Lafzullah

التفسير المظهري — المزمل 73:1 – المطففين 83:34

المؤلف / المصدر: القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري (ت 1225هـ) — تحقيق: غلام نبي تونسي · مكتبة الرشدية - الباكستان · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-284)

المحتويات
  1. المزمل 73:1
  2. المزمل 73:4
  3. المزمل 73:5
  4. المزمل 73:6
  5. المزمل 73:7
  6. المزمل 73:8
  7. المزمل 73:9
  8. المزمل 73:10
  9. المزمل 73:14
  10. المزمل 73:18
  11. المدثر 74:1
  12. المدثر 74:4
  13. المدثر 74:5
  14. المدثر 74:7
  15. المدثر 74:11
  16. المدثر 74:15
  17. المدثر 74:28
  18. المدثر 74:34
  19. المدثر 74:36
  20. المدثر 74:40
  21. المدثر 74:49
  22. المدثر 74:53
  23. القيامة 75:1
  24. القيامة 75:3
  25. القيامة 75:8
  26. القيامة 75:15
  27. القيامة 75:20
  28. القيامة 75:24
  29. القيامة 75:28
  30. القيامة 75:36
  31. الإنسان 76:1
  32. الإنسان 76:2
  33. الإنسان 76:4
  34. الإنسان 76:6
  35. الإنسان 76:8
  36. الإنسان 76:9
  37. الإنسان 76:10
  38. الإنسان 76:14
  39. الإنسان 76:17
  40. الإنسان 76:20
  41. الإنسان 76:22
  42. الإنسان 76:25
  43. الإنسان 76:29
  44. المرسلات 77:1
  45. المرسلات 77:7
  46. المرسلات 77:16
  47. المرسلات 77:26
  48. المرسلات 77:31
  49. المرسلات 77:33
  50. المرسلات 77:44
  51. النبأ 78:1
  52. النبأ 78:4
  53. النبأ 78:16
  54. النبأ 78:19
  55. النبأ 78:22
  56. النبأ 78:24
  57. النبأ 78:26
  58. النبأ 78:28
  59. النبأ 78:29
  60. النبأ 78:37
  61. النبأ 78:38
  62. النبأ 78:39
  63. النازعات 79:1
  64. النازعات 79:3
  65. النازعات 79:6
  66. النازعات 79:7
  67. النازعات 79:12
  68. النازعات 79:17
  69. النازعات 79:27
  70. النازعات 79:35
  71. النازعات 79:41
  72. النازعات 79:44
  73. عبس 80:1
  74. عبس 80:4
  75. عبس 80:7
  76. عبس 80:16
  77. عبس 80:20
  78. عبس 80:26
  79. عبس 80:38
  80. التكوير 81:1
  81. التكوير 81:5
  82. التكوير 81:8
  83. التكوير 81:9
  84. التكوير 81:16
  85. التكوير 81:21
  86. التكوير 81:23
  87. التكوير 81:24
  88. التكوير 81:28
  89. الانفطار 82:1
  90. الانفطار 82:7
  91. الانفطار 82:9
  92. الانفطار 82:15
  93. المطففين 83:1
  94. المطففين 83:4
  95. المطففين 83:7
  96. المطففين 83:8
  97. المطففين 83:14
  98. المطففين 83:19
  99. المطففين 83:22
  100. المطففين 83:27
  101. المطففين 83:34

المزمل 73:1

سورة المزّمّل مكيّة وهى عشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ التزمل من تزمل تيابه إذا تلفف بها فادغم التاء فى الزاء ومثله المدثر تدثر بثوبه اما القطع كان هذا الخطاب للنبى صلى الله عليه واله وسلم فى أول الوحى قبل تبليغ الرسالة ثم خوطب بعده بالنبي والرسول وقد تزمل رسول الله - ﷺ - ثيابه فى بدو الوحى خوفا منه لهيبته عن جابر انه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فطرة الوحى فبينا انا امشى سمعت صوتا فرفعت السماء بصرى فاذا الملك الذي جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض فخشيت منه رعبا حتى هويت الى الأرض فجئت أهلي فقلت زملونى فانزل الله تعالى يايّها المدثر الى قوله فاهجر ثم حمى الوحى وتتابع متفق عليه وفى حديث عائشة فى الصحيحين فى حديث طويل انه ﷺ دخل على خديجة فقال زملونى زملونى فزملوه حتى ذهب عنه الروع وسنذكر هذا الحديث ان شاء الله تعالى فى سورة اقرأ باسم ربك واخرج البزار والطبراني بسند ضعيف عن جابر قال اجتمعت قريش فى دار الندوة فقالت سموا هذا الرجل اسما يصدر الناس عنه قالوا كاهن قالوا ليس بكاهن قالوا مجنون قالوا ليس بمجنون قالوا ساحر قالوا ليس بساحر فبلغ النبي ﷺ فتزمل فى ثيابه وتدثر فيها فاتاه جبرئيل فقال يايها المزمل يايها المدثر. قُمِ اى صل عبر عنها بالقيام تسمية الشيء باسم جزئه وركنه وهذا يقتضى كون القيام ركنا للصلوة وعليه انعقد الإجماع اللَّيْلَ ظرف زمان وحذف حرف الجر يدل على الاستيعاب كما يقال صمت شهرا بخلاف صمت فى الشهر إِلَّا قَلِيلًا بهذا الاستثناء بقي الحكم بقيام بعض الليل ولما كان الاستثناء مبهما طرق الإبهام فى المستثنى منه فصار المحكوم به مجملا لا بد له من بيان فبينه الله تعالى بقوله. نِصْفَهُ فهو بدل من الليل المستثنى منه القليل بدل الكل فان الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا فتقدير الكلام قم بعض الليل اى نصفه وقيل هو بدل من القليل وبيان له

المزمل 73:4

وببيان المستثنى تبين الباقي ويزول الإبهام وحينئذ تقدير الكلام قم الليل الا نصفه والمعنى واحد واطلاق القليل على النصف بالنسبة الى الكل ولان عدم القيام اى النوم فى نصف الليل قليل من النوم المعتاد فان الله تعالى جعل الليل لتسكنوا فيه ولانه إذا قام نصف الليل للتهجد بقي نصف الاخر وفيه صلوة المغرب والعشاء وحوائج البشر من الاكل والشرب والخلاء فلم يبق لاجل النوم الا قليل من النصف وقيل نصفه بدل من الليل والاستثناء منه اى من النصف وتقديره قم نصف الليل الا قليلا فحينئذ يلزم الاستثناء من النصف قبل ذكره مع ان كلمة نصفه حينئذ بدل البعض من الليل وحكم بدل البعض فى القصر حكم الاستثناء فمقتضى الكلام تقديم القصر بالاستثناء على القصر بالبدل وايضا يلزم حينئذ كون الكلام مجملا بعد البيان أَوِ انْقُصْ عطف على قم الليل مِنْهُ اى من النصف الباقي بعد الاستثناء قَلِيلًا اى زمانا قليلا او نقصانا قليلا وذلك ان يكون القيام اكثر من نصف النصف اى الربع. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ اى على النصف ما شئت فالمامور به فى هذه الاية القيام اكثر من الربع ولو ساعة والظاهر ان الأمر بالقيام فى هذه الاية للوجوب كما هو مقتضى الأمر فى الأصل فمقتضى الكلام البغوي وهو المستفاد من قول عائشة وغيرها ان قيام الليل بهذه الاية كان واجبا على النبي ﷺ وعلى أمته ثم نسخ قال البغوي كان النبي ﷺ وأصحابه يقومون على هذه المقادير فكان الرجل لا يدرى متى ثلث الليل ومتى النصف ومتى الثلثان فكان يقوم حتى يصبح مخافة ان لا يحفظ القدر الواجب واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم فرحمهم الله تعالى وخفف عنهم ونسخها بقوله فاقرءوا ما تيسر منه وكان بين أول السورة وآخرها سنة عن سعيد بن هشام قال انطلقت الى عائشة فقلت يا أم المؤمنين انبئينى عن خلق رسول الله ﷺ قالت الست تقرأ القران قلت بلى قالت فان خلق نبى الله كان القران قلت فقيام رسول الله ﷺ يا أم المؤمنين قالت الست تقرأ يايها المزمل قلت بلى قالت فان الله افترض القيام فى أول هذه السورة فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وامسك الله تعالى خاتمتها اثنى عشر شهرا فى السماء ثم انزل التخفيف فى اخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة رواه ابو داود والنسائي والبغوي وكذا اخرج الحاكم واخرج ابن جرير مثله عن ابن عباس وغيره قال مقاتل وابن كيسان كان هذا بمكة قبل ان يفرض الصلوات الخمس ثم نسخ ذلك بالصلوة الخمس والظاهر عندى ان الوجوب كان مختصا بالنبي صلى الله عليه واله وسلم بدليل قوله تعالى ان ربك يعلم انك تقوم ادنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك فان كلمة من للتبعيض صريح فى ان الصحابة بعضهم كانوا يقومون دون بعض فان قيل لو كان وجوبه مختصا بالنبي ﷺ فكيف يصح تعليل التخفيف لقوله تعالى علم ان سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقتلون فى سبيل الله فان هذه الاية تقتضى رعاية حال الامة وضعفهم قلنا خفف الله سبحانه عن النبي ﷺ لرعاية ضعف الامة واعذارهم لان الناس بما واظب عليه النبي ﷺ مسنون للامة مطلوب الإتيان منهم من غير إيجاب بل بحيث يلام تاركه قال الله تعالى ولكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يؤمن بالله واليوم الاخر وما قيل ان المسنون ما واظب عليه النبي ﷺ على سبيل التطوع احترازا عن صوم الوصال ونحوه فليس بشئ لان الأصل التأسي والاقتداء مطلقا فلا يترك الا إذا كان ذلك الأمر ممنوعا محرما او مكروها فى حق الامة كصوم الوصال ووصل النكاح فوق الاربعة وغير ذلك ولا وجه لتخصيص التأسي بما واظب النبي ﷺ على سبيل التطوع وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ط عطف على قم الليل وما قيل الترتيل مندوب اجماعا فعطفه على القيام يقتضى كون الأمر بالقيام ايضا للندب فليس بشئ عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ يقال لصاحب القران اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا فان منزلتك عند اخر آية تقرءها رواه احمد والترمذي وابو داود والنسائي والترتيل عبارة عن إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة كذا فى الصراح وفى القاموس نحوه وعن ابن عباس معناه بينه بيانا وعن الحسن نحوه وقال مجاهد ترتيل فيه ترسلا عن قتادة قال سئل عن انس رض كيف كانت قراءة النبي ﷺ فقال كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد ببسم الله ويمد بالرحمن يمد بالرحيم رواه البخاري قلت معنى قوله يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم انه يظهر فيه الالف من الله بعد اللام ومن الرحمن بعد الميم بقدر حركة واما مد الرحيم فيجوز فيه المد بقدر الحركتين واربع وست عند الوقف وفى الوصل لا يجوز الا بقدر حركة اجمع عليه القراء وعن أم سلمة انها سئل عن قراءة النبي ﷺ فاذا هى تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا رواه الترمذي وابو داود والنسائي وعنهما قالت كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته يقول الحمد لله رب العلمين ثم يقف ثم يقول الرحمن الرحيم ثم يقف رواه الترمذي قلت ويتضمن الترتيل تحسين الصوت بالقرآن عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما اذن الله لشئ ما اذن لنبى يتغنى

المزمل 73:5

بالقران متفق عليه وفى رواية عنه ما اذن الله ما اذن لنبى حسن الصوت بالقران يجهر به متفق عليه وعنه قال قال رسول الله ﷺ ليس منا من لم يتغن بالقران رواه البخاري وليس المراد الا تحسين الصوت كما خرج به فى بعض الروايات دون إخراجه على وجه الغناء فانه حرام ممنوع عن حذيفة قال قال رسول الله ﷺ اقرؤا القران بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون اهل العشق ولحون اهل الكتابين وسيجئ بعدي قوم يرجعون بالقران ترجيع الغناء والنوح لا يتجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شانهم رواه البيهقي فى شعب (فائدة) والحكمة فى الترتيل التدبر فى معانى القران والألفاظ بموعظة والخوف عند اية الوعيد والرجاء عند اية الوعد ونحو ذلك روى البغوي عن ابن مسعود رض قال لا تنثروه نثر الدقل ولا تهزوه هذا الشعر قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن بهم أحدكم اخر السورة وعن حذيفة رض قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم صلوة الليل فما مر باية فيها ذكر الجنة الا وقف وسال الله الجنة وما مر باية فيها ذكر النار الا وقف وتعوذ من النار وعن عبيد المليكي وكانت له صحبة قال قال رسول الله ﷺ يا اهل القران لا تتوسدوا القران واتلوه حق تلاوته اناء الليل والنهار وأفشوه وتغنوه وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون ولا تعجلوا هرابه فان له ثوابا رواه البيهقي فى الشعب وعن سهل بن عبد الساعدي قال بينا نحن نقرأ إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأخيار وفيكم الأحمر والأسود والأبيض اقرؤا القران قبل ان يأتي أقوام يقرأونه يقيمون حروفه كما يقام السهم ولا يجاوز تراقيهم يتعجلون اجره ولا يتاجلونه. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا قيل المراد بالقول الثقيل الأمر بقيام الليل فانه ثقيل شاق على النفس فهذه الجملة على هذا التأويل تذئيل وتأكيد لما سبق والسين حينئذ للتاكيد دون الاستقبال وقيل المراد به القران قال محمد بن كعب القرآن ثقيل على المنافقين قلت فهو نظير قوله تعالى كبر على المشركين ما تدعوهم وقال الحسن بن الفضل ثقيل فى الميزان قلت نظير قوله ﷺ كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان جيبتان الى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم متفق عليه عن ابى هريرة وقال مقاتل ثقيل لما فيه من الأمر والنهى والحدود كذا قال قتادة وقال ابو العالية ثقيل بالوعد والوعيد وحاصل هذه الأقوال انه لما فيه من التكاليف الشاقة والوعد والوعيد وذكر القيامة ثقيل على المكلفين لا سيما على الرسول ﷺ إذ كان عليه ان يتحملها ويحملها أمته ومن ثم قال رسول الله ﷺ شيبتنى سورة هود وأخواتها رواه الطبراني عن عتبة ابن عامر وعن ابى جحيفة يعنى لما فيه من قوله تعالى فاستقم كما أمرت ومن تاب معك او لما فيه من ذكر القيامة وعذاب الأمم الماضية يدل عليه ما رواه الحاكم عن ابى بكر بلفظ شيبتنى سورة هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت رواه الترمذي عن ابن عباس والحاكم عن ابى بكر وابن مردويه عن سعد ونحوه عن انس رض رواه عبد الله بن احمد بلفظ شيبتنى هود وأخواتها لما فيها ذكر يوم القيمة وقصص الأمم وقيل ثقيل على أتأمل فيه لافتقاره الى مزيد تصفيته للسر وتجريد للنظر لزرانته ومتانته معناه وهذا أوفق لما سبق وما لحق فان الترتيل لاجل التدبر والتفهم وناشئة الليل أشد لمواطاة القلب اللسان وقيل ثقيل على باطن الصوفي وعظيمة فان الخالق العظيم المتعالي يتجلى على قلب المخلوق يحقر السافل كذا قال الفراء حيث قال ثقيل ليس بالخفيف ولا بالسفساف لانه كلام ربنا قال الشيخ الاجل الأكرم الهادي سبيل اليقين محبوب رب العالمين سيف الملة والدين ابد الآبدين ان علامة انكشاف حقيقة القران ورود ثقل عظيم على باطن السالك ومن ثم قال الله تعالى سنلقى عليك قولا ثقيلا قلت ويؤيده هذا المعرفة قوله تعالى لو أنزلنا هذا القران على جبل لرايته خاشعا متصدعا من خشية الله وهذا معنى ما قيل ثقيل تلقيه رواه مسلم عن عبادة بن الصامت قال كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحى كرب لذلك وتربد وجهه وفى رواية نكس راسه ونكس أصحابه رؤسهم فلما اتلى عنه رفع رأسه وفى الصحيحين عن عائشة ان الحارث بن هشام سال رسول الله ﷺ قال يا رسول الله كيف يأتيك الوحى فقال رسول الله ﷺ أحيانا تأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد على فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فاعى ما يقول قالت عائشة ولقد رايته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا متفق عليه ويحتمل ان يقال انه ثقيل لما فيه من الأمر بالتوجه الى الخلق لاجل الدعوة والتبليغ والإرشاد والتكميل بقوله تعالى قم فانذر وقوله وانذر عشيرتك الأقربين بعد ما كان متوجها الى الله تعالى مشتغلا به تعالى حيث كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو تعبد الليالى ذوات العدد وقيل ان ينزع الى اهله ويتزود لذلك ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها كذا فى الصحيحين فى حديث عائشة ودرجة الإرشاد والتكميل وان كان أفضل من درجة الاستكمال

المزمل 73:6

والخلوة لكنه قد يكون عند الصوفي على خلاف الطبع فيثقل عليه ويزعمه الصوفي فى بادى الرأي ان هذا أحط مرتبة من التوجه الى الله تعالى والخلوة به ولهذا قيل الولاية به أفضل من النبوة يعنى ولاية النبي أفضل من نبوة ذلك النبي زعما من القائل ان فى الولاية التوجه الى الله سبحانه وفى النبوة التوجه الى الخلق وقال المجدد الف ثانى رضى الله عنه ليس هذا القول مبنيا على التحقيق بل النبوة مطلقا أفضل من الولاية وهى عبارة عند الصوفية عن السير فى الذات والولاية عن السير فى الصفات وشتان ما بينهما والتوجه الى الله سبحانه تعالى يسمى فى الاصطلاح بالعروج والى الخلق يسمى بالنزول وكلاهما يعترضان للصوفى فى كلا السيرين غير ان النازل فى مقام الولاية وان كان له توجها الى الخلق لكنه لم يبلغ فى العروج غاية فهو ملتفت الى الأعالي طمعا لغاية الكمال والنازل فى مقام النبوة لا يكون نازلا الا بعد ما يبلغ الكتاب فى الكمال اجله فهو بكلية يتوجهه الى الخلق للتكميل على مراد الله سبحانه تعالى وان كانت على خلاف مراده وطبعه فهو أفضل وأكمل وهذا الجهاد باق ما دامت هذه النشأة الثانية الباقية وبعد فراغ منها يتادى باملهم الى الرفيق الأعلى فحينئذ يتوجه بكليته الى الدرجات العلى بأجره واجر من اهتدى به على سبيل الأكمل والا وفى والله تعالى اعلم وجملة انا سنلقى اما تذئيل وتأكيد لما سبق كما ذكرنا او معترضة لبيان الحكمة فى الأمر بقيام الليل فان فى القيام تمرين النفس على المشفة ومشق مخالفات الطبع او لان الصلاة كانت قرة للنبى ﷺ حيث قال جعلت قرة عينى فى الصلاة رواه احمد والنسائي والبيهقي عن انس وقال أقم الصلاة يا بلال أرحنا به رواه ابو داود عن رجل صحابى عن خزاعة فحينئذ يكون فى التهجد تحصيل ما يعالج به ثقل التوجه الى الخلق او لان لقيام الليل تأثير التأثر نفسه لشريعة فى نفوس الامة كى يجيبوا دعوته حين يستمعوا قوله كما أجاب الجن دعوته حين يستمعوا القران او لان لقيام الليل مدخل فى قيامه مقام الشفاعة لانه حيث قال الله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا. إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ اى قيام الليل مصدر جاء على فاعلة كعافية بمعنى العفو كذا قال الأزهري وقالت عائشة الناشية قيام الليل بعد النوم فهو بمعنى التهجد وقال ابن كيسان هى القيام من اخر الليل وقال سعيد بن جبير وابن زيد اى ساعة قام من الليل فقد نشأ وهو بلسان الحبش نشأ فلان اى قام وقال عكرمة هى القيام من أول الليل قال البغوي روى عن على بن الحسين رضى الله تعالى عنهما انه كان يصلى بين المغرب والعشاء الاخرة يقول

المزمل 73:7

هذا ناشية الليل والظاهر ان هذين القولين لا يلائمان هذا المقام فانه ﷺ كان مامور القيام اخر الليل وقال الحسن كل الصلاة بعد العشاء الاخرة فهى ناشية وقيل صفة الفاعل بمعناه والمراد النفس التي تنشأ من مضجعها الى العبادة من نشأ من مكانه إذا نهض ساعات الليل كلها وكل ساعة منه ناشية لانها منشئ اى مبتداء ومنه نشأت السخابة وأبدت فكل ما حدث بالليل وبدأ فقد نشأ وهو ناشئ والجمع ناشية وقال ابن ابى مليكة سالت عن ابن عباس رض وابن الزبير عنها فقالا الليل كلها ناشية فالاضافة حينئذ بيانية هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً قرأ ابن عامر وابو عمرو بكسر الواو وفتح الطاء والمد بمعنى الموافقة اى هى أشد موافقة للقلب مع اللسان فان ذلك يكون بالليل اكثر منه بالنهار وقرأ الجمهور بفتح الواو وسكون الطاء اى أشد ثقلا من صلوة النهار لان الليل للنوم والراحة ومنه قوله عليه الصلاة والسلام اللهم اشدد وطأتك على مضر وإذا اعتاد المرء باشد العبادات ثقلا هان عليه مشقة سائر التكاليف وكلما هو أشد وأثقل على النفس مع مراعات السنة كان اكثر ثوابا وأثقل فى الميزان وأشد تأثيرا فى النفوس وقال ابن عباس رض كانت صلوتهم أول الليل هى أشد وطأ بمعنى أجدر ان يحصوا ما فرض الله عليكم من القيام لان الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ وقال قتادة اثبت فى الخير واحفظ للقرأة وقال الفراء اثبت وطأ للقيام وأسهل للمصلى من ساعات النهار لان النهار خلق لتصرف العباد والليل للخلوة والعبادة وقيل أشد نشاطا فان من كان أشد على النفس ثقلا كان ألذّ للصوفى وقال ابن زيد افرغ له قلبا من النهار لانه لا تعرض له بالليل حوائج وموانع وقال الحسن أشد وطأ فى الخير وامنع من الشيطان وَأَقْوَمُ قِيلًا ط اثبت قراءة واضح قولا لهداة وسكون الأصوات. إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا ط والسبح سرعة الذهاب ومنه السباحة فى الماء يعنى ان لك بالنهار ذهابا فى مهامك ولدعوة الخلق وتبليغ الاحكام واشتغالا بها فعليك بالتهجد فان الليل افرغ لها فهذا بمنزلة التعليل لما سبق- (فصل فى فضائل صلوة الليل) عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ينزل ربنا كل ليلة الى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الاخر يقول من يدعونى فاستجيب من يسألنى فأعطيه من يستغفر لى فاغفر له متفق عليه وفى رواية لمسلم ثم يبسط يديه ويقول من يقرض غير عدوم ولا ظلوم وعن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ان فى الليل ساعة

المزمل 73:8

لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرا من امر الدنيا والاخرة الا أعطاه إياه وذلك رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ أحب الصلاة الى الله صلوة داود وأحب الصيام الى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما متفق عليه وعن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ عليكم بقيام الليل فانه داب الصالحين قبلكم وهو قربة لكم الى ربكم ومكفر للسيات ومنهيات للاثم رواه الترمذي وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ ثلثة يضحك الله عليهم الرجل إذا قام بالليل يصلى والقوم إذا صفوا فى الصلاة وإذا صفوا فى قتال العدو رواه البغوي فى شرح السنة وعن عمرو بن عيينة قال قال رسول الله ﷺ اقرب ما يكون الرب الى العبد فى جوف الليل الاخر فان استطعت ان تكون ممن يذكر الله فى تلك الساعة فكن رواه الترمذي وقال الحسن صحيح وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ اشرف أمتي حملة القران واصحاب الليل رواه البغوي فى الشعب. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ عطف على قم الليل والمراد به دوام الذكر ليلا ونهارا بحيث لا يطرق اليه النتور ولا يلحقه الذهول وذا لا يتصور باللسان فان كل ما كان باللسان والجوارح من التسبيح والتحميد والصلاة والقراءة ونحو ذلك يتطرق اليه فتور النية فليس هو الا ذكر القلب وهو حقيقة الذكر فان الذكر عبارة عن طرد الغفلة كما يقتضيه المقابلة فى قوله ﷺ ذكر الله فى الغافلين بمنزلة الصابر فى الغارمين فكل صلوة وتسبيح وقراءة كان عن قلب لاه فلا يعتد به ويل للمصلين الذين هم عن صلوتهم ساهون وانما قلنا ان المراد دوام الذكر لان العطف يقتضى المغايرة ومطلق الذكر يتضمنه قيام الليل وترتيل القران وحمل الكلام عليه اولى منه على التأكيد وقيل معناه ان قل بسم الله الرحمن الرحيم عند ابتداء تلاوة القران (مسئلة) اجمعوا على قراءة البسملة فى أول الفاتحة وأول كل سورة ابتدأ القاري القراءة بها ولم يصلها بما قبلها سنة واختلفوا فى التسمية بين السورتين فكان ابن كثير وقالون وعاصم يبسملون بين كل سورتين فى جميع القران ما خلا الأنفال وبراءة فانه لا خلاف فى ترك البسملة هناك والباقون لا يبسملون بين السور فاصحاب حمزة يصلون اخر كل سورة باول الاخرى والمختار من مذهب ورش وعن ابى عمرو وابن عامر السكتة من غير قطع واما عند الابتداء بما بين السورة فالقارى فيه مخير بين التسمية وتركها فى مذهب الجميع هذا فى القراءة خارج الصلاة واما إذا قرأه فى الصلاة فقال الشافعي هى اية من الفاتحة ومن كل سورة فيجب قراءتها مع الفاتحة ويسن قرأتها مع غيرها ويبسمل جهرا وقال الائمة الثلاثة ليست هى جزأ من شىء من السور قال ابو حنيفة رض هى اية من القران نزلت للفصل فلا يقرأ البسملة وعند مالك رض فى الصلاة أصلا ولا مع الفاتحة ولا مع غيرها وعند ابى حنيفة رض واحمد رض يسن قرأتها مع الفاتحة سرا ولا يقرأ مع غيرها من السور وفى رواية عن محمد رض يستحب ان يقرأ سرا مع كل سورة وقد ذكرنا فى تفسير سورة الفاتحة الحجة على انها ليست من الفاتحة ولا من شىء من السور وان النبي ﷺ والخلفاء الراشدين لم يجهروا بها فى الصلاة وقد ذكر الشافعية فى الجهر بالتسمية تسعة أحاديث رواه دار قطنى والخطيب أورد كلها ابن الجوزي وقال ابن الجوزي قال الدار قطنى كلما روى عن النبي ﷺ فى الجهر بالتسمية فليس بصحيح فاما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف وقد روى ابو داود ان النبي ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وكان مسيلمة يدعى رحمن اليمامة فقال اهل مكة انما يدعوا محمد الله يمامة فامر الله رسوله فاخفاها حتى مات وهذا يدل على ان يجهر بها وعدم الجهر بالبسملة مروى عن ابى بكر وعمر وعثمن وعلى وابن مسعود وعمار بن ياسر وعبد الله بن مغفل وابن الزبير وابن عباس ومن كبار التابعين منهم الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وابراهيم وقتادة وعمرو بن عبد العزيز والأعمش والثوري وانما يرون خلاف هذا عن معاوية وعطاء وطاؤس ومجاهد كذا قال ابن الجوزي وَتَبَتَّلْ اى انقطع عما سواه إِلَيْهِ تعالى تَبْتِيلًا مصدر من غير بابه وضع موضع تبتلا لرعاية الفواصل والاشارة الى ان التبتل فى الغالب امر كسبى يحتاج الى تعمق واجتهاد فالتبتيل مقدم على التبتل ومن ثم قال الحسن فى تفسيرها اجتهد وقال ابن زيد التبتل رخص الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله فكانه قال تبتل قلبك عما سوى ربك تبتيلا فتبتل لله تعالى وليس المراد بالتبتل ترك الملاقاة بالناس او التقصير فى أداء حقوق العباد او قطع نحو ذلك مما امر الله به ان يوصل إذ لا رهبانية فى الدين وان لنفسك عليك حقا ولاهلك عليك حقا ولضيفك عليك حقا بل المراد به قطع العلاقة الحسية والعلمية عن القلب وهو معنى القلب قالت الصوفية العلية الطريق الذي نحن بصدده قطعه خطوتان الخطوة الاولى الانقطاع عن الخلق والثانية الوصول الى الحق وأحدهما لازم للاخر ومن ثم ذكر الله سبحانه كلا الخطوتين بالعطف بالواو الذي هى للجمع وقدم قوله واذكر اسم ربك الذي هو عبارة عن

المزمل 73:9

الوصول الى الحق على التبتل لانه هو المقصود بالتبتل وانما قلنا انه عبارة عن الوصول لان الذكر الذي لا يتطرق اليه الفتور ولا يستعقبه الذهول هو العلم الحضوري إذ لا يتصور ذلك فى العلم الحصولى بداهة والعلم الحضوري عبارة عن حضور نفس المعلوم عند العالم وذلك يعبر بدوام الحضور والوصول والاتصال والاتحاد والبقاء ونحو ذلك بألفاظ شتى وكانت الأوائل يعبرون عنها بالإخلاص قال ابن عباس وغيره فى تفسير هذه الاية أخلص الله إخلاصا وانما قال واذكر اسم ربك ولم يقل واذكر ربك لان الملازم للتبتل الذي هو المعبر بالفناء وانما هو علم الأسماء والصفات دون العلم المتعلق بالذات فانه بعد وراء الوراء ويحتمل ان يكون المراد بالذكر الذكر باللسان بموافقة القلب وبدوام الذكر الدوام العرفي بمعنى الإكثار بقدر الطاقة البشرية وذلك يفضى الى التبتل ووسيلة اليه بشرط الاجتباء عن الله تعالى كما يكون للانبياء والافراد من الأولياء او جذب من الشيخ وعلى هذا وجه التقديم على التبتل بأظهر تقدم طبعا واعلم ان على هذا التأويل فى قوله تعالى واذكر اسم ربك اشارة الى تكرير اسم الذات وفى قوله تعالى. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ على قرأة الجر اشارة الى التصور احاطته تعالى بالممكنات ذكر النفي والإثبات وكلا التكريرين اساسان بطريقة ارباب كمالات الولايات وعلى هذا التأويل يثبت المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه اعنى قم الليل ورتل القران واذكر اسم ربك ويظهران كلا من الأمور الاربعة الصلاة وتلاوة القران وذكر اسم الذات والنفي والإثبات مدار لحصول مراتب القرب والدرجات غير ان الأولين لاهل الانتهاء والآخرين لاهل الابتداء وانما قدم الأولين على الآخرين لان المخاطب اولا هو النبي ﷺ وهو أكمل اهل الانتهاء والله تعالى اعلم رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وحفص بالرفع على انه خبر مبتداء محذوف اى هو رب المشرق والمغرب او مبتداء خبره لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وقرأ الباقون بالجر على البدل من ربك وقيل بإضمار حرف القسم وجوابه لا اله الا هو فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا الفاء للسببية فان كونه ربا لجميع المخلوقات وتوحده بالالوهية يقتضى ان يوكل اليه الأمور كلها وفى هذه الاية دفع توهم ان التبتل عن الخلق يوشك ان يخل فى أموره المعايشة فان الإنسان مدنى الطبع لا يستغنى بعضهم عن بعض فابطل هذا الوهم بانه تعالى رب المشرق والمغرب وما بينهما من العباد والبلاد وأفعالهم ومنافعهم والقلوب كلها بيده يصرفها

المزمل 73:10

كيف يشاء لا اله الا هو لا يتصور النفع ولا الضرر من أحد الا باذنه وإرادته فاتخذه وكيلا حسبك عن غيره ونعم الوكيل عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ لو انكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير فغدو خماصا وتروح بطانا رواه الترمذي وابن ماجة وقال قال رسول الله ﷺ ان روح القدس نفث فى روعى ان نفسا لم تمت حتى تستكمل رزقها الا فاتقوا الله واجملوا فى الطلب رواه البغوي فى شرح السنة والبيهقي فى الشعب وعن ابى ذر عن النبي ﷺ قال الزهادة فى الدنيا ليس بتحريم الحلال واضاعة المال ولكن الزهادة فى الدنيا ان لا يكون بما فى يديك أوثق مما فى يد الله وان تكون فى ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها ارغب فيها لو انها أبقيت لك رواه الترمذي قال الشيخ الاجل امامنا وقبلتنا يعقوب الكرخي رض ان من أول السورة الى هذه الاية اشارة الى مقامات السلوك من الخلوة بالليل والاشتغال بالقران وذكر الرحمن ونفى ما سواه والتوكل به ثم أشار الى أعلى مقامات السلوك وهو ابصر على جفاء الأعداء فقال. وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ اى الكفار من الخرافات فانهم كانوا يقولون كاهن شاعر مجنون وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا بان تجانبهم ولا تكافئهم وتكل أمرهم الى الله هذه الاية نسختها اية القتال. وَذَرْنِي اى دعنى وَالْمُكَذِّبِينَ اى مع المكذبين فان الواو بمعنى مع ولا يجوز ان يكون للعطف والمعنى كل أمرهم الى فان لى غنية عنك فى مجازاتهم ولا يحزنك أقوالهم أُولِي النَّعْمَةِ ارباب النعمة يريد صناديد قريش وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا زمانا قليلا او امهالا قليلا الى ان يموتوا او يأتي امر الله بالقتال فيعذبهم الله بايديكم ويشف صدور قوم مومنين ويذهب غيظ قلوبهم قال مقاتل بن حسان نزلت فيمن هلكوا ببدر فلم يلبثوا الا يسيرا حتى قتلوا ببدر. إِنَّ لَدَيْنا تعليل للامر أَنْكالًا النكل القيد الثقيل اخرج البيهقي عن الحسن قال الأنكال قيود من النار وَجَحِيماً وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ غير مبالغة تأخذ بالحلق لا تنزل ولا تخرج اخرج ابن جرير وابن ابى الدنيا فى صفة النار والحاكم والبيهقي عن ابن عباس فى قوله تعالى وطعاما ذا غصة قال شجرة الزقوم واخرج عبد الله بن احمد عنه قال قال رسول الله ﷺ الضريع شىء يكون فى النار شبه الشوك امر من الصبر وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار إذا اطعم صاحبه لا يدخل البطن ولا يرفع الى الفم فيبقى بين ذلك لا يسمن ولا يغنى من جوع وَعَذاباً أَلِيماً اخرج ابن ابى الدنيا عن حذيفة مرفوعا انها

المزمل 73:14

لتسقط عليهم اى على اهل النار حيات من النار وعقارب من نار ولو ان حية منها نفخت بالمشرق احرق من فى المغرب ولو ان عقربا منها ضربت اهل الدنيا احرقوا من آخرهم وانها لتسقط عليهم فيكون بين لحومهم وجلودهم واخرج مسلم عن ابى سعيد الخدري ان رسول الله ﷺ قال ان أهون اهل النار عذابا ابو طالب وهو منعل بنعلين يغلى منهما دماغه واخرج مسلم عن النعمان بن بشير ان أهون اهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلى منهما دماغه كغلى المرجل ما يرى ان أحدا أشد منه عذابا وانه لاهونهم عذابا واخرج الحاكم عن ابى هريرة نحوه. يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ ظرف لما فى لدنيا أنكالا من معنى الفعل والظاهر ان رجفة الأرض والجبال يكون قبل النفخة الاولى وعذاب الكفار بالانكال والجحيم بعد البعث فوجه الظرفية ان يوم القيامة زمان ممتد مما قبل النفخة الاولى ان يدخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا عطف على ترجف اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس رض اى رملا سائلا قال الكلبي هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده. إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ يا اهل مكة رَسُولًا فى الكلام التفات فان فيما سبق من الكلام كان الخطاب مع النبي ﷺ وذكر الكفار فى قوله واصبر على ما يقولون إلخ الى الغيبة وهذا خطاب مع الكفار وذكر النبي ﷺ على الغيبة وفى هذا الكلام تأكيد لما سبق قال الله تعالى انا سنلقى عليك قولا ثقيلا ومضمون هذه الاية انا أرسلناك فمضمون الآيتين واحد- شاهِداً عَلَيْكُمْ بالاجابة او الامتناع كَما أَرْسَلْنا صفة لمصدر محذوف اى رسالا كارسالنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا يعنى موسى عليه السلام. فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ موسى عليه السلام فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا شديدا ثقيلا بعد طعام وبيل اى ثقيل لا يستمرئ ومنه الوابل للمطر العظيم أغرقه الله تعالى فى البحر ثم ادخله فى النار فكذا يفعل بكم ان تعصوا رسولكم. فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يا اهل مكة برسولكم يَوْماً اى عذاب يوم حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه وأعرب باعرابه وظرف متعلق بتتقون اى كيف تتقون العذاب فى يوم ويحتمل ان يكون مفعولا لكفرتم اى كيف تتقون العذاب ان كفرتم يوما اى بيوم يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً من شدة هوله وطول زمانه فانه هذا على الفرض او التمثيل وأصله ان بالهموم يضعف القوى يسرع الشيب وشيبا جمع أشيب كما ان بيضا جمع ابيض عن ابى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير فى يديك

المزمل 73:18

قال اخرج بعث النار قال وما بعث النار قال من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكرى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا رسول الله وأينا ذلك الواحد قال ابشروا فان منكم رجلا ومن يأجوج وماجوج الف ثم قال والذي نفسى بيده أرجو ان تكونوا ربع اهل الجنة فكبرنا فقال أرجو ان تكونوا ثلث اهل الجنة فكبرنا فقال أرجو ان تكونوا نصف اهل الجنة فكبرنا فقال ما أنتم فى الناس الا كالشعرة السوداء فى جلد ثور ابيض او كشعرة بيضاء فى جلد ثور اسود متفق عليه وهذه الجملة صفة ليوم والعائد ضمير الفاعل على المجاز كما فى قولهم صام نهاره والعائد محذوف لقديره يوما يجعل الله فيه الولدان شيبا. السَّماءُ مع عظمتها وأحكامها مُنْفَطِرٌ منشق والتذكير على تاويل الشقف او إضمار كلمة شىء اى شىء منفطر بِهِ اى بذلك اليوم اى بشدته فكيف غير السماء الجملة صفة ثانية ليوما كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا هذه الجملة صفة ثالثة ليوما والوعد مصدر مضاف الى ضمير المفعول العائد الى اليوم او العائد محذوف والمصدر مضاف الى الفاعل اى كان وعد الله بالعذاب فيه مفعولا أورد الجملتين معطوفتين بغير العطف على طريقة الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان. إِنَّ هذِهِ الآيات نلقيه عليك تَذْكِرَةٌ تذكر العباد المبدأ والمعاد وتوضيح السبيل الموصل الى الله تعالى الى جوده والى انعامه ورضوانه والرشاد فَمَنْ شاءَ التذكر وسلوك السبيل الى ربه اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا الفاء للسببية اى ليس السبيل الى الله تعالى الا التذكرة فانه سبحانه اقرب إلينا من أنفسنا وليس الحجاب بيننا إلا حجاب الغفلة وحجاب العظمة والكبرياء منه تعالى والى تلك الحجب أشار النبي ﷺ ان لله تعالى سبعون الف حجابا من نور وظلمة فحجب العظمة والكبرياء حجب نورانية قال الله تعالى الكبرياء ردائى والعظمة إزاري وحجب الغفلة العباد حجب ظلمانية لو كشف لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه وكشف تلك الحجب يتيسر بالتذكير فان التذكير يذيل الغفلة ويستوجب المحبة للمعية كما قال رسول الله ﷺ المرء مع من أحبه فالمحبة يفضى المحب الى المحبوب بحيث لا تمنعه سرادقات العظمة والكبرياء وإحراق سبحات الوجه كناية عن الفناء والبقاء وان كان ذلك فى مرتبة العلم قيل الجملة مضمونها التحير وهو مجاز عن التهديد. إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى اى اقرب مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ قرأ هشام بسكون اللام والباقون بضمها وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ قرأ ابن كثير والكوفيون بنصبهما عطفا على ادنى يعنى تقوم اقرب من الثلثين وتقوم النصف وتقوم الثلث والباقون بجرهما يعنى اقرب من النصف ومن الثلث وهذه القراءة يدل على القيام اقل من الثلث فوق الربع وانما قلنا فوق الربع لما ذكرنا فيما قبل ان قوله تعالى او انقص منه قليلا يقتضى ان يكون القيام فوق الربع وَطائِفَةٌ عطف على فاعل تقوم مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ط اى جماعة أصحابك يقومون على ذلك المقدار اقتداء لسنتك كذا قال البيضاوي وقال البغوي فى تفسيره يعنى المؤمنين كانوا يقومون معه وهذا التأويل بعيد جدا فان الذين معه هم المؤمنون دون الكفار كما فى قوله نظر محمد رسول الله والذين معه فكلمة من للتبعيض يدل على ان القائمين كانوا بعض الصحابة دون كلهم وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عطف على ان ربك وفيه وضع المظهر موضع المضمر تقديره وهو يقدر الليل والنهار اى يعلم مقاديرهما كما هى وأنتم لا تعلمون كما هى قال البيضاوي تقديم اسم الله مبتداء مبنيا عليه يقدر يشعر بالاختصاص وهى مذهب عبد القاهر والزمخشري دون السكاكي عَلِمَ أَنْ مخففة واسمها ضمير الشان محذوف لَنْ تُحْصُوهُ اى تقدير الأوقات ولن تستطيعوا ضبط الساعات ومن ثم ربط وجوب الصلاة الخمس بامور ظاهرة كطلوع الصبح والشمس وزوالها وغروبها وقدر الظل وغروب الشفق فَتابَ عَلَيْكُمْ اى رجع عليكم من التشديد الى التخفيف فاسقط عنك ذلك القدر كيلا يشق على أمتك التأسي به فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ط الفاء للسببية ومعناه صلوا ما تيسر من الصلاة بالليل عبر عن الصلاة بالقراءة هاهنا كما عبر بالقيام فيما سبق تسمية الكل باسم الجزء فهذه الاية يقتضى كون القراءة ركنا للصلوة كما تقتضى تلك الاية بركنية القيام وعلى هذا العقد الإجماع ايضا فهذه الآية نسخ قيام الليل ذلك المقدار وبقي مطلق القيام بالليل واجبا ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس فصار تطوعا بعد فريضة يدل على ذلك ما ذكر من قول عائشة رض وابن عباس رض ومقاتل وابن كيسان قلت على تقدير كون القيام بالليل واجبا فى الابتداء على النبي ﷺ وعلى أمته فكون ذلك منسوخا فى حق أمته امر مجمع عليه واما كونه منسوخا فى حق النبي ﷺ سواء كان فى الابتداء واجبا عليه خاصة او عليه وعلى أمته عامة فقد اختلف فيه فقيل لم ينسخ فى حق النبي ﷺ بل كان قيام الليل واجبا عليه ﷺ خاصة الى اخر عمره وقيل بل نسخ عنه ﷺ ايضا وكان عليه الصلاة نافلة وهو الصحيح المختار عندى ويدل عليه قوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك فانه صريح فى كونه نافلة فان قيل معنى النافلة الزائدة يعنى زائدة فى الوجوب عليك لا على أمتك قلت لو كان كذلك يقال عليك فان صلة الوجوب تكون على دون اللامم فان قيل فى وجه تخصيصه به عليه الصلاة والسلام فانها نافلة لجميع الناس غير ممنوعة عن أحد قلنا وجه التخصيص على ما روى عن مجاهد والحسن وابى امامة ان تسميتها نافلة فى حقه ﷺ خاصة باعتبار كونها عامة فى رفع الدرجات بخلاف غيره فانها فى حق غيره نافلة فى تكفير السيئات غالبا ويدل ايضا على كون قيام الليل تطوعا فى حق النبي ﷺ حديث المغيرة قال قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه فقيل له لم تصنع هذا وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا ولم يقل انها فريضة على خاصة وحديث ابن عمر رض قال كان رسول الله ﷺ يصلى فى السفر على راحلته حيث توجهت به يومى ايماء صلوة الليل الا الفرائض ويوتر على راحلته متفق عليه (مسئلة:) اختلفوا فى ان صلوة الليل فى حق الامة من سنن الهدى المؤكدات او من المستحبات فقيل هى مندوب فى حقنا وهذا قول من قال هى كانت فريضة على النبي ﷺ حتى مات قالوا الادلة القولية يفيد الندب والمواظبة الفعلية لم يكن على سبيل التطوع والسنة ما واظب عليه النبي ﷺ من التطوع والمختار عندى انها من سنن الهدى كما ذكرنا ان مواظبته ﷺ كان على وجه التطوع وعلى تقدير تسليم كون المواظبة على سبيل الوجوب فمواظبته ﷺ اى وجه كان يقتضى كون الفعل مسنونا ما لم يكن ممنوعا فى حق غيره كصوم الوصال مثلا وممّا يدل على كونه سنة مؤكدة حديث ابن مسعود قال ذكر عند النبي ﷺ رجل فقيل له ما زال نائما حتى أصبح ما قام الى الصلاة قال ذلك رجل بال الشيطان فى اذنه او قال فى اذنيه متفق عليه فان ترك المندوب لا يستحق عليه اللوم والعتاب والله تعالى اعلم- وقيل المراد بقوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القران القران فى الصلاة الخمس وقال الحسن يعنى فى صلوة المغرب والعشاء قال البغوي قال قيس بن حازم صليت خلف ابن عباس رض بالبصرة فقرأ فى أول ركعته بالحمد وأول اية من البقرة ثم قام فى الثانية فقرأ بالحمد والاية الثانية من البقرة ثم ركع فلما انصرف اقبل علينا بوجهه فقال ان الله عز وجل يقول فاقرؤا ما تيسر منه ويحتمل ان يكون المراد منه فاقرؤا القران بعينه كيف ما تيسر لكم (مسئلة:) اختلفوا فى مقدار القراءة التي لا يجوز الصلاة الا بها ومقدار الواجب منها فى الصلاة فقال ابو حنيفة رض فى احدى الروايات عنه ان ما هو ركن للصلوة ولا يصح الصلاة الا به هو ادنى ما يطلق عليه اسم القران ولم يشبه قصد الخطاب واحد او نحوه ويقتضى هذه الروايات الجواز بدون الاية وبه جزم القدورى وفى رواية عنه وعن احمد هو اية تامة لا يجوز الصلاة بما دون ذلك واختاره صاحب الهداية وفى رواية عنه وبه قال ابو يوسف رض ومحمد رض انه ثلث آيات قصار مثل سورة الكوثر او اية طويلة تساوى الثلث لكن يجب عند ابى حنيفة رض وصاحبيه قراءة الفاتحة وقدر سورة معه فان ترك شيئا منها يجب سجدة السهو ان كان ترك سهوا فان لم يسجد وترك عمدا يأثم ويجب عليه الاعادة من غير افتراض وقال مالك رض والشافعي رض واحمد رض لا يصح الصلاة الا بفاتحة الكتاب وسن عندهم ضم السورة ولا يجب احتجوا بقوله ﷺ لا صلوة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت ورواه الدار قطنى بلفظ لا يجوز صلوة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب وقال اسناده صحيح رواه ابن خزيمة وابن حبان بهذه اللفظ من حديث ابى هريرة رض وفيه قال الراوي قلت ان كنت خلف الامام قال فاخذ بيدي وقال اقرأ بها فى نفسك وروى مسلم واحمد عن ابى هريرة رض بلفظ من صلى صلوة لم يقرأ فيها بام القران فهى خداج هى خداج غير تمام فقلت يا أبا هريرة أحيانا أكون وراء الامام فقال اقرأ بها فى نفسك يا فارسى وروى الحاكم من طريق اشهب عن ابى عتبة عن ابى هريرة عن محمد بن الربيع عن عبادة مرفوعا أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضا عنها وبما ذكرنا من اختلاف ألفاظ الحديث ظهر لك اندفاع ما قيل ان معنى قوله لا صلوة الا بفاتحة الكتاب صلوة كاملة كما فى قوله عليه الصلاة والسلام لا صلوة لجار المسجد الا فى المسجد لان هذا التأويل لا يجرى فى اكثر ما ذكرنا من الألفاظ على ان متعلق الجار والمجرور الواقع خبر الا يقدر الا عاما اى لا صلوة كائنة وعدم الوجود شرعا هو عدم الصحة غير ان فى حديث لا صلوة الا فى المسجد لما قام الدليل عليه وهو الإجماع قلنا المراد هناك كون خاص اى كاملة فهو من باب حذف الخبر لا من باب وقوع الجار والمجرور خبرا وما مر فى تفسير سورة الفاتحة حديث قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين الحديث يدل على ان الصلاة لا يكون الا بفاتحة الكتاب وابو حنيفة رض أخذ بهذا الحديث قال بوجوب الفاتحة فى الصلاة ووجوب ضم السورة ايضا لما روى فى بعض الروايات لا صلوة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا رواه مسلم وابو داود وابن حبان وروى ابن ماجة عن ابى سعيد بلفظ لا صلوة لمن لم يقرأ فى كل ركعة بالحمد وسورة فى فريضة او غيرها واسناده ضعيف ولابى داود من طريق همام عن قتادة عن ابى بصر عن ابى سعيد قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر واسناده صحيح ولم يقل ابو حنيفة رض بكون الفاتحة ركنا للصلوة بحيث لا يجوز الصلاة الا بها عملا بهذه الاية فاقرؤا ما تيسر من القرآن قال صاحب الهداية الزيادة على الكتاب القطعي غير الواحد لا يجوز لكنه يوجب العمل فقلنا بوجوبهما والصحيح عندى ان الفاتحة وكذا ضم السورة ركن للصلوة لا يجوز الصلاة الا بهما والاستدلال بهذه الاية على نفى الركنية لا يصح لان الظاهر فى تاويل الاية كما ذكرنا ان المراد بالقراءة نفس الصلاة بالليل ومعنى قوله تعالى فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر انه خفف عنكم فى قيام الليل فصلوا ما تيسر لكم الصلاة فلا دلالة بهذه الاية على قدر القراءة وما لا بد منه وما قيل فى تأويله انه ما تيسر من القران فى الصلاة الخمس فتاويل بعيد واحتمال ضعيف والاحتمال لا يتصور كونه حجة للوجوب فكيف يحكم عليه بكونه قطعيا لا يجوز الزيادة عليه بخبر الواحد كيف والحديث تلقته الامة بالقبول وانعقد الإجماع على العمل به وتوارث النقل وتواتر المعنى ان النبي ﷺ واحد من السلف والخلف لم يصل بغير الفاتحة وبمثل هذا الخبر والنقل التوارث يزاد على الكتاب اجماعا على ان الصلاة مجمل وأحاديث الآحاد يحتمل ان يكون بيانا للجمل ويبين أركانا لها ولقد قالت الحنفية القعدة الاخرة واستدلوا عليه بحديث ابن مسعود رض فى التشهد إذا قلت هذا او فعلت هذا فقد نمت صلوتك ان شئت ان تقوم فقم وان شئت ان تقعد فاقعد قالوا علق التمام بأحد الامرين فهو فرض مع ان الحديث من الآحاد ايضا والله تعالى اعلم وقد يستدل الحنفية على عدم ركنية الفاتحة بحديث ابى هريرة فى قصة المسيئ صلوته انه قال قال رسول الله ﷺ إذا قمت الى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسرك من القران الحديث متفق عليه والجواب ان هذا الحديث وجوب القراءة مطلقا وما مر من قوله ﷺ الا بفاتحة الكتاب يدل التعيين فالعمل بالحديثين بحمل المطلق على المقيد قلنا بركنية الفاتحة وقد ورد فى بعض طرق حديث المسيئ صلوته بلفظ فكبر ثم اقرأ بام القران ثم اقرأ بما شئت به الحديث رواه احمد من حديث رفاعة بن رافع ورواه الدار قطنى من حديثه بلفظ ثم يكبر الله ويثنى عليه ثم يقرأ بام القران وما اذن له فيه وما تيسر الحديث (مسئلة:) هل يجب القراءة على المقتدى أم لا فقال الشافعي رض يجب عليه قرأة الفاتحة كالامام والمنفرد قال البغوي كذا روى عن عمر رض وعثمان رض وعلى رض وابن عباس رض ومعاذ رض وقال ابو حنيفة رض ومالك رض واحمد رض لا يجب ثم اختلفوا فقال ابو حنيفة رض يكره مطلقا وقال مالك رض واحمد رض يكره فى الجهرية فقط وقال احمد رض يستحب فى السرية وكذا فى الجهرية عند سكتات الامام ان سكت لا مع قرأته وبه قال الزهري رض ومالك رض وابن المبارك رض ويروى ذلك عن ابن عمرو عروة بن الزبير وابو القاسم بن محمد وجه القول بسقوط القراءة عن المقتدى حديث جابر عن النبي ﷺ قال من كان له امام فقرأة الامام قرأة له رواه احمد والدار قطنى من طريق جابر الجعفي وضعفه الدار قطنى وقال ابن الجوزي وثقه الثوري وشعبة ورواه الدار قطنى من طريق اخر وفيه لبث وقال ضعفه ابن علية وقال احمد حدث عن الناس ومن طريق اخر فيه يحى بن سلام بلفظة كل صلوة لا يقرأ فيها بام الكتاب فهى خداج الا ان يكون وراء الامام قال الدار قطنى يحى بن سلام ضعيف وقال ابن الجوزي لم نر أحدا ضعفه قال الدار قطنى والبيهقي وابن عدى الصحيح انه مرسل فان الحفاظ كسفيانين وابى الأحوص وشعبة وإسرائيل وشريك وابن خلد الدالاني وجرير وعبد الحميد وزائدة وزهير رووه عن موسى بن عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا قلنا المرسل عندنا حجة وما ذكر فى الطرف المتصلة قد سمعت ان ابن الجوزي أنكر تضعيفه على انه قد رواه ابو حنيفة بسند صحيح على شرط الشيخين روى محمد فى مؤطاه انا ابو حنيفة ثنا ابو الحسن موسى بن ابى عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن النبي ﷺ ورواه احمد ابن منيع فى مسنده بسند صحيح على شرط مسلم قال انا اسحق الأرزق ثنا سقيان وشريك عن موسى ابن ابى عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر وفى الباب أحاديث اخر ضعيفة لم نذكرها كراهة الاطناب فان قيل قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القران عام فى المصلين فلا يجوز تخصيصه بخبر الآحاد وعلى اصل ابى حنيفة قلنا هى عام خص منه البعض وهو المدرك فى الركوع اجماعا فجاز تخصيصها بعده فى المقتدى ووجه القول بالاستحباب فى السرية حديث عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ لا يقرأن أحد منكم شيئا من القران إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القران رواه الدارقطني وقال رجاله كلهم ثقات فتخصيص المنع بالجهرية يقتضى الاستحباب فى السرية واستثناء أم القران يقتضى قرأتها عند السكتات جمعا بين الأحاديث وعملا بقوله تعالى وإذا قرئ القران فاستمعوا له وانصتوا والله تعالى اعلم وروى عن جماعة من الصحابة ترك القراءة خلف الامام رواه مالك فى المؤطا عن نافع عن ابن عمر انه كان لا يقرأ خلف الامام وروى الطحاوي عن زيد بن ثابت وجابر قالوا لا تقرأ خلف الامام فى شىء من الصلاة وروى محمد فى المؤطا انه سئل ابن مسعود رض عن القراءة خلف الامام قال انصت فان فى الصلاة شغلا ويكفيك الامام وروى محمد بن سعد قال وددت الذي يقرأ خلف الامام فى فيه جمرة وروى نحوه عبد الرزاق الا انه قال فى فيه حجر وروى محمد عن داود بن قيس عن عجلان ان عمر بن الخطاب قال ليت فى فم الذي يقرأ خلف الامام حجرا وروى ابن ابى شيبة فى مصنفه عن جابر قال لا يقرأ خلف الامام ان جهر ولا ان خافت وهذه الأقوال وجه الكراهة فى الجهرية بل فى السرية ايضا بإطلاقها وايضا ترك القراءة فى الجهرية مقتضى فى قوله تعالى وإذا قرئ القران فاستمعوا له وانصتوا وقوله ﷺ إذا قرئ فانصتوا رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة من حديث ابى هريرة وسنذكر تفسير تلك الاية ان شاء الله تعالى (مسئلة:) هل يجب القراءة فى كل ركعة من فرض ونفل فقال الشافعي رض واحمد رض ومالك رض يجب فى كل ركعة مطلقا لان الأمر بالقراءة كالامر بالركوع والسجود وغير انه فى رواية عن مالك ان ترك القراءة فى ركعة واحدة من الفرض الثلاثي والرباعي ينجر بسجود السهو وقال ابو حنيفة فى الوتر والنفل يجب فى كل ركعة ولا ينجر بالسجود فان كل شفعة منه صلوة واما فى الفرض فلا يجب الا فى الركعتين وكان القياس وجوبها فى ركعة واحدة لان الأمر لا يقتضى التكرار ولكن قلنا القراءة وقدرها فلا يلتحقان بهما وهذا الكلام يتوقف على كون المراد بقوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القران فى القراءة فى الصلاة وذلك ممنوع وللجمهور حديث ابى هريرة قال دخل رجل المسجد فصلى والنبي ﷺ فى المسجد ثم جاء الى النبي ﷺ فسلم عليه فرد عليه السلام وقال ارجع فصل فانك لم تصل ففعل ذلك ثلث مرات فقال والذي بعثك بالحق نبيا ما احسن غير هذا فعلمنى فقال إذا قمت الى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القران ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وفى رواية ثم ارفع حتى تستوى قائما ثم افعل ذلك فى صلوتك كلها متفق عليه وحديث رفاعة الرزقي نحوه رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وحديث ابى قتادة ان النبي ﷺ كان يصلى فيقرأ فى الظهر والعصر فى الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين وفى الركعتين الأخريين بام القران وكان يطيل أول ركعة من صلوة الفجر وأول ركعة من صلوة الظهر متفق عليه وهذا الحديث مع قوله ﷺ صلوا كما رأيتمونى أصلي التحق بيانا بجمل الكتاب وحديث ابى الدرداء ان رجلا قال يا رسول الله أفي كل صلوة قران قال نعم فقال رجل من الأنصار وجبت هذه فان قيل هذه الأحاديث من الآحاد ولا يجوز به الزيادة على الكتاب أجيب بانه على تقدير تسليم هذه المسألة الاصولية نقول بان هذا الحكم انما هو إذا كان الكتاب قطعى الدلالة وقوله تعالى فاقرؤا ليس بل يحتمل وجوه التأويل وان القراءة المأمور بها فى الصلاة مجمل يجوز ان يلتحق أحاديث الآحاد بها بيانا والله تعالى اعلم عَلِمَ الله إِنَّ مخففة من المثقلة وضمير الشان محذوف سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى بدل اشتمال من قوله تعالى علم ان لن تحصوه وتكرار فاقرؤا للتاكيد وقيل استيناف لبيان حكمة اخرى مقتضية للتخفيف ولذلك كرر الحكم مرتبا عليه وَآخَرُونَ عطف على اسم يكون يَضْرِبُونَ اى يسافرون فِي الْأَرْضِ للتجارة او لتحصيل العلم وللحج يَبْتَغُونَ حال من ضمير يضربون مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الربح فى التجارة او العلم والثواب وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فلا يطيقون هؤلاء الأصناف سنة قيام الليل ذكر البغوي عن ابراهيم عن ابن مسعود رض قال أيما رجل جلب شيئا الى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ عبد الله وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون فى سبيل الله فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ اى من القرآن فان قيل كلمة ما عام شامل يشتمل جميع ما تيسر فيلزم ان يكون المأمور به ذلك قلنا سوق الكلام يقتضى تخير المكلفين فى جميع افراد ما تيسر فاى فرد منها اتى به فقد اتى بالمأمور به (مسئلة) ويستحب القصد فى العمل والتوسط دون الافراط والتفريط ويستحب المواظبة على المتوسط دون الافراط تارة وترك اخرى واد فى المتوسط يقرأ خمسين اية ومائة وأكثره الف اية حتى يكون الختم فى الأسبوع اخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ فاقرءوا ما تيسر منه قال مائة اية قال ابن كثير غريب جدا وروى البغوي بسنده عن انس انه سمع رسول الله ﷺ يقول من قرأ خمسين اية فى يوم وليلة لم يكتب من الغافلين ومن قرأ مائة اية كتب من القانتين ومن قرأ مائتى اية لم تحاجه القران يوم القيامة ومن قرأ خمسمائة اية كتب له قنطار من الاجر وروى الدارمي عن الحسن مرسلا ان النبي ﷺ قال من قرأ فى ليلة مائة اية لم يحاجه القرآن تلك الليلة ومن قرأ فى ليلة مائتى اية كتب له قنوت ليلة ومن قرأ خمسمائة اية الى الف له صحيح فله قنطار من الاجر قالوا وما القنطار قال اثنى عشر الف درجة وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ اقرء القرآن فى كل شهر قال قلت انّى أجد قوة قال فاقرءه فى عشرين ليلة قال قلت انى أجد قوة قال فاقرأ فى سبع ولا تزد على ذلك وفى الصحيحين عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ أحب الأعمال الى الله أدومها وان قل وفيهما عنها قالت قال رسول الله ﷺ خذوا من الأعمال ما يطيقون فان الله لا يمل حتى تملوا وفيهما عن انس قال قال رسول الله ﷺ ليصل أحدكم نشاطه وإذ فتر فليقعد وفيهما عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ إذا نعس أحدكم وهو يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم فان أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدرى لعله يستغفر فيسب نفسه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ المكتوبة الجملة مع ما عطف عليه معطوفة على فاقرؤا وكلمة الواو للجمعية فهذا العطف يقتضى ان قيام الليل بما تيسر من القران لم ينسخ بالصلوات الخمس كما قيل فثبت ان الأمر كان للندب دون الوجوب والله تعالى اعلم وَآتُوا الزَّكاةَ المفروضة وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قال ابن عباس المراد به الانفاق سوى الزكوة من صلة الرحم وقرى الضيف قلت ويحتمل ان يكون المراد به مطلق الطاعات لله تعالى وان يكون المراد به الزكوة على احسن الوجه يدل عليه قوله تعالى قَرْضاً مفعول مطلق من قبيل أنبته الله نباتا حَسَناً صفة للمصدر وفيه ترغيب لوعد العوض وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ عبادة بدنية او ما فيه شرط جزاءه تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ط من الذي توخرونه الى الوصية عند الموت ومن متاع الدنيا وخيرا ثانى مفعولى تجدوه وهو الضمير الفصل لا محل له من الاعراب لان افعل من حكمه حكم المعرفة فلذلك يمتنع من حرف التعريف عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ أيكم ماله أحب اليه من مال وارثه قالوا ما منا أحد الا ماله أحب اليه من مال وارثه قال اعلموا ما تقولون قالوا ما نعلم الا ذلك يا رسول الله قال ما منكم رجل الا مال وارثه أحب اليه من ماله قالوا كيف يا رسول الله قال انما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما اخر رواه البغوي وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ط لذنوبكم الجملة معطوفة على اقيموا الصلاة إلخ وفيه اشارة الى ان الإنسان لا يعتبر باعمال البر ولا يتكل عليه بل لا بد مع ذلك من الاستغفار فان ما صدر منه من الطاعات قلما يخلو من التقصيرات ثم كلما صدر من العبد وان جل فهو بالنسبة الى جناب قدسه وجلالته وعظمته لا يليق به تعالى ما لم ينضم معه الاعتراف بالعجز والقصور والذل إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ عن تقصيراتكم رَحِيمٌ بكم يعطى الثواب الجزيل على العمل القليل.

المدثر 74:1

سورة المدّثر مكيّة وهى ست وخمسون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ روى الشيخان فى الصحيحين عن يحى بن كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القران قال يايها المدثر قلت يقولون اقرء باسم ربك قال ابو سلمة سالت جابرا عن ذلك وقلت له مثل الذي قلت لى فقال لى لا أحدثك الا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال جاورت بحراء شهرا فلما قضيت هبطت فنوديت فنظرت عن يمينى فلم ار شيئا ونظرت عن شمالى فلم ار شيئا ونظرت عن خلف فلم ار شيئا فرفعت راسى فرايت شيئا فاتيت خديجة فقلت دثرونى دثرونى وصبوا على ماء باردا فنزلت يايها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر وذلك قبل ان يفرض الصلاة قلت والمرفوع من الحديث لا يدل على نزول هذه السورة قبل اقرأ والصحيح ان نزول اقرء قبل ذلك كما سنذكر فى شان نزوله فى تلك السورة ان شاء الله تعالى ويدل على هذا ما رواه الشيخان عن جابر ايضا انه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحى فبينا انا امشى سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى فاذا الملك الذي جاء فى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض فجئت فيه رعبا حتى هويت الأرض فجئت أهلي فقلت زملونى زملونى فانزل الله تعالى يايها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ثم حمى الوحى وتتابع فان هذه الرواية صريحة فى ان نزول سورة المدثر بعد فترة الوحى وكان روية الملك بحراء قبل ذلك واخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس ان وليد بن مغيرة صنع لقريش طعاما فلما أكلوا قالوا ما تقولون فى هذا الرجل فقال بعضهم ساحر وقال بعضهم ليس بساحر وقال بعضهم كاهن وقال بعضهم ليس بكاهن وقال بعضهم شاعر وقال بعضهم ليس بشاعر وقال بعضهم سحر يوثر فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزن ورفع راسه وتدثر فانزل الله تعالى يايها المدثر الى قوله وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ... يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ من مضجعك او قم قيام عزم وجد فَأَنْذِرْ حذف المفعول ليدل على التعميم يعنى انذر الناس أجمعين بعذاب العالمين لمن أشرك به. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ الفاء فيه وفيما بعده لافادة معنى الشرط تقديره اما ربك

المدثر 74:4

فكبر يعنى مهما يمكن من شىء وكنت على اى حال فكبر ربك قلت ويحتمل ان يكون تقديره وكبر ربك فكبره والغرض بالتكرار استمرار نفسه عليه ومعنى كبر عظمه عن الحدوث وعن سمات النقص والزوال وعن التشريك فى وجوب الوجود والالوهية والتشريك فى العبادة والتشبيه بشىء من الممكنات فى شىء من الذات والصفات والافعال وصفه باوصاف الكمال ما لا يتصف به غيره وهذا أول ما يجب على الإنسان وأهم من جميع الواجبات ولا يحتمل العفو والسقوط ويحكم به العقل قبل النقل لكن العقل غير كاف فى دركه كما ينبغى (مسئلة:) احتج الفقهاء لهذه الاية على فرضية التكبير لتحريمة الصلاة لكن قال ابو حنيفة رض ومحمد رض انها تنعقد لكل لفظ يوجب التعظيم نحو الله أجل والله أعظم ولا اله الا الله والرحمن اكبر وغير ذلك لا بلفظة الله اكبر وحده لان المأمور به التكبير وهو التعظيم وقال ابو يوسف رض ان كان يحسن ان يقول الله اكبر فلا يجزيه الا ذاك او الله الأكبر او الله الكبير لان الالف واللام ابلغ فى الثناء وافعل وفعيل فى أوصافه سواء وقال الشافعي رض لا يجوز الا الله اكبر والله الأكبر وقال مالك رض واحمد لا يجوز الا الله اكبر فقط والصحيح ان هذه الاية ليست فى تكبير التحريمة كما فى الصحيحين انه أول القران نزولا وذلك قبل ان يفرض الصلاة والقول بان التكبير لم يجب خارج الصلاة واصل الأمر للوجوب فالثابت بهذه الاية وجوبها فى الصلاة ممنوع بل التحقيق ان التكبير هو التوحيد أول ما يجب على الإنسان ولا يحتمل السقوط والتحقيق فى باب التحريمة ان الصلاة مجمل الحق بها فعل النبي ﷺ بيانا وقد تواتر صيغة الله اكبر للتحريمة ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أحد من الصحابة شروع الصلاة بغير ذلك ولو كان الشروع بغير ذلك جائز الفعل ذلك للجواز فظهر انه بعينه هو الفريضة لا غير وقد ورد فى بعض طرق حديث رفاعة عن النبي ﷺ قال لا يقبل الله صلوة امرأ حتى يسبغ الوضوء ثم يستقبل ويقول الله اكبر. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال قتادة ومجاهد نفسك فطهرها من الذنب كنى عن النفس بالثوب وهو قول ابراهيم والضحاك والشعبي والزهري وقال عكرمة سئل عن ابن عباس عن قوله وثيابك فطهر قال لا تلبسها على معصية وعلى عذرة ثم قال سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي وانى بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من عذرة أتقنع- وكذا قال ابى بن كعب وروى عن الضحاك معناه عملك فاصلح وقال السدى يقال للرجل إذا كان صالحا انه طاهر الثياب وإذا كان فاجرا انه لخبيث الثياب وقال سعيد بن جبير وقلبك وبيتك فطهر وقال الحسن وخلقك فحسن وقال ابن سيرين وابن زيد امر بتطهير الثياب

المدثر 74:5

من النجاسات التي لا يجوز الصلاة معها وذلك ان المشركين لا يتطهرون ثيابهم وقال طاؤس وثيابك فقصر لان تقصير الثوب طهارة لها قلت والظاهر عندى انه امر بتطهير الثياب فالواجب بالمنطوق وعبارة النص انما هو تطهير الثوب وبدلالة النص يجب تطهير البدن بالطريق الاولى فان الله سبحانه القدوس المطهر الطاهر لما لم يرض بنجاسة الثوب فكيف يرضى بنجاسة البدن وهو فوق ذلك واقرب منه وبنجاسة النفس او القلب فانه اقرب من البدن ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (مسئلة:) احتج الفقهاء بهذه الاية لاشتراط طهارة الثوب والمكان والبدن عن النجاسة الحقيقية للصلوة والصحيح عندى انه لا دلالة على اشتراطها للصلوة بل على وجوب الطهارة الثلث فى جميع الأحوال لكن انعقد الإجماع على اشتراطها للصلوة والسند للاجماع انه ثبت بمحكم التنزيل الطهارة من الأحداث فيجب لطهارة عن الاخباث بالطريق الاولى قال الله تعالى فى اية الوضوء ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وقال الله تعالى طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود والله تعالى اعلم- عن ابن عباس قال مر النبي ﷺ بقبرين فقال انهما يعذبان وما يعذبان فى كبيرة اما أحدهما فكان لا يستتر من البول وفى رواية لمسلم لا يستنزه من البول واما الاخر فكان يمشى بالنميمة الحديث متفق عليه. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ قرأ ابو جعفر وحفص عن عاصم ويعقوب الرجز بضم الراء والباقون بكسرها وهما لغتان ومعناهما واحد قال مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد وابو سلمة المراد بالرجز الأوثان قال فاهجرها ولا تقربها وروى عن ابن عباس ان معناه اترك الإثم وقال ابو العالية والربيع الرجز بضم الراء الصنم وبالكسر النجاسة والمعصية وقال الضحاك يعنى الشرك وقال الكلبي يعنى العذاب يعنى اهجر ما يوجب العذاب من العقائد والأعمال. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ اى لا تعط مالك لتعطى اكثر منه هذا قول اكثر المفسرين قال قتادة لا تعط شيئا طمعا لمجازاة الدنيا بل لوجه الله خالصا وجملة تستكثر حال من فاعل لا تمنن قيل هذا نهى تنزيهى وقال الضحاك ومجاهد كان هذا الحكم فى حق النبي ﷺ خاصة قال الضحاك بهما ربوان حلال وحرام اما الحلال فالهدايا اما الحرام فالربوا وقال الحسن معناه لا تمنن على الله بعملك فتستكثر يعنى مستكثرا عملك وقال لا تستكثرون عملك فى عينك فانه فيما أنعم الله عليك قليل وروى خصيف عن مجاهد ولا تضعف ان تستكثر من الخير عن قولهم جهل منين اى ضعيف وقال ابن زيد معناه لا تمنن بالنبوة على الناس فتاخذ عليها عوضا واجرا من الدنيا وقيل معناه لا تمنن على الفقير

المدثر 74:7

إذا أعطيته مستكثرا اعطائك. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ط تقديره واما لربك فاصبر على طاعاته وأوامره ونواهيه والمصائب لاجل ثواب الله تعالى وابتغاء مرضاته والتقدير واصبر لربك فاصبر كرر للتاكيد او لتنوع انواع الصبر وقال مجاهد فاصبر اليه على ما أوذيت وقال ابن زيد معناه حملت امرا عظيما محاربة العرب والعجم فاصبر عليه لله عز وجل وقيل فاصبر تحت موارد القضاء لاجل الله. فَإِذا نُقِرَ اى نفخ فِي النَّاقُورِ فى الصور فاعول من النقر بمعنى التصويت وأصله قرع الشيء المفضى الى النقب ومنه المنقار للطائر كذا فى الصحاح قال ابو الشيخ بن حيان فى كتاب العظيمة عن وهب بن منبة قال خلق الله الصور من اللؤلؤ البيضاء فى صفاء الزجاجة ثم قال للعرش خذ الصور فتعلق به ثم قال كن فكان اسرافيل فامره ان يأخذ الصور فاخذه وبه نقب بعد وكل روح مخلوقة ونفس منفوسة لا يخرج روحان من نقب واحد وفى وسط الصور كوة كاستدارة السماء والأرض واسرافيل واضع فيه على تلك الكرة ثم قال له الرب تبارك وتعالى قد وكلتك فانت بالنفخة والصيحة فدخل فى مقدم العرش ادخل رجله اليمنى تحت العرش وقدم اليسرى ولم يطرف قد خلقه الله ينتظر متى يوم مروا اخرج احمد والترمذي والطبراني بسند جيد عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله ﷺ كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحتى جبهته وأصغى بالسمع متى يومر فشق ذلك على الصحابة فقال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل واخرج احمد والحاكم عن ابن عباس نحوه بزيادة على الله توكلنا والفاء فى فاذا نقر لسببية كانه قال اصبر على اذاهم فبين أيديهم زمان صعب تلقى فيه عاقبة صبرك وإذا ظرف لما دل عليه قوله. فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ معناه يعسر الأمر على الكافرين يومئذ لتضمن إذا معنى الشرط دخل الفاء فى قوله فذلك وذلك اشارة الى وقت النقر مبتداء خبره يوم عسير ويومئذ بدله فهو فى محل الرفع مبنى الاضافة الى غير متمكن غَيْرُ يَسِيرٍ تأكيد بمنع ان يكون عسيرا من وجه ويسيرا من وجه وفيه اشارة الى كونه يسيرا على المؤمنين ذكر البغوي ان الله تعالى لما انزل على النبي ﷺ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول لا اله الا الله هو اليه المصير قام النبي صلى الله عليه واله وسلم بالمسجد والوليد بن مغيرة قريب منه يسمع قرأته فلما فطن النبي ﷺ لاستماعه قرأته أعاد قراءة الاية فانطلق الوليد حتى اتى مجلس قومه بنى مخذوم فقال والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس ولا هو من كلام الجن ان له لحلاوة وان عليه لعلاوة وان أعلاه لمثمر

المدثر 74:11

وان أسفله لمعذق وان يعلو ولا يعلى ثم انصرف الى منزله فقالت قريش صبا والله الوليد والله ليصبان قريش كلهم وكان يقال للوليد ريحانة قريش فقال ابو جهل انا أكفيكموه فانطلق فقعد الى جنبه حزينا فقال مالى أراك حزينا يا ابن أخي فقال ما يمنعنى ان لا احزن وهذه قريش يجمعون لك بقية يعنونك على كبر سنك ويزعمون انك زينت كلام محمد وتدخل على ابن كثير وابن ابى قحافة ليتنال من فضل طعامهم فغضب الوليد فقال الم يعلم قريش ان من أكثرهم مالا وولدا وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل ثم قام مع ابى جهل حتى اتى مجلس قومه فقال لهم تزعمون ان محمدا مجنون فهل رايتموه ينطق قط قالوا اللهم لا قال تزعمون انه كاهن فهل رأيتموه قط يكهن قالوا اللهم لا قال تزعمون انه شاعر فهل رأيتموه ينطق يشعر قالوا اللهم لا قال تزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب قالوا اللهم لا وكان رسول الله ﷺ يسمى الامين قبل النبوة من صدقه وقالت قريش للوليد فما هو فتفكر فى نفسه ثم نظر وعبس فقال ما هو الا ساحر من رايتموه تفرق بين الرجل واهله وولده ومواليه فهو ساحر بقوله سحر يوثر واخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس نحوه وقال فحينئذ نزلت. ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم من طرق اخر نحوه والواو بمعنى مع كما مر فى قوله ذرنى والمكذبين اى ذرنى معه وَحِيداً حال من مفعول ذرنى يعنى لاتهتم به وذرنى وحدي معه فانى أكفيكه او من فاعل خلقت اى خلقته وحيدا لم يشاركنى فى خلقه غيره رد من ضمير مفعول العائد المحذوف اى من خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولدا والمعنى خلقته وحيدا فى الشرارة ووحيدا غير منسوب الى اب لانه كان زنيما قال البغوي انه كان يسمى فى قومه وحيدا فسماه الله به تهكما واستهزاء وما على تسمية نفسه وحيدا. وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً مبسوطا كثيرا اى ممدودا بالنماء كالزرع والضرع والتجارة قال مجاهد وسعيد بن جبير الف دينار وقال قتادة اربعة آلاف دينار وقال سفيان الف الف وقال ابن عباس تسعة آلاف مثقال فضة وقال مقاتل كان له بسمتان بالطائف لا ينقطع ثماره شتاء وصيفا وقال عطاء عن ابن عباس كان له بين مكة والطائف ابل وخيل وغنم وكان له عين كثيرة وعبيد وجوارى. وَبَنِينَ شُهُوداً حضورا بمكة بلقائهم لا يحتاجون الى السفر بطلب المعاش وكانوا عشرة وقال مقاتل كانوا سبعة وهم الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد الشمس اسلم منهم خالد وهشام وعمارة. وَمَهَّدْتُ لَهُ اى بسطت له الرياسة وألحاه العريض حتى يقال ريحانة قريش والتوحد باستحقاق الرياسة والتقدم او مهدت له فى طول العمر تَمْهِيداً بسطا.

المدثر 74:15

ثُمَّ يَطْمَعُ يرجو أَنْ أَزِيدَ له مالا وولدا وتمهيدا. كَلَّا ط ردع اى لا افعل ذلك لكفرانه قال البغوي قالوا فما زال الوليد بعد نزول هذه الاية فى نقصان ماله وولده حتى هلك إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ط معاندا حيث أنكر وقال سحر يوثر تعليل للردع فان الكفران ومعاندة آيات النعم زوال النعمة وبمنع الزيادة. سَأُرْهِقُهُ ساغشيه صَعُوداً عذابا شاقا يغلبه ويعلوا كل عذاب عن ابى سعيد الخدري عن النبي ﷺ فى قوله تعالى سارهقه صعودا قال هو جبل فى النار من نار يكلف ان يصعده فاذا وضع يده ذابت فاذا رفعها عادت فاذا وضع رجليه ذابت فاذا رفعها عادت رواه البغوي عنه وعن عمر بن الخطاب ورواه احمد والترمذي وابن حبان والحاكم وصححه عن ابى سعيد عن النبي ﷺ انه جبل فى النار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى وهو كذلك فيه ابدا وقال الكلبي الصعود صخرة ملساء فى النار يكلف ان يصعدها لا يترك نفس فى صعوده بجذب سلاسل الحديد ويضرب من خلفه بمقامع من حديد فيصعدها فى أربعين عاما فاذا بلغ ذروتها أحد الى أسفلها ثم يكلف ان يصعدها يجذب من امامه ويضرب من خلفه فذلك دابه ابدا. إِنَّهُ فَكَّرَ فيما تخيل طعنا فى القران وَقَدَّرَ فى تفسير ما يقول هذه الجملة بيان لعناده وتعليل لما يستحقه من العذاب. فَقُتِلَ لعن وقال الزهري عذب كَيْفَ قَدَّرَ تعجيب من تقدير استهزاء به وفيه انكار وتوبيخ وكيف حال من فاعل قدر والجملة تعليل لقوله قتل وجملة فقتل معترضة دعائية والفاء فيه للاعتراض. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ كرر للتاكيد وكلمة ثم للدلالة على ان الثانية ابلغ من الاولى. ثُمَّ نَظَرَ عطف على فكر وقدر اى فكر وقدر ثم نظر فى أم القران متراخيا مرة بعد اخرى. ثُمَّ عَبَسَ وجهه لما لم يجد فيه طعنا ولم يدر ما يقول او نظر الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعبس وجهه عداوة وَبَسَرَ بمعنى عبس وقهر تأكيد له. ثُمَّ أَدْبَرَ عن الحق والايمان به او الرسول ﷺ وَاسْتَكْبَرَ عن اتباعه. فَقالَ الفاء للدلالة على انه لما خطرت هذه الكلمة بباله تقولها من غير تلبث وتفكر إِنْ هذا اى القران إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يروى عن غيره. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ تأكيد للجملة الاولى ولذا لم يعطف. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ بدل اشتمال من سارهقه صعودا وسقر اسم من اسماء جهنم. وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ تفخيم لشانها وجملة ما سقر بتأويل المفرد

المدثر 74:28

مفعول لادريك. لا تُبْقِي شيئا يلقى فيها وَلا تَذَرُ ج اى لا تدع حتى تهلكه قال مجاهد معناه لا تبقى حيا ولا تذر من فيها ميتا كلما احترقوا جددوا قال الضحاك لكل شىء ملال وفطرة الا سقر هذه الجملة والجملتين بعدها مستأنفات لبيان تفخيم شأن سقر واحوال من سقر. لَوَّاحَةٌ اى هى لواحة لِلْبَشَرِ ج جمع بشرة مغيرة للجلد من البياض الى السواد فقال ابن عباس وزيد بن اسلم محترقة للجلد وقيل معناه لائحة للناس قال الحسن وابن كيسان يلوح لهم حتى يردها عيانا نظيره وبرزت الجحيم للغاوين. عَلَيْها اى على النار تِسْعَةَ عَشَرَ من الملائكة وهم خزنتها مالك مع ثمانية عشر اخرج ابن المبارك والبيهقي أحدهم عن ابى العوام قال هم تسعة عشر ملكا بين منكبى كل منهم مسيرة كذا وكذا واخرج ابن وهب عن زيد بن اسلم قال قال رسول الله - ﷺ - ما بين منكبى أحدهم مسيرة سنة نزعت عنهم الرحمة برفع أحد منهم سبعين الفا فيرميهم حيث أراد من جهنم قال البغوي قال ابن عباس وقتادة والضحاك وكذا اخرج البيهقي عن ابن اسحق انه لما نزلت هذه الاية قال ابو جهل لقريش ثكلتكم أمهاتكم اسمع ابن ابى كبشة يخبر ان خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم الشجعان أفيعجز كل عشر منكم ان تبطشوا لواحد من خزنة جهنم قال ابو الأسد بن كلده الجمعى انا أكفيكم منهم سبعة عشر عشرة على ظهرى وسبعة على بطني وكفونى أنتم اثنين واخرج البيهقي عن السدى لما نزلت عليها تسعة عشر قال رجل من قريش يدعى أبا الاسدين يا معشر قريش لا يهولنكم التسعة عشر انا ادفع عنكم بمنكبي الايمن عشرة وبمنكبي الأيسر تسعة فانزل الله تعالى. وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ يعنى خزنتها إِلَّا مَلائِكَةً ص لا رجالا آدميين حتى يمكن من الكفار تدافعهم وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ اى عددهم فى القلة إِلَّا فِتْنَةً عدو الذي اقتضى فتنتهم اى ضلالتهم وكفرهم لاستقلالهم والاستهزاء بهم واستبعادهم ان يتولى هذا العدد القليل تعذيب جميع الكفار لِلَّذِينَ كَفَرُوا حتى قالوا ما قالوا لِيَسْتَيْقِنَ متعلق بفعل محذوف دل عليه السباق اى نبئناك بعددهم ليستيقن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ نبوتك وصدق القران حين يوافق ذلك فى التورية والإنجيل وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا بالايمان او بتصديق اهل الكتاب له إِيماناً مصدر او تميز من النسبة وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ فى عددهم تأكيد للاستيقان وزيادة الايمان فعطف لا يرتاب عطف تفسيرى

المدثر 74:34

اخرج ابن ابى حاتم والبيهقي فى البعث عن البراء بن عاذب ان رهطا من اليهود سألوا أرجلا من اصحاب النبي ﷺ عن خزنة جهنم فجاءوا النبي ﷺ فنزلت عليه ساعتئذ عليها تسعة عشر فصار هذا سببا لاستيقان الذين أوتوا الكتاب وازدياد المؤمنين ايمانا وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك او نفاق عطف على ليستيقن وهذا اخبار بمكة بما سيكون فى المدينة بعد الهجرة من المنافقين ولم يكن بمكة منافق وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ط المستغرب استغراب المثل وقيل لما استبعدوه حسوا انه مثل مضروب فكلمة مثلا اما حال من هذا وعامل فيه معنى الاشارة او تنبيه او تميز وهذا اسم تام بتنوين مقدر كَذلِكَ متعلق بما بعده اى كما أضل الله بذكر عدد الخزنة قوما وهدى به قوما يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ط اى الله تعالى إضلاله وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ الله هدايته وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ يعنى كنههم وكيفية قوتهم واما عددهم فقد ذكر انهم تسعة عشر لا يحتمل الزيادة والنقصان إِلَّا هُوَ ط قال مقاتل هذا جواب ابى جهل حين قال ما لمحمد أعوان الا تسعة عشر قال عطاء وما يعلم جنود ربك الا هو يعنى الملائكة الذين خلقهم لتعذيب اهل النار لا يعلم عدتهم لا الله يعنى ان تسعة عشر خزنة النار ولهم من الأعوان والجنود ما لا يعلم الا الله اخرج هناد عن كعب قال يومر بالرجل الى النار فيبتدر مائة الف ملك قال القرطبي المراد بقوله تسعة عشر رؤسائهم اما جملة خزنة فلا يعلم عددهم الا الله وَما هِيَ وما سقر او عدة الخزنة او السورة إِلَّا ذِكْرى اى تذكرة لِلْبَشَرِ كَلَّا ردع لمن أنكرها او انكار لان يتذكر بها وان كان فى نفسه ذكرى وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ قرأ نافع وحفص وحمزة ويعقوب بإسكان الذال وأدبر على وزن افعل والباقون إذا بالألف بعد الذال دبر على وزن فعل ومعنى دبروا دبروا حد كقيل بمعنى أقيل يقال دبر الليل وأدبر إذا ولى ذاهبا وقال ابو عمرو بلغة قريش وقال قطرب دبر بمعنى اقبل تقول العرب دبرنى فلان اى جاء خلفى والليل يأتي خلف النهار. وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ اى أضاء. إِنَّها اى سقر لَإِحْدَى الْكُبَرِ اى أحد البلايا الكبرى فانها كثيرة والسقر واحد منها او المعنى انها اى احدى البلايا الكبر جهنم وجهنم ولظى والحطمة والسعيرة والجحيم والهاوية وانما جمع كبرى على كبر الحاقا لها بفعله تنزيلا للالف منزلة التاء كما ألحقت قاصعا بقاصعة فجمعت

المدثر 74:36

على قواصع والجملة جواب القسم او تعليل لكلا والقسم معترض للتاكيد. نَذِيراً لِلْبَشَرِ تميز عن احدى الكبر انذارا او حال عما دلت عليها الجملة اى كبرت منذرة قال الحسن والله ما انذر بشئ أدهى منها وقال الخليل النذير مصدر كالنكير والمذكر وصف به المؤنث يعنى جعل حالا للمؤنث وقيل نذيرا حال من فاعل وما جعلنا اصحاب النار الا ملائكة منذرا للبشر وقيل معناه يايها المدثر قم نذير البشر فانذر. لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ بدل من قوله للبشر اى نذيرا للفريقين وحينئذ قوله أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ط مفعول لشاء اى من شاء ان يتقدم فى الخير والطاعة ومن شاء ان يتاخر فى الشر والمعصية ويحتمل ان يتقدم او يتاخر مبتداء ومن شاء منكم خبرا مقدما عليه والمعنى لان يتقدم من شاء منكم ويتاخر من شاء نظيره قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فهو توبيخ وإنذار. كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ من السيئات رَهِينَةٌ مصدر كالشتيمة بمعنى رهن لا بمعنى المفعول اى مرهون ولو كان صفة لقيل رهين لان الفعيل بمعنى المفعول يستوى فيه المؤنث والمذكر والمعنى كل نفس بما كسبت من السيئات بكفرها محبوسة فى النار ابدا. إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ اى الذين يعطون كتبهم بايمانهم كذا روى عن ابن عباس اخرج ابن المبارك عن رجل من بنى اسد قال قال عمر لكعب قل من حديث الاخرة قال نعم يا امير المؤمنين إذا كان يوم القيامة وضع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق الا هو ينظر الى عمله ثم يوتى بالصحف التي فيها اعمال العباد فتنشر من حول العرش ثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه بيمينه فينظر فيه وقال مقاتل هم اهل الجنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق قال لهم الله هؤلاء للجنة ولا أبالي وعن ابن عباس انهم الذين كانوا ميامين على أنفسهم ومال هؤلاء الأقوال واحد يعنى الا المؤمنين فانهم غير محبوسين فى النار ابدا بل ينجون اما بالمغفرة بعد العذاب بقدر ذنوبهم او بلا تعذيب بالشفاعة او بمحض الفضل وقال الحسن هم المسلمون المخلصون وقال القاسم كل نفس ماخوذة بكسبها من خير او شر الا من اعتمد على الفضل فان كل من اعتمد على الكسب رهين ومن اعتمد على الفضل فهو غير ماخوذ وعلى هدين القولين معنى الاية كل نفس مرهونة اى ماخوذة باعمالها واو فى الجملة الا المسلمين الكاملين فانهم غير ماخوذين أصلا لكن اطلاق اصحاب اليمين على هؤلاء المخلصين لا دليل عليه وكذا روى سعد بن منصور وابن ابى حاتم والحكيم فى نوادر الأصول عن علىّ انهم أطفال المسلمين وزاد الحكيم لم يكسبوا فيرتهنوا بكسبهم وما روى

المدثر 74:40

ابو ظبيان عن ابن عباس انهم الملائكة فما لم يصح الأثر به لا يمكن حمل اصحاب اليمين عليه. فِي جَنَّاتٍ خبر مبتداء محذوف اى هم فى جنات والجملة فى مقام التعليل للاستثناء ويحتمل ان يكون حالا من اصحاب اليمين او من ضميرهم فى قوله يَتَساءَلُونَ اى يسأل بعضهم بعضا اى يسئل غيرهم والتفاعل لاجل تشاركهم فى السؤال. عَنِ الْمُجْرِمِينَ اى عن حال المجرمين الكفار. ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ هذا الاستفهام مع جوابه حكاية لما جرى بين المسئولين والمجرمين وما أجاب المجرمون به السائلين المسئولين وايضا ان فى الكلام حذف للاختصار تقديره يتساءلون عن المجرمين فيقولون المسئولون ما سلككم فى سقر إلخ وقيل كلمة عن زائدة تقديره يتساءلون المجرمين بقولهم ما سلككم فى سقر. قالُوا اى المجرمين فى جوابهم لَمْ نَكُ سقطت النون بالجزم لمشابهته بحرف العلة فى امتداد الصوت فان النون غنة فى الخيشوم كما ان حرف العلة مدة فى الحلق مِنَ الْمُصَلِّينَ الصلاة الواجبة. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ما يجب اعطائهم فيه دليل على ان الكفار مخاطبون بفروع الأعمال لاجل المؤاخذة فى الاخرة وانما سقط عنهم الخطاب فى الدنيا لفقد شرط ادائه وهو الايمان ولا وجه بسقوط التكليف فان الكفر موجب للتشديد دون التخفيف لكن حقوق الله تعالى من العبادات والعقوبات تسقط بالإسلام فلا يوخذ من اسلم على ما فات عنه فى حالة الكفر قال رسول الله ﷺ الإسلام يهدم ما كان قبله وقد مر هذا الحديث فيما قبل. وَكُنَّا نَخُوضُ فى اللهو والباطل ما نهى الله تعالى عنه مَعَ الْخائِضِينَ فيه. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ آخره لتعظيمه اى وكنا بعد ذلك كله مكذبين يوم الجزاء. حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ط يعنى الموت. فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ط ولو شفعوا جميعا هذه الجملة اما متصلة بقوله كل نفس رهينة او بقوله قالوا لم نك من المصلين ومفهوم هذا الاية تقتضى ان المؤمنين وان كانوا فساقا تنفعهم شفاعة الشافعين اخرج اسحق بن راهويه فى مسنده عن أم حبيبة او أم سلمة قالت كنا فى بيت عائشة فدخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال ما من مسلم يموت له ثلثة من الولد أطفال لم يبلغوا الحلم الا جئ بهم حتى يوقفوا على باب الجنة فيقال لهم ادخلوا الجنة فيقولون ان دخل ابوانا فيقال فى الثانية والثالثة ادخلوا الجنة وآبائكم فذلك قوله تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين وقال ابن مسعود يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى فى النار الا اربعة ثم تلى قالوا لم نك من المصلين الى قوله بيوم الدين وقال عمران بن حصين الشفاعة نافعة دون هؤلاء الذين تسمعون فقول ابن مسعود وعمران هذا مشعر بان الشفاعة لا تنال لتاركى الصلاة ومانعى الزكوة والخائضين فى اللهو والباطل وان كانوا مؤمنين ومبنى قولهما هذه الاية فان تعقبها بالفاء للسببية وترتبها على الاربعة المذكورة يدل على كونها سببا لعدم نيل الشفاعة والصحيح انها معقب على مجموع الأمور الاربعة فيها التكذيب بيوم الدين لا على كل واحد منها فلا تمنع الشفاعة الا المجموع دون كل واحد منها وقد انعقد الإجماع على جواز الشفاعة لكل مؤمن فبعض من يستحق النار من المؤمنين لا يدخلها بالشفاعة وبعض من يدخلها يخرج منها بالشفاعة وأنكر الشفاعة اهل الهواء من المعتزلة والخوارج وغيرهم قبحهم الله تعالى وقد تواترت فى ذلك الأحاديث تواترا معنويا ولو ذكرنا الأحاديث كلها لطال الكلام ولنذكر منها طائفة عن على قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اشفع لامتى حتى ينادى ربى أرضيت يا محمد فاقول اى ربى رضيت رواه البزار والطبراني وابو نعيم وعن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم شفاعتى لاهل الكبائر من أمتي رواه الترمذي وابن حبان والحاكم واحمد وابو داود وعن جابر نحوه رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وابن ماجة وعن ابن عباس نحوه رواه الطبراني وعن ابن عمر وكعب بن عجرة نحوه رواه الخطيب عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه واله وسلم يجاء بالعالم والعائد فيقال للعائد ادخل الجنة ويقال للعالم قف حتى تشفع رواه الاصبهانى وعنه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم نعم الرجل الا شرار أمتي قيل كيف يا رسول الله قال اما اشرار أمتي فيدخلهم الله الجنة بشفاعتى واما خيارهم فيدخلهم الله الجنة بأعمالهم رواه الطبراني وابو نعيم وعن ابن عمر موقوفا يقال للعالم اشفع فى تلا مذتك ولو بلغت عدد النجوم السماء رواه الديلمي وعن ابى الدرداء مرفوعا الشهيد يشفع فى سبعين من اهل بيته رواه ابو داود عن انس عن النبي ﷺ قال يصف الناس يوم القيامة صفوفا ثم يمر الرجل من اهل الجنة على الرجل من اهل النار فيقول يا فلان اما تذكر يوم استسقيتنى فاسقيتك شربة فيشفع له فيمر الرجل على الرجل فيقول اما تذكر يوم ناولتك طهورا فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول يا فلان اما تذكر يوم نمشى لحاجة كذا وكذا فذهبت لك فيشفع له مسئله لا تنال الشفاعة لحديث انس قال قال

المدثر 74:49

رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من كذب بالشفاعة فلا نصيب له ومن كذب بالحوض فليس له فيه نصيب رواه سعيد بن منصور وعن زيد بن أرقم وبضعة عشر من الصحابة قوله ﷺ شفاعتى يوم القيامة حق فمن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها رواه ابن منيع وعن عبد الرحمن...... ...... قوله صلى الله عليه واله وسلم شفاعتى مباحة الا لمن سب أصحابي رواه ابو نعيم فى الحلية وعن انس قال قال رسول الله ﷺ صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتى يوم القيامة المرجئة والقدرية رواه ابو نعيم (مسئلة:) وقد ورد فى بعض المعاصي انها مانعة للشفاعة عن عثمن بن عفان رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله - ﷺ - من غش العرب لم ينله شفاعتى رواه البيهقي بسند جيد وعن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم رجلان لا تنالهما شفاعتى يوم القيامة اما ظلوم خشوم عسوف واخر غال فى الدنيا مارق منه رواه البيهقي والطبراني بسند جيد وعن الدرداء وغيره قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذروا المراء فان الممارى لا اشفع له يوم القيامة رواه الطبراني. فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ يعنى عن القران او ما يعمه من المذكرات مُعْرِضِينَ الفاء للسببية وما استفهامية مبتداء ولهم خبره وعن التذكرة استفهام للانكار عن شفاعة حالهم فى الدنيا المفضى الى العذاب فى الاخرة فان عذاب الاخرة سبب للانكار. كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ قرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء والباقون بكسرها فمن قرأ بالكسر فمعناها نفرة يقال نفر واستنفر كما يقال عجب واستعجب ومن قرأ بالفتح فمعناها منفرة مذعورة. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ط الجملة صفة لحمر وجملة كانهم بعد حال وضمير لهم فى مالهم وكلمة كانهم اغنى عن واو الحال شبههم فى اعراضهم ونفورهم عن استماع الذكر بحمر نافرة من قسورة فعولة من القسر بمعنى القهر قال ابو هريرة هى الأسود وهو قول العطاء والكلبي وقال مجاهد وقتادة والضحاك القسورة الرماة ولا واحد لها من لفظها وهى رواية عن عطاء عن ابن عباس وقال زيد بن اسلم عن رجال أقوياء وكل ضخم شديد عند العرب قسورة وعن ابى المتوكل لغط القوم وأصواتهم وروى عكرمة عن ابن عباس قال هى حيال الصيادين قال سعيد بن جبير هى القناص يعنى الصياد اخرج ابن المنذر عن السدى قال قالوا لئن كان محمد صادقا فليصبح تحت راس كل رجل منا صحيفة فيها براءة وامنة من النار فنزلت. بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ

المدثر 74:53

يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً بل ابتدائية وليست للاعراض عن التوبيخ بل هو انتقال من شىء اى أمر أهم منه وقال المفسرون ان كفار قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم ليصبح عند راس كل رجل منا كتاب منشور من انك لرسوله تومر فيه باتباعك والمنشرة جمع منشورة. كَلَّا ط ردع عن اقتراح الآيات بعد وضوح الأمر بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ فلذلك اعرضوا عن التذكرة واقترحوا الآيات قيل ابتدائية كما سبق وليس إضرابا عن الردع ويحتمل ان يكون إضرابا دل عليه السياق وتقديره انه لو أوتوا صحفا منشرة لا يومنون فان طلبهم ذلك ليس لان يتضح الأمر عندهم بل الأمر عندهم واضح وليس ذلك الاقتراح الا لانهم لا يخافون الاخرة ووضوح الأمر لا يستلزم الخوف والخشية بل هو امر وهبى. كَلَّا ردع وانكار على عدم الخوف وتأكيد للردع السابق او هو بمعنى حقا إِنَّهُ اى القران تَذْكِرَةٌ ج يذكر الله سبحانه وتعالى بصفاته الجمالية والجلالية والرحمة والعذاب. فَمَنْ شاءَ التذكر ذَكَرَهُ ط الفاء للسببية وتعليق الذكر بالمشية تخيبر لفظا وتوبيخ معنى. وَما يَذْكُرُونَ قرأ نافع بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة فى وقت من الأوقات إِلَّا وقت أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ط مشيتهم وذكرهم فيه تصريح بان افعال العباد بمشية الله وإرادته هُوَ أَهْلُ التَّقْوى حقيق بان يتقى عقابه بالتقوى عما نهى عنه وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ع حقيق بأن يغفر عباده المؤمنين عن انس ان رسول قال فى هذه الاية هو اهل التقوى قال ربكم عز وجل انا اهل ان اتقى الشرك ولا يشرك بي غيرى وانا اهل لمن اتقى ولا يشرك بي ان اغفر له رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم نحوه- والله تعالى اعلم تمت سورة المدثر.

القيامة 75:1

سورة القيمة مكّيّة وهى أربعون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ قرأ قنبل لا قسم بغير الالف بعد اللام تأكيد القسم وكذا روى النقاش عن ابى ربيعة عن البزي والباقون بالألف بما بعد اللام فقيل لا زائدة كما فى قوله. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ والمعنى فيهما القسم وجواب القسم محذوف دل عليه ما بعده اى لتبعثن ولتحاسبن وليجزين كل نفس بما كسبت ان خير فخير وان شر فشر وقال ابو بكر بن عياش هو تأكيد للقسم قال البيضاوي إدخال لا النافية على فعل القسم للتاكيد شائع فى كلام العرب قلت وفيه اشعار بان هذا الأمر ظاهر مستغن عن التأكيد بالقسم وذلك لان من له عقل وفهم لو تأمل بعد ما يرى من الناس من هو كافر للمنعم ظالم على الخلق قاطع للرحم مرتكب الأمور بجزم العقل بقبحها وهو فى نعمة ورغد من العيش ومن هو شاكر لله تعالى راض عنه الخلق فى محبته وبلاء يحكم ان للجزاء دارا غير هذا الدار والا يلزم من الله تعالى ترجيح الشنيع على المليح وذلك شنيع يستحيل انصاف الصانع به تعالى عن ذلك علوا كبيرا والنفس اللوامة المراد بها اما الجنس قال الفراء ليس من نفس برة ولا فاجرة الا وهى تلوم نفسها يعنى فى الاخرة ان كانت عملت خيرا قالت هلازدت وان عملت سوءا قالت ليتنى لم افعل وقال الحسن هى النفس المؤمنة قال ان المؤمن والله ما تراه الا يلوم نفسه يعنى فى الدنيا ما أردت بكلامي وما أردت باكلى وان الفاجر لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها وقال مقاتل النفس الكافرة تلوم نفسه فى الاخرة على ما فرط فى امر الله تعالى فى الدنيا وقيل المراد به الذي يقول لو فعلت كذا ولو لم افعل كذا لكان كذا ولا يرضى بالقضاء قائلا ما شاء الله ويقدر الله وقالت الصوفية النفس امارة بالسوء ثم إذا اجتهد فى الذكر وتداركه الجذب من الله تعالى يظهر له قبائح نفسه ويرى مشتغلا لغير الله سبحانه ولا يقدر على القطع عنه بالكلية فحينئذ تلوم نفسها ويقال لها النفس اللوامة ثم إذا حصل له الفناء والبقاء وانخلع عما سوى الله واطمئن بذكره

القيامة 75:3

فحينئذ يقال له النفس المطمئنة. أَيَحْسَبُ استفهام انكار على التوبيخ الْإِنْسانُ المراد به الجنس لان فيهم من يحسب او المراد الذي نزل فيه واللام للعهد قال البغوي نزلت فى عدى بن ربيعة حليف بنى زهرة ختن الأخنس بن شريق الثقفي وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول اللهم اكفنى جارى السوء يعنى عديا والأخنس وذلك ان عديا اتى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال يا محمد حدثنى عن القيامة متى تكون وكيف أمرها وحالها فاخبره النبي صلى الله عليه واله وسلم لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أومن بك او يجمع الله العظام فانزل الله تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بعد التفريق والبلى وأنكر جمع العظام والغرض منه انكار البعث فان العظام قلب الروح وإعادة الروح متفرع على جمعها وان مخففة او مصدرية مفعول يحسب قائم مقام مفعوليه. بَلى يجمعها فيحيه قادِرِينَ حال من فاعل الفاعل المقدر ذكرها للترقى على ما أنكر كما يقال أيحسب ان لن نقدر عليك بلى نقدر عليك قادرين على أقوى منك والمعنى بل نجمها ونقدر على جمعها قادرين عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ اى أنامله او أطراف أنامله لجمع سلامياته وضم بعضها الى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها فكيف بكبار العظام. بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ عطف على يحسب فيجوز ان يكون استفهاما وان يكون إيجابا لجواز ان يكون الاضراب عن المستفهم او عن الاستفهام لِيَفْجُرَ أَمامَهُ يفجر منصوب بان مقدرة واللام زائدة قال مجاهد والحسن وعكرمه والسدى معناه لا يجهل ابن آدم ان ربه قادر على جمع عظامه لكنه يزيد ان يفجر ان يكفر امامه اى ما يأتي عليه من الزمان المستقبل فيدوم على الكفر لا ينزع عنه ولا يتوب وقال سعد بن جبير معناه يقدم الذنب ويوخر التوبة ويقول سوف أتقرب سوف اعمل حتى يأتيه الموت على شر حاله وقال الضحاك هو الأمل يقول اعيش فاصيب من الدنيا كذا وكذا ولا يذكر الموت وقال ابن عباس وابن زيد يكذب بما امامه من القيامة والبعث والحساب والفجور الميل سمى فاجرا لميله عن الحق. يَسْئَلُ حال من فاعل يفجر اى سائلا واستبعادا واستهزاء أَيَّانَ متى يَوْمُ الْقِيامَةِ ط اى لا يكون ذلك. فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ قرأ نافع برق بفتح الراء والباقون بكسرها وهما لغتان قال فى القاموس برق كفرح ونصر برقا وبروقا تحير حتى لا يطرف

القيامة 75:8

او دهش فلم يبصر وقال الفراء والخليل برق بالكسر اى تحير وفزع لا يرى من العجائب التي كان يكذبها فى الدنيا قيل ذلك عند الموت والصحيح انه يوم القيامة بقرينة ما عطف عليه. وَخَسَفَ الْقَمَرُ اى اظلم وذهب ضوءه. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ أسودين مكورين قيل معناه انهما يطلعان معا من المغرب اية للقيامة والخسوف مستعار للمحاق وقيل عطاء بن يسار يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان فى البحر فتكون نار اله الكبرى وقيل يجمع بينهما فى ذهاب الضوء وعن جمل برق البصر إلخ على ما قيل الموت لفسر الخسوف بذهاب ضوء البصر والجميع باستتباع الروح الحاسة فى الذهاب او لوصوله الى مكان يقتبس منه نور العقل من سكان القدس وتذكير الفعل لتقدمه وتغليب المعطوف وإذا مضاف الى البرق والخسف والجمع ظرف لقوله. يَقُولُ الْإِنْسانُ والجملة الكاملة معطوفة على مضمون قوله بلى قادرين اى بلى نجمع العظام فيقول الإنسان الكافر اين المفر يقول ذلك إذا برق البصر إلخ يَوْمَئِذٍ بدل من إذا برق إلخ أَيْنَ الْمَفَرُّ مقول ليقول. كَلَّا ردع من طلب المفر بيانه لا وَزَرَ اى لا ملجأ ولا حصن مستعار من الجبل فانهم كانوا يلجؤن بالجبل واستقامة من أنوار بمعنى الثقل. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ط المصير والمرجع والى مشيته وحكمه موضع قرارهم. يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ قال ابن مسعود وابن عباس بما قدم قبل موته من عمل صالح او شىء وما اخر بعد موته من سنته حسنة او سيئة يعمل وقال قتادة بما قدم من طاعه الله وما اخر منه فضيعه وقال مجاهد باول عمله وآخره وقال زيد بن اسلم بما قدم من أمواله لنفسه وما اخر لورثته وقيل بما قدم واخر بمعنى بل قدم امور الدنيا على امور الاخرة او بالعكس. بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ اى يبصر بتذكير ما عمل فى الدنيا لا يحتاج الى الانباء والهاء للمبالغة نظيره قوله تعالى كفى بنفسك اليوم حسيبا كذا قال ابو العالية وعطاء ورواه البغوي عن ابن عباس ويحتمل ان يكون بصيرة صفة لمحذوف تقديره بل الإنسان عين بصيرة على نفسه وعلى التقديرين على نفسه متعلق ببصيرة وهو خبر الإنسان والبصيرة بمعنى الحجة كما فى قوله تعالى قد جاءكم بصائر من ربكم اى الإنسان هو حجة بينة على نفسه شاهد عليها وحينئذ على نفسه ظرف مستقر خبره بصيرة والجملة خبر الإنسان ويحتمل ان يراد

القيامة 75:15

بالبصيرة ذالحجة الملك الموكل وقال مقاتل والكلبي معناه بل الإنسان على نفسه بصيرة رقباء يرقبونه ويشهدون عليه بعمله وهو سمعه وبصره وجوارحه وحينئذ دخول الهاء فى البصيرة لان المراد الإنسان جوارحه ويحتمل ان يكون معناه بل الإنسان على نفسه بصيرة يعنى جوارحه فحذف حرف الجر كما فى قوله تعالى ان أردتم ان تسترضعوا أولادكم اى لاولادكم. وَلَوْ أَلْقى الإنسان مَعاذِيرَهُ ط قال الضحاك والسدى معناه ولو ارخى الستور واغلق الأبواب عند فعل المعصية ليخفى ما يعمل فلا ينفع فان نفسه عليه شاهد وكذا الموكل به والله على كل شىء شهيد واهل اليمن يسمون الستر معذارا وجمعه معاذيرة وقال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير معناه يشهد عليه الشاهد من الجوارح والملائكة ولو اعتذر وجادل عن نفسه كما قال لا ينفع الظالمين معذرتهم قال الفراء ولو اعتذر فعليه من نفسه من يكذبه ومعنى إلقاء القول كما قال الله تعالى والقوا إليهم القول انكم لكاذبون وعلى هذا معاذير جمع معذار بمعنى العذر وجمع معذرة على غير قياس كمناكير فى المنكر والظاهر انه اسم جمع وجمعها معاذر وكذا المناكير والله تعالى اعلم- اخرج الشيخان فى الصحيحين عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا نزل جبرئيل بالوحى يحرك لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف عنه يريد ان يحفظ ما انزل الله فانزل الله تعالى. لا تُحَرِّكْ يا محمد بِهِ بالقران لِسانَكَ قبل ان يتم وحيه لِتَعْجَلَ بِهِ ط اى لتاخذه على عجلة فى الصحيحين عن ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يحرك شفتيه إذا نزل يخشى ان ينفلت-. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ فى صدرك وَقُرْآنَهُ ج اثبات قرأته على لسانك تعليل للنهى. فَإِذا قَرَأْناهُ اى القران بلسان جبرئيل أضاف قراءة جبريل الى نفسه مجازا لانه بامره ورسالته فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ج قراءته يعنى فاقرأ بعد قراءة جبريل حتى يرسخك فى ذهنك كذلك لا بد للتلميذ ان يقرأ بعد قراءة الشيخ ولا يقرأ معه كيلا يقع المزاحمة والتشويش فى القراءة والحفظ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ط اى القران اى اظهار المراد منه إذا أشكل شىء من معانيه قلت الاية على ان بيان القران محكمه ومتشابهه من الله تعالى للنبى صلى الله تعالى عليه واله وسلم لا يجوز ان يكون شىء منها غير مبين له عليه الصلاة والسلام والا يخلو الخطاب من الفائدة ويلزم الخلف فى الوعد كما ذكرنا هذه المسألة فى تفسير قوله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وكلمة

القيامة 75:20

ثم تدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لكن لا يجوز عن وقت الحاجة وجملة لا تحرك به لسانك معترضة على طريقة من يتكلم فطفق المخاطب يتكلم ويقطع كلامه فقال اسكت ولا تقطع الحديث انما لك حق التكلم بعد تمام الاستماع ثم عاد الى ما كان يتكلم فيه فقال. كَلَّا ردع على انكار البعث او الفجور امامه او على الغاء المعاذير الباطلة بَلْ تُحِبُّونَ الضمير راجع الى الإنسان المذكور سابقا وجمع الضمير نظرا الى المعنى لان المراد به الجنس او الذي الكلام فيه ومن فى معناه الْعاجِلَةَ يعنى الدنيا وشهواتها. وَتَذَرُونَ اى الإنسان على ما مر هذا على قراءة ابن كثير وابو عمرو وابن عامر بالياء للغيبة فيهما وقرأ الكوفيون ونافع بالتاء على الخطاب فيهما على طريقه الالتفات من الغيبة الى الخطاب الْآخِرَةَ ط وتعميمها يعنى انهم لا يعلمون ان الله تعالى لا يقدر على البعث والاعادة او ان معاذيره ينفعهم بل يحبون العاجلة ويتبعون الشهوات الدنيا فاعمى الشهوات بأبصارهم وأعمه قلوبهم ويذرون الاخرة ثم ذكر احوال الاخرة فقال. وُجُوهٌ مبتداء اما معترضة بتقدير الاضافة اى وجوه المؤمنين المقربين واما نكرة مخصصة بصفة مقدرة اى وجوه كثير او وجوه منهم اى من جنس الإنسان الذي مر ذكره يَوْمَئِذٍ ظرف لما بعده يعنى يوم إذا كان ما سبق من برق البصر وغيره او يوم إذا كانت الاخرة ناضِرَةٌ خبر ناعمة حسنة متهللة. إِلى رَبِّها متعلق بما بعده ناظِرَةٌ ج بروية البصر بلا كيف ولا جهة ولا ثبوت مسافة ولا بقياس الغائب على الشاهد خبر ثان لوجوه واخرج الآجري والبيهقي فى كتاب الروية من طريقين عن ابن عباس قال وجوه يومئذ ناضرة قال حسنة الى ربها ناظرة نظرة الى الخالق واخرجوا عن الحسن نحوه وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان ادنى اهل الجنة منزلة من ينظر ال جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة الف سنة وأكرمهم على الله من ينظر الى وجه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة رواه احمد والترمذي والدار قطنى واللالكائى والآجري نحوه وفى لفظ الآجري ادنى اهل الجنة منزلة من ينظر فى ملكه مسيرة الفى عام يرى أقصاه كما يرى أدناه وفى الباب حديث انس رواه البزار والطبراني والبيهقي وابو يعلى بطوله وفيه يوم الجمعة يزداد فيها نظرا الى وجهه تعالى ولذلك دعى يوم المزيد رواه البزار والاصفهانى عن نحوه واخرج الآجري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال ان اهل الجنة يرون ربهم كل جمعة وعن الحسن مرسلا قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان اهل الجنة ينظرون الى ربهم كل جمعة الحديث أخرجه يحى بن سلام وعن انس مرفوعا قال الله تعالى من سلبت كريميته جزائه الحلول فى دارى والنظر الى وجهى رواه الطبراني وغيره وحديث جرير البجلي قال كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر الى القمر ليلة البدر فقال انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تضامون فى روية فان استطعتم ان لا تغلبوا على صلوة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها متفق عليه وكذا روى اللالكائى عن حذيفة وفى الصحيحين عن ابى هريرة نحوه وعن زيد بن ثابت قال كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يدعو اللهم انى أسئلك برد العيش بعد الموت ولذة النظر الى وجهك والشوق الى لقائك فى غير ضرار مضرة ولا فتنة مضلة رواه اللالكائى وعن عبادة بن صامت لن ترون ربكم حتى تموتون رواه الدار قطنى وكذا رواه اللالكائى عن ابى هريرة واخرج ابو نعيم فى الحلية عن ابن عباس قال تلا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم رب أرني انظر إليك قال قال الله تعالى يا موسى انه لا يرانى حتى الا مات ولا يابس الا تدهده ولا رطب الا تغرق وانما يرانى اهل الجنة لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم وعن على فى قوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا قال من أراد ان ينظر الى خالقه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك به أحدا رواه البيهقي وبالجملة صح تفسير هذه الاية وتفسير قوله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزيادة وقوله تعالى ولدينا مزيد وغيره من الآيات بروية الله تعالى مسندة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه والتابعين بحيث بلغت مبلغ التواتر عند اهل الحديث كذا ذكر السيوطي وغيره وبما ذكرنا فى هذا المقام كفاية ونذكر فى تفسير كل اية منها ما يتعلق به ان شاء الله تعالى وعلى روية الله تعالى انعقد اجماع اهل السنة والجماعة وخالفهم اهل الهواء من المعتزلة والخوارج وغيرهم بامتناعها زعما منهم بانها تتوقف على كون المرئي حسما كثيفا بلا حجاب وكون المسافة بين الرائي والمرئي متوسطة لا فى غاية القرب ولا فى غاية البعد وخروج شعاع البصر من الرائي ووصوله الى المرئي المقتضى ثبوت الجهة له تعالى واستدلوا على امتناع الروية من المنقول بقوله تعالى لا تدركه الابصار وقالوا تاويل هذه الاية ان ناظرة بمعنى منتظرة امر ربها وانعامه ويابى عنه العربية فان الانتظار يتعدى باللام دون الى والنظر بالبصر يعدى بالى وقال اهل السنة الروية لا تتوقف الا على كون المرئي موجود او كذلك فى جانب الرائي لا يشترط الا الوجود والحيوة والعلم والابصار واما توقف الروية على غير ذلك من الشرائط فامر عادى فى خصوص المادة ولا يجوز قياس الغائب على الشاهد ولا شك ان الله سبحانه تعالى يرى خلقه من الماديات والمجردات من غير مسافة بينهما ولا خروج شعاع وهو السميع البصير كيف ينكر كونه مرئيا بعد ما نطق به البشير النذير وقوله تعالى لا تدركه الابصار انما ينفى الدرك وهو يقتضى الإحاطة وحصول العلم بكنهه وذلك محال واما العلم الحضوري بالكنه بمعنى حضور كنه المعلوم عند العالم فليس بمحال لكنه متعال عن درك الابصار والله تعالى اعلم- (فائدة) هذه الاية تدل على انهم يرون الله تعالى دائما مستمرا لا ينقطع رويتهم كما يدل على دوام النضرة لهم ابدا فان الجملة الاسمية للدوام والاستمرار ولا منافاة بينها وبين ما ثبت بالأحاديث ان من الناس من يرى الله تعالى كل جمعة ومنهم من يرى الله تعالى فى كل جمعة اى أسبوع مرتين كذا احرج ابن ابى الدنيا عن ابى امامة ومنهم من يرى ربه فى مقدار كل عيد لهم فى الدنيا يعنى فى كل سنة مرتين كذا روى يحى بن سلام عن ابى بكر بن عبد الله المزني ومنهم من يرى فى كل يوم مرتين غدوة وعشية كما مر من حديث ابن عمر لان ثبوت دوام الروية انما هو لجمع منكر وهى لا تدل على العموم او بقدر ما هو أخص من المؤمنين فيقدر المقربين فتقديره وجوه المقربين يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة دائما ابدا اخرج ابو نعيم عن ابى يزيد البسطامي قال ان لله تعالى خواص من عباده لو حجبهم فى الجنة عن روية لاستغاثوا كما يستغيث اهل النار بالخروج من النار فظهر ان الناس فى الروية على درجات لا تكاد تحصى وليس المقصود من الأحاديث استيفاء درجاتهم ومعنى قوله صلى الله عليه واله وسلم أكرمهم على الله من ينظر الى وجهه غدوة وعشية انهم من أكرمهم وهذا لا يقتضى ان لا يكون أحد أكرم منهم وإذا تقرر هذا فاعلم ان الذين يدومون النظر الى الله سبحانه والله تعالى اعلم بهم هم الأنبياء والمقربون من العباد الواصلين الى الذات المجرد عن الشيون والاعتبارات الذين كان حظهم فى دار الدنيا من الذات التجلي الدائمى لا كالبرق الخاطف لان من كان حظه فى دار الدنيا دوام التجلي ولم يكن له الروية فى الدنيا لعدم صلاحيته تعين هذه النشأة الروية كما أشير اليه فى حديث ابن عباس عند ابى نعيم فى الحلية فاذا زال المانع فلا جرم ينظر ذلك الرجل الى الله دائما وإلا لزم انعكاس الأمر ورجوعه القهقرى ومن لم يكن فى الدنيا دوام التجلي والحضوري فيكون الروية لهم على تفاوت الدرجات فمن كان حظه تجليا برقيا يرى فى كل يوم مرتين او مرارا ومن لم يكن كذلك ففى كل جمعة او شهر او سنة على ما شاء الله- (فائدة) قال المجدد رضى الله تعالى عنه فى المكتوب المائة من المجلد الثالث فى تحقيق سر اشتغال قلب يعقوب عليه السلام بمحبة يوسف عليه السلام مع ان قلوب الخواص من الناس تكون فارغة عن حب غير الله تعالى ان جنة كل رجل عبارة عن ظهور اسم من اسماء الله تعالى الذي هو مبدأ التعين ذلك الرجل وان ذلك الاسم يتجلى بصورة الأشجار والأنهار والقصور والحور والغلمان واستحكم هذا المكشوف بقوله صلى الله عليه واله وسلم ان الجنة طيبة التربة عذبة اى أنهارها قيغان وان غراسها هذه يعنى سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ثم قال المجدد رضى الله تعالى عنه ان تلك الأشجار والأنهار قد تصير فى حين من الأحيان على هيئة الاجرام الزجاجة فتصير وسيلة الى روية الله سبحانه غير متكيفة ثم تعود الى حالها الذي كانت عليه فيشتغل المؤمن بنفسها وهكذا الى ابد الآبدين وقال كما ان التجلي الذاتي للصوفى فى الدار الدنيا تكون من وراء حجب الأسماء او الصفات وقد يرتفع تلك الحجب فيحصل له التجلي الذاتي كالبرق الخاطف كذلك حال الروية فى الاخرة لكل رجل يتعلق بذات الله سبحانه وتعالى باعتبار اسم هو مبدأ الجنة وتجلى وتمثل لجنة وتلك الروية تكون كالبرق الخاطف فى زمان يسير ثم تحجب عنه ويبقى نوره وبركته من وراء نعيم الجنة وأشجارها قلت هذا تحقيق روية العوام من اهل الجنة واما الخواص منهم فلما كان التجلي لهم فى الدنيا دائما فكذلك الروية تكون لهم دائما فان قيل قال المفسرون تقديم الجار والمجرور فى قوله تعالى الى ربها ناظرة يقتضى الحصر ويفيد انهم إذا أراد ربهم يستغرقون فى رويته تعالى لا ينظرون حينئذ الى غيره ويؤيده حديث جابر رض قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اهل الجنة فى نعيمهم إذ سطع عليهم نور فرفعوا رؤسهم فاذ الرب تبارك وتعالى قد اشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا اهل الجنة وذلك قوله تعالى سلام قولا من رب رحيم قال فينظر إليهم وينظرون اليه فلا يلتفتون الى شىء من النعيم ما داموا ينظرون اليه حتى يحجب عنهم ويبقى نوره وبركته فى ديارهم رواه ابن ماجة وابن ابى الدنيا والدار قطنى فحينئذ لو كان لبعض الناس دوام الروية فكيف يتصور الحصر وعدم الالتفات الى النعيم

القيامة 75:24

دائما قلنا إفادة الحصر ممنوع وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل ولعل الالتفات الى النعيم فى حق ذلك البعض لا يزاحم الروية بل تكون نعيم الجنة فى حقه مثل الاجرام الزجاجية ابدا موبدة للروية وذلك الصوفي يجتمع له الرؤيتان روية الاحجاب وروية بتوسط النعيم ومع ذلك يرى النعيم ويلتذ به ايضا وان من هذا شانه فلان يشغله شان عن شأن واما غيره من اهل الجنة فالالتفات الى نعيم الجنة يشغلهم عن الروية وبالعكس لضيق استعدادهم او نقول معنى الحصر فى حق من له الروية واما ما روى من حديث جابر فهو حكاية عن حال عامة اهل الجنة لا يقال سلمنا ان التفاته للنعيم لا يشغله عن الروية فكيف يجوز له التوجه الى النعيم مع حصول شرف الروية لما ذكرنا ان نعيم الجنة محابى اسماء الله تعالى فلا محذور فى الالتفات إليها مع الروية (فائدة) وقع فى بعض كلام الائمة ان روية الله خاصة لمؤمن البشر وان الملائكة لا يرونه ونص البيهقي على خلافه محتجا بحديث عبد الله بن عمرو ابن العاص قال خلق الله تعالى الملائكة بعبادته أصنافا وان منهم الملائكة قياما صافين من يوم خلقهم الى يوم القيامة فاذا كان يوم القيامة تجلى لها تبارك وتعالى فنظروا الى وجه الكريم وقالوا ما عبدناك حق عبادتك واخرج نحوه من وجه اخر عن عدى بن ارطاف عن رجل من الصحابة وبما ذكرنا روية كل رجل على حسب مبدأ تعينه يظهر فضل الملائكة على عوام مومنى البشر لكون مبادى تعيناتهم فوق مبادى تعينات البشر كما حققه المجدد رضى الله عنه وبما ذكرنا ان روية الخواص البشر دائمة غير منقطعة يظهر فقيل خواص البشر أفضل على خواص الملائكة كما بين فى كتب العقائد. وَوُجُوهٌ اى وجوه الكافرين او وجوه كثيرة يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ كالحة عابسة شديد العبوس. تَظُنُّ تستيقن أربابها خبر ثان أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ واهية عظيمة فقال الظهر قال ابن زيد هى دخول النار وقال الكلبي هى ان يحجب عن روية الرب عز وجل. كَلَّا روع عن إيثار الدنيا على الاخرة كانه قيل ارتدعوا عن ذلك واذكروا الموت الذي عنده ينقطع الدنيا وتقبل الاخرة مخلدة إِذا بَلَغَتِ النفس كناية عن غير مذكور دل عليه الكلام وإذا شرطية جزاءه الى ربك يومئذ المساق او ظرف متعلق بفعل دل عليه المساق اى يساقون الى ربكم إذا بلغت التَّراقِيَ العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال ويكنى ببلوغ النفس التراقى عن الاشراف على الموت. وَقِيلَ مَنْ راقٍ

القيامة 75:28

يسكت حفص على من ويدغم غيره اى قال حاضر والمحتضر من يرقيه مما به من الترقية كذا قال قتادة او قالت الملائكة الموت أيكم يرقى بر وجه ملائكة الرحمة او ملائكة العذاب من الرق كذا قال سليمان التميمي ومقاتل بن سليمان. وَظَنَّ المحتضر أَنَّهُ اى الذي نزل به الْفِراقُ اى سبب للفراق من الدنيا ومما يحبه. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ اى التوت ساقه بساقه فلا يقدر تحريكهما كذا قال الشعبي والحسن ونحوه وقال ابن عباس التوت امر الدنيا بامر الاخرة فكان اخر يوم من ايام الدنيا وأول يوم من ايام الاخرة فيجتمع عليه شدة فراق الدنيا بشدة اقبال الاخرة وقال الضحاك معناه ان الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه. إِلى رَبِّكَ لا الى غيره يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ط اى سوق ومرجعه يحكم فيه ما يشاء. فَلا صَدَّقَ الرسول والقران او لا صدق ماله اى لم يزك وَلا صَلَّى لله ما فرض عليه قوله فلا صدق عطف على مضمون أيحسب الإنسان فان التوبيخ يستلزم الوقوع تقديره حسب الإنسان ان لن نجمع عظامه ولا نبعثه فلا صدق ولا صلى والضمير فيهما راجع الى الإنسان فالسياق يقتضى ان يكون ذلك حكاية عن عدى بن ربيعة المذكور وقال البغوي المراد ابو جهل ولو حمل الإنسان على الجنس لكان شاملا لهما. وَلكِنْ كَذَّبَ النبي صلى الله عليه واله وسلم وَتَوَلَّى عن الايمان به. ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ط اى يسرع فى سيره فى القاموس مطى جد فى السير والسرع فى الصحاح معناه يمد مطاه اى ظهره ومنه يقال لا يركب ظهره مطيه كالبعير وقيل أصله يتمطط أبدلت الطاء ياء اجتماع ثلثة أحرف مماثلة والطا هو المد وحاصل المعنى يتبختر لان المتبختر يمد عنقه ويمد خطاياه. أَوْلى لَكَ جملة دعائية بمعنى ويل لك او تهديد ووعيد وفيه التفات من الغيبة الى الخطاب فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ط كرره للتاكيد ويحتمل ان يراد به ويل لك فى الدنيا بالقتل واللعن وذكر السوء والتعذيب وويل لك يوم الموت وويل لك إذ بعثت ويل لك إذا دخلت النار فهو نقيض ما قيل فى يحى عليه السلام والسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا فهو افعل من الويل بعد القلب كاونى من دون وقيل أصله أولاك الله ما تكريهه واللام مزيدة كما فى قوله ردف لكم اى ردفكم وقيل أصله اولى لك الهلاك وقيل

القيامة 75:36

هو فعل من ال يول أمرك الى الشرك وقيل هو اسم فعل بمعنى وليك ما تكرهه فى القاموس اولى لك تهدد ووعيد اى قاربك الهلاك فهو من الولي بمعنى القرب قال قتادة ذكر لنا ان النبي ﷺ لما نزلت هذه الاية أخذ بمجامع ثوب ابى جهل بالبطحاء وقال له اولى لك فاولى ثم اولى لك فاولى فقال ابو جهل أتوعدني يا محمد والله لا تستطيع أنت وربك ان تفعلا بي شيئا والى لاغر من مشى بين جبلها فلما كان يوم بدر صرعه الله أشد مصرع وقتله أسوأ قتل وقال النبي - ﷺ - ان لكل امة فرعونا وان فرعون هذه ابو جهل واخرج ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس قال لما نزلت عليها تسعة عشر قال ابو جهل للقريش ثكلتكم أمهاتكم يخبركم ابن ابى كبشة ان خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أيعجز كل عشرة منكم ان يبطشوا برجل من خزنته جهنم فأوحى الله تعالى الى رسوله ان يأتي أبا جهل فيقول له اولى لك فأولى ثم اولى لك فاولى واخرج النسائي عن سعيد بن جبير انه سال ابن عباس عن قوله اولى لك فاولى قاله رسول الله - ﷺ - من قبل نفسه أم امره الله به قال بل قاله من قبل نفسه ثم انزل الله. أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ط امال حمزة والكسائي مهملا لا يومر ولا ينهى ولا يبعث ولا يجازى حيث ينكر البعث فان انكار البعث يقتضى كونه مهملا مع ان الحكمة فى خلقه ليس الا التكليف قال الله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وقال قل لا يعبأ بكم ربى لولا دعاءكم وكيف ينكر الإنسان البعث ويستحيله. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى يصب فى الرحم قرأ حفص بالياء على التذكير راجعا الى المنى والباقون بالتاء ردا الى النطفة. ثُمَّ كانَ الإنسان بعد كونه نطفة عَلَقَةً بعد أربعين يوما ثم مضغة كذلك ثم عظاما فكسبت لحما فَخَلَقَ الله تعالى إياه وإيانا بنفخ روحه فيه فَسَوَّى وعدل خلقه بلا نقصان. فَجَعَلَ الله سبحانه مِنْهُ اى من المنى الذي صار علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحما الزَّوْجَيْنِ الصنفين يجتمعان فى الرحم تارة وينفرد كل منهما عن الاخر اخرى الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ الله الذي يفعل ذلك ويوجد بلا سبق وجود بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ع انكار جواز البعث مع مشاهدة ما هو اعجب منه يقتضى كمال الحمق او العناد عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - من قرأ منكم بالتين فانتهى الى آخرها أليس الله ما حكم الحكمين فليقل بلى وانا على ذلك من الشاهدين ومن قرأ لا اقسم بيوم القيمة فانتهى الى أليس ذلك بقادر على ان يحيى الموتى فليقل بلى وانا على ذلك من الشاهدين ومن قرأ والمرسلات فبلغ فباى حديث بعده يومنون فليقل أمنا بالله وعن موسى بن عائشة قال كان رجل يصلى فوق بيته فكان إذا قرأ أليس ذلك ويقدر على ان يحيى الموتى قال سبحانك بلى فسالوه عن ذلك فقال سمعته من رسول الله - ﷺ - روى الحديثين ابو داود.

الإنسان 76:1

سورة الدّهر مكيّة وهى احدى وثلثون اية قال قتادة ومجاهد مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتى استفهام تقرير ومعناه قد اتى ومضى عَلَى الْإِنْسانِ المراد به الجنس او آدم عليه السلام حِينٌ قال البيضاوي اى طائفة محدودة من الزمان وفى القاموس الجنس وقت مبهم يصلح لجميع الا زمان طال او قصر وقيل يختص بأربعين سنة او ستين سنة او شهر او شهرين مِنَ الدَّهْرِ اى من الممتد الغير المحدود وفى القاموس الدهر الزمان الطويل او الف سنة قلت هو مدة عمر آدم عليه السلام وفى الصحاح الدهر فى الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده الى انقضائه وعلى ذلك قوله هل اتى على الإنسان حين من الدهر الاية ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة دهر فلان مدة حيوته لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً حال من الإنسان اى حال كونه لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد او صفة لحين والعائد محذوف اى لم يكن فيه شيئا مذكورا وهذا الكلام يقتضى كونه شيئا والا لم يوصف بانه قد اتى عليه ويقتضى كونه غير مذكور بل منسيا فقال المفسرون وذلك ان أريد به آدم عليه السلام فذلك الحين حين صورة الله تعالى من الطين فكان ملقى بين مكة والطائف أربعين سنة قبل ان ينفخ فيه الروح وقال ابن عباس ثم خلقه الله تعالى بعد عشرين ومائة سنة وان أريد به الجنس فذلك الحين اربعة أشهر حين كان نطفة او علقة او مضغة الى نفخ الروح وستة أشهر اقل مدة الحمل وسنتين أكثرها وقيل اكثر مدة الحمل سبع سنين وعلى التقديرين لا يخلو الكلام عن التسامح لان ذلك الحين لم يأت على الإنسان بل على الطين المصور النطفة ونحوها والظاهر ان الكلام يقتضى كونه إنسانا لان عقد الوضع قبل عقد الحمل فالاولى ان يحتمل ذلك الكون على كونه فى مرتبة الأعيان الثابتة التي اهتدى إليها الصوفية ويدل على هذا التأويل تنكير حين فانه للتكثير روى عن ابن عمر انه سمع رجلا يقرأ هذه الاية لم يكن شيئا مذكورا فقال ليتها تمت يريد ليته بقي على ما كان غير مذكور ابدا وهذا القول اولى بالتأويل الأخير دون ما سبق وللصوفية هاهنا

الإنسان 76:2

تاويل اخر هل اتى على الإنسان اى على الصوفي حين من الدهر لم يكن لا شيئا مذكورا بعد ما كان مذكورا بالانسانية وغيرها من الصفات وذلك حين الاستهلاك والفناء الأتم بحيث لا يبقى فى علمه شيئا مذكورا قال المجدد رض نعم رب قد اتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا لا عينا ولا اثرا ولا شهودا ولا وجودا ثم يصير بعد ذلك ان شئت حيا بحياتك وباقيا ببقائك ومتخلقا باخلاقك بل صار باقيا بك وبفضلك فى عين الفناء وما ينافيك فى عين البقاء قلت وقول المجدد رض ثم يصير بعد ذلك إلخ كانه تفسير لقوله تعالى فمن ابتدائية والدهر يعد من اسماء الله تعالى الحسنى كذا فى القاموس وفى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - قال الله تعالى يوذينى ابن آدم يسب الدهر وانا الدهر بيدي الأمر اقلب الليل والنهار. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ اى ذريته ان كان المراد بالإنسان الاول آدم عليه السلام والا فالمراد فيهما الجنس مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ ق جمع شئيج او شيج من الشجب الشيء إذا خلطته وصف النطفة بالجمع لان المراد به مجموع منى الرجل والمرأة وكل منها مختلفة الاجزاء والأوصاف فى الرقة والقوام والخواص وقيل أمشاج مفرد بمعنى مختلطة يختلط فيه منى الرجل والمرأة فهو حينئذ على وزن أعشار يقال برمة أعشار بمعنى يحمله عشرة يقال يمان كل يومين اختلطا فهو أمشاج وقال قتادة معناه أطوار أي ذات أطوار فان النطفة تصير علقة ثم مضغة اى تمام الخلق نَبْتَلِيهِ حال من الإنسان ذكر الابتلاء وأراد به نقله من حال الى حال مجازا او حال مقدرة اى مقدرين ابتلائه فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ج لتمكن من استماع الدلائل ومشاهدة الآيات فهو كالمسبب للابتلاء ولذا عطف على ما قيد به. إِنَّا هَدَيْناهُ اى بيناه اى الإنسان السَّبِيلَ الى الله والى مرضياته وجنته بنصب الدلائل وبعث الرسل وإنزال الكتب والمراد بالهداية هاهنا اراءة الطريق دون إيصال بخلاف قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً حالان من الهاء اى هديناه السبيل مقدرين منه أحد الامرين امر الشكر على الهداية وقبولها او الكفر والإنكار وقيل حال من السبيل يعنى هديناه السبيل حال كون السبيل سبيل الشكر او الكفر ان وصف السبيل بالشكر والكفر مجازا والترديد انما هو فى حالتى السبيل من الشكر والكفران دون الاراءة تعلقت يقسمى السبيل وحاليته معافلا يجوز يقال ان هذا التأويل غير مستحسن فان اراءة طريق الحق حقا وطريق الباطل باطلا مستلزم أحدهما

الإنسان 76:4

الاخر فلا يتصور هناك الترديد فالترديد يقتضى ان يكون معناه أريناه أحد الطريقين دون الاخر أريناه الحق او الباطل حقا فسلك تلك الطريق وحينئذ يلزم كون الإنسان مقدورا على سلوك طريق الباطل وقيل معنى الكلام الشرط والجزاء فاما مركبا ان الشرطية وما الزائدة فمعناه ان كان شاكرا او كفورا فقد هديناه السبيل ولم نترك عذرا وقال كفورا ولم يقل كافرا حتى طابقت قسميه لرعاية الفواصل ولان الشاكر فلما يخلو عن نوع من الكفران فقسمه هو المبالغ فى الكفران وجملة انا هديناه السبيل مستأنفة فكانه فى جواب من قال فما فعل بالإنسان وما فعل هو بعد ما خلق وجعل له السمع والبصر. إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ فى جهنم سَلاسِلَ قرأ نافع والكسائي وابو بكر وهشام سلاسلا بالتنوين للمناسبة وصلا وقفوا بالألف عوضا منه وقرأ الباقون بغير تنوين وصلا وقف حمزه وقنبل وحفص بغير الف وكذا روى عن البزي وابن ذكوان وقف الباقون بالألف صلة للفتحة وَأَغْلالًا فى أيديهم نقل الى عنقهم وَسَعِيراً وقودا شديدا وهذه الجملة والتي بعدها مستانفين كانهما فى جواب ما نصيب الشاكرين وما نصيب الكافرين وقدم وعيد الكافرين مع تأخر ذكرهم لان إنذارهم انفع وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين احسن. إِنَّ الْأَبْرارَ جمع بر بفتح الباء كارباب او بار كالشهادة يعنى المؤمنين الصادقين فى ايمانهم والمطيعين لربهم ومصدره البر كسر الباء بمعنى الصلة والخير والاتساع فى الإحسان والصدق والطاعة كذا فى القاموس وكل ذلك صفات المؤمنين يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ قال فى الصحاح الكأس الا نائما فيه من الشراب ويسمى كل واحد منهما بانفراده كاسا يقال كأس خال ويقال شربت كأسا وكاسا طيبة وفى القاموس الكأس الإناء يشرب فيه او ما دام الشراب فيه ولا تخصيص فى الشراب بخمر او لبن او عسل او ماء وهاهنا يحتمل ان يكون الإناء او من للابتداء والمعنى يشربون مشروبا خمرا ولبنا وماء وعسلا من كاس اى من ظرفه ويحتمل ان يكون بمعنى المشروب اما حقيقة او مجازا تسمية الحال باسم المحل نحو جرى النهر ومن حينئذ اما زايدة او للتبعيض او للبيان ويحتمل ان يكون الإناء بما فيه ويكون من للابتداء كانَ مِزاجُها ما تمزج الضمير عايد الى كاس حقيقة ان كان بمعنى الشرب ومجازا على طريقة إذا نزل السماء بأرض قوم وعينا ان كان بمعنى الإناء يعنى كان مزاج ما فيها كافُوراً ج قال قتادة يمزج بهم بالكافور ويختم بالمسك وقال عكرمة مزاجها

الإنسان 76:6

طعمها كافورا اى ككافور فى طيب الطعم والريح كما فى قوله تعالى حتى إذا جعله نارا اى كنار وقال عطاء والكلبي الكافور اسم لعين الماء فى الجنة ونظيره قوله تعالى ومزاجه من تسنيم. عَيْناً بدل من كافور ان جعل اسم ماء او بدل من محل من كاس على تقدير مضاف اى ماء عين او منصوب على الاختصاص او المدح او بفعل يفسره ما بعده يَشْرَبُ بِها الباء زائدة اى يشربها او صلة على تضمين يعنى ملتذا بها او ممزوجا بها او بمعنى من الابتداء عِبادُ اللَّهِ الذين عبدوا الله وحده مخلصين له الدين يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً اى يقودون تلك العين ويجرونها اجراء سهلا حيث شاؤا من منازلهم وقصورهم اخرج عبد الله بن احمد فى رواية الزهد عن ابن شوذب قال فهم قضيان من ذهب يفجرونها بها بتبع قضائهم. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ جملة مستانفة فى جواب ما بالهم يثأبون كذلك او فى جواب الأبرار ما هم فهو تعريف للابرار بانهم يودون الواجبات ويخافون الله فيجتنبون المكروهات ويرحمون العباد ويفعلون الحسنات خالصا لله تعالى ابتغاء مرضاته هذا شأن الأبرار ويحصل ذلك المراتب بعد فناء النفس وزوال رزائله واما المقربون فشأنهم ارفع من ذلك او تعليل لما سبق يعنى ان الأبرار يشربون إلخ لانهم يوفون النذر فى الدنيا والنذر فى اللغة ان توجب على نفسك ما ليس بواجب كذا فى الصحاح وايفائهم ما يوجبوا على أنفسهم ما ليس بواجب عليه يدل بالطريق الاولى على ايفائهم ما فرض الله عليهم من الصلاة والزكوة والصوم والحج والعمرة والجهاد وغيرها فلعله هو المراد بما قال قتادة يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكوة والحج والعمرة وغيرها من الواجبات- (فصل) للايجاب ولما كان النذر عبارة عن إيجابه على نفس ما ليس بواجب ظهر انه لا بد لانعقاده من شرطين أحدهما ان يكون طاعة فان ما ليس بطاعة لا يصلح للايجاب قال رسول الله - ﷺ - انما النذر ما ابتغى به وجه الله رواه احمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص والثاني ان لا يكون واجبا بايجاب الله تعالى وقال ابو حنيفة ولا بد ايضا ان يكون العبادة مقصودة بنفسها وان يكون من جنسها واجب بايجاب الله وعند الجمهور لا يشترط ذينك الشرطين والإجماع على وجوب الاعتكاف بالنذر يقتضى انتفاء هذين الشرطين فانه عبادة لاجل انتظار الصلاة لا بنفسه وليس منه عينه واجب ومن ثم قال الشافعي يجب بالنذر كل قربة لا تجب ابتداء كعيادة المريض وتشييع الجنازة والسلام ويدل على التعميم حديث عائشة من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذران يعصى الله فلا يعصه رواه البخاري وزاد الطحاوي وفى هذه الوجه وليكفر عنه عن يمينه قال ابن العطاء عند الشك فى رفع هذه الزيادة (مسئلة:) من نذر بطاعة وقيده بقيود للطاعة فيها يلغو تلك القيود وينعقد النذر بالطاعة كمن نذر بالصلوة فى مكان معين وبالصوم قايما ونحو ذلك فيجب الصلاة والصوم ويتادى بكل مكان وعلى كل حال اجماعا الا ان أبا يوسف والشافعي وغيرهما قالوا لو نذران يصلى فى المسجد الحرام لم يجزه فى غيره ولو نذر فى المسجد الأقصى او مسجد النبي ﷺ يجوز له الأداء فى المسجد الحرام ولم يجزه فيما هو اقل منه فضلا وقال ابو حنيفة رض فى جميع الصور يجوز الأداء فى كل مكان وفى حديث جابر ان رجلا قال يوم الفتح يا رسول الله - ﷺ - انى نذرت ان افتح الله عليك مكة ان أصلي فى البيت المقدس فقال له رسول الله - ﷺ - صل هاهنا فاعادها على النبي - ﷺ - مرتين او ثلثا فقال النبي - ﷺ - شانك إذا رواه ابو داود والدارمي فبهذا الحديث الغى ابو حنيفة تقييده بالمسجد الأقصى قال ابو يوسف والشافعي تقييده الصلاة بمسجد من هذا المساجد الثلاثة كثرة الثواب والمعنى الطاعة فلا يلغى عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - صلوة فى مسجدى هذا خير من الف صلوة فيما سواه الا المسجد الحرام متفق عليه وعن انس قال قال رسول الله - ﷺ - صلوة الرجل فى بيته بصلوة وصلوته فى مسجد القبائل بخمس وعشرين صلوة وصلوته فى المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلوة وصلوته فى المسجد الأقصى بألف صلوة وصلوته فى مسجدى بخمسين الف صلوة وصلوته فى المسجد الحرام مائة الف صلوة رواه ابن ماجه وقال انما ذلك على الصلاة المكتوبات لا على النوافل عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله - ﷺ - صلوة المرأ فى بيته أفضل من صلوته فى مسجدى هذا الا المكتوبة رواه ابو داود والترمذي وما يدل على الغاء قيود لا طاعة وفيها حديث ابن عباس قال بينا رسول الله - ﷺ - يخطب إذا هو برجل قائم فى الشمس فسال عنه فقال ابو إسرائيل نذران يكون ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ولا يصوم فقال مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه رواه ابو داود وابن ماجة وابن حبان ورواه البخاري وليس فيه فى الشمس ورواه مالك فى المؤطأ مرسلا وفيه تأمره بإتمام ما كان لله طاعة وتترك ما كان معصية قال مالك ولم يبلغنى انه امر بكفارة وأخرجه الشافعي وفى آخره ولم يأمره بكفارة ورواه البيهقي من حديث محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس وفيه الأمر بالكفارة ومحمد بن كريب ضعيف (مسئلة:) من فاته ما وجب عليه بالنذر يجب قضاءه بمثله حقيقة او حكما فيقتضى الصلاة بالصلوة والصوم بالصوم والشيخ الفاني يطعم بكل صوم مسكينا ومن نذر الحج ماشيا فركب بعذر يهدى هديا وبه قال الجمهور وهو الصحيح من مذهب ابى حنيفة وفى رواية الأصل عن ابى حنيفة لا يجب عليه المشي فى الحج بالنذر فلا يجب عليه الهدى لحديث عقبة بن عامر الجهني قال نذرت أختي ان تمشى الى الكعبة حافية حاسرة فاتى عليها رسول الله - ﷺ - فقال ما بال هذه قالوا نذرت ان تمشى الى الكعبة حافية حاسرة قال مروها فلتركب ولتخمر متفق عليه وحديث انس ان رسول الله - ﷺ - راى شيخا يهادى بين ابنين له فسأل عنه فقال نذران يمشى فقال ان الله لغنى عن تعذيب هذا ويأمره بان يركب متفق عليه قلنا اما حديث عقبة بن عامر فقد رواه ابو داود بسند جيد نذرت أختي ان تمشى الى البيت فامر النبي - ﷺ - ان تركب وتهدى هديا وروى داود من حديث زيد بن عباس بلفظ ان اخت عقبة بن عامر نذرت ان تحج ماشية وان لا تطيق ذلك فقال النبي - ﷺ - ان الله غنى عن مشى أختك فلتركب ولتهد بدنة وروى الطحاوي من حديث عقبة بن عامر نحوه بسند حسن فظهران ما فى الصحيحين فيه اختصار على ذكر بعض المروي وما ذكرنا من الروايات يقتضى تخصيص البدنة بالهدى وروى عبد الرزاق عن على بسند صحيح فيمن نذران يمشى الى البيت قال يمشى فان عيى ركبوا هدى جذورا واخرج نحوه عن ابن عمر وابن عباس وقتادة والحسن (مسئلة) ومن نذر بمعصية او بامر مباح لا يصلح للطاعة لا يجب ولا ينعقد النذر اجماعا فيلغو عند ابى حنيفة وعند الجمهور يتعقد يمينا للتحرز عن الغاء كلام العاقل وصيغته أكيد يصلح لكونه يمينا لفظا لاشتماله على ذكر اسم الله تعالى ومعنى لان فيه تحريم ضد المنذور فضدهم يجب ان يحنث ويكفر فى المعصية وفى المباح يخير بين ان يفعل او يكفر والحجة لهم أحاديث حديث عقبة بن عامر كفارة النذر كفارة اليمين رواه مسلم وحديث عمران بن حصين مرفوعا لا نذر فى معصية الله وكفارته اليمين رواه النسائي والحاكم والبيهقي ومداره على محمد بن زبير الحنظلي وهو ليس بالقوى وقال الحافظ بن الحجر له طرق اخر إسنادها صحيح الا انه معلول ورواه احمد واصحاب السنن والبيهقي من رواية الزهري عن ابى سلمة عن ابى هريرة وهو منقطع لم يسمع ابو سلمة عن ابى هريرة ورواه اصحاب السنن عن عائشة وفيه سليمان بن أرقم متروك ورواه الدار قطنى عن عائشة مرفوعا من جعل عليه نذرا فى معصية الله فكفارته كفارة اليمين وفيه غالب بن عبد الله متروك وروى ابو داود من حديث كريب عن ابن عباس واسناده حسن قال النووي حديث لا نذر فى معصية الله فكفارته كفارة يمين ضعيف باتفاق المحدثين وقال الحافظ قد صححه الطحاوي وابو على ابن السكن وحديث ابن عباس ان رسول الله - ﷺ - قال من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا فى معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا اطاقته فليف به رواه ابو داود وابن ماجة وحديث ثابت بن الضحاك ان رجلا نذر ان ينحرا بلا فى موضع وفى رواية ببوانة فقال له رسول الله - ﷺ - هل كان فيه وثن من الأوثان الجاهلية تعبد قالوا لا قال هل كان فيها عيد من أعيادهم قالوا لا قال رسول الله - ﷺ - أوف بنذرك رواه ابو داود وسنده صحيح وروى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ونحوه روى ابن ماجة عن ابن عباس وهذا الحديث يدل على جواز وفاء النذر بما ليس بطاعة ولا معصية وكذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان امرأة قالت يا رسول الله انى نذرت ان اضرب على راسك بالدف تعنى عند قدومك قال او فى بنذرك رواه ابو داود ولعل ذلك قبل تحريم الضرب بالدف والنذر المعلق عند وجود الشرط حكمه حكم المنجز مطلقا عند ابى حنيفة فى ظاهر الرواية وعند ابى يوسف وهى رواية عن الشافعي وبه قال مالك غير انه قال فى صدقة جميع المال يلزمه التصدق بالثلث وفيما سوى ذلك فعنده يجب عليه الوفاء بما أوجب لا غير وروى عن ابى حنيفة انه رجع عن هذا القول وقال أجزأه عن المعلق كفارة يمين ويخرج عن العهدة بفعله وبه قال محمد واختار صاحب الهداية والمحققون عن علماء الحنفية ان المراد بالشرط الذي يجزء عنه الكفارة عند ابى حنيفة الشرط الذي لا يريد وجوده نحو ان دخلت الدار وكلمت فلانا او فعلت كذا فعلىّ حج او صوم سنة ويسمى هذا النذر نذر الحاج واما الشرط الذي يريد وجوده نحو ان شعبت او قدم غايبى او مات عدوى او ولدت امرأتى ابنا فعلىّ كذا قالوا وجب عليه الوفاء لا غير ويسمى هذا النذر نذر تبرد ولهذا التفصيل قال احمد وهى الأظهر من الروايات عن الشافعي

الإنسان 76:8

والرواية الثالث عن الشافعي ان الواجب فى النذر الحاج الكفارة لا غير وهى رواية عن احمد عن سعيد بن المسيب ان أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسال أحدهما صاحب القسمة فقال ان عدت بشانهما القسمة فكل مالى فى رباح الكعبة فقال له عمران الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك فانى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لا يمين عليك ولا نذر فى معصية الرب ولا فى قطعة الرحم ولا فى فيما لا يملك رواه ابو داود- (مسئلة:) ومن نذر بعبادة لا يطيقها جاز له ان يكفر عنه وقال ابو حنيفة يستغفر الله ولا كفارة عليه لنا ما مر من حديث ابن عباس من نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين وحديث فى قصة اخت عقبة قال النبي - ﷺ - ان الله لا يصنع بشقاء أختك مشيا فلتركب ولتحج راكبة وتكفر يمينها رواه ابو داود وعن عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر قال نذرت أختي ان أحج لله ماشية غير مختمرة فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - قال قل لاختك فلتخمر ولتركب ولتصم ثلثة رواه ابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وروى الطحاوي نحوه ووجه الجمع ان النبي - ﷺ - لعله امر بالكفارة بعد ما علم عجزها عن هذا والله تعالى اعلم وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ اى مكروهة وفى الصحاح الشر الذي يرغب عنه مُسْتَطِيراً منتشر غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر قال مقاتل كان شره فاشيا فى السموات فانشقت وتناثر كواكبها وكورت الشمس والقمر وفزعت الملائكة وفى الأرض فنسفت الجبال وغارت المياه فكسر كل شىء على الأرض من جبال وبناء فيه اشعار الى حسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي كما ان فى يوفون بالنذر دلالة على إتيانهم الواجبات وقوله تعالى. وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ الى آخره اشارة الى ترحمهم على عباد الله وإتيانهم الحسنات النافلات خالصا لله تعالى ابتغاء مرضاته عَلى حُبِّهِ اى على حب الله تعالى او على حبهم الإطعام وحاجتهم اليه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً اخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال لم يكن النبي - ﷺ - ياسر اهل الإسلام ولكنها نزلت فى اهل الشرك كانوا يأسرونهم فى الله فنزلت فيهم فكان النبي - ﷺ - يأمر بالإحسان إليهم كذا قال قتادة وقال مجاهد وسعيد بن جبير هو المسبحون من اهل القبلة والاول اظهر وقيل الأسير المملوك وقيل المرأة قال رسول الله - ﷺ - اتقوا الله سبحانه فى الضعيفين المملوك والمرأة رواه ابن عساكر عن ابى عمرو عن أم سلمة اتقوا الله فى الصلاة وما ملكت

الإنسان 76:9

رواه الخطيب وروى البخاري فى الأدب عن على مرفوعا اتقوا الله فى ما ملكت ايمانكم وروى البغوي اتقوا الله فى النساء فانهن عندكم عوان قال البغوي اختلفوا فى سبب نزول هذه الاية قال مقاتل نزلت فى رجل من الأنصار اطعم فى يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا وروى مجاهد وعطاء عن ابن عباس انها نزلت فى على بن ابى طالب وذلك انه عمل لليهودى بشئ من شعير فقبض الشعير فطحن منه ثلثه، فاصلحوا منه شيئا لياكلوه فلما تم إنضاجه اتى مسكين فساله فاخرجوا اليه الطعام ثم عمل الثلث الثاني فلما ثم إنضاجه اتى يتيم فسال فاطعموه ثم عمل الثلث الباقي فلما تم إنضاجه اتى أسير من المشركين فسال فاطعموه وطووا ليومهم ذلك وروى الثعلبي عن ابن عباس ان الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله - ﷺ - فقال يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر على وفاطمة وقضة جاريته لهما ان يصوموا ثلثة ايام ان برأ فشفيا وما معهم طعام فاستقرض علىّ من سمعون الخيبري ثلث أصوع من الشعير فطحنت فاطمة رضى الله عنها صاعا وأخبزت خمسة أقراص فوضعوا بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم مسكين فاثروه وباتوا ولم يذوقوا الا الماء وأصبحوا صياما فلما امسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم فوقف عليهم فى الثالثة أسير فافعلوا مثل ذلك فنزل جبرئيل بهذه السورة وقال خذها يا محمد هناك الله فى اهل بيتك قال الحكيم الترمذي هذا حديث مفصل لا يروح الا على أحمق وجاهل وأورده ابن الجوزي فى الموضوعات وقال هذا لا يشك فى وضعه قال السيوطي لان السورة مكية ودخول على على فاطمة بعد الهجرة بسنتين قلت وهذا الاعتراض ملحق بما قال مقاتل وما قال مجاهد وعطاء ايضا فان نزول الاية فى رجل من الأنصار يقتضى كون الاية مدنية وكذا عمل على لليهودى بشئ من الشعير ايضا لا يتصور الا فى المدينة لان اليهود لم يكونوا بمكة بل نفس الاية يقتضى كونها مدنية لان الأسارى لم تكن الا بالمدينة لم يكن بمكة جهاد اولا اسرا فالظاهر ان بعض هذه الصورة مدنية وان كانت بعضها مكية وعلى كون كلها مكية ففى الاية اخبار بالغيب عن حال المسلمين بعد الهجرة. إِنَّما نُطْعِمُكُمْ حال من يطعمون بتقدير القول اى قائلين نطعم لهم هذا القول اما تحقيقا او تقدير القول بلسان الحال قال المجاهد وسعيد بن جبير انهم لم يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم فاثنى عليهم لِوَجْهِ اللَّهِ لفظ الوجه مقحم اى لله وطلب مرضاته ثوابه لا نُرِيدُ مِنْكُمْ

الإنسان 76:10

جَزاءً عوضا بدنيا ولا ماليا وَلا شُكُوراً مصدر كالدخول والجروح والقبول روى عن عائشة انها كانت تبعث بالصدقة الى اهل بيت ثم تسال المبعوث ما قالوا فان ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى صواب الصدقة لها خالصا عند الله. إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا تعليل للاطعام بعد تعليل كانه معطوف على لوجه الله بحذف العاطفة وحذف حرف الجر يعنى نطعمكم طمعا وخوفا من الله المطلوب مرضاته وثوابه للخوف من غضبه وعذابه عن انس قال قال رسول الله - ﷺ - ان الصدقة لتطفى غضب الرب ويدفع منه السوء رواه الترمذي يَوْماً ظرف لمقدر اى نخاف من عذاب ربنا عَبُوساً العبوس الذي يجمع ما بين عينيه حزنا وصف اليوم به مجازا على طريقة نهارك صايم قَمْطَرِيراً شديد العبوس كذا قال الكلبي وقال اخفش قمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله فى بلاء وفى القاموس القمطرير الشديد واقمطر اشتد نفسه ترقى من الأدنى الى الأعلى. فَوَقاهُمُ اللَّهُ ذكر المستقبل بلفظ الماضي اشعار القطع وقوعه الفاء للسببية اى لاجل خوفهم واجتنابا بموجب العذاب فى ذلك اليوم وقاهم الله شَرَّ اى مكاره ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ أعطاهم بدل العبوسة نَضْرَةً حسنا فى الوجه وَسُرُوراً فى القلب. وَجَزاهُمْ الله حيث لم يطلب الجزاء عن غيره بِما صَبَرُوا على طاعات الله عن معاصية وعلى الجوع عند اطعام المسكين وعلى القتل فى الجهاد وعلى المعصية عند الصدقة جَنَّةً دخلوها وَحَرِيراً ألبسوه. مُتَّكِئِينَ حال من الضمير المنصوب فى جزاء او من المرفوع فى ادخلوا المقدر فِيها فى الجنة عَلَى الْأَرائِكِ ج اى السرر فى الحجال اخرج البيهقي عن ابن عباس قال لا يكون الأرائك حتى يكون السرير فى الحجلة فان كان سرير بغير حجلة لا يكون أرائكه وان كان حجلته بغير سرير لا يكون أرائكه فاذا اجتمعا كان أرائكه لا يَرَوْنَ حال من فاعل متكئين او من ذى حاله فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً قال فى القاموس الزمهرير شدة البرد القمر وازمهرت الكواكب اى لمعت فالمراد بالزمهرير اما شدة البرد وبالشمس لازمه اى الحر فالمعنى لا حر فيها ولا برد ليدوم فيها هواء معتدل اخرج ابن المبارك وعبد الله بن احمد فى زوايدة وابن مسعود قال الجنة سجيح لاحر فيها ولا قرا والمراد بالزمهرير القمر اولا مع من الكواكب

الإنسان 76:14

فالمعنى ان الجنة مضية بنفسها ومشرقة بنور ربها لا يحتاج الى شمس ولا الى قمر اخرج البيهقي عن شعيب بن الجيحان قال خرجت انا وابو عالية الرباحي قبل طلوع الشمس فقال ينسب ان الجنة هكذا ثم تلا وظلّ مّمدود وقلت ليس معنى قول ابى العالية الجنة هكذا تشبيه بنور الصبح فانه نور ضعيف مختلط بالظلمة كما لا يخفى بل تشبيه فى انبساط نوره بل انقطاع. وَدانِيَةً اى قريبة عطف على متكئين او على محل لا يرون ويرون دانية او على جنة بتقدير الموصوف اى وجنة اخرى دانية عليهم ظلالها فيكون نظير القوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان لكن لهذا التأويل ضعف لاقتضائه ان لا يكون الجنة الاولى دانيه الظلال إذا القسمة تنافى الشركة عَلَيْهِمْ اى منهم ظِلالُها فاعل دانية وَذُلِّلَتْ حال من ظلالها بتقدير قد او عطف على دانية على طريقة فالق الإصباح وجعل الليل سكنا او حال من ذى حال دانية والعائد محذوف اى ذللت لهم قُطُوفُها اى ثمارا تَذْلِيلًا اى جعلت سهل التناول لا يمتنع على قطوفها كيف شاؤا اخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن البراء بن عازب ان اهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياما وقعودا ومضطجعين على اى حال شاؤا. وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ اى أباريق بلا عرى كذا اخرج هناد عن مجاهد كانَتْ اى الكواكب الجملة صفة بها قَوارِيرَا حال من فاعل كانت على تقدير كونها تامة اى تكونت أكواب حال كونها قوارير اى مثل قوارير وخبرها على تقدير كونها ناقصة اى تكون مثلها فى الصفاء اخرج ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس قال آنية من فضة صفائها كصفاء القوارير واخرج سعيد بن مسعود بن عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى تجعلها مثل جناح الذباب لم يرى الماء من ورائها لكن من أواني الجنة بياض الفضة فى صفاء القوارير. قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ بدل من الاول اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال ليس فى الجنة شىء الا قد أعطيتم فى الدنيا شبه القوارير من فضة قال الكلبي ان الله جعل قوارير كل قوم من تراب ارضهم وان ارض الجنة من فضة فجعل منها قوارير يشربون فيها قرأ ابن كثير قوارير الاول بالتنوين لتناسب رؤس الاى والثاني بلا تنوين بعدم الانصراف وقرأ نافع والكسائي وابو بكر كلاهما بالألف تبعا للخط لا حمرة

الإنسان 76:17

فيغير الالف ومن نون الثاني ايضا بالألف عوضا من التنوين ومن لم ينون وقف بغير الف على القياس الا هشام فبالالف صلة للفتحة على الرواية قَدَّرُوها تَقْدِيراً صفة ثانية لاكواب او حال بتقدير قد والمعنى قدرها لهم السقاة والخدم الذين يطوفون عليهم على قدر ريهم لا يزيد ولا ينقص كذا اخرج الفريابي فى نفسه عن ابن عباس قال الشيخ الاجل يعقوب الكرخي رضى الله عنه لعل هذا اشارة الى ان مقادير الأكواب يكون على حسب مقادير استعدادات الأرواح فى المعارف الالهية واخرج هناه عن مجاهد تقديرها انها ليست بالملأى التي تفيضه ولا ناقصة بقدر او المعنى قدرها اهل الجنة فى أنفسهم فجاءت مقاديرها وأشكالها لما تمنوه او قدروه بأعمالهم الصالحة فجاءت على حسبها. وَيُسْقَوْنَ فِيها معطوف على يطاف عليهم كَأْساً المراد بالكأس هاهنا المشروب اما حقيقة او على طريق جرى النهر كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا صفة لكاس كانت العرب يستلذون الشراب الممزوج بالزنجبيل قواعد الله بذلك قال ابن عباس ما ذكر الله فى القران بما فى الجنة وسماه ليس له فى الدنيا مثل وقيل عين فى الجنة يوجد منها طعم الزنجبيل وقال قتادة يشربها المقربون صرفا ويمزج لسائر اهل الجنة قلت ذكر الله تعالى فى الجنة كاسا كان مزاجها كافورا وكاسا كان مزاجها زنجبيلا ذلك على اختلاف رغبة الشاربين فان محرور الطبيعة يعجبه التبريد فيرغب الى كاس كان مزاجها كافورا والمبرود يعجبه التسخين فيرغب الى كاس كان مزاجها زنجبيلا ولكل يرغب فيه. عَيْناً بدل من زنجبيلا ان كان الزنجبيل اسما لعين والا فهو بدل من كاس على حذف المضاف اى كاس عين فِيها تُسَمَّى تلك العين سَلْسَبِيلًا اخرج سعيد ابن منصور وهناد والبيهقي عن مجاهد قال هى حديدة الحربة انتهى ويقر شراب سهل الانحدار فى الخلق والمساغ سلسل سلسالا وسلسبيلا فقيل الباء فيه زائدة وقال الزجاج سميت بذلك لانها منقادة لهم يصرفونها حيث شاؤا وقال مقاتل وابو العالية سميت به لانها تسيل عليهم فى الطريق....... وفى منازلهم ينبع من اصل العرش من جنة عدن الى اهل الجنان وشراب الجنة على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك. وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ عطف على الجملة السابقة- وِلْدانٌ ينشئهم الله لخدمة المؤمنين او ولدان الكفرة يجعلهم الله خدما لاهل الجنة مُخَلَّدُونَ اى لا يموتون ولا يهرمون إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً لا يموتون ولا يهرمون

الإنسان 76:20

إذا رأيتهم لانتثارهم فى الخدمة ولو كانوا صفا شبهوا بالمنظوم والجملة الشرطية صفة ثانية للولدان اخرج ابن المبارك وهناد والبيهقي عن ابن عمر قال ان ادنى اهل الجنة من يسعى عليه الف خادم على عمل ليس معه صاحبه وتلى هذه الاية واخرج ابن ابى الدنيا عن انس قال قال رسول الله - ﷺ - ان أسفل اهل الجنة أجمعين درجة من يقوم على راسه عشرة آلاف خادم واخرج ابن ابى الدنيا عن ابى هريرة ان ادنى اهل الجنة منزلا من يغدوا ويروح عليه خمسة آلاف خادم ليس منهم خادم الا ومعا ظرف ليس مع صاحبه والله تعالى اعلم اخرج ابن المنذر عن عكرمة قال دخل عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه واله وسلم وهو راقد على حصير من جريد فاثر فى جنبه فبكى عمر فقال ما يبكيك قال ذكرت كسرى وملكه وهرمز وملكه وصاحب الحبشة وملكه وأنت رسول الله على حصير من جريد فقال رسول الله - ﷺ - اما ترضى ان لهم الدنيا ولنا الاخرة فأنزل الله تعالى. وَإِذا رَأَيْتَ حذف مفعوله ونزل منزلة اللازم- ثَمَّ ظرف لرايت اى فى الجنة رَأَيْتَ نَعِيماً كثيرا وَمُلْكاً كَبِيراً الجملة الشرطية معترضة فى الجنة وقد مر فيما سبق عن ابن عمر مرفوعا ادنى اهل الجنة منزلة لمن ينظر الى جناته وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة الف سنة وفى رواية مسيرة الفى عام يرى أقصاه كما يرى أدناه وقيل «لك لا يزول ويسلم عليهم الملائكة ويستاذنهم فى الدخول ولهم فيها ما يشاؤن ويرون الرب الجليل. عالِيَهُمْ قرأ نافع وحمزة بإسكان الياء على انه مبتداء وما بعده خبره من جملته حال من ضمير عليهم فى يطوف عليهم او من المنصوب فى حسبتهم او من ملكا كبيرا بحذف المضاف اى اهل ملك كبير والباقون بالنصب على انه ظرف مستقر بمعنى فوقهم خبر لما بعده او حال مما ذكرنا وما بعده فاعل الظرف ثِيابُ سُندُسٍ بالاضافة مبتداء او خبر او فاعل لما قبله والسندس معرب ضرب من رقيق الديباج كذا فى القاموس خُضْرٌ اخضر قرأ نافع وحفص وابو عمرو ابن عامر بالرفع على انه صفة ثياب والباقون بالجر على انه صفة سندس وَإِسْتَبْرَقٌ زاى الديباج الغلظ معرب استبره او ديباج يعمل بالذهب او ثياب حرير صفاق نحو الديباج كذا فى القاموس قرأ نافع وابن كثير وعاصم بالرفع عطفا على ثياب والباقون بالجر عطفا على سندس عن ابن عمر قال قال رجل يا رسول الله - ﷺ - أخبرنا عن ثياب اهل الجنة اخلق يخلق أم نسج ينسج فقال بلى ينشق عنها ثمر الجنة رواه النسائي والبزار والبيهقي بسند جيد وعن جابر قال فى الجنة شجرة ينبت السندس يكون ثياب اهل الجنة رواه البزار والطبراني وابو يعلى بسند صحيح وعن عمر بن الخطاب ان النبي ﷺ قال من لبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الاخرة متفق عليه وروى النسائي والحاكم وعن ابى هريرة نحوه وزاد ومن شرب الخمر فى الدنيا لم يشربه فى الاخرة ومن شرب من آنية الذهب والفضة فى الدنيا لم يشرب بهما فى الاخرة وفى الصحيحين عن انس والزبير نحو حديث عمر وعن ابى سعيد الخدري ايضا نحو حديث عمر وزاد وان دخل الجنة لم يلبسه رواه الطيالسي بسند صحيح والنسائي وابن حبان والحاكم وَحُلُّوا عطف على ويطوف عليهم او حال من الضمير فى عاليهم بإضمار قد أَساوِرَ منصوب بنزع الخافض مِنْ فِضَّةٍ ج من بيانية وهذا لا يخالف قوله تعالى أساور من ذهب لا مكان الجمع والعاقبة والتبعيض وعلى تقدير كون الجملة حالا من ضمير للخدم فيجوز ان يكون أساور من فضة للخدم ومن ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ واخرج ابو الشيخ فى العظمة عن كعب الأحبار قال ان لله تعالى ملكا يصوغ على اهل الجنة من أول خلقه الى ان تقوم الساعة ولو ان حليا يخرج من حلى اهل الجنة لذهب بضوء الشمس وفى الصحيحين عن ابى هريرة ان رسول الله - ﷺ - قال يبلغ الحلي من المؤمن حيث يبلغ الضوء واخرج النسائي والحاكم عن عقبة بن عامر قوله صلى الله عليه واله وسلم ان كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسوها فى الدنيا وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ معطوف على الجمل السابقة شَراباً طَهُوراً من الاقذار لم تمسه الأيدي كخمر الدنيا قال ابو قلابة وابراهيم انه لا يصير لولا نجسا ولكن يصير رشحا فى أبدانهم كريح المسك وذلك انهم يوتون بالطعام وإذا كان اخر ذلك أتوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر بذلك بطونهم ويصير ما أكلوا رشحا يخرج من جلودهم أطيب من المسك الأذفر تعود شهوتهم وقال مقاتل هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان فى قلبه من غل او حسد قال البيضاوي ولنعم ما قال هو ان الله سبحانه يريد نوعا اخر من الشراب يفوق على النوعين المتقدمين ولذلك أسند الى نفسه ووصفه بالطهورية فانه يطهر شاربه عن الميل الى الذات الحسنة والركون الى ما سوى الحق فتجرد لمعاينة جماله ملتذا بلقائه وهى منتهى درجة الصديقين ذلك ختم به ثواب الأبرار وتختم ثوابهم ومبدأ ثواب الصادقين وادنى درجتهم قال فى المدارك قيل ان الملائكة تعرضون

الإنسان 76:22

عليهم الشراب فيأبون قبوله منهم ويقولون لقد طال أخذنا من الوسائط فاذا هم بكأسات تلاقى أفواههم بغير اكف من غيب الى عبد ويؤيد هذا القول ما اخرج ابن ابى الدنيا بسند جيد عن ابى امامة قال ان الرجل من اهل الجنة يشتهى الشراب من شراب الجنة فيقع فى يده فيشرب ثم يعود الى مكانه قال الشيخ الاجل يعقوب الكرخي رض ان السابقين المقربين يعطون الكاسات من تحت العرش بلا واسطة والمقتصدين يعنى الأبرار يعطيهم الملائكة وغيرهم من اهل الجنة يعنى الذين دخلوها بعد المغفرة او العذاب يعطيهم الولدان انتهى قلت وهذه الآيات اخبار عن شان الأبرار فلعلهم يعطون الكاسات تارة بتوسط الولدان وتارة بتوسط الملائكة وتارة بلا توسط واما المقربون فلعلهم يعطون بلا توسط غالبا. إِنَّ هذا النعيم كانَ لَكُمْ جَزاءً لاعمالكم وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ع محمودا مقبولا مرضيا عندنا مجازا فقال فهذا قول لهم من الله تعالى كأنهم شكر لهم من الله تعالى حيث لم يريدوا مشكورا من غيره تعالى من المسكين واليتيم قلت جعل الله سبحانه نعيم الجنة جزاء لاعمالهم تفضلا لهم والا فأى عمل يتصور ان يكون جزاءه كذلك. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا ج قال ابن عباس يعنى متفرقا اية بعد اية ولم ينزل جملة واحدة وتأكيد الجملة بتقديم المسند اليه على الجزاء الفعلى وتصديرها بان وتكرير الضمير لاشعار بأن الحكمة والصواب منحصر فى هذا النوع من التنزيل كانه كرر الاسناد الى نفسه وجعله مختصا به والحكيم لا يفعل الا ما هو حكمته. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ الفاء للسببية يعنى إذا عرفت حال الأبرار والفجار وتأخير جزاء الفريقين اى دار القرار فاصبر على أذى الكفار ولا تعجل فى عقوبتهم ولا تحزن بتأخير نصرك عليهم وإذا علمت ان تنزيل القران مختص به تعالى فاصبر نفسك على ما امر به وعما نهى عنه وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ اى من الكفار للضجر من تأخير الظفر آثِماً اى مرتكبا لاثم داعيا لك اليه وان لم يكن ذلك كفرا- أَوْ كَفُوراً ج مرتكبا للكفر داعيا لك الى الكفر فاو لاحد الامرين منكر وقعت فى حيز النفي فافادت العموم اى لا تطع أحدا دعاك الى اثم او دعاك الى كفر او إليهما جميعا فانه داع الى كل واحد منهما ولو وقعت هناك الواو لكان المعنى لا تطع من دعاك الى الكفر والإثم جميعا ولا يستفاد منه عدم إطاعة الداعي الى الإثم فقط ومقتضى هذه الاية انه لا بأس فى إطاعة كافر فيما ليس بإثم ولا كفر

الإنسان 76:25

وقيل او هاهنا بمعنى الواو والمراد بالإثم والكفور ابو جهل لعنه الله تعالى وذلك انه لما فرضت الصلاة نهى ابو جهل النبي - ﷺ - عنها وقال لان رايت محمدا يصلى لاطان عنقه فانزل الله هذه الاية كذا روى عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير عن قتادة وقال مقاتل أراد بالإثم عتبة بن ربيعة وبالكفور وليد بن المغيرة قالا للنبى - ﷺ - ان صنعت ما صنعت لاجل النساء والمال فارجع عن هذه الأمر وقال عتبة فانا أزوجك ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر وقال الوليد انا أعطيك من المال ما ترضى فارجع من هذه الأمر فانزل الله تعالى هذه الاية. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ اى صل شبه عن الصلاة بذكر اسم الله تعالى تسمية الشيء باسم جزئه فان التحريمة ركن من اركان الصلاة او يقال افعال الصلاة وأقوالها كلها ذكر قال رسول الله - ﷺ - ان هذه الصلاة ليس فيها شىء من كلام الناس انما هى التسبيح والتكبير وقراءة القران رواه المسلم من حديث معاوية بن حكم بُكْرَةً اى أول النهار عنى به صلوة الفجر منصوب على الظرفية وكذا وَأَصِيلًا اى اخر النهار عنى به صلوة الظهر والعصر. وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ عبر هاهنا عن الصلاة بالسجود وأراد به صلوة المغرب والعشاء ولما كان فى صلوة الليل زيادة كلفته أكده بتقديم الظرف وزيادة الفاء فى فاسجد على تقدير اما اى واما من الليل فاسجد وَسَبِّحْهُ لَيْلًا عبر هاهنا عن الصلاة بالتسبيح والمراد به قيام الليل طَوِيلًا صفة لمصدر محذوف اى تسبيحا طويلا نصف الليل او اقل او اكثر منه. إِنَّ هؤُلاءِ يعنى الكفار مكة يُحِبُّونَ الدار الْعاجِلَةَ فى الدنيا وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ اى قدامهم او خلف ظهورهم يَوْماً ثَقِيلًا شديدا مستعار من الشغل البالغ فى المشقة على الحال وجملة ان هؤلاء تعليل لقوله تعالى لاتطع منهم اثما او كفورا يعنى انهم آثمون لا يعملون ما يعملون فى الدنيا ولا يصأون بالاخرة فلا تطعهم. نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ ج أحكمنا اسرهم خلقهم وارحالهم وربط مفاصلهم وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ فى الخلق وشدة الاسر تَبْدِيلًا مصدر للتاكيد وجملة الشرطية معطوفة على شددنا وجملة نحن خلقناهم مع ما عطف عليه لبيان تشنيع الكفار على كفرهم فى مقابلة النعم وذكر نعمة إيجادهم وتمكينهم لانها اصل النعمة كلها وفى جملة إذا شئنا تسلية للنبى صلى الله عليه واله وسلم فى احتمال الاذية منهم ووعد لهم باهلاكهم وتبديلهم بقوم

الإنسان 76:29

مطيع فى الخلق وقد اهلكهم يوم بدر وقيل إذا هاهنا بمعنى ان يعنى ان يشاء الله لكن لم يشاء. إِنَّ هذِهِ السورة او الآيات تَذْكِرَةٌ ج وموعظة وتذكرة توضح السبيل الى الله سبحانه والى مرضاته فَمَنْ شاءَ التقرب الى الله وسلوك السبيل اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا بالطاعة ودوام الذكر والإخلاص وتقليد النبي صلى الله عليه واله وسلم. وَما تَشاؤُنَ قرأ نافع والكوفيون بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لا توجد مشيتكم ايها الناس او مشية الكفار باتخاذ السبيل الى الله وبشئ من الأشياء فى وقت من الأوقات الا وقت مشية الله تلك المشية عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله - ﷺ - ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله - ﷺ - اللهم مصرف القلوب صرف قلبى على طاعتك رواه مسلم فلما وجد مشية الله بهداية المؤمنين شاء اتخذ السبيل الى الله ولما لم توجد مشية الله بهداية الكفار لم يشأ ذلك إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بما يستاهل كل أحد فيفعل به ما هو اهل له وذلك يستدعى سبق استعدادهم الخير والشر وانما هو يكون المبادي تعينات المؤمنين ماشية من اسم الله الهادي ومبادى تعينات الكفار من اسم المضل حَكِيماً لا يشاء الا ما تقضيه الحكمة. يُدْخِلُ الله سبحانه مَنْ يَشاءُ من عباده ورحمته فِي رَحْمَتِهِ ط اى فى جنته فانها محل الرحمة يقذف الايمان والتصديق فى قلبه ومحبة الله فى سره وتوفيقه للطاعة وحفظه وتنفيره عن الكفر والمعصية وَالظَّالِمِينَ منصوب بفعل محذوف تفسيره بعده ويعذب الظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ع جملة والظالمين معطوف على يدخل والجملتين يقرر ان مضمون ما يشاؤن الا ان يشاء الله- والله تعالى اعلم- تمت سورة الدهر.

المرسلات 77:1

سورة المرسلات مكيّة وهى خمسون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِراتِ نَشْراً فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ادغم ابو عمرو الخلاد التاء فى الذال واظهر الجمهور قال مقاتل معنى الملائكة التي أرسلت بالمعروف من امر الله ونهيه وهى رواية عن مسروق عن ابن مسعود فعرفا حينئذ مفعول له ويحتمل ان يكون عرفا حالا بمعنى متتابعات من عرف الفرس يعنى أرسلت للاحكام متتابعات فغصفن الى عصر من عصف الرياح فى امتثال ما أمروا به ونشرن الشرائع فى الأرض بنشر الكتب وانزالها ونشرن ان احين النفوس الموتى بالجهل بما اوتين من العلم ففرقن بين الحق والباطل فالقينا الى الأنبياء ذكرا اى وحيا او اليقين فى قلوب المؤمنين ذكر الله سبحانه وقال مجاهد وقتادة هى الرياح المرسلات أرسلت متتابعة وقيل عرفا كثير العاصفات شديدة الهبوب عصفا الناشرات السحاب فى الجو نشر الفارقات بين السحاب بالقصر فرقا او فارقات السحاب بعد المطر فالملقيات ذكر اى تستبين لذلك فان العاقل إذا شاهد هبوبها واثارها ذكر الله تعالى وكمال قدرته وشكره على نعمة المطر بعد ما قنطوا ويحتمل ان يكون المراد به آيات القران المرسلات الى محمد - ﷺ - بكل عرف اى معروف فعصفن الاكتاب والأديان بالنسخ ونشرن اثارى الهدى والاحكام فى الشرق والغرب وفرقن بين الحق والباطل فايقين ذكر الله بين العالمين او المراد بها نفوس الأنبياء المرسلات الى الخلق للهداية والإرشاد وتبليغ الاحكام فغصفن واسرعن وامتثال الأوامر والانتهاء عن المناهي ونشرن الهداية وفرقن بين الحق والباطل فالقين ذكر الله تعالى فى قلوب الامة وألسنتهم. عُذْراً روى عن ابى بكر عن عاصم ضم الذال وهو قراءة الحسن والمشهور عنه ونحن ساير القراء السكون أَوْ نُذْراً قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وابو بكر بضم الذال والباقون باسكاتها وهما

المرسلات 77:7

بسكون الذال مصدران العذر او امحى اساءة وانذر إذا خوف وبالضم جمعان للعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الانذار او المعنى العاذر والمنذر ونصبهما على أولين بالعلية اى عذر المؤمنين إمحاء لاساتهم ونذر للكفار تخويفا لهم والرياح سبب بوعيد الكفار بالعذاب إذا أسند والمطرا الى الأنواء مثلا او هما منصوبان بالبدلية من ذكر على ان المراد به الوحى وعلى الثالث بالحالية. إِنَّما تُوعَدُونَ من القيامة والجزاء لَواقِعٌ ط كائن لا محالة الجملة جواب للقسم. فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ محقت وذهبت بنورها جواب إذا محذوف وهو العامل فيها اى يفصل بين اهل الجنة واهل النار. وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ اى شقت فصارت لها فرجا. وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ قلعت من أماكنها وإذا مليت. وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ قرأ ابو عمر وقتت بالواو وعن ابى جعفر رواية بالواو بالهمزة كالجمهور عوضا عن الواو اى أظهرت وقت جمعهم وشهادتهم على الأمم. لِأَيِّ يَوْمٍ متعلق بما بعده وقدم عليه لاقتضاء صدر الكلام أُجِّلَتْ ط أخرت وضرب الاجل لذلك الوقت استفهام استعير للتعجب والتهويل. لِيَوْمِ الْفَصْلِ بدل من لاى يوم وبيان له وجملة لاى يوم معترضة ويحتمل ان يكون ثانى مفعولى أقتت لتضمينه معنى أعلمت. وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ ط تعجيب اخر وتعظيم امره يعنى انه شىء أعظم لا تعلم كنهه ولم تر مثله. وَيْلٌ مصدر بمعنى حلول الشر والهلاك فى الأصل منصوب على المصدرية بإضمار فعله عدل به الى الرفع يجعله مبتداء لدلالته على ثبات الهلاك والشر والجملة دعائية اخرج احمد والترمذي وابن جرير وابن ابى حاتم والحاكم وصححه والبيهقي وابن ابى الدنيا وهناد عن ابى سعيد الخدري عن رسول الله - ﷺ - قال ويل واد فى جهنم يهويه الكافر أربعين خريفا قبل ان يبلغ قعره واخرج البيهقي وابن المنذر عن مسعود قال الويل واد فى جهنم يسيل صديد اهل النار جعل الله للمكذبين واخرج ابن ابى حاتم عن النعمان بن بشير نحوه واخرج البيهقي وابن جرير وابن المبارك عن عطاء بن يسار قال الويل واد من صديد جهنم لو سيرت فيه الجبال لانذابت من حره واخرج ابن جرير عن عثمن بن عفان عن رسول الله - ﷺ - قال الويل جبل فى النار واخرج البزار بسند ضعيف عن سعيد بن ابى وقاص قال قال رسول الله - ﷺ - ان فى النار حجرا يقال له ويل يصعد عليه

المرسلات 77:16

العرفاء وينزلون يَوْمَئِذٍ اى يوم إذا النجوم طمست الى آخره لِلْمُكَذِّبِينَ ليوم الفصل ظرف مستقر خبر لويل يومئذ متعلق به ويحتمل ان يكون يومئذ ظرفا مستقرا صفة لويل. أَلَمْ نُهْلِكِ بالعذاب المكذبين او الْأَوَّلِينَ نحو قوم نوح وعاد وثمود استفهام تقرير. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ يعنى كفار مكة السالكين سبيل الأولين فى تكذيب الرسل عطف على مضمون الم نهلك يعنى أهلكنا الأولين ثم نتبعهم الآخرين. كَذلِكَ صفة مصدر محذوف اى فعلا مثل ذلك الفعل نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ اى نجس المجرمين. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بما اوعدنا. أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ استفهام تقرير اى خلقناكم مِنْ ماءٍ مَهِينٍ حقير قدرا وهى النطفة. فَجَعَلْناهُ اى الماء فِي قَرارٍ مَكِينٍ ما يتمكن فيه وهو الرحم ظرف مستقر مفعول ثان لجعلناه ان كان ناقصا بمعنى صيرناه والا فظرف لغو متعلق به وجملة جعلناه معطوفة على مضمون الم نخلقكم الفاء للتفسير لا للتعقيب او محمول على القلب فى التركيب. إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ متعلق بقوله فى قرار مكين ان كان ظرفا مستقرا والا فبفعل محذوف اى مؤخرا اى مقدار من الوقت المعلوم عرفا أدناه ستة أشهر وأكثره سنتين او معلوم عند الله مدة لبثه. فَقَدَرْنا قرأ نافع والكسائي بالتشديد من التقدير اى فقدرنا مدة لبثه فى بطن امه وقت ولادته وعمله واجله ورزقه وشقى او سعيد عن ابن مسعود قال حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق ان حلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما النطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله اليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله واجله ورزقه وشقى او سعيد ثم ينفح فيه الروح فو الذي لا اله غيره ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها متفق عليه والباقون من القراء قرؤا بالتخفيف من القدرة يعنى فقدرنا يعنى إيجاده واعدامه وإعادته فَنِعْمَ الْقادِرُونَ نحن اى على كل شىء ويحتمل ان يكون القادر بمعنى المقدر على قراءة نافع. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا وهم الكفار او بتقديرنا وهم القدرية مجوس هذه الامة. أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ استفهام تقرير كِفاتاً اسم لما يكفت فيه بضم او مصدر نعت به مبالغة او جمع كافت

المرسلات 77:26

كصيام وصائم او جمع كفت بمعنى الوفاء اجرى الجمع على الأرض باعتبار اقطاعها. أَحْياءً وَأَمْواتاً حال عن المفعول المحذوف لكفاتا ان كان مشتقا والا فالفعل محذوف دل عليه كفاتا يعنى نكفت الناس احياء على ظهرها فى دورهم ومنازلهم وأمواتا فى بطنها بخروجهم كذا قال الفراء وانما حذف المفعول للعلم به ويحتمل ان يكون مفعولين لكذلك اى نكفت الاحياء والأموات وتنكيرهما للتفخيم او لان احياء الناس وأمواتهم بعض الاحياء والأموات ويحتمل ان يكونا ثانى مفعول نجعل وكفاتا حال منهما قدم عليهما لتنكيرهما ويحتمل ان يكونا حالين عن مفعول نجعل يعنى الأرض او كفاتا والمراد بالاحياء والأموات ما ينبت من الأرض وما لا ينبت. وَجَعَلْنا عطف على مضمون لم نجعل فِيها اى فى الأرض رَواسِيَ جبال شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ط عاليات والتنكير للتعظيم نابعات من الأرض. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بامثال هذه النعم قال مقاتل وهذه الأمور المذكورة كلها اعجب من المبعث. انْطَلِقُوا جملة مستأنفة كانه فى جواب ما يصنع بالمكذبين يومئذ وتقديره يقال لهم يومئذ انطلقوا اى سيروا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ج فى الدنيا يعنى نار جهنم. انْطَلِقُوا بدل من الاول وتأكيد وفيه بيان لما يسيرون اليه إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ قال المفسرون أريد به دخان جهنم قال البيضاوي وغيره الدخان العظيم إذ يرتفع يتفرق ذوائب وفى خصوصية شعب دخان جهنم بالثلث ذكر البيضاوي وغيره وجوها لا ترضيه وعندى وجه الخصوصية بالثلث ان اسباب الدخول فى نار جهنم منحصرة فى ثلث أحدها الكفر بالله وتكذيب الرسل صريحا وعبارة كقول الكفار افترى على الله كذبا ثانيها اتباع الهوى وتكذيب الرسل وآيات الله اقتضاء كقوله اهل الهواء من المجسمة والقدرية والروافض والخوارج والمرجئة على خلاف ظواهر النصوص القطعية بتأويلات فاسدة على خلاف الإجماع كما ان المجسمة يكذبون قوله تعالى وجوه يومئذ ناظرة وما دلت من الآيات على وزن الأعمال والصراط ونحو ذلك والروافض والخوارج يكذبون ما تواتر عن الرسول - ﷺ - فى مدح ابى بكر وعمر وعثمان وعلى تواترا معنويا ثالثها اتباع الشهوات فى ارتكاب الكبائر والصغائر وترك الواجبات فهذه الأمور الثلاثة تصلح ان تكونا أسبابا لانشعاب دخان جهنم الى

المرسلات 77:31

ثلث وشعب قال البغوي قيل يخرج عنق من النار فيشعب ثلث شعب اما النور فتقف على رؤس المؤمنين والدخان تقف على روس المنافقين واللهب تقف على رؤس الكافرين قلت وايضا يكون هذا القول مرفوعا لكونه مما لا يدرك بالرأي فتأويله انه عبر عن شعبة من شعب الثلث الدخان جهنم بالنور لخفته فى الظلمة بالنسبة الى أختيه والا فما معنى النور فى نار جهنم وقد قال رسول الله - ﷺ - أوقد على نار جهنم الف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها الف سنة حتى اسودت فهى سوداء مظلمة اخرج الترمذي والبيهقي عن ابى هريرة فهذه الشعبة الخفيفة الظلمة بالنسبة الى أختيها تقف على رؤس عصاة المؤمنين من اهل النار وعن الشعبة.... الثانية بالدخان لكثرة اجزاء النار فيها وشدة ظلمتها فهى تقف على رؤس المنافقين والمراد بالمنافقين هاهنا هم اهل الهواء الذين يدعون الايمان ويلزمهم الكفر وتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام وليس المراد بالمنافقين هاهنا الذين قالوا أمنا بأفواههم فى العلانية دون السر ولم يؤمن قلوبهم فانهم أشد فى الكفر من الجاهرين وهم فى الدرك الأسفل من النار وقد ذكرنا فى تفسير سورة البقرة وجه اطلاق المنافقين على اهل الهواء وتطبيق ما ضرب الله تعالى به مثل المنافقين عليهم وعن الشعبة الثالثة باللهب لكمال احتراقها وشدة التهابها فهو تقف على رؤس الكافرين قلت ويمكن ان يقال المراد بالظل نار جهنم نفسها عبر عنها بالظل مجازا لظلمته واسوداده فان الظل لا يخلو من الظلمة وفيه استهزاء وتهكم بالكفار كما فى ذق انك أنت العزيز الكريم وفى بشره بعذاب اليم فمعنى قوله تعالى انطلقوا الى ظل ذى ثلث شعب انطلقوا الى نار جهنم التي هى ذى ثلث طرق موصلة إليها أحدها تكذيب الرسل صريحا ثانيها تكذيبهم اقتضاء ثالثها ارتكاب المعاصي لما ذكرنا. لا ظَلِيلٍ كظل العرش وظل الجنة للمؤمنين صفة الظل بعد صفة وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ط اى لا يرد لهب جهنم صفة لموصوف محذوف اى ولا ظل يغنى من اللهب ويحتمل ان يكون معطوفا على ظليل على طريقة فالق الإصباح وجعل الليل فيكون صفة ثالثة لظل مذكورة فى هاتين الصفتين تهكم بهم وروى أوهم لفظ الظل من وقاية الحر والإغناء من اللهب. إِنَّها الضمير راجع الى ظل من حيث المعنى ان كان المراد به النار كما ذكرت والا فهو راجع الى غير مذكور دل عليه الكلام اى جهنم تَرْمِي تعليل لعدم الإغناء بِشَرَرٍ جمع شررة وهى ما تطاير من النار كَالْقَصْرِ ج اى كل شررة فى عظمها كالقصر اى كبيت من حجر او قرية او حصن كذا فى القاموس فهو مفرد وقيل هو جمع

المرسلات 77:33

قصرة بمعنى اصل النخل او الشجر الغليظ. كَأَنَّهُ اى القصر أفرد الضمير نظرا الى لفظه جِمالَتٌ جملة كانه صفة ثانية لشرر قرأ حفص وحمزة والكسائي جملة بغير الف وهو جمع جمل والباقون جمالات بالألف على انه جمع جمال فهو جمع الجمع صُفْرٌ جمع اصفر فان الشرر لما فيه من النار به يكون اصفر وقيل معناه اسود كما جاء فى الحديث ان شرر نار جهنم سود كالقير والعرب يسمى سواد الإبل صفر الضربة الى الصفرة والاول تشبيه فى العظمة وهذا فى اللون والكثرة والتتابع والاختلاط وسرعة الحركة. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالنار والعذاب-. هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ اى الكفار نطقا يفيدهم او لا ينطقون شيئا من فرطا الدهشة والحيرة وهذا فى بعض المواقف وينطقون فى بعضها. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فى الاعتذار عطف على لا ينطقون فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ عطف على لا يوذن فيدل على نفى الاذن والاعتذار مطلقا ولعله لم يجعل جوابا عن النفي كيلا يدل على ان عدم اعتذارهم بعد الاذن فيوهم ان لهم عذرا قال حينئذ اى عذرا لمن اعرض عن منعمه وكفر باياديه ونعمه. هذا يَوْمُ الْفَصْلِ ج بين اهل الجنة واهل النار جَمَعْناكُمْ خبر ثان لهذا او حال عن يوم الفصل والعامل معنى الاشارة والعائد محذوف اى جمعناكم فيه او تعليل يعنى هذا يوم الفصل لانا جمعناكم فيه للفصل بين المؤمن والمكذب او تقرير وبيان للفصل وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ حيلة لدفع العذاب كما كنتم تكيدون بالمؤمنين فى الدنيا كما كنتم تقولون أيعجز كل عشرة منكم ان يبطش بواحد من تسعة عشر خزنة. فَكِيدُونِ الياء محذوفة اى فكيدونى الان توبيخ وتعجيز جملة الشرطية بتقدير فيقال لكم معطوفة على جمعناكم. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ع بالعذاب إذ لا حيلة لهم يومئذ فى تخليص أنفسهم من العذاب. إِنَّ الْمُتَّقِينَ من الشركة او من المعاصي مطلقا على تفاوت درجاتهم فِي ظِلالٍ كناية عن تكاسف أشجار الجنة كقوله زيد طويل النجاد بمعنى طويل القامة وان لم يكن له نجاد والا فلا شمس حتى يتصور الظل وَعُيُونٍ جارية من ماء غير أسن ولبن لم يتغير طعمه وخمر لذة للشاربين وعسل مصفى. وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ط اى لذيذة شتهاه وفيه اشعار بان المآكل والمشارب فى الجنة بحسب شهواتهم بخلاف الدنيا فان فيها يحسب ما يجد الناس. كُلُوا وَاشْرَبُوا حال من ضمير المرفوع فى الظرف اى مستقرون فى ظلل حال كونهم مقولا لهم ذلك

المرسلات 77:44

او جملة معترضة بتأويل يقال لهم هَنِيئاً صفة المصدر المحذوف اى أكلا هنيئا او حال اى مهنئين والهنأ ما لا يلحق فيه مشقة ولا يعقبه وخامة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من عقد القلب بالايمانيات ومعالجته الطاعات وجملة ان المتقين مستأنفة كانه فى جواب سائل يسئل عن حال غير المكذبين بعد ما سمع حال المكذبين. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ كذلك فى محل النصب على المصدرية لما بعده والجملة الفعلية خبر ان والاسمية تأكيد لما سبق فان المراد بالمحسنين هم المتقون لا ما هو أخص منه والا يلزم تشبيه الا على بالأدنى وفيه حث على الإحسان يعنى فأحسنوا ايها الناس يجزينكم كما ذكرنا والإحسان بالمعنى الأخص ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك كذا قال رسول الله - ﷺ - فى جواب جبرئيل سال عنه رواه الشيخان فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالجنة حيث يحرمون من النعيم. كُلُوا وَتَمَتَّعُوا كلام مستأنف خطاب للمكذبين فى الدنيا على وجه التهديد قَلِيلًا منصوب على المصدرية وعلى الظرفية اى أكلا قليلا او زمانا قليلا ما دمتم فى الدنيا ثم ينقطع ذلك عنكم إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ تعليل للتهديد. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ حيث عرضوا أنفسهم على العذاب الأليم لاجل التمتع القليل اخرج ابن المنذر عن مجاهد ان النبي - ﷺ - امر وفد ثقيف بالايمان والصلاة فقالوا ولكن لا نجبى فانها مسبة فى القاموس التجبية وضع يديه على ركبة او على الأرض او الإكباب على وجهه قولهم فانها مسبة الى عار فنزلت. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ فهذه جملة معترضة لذم الكفار ويحتمل ان يكون معطوفة على المجرمون على سبيل الالتفات من الخطاب الى الغيبة يعنى انكم مجرمون وانهم لا تركعون إذا دعيتم الى الصلاة ويحتمل ان يكون معطوفة على مضمون المكذبين يعنى ويل الذين كذبوا ولم يصلوا عند الدعاء إليها. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالأوامر والنواهي. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ اى بعد القران يُؤْمِنُونَ استفهام إنكاري اى لا يومنون بشئ من الحجج إذ لم يؤمنوا بالقران الذي هو مشتمل على وجوه من الاعجاز نظما ومعنى وعلى الحجج الواضحة والبراهين الساطعة ولما كان سياق هذه السورة على التخويف والتهديد غالبا كما ان كان سياق سورة الإنسان على اللطف لتطيع غالبا قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت رواه الحاكم وصححه عن ابن عباس وابن مردوية عن سعيد.

النبأ 78:1

سورة النّبإ مكيّة وهى أربعون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَمَّ أصله عن ما يحذف الالف من ما الاستفهامية إذا وقعت بعد حرف الجر نحو لم وفيم وعم ومم تخفيفا لكثرة الاستعمال وفرقا بينهما وبين الموصولة وضم الميم بعن فى الخط لبقائه على حرف واحد بعد الحذف والاستفهام فى كلامه تعالى مستعار عن التفخيم والتهويل فى شان ما وقع فيه الاستفهام فانه تعالى لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء يَتَساءَلُونَ ج والضمير لاهل مكة وذلك ان النبي - ﷺ - لما دعاهم الى التوحيد وأخبرهم عن البعث بعد الموت وتلا عليهم القران جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون ماذا جاء بهم محمد - ﷺ - كذا ذكر البغوي واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن الحسن نحوه عن المعنى يتساءلون الرسول - ﷺ - والمؤمنين عنه استهزاء كقوله يتداعون لهم اى يدعون لهم. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ متعلق بيتساءلون المذكور وعلى هذا النبأ متعلق بفعل مضمر يفسره ما بعده او متعلق بيتساءلون مضمر وهذه الجملة جواب للسوال لفظا بيان لشان المفخم معنى ويحتمل ان يكون عن النبأ العظيم ويحتمل ان يكون هذه الجملة استفهامية بتقدير حرف الاستفهام فتكون تأكيدا للجملة السابقة وتفخيم بعد تفخيم تقديره عم يتساءلون أيتساءلون عن النبأ العظيم ويحتمل ان يكون الاستفهام الثاني للانكار يعنى لا ينبغى السؤال عن النبأ العظيم بل الواجب الايمان به فانه واضح عظيم شانه وشديد وضوحه عن ان يسال والمراد بالنبإ العظيم على قول مجاهد والأكثرين القران بدليل قوله تعالى قل هو نبأ عظيم وقال قتادة هو البعث ويحتمل ان يكون خبر بعث النبي - ﷺ -. الَّذِي الموصول مع صلة صفة للنباء هُمْ الضمير راجع الى ما رجع اليه المرفوع فى يتساءلون وهم كفار مكة على تقدير كون السؤال استهزاء او انكار او على هذا فمعنى قوله فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ط ان منهم من يقطع بانكاره ومنهم من يشك ويحتمل ان يكون ضمير يتساءلون راجعا الى اهل مكة مومنهم وكافرهم أجمعين وعلى هذا فالمعنى

النبأ 78:4

ان منهم من يصدق ويسال عنه لكشف الحال وازدياد اليقين ومنهم من ينكر ويسأل عنه استهزاء وإنكارا. كَلَّا ردع عن الاختلاف المبنى على انكار بعضهم او كلهم سَيَعْلَمُونَ اى الكافرون المنكرون كونه حقا عند الشرع وفى القبر. ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يوم القيامة والتكرير للمبالغة والدلالة على لحوق الوعيد مرتين أحدهما فى القبر وثانيهما بعد البعث وكلمة ثم يشعر بأن الوعيد الثاني ابلغ من الاول ثم ذكر الله سبحانه صنائعه ما يستدل به على التوحيد والقدرة على البعث بعد الموت ووجوب شكر النعم باتباع من يدعو الى التوحيد والعبادة فقال. أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً فراشا لكم استفهام تقرير اى حمل المخاطب على الإقرار والعبادة اخرى استفهام انكار وانكار النفي اثبات فمضمونه جعلنا الأرض مهادا. وَالْجِبالَ أَوْتاداً ص للارض كيلا تميد بكم. وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً أصنافا ذكورا وإناثا. وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً قطعا لاعمالكم حتى تستريح أبدانكم والسبت القطع. وَجَعَلْنَا عطف على خلقنا اللَّيْلَ لِباساً لبسه كل شىء بظلمة فبمنع الابصار ويسكن الأصوات فيستريح النائم فيه. وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ص اى سببا للمعاش من فضل الله ما قسم لكم من رزقه حيث ينقلبون فيه فى حوائجكم وفيما لا بد منه فى الحيوة. وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً اى سبع سموات شِداداً محكمات لا يوثر فيه مر الدهور. وَجَعَلْنا اى خلقنا ويحتمل ان يكون المفعول الاول محذوفا اى جعلنا الشمس سِراجاً وَهَّاجاً متلاليا وقادا قال مقاتل جعل فيه نورا وحرارة والوهج يجمع النور والحرارة. وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ قال مجاهد ومقاتل والكلبي هى الرياح التي تعصر السحاب وهى رواية العوفى عن ابن عباس فعلى هذا من للنسبة وقال ابو العالية والضحاك المعصرات هى السحائب وهى رواية الوالي عن ابن عباس قال الفراء المعصرات السحاب ينجلب بالمطر ولم يمطر كالمرأة المعصرة هى التي دنا حيضها ولم تحض يعد وقال ابن كيسان هى المغيثات من قوله وفيه تعصرون وقال الحسن وسعيد بن جبير وزيد بن اسلم ومقاتل بن حبان من المعصرات من السموات فمن على هذه التأويلات للابتداء ماءً ثَجَّاجاً قال مجاهد صبابا مدراراة قال قتادة متتابعا وقال ابن زيد كثيرا ومرجع الكل واحد. لِنُخْرِجَ بِهِ اى بذلك حَبًّا يأكله الناس كالبر والشعير

النبأ 78:16

وَنَباتاً تأكله الدواب. وَجَنَّاتٍ بساتين أَلْفافاً ط ملتفة بالأشجار بعضها ببعض واحدها لف كجذع وجذاع او لفيف كشريف واشراف او لا واحد له كاوضاع وهى جمع الجمع فهى جمع لف واللف جمع لفافة وهى شجرة محتمعة يقال جنة لفاف ولما ثبت ان من هو قادر على اختراع تلك الأمور قادر على إعادتها وان تلك الأمور العظام لا يتصور وجودها الا من فاعل الحكيم ولا يتصور ان يكون عبثا او منافيا للحكمة فكان السامع اشتاق الى معرفة صفات وقت الفصل فاستأنف وقال. إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ بين الحق والباطل كانَ فى علم الله او حكمه مِيقاتاً ميعادا للثواب والعقاب وقتا معينا لهما او المعنى حدا يؤقت فى الدنيا وينتهى عنده او حدا للخلائق ينتهون اليه. يَوْمَ يُنْفَخُ بدل من يوم الفصل او عطف بيان له او بدل من ميقاتا او خبر ثان لكان فِي الصُّورِ اخرج مسدد بسند صحيح عن ابن مسعود قال الصور كهيئة القران ينفخ فيه وعن ابن عمر نحوه وقد مر فى الحاقة وعن وهب انها من لؤلؤ بيضاء فى صفاء الزجاجة وبه ثقب بعدد كل زوج وقد مر فى المدثر فَتَأْتُونَ عطف على ينفخ أَفْواجاً حال من فاعل تأتون يعنى جماعات مختلفة من القبور الى مكان الحساب عن ابى ذر قال حدثنا الصادق المصدوق ﷺ ان الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاث أفواج فوج طاعمين كاسيين راكبين وفوج يمشون ويسعون وفوج يسحبون على وجوههم رواه النسائي والحاكم والبيهقي وعن معاذ بن جبل ان النبي - ﷺ - تلا هذه الاية يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً قال يحشر أمتي عشرة أفواج صف على صورة القردة وهم القدرية وصف على صورة الخنازير وهم المرجئة وصف على صورة القردة والكلاب وهم الحرورية وصف على صورة الحمر وهم الروافضة وصف على صورة الذر وهم المتكبرون وصف على صورة البهائم وهم أكلة الربوا وصف على صورة السباع وهم الزنادقة وصف يحشرون على وجوههم وهم المصورون والهمازون واللمازون وصف دكيان وهم المقربون وصف مشبعاة وهم اهل اليمين رواه ابن عساكر وقال هذا حديث منكر فى اسناده مجاهيل ورواه الخطيب بلفظ يحشر عشر اصناف من أمتي اسباتا فمنهم على صورة القردة وهم النامون وبعضهم على صورة الخنازير وهم اهل السحت والحرام وبعضهم منكبين أرجلهم فوق وأعينهم ووجوههم أسفل يسحبون عليهم وهم أكلة الربوا وبعضهم عمى يترددون وهم من يجوز فى الحكم وبعضهم صم بكم

النبأ 78:19

لا يعقلون وهم الذين يعجبون بأعمالهم وبعضهم يمضقون ألسنتهم مدلاة على صدورهم لسيل ايقح من أفواههم يقذرون اهل الجمع وهم العلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم وهم الذين يوذون الجيران وبعضهم مصلبين على جزوع من النار وهم السعاة بالناس الى السلطان وبعضهم أشد نتنا من الجيف وهم الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله فى أموالهم وبعضهم يلبسون جلابيب سابغة من القطران وهم اهل الكبر والفخر والخيلاء وكذا روى الثعلبي من حديث البراء بن عاذب عن معاذ. وَفُتِحَتِ السَّماءُ اى شقت قرأ اهل الكوفة بالتخفيف والباقون بالتشديد للمبالغة والتكثير عطف على تأتون ومعناه الاستقبال او حال بتقدير قد وكذا سيرت فَكانَتْ السماء أَبْواباً اى ذات أبواب او حمل على المبالغة يعنى صارت من كثرة الشقوق كانها كلها أبواب. وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ عن وجه الأرض فى الهواء كالهباء فَكانَتْ الجبال سَراباً ط السرب فى الأصل الذهاب كذا فى الصحاح ويقال للامع فى المفازة كالماء سرابا مالا سرابه فى راى العين والمراد هاهنا صارت الجبال شيئا لا حقيقة لها لتفتت اجزائها ولما ذكر الله سبحانه مجيئ الناس أجمعين للحساب بقوله فتاتون أفواجا فكان السامع اشتاق الى تفصيل أحوالهم فذكر اهل الطاغين اولا لان الترهيب أهم من يرصد عند أذهان الناس فقال. إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً الرصد الاستعداد للترقيب وموضع يرصد فيه والمعنى ملائكة العذاب وملائكة الرحمة يرصدون الناس جسر جهنم فاما ملائكة العذاب فيرصدون الكفار لياخذوهم ويلقونهم فى النار ويعذبونهم واما ملائكة الرحمة فيرصدون المؤمنين ليحرسونهم فى مجاوزتهم عليها من قيح جهنم وكل ليب الصراط فهذه الاية بهذا التأويل تدل على كون جهنم طريقا وممرا للناس أجمعين كقوله تعالى وان منكم الا واردها فمن فسر المرصاد بالطريق او المعنى الالتزامي وقيل مرصاد اى معدة للكفار يقال أرصدت الشيء إذا اعددته ويحتمل ان يكون المرصاد صيغة مبالغة اى مجدة مجتهد فى ترصد الكفار كيلا يشذ منها واحد اخرج البيهقي عن انس قال سمعت النبي - ﷺ - يقول الصراط أحد كحد السيف وان الملائكة يحفظون للمؤمنين والمؤمنات وان جبرئيل لاخذ بحجزتي وانى لا قول يا رب سلم سلم والزالون والذالات كثير واخرج ابن المبارك والبيهقي وابن ابى الدنيا عن عبيد بن عمير

النبأ 78:22

عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال الصراط على جهنم مثل حد السيف بجهة الكلاليب والجسك فى ركبه الناس فيخطفون والذي نفسى بيده وانه ليوخذ بالكلوب الواحد اكثر من ربيعة ومضر والملئكة على جهة يقولون رب سلم سلم واخرج البيهقي عنه قال ان الصراط مثل حد السيف دحض منزلة تنكفاء الملائكة والأنبياء قياما يقولون رب سلم سلم والملائكة يخطفون بكلاليب قال البيهقي روى مقسم عن ابن عباس ان على جسر بجهنم سبع محابس يسأل العبد عند أولها عن شهادة ان لا اله الا الله فان جاء بها تامة جاز الى الثاني فيسأل عن الصلاة فان جاء بها تامة جاز الى الثالث فيسأل عن الزكوة فأن جاء بها تامة جاز بها الى الرابع فيسأل عن الصوم فان جاء بها قامة جاز الى الخامس فيسأل عن الحج فان جاء به تاما جاز الى السادس فيسأل عن العمرة فان جاء بها تامة جاز الى السابع فيسأل عن المظالم فان خرج منها والا يقال انظروا فان كان له تطوع أكمل به اعماله فاذا فرغ به انطلق به الى الجنة. لِلطَّاغِينَ يجوز بخمسة أوجه ان يكون خبر ثانيا لكانت او صفة لمرصاد او لماب قدم عليه ما انتصب حالا او ظرف مرصاد او لماب والطاغي الذي جاوز الحد فى العصيان ولا يكون ذلك حتى يقطع فى الكفر والتكذيب اما صريحا فحينئذ يسمى كافرا او اما التزاما واقتضاء فيسمى رافضيا او قدريا او مرجئا او نحو ذلك من اهل الهواء مَآباً خبر اخر لكانت. لابِثِينَ قرأ حمزة ويعقوب لبثين بغير الالف والباقون بألف حال مقدرة من الضمير فى الطاغين فِيها فى جهنم أَحْقاباً ج جمع حقب والحقب الواحد ثمانون سنة كل سنة اثنى شهرا كل شهر ثلثون يوما كل يوم الف سنة قال البغوي روى ذلك عن على بن ابى طالب رض وكذا اخرج هناد عن ابى هريرة وقال مجاهد الاحقاب ثلثة وأربعون حقبا كل حقب سبعون خريفا كل خريف سبعمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم الف سنة وقال مقاتل بن حبان الحقب الواحد سبعة عشر الف سنة لما كانت هذا المدة متناهية وقد دلت الآيات المحكمات على خلود الكفار فى النار والعذاب حيث قال الله تعالى وفى العذاب هم خالدون وعليه انعقد الإجماع وروى السدى عن مرة بن عبد الله قال لو علم اهل النار انهم يلبثون فى النار عدد حصى الدنيا لفرحوا ولو علم اهل الجنة انهم يلبثون فى الجنة عدد حصى الدنيا لحزنوا ذهب المفسرون الى تأويل هذه الآيات فقيل انها منسوخة بقوله تعالى فلن نزيدكم الا عذابا قالوا

النبأ 78:24

فالعدد قد ارتفع والخلود قد حصل قلت هذه خبر والخبر لا يحتمل النسخ وقال الحسن فى تأويلها ان الله لم يجعل لاهل النار مدة بل قال لابثين فيها أحقابا فو الله ما هو الا انه إذا مضى حقب دخل حقب اخر ثم اخرى الى الابد فليس للاحقاب مدة الا الخلود ومن هاهنا قال البيضاوي والمراد دهورا متتابعة وليس فيه دلالة على خروجهم منها وان كان فمن قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على الخلود الكفار قلنا نعم المنطوق لا يزاحمه المفهوم ومن ثم قلنا بخلود الكفار فى النار وعليه انعقد الإجماع ووجب تأويل هذه الاية وتأويله بالاحقاب الغير المتناهية والدهور المتتابعة ضعيف إذ لا يظهر حينئذ فائدة لتقييد بالاحقاب الرهم خلاف المراد كيف والاحقاب بالنسبة الى غير المتناهي من الزمان كالايام بالنسبة إليها ولا شك انه لو قيل لابثين فيها أياما لا يتبادر الذهن منه الى الخلود بل الى الخروج فكذا هنا وقيل أحقابا جمع حقب من حقب الرجل إذا اخطأ الرزق وحقب العالم إذا قل مطره وخيره فيكون حالا بمعنى لابثين فيها حقبين اى ممنوعين عنهم الرزق كلمه وقوله لا يذوقون تفسير له قلت وهذا التأويل يأبى عنه الآثار المروية عن على رض وغيره المذكورة مع انها فى حكم المرفوع لعدم مساغ الرأي فيه وقول ان قوله تعالى. لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً حالا من المستكن فى لابثين او صفة لاحقابا او أحقابا ظرف بلا يذوقون فالمعنى انهم يلبثون أحقابا على هذه الصفة غير ذائقين الا حميما وغساقا فالاحقاب زمان بعدم الذوق لا المطلق اللبث فلعلهم يبدلون بعد ذلك جنسا اخر من العذاب أشد من ذلك والظاهر انه حال مرادف بقوله تعالى لابثين والتأويل عندى ان لفظ الطاغين ليس على عموم اتفاقا فانتم تحملونه على الكفار دون اهل الهواء فيلزمكم التكلفات فى هذا الاية ليندفع المعارضة بينها وبين المحكمات ونحن نحمل الطاغين هاهنا على اهل الهواء دون الكفار فلا يلزمنا ما يلزمكم ويويد ما قلت ما اخرج البزار عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال والله لا يخرج أحد من النار حتى يمكث فيه أحقابا والحقب بضع وثمانون سنة وكل سنة ثلاثمائة وستون يوما مما تعدون فان هذا الحديث يدل على الخروج بعد تلك المدة والله تعالى اعلم قرأ الحمزة والكسائي وحفص غساقا بالتشديد كالخباز والباقون بالتخفيف كالعذاب اما الحميم فماء فى غاية الحرارة وفى الحديث يرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فاذا دنت وجوههم شوت وجوههم فاذا دخلت بطونهم قطعت ما فى بطونهم الحديث

النبأ 78:26

رواة الترمذي والبيهقي عن ابى الدرداء واما الغساق فاخرج هناد عن مجاهد قال الغساق الذي لا يستطيعون ان يذوقوه لشدة برده قال البغوي قال ابن عباس يحرقهم ببرده كما يحرق النار بحرها قال مقاتل هو الذي انتهى برده واخرج هناد عن ابى العالية فى هذه الاية انه استثنى من الشراب الحميم ومن البرد الغساق قال البيضاوي اخر الغساق ليوافق رؤس الاى واخرج هناد عن عطية قال الغساق الذي يسيل من صديدهم واخرج مثله عن ابراهيم وابى زرين فهو مشتق من قولهم غسقت وانصبت والغساق الانصباب واخرج ابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا وايضا عن كعب قال الغساق عين فى جهنم يسيل إليها حمة كل ذى حمة من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع يوتى بالآدمي فينغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده عن العظام وتعلق جلده ولحمه فى كعبيه فتجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه فعلى هذه الأقوال ان كان الغساق باردا كان المستثنى من البرد والا فهو والحميم كلاهما مستثنى من الشراب والمراد بالبرد حينئذ برد جهنم ويستثنى عن حر النار او المراد بالبرد النوم وقيل الاستثناء منقطع والمراد بالشراب ما يسكن عطشهم. جَزاءً منصوب على المصدرية من فعل المحذوف اى يجزون جزاء وِفاقاً ط اى وافقا او موافقا او يوافق وفاقا لاعمالهم وأباطيلهم قال مقاتل وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك هذا على تفسير القوم بان المراد بالطاغين الكفار فعلى هذا جزاء مصدر وقع بعد جملة لا محتمل لها غيره من قبيل له على الف درهم اعترافا إذ لا محتمل من جملة ان جهنم إلخ الا الجزاء فهو تأكيد لنفسه واما على ما ذكرت من ان المراد بالطاغين اهل الهواء فمعناه يجزون لجنس ما ذكر من العذاب موافقا لبعدهم عن الحق فى عقائدهم فيكون لبث بعضهم فى جهنم اكثر من بعض وعذابهم أشد منهم غير انه يبلغ هذا اللبث او ما هم فيه الى الاحقاب وأذاه حقب وعلى هذا التأويل فالمصدر تأكيد لغيره إذا الجملة السابقة عليه يحتمل غير ذلك والحمل على كونه تاكيدا لغيره اولى من الحمل على كونه تاكيدا لنفسه فان التأسيس اولى من التأكيد. إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ اى لا يخافون ولا يعتقدون حِساباً تعليل لما سبق من الجزاء فالكافرون لا يعتقدون البعث والحساب والجزاء مطلقا واما اهل الهواء فان هذه الصفة موجودة فى بعضهم فان المرجبة لا يعتقدون الحساب والجزاء وكذا الروافض يقولون شيعة على ومحبه لا يعذب بشئ من الذنوب كبيرة

النبأ 78:28

كانت او صغيرة. وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ط عطف على كانوا وهذه الصفة عامة فى جميع اهل الهواء كما ذكرنا فى المرسلات الا ترى الى الروافض انهم ينكرون مناقب جميع الصحابة ويدعون ارتدادهم او نفاقهم أجمعين الا ثلثة منهم او نحو ذلك ويزعمون ان عمر بن الخطاب وغيره من الخلفاء حين مكنهم الله تعالى فى الأرض أفسدوا فى الأرض ويزعمون ان الصحابة شر الأمم وأسوأ القرون وقد قال الله تعالى كنتم خير امة وقال الله تعالى الذين اخرجوا من ديارهم الى قوله الذين مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة الاية وقال الله تعالى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ وقال السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الاية الى غير ذلك من آيات لا تكاد تحصى وكذابا المصدر بمعنى التكذيب مطرد شايع او بمعنى المكاذبة فانهم كاذبون عند المسلمين والمسلمون كاذبون عندهم او المعنى انهم مبالغون فى الكذب مبالغة المبالغين فيه وعلى المعنيين يجوز ان يكون حالا بمعنى كاذبين او مكاذبين ويجوز ان يكون صفة لمصدر محذوف اى تكذيبا مفرطا كذبه- (مسئلة:) هذه الاية على ما ذكرت من التأويل تدل على عذاب اهل الهواء واما عذاب اهل الكبائر من المؤمنين فاطول مدة مكثهم بقدر الدنيا سبعة آلاف سنة ولا يجرعون الحميم ونحو ذلك اخرج ابن ابى حاتم وابن شاهين عن على بن ابى طالب قال قال رسول الله - ﷺ - ان اصحاب الكبائر من موحدى الأمم كلها الذين ماتوا على الكبائر غير تائبين من دخل منهم جهنم لا يرزق أعينهم ولا تسود وجوههم ولا يقرنون بالشياطين ولا يغلون بالسلاسل ولا يجرعون الحميم ولا يلبسون القطران حرم الله أجسادهم على الخلود وصورهم على النار من أجل السجود فمنهم من تأخذه النار الى قدميه ومنهم من تأخذه النار الى عقبيه ومنهم من تأخذه النار الى حنجرة ومنهم من تأخذه الى عنقه على قدر ذنوبهم وأعمالهم ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ خلقت الى ان تفنى الحديث واخرج الحاكم فى نوادر الأصول عن ابى هريرة نحوه فهم فى الباب الاول من جهنم ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون فى الدرك فمنهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج منها ومنهم من يمكث وفيها يوما ثم يخرج ومنهم من يمكث فيها سنة وأطولهم فيها مكثا منذ خلقت الدنيا الى يوم فنيت وذلك سبعة آلاف قلت والمراد بالسنة هاهنا السنة الدنيوية حتى يتحقق مساواتهم فيها بمدة الدنيا

النبأ 78:29

وورد فى بعض الروايات عن ابن سعيد مرفوعا ان ناسا أصابتهم النار بذنوبهم يميتهم الله فى النار فاذا كانوا اذن بالشفاعة يحيون بخلاف الكفار فانهم لا يموتون فيها ولا يحيون. وَكُلَّ شَيْءٍ منصوب بفعل مضمر على شريطة التفسير اى أحصينا كل شىء من اعمال الطاغين وأباطيلهم أَحْصَيْناهُ كِتاباً منصوب على التميز او على الحال بمعنى مكتوبا او على المصدرية من قبيل ضربتهم سوطا اى أحصيناه إحصاء كتاب او بفعل محذوف اى أحصيناه كتبناه كتابا فى اللوح المحفوظ او فى صحف الحفظة قيل هذه الجملة معترضة والظاهر عندى انها تعليل لقوله تعالى وفاقا كما ان قوله انهم كانوا لا يرجون إلخ تعليل لقوله جزاء يعنى جزيناهم كذلك لاجل انكارهم للحساب وتكذيبهم بالآيات ويوافق الجزاء أعمالهم وفاقا حيث كتبنا أعمالهم وأباطيلهم لا يغادر فيها شىء فيجزيهم وفاق ذلك. فَذُوقُوا الفاء للسببية بمعنى ذوقوا العذاب بسبب إحصاء أعمالهم خطاب مع الطاغين على طريقة التفات للمبالغة فَلَنْ نَزِيدَكُمْ ايها الطاغون ما دمتم فى النار إِلَّا عَذاباً ع اخرج ابن ابى حاتم وابن مردوية وابن ابى هريرة الأسلمي مرفوعا ان هذه الاية أشد ما فى القرآن على اهل النار ورواه الطبراني والبيهقي فى البعث موقوفا والله اعلم ولما ذكر الطاغين ذكر الله سبحانه حال المتقين فقال. إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً فوزا ونجاة من النار او موضع فوز. حَدائِقَ بدل بعض من مفاز ان كان بمعنى الموضع والا فبدل اشتمال وَأَعْناباً هذا وما بعده بدل اشتمال من مفازا ويجوز عطفه على بدل البعض تقول أعجبني زيد وجهه وعلمه. وَكَواعِبَ جوارى نواهد قد تكعبت ثديهن واحدتها كاعب أَتْراباً مستويات السن. وَكَأْساً دِهاقاً قال ابن عباس والحسن وقتادة مملوة وقال سعيد بن جبير متابعة وقال عكرمة صافية-. لا يَسْمَعُونَ حال من الضمير فى للمتقين الراجع الى مفازا وهو الحدائق والجنات او صفة لكاسا وعلى هذا فالضمير فِيها راجع الى كاس اى لا يسمعون فى شربها كما كانوا يسمعون فى شرب كاسات الدنيا لَغْواً باطلا من الكلام وَلا كِذَّاباً ج قرأه الكسائي بالتخفيف على انه مصدر الكاذبة وقيل هو الكذب وقيل هو كالمشدد فى المعنى والباقون بالتشديد بمعنى التكذيب يعنى لا يكذب بعضهم بعضا ولا يوجد فى الجنة الكذب. جَزاءً مِنْ رَبِّكَ

النبأ 78:37

مصدر فعل محذوف موكد بجملة وقعت قبله كما ذكرنا فى قوله تعالى جزاء وفاقا عَطاءً مصدر كذلك اى يجزون جزاءا ويعطون عطاء حِساباً صفة لعطاء بمعنى كافيا وافيا من أحسبت فلانا اى أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبى قال ابن عتبة عطاء حسابا اى كثيرا فعلى هذا يكون تأكيدا لنفسه من قبيل الله اكبر دعوة الحق وله على الف اعترافا وقيل حسابا معناه على حسب الأعمال وقدرها فى القاموس هذا بحسبه اى بعدده وعلى هذا يستقيم المقابلة بما سبق جزاء وفاقا يعنى الطاغون يجزون جزاء موافقا لاعمالهم وأباطيلهم والمتقون يجزون جزاء على حسب أعمالهم وقدرها قلت بل على حسب مشية الله تعالى وفضله لقوله تعالى كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مأته حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ط وعلى حسب اخلاص العالمين ومراتب قربهم فان المقربين يعطون الاجر على القليل من العمل لا يعطى الأبرار على الكثير لما روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله - ﷺ - لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وهذا التفاوت فيما بين المقربين على تفاوت درجات قربهم قال المجدد رضى الله عنه الصحابة كانوا كلهم مستغرقين فى التجليات الذاتية الدائمة بكمالات النبوة وكثيرا من التابعين وقليل من اتباعهم كانوا كذلك وهم المقربون وبعد القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير انطفت أنوار تلك الدولة العظمى ودرست اثارها ثم بعد مضى الف سنة من الهجرة خلق الله سبحانه بعض الكرام وأعطاهم كمالات مثل كمالات الأولين كما نطق به الصادق المصدوق صلى الله عليه واله وسلم مثل أمتي كمثل المطر لا يدرى اوله خير أم آخره رواه الترمذي عن انس شبه رسول الله - ﷺ - اخر هذه الامة باوله بحيث لا يدرى ايها خير من الاخر وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال قال رسول الله - ﷺ - أبشروا ابشروا ان مثل أمتي مثل الغيث لا يدرى آخره خير أم اوله او كحديقة اطعم منها فوج عاما وفوج عاما لعل آخرها أفواجا يكون اعرضهم عرضا واعمقهم عمقا وأحسنهم حسنات الحديث رواه البيهقي ورواه رزين وعن صحابى بهم سمع النبي - ﷺ - انه يقول سيكون فى اخر هذه الامة قوم لهم اجر مثل اجرا ولهم رواه البيهقي فى دلائل النبوة وعلى هذا التأويل يكون قوله تعالى جزاء من ربك عطاء حسابا تأكيد الغيرة كما ذكرت فى جزاء وفاقا والله تعالى اعلم. رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا

النبأ 78:38

قرأ الكوفيون بالجر والباقون بالرفع الرَّحْمنِ قرأ عاصم وابن عامر بالجر والباقون بالرفع فعلى قراءة عاصم بالجر فيهما كلا الا سماين صفتان لربك فى قوله تعالى جزاء من ربك او بدل منه وعلى قراءة اهل الحجار والبصرة بالرفع فيهما رب السموات مبتداء والرحمن صفة له وما بعده خبره ويحتمل ان يكون رب السموات خبر مبتداء المحذوف اى هو رب السموات الرحمن صفة له او خبر ثان وما بعده خبر ثالث ويحتمل ان يكون الرحمن مبتداء وما بعده خبره وعلى قراءة حمزة والكسائي بالجر فى الاول والجر فى الثاني رب السموات خبر مبتداء محذوف فهو جملة معترضة والرحمن بدل من ربك وما بعده استيناف لا يَمْلِكُونَ اى اهل السموات والأرض مِنْهُ اى من الرحمن خِطاباً ج اى لا يقدر أحد ان يخاطبه منه وقال الكلبي معناه لا يملكون الشفاعة الا باذنه ويحتمل ان يكون معناه لا يمكن لاحد الاعتراض عليه سبحانه فى إعطاء الاجر بعضهم اكثر من بعضهم لانهم مملوكون على الإطلاق ولا يستحق أحد عليه شيئا والاجر تفضل منه فعلى هذا لا اعتراض عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال انما اجلكم من أجل ما خلا من الأمم من العصر الى مغرب الشمس وانما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عملا فقال من يعمل لى من نصف النهار على قيراط فعملت اليهود الى النصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لى من نصب النهار الى صلوة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار الى صلوة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لى من صلوة العصر الى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين الا فانتم الذين تعملون من صلوة العصر الى مغرب الشمس الا لكم الاجر مرتين فغضبت اليهود والنصارى فقالوا نحن اكثر عملا واقل إعطاء قال الله تعالى فهل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال الله تعالى فانه فضلى أعطيته من شئت رواه البخاري قلت معناه قوله صلى الله تعالى عليه واله وسلم انما اجلكم من أجل ما خلا من الأمم مانين العصر الى مغرب الشمس ان أعمار هذه الامة قصيرة وأعمالهم قليلة والمراد بالقيراطين الكثرة مطلقا كما فى قوله تعالى ارجع البصر كرتين لا تعيين الكثرة بقدر التضعيف والله اعلم وبتأويلنا هذا يرتبط هذه الاية بما سبق اى جزاء من ربك عطاء حسابا والله تعالى اعلم. يَوْمَ يَقُومُ ظرف للا يملكون او للا يتكلمون والاول اظهر الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ فى ذلك اليوم واختلفوا فى الروح فاخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال الروح فى السماء الرابعة وهو أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة وزاد البغوي انه يسبح كل يوم اثنى عشر الف تسبيح يخلق الله من كل تسبيحه ملكا يجئ يوم القيامة صفا واحدا واخرج ابو الشيخ عن الضحاك فى هذه الاية قال الروح صاحب الله يقوم بين يدى الله وهو أعظم ملائكة لو فتح فاه لوسع جميع الملائكة ما يخلق ينظرون اليه فمن مخافته لا يرفعون طرفهم الى من فوقهم واخرج ابو الشيخ عن على بن ابى طالب رض قال الروح ملك له سبعون الف وجهة لكل وجهة سبعون الف لسان لكل لسان سبعون لغة يسبح الله بتلك اللغات كلها واخرج من طريق عطاء عن ابن عباس قال الروح ملك واحد له عشرة وآلاف جناح ومن طريق ابى طلحة عنه انه من أعظم الملائكة خلقا وزاد البغوي فى قول عطاء عنه انه قال إذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا والملائكة صفا واحدا فيكون أعظم خلقة مثلهم واخرج ابو الشيخ عن مقاتل بن حبان قال الروح اشرف الملائكة وأقربهم الى الله وهو صاحب الوحى واخرج من وجه اخر عن الضحاك فى هذه الاية فالروح جبرئيل عليه السلام واخرج عن ابن عباس ان جبرئيل عليه السلام يوم القيامة لقايم بين يدى الجبار تبارك وتعالى يرغد فرايصه فرقا من عذاب الله يقول سبحانك لا اله الا أنت ما عبدناك حق عبادتك وان ما بين المشرق والمغرب وذلك قوله تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا واخرج ابو نعيم عن مجاهد وابن المبارك عن ابى صالح مولى أم هانى قال الروح خلق على صورة ابن آدم وليسوا بالإنسان زاد البغوي يقومون صفا والملائكة صفا هؤلاء جند وهؤلاء جند وكذا ذكر البغوي عن قتادة واخرج ابو الشيخ من طريق مجاهد عن ابن عباس مرفوعا قال الروح جند من جنود الله ليسوا بالملائكة لهم رؤس وايدوا رجل ثم قرأ يوم يقوم الروح والملائكة صفا قال هؤلاء جنده وهؤلاء جنده وذكر البغوي عن مجاهد عنه قال خلق على صورة بنى آدم وما ينزل من السماء ملك الا معه واحد منهم اخرج ابن المبارك وابو الشيخ فى العظمة عن البيهقي قوله تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا قال يقوم سماطين لرب العالمين يوم القيامة سماط من الملائكة وسماط من الروح وذكر البغوي

النبأ 78:39

انه قال الحسن هم بنو آدم ورواه قتادة عن ابن عباس وقال هذا مما كان يكتمه ابن عباس صَفًّا حال مفرد من فاعل يقومون او مصدر بفعل محذوف اى يصفون صفا والجملة حالان يتكلمون يعنى الروح والملائكة وهذه الجملة حال من فاعل يقوم وجملة يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يَتَكَلَّمُونَ تقرير وتوكيد لقوله لا يملكون منه خطابا فان هؤلاء الذين أفضل الخلائق وأقربهم الى الله إذا لم يقدروا على التكلم فكيف من عداهم إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ فى الكلام او الشفاعة استثناء من فاعل لا يتكلمون او من فاعل لا يملكون والاول اظهر لفظا لاتصاله والثاني معنى فان الاذن فى الشفاعة والكلام غير مختص بالروح والملائكة وَقالَ صَواباً اى حقا وصدقا واعتقد به فالقول هاهنا كانه كناية عن الاعتقاد والاعتقاد لا يظهر الا بالقول عطف على اذن له الرحمن يعنى من قال صوابا فى الدنيا يعنى لم يقل باطلا من الكلام كاذبا وأكذب الكذب الكفر بالله العظيم لعدم إمكان صدقه ثم قول اهل الهواء لان القران يكذبهم وقيل معنى قال صوابا قال لا اله الا الله فالكفار لا يوذن لهم ان يتكلموا او يعتذروا واهل الهواء وانى لهم درجة الشفاعة. ذلِكَ الْيَوْمُ اشارة الى ما سبق من اليوم المذكور بالصفات المذكورة مبتدأ الْحَقُّ خبره عرف للقصر على كونه حقا ثابتا لا شبهة فيه فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً مرجعا وسبيلا مقربا اليه بطاعاته واتباع رسله والهادين الى سبيله بالجذب والتسليك فليتخذ الفاء السببية فان كون ذلك اليوم حقا موجب الاتخاذ السبيل الى الله والى ربه متعلق بمآبا او ظرف مستقر حال منه. َّا أَنْذَرْناكُمْ ايها الكفارذاباً قَرِيباً ج يعنى عذاب الاخرة فان كل ما هوات قريب او عذاب القبر والموت اقرب من شراك النعل وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ الظرف متعلق بعذابا فانه بمعنى التعذيب اقَدَّمَتْ يَداهُ ما استفهامية منصوبة بقدمت او موصولة منصوبة بينظر والعائد من الصلة محذوف المعنى لتعذيب انه يرى كل امرأ يوم القيامة ما قدم من العمل شيئا فى صحيفة او يرى جزائه فى الاخرة او فى القبر انما أسند تقديم الأعمال الى اليد لان عامة الأعمال الجوارح منها او لان اليد كناية عن القدرة والقوة عن عثمان قال قال رسول الله - ﷺ - ان القبر أول منزلة من منازل الاخرة فان نجا منه فما بعده أيسر منه وان لم ينج منه فما بعده أشد منه والأحاديث فى العذاب القبر كثيرة وفى الصحيحين عن ابن عباس قال مر النبي صلى الله عليه واله وسلم بقبرين فقال انهما يعذبان فى الكبيرة اما أحدهما فكان لا يستتر من البول وفى رواية لمسلم لا يستنزه من البول واما الاخر فكان يمشى بالنميمة الحديث ويدل على روية العمل فى القبر حديث البراء بن عاذب بطوله وفيه فى ذكر المؤمن فيفسح له فى قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول ابشر بالذي يسرك هذا يومك كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه تجئ بالخير فيقول انا عملك الصالح الحديث وفيه فى ذكر الكافر ويضيق عليه قبره حتى يختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه وقبيح الثياب نتن الريح فيقول انا عملك الصالح الحديث ابشر بالذي يسؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه تجئ بالشر فيقول انا عملك الخبيث الحديث رواه احمد يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ع اخرج الحاكم عن عبد الله بن عمر وقال إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الله تعالى الخلائق الانس والجن والدواب والوحش فاذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقضى للشاة الجماء من القرناء فاذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها كونى ترابا فيرنها الكافة فيقول يا ليتنى كنت ترابا واخرج الدينوري عن يحى بن جعدة نحوه واخرج ابن جرير وابن حاتم والبيهقي عن ابى هريرة نحوه وذكر البغوي قول مقاتل نحوه وفيه يقول الكافر يا ليتنى كنت فى الدنيا فى صورة خنزير وكنت اليوم ترابا وذكر البغوي عن الزياد وعبد الله بن ذكوان قال إذا قضى بين الناس وامر اهل الجنة الى الجنة واهل النار الى النار قيل لسائر الأمم ولمومنى الجن عودوا ترابا فيعودون ترابا فحينئذ يقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا وبه قال ابن ابى سليم مومنوا الجن يعودون ترابا وقيل المراد بالكافر هاهنا إبليس وذلك انه عاب آدم انه خلق من التراب وافتخر بانه خلق من النار فاذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه المؤمنون من الثواب والرحمة وما هو فيه من الشدة والعقاب قال يا ليتنى كنت ترابا قال ابو هريرة فيقول التراب لا ولا كرامة لك من جعلك مثلى.

النازعات 79:1

سورة النّازعت مكيّة وهى ست وأربعون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً الواو للقسم وجواب القسم محذوف اى لتبعثن ولتحاسبين يدل عليه ما بعده والمراد بالنازعت غرقا الملائكة التي تنزع أرواح الكفار غرقا فى النزع فغرقا اسم أقيم مقام المصدر فهو مفعول مطلق من غير لفظ العامل نحو قعدت جلوسا يقال أغرق النازع فى القوس اى استوفى مدها بقوة وشدة وبالناشطات نشطا الملائكة التي يخرجون أرواح المؤمنين برفق من نشط الدلو إذا اخرج بلا كره او من نشط الحبل او امده حتى انحل فان المؤمن كان فى مصائب الدنيا كانه معقود محبوس فالملائكة الناشطات أخلصته وحلت حلا رقيقا كما ينشط العقال من يد البعير كذا حكى القراء وفى الحديث فى حال أرواح المؤمن كانما انشط من عقال عن البراء بن عاذب قال قال رسول الله - ﷺ - ان العبد المؤمن إذا كان فى انقطاع من الدنيا واقبال من الاخرة تنزل اليه ملائكة بيص الوجوه كان وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجئ ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند راسه فيقول أيتها النفس المطمئنة اخرجى الى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فياخذها فاذا أخذها لم يدعها فى يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلها فى ذلك الكفن وفى ذلك الحنوط ويخرج كاطيب نفحة مسك الحديث وان العبد الكافر إذا كان فى انقطاع من الدنيا تنزل اليه من السماء ملائكة سوداء الوجوه معهم المسوح فيجسلون منه مد البصر ثم تجئ ملك الموت حتى تجلس عند راسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجى الى سخط من الله قال فتفرق فى جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فياخذها فاذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يجعلوها فى تلك المسوح ويخرج منها كنتن ريح جيفة وفى رواية وينزع نفسه يعنى الكافر مع العروق

النازعات 79:3

رواه احمد قال البغوي قال ابن مسعود ينزعها يعنى نفس الكافر ملك الموت من تحت كل شعره ومن الأظافير واصول القدمين ويرددها فى جسده بعد ما ينزعها حتى إذا كادت تخرج ردها جسده فهذا عمله بالكافر وقال مقاتل ملك الموت وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل (فائده) ومن هاهنا يظهر ان النفس جسم لطيف على حسب الجسم الكثيف سار فى البدن ناش من العناصر الاربعة تفاميه الروح والقلب وغيرهما من لطايف عالم الأمر الجواهر المجردة الا مكانية التي تظهر فى النظر الكشف للطافتها وتجردها فى عالم المثال فوق العرش قالت الصوفية انه بكمال قدرته تعالى لا جعلت النفس فى معاملتها بمنزلة المرآة فى مقابلة الشمس فى النفس واقتلت النفس بها كما تمتلى المرآة بالشمس إذا قوبلت بها واتضاءت كالقمر إذا اتسق بانوار الشمس على راى الفلاسفة فحيوة البدن بالنفس وحيوة النفس بالأرواح المجردة وتنزع النفس من البدن عند أجل مسمى ولا يحل انتزاع الأرواح المجردة بالنفس ابدا كذا ما ورد فى الحديث ان النفس ينزع من البدن ويجعل فى الأكفان والحنوط والمسوح يسعد بها فيفتح أبواب السماء لنفس المؤمنة الى السماء السابعة فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدى فى عليين واعيدوه الى الأرض فانى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة اخرى ولا يفتح أبواب السماء للكافر بل يطرح روحه الى الأرض صريح على كونه جسما مخلوقا من الأرض وعلى هذا التحقيق لا مجال لانكار عذاب القبر على ما ذهب اليه اهل الهواء مع قطع النظر من البدن الكثيف وعند اهل الحق عذاب القبر يمكن على البدن الكثيف ايضا ولا يمنعه الموت كما مر تحقيقه فى سورة البقرة والله تعالى اعلم. وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً قال مجاهدهم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كالفرس الجواد. فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً قال مجاهد هى الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح وقال مقاتل هى الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين الى الجنة يعنى الى الثواب قلت وأرواح الكفار الى العذاب قلت وهم الذين ورد ذكرهم فى حديث البراء المذكور ان ملك الموت إذا أخذ نفسا لم يدعها فى يده طرفة عين حتى يأخذها وعن ابن مسعود السابقات هى انفس المؤمنين تستبق الى الملائكة الذين يقبضونها شوقا الى لقاء الله وكرامة غاية السرور. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً اخرج ابن ابى الدنيا عن ابن عباس فى المدبرات امرا قال

النازعات 79:6

ملائكة مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم فمنهم من يعرج بالروح ومنهم من يؤمن على الدعاء ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى فى حفرته وقال البغوي قال ابن عباس هم الملائكة الذين وكلوا بامور عرفهم الله عز وجل العمل بها قال عبد الرحمن بن سابط يدبر الأمر فى الدنيا اربعة جبرئيل وميكائيل وملك الموت واسرافيل اما جبرئيل فوكل بالرياح والجنود واما ميكائيل فوكل بالمطر والنبات واما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس واما اسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم قال قتادة. غير بجمعيتها غير المدبرات بالنجوم فانها تنزع من أفق الى أفق ثم تغيب وتنشط من أفق الى أفق اى تذهب وقال الله تعالى فيها كل فلك يسبحون وتسبق بعضها على بعض فى السير وهذا قول ضعيف فانه لا فرق حينئذ بين النزع والنشط والسبح ولا وجه لذكر شىء واحد اربع مرات والفرق بين النزع والنشط بان حركتها من المشرق الى المغرب قسرية فتغرب بالنزع غرقا وحركاتها من برج الى برج طبعية ملايمة فسمت بالنشط مبنى على مذهب الفلاسفة القائلين بانطباق السموات بعضها على بعض حتى يتصور القصر والثابت من الشرع ان مسافة ما بين السماء الى السماء خمسمائة عام وذكر فى تاويل هذه الاية وجوه اخر بناء على احتمال العقل من غير نقل من السلف قال البيضاوي هى صفات للنفوس الفاضلة حال المفارقة فانها تنزع من الأبدان نزعا شديدا من إغراق النازع فى القوس فتنشط الى عالم الملكوت وتسبح فيه وتستبق فى خطاير القدس حتى يصير لشرفها وقوتها من المدبرات او حال سلوكها فانها تنزع عن الشهوات وتنشط الى عالم القدس فتسبح فى مراتب الارتقاء فتسبق الى الكمالات حتى تصير من الكمالات او صفات انفس الغزاة اى أيديهم بنزع القسي بإغراق السهم وينشطون بالسهم للرحى ويسبحون فى البر والبحر فيسبقون الى حرب العدو فيدبرون أمرها او صفات خيلهم فانها تنزع فى أعنتها وتغرق فى عرقها والاعنة أطول أعناقها ويخرج من دار الإسلام الى دار الكفر وتسبح فى جريها وتسبق الى العدو فتدبر امر الظفر والله تعالى اعلم. يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ متعلق بجواب القسم المحذوف يعنى لتبعثن ولتحاسبين يوم ترجف الراجفة وظرفية ذلك اليوم باعتبار اجزائها فان مقدار ذلك اليوم خمسين الف سنة من النفخة الاولى الى دخول الجنة او النار اخرج البيهقي عن مجاهد فى قوله تعالى ترجف الراجفة فقال ترجف الأرض والجبال وهى الزلزلة

النازعات 79:7

تتبعها الرادفة قال دكتا دكة واحدة. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ فى موضع الحال من فاعل ترجف والمراد بالراجفة النفخة الاولى وبالرادفة النفخة الثانية كذا اخرج البيهقي عن ابن عباس وانما سميت الاولى بالراجفة لانها توقع الزلزلة فيحرك بها كل شىء ويموت منها الخلائق والثانية بالرادفة لانها رديفة الاولى اخرج ابن المبارك من مرسل الحسن بين النفختين أربعون سنة الاولى يميت الله بها كل ميت قال الحليمي اتفقت الروايات على ان بين النفختين أربعون سنة وفى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - ما بين النفختين أربعون قالوا يا أبا بريرة أربعون يوما قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شى الا يبلى الا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة واخرج ابن ابى داود فى البعث عن ابى هريرة عن النبي ﷺ نحوه وفيه بين النفختين أربعون عاما والاول أصح واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس يسيل واد من ماء فيما بين النفختين ومقدار ما بينهما أربعون فينبت كل خلق بلى من انسان او حيوان ودابه ولو مر عليهم مار قد عرفهم قيل ذلك على وجه الأرض لعرفهم فتنبتون ثم يرسل الأرواح فيزوج بالأجساد فذلك قول الله تعالى. وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ. قُلُوبٌ مبتداء يَوْمَئِذٍ متعلق بفعل يدل عليه واجِفَةٌ خبر اى مضطربه اضطرابا شديدا مستعار من الواجف بمعنى سريع السير. أَبْصارُها اى أبصار أصحابها خاشِعَةٌ ذليلة من الخوف الجملة خبر بعد خبر لقلوب او صفة لواجفة. يَقُولُونَ تعليل لواجف قلوبهم وخشوع أبصارهم يعنى يلحقهم الاضطراب والزلزلة انهم ينكرون البعث ويقولون فى الدنيا هذا القول أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ الاستفهام للانكار يعنى كنا مردودين قرأ ابو جعفر انا بحذف همزة الاستفهام لفظا وإرادته معنى فِي الْحافِرَةِ اى فى الحيوة الاولى يعنى حيوة بعد الموت يقال رجع فلان فى الحافرة يعنى طريقه التي جاء فيها فحفرها اى اثر فيها بمشيته كقولهم عيشة راضية او على تشبيه القابل ما يقابل وقال ابن زيد الحافرة النار. أَإِذا كُنَّا عِظاماً قرأ نافع والكسائي ويعقوب والحمزة وعامر إذا كنا بغير همزة الاستفهام والباقون بالهمزة للانكار بعد الإنكار للتاكيد والظرف متعلق بمحذوف تقديره انبعث إذا كنا ويحتمل ان يكون متعلقا بمردودون نَخِرَةً يابسة قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي

النازعات 79:12

بالألف ناخرة والباقون بغير الف اخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب قال لما نزل قوله تعالى يقولونء إنا لمردودون فى الحافرة قال كفار قريش لئن رجعنا بعد الموت لنخسرن فنزل. قالُوا عطف على يقولون او حال بتقدير قد من فاعل يقولون لكن نزول تلك الاية كما يدل عليه رواية سعيد بن منصور عن محمد بن كعب يابى على كونه حالا تِلْكَ اشارة الى الرجعة المفهوم من قولهء إنا لمردودون فى الحافرة مبتداء إِذاً اى كان كذلك اى كما يقول محمد شرط استغنى عن الجزاء لوقوعه فى وسط جملة تدل على الجزاء تقديره إذا كان كذلك فتلك الرجعة كَرَّةٌ رجعة خاسِرَةٌ اى ذات خسران وخاسر أصحابها والمعنى انها ان صحت فنحن خاسرون لتكذيبنا وهذا استهزاء منهم. فَإِنَّما هِيَ اى النفخة الثانية زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فى الصحاح الزجر الطرد بالصوت يقال زجرته فانزجر ومنه هذه الاية فان الناس يطردون فى الأرض بصوت ينفخ فى الصور ثم يستعمل تارة فى الصوت كما فى قوله تعالى والزاجرات زجرا يعنى الملائكة التي زجرن السحاب بالصوت وتارة بالطرد كما فى قوله تعالى مجنون وازدجر يعنى طرد ومنع. فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ الفاء للعطف وإذا للمفاجاة أضيفت الى جملة اسمية جعلها فى قوة الفعلية معطوفا على فعلية تقديره يقولون فى الدنيا كذا فيفاجئون وقت كونهم بالساهرة وجملة فانما هى زجرة واحدة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه لبيان كون الرجفة التي أنكروها سهلة بينة عند الله تعالى استفهام اى قد اتيك الى غير مستصعبة والساهرة وجه الأرض يعنى إذا هم احياء بوجه الأرض وقيل هى ارض القيامة وقال قتادة هى جهنم. هَلْ أَتاكَ استفهام تقرير اى قد اتيك حَدِيثُ مُوسى جملة معترضية تسلية النبي صلى الله عليه واله وسلم على تكذيب قومه وتهديدهم بأن يصيبهم مثل ما أصاب من كان أعظم منهم. إِذْ ناداهُ رَبُّهُ الظرف متعلق مفهوم حديث موسى اى هل اتيك الحديث المتعلق بموسى وقت نداء ربه إياه بِالْوادِ والباء بمعنى فى الْمُقَدَّسِ طُوىً قرأ الكوفيون بالتنوين ويكسرون نونها لالتقاء الساكنين بتأويل كونه علما للمكان وقيل هى كثنى من الطى مصدر لنودى او المقدس اى نودى ندائين او قدس مرتين وقرأ الباقون بغير تنوين لانه معدول تقديرى اى عن طاو واسم لواد فعدل عن الصرف او لانه علم لمونث بتأويل البقعة

النازعات 79:17

فهو عطف بيان للوادى واذهب بيان لنادى بتقدير القول اى قال. اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى قبيل الذهاب. فَقُلْ عطف على اذهب هَلْ لَكَ ميل إِلى أَنْ تَزَكَّى قرأ اهل الحجاز ويعقوب بتشديد الزاء والباقون بالتخفيف بحذف احدى التاءين اى تسلم وتطهر من الشرك قال ابن عباس تشهد ان لا اله الا الله. وَأَهْدِيَكَ أريك لسبيل إِلى رَبِّكَ اى معرفته وعبادته وتوحيده فَتَخْشى ج عقابه فتؤدى الواجبات وتترك المحرمات على ان أهديك والفاء للسببية فان الخشية مسبب للمعرفة والمعرفة مسبب للهداية. فَأَراهُ معطوف على محذوف يعنى ذهب وبلغ فاراه الْآيَةَ على صدقه الْكُبْرى صلى اى المعجزات الباهرة العظيمة فى الدلالة على صدقه وافرادها لان كلها من حيث الدلالة كالاية الواحدة او المراد بها قلب العصى حية. فَكَذَّبَ فرعون موسى وَعَصى الله ورسوله بعد ظهور صدقه بالمعجزات. ثُمَّ أَدْبَرَ من ذلك المكان حين راى الثعبان مسرعا فى مشيه اليه يَسْعى صلى حال من فاعل أدبر او المعنى عن الايمان والطاعة حال كونه يسعى فى الفساد فى الأرض. فَحَشَرَ جمع جنودا والسحرة فَنادى صلى فى مجمعه. فَقالَ بيان لنادى والفاء للتفسير أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى صلى يعنى لا رب لكم فوقى او ان أعلى من كل من يلى أمركم وقيل أراد ان الأصنام ارباب وانا ربها وربكم. فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ط النكل فى اللغة الضعف والعجز ويقال لا يمنع الشيء عن الشيء ويعجزه عنه فيطلق على قيد الدابة وحديدة اللجام لكونهما مانعين والنكال اسم من التنكيل يقال نكلت به إذا فعلت به من عقاب الشديد ما يمنع غيره عن ارتكاب مثله فالنكال هاهنا اما صفة لمصدر محذوف مؤكد لما قبله اى اخذه الله أخذ أنكالا مانعا لمن أراه او سمعه ان يفعل مثله او اخذه الله نكله نكالا وإضافته اما بمعنى فى يغنى نكالا فى الاخرة بالإحراق وفى الدنيا بالاغراق كذا قال الحصن وقتادة او بمعنى اللام يعنى نكله نكالا للكلمة الاخرة وهى هذه قوله ما علمت لكم من اله غيرى وكان بينهما أربعون سنة كذا قال مجاهد وجماعة. إِنَّ فِي ذلِكَ الاخذ والنكال لَعِبْرَةً موعظة لِمَنْ يَخْشى ط لمن كان من شانه الخشية صفة لعبرة ثم خاطب منكرى البعث على سبيل الالتفات واحتج عليهم على البعث وكونه تعالى قادرا عليه بما ظهر من قدرته

النازعات 79:27

فى إيجاد العالم فقال. أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ ط مبتداء محذوف الخبر تقديره أنتم أشد خلقا أم السماء أشد خلقا منكم والاستفهام للتقرير والمراد بالسماء هى وما فيها بقرينة ذكر الأرض والجبال فى مقام التفصيل والحاصل ان السماء وما فيها أشد خلقا منكم البتة لانكم بعض ما فيها والكل أعظم وأشد من الجزء بالبداية والاعادة أهون من الله بَناها صفة للسماء اما على ان اللام زايدة على طريقة لقد امر على اللئيم يسبنى او على حذف الموصول اى التي بناها او جملة ثانية معطوفة على الاول بحرف مقدر ويحصل من القضيتين مادة البرهان تقديره ان الله بنى السماء التي هى أشد خلقا منكم وكل من هو قادر على بناءها قادر على إعادة ما هو أضعف منها. رَفَعَ سَمْكَها السمك الارتفاع والمعنى جعل مقدار ارتفاعها من الأرض او جعل تحتها الذاهب فى العلو رفيعها والجملة بيان لجملة بناها او بدل اشتمال منه فَسَوَّاها عمد لها وجعلها مستوية بلا قطور. وَأَغْطَشَ لَيْلَها اى جعلها ذا ظلمة يقال غطش الليل إذا اظلم أضاف الليل الى السماء لحدوثها بحركة الشمس المستقر فيها وَأَخْرَجَ ضُحاها اى ابرز ضوء شمسها وجعل النهار موجودا منها. وَالْأَرْضَ منصوب بفعل محذوف على شريطة التفسير يعنى ودحى الأرض بَعْدَ ذلِكَ اى بعد خلق السماء دَحاها بسطها للسكنى قال ابن عباس خلق الله الأرض بأقواتها فى يومين من غير ان يدحوها قبل السماء ثم استوى الى السماء فسويهن سبع سموات فى يومين بعد ذلك ثم دحى الأرض فى يومين بعد ذلك فخلقت الأرض وما فيها من شىء فى اربعة ايام وقيل معناه الأرض مع ذلك دحيها كقوله تعالى عتلّ بعد ذلك زنيم فى التفسير البيضاوي حمل كلمة بعد هاهنا على الحقيقة وقال فى قوله تعالى ثم استوى الى السماء ان ثم لتفاوة ما بين خلقتى السماء والأرض من الفصل كما فى قوله تعالى ثم كان من الذين أمنوا والتأويل الاول لكونه مستفادا من كلام السلف اولى. أَخْرَجَ مِنْها اى من الأرض ماءَها ينفجر العيون فيها وَمَرْعاها ص كلائها تسمية الحال باسم المحل او مصدر بمعنى المفعول وجملة اخرج معطوفة على الأرض نظيره له. وَالْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً اى تمتيعا منصوب على العلية من دحى وارسى على سبيل التنازع لَكُمْ ايها الناس وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى

النازعات 79:35

الفاء للسببية يعنى إذا ثبت البعث بأخبار الله تعالى بعد إمكانه وظهور قدرته سبحانه تعالى عليه بما ظهر من قدرته فى إيجاد العالم فاعلموا صفته وقت مجيئه وغيرها بالطامة الكبرى ليعلم بعض صفاته من عنوانه والطم فى اللغة الغلبة ويقال للبحر لانه يغلب كل شىء والطامة عند العرب الداهية التي لا يستطاع من ذلك سميت القيامة طامة لانها تطم الدواهي كلها وتغلبها ثم وصفها بالكبرى لمزيد تأكيدها فى الطم وإذا ظرف يتضمن معنى الشرط و. يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ بدل منه ما سَعى ما مصدرية او موصولة يعنى يرى اعماله عدد ما فى صحيفته وكان قد نسيها من قبل لفرط الغفلة او طول المدة. وَبُرِّزَتِ عطف على يتذكر اى يوم يبرز يظهر الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى لكل من يرى قال مقاتل يكشف عنها الغطاء فيظهر إليها الخلق اما الكفار فيدخلها واما المؤمن فيمرون من الصراط على ظهرها او المراد لمن يرى الكفار وجواب إذا قيل محذوف دل عليه يوم يتذكر والظاهر ان جوابه ما بعده من التفضل ولا ضرورة فى التقدير. فَأَمَّا مَنْ طَغى اى جاوز الحد فى العصيان حتى كفر. وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا على الاخرة باتباع الشهوات وهواء النفس. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى هى فصل او مبتداء واللام فى المأوى يدل على المضاف اليه عند الكوفيين اى ماواه وعند السيبويه والبصريين تقديره هى المأوى له عن ابى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من أحب دنياه اخر آخرته ومن أحب آخرته اخر بدنياه فاثروا ما يبقى على ما يغنى رواه احمد والبيهقي فى الشعب وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره متفق عليه وعند مسلم حفت مكان حجبت وعنه ان الدنيا ملعونة وملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالم او متعلم رواه الترمذي وابن ماجه. وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ اى مقامه يوم القيامة لحساب ربه وَنَهَى النَّفْسَ الامارة بالسوء عَنِ الْهَوى فى الصحاح الهوى ميل النفس مما يشتهيه قيل سمى به لانه يهوى صاحبه فى الدنيا الى كل داهية وفى الاخرة الى الهاوية والهوى الانهدار والسقوط عن علو اعلم ان الهوى راس المنهيات وأساس المحرمات قال ابو بكر الوراق ان الله لم يخلق خلقا أخبث من الهوى قلت وهو قبيح عقلا وشرعا اما عقلا فلان حقايق الأشياء كما هى فى نفس الأمر لا سيما حقائق المبدأ والمعاد وعواقب الأمور من الأخلاق والافعال وغيرها المستدعية لحسنها وقبحها مما لا يدرك غالبا بالرأي وان أدرك بعضها بالرأي فلا يليق بالوثوق ما لم يستفاد من علام الغيوب بتوسط الرسل عليهم السلام والا لما احتيج الى الرسل فتحصيل العقائد الصحيحة والعلم بالأعمال الحسنة والقبيحة والعمل بها وبالأخلاق الشريفة والرذيلة لا يتصور الا باتباع الرسل على خلاف الهوى واتباع الهوى يضاده واما شرعا فلان الله سبحانه قال وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وفى الصحاح العبودية اظهار التدلل والعبادة ابلغ منها وهى ضربان عبادة بالتسخير كما يدل عليه قوله تعالى ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وكرها وعبادة بالاختيار وهو مطلوبة من الثقلين فكما ان الأشياء كلها بالتسخير والاضطرار لا يتصور منه الا ما شاء الله وأراد فلا بد ان يكون كذلك بالاختيار لا يصدر منه شىء من افعال القلوب والجوارح وصفات النفس الا ما أراد الله وامر به بلا مدخل للهواء فيه وضده واتباع الهوى فهو ينافى العبودية فكل باطل قبيح منشعب من الهوى ومنبعث من الآراء الكاسدة قالت الكفار بناء على فساد رأيهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ابشرا منا واحدا نتبعه قالت المجسمة الباري موجود وكل موجود جسم متحيز وقالت المعتزلة وغيرهم لا يتصور عذاب القبر ووزن الأعمال والصراط ونحو ذلك والفساق مع اعترافهم بوجوب امتثال الرسول والقران وعلمهم بعذاب الاخرة وعلى مساوى الأخلاق والأعمال لم يثبتوا على الشرائع باتباع الهوى والشهوات فتركوا الواجبات وارتكبوا المحرمات والمكروهات فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثلث مهلكات هوى الى بئس العبد عبد الهوى يضله رواه الترمذي والبيهقي عن اسماء بنت عميس وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثلث مهلكات هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرأ بنفسه وهى أشد هن رواه البيهقي عن ابى هريرة قلت والثلث كلها راجعة الى الهوى وان كان المراد فى الحديث بالهوى بعض افرادها (فائدة) ترك الهوى على مراتب أدناه اجتناب ما هو يخالف ظاهر النصوص واجماع السلف فى العقائد وبه يصير مسلما سنيا وأوسطه ما قال مقاتل ان يهم الرجل المعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها ومن تمام هذه المرتبة ترك المشتبهات واجتناب عمالا بأس به حذرا عما به بأس قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من اتقى المشتبهات ويتر العرضه ودينه ومن وقع فى المشتهيات وقع فى المحرمات كراعى يرعى حول الحمى يوشك ان يواقع متفق عليه عن النعمان بن بشير وايضا من تمامه قصر دايرة المباح على بالابد منه وترك الهوى فى الفضول منها قال رسول الله - ﷺ - من الإسراف ان تأكل كل ما اشتهيت رواه ابن ماجه والبيهقي عن انس قال المجدد رض قال سيدنا قبلتنا الشيخ الاجل الشيخ بهاء والدين النقشبندي وجدت طريقا اقرب طرق الى الله سبحانه وهى المخالفة مع النفس يعنى مع زيادة الرعاية الشريعة والله تعالى اعلم وهاهنا تدقيق وهى ان المعصية منها ما هو ظاهر يمكن التحرز عنها مخالفة المقام لجانب ربه العلام ومنها ما هو أدق من دبيب النمل وذلك ما كان منها فى لباس الحسنات كالرياء او العجب وتزكية النفس المنهي عنها فى كثرة النوافل والطاعات وهذا من مزال الاقدام قال بعض الاكابرة لمريده يا بنى لا أخاف طرق الشيطان إليك من سبيل السيئات ولكن أخاف ان يطرق إليك من طريق الحسنات والتحفظ فى هذا المقام اتهام نفسه فى كل مأتى به والتضرع والاستغفار- (أبيات) خالف النفس والشيطان واعصهما؍ وان هما محضاك النصح فاتهم؍ ولا تطع منهما خصما ولا حكما؍ فانت تعرف كيد الخصم والحكم؍ استغفر الله من قول بلا عمل؍ لقد نسبت به نسلا لذى عقم؍ والحصين فى كل الحصين فى هذه المقام التشبث بذيل شيخ فإن فى الله باق به وان لا يفعل شيئا الا بامره واجازته ذكر الشيخ الامام يعقوب الكرخي رحمة الله عليه من بدأ حاله انه قال كنت نجارا فادركت فى نفسى تكاسلا وفى باطني شيئا من الظلمة فاردت ان أصوم أياما ليذهب ذلك فصمت وأصبحت عند الشيخ الامام الاجل بهاء الملة والدين النقشبندي فامر الشيخ بإحضار الطعام وقال لى كل فانه بئس العبد عبد هوى تضاله وقال ان الاكل أفضل من الصوم ان كان بهوى النفس ففهمت انه لا بد فى العبادة النافلة ايضا من اذن من الشيخ الفاني فى الله المستخلص عن الهوى قال قلت للشيخ بهاء الدين ان لم يوجد شيخ كذلك فماذا يفعل المرء قال فقال الشيخ ليستغفر الله كثيرا او يستغفر بعد كل صلوة عشرين مرة فانه قال رسول الله - ﷺ - انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله كل يوم مأية مرة وأعلى المراتب الانتهاء عن الهوى سلب الهوى عن نفسه بالكلية بحيث لا يكون له مراد ومطلب غير الله سبحانه وغير مراده ولتحصيل هذه المرتبة تكثير الصوفية تكرار لا اله الا الله بملاحظة

النازعات 79:41

لا مقصود الا الله قال المجدد رض ان العبد ما دام فى هوى نفسه فهو عبد نفسه مطيع الشيطان وهذه الدولة العظمى يعنى سلب الهوى بالكلية منوط بالولاية الخالصة ومربوط بالفناء والبقاء الأكملين قلت وفى هذه المرتبة يحصل للصوفى الرضاء بما قدر الله له وان كان خلاف طبعه وانه يدعو لدفع ضرر نزل به بناء على انه مامور بالدعاء او طلب العافية لا لاجل ضيق صدره من فقدان مراده وفى هذه المرتبة يكون عبد الله تعالى بالاختيار كما هو عبد الله بالتسخير والاضطرار وح لا يجد الشيطان اليه سبيلا الا نادر الان سبيله الى الإنسان غالبا يكون بتوسط لهوى الا ترى ان من هو محرور المزاج مغلوب الغضب يزين له الشيطان من اعماله القتل والظلم ونحو ذلك ومن هو مبرود المزاج ضعيف القلب يزين له الشيطان القرار من الزحف وترك الغيرة فى الحق والنفاق ونحو ذلك وقس على هذا فاذا أزال الهوى منه انسد طرق الشيطان اليه كلها وذلك مصداق قوله تعالى ان عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ومن هذا المقام قال شيخ الاجل يعقوب الكرخي ان الرجل لا يبلغ مبلغ الرجال حتى يخلص من الهوى وفى هذا المقام يطلق على العبد انه مومن حقيقى وهو المراد من قوله صلى الله عليه واله وسلم لا يومن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به رواه البغوي فى الشرح الستة وقال النووي فى اربعينه حديث صحيح. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ليس له ماوى سواها اخرج ابن حاتم من طريق جبير عن الضحاك عن ابن عباس ان مشركى مكة سالوا النبي صلى الله عليه واله وسلم فقالوا متى تقوم الساعة استهزاء منهم فأنزل الله تعالى. يَسْئَلُونَكَ اى كفار قريش عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ط اى متى قيامها مصدر من الراس بمعنى القيام والثبوت واخرج الحاكم وابن جرير عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يسال عن الساعة حتى انزل الله عليه يسالونك عن الساعة إلخ فانتهى واخرج الطبراني وابن جرير عن طارق بن شهاب قال كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ط احرج ابن حاتم عن عروة مثله والحاصل ان النبي - ﷺ - بشدة حرصه على جواب السائلين عن وقت قيامها كان يسال الله سبحانه عنها نزلت هذه الاية فظهران فى اخفائها حكمة وانه لا يرجى علمها فانتهى عن السؤال عنها وما فى فيم استفهامية للانكار

النازعات 79:44

ومن ذكريها بيان لما اى فى شىء أنت فى ذكر الساعة وبيان وقتها لا يجوز كذلك ولا يتصور لانك لا تعلمها ولا يجوز ان يعلم لحكمة فى اخفائها او المعنى فى اى شىء أنت حال كون ذلك الشيء من ذكر الساعة وبيان وقتها يعنى لست فى شىء من ذكرها وعلمها يعنى ليس شىء من علمها عندك يقال ليس فلان فى العلم من شىء يعنى ليس شىء من العلم عنده ويحتمل ان يكون فيم خبر مبتداء محذوف يعنى فيم هذا السؤال واى فايدة فيه ثم استأنف وقال أنت من ذكريها اى من علاماتها وموجب تذكرها فانك ختم الأنبياء عن انس قال قال رسول الله - ﷺ - بعثت انا والساعة كهاتين متفق عليه وعن المستورد بن شداد عن النبي - ﷺ - قال بعثت فى نفس الساعة فاسبقتها كما سبقت هذه هذه بإصبعيه السبابة والوسطى رواه الترمذي وقيل فيم أنت من ذكريها متصل بالسؤال يعنى يسئلونك عن الساعة أيان مرسها ويقولون واين أنت من ذكرانها وبيان وقتها فتذكر وقتها على التعيين. إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ط يعنى مدة تقوم الساعة عند انقضائها مفوض الى ربك لا يعلمها غيره فهذه التعليل للانكار السابق جوابا للسوال وان كان من تتمة السؤال فهذا جواب. إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ط يعنى لم تبعث لبيان وقت الساعة انما بعثت لتنذر منها من يخشى شدايدها حتى تجتنب من موجباتها من يخشى لانه هو المنتفع الشدائد والعلم بوقوع الساعة قطعا يكفى للانذار ولا حاجة فيه الى بيان وقت وقوعها وتخصيص من يخشى لانه هو المنتفع بالإنذار وهذه الجملة تأكيد لما سبق من التعليل لانكار السؤال. كَأَنَّهُمْ اى الناس يَوْمَ يَرَوْنَها اى الساعة والظرف متعلق بمعنى التشبيه المفهوم من كان لَمْ يَلْبَثُوا خبر كان اى لم يلبثوا فى الدنيا والقبور زمانا إِلَّا عَشِيَّةً اى عشية يوم واحد أَوْ ضُحاها امال حمزة والكسائي اواخر هذه السورة من قوله تعالى هل اتيك حديث موسى الى آخرها الا دحيها فان حمزة فتحها وورش ما ليس فيه هاؤ الف بين بين وغيرها بالفتح الا ذكريها فبين بين وابو عمرو ما فيه راء امال وغيرها بين بين والباقون بالفتح كلها اى ضحى تلك العشية أضيف الضحى الى العشية لملابسة اجتماعها فى يوم واحد يعنى انهم يزعمون مدة لبثهم فى الدنيا والقبور لكونها متناهية ولانقضائها وانعدامها كان لم يكن ولعدم تناهى زمان للعذاب ولشدة ذلك العذاب زمان قصير جدا نظيره قوله تعالى لبثنا يوما او بعض يوم وهذه الاية كانه جواب لسوالهم عن وقت مجيئها يعنى ان قيام الساعة قريب جدا.

عبس 80:1

سورة عبس مكيّة وهى اثنتان وأربعون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ذكر البغوي ان ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بنى عامر ابن لوى اتى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يناجى عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وابى وامية ابني خلف يدعوهم الى الله يرجوا إسلامهم فقال ابن أم مكتوم يا رسول الله اقرئنى وعلمنى مما علمك الله فجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدرى انه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهية فى وجهه - ﷺ - لقطع كلامه وقال فى نفسه يقول هؤلاء الصناديد انما اتباعه العميان والعبيد والسفلة فعبس وجهه واعرض عنه واقبل على القوم الذين كان يكلمهم فانزل الله تعالى عَبَسَ محمد اى كلح وَتَوَلَّى اعرض وجهه. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ومحله النصب على انه مفعول لاحد الفعلين على التنازع او لان جاءه الأعمى وهو ابن أم مكتوم المذكور كذا اخرج الترمذي والحاكم عن عائشة وفيه قال ابن أم مكتوم أترى عما أقوله بأسا قال رسول الله - ﷺ - لا واخرج مثله عن انس وكذا روى ابن ابى حاتم عن ابن عباس وفيه فكان رسول الله - ﷺ - بعد ذلك إذا راه يكرمه ويقول مرحبا بمن عاتبتى فيه ربى ويقول له هل لك من حاجة وفيما روى الترمذي والحاكم عن عائشة ان النبي - ﷺ - استخلفه على المدينة مرتين فى غزوتين غزاهما وذكر الأعمى فى الاية اشعار بعذره فى الاقدام على قطع كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وَما يُدْرِيكَ ما نافية او استفهامية للانكار ومعناه النفي يعنى أنت ما أدريت بحاله واى شىء يجعلك داريا بحاله وفيه ايماء إلى العذر فى حق النبي - ﷺ - يعنى انك لو كنت عالما بحال الأعمى لم تعرض عنه مقبلا على غيره وفى الاية إجلال للنبى - ﷺ - بوجوه أحدها انه ذكر موجب الإنكار والاعراض عنه فى بدأ الكلام بلفظ الغيبة ولم يسند ذلك الفعل اليه بالتخاطب إيهاما بان من صدر ذلك الفعل كانه غيره وليس من شأنه ان يصدر منه مثله وتوجيه ذلك

عبس 80:4

ان الأعمال انما هى بالنيات وما كانت فى نية النبي - ﷺ - الاعراض عنه مطلقا بل كان غرضه ان هذا الرجل مؤمن لا يضره التأخير فى تعليمه ولا يخاف منه التولي والانحراف وان صناديد قريش عند الاعراض عنهم يذهبون ولا ينظرون ولو انهم أمنوا لا من معهم خلق كثير وتساع كلمة الله فبهذا الغرض كانه لم يصدر عن النبي - ﷺ - التولي عن الأعمى وان وجد منه صورة التولي وثانيها انه ذكر الإيماء الى الاعتذار منه ﷺ بانك لم تكن تعلم والا لما صدر عنك ذلك وثالثها الالتفات اليه من الغيبة الى التخاطب أينا ساله دفعا للايحاش وإقبالا عليه دفعا لتوهم الاعراض ورابعها اسناد موجب العذر اليه ﷺ بالتخاطب تصريحا بكونه معذورا فيما صدر عنه لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أصله يتزكى اى يتطهر بكماله من الشرك الجلى والخفي ورزائل النفس وهوائها وتعلق القلب بغير الله سبحانه وذهاب الغفلة عن سائر لطايف عالم الأمر وزوال صولة كل عنصر من عناصر عالم الخلق بفيض صحبة النبي - ﷺ - وبركة أنفاسه الشريفة واقتباس أنواره الظاهرة والباطنة. أَوْ يَذَّكَّرُ أصله يتذكر اى يشتغل بما يذكر الله سبحانه ويزيد حضوره ويفيد خشيته من عذابه ورجاء ثوابه فَتَنْفَعَهُ قرأ عاصم بالنصب على جواب لعل والباقون بالرفع عطفا على يذكر الذِّكْرى فى الصحاح الذكرى كثرة الذكر وهو ابلغ من الذكر لقوله تعالى لعله يزكى اشعار الى غاية منازل الأبرار وقوله او يذكر اشارة الى بداية حال الأخيار ولم يذكر هاهنا حال المقربين الصديقين لان المقام مقام الانانية واما المقربون فملاك أمرهم على الاجتباء وذلك بالاصالة مختص بالأنبياء وبالوراثة والطفيل لمن شاء الله تعالى من الأصفياء وكلمة او بين لمنع الخلو دون الجمع كما فى قوله جالس الحسن او ابن سيرين والجملة معترضة لما ذكرنا من الفوائد والبيان صلوح الأعمى للخطاب وفيه تعريض بان صناديد قريش ليسوا بأهل للخطاب وفيه تعريض لا يرجى ما يقصد منهم كمن يقرا مسئلة لمن لا يفهمها وعنده اخر قابل لفهمها فيقال بل هذا يفهم ما تقول وقيل ضمير لعله راجع الى الكافر يعنى انك تطمع منه تزكى او تذكر وما يدريك ان ما تطمع فيه كاين وعلى هذا جملة لعله يزكى مفعول ثان ليدريك والله تعالى اعلم. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى قال ابن عباس استغنى عن الله وعن الايمان بماله من المال. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى قرأ نافع وابن كثير بتشديد الصاد

عبس 80:7

بإدغام التاء التفعل فى الصاد والباقون بالتخفيف بحذف احدى التاءين وأصله يتصدى اى تعرض له وتقبل عليه كيلا يفوت منه التزكى والتطهر. وَما عَلَيْكَ بأس فى أَلَّا يَزَّكَّى ط حتى يبعثك الحرص على إسلامه الى الاعراض عمن اسلم انما عليك البلاغ ويحتمل ان يكون لا زائدة والا يزكى اسم ما عليك خبره والمعنى انه ليس الواجب عليك تزكية انما عليك البلاغ والجملة فاعل تصدى او معترضة. وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى حال اى ساعيا طالبا لما عندك من الخير. وَهُوَ يَخْشى الله عز وجل حال مرادف يسعى او متداخل. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ج امال حمزة والكسائي او اخر الآيات من أول السورة الى هاهنا وورش بين بين الا ذكرى فاما لها والباقون بالفتح اى تتشاغل الى غيره الجملتين تفصيل لما أجمل فى عبس وتولى وبيان لما عليه العتاب وهو إهمال الطالب وبذل الجهد فى الغافل مع ان الاولى عكس ذلك. كَلَّا ردع عما فعل اى لا نفعل مثل ذلك ابدا إِنَّها اى القرآن انث الضمير لتأنيث خبره او بتأويل الآيات تَذْكِرَةٌ ج عظة وموجب لذكر الله سبحانه. فَمَنْ شاءَ الاتعاظ وذكره تعالى ذَكَرَهُ حفظه اى القرآن والجملة معترضة تعليق الذكر بالمشية تخيير صيغة وتوبيخ للمعرضين عنه وثناء للمشتغلين به معنى. فِي صُحُفٍ اى مثبة مكتوبة فيها صفة لتذكرة او خبر ثان لان او خبر مبتداء محذوف اى هى فى صحف والمراد بالصحف اللوح المحفوظ او صحف ينسخها الملائكة من اللوح او صحف الأنبياء بدليل قوله تعالى وانه لفى الزبر الأولين ان هذا لفى الصحف الاولى صحف ابراهيم وموسى او المصاحف التي كتبها الصحابة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم مُكَرَّمَةٍ عند الله. مَرْفُوعَةٍ القدر عند الله سبحانه وقيل مرفوعة فى السماء السابعة مُطَهَّرَةٍ منزهة عن مس الجنب والحائض والنفساء والمحدث. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ جمع سافر بمعنى كاتب ومنه يقال الكتاب سفر وجمعه اسفار كذا قال ابن عباس ومجاهد فالمراد بهم الملائكة الكرام الكاتبون او الأنبياء او كتبة الوحى وقال الآخرون هم الرسل جمع سفير بمعنى الرسل يقال سفير القوم للذى يسعى بينهم للصلح فالمراد هم الرسل من الملائكة ومن المبشر قلت وكذا اكتبه الوحى وعلماء الامة فان كل منهم سفير بين الرسول وبين الامة قال رسول الله - ﷺ - الذي يقرؤن القران وهو ماهر به مع السفرة الكرام الأبرار والذي يقرأه وينتفع فيه وهو عليه شاق له اجر ان رواه الشيخان عن عائشة رضى الله عنها

عبس 80:16

يعنى له أجران اجر القراءة واجر المشقة وبهذا يظهران للماهر أجور غير متناهية. كِرامٍ على الله منعطفين على المؤمنين يكملونهم ويستغفرون لهم بَرَرَةٍ ط أتقياء صفة بعد صفة لسفرة هكذا ينبغى شان العلماء. قُتِلَ الْإِنْسانُ اى لعن ما أَكْفَرَهُ دعاء عليه باشنع الدعوات وتعجب من افراطه فى الكفر بعد هجوم الدواعي على التشكر والايمان وهذا الكلام مع قصره يدل على سخط عظيم وذم بليغ اخرج ابن المنذر عن عكرمة وكذا قال مقاتل انها نزلت فى عتبة بن ابى لهب قال كفرت برب النجم قلت وقصة ذلك على ما فى السير انه كان النبي صلى الله عليه واله وسلم زوّجه ابنة أم كلثوم وزوّج أخيه عتبة أختها عليهما السلام فلما نزلت تبّت يدا ابى لهب وتبّ قال ابو لهب راسى من راسكما حرام ان لم تطلقا ابنتي محمد فطلقا لهما ولم يبنيا بهما وجاء عتبة حين فارق أم كلثوم عند النبي - ﷺ - وقال كفرت بدينك وفارقتك ابنتك وسطا عليه وشق قميص النبي صلى الله عليه واله وسلم قال النبي ﷺ اما انى أسأل الله ان يسلط عليك كلبا من كلابه وكان خارجا الى الشام تاجرا مع نفر من قريش حتى نزّلوا مكانا من الشام (يقال له الزوراء) ليلا فطاف بهم الأسد تلك الليلة عتبة يقول يا ويل فانى أخاف دعوة محمد فجمعوا حمالهم فعرشوا العتبة فى أعلاها وناموا حوله فقيل ان الأسد انصرف عنهم حتى ناموا وعتبة فى وسطهم ثم اقبل الأسد يتخطاهم ويتفشمهم حتى أخذ برأس عتبة فقدعه قلت واما عتبة ومعيتيب ابني ابى لهب فقد اسلم بعد ذلك وكان من التائبين مع النبي صلى الله عليه واله وسلم يوم حنين. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ط بيان لموجبات الايمان والشكر وذكر مبدأ خلقه لكونها اسبق النعم وضمير الفاعل راجعا الى مذكور تقديرا يعنى من اى شىء خلقه الله الاستفهام للتقرير الى حمل المخاطب على الإقرار بانه خلقه الله من نطفة بيان لما وهذا الوجه أوقع فى الذهن وفيه تحقير ينافى التكبر. مِنْ نُطْفَةٍ ط متعلق بمحذوف اى خلق الله من نطفة بيان لما أبهم ثم بين ما اعترض عليه من الأحوال من مبدأ خلقه الى منتهاه فقال خَلَقَهُ أوجده فى الرحم من نطفة تاما فَقَدَّرَهُ اى كتب باذنه ملك الموكل اربع كلمات مقدرة مقادير عمله واجله ورزقه وسعادته او شقاوته كما ذكرنا فى سورة المرسلات حديث ابن مسعود المتفق عليه وهذا التأويل اولى مما ذكره المفسرون بان معناه هاهنا لا يصلح من الأعضاء والاشكال او قدره أطوارا

عبس 80:20

من نطفة الى ان تم خلقه. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ إضمار على شريطة التفسير معطوف على قدر يعنى سهل طريق خروجه من بطن امه كذا قال السدى والمقاتل او المعنى سهل له طريق الحق وسبيل الوصول الى الله تعالى ببعث الرسل وإنزال الكتاب ليتم عليه الحجة نظيره قوله تعالى امّا من اعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى واما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى او المعنى سهل له الحيوة الدنيا وما يتوقف عليه فان الدنيا سبيل اما الى الجنة واما الى النار وليست بدار القرار قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كن فى الدنيا كانك غريب او عابر سبيل رواه البخاري من حديث ابن عمرو رواه احمد والترمذي وابن ماجة ورادوا وعد نفسك من اصحاب القبور ويناسب هذا التأويل قوله. ثُمَّ أَماتَهُ عد الاماتة من النعم لكونها موصلة الى دار القرار قال رسول الله - ﷺ - تحفة المؤمن الموت رواه الطبراني والحاكم والبيهقي فى الشعب وابو نعيم فى الحلية من حديث ابن عمرو اما كونه سبيلا الى النار فلفساد اختياره ولا جبر بالكلية قال رسول الله - ﷺ - قيل لى سيد بنى دار او وضع مأدبة وأرسل داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضى عنه السيد ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة وسخط عليه السيد فقال فالله السيد ومحمد الداعي والدار الإسلام والمأدبة الجنة رواه الدارمي من حديث ربيعة الجرسى والبخاري عن جابر نحوه فَأَقْبَرَهُ اى امر الناس بجعل الميت فى القبر صيانة عن السباع وهذا نعمة اخرى صبت أكرم الإنسان ولم يجعله كساير الحيوانات جيفة ملقاة. ثُمَّ إِذا شاءَ الله بعثه من القبر أَنْشَرَهُ أحياه بعد الموتة فان من هو قادر على خلقه قادر على نشره من القبر وقد اخبر بذلك على لسان رسله ولولا البعث والجزاء لصار الشاكر كالكافر وذلك قبيح. كَلَّا ردع عما عليه الكافر من الإنكار والكفران مع تلك الدلائل الموجبة للايمان والنعماء المستوجبة للشكر لَمَّا يَقْضِ اى بعد ما علم تلك النعم الجليلة والدلائل الواضحة لم يقض الى الان ما أَمَرَهُ الله من الايمان والنعماء المستوجبة لشكر المنعم. فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ عطف على مفهوم ما سبق اى لينظر اولا الى نفسه من مبدأ خلقه الى منتهاه وما أنعم عليه وفيه فينظر إِلى طَعامِهِ كيف خلقناه ومتعناه به. أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ المطر من السماء

عبس 80:26

قرأ الكوفيون بفتح همزة انا على انه بدل اشتمال للطعام لبيان كيفية خلقه والباقون بالكسر على الاستيناف صَبًّا مفعول مطلق للتاكيد. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا بإخراج شطأ الزرع من الأرض او بالكراب وحينئذ اسناد الفعل الى الله اسناد الى السبب. فَأَنْبَتْنا فِيها اى فى الأرض حَبًّا كالحنطة والشعير وغير ذلك. وَعِنَباً وَقَضْباً يعنى الرطبة سميت بمصدر قضبه او اقطعه لانها يقضب مرة بعد اخرى وفى الصحاح القضب يستعمل فى البقل وفى القاموس القضب كل شجرة طالت وبسطت أغصانها. وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وهى الحديقة المتكاثفة أشجارها كذا فى القاموس. وَفاكِهَةً ما يراد بها التفكه فقط من الثمار ومن ثم قال الفقهاء من حلف لا يأكل فاكهة لا يحنث بأكل التمر والعنب والزيتون ولان العطف دليل المغايرة وكذا أكل ما يراد به الغذاء والدواء كالرمان وَأَبًّا اى كلاء ومرعى كذا فى القاموس. مَتاعاً مفعول له لانبتنا لَكُمْ كالحب من الحنطة وغيرها وَلِأَنْعامِكُمْ كالاب. فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ فى القاموس الصاخة صيحة بضم شدتها والمراد بها نفخة الصور وفى الصحاح الصاخة الشدة الصوت ذى نطق وعلى هذا وصفت نفخة الصور بها مجازا لان الناس يصيحون بها وهذا الشرط محذوف الجزاء والجملة متصل لقوله تعالى انها تذكرة او بقوله قتل الإنسان ما اكفره فعلى الاول تقديره انها تذكرة وعظته فاذا جاءت الصاخة يختلف حال المتعظين بها وغير المتعظين وبيانه وجوه يومئذ إلخ ويحتمل حينئذ ان يكون جزاءه وجوه يومئذ إلخ وعلى الثاني تقديره قتل الإنسان ما اكفره فاذا جاءت الصاخة يرى جزاء كفرانه. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ط لاشتغاله بشان نفسه وعلمه بانهم لا ينفعونهم او لبغضهم وكراهتهم لاجل كفرهم وسوء حالهم عن على رضى الله تعالى عنه قال سالت خديجة ولدين ماتا لها فى الجاهلية فقال رسول الله - ﷺ - هما فى النار فلما راى الكراهة فى وجهها قال لو رايت مكانهما لا بغضتهما الحديث رواه احمد وتأخير الأحب للمبالغة كانه قيل يفر المرء من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه والظرف اعنى يوم يفر بدل من إذا. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ اى من الناس يَوْمَئِذٍ متعلق بالظرف المستقر شَأْنٌ فاعل للظرف المستقر

عبس 80:38

او مبتداء والظرف خبره يُغْنِيهِ ط اى يشغله عن شأن غيره صفة لشأن وهذا التعليل للفراء عن سودة زوج النبي صلى الله عليه واله وسلم قالت قال رسول الله - ﷺ - يبعث الله الناس حفاة عراة غرلا لقد الجسم العرق وبلغ شحوم الاذان فقلت يا رسول الله وا سوأتاه ينظر بعضنا الى بعض فقال قد شغل الناس لكل امرئ منهم يومئذ شان يغنيه رواه الطبراني والبيهقي والبغوي وفى الصحيحين عن عائشة نحوه وفيه قالت عائشة الأمر منهم يومئذ أشد من ذلك يعنى من ان ينظر بعضهم الى بعض واخرج البيهقي عن ابن عباس نحوه. وُجُوهٌ المؤمنين او وجوه كثيرة او وجوه منهم اى من الناس المفهوم من كل امرئ يَوْمَئِذٍ متعلق بما بعده مُسْفِرَةٌ اى مضية من اسفار الصبح. ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ج وصفت الوجوه بصفة أصحابها مجازا. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ متعلق بظرف مستقر بعده عَلَيْها ظرف مستقر غَبَرَةٌ فاعل الظرف او مبتداء اى استقر عليها غبار او كدورة والجملة خبر لوجوه. تَرْهَقُها تعلوها وتغشاها قَتَرَةٌ اى سواد وظلمة قال ابن عباس تغشاها ذلة قال ابن زيد فرق بين الغبرة والقترة ان القترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالماء والغبرة ما كان أسفل فى الأرض وجملة ترهقها صفة بغبرة او خبر بعد خبر بوجوه. أُولئِكَ مبتداء يعنى الذين وجوههم عليها غبرة هُمُ ضمير الفصل الْكَفَرَةُ جمع كفر خبر الْفَجَرَةُ ع جمع فاجر صفة لكفرة او خبر والجملة مستانفة كانها جواب من اصحاب تلك الوجوه والفجور شق شر الدين والديانة وكماله فى الكفر- والله اعلم بالصواب.

التكوير 81:1

سورة كوّرت مكية وهى تسع وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من سره ان ينظر الى يوم القيامة راى العين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت رواه احمد والترمذي وحسنه ورواه البغوي من غير ذكر إذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت إِذَا الشَّمْسُ إذا شرطية والشمس مرفوعة بفعل شرط محذوف يفسره كُوِّرَتْ وكذا كل ما عطف عليه اى لغت فذهب ضوءه واظلمت اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم والبيهقي من طريق ابى طلحة عن ابن عباس قال اظلمت واخرج ابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا فى كتاب فى البحر والأحوال وابو الشيخ فى كتاب العظمة عنه فى تلك الآيات قال يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة فى البحر ويبعث الله ريحا دبورا فينفخه حتى يرجع نارا قال بعضهم إذا ألقيت الشمس فى البحر فيه انحمى وتنقلب نارا واخرج ابن ابى حاتم عن ابن ابى مريم ان النبي ﷺ قال فى قوله تعالى إذا الشمس كورت فى جهنم وإذ النجوم انكدرت قال انكدرت فى جهنم وكل من عبد من دون الله فهو فى جهنم الا ما كان من عيسى وامه قلت لعل التطبيق بين تكويرها فى البحر وفى جهنم ان البحر يصير نارا حميما لاهل النار واخرج البخاري عن ابى هريرة عن النبي - ﷺ - قال الشمس والقمر يكوران يوم القيمة واخرج البزار فى مسنده وزاد فى النار. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ص اى انقضت وتناثرت من السماء وتساقطت الى الأرض يقال انكدر الطير اى أسقط قال الكلبي يمطر السماء يومئذ نجوما فلا يبقى نجم الا وقع. وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ص عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا. وَإِذَا الْعِشارُ اى التوق اللاتي مر على حملها عشرة أشهر جمع عشراء ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة وهى النفيس اموال العرب يكونون ملازمى اذنابهن عُطِّلَتْ تركت بلا راع

التكوير 81:5

أهملها أهلها لما جاء اهوال يوم القيامة او المراد بالعشار السحايب عطلت عن المطر. وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ قال ابى بن كعب معناه اجتلت وماجت بعضها فى بعضها وقيل معناه جمعت بعد البعث للقصاص بين الدواب كما مر فى تفسير قوله تعالى يا ليتنى كنت ترابا وروى عكرمة عن ابن عباس حشرها موتها قال حشر كل شى الموت غير الجن والانس. وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ص قرأ ابن كثير وابو عمرو بالتخفيف والباقون بالتشديد قال ابن عباس أوقدت فصارت نارا تضطرم وهو قول ابى وقال الكلبي ملئت يقال المسجور المملو وقال مجاهد ومقاتل يعنى قحم بعضها فى بعض العذب والملح فصارت البحور كلها بحرا واحدا من الحميم لاهل النار وقال الحسن وقتادة يبست وذهب ماءها فلم يبق من الماء قطرة قلت والجمع بين الأقوال انه يجمع البحار كلها وملئت بحرا واحدا وكورت الشمس فيها فحينئذ تحمى البحر وتصير نارا ولم يبق من الماء قطرة بصيرورتها نارا وماء حميما لاهل النار واخرج ابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا عن ابى بن كعب قال ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس فى أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت وفزعت الإنس والجن فتقول الجن للانس نحن ناتيكم بالخبر فانطلقوا الى البحر فاذا هو نار تأجج فبينما هم كذلك إذا جاءت بهم ريح فاماتتهم وقال البغوي روى ابو العالية عنه فذكر نحوه غير ان فى رواية فانطلقوا الجن الى البحر فاذا هى نار تأجج فبينما هم كذلك إذ انصدعت الأرض صدعة واحدة اى الأرض السابعة السفلى الى السماء العليا فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فاماتتهم وعن ابن عباس ايضا قال هى اثنى عشر خصلة ست فى الدنيا ستة فى الاخرة وهى ما ذكر بعدها. وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ اخرج ابن ابى حاتم عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله - ﷺ - فى هذه الاية الضرباء كل رجل مع قومه كانوا يعملون عمله وذلك بإذن الله ويقول وكنتم أزواجا ثلثة فأصحب الميمنة ما اصحب الميمنة واصحب المشئمة ما اصحب المشئمة والسابقون السابقون واخرج البيهقي من النعمان بن بشير قال سمعت عمر بن الخطاب يقول وإذا النفوس زوجت قال هما الرجلان يعملان العمل يدخلان به الجنة او النار وسمعته يقول احشروا الذين ظلموا

التكوير 81:8

وأزواجهم قال ضربائهم واخرج سعيد بن منصور بلفظ يقرن الرجل الصالح مع الصالح فى الجنة ويقرن الرجل السوء مع السوء فى النار واخرج البيهقي عن ابن عباس قال احشروا الذين ظلموا وأزواجهم قال أشياعهم وقيل تزوجت النفوس باعمالها وقال عطاء ومقاتل زوجت النفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكفار بالشياطين وروى عن عكرمة قال إذا النفوس زوجت اى ردت الأرواح فى الأجساد. وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ وهى الجارية المدفونة حية سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيودها اى يثقلها حتى تموت وكانت العرب تدفن البنات مخافة العار والفقر تبكيتا للوائدة كتبكيت النصارى بقوله تعالى يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين او يقال أسند الفعل الى الموؤدة محازا والمعنى سُئِلَتْ عنها كما فى قوله تعالى ان العهد كان مسئولا اى مسئولا عنه او المراد بالموؤدة الوائدة وقد يطلق المفعول بمعنى الفاعل كما فى قوله تعالى كان وعده ماتيا والمراد بالموءودة الموؤدة لهما كما فى قوله عليه السلام الوائدة والموؤدة فى النار رواه ابو داود بسند حسن عن ابن مسعود قال وائدة هى القابلة والموؤدة لها هى الام ولا يمكن فى الحديث الا هذا التأويل- (فائده) الواد كبيرة لانه قتل النفس بغير حق وفى حكمه إسقاط الحمل بعد اربعة أشهر لتمام خلقة الجنين ونفخ الروح فى تلك المدة واقل منه وزرا إسقاط الحمل قبل اربعة أشهر لكنه حرام ولذلك تجب الغرة اجماعا فيما ضرب بطن امرأة حبلى فسقط جنينا كامل الخلقة او ناقصا إذ تصور فيها خلق آدمي هذا إذا انفصل ميتا واما إذا انفصل حيا فمات ففيه كمال دية الكبير عن ابى هريرة قال قضى رسول الله - ﷺ - فى جنين امرأة من بنى لحيان سقط بغرة عبدا وامة متفق عليه (مسئلة:) يجوز العزل عن الامة ولا يجوز عن الحرة الا بإذنها لكنه يكره مطلقا لما روى مسلم عن حذامة بنت وهب انهم سالوا رسول الله ﷺ عن العزل فقال رسول الله - ﷺ - ذلك الواد الخفي وهى وإذا الموؤدة سئلت ووجه الجواز حديث جابر كنا نعزل والقران ينزل متفق عليه وزاد مسلم فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينهنا وفى رواية عنه - ﷺ - قال فى الامة اعزل عنها ان شئت فانه سيأتيها ما قدر لها وفى روايتها ما عليكم ان لا تفعلوا ما من نسمة كاينة الى يوم القيامة الا وهى كاينة متفق عليه ووجه الاحتياج

التكوير 81:9

الى الاذن فى الحرة حديث عمر بن الخطاب قال نهى رسول الله ﷺ ان يعزل عن الحرة الا بإذنها رواه ابن ماجة. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ اى الموؤدة قرأ ابو جعفر بالتشديد المبالغة والجمهور بالتخفيف فى التاء. وَإِذَا الصُّحُفُ صحف الأعمال نُشِرَتْ للحساب او فرقت بين أصحابها قراءة نافع وابن عامر وعاصم بتخفيف الشين والباقون بالتشديد للمبالغة فى النشر او لكثرة الصحف او شدة الطائر. وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ قلعت وأزيلت كما تكشط الإهاب عن الذبيحة قلت والظاهر ان يكون هذا قبل نفخة الصعق حين كورت الشمس وانتشرت الكواكب او عند تلك النفخة ويحتمل ان يكون بين النفختين فتطوى السماء والأرض وتبدل السماء سماء اخر وتبدل الأرض غير الأرض قال القرظي جمع صاحب الإفصاح بين الاخبار فقال تبديل السموات والأرض تقع مرتين إحداهما تبديل صفاتها فقط وذلك قبل نفخة الصعق فتنثر الكواكب وتخسف الشمس والقمر وتصير السماء كالمهل وتكشط عن الروس وتسير الجبال ويصير البحر نارا وعوج الأرض وينشق الى ان تصير الهيئة غير الهيئة ثم بين النفختين تطوى السماء والأرض وتبدل السماء بسماء اخرى. وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ قرأ نافع وحفص وابن زكوان بتشديد العين والباقون بالتخفيف اى أوقدت إيقاد شديدا لاعداء الله تعالى. وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ أدنيت للمتقين قال الله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد. عَلِمَتْ نَفْسٌ مكرمة عامة فى الأسباط بمعاونة المقام اى كل نفس ما أَحْضَرَتْ ط اى ما فعلت من خير او شر وهذا جواب لاذا الشرطية فى إذا الشمس كورت وفيما عطف عليه والمراد بذلك الزمان الزمان المتسع الشامل لجميع ما ذكرهما قبل النفخة الاولى الى دخول الجنة. فَلا أُقْسِمُ الكلام هاهنا كالكلام فى المفتتح «١» سورة القيامة والفاء يعنى لما أنزلنا عليكم الآيات فى شأن الساعة فاعلموا انه كلام الله غير متقول اقسم بِالْخُنَّسِ الخنوس الرجوع من منتهى السير الى مكان ابتدأ منه والمراد بها الكواكب الخمسة المسمات بالمتحيرة وهى عطارد والزهرة والمشترى والمريخ والزحل فانها ترى سيارة من المغرب (١) مضت التفصيل فى سورة القيامة لكن خلاصة كلامه ان قنبل وفى رواية البزي ايضا قرأ لاقسم من دون الالف واللام لتاكيد القسم اما الباقون من القراء فقراءتهم كقراءة حفص فحينئذ لا زائدة ١٢-

التكوير 81:16

الى المشرق ثم ترجع الى المغرب وقد ترى ساكنة ولذلك سميت متحيرة والسبب فى ذلك عند الهيئة انها مرتكزة فى أفلاك جزئية غير مجوفة تسمى تدويرات وللتدويرات حركات برأسها وحركات أعاليها على نسق أفلاكها من المغرب الى المشرق وحركات أسافلها على عكس ذلك فالكواكب إذا كان فى أعلى التدوير فتساعد الحركتين حركة التدوير وحركة الفلك الكلى يرى متحركا الى المشرق بسرعته وإذا كان فى أسفلها فلتراجم الحركتين او عدم التساعد قد يرى متحركا نحو المغرب وهو الرجوع والخنوس وقد يرى ساكنا واما عندنا فالكواكب كل منها فى فلك يسبحون على ما أراد الله سبحانه ولا امتناع لخرق السموات والتيامها فحركات الخمسة المتحيرة قد تكون نحو المشرق وقد تكون نحو المغرب وقد تكون بطيئة وقد تكون سريعة كما أراد الله تعالى وجرى به عادته وحركات ساير الكواكب جرت العادة بكونها دائما على نسق واحد وقال قتادة الخنس هى النجوم كلها تبدوا بالليل وتخنس بالنهار فتخفى فالمراد بالخنوس حينئذ الخفاء وهو لازم يعنى الرجوع وقيل خنوسها ان يغيب قلت وعلى هذا يكون الخنس والكنس مترادفين فلا وجه للتكرار. الْجَوارِ فى الفلك الْكُنَّسِ والكنوس ان تأوي الأرنب والظبى فى مكانها والمراد هاهنا بالكنس اختفائها عند غروبها او عند المحاق قلت ويحتمل ان يقال المراد بمكانها مستقرها تحت العرش عن ابى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين غربت الشمس أتدري اين تذهب قلت الله ورسوله اعلم قال فانها تذهب حتى نسجد تحت العرش الحديث. وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ قال الحسن اقبل بظلامه وقال أدبر وهو من الاضداد. وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ اى بدأ اوله وقبل امتد ضوئه وارتفع جواب القسم. إِنَّهُ يعنى القران لَقَوْلُ رَسُولٍ من حيث انه رسول يعنى ليس بمتقول محمد عليه الصلاة والسلام بل هو قول مرسل وهو الله سبحانه والمراد بالرسول جبرئيل او محمد ﷺ كَرِيمٍ على الله صفة رسول. ذِي قُوَّةٍ ان المراد جبرئيل فمن قوته انه اقتلع قريات قوم لوط ومن الماء الأسود حملها على جناحه فرفعها الى السماء ثم قلبها وانه صاح صيحة بثمود فاصبحوا جاثمين وانه يهبط من السماء الى الأرض ويصعد فى اسرع من الطرف وان المراد به محمد صلى الله عليه واله وسلم فهو ذو قوة فى الجذب الى الله من الإرشاد لبث

التكوير 81:21

نوح عليه السلام فى قومه الف سنة الا خمسين عاما وما أمن قوم الا قليل ولبث محمد صلى الله عليه واله وسلم فى أمته ثلثا وعشرين سنة وانتشر دينه فى الآفاق كان الناس يدخلون فى دين الله أفواجا وكان معه حجة الوداع ماية الف واربعة وعشرين الفا من الصحابة وانه صعد من السماء السابعة والى ما لم يستطع جبرئيل الصعود اليه ثم هبط الأرض فى اقل من ساعة وانه راى ربه ولم يستطع أحد غيره فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ اى الله سبحانه الظرف متعلق بما بعده مَكِينٍ ذى مكانة وجاه ومنزلة. مُطاعٍ للعالمين قال الله تعالى من يطع الرّسول فقد أطاع الله ثَمَّ اى عند ذى العرش أَمِينٍ ط على الوحى والظرف اعنى ثمّ الظاهر انه متعلق بامين ويجوز ان يكون متعلق بمطاع يعنى مطاع فى الملاء الا على قال البغوي من إطاعة الملائكة إياه يعنى جبرئيل انهم فتحوا أبواب السماوات ليلة المعراج بقوله لرسول الله - ﷺ - وفتح خزنة الجنة ابوابها قلت وهذا بعينه إطاعة لمحمد صلى الله عليه واله وسلم ويحتمل ان يراد بالاطاعة ان الاحكام الالهية تنزل اولا عليه ثم بواسطته تصل تلك الاحكام الى غيره من الملائكة عن النواس بن سمعان قال قال رسول الله ﷺ إذا أراد الله ان يوحى بالأمر تكلم بالوحى أخذت السموات منه رجفة او قال رعدة شديدة خوفا من الله تعالى فاذا سمع ذلك اهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع راسه جبرئيل فيكلمه الله وحيه بما أراد ثم يمر جبرئيل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرئيل فيقول جبرئيل قال الحق وهو العلى الكبير قال فيقول كلهم مثل ما قال جبرئيل بالوحى حيث امره الله وهذا يدل على كون جبرئيل مطاعا واما كون محمد ﷺ مطاعا فى الملائكة فوجه ذلك ان الحقيقة المحمدية عند اهل التحقيق هو التعين الاول بفيوض الوجود ومراتب القرب ومنها مرتبة كونه يوحى اليه كليما لله لا يصل فى أحد الا بتوسط الحقيقة المحمدية وهذا امر كشفى ويشهد من النصوص قوله تعالى وما أرسلناك الا رحمة للعالمين وقوله عليه السلام اما وزير اى فى السماء فجبرئيل وميكائيل ووزير اى فى الأرض ابو بكر وعمر فجبرئيل مطاع بالطريق الاولى. وَما صاحِبُكُمْ يعنى محمد صلى الله عليه واله وسلم عطف على انه فهو ايضا جواب للقسم فان كان المراد بالرسل

التكوير 81:23

فيما سبق محمد ﷺ فوضع المظهر موضع المضمر للتنبيه على انه صاحبكم منذ أربعين سنة قبل ذلك لم يظهر منه الا وفور العقل وكماله فالحكم فيه بِمَجْنُونٍ ج مكابرة او جنون ففى هذا الكلام رد لقول الكفار افترى على الله كذبا أم به جنة. وَلَقَدْ رَآهُ الضمير المرفوع راجع الى صاحبكم محمد ﷺ بالاتفاق والضمير المنصوب اما راجع الى ذى العرش فعلى هذا قوله تعالى بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ج ظرف مستقر حال من الضمير المرفوع والمعنى انه راى محمد ذا العرش ليلة المعراج حال كون محمد بالأفق للعالم على منتهى السموات السبع قال البغوي روينا فى قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن انس قال دنى جبار رب العزة فتدلى كان حتى قاب قوسين او ادنى وهو رواية ابى سلمة عن ابن عباس وكذا قال الضحاك والقائلون بهذا القول اختلفوا فقال بعضهم جعل بصره فى فؤاده فراه بفؤاد استنباطا من قوله تعالى ما كذب الفؤاد ما راى وهذا قول ابن عباس روى مسلم عن ابى العالية عنه ما كذب الفؤاد ما راى ولقد راه نزلة اخرى قال راه بفؤاده مرتين وذهب جماعة الى انه راه بعينه وهو قول انس والحسن وعكرمة قالوا راى محمد ربه وروى عكرمة عن ابن عباس قال ان الله اصطفى ابراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد بالروية وعن ابى ذر قال سالت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم هل رايت ربك قال نورانى راه رواه مسلم قلت ويحتمل ان يراد بالأفق المبين والأفق الأعلى منتهى درجات سير السالكين ان أقصى حقايق العابدية وهى الحقيقة الاحمدية المعبر فيها بالمحبوبية الصرفة وراء ذلك مرتبة اللائعين ولا مساغ للسير والسلوك فى مرتبة اللاتعين والسير فى تلك المرتبة العليا السير النظري فحسب كذا قال المجدد رض وقال الجمهور المفسرين الضمير المنصوب راجع الى رسول كريم والمراد بالرسول جبرئيل قال قتادة ومجاهد الأفق المبين هو الأفق الأعلى من ناحية المشرق روى البغوي بسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله - ﷺ - لجبرئيل انى أحب ان أراك فى صورتك التي تكون فيها فى السماء قال لن تقوى على ذلك قال بلى قال فاين تشاء ان اتخيل لك قال بالأبطح قال لا يسعنى قال فى منى قال لا يسعنى قال فبعرفات قال لا يسعنى ذلك قال بحراء قال ان يسعنى قواعده فخرج النبي - ﷺ - للوقت فاذا هو بجبرئيل قد اقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة قد ملأ ما بين المشرق والمغرب

التكوير 81:24

وراسه فى السماء ورجلاه فى الأرض فلما راه النبي صلى الله عليه واله وسلم كبر وخر مغشيا عليه قال فتحول جبرئيل فى صورته فضمه الى صدره وقال يا محمد لا تخف فكيف لك لو رايت اسرافيل وراسه من تحت العرش ورجلاه فى تخوم الأرض السابعة وان العرش لعلى كاهله وانه ليتضاول أحيانا من مخافة الله عز وجل حتى يصير مثل الصعو يعنى العصفور حتى ما يحمل عرش ربك الا عظمته ومن القائلين بهذا القول عائشة رضى الله عنها روى البخاري فى صحيحه وغيره انها كذب من فال راى محمد ربه مستدلة بقوله تعالى لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وقوله تعالى ما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا او من وراء حجاب الاية والفقه فى الباب ان المثبتين للروية اولى من قولها وقوله تعالى لا تدركه الابصار لا ينفى الروية فى الاخرة اجماعا فكذا فى ليلة المعراج حين خرج النبي - ﷺ - فى الدنيا وراى الجنة والنار وما ذكر ابن عباس وعائشة قصة روية النبي صلى الله عليه واله وسلم جبرئيل على صورته حق لكن لا يستلزم ان يكون المراد بالآية تلك القصة كيف وسوق الكلام لبيان فضل رسول الله - ﷺ - وبيان كماله وروية جبرئيل وهو مفضول من النبي - ﷺ - بالإجماع ليست من الفضائل كيف وقوله عند ذى العرش مكين يدل على كمال قربه والترقي منه اثبات روية الله دون روية الجبرئيل ولو كان عند ذى العرش صفة جبرئيل وروية جبرئيل صفة محمد عليه الصلاة والسلام يلزم الانعكاس الأمر فى الفضل والله تعالى اعلم. وَما هُوَ يعنى محمد صلى الله عليه واله وسلم عَلَى الْغَيْبِ اى على ما يخبره من ما يوحى اليه بِضَنِينٍ قرأ ابن كثير وابو عمرو الكسائي بظنين بالظاء اى ليس هو بمتهم يعنى لا يجوز ان يتهم والباقون بالضاد اى ليس هو ببخيل عن تبليغ ما يوحى اليه وتعليمه. وَما هُوَ اى القران بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ اسرق سمعه فالقاه على وليه الكاهن رد لقول الكفار انه كاهن هذه الجملة وما عطف عليه من الجمل السابقة جواب للقسم معطوفات على انه لقول رسول كريم. فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ الفاء المسببة والاستفهام للانكار على ذهابهم الى الباطل فيما قالوا انه شاعر تقوله او مجنون او كاهن قال الزجاج اى طريق يسلكون أبين من هذه الطريقة التي بنيت لكم ثم بين ما هو كانه فى جواب سائل يقوله فما هو. إِنْ هُوَ اى القرآن إِلَّا ذِكْرٌ فى القاموس الذكر بالكسر الحفظ للشئ كالتذكار

التكوير 81:28

والشيء الذي يجرى على اللسان والصيت والشتاء والشرف والصلاة والدعاء وكتاب فيه تفصيل الذين ووضع الملة والمعنى الأخير ظاهر هاهنا لا غبار عليه ويمكن الحمل على معان اخر ايضا فان القران ذكر الله وحفظ ما يجب حفظه وشىء ينبغى ان يكون جاريا على اللسان دايما او غالبا وثناء لله تعالى وصلوة له وشرف للانسان ودعاء له لِلْعالَمِينَ عموما لا النبي صلى الله عليه واله وسلم مبعوث الى كافة الأنام الانس والجن بل هو رحمة للعالمين وفيوض القران شامل للملائكة ايضا يدل عليه قوله تعالى بايدى سفرة كرام بررة وروى الحاكم فى المستدرك عن جابر انه قال لما نزلت سورة الانعام سبح رسول الله ﷺ ثم قال لقد سبح هذه من الملائكة فسدو الأفق ثم خصه وقال. لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ اى القران لمن يتبع الحق ويستقيم عليه خصوصا من حيث انهم هم المنتفعون به بدل بعض من العالمين والاستقامة لفظ جامع لجميع الاحكام عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال قلت يا رسول الله قل لى فى الإسلام قولا لا اسئل عنه أحدا بعدك وفى رواية غيرك قال عليه الصلاة والسلام قل امنت بالله ثم استقم رواه مسلم اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن سليمان بن يسار قال لما نزلت لمن شاء منكم ان يستقيم قال ابو جهل جعل الأمر إلينا ان شئنا استقمنا وان شئنا لم تستقم فانزل الله تعالى. وَما تَشاؤُنَ الاستقامة على الحق إِلَّا وقت أَنْ يَشاءَ اللَّهُ شئكم واستقامتكم رَبُّ الْعالَمِينَ ع فانه رب كل شىء وخالق كل شىء من الأعيان والاعراض وافعال العباد وغير ذلك حتى مشيتكم فمن شاء الاستقامة واستقام فذلك من فضل الله ونعمه واخرج ابن ابى حاتم من طريق بقية عن عمر بن محمد عن زيد بن مسلم عن ابى هريرة مثل ما روى عن سليمان واخرج ابن المنذر من طريق سليمان عن القاسم بن مخيمرة نحوه والله اعلم بالصواب.

الانفطار 82:1

سورة الانفطار مكيّة وهى تسع عشرة اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ انشقت. وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ تساقطت متفرقة. وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ فتح بعضها فى بعض واختلط العذب بالملح فصار الكل بحرا واحدا. وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ قلب ترابها واخرج موتاها. عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ط جواب إذا وهذا نظير ما مر فى إذا الشمس كورت الى قوله علمت قيل معناه ما قدمت من عمل صالح وسئ ما أخرت من سنة حسنة او سيئة والمعنى ما قدمت اى ضعت وما أخرت اى تركت من العمل وقيل ما قدمت من الصدقات وأخرت من الزكوة وقيل معناه بل قدمت الدنيا على الاخرة او بالعكس وقد مر نظيره قوله تعالى ينبّأ الإنسان بما قدم واخر. يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ اى ما خدعك وسوّل لك الباطل غرورا ملصقا بِرَبِّكَ موجبا للجرأة على عصيانه وترك ما امر به الْكَرِيمِ الصفوح جملة يايّها الإنسان معترضة ذكر توبيخا على الاساءة فى أعمالهم المفهوم من قوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت قال نزلت فى الوليد بن مغيرة كذا قال البغوي واخرج ابن ابى حاتم عن عكرمة انها نزلت فى ابى بن خلف وقال الكلبي نزلت فى الاسيد بن كلده ضرب النبي - ﷺ - فلم يعاقب الله عز وجل فانزل الله تعالى هذه الاية يقول ما الذي غرك بربك الكريم التجاوز عنك او لم يعاقبك عاجلا بكفرك وصفه بالكريم لانه منشأ غروره وبه يغره الشيطان فانه يقول له ان شئت فربك لا يعذب أحدا ولا يعاجل فى العقوبة وهو المعنى من قول مقاتل غره عفو الله حين لم يعاقبه فى امره وقال السدى غره رفق الله به والاستفهام للانكار ولا يجوز ذلك الغرور بكرمه وعدم تعجيله بالعقوبة ان تمحض لا يقتضى إهمال الظالم مطلقا وتسوية الموالي والمعادى فكيف قد انضم معه صفات اخر من القهر والانتقام وغيره وفيه مبالغة فى الإنكار على الكفر

الانفطار 82:7

فان كثرة كرمه يقتضى ان يشكر ولا يكفر ويستدعى الجد فى الطاعة لا الانهماك فى عصيانه اغترارا بكرمه وقال بعض اهل الإشارة انما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته كانه لقنه الإجابة حتى يقول غرنى كرم الكريم وهو المعنى مما قال يحيى بن معاذ لو إقامتي بين يديه فقال يا يحيى ما غرك بي قلت غرنى برك بي سابقا وآنفا وقال ابو بكر الوراق لو قال بي ما غرك بربك الكريم لقلت غرنى كرم الكريم قال ابن مسعود ما منكم من أحد الا يسخر الله به يوم القيامة فقال يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم ماذا عملت فيما علمت يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين قال عطاء تاويل الاية ما غرك بربك وقطعك وأشغلك عنه الى نفس بئس للظالمين بدلا حكى ان امرأة رفعت الى قاض ان زوجها نكح عليها امرأة اخرى فقال القاضي لا سبيل لك بالاعتراض عليه فان الله تعالى أباح للرجال ما طاب لهم من النساء مثنى وثلث ورباع فقال الضعيفة ايها القاضي لولا منعنى الحجاب والحياء لبرزت حسنى لك وسألتك بان من كان له فى الجمال والحسن مصاحبا مثلى هل يجوز له ان يشتغل عنه بغيره فسمع قولها رجل من اهل القلوب فصاح وخر مغشيا عليه فلما أفاق قال سمعت الهاتف يقول الم تسمع قول الضعيفة ولولا حجاب الكبرياء والعظمة لا برزت لكم من الجلال والجمال الذي لا يسعه المقابل وسألتكم انه من استطاع الاشتغال بمثلى فهل يجوز الاشتغال بغيري ومن مثلى واين يكون مثلى فليس يكون فاطلبنى تجدنى عن جابر قال قال رسول الله ﷺ إذا قام الرجل فى الصلاة اقبل الله عز وجل بوجهه فاذا التفت قال يا ابن آدم الى من تلتفت الى من هو خير منى اقبل الى فاذا التفت الثانية قال مثل ذلك فاذا التفت الثالثة صرف الله تبارك وتعالى عنه وجهه رواه البزار. الَّذِي خَلَقَكَ من تراب ثم من نطفة بعد ما لم يكن شيئا- فَسَوَّاكَ اى فجعلك بشرا سويا مستوى الخلق وتسويته جعل أعضائه سليمة معدة لمنافعها فَعَدَلَكَ قرأ الكوفيون بالتخفيف اى فصرفك وامالك الى اى صورة شاء او صرفك عن خلقه غيرك حتى تميزت وفارقت عن ساير الحيوانات او صرف طبعة بعض اجزائك الى بعض فكسر حرارة الصفراء ويبوستها ببرودة البلغم ورطوبته وبالعكس ويبوسة السوداء وبرودتها برطوبة الدم وحرارته حتى اعتدلت وصرت اعدل الحيوانات مزاجا وقرأ الباقون بالتشديد اى جعل بنيتك متناسبة الأعضاء لعدلته معدة لا يستعدها من القوى. فِي أَيِّ صُورَةٍ

الانفطار 82:9

ما مزيدة لتأكيد التنكير والتنكير للتكثير ما شاءَ صفة لصورة ركبك قال مجاهد والكلبي ومقاتل فى اى شبيه من اب او أم او خال او عم وحاء فى الحديث ان النطفة إذا استقرت فى الرحم احضر كل بينه وبين آدم ثم قرأ فى اى صورة ما شاء رَكَّبَكَ ط رواه ابن جرير والطبراني بسند ضعيف من طريق موسى بن على بن رباح عن أبيه عن جده عنه ﷺ قوله فى اى صورة اما متعلق بركبك او ظرف مستقر حال من مفعول ركبك وفيه معنى الشرط والجزاء والجملة بيان لعدلك ومن ثم لم يعطف الموصول مع صلاته صفة اخرى لربك مقررة للربوبية مبينة للكرم منبه على ان من قدر على ذلك اولا قدر عليه ثانيا موكدة للانكار والتوبيخ على الغرور والكفر فان من هذا شانه لا يجوز كفرانه. كَلَّا ردع على الاغترار بكرم الله تعالى بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ لا بالإسلام او بالجزاء إضراب عن الاغترار بكرم الكريم يعنى ليس أمركم ايها الناس مقتصرا على الإقرار بل مع ذلك تكذبون بالدين ويحتمل ان يكون إضرابا عن مفهوم علمت نفس ما قدمت وأخرت اى ما قدمت من العصيان وأخرت من الطاعة فان حاصل المعنى انكم تعصون بل تكذبون. وَإِنَّ عَلَيْكُمْ اى والحال ان عليكم لَحافِظِينَ لاعمالكم وأقوالكم من الملائكة. كِراماً على الله كاتِبِينَ صحف الأعمال للجزاء. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ من خير وشر عقب الحافظين بتلك الصفات تعظيما لهم وتنبيها على انه لا يفوت من علمهم شىء من الأعمال والأقوال فيه توبيخ على تكذيبهم وتحقيق لما يكذبون به وروى يتوقعون من التسامح والإهمال. إِنَّ الْأَبْرارَ الذين بروا وصدقوا بايمانهم باجتنابهم عما نهى الله عنه من العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة والأعمال القبيحة وامتثالهم أوامره واخرج ابن عساكر فى تاريخه عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال انما سماهم الله الأبرار لانهم بروا الآباء والأبناء لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ الذين شقوا ستر الدين والديانة بالكفر والمعاصي والفجور الشقي لَفِي جَحِيمٍ جملة ان الأبرار الى اخر السورة متصل بقوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت فان فى هذا الكلام بيان لا يعلم كل نفس من خير او شر عمله بإدراك جزائه روى ابن سليمان بن عبد الملك قال لابى حازم المدني ليت شعرى ما لنا عند الله قال اعرض عملك الى كتاب الله فانك تعلم

الانفطار 82:15

مالك عند الله قال فاين أجد فى كتاب الله فقال عند قوله ان الأبرار لفى نعيم وان الفجار لفى حجيم قال سليمان فاين رحمة الله قال قريب من المحسنين انتهى. يَصْلَوْنَها يدخلونها يَوْمَ الدِّينِ يوم الجزاء. وَما هُمْ الضمير الى بعض الفجار اعنى الكفار او المراد بالفجار الكفار عَنْها اى عن الجحيم بِغائِبِينَ ط لخلودهم فيها او المعنى ما هم كانوا عنها غائبين قبل ذلك او كانوا يجدون سمومها فى القبور عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى ان كان من اهل الجنة فمن اهل الجنة وان كان من اهل النار فمن اهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله اليه يوم القيمة متفق عليه وفى حديث البراء بن عاذب عن رسول الله - ﷺ - ذكر حال الكافر فى القبر يسال عن دينه فيقول هاه هاه لا أدرى فقال فينادى من السماء ان كذب فافرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا الى النار ثم عظم ذلك اليوم فقال. وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ الاستفهام للتعجب والتوبيخ يعنى انه يوم عظيم البلاء شديد غاية الشدة لا تدرى عظمته وشدته حيث لا يدرك كنه امره دراية دار. ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ط تأكيد للتفخيم. يَوْمَ لا تَمْلِكُ قرأ ابن كثير وابو عمرو بالرفع على انه بدل من اليوم فى ما يوم الدين او خبر مبتداء محذوف اى هو والباقون بالنصب على انه بدل من اليوم فى يصلونها يوم الدين او متعلق بمحذوف اى يجزى الفريقان كذلك فى يوم لا تملك نفس او اذكر يوم لا تملك او هو مبنى على الفتح لاضافة الى غير التمكن ومحله الرفع نَفْسٌ اى أحد لِنَفْسٍ يعنى كافرة كذا قال مقاتل شَيْئاً ط من المنفعة- وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ع وحده لا يملك الله فى ذلك اليوم أحدا شيئا من الأمر كما ملكهم فى الدنيا واما الاذن فى الشفاعة للمؤمنين فليس بتمليك او يقال الأمر يومئذ عيانا وفى زعم كل أحد كما كان الأمر كله لله فى الحقيقة وفى زعم اهل البصيرة والله اعلم بالصواب.

المطففين 83:1

سورة التطفيف مكيّة وهى ستّ وثلثون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عن ابن عباس قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فانزل الله تعالى ويل للمطففين فاحسنوا الكيل بعد ذلك رواه الحاكم والنسائي وابن ماجة بسند صحيح وقال السدى قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وبها رجل يقال له ابو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالاخر فانزل الله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ والطف الحقير والمراد بالمطففين ما بين بقوله. الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا اى أخذوا الكيل او اتزنوا ولم يذكره اكتفاء بذكر الوزن فى القرنية الثانية ولعل الكيل كان هو الغالب فى الاستعمال عَلَى النَّاسِ متعلق بقوله اكتالوا او بقوله يَسْتَوْفُونَ وقع على موضع من تقديره إذا اكتالوا من الناس يستوفون منهم للدلة على ان اكتيالهم لما لهم على الناس او ان اكتيالهم بتحامل فيهم عليهم قال الفراء من وعلى يتعاقبان فى هذه الموضع فاذا اكتلت عليك كانه قال أخذت ما عليك وإذا قال اكتلت منك فكأنه قال استوفيت منك. وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ الضمير المنصوب راجع الى الناس اى كالوهم او وزنوهم حذف الجار وأوصل الفعل روى التقدير كالوا مكيلهم فحذف المضاف وأقيم مضاف اليه مقامه وليس تأكيد المتصل بالمنفصل إذ المقصود بيان اختلاف حالهم فى الاخذ والإعطاء لا فى المباشرة وعدمها وايضا يابى عنه الخط فانه يستدعى عن اثبات الف بعد الواو يُخْسِرُونَ ط اى ينقصون الكيل والوزن يقال خسر الميزان واخسره وسمى هذا العمل بالتطفيف لان ما يبخس فى الكيل والوزن لا يكون الا حقيرا وفيه ايماء الى ان بخس الحقير موجب للويل والعذاب فبخس الكثير بالطريق الاولى قال رسول الله ﷺ خمس بخمس ما نقض العهد قوم الا سلط الله عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما انزل الله الا فشا فيهم الفقر وما ظهرت فيهم الفاحشة الا فشا فيهم الموت ولا طففوا

المطففين 83:4

المكيال الا منعوا لنبات وأخذوا بالسنين ولامنعوا الزكوة الا حبس عنهم القطر رواه الحاكم من حديث بريدة ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه الطبراني من حديث ابن عباس قال قال رسول الله - ﷺ - ما ظهر الغلول فى قوم الا القى الله فى قلوبهم الرعب ولا فشا الربوا فى قوم الأكثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان الا قطع عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير حق الا فشا فيهم الدم وماختر قوم بالعهد الا سلط الله عليهم العدو رواه مالك موقوفا والختر الغدر قلت وقطع الرزق بالتطفيف قد يكون بجعله فقيرا لا يقدر على شىء يكون بمنع الرزق عنه مع قدرته عليه فلا يقدر الاكل منه فى حقه كما فى البقالين من ديارنا قال البغوي كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول اتق الله أوف الكيل والوزن فان المطففين يوقفون يوم القيمة حتى ان العرق ليلجمهم الى انصاف آذانهم. أَلا يَظُنُّ ذكر الظن مكان اليقين ايماء الى ان من كان يظن ذلك ينبغى ان لا يرتكب موجبات تلك الشدائد فكيف من يستيقن والاستفهام للانكار وفيه تعجيب من مالهم وتوبيخ أُولئِكَ المطففين فاعل ليظن أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ قام مقام المفعولين ليظن. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ متعلق مبعوثون وللتعليل اى لحساب يوم عظيم او بمعنى فى يوم عظيم وهو يوم القيمة عظمه لعظم ما يكون فيه اخرج ابن المبارك عن الحسن قال لقد مضى بين ايديكم أقوام لو ان أحدهم اتفق عدد هذا الحصى تخشى ان لا ينجوا من عظمة ذلك اليوم. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ من القبور منصوب بمبعوثون على الظرفية او بدل من يوم عظيم وفتحه على البناء لاضافته الى غير متمكن لرب العلمين اى لحسابه وجزائه عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال يوم يقوم النّاس لِرَبِّ الْعالَمِينَ ط اى حسابه وجزائه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال يوم يقوم النّاس لرب العالمين حين يغيب أحدهم فى رشحه الى انصاف اذنيه متفق عليه واخرج الحاكم مثله عن ابى سعيد الخدري وفى الصحيحين عن ابى هريرة ان رسول الله - ﷺ - قال يعرق الناس يوم القيمة حتى يذهب عرقهم فى الأرض سبعين باعا ويلجمهم حتى آذانهم واخرج الطبراني وابو يعلى وابن حبان عن ابن عباس ان الكافر يلجم بعرقه يوم القيمة حتى يقول يا رب أرحني ولو الى النار واخرج الحاكم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان العرق ليلجم الرجل فى الموقف

المطففين 83:7

حتى يقول يا رب ارسالك لى الى النار أهون على مما أجد وهو يعلم ما فيها من شدة العذاب واخرج البيهقي عن قتادة فى قوله تعالى يوم يقوم الناس لرب العلمين قال بلغني ان كعبا كان يقول يقومون مقدار ثلاثمائة عام واخرج مسلم عن المقداد بن الأسود قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول تدنوا الشمس يوم القيمة من الخلق حتى يكون منهم مقداد ميل قال سليم بن عامر فو الله ما أدرى ما يعنى بالميل أمساق الأرض أم الميل الذي يكحل به العين فيكون الناس على قدر أعمالهم فى العرق فمنهم من يكون الى كعبه ومنهم من يكون الى ركبته ومنهم من يكون الى حقوته ومنهم من يلجمه العرق الجاما وأشار رسول الله ﷺ بيده الى فيه واخرج احمد والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر نحوه واخرج احمد والطبراني عن ابى امامة الباهلي عنه ﷺ وفيه ويزاد فى حرها كذا وكذا تغلى منها الهوام كما تغلى القدور واخرج احمد والطبراني بسند جيد عن انس رفعه قال لم يلق ابن آدم شيئا منذ خلق الله أشد عليه من الموت وهو أهون مما بعده وانهم ليلقون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم حتى ان السفن لو أجريت لجرت واخرج البيهقي عن ابن عمر وقال يشتد كرب ذلك اليوم حتى يلجمهم الكافر العرق قبل الحساب قيل له فاين المؤمنون قال على كراسى من ذهب ويظلل عليهم الغمام واخرج هناد عن ابن مسعود نحو هذا كله وفيه ما طول ذلك اليوم عليهم اى على المؤمنين الا كساعته من نهار واخرج هناد وابن المبارك عن سلمان قال تدنى الشمس من رؤس الخلائق يوم القيمة قاب قوسين او قوسين ويعطى حر عشر سنين وليس أحد من الناس عليه يومئذ صحره الى خرقة ولا يرى عورة مومن ولا مؤمنة ولا يجد حرها مومن ولا مؤمنة واما الكافر فيطبخهم طبخا حتى يسمع لاجوافهم عق عق. كَلَّا ردع عن التطفيف وتم الكلام وقال الحسن كلا ابتداء يتصل بما بعده بمعنى حقا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ يعنى صحف أعمالهم التي كتبتها الحفظة الكرام والمراد بالفجار الكفار لَفِي سِجِّينٍ مشتق من السجن بمعنى الحبس فى القاموس السجين كالسكين الحبس الدائم الشديد قال الأخفش فعيل من السجن كما يقال فسيق وشريب معناه لفى حبس شديد وقال عكرمة لفى سجين اى فى خساء وضلال لما كان كتاب الفجار اى ما فى الكتاب من الأعمال موجبا لكونهم فى الحبس والخساء والضلال أسند ذلك الى الكفار مجازا والظاهر من الأحاديث والآثار ان السجين اسم موضع فى كتاب الفجار كذا فى القاموس وكون الكتاب فى ذلك الموضع بان يوضع صحف أعمالهم هناك او يكتب هناك كتاب جامع الصحف اعمال الفجار من الثقلين ووجه تسمية ذلك الموضع بالسجين ان هناك يحبس أرواح الكفار أجمعين وذلك الموضع هو الأرض السابعة او تحت الأرض السابعة اخرج ابن مندة والطبراني وابو الشيخ عن حمزة بن حبيب مرسلا قال سئل رسول الله ﷺ عن أرواح المؤمنين فقال فى طير خضر تسرح فى الجنة حيث شاءت قالوا يا رسول الله وأرواح الكفار قال محبوسة فى سجين وروى ابن المبارك والحكيم الترمذي وابن ابى الدنيا وابن مندة عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال نفس الكافر فى سجين قال البغوي قال عبد الله بن عمر وقتادة ومجاهد والضحاك سجين هى الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار وقلت كذا اخرج ابن ابى الدنيا عن عبد الله بن عمر روى البغوي بسنده عن البراء قال قال رسول الله ﷺ سجين أسفل سبع ارضين وعلّيون فى السماء السابعة تحت العرش وقد ورد فى حديث طويل عن البراء بن عازب مرفوعا فى ذكر موت المؤمنين وموت الكفار فذكر فى الكفار انه لا يفتح لهم أبواب السماء فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه فى سجين فى الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا الحديث اخرج احمد وغيره وذكر البغوي قول شبرمة بن عطاء جاء ابن عباس الى كعب الأحبار فقال أخبرني عن قول الله عز وجل ان كتب الفجار لفى سجين فقال ان روح الفاجر يصعد بها الى السماء فتابى السماء ان تقبلها ثم تهبط بها الى الأرض فتابى الأرض ان تقبلها فتدخل تحت سبع ارضين حتى ينتهى بها الى سجين وهى موضع جند إبليس فيخرج لها من سجين من تحت جند إبليس رق فيرقم ويختم ويوضع تحت جند إبليس لمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيمة وقال الكلبي هى صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء خضرة السماء منها يجعل كتاب الفجار تحتها وروى عن ابن نجيح عن مجاهد قال سجين صخرة تحت الأرض السفلى تقلب فيجعل كتاب الفجار فيها وقال البغوي جاء فى الحديث الفلق جب فى جهنم مغطى والسجين جب فى جهنم مفتوح قلت ويمكن الجمع بينهما اعنى بين كون السجين تحت الأرض السابعة وكونه فى جهنم ان جهنم تحت الأرض السابعة السفلى اخرج ابو الشيخ فى العظمة والبيهقي من طريق ابى الزعراء عن عبد الله قال الجنة فى السماء السابعة والنار فى الأرض السابعة السفلى واخرج البيهقي فى الدلائل

المطففين 83:8

عن عبد الله بن سلام الجنة فى السماء والنار فى الأرض واخرج ابن جرير فى تفسيره عن معاذ قال سئل رسول الله - ﷺ - من اين يجاء بجهنم يوم القيمة قال لجاء بها من الأرض السابعة بها الف زمام لكل زمام سبعون الف ملك فاذا كانت من العباد على مسيرة الف سنة زفرت زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبى مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول رب نفسى نفسى. وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ط تفخيم وتهويل قال الزجاج ليس ذلك مما كنت تعلمها أنت ولا قومك. كِتابٌ مَرْقُومٌ ط اى مكتوم فيه أعمالهم ثبت عليهم كالرقم فى الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به او المعنى معلم يعلمه من راه انه عرف لا خير فيه وقيل معناه مختوم بلغة حمير قال البغوي ليس هذا تفسيرا للسجين بل هو بيان الكتاب المذكور ان كتب الفجار وقال البيضاوي هذا تفسير للسجين لقب به الكتاب لانه سبب للحبس فقال هذا ظرفية السجين الكتاب لكونه كتابا جامعا لكتب الفجار من الثقلين والظاهر ان السجين فيه مقر أرواح الكفار ومقر صحف أعمالهم وفى الكلام حذف مضاف اما اى فى السجين اى ما كتاب سجين او فى كتاب مرقوم اى محل كتاب مرقوم بالشر. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالحق. الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ط صفة موضحة او ذامة او مخصصة او بدل من المكذبين وجملة ويل يومئذ إلخ معترضة للذم قلت ويحتمل ان يكون فى محل الرفع من مرقوم بمعنى رقم فيه ويل يومئذ إلخ او صفة الكتاب اى كتاب موجب للويل والتأويل الاول اظهر من حيث اللفظ وللاخيرين من حيث المعنى لان كونه كتابا مرقوما ليس من خصائص كتاب الفجار بل قيل مثل ذلك فى كتب الأبرار ايضا يتصور كونه جوابا لقوله ما سجين. وَما يُكَذِّبُ بِهِ اى بيوم الدين إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ مجاوز عن الحد فى الجهل وتقليد الآباء الجهلة حتى أنكر قدرة الله على الاعادة أَثِيمٍ منهمك فى الشهوات اشتغل بها عما ورائها وحمله على الإنكار لما عداها. إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعنى القران شرط جزائه قالَ من فرط جهله وغفلته عن كونه معجزا او من غباوته واعراضه عن الحق تعنتا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ط خبر مبتداء محذوف اى هى والأساطير جمع اسطورا واسطارا او اسطر بمعنى الأحاديث التي لا نظام بها فى القاموس وفى الصراح أساطير الأولين اى شى كتبوه كذبا والجملة الشرطية

المطففين 83:14

صفة بعد صفة لمعتد لبيان انه لا ينفعه من الادلة العقلية والنقلية شى والجملة وما يكذب به معترضة. كَلَّا ردع عن التكذيب وعما قالوا وقال مقاتل معناه اى لا يومنون بَلْ سكته إضراب عن الردع ينفى قابلية قلوبهم عن درك الحق وتميزه من الباطل يسكت حفص هاهنا سكتة ويدغم غيره رانَ قال ابو بكر وحمزه والكسائي فتح الراء والباقون بتفخيمها عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ والرين الغلبة يقال ران الخمر على قلبه إذا غلب عليه سكره والمعنى غلب على قلوبهم ظلمت ما كانوا يكسبون من المعاصي حتى عمى قلوبهم عن التميز بين الحق والباطل عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء فى قلبه فان تاب وفزع واستغفر صقل قلبه منها وان زاد زادت حتى تعلو قلبه فذالكم الران الذي ذكر الله فى كتابه كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون رواه البغوي وكذا اخرج احمد والترمذي وصححه واحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وفى بعض الروايات ان العبد كلما أذنب ذنبا الحديث ولفظ المؤمن يدل على شدة السوداء قلب الكافر بطريق الاولى. كَلَّا ردع عن كسب المعاصي الموجبة للرين او هو بمعنى حقا لتحقيق الرين قال يريد انهم لا يصدقون إِنَّهُمْ اى الكفار عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ اى يوم الدين يوم يرى الله سبحانه المؤمنون لَمَحْجُوبُونَ ط لحجب ظلماتهم الناسبة عنهم فلا يرون الله سبحانه كما كانوا لا يرون الحق من الباطل فى الدنيا قال الحسن لو علم الزاهدون والعابدون انهم لا يرون ربهم لزهقت أنفسهم فى الدنيا سئل مالك عن هذه الاية فقال لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لاولياءه حتى رأوه وقال الشافعي فى الاية دلالة على ان اولياء الله يرون الله. ثُمَّ اى بعد كونهم محجوبين عن روية الله إِنَّهُمْ لَصالُوا اى لداخلوا الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ يقول لهم خزنة جهنم هذَا هذا العذاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ كَلَّا ان التطفيف تكرير للاول ليعقب وعد الأبرار كما عقب وعيد الفجار اشعارا بأن التطفيف فجور كما ان الإيفاء برا وردع عن تكذيب العذاب او هو بمعنى حقا وقال مقاتل معناه لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ قال بعض اهل المعاني هو علو وشرف بعد شرف ولذلك جمع بالواو والنون وقال الفراء

المطففين 83:19

اسم موضع على صيغة الجمع لا واحد له من لفظ كعشرين وقال بعض المحققين هو منقول من جمع على وزن فعيل من العلو وقد مر حديث البراء المرفوع عليين فى السماء السابعة تحت العرش وفى الحديث البراء الطويل فى ذكر الموت المؤمنين والكفار ذكر فى نفس المؤمن انه يصعد بها حتى ينتهى بها الى السماء السابعة فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدى فى عليين وأعيدوا الأرض الحديث أخرجه احمد وابو داود والحاكم وغيرهم من طرق صحيحة وقال ابن عباس هو يعنى عليين لوح زبرجد خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها ومن هاهنا قالوا هو كتاب جامع الأعمال الخير من الملئكة ومومنى الثقلين وقال كعب وقتادة هو قائمة العرش اليمنى وقال عطاء عن ابن عباس هو الجنة وقال عطاء والضحاك هو سدرة المنتهى. وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ الكلام فيه كما مر فى نظيره. يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ط صفة لكتاب كما كان ويل للمكذبين صفة هناك والمقربون قال البغوي يعنى الملائكة قلت وأرواح الأنبياء والصديقين والشهداء ايضا فان هناك لعزها كما اخرج مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أرواح الشهداء عند الله فى حواصل طير خضر تسرح فى انهار الجنة حيث شاءت تأوي الى قناديل تحت العرش وكذا روى سعيد بن منصور عن ابن عباس وتقى بن مخلد عن ابن ابى سعيد الخدري وروى ابو الشيخ عن انس قال يبعث الله شهداء من حواصل طير بيض كانوا فى قناديل معلقة بالعرش واخرج ابن مندة عن ابن شهاب بلاغا بلغني ان أرواح الشهداء كطير خضر المعلقة بالعرش تغدوا ثم ترجع الى رياض الجنة يأتى ربها سبحانه وتعالى كل يوم يسلم عليه واخرج ابن ابى حاتم عن ابى الدرداء قال هى يعنى أرواح الشهداء طائر خضر فى قناديل الحديث واخرج البخاري عن انس انه قال لما قتل حارثة قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انه جنان وانه فى الفردوس الأعلى وقال الله تعالى فى حبيب نجار قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى الاية ولا منافاة بين كونهم فى الجنة وكونهم تحت العرش فى قناديل لان العرش بمنزلة السماء للجنة قلت وهذا الحكم غير مختص بالشهداء فان الأنبياء والصديقين أعلى منهم منزلة وقد ورد فى الحديث بلفظ المؤمنين مطلقا اخرج مالك والنسائي بسند صحيح عن كعب بن مالك ان رسول الله - ﷺ - قال انما نسمة المؤمن طاير المتعلقة فى شجرة الجنة حتى ترجع الى جسده يوم القيمة وكذا اخرج احمد والطبراني عن أم هانئ عنه صلى الله عليه واله وسلم قال يكون النسم طير التعلقه بالشجر حتى إذا كان يوم القيمة دخلت كل نفس فى جسده واخرج ابن عساكر عن أم بشر امرأة ابى معروف نحوه والمراد فى تلك الأحاديث الكاملين منهم كما يدل عليه قوله تعالى يشهده المقربون وقد ورد فى بعض الأحاديث ان مقر أرواح المؤمنين فى السماء السابعة ينظرون الى منازلهم فى الجنة أخرجه ابو نعيم بسند ضعيف عن ابى هريرة واخرج ايضا عن وهب بن منبه ان لله تعالى فى السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين وفى بعض الأحاديث إذا اخرج من الجسد كان بين السماء والأرض رواه سعيد بن منصور عن سلمان وروى ابن المبارك والحكيم الترمذي وابن ابى الدنيا وابن مندة عن سعيد بن المسيب عن سلمان أرواح المؤمنين فى برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت ونفس الكافر فى سجين وفى هذه الحديث حكاية عن حال المؤمنين على تفاوت درجاتهم قال الشعبي فى بحر الكلام الأرواح على اربعة أوجه أرواح الأنبياء تخرج من جسدها وتصير مثل صورتها المسك والكافور وتكون فى الجنة تأكل وتشرب وتنعم وتأوي بالليل الى قناديل معلقة بالعرش وأرواح الشهداء تخرج من جسدها ويكون فى أجواف طير خضر فى الجنة تأكل وتشرب وتنعم وتأوي بالليل الى قناديل معلقة بالعرش وأرواح المطيعين من المؤمنين يربص بالجنة لا تأكل ولا تتمتع ولكن تنظر فى الجنة وأرواح العصاة من المؤمنين تكون بين السماء والأرض فى الهواء واما أرواح الكفار فهى فى السجين فى جوف طير سود تحت الأرض السابعة قلت وما ذكر فى أرواح الأنبياء انها تصير فى مثل صورتها المسك والكافور يعنى ان لها أجسادا كالاجساد الإنسان وعبرها بالمسك لتطيب ريحها وعبر المجدد عن تلك الأجساد بالجسم الموهب ويكون ذلك للانبياء ولكمل اتباعهم الصديقين قبل الموت فان قيل بعض الأحاديث الصحاح تدل على ان أرواح المؤمنين حتى الأنبياء وأرواح الكفار كلها فى القبور كما ورد فى حديث البراء الطويل يقول الله تعالى فى حق المؤمنين اكتبوا كتاب عبدى فى عليين واعيدوه الى الأرض فانى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة اخرى فيعاد روجه فى جسده وكذا قال فى الكافر فيعاد روحه فى قبره قال ابن عبد البر هذا أصح ما قيل

المطففين 83:22

وقد راى النبي ﷺ موسى عليه السلام فى قبره يصلى ليلة اسرى به وانه ﷺ قال من صلى على عند قبرى سمعته ومن صلى على غائبا بلغته فكيف تطبيق قلنا وجه التطبيق أن مقر أرواح المؤمنين فى عليين او فى السماء السابعة ونحو ذلك كما مر ومقر أرواح الكفار فى سجين ومع ذلك لكل روح منها اتصال لجسده فى قبره لا يدرك كنهه الا الله تعالى وبذلك الاتصال يصح ان يعرض على الإنسان المجموع المركب من الجسد والروح مقعده من الجنة او النار ويحس اللذة او الألم ويسمع سلام الزائر ويجيب المنكر والنكير ونحو ذلك بما ثبت بالكتاب والسنة كما ان جبرئيل مع كون مستقره من السموات كان يدنوا من النبي ﷺ حتى يضع يديه على فخذيه قال الشعبي فى بحر الكلام هى متصلة بأجسادها فتعذب الأرواح ويتالم الأجساد منها كالشمس فى السماء ونورها فى الأرض والله تعالى اعلم. إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ مستأنفة. عَلَى الْأَرائِكِ اى على الاسرة فى الحجال حال من المستكن فى ظرف المستقر يَنْظُرُونَ حال بعد حال مترادف لما سبق او متداخل قال اكثر المفسرين يعنى ينظرون الى ما أعطاهم الله تعالى من الكرامة والنعمة وقال قتادة ينظرون الى أعدائهم كيف يعذبون فى النار قلت ينظرون الى ربهم تبارك وتعالى كما ان الكفار عن ربهم يومئذ لمحجوبون. تَعْرِفُ ايها المخاطب كذا قرأ الجمهور وقرأ ابو جعفر ويعقوب على المبنى للمفعول فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ بالرفع عند جعفر ويعقوب وبالنصب عند الجمهور النَّعِيمِ ج اى بجنة النعيم قال الحسن النضرة فى الوجه والسرور فى القلب. يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ اى جنة صافية طيبة بيضاء مَخْتُومٍ اى ممنوع من ان تمسه يد الى ان يفك ختامه الأبرار. خِتامُهُ مِسْكٌ ط قرأ الكسائي خاتمه بتقديم الالف على التاء على وزن عالم والباقون على وزن كتاب فى القاموس ختام ككتاب الطين يختم على الشيء والخاتم ما يوضع على الطينة والمراد بالقراءتين واحد اى مختوم او آنية بالمسك مكان الطين وكذا قال ابن زيد وقال ابن مسعود مختوم اى ممزوج ختامه اى اخر طعمه وعاقبته مسك فى القاموس والختام من كل شىء آخره وَفِي ذلِكَ الرحيق والنعيم فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ط التنافس مشتق من النفس او من النفيس ومعناه اختيار الشيء النفيس لنفسه بحيث ينفسه به اى يضن به على غيره وحاصل المعنى فليرغب

المطففين 83:27

الراغبون يعنى ان التنافس لا يليق على الامتعة الدنيوية لبخستها وقلتها ونفادها بل على النعم الاخروية فان قيل التنافس من الرذائل فكيف يكون مرغوبا فيه قلت انما هو من الرذائل إذا كان متعلقا بالأمور الدنيوية لانها غير مرضية لله تعالى ولانها يستلزم الإضرار بغيره إذا لامتعة الدنيوية فافدة قليلة إذا اختار لنفسه فات عن غيره بخلاف النعم الاخروية فانها مرضية لله تعالى ولا ينفد فايثارها لنفسه لا يضر بغيره. وَمِزاجُهُ اى يمزج به الرحيق مِنْ تَسْنِيمٍ قال البغوي شراب ينصب عليهم من علو فى غرفهم ومنازلهم قلت الظاهر انها تنصب من فوق العرش فان العرش بمنزلة السقف للجنة وقيل يجرى فى الهواء متسنما فينصب فى أواني اهل الجنة على قدر ملئها فاذا امتلئت امسك وهذا معنى قول قتادة واصل الكلمة من العلو يقال للشئ المرتفع سنام ومنه سنام البعير قال الضحاك هو شراب اسمه تسنيم وهو من اشرف اشربة الجنة قال ابن مسعود وابن عباس هو خالص للمقربين يشربونها صرفا ويمزج لساير اهل الجنة ثم فسره بقوله. عَيْناً منصوب على المدح او بتقدير اعنى او حال من تسنيم يَشْرَبُ بِهَا اى منها او بتضمين يلتذ صفة لعينا الْمُقَرَّبُونَ ط اى اصحاب كمالات النبوة بالاصالة او بالوراثة وهم الصديقون قال البغوي روى يوسف بن مهران عن ابن عباس انه سئل عن قوله من تسنيم قال هذا مما قال الله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين. إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعنى كفار قريش ابو جهل والوليد بن مغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم من مشركى مكة كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عمار وصهيب وخباب وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين يَضْحَكُونَ استهزاء بهم. وَإِذا مَرُّوا اى المؤمنون بِهِمْ اى بالكفار يَتَغامَزُونَ اى الكفار يشيرون إليهم بالجفن والحواجب استهزاء والجملة الشرطية معطوفة على يضحكون خبر لكانوا وكذا الشرطيتين الأخريين. وَإِذَا انْقَلَبُوا اى الكفار إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ معجبين ملتذين بالسخرية منهم قرأ حفص فكهين بغير الف والباقون بالألف فاكهين. وَإِذا رَأَوْهُمْ يعنى الكفار المؤمنين قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ اى خدعهم محمد فضلوا عن دين ابائهم وتركوا اللذات لما يرجون فى الاخرة من الكرامات فقد تركوا الحقيقة بالخيال. وَما أُرْسِلُوا اى الكفار عَلَيْهِمْ

المطففين 83:34

على المؤمنين حافِظِينَ ط لاعمالهم ويشهدون برشدهم وصلاحهم جملة وما أرسلوا حال من فاعل قالوا. فَالْيَوْمَ اى يوم كون المؤمنين على الأرائك ينظرون الى الله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ حين يرونهم فى السلاسل والاغلال فى النار قال البغوي قال ابو صالح وذلك انه يفتح للكفار فى النار ابوابها ويقال لهم اخرجوا فاذا رأوها مفتوحة اقبلوا إليها ليخرجوا والمؤمنون ينظرون إليهم فاذا انتهوا الى ابوابها غلقت دونهم يفعل بهم ذلك مرارا والمؤمنون يضحكون من الكفار كما كان الكفار يضحكون منهم فى الدنيا وقال كعب بين الجنة والنار كوى فاذا أراد المؤمن ان ينظر الى عدو له فى الدنيا اطلع عليه من تلك الكوى كما قال الله تعالى فاطلع فراه فى سواء الجحيم فاذا اطلعوا من الجنة الى أعدائهم وهم يعذبون فى النار فضحكوا فذلك قوله تعالى هذه الاية واخرج البيهقي عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان المستهزئين بالناس يفتح لاحدهم باب من الجنة فيقال لاحدهم هلم فجيئ بكربه وغمه فاذا جاء اغلق دونه فما زال كذلك حتى ان أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال له هلم فما يأتيه من الا يأس. عَلَى الْأَرائِكِ حال من فاعل يضحكون يَنْظُرُونَ اى الكفار فى النار حال مترادف او متداخل لما قبله-. هَلْ ثُوِّبَ اى جوزى الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ع اى جزاء ما كانوا يعملون من الاستهزاء والاستفهام للتقرير اى نعم والله اعلم بالصواب.