن جابر بن عبد الله قال صنع رجل من اصحاب رسول الله ﷺ طعاما فدعا النبي ﷺ وأصحابه فلمّا اتى الطعام تنحى أحدهم فقال له النبي ﷺ تكلف لك أخوك وصنع ثم تقول انى صائم كل وصم يوما مكانه- فيه عمر بن حليف قال ابن عدى كان متهما بوضع الحديث وكذا قال ابن حبان ومنها ما رواه الدار قطنى من حديث ثوبان قال كان رسول الله ﷺ صائما فى غير رمضان فاصابه غم أذاه فتقيا فقاء فدعا بوضوء فتوضا ثم أفطر فقلت يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء قال لو كان فريضة لوجدته فى القران قال ثم صام الغد فسمعته يقول هذا مكان إفطاري أمس- فيه عتبة بن السكن قال الدار قطنى متروك الحديث ومنها ما رواه الدار قطنى بسنده عن محمد بن ابى حميد عن الضحاك بن حمزة عن منصور عن أم سلمة انها صامت يوما تطوعا فافطرت فامرها رسول الله ﷺ ان تقضى يوما مكانه- قال يحيى الضحاك ليس بشئ وقال ابو زرعة محمد بن حميد كذاب- احتج الشافعي واحمد بأحاديث الاول حديث جويرية ان رسول الله ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهى صائمة فقال لها اصمت أمس قالت لا قال لا تصومينى غدا قالت لا قال فافطرى- رواه البخاري وروى احمد عن ابى عمر ان رسول الله ﷺ دخل على جويرية فذكر الحديث نحوه الثاني حديث عائشة ان النبي ﷺ كان يأتيها فيقول أصبح عندكم شىء تطعمونيه فنقول لا ما أصبح عندنا شىء فيقول انى صائم ثم جاءها بعد ذلك فقالت أهديت لنا هدية فخبأنا لك فقال ما هى قالت حيس قال قد أصبحت صائما فاكل- رواه مسلم ورواه الدار قطنى والبيهقي بلفظ انه دخل عليها فقال هل عندكم شىء قلت لا قال فانى إذا صائم قالت ودخل علىّ يوما اخر فقال أعندكم شىء قلت نعم قال اذن أفطر وان كنت قد فرضت الصوم- الثالث حديث أم سليم ان النبي ﷺ كان يصبح الليل وهو يريد الصوم فيقول أعندكم شىء أتاكم شىء قالت فنقول او لم تصبح صائما فيقول بلى ولكن لا بأس ان أفطر ما لم يكن نذرا او قضاء رمضان رواه الدار قطنى وفى سنده محمد بن عبيد الله العرزمي ضعيف الرابع حديث ابى جحيفة قال أخي النبي ﷺ بين سلمان وابى الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فراى أم الدرداء مبتذلة فقال لها ما شأنك قال أخوك ابو الدرداء ليس له حاجة فى الدنيا فجاء ابو الدرداء وصنع له طعاما فقال كل فقال انى صائم فقال ما انى أكل حتى تأكل فاكل فلما كان الليل ذهب ابو الدرداء يقوم قال نم فنام ثم ذهب يقوم قال نم فلما كان اخر الليل قال سلمان قم الان فصليا فقال له سلمان ان لربك عليك حقّا ولنفسك عليك حقّا ولاهلك عليك حقا فاعط كل ذى حق حقه فاتى النبي صلى الله
عليه وسلم فذكر له ذلك فقال النبي ﷺ صدق سلمان- قلت هذه الأحاديث لا تدل الا على جواز الإفطار للصائم واما على عدم وجوب القضاء فلا وحديث جويرية انما يدل على كراهة الافراد بصوم الجمعة كما ورد فى حديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا تصوم الجمعة الا وقبله يوم او بعده يوم- متفق عليه وفى لفظ نهى رسول الله ﷺ ان يفرد يوم الجمعة بصوم- رواه مسلم- وللشافعى أحاديث اخر منعاف منها حديث أم هانى وله طرق وألفاظ منها ما رواه النسائي من حديث حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن هارون بن أم هانى عنها ان رسول الله ﷺ شرب شرابا فناولها لنشرب فقالت انى صائمة لكن كرهت ان أرد سورك فقال ان كان قضاء من رمضان فاقضى يوما مكانه وان كان تطوعا فان شئت تقضى وان شئت فلا تقضى.
وروى احمد والترمذي وغيرهما من طرق عن سماك عن هارون عنها بلفظ كنت قاعدة عند رسول الله ﷺ فاتى بشراب فشرب منه ثم ناولنى فشربت منه فقلت أذنبت قال ما ذاك قلت كنت صائمة فافطرت قال أمن قضاء كنت تقضيه قلت لا قال فلا تضرك- وسماك بن حرب ليس بمعتمد عليه إذا انفرد كذا قال النسائي وقال البيهقي فى اسناده مقال وقال ابن القطان هارون مجهول لا يعرف قلت وهارون قيل ابن أم هانى وقيل ابن ابنه وقيل ابن بنته ولفظ احمد والترمذي لا يدل على عدم وجوب القضاء وروى ابو داود والدارمي وغيرهما من حديث جرير عن يزيد بن زياد عن عبد الله بن الحارث عن أم هانى قالت لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله ﷺ وأم هانى عن يمينه قالت فجاءت وليدة باناء فيه شراب فناولته فشربت منه فقالت يا رسول الله قد أفطرت وكنت صائمة فقال لها أكنت تقضين شيئا قالت لا قال لا يضرك ان كان تطوعا ورواه احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن حجة عن أم هانى وهى جدته ان رسول الله ﷺ دخل عليها يوم الفتح فاتى باناء فشرب ثم ناولنى فقلت
محمد 47:34
انى صائمة فقال ان المتطوع امير نفسه فان شئت فصومى وان شئت فافطرى- ورواه من حديث ابى داود الطيالسي ثنا شعبة عن جعدة عن ابى صالح عنها ان رسول الله ﷺ دخل عليها فشرب ثم ناولها فشربت وقالت يا رسول الله انى كنت صائمة فقال رسول الله ﷺ الصائم المتطوع امير نفسه ان شاء صام وان شاء أفطر- قال الذهبي جعدة عن ابى صالح لا يعرف وقال البخاري فيه نظر وذكر يوم الفتح علة اخرى للقدح فى الحديث إذ لا شك ان يوم الفتح كان فى رمضان فكيف يتصور قضاء رمضان فى رمضان ولا التطوع فيه.
واختار ابن همام رواية المنتقى عن ابى حنيفة فقال يجوز للمتطوع فى الصوم الإفطار بلا عذر لما احتج به الشافعي ويجب عليه القضاء بالإفساد لما احتج به ابو حنيفة جمعا بين الأحاديث وقال المراد بالابطال فى قوله تعالى لا تبطلوا أعمالكم إخراجها من ان يترتب عليه فائدة وجعلها كانها لم توجد أصلا واما الابطال بقصد القضاء فلا دلالة للاية على منعه- قلت المصدر فى قوله تعالى لا تبطلوا منكر تحت النفي فيشتمل كل ابطال ومن أفسد صلاته او صومه بعد الشروع فلا شك انه أبطل هذا العمل واما القضاء فعمل اخر تدارك لهذا العمل فلا يجوز الابطال بلا عذر بهذه الاية والأحاديث وان دلت على جواز الإفطار لكن عند التعارض يجب تقديم الاية على أحاديث الآحاد لا سيما الاية محرمة والأحاديث مبيحة للفطر فيجب تقديم المحرم على المبيح احتياطا ولنا ايضا القياس على الحج والعمرة النافلتين فانه لا يجوز إفسادهما ويجب فيهما القضاء بالإفساد اجماعا والله اعلم..
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) هذه الجملة متصلة بقوله انّ الّذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله الاية فيما سبق قبل هذه الاية نزلت فى اصحاب القليب وحكمه عام فى كل من مات على كفره-.
محمد 47:35
فَلا تَهِنُوا اى لا تضعفوا عن الجهاد وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ قرأ ابو بكر وحمزة بكسر السين والباقون بفتحها وتدعوا مجزوم بتقدير لا اى لا تدعوا الكفار الى الصلح ابتداء او منصوب بتقدير ان فى جواب لا تهنوا نهى الله سبحانه عن طلب الصلح ابتداء لانه دليل الجبن والضعف وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ اى الغالبون القاهرون بنصر الله تعالى الموعود للمؤمنين الصالحين حال من فاعل تدعوا وَاللَّهُ مَعَكُمْ معية بلا كيف فان الايمان يقتضى حب الله والمرء مع من أحب والواو للعطف فهو حال من فاعل تدعوا او للحال من فاعل اعلون وكذا قوله وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) اى لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم من وتره ينزه إذا نقص حقه قال ابن عباس ومقاتل وقتادة والضحاك لن يظلمكم أعمالكم الصالحة اى لا يبطلها-.
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ اى باطل لا يترتب عليها فائدة معتدة بها ما لم يكن فيها ذكر الله قال رسول الله ﷺ الدنيا ملعونة وملعون ما فيها الا ذكر الله وَلَهْوٌ يشغلكم عمّا يفيدكم فى الحيوة الدائمة وَإِنْ تُؤْمِنُوا بالله ورسوله فى الدنيا وَتَتَّقُوا عذاب الله بامتثال او امره والانتهاء عن مناهيه يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ اى ثواب ايمانكم وتقواكم فى الاخرة فحينئذ تكون حياتكم الدنيا مزرعة الاخرة ولا يكون لعبا ولهوا وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) فانه غير محتاج الى شىء انما يأمركم بالطاعة والايمان ليثيبكم عليها الجنة نظيره قوله تعالى ما أريد منهم من رّزق وقيل معناه لا يسئلكم الله ورسوله أموالكم كلها فى الصدقات انما يسئلكم جزءا يسيرا وهو ربع العشر او اقل كشاة من مائة وعشرين شاة من نماء مال فطيبوا بها نفسا والى هذا القول ذهب ابن عيينة ويدل عليه سياق الاية فهذه الجملة لدفع توهم نشا ممّا ذكر من ذم الحيوة الدنيا ومدح الايمان والتقوى فانه يوهم ان الله تعالى يأمر بصرف
محمد 47:37
جميع متاع الدنيا فى سبيل الله ولدفع ذلك الوهم قال ولا يسئلكم أموالكم اى جميعها- ثم ذكر فى مقام تعليل عدم السؤال بالكل قوله.
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها اى جميعا فَيُحْفِكُمْ اى يجهدكم بطلب الكل والإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية فى الحديث احفوا الشوارب اى استأصلوها فى القطع عطف على الشرط تَبْخَلُوا بها فلا تعطوها جزاء للشرط وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) اى يظهر بغضكم والضمير فى يخرج لله تعالى ويؤيده القراءة بالنون او للبخل فانه سبب الاضغان قال قتادة علم الله ان فى مسئلة الأموال خروج الاضغان-.
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ها حرف تنبيه وأنتم مبتدا وهؤلاء خبره او هؤلاء منادى بحذف حرف النداء وخبر المبتدا تُدْعَوْنَ او هؤلاء اسم موصول وتدعون صلته والموصول مع الصلة خير لانتم لِتُنْفِقُوا ما فرض الله عليكم فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهو يعم نفقة الغزو والزكوة وغيرهما فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ اى ناس يبخلون بما فرض الله عليهم من الزكوة وغيرها وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ فان نفع الانفاق وضرر البخل انما يعودان اليه عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ أيكم مال وارثه أحب اليه من ماله قالوا يا رسول الله ما منّا أحد الا ماله أحب اليه من مال وارثه قال فان ماله ما قدم ومال وارثه ما اخر- رواه البخاري والنسائي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من يوم يصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم أعط ممسكا تلفا- متفق عليه وعن اسماء قالت قال رسول الله ﷺ انفقى ولا تحصى فيحصى الله عليك ولا توعى فيوعى الله عليك فارضحى ما استطعت- متفق عليه وعن ابى هريرة قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى أنفق يا ابن آدم أنفق عليك- متفق عليه وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عن صدقاتكم وطاعاتكم وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ فانما أمركم بما أمركم لاحتياجكم فى الدنيا والاخرة جملة والله الغنىّ وأنتم الفقراء فى مقام التعليل للحصر فى قوله انّما يبخل عن نفسه وَإِنْ تَتَوَلَّوْا اى ان تعرضوا ايها العرب عن طاعة الله وطاعة رسوله والانفاق فى سبيله عطف على ان تؤمنوا يَسْتَبْدِلْ اى يقيم مقامكم قَوْماً غَيْرَكُمْ ليومنوا ويتقوا ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨) بل يكونوا أطوع لله منكم قال الكلبي هى كندة والنخع وقال الحسن هى العجم وقال عكرمة فارس والرم عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ تلا هذه الاية يستبدل قوما غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين ان تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا امثالنا فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال هذا وقومه ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من فارس «١» - رواه البغوي ورواه الترمذي والحاكم وصححاه وابن حبان- والحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين- قد اتفق ختم تفسير المظهرى بختم سورة ختم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم
(١) وفى الصحيحين عن ابى هريرة والطبراني عن ابن مسعود عن النبي ﷺ انه قال لو كان الايمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس- وروى ابو نعيم فى الحلية عنه بلفظ لو كان العلم معلقا بالثريا لتناوله قوم من ابنا فارس. ورواه الشيرازي فى الألقاب من حديث قيس بن سعد بن عبادة عنه ﷺ وزاد الطبراني فى حديث قيس لا تناله العرب لناله رجال (وفى لفظ ناس) عن أبناء فارس) قال الشيخ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي قال الشيخ الشافعي يعنى جلال الدين السيوطي المراد بهذا الحديث ابو حنيفة وأصحابه رحمهم الله لا شك فيه لانه لم يبلغ من أبناء فارسى فى العلم مبلغه ولا مبلغ أصحابه وكان جد الامام ابى حنيفة منهم- وقد بلغ من أولاد ابى حنيفة من الدين رجال مبلغا رفيعا منهم ابو على شرف الدين القلندر الفاني فتى والقطب الجمال والقطب برهان الها نسوى والقطب عبد القدوس الكنكوهى رضى الله عنهم أجمعين ١٢ منه نور الله مرقده وبرد الله مضجعه- والمسئول من الله عزّ وجلّ ان يجعل ختمى على خير ما ختم عليه خيار امة محمد صلى الله عليه وسلم- اللهم اجعل ثواب ختم هذا التفسير هدية الى خير خلقه وختم رسلك محمد ﷺ والى أصحابه الكرام وأولاده العظام وأزواجه الطاهرات واولياء أمته خصوصا الى حضرت شمس الدين حبيب الله المظهر الذي جعلت هذا التفسير على اسمه والى مشائخه الكرام وحضرات العظام وصلوات الله وسلامه على جميع اتباع محمد رسول الله ﷺ وهذا يوم الثلثاء السابع والعشرين من الجمادى الاول من السنة الثامنة بعد الف سنة ١٢٠٨ ومائتين من هجرة النبي ﷺ هـ- وقد حصل الفراغ من تصحيح المسودة فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من الجمادى الاول سنة الثامن وخمسين بعد الف سنة ١٣٥٨ وثلاثمائة والحمد لله على ذلك ونرجوا منه القبول وحسن الخاتمة صلى الله على جميعه وسلم تسليما كثيرا.
مكتبة رشيديّة سركى رود كوئته فون ١- ٨٤٣٢٦٤.
الفتح 48:1
الجزء التاسع
سورة الفتح
مدنيّة وهى تسع وعشرون اية واربع ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر وتمّم بالخير روى احمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن حبان وابن مردوية عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم فى بعض أسفاره فسألته عن شىء ثلث مرات فلم يرد علىّ فقلت ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله ﷺ ثلث مرات كل ذلك لا يجيبك قال عمر فحركت بعيري حتى تقدمت امام الناس وخشيت ان يكون نزل فى القران فما لبثت ان سمعت صارخا يصرخ بي فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه فقال لقد أنزلت علىّ الليلة سورة هى أحب الىّ مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً واخرج الحاكم وغيره من المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قال نزلت سورة الفتح فى شان الحديبية بين مكة والمدينة من أولها الى آخرها واختلفوا فى هذا الفتح روى عن ابى جعفر الرازي عن قتادة عن انس انه فتح مكة فهى عدة بالفتح جىء بلفظ الماضي لانها فى تحققها بمنزل الكائنة ففيه معجزة والصحيح انه صلح الحديبية رواه احمد وابن سعد وابى داود والحاكم وصححه وابن المنذر وابن مردوية والبيهقي فى الدلائل عن مجمع بن حارثية الأنصاري قال شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ فلما انصرفنا عنها الى كراع الغميم فاذا رسول الله ﷺ عند كراع الغميم فاجتمع الناس اليه فقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنا لَكَ
الفتح 48:2
فَتْحاً مُبِيناً
فقال رجل من اصحاب رسول الله ﷺ او فتح هو قال والذي نفسى بيده انه لفتح مبين وسنذكر قول ابى بكر الصديق ما كان فتح فى الإسلام أعظم من صلح الحديبية وكذا ذكر البغوي عن البراء ووجه تسميته فتحا اما انه مقدمة الفتح واما ان معنى الفتح فتح المنغلق وذلك ما يصلح مع المشركين بالحديبية وقيل الفتح بمعنى القضاء اى قضينا لك ان تدخل مكة من قابل قال الشعبي فتح الحديبية فيه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأطعموا نخلة خيبر وبلغ الهدى محله وظهرت الروم اى من عام قابل على فارس وخرج المؤمنون لظهور اهل الكتب على المجوس. قال الزهري لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية وذلك ان المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام فى قلوبهم واسلم فى ثلث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام قال الضحاك فتحا مبينا بغير قتال وكان الصلح من الفتح وقال البيضاوي سماه فتحا لانه كان بعد ظهوره على المشركين حتى سالوا الصلح وتسبب بفتح مكة وفرغ به رسول الله ﷺ لسائر العرب فقرأهم وفتح مواضع وادخل فى الإسلام خلقا عظيما.
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ علة غائية للفتح من حيث انه مسبب عن جهاد الكفار والسعى فى فغز ازاحة الشرك وإعلاء الدين وتكميل النفوس الناقصة قهرا ليصير ذلك بالتدريج اختيار او تخليص الضعفة عن أيدي الظلمة وقيل اللام لام كى اى لكى يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة والفتح وقال حسين بن الفضل اللام متعلق بقوله تعالى فى سورة محمد - ﷺ - وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ كما قيل كذلك فى تعلق لِإِيلافِ قُرَيْشٍ بقوله تعالى فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ فى سورة الفيل وهذا بعيد جدا وقيل اللام متعلق بمحذوف تقديره فاشكر ليغفر لك الله او فاستغفر ليغفر لك الله كذا قال محمد ابن جرير حيث قال هو راجع الى قوله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ اى قوله واستغفره ليغفر لك الله ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ اى جميع ما فرط منك قديما فى الجاهلية قبل الرسالة وحديثا بعد الرسالة اى نزول السورة مما يصح ان يعاتب عليه وهذا لا يستلزم ارتكاب المعصية قال حسنات الأبرار سيات المقربين وقال سفيان الثوري ما تقدم يعنى ما عملت فى الجاهلية وما تأخر كل شىء لم يعمله يذكر مثل ذلك على طريق التأكيد كما يقال اعطى لمن راه ومن لم يره وضرب من لقيه ومن لم يلقه وقال عطاء الخراسانى ما تقدم من ذنبك يعنى ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك وما تأخر ذنوب أمتك بدعوتك وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعد بإتمام النعمة وإكمال الدين واظهار كلمة الإسلام وهدم منار الجاهلية
الفتح 48:3
بحيث يحجوا ويعتمروا مطمئنين لا يخالطهم أحد من المشركين الذي ذكر إنجازها فى سورة المائدة بقوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وتمام النعمة هذه مسبب للفتح فتح مكة وصلح الحديبية- وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً فى تبليغ الرسالة واقامة مراسم الملك والنبوة والرياسة قيل معنى يهديك يهدى بك وقيل معنى يهديك يثبتك عليه او المعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية الى كمال الدين بحيث لا يجوز نسخه بعد ذلك-.
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ فان قيل ينصرك الله معطوف على يغفر وهو مترتب على الفتح اما لكونه مسببا عن جهاد الكفار وبذل السعى- واما لكونه سببا للشكر والاستغفار المقدرين فلا بد ان يكون النصر ايضا مترتبا على الفتح وليس كذلك بل هو سبب للفتح سابق عليه قلنا ان كان المراد بالفتح صلح الحديبية فالصلح امتثالا لامر الله تعالى سبب للنصر الذي هو سبب للفتح وان كان المراد منه فتح مكة فالآية وعد بالفتح والوعد سبب للنصر السابق على الفتح كما لا يخفى- نَصْراً عَزِيزاً يعنى معزا يعزبه المنصور فوصفه بوصفه مبالغة او المعنى نصرا فيه عز ومنيعة روى الشيخان فى الصحيحين والترمذي والحاكم عن انس قال قال نزلت على رسول الله ﷺ انّا فتحنا لك فتحا مبينا الى اخر الاية مرجعه من الحديبية وأصحابه فخالطوا الحزن والكآبة- فقال عليه السلام نزلت علىّ اية هى احبّ الىّ من الدنيا فلما تلى نبى الله ﷺ قال رجل من القوم هنيئا مريا رسول الله قد بين الله لك ماذا يفعل بنا فنزلت.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ الى قوله فوزا عظيما والمراد بالسكينة الثبات والطمأنينة على امتثال امر الله تعالى من صلح الحديبية فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ حتى شيبتوا حيث تعلق النفوس وتدحض الاقدام حين جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجاهلية لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ متعلق بانزل- قال الضحاك يقينا مع يقينهم يعنى برسوخ العقيدة واطمينان النفس عليها وقال الكلبي هذا فى امر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق قال ابن عباس بعث الله رسوله بشهادة ان لا اله الا الله فلما صدقوه زادهم الصلاة ثم الزكوة ثم الصوم ثم الحج ثم الجهاد ثم أكمل لهم دينهم فكلما أمروا بشىء فصدقوه ازدادوا تصديقا الى تصديقهم وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعنى ليس الأمر بالصلح بالحديبية لضعف بالمسلمين بل لما يقتضيه علمه تعالى وحكمته وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها قوله تعالى
الفتح 48:5
ليدخل مع ما عطف عليه من قوله تعالى وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ متعلق بقوله تعالى لِيَزْدادُوا او بدل اشتمال من قوله ليزدادوا او معطوف عليه بحذف العاطف متعلق بقوله تعالى أَنْزَلَ او بدل اشتمال من قوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ متعلق بقوله تعالى فَتَحْنا وجملة هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ معترضة بينهما.
وَكانَ ذلِكَ الإدخال والتكفير عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً لانه منتهى ما يطلب من جلب نفع او دفع ضرر وعِنْدَ اللَّهِ حال من الفوز والجملة معترضة.
وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ عطف على يدخل داخل فى علة إنزال السكينة من حيث ان المنافقين والكفار غاظوا المؤمنين وطعنوا فى دينهم حين امتثلوا امر الله سبحانه فى الصلح وغير ذلك وظنوا ظن السوء وكان ذلك سببا لتعذيبهم وان كان قوله ليدخل متعلقا بفتحنا فالامر ظاهر- وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ يعنى ظانين ان الله لا ينصر رسوله والمؤمنين ولا يرجع النبي عليه السلام الى المدينة سالما او ان له تعالى شريكا فالمفعولان محذوفان وقوله ظن السوء اى ظن الأمر السوء منصوب على المصدرية والسوء عبارة عن رداة الشيء وفساده يقال فعل سوءاى مسخوط فاسد عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ جملة دعائية يعنى يجعل الله عليهم دائرة الهلاك والعذاب لا يتخطاهم او دائرة ما يظنون ويتربصون بالمؤمنين وقرأ ابن كثير وابو عمرو السوء بالضم وهما لغتان غير ان المفتوح غلب فى ان يضاف اليه ما يراد ذمه والمضموم جرى مجرى الشر وكلاهما فى الأصل مصدران- وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ عطف لما استحقوه فى الاخرة على ما استوجبوه فى الدنيا وَساءَتْ مَصِيراً جهنم.
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيدفع كيد من عادى بنبيه والمؤمنين بما شاء منه وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً غالبا فلا يرد بأسه عن الكافرين حَكِيماً فيما دبّر.
إِنَّا أَرْسَلْناكَ يا محمد شاهِداً على أمتك حال مقدرة وَمُبَشِّراً للمطيعين بالجنة وَنَذِيراً للعصاة بالنار.
لِتُؤْمِنُوا قرأ ابن كثير وابو عمرو بالياء على الغيبة وكذا لافعال الثلاثة المعطوفة عليه والضمير عائدة الى الناس أجمعين وقرأ الباقون الافعال الاربعة بالتاء على الخطاب للنبى ﷺ والامة والخطاب بالجمع بعد الخطاب بالإفراد شبه بالالتفات بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ اى تعووه وَتُوَقِّرُوهُ اى تعظموه وَتُسَبِّحُوهُ اى تنزهوه عما لا يليق بشانه او اتصلوا له والضمائر المنصوبة راجعة الى الله سبحانه ومعنى تقووه دينه ورسوله قلت وجاز ان يكون معناه ان تنسبوا القوة اليه دون غيره وتقولوا لا حول ولا قوّة الا بالله وقال البغوي ضمير تعزروه وتوقروه راجعان الى رسوله و
الفتح 48:10
ضمير تسبحوا الى الله تعالى واستبعده الزمخشري لكونه مستلزما لانتشار الضمائر قلنا لا بأس به عند قيام القرينة وعدم اللبس بُكْرَةً وَأَصِيلًا منصوبان على الظرفية لتسبحوه يعنى تصلوا غدوا وعشيا او تنزهوه دائما-.
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يا محمد بالحديبية على ان لا يفروا بل يقاتلوا حتى يظفروا او يموتوا إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ لانه هو المقصود ببيعة النبي ﷺ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ حال او استيناف على سبيل الاستعارة التخييلية تيمما بمعنى المشاكلة فانه إذا كان الله مبايعا واشتهر المبايعة بصفقة اليد وقد كانوا يأخذون بيد رسول الله ﷺ ويبايعونه فتخيل اليد لتاكيد المشاكلة فى المبايعة وقال ابن عباس يد الله بالوفا لما وعدهم بالخير فوق أيديهم قلت يد الله على تاويل ابن عباس صفة من صفات الله تعالى لا يدرك كيفها ولا يجوز تخييلها بالجارحة وقال الكلبي نعمة الله عليهم فى الهداية فوق ما صنعوا من البيعة فصله غزوة الحديبية وبيعة الرضوان وسبب ذلك على ما رواه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وقتادة والبيهقي عن مجاهد ايضا وابن جرير عن ابن يزيد ومحمد بن عمرو عن شيوخه قالوا راى رسول الله ﷺ انه دخل مكة هو وأصحابه امنين محلقين رؤسهم ومقصرين وانه دخل البيت وأخذ مفتاحه وعرف مع المعرفين وكان ذلك الرؤيا بالمدينة قبل خروجه الى الحديبية كذا قال البغوي ومحمد بن يوسف الصنابحى فى سبيل الرشاد وفى بعض الروايات عن مجاهد انه راى النبي ﷺ وهو بالحديبية والصحيح هو الاول قال ابن سعد ومحمد بن عمرو غيرهما استنفر رسول الله ﷺ العرب ومن حوله من اهل البوادي من الاعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش ان يعرضوا له بحرب او يصدوه عن البيت فابطأ عليه كثير من الاعراب وروى احمد والبخاري وعبد بن حميد وابو داود والنسائي وغيرهم عن الزهري وابن اسحق عن الزهري عن عروة عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ان رسول الله ﷺ دخل بيته فاغتسل ولبس ثوبين من نسج صحا وركب ناقة القصوى من عند بابه ويخرج بام سلمة معه وأم منيع اسماء بنت عمرو وأم عمارة الاشهلية وخرج معه المهاجرون والأنصار ومن لحق به من العرب لا يشكون بالفتح للرويا المذكور وليس معهم سلاح الا السيوف فى القرب وساق الهدى فسار رسول الله ﷺ يوم الاثنين لهلال ذى القعدة يعنى سنة ست حتى نزل ذالحليفة فصلى الظهر ثم دعا بالبدن وهى سبعون فجللت ثم أشعر منها عدة وهن موجهات الى القبلة فى الشق الايمن ثم امر ناجيئة بن جندب فاشعر ما بقي وقلدهن نعلا نعلا وأشعر المسلمون بدنهم وقلدوها وكان معهم مائتا فرس وبعث رسول الله ﷺ بشير بن سفيان عينا له وقدم عباد بن بشير طليعة فى عشرين فارسا ويقال جعل أميرهم سعد بن زيد الأشهلي ثم صلى ركعتين وركب من باب المسجد بذي الحليفة فلما انبعث راحلة مستقبلة القبلة احرم بالعمرة ليامن الناس حربه وليعلم الناس انه انما خرج زائرا بهذا البيت.
ولبى لبيك إلخ واحرم غالب أصحابه وأم المؤمنين أم سلمة بإحرامه ومنهم من لم يحرم الا بالجحفة وسلك طريق البيداء ومر فيما بين مكة والمدينة بالاعراب من بنى بكر ومزينة وجهينة فاستنفرهم فتشاغلوا باموالهم وقالوا فيما بينهم يريد محمد يغزوا بنا الى قوم معد من الكراع والسلاح وانما محمد وأصحابه أكلة جزور لن يرجع محمد وأصحابه من سفرهم هذا ابدا- قوم لا سلاح معهم ولا عدد ثم قدم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب مع فتيان من اسلم ومعهم هدايا المسلمين ووقع فى تلك المسير ما صاد قتادة حمار الوحش وكان غير محرم وما اهدى رسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء وقد مر حديثه فى سورة المائدة ولما بلغ رسول الله ﷺ الجحفة امر بشجرة فقم ما تحتها فخطب الناس- فقال انى كائن لكم فرطا وقد تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه ولما بلغ المشركين خروج رسول الله ﷺ اجتمعوا وتشاوروا يريد محمد ان يدخلها علينا فى جنوده معتمرا فتستمع العرب انه دخل علينا عنوة وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا والله لا كان هذا ثم قدموا خالد بن الوليد على ما بنى فارس الى كراع الغميم واستنفر من الأحابيش وأجلبت ثقيف معهم وخرجوا الى بلدج وضرب بها القباب والابنية ومعهم النساء والصبيان فعسكروا هنا واجمعوا على منع رسول الله ﷺ من دخول مكة ومحاربته ووضعوا لعيون على الجبال وهم عشرا نفس يوحى بعضهم الى بعض بالصوت فعل محمد كذا وكذا حتى ينتهى الى قريش بلدح ورجع بشر بن سفيان الذي بعثه رسول الله ﷺ عينا له من مكة فلقى رسول الله ﷺ بغدير الا شطاط وراء عسفان فقال يا رسول الله هذا قريش سمعوا بمسيرك فخرجوا معهم عوذ المطافيل قد لبسوا جلد النحور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا يدخلها عليهم ابدا- وهذا خالد بن الوليد فى خيلهم قدموها الى كراع الغميم فقال رسول الله ﷺ يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب فان هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وان أظهرني الله تعالى عليهم دخلوا وافرين وان لم يفعلوا قاتلوا وفيهم قوة فما تظن قريش فو الله لازال اجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله او تنفرد هذه السالفة ثم قام رسول الله ﷺ فى المسلمين فحمد الله واثنى عليه بما هو اهله ثم قال اما بعد يا معشر المسلمين أشيروا علىّ أترون ان أميل على ذرارى هؤلاء الذين عانوهم فنصيبهم فان تعدوا قعدوا موتورين وان أبونا- تكن عنقا قد قطعه الله يعنى أهلك الله جماعة منهم أم ترون انا نوم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه فقال ابو بكر يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حربا فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه ووافقه على ذلك أسيد بن حضير وروى ابن ابى شيبة ان المقداد بن الأسود قال بعد كلام ابى بكر والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيه اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم مقاتلون فقال رسول الله ﷺ فسيروا على اسم الله دونا خالد بن الوليد فى خيله حتى نظر الى رسول الله ﷺ وأصحابه فصف خيله فيما بين رسول الله ﷺ وبين القبلة فامر رسول الله ﷺ عباد بن بشر فتقدم فى خيله فقام بإزائه فصف أصحابه وحانت صلوة الظهر فاذن بلال واقام فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه فقال خالد بن الوليد قد كانوا على غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم ولكن يأتي الساعة صلوة الاخرى هى أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم فنزل جبرئيل عليه السلام بين الظهر والعصر بقوله تعالى وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ الآية فحانت صلوة العصر فصلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم صلوة الخوف وقد مر شرحها فى سورة النساء روى البزار بسند رجاله ثقات عن ابى سعيد الخدري ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا لما امسى رسول الله ﷺ قال اسلكوا ذات اليمين بين ظهور الحمض فان خالد بن وليد فى الغميم فى خيل بقريش طليعة كره رسول الله ﷺ ان يلقاه وكان بهم رحيما قال أيكم يعرف ثنية ذات الحنظل فقال بريدة بن الحصيب انا وروى مسلم عن جابر وابو نعيم عن ابى سعيد قال ابو سعيد خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان سرنا فى اخر الليل حتى أقبلنا على عقبه ذات الحنظل قال رسول الله ﷺ مثل هذه الثنية الليلة كمثل باب الذي قال الله تعالى لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجّدا يغفر لكم خطاياكم لا يجوز هذه الثنية الليلة أحد الا غفر له قالوا يا رسول الله نخشى ان ترى قريش نيراننا فقال لن يروكم فلما أصبحنا صلى بنا صلوة الصبح ثم قال والذي نفسى بيده لقد غفر الراكب أجمعين الا رديلبا واحدا على جمل احمر فاذا هو رجل من بنى ضمرة قال جابر قلنا له تعالى نستغفر لك رسول الله ﷺ فقال والله لان أجد ضالتى أحب الىّ من ان يستغفر لى صاحبكم فبينا هو فى حيال سراوع إذ زلقت به بغله فتردى فمات فما علم حتى أكلته السباع قال مسور بن مخرمة ومروان فلما دنا رسول الله ﷺ من الحديبية وقعت يد راحلة فقال الناس حل حل فابت ان تبعث والحت فقال المسلمون خلأت القصوى فقال رسول الله ﷺ ما خلأت القصوى وما ذاك لها بعادة ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ثم قال والذي نفس محمد بيده لا يسالون قريش اليوم خطة فيها تعظيم حرمات الله تعالى الا أعطيهم إياهم ثم زجرها فوثبت قال فعدل عنهم حتى نزل أقصى الحديبية على ثمد من ثماد الحديبية ظنون قليل الماء يتربضه الناس تريضا فلم يلبث الناس حتى نزحوه وشكى الناس الى رسول الله ﷺ قلة الماء فانتزع سهما من كنانته فامر به فغرز فى الثمد بالرواء حتى صدروا بعطن قال المسور فانهم ليقترفون بانيتهم جلوسا على شفير البير والذي نزل بالسهم ناحية بن جندب سايق بدن رسول الله ﷺ قال محمد بن عمر حدثنى الهيثم عن عطاء بن ابى مروان عن أبيه قال حدثنى اربعة عشر رجلا من اسلم من اصحاب رسول الله ﷺ انه ناجية بن عجم وكان ناجية يقول دعانى رسول الله ﷺ حتى شكى اليه قلة الماء فاخرج سهما من كنانته ودفعه اليه ودعا بدلو من ماء البير فجئته به فتوضأ فمضمض فاه ثم مج فى الدلو والناس فى حر شديد وانما هى بير واحدة قد سبق المشركون الى بلدح فغلبوا على مياهيه فقال انزل الدلو فصبها فى البير واثرها بالسهم ففعلت فوالذى بعثه بالحق ماكدت اخرج حتى تغمدنى وفارت كما تفور القدر حتى طمث واستوت بشفيرها يغترفون من جانبها وروى احمد والبخاري وغيرهما عن البراء ومسلم عن سلمة بن اكوع وابو نعيم عن ابن عباس والبيهقي عن عروة نحوها قصة صب الدلو وليس فيه ذكر السهم وروى البخاري عن جابر ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة قالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب الا فى ركوتك فافرغنا فى قدح وضع رسول الله ﷺ يديه فى القدح فجعل الماء يفور بين أصابعه كامثال العيون فشربنا وتوضأنا قيل لجابركم كنتم يومئذ فقال لو كنا مائة الف كفانا كنا خمس عشر مائة ولما اطمأن رسول الله ﷺ بالحديبية جاء بديل بن ورقاء واسلم بعد ذلك فى دجال من خزاعة منهم عمرو بن سالم وحراس بن امية وخارجة بن كوز ويزيد بن امية وكانت عيبة نصح رسول الله ﷺ بتمامه منهم المسلم ومنهم الوادع لا يخفون عنه بتمامه شيئا فلما قدموا سلموا عليه فقال بديل بن ورقا جئناك من عند قومك كعب بن لوى
وعامر بن لوى قد استنفروا لك الا حابيش ومن أطاعوهم قد نزلوا اعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل النساء والصبيان يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت فقال رسول الله ﷺ انا ما جئنا لقتال أحد انما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قاتلنا وان قريشا قد اضرب بهم الحرب نهكتهم فان شاؤا ما ددناهم مدة يأمنون فيها ويخلون فيما بيننا وبين الناس والناس اكثر منهم فان أصابوني فذلك الذي أرادوا وان ظهر امرى على الناس كانوا بين ان يدخلوا فيما يدخل فيه الناس او يقاتلوا وقد جموا وان هم ابو فو الله لاجهدن على امرى هذا حتى تنفرد سالفتى او لينفذنّ الله امره قال بديل سابلغهم ما تقول فاتى قريشا وقال انا قد جئنا من عند محمد نخبركم عنه قال عكرمة بن ابى جهل والحكم بن العاص وأسلما بعد ذلك مالنا حاجة ان تخبرنا عنه ولكن اخبروه عنا انه لا يدخلها عامه هذا ابدا حتى لا يبقى رجل وأشار عليهم عروة بن مسعود السقفي بعد ذلك بان يسمعوا كلام بديل فان أعجبهم قبلوه والا تركوه فقال صفوان بن امية والحارث بن هشام وأسلما بعد ذلك هات ما سمعته فحدثه بما قال النبي صلى الله عليه وسلم- فقال عروة بن مسعود السقفي اى قوم ألستم بالولد قالوا بلى قال الست بالولد قالوا بلى- وكان عروة لسبعة بيت عبد الشمس القرشية قال فهل تنهمونى قالوا لا- قال ألستم تعلمون انى استنفرت اهل عكاظ فلما يلجوا على جئتكم باهلى وولدي ومن أطاعني قالوا بلى قال فان هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعونى انّه فاتاه فجعل النبي ﷺ يكلم نحوا من قوله لبديل فقال عروة يا محمد ارايت ان استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وان يكن الاخرى فانى والله لارى وجوها او باشا من الناس وفى رواية اشوايا من الناس خليقا ان يغروا ويدعوك فقال له ابو بكر الصديق امصص بظر اللات أنحن نفر منه وندعه قال من ذا قالوا ابو بكر فقال اما والذي نفسى بيده لولا يد كانت لك عندى لم أخبرك به لاجبتك وكان عروة قد استعان فى حمل دية فاعانه الرجل بفريضتين والثلث وأعانه ابو بكر بعشر فرائض فكان هذا يد ابى بكر عند عروة قال فجعل عروة يكلم النبي ﷺ فلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على راس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر كلما أهوى عروة يده الى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنصل السيف وقال اخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ فانه لا ينبغى لمشرك ان يمسه فرفع عروة راسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال يا غدر والله ما غسلت عنك عذرتك بعكاظ الا أمس لقد اورثتنا العداوة من ثقيف الى اخر الدهر- وكان مغيرة صحبت قوما فى الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فاسلم فقال النبي ﷺ اما الإسلام فاقبل واما المال فلست منه فى شىء ثم ان عروة جعل يرمق اصحاب النبي ﷺ بعينيه فو الله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة الأرفع فى كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا امر ابتدروا امره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم اخفضوا أصواتهم عنده وما يحادون النظر اليه تعظيما له فرجع عروة الى أصحابه فقال اى القوم والله لقد وفدت على الملوك وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله ان رايت ملكا قط تعظم أصحابه ما يعظم اصحاب محمد محمدا- والله ما تنخم نخامة الا وقعت فى كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا امره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم اخفضوا أصواتهم عنده وما يحادون النظر اليه تعظيما له وانه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقالت قريش لا- ولكن ترده عامنا هذا ويرجع الى قابل فقال ما أراكم الا ستصيبكم قارعة فانصرف هو ومن تبعه الى الطائف فقام الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش فاتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فلما راى رسول الله ﷺ قال هذا من قوم يعظمون الهدى ويتألهون فابعثوا بالهدى فى وجهه حتى يراها فلما راى الهدايا يسيل عليها من عرض الوادي فى قلايدها قد أكل اوبارها من طول الحبس رجع الى قريش ولم يصل الى رسول الله ﷺ إعظاما لما راى فقال يا معشر قريش انى قد رايت مالا يحل صد الهدى فى قلا يده قد أكل او تارة من طول الحبس عن محله فقالوا اجلس فانما أنت رجل أعرابي لا علم لك فغضب الحليس عند ذلك وقال يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عافذناكم ان تصدوا عن بيت الله من جاء معظما والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له او ليفرن الأحابيش نفرة رجل واحد- فقالوا له مه كف عنايا حليس حتى ناخذ لانفسنا ما نرضى به فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص دعونى آته فقالوا آته فلما اشرف عليهم قال النبي ﷺ هذا مكرز وهو رجل غادر او فاجر فلما انتهى الى رسول الله ﷺ كلمه بنحو ما كلم بديلا وعروة فرجع الى أصحابه فاخبرهم بما رد عليه رسول الله ﷺ قال محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر وغيرهما بعث النبي ﷺ الى قريش خراش بن امية على جمل رسول الله ﷺ يقال له الثعلب ليبلغ عنه اشرافهم بما جاء لهم فعقر عكرمة بن ابى جهل الجمل وأراد واقتله فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى اتى رسول الله ﷺ فاخبر رسول الله ﷺ بما لقى- روى البيهقي عن عروة قال لما نزل رسول الله ﷺ الحديبية فزعت قريش لنزوله فاحب رسول الله ﷺ ان يبعث رجلا من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم فقال يا رسول الله انى أخاف قريشا على نفسى قد عرفت قريش عداوتى لها وليس بها من بنى عدى من يمنعنى ولكنى ادلك على رجل أعز بمكة منى وامنع عثمان بن عفان فدعا عثمن فقال اذهب الى قريش وأخبرهم انا لم نات لقتال وانما جئنا عمارا وادعهم الى الإسلام وامره ان يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخلهم ويبشرهم بالفتح ويخبر ان الله يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالايمان فانطلق عثمان الى قريش يمر عليهم ببلدح فقالوا اين تريد قال بعثني رسول الله تعالى عليه واله وسلم إليكم لادعوكم الى الإسلام والى الله جل ثناؤه وتدخلوا فى الدين كافة فان الله مظهر دينه ومعز نبيّه واخرى تكفون الذي يلى هذا الأمر غيركم فان ظفر رسول الله ﷺ فذلك ما أردتم وان ظفر رسول الله ﷺ كنتم بالخيار بين ان تدخلوا فيما دخل فيه الناس او تقاتلوا وأنتم وافرون جامون ان الحرب ونهكتكم وأذهبت الأماثل واخر ان رسول الله ﷺ يخبر انه لم يأت لقتال أحد انما جاء معتمرا معه الهدى عليه القلائد ينحره وينصرف- فقالوا قد سمعنا ما تقول ولا كان هذا ابدا فارجع الى صاحبك فاخبره انه لا يصل إلينا ولقيه ابان بن سعيد واسلم بعد ذلك فرحب به ابان واجاره وقال لا تقصر عن حاجتك ثم نزل عن فرس كان عليه فحمل عثمان على السرج وردف ورائه وقال اقبل وأدبر لا تخاف أحد او بنو سعيد اعزة بالحرم فدخل به مكة فاتى عثمان اشراف قريش رجلا رجلا فجعلوا يردون عليه ان محمدا لا يدخلها علينا ابدا ودخل على قوم مؤمنين من رجال ونساء مستضعفين بمكة فقال ان رسول الله ﷺ يقول قد أظلكم حتى لا يستخفى بمكة بالايمان ففرحوا بذلك وقال اقرأ على رسول الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم منا السلام- ولما فرغ عثمان من رسالة قالوا له ان شئت ان تطوف بالبيت فطف فقال ما كنت لافعل حتى يطوف رسول الله ﷺ واقام عثمن بمكة ثلثا يدعو قريشا وقال المسلمون وهم بالحديبية خلص عثمن من بيننا الى البيت فطاف به فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف وكان رسول الله ﷺ امر أصحابه بالحراسة بالليل فكانوا ثلثة يتناوبون الحراسة أوس بن فوبى وعباد بن بشر ومحمد بن مسلمة فكان محمد بن مسلمة على حرس رسول الله ﷺ ليلة من الليالى وعثمان بمكة قد كانت قريش بعثت ليلا خمسين رجلا عليهم مكرز بن حفص وامروهم ان يطوفوا بالنبي ﷺ رجاء ان يصيبوا منهم عزة فاخذهم محمد بن مسلمة فجاء بهم رسول الله ﷺ وظهر قول النبي ﷺ انه رجل غادر وكان رجال من المسلمين قد دخلوا مكة بإذن رسول الله ﷺ وهم كرز بن جابر الفهري وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد الشمس وعبد الله بن حذافة السهمي وابو الروم بن عمير بن عمرو وعمير بن وهب الحجمى وحاطب بن ابى بلتعة وعبد الله بن امية دخلوا مكة فى أمان عثمان وقيل سرا فعلم بهم فاخذوا وبلغ قريشا حبس أصحابهم الذين امسكهم محمد بن مسلمة فجاء جمع من قريش الى النبي ﷺ وأصحابه حتى تراموا بالنبل والحجارة واسر المسلمون ايضا اثنى عشر فارسا وقتل من المسلمين ابن زنيم وقد اطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون فقتلوه وبلغ رسول الله ﷺ ان عثمان ومن معه قتلوا دعا رسول الله ﷺ الناس الى البيعة روى ابن جرير وابن ابى حاتم من سلمة ابن الأكوع والبيهقي عن عروة وابن اسحق عن الزهري ومحمد بن عمر عن شيوخه قال سلمة بينا نحن قايلون إذ نادى منادى رسول الله ﷺ ايها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فاخرجوا على اسم الله- فى صحيح المسلم عن سلمة قال بايعته أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان فى وسط قال بايع يا سلمة قلت بايعتك قال وايضا فبايعته ثم بايع حتى إذا كان اخرج الناس- قال ألا تبايعني يا سلمة قلت يا رسول الله بايعتك فى أول الناس وفى وسط الناس قال وايضا فبايعته الثالثة وفى صحيح البخاري عنه قيل على اى شىء كنتم تبايعونه قال على الموت وفى صحيح مسلم عن جابر قال بايعنا رسول الله ﷺ وعمر أخذ بيده تحت شجرة مثمرة فبايعنا غير جد بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره وروى الطبراني عن ابن عمر والبيهقي عن الشعبي وابن مندة عن زيد بن حبيش قالوا لما دعا رسول الله ﷺ الناس الى البيعة كان أول من انتهى اليه ابو سنان الأسدي فقال ابسط بيدك أبايعك فقال النبي ﷺ فبايعنى على ما فى نفسك زاد ابن عمر قال وما فى نفسى قال اضرب بسيفى بين يديك حتى يظهر الله او اقتل فبايعه وبايعه الناس على بيعة ابى سنان روى البيهقي عن انس وابن إسحاق عن ابن عمر قال لما امر رسول الله ﷺ بيعة الرضوان كان عثمان رسول رسول الله ﷺ الى اهل مكة فبايع الناس فقال رسول الله ﷺ ان عثمان فى حاجتك وحاجة رسولك فضرب بإحدى يديه على الاخرى فقال هذا يد عثمان وكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لانفسهم وبعث قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن العزى وأسلما ومكرز بن حفص الى النبي ﷺ فقال سهيل ان الذي كان من حبس أصحابك وما كان من قتال من قاتلك لم يكن من راى ذى راينا كنا له كارهين حتى بلغنا ولم نعلم به وكان من سفهائنا فابعث إلينا باصحابنا الذين أسرت أول مرة والذين أسرت اخر مرة والذي ذكر من قتل عثمن ومن معه ظهر انه كان باطلا- فقال رسول الله ﷺ انى غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي فقالوا أنصفتنا فبعث سهيل ومن معه الى قريش بالشتيهم بن عبد مناف التيمي فبعثوا من كان عندهم وهم عثمان والعشرة معه وأرسل رسول الله صلى الله عليه
وسلم أصحابهم الذين اسرهم المسلمون وفى الصحيحين عن سهيل بن حنيف وعند البخاري واصحاب السنن عن مروان بن الحكم ان عثمن لما قدم من مكة هو ومعه رجع سهيل بن عمرو حويطب ومكرز الى قريش فاخبروهم بما راوا من سرعة اصحاب النبي ﷺ الى البيعة وتشميرهم الى الحرب اشتد عليهم فقال اهل الرأي منهم ليس خير من ان تصالح محمدا على ان ينصرف عنا عامة هذا ولا يخلص من البيت حتى يسمع من يسمع بمسيرة من العرب انا قد صددناه ويرجع قابلا فيقم ثلثا ينحر هديه وينصرف فاجمعوا على ذلك وقالوا لسهيل ايت محمدا فصالحه وليكن فى صلحك ان لا يدخل عامة هذا فو الله لا تحدث العرب انه دخل علينا عنوة فاتى سهيل رسول الله ﷺ فقال عليه السلام أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا وفى لفظ قال رسول الله ﷺ سهل أمركم وجلس رسول الله ﷺ متربعا وقام عباد بن بشر وسلمة واسلم وهما مقنعان فى الحديد فبرك سهيل على ركبتيه فكلم رسول الله ﷺ وأطال الكلام وتراجعا وارتفعت الأصوات وانخفضت وقال عباد بن بشر لسهيل اخفض من صوتك عند رسول الله ﷺ فجرى القول حتى وقع الصلح فقال سهيل هات اكتب بيننا وبينك كتابا فدعا رسول الله ﷺ عليّا كرم الله وجهه كما فى حديث البراء عن البخاري والحاكم عن عبد الله بن مغفل انه قال رسول الله ﷺ اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال السهيل اما الرحمن الرحيم فو الله لا أدرى ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون والله لا تكتبها فقال النبي ﷺ اكتب باسمك اللهم ثم قال هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ فقال سهيل والله لو كنا نعلم إنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك اكتب محمد بن عبد الله فقال رسول الله ﷺ لعلى رض امحه فقال على رض ما انا بالذي أمحاه وذكر محمد بن عمران أسيد بن حضير وسعيد بن عبادة أخذ بيد على رض ان لا يكتب الا محمد رسول الله والا فالسيف بيننا وبينهم وارتفعت الأصوات فقال النبي - ﷺ - أرنيه فاراه إياه فمحاه رسول الله - ﷺ - بيده وقال اكتب محمد بن عبد الله ووقع فى بعض طرق حديث البراء ان رسول الله ﷺ أخذ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو وأصلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يا من فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض فقال رسول الله - ﷺ - لسهيل على ان تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف فقال سهيل لا والله ولكن لك من العام المقبل فكتب فقال سهيل على ان لا يأتيك منا أحد بغير اذن وليه وان كان على دينك الا ردته إلينا- فقال المسلمون سبحان الله أيكتب هذا كيف يرد الى المشركين وقد جاء مسلما فقال رسول الله - ﷺ - نعم انه من ذهب منا إليهم فابعده الله ومن جاء منهم إلينا فيجعل الله فرجا قال البراء صالح على ثلثة أشياء على انه من أتاه من المشركين رده إليهم ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه اليه وعلى ان يدخلها من قابل ويقيم بها ثلثة ايام ولا يدخلها الا يجلبان السلاح والسيف والقوس ونحوه وقع الصلح على ان بينهم وبين رسول الله ﷺ عيبة مكفوفة وانه لا إسلال ولا أغلال وانه من أحب دخل فى عقد محمد ومن أحب دخل فى عقد قريش فتواثبت خزاعة وقال نحن فى عقد محمد وعهده وتواثبت بنو بكر وقالوا نحن فى عقد قريش وعهدهم ولما تقرر الصلح ولم يبق الا الكتاب وثب عمر بن الخطاب رض الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله الست بنى الله حقا قال بلى قال السنا على الحق وهم على الباطل قال بلى قال أليس قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار قال
بلى قال على م تعطنى الدنية فى ديننا ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله ﷺ انى عبد الله ورسوله ولست أعصيه ولن يضيعنى وهو ناصرى قال او ليس كنت تحدثنا انا ناتى البيت فنطوف حقا قال بلى فاخبرتك انك ناتيه العام قال لا قال فانك اتيه ومطوف به فذهب عمر الى ابى بكر متغيضا ولم يصبر فقال يا ابو بكر أليس هذا نبى الله حقا قال بلى قال السنا على الحق وهم على الباطل قال بلى قال أليس قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار قال بلى قال فعلى م تعطنى الدنية فى ديننا ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم قال ايها الرجل انه رسول الله وليس يعصى ربه وهو ناصره فاستمسك بعزره حتى تموت فو الله انه لعلى الحق وفى لفظ فانه رسول الله فقال عمرو انا اشهد انه رسول الله ﷺ قال او ليس كان يحدثنا انه سياتى البيت ويطوف به قال بلى افاخبرك انك تأتيه العام قال لا قال فانك اتيه وتطوف به فلقى عمر من هذه الشروط امرا عظيما وقال كما فى الصحيح والله ما شككت منذ أسلمت الا يومئذ وجعل يردد على رسول الله ﷺ الكلام فقال ابو عبيدة بن الجراح الا تسمع يا ابن الخطاب تقول بالقول نعوذ بالله من الشيطان قال عمر فجعلت أتعوذ بالله من الشيطان- روى ابن اسحق وابن عمر والأسلمي قال عمر فمازلت أتصدق وأصوم وأعتق من الذي صنعت يومئذ وروى احمد والنسائي والحاكم فى حديث عبد الله بن مغفل ذكر نحو ما تقدم قال فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلثون شابا عليهم السلاح فثاروا الى وجوهنا فدعا عليهم رسول الله ﷺ فاخذ الله باسماعهم ولفظ الحاكم بأبصارهم فقمنا إليهم فاخذناهم فقال رسول الله ﷺ هل جئتم فى عهد أحد وهل جعل لكم أحد أمانا فقالوا لا فخلى سبيلهم فانزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وروى احمد ومسلم وابن ابى شيبة عن انس هبط على رسول الله ﷺ ثمانون رجلا من اهل مكة فى السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة من رسول الله ﷺ فدعا عليهم فاخذوا فعفا عنهم وفى حديث الزهري عن مروان ومسور وروى مسلم واحمد وعبد بن حميد عن سلمة بن الأكوع قال لما سمعت قتل ابن زنيم اخترطت سيفى على اربعة رقود من المشركين فاخذت سلاحهم وجئت بهم اسوقهم الى رسول الله ﷺ وهو الذي كف أيديهم عنكم الاية فبينما الناس- كذلك إذا ابو جندل بن سهيل ابن عمر يرسف فى قيوده قد خرج من أسفل حتى رمى نفسه بين اظهر المسلمين وكان أبوه سهيل قد أوثقه فى الحديد وسجنه فقام اليه المسلمون يرحبونه ويهنونه فلما راى ابو سهيل قام اليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلبيبه ثم قال يا محمد هذا أول ما اقاضيك عليه ان ترده فقال رسول الله ﷺ انا لم نقض الكتاب بعد قال فو الله إذا لا أصالحك على شىء ابدا قال فاجزه بي قال ما انا بمجيزه قال بلى فافعل قال ما انا بفاعل فقال مكرز وحويطب قد اجزناه لك فاخذاه ودخلا فسطاطا واجاراه وكف عنه أبوه- فقال ابو جندل معاشر المسلمين أرد الى المشركين وقد جئت مسلما الا ترون ما قد لقيت وكان قد عذب عذابا شديدا فرفع رسول الله ﷺ صوته أبا جندل اصبر واحتسب فان الله تعالى جاعل لك بمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا انا قد عقدنا مع القوم صلحا وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدا وانا لا نقدر فمشى عمر بن الخطاب الى جنب ابى جندل فقال له اصبر واحتسب فانما هم المشركون وانما دم أحدهم دم كلب وجعل عمر يدنى قائم السيف منه قال عمر رجوت ان يأخذ السيف فيضرب به أباه قال فضمن الرجل بابيه وقد كان اصحاب رسول الله ﷺ فرحوا وهم لا يشكون فى الفتح لرويا رسول الله ﷺ فلما راو ما رأو
من الصلح والرجوع دخل الناس من ذلك عظيم حتى كادوا يهلكون فزادهم امر ابى جندل ونفذت القضية شهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين وابو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو وسعد بن ابى وقاص ومحمود بن سلمة وعلى بن ابى طالب كرم الله وجهه ومكرز بن حفص وهو مشرك فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ قوموا فانحروا ثم احلقوه فو الله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلث مرات فاشتد ذلك عليه فدخل على أم سلمة فقال هلك المسلمون امرتهم ان ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا فقالت يا رسول الله لا تلمهم فانهم قد دخلهم امر عظيم مما ادخلت على نفسك من المشقة فى امر الصلح ورجوعهم بغير فتح يا نبى الله اخرج ولا تكلم أحدا كلمة حتى تنجر بدنك وتدعوا بحالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحدا حتى نحو بدنه رافعا صوته بسم الله الله اكبر ودعا حالقه فحلقه فلما راوا ذلك قاموا فنحروا فجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا قال ابن عمر وابن عباس حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله ﷺ يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين قال يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرون قالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم قال لانهم لم يشكوا قال ابن عمرو ذلك انه تربص قوم وقالوا لعلنا نطوف بالبيت واقام رسول الله ﷺ بالحديبية تسعة عشر يوما ويقال عشرين ليلة ذكره محمد بن عمرو فى ايام المقام بالحديبية قال رسول الله ﷺ لكعب بن عجرة لارى الهوام تتساقط على وجهه وهم محصورون قبل الصلح ايؤذيك هوام راسك قال نعم وامره بالحلق والفدية من صيام او صدقة او نسك ونزل حينئذ قوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ الاية من سورة البقرة وقد ذكر هناك مسائل للاحصار والحلق بعذر وما يتعلق به روى مسلم عن سلمة بن الأكوع والبيهقي عن ابن عباس والبزاز والطبراني والبيهقي عن ابى حبيش ومحمد بن عمرو عن شيوخه انه لما انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية نزل بمر الظهران ثم نزل بعسفان فارملوا من الزاد فشكى الناس الجوع وقالوا ننحر يا رسول الله الحمر فاذن لهم رسول الله ﷺ فقال عمر يا رسول الله لا تفعل فان يكن فى الناس بقية ظهر كان أمثل كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدا جياعا رجالا لكن ان رايت تدعو الناس ببقايا أزوادهم ثم تدعوا فيها بالبركة فان الله سيبلغنا بدعوتك فدعا رسول الله ﷺ ببقايا أزوادهم وبسط نطعا وكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر فاجتمع زاد القوم على النطع قال مسلمة فتطاولت لاحرزكم محرزته كر نفسه عزة ونحن اربعة عشر مائة فقام رسول الله ﷺ فدعا بما شاء الله تعالى ان يدعوا فاكلوا حتى شبعوا ثم حشوا أوعيتهم وبقي مثله فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت لواجذه وقال اشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله والله لا يلقى الله تعالى عبد مؤمن بهما الا حجب من النار قال الزهري فى حديثه ثم جاء نسوة مؤمنات فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ حتى بلغ بِعِصَمِ الْكَوافِرِ- فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له فى الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن ابى سفيان والاخرى صفوان بن امية قال فنهاهم ان يردوا النساء وامر برد الصداق روى احمد والبخاري وابو داود والنسائي عن المسور بن مخرمة والبيهقي عن الزهري ان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة من الحديبية أتاه ابو بصير عتبة بن أسيد حاربة الثقفي حليف بنى زهرة مسلما قد خلت من قومه فكتب الاحبس بن شريف الثقفي وأزهر بن عبد عوف الزهري الى رسول الله ﷺ كتابا بعثهما وبعثا خنيسا بن جابر من بنى عامر ابن لوى يذكر ان الصلح الذي بينهم وان يردا إليهم أبا بصير فقدم العامري ومعه مولى له يقال
له كوثر بعد ابى بصير بثلاثة ايام فامر رسول الله ﷺ أبا بصير ان يرجع معهما وقال يا أبا بصير انا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح فى ديننا الغدر ان الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا به حتى بلغا ذا الحليفه فصلى ابو بصير فى مسجدها ركعتين صلوة المسافر ومعه زاد له من تمر يحمله يأكل ودعا العامري وصاحبه لياكلا معه فنزلوا يأكلون التمر وعلى العامري سيفه وتحادثا ولفظ عروة فسل العامري سيفه ثم هذه فقال لاضربن بسيفى هذا فى الأوس والخزرج يوما الى الليل فقال ابو بصير أصارم سيفك هذا قال نعم قال ناولنى انظر اليه ان شئت فناوله إياه فلما قبض عليه ضربه به حتى يرد وخرج كوثر هاربا حتى اتى المدينة فدخل المسجد قال رسول الله ﷺ مالك قال قتل والله صاحبى وأفلت منه ولم أكد وانى مقتول فاستغاث برسول الله ﷺ فامته واقبل ابو بصير فاناخ بعير العامري ودخل متوحشا بسيفه فقال يا رسول قد وفيت ذمتك وادي الله عنك وقد أسلمتني بيد العدو وقد امتنعت بديني من ان افتن فقال رسول الله ﷺ ويل امه مسعر حرب لو كان له أحد وقدم بسلب العامري لرسول الله ﷺ ليخمسه فقال انى إذا خمسة راونى لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه ولكن شانك بسلب صاحبك واذهب حيث شئت وفى الصحيح ان أبا بصير لما سمع قول رسول الله ﷺ ويل امه مسعر حرب لو كان له أحد عرف انه سيرده فخرج ابو بصير ومعه خمسة كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حين قدمه على رسول الله ﷺ فلم يكن طلبهم أحد حتى قدموا سيف البحر فاقام بسيف البحر بين العيص وذى المروة من ارض جنته على طريق عيرات قريش وبلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكة خبر ابى بصير فتسللوا اليه قال محمد بن عمرو كان عمر بن الخطاب هو كتب إليهم يقول رسول الله ﷺ لابى بصير ويل امه مسعر حرب لو كان له رجال وأخبرهم انه بالساحل وانفلت ابو جندل بن سهيل الذي رده عليه السلام الى المشركين بالحديبية فخرج هو وسبعون راكبا ممن اسلموا فلحقوا بابى بصير فلما قدم ابو جندل على ابى بصير سلم له الأمر لكونه قرشيا وكان ابو جندل يؤمهم واجتمع الى ابى جندل حين سمع بقدومه ناس من بنى غفار واسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل كما عند البيهقي عن ابن شهاب لا تمر بهم عير لقريش الا أخذوها وقتلوا من فيها وضيقوا على قريش فلا يظفرون بأحد منهم الا قتلوه فارسل قريش أبا سفيان الى رسول الله ﷺ ان يبعث الى ابى بصير ومن معه وقالوا من خرج منا إليك فامسكه فهو لك حلال من غير حرج أنت فيه فكتب رسول الله ﷺ الى ابى بصير وابى جندل يأمرهما ان يقدما عليه ويأمر من معهما فمن اتبعهما من المسلمين ان يرجعوا الى بلادهم وأهليهم فلا يتعرضوا الأحد مر بهم من قريش وعيراتها فقدم كتاب رسول الله ﷺ على ابى بصير وهو يموت فجعل يقرأه ومات وهو فى يده فدفنه ابو جندل فى مكانه وجعل قبره مسجدا وقدم ابو جندل على رسول الله ﷺ ومعه ناس من أصحابه ورجع سائرهم الى أهليهم فلما كان من أمرهم على الذين كانوا اشاروا على رسول الله ﷺ ان يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية ان طاعة الله ورسول الله ﷺ خير لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا لما دخل رسول الله ﷺ عام القضية قال هذا الذي وعدتكم ولما كان يوم الفتح أخذ المفتاح وقال لعمر بن الخطاب هذا الذي قلت لكم- ولما كان فى حجة الوداع وقف بعرفة فقال اى عمر هذا الذي قلت لكم قال اى رسول الله ما كان فتح أعظم من صلح الحديبية وكان ابو بكر يقول ما كان فتح فى الإسلام أعظم
من صلح الحديبية ولكن الناس قصر رائهم عما كان بين رسول الله وبين ربه والعباد يعجلون والله لا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد والقد رايت سهيل بن عمرو فى حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول الله ﷺ بدنه ورسول الله ﷺ ينحرها بيده ودعا الحلاق فحلق راسه وانظر الى سهيل يلتقطه من شعره يضعه على عينه واذكر امتناعه ان يقر يوم الحديبية بان يكتب بسم الله الرحمن الرحيم فحمد الله سبحانه ان هداه للاسلام فَمَنْ نَكَثَ اى نقض البيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ اى لا يعود ضرر نكثه الا عليه وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ اى ثبت على البيعة قرأ حفص بضم الهاء تعظيما للجلالة والباقون بالكسر فَسَيُؤْتِيهِ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر بالنون على التكلم والباقون بالياء على الغيبة والضمير
الفتح 48:11
عايد الى الله أَجْراً عَظِيماً يعنى الجنة ورضوان الله تعالى ورويته.
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ ابن عباس ومجاهد يعنى الاعراب بنى غفار ومزينه وجهنية والنخع واسلم وهم الذين أبطئوا من الخروج مع النبي ﷺ حين استنفرهم إذا أراد المسير الى مكة عام الحديبية خوفا من قتال قريش زعما منهم قلة عدد المسلمين وضعفهم فى عقيدتهم كما مر فى القضية رجع النبي ﷺ سالما اعتذروا من التخلف وو قالوا شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا يعنى لم يكن لنا من يقوم باشغالهم فَاسْتَغْفِرْ لَنا الله تعالى على التخلف فيه معجزة فان الله تعالى اخبر نبيه - ﷺ - بما يقول له المخلفون بعد ذلك ثم كذبهم الله فى اعتذارهم فقال يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ من الاعتذار والاستغفار يعنى انهم لا يبالون استغفر لهم النبي ﷺ او لم يستغفر الجملة بدل من قوله تعالى سيقول إلخ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعنى لاحد يمنعكم من مشية الله تعالى وقضائه فيكم إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا قرأ حمزة والكسائي بضم الضاد والباقون بالفتح يعنى ما يضركم كقتل او هزيمة او هلاك فى المال او الأهل او عذاب فى الاخرة على تخلفكم أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً اى ضد ذلك به تعرض بالرد بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يعنى ليس الأمر كما قلتم فى الاعتذار بل الله يعلم ان قصدكم فى التخلف انما هو اظهار الموافقة لاهل مكة خوفا منهم.
بَلْ ظَنَنْتُمْ ايها المخلفون أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً يعنى يستاصلهم مشركو مكة فلا يرجعون إضراب ثان عطف على مضمون الاضراب الاول يعنى بل أظهرتم موافقه اهل مكة بل ظننتم ان لن ينقلبوا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ زينه الشيطان بخلق الله تعالى وَظَنَنْتُمْ ان محمدا وأصحابه أكلة راس فلا يرجعون او غير ذلك مما يظنون بالله ورسوله - ﷺ - من الأمور الباطلة ظَنَّ السَّوْءِ منصوب على المصدرية وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً هلكى عند الله لفساد عقيدتكم وسوء ظنكم بالله ورسوله.
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فيه تعريض الى انهم غير مؤمنين بالله ورسوله فان الايمان ينافى تلك الظنون والتخلف عن الرسول - ﷺ - وجزاء الشرط محذوف وما بعده تعليل أقيم مقامه اى لا يضرنا- فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً وضع المظهر موضع المضمر إيذانا بان من لم يجمع بين الايمان بالله ورسوله فهو كافر مستوجب للسعير بكفره وتنكير سعير للتهويل-.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ لا يجب عليه شىء وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يعنى ان الغفران والرحمة صفات ذاتية له تعالى والتعذيب داخل
الفتح 48:15
تحت قضائه بالعرض.
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ المذكورون إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ فى القتال حتى نصيب من المغانم يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ جملة يريدون بدل اشتمال من سيقولون قرأ حمزة والكسائي كلم الله على انه جمع كلمة قيل المراد بالمغانم خيبر خاصة قال محمد بن عمر وامر رسول الله - ﷺ - أصحابه بالخروج يعنى الى خيبر فجدوا فى ذلك من حوله فمن شهد الحديبية يغزون معه وجاء المخلفون عنه فى غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة فقال عليه السلام لا يخرجوا معى الا راغبين فى الجهاد واما الغنيمة فلا- والظاهر ان معنى الاية سيقولون المخلفون الذين تخلفوا من الجهاد فى غزوة الحديبية حين ظنوا بالمسلمين ضعفا وقلة إذا يرون بالمسلمين قوة وانطلقتم الى المغانم لتاخذوها فى زعمهم غالبا سيقولون ذرونا نتبعكم يريدون ان يبدلوا كلام الله يعنى امر الله لنبيه ان لا يسير معه أحد منهم كما فى قوله تعالى فاستاذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى ابدا ولن تقاتلوا معى عدوا انكم رضيتم بالقعود أول مرة كذا قال ابن ريد وقتادة قلت لعل المخلفون لما رأوا من المؤمنين شدة رغبتهم فى الجهاد وسمعوا بيعة الرضوان وان الله الفر؟؟؟ المؤمنين على المشركين فى بطن مكة حتى رضى المشركون على الصلح واطمأن المسلمون من اهل مكة وفرغوا الجهاد عامة العرب ندموا على التخلف وظنوا بغلبة المسلمين وأخذهم الغنائم قالوا ذلك حين عزم النبي ﷺ لجهاد اهل خيبر مع ان اهل خيبر كانوا أشد بأسا من اهل مكة حيث كان فيها عشر آلاف مقاتل وانما حبس الله رسوله والمؤمنين من اهل مكة ترحما بقريش كما حبس عنهم الفيل لما علم بعلمه القديم ان أكثرهم يؤمنون ويخرج منهم بسمات مومنات ولئلا يصيب المؤمنين معرة بغير علم من ان يطئوا رجالا مومنين ونساء مؤمنات كانوا بمكة لم يعلموهم قُلْ يا محمد لَنْ تَتَّبِعُونا
جملة مستانفة اخبار من الله تعالى بعدم اتباعهم بعد عزمهم طمعا فى الغنائم ولا يبدل القول لديه وفى معجزة اخبار بالغيب مرتين مرة بالقول ومرة بعدم الاتباع وقيل هذا نفى ومعناه النهى- كَذلِكُمْ يعنى قولا مثل ما قلت لكم ايها المخلفون من الاخبار والنهى قالَ اللَّهُ تعالى مِنْ قَبْلُ هذا بوحي غير متلوان غنائم خيبر لاهل الحديبية خاصة لا نصيب لغيرهم فيها او انهم لن يخرجوا معك ابدا ولا يصاحبهم فى غزوة ابدا وليس المراد منه قوله تعالى فَاسْتَأْذَنُوكَ لانها نزلت بعد ذلك سنة تسع فى غزوة تبوك فَسَيَقُولُونَ اى المخلفون عطف على سيقولون بَلْ تَحْسُدُونَنا عطف على محذوف يعنى لم يقل الله كذلك بل تحسدوننا يقولون ذلك حسدا ان يشرككم فى الغنائم بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ عطف على سيقولون يعنى ليس الأمر كما زعمت المخلفون بل كانوا
الفتح 48:16
لا يعلمون من الله تعالى ما لهم وما عليهم فى الدين إِلَّا قَلِيلًا يعنى الا تفقها قليلا من امور الدنيا وقال البغوي معناه الا قليل منهم وهو من صدق الله ورسوله قلت وعلى هذا كان المختار عند النحويين الرفع على البدلية لان الكلام غير موجب.
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ كرر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة فى الذم واشعار بكمال شناعة التخلف سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال كعب هم الروم يعنى فى غزوة تبوك قلت وهذا القول يابى عنه توصيف قوم بقوله يقاتلونهم او يسلمون فان غزوة تبوك مال امره الى القتال فان النبي - ﷺ - سار الى تبوك واقام هناك بضعة عشر يوما فلم يتحرك هرقل الى مقابلته ولم يبعث اليه جيشا رجع النبي - ﷺ - من غير قتال وقال سعيد بن جبير وقتادة هوازن وثقيف وغطفان يوم حنين قلت ولم يصح ان النبي - ﷺ - دعا الاعراب يوم حنين وايضا يكونوا اولى بأس شديد بالنسبة الى عسكر الإسلام بل كانوا قليلا فى مقابلة جم غفير وقال الزهري ومقاتل وجماعة هم بنو حنيفة اهل اليمامة واصحاب مسيلمة الكذاب قال رافع بن خديج كنا نقرا هذه الاية ولا نعلم من هم حتى دعى ابو بكر الصديق رض الى قتال بنى حنيفة فعلمنا انهم هم وهذا قول اكثر المفسرين ورحجه البيضاوي بقرينة قوله تعالى تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ يعنى بكون أحد الامرين اما المقاتلة او الإسلام لا غير كما يدل عليه قراءة او يسلموا فان او حينئذ بمعنى الى ان ولا شك ان مشركى العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم الا الإسلام او السيف وقتال غيرهم كاهل الروم ينتهى بالجزية فالاية دليل على امامة ابى بكر فانه دعى الناس لقتال اهل الردة وقال ابن عباس وعطاء ومجاهد وابن جريح هم اهل الفارس فانهم كانوا أشد بامن من غيرهم دعا الناس عمر بن الخطاب الى قتالهم فالاية دليل على خلافة عمر المبنية على خلافة ابى بكر ومعنى يسلمون حينئذ ينقادون لاعطاء الجزية والجملتين المتعاطفتين بدل اشتمال من ستدعون فَإِنْ تُطِيعُوا لداعى يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً يعنى الجنة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا توليا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ذلك عام الحديبية يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً لتضاعف جرمكم قال البغوي فلما نزلت هذه الاية قال اهل الزمانة كيف بنا يا رسول الله فانزل الله تعالى.
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ ضيق وشدة وعذاب فى ترك الجهاد وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى الجهاد وغير ذلك يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ اى يعرض عن الطاعة بعد القدرة يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً قرأ نافع وابن عامر ندخله ونعذبه بالنون على المتكلم والباقون بالياء على الغيبة والضمير راجع الى الله
الفتح 48:18
سبحانه-.
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يعنى بالحديبية هذه الجملة متصلة بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ الاية تأكيد لها وما بينهما معترضات وبهذه الاية سميت البيعة بيعة الرضوان والغرض من هذه الاية مدح المؤمنين والثناء عليهم ومما سبق- حثهم على إيفاء ما بايعوا عليه وفى الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال كنا يوم الحديبية الفا واربعمائة فقال لنا رسول الله ﷺ أنتم خير اهل الأرض- وروى مسلم عن امر بشر مرفوعا ولا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة- فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ يعنى القى عليهم الطمأنينة بالحضور عند ذكر الله تعالى والرضا بما امر الله تعالى فوق الرضا بما تشتهيه نفوسهم وَأَثابَهُمْ فَتْحاً يعنى فتح خيبر قَرِيباً قيل اقام النبي ﷺ بالمدينة بعد الرجوع من الحديبية عشر ليال كذا عند ابن عاند عن ابن عباس وعند سليمان التيمي خمسة عشر وذكر ابن عقبة عن ابن شهاب اقام بالمدينة عشرين ليلة فى حديث المسور ومروان عند ابن اسحق انه عليه السلام قدم المدينة فى ذى الحجة فاقام بها حتى سار الى خيبر فى المحرم وكان فتح خيبر فى سفر سنة سبع كذا فى المغازي للواقدى قال الحافظ انه الراجح نقل الحاكم عن الواقدي-.
وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها روى البخاري عن عائشة رض قالت لما فتحت خيبر قلنا الان نشبع من التمر وعن ابن عمر قال ما شبعنا من التمر حتى فتحت خيبر قال الحافظ محمد بن يوسف الصالحي ان خيبر اسم ولاية مشتملة على حصون ومزارع ونخل كثيرة على ثلثة ايام من الحديبية على يسار حاج الشام وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها وهى الفتوح التي يفتح لهم الى يوم القيامة فيه تسلية للمؤمنين انصرافهم من مكة بصلح فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعنى فتح خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ قال البغوي وذلك ان النبي - ﷺ - لما حاصر خيبر همت قبائل من بنى اسد وغطفان ان يغيروا على اعيال المسلمين وذراريهم بالمدينة فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب فى قلوبهم وقال ابن اسحق كانت غطفان مظاهرين يهود خيبر على رسول الله - ﷺ - فبلغنى ان غطفان لما سمعوا بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر خرجوا ليظاهروا يهود عليه فلما ساروا سمعوا خلفهم فى أموالهم وأهليهم حسا ظنوا ان القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فاقاموا فى أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله - ﷺ - وبين خيبر وروى ابن قانع والبغوي وابو نعيم فى العرفة عن سعيد بن شتيم عن أبيه رض انه كان فى جيش عيينة بن حصين فى خيل غطفان لما جاء يمر خيبر قال فسمعنا صوتا فى عسكر عيينة ايها الناس أهليكم خولفتم فيه قال فرجعوا لا يتناظرون فلم تر لذلك بنا وما تراه كان الا من قبل السماء وقيل كف الناس عنكم يعنى باهل مكة بالصلح وَلِتَكُونَ عطف على محذوفه لتكف او فجعل او لتاخذوا تقديره لتسلموا او تغنمو لتكون او علة لمحذوف تقديره وفعل ذلك لتكون الكفة او الغنيمة آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ على صدقك فيما وعدتهم من فتح مكة وغير ذلك وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً هو الثقة لفضل الله والتوكل عليه او المعنى يثيتكم على الإسلام ويزيدكم بصيرة ويقينا- قصة غزوة خيبر انه ﷺ استخلف على المدينة سباع بن عرفطة كذا روى احمد وابن خزيمة والحاكم عن ابى هريرة ولما تجهز النبي ﷺ والناس شق على يهود المدينة ولم يبق أحد من يهود المدينة له على أحد من المسلمين حق الا لزمه روى احمد والطبراني عن ابى جدر وانه كان لابى شحم اليهودي عليه خمسة دراهم فلزمه فقال أجلني فانى أرجو ان اقدم عليك فاقضيك حقك قد وعد الله نبيه ان يغنم خيبر فقال ابو شحم أتحسب ان قتال خيبر مثل قتال ما تلقون من الاعراب والتوراة فيها عشرة آلاف مقاتل وترافعا الى رسول الله - ﷺ - فقال عليه السلام أعطه حقه فخرجت فبعث ثوبى بثلاثة دراهم الحديث ولما وصل رسول الله - ﷺ - الى الصهاء وهى ادنى خيبر دعانا لازواد فلم يوت الا السويق فثرى فاكل وأكلنا معه ثم قام الى المغرب فمضمض ثم صلى ولم يتوضأ رواه البخاري والبيهقي قال محمد بن عمر وثم سار النبي ﷺ حتى اتى الى المنزلة التي وهى يسوق لخيبر صارت فى سهم زيد بن ثابت فعرس رسول الله ﷺ بها ساعة من الليل وكانت يهود لا يظنون قبل ذلك ان رسول الله ﷺ يغزوهم لمنعتهم وسلاحهم وعدوهم فلما أحسوا الخروج النبي - ﷺ - كانوا يخرجون كل يوم عشرة آلاف مقاتل صفوفا ثم يقولون محمد تغيرونا هيهات هيهات وكان ذلك شانهم- فلما نزل رسول الله ﷺ بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس فاصبحوا وافئدتهم تحقق وفتحوا حصونهم- وفى الصحيحين سار رسول الله ﷺ الى خيبر فانتهى إليها ليلا وكان عليه السلام إذا طرق قوما لم يغتر عليهم حتى يصبح فاذا سمع اذانا امسك وإذا لم يسمع أغار حتى يصبح فصلنا الصبح عند خيبر بغلس فلم يسمع اذانا فلما أصبح ركب وركب المسلمون وخرج اهل قرية الى مزارعهم بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأو رسول الله - ﷺ - قالوا محمد والخميس فادبروا هاربين فقال رسول الله ﷺ ورفع يديه الله اكبر خربت خيبر انا إذا أنزلنا بساحة قوم فساع صباح المنذرين وابتدأ باهل نطاة وصف رسول الله - ﷺ - ووعظهم
ونهاهم عن القتال حتى يأذن لهم فعمد رجل من أشجع على يهودى وحمل عليه اليهودي فقتله فقال الناس استشهد فلان فقال رسول الله - ﷺ - بعد ما نهيت من القتال قالوا نعم فامر رسول الله - ﷺ - مناديا فنادى فى الناس لا تحل الجنة لعاص- وروى الطبراني عن جابر ان رسول الله - ﷺ - قال يومئذ لا تتمنوا لقاء العدو واسئلوا الله العافية فانكم لا تدرون ما تبتلون به فاذا لقيتم فقولوا اللهم ربنا وربهم نواصينا ونواصيهم بيدك وانما تقتلهم أنت ثم الزموا الأرض جلوسا فاذا عشوكم فانهضوا وكبروا الحديث- قال ابن اسحق ومحمد بن عمرو بن سعيد فرق رسول الله - ﷺ - الرايات واذن للناس فى قتال وحثهم على الصبر وأول حصن حاصره من النطاة ناعم وقاتل أشد القتال وقاتله اهل نطاة أشد القتال فلما امسى تحول له الى الرجيح فكان رسول الله - ﷺ - يغدوا على راياتهم حتى فتح الله الحصن عليهم روى البيهقي وابو نعيم ومحمد بن عمران المسلمين لما قدموا خيبر قدموا على ثمرة خضراء وهى ديئية وختمة فاكلوا منها فاخذهم الحمى فشكوا الى رسول الله - ﷺ - فقال فرسوا الماء فى الشنان فاذا كان بين الاذانين يعنى من الصبح فاحدروا الماء واذكروا اسم لله فكانما نشطوا من العقل وبعد فتح ناعم حاصر وأحصن الصعب بن معاذ- روى محمد بن عمر عن ابى أيسر كعب بن عمر انهم حاصروه ثلثة ايام وكان حصنا منيعا- روى ابن اسحق عن رجل من اسلم ومحمد بن عمر عن معتب الأسلمي قال أصابتنا معشر اسلم مجاعة حتى قدمنا خيبروا قمنا عشرة ايام على حصن النطاة لا يفتح شيئا فيها طعام فارسلوا اسماء بن حارشة الى رسول الله - ﷺ - فقال ان اسلم يقرأ عليك السلام ويقول انا قد جهدنا من الجوع والضعف فادع الله لنا فقال رسول الله - ﷺ - ما بيدي ما أقوتهم به قد علمت حالهم ثم قال اللهم فافتح عليهم الأعظم حصنا فيها أكثره ودكاو دفع اللواء الى حباب بن المنذر وندب الناس فما رجعنا حتى فتح الله حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن اكثر طعاما وودكا منه بزر لحباب يوشع اليهودي فقتله حباب ثم برزله الزيال فبادره عمارة بن عقبة الغفاري فقال الناس بطل جهاده فقال عليه الصلاة والسلام ما بأس به يوجر ويحمد- روى محمد بن عمرو عن جابر انهم وجدوا فى حصن الصعب من الطعام ما يكونوا يظنون من الشعير والتمر والسمن والعسل والزيت والودك ونادى منادى رسول الله ﷺ كلوا وامقلوا ولا تحملوا يعنى لا تخرجوا به الى بلادكم- روى البيهقي عن محمد بن عمرو قال لما تحولت اليهود من حصن الناعم وحصن الصعب بن معاذ الى قلة الزبير يعنى حصن الزبير بن العوام رض الذي صار فى سهمه بعد وهو حصن على راس قلة فاقام محاصرهم ثلثة ايام فجاء اليهودي يدعى غزال فقال يا أبا قاسم توصننى على ان ادلك على ما تستريح به من اهل ونخرج الى الشق فان اهل الشق قد هلكوا رعبا منك فامنه رسول الله - ﷺ - على اهله وماله فقال اليهودي انك لو أقمت شهرا ما بالولهم ذبول تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها تم يرجعون الى قلعتهم فيمنعون منك فان قطعت عنهم شربهم اصحروا لك فسار رسول الله - ﷺ - الى ذبولهم فقطعها فلما قطع عليهم مشاربهم خرجوا وقاتلوا أشد القتال وقتل من المسلمين يومئذ نفر وأصيب من اليهود ذلك اليوم عشرة وافتحه رسول الله - ﷺ - وكان هذا آخر صون النطاة فلما فرغ من النطاة تحول الى الشق وأول حصن بدأ به منها حصن على قلعة يقال لها سموان فقاتل عليها اهل الحصن قتالا شديدا خرج رجل من اليهود يقال له غزول فقتله حباب بن المنذر فخرج رجل اخر من يهود فقتله أبوه دجانة وأخذ درعه وسيفه وجاء به الى رسول الله - ﷺ - فنقله رسول الله - ﷺ - ذلك واحجم اليهود عن البراز فكبر المسلمون ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه يقدمهم ابو دجانة فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما فهرب من كان فيه من المقاتلة حتى صاروا الى حصن النزل بالشق وجعل يأتي من بقي من خل النطاة الى حصن النزال فغلقوه وامتنعوا فيه أشد الامتناع وزجف رسول الله - ﷺ - فى أصحابه فقاتلهم وكانوا أشد اهل الشق رميا للمسلمين بالنبل والحجارة
ورسول الله - ﷺ - معهم حتى أصاب النبل ثياب النبي ﷺ وعلقت به فاخذ رسول الله - ﷺ - النبل فجمعها ثم أخذ لهم كفا من حصى فحصب به حصنهم فرجف الحصن بهم ثم ساخ فى الأرض حتى المسلمون فاخذوا اهله أخذا ولما فتح رسول الله - ﷺ - حصون النطاة والشق انهزم من سلم منهم الى حصون الكثيبة وأعظم حصونها القموص وكان حصنا منيعا ذكر ابن ابى عقبة ان رسول الله - ﷺ - حاصره قريبا من عشرين ليلة وكانت أرضا وخمسة روى الشيخان عن سهل بن سعد والبخاري وابو نعيم عن سلمة بن الأكوع وابو نعيم عن عمرو ابن عباس وسعد بن ابى وقاص الخدري وعمران بن حصين وجابر بن عبد الله ومسلم والبيهقي عن ابى هريرة واحمد وابو يعلى والبيهقي عن على وابو نعيم والبيهقي عن بريدة قال بريدة كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يأخذه الشقيقة فيمكث اليوم واليومين ولا يخرج فلما نزل خيبرا أخذته الشقيقة فلم يخرج الى الناس فارسل أبا بكر فاخذ راية رسول الله ﷺ فقاتل قتالا شديدا ثم نهض فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الاول ثم رجع ولم يكن فتح وفى حديث على ان الغلبة كانت لليهود فى اليومين فاخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال لاعطين الراية غدا رجلا يفتح الله عليه ليس بفرار يحب الله ورسوله ويأخذها عنوة وقال بريدة فتباطينا نفسا ان يفتح غدا ويأت الناس ليلتهم أيهم يعطى فلما أصبح غد وأعلى رسول الله - ﷺ - كلهم يرجوا ان يعطيها قال ابو هريرة قال عمر فما أحببت الامارة قط حتى كان يومئذ فلما أصبح رسول الله ﷺ وصلى صلوة الغداة ثم دعا باللواء وقام قائما قال ابن شهاب فوعظ الناس ثم قال اين على رض قالوا تشتكى عينه فارسلوا اليه قال سمة فجئت به أقوده فقال له رسول الله - ﷺ - مالك قال زمدت حتى لا ابصر ما قدامى قال ادن منى وفى حديث على عند الحاكم فوضع راسى فى حجره ثم بزق فى يده فدلك بها عينى قالوا فبرء كان لم يكن به وجع قط فما وجمعهما حتى مضى لسبيله ودعا له وأعطاه الراية قال يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا قال انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم الى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليه من حق الله وحق رسوله فو الله لان يهدى الله بك رجلا واحدا خير من ان يكون لك حمر النعم فخرج على حتى ركزها تحت الحصن فاطلع يهودى من راس الحصن فقال من أنت قال على قال اليهودي غلبتم والذي انزل التوراة على موسى فما رجع حتى فتح الله على يديه- روى محمد بن عمرو عن جابر قال أول من خرج من حصون خيبر مبارزا الحارث أخو مرحب فقتله على رضى الله عنه ورجع اصحاب الحارث الى الحصن وبرز عامر وكان رجلا طويلا جسيما فقال النبي - ﷺ - طلع عامرا ترونه خمسة اذرع وهو يدعو الى البراز فخرج اليه على بن ابى طالب فقتله ثم برز ياسر فبرز له على بن ابى طالب فقال له الزبير بن العوام أقسمت عليك الا خطية بينى وبينه ففعل فقالت صفية لما خرج اليه الزبير قلت يا رسول الله يقتل ابني فقال رسول الله - ﷺ - بل ابنك يقتله إنشاء الله تعالى فقتله الزبير فقال عليه السلام فداك عم وقال لكل نبى حوارى وحوارى الزبير وفى حديث سلمة بن الأكوع خرج مرحب يرتجز فقتله على- وروى احمد عن على قال لما قتلت مرحبا جئت برأسه الى رسول الله - ﷺ - - وروى البيهقي ومحمد بن عمرو عن جابر بن عبد الله ان محمد بن مسلمة قتل مرحبا والصحيح ما فى صحيح مسلم ان عليا قاتله وروى ابن اسحق عن ابى رافع مولى رسول الله - ﷺ - قال خرجنا مع على رض حين بعثه رسول الله - ﷺ - فلما دنى من الحصن خرج اليه اهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده فتناول على رض بابا كان عند الحصن فترس به من نفسه فلم يزل بيده وهو يقاتل حتى فتح الله ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رايتنى فى نفر سبعة إناثا منهم نجهد على ان نقلب ذلك الباب فلم نقليه- وروى البيهقي
من طريقين عن المطلب بن زياد عن ليث بن سليم عن ابى جعفر محمد ابن على عن ابائه قال حدثنى جابر بن عبد الله ان عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها وانه جرب ذلك فلم يحمله أربعون رجل ورجاله ثقات الا ليث بن سليم هو ضعيف قال البيهقي وروى من وجه اخر ضعيف عن جابر قال اجتمع عليه سبعون رجلا وكان جهدهم ان أعاد والباب- وقال الصالحي قال ورواه الحاكم والله اعلم وأصاب من العموص حصن ابى الحقيق سبايا منهم صفية بنت حيى بن اخطب جاء بلال بها وبأخرى معها فمر بهما على قتلى يهود فلما راتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على راسها فلما راها رسول الله - ﷺ - قال اعزبوا هذه الشيطانة وامر بصفية فخرجت خلفه والقى عليها ردائه فعرف المسلمون ان رسول الله - ﷺ - اصطفاها لنفسه وقال رسول الله - ﷺ - لبلال لما راى من تلك اليهودية ما راى انزعت منك الرحمة يا بلال جئت ثمه بامرأتين على قتلى رجالهما وكانت صفية قد رأت فى المنام وهى عروس بكنانة بن الربيع بن ابى الحقيق ان قمر أوقع فى حجرها فعرضت روياها على زوجها فقال يا هذا الا انك تتمنين ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها لطمة اخضرت عينها فيها فاتى رسول الله - ﷺ - بها وبها اثر منها فسالها فاخبرته هذا الخبر وفى رواية جاء دحية فقال يا نبى الله أعطيني جارية من السبي فقال اذهب فخذ جارية فاخذ صفية بنت حيى فجاء رجل الى النبي ﷺ فقال يا نبى الله أعطيت دحية بنت حيى سيدة قريضة والنضير لا تصلح الا لك قال ادعوه بها فجاء بها فلما نظر إليها النبي - ﷺ - قال خذ جارية من السبي غيرها قال فاعتقها النبي - ﷺ - وتزوجها حتى إذا كان الطريق جهزها له أم سلمة فاهدتها له من الليل فاصبح النبي - ﷺ - عروسا فقال من كان عنده شىء فليجىء به وبسط نطعا فجعل الرجل يجىء بالتمر وجعل الاخر يجىء بالسمن قال واحسبه قد ذكر السويق فحاسو حيسا وكان وليمة رسول الله - ﷺ - قال ثابت يا أبا حمزة ما أصدقها قال نفسها أعتقها وتزوجها وفى الصحيحين عن عبد الله بن ابى اوفى قال أصابتنا مجاعة ليالى خيبر فلما كان يوم خيبر وقعنا فى الحمر الانسية فاننحرناها فلما غلت القدور نادى منادى رسول الله - ﷺ - ان القوا القدور ولا تأكلوا لحوم الحمر شيئا- وعن ابن عباس قال نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع المغانم حتى تقسم وعن الحبالى ان توطأ حتى يضعن ما فى بطونهن قال أتسقي زرع غيرك وعن لحوم الحمر الاهلية وعن لحم كل ذى ناب من السباع رواه الدارقطني روى محمد بن عمر وعدة الحمر التي ذبحوها كانت عشرين او ثلثين- قال ابن اسحق كان رسول الله - ﷺ - يأخذ الأموال مالا مالا ويفتحها حصنا حصنا حتى انتهوا الى الحصنين الوطيح والسلالم وكانا اخر حصون خيبر فتحا فجعل اليهود لا يطلعون من حصنهم حتى هم رسول الله - ﷺ - ان ينصب عليهم المنجنيق حين راى انه لا يبرز منهم أحد ولا أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله - ﷺ - اربعة عشر يوما سألوا رسول الله ﷺ الصلح وأرسل كنانة بن ابى الحقيق رجلا من اليهود ويقال له شماخ فصالح رسول الله - ﷺ - على حقن دماء من فى حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر وارضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله - ﷺ - وبين ما كان لهم من مال وارض وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة وعلى التبر الا ثوبا على ظهر انسان فقال رسول الله - ﷺ - برأت ذمة الله وذمة رسوله ان تكتمون شيئا فصالحوه على ذلك فقبضها رسول الله - ﷺ - الاول فالاول وجد من ذينك الحصنين مائة درع واربعمائة سيف وخمسمائة قوس عربية بجعابها ووجد فى الكثيبة خمسمائة قوس بجعابها روى ابن سعد والبيهقي عن ابن عمر وابن سعد عن ابن عباس فذكر الصلح كما ذكرنا ان لا يكتموه شيئا فان فعلوا فلا ذمة لهم قال ابن عباس فاتى بكنانة بن ابى الحقيق لزوج صفية والربيع اخوه وابن عمه قال رسول الله - ﷺ - ما فعل مسك حيى الذي جاء به النضير وكان مسكا مملوا من الحلي قالا أذهبه النفقات
والحروب فقال العهد قريب والمال اكثر من ذلك فقال بهما رسول الله - ﷺ - انكما ان كتمتمانى شيئا فان اطلعت عليه استحللت به دمائكما وذراريكما قال نعم قال عروة ومحمد بن عمر فيما روى البيهقي عنهما فاخبر الله تعالى نبيه بموضع الكنز وقال عليه الصلاة والسلام لكنانة انك مفتر بامر السماء فدعا رجلا من الأنصار وقال اذهب الى فراخ كذا وكذا فانظر نخلة عن يمينك ونخلة عن شمالك فائتى بما فيها فجاء بالآنية والأموال فقومت بعشرة آلاف دينار فضرب أعناقهما وسبى أهلهما بالنكث الذي نكثاه روى البخاري عن ابن عمر والبيهقي عنه وعن عروة وعن موسى بن عقبة ان خيبر لما فتحها رسول الله ﷺ قالوا دعنايا محمد نكون فى هذا الأرض نضلحها ونقوم عليها ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لاصحابه غلمان وكانوا لا يفرغون ان يقوموا عليها فاعطاهم رسول الله - ﷺ - على ان لهم الشطر من كل زرع ونخل وشىء ما بدأ لرسول الله - ﷺ - فى لفظ نقركم على ذلك ما شئنا فى لفظ ما اقركم الله وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرجها عليهم ثم يقمنهم الشطر فشكوا الى رسول الله - ﷺ - ابن رواحة وأرادوا ان يرشوا ابن رواحة فقال يا اعداء الله أتطمعوني السحت والله لقد جئتكم من عند أحب الناس الى ولانتم ابغض الى من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملنى بغضي إياكم وحبى إياه على ان اعدل عليكم فقالوا بهذا اقامت السموات والأرض فاقاموا بأرضهم على ذلك فلما كان زمن عمر رض غشوا المسلمين والقوا عبد الله بن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه ويقال بل سحروه بالليل وهو نائم على فراشه فكوع حين أصبح كانه فى وثاق وجاء أصحابه فاصلحوا من يديه فقام عمر خطيبا فى الناس فقال ان رسول الله - ﷺ - عامل يهود خيبر على أموالهم وقال نقركم ما اقركم الله وان عبد الله بن عمر خرج الى ماله هناك فعدى عليه من الليل ففدعت يداه وليس لنا هناك عدو غيرهم وهم تهمنا وقد رأيت اجلائهم فمن كان له همّ بخيبر فليحضر حتى يقسمها فلما اجمع على ذلك قال رئيسهم وهو أحد بنى ابى الحقيق لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا ابو القاسم وابو بكر فقال عمر رض لرئيسهم أتراه سقط عنه قول رسول الله - ﷺ - كيف بك إذا خرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة فقاتلك هزيلة من ابى القاسم قال كذبت واجلاهم عمر روى الشيخان عن انس واحد وابن سعد وابو نعيم عن ابن عباس وغيرهم عن جابر وابى سعيد وابى هريرة والزهري ان زينب بنت الحارث امرأة لسلام بن مسكم ابنة أخي مرحب أهدت لصفية شاة مسمومة مصلية وقد قالت اى عضو الشاة أحب الى رسول الله - ﷺ - فقيل لها الذراع فاكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة فدخل رسول الله ﷺ على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور فقدمت الشاة المصلية فتناول النبي ﷺ الذراع فانتهس منها فلاكها وتناول بشر بن البراء عظما فانتهس منه قال ابن اسحق اما بشر فساغها واما رسول الله - ﷺ - فلفظها وقال ابن شهاب فلما اشترط رسول الله - ﷺ - لقمة اشترط بشر فقال رسول الله - ﷺ - ارفعوا ايديكم فان كتف هذه الشاة تخبرني انى بقيت فيها فقال بشر بن البراء والذي أكرمك لقد وجدت كذلك فى أكلتي فما منعنى ان الفظها الا انى أعظمت ان بفضك طعاما فلها سحت ما فى فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن نفسك ورجوت ان لا تكون اشترطها وفيها بغى فلم يقم بشر من مقامه حتى عادلونه كالطيلسان ومات واحتجم رسول الله - ﷺ - كامله يومئذ حجمه ابو هند وبقي رسول الله - ﷺ - حتى كان وجعه الذي توفى فيه فقال مازلت أحد من الاكلة التي أكلت من الشاة المسمومة يوم خيبر حتى كان هذا أوان قطع أبهري فتوفى رسول الله - ﷺ - شهيدا فارسل رسول الله - ﷺ - الى اليهودية أسممت هذه الشاة فقالت من أخبرك قال أخبرتني هذا الذي فى يدى وهى الذراع قالت نعم قال ما حملك على ما صنعت قالت بلغت من قومى ما لم يخفك عليك فقلت ان كان ملكا استرضا منه وان كان
نبيا فسيخبر فتجاوز عنها وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن معمر عن الزهري انها أسلمت وتركها رسول الله - ﷺ - وجزم بإسلامها سليمان التيمي ولفظ بعد قولها وان كنت كاذبا أرحت الناس منك وقد استبان بي انك صادق وانا أشهدك ومن حضرك انى على دينك وان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله قال فانصرف رسول الله - ﷺ - عنها حين أسلمت ووقع عند البزاز من حديث ابى سعيد ان رسول الله ﷺ بعد سواله للمرأة اليهودية واعترافها بسط يده الى الشاة وقال لاصحابه كلوا بسم الله قال فاكلنا وذكرنا اسم الله فلم يضر أحدا منا قال الحافظ حماد الدين فيه نكارة وغرابة شديدة وذكر محمد بن عمران رسول الله - ﷺ - امر بلحم الشاة فاحرق وعن جابر ان رسول الله - ﷺ - لما مات بشر بن البراء امر باليهودية فقتلت رواه ابو داود وعن محمد بن عمر بأسانيد له فدفعها الى اولياء بشر بن البراء فقتلوها قال البيهقي يحتمل انه تركها اولا وقال السهيلي تركها لانه كان لا ينتقم لنفسه ثم قتلها ببشر قصاصا قال الحافظ تركها لكونها أسلمت وانما اخّر قتلها حتى مات بشر لان بموته يتحقق وجوب القصاص- قصة قدوم جعفر- عن ابى موسى الأشعري قال لما بلغنا مخرج النبي - ﷺ - يعنى من مكة ونحن باليمن خرجنا مهاجرين اليه فالقتنا سفينتنا بالحبشة فوافقنا جعفر بن ابى طالب رض فقال جعفر ان رسول الله - ﷺ - بعثنا وأمرنا بالإقامة فاقيموا معنا فاقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا رسول الله - ﷺ - حين فتح خيبر فاسهم لنا وما قسم لاحد غاب عن فتح خيبر شيئا الا لمن شهد معه الا اصحاب سفينتنا ولما قدم جعفر قال رسول الله - ﷺ - والله لا أدرى بايهما افرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ولما نظر جعفر الى رسول الله - ﷺ - خجل وقال رسول الله - ﷺ - لاصحاب جعفر لكم هجرتان وقيل رسول الله - ﷺ - جعفر بين عينة رواه البيهقي قصة قدوم ابى هريرة والادسيين وعن ابى هريرة قدمت المدينة ونحن ثمانون بيتا من دوس ثم جئنا خيبر وقد فتح رسول الله - ﷺ - النطاة وهو محاصر لكثيبة فاقمنا حتى فتح الله علينا فكلم المسلمين فاشركنا فى سهمانهم رواه احمد والبخاري فى التاريخ والحاكم والبيهقي وابن خزيمة والطحاوي- قصة فدك- فلما سمع اهل فدك بما صنع رسول الله - ﷺ - بخيبر بعثوا الى رسول الله - ﷺ - يسألونه الصلح ان يسيرهم ويحقن لهم دفائهم ويخلو الأموال ففعل على انا إذا شئنا أخرجناكم فصالحه اهل فدك على مثل ذلك فكانت خيبر للمسلمين وكانت فداء خالصة لرسول الله ﷺ لانهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب فاجلاهم عمر لما اجلى يهود خيبر- قسمة خيبر- ولما كان فتح الوطيع والسلالم بالصلح فكان هذا لنوائب المسلمين واعطفى منه رسول الله - ﷺ - الأشعري بين الدوسيين اصحاب السفينتين وهو المراد من قول موسى بن عقبة ان بعض خيبر كان صلحا وكان مشاورة رسول الله - ﷺ - اهل الحديبية فى اعطائهم ليس استنزالهم عن شىء من حقهم وانما هى المشورة العامة وشاورهم فى الأمر قال ابن اسحق وكانت المقاسم على اموال خيبر على الشق والنطاة والكثيبة وكانت الكثيبة خمس الله سهم النبي - ﷺ - وذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وطعم ازواج النبي - ﷺ - وطعم رجال مشوا بين رسول الله - ﷺ - وبين اهل فدك بالصلح منهم محيصة بن مسعود أعطاه ثلثين وسقا من شعير وثلثين وسقا من تمر وكانت النطاة والشق فى أسهم الغزاة جزاها رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر سهما نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلثة عشر سهما قسمت على اهل الحديبية من شهد خيبر منهم ومن غاب عنها ولم يغب عنها الا جابر بن عبد الله بن حرام قسم له كسهم من حضر كانوا الفا واربعمائة رجلا ومائتى فرس كان لفرس سهما ولفارسه سهم وكان لكل رجل سهم وكان سهم رسول الله - ﷺ - كسهم أحدهم وكان لكل سهم من سهام خيبر ثمانية عشر راسا جمع الى راس مائة سهم كان على بن
الفتح 48:21
ابى طالب راسا والزبير بن العوام راسا وسره ذلك ابن اسحق الى آخره- قال ابن سعد امر رسول الله - ﷺ - فجزى غنائم
خيبر خمسة اجزاء فكتب فى سهم منها لله وسائر السهمان اغفال وقسم اربعة اخمس على ثمانية عشر سهما كل مائة رجل وللخيل اربعة أسهم- قصة فتح وادي القرى- لما انصرف رسول الله - ﷺ - من خيبر الى وادي القرى فدعا أهلها الى الإسلام فامتنعوا ففتحها رسول الله - ﷺ - عنوة وغنمه بعالى اموال أهلها وأصاب المسلمون منها أثاثا ومتاعا فخمس رسول الله - ﷺ - ذلك وترك الأرض فى أيدي اليهود وعاملهم على نحو ما عامل عليه اهل خيبر.
وَأُخْرى منصوب عطفا على مغانم كثيرة يعنى أوعدكم مغانم اخرى او عطفا على هذه يعنى عجل لكم مغانم اخرى بعد هذا او يفعل محذوف يفسره قد أحاط الله بها يعنى قضى لكم مغانم اخرى وعلى التقادير كلها قوله تعالى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها صفة اخرى وجاز ان يكون اخرى مرفوعا على الابتداء ولم تقدروا عليها صفة له وقوله تعالى قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها خبر المبتدا او يكون لم تقدروا عليها خبر المبتدا وقد أحاط الله حال من الضمير فى عليها والمراد بمغانم فارس والروم وما كانت العرب يقدر على قتال فارس والروم وكان قولا لهم حتى قدروا عليها بالإسلام كذا قال ابن عباس والحسن والمقاتل وقال قتادة هى مكة وقال عكرمة حنين وقال مجاهد كل ما فتح الله بعد ذلك وقد أحاط الله بها اى استولى فاظفركم او أحاط الله بها علما ان يفتحها لكم وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً وان لم تقدروا عليها.
وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا من اهل مكة ولم يصالحوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يحرسهم وَلا نَصِيراً ينصرهم.
سُنَّةَ اللَّهِ منصوب على المصدرية يعنى سن الله سنة غلبة أوليائه وأنبيائه على أعدائه قال الله تعالى لاغلبن انا ورسلى وقال ان حزب الله هم المفلحون ان حزب الله هم الغالبون الَّتِي قَدْ خَلَتْ اى مضت تلك السنة قديما فى الأمم السابقة مِنْ قَبْلُ هذا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا تغيرا.
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ يعنى كفار مكة عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ قدمو فيما سبق من حديث انس ان ثمانين رجلا من اهل مكة وفى رواية سبعين هبطوا من جبل التنعيم فاخذوا فعفى النبي - ﷺ - عنهم فنزلت هذه الاية ومن حديث عبد الله بن مغفل وفيه إذ خرج علينا ثلثون شابا الحديث ومن حديث مسلم بن اكوع اخترطت سيفى على اربعة الحديث وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابو عمرو بالياء على الغيبة والضمير راجع الى الكفار والباقون بالتاء
الفتح 48:25
على الخطاب للمؤمنين بَصِيراً فيجازى كلا على حسب ما فعل.
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى اهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ان تطوفوه وَالْهَدْيَ وهى ما يهدى الى مكة من الإبل والبقر والشاة مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ الهدى معطوف على الضمير المنصوب فى صدوكم وان يبلغ معطوف على عن المسجد الحرام فتقدير عن من قبيل العطف على معمولى عامل واحد بحرف واحد وجاز ان يكون ان يبلغ متعلقا بمعكوفا بتقدير من ومعكوفا حال من الهدى مَحِلَّهُ يعنى الحرام فانه موضع حلول اجله احتج الحنفية على انه لا يجوز ذبح الهدايا الا فى الحرم والمحصر يرسل الهدى الى مكة وقد ذكرنا هذه المسألة فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ... وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ يعنى لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين او لم تعلموهم مؤمنين ورجال مبتداء موصوف بصفات بعد لولا الامتناعية أَنْ تَطَؤُهُمْ بدل اشتمال من المبتدا بتقدير المضاف والخبر محذوف يعنى هو موجودين بمكة وجواب لولا محذوف اغنى عنه جواب لو تزيلوا يعنى لولا كراهة ان تطؤ المؤمنين عند نصرنا وغلبتكم عليهم لعذبنا الذين كفروا بالقتل والاسر فَتُصِيبَكُمْ عطف على تطؤهم مِنْهُمْ اى من جهنم مَعَرَّةٌ قال ابن زيد اثم فان قتل الخطأ لا يخلوا عن اثم كما يدل عليه وجوب الكفارة وقال ابن اسحق غرم الدية وقيل الكفارة وقيل معناه الحرب واطلق هاهنا على المضرة مطلقا تشبيها بالحرب ومن المضرة التأسف على قتل المؤمنين وتعيير الكفار بذلك بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بان تطؤهم او تصيبكم على سبيل التنازع اخرج الطبراني وابو يعلى عن ابى جمعة جنيد بن سبع قال قاتلت النبي - ﷺ - أول النهار كافرا وقاتلت معه اخر النهار مسلما وكنا ثلثة رجال وسبع نسوة وفينا نزلت وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ... لِيُدْخِلَ اللَّهُ متعلق بمحذوف دل عليه السياق اى كان ذلك المنع من دخول مكة عنوة ليدخل الله فِي رَحْمَتِهِ اى فى دينه وجنته مَنْ يَشاءُ من اهل مكة فقدا من كثير من المشركين يوم الفتح وقيل ذلك او المعنى ليدخل الله المؤمنين المستضعفين فى رحمة الدنيوية من العافية وطول البقاء لَوْ تَزَيَّلُوا اى تفرقوا وامتاز المسلمون من الكفار لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ اى من اهل مكة فى الدنيا بالقتل والاسر- عَذاباً أَلِيماً إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ظرف متعلق بقوله عذبنا او صدوكم او مفعول لمحذوف اى اذكر.
فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حين صدوا رسول الله - ﷺ - عن الطواف وأنكروا بسم الله الرحمن الرحيم وأنكروا محمدا رسول الله قال مقاتل قال اهل مكة قد قتلوا أبنائنا وإخواننا
الفتح 48:27
ثم يدخلون علينا فتحدث العرب انهم دخلوا علينا على رغم انفنا واللات والعزى لا يدخلونها فهذه حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من الحمية فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ حيث اطمئنوا وامتثلوا امر الله تعالى فى المنع عن القتال مع قدرتهم عليه وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدى وابن زيد واكثر المفسرين انها لا اله الا الله والله اكبر وقال عطاء ابن ابى رباح هى لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير قال عطاء الخراسانى هى لا اله الا الله محمد رسول الله وقال الزهري هى بسم الله الرحمن الرحيم والمال واحد واضافة الكلمة الى التقوى لانها سبب التقوى وأساسها والمراد كلمة اهل التقوى المراد بالزامهم إياها ثباتهم عليها بترك الحمية وَكانُوا أَحَقَّ بِها من كفار مكة وَأَهْلَها يعنى كانوا أهلها فى علم الله تعالى ولذلك اختارهم لتائيد دينه وصحبة نبيه - ﷺ - وهذه الاية وقوله تعالى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ يبطل مذهب الروافض حيث يدعون كفر الصحابة رض ونفاقهم دمرهم الله تعالى- وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حتى بما أضمره الصحابة رض من الايمان وحب رسول الله - ﷺ - عَلِيماً ولما وقع الصلح وتقرر الرجوع الى المدينة بغير دخول مكة وقد كان رسول الله - ﷺ - راى رؤيا ان يدخلها كما ذكرنا فى القصة قال الصحابة رض اين روياك يا رسول الله فنزلت.
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا كذا ذكر البيهقي وغيره عن مجاهد والجملة جواب قسم محذوف أورد بصيغة الماضي والمراد به المستقبل ليدل على القطع فى وقوعه قال الجوهري الصدق والكذب يكونان فى القول يعنى الخبر إذا طابق الواقع كان صدقا والا كذبا ويستعملان فى الفعل ايضا فالصدق بمعنى التحقيق قال الله تعالى رجال صدقوا ما عاهدوا الله يعنى حققوا العهد وفى هذه الآية ايضا صدق فعل يعنى حقق الله رؤيا الرسول الله - ﷺ - وعلى هذا الرؤيا بدل اشتمال من رسوله وجاز ان يكون رسوله منصوبا بنزع الخافض يعنى حقق لرسوله الرؤيا ايضا قال الجوهري الصدق قد يتعدى الى مفعولين قال الله تعالى لقد صدقكم الله وعده وعلى هذا رسوله المفعول الاول والرؤيا مفعوله الثاني وقال البيضاوي معناه صدقه فى رؤياه قال فى المدارك حذف الجار وأوصل الفعل- بِالْحَقِّ اى متلبسا بالحق اى الحكمة البالغة حال من الرؤيا او صفة لمصدر محذوف اى صدقا متلبسا بالحق وهو القصد الى التمييز بين الثابت على الايمان والمتزلزل فيه وجاز ان يكون بالحق قسما اما باسم الله تعالى او بنقيض الباطل وجوابه لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ وعلى الأولين هذا ما قسم محذوف وقال ابن كيسان لتدخلن من قول رسول الله - ﷺ - لاصحابه حكاية عن روياه فاخبر الله تعالى عن رسوله انه قال ذلك وجاز ان يكون من
الفتح 48:28
قول ملك الرؤيا حكاه الله تعالى وعلى التقديرين تقييده إِنْ شاءَ اللَّهُ مع كون الرسول - ﷺ - والملك على يقين منه تادبا بآداب الله تعالى حيث قال الله تعالى ولا تقولن لشىء انى فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله قال ابو عبيدة ان بمعنى إذ مجازه إذ شاء الله وقال الحسين بن الفضيل يجوز ان يكون الاستثناء من الدخول لان بين الرؤيا وتصديقها كانت سنة وقد مات فى تلك السنة فمجاز الاية ليدخلن المسجد الحرام كل واحد منكم إنشاء الله آمِنِينَ حال من فاعل لتدخلن والشرط مفترض مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ يعنى محلقين قوم منكم جميع شعور رؤسهم ومقصرين آخرين بعض شعورها حالان من الضمير فى امنين او حال مقدرة من فاعل لتدخلن لا تَخافُونَ حال مؤكدة لامنين او استيناف يعنى لا تخافون بعد ذلك فَعَلِمَ الفاء للسببية عطف على محذوف تقديره اخر الدخول لحكمة فعلم من الحكمة فى التأخير ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ عطف على اخر المقدر مِنْ دُونِ اى اقرب من ذلِكَ الدخول فَتْحاً قَرِيباً يعنى فتح خيبر او صلح الحديبية.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى اى متلبسا به او السببية او لاجله وَدِينِ الْحَقِّ اى دين الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعنى جنس الأديان كلها بنسخ ما كان حقا واظهار فساد ما كان باطلا بالحجج والآيات او بتسليط المسلمين على أهلها فى وقت من الأوقات وَكَفى بِاللَّهِ الباء زائدة شَهِيداً حال من الله او تميز من النسبة يعنى كفى الله شاهدا او كفى شهادة الله على ما وعد من الفتح او على رسالة الرسول بإظهار المعجزات على يديه وفى هذه الاية تأكيد لما وعد من دخول المسجد الحرام وكلتاهما تاكيدان لقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ وما بينهما معترضات.
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جملة مبنية للمشهود به ويجوز ان يكون رسول الله صفة ومحمد خبر مبتداء محذوف اى هو الذي أرسله بالهدى محمد او مبتدأ وقوله تعالى وَالَّذِينَ مَعَهُ معطوف عليه وما بعده خبرهما والموصول مبتداء وما بعده خبره والجملة معطوف على الجملة أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ امتثالا لامر الله تعالى حيث قال يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم وقال لا تأخذكم بهما رافة فى دين الله وقال ومن يتولهم منكم فانه منهم وأمثال ذلك كثيرة رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يعنى يتراحمون فيما بينهم ويتوادون حبا لله ولرسوله فان محب المحبوب محبوب فى الحديث القدسي اين المتحابون فى جلالى اليوم أظلهم تحت ظلى يوم لا ظل الا ظلى رواه مسلم عن ابى هريرة مرفوعا- وسيجيئ قوله - ﷺ - من أحبهم فبحبى أحبهم ونظير هذه الاية قوله تعالى أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ رغم انف الروافض الذين يزعمون ان اصحاب محمد كانوا يتباغضون بينهم تَراهُمْ يا محمد رُكَّعاً سُجَّداً لاشتغالهم بالصلوة فى كثير من الأوقات فان الصلاة معراج المؤمنين حالان مترادفان من ضمير المنصوب فى ترهم وكذلك يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ الثواب بالجنة وروية الله تعالى وَرِضْواناً منه تعالى سِيماهُمْ علامتهم فِي وُجُوهِهِمْ مبتداء وخبر والجملة خبر لما سبق مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ط حال من الضمير المستكن فى الظرف قال قوم هو نور وبياض وجوههم يوم القيامة يعرفون به انهم سجدوا فى الدنيا وهى رواية العوفى عن ابن عباس وقال عطار بن ابى رباح والربيع بن انس استنارت وجوههم فى الدنيا من كثرة الصلاة وقال شهر بن حوشب يكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر يعنى فى الاخرة وقال قوم هو السمت الحسن والخشوع والتواضع وهى رواية الوالبي عن ابن عباس وهو قول مجاهد وقال الضحاك صفرة الوجه من السهر وقال الحسن إذا راتهم حسبتهم مرضى وما هم مرضى وقال عكرمة وسعيد بن جبير هو اثر التراب على الجباه- وقال ابو العاليه لانهم كانوا يسجدون على التراب دون الأثواب يعنى تواضعا ذلِكَ المذكور مَثَلُهُمْ صفتهم فِي التَّوْراةِ قال البغوي هاهنا تم الكلام- ثم ذكر الله سبحانه ما فى الإنجيل من نعتهم فقال وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ إلخ وجاز ان يكون مثلهم فى الإنجيل معطوفا على مثلهم فى التوراة يعنى ذلك مذكور فى الكتابين ويكون قوله تعالى كَزَرْعٍ إلخ تمثيلا مستانفا وجاز ان يكون ذلك الاشارة مبهمة يفسرها قوله تعالى كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ الجملة مع ما عطف عليه صفات زرع قرأ ابن كثير وابن ذكوان بفتح الطاء والباقون بإسكانها وهما لغتان بمعنى فروع الزرع اى أول ما خرج من الحب فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ اى صار من الرقة الى الغلظ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ جمع ساق قرأ ابن كثير سئوقه بالهمزة والباقون بغير الهمزة يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ بكثافته وغلظه وقوته وحسن منظره هذين المثلين ضربهما الله تعالى لاصحاب محمد - ﷺ - لكن الاول منهما يصدق على غير الصحابة ايضا من خيار الامة والثاني منهما مختص بالصحابة لا يشارك فيه أحد غيرهم فان الله سبحانه أرسل محمدا - ﷺ - وحده كالزراع بذر فى الأرض فامن به ابو بكر وعلى وبلال ورجال متعددون بعدهم منهم عثمان وطلحة والزبير والسعد وسعيد وحمزة وجعفر وغيرهم حتى كان عمر متمم أربعين رجلا كزرع اخرج شطأه فكان الإسلام فى بدوّ الأمر غريبا كاد الكفار يكونون عليه لا محائه لبدا لولا حماية الله تعالى فازره الله تعالى بمجاهدات الصحابة من المهاجرين والأنصار حين سقوا زرع الدين بدمائهم فى حيوة النبي ﷺ وبعد وفاته لا سيما فى خلافة ابى بكر وعمر فاستوى الدين على سوقه وظهر على الدين كله واستغنى عن حماية غيرهم بحيث يعجب الزراع حتى قال الله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً- وقال عليه الصلاة والسلام لا يجتمع أمتي على الضلالة وقال لا يزال من أمتي قائمة بامر الله لا يضرهم من خذلهم ومن خالفهم ولاجل هذه الخصوصية سبقوا فى مضمار الفضل على كل سابق بحيث لا يمكن لاحد من الا فاضل ان يبلغ درجة اى منهم حتى قال رسول الله ﷺ لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد
أحدهم ولا نصفه متفق عليه من حديث ابى سعيد الخدري وروى احمد نحوه من حديث انس وقال رسول الله ﷺ ما من أصحابي يموت بأرض الا بعث قايدا ونور الهم يوم القيامة رواه الترمذي عن بريدة وهذه الخصوصية هى مادة الفضل غالبا فيما بين الصحابة فمن كان اسبق ايمانا كابى بكر او اكثر موازرة للدين حين ضعفه كعمر كان أفضل ممن ليس كذلك- قال الله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وقال الله تعالى السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وقد استوفيا فضايل الصحابة عموما وخصوصا ونقلا وعقلا فى السيف المسلول والله تعالى اعلم- قال البغوي هذا مثل ضربه الله عز وجل لاصحاب محمد ﷺ فى الإنجيل انهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون قال قتادة مثل اصحاب محمد فى الإنجيل مكتوب انه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقيل الزرع محمد والشطأة أصحابه والمؤمنون- وروى عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال محمد رسول الله والذين معه ابو بكر أشداء على الكفار عمر بن الخطاب رحماء بينهم عثمان بن عفان ترهم ركعا سجدا على بن ابى طالب يبتغون فضلا من الله ورضوانا- بقية العشرة المبشرة بالجنة كمثل زرع محمد ﷺ اخرج شطأه ابو بكر فازره عمر فاستغلظ عثمان للاسلام فاستوى على سوقه على بن ابى طالب استقام الإسلام بسيفه يعجب الزراع- فى المدارك عن عكرمة اخرج شطأه بابى بكر إلخ نحو ما ذكر والله تعالى اعلم- قال البغوي قال عمر لاهل مكة بعد ما اسلم لا يعبد الله سرّا بعد هذا اليوم لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ط الضمير فى بهم عايد الى الذين معه او الى شطأ من حيث المعنى فان المراد بالشطأ الذي خرج بعد الزرع الداخلون فى الإسلام والجار والمجرور متعلق بمحذوف دل عليه السياق يعنى جعلهم الله أشداء ورحماء وكثرهم وقويهم وقوى بهم الإسلام ليغيظ بهم الكفار يعنى غيظا للكافرين قال انس بن مالك رض من أصبح وفى قلبه غيظ على اصحاب محمد ﷺ فقد أصابته هذه الاية وعن عبد الله بن مغفل المزني قال قال رسول الله ﷺ الله الله فى أصحابي الله الله لا تتخذوهم غرضا من بعدي فمن أحبهم فبحبى أحبهم ومن ابغضهم فببغضى ابغضهم ومن اذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله ومن أذى الله فيوشك ان يأخذه رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان سرك ان تكون من اهل الجنة فان قوما ينتحلون حبك يقرؤن لا يجاوز تراقيهم نبزهم الرافضة فان أدركتهم فجاهدهم فانهم مشركون- رواه البغوي والدارقطني وفى اسناده نظر- وقد ورد فى فضائل الصحابة عموما وخصوصا مالا يكاد يحصى- وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ كلمة من للبيان والضمير يعود الى ما يعود اليه ضمير بهم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً تنكير مغفرة واجر للتعظيم وقد انعقد الإجماع على ان الصحابة كلهم عدول وكلهم مغفور لهم- والله اعلم.