التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — الفاتحة 1:7 – البقرة 2:31
المحتويات
- الفاتحة 1:7
- البقرة 2:1
- البقرة 2:2
- البقرة 2:3
- البقرة 2:4
- البقرة 2:5
- البقرة 2:6
- البقرة 2:7
- البقرة 2:8
- البقرة 2:9
- البقرة 2:10
- البقرة 2:11
- البقرة 2:12
- البقرة 2:13
- البقرة 2:14
- البقرة 2:15
- البقرة 2:16
- البقرة 2:17
- البقرة 2:18
- البقرة 2:19
- البقرة 2:20
- البقرة 2:21
- البقرة 2:22
- البقرة 2:23
- البقرة 2:24
- البقرة 2:25
- البقرة 2:26
- البقرة 2:27
- البقرة 2:28
- البقرة 2:29
- البقرة 2:30
- البقرة 2:31
الفاتحة 1:7
قال الشيخ - رحمه الله ونفعنا به وبعلمه في الدارين -: سميت الفاتحة لمعنيين:
أحدهما: أن الله تعالى بها فتح أبواب خزائن الحقائق التي ما فتح أبوابها لأحد من العالمين على حبيبه ونبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب بعد أن أودع فيه حقائق جوامع الكلام التي أنزلها على جميع أنبيائه ورسله - عليهم السلام - يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59].
والثاني: أنها هي فاتحة فتوحات هذا الكتاب بأن الله تعالى ضمن فيها: حقائق مراتب الربوبية ومراتب العبودية، ومراتب الأمور الدنيوية ومراتب الأمور الأخروية التي هذا الكتاب مشتمل عليها سنجمع دقائق مبانيها.
1- فمراتب الربوبية عشرة:
أولها: مرتبة الاسم؛ بأن له تعالى أسماء.
والثاني: الذات.
والثالث: الصفات.
فهذه المراتب الثلاثة حاصلة في { بسم الله الرحمن الرحيم } [الفاتحة: 1].
والرابع: الثناء.
والخامس: الشكر.
وهما حاصلان في { الحمد } [الفاتحة: 1].
والسادس: الألوهية بمعنى الخالقية، وهي حاصلة في { لله } [الفاتحة: 1].
والسابع: الربوبية بالوحدانية في الخالقية، وهي حاصلة في { رب العالمين } [الفاتحة: 1].
والثامن: الملكية بالمالكية، وهي حاصلة في { ملك } [الفاتحة: 1].
والتاسع: المعبودية بالألوهية والوحدانية، وهي حاصلة في { يوم الدين } [الفاتحة: 1].
والعاشر: الهداية بالحق والإنعام من الأزل إلى الأبد، وهي حاصلة في { اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 1].
2- وكذلك في مرتبة العبودية عشرة:
أولها: معرفة الله تعالى بهذه المراتب.
والثاني: الإقرار بالربوبية لله تعالى وبعبودية نفسه له.
والثالث: معرفة النفس وخلوها عن مراتب الربوبية.
والرابع: العلم باحتياجه إلى الله تعالى واستغناء الله تعالى عنه.
والخامس: عبادة الله تعالى على ما هو أهله بأمره.
والسادس: الاستعانة بالله تعالى في عبوديته بالتوفيق والقدرة والتعلم والإخلاص.
والسابع: الدعاء بالخضوع والخشوع والشوق والمحبة، فإنه خلق لهذا كما قال تعالى:
قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم
[الفرقان: 77] وقال تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
والثامن: الطلب لوجدان الله تعالى وصفاته ونعمه، وهو المقصد الأعلى والمنية القصوى.
والتاسع: الاستهداء عنه ليهتدى به وينعم عليه بإرشاده طريق الهداية.
والعاشر: الاستدعاء منه بأن ينعم عليه، ويديم نعمته عليه، ولا يغضب فيرده إلى الضلالة والغواية.
وهذه المراتب كلها حاصلة في { وإياك نستعين } إلى آخر السورة فافهم جدا.
3- ومراتب الأمور الدنيوية أربعة:
الملك والملك والتصرف فيهما بالملكية والمالكية، وفاتحة الكتاب مشتملة على هذه المراتب كلها كما أشرنا إلى طرف منها، وسنبينها في تفسيرها إن شاء الله تعالى، ولهذا المعنى أيضا سميت أم الكتاب؛ لأن أم الكتاب في الحقيقة مصدر حقائق كل دين، وكتاب ومنشأ دقائق كل حكم وخطاب، كقوله تعالى:
يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب
[الرعد: 39].
وأما الحكمة في أن الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء واختياره على سائر الحروف لا سيما على الألف بأنه أسقط الألف من ال " اسم " وأثبت مكانه الباء، وقال: { بسم } فعشرة معان:
أحدها: إن في الألف ترفعا وتكبرا وتطاولا، وفي الباء انكسارا وتواضعا وتساقطا، فالألف لما تكبرت وضعها الله تعالى والباء لما تواضعت رفعها الله تعالى كما ورد في الحديث:
" من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله "
وقد ورد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن يأتي الجبل ليسمعه كلامه، فتطاول كل جبل طمعا أن يكون محلا لموسى عليه السلام، وتصاغر طور سيناء في نفسه " متى أستحق أن أكون محلا لقدم موسى عليه السلام في وقت المناجاة؟ " فأوحى الله تعالى إلى موسى: " أن ائت ذلك الجبل المتواضع الذي ليس يرى لنفسه استحقاقا " فكذلك حال الباء مع الألف.
وثانيها: إن الباء مخصوصة بالإلصاق، وتصل كل حرف بخلاف أكثر الحروف خصوصا الألف؛ لأن الألف مخصوصة بالقطع وتكون منقطعة عن الحروف كلها، فلما كانت الباء واصلة للرحم في الحروف وصلها الله تعالى، ولما كانت الألف قاطعة الرحم عن الحروف قطع الله معها كما روى عبد الله بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يحكي عن ربه - جل ثناؤه -:
" أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته "
حديث صحيح.
وثالثها: إن الباء مكسورة أبدا فلما كانت فيها كسرة وانكسار في الصورة والمعنى وجدت شرب العندية من الله تعالى واسمه دون الألف كما قال تعالى:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ".
ورابعها: إن في الباء وإن كانت في الظاهر تساقط وتكسر، ولكن في الحقيقة رفعة درجة وعلو همته وهي من صفات المصدقين، وفي الألف ضدها. أما رفعه درجتها فبأنها أعطيت نقطة وليست للألف هذه الدرجة، وأما علو الهمة فإنه لما عرضت عليه النقطة ما قبلت إلا واحدا بسكون حاله كحال موحد لا يقبل إلا واحدا، وعابد لا يعبد إلا معبودا واحدا، وقاصد لا يقصد إلا مقصودا واحدا ومحب لا يحب إلا محبوبا واحدا.
وخامسها: إن للباء صدقا في طلب قربة الحق ونيل المقصود الحقيقي لا يوجد في غيرها من الحروف وذلك أنها لما وجدت درجة حصول النقطة وبلغت هذه المرتبة وضعتها تحت قدمها؛ لصدقها في طلب المقصود الحقيقي والمطلوب الأصلي، وما تفاخرت بها بل أعرضت عنها حتى بلغت مقصدها الأقصى ومقصودها الأعلى، فالباء مخصوصة من سائر الحروف بوضع النقطة تحتها ولا تناقضها الجيم وإن كانت تحتها نقطة واحدة؛ لأن نقطة الجيم في وضع الحروف ليست تحتها بل هي وسطها وكذلك الباء، وإنما موضع النقطة تحتها عند اتصالهما بحرف آخر لئلا تشبها بالخاء والثاء بخلاف الباء فإن نقطتهما موضوعة تحتها وإن كانت مفردة غير متصلة بحرف آخر.
وسادسها: إن الألف حرف العلة وهو معلول لا يتحمل الحركة، والباء حرف صحيح غير معلول يتحمل الحركة وحالهما كما أن الله عرض الأمانة على أهل السماوات والأرض من الملائكة وغيرهم
فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان
[الأحزاب: 72] فأمر الملائكة بالسجود له فأبى إبليس واستكبر فلعنه الله وأسقطه عن قربته وطرده عن جواره وحضرته، واصطفى آدم من بريته واجتباه لقربته وزاد في علو درجته وهداه إلى محبته ومعرفته.
وسابعها: إن الباء حرف تام متبوع في المعنى وإن كان ناقصا منكسرا تابعا في الصورة، والألف حرف ناقص تابع في المعنى وإن كان تاما متبوعا في الصورة ألا ترى أنك إذا نظرت إلى صورة وضع الحروف وجدت الألف مقدما على الباء متبوعا له، وإذا قلت الباء وجدت الألف تابعا وإذا قلت الألف لم تجد للباء تبعية فالابتداء بالمتبوع التام في المعنى والناقص المنكسر التابع في الصورة أولى من الابتداء بمن هو على مثل هذا.
وثامنها: إن الباء حرف عامل يعمل ويتصرف في غيره، فظهر لها من هذا الوجه قدر وقدرة فصلحت للابتداء، والألف ليس بعامل ولا متصرف في غيره فليس له هذا القدر والقدرة، فما صلح للابتداء والاقتداء.
وتاسعها: إن الباء حرف في صفاته مكمل لغيره، فكماله في صفاء نفسه بأنه للإلصاق والاستعانة والإضافة، وفيه تواضع إذا لم تقبل من الحركات إلا الكسرة، وله علو وقدر في تحميل الغير بأن يخفض الاسم التابع له ويجعله مكسور الصفات نفسه بحيث كل اسم يجيء خلف الاسم التابع له يكون مسكورا بالإضافة، والذي يجيء بعده يكون مكسور بالصفة إلى غير النهاية كما دخل على الاسم، وجعل ميم بسم مكسورة، وجعل الهاء من الله مكسورة بالإضافة، والنون من الرحمن مكسورة بالصفة، والميم من الرحيم أيضا مكسورة بالصفة لو شئت هلم جرا، فالكامل المكتمل أولى بالإمامة والتقدم من الألف الذي هو ناقص معلوم في نفسه منقص معلل لغيره، فإنه لو دخل في الفعل الماضي يجعله مهموز الفاء معتل العين ناقص اللام.
وعاشرها: إن الباء حرف شفوي تفتح الشفة به ما لم تفتح بغيره من الحروف؛ لأن بالميم وإن كان شفويا لا تفتح الشفة به كما تفتح بالباء حسا، وكان أول انفتاح فم الذرة للإنسانية في عهد
ألست بربكم
[الأعراف: 172] بالباء في جواب { بلى } فلما كان الباء أول حرف نطق به الإنسان وفتح به فمه، وكان مخصوصا بهذه المعاني اقتضت الحكمة الإلهية اختيارها من سائر الحروف، فاختيارها ورفع قدرها وإعلاء شأنها وأظهر برهانها وأعز سلطانها وجعلها مفتتح كتابه ومبتدأ كلامه وخطابه، وأعطاها رفعة الألف وقامته وتقدمه على الحروف وإمامته فحذف الألف في { بسم الله } وطول باؤه لإظهار تعظيمها وتفخيمها؛ إذ منها مرتبة الألف وأثبتها مكانه وقرنها باسم ذاته وصفاته، وجعلها معدن إشاراته ومنبع كراماته مع بريته.
كما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الباء بره بأوليائه، والسين سره مع أصفيائه، والميم منته على أهل ولائه، وأخبرنا المؤيد بن محمد الطوسي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن عيسى ابن مريم عليه السلام أرسلته أمه إلى الكتاب يتعلم فقال له المعلم: قل: { بسم الله } ، فقال عيسى: وما { بسم الله } فقال: ما أدري! فقال: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم منته ".
وأخبرنا الثعلبي ثنا أبو القاسم بن حسين بن محمد يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الوراق يقول في { بسم الله }: إنها روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة:
* الباء على ستة أوجه:
" بارئ " خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
والله على كل شيء قدير
[البقرة: 284].
" بصير " ، " باسط " رزق خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
ويبقى وجه ربك
[الرحمن: 27].
" باعث " الخلق بعد الموت للثواب والعقاب، من العرش إلى الثرى، بيانه:
وأن الله يبعث من في القبور
[الحج: 7].
" بار " بالمؤمنين من العرش إلى الثرى بيانه:
إنه هو البر الرحيم
[الطور: 28].
* والسين على خمسة أوجه:
" سميع " لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى
[الزخرف: 80].
" سيد " قد انتهى سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه:
الله الصمد
[الإخلاص: 2].
" سريع " الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
والله سريع الحساب
[البقرة: 202].
" سلام " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
السلام المؤمن
[الحشر: 23].
" ستار " ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه:
غافر الذنب وقابل التوب
[غافر: 3].
* والميم على اثنى عشر وجها:
" ملك " الحق من العرش إلى الثرى، بيانه:
الملك القدوس
[الحشر: 23].
" مالك " خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
قل اللهم مالك الملك
[آل عمران: 26].
" منان " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
بل الله يمن عليكم
[الحجرات: 17].
" مجيد " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
ذو العرش المجيد
[البروج: 15].
" مؤمن " أمن خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
وآمنهم من خوف
[قريش: 4].
" مهيمن " اطلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
المؤمن المهيمن
[الحشر: 23].
" مقتدر " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
وكان الله على كل شيء مقتدرا
[الكهف: 45].
" مقيت " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
وكان الله على كل شيء مقيتا
[النساء: 85].
" مكرم " أوليائه من العرش إلى الثرى، بيانه:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70].
" منعم " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
[لقمان: 20].
" مفضل " عما خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:
إن الله لذو فضل على الناس
[البقرة: 243].
" مصور " خلقه من العرش الى الثرى، بيانه:
الخالق البارىء المصور
[الحشر: 24].
قال الشيخ المحقق مصنف الكتاب رحمه الله تعالى: الباء بلاؤه لأنبيائه وأحبائه، والسين سلامه لأوليائه وأصفيائه، والميم معروفة مع أهل ولائه في ابتلائه ومعرفة مبتلاه بالابتلاء، وإنه لأوليائه وأصفيائه ومنته على أهل سلامته بآلائه ونعمائه وسلامة القلب وصفائه.
قال رحمه الله تعالى: قيل: ما المناسبة في حمل هذه الحروف على هذه المعاني؟
قلنا: إن مناسبة حمل الباء على البلاء في ابتداء كلامه وابتداء خطابه أن الإنسان في أصل الجبلة وبدء الخلقة خلق مجبولا على الابتلاء، قال الله تعالى:
إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه
[الإنسان: 2] إنما بنى أمر خلقته على الابتلاء؛ لأنه خلق للمحبة والولاء، كما قال تعالى:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، والمحبة مظنة الابتلاء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله عبدا ابتلاه وإذا أحبه حبا شديدا اقتناه فإن صبر ورضي اجتباه، قيل: يا رسول الله وما اقتناه؟ قال: لا يبقي له مالا وولدا ".
وإن مناسبة حمل السين على السلامة في المرتبة الثانية من افتتاح الكتاب، فلمعنيين:
أحدهما: أن السلامة مرتبة لأهل البلاء؛ لأن البلاء على نوعين: بلاء المحبة وبلاء النعمة، فبلاء المحبة على نوعين: بلاء المحبة وبلاء المحنة، وبلاء النعمة على نوعين: بلاء الرحمة وبلاء النقمة، فأما بلاء المحبة فمخصوص بالأنبياء والأولياء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم بالأمثل فالأمثل "
، فمنهم من يختص ببلاء المحنة كما كان حال أيوب عليه السلام، ومنهم من يختص بلاء النعمة كما كان حال سليمان عليه السلام واعلم أن الطريق إلى الله تعالى على جادة المحنة أقرب من جادة المنحة؛ لأن غبار بلاء المحنة بناء خلص الأنبياء والأحباء أبرز، فنزه النبوة والمحنة عن تدنس غش معدن الإنسانية، وبموت الحسية الحيوانية.
كما جاء: البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأهل المحنة مجذوبون بجذبة البلاء واصلون إلى المبلي غير منقطعين في رتبة البلاء بالغون إلى كعبة وصال المحبوب، ألا ترى أن أيوب عليه السلام كيف وصل بجذبة
مسني الضر
[الأنبياء: 83]، إلى مشاهدة كمال
وأنت أرحم الراحمين
[الأنبياء: 83]، وذلك لأنه تمسك بيد الصبر على جذبة الضر فمسه الضر إلى الضار، فأنسته لذة مشاهدة الضار عن شهود ألم الضر، فأرى أن الضر كان جذبة فوصله إلى الضار فعرفها أنها رحمة في صورة بلاء المحنة رحمه بها محبوبه وخلصه من حبس وجوده، فقال:
مسني الضر
[الأنبياء: 83]، أي أفنيتني عني بضاريتك
وأنت أرحم الراحمين
[الأنبياء: 83]، الواو فيه واو الحال أي: في هذا الحال أرحم علي من جميع الراحمين؛ لأن رحمة الرحماء على المرحومين بالنعمة والمنحة في الظاهر لدفع الفقر والمرض وذلك أيضا بلاء؛ بلاء النعمة لبعضهم رحمة وهم أهل الوفاء، ولبعضهم نقمة وهم أهل الجفاء، كما قال تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7].
فأهل الوفاء: أوفوا بما عهدوا الله على ترك الشهوات النفسانية والزينة الدنيوية حتى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم
بأن لهم الجنة
[التوبة: 111].
وأهل الجفاء: نقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وافسدوا استعدادهم بالركون إلى زينة الدنيا، واتباعهم الهوى أولئك هم الخاسرون؛ فصارت عليهم النعمة في الظاهر نقمة في الحقيقة، فالنعمة توجب الإعراض، كما قال تعالى:
وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه
[الإسراء: 83].
ومس الضر يوجب الإقبال إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى:
وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض [فصلت: 51] فأنت رحمة علي بدفع النعمة والصحة على أنها مظنة الإعراض، وأفنيتني بك عني فلما جاوز الضر حده آل إلى ضده، فما أبقي الضر مني شيئا، وما بقي الضر كالنار إذ لم تبق من الحطب شيئا لا تبقى النار، فإذا لم يبقى الضر ما بقي إلا الرحمة، فبنظر الرحمة نظرت إليك فرأيتك رحمة أرحم الراحمين، فإذا تحققت هذا فاعلم أن المرتبة الثانية من بلاء المحنة لأهل السلامة كما كان حال أيوب وإبراهيم ويونس وغيرهم من الأنبياء - عليهم السلام - في المرتبة الثانية السلامة.
وأما المعنى الثاني: في حمل السين على السلامة في المرتبة الثانية فهو أنا ذكرنا أن الباء في افتتاح الكتاب إشارة إلى البلاء لأهل الولاء، وقررنا أن الإنسان لا يخلو من البلاء بحال، وأثبتنا أن البلاء على نوعين بلاء المحبة وبلاء النعمة، فبلاء النعمة ما يكون مع سلامة الدين والدنيا لأهلهما، فالسين بعد باء البلاء إشارة إلى أهل الصفاء كما ذكر. فإن قيل: ما الفرق بين بلاء المحنة وبلاء النعمة التي هي الرحمة وكلاهما السلامة في الدنيا والآخرة؟ قلنا: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن بلاء المنحة وإن كانت السلامة ولكن يخلو بها صاحبها من المحنة.
إما في ابتداء أمره: كما كان حال إسماعيل ويوسف - عليهما السلام - ابتلاهما الله تعالى بالمحنة في حال عبادتهما فخلصهما منها بعد ذلك وأعطاهما النبوة والملك كما حكى الله تعالى عن يوسف عليه السلام:
رب قد آتيتني من الملك
[يوسف: 101].
أما في أثناء أحواله: كما كان لإبراهيم عليه السلام ابتلاه الله تعالى بذبح ولده ورميه في المنجنيق إلى نار نمرود حتى خلصه الله من ذبح الولد بعد التسليم عند الامتحان كقوله تعالى:
فلما أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103]، وكقوله:
وفديناه بذبح عظيم
[الصافات: 107]، وخلصه عن النار بقوله:
قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69].
وأما في آخر عهده: كما كان حال زكريا ويحيى وجرجيس - عليهم السلام - كانت فتنتهم في آخر عمرهم، ولهذا كان بلاء المحنة وبلاء المنحة مخصوصين بالأنبياء والأحباء؛ لأنهما فرع بلاء المحبة وهم مخصوصون بالمحبة وأهل المحبة لا ينفكون عن المحنة والمنحة، ولا يخلو أهل المنحة في بعض الأحوال من المحنة عن المنحة وإن كان الغالب على أحوالهم المحنة أو المنحة بخلاف أهل بلاء النعمة، فإنه يمكن أهل بلاء الرحمة منهم أن يستديم نعمته في سلامة الدين والدنيا، ولهذا أثبتناهم في المرتبة الثانية بإشارة السين السلامة لهم وهم الأولياء والأصفياء مع أنه يمكن أن يصيب بعضهم المصائب والمحن نادرا.
الفرق الثاني: أن سلامة أهل بلاء المنحة غير سلامة بلاء أهل بلاء النعمة، وإن كانت سلامة بلاء النعمة داخلة في سلامة بلاء المنحة وهما شريكان في اسم السلامة لا في المعنى؛ لأن سلامة بلاء النعمة راجعة إلى البدن والمال والأولاد والأقرباء والأحباء في الدنيا، والآخرة راجعة إلى عبور الصراط والنجاة من النار والدخول في دار السلامة كما قال تعالى:
ادخلوها بسلام آمنين
[الحجر: 46].
وسلامة أهل بلاء المنحة وهم أهل المحبة من الأنبياء والأولياء في العبور من النعمة إلى المنعم ومن البلاء إلى المبلي ومن دار السلام كما قال تعالى في شرح عبورهم عن الجنة إلى مليك الجنة:
إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 54-55] أي: في عبورهم في جنات ونهر إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، والإشارة في قوله تعالى:
قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69] لهذه السلامة مودع في ترك سلامة أهل بلاء النعمة، وإنما قوله تعالى للنار:
كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69] كان بعد أن ألقي إبراهيم في النار لتخليص إبريز الخلة عن دنس التفات لغير الخليل، وإن كان إبراهيم عليه السلام في بدء مقام الخلة نظر إلى غير خليله بنظر العداوة، وقال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، وأعرض عن الأغيار وقال:
إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين
[الأنعام: 79] وسعى على قدم العبودية إلى حضرة الربوبية:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99].
واعلم أن الطريق إليه بغير هدايته منسد، فأحال بعد إقامته شروط العبودية هداية الربوبية عليه، قال: { سيهدين } ليهديه الله إليه بقدم الوصال كما هداه بنظر التوحيد متى رأى القمر بازغا قال:
هذا ربي
[الأنعام: 76]، إلى أن قال:
لا أحب الآفلين
[الأنعام: 76]،
إني وجهت وجهي
[الأنعام: 79] لأن الهداية بالنظر والتوحيد هداية أهل البداية، والبداية بالقدم والوصول إلى الوحدة هداية أهل النهاية، وبين النظر والقدم مسالك ومهالك كثيرة وقد انقطع فيها خلق عظيم من العلماء المتقين، وأعزة السالكين وهلك فيها جمهور الحكماء المتفلسفين اللهم إلا عبادك منهم المخلصين المجذوبين بجذبات المحبة من الأنبياء والمرسلين وأوليائك المحفوظين على صراط المستقيم والدين القويم كما خلصت بفضلك ورحمتك خليلك عليه السلام حين ابتليته بالإلقاء بالنار ليتخلص بالكلية من آفة التفاته كما تخلص من آفة الالتفات إلى المال والولد فلما ألقي في النار أدركته العناية الأزلية، وخلصت إبريز خلته عن آفة الالتفات إلى غير خليله من نفسه ومن الوسائط كلها حتى جبريل حين تلقاه في الهواء ليمتحن إبريز خلته: " بمحك هل لك من حاجة " ، فيرى هل هو صاف خالص أم فيه بقية روحانية بعد بذل الجسم والروح تتعلق بالمناسبة الروحانية بجبريل عليه السلام فاشتعلت نار الخلة بكبريت الغيرة وأحرقت بقيته الغيرية، فاشتعلت منها شعلة: " أما إليك فلا " فرجع جبريل عليه السلام بخفي حنين، فعبر عن مقاطع الوسائط بدلالية نور الخلة في خفاء العناية وصل الخليل إلى الجليل بالسلامة، فالنار كانت واسطة تخليصه وتمحيصه بترك سلامة أهل بلاء النعمة لنيل سلامة أهل بلاء المنحة وهي الوصول إلى المليك بالسلام.
وكذلك الفرق بين بلاء أهل المنحة وبين بلاء أهل النعمة أن بلاء المحنة يكون الامتحان لأحباء في دار الدنيا كما كان محنة أيوب عليه السلام فلا يدفع أنها تنقضي في دار الدنيا صورة ومعنى، وإما تنقضي في الدنيا بالمعنى وبالموت صورة. بخلاف بلاء النعمة فإنه إما يدفع في الدنيا والآخرة صورة ومعنى وإما أن يكون في الدنيا بالمعنى لا بالصورة بأن يكون في التنعم ويكون في الآخرة بالصورة والمعنى.
وأما مناسبة حمل الميم في المرتبة الثالثة من حروف بسم على معروفه مع أهل بلائه وولائه في أثناء ابتلائه، وعلى منته على أهل سلامة في الابتلاء بآلائه ونعمائه فظاهر، فإنه لو لم يكن معروفه ومع أهل بلائه بنعمة الصبر لزال قدمهم عن جادة العبودية ورؤية رحمة الربوبية في عين البلاء وانقطع نظريهم بحجاب البلاء عن الجمع كما كان في حق الأكثرين من المخذولين.
قال تعالى:
وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن
[الفجر: 16] فرؤية الإهانة في البلاء من الخذلان، والصبر ليس من شأن الإنسان لأن الإنسان خلق من عجل، والصبر من الله تعالى كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127] فالبلاء لأهل الولاء المنحة نعمة الصبر كقوله تعالى:
ولنبلونكم بشيء من الخوف
[البقرة: 155]، إلى قوله:
وبشر الصابرين
[البقرة: 155]، أي: بشر بأن هذا البلاء ليس للإهانة كما كان في حق أهل الخذلان بل للإعانة على نيل درجة الصبر ليستحقوا به الصلاة والرحمة والهداية من الله تعالى، وإن أيوب عليه السلام وجد مرتبة الصابرين ونعم العبد بمعروف الصبر من الله تعالى، كما قال تعالى:
إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب
[ص: 44]، وكذلك لو لم تكن منته على أهل السلامة في بلاء النعمة المنحة الشكر ورؤية النعم من المنعم لزالت قدمهم عن الجادة كما كان حال قارون وفرعون؛ انقطع نظريهم لحجاب البلاء في النعمة عن المنعم قال قارون:
قال إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص: 78].
وقال فرعون:
أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي
[الزخرف: 51]، وقال:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وهذه الآفة مذكورة في جبلة كل إنسان كما قال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، وإنما تخلص من هذه الورطة من تخلص بمنته عليه في عطية نعمة الصبر والشكر، فبقوة الصبر لا ينفق نعمة الله في معصية، وبقوة الشكر ينفقها في سبيل الله تعالى ويستعين بهما على طاعته ليصفو ويسلم قلبه عن كدورات الطغيان المنتهى عن الاستغناء، ويتنور بنور الشكر والصبر، فيرى بصر بصيرته بذلك النور نعمة الشكر من الشكور ونعمة الصبر من الصبور وهو الله تعالى، فبقدر الصبر والشكر يصل السالك إلى الصبور والشكور كما قيل: خطوتان وقد وصلت، وإن سليمان عليه السلام نال مرتبة العبدية بامتنان نعمة الشكر ودعوة
وهب لي ملكا
[ص: 35] كانت لاستكمال نعمة الشكر، وإنما أيوب وسليمان - عليهما السلام - اشتركا في نيل مقام نعم العبد لأن كل واحد منهما كان مخصوصا بالاتصاف بصفة من صفات الله وهي الصبور والشكور، فلما اشتركا في الاتصاف بصفات الله تعالى اشتركا في مقام نعم العبدية، والله أعلم.
ثم اعلم أن في { بسم الله الرحمن الرحيم } أربع مراتب: الاسم والذات وصفة الجلال وصفة الجمال، وهذه هي مراتب الموجودات كلها فإنها أربعة أقسام: الألوهية والروحانية والجسمانيات والحيوانيات، وهي كل ذي روح، ففي الباء في أول هذه المراتب الأربع إشارة إلى أن وجود هذه العوالم لي وليس لغيري وجود حقيقي إلا بالاسم. فللعالم، أعني ما سوى الله تعالى، بالاسم والمجاز وجود لا بالمعنى والحقيقة، وإلى هذا إشارة بعضهم بقوله: " ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله فيه " ، وأوضح من هذا قول بعضهم: " ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله ".
وصرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
" لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله "
حديث متفق على صحته، فتحقيق { بسم الله الرحمن الرحيم } أن وجودي بذاتي وهو الله وصفاتي كلها - التي هي إما من قبيل الجلال أو من قبيل الجمال -، فبذاتي قائمة وما سواي وهو العالم اسم موجود بإيجادي وقائم بقيوميتي
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]. وفيه أخرى وهي: أن الخلائق محجوبون عن الله تعالى بحجاب أسماء أنفسهم وحجاب أسماء ما سواهم من العالم، وقد تصوروا لكل اسم مسمى فوقعوا في تيه الشرك والتفرقة، وتاهوا في بيداء الضلالة وزلت قدمهم عن الصراط المستقيم وجادة التوحيد والوحدة والوحدانية، فلما عبروا بقدم الصدق في المتابعة عن حجب الأسماء وقطعوا مفاوزها بتعلم
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31] الذي كان آدم مخصوصا به، وعلموا أن لا طائل تحتها عرفوا أن هذه الأسماء على الأشياء كلها
إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان
[النجم: 23].
ولكشف هذا القناع كان دعاء النبي: صلى الله عليه وسلم
" اللهم أرنا الأشياء كما هي "
لأن كل شيء بحسب نظر المظاهر أسماء بإزاء معنى يلائمه، كما سمي آدم لأنه من أديم الأرض فهذا الاسم يلائم لآدم عليه السلام في الظاهر، وله في الحقيقة اسم آخر بإزاء اسم حقيقي، فلما أودع الله تعالى فيه ما يلائم لتلك الحقيقة وذلك قوله تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فسماه بمناسبة المعنى الحقيقي المودع: خليفة.
فكذلك لكل شيء في الظاهر اسم وفي الحقيقة اسم آخر والآدمي مخصوص بتعليم الأسماء كلها دون الملك وغيره، فلما خلصوا عن حبس حمل الأسماء ورفعوا حجبها وصلوا إلى الله تعالى، وإذا وصلوا إلى الله تعالى منعوا من جلاله وهو الرحمن وتمتعوا من جماله وهو الرحيم في تقدم الأسماء، وأما تقدم الاسم في " بسم " فلوجوه:
منها ما قيل: للتبرك والتيمن.
ومنها ما قيل: للفرق بين التيمن واليمين.
ومنها ما قلت: أن له الأسماء الحسنى، وبحسب كل اسم له صفة فإطلاق اسم المطلق شامل لكل اسم من الأسماء وأصلها من الصفات، وليس لله صفة إلا يدل عليها اسم، فعلى هذا وقع الابتداء بما يدل على كل اسم وصفة والباقية للتضمين أي: ابتدائي بأسمائي وصفاتي كلها وأنا الرحمن الرحيم الذي لي تكونت الكائنات وظهر الموجودات إذ بي أسباب معايش أنواع المخلوقات عامة بالرحمانية وأرتب درجات معاد أهل الكرامات والقربات خاصا بالرحمة.
ومنها: أن تقدم الاسم لتزكية النفوس وتصفية القلوب عن كل اسم ورسم، ولتحلية الأسرار بأنوار الله تعالى لأن التحلية لا تكون إلا بعد التزكية؛ لقوله تعالى:
قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى
[الأعلى: 14-15] أي: يزكي نفسه بذكر اسم ربه ويجلي روحه بتحلية الصلاة والمناجاة مع ربه عز وجل.
ومنها: أن المحب لما تعلم اسم المحبوب نسي اسم نفسه، كما كان حال مجنون قيل: ما اسمك؟ قال: ليلى، وكذلك كان عصيان آدم نسيانه فلما علمه الرب الأسماء كلها لقوله تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31]، نسي اسم نفسه بأنه خليفة الله تعالى، واسم إبليس بأنه عدو له، واسم الشجرة وأنه منهي عنها فاعتذر لله تعالى، فقال:
فنسي ولم نجد له عزما
[طه: 115]، وكذلك حال ابن منصور لتحقق في نظره أن كل شيء ما خلا الله باطل، فعلم أن الله هو الحق فنسي عند سطوة تحقق اسم الحق نسي نفسه، فلما جاء الحق زهق الباطل، قيل له: من أنت؟ قال: أنا الحق! فقدم الاسم هاهنا ينسي العبد عند تحقق اسمه اسم ما سواه، فيتجلى له الله تعالى حقيقة لا اسما ولا رسما، كما قال تعالى:
واذكر ربك إذا نسيت
[الكهف: 24] أي: إذا نسيت غير الرب.
وأما الإشارة إلى تحقيق تفسير كلمة { الله } قلنا كلمة الله مبنية على أربعة أحرف: الألف ولامين وهاء، وحرفان منها متفقان في الجنسية متصلان، وحرفان مختلفان مفترقان، والمتفقان أحدهما متحرك والثاني ساكن لمجموعها في الصورة والمعنى دال على الإشارة إلى صفتيه ونعمتيه، أما صفتاه فهما الظاهر والباطن، وأما نعمتاه فنعمة ظاهرة ونعمة باطنة، وأما صفتاه الظاهر والباطن وهما مختلفان فيدل عليهما حرفان مختلفان الألف والهاء؛ لأن الألف للإظهار والهاء للإضمار، كقولك: لست، تدل على النفي، فإذا دخلت الألف فيه وتقول: ألست، تدل على الإظهار والإثبات وإذا أدخلت الهاء في آخر الكلمة يكون للإضمار، كقولك: داره، لصاحب الدار مضمر ليس بظاهر، فالألف إشارة إلى صفة الظاهر، والهاء إشارة إلى صفة الباطن، والحرفان المتفقان وهما اللامان يدلان على نعمتيه فإنهما متفقان في الجنسية، كما قال تعالى:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
[لقمان: 20]، هذا في الصورة.
وأما في المعنى إلى أن نعمه واحدة الآن؛ أي: نعمتان آلائه نعمتاه فالتشديد فيه للتفخيم، فالإشارة في هذه اللفظة إلى أن الله تعالى مع عباده نعمتين: نعمة الظاهر ونعمة الباطن، فاللنعمة الظاهرة معنيان، أحدهما: نعمة إظهارك بالإيجاد بعدما كنت مخفيا في العدم، والثاني: نعمة إلباس صورتك في الظاهر بعدما كنت مخفيا في عالم الأرواح كما قال
ولقد خلقناكم ثم صورناكم
[الأعراف: 11] أي: خلقناكم في عالم الأرواح ثم صورناكم في عالم الأجسام.
وكذلك للنعمة الباطنة معنيان.
أحدهما: نعمة إبقائك في الوجود.
والثاني: نعمة إعطائك الروح الشريف، فإن عظمة الألوهية وعزة الوحدانية كانت مقتضية للتفرد بالوجود ونفي الشركة مطلقا إلا أن الرحمة الواسعة كانت مقتضية الإيجاد، فسبقت رحمته غضبه بإيجاد الخلق بالصفة الرحمانية التي هي عامة في حق جميع الموجودات بالإيجاد وبإبقائها بالصفة الرحيمية، فالإشارة في تحقيق حق كلمة الله أنه أربعة أحرف وبحسب كل حرف له نعمة، فلو لم تكن نعمة الأربعة المناسبة للحروف لما كان للموجودات وجود أصلا، أما مناسبة النعم الأربعة مع الحروف الأربعة فهي ما بينا أن النعمة نعمتان: نعمة ظاهرة ونعمة باطنة، وللنعمة الظاهرة معنيان، وللنعمة الباطنة معنيان كما مر ذكرها، وبينا أن الحروف على نوعين متفقان ومختلفان، واحد منهما متحرك والثاني ساكن، فالمتحرك من أحد حرفيها مناسب لنعمه الظاهرة من المعنيين المذكورين، والساكن مناسب لنعمة الباطنة، ولم لم يكن بين ذاته وبين ذوات المكاشفين بصفات جماله وجلاله حجب الأثواب الرحمانية والرحيمية واسطة لاحترقت ذواتهم وتلاشت أجسادهم كما قال صلى الله عليه وسلم:
" حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ".
وهذا كما أن الله تعالى لما أراد بالحكمة البالغة أن ينتفع أهل الأرض بنور الشمس وحرارتها وخواصها جعل بين الشمس وبين الأرض فلك الزمهرير وهو الهواء البارد، ثم البحر المحيط من الماء البارد واسطة حتى يندفع قوة الحرارة ببرودتهما، ولو لم يكن ذلك لاحترقت الأرض ومن عليها فلإفشاء هذا السر وكشفه هذه الحقيقة على أسرار شاكري نعمائه، جعل توقيع بسم الله الرحمن الرحيم في صدر كتابه الكريم ليتحقق لهم أن الخلق حجاب الاسم محجوبون عن الله تعالى، فلما عبروا بجذبات ألطافه عن حجاب الاسم وصلوا إلى المسمى وهو الله فيتجلى لهم بالألوهية، فإذا أرادت سطوة التجلي أن تمحقهم بالكلية فأدركتهم الصفة الرحمانية والرحيمية فتبقيهم بلا هم.
والمختار عندنا: أن كلمة الله أعظم الأسماء من وجوه: الأول: أن الأخبار تدل على هذا وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المسجد فإذا رجل يصلي يقول:
" اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الصمد الذي لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب... "
الحديث.
وأما ما روى أبي ابن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" هو في قوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [البقرة: 255] أو في قوله: { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2] "
فالأخبار دالة على أن الاسم الأعظم مودع في الدعاء والآيتين ولا بد أن يكون مكررا في كل آية منهما وفي الدعاء هو الحي القيوم، فلما حضر النبي صلى الله عليه وسلم الاسم الأعظم في هاتين الآيتين علمنا أن ذلك هو الحي القيوم قلنا فلما نظرنا ما وجدنا الاسم المكرر في الآيتين والدعاء إلا اسم الله، فتحقق بناء أن الاسم الأعظم هو الله.
وأما الجواب عن قول من احتج بالآيتين على أن الاسم الأعظم في إحدى الآيتين ووجد فيهما: فلو كان للحصر لكان " أو " للشك هاهنا، ولو كانت للشك لما وجد إلا في آية منهما دون الأخرى، كقولنا: زيد في هذا الدار أو في هذه، فلا بد وأن يكون في دار واحدة فلما وجد في الآيتين، وما نفي عما سواها علمنا أنه يحتمل أن يوجد في موضع آخر كما وجدنا في الدعاء في الحديث.
والثاني: أن الاسم على نوعين: اسم الذات واسم الصفة، فكما أن الذات أشرف من الصفة، فكذلك اسم الذات أشرف وأعظم من اسم الصفة، وقد بينا أن هذا الاسم - أعني الله - اسم الذات وغيره من الأسماء الصفات فتعين أن يكون هو الاسم الأعظم.
والثالث: أن الصفات داخلة في الذات، والذات ليس بداخل في الصفات، فأسماء الصفات تكون داخلة في اسم الذات، ولا يكون اسم الذات داخلا في أسماء الصفات، فعلمنا أن الاسم الأعظم هو اسم الذات لا أسماء الصفات، وهذا الاسم متعين للذات.
والرابع: أن من عزة هذا الاسم وعظمته لا يجمع ولا يثنى ولا يسقط منه الألف واللام عند النداء حتى لا يتغير حروف لفظه بخلاف جميع الأسماء، وهذا دليل واضح على أنه الاسم الأعظم.
والخامس: أنه لو سقط منه حرف كان الباقي أسماء الله تعالى، فإنك إن أسقطت الهمزة بقي " لله " وهو من صفات الله، قال الله تعالى:
لله ملك السموت والأرض
[النور: 42]، وإن أسقطت اللام الأولى بقي " له " وهو أيضا من صفات الله تعالى، قال الله تعالى:
له ملك السموت والأرض
[الفرقان: 2]، وإن أسقطت الثانية بقي " هو " وهو أيضا من صفات الله تعالى، قال الله تعالى:
هو الله الخالق
[الحشر: 24]، فلما لم توجد هذه الخاصية في الأسماء غيره علمنا أنه الاسم الأعظم.
والسادس: أن الله تعالى لما علم حبيبه صلى الله عليه وسلم عند إثبات وحدانيته ونفي الإلهية من غير ذاته، قال:
فاعلم أنه لا إله إلا الله
[محمد: 19] فلو كان اسم أعظم غير من هذا لعلمه حبيبه مكان هذا خصوصا عند نفي الشركة عن ذاته جل جلاله.
والسابع: أن لهذا اسم خصوصية في الإيمان؛ لأن الإيمان بدونه لا يصح كقولك: " لا إله إلا الله " ولو قلت بدل الله أسماء من أسماء الصفات لا يصح إسلامه فظهر أنه أعظم الأسماء.
والثامن: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقتال على قبول هذا الاسم كما قال:
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله "
فكانت النجاة عن الدركات موقوفة على هذا الاسم، والفوز بالدرجات موقوفا على هذا الاسم، وصون النفس عن القتل والمال عن النهب والولد عن الأسر موقوفا على هذا الاسم، فوجب أن يكون هذا الاسم أعظم الأسماء.
والتاسع: أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم عند الإعراض عن كل ما سوى الله، والإقبال بالكلية إليه بذكر هذا الاسم، وقال:
قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون
[الأنعام: 91]، فدل على أن هذا الاسم أعظم الأسماء.
والعاشر: أن الله تعالى لتعظيمه لهذا الاسم صانه عن تسمية غيره بهذا الاسم، ومن عظمة هذا الاسم لم يتجاسر أحد من المنكرين ومن أعداء الدين أن يتعلقوا بهذا الاسم ويسموا آلهتهم به أو غيرها، كما قال تعالى:
هل تعلم له سميا
[مريم: 65]؛ أي: هل تعلم شيئا له اسم الله سوى الله، فلعزة هذا الاسم عند الله تعالى وكرامته عليه ما أنعم على أحد تسميته، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لعزة كنيته عنده نهى عن التكني بكنيته قال صلى الله عليه وسلم:
" تسموا باسمي ولا تسموا بكنيتي "
فبهذا علمنا أنه أعظم الأسماء.
والحادي عشر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن "
، فاختصاص بهذين الاسمين بالمحبة لا شك أنه لاختصاص اسميه الله والرحمن، كما خص هذين الاسمين بالذكر في الدعاء عن الأسماء كلها بقوله تعالى:
قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن
[الإسراء: 110]، وذلك يدل على أنهما أشرف وأعظم من غيرهما، ثم إن اسم الله أشرف من اسم الرحمن؛ لأنه قدمه في الذكر أولا وثانيا، ولأن اسم الرحمن يدل على كمال الرحمة واسم الله يدل على الألوهية والقهر والعظمة والعزة وغيرها من الصفات، فثبت بهذا أن اسم الله أعظم الأسماء وأحبها إلى الله تعالى، والله أعلم.
والثاني عشر: أن الله تعالى أمر عباده بملازمة ذكر هذا الاسم وجعله سبب الفلاح، كقوله تعالى:
واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون
[الجمعة: 10]، ومدح العباد على مداومته، وقال تعالى:
الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم
[آل عمران: 191]، وجعل مفاتح الجنة ثمنها كما قال النبي: صلى الله عليه وسلم
" مفتاح الجنة لا إله إلا الله "
، وقال:
" ثمن الجنة لا إله إلا الله "
؛ بل جعل حقيقة مفتاح قلوب عباده المخلصين وبه فتح روزنة قلوب الطالبين إلى عالم الأرواح، وبه نور أنوار المحبين بأنواع الجمال، وبه أزاح عن أسرار المحققين أستار صفات الوجود بتدلي صفات الجلال؛ ليهتدوا إلى شاطئ وادي أيمن الوصال، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
" والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا "
، وقد تحقق للمتمسكين بعروته الوثقى أنهم به نالوا ما أرادوا، ووجدوا ما طلبوا، وأعطوا ما سئلوا، وأجيبوا إذا دعوا فعرفوه أنه الاسم الأعظم.
والثالث عشر: أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صرح بفضل ذكر هذا الاسم على ذكر الأسماء كلها بقوله:
" أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله "
، فلو كان اسم أعظم من الله لكان هو الأفضل.
والرابع عشر: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" قال موسى عليه السلام: يا رب علمني شيئا أذكرك فأدعوك به، قال: يا موسى قل: لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقول لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به، قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع وضعن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله "
، حديث صحيح، فهذا صريح بأنه ليس شيء أعز وأعظم من كلمة الله.
والخامس عشر: أن هذا الاسم عند أكثر العلماء وكبار القراء لا سبيل للعقل إلى كيفية اشتقاقه، وثبت أيضا أن كنه الحق لا سبيل للعقول إلى معرفته، فكان لهذا الاسم زيادة مناسبة مع أن هذا المسمى من هذا الوجود وسائر الأسماء ليس كذلك، فوجب أن يكون هذا الاسم أعظم الأسماء، ولهذا افتتح كتابه الكريم والقرآن العظيم بهذا الاسم وجعله مبدأ خطابه وأثبته في صدر كتابه؛ ليعلم أن ما أنزل في هذا الكتاب من أسماء الصفات والحمد والثناء وإظهار الآيات وإثبات الحجج وذكر الآلاء والنعماء والأوامر والنواهي والوعد والوعيد والإخبارات والآثار والقصص والمواعظ والعلوم والإشارات والرموز والألفاظ والمعاني والنكت واللطائف والأسرار والدقائق والقراءات والمحكمات والمتشابهات والآيات الناسخات والمنسوخات وغير ذلك من موجبات الرحمة والعقوبة والهداية والضلالة كله صادرة عنه، كما أن سلطانا يبعث منشورا إلى ممالكه ومماليكه يكتب بأحب أسمائه إليه وأعظم ألقابه لديه في طغر منشوره؛ ليعلم أن جميع الأحكام الواردة في المنشور صادرة عنه، فلما كان توقيع المنشور الإلهي موشحا باسم الله علمنا أنه أحب أسمائه وأعظمها قدرا، واكتفينا بهذا المقدار من شرح فضائل هذا الاسم وإقامة البينات على شرفه وعظمته؛ إذ هو بحر زاخر ولا آخر له يستغرق فيه العقول والأوهام ولا تضبطه العلوم والأفهام، كما قال تعالى:
وما قدروا الله حق قدره
[الأنعام: 91]، أي: لم يعرفوا كنه ذات الله حق معرفته وكذلك لم يعرفوا كنه اسم الله حق معرفته.
فأما لو سأل سائل فيما اخترنا بأن الاسم الأعظم هو قولنا " الله ": أن من شأن الاسم الأعظم أنه من دعا الله به أجاب، وإذا سئل به أعطي، فنحن ندعو به ونسأل فلم نر أثر الإجابة في أكثر الأوقات قلنا الجواب عنه وجهين:
أحدهما: أن للدعاء أدبا وشرطا لا يستجاب الدعاء إلا بها كما أن للصلوات آدابا وشرائط لا تصح إلا بها، فأول شرائطه أن يصلح باطنه باللقمة الحلال فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر
" الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام ومشربه حرام ثم يمد يده إلى الله يا رب يارب فأنى يستجاب له "
حديث صحيح، وقد قيل: الدعاء مفتاح السماء وأسنانه لقمة الحلال، وآخر شرطه أن يدعو بالإخلاص وحضور القلب، قال الله تعالى:
دعوا الله مخلصين له الدين
[يونس: 22]، فإن حركة الإنسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولو أنه على الباب وصوت الحارس على السطح،أما إذا كان حاضرا في الحضرة كان له الشفيع، ولا نطول الكلام في هذا فإنه ليس مكانه.
والوجه الثاني: أن الاسم وإن كان في نفسه معظما؛ ولكن يؤول فائدة عظيمة إليك إذا قلت بالتعظيم وتعظيمه يكون بقدر صفاء نيتك وعلو همتك في الذكر عن تطهير قلبك من الحظوظ الدنيوية والأخروية، فإنك لو ذكرته بحظ من الحظوظ النفسانية بالروحانية يقع الذكر تبعا لحظك فالعظمة تكون للحظ لا للاسم، فمهما تخلصت سريرتك عن لوث الحظوظ يبقي الذكر طبيا معظما لا يتعلق بحظ من الحظوظ يصعد إلى المذكور، كقوله تعالى:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر: 10].
والعمل الصالح أن تطهر ذكرك عن الحظوظ، وتراقبه بالحقوق ليكون حظك من الذكر المذكور ومن الاسم المسمى وهو أعظم الحظوظ، فيكون ذكرك أعظم الأذكار والاسم المذكور أعظم الأسماء، ففي هذه الحالة بكل اسم دعوت الله يكون الاسم الأعظم والدعاء مستجابا؛ لأن دعوته له وما طلبت منه إلا هو فوجدته؛ لأنه قال:
ادعوني أستجب لكم
[غافر: 60]، أي: اطلبوني تجدوني كما قال تعالى:
" ألا من طلبني وجدني "
فافهم جدا.
قوله: { الرحمن الرحيم } قال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى معناهما ذو الرحمة، ورحمة الله إرادته الخير والنعمة والإحسان. قلت: اختلف العلماء في معنى الرحمة فقال بعض المحققين: الرحمة من صفات الذات وهي إرادته إيصال الخير ودفع الشر، والإرادة صفة الذات، وهو المختار عندي؛ لأنه تعالى لو لم يكن موصوفا بهذه الصفة لما خلق الموجودات، فلما خلق الخلق علمنا أن رحمته صفة ذاتية؛ لأن الخلق إيصال خير الوجود إلى المخلوق ودفع شر العدم عنه، فإن الوجود خير كله والعدم شر كله، وقال الآخرون: الرحمة من صفات الفعل وهو نفس إيصال الخير ودفع الشر بدون إيصال الخير محال، قلت: وأيضا الخير بدون الإرادة المتقدمة في حق الباري سبحانه وتعالى محال؛ لأن إيصال الخير فعل والفعل مسبوق بالإرادة من الفاعل المختار فثبت بهذا أن الله تعالى كان في الأزل هو الرحمن الرحيم.
وذكر أبو حامد الغزالي - رحمه الله - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" تخلقوا بأخلاق الله "
، وهذا يقتضي أن يكون للعبد من كل اسم من أسماء الله حظ يليق بها.
فأقول: حظ العبد من اسم الرحمن الرحيم أن يكون العبد كثير الرحمة.
واعلم: أن كل من كان إلى العبد أقرب كان إيصال الخير والرحمة إليه أوجب، وإن أقرب الناس إليه نفسه، فوجب أن يرحم نفسه ثم يرحم غيره: " أبدأ بنفسك ثم بمن تعول " ، فأما رحمته مع نفسه فإما أن يكون في الأمور الروحانية أو في الأمور الجسمانية.
أما في الأمور الروحانية: فاعلم أن للنفس قوتين نظرية وعملية، فأما القوة النظرية فإيصال الرحمة إليها يتزكيتها عن الجهل وتحليتها بالعلم الحقيقي وهو معرفة الله كشفا وشهودا معرفة عيانية لا بيانية، بل عينية لا عيانية، فافهم جدا. وأما القوة العملية فصونها في الإخلاء عن طرفي الإفراط والتفريط، وإلزامها المواظبة على التوسط بين الطرفين بأوامر الشريعة ونواهيها على قانون الطريقة.
وأما في الأمور الجسمانية فقسمان: الأمور المطلوبة بالذات والمطلوبة بالعرض، أما المطلوبة بالذات: فهي اللذات الجسمانية وهي محصورة في المطعوم والمنكوح، وقد قال تعالى:
كلوا واشربوا ولا تسرفوا
[الأعراف: 31]، فالرحمة على البدن هو الامتناع من الإسراف. وأما المطلوبة بالعرض: فهو المال، والرحمة فيه قوله تعالى:
والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما
[الفرقان: 67]، فهذه مقاصد كل أحد من الرحمة على نفسه: وأما رحمته على غيره فاعلم أن كمال الإنسان في كمال العبودية، وكمال العبودية في رعاية حقوق الربوبية وإيصال الحظوظ إلى البرية ورفع الأذية كما قال صلى الله عليه وسلم:
" التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله "
وكان آخر وصيته صلى الله عليه وسلم في آخر حياته:
" الصلاة وما ملكت أيمانكم ".
وقال بعض المشايخ: مجامع الخيرات محصورة في أمرين: الصدق مع الحق والخلق مع الخلق. ومما يدل أن هذه المرتبة أعظم المراتب وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحمة، فقال تعالى:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 17]، وقال:
بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]، وقال:
فبما رحمة من الله لنت لهم
[آل عمران: 159]، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه فبدأ في الذكر بوصف أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالرحمة، فقال:
" أرحم أمتي بأمتي أبو بكر "
والقول في خصوصية الرحمن دون سائر الصفات من وجوه:
أولها: أنه أخص أسماء الصفات إلى الذات؛ لأن الأسماء على نوعين أسماء صفات اللطف وأسماء صفات القهر، وللرحمن خصوصيته بالصفتين بأن يوجد منه اللطف والقهر كما يوجد من الذات المقدسة، ويوجد منه الإيجاد والإفناء كما يجيء، وهذا من خصائص الذات الإلهي دون سائر الصفات، فثبت أنه أخص الأسماء.
وثانيها: أن له مناسبة مع الذات دون سائر الصفات، وهي أن اسم الذات وهو الله كما لا يجوز على غيره، فكذلك اسم الرحمن لا يجوز على غير الله، ولهذا المناسبة صار مخصوصا بالذكر في الدعاء مع ذكر الله تعالى بقوله:
قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن
[الإسراء: 110].
وثالثها: أن الرحمن أقرب إلى اسم الله من سائر الأسماء، يدل على هذا القرآن والحديث أما القرآن فقوله تعالى: { بسم الله الرحمن الرحيم } [الفاتحة: 1] ذكر بعد اسم الله الرحمن لقربته إلى الله، وأما الحديث ما روي أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن لله تسع وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم... "
الحديث. ذكر بعد اسم الله الرحمن وقدمه على سائر أسماء الصفات فعلمنا أنه أقرب الأسماء إلى الله، وأما الفرق بين الرحمن والرحيم وإن كانا اسمين مشتقين من الرحمة أن الرحمن من صفة جلاله، والرحيم من صفة جماله، والفرق بينهما أن الجلال متوسط بين الذات الإلهي الذي من شأنه القهر والعزة التي اقتضت ونفي شركة الوجود بين صفة الجمال التي من شأنها اللطف والرحمة التي اقتضت الإيجاد والإبقاء، فنسبة أحد طرفي الجلال إلى قهارية الذات فيه طرف من القهر، وبنسبة أحد طرفيه إلى رحيمية الجمال فيه رحمة، فالرحمة فيه تغوث بقوة القهارية، فصارت أقوى من رحيمية الجمال، فأعطيت المبالغة في الرحمة والقهر فيه صار مسبوقا ومغلوبا بلطف الرحمة بقوله تعالى:
" سبقت رحمتي غضبي "
، وفي رواية:
" غلبت رحمتي غضبي "
، فالقهر المسبوق بالرحمة والرحمة المقوية بالقهر هو الرحمن الرحيم المبالغ في الرحمة، فثبت أن الرحمن من صفة الجلال، والرحيم من صفة الجمال، ولهذا جاء الرحمن واسطة بين الله والرحيم في { بسم الله الرحمن الرحيم } ، وإذا كان الرحمن متوسط بين القهر الصرف وبين اللطف المحض فتارة بالقهر يقتضي الإفناء وتارة باللطف يقتضي الإثبات، كما أخبر الله تعالى عن صفة إفنائه بقوله:
ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا * الملك يومئذ الحق للرحمن
[الفرقان: 25-26].
وأخبر عن صفة إيجاده وإثباته بقوله:
الذي خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن
[الفرقان: 59] أي: الذي ظن هو الرحمن فظهر أن الرحمن أكثر مبالغة في الرحمة من الرحيم، وفيه طرف من هيبة الألوهية وهو مخصوص دون الرحيم، فالحمد لله شامل الثناء والشكر والمدح، أما الثناء فيكون بذكر الصفات الحميدة إذا قلت: هذا رجل كريم، فقد أثبت عليه والشكر يكون على النعمة من المنعم بأي معروف أولاك به.
وقال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم
[إبراهيم: 7] أي: في النعمة والمدح أن تذكر الرجل بجميع ما فيه من الخصال الحميدة وتنفي عنه جميع الصفات النقيصة التي لم تكن فيه، وليس من شأن المخلوقين أن يحمدوا الله بهذه المعاني الثلاثة الحقيقية إلا تقليدا ومجازا، أما الثناء فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خوطب ليلة المعراج: يا نبي إني على علم أن هذا ليس من شأن المخلوقين، فقال:
" لا أحصي ثناء عليك "
وعلم أنه لا بد له من امتثال الأمر وإظهار العبودية، فقال:
" أنت كما أثنيت على نفسك "
فهذا ثناء بالتقليد لأنه أثنى عليه بثنائه الذي أثنى الله به على نفسه في الأزل ثناء يليق بذاته وصفاته الأزلية على التحقيق، ولم يبلغ علم مخلوق حادث كنه صفة من صفات الله تعالى الأزلية، كما قال تعالى:
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255]، حتى يثني عليه بمعرفة كنه صفة من صفاته؛ لأن الثناء فرع المعرفة فما أثنى أحد على الله تحقيقا إلا تقليدا، فافهم جدا.
وأما الشكر أيضا فلا يتحقق الإنسان بشكر أنعم الله إلا برؤية العجز عن القيام بأدائه كما حكي عن داود عليه السلام أنه قال: " إلهي كيف أشكرك وأنا لا أصل شكرك إلا بنعمتك؟ فأوحى الله إليه: الآن شكرتني " وذلك لأن توفيق الشكر نعمة موجبة للشكر فلا نهاية لنعمه، فكيف يدرك الشكر المحادث النعمة التي هي غير متناهية؛ لقوله تعالى:
وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها
[إبراهيم: 34]؟
وأما المدح فلا يمكن الإنسان أن يمدح الحق حقيقة أيضا؛ لأن المدح يدل على كمال معرفة الذات والصفات حتى لا يذكره على ما هو به، وذلك محال؛ لقوله تعالى:
وما قدروا الله حق قدره
[الزمر: 67]، فلهذا حمد نفسه بالثناء والشكر والمدح، وقال: { الحمد لله رب العالمين } [الفاتحة: 2] أي: له أن يحمد ذاته الأزلي الأبدي بالحمد الأزلي الأبدي، والحمد لا يصلح إلا له فهو محمود بحمده أزلا وأبدا، والحمد له أما الحمد لله إشارة إلى ثناء ذاته بالإلهية، { رب العالمين } [الفاتحة: 2]، إشارة إلى شكر أنعام الربوبية على ربوبيته.
{ الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين } [الفاتحة: 3-4]، إشارة إلى مدح ذاته لجميع صفات لطفه وقهره وجماله وجلاله في كماله وملكه بمالكيته وملكيته في الدنيا والآخرة قبل خلقها، وفيه دلالة على أنه ما أثنى وما شكر وما مدح الله أحدا إلا الله تعالى، كما قال بعض المشايخ: ما قال أحدا الله إلا الله، فلما عجز الخلق عن الثناء والشكر والمدح، فالثناء للسان والشكر للأركان؛ لقوله تعالى:
اعملوا آل داوود شكرا
[سبأ: 13]. والمدح للجنان. فشكر اللسان يعصمك من سيف السلطان ويسلمك من آفة الكفران، وشكر الأركان ينجيك من دركات النيران ويبلغك إلى درجات الجنان، ومدح الجنان يقربك إلى الرحمن ويشرفك بخلع الغفران، فالحمد بمعنى الثناء على نوعين: ثناء الذات بالوحدانية والفردانية الأزلية الأبدية في الألوهية، وثناء الصفات بأنهما موصوفة بصفات الكمال منزهة عن النقصان والزوال.
والحمد بمعنى الشكر على نوعيه: شكر الذات وشكر الصفات؛ فشكر الذات على نعمة الوجود، وشكر الصفات على بذل الوجود. والحمد بمعنى المدح على نوعين: مدح الذات بنفي الذات في الوجود إلا ذاته، ومدح الصفات ببذل الأوصاف وإفنائها في صفاته لتكون باقيا بهويته لا بأنانيتك. { رب العالمين } [الفاتحة: 2]، فربوبيته بمعنى الخالقية والمالكية والسيدية عامة، وبمعنى التربية خاصة بحسب أنواع الموجودات متفاوتة؛ فهو مربي الأشباح بأنواع نعمه، ومربي الأرواح بأصناف كرمه، ومربي نفوس العابدين بأحكام الشريعة، ومربي قلوب المشتاقين بآداب الطريقة، ومربي أسرار المحبين بأنواع الحقيقة، وهو مدبر كل أمر حكيم من الأزل إلى الأبد، وهو متم نعمته الظاهرة والباطنة في الدنيا والعقبى على عباده والمؤمنين، كما قال تعالى:
وأتممت عليكم نعمتي
[المائدة: 3].
ومتم أنوار الأسرار الطالبين كما قال تعالى:
والله متم نوره
[الصف: 8]، وهو المنعم على الموجودات بأنعام الإيجاد عامة، ونعمة الهداية خاصة؛ لقرب اختصاصه بإجابة الدعاء؛ لأن الله تعالى أمر عباده بالدعاء ووعدهم عليه الاستجابة بقوله تعالى:
وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
[غافر: 60]، ثم علمهم كيف يدعونه وبأي اسم يدعونه بقوله تعالى:
ادعوا ربكم تضرعا وخفية
[الأعراف: 55].
وذكر في مواضع كثيرة من القرآن بصيغة الدعاء كقوله تعالى:
ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
[البقرة: 201]، وأمثاله كثيرة وألهم الله أنبياءه ورسله - عليه السلام - عند طلب الحاجة وإجابة الدعاء أن يدعوا بهذا الاسم؛ أولهم آدم عليه السلام الرحمة كما قال تعالى:
فتلقى ءادم من ربه كلمت فتاب عليه
[البقرة: 37]، قيل كانت قوله:
ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا
[الأعراف: 23]، فأجابه وتاب عليه وهدى، ثم دعا نوع عليه السلام قال:
رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا
[نوح: 26]، ثم دعا إبراهيم عليه السلام وقال:
رب أرني كيف تحيي الموتى
[البقرة: 260]، ثم دعى موسى عليه السلام وقال:
ربنا اطمس على أموالهم
[يونس: 88]، ثم دعا يوسف عليه السلام وقال:
رب قد آتيتني من الملك
[يوسف: 101]، ثم دعا سليمان عليه السلام وقال:
رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي
[ص: 35]، ثم دعا زكريا عليه السلام وقال:
رب إني وهن العظم مني
[مريم: 4]، ودعا يحيى عليه السلام وقال:
واجعله رب رضيا
[مريم: 6]، ثم دعا عيسى عليه السلام وقال:
اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء
[المائدة: 114]، ثم أمر الله حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعوه وقال:
رب زدني علما
[طه: 114]، ثم ندب المؤمنين في مواضع القرآن أي قوله: ربنا، وغير هذا من الأنبياء والأولياء دعوه بهذا الاسم فأجابهم بفضله وكرمه؛ لعزة هذا الاسم وعظمته، فالله تعالى لما أكرم هذه الأمة وأقامهم مقام المناجاة معه، وأمرهم بالدعاء ووعدهم عليه بالإجابة، من على حبيبه صلى الله عليه وسلم وأمته بالسبع المثاني بقوله تعالى:
ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم
[الحجر: 87] وفيه إشارة شريفة ودقيقة لطيفة وهي أن الله تعالى من عليه بفاتحة الكتاب كما من عليه بجميع القرآن، والسر فيه أن جميع حقائق وأصول معانيه مندرجة في الفاتحة، كما ذكرناه فجعل فاتحة الكتاب ديباجة مناجاة العبد من الرب في الصلاة.
وبدأ افتتاحها بأسمائه الحسنى وصفاته العلى قال: { بسم الله الرحمن الرحيم } [الفاتحة: 1]، ثم ثنى بحمد ذات الألوهية، وثلث بنعت صفة ربوبية التي هي من خصوصية الإجابة حيث قدمت على الدعاء كما مر ذكره، وقال: { الحمد لله رب العالمين } [الفاتحة: 2].
ثم أكد التحميد لله بالثناء والتحميد وقال: { الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين } [الفاتحة: 3-5]، ثم أعقبها سؤال حاجة فقال: ولعبدي ما سأل. ومن غاية اختصاص الرب بإجابة الدعاء، حتى أن إبليس بعد ما لعن وطرد دعا الله تعالى بهذا الاسم، وقال:
رب فأنظرني إلى يوم يبعثون
[الحجر: 36]، فأجابه ربه لعظمة هذا الاسم وقال:
فإنك من المنظرين
[الحجر: 37]، ولكنه ما وفق تصرفه في تحصيل نعمة ولايته بل كان حقه استدراجا وكيدا، كما قال تعالى:
سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين
[القلم: 44-45].
فالمسكين إبليس لو كان من أهل الكرامة وفق لقوله:
رب فأنظرني
[الحجر: 36]، بدل انظرني ولإجابة الله تعالى:
فإنك من المنظرين
[الحجر: 37]، بدل قوله: إنك من المنظرين، من خصوصية هذا الاسم شموله صفات لا يشملها غيره من الأسماء بمقتضى اللغة منها ما يدل على المدح لذاته وهو السيد لقوله تعالى:
اذكرني عند ربك
[يوسف: 42] أي: عند سيدك وكذلك المالك قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل:
" أرب إبل أم رب غنم؟ فقال: من كل ما أتاني الله فأكثر وأطيب ".
ومنها: ما يدل على أنه خالق؛ لقوله إخبارا عن موسى عليه السلام في جواب فرعون حين قال:
وما رب العالمين * قال رب السموت والأرض وما بينهمآ
[الشعراء: 23-24].
ومنها: ما يدل على كمال رحمته ولطفه في حق العالمين جميعا عاما وفي حق الإنسان خاصا وفي حق الخواص خصوصا، أما في حق العالمين فتربيتهم بأغذيتهم وأسباب بقاء وجودهم، وفي حق الإنسان خاصا وهو أنه يربى ذرات وجودهم بألبان ألطاف ربوبيته عند الميثاق، وقال:
ألست بربكم قالوا بلى
[الأعراف: 172]، وبرحمة ربوبيته خلقهم وبلطف ربوبيته خاطبهم، وبكرم ربوبيته أسمعهم وأبصرهم، وبسر ربوبيته أنطقهم وبفضل ربوبيته أعلمهم، وبعناية ربوبيته أشهدهم، حتى قالوا: { بلى } وجعل بحكمة تدبير ربوبيته إقرارهم بذر التوحيد، وفي خواص الخواص من الأنبياء والأولياء فبأن يربي بذر توحيدهم في أرض قلوبهم بماء الشريعة والأديان ورياح الإيمان والإيقان وأنوار شموس الإحسان والعرفان وبقيمة الربوبية يتم عليهم مشاهدة جماله وكاشفة جلاله.
كما قال تعالى في حق نبينا صلى الله عليه وسلم:
ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما
[الفتح: 2]، ثم شرف أمته ببركة متابعته بهذه التشريفات وأنعم عليهم بهذه الكرامات والدرجات عند طلب الهداية إلى الصراط المستقيم في تقديم ذكره ومقامه { رب العالمين * الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين } [الفاتحة: 2-4]، الرحمن الرحيم فائدة التكرار فيهما من وجهين، أحدهما: أن ذكرهما في بسم الله الرحمن الرحيم هو مبدأ الكتاب ومفتتح الخطاب بأنه هو الرحمن الرحيم بأن دعاكم بالإلهية إلى الطاعة والعبادة، وإنما دعاكم ليغفر لكم بالرحمانية والرحيمية؛ لقوله تعالى:
يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم
[إبراهيم: 10].
وأما ذكرهما في الفاتحة عقيب الحمد لله رب العالمين الذي هو المدح
" يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى علي عبدي... "
الحديث فثبت أنهما في الفاتحة للثناء فذكرهما في البسملة من الله تعالى؛ لاستمالة قلوب العباد على العبودية بالرحمة والغفران، وفي الفاتحة من العباد للثناء على الله تعالى وبالجمال والجلال للقربة والرضوان، والثاني: ذكرهما في البسملة لتسكين الهيبة ورفع الدهشة من عظمة اسم الله تعالى عن عباده كما كان حال موسى عليه السلام حين خاطبه: ب
إني أنا الله
[القصص: 30] كادت تزهق نفس موسى من هيبة استماع اسم الله، فانبسط معه على بساط العزة لإزاحة الدهشة والإراحة من الوحشة بقوله تعالى:
وما تلك بيمينك يموسى
[طه: 17]، ولأن يستأنس برحمانية ورحيمية نفوس العباد إلى عبادة الله تعالى، وتطمئن قلوبهم بذكر الله كما قال تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، ليستعدوا بذلك لمناجاته وليستحقوا المدح والثناء على ذاته وصفاته، فيناجونه في الصلاة ويذكرونه بالدعاء ويرفعون إليه الحاجة؛ ليهديهم إلى نيل الدرجات ورتب القربات.
{ ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4]، الإشارة فيه إلى أن الدين في الحقيقة الإسلام، يدل عليه قوله تعالى:
إن الدين عند الله الإسلام
[آل عمران: 19]، والإسلام على نوعين: الإسلام بالظاهر وإسلام بالباطل، فإسلام الظاهر بإقرار اللسان وعمل الأركان لقوله تعالى:
ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم
[الحجرات: 14]، وقال صلى الله عليه وسلم: في جواب جبريل عليه السلام: ما الإسلام؟ قال:
" الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا "
فهذا الإسلام جسداني والجسداني ظلماني، ويعبر عن الليل بالظلمة، وأما الإسلام الباطن فانشراح القلب والصدر بنور الله بقوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، فهذا الإسلام الروحاني نوراني ويعبر عن اليوم بالنور، فالإسلام الجسداني يقتضي إسلام الجسد لأوامر الله تعالى، ونواهيه، والإسلام الروحاني يقتضي استسلام القلوب والروح لأحكامه الأزلية وقضائه وقدره، فمن كان موقوفا عند الإسلام الجسداني، ولم يبلغ مرتبة الإسلام الروحاني فهو بعد في سير نعمة الدين مترف ومتحير، فيرى ملوكا وملاكا كثيرة كما كان حال الخليل عليه السلام فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال:
هذا ربي
[الأنعام: 76] وتنفس سعادته وطلعت شمس الإسلام الروحاني من وراء جبل نفسه عن شوق القلب صبح فهو على
نور من ربه
[الزمر: 22] واضح في كشف يوم الدين، فيكون ورد وقته: " أصبحنا وأصبح الملك لله " ، فيشاهد بعين اليقين بل يكاشف حق اليقين أن الملك لله ولا مالك إلا مالك يوم الدين، فإذا تجلى له النهار وكشف بالمالك جهارا يخاطبه وجاها ويناجيه شفاها { إياك نعبد وإياك نستعين } [الفاتحة: 5].
الكلام فيه على ثلاثة أوجه:
أولها: على الخطاب لأنه رجع من الغيبة إلى الخطاب، وإنما رجع إلى الخطاب من الغيبة؛ لأنه ليس بين المملوك ومالكه إلا حجاب ملك نفس المملوك، فإذا عبر عن حجاب ملك النفس وصل إلى مشاهدة مالك النفس، كما قيل عن أبي يزيد أنه في بعض مكاشفاته قال: إلهي كيف أجد السبيل إليك؟ قال له ربه: دع نفس وتعال. فللنفس أربع صفات لها من كل صنف حجاب آخر، وهي: الأمارية واللوامية والملهمية والمطمئنة، فأمر العبد المملوك بأن يذكر مالكه بأربع صفات الإلهية والربوبية والرحمانية والرحيمية، فيعبر بعد مدح الإلهية وشكر الربوبية وثناء الرحمانية وتمجيد الرحيمية وقوة جذبات هذه الصفات الأربع عن حجب ممالك الصفات الأربع للنفس، فيخلص عن ظلمات ليلة دين نفسه لطلوع صبح صادق يوم الدين { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4]
يوم لا تملك نفس لنفس شيئا
[الانفطار: 19] فيبقي العبد عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وهو كل على مولاه فيرحمه مالكه ويذكره بسنة عادة كرمه على قضية وعده
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152]، ويناديه ويخاطب نفسه:
يأيتها النفس المطمئنة
[الفجر: 27]، ثم يجذبه من غيبة نفسه إلى شهود مالكية ربه بجذبة:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28] فيشاهد جمال مالكه ويناديه نداء عبد خاضع خاشع ذليل عاجز، كما قرأ بعضهم: { ملك يوم الدين } نصبا على نداء { إياك نعبد }.
وثانيها: في معنى: { نعبد } وتحقيقه أن نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، وقيل العبادة سياسة النفس على حمل المشاق في الطاعة وأصلها الخضوع والانقياد والطاعة والذلة، يقال: طريق معبد إذا كان مذللا، موطوءة بالأقدام وبعير إذا كان مطليا بالقطران، ويسمى العبد عبدا لذله وانقياده لمولاه.
قلت: حد العبادة على ما قال ليس بحد تام؛ لأن للملائكة عبادة وليست عبادتهم سياسة النفس على حمل المشاق في الطاعة والعبادة الحقيقية خلوص النفس عن كل حظ من الحظوظ الدنيوية والأخروية ليعبد الله بالحق لا للحظ لقوله تعالى:
ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
[البينة: 5].
وثالثها: في خصوصية قوله تعالى: { نعبد } أن النفس دنياوية تعبد هواها لقوله تعالى:
ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى
[النازعات: 40-41]، والروح قربي تعبد القربة والعندية لقوله تعالى:
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، والسر حضرتي تعبد الحق تبارك وتعالى لقوله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:
" الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل "
، فلما أنعم الله تعالى على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده، كما قال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها إلي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل "
، فيقرب العبد بنصفه إلى حضرة كماله بالحمد والثناء والشكر على صفات جماله وجلاله، ويقرب الرب على مقتضى كرمه وإنعامه كما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، بنصفه إلى خلاص عبده من عبودية الأغيار بإخراجه عن ظلمات بعضها فوق بعض من هوى النفس ومراد القلب وتعلق الروح بغير الحق إلى نور وحدانيته وشهود فردانيته. فأشرقت أرض النفس وسماوات القلب وعرش الروح وكرسي السر بنور ربها فآمنوا كلهم أجمعون بالله الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم، وكفروا بطواغيتهم التي يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى، وجعلوا كلهم واحدا وقالوا: { إياك نعبد وإياك نستعين } [الفاتحة: 5] نستوفقك ونطلب المعونة منك على عبادتك على أمورنا كلها.
قال أبو بكر الوراق: { إياك نعبد } لأنك خلقتنا { وإياك نستعين } لأنك هديتنا، قلت: { إياك نعبد } لأنك المعبود { وإياك نستعين } لأنك المقصود، وأيضا: { إياك نعبد } لأنك المطلوب { وإياك نستعين } لأنك المحبوب، { إياك نعبد } لأنك مالك { وإياك نستعين }؛ لأن ما سواك هالك { إياك نعبد } على نعمتك { وإياك نستعين } على معرفتك، { إياك نعبد } لأنك قلت: لنا عبادي، { وإياك نستعين }؛ لأنك لنا إليك هادي { اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6]، الهداية على ثلاثة أوجه: هداية العام، وهداية الخاص، وهداية الأخص أما هداية العام فإنه هدى جميع الحيوانات إلى جلب منافعها ودفع مضارها بقوله:
ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى [طه: 50].
وقال تعالى:
ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين
[البلد: 8-10]، وأما هداية الخاص فهو هداية المؤمنين إلى الجنة لقوله تعالى:
يهديهم ربهم بإيمانهم
[يونس: 9]، وأما هداية الأخص فهي هداية الحقيقة التي من الله وقوله تعالى:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99].
فقال الله تعالى:
يجتبي إليه من يشآء
[الشورى: 13]، بهذه الهداية إلى الله تعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي "
، وفي قوله تعالى:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7]، إشارة إلى هذا المعنى أي كنت ضالا عني في تيه وجودك فطلبتك بجودي، وجذبتك بفضلي، وهديتك بجذبات عنايتي ونور هدايتي إلي، وجعلتك نورا وأنزلت إليك نورا فأهدي بك إلي من أشاء من عبادي، فمن اتبعك وطلب رضاك فنخرجهم من ظلمات وجود السوى إلى نور الروحاني، ونهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله
[المائدة: 15-16].
واعلم: أن الصراط المستقيم هو الدين القويم، وما يدل عليه القرآن العظيم وهو خلق سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين كما قال تعالى:
وإنك لعلى خلق عظيم
[القلم: 4]، ثم قال تعالى:
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه
[الأنعام: 153]، وهو على نوعين:
[الأول]: صراط مستقيم إلى الجنة؛ لقوله تعالى:
والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم
[يونس: 25]، أي: إلى الجنة، فهذا لأصحاب اليمين؛ لقوله تعالى:
وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين * في سدر
[الواقعة: 27-28].
والثاني: صراط مستقيم إلى الله؛ لقوله تعالى:
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
[الشورى: 52]،
صراط الله
[الشورى: 53] وهذا للسابقين؛ لقوله تعالى:
والسابقون السابقون * أولئك المقربون
[الواقعة: 10-11]، وفي الآيتين إشارة إلى من هدي إلى صراط مستقيم فهو من السابقين المقربين، وإن كل ما يكون لأصحاب اليمين يكون له وهو سابق على أصحاب اليمين فما يكون للمقربين من شهود الجمال وكشف الجلال وهذه المرتبة خاصة لسيد المرسلين وخاتم النبيين ومتابعة لقوله:
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [يوسف: 108].
{ صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7]، الإشارة فيه إلى طريق من أنعمت عليهم بكشف الحقيقة، وتكرار الصراط إشارة إلى أن الصراط الحقيقي صراطان:
صراط من العبد إلى الرب، وصراط من الرب إلى العبد؛ فالذي من العبد إلى الرب طريق مخوف كم قطع فيه القوافل وانقطعت به الرواحل، ونادى [رب] العزة لأهل العزة لطلب رد السبيل لقوله تعالى حكاية عن قاطع هذا الطريق وتقطع هذا الفريق:
لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16].
والذي من الرب إلى العبد فطريق آمن، وبالأمان كائن قد سلمت قوافله وبالنعم محفوفة منازلة ويسيرون فيه سيارته ويقادون بالسلاسل قادته
مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين...
الآية [النساء: 69].
أنعم الله على أسرارهم بأنوار العناية وعلى أرواحهم بأسرار الهداية وعلى قلوبهم بآثار الولاية وعلى نفوسهم في قمع الهوى وقهر الطبع، وحفظ الشرع بالتوفيق والرعاية وفي مكايد الشيطان بالمراقبة والكلاءة.
{ صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7]، بالنعمة الظاهرة والباطنة كما قال تعالى:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
[لقمان: 20]، وأما النعمة الظاهرة فبعثة الأنبياء وإنزال الكتب، وأحكام الشرائع وتوفيق قبول دعوة الرسل، وإجابة الحق واتباع السنة واجتناب البدعة وانقياد النفس لأوامر الشرع ونواهيه والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية، والنعمة الباطنة فإن الله تعالى أنعم على أرواحهم في بداية الفطرة بإضافة رشاش نوره لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ضل "
فكان فتح باب صراط الله إلى العبد رشاش ذلك النور وأول الغيث رش ثم ينسكب، فالمؤمنون ينظرون بذلك النور المرشوش إلى مشاهدة الغيب وينظرون الغيث ويستغيثون: { اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6]، وهو { صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7]، بجذبات ألطافك وفتحت عليهم أبواب فضلك ليهتدوا بك إليك فأصابوا بما أصابهم منك بك { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } [الفاتحة: 7]، قال الواحدي: { غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7]، بالمخالفة والعصيان { ولا الضآلين } [الفاتحة: 7]، عن السنة.
قلت: هم الذين أخطأهم ذلك النور حين رش عليهم من نوره فضلوا في تيه هوى النفس، وتاهوا في ظلمات الطبع والتقليد فغضب عليهم من اليهود ولعنهم بالطرد حتى لم يهتدوا إلى الشرع والتحقيق، ودفعوا عن الصراط المستقيم عن المرتبة الإنسانية التي خلق فيها الإنسان في أحسن تقويم ومسخوا قردة وخنازير صورة ومعنى أيضا، { غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7]، بالخذلان { ولا الضآلين } بالنسيان لما وقعوا عن الصراط في سير البشرية مشوا بشرك الشرك كالنصارى فاتخذوا الهوى إلها
قالوا إن الله ثالث ثلاثة
[المائدة: 73]،
نسوا الله فنسيهم
[التوبة: 67]، وأيضا { غير المغضوب عليهم } بالغيبة بعد الحضور والمحنة بعد السرور، والظلمة بعد النور نعوذ بالله من الحور بعد الكور { ولا الضآلين } في الفسق والفجور.
{ غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7]، بالرجوع عن الصراط المستقيم فنودوا: (وأهدوهم إلى سواء الجحيم)، { ولا الضآلين } [الفاتحة: 7]، عن كرم الكريم ورحمة الرحيم بالإعراض عن الدين القويم، المحرومين عن القلب السليم وجنات النعيم باستحقاق العذاب الأليم، غير المغضوب عليهم بالاحتباس في المنازل والانقطاع عن القوافل، ولا الضالين بالصدور عن المقصود. وفصل في { آمين } والتائبين سنة بعد ولا الضالين كان في الصلاة وخارج الصلاة، روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال:
" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } [الفاتحة: 7]، " آمين، خفض بها صوته "
حديث حسن.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" (آمين) ختم رب العالمين على عباده المؤمنين "
، قلت فيه إشارات:
منها: أن العبد يكتب كتابه بقلم فعله وكل حركة تصدر منه فهي حرف وكل عمل كلمة تكتب في كتاب طاعته ومعصية فكم من كتاب قد كتب طاعة ومعصية وسعد به ملك اليمين أو الشمال، فلما بلغ الحضرة لم يجد فيها حرفا، أما السيئات فقد محتها الحسنات، كما قال تعالى:
إن الحسنات يذهبن السيئات
[هود: 114]، وأما الطاعات فقد أحبطها الرياء والشرك لقوله تعالى:
لئن أشركت ليحبطن عملك
[الزمر: 65]، فإن الله تعالى من غاية كرمه مع عباده جعل آمين خاتمة كتاب صلاة العبادة حتى لا يمحوها شيء من الأشياء فيبقي بها مختوما ثابتا إلى يوم الجزاء فإنه يمحو الله ما يشاء ويثبت، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" كل الختم على الكتاب "
، ومنها أن الله تعالى قال:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ".
فالإشارة فيه أن للعبد نصفه من الحمد والثناء والدعاء؛ فيبقي نصف من الإجابة والهداية والرحمة والعفو والمغفرة والرضوان والنجاة من النيران ورفعة الدرجات من الجنان وكرامة بقاء الرحمن فختمت على ما سأل بخاتم: { آمين } ليوم يقوم الناس لرب العالمين يقال في قبول القوم ختم به عليه.
ومنها: أن العبد محجوب عن الله تعالى بحجاب أنانيته ووجدان وجوده، ووجوده مركب عن الروحاني العلوي والجسماني السفلي، فالشرع إنما جاء ليخرجه من ظلمات حجابه الجسماني السفلي إلى نور الروحاني العلوي؛ لأن من بقي فيها فهو في سفلي من النار لقوله:
وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها
[آل عمران: 103]، فمن نجا من ظلمات نار سفلي وجوده ووصل إلى نور جنة علو وجوده فهو بعد محجوب بحجاب النور العلوي لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة "
فالروحاني بالنسبة إلى الجسماني نوراني؛ ولكن بالنسبة إلى نور القديم ظلماني كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق الخلق في ظلمة ".
فالنور الحقيقي هو الله تعالى وما سواه مخلوق ظلماني، وكمال العبد في العبودية بالخروج عن ظلمات أنانيته إلى نور هويته وفقدان وجوده في وجدان وجود الحق، والحكمة في بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب في الأوامر والنواهي وجميع أحكام الشرع وآدابه مقصورة على هذا المعنى، ولهذا ذكر الله تعالى في مواضع من القرآن
ليخرجكم من الظلمات إلى النور
[الحديد: 9]، وإن أخرج قومك من الظلمات إلى النور فالله تعالى بجوده وكرمه جمع أصول ما في الكتب المنزلة في سور القرآن، وأودع حقائق ما في سور القرآن في سورة فاتحة الكتاب؛ بل في المراتب العشر للربوبية كما ذكرنا محصورة في المراتب الأربعة إلى قولنا: الهداية من الأزل إلى الأبد؛ لأن العبد كان محتاجا إلى هدايته في الأزل بأن يهديه إلى الوجود وهي لو لم تكن هدايته لكان ضالا في تيه العدم وهذا أحد معاني قوله تعالى:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7].
فلما هدى العبد بهداية: " كن " فخرج عن ضلالة العدم إلى هدى الوجود الروحاني فكان ضالا في عالم الأرواح، كما قيل: ضل الماء في اللبن، فاحتاج إلى هدايته ليخرجه بهداية
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29] من ضلالة الروحاني إلى هدى عالم الجسماني إلى أن بلغ كمال مرتبة الإنسانية بالبلوغ والعقل، فيضل في تيه أنانية الوجود فيحتاج إلى هدايته بالرجوع إلى الصراط المستقيم الذي جاء عليه من العدم إلى الوجود حتى يرجع عليه من الوجود إلى العدم فقوله: { اهدنا } طلب أسباب الرجوع وهي في صورة النبي والشرع، وفي الحقيقة جذبة الحق ليهديه بهذه إلى العدم وفناء الوجود، كما هداه إلى الوجود بالنفخة ليهتدي إلى واجب الوجود وهذا معنى آخر من معاني:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7].
فكما أنه لا نهاية لواجب الوجود فكذلك لا نهاية لهدايته إلى معرفته إلى الأبد؛ فالله تعالى جعل العروج إلى العدم من شأن الإنسان بنفسه إلا بالذي أوجده وإنزاله إلى أسفل سافلين ليعرج بها إلى أعلى عليين العدم، فعلى الله التعريج وعلى العبد التسليم، وتسليم العبد بالإيمان والعمل الصالح لقوله:
إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
[التين: 6]، وجزاء الأعمال الصلاة فلهذا قال تعالى:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي... "
الحديث.
فالعبد يقرب إلى الله بصدق النية وبحمده وشكره على ما أولاه من نعمه ويستهديه به إليه والحق تعالى يأخذه منه إليه ويفنيه عنه، ويبقيه به بالأمر، ويرفع رسوم أنانيته بسطوة تجلي هويته فيفقد الوجود فقدانا لا يجده أبدا ويجد المفقود وبعد أن لا يفقده أبدا؛ لأنه صار ملكه لقوله تعالى:
" ولعبدي ما سأل "
، ذكره بلام التمليك فيختم الله تعالى بعد بخاتم آمين فهذا هو الإشارة إلى مقام عباده المخلصين بأنه خاتم ليس لأحد من العالمين أن يتصرف فيه أو يفك ختم رب العالمين، ولهذا يئس إبليس عن التصرف فيهم، وقال:
إلا عبادك منهم المخلصين
[ص: 83] والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
تفسير عين الحياة
يا طالب تفسير بطن سورة فاتحة الكتاب، اعلم أولا أسماءها الأربعة وهي: سورة الحمد، والسبع المثاني، وأم القرآن، وفاتحة الكتاب؛ وتيقن أن الحمد ناسوتي، والسبع المثاني اسم ملكوتي، وأم القرآن جبروتي، وفاتحة الكتاب اسم لاهوتي، فإذا أطلعت على أساميه، بعد إطلاعك على مطلع النقطة الواقعة تحت باء البسملة في الأصل الأول، وعلى حد البسملة في الأصل الثاني؛ فافهم تفسير بطن البسملة مختصرا موجزا مجزءا عن تفاصيلها، بأن الكتاب الحقيقي يقول ابتداء بالاسم الناسوتي الأثري، الدال على ذات المسمى اللاهوتي، ألوف بالصفة الجبروتية والفعل الملكوتي في تحرير كتاب جامع الحساب، وتقرير الرطب واليابس المتفرق في مفردات محاسبات ممالك الغيب والشهادة؛ لإظهار الكنز المخفي في الألف المخفي في { بسم } [الفاتحة: 1]، الذي هو مظهر للألف المخفي في { الرحمن } [الفاتحة: 1]، الذي هو من لام { الله } [الفاتحة: 1] وهائه، وأتبين بالابتداء بالاسم الأثري أن دار الكسب عالم الناسوت، وبالختم على { الرحيم } [الفاتحة: 1] العقلي أن دار الإقامة والجزاء عالم الملكوتي؛ ليمكن الشقيقة الناسوتية قبول الفيض من الدقائق الجبروتية بواسطة الملكوتي، وللدقيقة الملكوتية قبول الفيض من الحقائق اللاهوتية بواسطة الجبروت، وتشتغل الشقيقة الناسوتية بحمده المسطور في سورة الحمد الناسوتي الموصل لها، لا الحمد المخصوص بالسبع المثاني الشامل فيضه لبياضة دقائق اللطائف السبعة وسواديتها، المنوطة بها الشقيقة الناسوتية المرباة في البدن المجعول.
وفي هذا السر يعرف سبب إطلاق السبع المثاني عليها، ويطلع على معنى السبع ومعنى المثاني، فإذا أحمدته اللطائف السبع في المرتبة البياضية والسوادية مثنى بلسان الإنسان الغيبي، والأنس الشهادي تلهم دقائقها الحمد الجبروتي المخزون في أم القرآن، ثم تلهم حقائقها الحمد اللاهوتي المستحق للذات المكنون في فاتحة الكتاب، مما أشار إليه صاحب المقام المحمود في حديث الشفاعة بقوله:
" ألهمت بمحامد لا تحضره إلا أن تلحقا بحقائق القرآن المكنونة في هذه السورة "
سميت فاتحة الكتاب؛ لأنها تفتتح كل شيء عالم اللاهوت، ولدقائقه المخزونة فيها سميت أم الكتاب؛ لأن أم الكتاب جبروتي وهو أصل الكتب، ولدقائقه المستورة فيها سميت سبع المثاني؛ لأن اللطائف السبعة غيبية ملكوتية تحدث بلسان البياض والسواد، ولشقائقه المسطورة فيها سميت سورة الحمد الواجب الناسوتي قراءتها في الصلاة، التي هي معراج المؤمن فيها يناجي رب العالمين سميت سورة الحمد؛ فينبغي حينئذ أن يعرف معنى بطن هذه السورة يتضح منك القرآن في المعراج وقت المناجاة، وتصلح بأن تكون صلاة مقسومة بينك وبين ربك، كما جاء في الحديث:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وإذا قال: { الحمد لله رب العالمين } ، أقول: حمدني عبدي إلى أن قال: { اهدنا الصراط المستقيم } أقول: سألني عبدي، ولعبدي ما سأل "
، وجعل الصلاة قراءة سورة الحمد، وحسبك هذا الحديث في وجود قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة بطنه.
على سبيل الإجمال هو أن يعلم بأن الله الحميد المحمود أراد أن يعلم الخلق بحميده؛ ليحمدوه في عالم الشهادة والغيب، ويجعلوا أنفسهم مستحقين لسلام الحق ورحمته وبركاته، { الحمد لله رب العالمين } [الفاتحة: 2]، ووصف الله الذي هو المتجلي في العقد الأول الآحادي اللاهوتي للحقائق بصفة الدال عليها اسم الرب، الذي هو المتجلي في العقد الرابع إلا في الناسوتي؛ ليمكن للشقائق الآلافية التمتع بحقائق الحمد والانتفاع بها، وسره قريب من سر الابتداء في البسملة بالاسم الناستوي، وإفشاء من حد القرآن مما لست مأذونا في بيانه.
ثم وصف ب { الرحمن } [الفاتحة: 3]، المتجلي بالعقد الثاني المعشراتي الجبروتي للدقائق القائمة بالحقائق؛ ليحمدوه على رحمته العامة الشاملة لجميع الموجودات بعد حمدهم على ربوبيته في الأطوار المختلفة.
ثم وصف ب { الرحيم } [الفاتحة: 3]، المتجلي بالعقد الثالث، المائي الملكوتي للدقائق المنوطة بالدقائق القائمة بالحقائق؛ ليحمدوه رحمته الخاصة المحيطة بالمؤمنين في الدار الآخرة، قوله:
وكان بالمؤمنين رحيما
[الأحزاب: 43]، يدل على صدق هذا البيان، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهذا التقرير شاهد عدل، وهو قوله:
" يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ".
ثم وصف ب { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4]؛ ليتيقنوا بأن أسماءه أزلية قبل خلق الخلق وظهور العالم، وكان مبدعا خالقا قبل الإبداع والخلق، كما أنه مالك يوم الدين قبل إظهاره، ويبالغوا في تحميده بعد تيقنهم بيوم الدين والجزاء، وأنه يدينهم في ذلك اليوم.
ثم أخبرهم بأن الحمد الحقيقي لا يصدر إلا من العبد الحقيقي بقوله تعالى: { إياك نعبد } [الفاتحة: 5]؛ ليعبدوه مخلصين ويحمدوه موقنين بألا معبود سواه، وتقديم المفعول على الفعل يفيد الاختصاص؛ ولأجل هذا السر قدم المفعول في العبادة والاستعانة، وكرر بقوله: { وإياك نستعين } [الفاتحة: 5]؛ لئلا يستعينوا إلا بمعبودهم ويتيقنوا بألا مستعان إلا هو؛ ليمكن لهم الحمد على معبوديته ومستعانيته، ومن يستعين بغير معبوده يشرك في الحمد غيره، وهذا شرك حقيقي غفل عنه الخواص فضلا عن العوام، ويقول من يستعين به المستعين بلسان الحال، فاطلب الاستعانة ممن تعبده وتحمده، وما أحسن ما قال صاحب قدم صدق:
استعانة المخلوق بالمخلوق كاستعانة المسجون بالمسجون، اللهم إلا أن المتبعين في المحققين الذين نظروا بعين الوحدة في الكثرة، وعلموا أن الآثار الكثيرة ظاهرة عن الأفعال الصادرة عن الصفات القائمة بالذات، وجعلوا الناس كالبنيان يشد بعضهم بعضا، ويستعين بأثر الحق الظاهر من فعل الحق الصادر من صفة الحق القائمة بذات الحق بالحق في الحق، ولا يمكن الوصول إلى هذا المقام إلا على سبيل التدريج، وهو بأن يترك الاستعانة من غير الحق مدة مديدة في الوسط، حتى تصح منهم الاستعانة بأثر الحق في الانتهاء، ولا يضرها في مقام الوحدة، فإذا استعنت في حمد الله بالمستعان المعبود المالك الرحيم الرحمن الرب الله المحمود، وحمدته على تعليمه إياك؛ فيزداد في التعليم على قضية
لئن شكرتم لأزيدنكم
[إبراهيم: 7]، ويعلمكم بعد أداء حق الحمد المقدور للبشر سؤال ما كان الناس أحوج إليه في دينهم ودنياهم، وهو: الهداية إلى الصراط المستقيم، والثبات عليه بقوله: { اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6]، وهو أدق من الخط الموهوم بين الظل والضياء والهداية إليه، والثبات عليه لا يمكن إلا بتوفيق الحق.
ثم ينبهكم بأن الصراط المستقيم الذي هدى إليه خواص عباده، وأنعم عليهم بالاستقامة عليه هو الذي ما كان شرقيا صاحب تفريط وما كان غربيا، صاحب إفراط بقوله: { صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7] بالاستقامة بعد الهداية، { غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7] من أهل الإفراط، { ولا الضآلين } [الفاتحة: 7] من أهل التفريط؛ ليكونوا خائفين من مكره، راجين من كرمه؛ حتى يجوزوا على الجسر ويدخلوا دار السلام ويشرفوا بالسلام، كما أخبرنا الله الملك السلام في الكلام القديم:
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73].
والخوف والرجاء جناحان للطائر فوق الجسر، إن لم يكن له جناح الخوف لهوى في زمهرير الأمن، فإن لم يكن له جناح الرجاء لهوى في نار اليأس، وهذان الجناحان أثران ظاهران من فعل القهر وفعل اللطف الصادرين من صفة لطيفية وقهارية، وقلب المؤمن بين إصبعي لطفه وقهره يقلبه كيف يشاء، وإلى هذا السر أشار خاتم الأنبياء وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في مناجاته حيث قال:
" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك "
، وهاتان الصفتان ثابتتان لذات الله ذي الجلال والإكرام، فمن يأمن مكر الله وقهره فهو من الخاسرين المفرطين، ومن ييأس من روح الله ولطفه فهو من الكافرين المفرطين، ومن يفرح من لطفه ويخف من قهره من الفائزين الثابتين على الصراط المستقيم في دار التلوين، التي الاستقامة فيها أشد وأشق على النفس من الدخول في النار؛ ولأجل هذا أعدل الخلق مزاجا
" شيبتني سورة هود "
، ومراده أمر الله إياه بالاستقامة بقوله
فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك
[هود: 112]، فحق له التشيب؛ رأفة على من معه، وخوفا على تقصيرهم في الاستقامة، فإذا علمت هذه الفوائد فخذ نصيبا من فوائد أسمائه الحسنى المبسوطة في بساط هذه السورة، وهي المنعم الهادي المستعان المعبود المالك الرحيم الرحمن الرب الله المحمود.
وتيقن أنه تعالى ينتبه باسم المحمود لطيفة بغيبة القارئ، وباسم الله لطيفة طفلية، وباسم الرب لطيفة جنينية، وباسم الرحمن لطيفة خلقية، وباسم الرحيم لطيفة لحمية، وباسم المالك لطيفة عظمية، وباسم المعبود لطيفة حط مضغية، وباسم المستعان لطيفة علقية، وباسم الهادي لطيفة نطفية، وباسم المنعم لطيفة سلالية عن سر النقطة الأحدية، التي هي مظهر للنقطة الذاتية، وعن سر الحياتية والسمعية والبصرية والمتكلمية والعلمية والمريدية والقديرية والحكيمية والواحدية، والأسماء المطهرة في هذه السورة دالة على حضرة النقطة الأحدية وحضرات صفاتها الأربع، فمن يطلع على أسرار هذه الأسامي العشرة المظهرة والمضمرة، المدرجة في درج فاتحة الكتاب، المخصوص بالنبي الأمي صاحب لواء الحمد في المقام المحمود، ويعبده حق عبادته في الشهادة والغيب بحمده، حق حمده باللطائف السبع على وفق الشرع، مخالفا للطبع بقدر الوسع يؤذن بالدخول في الحضرة العظمى، التي هي منتهى مأرب الحجاج في المعراج، والداخل فيها إن شرف بالطهارة الكبرى يكون آمنا من المكر والاستدراج.
وحمد اللطيفة القالبية: اشتغال جوارحها وأعضائها في عبودية الحق.
وحمد اللطيفة النفسية: ترك هواها بالإعراض عن الدنيا، والإقبال على المولى في النعماء والبلوى؛ بحيث لا يمكن للشيطان إلقاء خاطر في ردعها من الخواطر، التي كانت فيها مخالفة الله تعالى.
وحمد اللطيفة القلبية: حفظ المرآة عن إفشاء سر ما يشاء، في هذه المرآة.
وحمد اللطيفة الروحية: ترك غيرتها على اللطيفة القلبية؛ لقلة التفاتها إليها لكثرة اشتغالها بمراقبة المرآة، وإقامتها محاذاة الوجه.
وحمد اللطيفة الخفية: حيرتها في مشاهدة ما في المرآة من الآيات البينات.
وحمد اللطيفة الحقيقة طالعة سوى الحق في الكتاب المسطور بقاف قلم؛ فإنه صاحب المقام المحمود، الآخذ من دال ذوات روحانية أحمدية ميم مداد نورانية محمدية؛ ليظهر على لام لوح قدمه صور ما في كنز القدم وصورها، يأخذ الفيض من الاسم المحمود الشامل للمعارف محمدا مفصلا، الحاوي وولايته بدال الدوائر الأربع في الموقف الأعظم، ومن اسم الله بألوهيته في عالم اللاهوت، ومن اسم الرب بربوبيته في عالم الناسوت، ومن اسم الرحمن برحمته في عالم الجبروت، ومن اسم الرحيم برحمته الخاصة في عالم الملكوت، ومن اسم المالك بعزته في المواقف الآثارية، ومن المعبودية بسلطنته في المواقف الأفعالية، ومن اسم المستعان بقيوميته في المواقف الصفاتية، ومن اسم الهادي برأفته في المواقف الذاتية، ومن اسم المنعم بمنعميته في المواقف النقطية وسرها، بقبول المعبود المحمود هدية الحمد منها في الخواص والمحاضر والحضرات يتبين في سيماء حاله، وعلامة قبول الإذن بالدخول في الحضرة العظمى: حصول الطهارة الكبرى.
ولولا ملالة طبعي من الكتابة؛ لبينت بطون القرآن من أوله إلى آخره في هذه السورة الواحدة، الجامعة لمفرقات الأحكام السياسية والطهارية والعبادية الشاملة للمواعظ، والأمثال والحكم المخصوصة باللطائف السبع، وتربيتها في أطوارها المختلفة، وسبب ظهور الملالة مطايا الهمم عن السير في طلب معاني الأمور، وأخذ فيض ضياء العالم من منبع النور، وعدم من يفهم ما كتبته منذ عشرين سنة، وقلة التفات الناس الناسي مبدأه ومعاده إلى المعارف الرحمانية، وكثرة اشتغال الخلق بمزخرفات المتفلسفين وطامات المتصوفين وترهات الحسوميين مما يستنكف منه، مقتفو آثار [الفلاسفة] عن متابعي سنن السنن الإسلامية من علماء الربانية، وقصور همة الفقهاء والحكماء والمشايخ، هداهم إلى الصراط المستقيم على الذات العاجلة والطلاب والسلاك، أعلى الله همتهم على المكاشفات السرية والمشاهدات الروحية والتجليات الصورية والنورية.
اللهم { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 6-7]، نعمة الإيمان الغيبي، { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } [الفاتحة: 7]، ممن حرم نعمة الإيمان الشهودي، آمين يا رب العالمين؛ أي: استجب دعائي ولا تخيب رجائي، وصلى الله على خير خلقه سيدنا وقرة أعيننا: محمد وآله وصحبه أجمعين.
هذا أول المجلد الرابع والعشرين من كتاب " مطلع النقط ومجمع اللفظ " ، ومن الطور المجلد العشرون منه، وعدد مجلدات " مطلع النقط " من غير تفسير موافقة ثمان وعشرون، و " تفسير المواقف " وهي مائة وإحدى وثلاثون ألفا ومائة وإحدى وثلاثون، وقد كتبت بإلهام شرح موقفين منها إن ورد علي قياسا عليهما يكون ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسة وستين مجلدا كل مجلد أربعون كراسا عشرة أوراق كل ورقة أربعون سطرا.
البقرة 2:1
{ الم } [البقرة: 1]، قال الشيخ الإمام مصنف الكتاب رحمه الله:
يحمل أن يكون { الم } وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم، وقد وضعها الله مع نبيه صلى الله عليه وسلم في وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام بأسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل عليه السلام ولا غيره، يدل على هذا ما روي في الأخبار:
" أن جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى: { كهيعص } [مريم: 1]، فلما قال: { ك } [مريم: 1]، قال: النبي علمت، فقال: { ه } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ي } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ع } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ص } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال جبريل عليه السلام: كيف علمت ما لم أعلم ".
وفي الحروف المقطعة إشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يسعه الحروف والكلمات؛ لأن الكافر غير متناه، والحروف والكلمات متناهية؛ وذلك لأن الصبيان يعلمون أولا الحروف المقطعة الفارغة من معاني القرآن، ولكنها دالة على كلمات القرآن وبها يهتدى إلى قراءة القرآن، ثم يعلمونهم المركبات من الحروف، ثم يعلمون القرآن كلاما وسورا، فيفقهون منها المعاني كل واحد على قدر علمه، وفهمه ومعرفته وصدق نيته وصفاء طويته، ومواهب الحق في حقه؛ فيظن بعض الظانين منهم إذا انقطعت الكلمات والسور المعدودة أن كلام الله انقطع ومعانيه تناهت، فالله سبحانه وتعالى بكمال حكمته أنزل بعد الكلمات والسور الحروف المقطعة بعضها مركبة بالكتابة مقطعة بالقرآن مثل { الم } و { الر } وغيرها.
وبعضها مفردة مقطعة بالكتابة والقرآن مثل { ص } و { ق } و { ن } ليعلموا أن كلام الله القديم والقرآن العظيم لا تحويه الكلمات المعدودة ولا تحصيه السور المحدودة، فإن الحروف المقطعة تدل على ما تدل عليه الكلمات من المعاني، والكلمات منحصرة معدودة ودلالة الحروف عليها غير منحصرة معدودة؛ لأن هذا يشير إلى أن الحروف المقطعة لو ركب بعضها بعضا إلى الأبد لا ينقضي كلام الله تعالى، ولا يضيق نطاق نطق الحروف عن توسع محيط الكلام الأزلي؛ لأنه فرق ظاهر بين الحروف المقطعة وبين الحروف المحدثة جمعا.
والكلمات القائمة بالحروف المحدثة منحصرة، ومعاني الحروف القائمة بالكلام القديم غير متناهية ولا منحصرة لقوله تعالى:
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا
[الكهف: 109]، وفي الحروف المقطعة إشارة أخرى، وهي: أن المركبة بالكتابة تشير إلى أن إلباس كسوة الحروف المحدثة في الكلام القديم لقصور فهم الإنسان، والمفردة منها تشير إلى أن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبدي غير ذي عدد، وتجدد الآيات والكلمات والسور العربية والعبرية والسريانية إنما جعلت كسوة الكلام الفرداني المنزه ليفهم الخلق لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى
[الشورى: 7].
قال الشيخ الإمام رحمه الله: والإشارة في تحقيق { الم } أن جميع ما ذكرنا في تفسير الفاتحة من طلب الهداية إلى حضرة الربوبية والخلاص من ظلمات الوجود والوصول إلى الوحدانية وإجابة الحق تعالى دعاء العبد في إفنائه عن حجاب أنانيته بشهود كشف هويته، والمودع في الفاتحة مناجاة بين العبد والرب، ولكل مناج موضع خاص للمناجاة كما كان الطور ميثاق مناجاة موسى عليه السلام لقوله تعالى:
ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه
[الأعراف: 143].
وكان المعراج مقام مناجاة نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:
فكان قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، وكان مقام مناجاة المؤمنين الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الصلاة معراج المؤمن "
فكما أن الصلاة بغير فاتحة غير تامة، فكذلك من قرأ الفاتحة في غير الصلوات تكون مناجاته غير تامة وقد سمى الله فاتحة الكتاب صلاة، وقال:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: ولعبدي ما سأل "
إذا قرأها في الصلاة وإذا تحققت هذا فاعلم أن هذه الصلاة التي ذكرت في القرآن ثلث القيام لقوله تعالى:
وقوموا لله قنتين
[البقرة: 238].
والركوع لقوله تعالى:
واركعوا مع الركعين
[البقرة: 43]، والسجود لقوله تعالى:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، فالألف إشارة إلى القيام، واللام إشارة الركوع، والميم إشارة إلى السجود، يعني: من قرأ فاتحة الكتاب التي هي مناجاة العبد مع الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين ليجيبه الله بالهداية التي طلب منه بقوله: { اهدنا } فيكون له أم الكتاب هدى بلا شك، ولهذا قال عقيب: { الم * ذلك الكتاب } [البقرة: 1-2]، للغائب فلو كانت الإشارة بذلك الكتاب إلى القرآن تعالى هذا الكتاب { لا ريب فيه هدى } [البقرة: 2]، أي: أم القرآن إذا قرئت في الصلاة وناجى به العبد ربه، وسأل منه الهداية بقوله { اهدنا } لا شك فيه أنه يهدي لما سأل؛ لأنه قال: ولعبدي ما سأل، منه هاهنا ما كان بالإشارة والتعريض لقوله { هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة } [البقرة: 2-3].
وفي: { ذلك الكتاب } إشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينة { الم } الألف واللام حرفان مقدمان من قوله
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: { بربكم } معناه في عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، أخذت منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى:
ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 60-61]، أي: هاديا إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } [البقرة: 3]، أي: يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: { هدى للمتقين } [البقرة: 2]، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى على ثلاثة أوجه: تقوى العام عن الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى:
فاتقوا الله يأولي الألباب
[المائدة: 100].
والمتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من ميثاقه ووصلوا بها ما أمر الله به أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرة وباطنا وانقطعوا عما نهاهم الله عنه من منهيات الشرع ظاهرا وباطنا، يدل على هذا قوله تعالى:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40]، إلى قوله
وإيي فاتقون
[البقرة: 41]، معناه إذ أنتم أقررتم بربوبيتي بقولكم { بلى } يوم الميثاق فأوفوا بعهدي الذي عاهدتموني عليه وهو العبودية الخالصة أوف بعهدكم الذي عاهدك عليه: الهداية إلي، وحقيقة التقوى الإعراض عن الدنيا والعقبى بالإقبال على المولى يؤمنون بالغيب؛ أي: بنور غيبتي وهو من الله في قلوبهم نظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فشاهد وصدقوا قوله وآمنوا به كما قال صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن ينظر بنور الله "
واعلم أن الغيب غيبان، غيب غاب عنك وغيب غبت عنه، فالذي غاب عنك عالم الأرواح فإنه كان حاضرا حين كنت فيه بالروح وكذرة وجودك في
ألست بربكم
[الأعراف: 172].
واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعاون الأرواح من الأنبياء والأولياء وغيرهم، فغاب عنك إذا تعلقت بالقلب، ونظرت بالحواس الخمس إلى المحسوسات عن عالم الأجسام، وأما الغيب الذي غبت عنه فغيب الغيب، وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود
وهو معكم أين ما كنتم
[الحديد: 4] أنت بعيد عنه وهو قريب منك، كما قال تعالى:
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق: 16].
وكذلك الإيمان مراتب؛ فأول مرتبة: تصديق القلب بحقائق الغيب بلا ريب، كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان "
، وعلى ما أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني قال: أخبرنا أبو الحسن مسعود بن محمود الغانمي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي منصور الخليل، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي، ثنا أحمد عيسى بن أحمد العقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن يزيد عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر - يعني بالبصرة - معبد الجهني، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة، فقلنا: لو لقينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلسألنه عن القدر، فلقيناه عبد الله بن عمر، فالتقيته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر عندنا ناس يعتقدون هذا العلم ويطلبونه ويزعمون أن الأقدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت لهم فأخبرهم أني برئ منهم ومن ربهم براء،
" والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ".
ثم قال: حدثنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
" كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ما برئ عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتيه تمس ركبتيه فقال: " يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت: قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان. قال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: صدقت. قال فأخبرنى عن الإحسان. قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: فأخبرنى عن الساعة. قال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرنى عن أمارتها. قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان ". قال: ثم انطلق؛ فلبثت مليا ثم قال لى: " يا عمر أتدرى من السائل؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه "
، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، واتفقا على إخراجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وعلى ما أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي المقري، أخبرنا العباس بن محمد الطوسي، أنا أبو محمد الناوي، ثنا الحسن بن علي إمام عصره، حدثني محمد بن سعيد قال: خبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الخيري، أخبرنا أبو محمد بن علي السيد المحجوب حدثني بن علي ابن موسى الرضا حدثني إلى موسى بن جعفر، حدثني جعفر بن محمد الصادق، حدثني أبي محمد بن علي السجاد، حدثني أبي علي بن الحسين زين العابدين، حدثني أبي الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة، حدثني أبي علي ابن أبي طالب سيد الأوصياء، حدثني محمد بن عبد الله سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم قال:
" الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول ".
والمرتبة الثانية من الإيمان: أن تؤمن بغيب الغيب، ولهذا الإيمان مرتبتان:
فالمرتبة الأولى: أن يتخلص قلبه بالنور الغيبي الذي هو من الله تعالى عن تعلقات الجسمانيات وحجب آفات النفس وصفاتها، ويهدي إلى عالم الأرواح كما كان أول العهد يوم الميثاق؛ فالغيب الروحاني لا يبقي له غيب؛ لأنه ارتفعت الحجب وصار حضورا وشهودا لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، أي: من كان إيمانه بنور الله يهد قلبه إلى الله؛ فيشاهد القلب ما كان الروح يشاهده في عالم الأرواح، وما كانت الذرة تشاهده يوم الميثاق، ويسمع من خطاب الرب ما كانت تسمع، ويتنور بنور تنورت الذرة به، ويتنسم من نفحات ألطاف الحق ما تنسمت؛ فالإيمان الغيبي يصير عينا؛ فيكتب الله تعالى الإيمان بنور غيب الغيب في قلبه، كما قال تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، فيتنور ذلك القلب لإيمان، ويتأيد ذلك الروح ويشاهد أنوار الفضل الإلهي فيشتاق شوق موسى بقوله لأهله:
امكثوا
[طه: 10]، وهو الروح والجسم
إني آنست نارا
[طه: 10]، فيرتقي عن عالم الأرواح ويقول:
لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلمآ أتاها نودي
[طه: 10-11]، من شاطئ وادي الإيمان، وهو حضائر القدس في البقعة المباركة، وهي القلب من الشجرة، وهي السر
أن يموسى
[القصص: 30]، وهو المحب المشتاق
إني أنا الله رب العالمين
[القصص: 30]، الذي خلقت العالمين وربيت خواص عبادي بألبان المحبة عن ثدي
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]؛ " أنا المحبوب؛ فأين أنت يا محب؟! أنا المطلوب؛ فأين أنت يا طالب؟! ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا أشد شوقا إلى لقاءهم ".
فلما دارت كؤوس الملاطفات، وأقداح المكاشفات بين المحب والمحبوب جعل يتساكر المحب ويتخامر مع المحبوب بلسان الانبساط على بساط القرب يقول:
رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، ليصير الإيمان عيانا والغيب عينا، نودي من سرادقات العزة: ما هذه العزة! ألم تعلم بأنه عالم الغيب وغيب الغيب فلا يظهر على غيبة أحدا، فإنك مع أحديتك لن تطيق شهود أحديتي، وإن أتجلى فإنك
لن تراني
[الأعراف: 143]، وإن لم تؤمن بأن مع تجلي أنانيتي لا يستقر أنانيته شيء
ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني
[الأعراف: 143]، مع استقرار جبل أنانيتك على مكان وجودك
فلما تجلى ربه للجبل جعله
[الأعراف: 143]، للجبل
جعله
[الأعراف: 143]، جبل أنانيته
دكا وخر موسى
[الأعراف: 143]، نفس المحب عن الوجود
صعقا فلمآ أفاق
[الأعراف: 143]، عن سكر شراب وجود الأنانية شاهد تحقيق قوله
لن تراني
[الأعراف: 143]، مع حجاب وجود الأنانية، فتاب عن ذنب الأنانية إليه، وآمن إيمان المرتبة الثانية الذي هو هويته، وقال:
تبت إليك وأنا أول المؤمنين
[الأعراف: 143]، بأن هويتك غيب، لا يعلم الغيب إلا الله، فالإيمان بهذا الغيب يكون بقدر غيبوبة الأنانية بشهود غيب الغيب، وكلما ازداد غيبوبته ازداد إيمانه، والغيبة لا تحصل إلا بجذبات شواهد الغيب، وهي مودعة في إدامة إقامة الصلاة؛ فلهذا قال عقيب الذين يؤمنون بالغيب قوله: { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، والغيب ما لا تدركه الحواس الخمس الظاهرة وتدركه الحواس الخمس الباطنة، وهي: العقل والقلب والروح والسر والخفي يدل عليه قوله تعالى:
علم الغيب والشهدة
[الأنعام: 73]، فالشهادة ما تدركه الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والذوق والشم واللمس، وما تدركه الحواس الباطنة فهو غيب، وهي الأمور الأخروية { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، أي: يديمونها.
قال الشيخ: بداية الصلاة إقامة ثم إدامة؛ فإقامتها المحافظة عليها بمواقيتها، وإتمام ركوعها وسجودها وحدودها وحقوقها ظاهرا وباطنا، وكل شيء واظب على شيء وقام به فهو مقيم، يقال: أقام فلان حج الناس، وأقام القوم سيوفهم إذا استعملوها ولم يعطلوها، وإدامتها بدوام المراقبة وجميع التهمة في التعرض لنفحات ألطاف الربوبية التي هي مودعة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها "
، وصورة التعرض والأمر بها صورة جذبة الحق بأن يجذب صورتك عن الاستعمال بغير العبودية، وسر الصلاة حقيقة التعرض، ففي كل شرط من شروط صورتها، وركن من أركانها، وسنة من سننها، وأدب من آدابها، وهيئة من هيئاتها سر يشير إلى حقيقة تعرض لها فمن شرائطها:
الوضوء: ففي كل أدب وسنة وفرض منها سر يشير إلى طهارة يستعد بها لإقامة الصلاة.
ففي غسل اليدين: إشارة إلى تطهير نفسك عن تلوث المعاصي، وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
وثيابك فطهر
[المدثر: 4]، جاء في التفسير أي: قلبك فطهر.
وغسل الوجه: إشارة إلى نضارة وجه همتك عن دنس حب الدنيا، فإنه رأس كل خطيئة وسنبين تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة، وفيه إشارة إلى الإعراض عما سوى طلب الحق والتوجه إلى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة.
ورفع اليدين: إشارة إلى رفع يد الهمة عن الدنيا والآخرة، والتكبير لتعظيم الحق بأنه أعظم من كل شيء في قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة.
ومقارنة النية مع التكبير: إشارة إلى أن صدق النية في الطلب ينبغي أن يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا يطلب منه إلا هو، فإن طلب منه غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب إلا الله تعالى، فلا تجوز صلاته الحقيقية كما لا تجوز صلاة الصورة إلا بتكبير الله، فإن الدنيا أكبر والعقبى أكبر، فلا تجوز حتى يقول الله أكبر، وكذلك في الحقيقة.
وفي موضع اليمنى على اليسرى، ووضعهما على الصدر: إشارة إلى إقامة رسم العبودية بين يدي مالكه، وحفظ القلب عن محبة ما سواه.
وفي افتتاح القراءة بوجهه إشارة إلى توجيهه للحق خالصا عن شرك طلب غير الحق.
وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها إشارة إلى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات ألطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين، وطلب الهداية، وهي جذبة الإلهية التي توازي جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقومة بين العبد والرب نصفين.
والقيام والركوع والسجود: إشارة إلى رجوعه إلى عالم الأرواح، ولكن الغيب كما جاء منه فأول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم الحيوانية ثم بالإنسانية؛ فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان، والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى:
والنجم والشجر يسجدان
[الرحمن: 6]، وللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران، والحكمة في تعلق الروح العلوي النوراني بالجسد السفلي الظلماني كان هذا الربح؛ لقوله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:
" خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم "
لتربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلو، وإن كان قد ابتلي أولا ببلاء الخسران كما قال تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3]، فبنور الإيمان، وعمل صالح الصلاة يتخلص خسران التكبر والتجبر الإنساني الذي من خاصيته إن تكامل في الإنسان يظهر منه
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، ويفوز بربح علو الهمة الإنسانية التي إذ أكملت في الإنسان لا يلتفت إلى كون في طلب المكون كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى
[النجم: 16-18]، فإذا تخلص من تكبر الإنسان يرجع من القيام الإنساني إلى الركوع الحيواني للانكسار والخضوع؛ فالركوع يتخلص من خسران حالة الصفة الحيوانية، ويفوز بربح ليس الحادث، وتحمل الأذى والختم، ثم يرجع من الركوع الحيواني إلى السجود النباتي فبالسجود ويتخلص من خسران الذلة النباتية، والدناءات السفلية، ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الأبدي والفوز العظيم السرمدي.
كما قال تعالى:
قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون
[المؤمنون: 1-2]، فالخشوع أكمل آلة للروح في العبودية قد حصل في تعلقه بالجسد الترابي ليس لأحد من العالمين هذا الخشوع، وبهذا السر أبين الملائكة وغيرهم أن يحمل الأمانة وأشفقن منها وحملها الإنسان باستعداد الخشوع، وكمل خشوعه بالسجود؛ إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلي وعروجه إلى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الإنسانية الحيوانية والنباتية، وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وإنفاق الموجود في أنانية الوجود الذي هو من شرط المصلين؛ كقوله تعالى: { ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، أي: من أوصاف الوجود ينفقون يبذلون للحق النصف المقسوم بين العبد والرب، فإذا بلغ السيل زباه والتعرض منتهاه أدركته العناية الأزلية بنفحات ألطافه، وهداه إلى درجات قرباته، فكما كانت جذبة الحق سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة خطاب؛ إذن فجذبة الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، ففي التشهد بعد السجود إشارة إلى الخلاص من حجب الأنانية والوصول إلى شهود جمال الحق بجذبات الربانية؛ ثم بالتحيات مراتب رسول العباد في الرجوع إلى حضرة الملوك بمراسم تحفة الحق الثناء، والتحنن إلى اللقاء.
وفي التسليم عن اليمين والشمال إشارة إلى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين إلى النعيم الجنان، وعن الشمال إلى الشهوات واللذات، وهو مقام المناجاة والدرجات والقربات مستغرقا في بحر الكرامات مقيدا بقيد الجذبات؛ كما قال تعالى:
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
[الفرقان: 63]، فأهل الصورة بالسلام يخرجون من إقامة الصلاة، وأهل الحقيقة بالسلام يدخلون في إدامة الصلاة؛ لقوله تعالى:
الذين هم على صلاتهم دآئمون
[المعارج: 23]، فقوم يقيمون الصلاة، ويحافظون عليها، وقوم يديمون الصلاة والصلاة تحفظهم؛ كما قال تعالى:
إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر
[العنكبوت: 45]، فهم { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، يؤمنون بما لهم في الغيب معد لقوله تعالى:
" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".
فعلموا إنما هو المعد لهم لا تدركه الأبصار ولا الآذان ولا القلوب التي رزقهم الله تعالى، وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب إلا وجودهم وأوصاف وجودهم، فاشتاقوا إلى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم، فأنسوا من جانب طور صلواتهم نارا؛ لأن صلواتهم بمثابة الطور للمناجاة والصلاة؛ قيل: اشتقاقها من الصلاة، وهي النار قاله الخراز، وفي قوله تعالى:
فلما جآءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين
[النمل: 8]، فجعلوا ما رزقهم الله تعالى من أوقاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقون عليها، ويقيمون الصلاة حتى تؤدوا حق أنتم، وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردا، ومن لم يكن نارا أتحرق على نار جهنم الصلاة حطب وجوده، ووجود كل من يعبد من دون الله؛ فلا بد له من الحرقة بنار جهنم الآخرة، والفرق بين النارين: أن نار الصلاة: تحرق لب وجودهم الذي به محجوبون عن الله تعالى، وتبقي وجوههم وهو الصلاة، والحجاب من لب الوجود لا من جلده، وهذا شر عظيم لا يطلع عليه إلا أولو الألباب المحرقة، ونار جهنم: تحرق جلود وجود وجوههم، وتبقي لب وجودهم لا جرم ولا رفع الحجب عنهم
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]؛ لأن اللب باق والجلد وإن احترق بنية اللب كما قاله تعالى:
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها
[النساء: 56]، فمن أتقن لب الوجود، وما بينا منه لب الوجود من المال والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة إلى الله تعالى ينفق الله عليه، وجود نار الصلاة كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
" أنفق أنفق عليك "
فبقي بنار الصلاة بلا أنانية الموجود فتكون صلاته دائمة بفوز نار الصلاة يؤمن بما أنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
{ والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4] أي: لما كشف عن المؤمنين حجب أنانية الوجود ونظروا بنور نار الصلاة أبصروا ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي صورة، وما ابتلي حقيقة، وهو (أوحى إلى عبد ما أوحى)؛ فعرفوا حقيقته فآمنوا به وبما أنزل على الأنبياء قبله كما قاله تعالى في حق قوم:
سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، فبنور العناية عرفوا الحقيقة فآمنوا به
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، ومن تخلص عن ذل الحجب يجد عزة الإيقان بالأمور الأخروية، وكان مؤمنا بها من وراء حجاب صار موقنا بها بعد رفع الحجاب؛ كما قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا "؛ لأنه قد كشف عنه الغطاء الوجودي فلا يحجب غطاء المحسوسات الدنيوية عن أمور الأخروية، فبكشف الحجب يتخلصون عن مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإيقان، كما قال تعالى: { وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، ولكن هذا خاص أن يوقنوا بالآخرة دون ما أنزل على الأنبياء من الكتب، فإنهم لا يتخلصون عن مرتبة الإيمان بالله، وكتبه أبدا، وهذا سر عظيم، وما رأيت أحدا فرق بين هاتين المرتبتين؛ وذلك لأنه يمكن للإنسان أن يشاهد الأمور الأخروية كلها إما بطريق الكشف في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في العقبى؛ فيصير موقنا بها بعد ما كان مؤمنا كما قال تعالى:
فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد
[ق: 22].
فأما ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ولا يمكن لأحد أن يشاهده بالكلية؛ لأنه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدات، وإن فازوا بشهادة شهود صفات جماله وجلاله عين اليقين؛ بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا عن مرتبة الإيمان بما شاهدوا بعد،
ولا يحيطون به علما
[طه: 110] إلى الآباء،
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255].
{ أولئك على هدى من ربهم } [البقرة: 5]، ذكر هدى بالنكرة أي: على كشف من كشوف ربهم ونور من أنواره، وسر من أسراره، ولطف من ألطافه، وحقيقة من حقائقه؛ فإن جميع ما أنعم الله به على أنبيائه وأوليائه بالنسبة إلى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وإنعامه وإحسانه؛ فقطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق أبدا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" يمين الله ملأى لا تغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار "
وفيه إشارة لطيفة وهي: بذلك الهدى آمنوا { بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، { وأولئك هم المفلحون } [البقرة: 5]، يعني الذين يخلصون عن حجب الوجود بنور نار الصلاة، وشاهدوا بالآخرة وجذبتهم العناية بالهداية إلى مقامات القربة، وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه، وما حطوا رحالهم إلا بعنايته، فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى، ونالوا الدرجة العليا وحققوا قول الحق
إن إلى ربك الرجعى
[العلق: 8].
البقرة 2:2
{ الم } [البقرة: 1]، قال الشيخ الإمام مصنف الكتاب رحمه الله:
يحمل أن يكون { الم } وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم، وقد وضعها الله مع نبيه صلى الله عليه وسلم في وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام بأسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل عليه السلام ولا غيره، يدل على هذا ما روي في الأخبار:
" أن جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى: { كهيعص } [مريم: 1]، فلما قال: { ك } [مريم: 1]، قال: النبي علمت، فقال: { ه } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ي } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ع } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ص } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال جبريل عليه السلام: كيف علمت ما لم أعلم ".
وفي الحروف المقطعة إشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يسعه الحروف والكلمات؛ لأن الكافر غير متناه، والحروف والكلمات متناهية؛ وذلك لأن الصبيان يعلمون أولا الحروف المقطعة الفارغة من معاني القرآن، ولكنها دالة على كلمات القرآن وبها يهتدى إلى قراءة القرآن، ثم يعلمونهم المركبات من الحروف، ثم يعلمون القرآن كلاما وسورا، فيفقهون منها المعاني كل واحد على قدر علمه، وفهمه ومعرفته وصدق نيته وصفاء طويته، ومواهب الحق في حقه؛ فيظن بعض الظانين منهم إذا انقطعت الكلمات والسور المعدودة أن كلام الله انقطع ومعانيه تناهت، فالله سبحانه وتعالى بكمال حكمته أنزل بعد الكلمات والسور الحروف المقطعة بعضها مركبة بالكتابة مقطعة بالقرآن مثل { الم } و { الر } وغيرها.
وبعضها مفردة مقطعة بالكتابة والقرآن مثل { ص } و { ق } و { ن } ليعلموا أن كلام الله القديم والقرآن العظيم لا تحويه الكلمات المعدودة ولا تحصيه السور المحدودة، فإن الحروف المقطعة تدل على ما تدل عليه الكلمات من المعاني، والكلمات منحصرة معدودة ودلالة الحروف عليها غير منحصرة معدودة؛ لأن هذا يشير إلى أن الحروف المقطعة لو ركب بعضها بعضا إلى الأبد لا ينقضي كلام الله تعالى، ولا يضيق نطاق نطق الحروف عن توسع محيط الكلام الأزلي؛ لأنه فرق ظاهر بين الحروف المقطعة وبين الحروف المحدثة جمعا.
والكلمات القائمة بالحروف المحدثة منحصرة، ومعاني الحروف القائمة بالكلام القديم غير متناهية ولا منحصرة لقوله تعالى:
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا
[الكهف: 109]، وفي الحروف المقطعة إشارة أخرى، وهي: أن المركبة بالكتابة تشير إلى أن إلباس كسوة الحروف المحدثة في الكلام القديم لقصور فهم الإنسان، والمفردة منها تشير إلى أن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبدي غير ذي عدد، وتجدد الآيات والكلمات والسور العربية والعبرية والسريانية إنما جعلت كسوة الكلام الفرداني المنزه ليفهم الخلق لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى
[الشورى: 7].
قال الشيخ الإمام رحمه الله: والإشارة في تحقيق { الم } أن جميع ما ذكرنا في تفسير الفاتحة من طلب الهداية إلى حضرة الربوبية والخلاص من ظلمات الوجود والوصول إلى الوحدانية وإجابة الحق تعالى دعاء العبد في إفنائه عن حجاب أنانيته بشهود كشف هويته، والمودع في الفاتحة مناجاة بين العبد والرب، ولكل مناج موضع خاص للمناجاة كما كان الطور ميثاق مناجاة موسى عليه السلام لقوله تعالى:
ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه
[الأعراف: 143].
وكان المعراج مقام مناجاة نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:
فكان قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، وكان مقام مناجاة المؤمنين الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الصلاة معراج المؤمن "
فكما أن الصلاة بغير فاتحة غير تامة، فكذلك من قرأ الفاتحة في غير الصلوات تكون مناجاته غير تامة وقد سمى الله فاتحة الكتاب صلاة، وقال:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: ولعبدي ما سأل "
إذا قرأها في الصلاة وإذا تحققت هذا فاعلم أن هذه الصلاة التي ذكرت في القرآن ثلث القيام لقوله تعالى:
وقوموا لله قنتين
[البقرة: 238].
والركوع لقوله تعالى:
واركعوا مع الركعين
[البقرة: 43]، والسجود لقوله تعالى:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، فالألف إشارة إلى القيام، واللام إشارة الركوع، والميم إشارة إلى السجود، يعني: من قرأ فاتحة الكتاب التي هي مناجاة العبد مع الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين ليجيبه الله بالهداية التي طلب منه بقوله: { اهدنا } فيكون له أم الكتاب هدى بلا شك، ولهذا قال عقيب: { الم * ذلك الكتاب } [البقرة: 1-2]، للغائب فلو كانت الإشارة بذلك الكتاب إلى القرآن تعالى هذا الكتاب { لا ريب فيه هدى } [البقرة: 2]، أي: أم القرآن إذا قرئت في الصلاة وناجى به العبد ربه، وسأل منه الهداية بقوله { اهدنا } لا شك فيه أنه يهدي لما سأل؛ لأنه قال: ولعبدي ما سأل، منه هاهنا ما كان بالإشارة والتعريض لقوله { هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة } [البقرة: 2-3].
وفي: { ذلك الكتاب } إشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينة { الم } الألف واللام حرفان مقدمان من قوله
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: { بربكم } معناه في عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، أخذت منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى:
ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 60-61]، أي: هاديا إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } [البقرة: 3]، أي: يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: { هدى للمتقين } [البقرة: 2]، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى على ثلاثة أوجه: تقوى العام عن الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى:
فاتقوا الله يأولي الألباب
[المائدة: 100].
والمتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من ميثاقه ووصلوا بها ما أمر الله به أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرة وباطنا وانقطعوا عما نهاهم الله عنه من منهيات الشرع ظاهرا وباطنا، يدل على هذا قوله تعالى:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40]، إلى قوله
وإيي فاتقون
[البقرة: 41]، معناه إذ أنتم أقررتم بربوبيتي بقولكم { بلى } يوم الميثاق فأوفوا بعهدي الذي عاهدتموني عليه وهو العبودية الخالصة أوف بعهدكم الذي عاهدك عليه: الهداية إلي، وحقيقة التقوى الإعراض عن الدنيا والعقبى بالإقبال على المولى يؤمنون بالغيب؛ أي: بنور غيبتي وهو من الله في قلوبهم نظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فشاهد وصدقوا قوله وآمنوا به كما قال صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن ينظر بنور الله "
واعلم أن الغيب غيبان، غيب غاب عنك وغيب غبت عنه، فالذي غاب عنك عالم الأرواح فإنه كان حاضرا حين كنت فيه بالروح وكذرة وجودك في
ألست بربكم
[الأعراف: 172].
واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعاون الأرواح من الأنبياء والأولياء وغيرهم، فغاب عنك إذا تعلقت بالقلب، ونظرت بالحواس الخمس إلى المحسوسات عن عالم الأجسام، وأما الغيب الذي غبت عنه فغيب الغيب، وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود
وهو معكم أين ما كنتم
[الحديد: 4] أنت بعيد عنه وهو قريب منك، كما قال تعالى:
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق: 16].
وكذلك الإيمان مراتب؛ فأول مرتبة: تصديق القلب بحقائق الغيب بلا ريب، كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان "
، وعلى ما أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني قال: أخبرنا أبو الحسن مسعود بن محمود الغانمي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي منصور الخليل، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي، ثنا أحمد عيسى بن أحمد العقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن يزيد عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر - يعني بالبصرة - معبد الجهني، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة، فقلنا: لو لقينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلسألنه عن القدر، فلقيناه عبد الله بن عمر، فالتقيته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر عندنا ناس يعتقدون هذا العلم ويطلبونه ويزعمون أن الأقدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت لهم فأخبرهم أني برئ منهم ومن ربهم براء،
" والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ".
ثم قال: حدثنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
" كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ما برئ عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتيه تمس ركبتيه فقال: " يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت: قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان. قال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: صدقت. قال فأخبرنى عن الإحسان. قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: فأخبرنى عن الساعة. قال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرنى عن أمارتها. قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان ". قال: ثم انطلق؛ فلبثت مليا ثم قال لى: " يا عمر أتدرى من السائل؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه "
، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، واتفقا على إخراجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وعلى ما أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي المقري، أخبرنا العباس بن محمد الطوسي، أنا أبو محمد الناوي، ثنا الحسن بن علي إمام عصره، حدثني محمد بن سعيد قال: خبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الخيري، أخبرنا أبو محمد بن علي السيد المحجوب حدثني بن علي ابن موسى الرضا حدثني إلى موسى بن جعفر، حدثني جعفر بن محمد الصادق، حدثني أبي محمد بن علي السجاد، حدثني أبي علي بن الحسين زين العابدين، حدثني أبي الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة، حدثني أبي علي ابن أبي طالب سيد الأوصياء، حدثني محمد بن عبد الله سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم قال:
" الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول ".
والمرتبة الثانية من الإيمان: أن تؤمن بغيب الغيب، ولهذا الإيمان مرتبتان:
فالمرتبة الأولى: أن يتخلص قلبه بالنور الغيبي الذي هو من الله تعالى عن تعلقات الجسمانيات وحجب آفات النفس وصفاتها، ويهدي إلى عالم الأرواح كما كان أول العهد يوم الميثاق؛ فالغيب الروحاني لا يبقي له غيب؛ لأنه ارتفعت الحجب وصار حضورا وشهودا لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، أي: من كان إيمانه بنور الله يهد قلبه إلى الله؛ فيشاهد القلب ما كان الروح يشاهده في عالم الأرواح، وما كانت الذرة تشاهده يوم الميثاق، ويسمع من خطاب الرب ما كانت تسمع، ويتنور بنور تنورت الذرة به، ويتنسم من نفحات ألطاف الحق ما تنسمت؛ فالإيمان الغيبي يصير عينا؛ فيكتب الله تعالى الإيمان بنور غيب الغيب في قلبه، كما قال تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، فيتنور ذلك القلب لإيمان، ويتأيد ذلك الروح ويشاهد أنوار الفضل الإلهي فيشتاق شوق موسى بقوله لأهله:
امكثوا
[طه: 10]، وهو الروح والجسم
إني آنست نارا
[طه: 10]، فيرتقي عن عالم الأرواح ويقول:
لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلمآ أتاها نودي
[طه: 10-11]، من شاطئ وادي الإيمان، وهو حضائر القدس في البقعة المباركة، وهي القلب من الشجرة، وهي السر
أن يموسى
[القصص: 30]، وهو المحب المشتاق
إني أنا الله رب العالمين
[القصص: 30]، الذي خلقت العالمين وربيت خواص عبادي بألبان المحبة عن ثدي
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]؛ " أنا المحبوب؛ فأين أنت يا محب؟! أنا المطلوب؛ فأين أنت يا طالب؟! ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا أشد شوقا إلى لقاءهم ".
فلما دارت كؤوس الملاطفات، وأقداح المكاشفات بين المحب والمحبوب جعل يتساكر المحب ويتخامر مع المحبوب بلسان الانبساط على بساط القرب يقول:
رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، ليصير الإيمان عيانا والغيب عينا، نودي من سرادقات العزة: ما هذه العزة! ألم تعلم بأنه عالم الغيب وغيب الغيب فلا يظهر على غيبة أحدا، فإنك مع أحديتك لن تطيق شهود أحديتي، وإن أتجلى فإنك
لن تراني
[الأعراف: 143]، وإن لم تؤمن بأن مع تجلي أنانيتي لا يستقر أنانيته شيء
ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني
[الأعراف: 143]، مع استقرار جبل أنانيتك على مكان وجودك
فلما تجلى ربه للجبل جعله
[الأعراف: 143]، للجبل
جعله
[الأعراف: 143]، جبل أنانيته
دكا وخر موسى
[الأعراف: 143]، نفس المحب عن الوجود
صعقا فلمآ أفاق
[الأعراف: 143]، عن سكر شراب وجود الأنانية شاهد تحقيق قوله
لن تراني
[الأعراف: 143]، مع حجاب وجود الأنانية، فتاب عن ذنب الأنانية إليه، وآمن إيمان المرتبة الثانية الذي هو هويته، وقال:
تبت إليك وأنا أول المؤمنين
[الأعراف: 143]، بأن هويتك غيب، لا يعلم الغيب إلا الله، فالإيمان بهذا الغيب يكون بقدر غيبوبة الأنانية بشهود غيب الغيب، وكلما ازداد غيبوبته ازداد إيمانه، والغيبة لا تحصل إلا بجذبات شواهد الغيب، وهي مودعة في إدامة إقامة الصلاة؛ فلهذا قال عقيب الذين يؤمنون بالغيب قوله: { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، والغيب ما لا تدركه الحواس الخمس الظاهرة وتدركه الحواس الخمس الباطنة، وهي: العقل والقلب والروح والسر والخفي يدل عليه قوله تعالى:
علم الغيب والشهدة
[الأنعام: 73]، فالشهادة ما تدركه الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والذوق والشم واللمس، وما تدركه الحواس الباطنة فهو غيب، وهي الأمور الأخروية { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، أي: يديمونها.
قال الشيخ: بداية الصلاة إقامة ثم إدامة؛ فإقامتها المحافظة عليها بمواقيتها، وإتمام ركوعها وسجودها وحدودها وحقوقها ظاهرا وباطنا، وكل شيء واظب على شيء وقام به فهو مقيم، يقال: أقام فلان حج الناس، وأقام القوم سيوفهم إذا استعملوها ولم يعطلوها، وإدامتها بدوام المراقبة وجميع التهمة في التعرض لنفحات ألطاف الربوبية التي هي مودعة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها "
، وصورة التعرض والأمر بها صورة جذبة الحق بأن يجذب صورتك عن الاستعمال بغير العبودية، وسر الصلاة حقيقة التعرض، ففي كل شرط من شروط صورتها، وركن من أركانها، وسنة من سننها، وأدب من آدابها، وهيئة من هيئاتها سر يشير إلى حقيقة تعرض لها فمن شرائطها:
الوضوء: ففي كل أدب وسنة وفرض منها سر يشير إلى طهارة يستعد بها لإقامة الصلاة.
ففي غسل اليدين: إشارة إلى تطهير نفسك عن تلوث المعاصي، وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
وثيابك فطهر
[المدثر: 4]، جاء في التفسير أي: قلبك فطهر.
وغسل الوجه: إشارة إلى نضارة وجه همتك عن دنس حب الدنيا، فإنه رأس كل خطيئة وسنبين تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة، وفيه إشارة إلى الإعراض عما سوى طلب الحق والتوجه إلى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة.
ورفع اليدين: إشارة إلى رفع يد الهمة عن الدنيا والآخرة، والتكبير لتعظيم الحق بأنه أعظم من كل شيء في قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة.
ومقارنة النية مع التكبير: إشارة إلى أن صدق النية في الطلب ينبغي أن يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا يطلب منه إلا هو، فإن طلب منه غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب إلا الله تعالى، فلا تجوز صلاته الحقيقية كما لا تجوز صلاة الصورة إلا بتكبير الله، فإن الدنيا أكبر والعقبى أكبر، فلا تجوز حتى يقول الله أكبر، وكذلك في الحقيقة.
وفي موضع اليمنى على اليسرى، ووضعهما على الصدر: إشارة إلى إقامة رسم العبودية بين يدي مالكه، وحفظ القلب عن محبة ما سواه.
وفي افتتاح القراءة بوجهه إشارة إلى توجيهه للحق خالصا عن شرك طلب غير الحق.
وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها إشارة إلى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات ألطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين، وطلب الهداية، وهي جذبة الإلهية التي توازي جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقومة بين العبد والرب نصفين.
والقيام والركوع والسجود: إشارة إلى رجوعه إلى عالم الأرواح، ولكن الغيب كما جاء منه فأول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم الحيوانية ثم بالإنسانية؛ فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان، والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى:
والنجم والشجر يسجدان
[الرحمن: 6]، وللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران، والحكمة في تعلق الروح العلوي النوراني بالجسد السفلي الظلماني كان هذا الربح؛ لقوله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:
" خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم "
لتربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلو، وإن كان قد ابتلي أولا ببلاء الخسران كما قال تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3]، فبنور الإيمان، وعمل صالح الصلاة يتخلص خسران التكبر والتجبر الإنساني الذي من خاصيته إن تكامل في الإنسان يظهر منه
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، ويفوز بربح علو الهمة الإنسانية التي إذ أكملت في الإنسان لا يلتفت إلى كون في طلب المكون كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى
[النجم: 16-18]، فإذا تخلص من تكبر الإنسان يرجع من القيام الإنساني إلى الركوع الحيواني للانكسار والخضوع؛ فالركوع يتخلص من خسران حالة الصفة الحيوانية، ويفوز بربح ليس الحادث، وتحمل الأذى والختم، ثم يرجع من الركوع الحيواني إلى السجود النباتي فبالسجود ويتخلص من خسران الذلة النباتية، والدناءات السفلية، ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الأبدي والفوز العظيم السرمدي.
كما قال تعالى:
قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون
[المؤمنون: 1-2]، فالخشوع أكمل آلة للروح في العبودية قد حصل في تعلقه بالجسد الترابي ليس لأحد من العالمين هذا الخشوع، وبهذا السر أبين الملائكة وغيرهم أن يحمل الأمانة وأشفقن منها وحملها الإنسان باستعداد الخشوع، وكمل خشوعه بالسجود؛ إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلي وعروجه إلى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الإنسانية الحيوانية والنباتية، وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وإنفاق الموجود في أنانية الوجود الذي هو من شرط المصلين؛ كقوله تعالى: { ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، أي: من أوصاف الوجود ينفقون يبذلون للحق النصف المقسوم بين العبد والرب، فإذا بلغ السيل زباه والتعرض منتهاه أدركته العناية الأزلية بنفحات ألطافه، وهداه إلى درجات قرباته، فكما كانت جذبة الحق سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة خطاب؛ إذن فجذبة الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، ففي التشهد بعد السجود إشارة إلى الخلاص من حجب الأنانية والوصول إلى شهود جمال الحق بجذبات الربانية؛ ثم بالتحيات مراتب رسول العباد في الرجوع إلى حضرة الملوك بمراسم تحفة الحق الثناء، والتحنن إلى اللقاء.
وفي التسليم عن اليمين والشمال إشارة إلى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين إلى النعيم الجنان، وعن الشمال إلى الشهوات واللذات، وهو مقام المناجاة والدرجات والقربات مستغرقا في بحر الكرامات مقيدا بقيد الجذبات؛ كما قال تعالى:
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
[الفرقان: 63]، فأهل الصورة بالسلام يخرجون من إقامة الصلاة، وأهل الحقيقة بالسلام يدخلون في إدامة الصلاة؛ لقوله تعالى:
الذين هم على صلاتهم دآئمون
[المعارج: 23]، فقوم يقيمون الصلاة، ويحافظون عليها، وقوم يديمون الصلاة والصلاة تحفظهم؛ كما قال تعالى:
إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر
[العنكبوت: 45]، فهم { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، يؤمنون بما لهم في الغيب معد لقوله تعالى:
" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".
فعلموا إنما هو المعد لهم لا تدركه الأبصار ولا الآذان ولا القلوب التي رزقهم الله تعالى، وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب إلا وجودهم وأوصاف وجودهم، فاشتاقوا إلى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم، فأنسوا من جانب طور صلواتهم نارا؛ لأن صلواتهم بمثابة الطور للمناجاة والصلاة؛ قيل: اشتقاقها من الصلاة، وهي النار قاله الخراز، وفي قوله تعالى:
فلما جآءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين
[النمل: 8]، فجعلوا ما رزقهم الله تعالى من أوقاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقون عليها، ويقيمون الصلاة حتى تؤدوا حق أنتم، وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردا، ومن لم يكن نارا أتحرق على نار جهنم الصلاة حطب وجوده، ووجود كل من يعبد من دون الله؛ فلا بد له من الحرقة بنار جهنم الآخرة، والفرق بين النارين: أن نار الصلاة: تحرق لب وجودهم الذي به محجوبون عن الله تعالى، وتبقي وجوههم وهو الصلاة، والحجاب من لب الوجود لا من جلده، وهذا شر عظيم لا يطلع عليه إلا أولو الألباب المحرقة، ونار جهنم: تحرق جلود وجود وجوههم، وتبقي لب وجودهم لا جرم ولا رفع الحجب عنهم
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]؛ لأن اللب باق والجلد وإن احترق بنية اللب كما قاله تعالى:
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها
[النساء: 56]، فمن أتقن لب الوجود، وما بينا منه لب الوجود من المال والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة إلى الله تعالى ينفق الله عليه، وجود نار الصلاة كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
" أنفق أنفق عليك "
فبقي بنار الصلاة بلا أنانية الموجود فتكون صلاته دائمة بفوز نار الصلاة يؤمن بما أنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
{ والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4] أي: لما كشف عن المؤمنين حجب أنانية الوجود ونظروا بنور نار الصلاة أبصروا ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي صورة، وما ابتلي حقيقة، وهو (أوحى إلى عبد ما أوحى)؛ فعرفوا حقيقته فآمنوا به وبما أنزل على الأنبياء قبله كما قاله تعالى في حق قوم:
سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، فبنور العناية عرفوا الحقيقة فآمنوا به
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، ومن تخلص عن ذل الحجب يجد عزة الإيقان بالأمور الأخروية، وكان مؤمنا بها من وراء حجاب صار موقنا بها بعد رفع الحجاب؛ كما قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا "؛ لأنه قد كشف عنه الغطاء الوجودي فلا يحجب غطاء المحسوسات الدنيوية عن أمور الأخروية، فبكشف الحجب يتخلصون عن مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإيقان، كما قال تعالى: { وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، ولكن هذا خاص أن يوقنوا بالآخرة دون ما أنزل على الأنبياء من الكتب، فإنهم لا يتخلصون عن مرتبة الإيمان بالله، وكتبه أبدا، وهذا سر عظيم، وما رأيت أحدا فرق بين هاتين المرتبتين؛ وذلك لأنه يمكن للإنسان أن يشاهد الأمور الأخروية كلها إما بطريق الكشف في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في العقبى؛ فيصير موقنا بها بعد ما كان مؤمنا كما قال تعالى:
فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد
[ق: 22].
فأما ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ولا يمكن لأحد أن يشاهده بالكلية؛ لأنه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدات، وإن فازوا بشهادة شهود صفات جماله وجلاله عين اليقين؛ بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا عن مرتبة الإيمان بما شاهدوا بعد،
ولا يحيطون به علما
[طه: 110] إلى الآباء،
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255].
{ أولئك على هدى من ربهم } [البقرة: 5]، ذكر هدى بالنكرة أي: على كشف من كشوف ربهم ونور من أنواره، وسر من أسراره، ولطف من ألطافه، وحقيقة من حقائقه؛ فإن جميع ما أنعم الله به على أنبيائه وأوليائه بالنسبة إلى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وإنعامه وإحسانه؛ فقطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق أبدا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" يمين الله ملأى لا تغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار "
وفيه إشارة لطيفة وهي: بذلك الهدى آمنوا { بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، { وأولئك هم المفلحون } [البقرة: 5]، يعني الذين يخلصون عن حجب الوجود بنور نار الصلاة، وشاهدوا بالآخرة وجذبتهم العناية بالهداية إلى مقامات القربة، وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه، وما حطوا رحالهم إلا بعنايته، فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى، ونالوا الدرجة العليا وحققوا قول الحق
إن إلى ربك الرجعى
[العلق: 8].
البقرة 2:3
{ الم } [البقرة: 1]، قال الشيخ الإمام مصنف الكتاب رحمه الله:
يحمل أن يكون { الم } وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم، وقد وضعها الله مع نبيه صلى الله عليه وسلم في وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام بأسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل عليه السلام ولا غيره، يدل على هذا ما روي في الأخبار:
" أن جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى: { كهيعص } [مريم: 1]، فلما قال: { ك } [مريم: 1]، قال: النبي علمت، فقال: { ه } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ي } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ع } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ص } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال جبريل عليه السلام: كيف علمت ما لم أعلم ".
وفي الحروف المقطعة إشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يسعه الحروف والكلمات؛ لأن الكافر غير متناه، والحروف والكلمات متناهية؛ وذلك لأن الصبيان يعلمون أولا الحروف المقطعة الفارغة من معاني القرآن، ولكنها دالة على كلمات القرآن وبها يهتدى إلى قراءة القرآن، ثم يعلمونهم المركبات من الحروف، ثم يعلمون القرآن كلاما وسورا، فيفقهون منها المعاني كل واحد على قدر علمه، وفهمه ومعرفته وصدق نيته وصفاء طويته، ومواهب الحق في حقه؛ فيظن بعض الظانين منهم إذا انقطعت الكلمات والسور المعدودة أن كلام الله انقطع ومعانيه تناهت، فالله سبحانه وتعالى بكمال حكمته أنزل بعد الكلمات والسور الحروف المقطعة بعضها مركبة بالكتابة مقطعة بالقرآن مثل { الم } و { الر } وغيرها.
وبعضها مفردة مقطعة بالكتابة والقرآن مثل { ص } و { ق } و { ن } ليعلموا أن كلام الله القديم والقرآن العظيم لا تحويه الكلمات المعدودة ولا تحصيه السور المحدودة، فإن الحروف المقطعة تدل على ما تدل عليه الكلمات من المعاني، والكلمات منحصرة معدودة ودلالة الحروف عليها غير منحصرة معدودة؛ لأن هذا يشير إلى أن الحروف المقطعة لو ركب بعضها بعضا إلى الأبد لا ينقضي كلام الله تعالى، ولا يضيق نطاق نطق الحروف عن توسع محيط الكلام الأزلي؛ لأنه فرق ظاهر بين الحروف المقطعة وبين الحروف المحدثة جمعا.
والكلمات القائمة بالحروف المحدثة منحصرة، ومعاني الحروف القائمة بالكلام القديم غير متناهية ولا منحصرة لقوله تعالى:
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا
[الكهف: 109]، وفي الحروف المقطعة إشارة أخرى، وهي: أن المركبة بالكتابة تشير إلى أن إلباس كسوة الحروف المحدثة في الكلام القديم لقصور فهم الإنسان، والمفردة منها تشير إلى أن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبدي غير ذي عدد، وتجدد الآيات والكلمات والسور العربية والعبرية والسريانية إنما جعلت كسوة الكلام الفرداني المنزه ليفهم الخلق لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى
[الشورى: 7].
قال الشيخ الإمام رحمه الله: والإشارة في تحقيق { الم } أن جميع ما ذكرنا في تفسير الفاتحة من طلب الهداية إلى حضرة الربوبية والخلاص من ظلمات الوجود والوصول إلى الوحدانية وإجابة الحق تعالى دعاء العبد في إفنائه عن حجاب أنانيته بشهود كشف هويته، والمودع في الفاتحة مناجاة بين العبد والرب، ولكل مناج موضع خاص للمناجاة كما كان الطور ميثاق مناجاة موسى عليه السلام لقوله تعالى:
ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه
[الأعراف: 143].
وكان المعراج مقام مناجاة نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:
فكان قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، وكان مقام مناجاة المؤمنين الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الصلاة معراج المؤمن "
فكما أن الصلاة بغير فاتحة غير تامة، فكذلك من قرأ الفاتحة في غير الصلوات تكون مناجاته غير تامة وقد سمى الله فاتحة الكتاب صلاة، وقال:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: ولعبدي ما سأل "
إذا قرأها في الصلاة وإذا تحققت هذا فاعلم أن هذه الصلاة التي ذكرت في القرآن ثلث القيام لقوله تعالى:
وقوموا لله قنتين
[البقرة: 238].
والركوع لقوله تعالى:
واركعوا مع الركعين
[البقرة: 43]، والسجود لقوله تعالى:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، فالألف إشارة إلى القيام، واللام إشارة الركوع، والميم إشارة إلى السجود، يعني: من قرأ فاتحة الكتاب التي هي مناجاة العبد مع الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين ليجيبه الله بالهداية التي طلب منه بقوله: { اهدنا } فيكون له أم الكتاب هدى بلا شك، ولهذا قال عقيب: { الم * ذلك الكتاب } [البقرة: 1-2]، للغائب فلو كانت الإشارة بذلك الكتاب إلى القرآن تعالى هذا الكتاب { لا ريب فيه هدى } [البقرة: 2]، أي: أم القرآن إذا قرئت في الصلاة وناجى به العبد ربه، وسأل منه الهداية بقوله { اهدنا } لا شك فيه أنه يهدي لما سأل؛ لأنه قال: ولعبدي ما سأل، منه هاهنا ما كان بالإشارة والتعريض لقوله { هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة } [البقرة: 2-3].
وفي: { ذلك الكتاب } إشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينة { الم } الألف واللام حرفان مقدمان من قوله
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: { بربكم } معناه في عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، أخذت منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى:
ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 60-61]، أي: هاديا إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } [البقرة: 3]، أي: يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: { هدى للمتقين } [البقرة: 2]، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى على ثلاثة أوجه: تقوى العام عن الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى:
فاتقوا الله يأولي الألباب
[المائدة: 100].
والمتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من ميثاقه ووصلوا بها ما أمر الله به أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرة وباطنا وانقطعوا عما نهاهم الله عنه من منهيات الشرع ظاهرا وباطنا، يدل على هذا قوله تعالى:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40]، إلى قوله
وإيي فاتقون
[البقرة: 41]، معناه إذ أنتم أقررتم بربوبيتي بقولكم { بلى } يوم الميثاق فأوفوا بعهدي الذي عاهدتموني عليه وهو العبودية الخالصة أوف بعهدكم الذي عاهدك عليه: الهداية إلي، وحقيقة التقوى الإعراض عن الدنيا والعقبى بالإقبال على المولى يؤمنون بالغيب؛ أي: بنور غيبتي وهو من الله في قلوبهم نظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فشاهد وصدقوا قوله وآمنوا به كما قال صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن ينظر بنور الله "
واعلم أن الغيب غيبان، غيب غاب عنك وغيب غبت عنه، فالذي غاب عنك عالم الأرواح فإنه كان حاضرا حين كنت فيه بالروح وكذرة وجودك في
ألست بربكم
[الأعراف: 172].
واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعاون الأرواح من الأنبياء والأولياء وغيرهم، فغاب عنك إذا تعلقت بالقلب، ونظرت بالحواس الخمس إلى المحسوسات عن عالم الأجسام، وأما الغيب الذي غبت عنه فغيب الغيب، وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود
وهو معكم أين ما كنتم
[الحديد: 4] أنت بعيد عنه وهو قريب منك، كما قال تعالى:
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق: 16].
وكذلك الإيمان مراتب؛ فأول مرتبة: تصديق القلب بحقائق الغيب بلا ريب، كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان "
، وعلى ما أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني قال: أخبرنا أبو الحسن مسعود بن محمود الغانمي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي منصور الخليل، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي، ثنا أحمد عيسى بن أحمد العقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن يزيد عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر - يعني بالبصرة - معبد الجهني، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة، فقلنا: لو لقينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلسألنه عن القدر، فلقيناه عبد الله بن عمر، فالتقيته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر عندنا ناس يعتقدون هذا العلم ويطلبونه ويزعمون أن الأقدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت لهم فأخبرهم أني برئ منهم ومن ربهم براء،
" والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ".
ثم قال: حدثنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
" كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ما برئ عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتيه تمس ركبتيه فقال: " يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت: قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان. قال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: صدقت. قال فأخبرنى عن الإحسان. قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: فأخبرنى عن الساعة. قال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرنى عن أمارتها. قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان ". قال: ثم انطلق؛ فلبثت مليا ثم قال لى: " يا عمر أتدرى من السائل؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه "
، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، واتفقا على إخراجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وعلى ما أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي المقري، أخبرنا العباس بن محمد الطوسي، أنا أبو محمد الناوي، ثنا الحسن بن علي إمام عصره، حدثني محمد بن سعيد قال: خبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الخيري، أخبرنا أبو محمد بن علي السيد المحجوب حدثني بن علي ابن موسى الرضا حدثني إلى موسى بن جعفر، حدثني جعفر بن محمد الصادق، حدثني أبي محمد بن علي السجاد، حدثني أبي علي بن الحسين زين العابدين، حدثني أبي الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة، حدثني أبي علي ابن أبي طالب سيد الأوصياء، حدثني محمد بن عبد الله سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم قال:
" الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول ".
والمرتبة الثانية من الإيمان: أن تؤمن بغيب الغيب، ولهذا الإيمان مرتبتان:
فالمرتبة الأولى: أن يتخلص قلبه بالنور الغيبي الذي هو من الله تعالى عن تعلقات الجسمانيات وحجب آفات النفس وصفاتها، ويهدي إلى عالم الأرواح كما كان أول العهد يوم الميثاق؛ فالغيب الروحاني لا يبقي له غيب؛ لأنه ارتفعت الحجب وصار حضورا وشهودا لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، أي: من كان إيمانه بنور الله يهد قلبه إلى الله؛ فيشاهد القلب ما كان الروح يشاهده في عالم الأرواح، وما كانت الذرة تشاهده يوم الميثاق، ويسمع من خطاب الرب ما كانت تسمع، ويتنور بنور تنورت الذرة به، ويتنسم من نفحات ألطاف الحق ما تنسمت؛ فالإيمان الغيبي يصير عينا؛ فيكتب الله تعالى الإيمان بنور غيب الغيب في قلبه، كما قال تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، فيتنور ذلك القلب لإيمان، ويتأيد ذلك الروح ويشاهد أنوار الفضل الإلهي فيشتاق شوق موسى بقوله لأهله:
امكثوا
[طه: 10]، وهو الروح والجسم
إني آنست نارا
[طه: 10]، فيرتقي عن عالم الأرواح ويقول:
لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلمآ أتاها نودي
[طه: 10-11]، من شاطئ وادي الإيمان، وهو حضائر القدس في البقعة المباركة، وهي القلب من الشجرة، وهي السر
أن يموسى
[القصص: 30]، وهو المحب المشتاق
إني أنا الله رب العالمين
[القصص: 30]، الذي خلقت العالمين وربيت خواص عبادي بألبان المحبة عن ثدي
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]؛ " أنا المحبوب؛ فأين أنت يا محب؟! أنا المطلوب؛ فأين أنت يا طالب؟! ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا أشد شوقا إلى لقاءهم ".
فلما دارت كؤوس الملاطفات، وأقداح المكاشفات بين المحب والمحبوب جعل يتساكر المحب ويتخامر مع المحبوب بلسان الانبساط على بساط القرب يقول:
رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، ليصير الإيمان عيانا والغيب عينا، نودي من سرادقات العزة: ما هذه العزة! ألم تعلم بأنه عالم الغيب وغيب الغيب فلا يظهر على غيبة أحدا، فإنك مع أحديتك لن تطيق شهود أحديتي، وإن أتجلى فإنك
لن تراني
[الأعراف: 143]، وإن لم تؤمن بأن مع تجلي أنانيتي لا يستقر أنانيته شيء
ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني
[الأعراف: 143]، مع استقرار جبل أنانيتك على مكان وجودك
فلما تجلى ربه للجبل جعله
[الأعراف: 143]، للجبل
جعله
[الأعراف: 143]، جبل أنانيته
دكا وخر موسى
[الأعراف: 143]، نفس المحب عن الوجود
صعقا فلمآ أفاق
[الأعراف: 143]، عن سكر شراب وجود الأنانية شاهد تحقيق قوله
لن تراني
[الأعراف: 143]، مع حجاب وجود الأنانية، فتاب عن ذنب الأنانية إليه، وآمن إيمان المرتبة الثانية الذي هو هويته، وقال:
تبت إليك وأنا أول المؤمنين
[الأعراف: 143]، بأن هويتك غيب، لا يعلم الغيب إلا الله، فالإيمان بهذا الغيب يكون بقدر غيبوبة الأنانية بشهود غيب الغيب، وكلما ازداد غيبوبته ازداد إيمانه، والغيبة لا تحصل إلا بجذبات شواهد الغيب، وهي مودعة في إدامة إقامة الصلاة؛ فلهذا قال عقيب الذين يؤمنون بالغيب قوله: { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، والغيب ما لا تدركه الحواس الخمس الظاهرة وتدركه الحواس الخمس الباطنة، وهي: العقل والقلب والروح والسر والخفي يدل عليه قوله تعالى:
علم الغيب والشهدة
[الأنعام: 73]، فالشهادة ما تدركه الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والذوق والشم واللمس، وما تدركه الحواس الباطنة فهو غيب، وهي الأمور الأخروية { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، أي: يديمونها.
قال الشيخ: بداية الصلاة إقامة ثم إدامة؛ فإقامتها المحافظة عليها بمواقيتها، وإتمام ركوعها وسجودها وحدودها وحقوقها ظاهرا وباطنا، وكل شيء واظب على شيء وقام به فهو مقيم، يقال: أقام فلان حج الناس، وأقام القوم سيوفهم إذا استعملوها ولم يعطلوها، وإدامتها بدوام المراقبة وجميع التهمة في التعرض لنفحات ألطاف الربوبية التي هي مودعة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها "
، وصورة التعرض والأمر بها صورة جذبة الحق بأن يجذب صورتك عن الاستعمال بغير العبودية، وسر الصلاة حقيقة التعرض، ففي كل شرط من شروط صورتها، وركن من أركانها، وسنة من سننها، وأدب من آدابها، وهيئة من هيئاتها سر يشير إلى حقيقة تعرض لها فمن شرائطها:
الوضوء: ففي كل أدب وسنة وفرض منها سر يشير إلى طهارة يستعد بها لإقامة الصلاة.
ففي غسل اليدين: إشارة إلى تطهير نفسك عن تلوث المعاصي، وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
وثيابك فطهر
[المدثر: 4]، جاء في التفسير أي: قلبك فطهر.
وغسل الوجه: إشارة إلى نضارة وجه همتك عن دنس حب الدنيا، فإنه رأس كل خطيئة وسنبين تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة، وفيه إشارة إلى الإعراض عما سوى طلب الحق والتوجه إلى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة.
ورفع اليدين: إشارة إلى رفع يد الهمة عن الدنيا والآخرة، والتكبير لتعظيم الحق بأنه أعظم من كل شيء في قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة.
ومقارنة النية مع التكبير: إشارة إلى أن صدق النية في الطلب ينبغي أن يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا يطلب منه إلا هو، فإن طلب منه غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب إلا الله تعالى، فلا تجوز صلاته الحقيقية كما لا تجوز صلاة الصورة إلا بتكبير الله، فإن الدنيا أكبر والعقبى أكبر، فلا تجوز حتى يقول الله أكبر، وكذلك في الحقيقة.
وفي موضع اليمنى على اليسرى، ووضعهما على الصدر: إشارة إلى إقامة رسم العبودية بين يدي مالكه، وحفظ القلب عن محبة ما سواه.
وفي افتتاح القراءة بوجهه إشارة إلى توجيهه للحق خالصا عن شرك طلب غير الحق.
وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها إشارة إلى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات ألطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين، وطلب الهداية، وهي جذبة الإلهية التي توازي جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقومة بين العبد والرب نصفين.
والقيام والركوع والسجود: إشارة إلى رجوعه إلى عالم الأرواح، ولكن الغيب كما جاء منه فأول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم الحيوانية ثم بالإنسانية؛ فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان، والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى:
والنجم والشجر يسجدان
[الرحمن: 6]، وللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران، والحكمة في تعلق الروح العلوي النوراني بالجسد السفلي الظلماني كان هذا الربح؛ لقوله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:
" خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم "
لتربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلو، وإن كان قد ابتلي أولا ببلاء الخسران كما قال تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3]، فبنور الإيمان، وعمل صالح الصلاة يتخلص خسران التكبر والتجبر الإنساني الذي من خاصيته إن تكامل في الإنسان يظهر منه
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، ويفوز بربح علو الهمة الإنسانية التي إذ أكملت في الإنسان لا يلتفت إلى كون في طلب المكون كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى
[النجم: 16-18]، فإذا تخلص من تكبر الإنسان يرجع من القيام الإنساني إلى الركوع الحيواني للانكسار والخضوع؛ فالركوع يتخلص من خسران حالة الصفة الحيوانية، ويفوز بربح ليس الحادث، وتحمل الأذى والختم، ثم يرجع من الركوع الحيواني إلى السجود النباتي فبالسجود ويتخلص من خسران الذلة النباتية، والدناءات السفلية، ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الأبدي والفوز العظيم السرمدي.
كما قال تعالى:
قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون
[المؤمنون: 1-2]، فالخشوع أكمل آلة للروح في العبودية قد حصل في تعلقه بالجسد الترابي ليس لأحد من العالمين هذا الخشوع، وبهذا السر أبين الملائكة وغيرهم أن يحمل الأمانة وأشفقن منها وحملها الإنسان باستعداد الخشوع، وكمل خشوعه بالسجود؛ إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلي وعروجه إلى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الإنسانية الحيوانية والنباتية، وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وإنفاق الموجود في أنانية الوجود الذي هو من شرط المصلين؛ كقوله تعالى: { ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، أي: من أوصاف الوجود ينفقون يبذلون للحق النصف المقسوم بين العبد والرب، فإذا بلغ السيل زباه والتعرض منتهاه أدركته العناية الأزلية بنفحات ألطافه، وهداه إلى درجات قرباته، فكما كانت جذبة الحق سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة خطاب؛ إذن فجذبة الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، ففي التشهد بعد السجود إشارة إلى الخلاص من حجب الأنانية والوصول إلى شهود جمال الحق بجذبات الربانية؛ ثم بالتحيات مراتب رسول العباد في الرجوع إلى حضرة الملوك بمراسم تحفة الحق الثناء، والتحنن إلى اللقاء.
وفي التسليم عن اليمين والشمال إشارة إلى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين إلى النعيم الجنان، وعن الشمال إلى الشهوات واللذات، وهو مقام المناجاة والدرجات والقربات مستغرقا في بحر الكرامات مقيدا بقيد الجذبات؛ كما قال تعالى:
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
[الفرقان: 63]، فأهل الصورة بالسلام يخرجون من إقامة الصلاة، وأهل الحقيقة بالسلام يدخلون في إدامة الصلاة؛ لقوله تعالى:
الذين هم على صلاتهم دآئمون
[المعارج: 23]، فقوم يقيمون الصلاة، ويحافظون عليها، وقوم يديمون الصلاة والصلاة تحفظهم؛ كما قال تعالى:
إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر
[العنكبوت: 45]، فهم { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، يؤمنون بما لهم في الغيب معد لقوله تعالى:
" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".
فعلموا إنما هو المعد لهم لا تدركه الأبصار ولا الآذان ولا القلوب التي رزقهم الله تعالى، وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب إلا وجودهم وأوصاف وجودهم، فاشتاقوا إلى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم، فأنسوا من جانب طور صلواتهم نارا؛ لأن صلواتهم بمثابة الطور للمناجاة والصلاة؛ قيل: اشتقاقها من الصلاة، وهي النار قاله الخراز، وفي قوله تعالى:
فلما جآءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين
[النمل: 8]، فجعلوا ما رزقهم الله تعالى من أوقاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقون عليها، ويقيمون الصلاة حتى تؤدوا حق أنتم، وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردا، ومن لم يكن نارا أتحرق على نار جهنم الصلاة حطب وجوده، ووجود كل من يعبد من دون الله؛ فلا بد له من الحرقة بنار جهنم الآخرة، والفرق بين النارين: أن نار الصلاة: تحرق لب وجودهم الذي به محجوبون عن الله تعالى، وتبقي وجوههم وهو الصلاة، والحجاب من لب الوجود لا من جلده، وهذا شر عظيم لا يطلع عليه إلا أولو الألباب المحرقة، ونار جهنم: تحرق جلود وجود وجوههم، وتبقي لب وجودهم لا جرم ولا رفع الحجب عنهم
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]؛ لأن اللب باق والجلد وإن احترق بنية اللب كما قاله تعالى:
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها
[النساء: 56]، فمن أتقن لب الوجود، وما بينا منه لب الوجود من المال والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة إلى الله تعالى ينفق الله عليه، وجود نار الصلاة كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
" أنفق أنفق عليك "
فبقي بنار الصلاة بلا أنانية الموجود فتكون صلاته دائمة بفوز نار الصلاة يؤمن بما أنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
{ والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4] أي: لما كشف عن المؤمنين حجب أنانية الوجود ونظروا بنور نار الصلاة أبصروا ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي صورة، وما ابتلي حقيقة، وهو (أوحى إلى عبد ما أوحى)؛ فعرفوا حقيقته فآمنوا به وبما أنزل على الأنبياء قبله كما قاله تعالى في حق قوم:
سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، فبنور العناية عرفوا الحقيقة فآمنوا به
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، ومن تخلص عن ذل الحجب يجد عزة الإيقان بالأمور الأخروية، وكان مؤمنا بها من وراء حجاب صار موقنا بها بعد رفع الحجاب؛ كما قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا "؛ لأنه قد كشف عنه الغطاء الوجودي فلا يحجب غطاء المحسوسات الدنيوية عن أمور الأخروية، فبكشف الحجب يتخلصون عن مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإيقان، كما قال تعالى: { وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، ولكن هذا خاص أن يوقنوا بالآخرة دون ما أنزل على الأنبياء من الكتب، فإنهم لا يتخلصون عن مرتبة الإيمان بالله، وكتبه أبدا، وهذا سر عظيم، وما رأيت أحدا فرق بين هاتين المرتبتين؛ وذلك لأنه يمكن للإنسان أن يشاهد الأمور الأخروية كلها إما بطريق الكشف في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في العقبى؛ فيصير موقنا بها بعد ما كان مؤمنا كما قال تعالى:
فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد
[ق: 22].
فأما ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ولا يمكن لأحد أن يشاهده بالكلية؛ لأنه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدات، وإن فازوا بشهادة شهود صفات جماله وجلاله عين اليقين؛ بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا عن مرتبة الإيمان بما شاهدوا بعد،
ولا يحيطون به علما
[طه: 110] إلى الآباء،
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255].
{ أولئك على هدى من ربهم } [البقرة: 5]، ذكر هدى بالنكرة أي: على كشف من كشوف ربهم ونور من أنواره، وسر من أسراره، ولطف من ألطافه، وحقيقة من حقائقه؛ فإن جميع ما أنعم الله به على أنبيائه وأوليائه بالنسبة إلى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وإنعامه وإحسانه؛ فقطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق أبدا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" يمين الله ملأى لا تغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار "
وفيه إشارة لطيفة وهي: بذلك الهدى آمنوا { بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، { وأولئك هم المفلحون } [البقرة: 5]، يعني الذين يخلصون عن حجب الوجود بنور نار الصلاة، وشاهدوا بالآخرة وجذبتهم العناية بالهداية إلى مقامات القربة، وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه، وما حطوا رحالهم إلا بعنايته، فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى، ونالوا الدرجة العليا وحققوا قول الحق
إن إلى ربك الرجعى
[العلق: 8].
البقرة 2:4
{ الم } [البقرة: 1]، قال الشيخ الإمام مصنف الكتاب رحمه الله:
يحمل أن يكون { الم } وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم، وقد وضعها الله مع نبيه صلى الله عليه وسلم في وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام بأسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل عليه السلام ولا غيره، يدل على هذا ما روي في الأخبار:
" أن جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى: { كهيعص } [مريم: 1]، فلما قال: { ك } [مريم: 1]، قال: النبي علمت، فقال: { ه } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ي } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ع } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ص } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال جبريل عليه السلام: كيف علمت ما لم أعلم ".
وفي الحروف المقطعة إشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يسعه الحروف والكلمات؛ لأن الكافر غير متناه، والحروف والكلمات متناهية؛ وذلك لأن الصبيان يعلمون أولا الحروف المقطعة الفارغة من معاني القرآن، ولكنها دالة على كلمات القرآن وبها يهتدى إلى قراءة القرآن، ثم يعلمونهم المركبات من الحروف، ثم يعلمون القرآن كلاما وسورا، فيفقهون منها المعاني كل واحد على قدر علمه، وفهمه ومعرفته وصدق نيته وصفاء طويته، ومواهب الحق في حقه؛ فيظن بعض الظانين منهم إذا انقطعت الكلمات والسور المعدودة أن كلام الله انقطع ومعانيه تناهت، فالله سبحانه وتعالى بكمال حكمته أنزل بعد الكلمات والسور الحروف المقطعة بعضها مركبة بالكتابة مقطعة بالقرآن مثل { الم } و { الر } وغيرها.
وبعضها مفردة مقطعة بالكتابة والقرآن مثل { ص } و { ق } و { ن } ليعلموا أن كلام الله القديم والقرآن العظيم لا تحويه الكلمات المعدودة ولا تحصيه السور المحدودة، فإن الحروف المقطعة تدل على ما تدل عليه الكلمات من المعاني، والكلمات منحصرة معدودة ودلالة الحروف عليها غير منحصرة معدودة؛ لأن هذا يشير إلى أن الحروف المقطعة لو ركب بعضها بعضا إلى الأبد لا ينقضي كلام الله تعالى، ولا يضيق نطاق نطق الحروف عن توسع محيط الكلام الأزلي؛ لأنه فرق ظاهر بين الحروف المقطعة وبين الحروف المحدثة جمعا.
والكلمات القائمة بالحروف المحدثة منحصرة، ومعاني الحروف القائمة بالكلام القديم غير متناهية ولا منحصرة لقوله تعالى:
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا
[الكهف: 109]، وفي الحروف المقطعة إشارة أخرى، وهي: أن المركبة بالكتابة تشير إلى أن إلباس كسوة الحروف المحدثة في الكلام القديم لقصور فهم الإنسان، والمفردة منها تشير إلى أن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبدي غير ذي عدد، وتجدد الآيات والكلمات والسور العربية والعبرية والسريانية إنما جعلت كسوة الكلام الفرداني المنزه ليفهم الخلق لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى
[الشورى: 7].
قال الشيخ الإمام رحمه الله: والإشارة في تحقيق { الم } أن جميع ما ذكرنا في تفسير الفاتحة من طلب الهداية إلى حضرة الربوبية والخلاص من ظلمات الوجود والوصول إلى الوحدانية وإجابة الحق تعالى دعاء العبد في إفنائه عن حجاب أنانيته بشهود كشف هويته، والمودع في الفاتحة مناجاة بين العبد والرب، ولكل مناج موضع خاص للمناجاة كما كان الطور ميثاق مناجاة موسى عليه السلام لقوله تعالى:
ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه
[الأعراف: 143].
وكان المعراج مقام مناجاة نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:
فكان قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، وكان مقام مناجاة المؤمنين الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الصلاة معراج المؤمن "
فكما أن الصلاة بغير فاتحة غير تامة، فكذلك من قرأ الفاتحة في غير الصلوات تكون مناجاته غير تامة وقد سمى الله فاتحة الكتاب صلاة، وقال:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: ولعبدي ما سأل "
إذا قرأها في الصلاة وإذا تحققت هذا فاعلم أن هذه الصلاة التي ذكرت في القرآن ثلث القيام لقوله تعالى:
وقوموا لله قنتين
[البقرة: 238].
والركوع لقوله تعالى:
واركعوا مع الركعين
[البقرة: 43]، والسجود لقوله تعالى:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، فالألف إشارة إلى القيام، واللام إشارة الركوع، والميم إشارة إلى السجود، يعني: من قرأ فاتحة الكتاب التي هي مناجاة العبد مع الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين ليجيبه الله بالهداية التي طلب منه بقوله: { اهدنا } فيكون له أم الكتاب هدى بلا شك، ولهذا قال عقيب: { الم * ذلك الكتاب } [البقرة: 1-2]، للغائب فلو كانت الإشارة بذلك الكتاب إلى القرآن تعالى هذا الكتاب { لا ريب فيه هدى } [البقرة: 2]، أي: أم القرآن إذا قرئت في الصلاة وناجى به العبد ربه، وسأل منه الهداية بقوله { اهدنا } لا شك فيه أنه يهدي لما سأل؛ لأنه قال: ولعبدي ما سأل، منه هاهنا ما كان بالإشارة والتعريض لقوله { هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة } [البقرة: 2-3].
وفي: { ذلك الكتاب } إشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينة { الم } الألف واللام حرفان مقدمان من قوله
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: { بربكم } معناه في عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، أخذت منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى:
ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 60-61]، أي: هاديا إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } [البقرة: 3]، أي: يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: { هدى للمتقين } [البقرة: 2]، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى على ثلاثة أوجه: تقوى العام عن الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى:
فاتقوا الله يأولي الألباب
[المائدة: 100].
والمتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من ميثاقه ووصلوا بها ما أمر الله به أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرة وباطنا وانقطعوا عما نهاهم الله عنه من منهيات الشرع ظاهرا وباطنا، يدل على هذا قوله تعالى:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40]، إلى قوله
وإيي فاتقون
[البقرة: 41]، معناه إذ أنتم أقررتم بربوبيتي بقولكم { بلى } يوم الميثاق فأوفوا بعهدي الذي عاهدتموني عليه وهو العبودية الخالصة أوف بعهدكم الذي عاهدك عليه: الهداية إلي، وحقيقة التقوى الإعراض عن الدنيا والعقبى بالإقبال على المولى يؤمنون بالغيب؛ أي: بنور غيبتي وهو من الله في قلوبهم نظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فشاهد وصدقوا قوله وآمنوا به كما قال صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن ينظر بنور الله "
واعلم أن الغيب غيبان، غيب غاب عنك وغيب غبت عنه، فالذي غاب عنك عالم الأرواح فإنه كان حاضرا حين كنت فيه بالروح وكذرة وجودك في
ألست بربكم
[الأعراف: 172].
واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعاون الأرواح من الأنبياء والأولياء وغيرهم، فغاب عنك إذا تعلقت بالقلب، ونظرت بالحواس الخمس إلى المحسوسات عن عالم الأجسام، وأما الغيب الذي غبت عنه فغيب الغيب، وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود
وهو معكم أين ما كنتم
[الحديد: 4] أنت بعيد عنه وهو قريب منك، كما قال تعالى:
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق: 16].
وكذلك الإيمان مراتب؛ فأول مرتبة: تصديق القلب بحقائق الغيب بلا ريب، كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان "
، وعلى ما أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني قال: أخبرنا أبو الحسن مسعود بن محمود الغانمي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي منصور الخليل، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي، ثنا أحمد عيسى بن أحمد العقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن يزيد عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر - يعني بالبصرة - معبد الجهني، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة، فقلنا: لو لقينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلسألنه عن القدر، فلقيناه عبد الله بن عمر، فالتقيته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر عندنا ناس يعتقدون هذا العلم ويطلبونه ويزعمون أن الأقدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت لهم فأخبرهم أني برئ منهم ومن ربهم براء،
" والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ".
ثم قال: حدثنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
" كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ما برئ عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتيه تمس ركبتيه فقال: " يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت: قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان. قال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: صدقت. قال فأخبرنى عن الإحسان. قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: فأخبرنى عن الساعة. قال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرنى عن أمارتها. قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان ". قال: ثم انطلق؛ فلبثت مليا ثم قال لى: " يا عمر أتدرى من السائل؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه "
، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، واتفقا على إخراجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وعلى ما أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي المقري، أخبرنا العباس بن محمد الطوسي، أنا أبو محمد الناوي، ثنا الحسن بن علي إمام عصره، حدثني محمد بن سعيد قال: خبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الخيري، أخبرنا أبو محمد بن علي السيد المحجوب حدثني بن علي ابن موسى الرضا حدثني إلى موسى بن جعفر، حدثني جعفر بن محمد الصادق، حدثني أبي محمد بن علي السجاد، حدثني أبي علي بن الحسين زين العابدين، حدثني أبي الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة، حدثني أبي علي ابن أبي طالب سيد الأوصياء، حدثني محمد بن عبد الله سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم قال:
" الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول ".
والمرتبة الثانية من الإيمان: أن تؤمن بغيب الغيب، ولهذا الإيمان مرتبتان:
فالمرتبة الأولى: أن يتخلص قلبه بالنور الغيبي الذي هو من الله تعالى عن تعلقات الجسمانيات وحجب آفات النفس وصفاتها، ويهدي إلى عالم الأرواح كما كان أول العهد يوم الميثاق؛ فالغيب الروحاني لا يبقي له غيب؛ لأنه ارتفعت الحجب وصار حضورا وشهودا لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، أي: من كان إيمانه بنور الله يهد قلبه إلى الله؛ فيشاهد القلب ما كان الروح يشاهده في عالم الأرواح، وما كانت الذرة تشاهده يوم الميثاق، ويسمع من خطاب الرب ما كانت تسمع، ويتنور بنور تنورت الذرة به، ويتنسم من نفحات ألطاف الحق ما تنسمت؛ فالإيمان الغيبي يصير عينا؛ فيكتب الله تعالى الإيمان بنور غيب الغيب في قلبه، كما قال تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، فيتنور ذلك القلب لإيمان، ويتأيد ذلك الروح ويشاهد أنوار الفضل الإلهي فيشتاق شوق موسى بقوله لأهله:
امكثوا
[طه: 10]، وهو الروح والجسم
إني آنست نارا
[طه: 10]، فيرتقي عن عالم الأرواح ويقول:
لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلمآ أتاها نودي
[طه: 10-11]، من شاطئ وادي الإيمان، وهو حضائر القدس في البقعة المباركة، وهي القلب من الشجرة، وهي السر
أن يموسى
[القصص: 30]، وهو المحب المشتاق
إني أنا الله رب العالمين
[القصص: 30]، الذي خلقت العالمين وربيت خواص عبادي بألبان المحبة عن ثدي
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]؛ " أنا المحبوب؛ فأين أنت يا محب؟! أنا المطلوب؛ فأين أنت يا طالب؟! ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا أشد شوقا إلى لقاءهم ".
فلما دارت كؤوس الملاطفات، وأقداح المكاشفات بين المحب والمحبوب جعل يتساكر المحب ويتخامر مع المحبوب بلسان الانبساط على بساط القرب يقول:
رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، ليصير الإيمان عيانا والغيب عينا، نودي من سرادقات العزة: ما هذه العزة! ألم تعلم بأنه عالم الغيب وغيب الغيب فلا يظهر على غيبة أحدا، فإنك مع أحديتك لن تطيق شهود أحديتي، وإن أتجلى فإنك
لن تراني
[الأعراف: 143]، وإن لم تؤمن بأن مع تجلي أنانيتي لا يستقر أنانيته شيء
ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني
[الأعراف: 143]، مع استقرار جبل أنانيتك على مكان وجودك
فلما تجلى ربه للجبل جعله
[الأعراف: 143]، للجبل
جعله
[الأعراف: 143]، جبل أنانيته
دكا وخر موسى
[الأعراف: 143]، نفس المحب عن الوجود
صعقا فلمآ أفاق
[الأعراف: 143]، عن سكر شراب وجود الأنانية شاهد تحقيق قوله
لن تراني
[الأعراف: 143]، مع حجاب وجود الأنانية، فتاب عن ذنب الأنانية إليه، وآمن إيمان المرتبة الثانية الذي هو هويته، وقال:
تبت إليك وأنا أول المؤمنين
[الأعراف: 143]، بأن هويتك غيب، لا يعلم الغيب إلا الله، فالإيمان بهذا الغيب يكون بقدر غيبوبة الأنانية بشهود غيب الغيب، وكلما ازداد غيبوبته ازداد إيمانه، والغيبة لا تحصل إلا بجذبات شواهد الغيب، وهي مودعة في إدامة إقامة الصلاة؛ فلهذا قال عقيب الذين يؤمنون بالغيب قوله: { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، والغيب ما لا تدركه الحواس الخمس الظاهرة وتدركه الحواس الخمس الباطنة، وهي: العقل والقلب والروح والسر والخفي يدل عليه قوله تعالى:
علم الغيب والشهدة
[الأنعام: 73]، فالشهادة ما تدركه الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والذوق والشم واللمس، وما تدركه الحواس الباطنة فهو غيب، وهي الأمور الأخروية { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، أي: يديمونها.
قال الشيخ: بداية الصلاة إقامة ثم إدامة؛ فإقامتها المحافظة عليها بمواقيتها، وإتمام ركوعها وسجودها وحدودها وحقوقها ظاهرا وباطنا، وكل شيء واظب على شيء وقام به فهو مقيم، يقال: أقام فلان حج الناس، وأقام القوم سيوفهم إذا استعملوها ولم يعطلوها، وإدامتها بدوام المراقبة وجميع التهمة في التعرض لنفحات ألطاف الربوبية التي هي مودعة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها "
، وصورة التعرض والأمر بها صورة جذبة الحق بأن يجذب صورتك عن الاستعمال بغير العبودية، وسر الصلاة حقيقة التعرض، ففي كل شرط من شروط صورتها، وركن من أركانها، وسنة من سننها، وأدب من آدابها، وهيئة من هيئاتها سر يشير إلى حقيقة تعرض لها فمن شرائطها:
الوضوء: ففي كل أدب وسنة وفرض منها سر يشير إلى طهارة يستعد بها لإقامة الصلاة.
ففي غسل اليدين: إشارة إلى تطهير نفسك عن تلوث المعاصي، وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
وثيابك فطهر
[المدثر: 4]، جاء في التفسير أي: قلبك فطهر.
وغسل الوجه: إشارة إلى نضارة وجه همتك عن دنس حب الدنيا، فإنه رأس كل خطيئة وسنبين تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة، وفيه إشارة إلى الإعراض عما سوى طلب الحق والتوجه إلى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة.
ورفع اليدين: إشارة إلى رفع يد الهمة عن الدنيا والآخرة، والتكبير لتعظيم الحق بأنه أعظم من كل شيء في قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة.
ومقارنة النية مع التكبير: إشارة إلى أن صدق النية في الطلب ينبغي أن يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا يطلب منه إلا هو، فإن طلب منه غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب إلا الله تعالى، فلا تجوز صلاته الحقيقية كما لا تجوز صلاة الصورة إلا بتكبير الله، فإن الدنيا أكبر والعقبى أكبر، فلا تجوز حتى يقول الله أكبر، وكذلك في الحقيقة.
وفي موضع اليمنى على اليسرى، ووضعهما على الصدر: إشارة إلى إقامة رسم العبودية بين يدي مالكه، وحفظ القلب عن محبة ما سواه.
وفي افتتاح القراءة بوجهه إشارة إلى توجيهه للحق خالصا عن شرك طلب غير الحق.
وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها إشارة إلى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات ألطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين، وطلب الهداية، وهي جذبة الإلهية التي توازي جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقومة بين العبد والرب نصفين.
والقيام والركوع والسجود: إشارة إلى رجوعه إلى عالم الأرواح، ولكن الغيب كما جاء منه فأول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم الحيوانية ثم بالإنسانية؛ فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان، والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى:
والنجم والشجر يسجدان
[الرحمن: 6]، وللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران، والحكمة في تعلق الروح العلوي النوراني بالجسد السفلي الظلماني كان هذا الربح؛ لقوله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:
" خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم "
لتربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلو، وإن كان قد ابتلي أولا ببلاء الخسران كما قال تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3]، فبنور الإيمان، وعمل صالح الصلاة يتخلص خسران التكبر والتجبر الإنساني الذي من خاصيته إن تكامل في الإنسان يظهر منه
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، ويفوز بربح علو الهمة الإنسانية التي إذ أكملت في الإنسان لا يلتفت إلى كون في طلب المكون كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى
[النجم: 16-18]، فإذا تخلص من تكبر الإنسان يرجع من القيام الإنساني إلى الركوع الحيواني للانكسار والخضوع؛ فالركوع يتخلص من خسران حالة الصفة الحيوانية، ويفوز بربح ليس الحادث، وتحمل الأذى والختم، ثم يرجع من الركوع الحيواني إلى السجود النباتي فبالسجود ويتخلص من خسران الذلة النباتية، والدناءات السفلية، ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الأبدي والفوز العظيم السرمدي.
كما قال تعالى:
قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون
[المؤمنون: 1-2]، فالخشوع أكمل آلة للروح في العبودية قد حصل في تعلقه بالجسد الترابي ليس لأحد من العالمين هذا الخشوع، وبهذا السر أبين الملائكة وغيرهم أن يحمل الأمانة وأشفقن منها وحملها الإنسان باستعداد الخشوع، وكمل خشوعه بالسجود؛ إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلي وعروجه إلى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الإنسانية الحيوانية والنباتية، وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وإنفاق الموجود في أنانية الوجود الذي هو من شرط المصلين؛ كقوله تعالى: { ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، أي: من أوصاف الوجود ينفقون يبذلون للحق النصف المقسوم بين العبد والرب، فإذا بلغ السيل زباه والتعرض منتهاه أدركته العناية الأزلية بنفحات ألطافه، وهداه إلى درجات قرباته، فكما كانت جذبة الحق سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة خطاب؛ إذن فجذبة الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، ففي التشهد بعد السجود إشارة إلى الخلاص من حجب الأنانية والوصول إلى شهود جمال الحق بجذبات الربانية؛ ثم بالتحيات مراتب رسول العباد في الرجوع إلى حضرة الملوك بمراسم تحفة الحق الثناء، والتحنن إلى اللقاء.
وفي التسليم عن اليمين والشمال إشارة إلى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين إلى النعيم الجنان، وعن الشمال إلى الشهوات واللذات، وهو مقام المناجاة والدرجات والقربات مستغرقا في بحر الكرامات مقيدا بقيد الجذبات؛ كما قال تعالى:
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
[الفرقان: 63]، فأهل الصورة بالسلام يخرجون من إقامة الصلاة، وأهل الحقيقة بالسلام يدخلون في إدامة الصلاة؛ لقوله تعالى:
الذين هم على صلاتهم دآئمون
[المعارج: 23]، فقوم يقيمون الصلاة، ويحافظون عليها، وقوم يديمون الصلاة والصلاة تحفظهم؛ كما قال تعالى:
إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر
[العنكبوت: 45]، فهم { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، يؤمنون بما لهم في الغيب معد لقوله تعالى:
" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".
فعلموا إنما هو المعد لهم لا تدركه الأبصار ولا الآذان ولا القلوب التي رزقهم الله تعالى، وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب إلا وجودهم وأوصاف وجودهم، فاشتاقوا إلى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم، فأنسوا من جانب طور صلواتهم نارا؛ لأن صلواتهم بمثابة الطور للمناجاة والصلاة؛ قيل: اشتقاقها من الصلاة، وهي النار قاله الخراز، وفي قوله تعالى:
فلما جآءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين
[النمل: 8]، فجعلوا ما رزقهم الله تعالى من أوقاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقون عليها، ويقيمون الصلاة حتى تؤدوا حق أنتم، وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردا، ومن لم يكن نارا أتحرق على نار جهنم الصلاة حطب وجوده، ووجود كل من يعبد من دون الله؛ فلا بد له من الحرقة بنار جهنم الآخرة، والفرق بين النارين: أن نار الصلاة: تحرق لب وجودهم الذي به محجوبون عن الله تعالى، وتبقي وجوههم وهو الصلاة، والحجاب من لب الوجود لا من جلده، وهذا شر عظيم لا يطلع عليه إلا أولو الألباب المحرقة، ونار جهنم: تحرق جلود وجود وجوههم، وتبقي لب وجودهم لا جرم ولا رفع الحجب عنهم
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]؛ لأن اللب باق والجلد وإن احترق بنية اللب كما قاله تعالى:
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها
[النساء: 56]، فمن أتقن لب الوجود، وما بينا منه لب الوجود من المال والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة إلى الله تعالى ينفق الله عليه، وجود نار الصلاة كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
" أنفق أنفق عليك "
فبقي بنار الصلاة بلا أنانية الموجود فتكون صلاته دائمة بفوز نار الصلاة يؤمن بما أنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
{ والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4] أي: لما كشف عن المؤمنين حجب أنانية الوجود ونظروا بنور نار الصلاة أبصروا ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي صورة، وما ابتلي حقيقة، وهو (أوحى إلى عبد ما أوحى)؛ فعرفوا حقيقته فآمنوا به وبما أنزل على الأنبياء قبله كما قاله تعالى في حق قوم:
سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، فبنور العناية عرفوا الحقيقة فآمنوا به
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، ومن تخلص عن ذل الحجب يجد عزة الإيقان بالأمور الأخروية، وكان مؤمنا بها من وراء حجاب صار موقنا بها بعد رفع الحجاب؛ كما قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا "؛ لأنه قد كشف عنه الغطاء الوجودي فلا يحجب غطاء المحسوسات الدنيوية عن أمور الأخروية، فبكشف الحجب يتخلصون عن مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإيقان، كما قال تعالى: { وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، ولكن هذا خاص أن يوقنوا بالآخرة دون ما أنزل على الأنبياء من الكتب، فإنهم لا يتخلصون عن مرتبة الإيمان بالله، وكتبه أبدا، وهذا سر عظيم، وما رأيت أحدا فرق بين هاتين المرتبتين؛ وذلك لأنه يمكن للإنسان أن يشاهد الأمور الأخروية كلها إما بطريق الكشف في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في العقبى؛ فيصير موقنا بها بعد ما كان مؤمنا كما قال تعالى:
فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد
[ق: 22].
فأما ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ولا يمكن لأحد أن يشاهده بالكلية؛ لأنه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدات، وإن فازوا بشهادة شهود صفات جماله وجلاله عين اليقين؛ بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا عن مرتبة الإيمان بما شاهدوا بعد،
ولا يحيطون به علما
[طه: 110] إلى الآباء،
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255].
{ أولئك على هدى من ربهم } [البقرة: 5]، ذكر هدى بالنكرة أي: على كشف من كشوف ربهم ونور من أنواره، وسر من أسراره، ولطف من ألطافه، وحقيقة من حقائقه؛ فإن جميع ما أنعم الله به على أنبيائه وأوليائه بالنسبة إلى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وإنعامه وإحسانه؛ فقطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق أبدا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" يمين الله ملأى لا تغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار "
وفيه إشارة لطيفة وهي: بذلك الهدى آمنوا { بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، { وأولئك هم المفلحون } [البقرة: 5]، يعني الذين يخلصون عن حجب الوجود بنور نار الصلاة، وشاهدوا بالآخرة وجذبتهم العناية بالهداية إلى مقامات القربة، وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه، وما حطوا رحالهم إلا بعنايته، فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى، ونالوا الدرجة العليا وحققوا قول الحق
إن إلى ربك الرجعى
[العلق: 8].
البقرة 2:5
{ الم } [البقرة: 1]، قال الشيخ الإمام مصنف الكتاب رحمه الله:
يحمل أن يكون { الم } وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم، وقد وضعها الله مع نبيه صلى الله عليه وسلم في وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام بأسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل عليه السلام ولا غيره، يدل على هذا ما روي في الأخبار:
" أن جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى: { كهيعص } [مريم: 1]، فلما قال: { ك } [مريم: 1]، قال: النبي علمت، فقال: { ه } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ي } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ع } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ص } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال جبريل عليه السلام: كيف علمت ما لم أعلم ".
وفي الحروف المقطعة إشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يسعه الحروف والكلمات؛ لأن الكافر غير متناه، والحروف والكلمات متناهية؛ وذلك لأن الصبيان يعلمون أولا الحروف المقطعة الفارغة من معاني القرآن، ولكنها دالة على كلمات القرآن وبها يهتدى إلى قراءة القرآن، ثم يعلمونهم المركبات من الحروف، ثم يعلمون القرآن كلاما وسورا، فيفقهون منها المعاني كل واحد على قدر علمه، وفهمه ومعرفته وصدق نيته وصفاء طويته، ومواهب الحق في حقه؛ فيظن بعض الظانين منهم إذا انقطعت الكلمات والسور المعدودة أن كلام الله انقطع ومعانيه تناهت، فالله سبحانه وتعالى بكمال حكمته أنزل بعد الكلمات والسور الحروف المقطعة بعضها مركبة بالكتابة مقطعة بالقرآن مثل { الم } و { الر } وغيرها.
وبعضها مفردة مقطعة بالكتابة والقرآن مثل { ص } و { ق } و { ن } ليعلموا أن كلام الله القديم والقرآن العظيم لا تحويه الكلمات المعدودة ولا تحصيه السور المحدودة، فإن الحروف المقطعة تدل على ما تدل عليه الكلمات من المعاني، والكلمات منحصرة معدودة ودلالة الحروف عليها غير منحصرة معدودة؛ لأن هذا يشير إلى أن الحروف المقطعة لو ركب بعضها بعضا إلى الأبد لا ينقضي كلام الله تعالى، ولا يضيق نطاق نطق الحروف عن توسع محيط الكلام الأزلي؛ لأنه فرق ظاهر بين الحروف المقطعة وبين الحروف المحدثة جمعا.
والكلمات القائمة بالحروف المحدثة منحصرة، ومعاني الحروف القائمة بالكلام القديم غير متناهية ولا منحصرة لقوله تعالى:
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا
[الكهف: 109]، وفي الحروف المقطعة إشارة أخرى، وهي: أن المركبة بالكتابة تشير إلى أن إلباس كسوة الحروف المحدثة في الكلام القديم لقصور فهم الإنسان، والمفردة منها تشير إلى أن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبدي غير ذي عدد، وتجدد الآيات والكلمات والسور العربية والعبرية والسريانية إنما جعلت كسوة الكلام الفرداني المنزه ليفهم الخلق لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى
[الشورى: 7].
قال الشيخ الإمام رحمه الله: والإشارة في تحقيق { الم } أن جميع ما ذكرنا في تفسير الفاتحة من طلب الهداية إلى حضرة الربوبية والخلاص من ظلمات الوجود والوصول إلى الوحدانية وإجابة الحق تعالى دعاء العبد في إفنائه عن حجاب أنانيته بشهود كشف هويته، والمودع في الفاتحة مناجاة بين العبد والرب، ولكل مناج موضع خاص للمناجاة كما كان الطور ميثاق مناجاة موسى عليه السلام لقوله تعالى:
ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه
[الأعراف: 143].
وكان المعراج مقام مناجاة نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:
فكان قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، وكان مقام مناجاة المؤمنين الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الصلاة معراج المؤمن "
فكما أن الصلاة بغير فاتحة غير تامة، فكذلك من قرأ الفاتحة في غير الصلوات تكون مناجاته غير تامة وقد سمى الله فاتحة الكتاب صلاة، وقال:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: ولعبدي ما سأل "
إذا قرأها في الصلاة وإذا تحققت هذا فاعلم أن هذه الصلاة التي ذكرت في القرآن ثلث القيام لقوله تعالى:
وقوموا لله قنتين
[البقرة: 238].
والركوع لقوله تعالى:
واركعوا مع الركعين
[البقرة: 43]، والسجود لقوله تعالى:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، فالألف إشارة إلى القيام، واللام إشارة الركوع، والميم إشارة إلى السجود، يعني: من قرأ فاتحة الكتاب التي هي مناجاة العبد مع الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين ليجيبه الله بالهداية التي طلب منه بقوله: { اهدنا } فيكون له أم الكتاب هدى بلا شك، ولهذا قال عقيب: { الم * ذلك الكتاب } [البقرة: 1-2]، للغائب فلو كانت الإشارة بذلك الكتاب إلى القرآن تعالى هذا الكتاب { لا ريب فيه هدى } [البقرة: 2]، أي: أم القرآن إذا قرئت في الصلاة وناجى به العبد ربه، وسأل منه الهداية بقوله { اهدنا } لا شك فيه أنه يهدي لما سأل؛ لأنه قال: ولعبدي ما سأل، منه هاهنا ما كان بالإشارة والتعريض لقوله { هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة } [البقرة: 2-3].
وفي: { ذلك الكتاب } إشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينة { الم } الألف واللام حرفان مقدمان من قوله
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: { بربكم } معناه في عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، أخذت منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى:
ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 60-61]، أي: هاديا إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } [البقرة: 3]، أي: يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: { هدى للمتقين } [البقرة: 2]، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى على ثلاثة أوجه: تقوى العام عن الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى:
فاتقوا الله يأولي الألباب
[المائدة: 100].
والمتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من ميثاقه ووصلوا بها ما أمر الله به أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرة وباطنا وانقطعوا عما نهاهم الله عنه من منهيات الشرع ظاهرا وباطنا، يدل على هذا قوله تعالى:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40]، إلى قوله
وإيي فاتقون
[البقرة: 41]، معناه إذ أنتم أقررتم بربوبيتي بقولكم { بلى } يوم الميثاق فأوفوا بعهدي الذي عاهدتموني عليه وهو العبودية الخالصة أوف بعهدكم الذي عاهدك عليه: الهداية إلي، وحقيقة التقوى الإعراض عن الدنيا والعقبى بالإقبال على المولى يؤمنون بالغيب؛ أي: بنور غيبتي وهو من الله في قلوبهم نظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فشاهد وصدقوا قوله وآمنوا به كما قال صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن ينظر بنور الله "
واعلم أن الغيب غيبان، غيب غاب عنك وغيب غبت عنه، فالذي غاب عنك عالم الأرواح فإنه كان حاضرا حين كنت فيه بالروح وكذرة وجودك في
ألست بربكم
[الأعراف: 172].
واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعاون الأرواح من الأنبياء والأولياء وغيرهم، فغاب عنك إذا تعلقت بالقلب، ونظرت بالحواس الخمس إلى المحسوسات عن عالم الأجسام، وأما الغيب الذي غبت عنه فغيب الغيب، وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود
وهو معكم أين ما كنتم
[الحديد: 4] أنت بعيد عنه وهو قريب منك، كما قال تعالى:
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق: 16].
وكذلك الإيمان مراتب؛ فأول مرتبة: تصديق القلب بحقائق الغيب بلا ريب، كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان "
، وعلى ما أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني قال: أخبرنا أبو الحسن مسعود بن محمود الغانمي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي منصور الخليل، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي، ثنا أحمد عيسى بن أحمد العقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن يزيد عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر - يعني بالبصرة - معبد الجهني، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة، فقلنا: لو لقينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلسألنه عن القدر، فلقيناه عبد الله بن عمر، فالتقيته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر عندنا ناس يعتقدون هذا العلم ويطلبونه ويزعمون أن الأقدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت لهم فأخبرهم أني برئ منهم ومن ربهم براء،
" والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ".
ثم قال: حدثنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
" كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ما برئ عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتيه تمس ركبتيه فقال: " يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت: قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان. قال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: صدقت. قال فأخبرنى عن الإحسان. قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: فأخبرنى عن الساعة. قال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرنى عن أمارتها. قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان ". قال: ثم انطلق؛ فلبثت مليا ثم قال لى: " يا عمر أتدرى من السائل؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه "
، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، واتفقا على إخراجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وعلى ما أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي المقري، أخبرنا العباس بن محمد الطوسي، أنا أبو محمد الناوي، ثنا الحسن بن علي إمام عصره، حدثني محمد بن سعيد قال: خبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الخيري، أخبرنا أبو محمد بن علي السيد المحجوب حدثني بن علي ابن موسى الرضا حدثني إلى موسى بن جعفر، حدثني جعفر بن محمد الصادق، حدثني أبي محمد بن علي السجاد، حدثني أبي علي بن الحسين زين العابدين، حدثني أبي الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة، حدثني أبي علي ابن أبي طالب سيد الأوصياء، حدثني محمد بن عبد الله سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم قال:
" الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول ".
والمرتبة الثانية من الإيمان: أن تؤمن بغيب الغيب، ولهذا الإيمان مرتبتان:
فالمرتبة الأولى: أن يتخلص قلبه بالنور الغيبي الذي هو من الله تعالى عن تعلقات الجسمانيات وحجب آفات النفس وصفاتها، ويهدي إلى عالم الأرواح كما كان أول العهد يوم الميثاق؛ فالغيب الروحاني لا يبقي له غيب؛ لأنه ارتفعت الحجب وصار حضورا وشهودا لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، أي: من كان إيمانه بنور الله يهد قلبه إلى الله؛ فيشاهد القلب ما كان الروح يشاهده في عالم الأرواح، وما كانت الذرة تشاهده يوم الميثاق، ويسمع من خطاب الرب ما كانت تسمع، ويتنور بنور تنورت الذرة به، ويتنسم من نفحات ألطاف الحق ما تنسمت؛ فالإيمان الغيبي يصير عينا؛ فيكتب الله تعالى الإيمان بنور غيب الغيب في قلبه، كما قال تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، فيتنور ذلك القلب لإيمان، ويتأيد ذلك الروح ويشاهد أنوار الفضل الإلهي فيشتاق شوق موسى بقوله لأهله:
امكثوا
[طه: 10]، وهو الروح والجسم
إني آنست نارا
[طه: 10]، فيرتقي عن عالم الأرواح ويقول:
لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلمآ أتاها نودي
[طه: 10-11]، من شاطئ وادي الإيمان، وهو حضائر القدس في البقعة المباركة، وهي القلب من الشجرة، وهي السر
أن يموسى
[القصص: 30]، وهو المحب المشتاق
إني أنا الله رب العالمين
[القصص: 30]، الذي خلقت العالمين وربيت خواص عبادي بألبان المحبة عن ثدي
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]؛ " أنا المحبوب؛ فأين أنت يا محب؟! أنا المطلوب؛ فأين أنت يا طالب؟! ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا أشد شوقا إلى لقاءهم ".
فلما دارت كؤوس الملاطفات، وأقداح المكاشفات بين المحب والمحبوب جعل يتساكر المحب ويتخامر مع المحبوب بلسان الانبساط على بساط القرب يقول:
رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، ليصير الإيمان عيانا والغيب عينا، نودي من سرادقات العزة: ما هذه العزة! ألم تعلم بأنه عالم الغيب وغيب الغيب فلا يظهر على غيبة أحدا، فإنك مع أحديتك لن تطيق شهود أحديتي، وإن أتجلى فإنك
لن تراني
[الأعراف: 143]، وإن لم تؤمن بأن مع تجلي أنانيتي لا يستقر أنانيته شيء
ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني
[الأعراف: 143]، مع استقرار جبل أنانيتك على مكان وجودك
فلما تجلى ربه للجبل جعله
[الأعراف: 143]، للجبل
جعله
[الأعراف: 143]، جبل أنانيته
دكا وخر موسى
[الأعراف: 143]، نفس المحب عن الوجود
صعقا فلمآ أفاق
[الأعراف: 143]، عن سكر شراب وجود الأنانية شاهد تحقيق قوله
لن تراني
[الأعراف: 143]، مع حجاب وجود الأنانية، فتاب عن ذنب الأنانية إليه، وآمن إيمان المرتبة الثانية الذي هو هويته، وقال:
تبت إليك وأنا أول المؤمنين
[الأعراف: 143]، بأن هويتك غيب، لا يعلم الغيب إلا الله، فالإيمان بهذا الغيب يكون بقدر غيبوبة الأنانية بشهود غيب الغيب، وكلما ازداد غيبوبته ازداد إيمانه، والغيبة لا تحصل إلا بجذبات شواهد الغيب، وهي مودعة في إدامة إقامة الصلاة؛ فلهذا قال عقيب الذين يؤمنون بالغيب قوله: { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، والغيب ما لا تدركه الحواس الخمس الظاهرة وتدركه الحواس الخمس الباطنة، وهي: العقل والقلب والروح والسر والخفي يدل عليه قوله تعالى:
علم الغيب والشهدة
[الأنعام: 73]، فالشهادة ما تدركه الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والذوق والشم واللمس، وما تدركه الحواس الباطنة فهو غيب، وهي الأمور الأخروية { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، أي: يديمونها.
قال الشيخ: بداية الصلاة إقامة ثم إدامة؛ فإقامتها المحافظة عليها بمواقيتها، وإتمام ركوعها وسجودها وحدودها وحقوقها ظاهرا وباطنا، وكل شيء واظب على شيء وقام به فهو مقيم، يقال: أقام فلان حج الناس، وأقام القوم سيوفهم إذا استعملوها ولم يعطلوها، وإدامتها بدوام المراقبة وجميع التهمة في التعرض لنفحات ألطاف الربوبية التي هي مودعة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها "
، وصورة التعرض والأمر بها صورة جذبة الحق بأن يجذب صورتك عن الاستعمال بغير العبودية، وسر الصلاة حقيقة التعرض، ففي كل شرط من شروط صورتها، وركن من أركانها، وسنة من سننها، وأدب من آدابها، وهيئة من هيئاتها سر يشير إلى حقيقة تعرض لها فمن شرائطها:
الوضوء: ففي كل أدب وسنة وفرض منها سر يشير إلى طهارة يستعد بها لإقامة الصلاة.
ففي غسل اليدين: إشارة إلى تطهير نفسك عن تلوث المعاصي، وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
وثيابك فطهر
[المدثر: 4]، جاء في التفسير أي: قلبك فطهر.
وغسل الوجه: إشارة إلى نضارة وجه همتك عن دنس حب الدنيا، فإنه رأس كل خطيئة وسنبين تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة، وفيه إشارة إلى الإعراض عما سوى طلب الحق والتوجه إلى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة.
ورفع اليدين: إشارة إلى رفع يد الهمة عن الدنيا والآخرة، والتكبير لتعظيم الحق بأنه أعظم من كل شيء في قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة.
ومقارنة النية مع التكبير: إشارة إلى أن صدق النية في الطلب ينبغي أن يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا يطلب منه إلا هو، فإن طلب منه غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب إلا الله تعالى، فلا تجوز صلاته الحقيقية كما لا تجوز صلاة الصورة إلا بتكبير الله، فإن الدنيا أكبر والعقبى أكبر، فلا تجوز حتى يقول الله أكبر، وكذلك في الحقيقة.
وفي موضع اليمنى على اليسرى، ووضعهما على الصدر: إشارة إلى إقامة رسم العبودية بين يدي مالكه، وحفظ القلب عن محبة ما سواه.
وفي افتتاح القراءة بوجهه إشارة إلى توجيهه للحق خالصا عن شرك طلب غير الحق.
وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها إشارة إلى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات ألطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين، وطلب الهداية، وهي جذبة الإلهية التي توازي جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقومة بين العبد والرب نصفين.
والقيام والركوع والسجود: إشارة إلى رجوعه إلى عالم الأرواح، ولكن الغيب كما جاء منه فأول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم الحيوانية ثم بالإنسانية؛ فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان، والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى:
والنجم والشجر يسجدان
[الرحمن: 6]، وللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران، والحكمة في تعلق الروح العلوي النوراني بالجسد السفلي الظلماني كان هذا الربح؛ لقوله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:
" خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم "
لتربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلو، وإن كان قد ابتلي أولا ببلاء الخسران كما قال تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3]، فبنور الإيمان، وعمل صالح الصلاة يتخلص خسران التكبر والتجبر الإنساني الذي من خاصيته إن تكامل في الإنسان يظهر منه
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، ويفوز بربح علو الهمة الإنسانية التي إذ أكملت في الإنسان لا يلتفت إلى كون في طلب المكون كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى
[النجم: 16-18]، فإذا تخلص من تكبر الإنسان يرجع من القيام الإنساني إلى الركوع الحيواني للانكسار والخضوع؛ فالركوع يتخلص من خسران حالة الصفة الحيوانية، ويفوز بربح ليس الحادث، وتحمل الأذى والختم، ثم يرجع من الركوع الحيواني إلى السجود النباتي فبالسجود ويتخلص من خسران الذلة النباتية، والدناءات السفلية، ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الأبدي والفوز العظيم السرمدي.
كما قال تعالى:
قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون
[المؤمنون: 1-2]، فالخشوع أكمل آلة للروح في العبودية قد حصل في تعلقه بالجسد الترابي ليس لأحد من العالمين هذا الخشوع، وبهذا السر أبين الملائكة وغيرهم أن يحمل الأمانة وأشفقن منها وحملها الإنسان باستعداد الخشوع، وكمل خشوعه بالسجود؛ إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلي وعروجه إلى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الإنسانية الحيوانية والنباتية، وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وإنفاق الموجود في أنانية الوجود الذي هو من شرط المصلين؛ كقوله تعالى: { ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، أي: من أوصاف الوجود ينفقون يبذلون للحق النصف المقسوم بين العبد والرب، فإذا بلغ السيل زباه والتعرض منتهاه أدركته العناية الأزلية بنفحات ألطافه، وهداه إلى درجات قرباته، فكما كانت جذبة الحق سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة خطاب؛ إذن فجذبة الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب:
واسجد واقترب
[العلق: 19]، ففي التشهد بعد السجود إشارة إلى الخلاص من حجب الأنانية والوصول إلى شهود جمال الحق بجذبات الربانية؛ ثم بالتحيات مراتب رسول العباد في الرجوع إلى حضرة الملوك بمراسم تحفة الحق الثناء، والتحنن إلى اللقاء.
وفي التسليم عن اليمين والشمال إشارة إلى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين إلى النعيم الجنان، وعن الشمال إلى الشهوات واللذات، وهو مقام المناجاة والدرجات والقربات مستغرقا في بحر الكرامات مقيدا بقيد الجذبات؛ كما قال تعالى:
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
[الفرقان: 63]، فأهل الصورة بالسلام يخرجون من إقامة الصلاة، وأهل الحقيقة بالسلام يدخلون في إدامة الصلاة؛ لقوله تعالى:
الذين هم على صلاتهم دآئمون
[المعارج: 23]، فقوم يقيمون الصلاة، ويحافظون عليها، وقوم يديمون الصلاة والصلاة تحفظهم؛ كما قال تعالى:
إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر
[العنكبوت: 45]، فهم { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، يؤمنون بما لهم في الغيب معد لقوله تعالى:
" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".
فعلموا إنما هو المعد لهم لا تدركه الأبصار ولا الآذان ولا القلوب التي رزقهم الله تعالى، وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب إلا وجودهم وأوصاف وجودهم، فاشتاقوا إلى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم، فأنسوا من جانب طور صلواتهم نارا؛ لأن صلواتهم بمثابة الطور للمناجاة والصلاة؛ قيل: اشتقاقها من الصلاة، وهي النار قاله الخراز، وفي قوله تعالى:
فلما جآءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين
[النمل: 8]، فجعلوا ما رزقهم الله تعالى من أوقاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقون عليها، ويقيمون الصلاة حتى تؤدوا حق أنتم، وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردا، ومن لم يكن نارا أتحرق على نار جهنم الصلاة حطب وجوده، ووجود كل من يعبد من دون الله؛ فلا بد له من الحرقة بنار جهنم الآخرة، والفرق بين النارين: أن نار الصلاة: تحرق لب وجودهم الذي به محجوبون عن الله تعالى، وتبقي وجوههم وهو الصلاة، والحجاب من لب الوجود لا من جلده، وهذا شر عظيم لا يطلع عليه إلا أولو الألباب المحرقة، ونار جهنم: تحرق جلود وجود وجوههم، وتبقي لب وجودهم لا جرم ولا رفع الحجب عنهم
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]؛ لأن اللب باق والجلد وإن احترق بنية اللب كما قاله تعالى:
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها
[النساء: 56]، فمن أتقن لب الوجود، وما بينا منه لب الوجود من المال والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة إلى الله تعالى ينفق الله عليه، وجود نار الصلاة كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
" أنفق أنفق عليك "
فبقي بنار الصلاة بلا أنانية الموجود فتكون صلاته دائمة بفوز نار الصلاة يؤمن بما أنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
{ والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4] أي: لما كشف عن المؤمنين حجب أنانية الوجود ونظروا بنور نار الصلاة أبصروا ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي صورة، وما ابتلي حقيقة، وهو (أوحى إلى عبد ما أوحى)؛ فعرفوا حقيقته فآمنوا به وبما أنزل على الأنبياء قبله كما قاله تعالى في حق قوم:
سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، فبنور العناية عرفوا الحقيقة فآمنوا به
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، ومن تخلص عن ذل الحجب يجد عزة الإيقان بالأمور الأخروية، وكان مؤمنا بها من وراء حجاب صار موقنا بها بعد رفع الحجاب؛ كما قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا "؛ لأنه قد كشف عنه الغطاء الوجودي فلا يحجب غطاء المحسوسات الدنيوية عن أمور الأخروية، فبكشف الحجب يتخلصون عن مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإيقان، كما قال تعالى: { وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، ولكن هذا خاص أن يوقنوا بالآخرة دون ما أنزل على الأنبياء من الكتب، فإنهم لا يتخلصون عن مرتبة الإيمان بالله، وكتبه أبدا، وهذا سر عظيم، وما رأيت أحدا فرق بين هاتين المرتبتين؛ وذلك لأنه يمكن للإنسان أن يشاهد الأمور الأخروية كلها إما بطريق الكشف في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في العقبى؛ فيصير موقنا بها بعد ما كان مؤمنا كما قال تعالى:
فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد
[ق: 22].
فأما ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ولا يمكن لأحد أن يشاهده بالكلية؛ لأنه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدات، وإن فازوا بشهادة شهود صفات جماله وجلاله عين اليقين؛ بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا عن مرتبة الإيمان بما شاهدوا بعد،
ولا يحيطون به علما
[طه: 110] إلى الآباء،
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255].
{ أولئك على هدى من ربهم } [البقرة: 5]، ذكر هدى بالنكرة أي: على كشف من كشوف ربهم ونور من أنواره، وسر من أسراره، ولطف من ألطافه، وحقيقة من حقائقه؛ فإن جميع ما أنعم الله به على أنبيائه وأوليائه بالنسبة إلى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وإنعامه وإحسانه؛ فقطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق أبدا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" يمين الله ملأى لا تغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار "
وفيه إشارة لطيفة وهي: بذلك الهدى آمنوا { بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4]، { وأولئك هم المفلحون } [البقرة: 5]، يعني الذين يخلصون عن حجب الوجود بنور نار الصلاة، وشاهدوا بالآخرة وجذبتهم العناية بالهداية إلى مقامات القربة، وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه، وما حطوا رحالهم إلا بعنايته، فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى، ونالوا الدرجة العليا وحققوا قول الحق
إن إلى ربك الرجعى
[العلق: 8].
البقرة 2:6
{ إن الذين كفروا } [البقرة: 6]، أي: حجروا ربوبيتي بعد إقرارهم في عهد
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، بإجابة { بلى } ستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من أعمالهم الطبيعية النفسانية، وأفسدوا حسن استعدادهم من فطرة الله التي فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، وذلك أن أرواحهم النفيسة لما نظروا بروزنة الحواس الخمس إلى عالم الصورة الحسية حجبت عن مألوفاتها ومجارياتها، ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها، ولهذا سمي الإنسان إنسانا؛ لأنه أنيس، فبمجاورة النفس الخسيسة صار الروح النفيس خسيسا، فاستحسن ما استحسنته النفس واستلذ بما استلذت به النفس، واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطعت عنه الأغذية الروحانية ونسي حضائر القدس وجوار الحق ورياض الأنس، ولهذا سمي الناس ناسا لأنهم نسوا فتاهوا في أودية الخسران فاستهواهم الشيطان في الأرض حيران، ولما نسوا الله بالكفر فنسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم الهوى، وواقعهم في مهالك الردى، فأصبحوا بنفوس أصبى وقلوب مولى.
{ سوآء عليهم ءأنذرتهم } [البقرة: 6]، بالوعد والوعيد وخوفهم بالعذاب الشديد { أم لم تنذرهم } [البقرة: 6]، لم تحذرهم { لا يؤمنون } [البقرة: 6]، بما أخبرتم ودعوتهم إليه وأنذرتهم عليه؛ لأن روزنة قلوبهم إلى عالم الغيب منسدة بغشاوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مغفولة عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى:
أم على قلوب أقفالهآ
[محمد: 24] فما تشموا روائح الإنس من رياض القدس، بل هبت عليهم ريح ضرر الشقاوة من جهة حكم السابقة، وأدركهم بالختم على أقفالها كما قال تعالى: { ختم الله على قلوبهم } [البقرة: 7]، في الختم إشارة إلى بداية سوابق أحكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والإرادة الأزلية للخليقة، كما قال تعالى:
فمنهم شقي وسعيد
[هود: 105]، مع حسن استعداد جميعهم بقبول الإيمان والكفر، ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } جميعا، ثم أودع الله الذرات في القلوب والقلوب في الأجساد، والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث، وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة إلى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي سمعت خطاب الحق، وشاهدت كمال الحق إلى وقت ولادة كل إنسان كما قال صلى الله عليه وسلم:
" كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "
وفيه إشارة إلى أن الله يكل الأشقياء إلى تربية الوالدين في معنى الدين حتى يلقونهم تقليد ما ألفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم، كما قال تعالى:
أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين
[الأنبياء: 54]، فكانت تلك الشقاوة المقدرة مضمرة في ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة، ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج إلى القلوب؛ فيقسيها ويسودها ويغطيها، ويسد روزنتها إلى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر أهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمعون بسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون، فينكرون على الأنبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم إليه، فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم، كقوله تعالى
بل طبع الله عليها بكفرهم
[النساء: 155]، فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيظهر آثار السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بإنكار الأشقياء وكفرهم من القدر، كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور، فيخرج مع الأغصان من الشجرة وهو في الأغصان مستور، حتى يخرج مع الثمرة من الأغصان وهو في الثمرة مستور، حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر، وهو بذر السعادة أو الشقاوة مستور في علم الله تعالى، فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج مع أغصان الأخلاق وهي مستورة فيها، فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار والإنكار والإيمان والكفر، فيختم ظهور سر القدر وهو السعادة أو الشقاوة بثمرة الإيمان أو الكفر، فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة أو الشقاوة، فالذين { ختم الله على قلوبهم } إنما ختم بخاتم كفرهم.
وإن كان نقش خاتمهم هو الأحكام الأزلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم { وعلى سمعهم } [البقرة: 7] حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذي الجلال { وعلى أبصرهم غشاوة } [البقرة: 7]، من العمى والضلال، فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم { ولهم عذاب عظيم } [البقرة: 7]، لأنهم منعوا من مرادهم وهو العلي العظيم، فعظم العذاب يكون على قدر عظمة المراد الممنوع منه.
ثم بعد ذكر المؤمنين وأحوالهم والكافرين وأفعالهم ذكر المنافقين وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم بقوله: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر } [البقرة: 8]، والناس هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم من يقول آمنا بالله بلسانه
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
[آل عمران: 167]، فإن الإيمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه الله في قلوب خواصه، وقوله تعالى: { وباليوم الآخر } [البقرة: 8] أي: بنور الله يشاهد الآخرة فيؤمن به، فمن لم ينظر بنور الله لا يكون مشاهد العالم الغيب، فلا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر.
ولهذا قال: { وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8] أي: بالذي يؤمنون من نور الله تعالى. وفيه معنى آخر: وما هم بمستعدين للهداية إلى الإيمان الحقيقي؛ لأنهم من غاية الغلالة والخذلان { يخادعون الله والذين آمنوا } [البقرة: 9] أي: يمكرون بالله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر لينالوا من الله والمؤمنين منافع الإيمان من الأمان عن القتل والنهب والأسر وغير ذلك من تظلم مصالح الدنيا، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل ثمر بذر سر القدر المستور في أعمال ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر أن مخادعته نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في قلبه كما قال تعالى:
زين للناس حب الشهوات
[آل عمران: 14]، فالخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله تعالى وطلب السعادة الأخروية فعلى الحقيقة هو المخادع الممكور.
كما قال تعالى:
يخادعون الله وهو خادعهم
[النساء: 142]، فعلى هذا: { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، حقيقة في صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا؛ لأنهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع إمكان ظهور الإيمان عنهم، فلما شرعوا في إظهار النفاق بطريق المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار وبطلوا استعداد قبول الإيمان وإمكانه عن أنفسهم، فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة إلى أنفسهم { وما يشعرون } [البقرة: 9] أي: ليس لهم الشعور بسر القدر الأزلي، وأن معاملتهم في المكر والخداع من نتائجه؛ لأن { في قلوبهم مرض } [البقرة: 10]، ومرض القلب مانعهم من شعور سر القدر، والإشارة في تحقيق الآية أن سر مرض قلوبهم إنما كان من بذر تقدير شقاوتهم في الأزل، فأنبت شجرة الشك والنفاق في قلوبهم بماء حب الدنيا، فأحبهم وأعمى أبصارهم حتى لم يبق لقلوبهم الشعور بالآفات، ولو كانت قلوبهم سالمة من هذه العاهة والمرض لعلموا أن مفسدة نفاقهم ومخادعتهم راجعة إليهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يظهر نفاقهم وبه يفضحهم عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى يوم القيامة، ويزيد شؤم نفاقهم في مرض قلوبهم، كما قال تعالى: { فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10]، وأما في الآخرة فلا ينفعهم المال والبنون وما يمكر بهم في الدنيا بسبب نفاقهم الذي يزيد في مرض قلوبهم، وإنما تكون منفعتهم هناك في القلب السليم لا في المال السليم، كما قال تعالى:
يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم
[الشعراء: 88-89]، فللمنافق لما أفسد بالنفاق على نفسه سلامة قلبه لسلامة ماله وأهله لا ينفعه أهله وماله، ولكن يزيد نفاقه وكذبه في ألم عذابه، كما قال تعالى: { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } [البقرة: 10]، ففيها وفي قراءة من قرأ: { كانوا يكذبون } دلالة على أن لكذبهم ونفاقهم عذابا ولتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم عذابا آخر، فيكون ألم عذابهم بالنسبة إلى الكفار ضعفين، نظيره قوله تعالى:
وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]، أنهم ضعفين من العذاب يعني عذاب الضلالة والإضلال فاختصاص المنافقين بالدرك الأسفل من النار لهذا المعنى، فإنهم مع الكفار مشتركون في دركات النار، وهم مختصون بالدرك الأسفل بمزيد نفاقهم على الكفر، والله أعلم.
وفي الآيات الثلاث إشارات ودلالات أخر؛ وهي قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8]، إشارة إلى أهل الغفلة والنسيان من المسلمين يظنون أنهم مؤمنون حقا وإنما هم مؤمنون باللسان والتقليد، وهم يحسبون أنهم آمنوا بالتحقيق، فما هم بمؤمنين حقيقة بل هم مسلمون، كما قال تعالى:
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم
[الحجرات: 14]، والإيمان الحقيقي نور إذا دخل القلب، فيظهر على المؤمن حقيقة، كما كان لحارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كيف أصحبت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: يا حارثة إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوت عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتضاغون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم ".
{ يخادعون الله } [البقرة: 9] أي: بأعمالهم ويطلبون منافع الدنيا والآخرة ولا يطلبونه { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، بغير الله عن الله { وما يشعرون } [البقرة: 9]، وليس لهم شعور بهذا الخداع والحرمان عن الله بغير الله
في قلوبهم مرض
[المائدة: 52]، الالتفات إلى غير الله، ولو كانت قلوبهم سليمة من هذه العلة والمرض لشاهدوا جمال الحق فأحبوه حبا شديدا، ولم تبق محبة غير الله في قلوبهم، كما قال تعالى:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165].
{ فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10] أي: فزاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا عن الوصول والوصول { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 10]، من حرمان الوصول إلى الله تعالى بما كانوا يكذبون، إنا أمنا بالله.
البقرة 2:7
{ إن الذين كفروا } [البقرة: 6]، أي: حجروا ربوبيتي بعد إقرارهم في عهد
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، بإجابة { بلى } ستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من أعمالهم الطبيعية النفسانية، وأفسدوا حسن استعدادهم من فطرة الله التي فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، وذلك أن أرواحهم النفيسة لما نظروا بروزنة الحواس الخمس إلى عالم الصورة الحسية حجبت عن مألوفاتها ومجارياتها، ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها، ولهذا سمي الإنسان إنسانا؛ لأنه أنيس، فبمجاورة النفس الخسيسة صار الروح النفيس خسيسا، فاستحسن ما استحسنته النفس واستلذ بما استلذت به النفس، واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطعت عنه الأغذية الروحانية ونسي حضائر القدس وجوار الحق ورياض الأنس، ولهذا سمي الناس ناسا لأنهم نسوا فتاهوا في أودية الخسران فاستهواهم الشيطان في الأرض حيران، ولما نسوا الله بالكفر فنسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم الهوى، وواقعهم في مهالك الردى، فأصبحوا بنفوس أصبى وقلوب مولى.
{ سوآء عليهم ءأنذرتهم } [البقرة: 6]، بالوعد والوعيد وخوفهم بالعذاب الشديد { أم لم تنذرهم } [البقرة: 6]، لم تحذرهم { لا يؤمنون } [البقرة: 6]، بما أخبرتم ودعوتهم إليه وأنذرتهم عليه؛ لأن روزنة قلوبهم إلى عالم الغيب منسدة بغشاوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مغفولة عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى:
أم على قلوب أقفالهآ
[محمد: 24] فما تشموا روائح الإنس من رياض القدس، بل هبت عليهم ريح ضرر الشقاوة من جهة حكم السابقة، وأدركهم بالختم على أقفالها كما قال تعالى: { ختم الله على قلوبهم } [البقرة: 7]، في الختم إشارة إلى بداية سوابق أحكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والإرادة الأزلية للخليقة، كما قال تعالى:
فمنهم شقي وسعيد
[هود: 105]، مع حسن استعداد جميعهم بقبول الإيمان والكفر، ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } جميعا، ثم أودع الله الذرات في القلوب والقلوب في الأجساد، والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث، وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة إلى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي سمعت خطاب الحق، وشاهدت كمال الحق إلى وقت ولادة كل إنسان كما قال صلى الله عليه وسلم:
" كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "
وفيه إشارة إلى أن الله يكل الأشقياء إلى تربية الوالدين في معنى الدين حتى يلقونهم تقليد ما ألفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم، كما قال تعالى:
أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين
[الأنبياء: 54]، فكانت تلك الشقاوة المقدرة مضمرة في ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة، ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج إلى القلوب؛ فيقسيها ويسودها ويغطيها، ويسد روزنتها إلى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر أهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمعون بسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون، فينكرون على الأنبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم إليه، فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم، كقوله تعالى
بل طبع الله عليها بكفرهم
[النساء: 155]، فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيظهر آثار السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بإنكار الأشقياء وكفرهم من القدر، كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور، فيخرج مع الأغصان من الشجرة وهو في الأغصان مستور، حتى يخرج مع الثمرة من الأغصان وهو في الثمرة مستور، حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر، وهو بذر السعادة أو الشقاوة مستور في علم الله تعالى، فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج مع أغصان الأخلاق وهي مستورة فيها، فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار والإنكار والإيمان والكفر، فيختم ظهور سر القدر وهو السعادة أو الشقاوة بثمرة الإيمان أو الكفر، فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة أو الشقاوة، فالذين { ختم الله على قلوبهم } إنما ختم بخاتم كفرهم.
وإن كان نقش خاتمهم هو الأحكام الأزلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم { وعلى سمعهم } [البقرة: 7] حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذي الجلال { وعلى أبصرهم غشاوة } [البقرة: 7]، من العمى والضلال، فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم { ولهم عذاب عظيم } [البقرة: 7]، لأنهم منعوا من مرادهم وهو العلي العظيم، فعظم العذاب يكون على قدر عظمة المراد الممنوع منه.
ثم بعد ذكر المؤمنين وأحوالهم والكافرين وأفعالهم ذكر المنافقين وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم بقوله: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر } [البقرة: 8]، والناس هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم من يقول آمنا بالله بلسانه
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
[آل عمران: 167]، فإن الإيمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه الله في قلوب خواصه، وقوله تعالى: { وباليوم الآخر } [البقرة: 8] أي: بنور الله يشاهد الآخرة فيؤمن به، فمن لم ينظر بنور الله لا يكون مشاهد العالم الغيب، فلا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر.
ولهذا قال: { وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8] أي: بالذي يؤمنون من نور الله تعالى. وفيه معنى آخر: وما هم بمستعدين للهداية إلى الإيمان الحقيقي؛ لأنهم من غاية الغلالة والخذلان { يخادعون الله والذين آمنوا } [البقرة: 9] أي: يمكرون بالله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر لينالوا من الله والمؤمنين منافع الإيمان من الأمان عن القتل والنهب والأسر وغير ذلك من تظلم مصالح الدنيا، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل ثمر بذر سر القدر المستور في أعمال ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر أن مخادعته نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في قلبه كما قال تعالى:
زين للناس حب الشهوات
[آل عمران: 14]، فالخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله تعالى وطلب السعادة الأخروية فعلى الحقيقة هو المخادع الممكور.
كما قال تعالى:
يخادعون الله وهو خادعهم
[النساء: 142]، فعلى هذا: { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، حقيقة في صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا؛ لأنهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع إمكان ظهور الإيمان عنهم، فلما شرعوا في إظهار النفاق بطريق المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار وبطلوا استعداد قبول الإيمان وإمكانه عن أنفسهم، فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة إلى أنفسهم { وما يشعرون } [البقرة: 9] أي: ليس لهم الشعور بسر القدر الأزلي، وأن معاملتهم في المكر والخداع من نتائجه؛ لأن { في قلوبهم مرض } [البقرة: 10]، ومرض القلب مانعهم من شعور سر القدر، والإشارة في تحقيق الآية أن سر مرض قلوبهم إنما كان من بذر تقدير شقاوتهم في الأزل، فأنبت شجرة الشك والنفاق في قلوبهم بماء حب الدنيا، فأحبهم وأعمى أبصارهم حتى لم يبق لقلوبهم الشعور بالآفات، ولو كانت قلوبهم سالمة من هذه العاهة والمرض لعلموا أن مفسدة نفاقهم ومخادعتهم راجعة إليهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يظهر نفاقهم وبه يفضحهم عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى يوم القيامة، ويزيد شؤم نفاقهم في مرض قلوبهم، كما قال تعالى: { فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10]، وأما في الآخرة فلا ينفعهم المال والبنون وما يمكر بهم في الدنيا بسبب نفاقهم الذي يزيد في مرض قلوبهم، وإنما تكون منفعتهم هناك في القلب السليم لا في المال السليم، كما قال تعالى:
يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم
[الشعراء: 88-89]، فللمنافق لما أفسد بالنفاق على نفسه سلامة قلبه لسلامة ماله وأهله لا ينفعه أهله وماله، ولكن يزيد نفاقه وكذبه في ألم عذابه، كما قال تعالى: { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } [البقرة: 10]، ففيها وفي قراءة من قرأ: { كانوا يكذبون } دلالة على أن لكذبهم ونفاقهم عذابا ولتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم عذابا آخر، فيكون ألم عذابهم بالنسبة إلى الكفار ضعفين، نظيره قوله تعالى:
وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]، أنهم ضعفين من العذاب يعني عذاب الضلالة والإضلال فاختصاص المنافقين بالدرك الأسفل من النار لهذا المعنى، فإنهم مع الكفار مشتركون في دركات النار، وهم مختصون بالدرك الأسفل بمزيد نفاقهم على الكفر، والله أعلم.
وفي الآيات الثلاث إشارات ودلالات أخر؛ وهي قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8]، إشارة إلى أهل الغفلة والنسيان من المسلمين يظنون أنهم مؤمنون حقا وإنما هم مؤمنون باللسان والتقليد، وهم يحسبون أنهم آمنوا بالتحقيق، فما هم بمؤمنين حقيقة بل هم مسلمون، كما قال تعالى:
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم
[الحجرات: 14]، والإيمان الحقيقي نور إذا دخل القلب، فيظهر على المؤمن حقيقة، كما كان لحارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كيف أصحبت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: يا حارثة إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوت عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتضاغون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم ".
{ يخادعون الله } [البقرة: 9] أي: بأعمالهم ويطلبون منافع الدنيا والآخرة ولا يطلبونه { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، بغير الله عن الله { وما يشعرون } [البقرة: 9]، وليس لهم شعور بهذا الخداع والحرمان عن الله بغير الله
في قلوبهم مرض
[المائدة: 52]، الالتفات إلى غير الله، ولو كانت قلوبهم سليمة من هذه العلة والمرض لشاهدوا جمال الحق فأحبوه حبا شديدا، ولم تبق محبة غير الله في قلوبهم، كما قال تعالى:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165].
{ فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10] أي: فزاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا عن الوصول والوصول { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 10]، من حرمان الوصول إلى الله تعالى بما كانوا يكذبون، إنا أمنا بالله.
البقرة 2:8
{ إن الذين كفروا } [البقرة: 6]، أي: حجروا ربوبيتي بعد إقرارهم في عهد
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، بإجابة { بلى } ستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من أعمالهم الطبيعية النفسانية، وأفسدوا حسن استعدادهم من فطرة الله التي فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، وذلك أن أرواحهم النفيسة لما نظروا بروزنة الحواس الخمس إلى عالم الصورة الحسية حجبت عن مألوفاتها ومجارياتها، ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها، ولهذا سمي الإنسان إنسانا؛ لأنه أنيس، فبمجاورة النفس الخسيسة صار الروح النفيس خسيسا، فاستحسن ما استحسنته النفس واستلذ بما استلذت به النفس، واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطعت عنه الأغذية الروحانية ونسي حضائر القدس وجوار الحق ورياض الأنس، ولهذا سمي الناس ناسا لأنهم نسوا فتاهوا في أودية الخسران فاستهواهم الشيطان في الأرض حيران، ولما نسوا الله بالكفر فنسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم الهوى، وواقعهم في مهالك الردى، فأصبحوا بنفوس أصبى وقلوب مولى.
{ سوآء عليهم ءأنذرتهم } [البقرة: 6]، بالوعد والوعيد وخوفهم بالعذاب الشديد { أم لم تنذرهم } [البقرة: 6]، لم تحذرهم { لا يؤمنون } [البقرة: 6]، بما أخبرتم ودعوتهم إليه وأنذرتهم عليه؛ لأن روزنة قلوبهم إلى عالم الغيب منسدة بغشاوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مغفولة عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى:
أم على قلوب أقفالهآ
[محمد: 24] فما تشموا روائح الإنس من رياض القدس، بل هبت عليهم ريح ضرر الشقاوة من جهة حكم السابقة، وأدركهم بالختم على أقفالها كما قال تعالى: { ختم الله على قلوبهم } [البقرة: 7]، في الختم إشارة إلى بداية سوابق أحكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والإرادة الأزلية للخليقة، كما قال تعالى:
فمنهم شقي وسعيد
[هود: 105]، مع حسن استعداد جميعهم بقبول الإيمان والكفر، ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } جميعا، ثم أودع الله الذرات في القلوب والقلوب في الأجساد، والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث، وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة إلى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي سمعت خطاب الحق، وشاهدت كمال الحق إلى وقت ولادة كل إنسان كما قال صلى الله عليه وسلم:
" كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "
وفيه إشارة إلى أن الله يكل الأشقياء إلى تربية الوالدين في معنى الدين حتى يلقونهم تقليد ما ألفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم، كما قال تعالى:
أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين
[الأنبياء: 54]، فكانت تلك الشقاوة المقدرة مضمرة في ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة، ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج إلى القلوب؛ فيقسيها ويسودها ويغطيها، ويسد روزنتها إلى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر أهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمعون بسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون، فينكرون على الأنبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم إليه، فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم، كقوله تعالى
بل طبع الله عليها بكفرهم
[النساء: 155]، فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيظهر آثار السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بإنكار الأشقياء وكفرهم من القدر، كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور، فيخرج مع الأغصان من الشجرة وهو في الأغصان مستور، حتى يخرج مع الثمرة من الأغصان وهو في الثمرة مستور، حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر، وهو بذر السعادة أو الشقاوة مستور في علم الله تعالى، فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج مع أغصان الأخلاق وهي مستورة فيها، فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار والإنكار والإيمان والكفر، فيختم ظهور سر القدر وهو السعادة أو الشقاوة بثمرة الإيمان أو الكفر، فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة أو الشقاوة، فالذين { ختم الله على قلوبهم } إنما ختم بخاتم كفرهم.
وإن كان نقش خاتمهم هو الأحكام الأزلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم { وعلى سمعهم } [البقرة: 7] حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذي الجلال { وعلى أبصرهم غشاوة } [البقرة: 7]، من العمى والضلال، فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم { ولهم عذاب عظيم } [البقرة: 7]، لأنهم منعوا من مرادهم وهو العلي العظيم، فعظم العذاب يكون على قدر عظمة المراد الممنوع منه.
ثم بعد ذكر المؤمنين وأحوالهم والكافرين وأفعالهم ذكر المنافقين وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم بقوله: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر } [البقرة: 8]، والناس هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم من يقول آمنا بالله بلسانه
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
[آل عمران: 167]، فإن الإيمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه الله في قلوب خواصه، وقوله تعالى: { وباليوم الآخر } [البقرة: 8] أي: بنور الله يشاهد الآخرة فيؤمن به، فمن لم ينظر بنور الله لا يكون مشاهد العالم الغيب، فلا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر.
ولهذا قال: { وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8] أي: بالذي يؤمنون من نور الله تعالى. وفيه معنى آخر: وما هم بمستعدين للهداية إلى الإيمان الحقيقي؛ لأنهم من غاية الغلالة والخذلان { يخادعون الله والذين آمنوا } [البقرة: 9] أي: يمكرون بالله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر لينالوا من الله والمؤمنين منافع الإيمان من الأمان عن القتل والنهب والأسر وغير ذلك من تظلم مصالح الدنيا، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل ثمر بذر سر القدر المستور في أعمال ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر أن مخادعته نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في قلبه كما قال تعالى:
زين للناس حب الشهوات
[آل عمران: 14]، فالخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله تعالى وطلب السعادة الأخروية فعلى الحقيقة هو المخادع الممكور.
كما قال تعالى:
يخادعون الله وهو خادعهم
[النساء: 142]، فعلى هذا: { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، حقيقة في صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا؛ لأنهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع إمكان ظهور الإيمان عنهم، فلما شرعوا في إظهار النفاق بطريق المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار وبطلوا استعداد قبول الإيمان وإمكانه عن أنفسهم، فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة إلى أنفسهم { وما يشعرون } [البقرة: 9] أي: ليس لهم الشعور بسر القدر الأزلي، وأن معاملتهم في المكر والخداع من نتائجه؛ لأن { في قلوبهم مرض } [البقرة: 10]، ومرض القلب مانعهم من شعور سر القدر، والإشارة في تحقيق الآية أن سر مرض قلوبهم إنما كان من بذر تقدير شقاوتهم في الأزل، فأنبت شجرة الشك والنفاق في قلوبهم بماء حب الدنيا، فأحبهم وأعمى أبصارهم حتى لم يبق لقلوبهم الشعور بالآفات، ولو كانت قلوبهم سالمة من هذه العاهة والمرض لعلموا أن مفسدة نفاقهم ومخادعتهم راجعة إليهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يظهر نفاقهم وبه يفضحهم عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى يوم القيامة، ويزيد شؤم نفاقهم في مرض قلوبهم، كما قال تعالى: { فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10]، وأما في الآخرة فلا ينفعهم المال والبنون وما يمكر بهم في الدنيا بسبب نفاقهم الذي يزيد في مرض قلوبهم، وإنما تكون منفعتهم هناك في القلب السليم لا في المال السليم، كما قال تعالى:
يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم
[الشعراء: 88-89]، فللمنافق لما أفسد بالنفاق على نفسه سلامة قلبه لسلامة ماله وأهله لا ينفعه أهله وماله، ولكن يزيد نفاقه وكذبه في ألم عذابه، كما قال تعالى: { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } [البقرة: 10]، ففيها وفي قراءة من قرأ: { كانوا يكذبون } دلالة على أن لكذبهم ونفاقهم عذابا ولتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم عذابا آخر، فيكون ألم عذابهم بالنسبة إلى الكفار ضعفين، نظيره قوله تعالى:
وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]، أنهم ضعفين من العذاب يعني عذاب الضلالة والإضلال فاختصاص المنافقين بالدرك الأسفل من النار لهذا المعنى، فإنهم مع الكفار مشتركون في دركات النار، وهم مختصون بالدرك الأسفل بمزيد نفاقهم على الكفر، والله أعلم.
وفي الآيات الثلاث إشارات ودلالات أخر؛ وهي قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8]، إشارة إلى أهل الغفلة والنسيان من المسلمين يظنون أنهم مؤمنون حقا وإنما هم مؤمنون باللسان والتقليد، وهم يحسبون أنهم آمنوا بالتحقيق، فما هم بمؤمنين حقيقة بل هم مسلمون، كما قال تعالى:
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم
[الحجرات: 14]، والإيمان الحقيقي نور إذا دخل القلب، فيظهر على المؤمن حقيقة، كما كان لحارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كيف أصحبت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: يا حارثة إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوت عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتضاغون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم ".
{ يخادعون الله } [البقرة: 9] أي: بأعمالهم ويطلبون منافع الدنيا والآخرة ولا يطلبونه { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، بغير الله عن الله { وما يشعرون } [البقرة: 9]، وليس لهم شعور بهذا الخداع والحرمان عن الله بغير الله
في قلوبهم مرض
[المائدة: 52]، الالتفات إلى غير الله، ولو كانت قلوبهم سليمة من هذه العلة والمرض لشاهدوا جمال الحق فأحبوه حبا شديدا، ولم تبق محبة غير الله في قلوبهم، كما قال تعالى:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165].
{ فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10] أي: فزاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا عن الوصول والوصول { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 10]، من حرمان الوصول إلى الله تعالى بما كانوا يكذبون، إنا أمنا بالله.
البقرة 2:9
{ إن الذين كفروا } [البقرة: 6]، أي: حجروا ربوبيتي بعد إقرارهم في عهد
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، بإجابة { بلى } ستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من أعمالهم الطبيعية النفسانية، وأفسدوا حسن استعدادهم من فطرة الله التي فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، وذلك أن أرواحهم النفيسة لما نظروا بروزنة الحواس الخمس إلى عالم الصورة الحسية حجبت عن مألوفاتها ومجارياتها، ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها، ولهذا سمي الإنسان إنسانا؛ لأنه أنيس، فبمجاورة النفس الخسيسة صار الروح النفيس خسيسا، فاستحسن ما استحسنته النفس واستلذ بما استلذت به النفس، واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطعت عنه الأغذية الروحانية ونسي حضائر القدس وجوار الحق ورياض الأنس، ولهذا سمي الناس ناسا لأنهم نسوا فتاهوا في أودية الخسران فاستهواهم الشيطان في الأرض حيران، ولما نسوا الله بالكفر فنسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم الهوى، وواقعهم في مهالك الردى، فأصبحوا بنفوس أصبى وقلوب مولى.
{ سوآء عليهم ءأنذرتهم } [البقرة: 6]، بالوعد والوعيد وخوفهم بالعذاب الشديد { أم لم تنذرهم } [البقرة: 6]، لم تحذرهم { لا يؤمنون } [البقرة: 6]، بما أخبرتم ودعوتهم إليه وأنذرتهم عليه؛ لأن روزنة قلوبهم إلى عالم الغيب منسدة بغشاوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مغفولة عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى:
أم على قلوب أقفالهآ
[محمد: 24] فما تشموا روائح الإنس من رياض القدس، بل هبت عليهم ريح ضرر الشقاوة من جهة حكم السابقة، وأدركهم بالختم على أقفالها كما قال تعالى: { ختم الله على قلوبهم } [البقرة: 7]، في الختم إشارة إلى بداية سوابق أحكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والإرادة الأزلية للخليقة، كما قال تعالى:
فمنهم شقي وسعيد
[هود: 105]، مع حسن استعداد جميعهم بقبول الإيمان والكفر، ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } جميعا، ثم أودع الله الذرات في القلوب والقلوب في الأجساد، والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث، وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة إلى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي سمعت خطاب الحق، وشاهدت كمال الحق إلى وقت ولادة كل إنسان كما قال صلى الله عليه وسلم:
" كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "
وفيه إشارة إلى أن الله يكل الأشقياء إلى تربية الوالدين في معنى الدين حتى يلقونهم تقليد ما ألفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم، كما قال تعالى:
أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين
[الأنبياء: 54]، فكانت تلك الشقاوة المقدرة مضمرة في ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة، ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج إلى القلوب؛ فيقسيها ويسودها ويغطيها، ويسد روزنتها إلى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر أهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمعون بسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون، فينكرون على الأنبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم إليه، فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم، كقوله تعالى
بل طبع الله عليها بكفرهم
[النساء: 155]، فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيظهر آثار السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بإنكار الأشقياء وكفرهم من القدر، كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور، فيخرج مع الأغصان من الشجرة وهو في الأغصان مستور، حتى يخرج مع الثمرة من الأغصان وهو في الثمرة مستور، حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر، وهو بذر السعادة أو الشقاوة مستور في علم الله تعالى، فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج مع أغصان الأخلاق وهي مستورة فيها، فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار والإنكار والإيمان والكفر، فيختم ظهور سر القدر وهو السعادة أو الشقاوة بثمرة الإيمان أو الكفر، فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة أو الشقاوة، فالذين { ختم الله على قلوبهم } إنما ختم بخاتم كفرهم.
وإن كان نقش خاتمهم هو الأحكام الأزلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم { وعلى سمعهم } [البقرة: 7] حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذي الجلال { وعلى أبصرهم غشاوة } [البقرة: 7]، من العمى والضلال، فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم { ولهم عذاب عظيم } [البقرة: 7]، لأنهم منعوا من مرادهم وهو العلي العظيم، فعظم العذاب يكون على قدر عظمة المراد الممنوع منه.
ثم بعد ذكر المؤمنين وأحوالهم والكافرين وأفعالهم ذكر المنافقين وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم بقوله: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر } [البقرة: 8]، والناس هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم من يقول آمنا بالله بلسانه
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
[آل عمران: 167]، فإن الإيمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه الله في قلوب خواصه، وقوله تعالى: { وباليوم الآخر } [البقرة: 8] أي: بنور الله يشاهد الآخرة فيؤمن به، فمن لم ينظر بنور الله لا يكون مشاهد العالم الغيب، فلا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر.
ولهذا قال: { وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8] أي: بالذي يؤمنون من نور الله تعالى. وفيه معنى آخر: وما هم بمستعدين للهداية إلى الإيمان الحقيقي؛ لأنهم من غاية الغلالة والخذلان { يخادعون الله والذين آمنوا } [البقرة: 9] أي: يمكرون بالله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر لينالوا من الله والمؤمنين منافع الإيمان من الأمان عن القتل والنهب والأسر وغير ذلك من تظلم مصالح الدنيا، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل ثمر بذر سر القدر المستور في أعمال ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر أن مخادعته نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في قلبه كما قال تعالى:
زين للناس حب الشهوات
[آل عمران: 14]، فالخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله تعالى وطلب السعادة الأخروية فعلى الحقيقة هو المخادع الممكور.
كما قال تعالى:
يخادعون الله وهو خادعهم
[النساء: 142]، فعلى هذا: { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، حقيقة في صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا؛ لأنهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع إمكان ظهور الإيمان عنهم، فلما شرعوا في إظهار النفاق بطريق المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار وبطلوا استعداد قبول الإيمان وإمكانه عن أنفسهم، فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة إلى أنفسهم { وما يشعرون } [البقرة: 9] أي: ليس لهم الشعور بسر القدر الأزلي، وأن معاملتهم في المكر والخداع من نتائجه؛ لأن { في قلوبهم مرض } [البقرة: 10]، ومرض القلب مانعهم من شعور سر القدر، والإشارة في تحقيق الآية أن سر مرض قلوبهم إنما كان من بذر تقدير شقاوتهم في الأزل، فأنبت شجرة الشك والنفاق في قلوبهم بماء حب الدنيا، فأحبهم وأعمى أبصارهم حتى لم يبق لقلوبهم الشعور بالآفات، ولو كانت قلوبهم سالمة من هذه العاهة والمرض لعلموا أن مفسدة نفاقهم ومخادعتهم راجعة إليهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يظهر نفاقهم وبه يفضحهم عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى يوم القيامة، ويزيد شؤم نفاقهم في مرض قلوبهم، كما قال تعالى: { فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10]، وأما في الآخرة فلا ينفعهم المال والبنون وما يمكر بهم في الدنيا بسبب نفاقهم الذي يزيد في مرض قلوبهم، وإنما تكون منفعتهم هناك في القلب السليم لا في المال السليم، كما قال تعالى:
يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم
[الشعراء: 88-89]، فللمنافق لما أفسد بالنفاق على نفسه سلامة قلبه لسلامة ماله وأهله لا ينفعه أهله وماله، ولكن يزيد نفاقه وكذبه في ألم عذابه، كما قال تعالى: { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } [البقرة: 10]، ففيها وفي قراءة من قرأ: { كانوا يكذبون } دلالة على أن لكذبهم ونفاقهم عذابا ولتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم عذابا آخر، فيكون ألم عذابهم بالنسبة إلى الكفار ضعفين، نظيره قوله تعالى:
وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]، أنهم ضعفين من العذاب يعني عذاب الضلالة والإضلال فاختصاص المنافقين بالدرك الأسفل من النار لهذا المعنى، فإنهم مع الكفار مشتركون في دركات النار، وهم مختصون بالدرك الأسفل بمزيد نفاقهم على الكفر، والله أعلم.
وفي الآيات الثلاث إشارات ودلالات أخر؛ وهي قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8]، إشارة إلى أهل الغفلة والنسيان من المسلمين يظنون أنهم مؤمنون حقا وإنما هم مؤمنون باللسان والتقليد، وهم يحسبون أنهم آمنوا بالتحقيق، فما هم بمؤمنين حقيقة بل هم مسلمون، كما قال تعالى:
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم
[الحجرات: 14]، والإيمان الحقيقي نور إذا دخل القلب، فيظهر على المؤمن حقيقة، كما كان لحارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كيف أصحبت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: يا حارثة إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوت عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتضاغون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم ".
{ يخادعون الله } [البقرة: 9] أي: بأعمالهم ويطلبون منافع الدنيا والآخرة ولا يطلبونه { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، بغير الله عن الله { وما يشعرون } [البقرة: 9]، وليس لهم شعور بهذا الخداع والحرمان عن الله بغير الله
في قلوبهم مرض
[المائدة: 52]، الالتفات إلى غير الله، ولو كانت قلوبهم سليمة من هذه العلة والمرض لشاهدوا جمال الحق فأحبوه حبا شديدا، ولم تبق محبة غير الله في قلوبهم، كما قال تعالى:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165].
{ فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10] أي: فزاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا عن الوصول والوصول { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 10]، من حرمان الوصول إلى الله تعالى بما كانوا يكذبون، إنا أمنا بالله.
البقرة 2:10
{ إن الذين كفروا } [البقرة: 6]، أي: حجروا ربوبيتي بعد إقرارهم في عهد
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، بإجابة { بلى } ستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من أعمالهم الطبيعية النفسانية، وأفسدوا حسن استعدادهم من فطرة الله التي فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، وذلك أن أرواحهم النفيسة لما نظروا بروزنة الحواس الخمس إلى عالم الصورة الحسية حجبت عن مألوفاتها ومجارياتها، ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها، ولهذا سمي الإنسان إنسانا؛ لأنه أنيس، فبمجاورة النفس الخسيسة صار الروح النفيس خسيسا، فاستحسن ما استحسنته النفس واستلذ بما استلذت به النفس، واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطعت عنه الأغذية الروحانية ونسي حضائر القدس وجوار الحق ورياض الأنس، ولهذا سمي الناس ناسا لأنهم نسوا فتاهوا في أودية الخسران فاستهواهم الشيطان في الأرض حيران، ولما نسوا الله بالكفر فنسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم الهوى، وواقعهم في مهالك الردى، فأصبحوا بنفوس أصبى وقلوب مولى.
{ سوآء عليهم ءأنذرتهم } [البقرة: 6]، بالوعد والوعيد وخوفهم بالعذاب الشديد { أم لم تنذرهم } [البقرة: 6]، لم تحذرهم { لا يؤمنون } [البقرة: 6]، بما أخبرتم ودعوتهم إليه وأنذرتهم عليه؛ لأن روزنة قلوبهم إلى عالم الغيب منسدة بغشاوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مغفولة عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى:
أم على قلوب أقفالهآ
[محمد: 24] فما تشموا روائح الإنس من رياض القدس، بل هبت عليهم ريح ضرر الشقاوة من جهة حكم السابقة، وأدركهم بالختم على أقفالها كما قال تعالى: { ختم الله على قلوبهم } [البقرة: 7]، في الختم إشارة إلى بداية سوابق أحكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والإرادة الأزلية للخليقة، كما قال تعالى:
فمنهم شقي وسعيد
[هود: 105]، مع حسن استعداد جميعهم بقبول الإيمان والكفر، ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } جميعا، ثم أودع الله الذرات في القلوب والقلوب في الأجساد، والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث، وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة إلى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي سمعت خطاب الحق، وشاهدت كمال الحق إلى وقت ولادة كل إنسان كما قال صلى الله عليه وسلم:
" كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "
وفيه إشارة إلى أن الله يكل الأشقياء إلى تربية الوالدين في معنى الدين حتى يلقونهم تقليد ما ألفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم، كما قال تعالى:
أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين
[الأنبياء: 54]، فكانت تلك الشقاوة المقدرة مضمرة في ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة، ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج إلى القلوب؛ فيقسيها ويسودها ويغطيها، ويسد روزنتها إلى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر أهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمعون بسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون، فينكرون على الأنبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم إليه، فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم، كقوله تعالى
بل طبع الله عليها بكفرهم
[النساء: 155]، فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيظهر آثار السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بإنكار الأشقياء وكفرهم من القدر، كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور، فيخرج مع الأغصان من الشجرة وهو في الأغصان مستور، حتى يخرج مع الثمرة من الأغصان وهو في الثمرة مستور، حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر، وهو بذر السعادة أو الشقاوة مستور في علم الله تعالى، فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج مع أغصان الأخلاق وهي مستورة فيها، فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار والإنكار والإيمان والكفر، فيختم ظهور سر القدر وهو السعادة أو الشقاوة بثمرة الإيمان أو الكفر، فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة أو الشقاوة، فالذين { ختم الله على قلوبهم } إنما ختم بخاتم كفرهم.
وإن كان نقش خاتمهم هو الأحكام الأزلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم { وعلى سمعهم } [البقرة: 7] حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذي الجلال { وعلى أبصرهم غشاوة } [البقرة: 7]، من العمى والضلال، فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم { ولهم عذاب عظيم } [البقرة: 7]، لأنهم منعوا من مرادهم وهو العلي العظيم، فعظم العذاب يكون على قدر عظمة المراد الممنوع منه.
ثم بعد ذكر المؤمنين وأحوالهم والكافرين وأفعالهم ذكر المنافقين وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم بقوله: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر } [البقرة: 8]، والناس هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم من يقول آمنا بالله بلسانه
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
[آل عمران: 167]، فإن الإيمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه الله في قلوب خواصه، وقوله تعالى: { وباليوم الآخر } [البقرة: 8] أي: بنور الله يشاهد الآخرة فيؤمن به، فمن لم ينظر بنور الله لا يكون مشاهد العالم الغيب، فلا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر.
ولهذا قال: { وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8] أي: بالذي يؤمنون من نور الله تعالى. وفيه معنى آخر: وما هم بمستعدين للهداية إلى الإيمان الحقيقي؛ لأنهم من غاية الغلالة والخذلان { يخادعون الله والذين آمنوا } [البقرة: 9] أي: يمكرون بالله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر لينالوا من الله والمؤمنين منافع الإيمان من الأمان عن القتل والنهب والأسر وغير ذلك من تظلم مصالح الدنيا، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل ثمر بذر سر القدر المستور في أعمال ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر أن مخادعته نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في قلبه كما قال تعالى:
زين للناس حب الشهوات
[آل عمران: 14]، فالخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله تعالى وطلب السعادة الأخروية فعلى الحقيقة هو المخادع الممكور.
كما قال تعالى:
يخادعون الله وهو خادعهم
[النساء: 142]، فعلى هذا: { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، حقيقة في صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا؛ لأنهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع إمكان ظهور الإيمان عنهم، فلما شرعوا في إظهار النفاق بطريق المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار وبطلوا استعداد قبول الإيمان وإمكانه عن أنفسهم، فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة إلى أنفسهم { وما يشعرون } [البقرة: 9] أي: ليس لهم الشعور بسر القدر الأزلي، وأن معاملتهم في المكر والخداع من نتائجه؛ لأن { في قلوبهم مرض } [البقرة: 10]، ومرض القلب مانعهم من شعور سر القدر، والإشارة في تحقيق الآية أن سر مرض قلوبهم إنما كان من بذر تقدير شقاوتهم في الأزل، فأنبت شجرة الشك والنفاق في قلوبهم بماء حب الدنيا، فأحبهم وأعمى أبصارهم حتى لم يبق لقلوبهم الشعور بالآفات، ولو كانت قلوبهم سالمة من هذه العاهة والمرض لعلموا أن مفسدة نفاقهم ومخادعتهم راجعة إليهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يظهر نفاقهم وبه يفضحهم عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى يوم القيامة، ويزيد شؤم نفاقهم في مرض قلوبهم، كما قال تعالى: { فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10]، وأما في الآخرة فلا ينفعهم المال والبنون وما يمكر بهم في الدنيا بسبب نفاقهم الذي يزيد في مرض قلوبهم، وإنما تكون منفعتهم هناك في القلب السليم لا في المال السليم، كما قال تعالى:
يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم
[الشعراء: 88-89]، فللمنافق لما أفسد بالنفاق على نفسه سلامة قلبه لسلامة ماله وأهله لا ينفعه أهله وماله، ولكن يزيد نفاقه وكذبه في ألم عذابه، كما قال تعالى: { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } [البقرة: 10]، ففيها وفي قراءة من قرأ: { كانوا يكذبون } دلالة على أن لكذبهم ونفاقهم عذابا ولتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم عذابا آخر، فيكون ألم عذابهم بالنسبة إلى الكفار ضعفين، نظيره قوله تعالى:
وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]، أنهم ضعفين من العذاب يعني عذاب الضلالة والإضلال فاختصاص المنافقين بالدرك الأسفل من النار لهذا المعنى، فإنهم مع الكفار مشتركون في دركات النار، وهم مختصون بالدرك الأسفل بمزيد نفاقهم على الكفر، والله أعلم.
وفي الآيات الثلاث إشارات ودلالات أخر؛ وهي قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8]، إشارة إلى أهل الغفلة والنسيان من المسلمين يظنون أنهم مؤمنون حقا وإنما هم مؤمنون باللسان والتقليد، وهم يحسبون أنهم آمنوا بالتحقيق، فما هم بمؤمنين حقيقة بل هم مسلمون، كما قال تعالى:
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم
[الحجرات: 14]، والإيمان الحقيقي نور إذا دخل القلب، فيظهر على المؤمن حقيقة، كما كان لحارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كيف أصحبت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: يا حارثة إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوت عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتضاغون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم ".
{ يخادعون الله } [البقرة: 9] أي: بأعمالهم ويطلبون منافع الدنيا والآخرة ولا يطلبونه { وما يخدعون إلا أنفسهم } [البقرة: 9]، بغير الله عن الله { وما يشعرون } [البقرة: 9]، وليس لهم شعور بهذا الخداع والحرمان عن الله بغير الله
في قلوبهم مرض
[المائدة: 52]، الالتفات إلى غير الله، ولو كانت قلوبهم سليمة من هذه العلة والمرض لشاهدوا جمال الحق فأحبوه حبا شديدا، ولم تبق محبة غير الله في قلوبهم، كما قال تعالى:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165].
{ فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10] أي: فزاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا عن الوصول والوصول { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 10]، من حرمان الوصول إلى الله تعالى بما كانوا يكذبون، إنا أمنا بالله.
البقرة 2:11
ثم ذكر من خصال هؤلاء الممكورين ما يدل على أنهم من المغرورين بقول تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } [البقرة: 11]، إلى { لا يعلمون } [البقرة: 13] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الإنسان - وإن خلق مستعدا لخلافة الأرض -، ولكنه في بداية الخلقة معلول الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا إلى الفساد.
كما أخبرت عنه الملائكة:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فبأوامر الشريعة ونواهيها تخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان، فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق، ويقبلون الأوامر والنواهي، وأهل الشقاوة وهم الكافرون والمنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى، { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } أي: لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة في الأرض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا { قالوا إنما نحن مصلحون } [البقرة: 11]، لا يقبلون النصيحة ويدعون الصلاحية غافلين عن حقيقتها، فكذبهم الله تعالى بقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } [البقرة: 12]، يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم { ولكن لا يشعرون } [البقرة: 12]، لهم بإفساد حالهم وسوء أعمالهم وعظم وبالهم من خسارة حسن صنيعهم وادعائهم الصلاح على أنفسهم، كما قال تعالى:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[الكهف: 103].
{ وإذا قيل لهم آمنوا } [البقرة: 13] أي: أهل الغفلة والنسيان { كمآ آمن الناس } [البقرة: 13] أي: بعض الناسين منكم الذين تفكروا في آلاء الله وتدبروا بعد عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومعاهده على التوحيد والعبودية، فتذكروا تلك العهود والمواثيق، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { قالوا } [البقرة: 13]، أهل الشقاوة منهم { أنؤمن كمآ آمن السفهآء } [البقرة: 13]، فكذلك أحوال أصحاب الغفلات تدعي الإسلام إذا دعوا من الإيمان التقليدي الذي وجدوه بالميراث إلى الإيمان الحقيقي بصدق الطلب، وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع عن الخلق والتمادي في الباطل، ينسبون أرباب العلويات وأصحاب المقامات العالية إلى السفه والجنون، وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والمسكنة، ويقولون نترك الدنيا كما تركوه هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين إلى الخلق كما هم محتاجون، ولا يعلمون أنهم هم السفهاء؛ لقوله تعالى: { ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون } [البقرة: 13]، فهم السفهاء لمعنيين أحدهما: أنهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسفههم وعدم رشدهم.
والثاني: أنهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى والقربة والزلفى، فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب أهل الفناء ومشارب أولي النهى، كما قال تعالى:
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه
[البقرة: 130]، فإن " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ومن عرف ربه ترك غيره وعرف أهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم، ولا يسبهم إلى السفه وينظر إليهم بالعزة، فإن الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الأطمار، ووجوههم المسفرة عند الله كالشموس والأقمار، ولكن تحت قباب الغيرة مستورون، عن نظر الأغيار محجوبون.
وذكر المنافقون وأهل الغفلة بخصال أردأ من الأولى بقوله: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا } [البقرة: 14]، إلى { يعمهون } [البقرة: 15] والإشارة في تحقيق الآيتين أن المنافقين لما أرادوا أن يجمعوا بين غيرة الكفار وصحبة المسلمين، وأن يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الإيمان، وكان الجمع بين الضدين غير جائز، فبقوا بين الباب والدار
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
[النساء: 143]، وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن العادة، ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين ويتمنون أعلى مراتب الدين، ويرتعون في أسفل مراتب الدنيا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من حيث أدبر النهار من هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس الدين بالتمني "
وقال:
" بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات ".
وقد قيل: الدنيا والآخرة امرأتان ضرتان، فمن يطلب الجمع بينهما فممكور، ومن يدعي الجمع بينهما فمغرور، ومن كان له في كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلمه ربيط كان نهبا لأطوار يتقاوم قوم وينزل في قلبه كل فقه فقلبه أبدا خراب لا يهنأ له عيش دلالة في التحقيق. وليس من رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق، وكم في هذا البحر من أمثاله غريق، فظاهر الأمر يقتضي أنهم { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } [البقرة: 14]، ولكن حقيقة الأمر تدل على أن: { الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، لأن دواعي استهزائهم بأهل الدين وازدرائهم بأرباب اليقين من نتائج الخذلان، فإن الله يكلهم إلى أنفسهم فتأمرهم النفس الأمارة للاستهزاء وتحملهم على الازدراء فلو لم نجد لهم الحق وأدركتهم الرحمة لما أمرتهم بسوء الاستهزاء والازدراء، كما قال:
إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53] ومن الخذلان { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، أي يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم يستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم.
كما قال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، فكانت جزاء سيئة ترددهم في الدين وثوابهم في طلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والإمهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمى، فيترددون في الضلالة متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج إلى الحق وجزاء سيئة العمى قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل إليهم وقال: { ولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال تمسك الملاك فلا يمكنهم الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة على الهدى { فما ربحت تجارتهم } [البقرة: 16]، لأن خسران من رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد خسرانا وأعظم حرمانا، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته مولاه الذي فاته بفواته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، وخسران بيع الهدى بوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم.
كما قال: { وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16]، لإبطالهم حسن استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } [البقرة: 17]، والإشارة في تحقيق الآية أنه مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة مدة وتبعني بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، { أضآءت ما حوله } [البقرة: 17]، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله.
كما قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] وكما قيل:
حين قر الهوى وقلنا سررنا
وحسبنا من الفراق أمنا
بعث البين رسل في خفاء
فأبادوا من شملنا ما جمعنا
البقرة 2:12
ثم ذكر من خصال هؤلاء الممكورين ما يدل على أنهم من المغرورين بقول تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } [البقرة: 11]، إلى { لا يعلمون } [البقرة: 13] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الإنسان - وإن خلق مستعدا لخلافة الأرض -، ولكنه في بداية الخلقة معلول الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا إلى الفساد.
كما أخبرت عنه الملائكة:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فبأوامر الشريعة ونواهيها تخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان، فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق، ويقبلون الأوامر والنواهي، وأهل الشقاوة وهم الكافرون والمنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى، { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } أي: لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة في الأرض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا { قالوا إنما نحن مصلحون } [البقرة: 11]، لا يقبلون النصيحة ويدعون الصلاحية غافلين عن حقيقتها، فكذبهم الله تعالى بقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } [البقرة: 12]، يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم { ولكن لا يشعرون } [البقرة: 12]، لهم بإفساد حالهم وسوء أعمالهم وعظم وبالهم من خسارة حسن صنيعهم وادعائهم الصلاح على أنفسهم، كما قال تعالى:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[الكهف: 103].
{ وإذا قيل لهم آمنوا } [البقرة: 13] أي: أهل الغفلة والنسيان { كمآ آمن الناس } [البقرة: 13] أي: بعض الناسين منكم الذين تفكروا في آلاء الله وتدبروا بعد عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومعاهده على التوحيد والعبودية، فتذكروا تلك العهود والمواثيق، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { قالوا } [البقرة: 13]، أهل الشقاوة منهم { أنؤمن كمآ آمن السفهآء } [البقرة: 13]، فكذلك أحوال أصحاب الغفلات تدعي الإسلام إذا دعوا من الإيمان التقليدي الذي وجدوه بالميراث إلى الإيمان الحقيقي بصدق الطلب، وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع عن الخلق والتمادي في الباطل، ينسبون أرباب العلويات وأصحاب المقامات العالية إلى السفه والجنون، وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والمسكنة، ويقولون نترك الدنيا كما تركوه هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين إلى الخلق كما هم محتاجون، ولا يعلمون أنهم هم السفهاء؛ لقوله تعالى: { ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون } [البقرة: 13]، فهم السفهاء لمعنيين أحدهما: أنهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسفههم وعدم رشدهم.
والثاني: أنهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى والقربة والزلفى، فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب أهل الفناء ومشارب أولي النهى، كما قال تعالى:
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه
[البقرة: 130]، فإن " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ومن عرف ربه ترك غيره وعرف أهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم، ولا يسبهم إلى السفه وينظر إليهم بالعزة، فإن الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الأطمار، ووجوههم المسفرة عند الله كالشموس والأقمار، ولكن تحت قباب الغيرة مستورون، عن نظر الأغيار محجوبون.
وذكر المنافقون وأهل الغفلة بخصال أردأ من الأولى بقوله: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا } [البقرة: 14]، إلى { يعمهون } [البقرة: 15] والإشارة في تحقيق الآيتين أن المنافقين لما أرادوا أن يجمعوا بين غيرة الكفار وصحبة المسلمين، وأن يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الإيمان، وكان الجمع بين الضدين غير جائز، فبقوا بين الباب والدار
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
[النساء: 143]، وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن العادة، ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين ويتمنون أعلى مراتب الدين، ويرتعون في أسفل مراتب الدنيا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من حيث أدبر النهار من هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس الدين بالتمني "
وقال:
" بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات ".
وقد قيل: الدنيا والآخرة امرأتان ضرتان، فمن يطلب الجمع بينهما فممكور، ومن يدعي الجمع بينهما فمغرور، ومن كان له في كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلمه ربيط كان نهبا لأطوار يتقاوم قوم وينزل في قلبه كل فقه فقلبه أبدا خراب لا يهنأ له عيش دلالة في التحقيق. وليس من رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق، وكم في هذا البحر من أمثاله غريق، فظاهر الأمر يقتضي أنهم { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } [البقرة: 14]، ولكن حقيقة الأمر تدل على أن: { الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، لأن دواعي استهزائهم بأهل الدين وازدرائهم بأرباب اليقين من نتائج الخذلان، فإن الله يكلهم إلى أنفسهم فتأمرهم النفس الأمارة للاستهزاء وتحملهم على الازدراء فلو لم نجد لهم الحق وأدركتهم الرحمة لما أمرتهم بسوء الاستهزاء والازدراء، كما قال:
إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53] ومن الخذلان { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، أي يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم يستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم.
كما قال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، فكانت جزاء سيئة ترددهم في الدين وثوابهم في طلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والإمهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمى، فيترددون في الضلالة متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج إلى الحق وجزاء سيئة العمى قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل إليهم وقال: { ولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال تمسك الملاك فلا يمكنهم الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة على الهدى { فما ربحت تجارتهم } [البقرة: 16]، لأن خسران من رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد خسرانا وأعظم حرمانا، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته مولاه الذي فاته بفواته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، وخسران بيع الهدى بوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم.
كما قال: { وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16]، لإبطالهم حسن استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } [البقرة: 17]، والإشارة في تحقيق الآية أنه مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة مدة وتبعني بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، { أضآءت ما حوله } [البقرة: 17]، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله.
كما قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] وكما قيل:
حين قر الهوى وقلنا سررنا
وحسبنا من الفراق أمنا
بعث البين رسل في خفاء
فأبادوا من شملنا ما جمعنا
البقرة 2:13
ثم ذكر من خصال هؤلاء الممكورين ما يدل على أنهم من المغرورين بقول تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } [البقرة: 11]، إلى { لا يعلمون } [البقرة: 13] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الإنسان - وإن خلق مستعدا لخلافة الأرض -، ولكنه في بداية الخلقة معلول الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا إلى الفساد.
كما أخبرت عنه الملائكة:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فبأوامر الشريعة ونواهيها تخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان، فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق، ويقبلون الأوامر والنواهي، وأهل الشقاوة وهم الكافرون والمنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى، { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } أي: لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة في الأرض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا { قالوا إنما نحن مصلحون } [البقرة: 11]، لا يقبلون النصيحة ويدعون الصلاحية غافلين عن حقيقتها، فكذبهم الله تعالى بقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } [البقرة: 12]، يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم { ولكن لا يشعرون } [البقرة: 12]، لهم بإفساد حالهم وسوء أعمالهم وعظم وبالهم من خسارة حسن صنيعهم وادعائهم الصلاح على أنفسهم، كما قال تعالى:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[الكهف: 103].
{ وإذا قيل لهم آمنوا } [البقرة: 13] أي: أهل الغفلة والنسيان { كمآ آمن الناس } [البقرة: 13] أي: بعض الناسين منكم الذين تفكروا في آلاء الله وتدبروا بعد عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومعاهده على التوحيد والعبودية، فتذكروا تلك العهود والمواثيق، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { قالوا } [البقرة: 13]، أهل الشقاوة منهم { أنؤمن كمآ آمن السفهآء } [البقرة: 13]، فكذلك أحوال أصحاب الغفلات تدعي الإسلام إذا دعوا من الإيمان التقليدي الذي وجدوه بالميراث إلى الإيمان الحقيقي بصدق الطلب، وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع عن الخلق والتمادي في الباطل، ينسبون أرباب العلويات وأصحاب المقامات العالية إلى السفه والجنون، وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والمسكنة، ويقولون نترك الدنيا كما تركوه هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين إلى الخلق كما هم محتاجون، ولا يعلمون أنهم هم السفهاء؛ لقوله تعالى: { ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون } [البقرة: 13]، فهم السفهاء لمعنيين أحدهما: أنهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسفههم وعدم رشدهم.
والثاني: أنهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى والقربة والزلفى، فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب أهل الفناء ومشارب أولي النهى، كما قال تعالى:
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه
[البقرة: 130]، فإن " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ومن عرف ربه ترك غيره وعرف أهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم، ولا يسبهم إلى السفه وينظر إليهم بالعزة، فإن الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الأطمار، ووجوههم المسفرة عند الله كالشموس والأقمار، ولكن تحت قباب الغيرة مستورون، عن نظر الأغيار محجوبون.
وذكر المنافقون وأهل الغفلة بخصال أردأ من الأولى بقوله: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا } [البقرة: 14]، إلى { يعمهون } [البقرة: 15] والإشارة في تحقيق الآيتين أن المنافقين لما أرادوا أن يجمعوا بين غيرة الكفار وصحبة المسلمين، وأن يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الإيمان، وكان الجمع بين الضدين غير جائز، فبقوا بين الباب والدار
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
[النساء: 143]، وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن العادة، ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين ويتمنون أعلى مراتب الدين، ويرتعون في أسفل مراتب الدنيا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من حيث أدبر النهار من هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس الدين بالتمني "
وقال:
" بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات ".
وقد قيل: الدنيا والآخرة امرأتان ضرتان، فمن يطلب الجمع بينهما فممكور، ومن يدعي الجمع بينهما فمغرور، ومن كان له في كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلمه ربيط كان نهبا لأطوار يتقاوم قوم وينزل في قلبه كل فقه فقلبه أبدا خراب لا يهنأ له عيش دلالة في التحقيق. وليس من رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق، وكم في هذا البحر من أمثاله غريق، فظاهر الأمر يقتضي أنهم { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } [البقرة: 14]، ولكن حقيقة الأمر تدل على أن: { الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، لأن دواعي استهزائهم بأهل الدين وازدرائهم بأرباب اليقين من نتائج الخذلان، فإن الله يكلهم إلى أنفسهم فتأمرهم النفس الأمارة للاستهزاء وتحملهم على الازدراء فلو لم نجد لهم الحق وأدركتهم الرحمة لما أمرتهم بسوء الاستهزاء والازدراء، كما قال:
إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53] ومن الخذلان { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، أي يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم يستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم.
كما قال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، فكانت جزاء سيئة ترددهم في الدين وثوابهم في طلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والإمهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمى، فيترددون في الضلالة متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج إلى الحق وجزاء سيئة العمى قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل إليهم وقال: { ولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال تمسك الملاك فلا يمكنهم الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة على الهدى { فما ربحت تجارتهم } [البقرة: 16]، لأن خسران من رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد خسرانا وأعظم حرمانا، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته مولاه الذي فاته بفواته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، وخسران بيع الهدى بوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم.
كما قال: { وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16]، لإبطالهم حسن استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } [البقرة: 17]، والإشارة في تحقيق الآية أنه مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة مدة وتبعني بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، { أضآءت ما حوله } [البقرة: 17]، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله.
كما قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] وكما قيل:
حين قر الهوى وقلنا سررنا
وحسبنا من الفراق أمنا
بعث البين رسل في خفاء
فأبادوا من شملنا ما جمعنا
البقرة 2:14
ثم ذكر من خصال هؤلاء الممكورين ما يدل على أنهم من المغرورين بقول تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } [البقرة: 11]، إلى { لا يعلمون } [البقرة: 13] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الإنسان - وإن خلق مستعدا لخلافة الأرض -، ولكنه في بداية الخلقة معلول الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا إلى الفساد.
كما أخبرت عنه الملائكة:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فبأوامر الشريعة ونواهيها تخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان، فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق، ويقبلون الأوامر والنواهي، وأهل الشقاوة وهم الكافرون والمنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى، { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } أي: لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة في الأرض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا { قالوا إنما نحن مصلحون } [البقرة: 11]، لا يقبلون النصيحة ويدعون الصلاحية غافلين عن حقيقتها، فكذبهم الله تعالى بقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } [البقرة: 12]، يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم { ولكن لا يشعرون } [البقرة: 12]، لهم بإفساد حالهم وسوء أعمالهم وعظم وبالهم من خسارة حسن صنيعهم وادعائهم الصلاح على أنفسهم، كما قال تعالى:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[الكهف: 103].
{ وإذا قيل لهم آمنوا } [البقرة: 13] أي: أهل الغفلة والنسيان { كمآ آمن الناس } [البقرة: 13] أي: بعض الناسين منكم الذين تفكروا في آلاء الله وتدبروا بعد عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومعاهده على التوحيد والعبودية، فتذكروا تلك العهود والمواثيق، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { قالوا } [البقرة: 13]، أهل الشقاوة منهم { أنؤمن كمآ آمن السفهآء } [البقرة: 13]، فكذلك أحوال أصحاب الغفلات تدعي الإسلام إذا دعوا من الإيمان التقليدي الذي وجدوه بالميراث إلى الإيمان الحقيقي بصدق الطلب، وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع عن الخلق والتمادي في الباطل، ينسبون أرباب العلويات وأصحاب المقامات العالية إلى السفه والجنون، وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والمسكنة، ويقولون نترك الدنيا كما تركوه هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين إلى الخلق كما هم محتاجون، ولا يعلمون أنهم هم السفهاء؛ لقوله تعالى: { ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون } [البقرة: 13]، فهم السفهاء لمعنيين أحدهما: أنهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسفههم وعدم رشدهم.
والثاني: أنهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى والقربة والزلفى، فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب أهل الفناء ومشارب أولي النهى، كما قال تعالى:
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه
[البقرة: 130]، فإن " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ومن عرف ربه ترك غيره وعرف أهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم، ولا يسبهم إلى السفه وينظر إليهم بالعزة، فإن الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الأطمار، ووجوههم المسفرة عند الله كالشموس والأقمار، ولكن تحت قباب الغيرة مستورون، عن نظر الأغيار محجوبون.
وذكر المنافقون وأهل الغفلة بخصال أردأ من الأولى بقوله: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا } [البقرة: 14]، إلى { يعمهون } [البقرة: 15] والإشارة في تحقيق الآيتين أن المنافقين لما أرادوا أن يجمعوا بين غيرة الكفار وصحبة المسلمين، وأن يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الإيمان، وكان الجمع بين الضدين غير جائز، فبقوا بين الباب والدار
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
[النساء: 143]، وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن العادة، ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين ويتمنون أعلى مراتب الدين، ويرتعون في أسفل مراتب الدنيا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من حيث أدبر النهار من هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس الدين بالتمني "
وقال:
" بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات ".
وقد قيل: الدنيا والآخرة امرأتان ضرتان، فمن يطلب الجمع بينهما فممكور، ومن يدعي الجمع بينهما فمغرور، ومن كان له في كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلمه ربيط كان نهبا لأطوار يتقاوم قوم وينزل في قلبه كل فقه فقلبه أبدا خراب لا يهنأ له عيش دلالة في التحقيق. وليس من رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق، وكم في هذا البحر من أمثاله غريق، فظاهر الأمر يقتضي أنهم { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } [البقرة: 14]، ولكن حقيقة الأمر تدل على أن: { الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، لأن دواعي استهزائهم بأهل الدين وازدرائهم بأرباب اليقين من نتائج الخذلان، فإن الله يكلهم إلى أنفسهم فتأمرهم النفس الأمارة للاستهزاء وتحملهم على الازدراء فلو لم نجد لهم الحق وأدركتهم الرحمة لما أمرتهم بسوء الاستهزاء والازدراء، كما قال:
إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53] ومن الخذلان { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، أي يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم يستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم.
كما قال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، فكانت جزاء سيئة ترددهم في الدين وثوابهم في طلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والإمهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمى، فيترددون في الضلالة متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج إلى الحق وجزاء سيئة العمى قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل إليهم وقال: { ولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال تمسك الملاك فلا يمكنهم الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة على الهدى { فما ربحت تجارتهم } [البقرة: 16]، لأن خسران من رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد خسرانا وأعظم حرمانا، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته مولاه الذي فاته بفواته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، وخسران بيع الهدى بوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم.
كما قال: { وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16]، لإبطالهم حسن استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } [البقرة: 17]، والإشارة في تحقيق الآية أنه مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة مدة وتبعني بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، { أضآءت ما حوله } [البقرة: 17]، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله.
كما قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] وكما قيل:
حين قر الهوى وقلنا سررنا
وحسبنا من الفراق أمنا
بعث البين رسل في خفاء
فأبادوا من شملنا ما جمعنا
البقرة 2:15
ثم ذكر من خصال هؤلاء الممكورين ما يدل على أنهم من المغرورين بقول تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } [البقرة: 11]، إلى { لا يعلمون } [البقرة: 13] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الإنسان - وإن خلق مستعدا لخلافة الأرض -، ولكنه في بداية الخلقة معلول الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا إلى الفساد.
كما أخبرت عنه الملائكة:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فبأوامر الشريعة ونواهيها تخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان، فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق، ويقبلون الأوامر والنواهي، وأهل الشقاوة وهم الكافرون والمنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى، { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } أي: لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة في الأرض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا { قالوا إنما نحن مصلحون } [البقرة: 11]، لا يقبلون النصيحة ويدعون الصلاحية غافلين عن حقيقتها، فكذبهم الله تعالى بقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } [البقرة: 12]، يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم { ولكن لا يشعرون } [البقرة: 12]، لهم بإفساد حالهم وسوء أعمالهم وعظم وبالهم من خسارة حسن صنيعهم وادعائهم الصلاح على أنفسهم، كما قال تعالى:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[الكهف: 103].
{ وإذا قيل لهم آمنوا } [البقرة: 13] أي: أهل الغفلة والنسيان { كمآ آمن الناس } [البقرة: 13] أي: بعض الناسين منكم الذين تفكروا في آلاء الله وتدبروا بعد عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومعاهده على التوحيد والعبودية، فتذكروا تلك العهود والمواثيق، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { قالوا } [البقرة: 13]، أهل الشقاوة منهم { أنؤمن كمآ آمن السفهآء } [البقرة: 13]، فكذلك أحوال أصحاب الغفلات تدعي الإسلام إذا دعوا من الإيمان التقليدي الذي وجدوه بالميراث إلى الإيمان الحقيقي بصدق الطلب، وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع عن الخلق والتمادي في الباطل، ينسبون أرباب العلويات وأصحاب المقامات العالية إلى السفه والجنون، وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والمسكنة، ويقولون نترك الدنيا كما تركوه هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين إلى الخلق كما هم محتاجون، ولا يعلمون أنهم هم السفهاء؛ لقوله تعالى: { ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون } [البقرة: 13]، فهم السفهاء لمعنيين أحدهما: أنهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسفههم وعدم رشدهم.
والثاني: أنهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى والقربة والزلفى، فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب أهل الفناء ومشارب أولي النهى، كما قال تعالى:
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه
[البقرة: 130]، فإن " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ومن عرف ربه ترك غيره وعرف أهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم، ولا يسبهم إلى السفه وينظر إليهم بالعزة، فإن الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الأطمار، ووجوههم المسفرة عند الله كالشموس والأقمار، ولكن تحت قباب الغيرة مستورون، عن نظر الأغيار محجوبون.
وذكر المنافقون وأهل الغفلة بخصال أردأ من الأولى بقوله: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا } [البقرة: 14]، إلى { يعمهون } [البقرة: 15] والإشارة في تحقيق الآيتين أن المنافقين لما أرادوا أن يجمعوا بين غيرة الكفار وصحبة المسلمين، وأن يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الإيمان، وكان الجمع بين الضدين غير جائز، فبقوا بين الباب والدار
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
[النساء: 143]، وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن العادة، ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين ويتمنون أعلى مراتب الدين، ويرتعون في أسفل مراتب الدنيا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من حيث أدبر النهار من هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس الدين بالتمني "
وقال:
" بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات ".
وقد قيل: الدنيا والآخرة امرأتان ضرتان، فمن يطلب الجمع بينهما فممكور، ومن يدعي الجمع بينهما فمغرور، ومن كان له في كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلمه ربيط كان نهبا لأطوار يتقاوم قوم وينزل في قلبه كل فقه فقلبه أبدا خراب لا يهنأ له عيش دلالة في التحقيق. وليس من رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق، وكم في هذا البحر من أمثاله غريق، فظاهر الأمر يقتضي أنهم { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } [البقرة: 14]، ولكن حقيقة الأمر تدل على أن: { الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، لأن دواعي استهزائهم بأهل الدين وازدرائهم بأرباب اليقين من نتائج الخذلان، فإن الله يكلهم إلى أنفسهم فتأمرهم النفس الأمارة للاستهزاء وتحملهم على الازدراء فلو لم نجد لهم الحق وأدركتهم الرحمة لما أمرتهم بسوء الاستهزاء والازدراء، كما قال:
إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53] ومن الخذلان { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، أي يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم يستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم.
كما قال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، فكانت جزاء سيئة ترددهم في الدين وثوابهم في طلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والإمهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمى، فيترددون في الضلالة متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج إلى الحق وجزاء سيئة العمى قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل إليهم وقال: { ولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال تمسك الملاك فلا يمكنهم الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة على الهدى { فما ربحت تجارتهم } [البقرة: 16]، لأن خسران من رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد خسرانا وأعظم حرمانا، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته مولاه الذي فاته بفواته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، وخسران بيع الهدى بوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم.
كما قال: { وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16]، لإبطالهم حسن استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } [البقرة: 17]، والإشارة في تحقيق الآية أنه مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة مدة وتبعني بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، { أضآءت ما حوله } [البقرة: 17]، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله.
كما قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] وكما قيل:
حين قر الهوى وقلنا سررنا
وحسبنا من الفراق أمنا
بعث البين رسل في خفاء
فأبادوا من شملنا ما جمعنا
البقرة 2:16
ثم ذكر من خصال هؤلاء الممكورين ما يدل على أنهم من المغرورين بقول تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } [البقرة: 11]، إلى { لا يعلمون } [البقرة: 13] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الإنسان - وإن خلق مستعدا لخلافة الأرض -، ولكنه في بداية الخلقة معلول الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا إلى الفساد.
كما أخبرت عنه الملائكة:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فبأوامر الشريعة ونواهيها تخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان، فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق، ويقبلون الأوامر والنواهي، وأهل الشقاوة وهم الكافرون والمنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى، { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } أي: لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة في الأرض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا { قالوا إنما نحن مصلحون } [البقرة: 11]، لا يقبلون النصيحة ويدعون الصلاحية غافلين عن حقيقتها، فكذبهم الله تعالى بقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } [البقرة: 12]، يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم { ولكن لا يشعرون } [البقرة: 12]، لهم بإفساد حالهم وسوء أعمالهم وعظم وبالهم من خسارة حسن صنيعهم وادعائهم الصلاح على أنفسهم، كما قال تعالى:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[الكهف: 103].
{ وإذا قيل لهم آمنوا } [البقرة: 13] أي: أهل الغفلة والنسيان { كمآ آمن الناس } [البقرة: 13] أي: بعض الناسين منكم الذين تفكروا في آلاء الله وتدبروا بعد عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومعاهده على التوحيد والعبودية، فتذكروا تلك العهود والمواثيق، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { قالوا } [البقرة: 13]، أهل الشقاوة منهم { أنؤمن كمآ آمن السفهآء } [البقرة: 13]، فكذلك أحوال أصحاب الغفلات تدعي الإسلام إذا دعوا من الإيمان التقليدي الذي وجدوه بالميراث إلى الإيمان الحقيقي بصدق الطلب، وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع عن الخلق والتمادي في الباطل، ينسبون أرباب العلويات وأصحاب المقامات العالية إلى السفه والجنون، وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والمسكنة، ويقولون نترك الدنيا كما تركوه هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين إلى الخلق كما هم محتاجون، ولا يعلمون أنهم هم السفهاء؛ لقوله تعالى: { ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون } [البقرة: 13]، فهم السفهاء لمعنيين أحدهما: أنهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسفههم وعدم رشدهم.
والثاني: أنهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى والقربة والزلفى، فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب أهل الفناء ومشارب أولي النهى، كما قال تعالى:
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه
[البقرة: 130]، فإن " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ومن عرف ربه ترك غيره وعرف أهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم، ولا يسبهم إلى السفه وينظر إليهم بالعزة، فإن الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الأطمار، ووجوههم المسفرة عند الله كالشموس والأقمار، ولكن تحت قباب الغيرة مستورون، عن نظر الأغيار محجوبون.
وذكر المنافقون وأهل الغفلة بخصال أردأ من الأولى بقوله: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا } [البقرة: 14]، إلى { يعمهون } [البقرة: 15] والإشارة في تحقيق الآيتين أن المنافقين لما أرادوا أن يجمعوا بين غيرة الكفار وصحبة المسلمين، وأن يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الإيمان، وكان الجمع بين الضدين غير جائز، فبقوا بين الباب والدار
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
[النساء: 143]، وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن العادة، ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين ويتمنون أعلى مراتب الدين، ويرتعون في أسفل مراتب الدنيا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من حيث أدبر النهار من هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس الدين بالتمني "
وقال:
" بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات ".
وقد قيل: الدنيا والآخرة امرأتان ضرتان، فمن يطلب الجمع بينهما فممكور، ومن يدعي الجمع بينهما فمغرور، ومن كان له في كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلمه ربيط كان نهبا لأطوار يتقاوم قوم وينزل في قلبه كل فقه فقلبه أبدا خراب لا يهنأ له عيش دلالة في التحقيق. وليس من رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق، وكم في هذا البحر من أمثاله غريق، فظاهر الأمر يقتضي أنهم { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } [البقرة: 14]، ولكن حقيقة الأمر تدل على أن: { الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، لأن دواعي استهزائهم بأهل الدين وازدرائهم بأرباب اليقين من نتائج الخذلان، فإن الله يكلهم إلى أنفسهم فتأمرهم النفس الأمارة للاستهزاء وتحملهم على الازدراء فلو لم نجد لهم الحق وأدركتهم الرحمة لما أمرتهم بسوء الاستهزاء والازدراء، كما قال:
إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53] ومن الخذلان { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، أي يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم يستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم.
كما قال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، فكانت جزاء سيئة ترددهم في الدين وثوابهم في طلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والإمهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمى، فيترددون في الضلالة متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج إلى الحق وجزاء سيئة العمى قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل إليهم وقال: { ولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال تمسك الملاك فلا يمكنهم الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة على الهدى { فما ربحت تجارتهم } [البقرة: 16]، لأن خسران من رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد خسرانا وأعظم حرمانا، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته مولاه الذي فاته بفواته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، وخسران بيع الهدى بوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم.
كما قال: { وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16]، لإبطالهم حسن استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } [البقرة: 17]، والإشارة في تحقيق الآية أنه مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة مدة وتبعني بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، { أضآءت ما حوله } [البقرة: 17]، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله.
كما قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] وكما قيل:
حين قر الهوى وقلنا سررنا
وحسبنا من الفراق أمنا
بعث البين رسل في خفاء
فأبادوا من شملنا ما جمعنا
البقرة 2:17
ثم ذكر من خصال هؤلاء الممكورين ما يدل على أنهم من المغرورين بقول تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } [البقرة: 11]، إلى { لا يعلمون } [البقرة: 13] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الإنسان - وإن خلق مستعدا لخلافة الأرض -، ولكنه في بداية الخلقة معلول الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا إلى الفساد.
كما أخبرت عنه الملائكة:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فبأوامر الشريعة ونواهيها تخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان، فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق، ويقبلون الأوامر والنواهي، وأهل الشقاوة وهم الكافرون والمنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى، { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } أي: لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة في الأرض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا { قالوا إنما نحن مصلحون } [البقرة: 11]، لا يقبلون النصيحة ويدعون الصلاحية غافلين عن حقيقتها، فكذبهم الله تعالى بقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } [البقرة: 12]، يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم { ولكن لا يشعرون } [البقرة: 12]، لهم بإفساد حالهم وسوء أعمالهم وعظم وبالهم من خسارة حسن صنيعهم وادعائهم الصلاح على أنفسهم، كما قال تعالى:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[الكهف: 103].
{ وإذا قيل لهم آمنوا } [البقرة: 13] أي: أهل الغفلة والنسيان { كمآ آمن الناس } [البقرة: 13] أي: بعض الناسين منكم الذين تفكروا في آلاء الله وتدبروا بعد عهد:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومعاهده على التوحيد والعبودية، فتذكروا تلك العهود والمواثيق، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { قالوا } [البقرة: 13]، أهل الشقاوة منهم { أنؤمن كمآ آمن السفهآء } [البقرة: 13]، فكذلك أحوال أصحاب الغفلات تدعي الإسلام إذا دعوا من الإيمان التقليدي الذي وجدوه بالميراث إلى الإيمان الحقيقي بصدق الطلب، وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع عن الخلق والتمادي في الباطل، ينسبون أرباب العلويات وأصحاب المقامات العالية إلى السفه والجنون، وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والمسكنة، ويقولون نترك الدنيا كما تركوه هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين إلى الخلق كما هم محتاجون، ولا يعلمون أنهم هم السفهاء؛ لقوله تعالى: { ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون } [البقرة: 13]، فهم السفهاء لمعنيين أحدهما: أنهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسفههم وعدم رشدهم.
والثاني: أنهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى والقربة والزلفى، فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب أهل الفناء ومشارب أولي النهى، كما قال تعالى:
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه
[البقرة: 130]، فإن " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ومن عرف ربه ترك غيره وعرف أهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم، ولا يسبهم إلى السفه وينظر إليهم بالعزة، فإن الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الأطمار، ووجوههم المسفرة عند الله كالشموس والأقمار، ولكن تحت قباب الغيرة مستورون، عن نظر الأغيار محجوبون.
وذكر المنافقون وأهل الغفلة بخصال أردأ من الأولى بقوله: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا } [البقرة: 14]، إلى { يعمهون } [البقرة: 15] والإشارة في تحقيق الآيتين أن المنافقين لما أرادوا أن يجمعوا بين غيرة الكفار وصحبة المسلمين، وأن يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الإيمان، وكان الجمع بين الضدين غير جائز، فبقوا بين الباب والدار
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
[النساء: 143]، وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن العادة، ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين ويتمنون أعلى مراتب الدين، ويرتعون في أسفل مراتب الدنيا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من حيث أدبر النهار من هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس الدين بالتمني "
وقال:
" بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات ".
وقد قيل: الدنيا والآخرة امرأتان ضرتان، فمن يطلب الجمع بينهما فممكور، ومن يدعي الجمع بينهما فمغرور، ومن كان له في كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلمه ربيط كان نهبا لأطوار يتقاوم قوم وينزل في قلبه كل فقه فقلبه أبدا خراب لا يهنأ له عيش دلالة في التحقيق. وليس من رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق، وكم في هذا البحر من أمثاله غريق، فظاهر الأمر يقتضي أنهم { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } [البقرة: 14]، ولكن حقيقة الأمر تدل على أن: { الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، لأن دواعي استهزائهم بأهل الدين وازدرائهم بأرباب اليقين من نتائج الخذلان، فإن الله يكلهم إلى أنفسهم فتأمرهم النفس الأمارة للاستهزاء وتحملهم على الازدراء فلو لم نجد لهم الحق وأدركتهم الرحمة لما أمرتهم بسوء الاستهزاء والازدراء، كما قال:
إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53] ومن الخذلان { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15]، أي يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم يستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم.
كما قال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، فكانت جزاء سيئة ترددهم في الدين وثوابهم في طلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والإمهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة الطغيان العمى، فيترددون في الضلالة متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج إلى الحق وجزاء سيئة العمى قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل إليهم وقال: { ولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى } [البقرة: 16].
وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال تمسك الملاك فلا يمكنهم الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة على الهدى { فما ربحت تجارتهم } [البقرة: 16]، لأن خسران من رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد خسرانا وأعظم حرمانا، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته مولاه الذي فاته بفواته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، وخسران بيع الهدى بوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم.
كما قال: { وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16]، لإبطالهم حسن استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } [البقرة: 17]، والإشارة في تحقيق الآية أنه مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة مدة وتبعني بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، { أضآءت ما حوله } [البقرة: 17]، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله.
كما قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] وكما قيل:
حين قر الهوى وقلنا سررنا
وحسبنا من الفراق أمنا
بعث البين رسل في خفاء
فأبادوا من شملنا ما جمعنا
البقرة 2:18
فحاصل أحوالهم بعد انقطاع حبالهم قوله تعالى: { صم } [البقرة: 18]، يعني بأذن قلوبهم التي سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق، { بكم } [البقرة: 18]، بتلك الألسنة التي أجابوا ربهم بقولهم بلى، { عمي } [البقرة: 18]، بالأبصار التي شاهدوا جمال ربوبيته فعرفوه { فهم لا يرجعون } [البقرة: 18]، إلى منازل حضائر القدس؛ بل إلى ما كانوا فيه من رياض الأنس، وذلك لأنهم سدوا روزنة قلوبهم التي كانت مفتوحة إلى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق، فما هبت عليهم من جانب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الأرواح، فمرضت قلوبهم ثم أرسل إليهم الطبيب الذي أنزل الداء وأنزل معه الدواء، كما قال تعالى:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين
[الإسراء: 82]، الذين يصدقون الأطباء ويقبلون الدواء، فلم يصدقوهم ولم يقبلوا ظلما على أنفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء، كما قال تعالى:
ولا يزيد الظالمين إلا خسارا
[الإسراء: 82]، فلما لم يكونوا أهل الرحمة وأدركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى بقوله تعالى:
أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم
[محمد: 23].
ثم ضرب لهم مثلا آخر بقوله تعالى: { أو كصيب من السمآء } [البقرة: 19]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى نسبه في حال متمني هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجددهم في الطلب ما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملائكية وتقع في آفة الفترة والوقفة بمن يكون في المفازة سائرا في ظلمة الليل والمطر، وشبه الذكر، والقرآن بالمطر؛ لأنه ينبت الإيمان والحكمة في القلب كما ينبت الماء البقلة، { فيه ظلمت } [البقرة: 19]، أي: مشكلات ومتشابهات وشبهات تظهر للسالك الذاكر في أنحاء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها إلا لمن كان له عقل منور بنور الإيمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى:
الرحمن * علم القرآن
[الرحمن: 1-2].
فكما أن السير لا يمكن في الظلمات إلا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية إلا بنور الهداية الربوبية، ولهذا قال تعالى: { أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، يعني: نور الهداية { وإذآ أظلم عليهم قاموا } [البقرة: 20] يعني: ظلمة البشرية. قوله تعالى: { ورعد } [البقرة: 19]، خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى:
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله
[الحشر: 21].
{ وبرق } [البقرة: 19]، وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن تهتدي إلى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتظهر، فسببها حقيقة القرآن والدين فتعرفها القلوب بقوله تعالى:
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، ولما لاحت لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن { يجعلون أصبعهم } [البقرة: 19]، الفاسدة وأمانيهم الباطلة، { في آذانهم } [البقرة: 19]، الواعية { من الصوعق } [البقرة: 19]، دواعي الحق { حذر } [البقرة: 19]، من { الموت } [البقرة: 19]، موت النفس لأن النفس سمكة حياته بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" موتوا قبل أن تموتوا ".
{ والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، فيه إشارة إلى أن الكافر الذي له حياة طبيعة حيوانية لو مات بالإرادة عن مألوفات الطبيعة لكان أحياه الله بأنوار الشريعة كما قال تعالى
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122].
فلما لم يمت بالإرادة { والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، أي: مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب، وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى، { يكاد البرق } [البقرة: 20]، أي: نور الذكر والقرآن { يخطف أبصرهم } [البقرة: 20]، أي: أبصار نفوسهم الأمارة بالسوء { كلما أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، سلكوا طريق الحق بقدم الصدق { وإذآ أظلم عليهم } [البقرة: 20]، ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى مالوا إلى الدنيا { قاموا } [البقرة: 20] أي: وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الغرات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك.
{ ولو شآء الله } [البقرة: 20]، أي ولو كانت مشيئته وإرادته أن يهديهم { لذهب بسمعهم وأبصرهم } [البقرة: 20]، أي: بسمع نفوسهم الذي تنظر إلى زينة الحياة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 20]، أي: قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يبصروا المزخرفات الدنياوية، والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا، ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد، فلما أتم الكلام مع المؤمنين والكافرين والمنافقين خاطب الناس عموما أجمعين بقوله تعالى: { يأيها الناس } [البقرة: 21]، إلى { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى خاطب الناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزلت قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم إلى التوحيد والعبودية.
{ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } [البقرة: 21]، يعني: ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فأوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات وإقامة الطاعات المأمورات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 21]، عن ترك عبادة غير الله فيوفي الله بعد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنات والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا.
{ الذي جعل لكم الأرض فرشا والسماء بنآء } [البقرة: 22]، فيه إشارة إلى تعريفه نفسه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وعزة عباده عنده وفضيلتهم على جميع المخلوقات من عباده بأن جعل لهم بنفسه فراشا كالأرض ودنيا كالسماء، وأما عزة عباده عنده بأن خلق السماوات والأرض وما فيها لأجلهم وسخرها لهم لقوله تعالى:
وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا منه
[الجاثية: 13]، فكان وجود السماوات تبعا لوجودهم وما كان وجودهم تبعا لوجود شيء إلا وجوده، ولهذا السر أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام وحرم على آدم وأولاده السجود لغير الله، ليظهر أن الملائكة وإن كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم عليه السلام جعله مسجودا للملائكة ليكون هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شيء والكل تابع له.
قال تعالى: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22]، تحقيقه أن الماء هو القرآن، وثمراته: الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق واليقين والنجاة، والرفعة والصلاح الفلاح والحكمة والموعظة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة، والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين، وإجماع كل خير وختام سعادة زهوق باطل الوجود الإنساني عند مجيء تجلي حقيقة الصفات الربانية لقوله تعالى:
قل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا
[الإسراء: 81]، فأخرج بماء القرآن هذه الثمرات من أرض قلوب عباده فكما أن الله من على عباده بإخراج الثمرات وقال: { فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22] وكان للحيوان فيها رزق؛ ولكن يتبعه الإنسان كما قال تعالى:
متاعا لكم ولأنعامكم
[النازعات: 33].
كذلك القرآن بثمراته كان رزقا مختصا بالإنسان وللملائكة والجن كان لهم فيه رزق ولكن بتبعية للإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال؛ بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال.
قوله تعالى: { فلا تجعلوا لله أندادا } [البقرة: 22]، فيه ثلاثة معان:
أولها: أن هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض ما فيها ليس شأن أحد غيري، { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22]، فلا تجعلوا لي أندادا في العبودية.
وثانيها: إني جعلت السماوات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم وأسبابها وأنا الرازق فلا تجعلوا الوسائط أندادا لي،
لا تسجدوا للشمس ولا للقمر
[فصلت: 37].
وثالثها: إني خلقت الموجودات وجعلت لكل شيء حظا في شيء آخر وجعلت حظ الإنسان في محبتي ومعرفتي، وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتي ومعرفتي بأن تجعلوا لي أندادا وتحبونهم كحب الله.
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، فالأنداد وهي الأحباب غير الله تعالى: فوصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالإيمان وقال:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، يعني: الذين اتخذوا من دون الله أندادا في المحبة ما آمنوا حقيقة وإن زعموا الإيمان فافهم جدا ولا تغتر بالإيمان التقليدي الموروثي حتى تقبح على هذا المحل.
ثم ذكر اختصاص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بالعبودية الخالصة مطلقا لقوله تعالى:
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا
[البقرة: 23]، الآيتين، والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى جعل إعراض المعرضين واعتراض المعترضين فباب غيرته وسرادقات عزته لحبيبه المرسل، وكتابه المنزل لئلا يشاهد المعرضون عن الله حبيبه، ولا يطالع المعترضون على الله كتابه، فلم يزدهم بيان النبي صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن إلا ريبا على ريب وخسارا على خسار، كما قال تعالى:
وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون
[يونس: 101].
البقرة 2:19
فحاصل أحوالهم بعد انقطاع حبالهم قوله تعالى: { صم } [البقرة: 18]، يعني بأذن قلوبهم التي سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق، { بكم } [البقرة: 18]، بتلك الألسنة التي أجابوا ربهم بقولهم بلى، { عمي } [البقرة: 18]، بالأبصار التي شاهدوا جمال ربوبيته فعرفوه { فهم لا يرجعون } [البقرة: 18]، إلى منازل حضائر القدس؛ بل إلى ما كانوا فيه من رياض الأنس، وذلك لأنهم سدوا روزنة قلوبهم التي كانت مفتوحة إلى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق، فما هبت عليهم من جانب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الأرواح، فمرضت قلوبهم ثم أرسل إليهم الطبيب الذي أنزل الداء وأنزل معه الدواء، كما قال تعالى:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين
[الإسراء: 82]، الذين يصدقون الأطباء ويقبلون الدواء، فلم يصدقوهم ولم يقبلوا ظلما على أنفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء، كما قال تعالى:
ولا يزيد الظالمين إلا خسارا
[الإسراء: 82]، فلما لم يكونوا أهل الرحمة وأدركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى بقوله تعالى:
أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم
[محمد: 23].
ثم ضرب لهم مثلا آخر بقوله تعالى: { أو كصيب من السمآء } [البقرة: 19]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى نسبه في حال متمني هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجددهم في الطلب ما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملائكية وتقع في آفة الفترة والوقفة بمن يكون في المفازة سائرا في ظلمة الليل والمطر، وشبه الذكر، والقرآن بالمطر؛ لأنه ينبت الإيمان والحكمة في القلب كما ينبت الماء البقلة، { فيه ظلمت } [البقرة: 19]، أي: مشكلات ومتشابهات وشبهات تظهر للسالك الذاكر في أنحاء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها إلا لمن كان له عقل منور بنور الإيمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى:
الرحمن * علم القرآن
[الرحمن: 1-2].
فكما أن السير لا يمكن في الظلمات إلا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية إلا بنور الهداية الربوبية، ولهذا قال تعالى: { أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، يعني: نور الهداية { وإذآ أظلم عليهم قاموا } [البقرة: 20] يعني: ظلمة البشرية. قوله تعالى: { ورعد } [البقرة: 19]، خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى:
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله
[الحشر: 21].
{ وبرق } [البقرة: 19]، وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن تهتدي إلى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتظهر، فسببها حقيقة القرآن والدين فتعرفها القلوب بقوله تعالى:
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، ولما لاحت لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن { يجعلون أصبعهم } [البقرة: 19]، الفاسدة وأمانيهم الباطلة، { في آذانهم } [البقرة: 19]، الواعية { من الصوعق } [البقرة: 19]، دواعي الحق { حذر } [البقرة: 19]، من { الموت } [البقرة: 19]، موت النفس لأن النفس سمكة حياته بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" موتوا قبل أن تموتوا ".
{ والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، فيه إشارة إلى أن الكافر الذي له حياة طبيعة حيوانية لو مات بالإرادة عن مألوفات الطبيعة لكان أحياه الله بأنوار الشريعة كما قال تعالى
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122].
فلما لم يمت بالإرادة { والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، أي: مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب، وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى، { يكاد البرق } [البقرة: 20]، أي: نور الذكر والقرآن { يخطف أبصرهم } [البقرة: 20]، أي: أبصار نفوسهم الأمارة بالسوء { كلما أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، سلكوا طريق الحق بقدم الصدق { وإذآ أظلم عليهم } [البقرة: 20]، ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى مالوا إلى الدنيا { قاموا } [البقرة: 20] أي: وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الغرات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك.
{ ولو شآء الله } [البقرة: 20]، أي ولو كانت مشيئته وإرادته أن يهديهم { لذهب بسمعهم وأبصرهم } [البقرة: 20]، أي: بسمع نفوسهم الذي تنظر إلى زينة الحياة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 20]، أي: قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يبصروا المزخرفات الدنياوية، والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا، ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد، فلما أتم الكلام مع المؤمنين والكافرين والمنافقين خاطب الناس عموما أجمعين بقوله تعالى: { يأيها الناس } [البقرة: 21]، إلى { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى خاطب الناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزلت قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم إلى التوحيد والعبودية.
{ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } [البقرة: 21]، يعني: ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فأوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات وإقامة الطاعات المأمورات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 21]، عن ترك عبادة غير الله فيوفي الله بعد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنات والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا.
{ الذي جعل لكم الأرض فرشا والسماء بنآء } [البقرة: 22]، فيه إشارة إلى تعريفه نفسه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وعزة عباده عنده وفضيلتهم على جميع المخلوقات من عباده بأن جعل لهم بنفسه فراشا كالأرض ودنيا كالسماء، وأما عزة عباده عنده بأن خلق السماوات والأرض وما فيها لأجلهم وسخرها لهم لقوله تعالى:
وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا منه
[الجاثية: 13]، فكان وجود السماوات تبعا لوجودهم وما كان وجودهم تبعا لوجود شيء إلا وجوده، ولهذا السر أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام وحرم على آدم وأولاده السجود لغير الله، ليظهر أن الملائكة وإن كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم عليه السلام جعله مسجودا للملائكة ليكون هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شيء والكل تابع له.
قال تعالى: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22]، تحقيقه أن الماء هو القرآن، وثمراته: الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق واليقين والنجاة، والرفعة والصلاح الفلاح والحكمة والموعظة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة، والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين، وإجماع كل خير وختام سعادة زهوق باطل الوجود الإنساني عند مجيء تجلي حقيقة الصفات الربانية لقوله تعالى:
قل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا
[الإسراء: 81]، فأخرج بماء القرآن هذه الثمرات من أرض قلوب عباده فكما أن الله من على عباده بإخراج الثمرات وقال: { فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22] وكان للحيوان فيها رزق؛ ولكن يتبعه الإنسان كما قال تعالى:
متاعا لكم ولأنعامكم
[النازعات: 33].
كذلك القرآن بثمراته كان رزقا مختصا بالإنسان وللملائكة والجن كان لهم فيه رزق ولكن بتبعية للإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال؛ بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال.
قوله تعالى: { فلا تجعلوا لله أندادا } [البقرة: 22]، فيه ثلاثة معان:
أولها: أن هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض ما فيها ليس شأن أحد غيري، { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22]، فلا تجعلوا لي أندادا في العبودية.
وثانيها: إني جعلت السماوات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم وأسبابها وأنا الرازق فلا تجعلوا الوسائط أندادا لي،
لا تسجدوا للشمس ولا للقمر
[فصلت: 37].
وثالثها: إني خلقت الموجودات وجعلت لكل شيء حظا في شيء آخر وجعلت حظ الإنسان في محبتي ومعرفتي، وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتي ومعرفتي بأن تجعلوا لي أندادا وتحبونهم كحب الله.
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، فالأنداد وهي الأحباب غير الله تعالى: فوصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالإيمان وقال:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، يعني: الذين اتخذوا من دون الله أندادا في المحبة ما آمنوا حقيقة وإن زعموا الإيمان فافهم جدا ولا تغتر بالإيمان التقليدي الموروثي حتى تقبح على هذا المحل.
ثم ذكر اختصاص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بالعبودية الخالصة مطلقا لقوله تعالى:
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا
[البقرة: 23]، الآيتين، والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى جعل إعراض المعرضين واعتراض المعترضين فباب غيرته وسرادقات عزته لحبيبه المرسل، وكتابه المنزل لئلا يشاهد المعرضون عن الله حبيبه، ولا يطالع المعترضون على الله كتابه، فلم يزدهم بيان النبي صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن إلا ريبا على ريب وخسارا على خسار، كما قال تعالى:
وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون
[يونس: 101].
البقرة 2:20
فحاصل أحوالهم بعد انقطاع حبالهم قوله تعالى: { صم } [البقرة: 18]، يعني بأذن قلوبهم التي سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق، { بكم } [البقرة: 18]، بتلك الألسنة التي أجابوا ربهم بقولهم بلى، { عمي } [البقرة: 18]، بالأبصار التي شاهدوا جمال ربوبيته فعرفوه { فهم لا يرجعون } [البقرة: 18]، إلى منازل حضائر القدس؛ بل إلى ما كانوا فيه من رياض الأنس، وذلك لأنهم سدوا روزنة قلوبهم التي كانت مفتوحة إلى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق، فما هبت عليهم من جانب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الأرواح، فمرضت قلوبهم ثم أرسل إليهم الطبيب الذي أنزل الداء وأنزل معه الدواء، كما قال تعالى:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين
[الإسراء: 82]، الذين يصدقون الأطباء ويقبلون الدواء، فلم يصدقوهم ولم يقبلوا ظلما على أنفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء، كما قال تعالى:
ولا يزيد الظالمين إلا خسارا
[الإسراء: 82]، فلما لم يكونوا أهل الرحمة وأدركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى بقوله تعالى:
أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم
[محمد: 23].
ثم ضرب لهم مثلا آخر بقوله تعالى: { أو كصيب من السمآء } [البقرة: 19]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى نسبه في حال متمني هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجددهم في الطلب ما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملائكية وتقع في آفة الفترة والوقفة بمن يكون في المفازة سائرا في ظلمة الليل والمطر، وشبه الذكر، والقرآن بالمطر؛ لأنه ينبت الإيمان والحكمة في القلب كما ينبت الماء البقلة، { فيه ظلمت } [البقرة: 19]، أي: مشكلات ومتشابهات وشبهات تظهر للسالك الذاكر في أنحاء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها إلا لمن كان له عقل منور بنور الإيمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى:
الرحمن * علم القرآن
[الرحمن: 1-2].
فكما أن السير لا يمكن في الظلمات إلا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية إلا بنور الهداية الربوبية، ولهذا قال تعالى: { أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، يعني: نور الهداية { وإذآ أظلم عليهم قاموا } [البقرة: 20] يعني: ظلمة البشرية. قوله تعالى: { ورعد } [البقرة: 19]، خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى:
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله
[الحشر: 21].
{ وبرق } [البقرة: 19]، وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن تهتدي إلى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتظهر، فسببها حقيقة القرآن والدين فتعرفها القلوب بقوله تعالى:
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، ولما لاحت لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن { يجعلون أصبعهم } [البقرة: 19]، الفاسدة وأمانيهم الباطلة، { في آذانهم } [البقرة: 19]، الواعية { من الصوعق } [البقرة: 19]، دواعي الحق { حذر } [البقرة: 19]، من { الموت } [البقرة: 19]، موت النفس لأن النفس سمكة حياته بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" موتوا قبل أن تموتوا ".
{ والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، فيه إشارة إلى أن الكافر الذي له حياة طبيعة حيوانية لو مات بالإرادة عن مألوفات الطبيعة لكان أحياه الله بأنوار الشريعة كما قال تعالى
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122].
فلما لم يمت بالإرادة { والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، أي: مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب، وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى، { يكاد البرق } [البقرة: 20]، أي: نور الذكر والقرآن { يخطف أبصرهم } [البقرة: 20]، أي: أبصار نفوسهم الأمارة بالسوء { كلما أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، سلكوا طريق الحق بقدم الصدق { وإذآ أظلم عليهم } [البقرة: 20]، ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى مالوا إلى الدنيا { قاموا } [البقرة: 20] أي: وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الغرات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك.
{ ولو شآء الله } [البقرة: 20]، أي ولو كانت مشيئته وإرادته أن يهديهم { لذهب بسمعهم وأبصرهم } [البقرة: 20]، أي: بسمع نفوسهم الذي تنظر إلى زينة الحياة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 20]، أي: قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يبصروا المزخرفات الدنياوية، والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا، ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد، فلما أتم الكلام مع المؤمنين والكافرين والمنافقين خاطب الناس عموما أجمعين بقوله تعالى: { يأيها الناس } [البقرة: 21]، إلى { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى خاطب الناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزلت قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم إلى التوحيد والعبودية.
{ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } [البقرة: 21]، يعني: ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فأوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات وإقامة الطاعات المأمورات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 21]، عن ترك عبادة غير الله فيوفي الله بعد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنات والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا.
{ الذي جعل لكم الأرض فرشا والسماء بنآء } [البقرة: 22]، فيه إشارة إلى تعريفه نفسه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وعزة عباده عنده وفضيلتهم على جميع المخلوقات من عباده بأن جعل لهم بنفسه فراشا كالأرض ودنيا كالسماء، وأما عزة عباده عنده بأن خلق السماوات والأرض وما فيها لأجلهم وسخرها لهم لقوله تعالى:
وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا منه
[الجاثية: 13]، فكان وجود السماوات تبعا لوجودهم وما كان وجودهم تبعا لوجود شيء إلا وجوده، ولهذا السر أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام وحرم على آدم وأولاده السجود لغير الله، ليظهر أن الملائكة وإن كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم عليه السلام جعله مسجودا للملائكة ليكون هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شيء والكل تابع له.
قال تعالى: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22]، تحقيقه أن الماء هو القرآن، وثمراته: الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق واليقين والنجاة، والرفعة والصلاح الفلاح والحكمة والموعظة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة، والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين، وإجماع كل خير وختام سعادة زهوق باطل الوجود الإنساني عند مجيء تجلي حقيقة الصفات الربانية لقوله تعالى:
قل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا
[الإسراء: 81]، فأخرج بماء القرآن هذه الثمرات من أرض قلوب عباده فكما أن الله من على عباده بإخراج الثمرات وقال: { فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22] وكان للحيوان فيها رزق؛ ولكن يتبعه الإنسان كما قال تعالى:
متاعا لكم ولأنعامكم
[النازعات: 33].
كذلك القرآن بثمراته كان رزقا مختصا بالإنسان وللملائكة والجن كان لهم فيه رزق ولكن بتبعية للإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال؛ بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال.
قوله تعالى: { فلا تجعلوا لله أندادا } [البقرة: 22]، فيه ثلاثة معان:
أولها: أن هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض ما فيها ليس شأن أحد غيري، { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22]، فلا تجعلوا لي أندادا في العبودية.
وثانيها: إني جعلت السماوات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم وأسبابها وأنا الرازق فلا تجعلوا الوسائط أندادا لي،
لا تسجدوا للشمس ولا للقمر
[فصلت: 37].
وثالثها: إني خلقت الموجودات وجعلت لكل شيء حظا في شيء آخر وجعلت حظ الإنسان في محبتي ومعرفتي، وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتي ومعرفتي بأن تجعلوا لي أندادا وتحبونهم كحب الله.
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، فالأنداد وهي الأحباب غير الله تعالى: فوصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالإيمان وقال:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، يعني: الذين اتخذوا من دون الله أندادا في المحبة ما آمنوا حقيقة وإن زعموا الإيمان فافهم جدا ولا تغتر بالإيمان التقليدي الموروثي حتى تقبح على هذا المحل.
ثم ذكر اختصاص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بالعبودية الخالصة مطلقا لقوله تعالى:
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا
[البقرة: 23]، الآيتين، والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى جعل إعراض المعرضين واعتراض المعترضين فباب غيرته وسرادقات عزته لحبيبه المرسل، وكتابه المنزل لئلا يشاهد المعرضون عن الله حبيبه، ولا يطالع المعترضون على الله كتابه، فلم يزدهم بيان النبي صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن إلا ريبا على ريب وخسارا على خسار، كما قال تعالى:
وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون
[يونس: 101].
البقرة 2:21
فحاصل أحوالهم بعد انقطاع حبالهم قوله تعالى: { صم } [البقرة: 18]، يعني بأذن قلوبهم التي سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق، { بكم } [البقرة: 18]، بتلك الألسنة التي أجابوا ربهم بقولهم بلى، { عمي } [البقرة: 18]، بالأبصار التي شاهدوا جمال ربوبيته فعرفوه { فهم لا يرجعون } [البقرة: 18]، إلى منازل حضائر القدس؛ بل إلى ما كانوا فيه من رياض الأنس، وذلك لأنهم سدوا روزنة قلوبهم التي كانت مفتوحة إلى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق، فما هبت عليهم من جانب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الأرواح، فمرضت قلوبهم ثم أرسل إليهم الطبيب الذي أنزل الداء وأنزل معه الدواء، كما قال تعالى:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين
[الإسراء: 82]، الذين يصدقون الأطباء ويقبلون الدواء، فلم يصدقوهم ولم يقبلوا ظلما على أنفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء، كما قال تعالى:
ولا يزيد الظالمين إلا خسارا
[الإسراء: 82]، فلما لم يكونوا أهل الرحمة وأدركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى بقوله تعالى:
أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم
[محمد: 23].
ثم ضرب لهم مثلا آخر بقوله تعالى: { أو كصيب من السمآء } [البقرة: 19]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى نسبه في حال متمني هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجددهم في الطلب ما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملائكية وتقع في آفة الفترة والوقفة بمن يكون في المفازة سائرا في ظلمة الليل والمطر، وشبه الذكر، والقرآن بالمطر؛ لأنه ينبت الإيمان والحكمة في القلب كما ينبت الماء البقلة، { فيه ظلمت } [البقرة: 19]، أي: مشكلات ومتشابهات وشبهات تظهر للسالك الذاكر في أنحاء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها إلا لمن كان له عقل منور بنور الإيمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى:
الرحمن * علم القرآن
[الرحمن: 1-2].
فكما أن السير لا يمكن في الظلمات إلا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية إلا بنور الهداية الربوبية، ولهذا قال تعالى: { أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، يعني: نور الهداية { وإذآ أظلم عليهم قاموا } [البقرة: 20] يعني: ظلمة البشرية. قوله تعالى: { ورعد } [البقرة: 19]، خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى:
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله
[الحشر: 21].
{ وبرق } [البقرة: 19]، وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن تهتدي إلى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتظهر، فسببها حقيقة القرآن والدين فتعرفها القلوب بقوله تعالى:
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، ولما لاحت لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن { يجعلون أصبعهم } [البقرة: 19]، الفاسدة وأمانيهم الباطلة، { في آذانهم } [البقرة: 19]، الواعية { من الصوعق } [البقرة: 19]، دواعي الحق { حذر } [البقرة: 19]، من { الموت } [البقرة: 19]، موت النفس لأن النفس سمكة حياته بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" موتوا قبل أن تموتوا ".
{ والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، فيه إشارة إلى أن الكافر الذي له حياة طبيعة حيوانية لو مات بالإرادة عن مألوفات الطبيعة لكان أحياه الله بأنوار الشريعة كما قال تعالى
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122].
فلما لم يمت بالإرادة { والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، أي: مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب، وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى، { يكاد البرق } [البقرة: 20]، أي: نور الذكر والقرآن { يخطف أبصرهم } [البقرة: 20]، أي: أبصار نفوسهم الأمارة بالسوء { كلما أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، سلكوا طريق الحق بقدم الصدق { وإذآ أظلم عليهم } [البقرة: 20]، ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى مالوا إلى الدنيا { قاموا } [البقرة: 20] أي: وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الغرات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك.
{ ولو شآء الله } [البقرة: 20]، أي ولو كانت مشيئته وإرادته أن يهديهم { لذهب بسمعهم وأبصرهم } [البقرة: 20]، أي: بسمع نفوسهم الذي تنظر إلى زينة الحياة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 20]، أي: قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يبصروا المزخرفات الدنياوية، والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا، ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد، فلما أتم الكلام مع المؤمنين والكافرين والمنافقين خاطب الناس عموما أجمعين بقوله تعالى: { يأيها الناس } [البقرة: 21]، إلى { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى خاطب الناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزلت قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم إلى التوحيد والعبودية.
{ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } [البقرة: 21]، يعني: ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فأوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات وإقامة الطاعات المأمورات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 21]، عن ترك عبادة غير الله فيوفي الله بعد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنات والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا.
{ الذي جعل لكم الأرض فرشا والسماء بنآء } [البقرة: 22]، فيه إشارة إلى تعريفه نفسه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وعزة عباده عنده وفضيلتهم على جميع المخلوقات من عباده بأن جعل لهم بنفسه فراشا كالأرض ودنيا كالسماء، وأما عزة عباده عنده بأن خلق السماوات والأرض وما فيها لأجلهم وسخرها لهم لقوله تعالى:
وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا منه
[الجاثية: 13]، فكان وجود السماوات تبعا لوجودهم وما كان وجودهم تبعا لوجود شيء إلا وجوده، ولهذا السر أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام وحرم على آدم وأولاده السجود لغير الله، ليظهر أن الملائكة وإن كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم عليه السلام جعله مسجودا للملائكة ليكون هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شيء والكل تابع له.
قال تعالى: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22]، تحقيقه أن الماء هو القرآن، وثمراته: الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق واليقين والنجاة، والرفعة والصلاح الفلاح والحكمة والموعظة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة، والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين، وإجماع كل خير وختام سعادة زهوق باطل الوجود الإنساني عند مجيء تجلي حقيقة الصفات الربانية لقوله تعالى:
قل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا
[الإسراء: 81]، فأخرج بماء القرآن هذه الثمرات من أرض قلوب عباده فكما أن الله من على عباده بإخراج الثمرات وقال: { فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22] وكان للحيوان فيها رزق؛ ولكن يتبعه الإنسان كما قال تعالى:
متاعا لكم ولأنعامكم
[النازعات: 33].
كذلك القرآن بثمراته كان رزقا مختصا بالإنسان وللملائكة والجن كان لهم فيه رزق ولكن بتبعية للإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال؛ بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال.
قوله تعالى: { فلا تجعلوا لله أندادا } [البقرة: 22]، فيه ثلاثة معان:
أولها: أن هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض ما فيها ليس شأن أحد غيري، { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22]، فلا تجعلوا لي أندادا في العبودية.
وثانيها: إني جعلت السماوات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم وأسبابها وأنا الرازق فلا تجعلوا الوسائط أندادا لي،
لا تسجدوا للشمس ولا للقمر
[فصلت: 37].
وثالثها: إني خلقت الموجودات وجعلت لكل شيء حظا في شيء آخر وجعلت حظ الإنسان في محبتي ومعرفتي، وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتي ومعرفتي بأن تجعلوا لي أندادا وتحبونهم كحب الله.
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، فالأنداد وهي الأحباب غير الله تعالى: فوصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالإيمان وقال:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، يعني: الذين اتخذوا من دون الله أندادا في المحبة ما آمنوا حقيقة وإن زعموا الإيمان فافهم جدا ولا تغتر بالإيمان التقليدي الموروثي حتى تقبح على هذا المحل.
ثم ذكر اختصاص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بالعبودية الخالصة مطلقا لقوله تعالى:
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا
[البقرة: 23]، الآيتين، والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى جعل إعراض المعرضين واعتراض المعترضين فباب غيرته وسرادقات عزته لحبيبه المرسل، وكتابه المنزل لئلا يشاهد المعرضون عن الله حبيبه، ولا يطالع المعترضون على الله كتابه، فلم يزدهم بيان النبي صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن إلا ريبا على ريب وخسارا على خسار، كما قال تعالى:
وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون
[يونس: 101].
البقرة 2:22
فحاصل أحوالهم بعد انقطاع حبالهم قوله تعالى: { صم } [البقرة: 18]، يعني بأذن قلوبهم التي سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق، { بكم } [البقرة: 18]، بتلك الألسنة التي أجابوا ربهم بقولهم بلى، { عمي } [البقرة: 18]، بالأبصار التي شاهدوا جمال ربوبيته فعرفوه { فهم لا يرجعون } [البقرة: 18]، إلى منازل حضائر القدس؛ بل إلى ما كانوا فيه من رياض الأنس، وذلك لأنهم سدوا روزنة قلوبهم التي كانت مفتوحة إلى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق، فما هبت عليهم من جانب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الأرواح، فمرضت قلوبهم ثم أرسل إليهم الطبيب الذي أنزل الداء وأنزل معه الدواء، كما قال تعالى:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين
[الإسراء: 82]، الذين يصدقون الأطباء ويقبلون الدواء، فلم يصدقوهم ولم يقبلوا ظلما على أنفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء، كما قال تعالى:
ولا يزيد الظالمين إلا خسارا
[الإسراء: 82]، فلما لم يكونوا أهل الرحمة وأدركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى بقوله تعالى:
أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم
[محمد: 23].
ثم ضرب لهم مثلا آخر بقوله تعالى: { أو كصيب من السمآء } [البقرة: 19]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى نسبه في حال متمني هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجددهم في الطلب ما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملائكية وتقع في آفة الفترة والوقفة بمن يكون في المفازة سائرا في ظلمة الليل والمطر، وشبه الذكر، والقرآن بالمطر؛ لأنه ينبت الإيمان والحكمة في القلب كما ينبت الماء البقلة، { فيه ظلمت } [البقرة: 19]، أي: مشكلات ومتشابهات وشبهات تظهر للسالك الذاكر في أنحاء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها إلا لمن كان له عقل منور بنور الإيمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى:
الرحمن * علم القرآن
[الرحمن: 1-2].
فكما أن السير لا يمكن في الظلمات إلا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية إلا بنور الهداية الربوبية، ولهذا قال تعالى: { أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، يعني: نور الهداية { وإذآ أظلم عليهم قاموا } [البقرة: 20] يعني: ظلمة البشرية. قوله تعالى: { ورعد } [البقرة: 19]، خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى:
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله
[الحشر: 21].
{ وبرق } [البقرة: 19]، وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن تهتدي إلى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتظهر، فسببها حقيقة القرآن والدين فتعرفها القلوب بقوله تعالى:
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول
[المائدة: 83]، ولما لاحت لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن { يجعلون أصبعهم } [البقرة: 19]، الفاسدة وأمانيهم الباطلة، { في آذانهم } [البقرة: 19]، الواعية { من الصوعق } [البقرة: 19]، دواعي الحق { حذر } [البقرة: 19]، من { الموت } [البقرة: 19]، موت النفس لأن النفس سمكة حياته بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" موتوا قبل أن تموتوا ".
{ والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، فيه إشارة إلى أن الكافر الذي له حياة طبيعة حيوانية لو مات بالإرادة عن مألوفات الطبيعة لكان أحياه الله بأنوار الشريعة كما قال تعالى
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122].
فلما لم يمت بالإرادة { والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، أي: مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب، وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى، { يكاد البرق } [البقرة: 20]، أي: نور الذكر والقرآن { يخطف أبصرهم } [البقرة: 20]، أي: أبصار نفوسهم الأمارة بالسوء { كلما أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: 20]، سلكوا طريق الحق بقدم الصدق { وإذآ أظلم عليهم } [البقرة: 20]، ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى مالوا إلى الدنيا { قاموا } [البقرة: 20] أي: وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الغرات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك.
{ ولو شآء الله } [البقرة: 20]، أي ولو كانت مشيئته وإرادته أن يهديهم { لذهب بسمعهم وأبصرهم } [البقرة: 20]، أي: بسمع نفوسهم الذي تنظر إلى زينة الحياة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 20]، أي: قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يبصروا المزخرفات الدنياوية، والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا، ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد، فلما أتم الكلام مع المؤمنين والكافرين والمنافقين خاطب الناس عموما أجمعين بقوله تعالى: { يأيها الناس } [البقرة: 21]، إلى { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى خاطب الناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزلت قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم إلى التوحيد والعبودية.
{ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } [البقرة: 21]، يعني: ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فأوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات وإقامة الطاعات المأمورات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 21]، عن ترك عبادة غير الله فيوفي الله بعد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنات والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا.
{ الذي جعل لكم الأرض فرشا والسماء بنآء } [البقرة: 22]، فيه إشارة إلى تعريفه نفسه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وعزة عباده عنده وفضيلتهم على جميع المخلوقات من عباده بأن جعل لهم بنفسه فراشا كالأرض ودنيا كالسماء، وأما عزة عباده عنده بأن خلق السماوات والأرض وما فيها لأجلهم وسخرها لهم لقوله تعالى:
وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا منه
[الجاثية: 13]، فكان وجود السماوات تبعا لوجودهم وما كان وجودهم تبعا لوجود شيء إلا وجوده، ولهذا السر أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام وحرم على آدم وأولاده السجود لغير الله، ليظهر أن الملائكة وإن كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم عليه السلام جعله مسجودا للملائكة ليكون هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شيء والكل تابع له.
قال تعالى: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22]، تحقيقه أن الماء هو القرآن، وثمراته: الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق واليقين والنجاة، والرفعة والصلاح الفلاح والحكمة والموعظة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة، والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين، وإجماع كل خير وختام سعادة زهوق باطل الوجود الإنساني عند مجيء تجلي حقيقة الصفات الربانية لقوله تعالى:
قل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا
[الإسراء: 81]، فأخرج بماء القرآن هذه الثمرات من أرض قلوب عباده فكما أن الله من على عباده بإخراج الثمرات وقال: { فأخرج به من الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22] وكان للحيوان فيها رزق؛ ولكن يتبعه الإنسان كما قال تعالى:
متاعا لكم ولأنعامكم
[النازعات: 33].
كذلك القرآن بثمراته كان رزقا مختصا بالإنسان وللملائكة والجن كان لهم فيه رزق ولكن بتبعية للإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال؛ بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال.
قوله تعالى: { فلا تجعلوا لله أندادا } [البقرة: 22]، فيه ثلاثة معان:
أولها: أن هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض ما فيها ليس شأن أحد غيري، { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22]، فلا تجعلوا لي أندادا في العبودية.
وثانيها: إني جعلت السماوات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم وأسبابها وأنا الرازق فلا تجعلوا الوسائط أندادا لي،
لا تسجدوا للشمس ولا للقمر
[فصلت: 37].
وثالثها: إني خلقت الموجودات وجعلت لكل شيء حظا في شيء آخر وجعلت حظ الإنسان في محبتي ومعرفتي، وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتي ومعرفتي بأن تجعلوا لي أندادا وتحبونهم كحب الله.
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، فالأنداد وهي الأحباب غير الله تعالى: فوصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالإيمان وقال:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، يعني: الذين اتخذوا من دون الله أندادا في المحبة ما آمنوا حقيقة وإن زعموا الإيمان فافهم جدا ولا تغتر بالإيمان التقليدي الموروثي حتى تقبح على هذا المحل.
ثم ذكر اختصاص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بالعبودية الخالصة مطلقا لقوله تعالى:
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا
[البقرة: 23]، الآيتين، والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى جعل إعراض المعرضين واعتراض المعترضين فباب غيرته وسرادقات عزته لحبيبه المرسل، وكتابه المنزل لئلا يشاهد المعرضون عن الله حبيبه، ولا يطالع المعترضون على الله كتابه، فلم يزدهم بيان النبي صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن إلا ريبا على ريب وخسارا على خسار، كما قال تعالى:
وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون
[يونس: 101].
البقرة 2:23
حجبوا عن مشاهدة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنعوا عن طاعة الكتاب قال لهم: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } [البقرة: 23] سماه بالعبد المطلق ولم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه كما قال تعالى:
واذكر عبدنآ أيوب
[ص: 41]، وذلك أن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين وهو كمال حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال العبودية في كمال الحرية عما سوى الله تعالى وهو مختص بهذه الكرامة كما أثنى الله تعالى عليه بذلك وقال:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 16-17]، فلما اختص بهذه الحرية أكرمه باسم العبد المطلق كما قال تعالى:
فأوحى إلى عبده
[النجم: 10] إنما ذكره في هذه الآية بعبدنا أمر في الآيات المتقدمة بالعبودية الخالصة وترك الأنداد، ولقوله
اعبدوا ربكم
[البقرة: 21]، وقوله تعالى:
فلا تجعلوا لله أندادا
[البقرة: 22]، أي: أحبابا من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانية والآخرة ونعيمها والروح وما لو فاتها من المستحسنات الروحانية وما صح لأحد من العالمين من هذه المرتبة من العبودية الخالصة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم فذكره في هذا المعرض وسماه بعبدنا مطلقا.
وقال تعالى:
إن كنتم في شك
[يونس: 104] مما أنعمنا على عبدنا محمد لحسن استعداده في كمال العبودية بإنعام الوحي ونعمة القرآن، { فأتوا بسورة من مثله } [البقرة: 23]، مثل القرآن من أنفسكم { وادعوا شهدآءكم } [البقرة: 23]، الحاضرين معكم يوم الميثاق لأنكم وأنهم ومحمد صلى الله عليه وسلم كنتم جميعا مستمعين لخطاب،
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، مجتمعين في جواب { بلى } ، فلو كان محمد قادرا على إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري سواء، فأتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم أيضا.
{ من دون الله إن كنتم صدقين } [البقرة: 23]، إنه لقوله من عنده والذي يدل عليه قوله
قل إنمآ أنا بشر مثلكم
[الكهف: 110]، يعني: في الاستعداد البشري
يوحى إلي
[الكهف: 110] ولكن خصصت بالوحي.
ثم أخبر عن عجزهم بالإتيان بمثل القرآن في الاستقبال { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } [البقرة: 24] أي: لا تقدرون أنتم ولا من يجيء بعدكم أبدا لأن " لن " للتأبيد وهذا من جملة معجزات القرآن، { فاتقوا النار التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، هي صفة القهر وصورة غضب الحق كما جاء في الحديث الصحيح:
" قال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ".
{ التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، أنانية الإنسان التي نسيان الله من خصوصيتها { والحجارة } [البقرة: 24]، أي: الذهب لأن به تحصيل مرادات النفس وشهواتها وما يميل إليه الهوى، فعبر عما يعبده أنانية نفس الإنسان بالحجارة؛ لأن أكثر الأصنام كانت من الحجارة وعن أنانيته الإنسان بالناس؛ لأنه طلبت غير الله تعالى وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق، ثم جعل وقودها الناس لقوله تعالى
إنكم وما تعبدون من دون الله
[الأنبياء: 98].
ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم:
" إن للقرآن ظهرا وبطنا "
فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط أن يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهي إلحاد وزندقة لقوله تعالى:
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59].
قوله تعالى: { أعدت للكفرين } [البقرة: 24]، أي: خلقت وهيأت للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:
" خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون "
فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار بقوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا } [البقرة: 25]، الإشارة في تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور الأخروية.
{ وعملوا الصلحت } [البقرة: 25]، أي: الصالحات التي تنبت بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر: 10]، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة وغيرها، { أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهر } [البقرة: 25] أي: يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات.
وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما شاهدوا وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد جنات من أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطف والفضل.
{ كلما رزقوا منها } [البقرة: 25]، أي: من هذه الأشجار { من ثمرة } [البقرة: 25]، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال { رزقا } [البقرة: 25]، أي: عطفا وختما وعطية { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25]، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحوالا شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله شاهد السالك نورا في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في صورة نار كما قال:
إني آنست نارا
[طه: 10]، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون
نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة
[الهمزة: 6-7] فتخرق عليهم بيت وجودهم
إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة
[الهمزة: 8-9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض.
كما قال تعالى: { وأتوا به متشبها } [البقرة: 25]، ولكن السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة فافهم واغتنم فإنك لم تجد ولا تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى.
{ ولهم فيهآ أزوج } [البقرة: 25]، أي: لأرباب الشهود في جنات القربات أزواج من أبكار الغيب { مطهرة } [البقرة: 25]، من ملامسة الأغيار
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن
[الرحمن: 56].
{ وهم فيها } [البقرة: 25]، في اقتضاء، فهم { خلدون } [البقرة: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله ".
واعلم أن كل شيء يشاهد في الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى بقوله:
" أرنا الأشياء كما هي "
فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقائقها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني على الصورة غالبة فترى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: { هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها، إذا طعنت تفجر دما فاللون لون الدم والعرف عرف المسك "
فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جدا واغتنم.
ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } [البقرة: 26]، إلى قوله: { الفسقين } [البقرة: 26]، { إن الله لا يستحى } أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلا { ما بعوضة } [البقرة: 26]، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة { فما فوقها } [البقرة: 26]، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتلفت فهذه تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى كما قال تعالى:
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
[الشورى: 27].
وقال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، ومنها أن البعوضة خلقت على صورة الفيل وفيها معان:
منها: أن القدرة على إيجاد كل واحد منها غير منقادة ليس خلق أحدها بأهون على الله تعالى من الأخرى.
ومنها: أن البعوضة إذا أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيت الفيل الكبير القوي.
وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق كل شيء على صورته "
أي: على صفته فعلى قدر صفة الإنسان أعطاه الله من كل صفة من صفات جلاله وجماله أنموذجا ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
، ليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان.
كما قال تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وفيها وفي أمثالها دلالات يطول شرحها فقس الباقي على نداء { فأما الذين آمنوا } [البقرة: 26]، بنور الإيمان يشاهدون المعاني والحقائق في صورة الأمثلة { فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا } [البقرة: 26]، جحدوا الحق ظلمة إنكارهم غشاوة أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الأمثلة كما أن العجمي لا يشاهد المعاني في كسوة اللغة العربية فيسأل عن الحيرة: " ماذا أراد العربي بهذه اللفظة " ، فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في إدراك حقائق الأمثال قالوا: { فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } [البقرة: 26]، فبجهلهم زاد إنكارهم على الإنكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة.
{ يضل به كثيرا } [البقرة: 26]، ممن أخطأه رشاش النور في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل "
، فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يهتدي، ومن أصابه ذلك هناك أصابه هاهنا نور الإيمان، ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: { ويهدي به كثيرا } [البقرة: 26]، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: { وما يضل به إلا الفسقين } [البقرة: 26]، والفاسق الخارج من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة.
ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } [البقرة: 27]، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } [البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.
كما قال تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعا كاملا عن غيره { ويفسدون في الأرض } [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح { أولئك هم الخسرون } [البقرة: 27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3].
ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنسيان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28]، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: { كيف } خطاب التهديد للكافرين عموما وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصا وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصا، فتهديد الكافرين { كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا } [البقرة: 28]، نطفا في أصلاب آبائكم { فأحيكم } [البقرة: 28]، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، { ثم يميتكم } [البقرة: 28]، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم { وكنتم أموتا } [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: { بلى } رغبة لا رهبة { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطبيعة الإنسانية { ثم يحييكم } [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.
وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: { كيف تكفرون } [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت
لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22].
{ ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج لقوله تعالى:
ارجعي إلى ربك راضية مرضية
[الفجر: 28]، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون إليه { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك، فبقدر ما تكون لي أكون لك، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من كان لله كان الله له "
وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو.
البقرة 2:24
حجبوا عن مشاهدة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنعوا عن طاعة الكتاب قال لهم: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } [البقرة: 23] سماه بالعبد المطلق ولم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه كما قال تعالى:
واذكر عبدنآ أيوب
[ص: 41]، وذلك أن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين وهو كمال حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال العبودية في كمال الحرية عما سوى الله تعالى وهو مختص بهذه الكرامة كما أثنى الله تعالى عليه بذلك وقال:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 16-17]، فلما اختص بهذه الحرية أكرمه باسم العبد المطلق كما قال تعالى:
فأوحى إلى عبده
[النجم: 10] إنما ذكره في هذه الآية بعبدنا أمر في الآيات المتقدمة بالعبودية الخالصة وترك الأنداد، ولقوله
اعبدوا ربكم
[البقرة: 21]، وقوله تعالى:
فلا تجعلوا لله أندادا
[البقرة: 22]، أي: أحبابا من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانية والآخرة ونعيمها والروح وما لو فاتها من المستحسنات الروحانية وما صح لأحد من العالمين من هذه المرتبة من العبودية الخالصة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم فذكره في هذا المعرض وسماه بعبدنا مطلقا.
وقال تعالى:
إن كنتم في شك
[يونس: 104] مما أنعمنا على عبدنا محمد لحسن استعداده في كمال العبودية بإنعام الوحي ونعمة القرآن، { فأتوا بسورة من مثله } [البقرة: 23]، مثل القرآن من أنفسكم { وادعوا شهدآءكم } [البقرة: 23]، الحاضرين معكم يوم الميثاق لأنكم وأنهم ومحمد صلى الله عليه وسلم كنتم جميعا مستمعين لخطاب،
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، مجتمعين في جواب { بلى } ، فلو كان محمد قادرا على إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري سواء، فأتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم أيضا.
{ من دون الله إن كنتم صدقين } [البقرة: 23]، إنه لقوله من عنده والذي يدل عليه قوله
قل إنمآ أنا بشر مثلكم
[الكهف: 110]، يعني: في الاستعداد البشري
يوحى إلي
[الكهف: 110] ولكن خصصت بالوحي.
ثم أخبر عن عجزهم بالإتيان بمثل القرآن في الاستقبال { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } [البقرة: 24] أي: لا تقدرون أنتم ولا من يجيء بعدكم أبدا لأن " لن " للتأبيد وهذا من جملة معجزات القرآن، { فاتقوا النار التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، هي صفة القهر وصورة غضب الحق كما جاء في الحديث الصحيح:
" قال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ".
{ التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، أنانية الإنسان التي نسيان الله من خصوصيتها { والحجارة } [البقرة: 24]، أي: الذهب لأن به تحصيل مرادات النفس وشهواتها وما يميل إليه الهوى، فعبر عما يعبده أنانية نفس الإنسان بالحجارة؛ لأن أكثر الأصنام كانت من الحجارة وعن أنانيته الإنسان بالناس؛ لأنه طلبت غير الله تعالى وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق، ثم جعل وقودها الناس لقوله تعالى
إنكم وما تعبدون من دون الله
[الأنبياء: 98].
ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم:
" إن للقرآن ظهرا وبطنا "
فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط أن يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهي إلحاد وزندقة لقوله تعالى:
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59].
قوله تعالى: { أعدت للكفرين } [البقرة: 24]، أي: خلقت وهيأت للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:
" خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون "
فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار بقوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا } [البقرة: 25]، الإشارة في تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور الأخروية.
{ وعملوا الصلحت } [البقرة: 25]، أي: الصالحات التي تنبت بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر: 10]، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة وغيرها، { أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهر } [البقرة: 25] أي: يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات.
وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما شاهدوا وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد جنات من أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطف والفضل.
{ كلما رزقوا منها } [البقرة: 25]، أي: من هذه الأشجار { من ثمرة } [البقرة: 25]، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال { رزقا } [البقرة: 25]، أي: عطفا وختما وعطية { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25]، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحوالا شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله شاهد السالك نورا في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في صورة نار كما قال:
إني آنست نارا
[طه: 10]، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون
نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة
[الهمزة: 6-7] فتخرق عليهم بيت وجودهم
إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة
[الهمزة: 8-9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض.
كما قال تعالى: { وأتوا به متشبها } [البقرة: 25]، ولكن السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة فافهم واغتنم فإنك لم تجد ولا تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى.
{ ولهم فيهآ أزوج } [البقرة: 25]، أي: لأرباب الشهود في جنات القربات أزواج من أبكار الغيب { مطهرة } [البقرة: 25]، من ملامسة الأغيار
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن
[الرحمن: 56].
{ وهم فيها } [البقرة: 25]، في اقتضاء، فهم { خلدون } [البقرة: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله ".
واعلم أن كل شيء يشاهد في الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى بقوله:
" أرنا الأشياء كما هي "
فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقائقها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني على الصورة غالبة فترى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: { هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها، إذا طعنت تفجر دما فاللون لون الدم والعرف عرف المسك "
فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جدا واغتنم.
ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } [البقرة: 26]، إلى قوله: { الفسقين } [البقرة: 26]، { إن الله لا يستحى } أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلا { ما بعوضة } [البقرة: 26]، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة { فما فوقها } [البقرة: 26]، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتلفت فهذه تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى كما قال تعالى:
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
[الشورى: 27].
وقال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، ومنها أن البعوضة خلقت على صورة الفيل وفيها معان:
منها: أن القدرة على إيجاد كل واحد منها غير منقادة ليس خلق أحدها بأهون على الله تعالى من الأخرى.
ومنها: أن البعوضة إذا أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيت الفيل الكبير القوي.
وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق كل شيء على صورته "
أي: على صفته فعلى قدر صفة الإنسان أعطاه الله من كل صفة من صفات جلاله وجماله أنموذجا ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
، ليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان.
كما قال تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وفيها وفي أمثالها دلالات يطول شرحها فقس الباقي على نداء { فأما الذين آمنوا } [البقرة: 26]، بنور الإيمان يشاهدون المعاني والحقائق في صورة الأمثلة { فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا } [البقرة: 26]، جحدوا الحق ظلمة إنكارهم غشاوة أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الأمثلة كما أن العجمي لا يشاهد المعاني في كسوة اللغة العربية فيسأل عن الحيرة: " ماذا أراد العربي بهذه اللفظة " ، فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في إدراك حقائق الأمثال قالوا: { فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } [البقرة: 26]، فبجهلهم زاد إنكارهم على الإنكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة.
{ يضل به كثيرا } [البقرة: 26]، ممن أخطأه رشاش النور في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل "
، فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يهتدي، ومن أصابه ذلك هناك أصابه هاهنا نور الإيمان، ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: { ويهدي به كثيرا } [البقرة: 26]، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: { وما يضل به إلا الفسقين } [البقرة: 26]، والفاسق الخارج من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة.
ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } [البقرة: 27]، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } [البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.
كما قال تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعا كاملا عن غيره { ويفسدون في الأرض } [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح { أولئك هم الخسرون } [البقرة: 27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3].
ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنسيان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28]، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: { كيف } خطاب التهديد للكافرين عموما وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصا وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصا، فتهديد الكافرين { كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا } [البقرة: 28]، نطفا في أصلاب آبائكم { فأحيكم } [البقرة: 28]، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، { ثم يميتكم } [البقرة: 28]، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم { وكنتم أموتا } [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: { بلى } رغبة لا رهبة { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطبيعة الإنسانية { ثم يحييكم } [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.
وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: { كيف تكفرون } [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت
لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22].
{ ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج لقوله تعالى:
ارجعي إلى ربك راضية مرضية
[الفجر: 28]، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون إليه { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك، فبقدر ما تكون لي أكون لك، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من كان لله كان الله له "
وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو.
البقرة 2:25
حجبوا عن مشاهدة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنعوا عن طاعة الكتاب قال لهم: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } [البقرة: 23] سماه بالعبد المطلق ولم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه كما قال تعالى:
واذكر عبدنآ أيوب
[ص: 41]، وذلك أن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين وهو كمال حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال العبودية في كمال الحرية عما سوى الله تعالى وهو مختص بهذه الكرامة كما أثنى الله تعالى عليه بذلك وقال:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 16-17]، فلما اختص بهذه الحرية أكرمه باسم العبد المطلق كما قال تعالى:
فأوحى إلى عبده
[النجم: 10] إنما ذكره في هذه الآية بعبدنا أمر في الآيات المتقدمة بالعبودية الخالصة وترك الأنداد، ولقوله
اعبدوا ربكم
[البقرة: 21]، وقوله تعالى:
فلا تجعلوا لله أندادا
[البقرة: 22]، أي: أحبابا من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانية والآخرة ونعيمها والروح وما لو فاتها من المستحسنات الروحانية وما صح لأحد من العالمين من هذه المرتبة من العبودية الخالصة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم فذكره في هذا المعرض وسماه بعبدنا مطلقا.
وقال تعالى:
إن كنتم في شك
[يونس: 104] مما أنعمنا على عبدنا محمد لحسن استعداده في كمال العبودية بإنعام الوحي ونعمة القرآن، { فأتوا بسورة من مثله } [البقرة: 23]، مثل القرآن من أنفسكم { وادعوا شهدآءكم } [البقرة: 23]، الحاضرين معكم يوم الميثاق لأنكم وأنهم ومحمد صلى الله عليه وسلم كنتم جميعا مستمعين لخطاب،
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، مجتمعين في جواب { بلى } ، فلو كان محمد قادرا على إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري سواء، فأتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم أيضا.
{ من دون الله إن كنتم صدقين } [البقرة: 23]، إنه لقوله من عنده والذي يدل عليه قوله
قل إنمآ أنا بشر مثلكم
[الكهف: 110]، يعني: في الاستعداد البشري
يوحى إلي
[الكهف: 110] ولكن خصصت بالوحي.
ثم أخبر عن عجزهم بالإتيان بمثل القرآن في الاستقبال { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } [البقرة: 24] أي: لا تقدرون أنتم ولا من يجيء بعدكم أبدا لأن " لن " للتأبيد وهذا من جملة معجزات القرآن، { فاتقوا النار التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، هي صفة القهر وصورة غضب الحق كما جاء في الحديث الصحيح:
" قال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ".
{ التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، أنانية الإنسان التي نسيان الله من خصوصيتها { والحجارة } [البقرة: 24]، أي: الذهب لأن به تحصيل مرادات النفس وشهواتها وما يميل إليه الهوى، فعبر عما يعبده أنانية نفس الإنسان بالحجارة؛ لأن أكثر الأصنام كانت من الحجارة وعن أنانيته الإنسان بالناس؛ لأنه طلبت غير الله تعالى وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق، ثم جعل وقودها الناس لقوله تعالى
إنكم وما تعبدون من دون الله
[الأنبياء: 98].
ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم:
" إن للقرآن ظهرا وبطنا "
فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط أن يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهي إلحاد وزندقة لقوله تعالى:
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59].
قوله تعالى: { أعدت للكفرين } [البقرة: 24]، أي: خلقت وهيأت للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:
" خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون "
فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار بقوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا } [البقرة: 25]، الإشارة في تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور الأخروية.
{ وعملوا الصلحت } [البقرة: 25]، أي: الصالحات التي تنبت بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر: 10]، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة وغيرها، { أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهر } [البقرة: 25] أي: يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات.
وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما شاهدوا وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد جنات من أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطف والفضل.
{ كلما رزقوا منها } [البقرة: 25]، أي: من هذه الأشجار { من ثمرة } [البقرة: 25]، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال { رزقا } [البقرة: 25]، أي: عطفا وختما وعطية { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25]، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحوالا شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله شاهد السالك نورا في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في صورة نار كما قال:
إني آنست نارا
[طه: 10]، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون
نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة
[الهمزة: 6-7] فتخرق عليهم بيت وجودهم
إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة
[الهمزة: 8-9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض.
كما قال تعالى: { وأتوا به متشبها } [البقرة: 25]، ولكن السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة فافهم واغتنم فإنك لم تجد ولا تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى.
{ ولهم فيهآ أزوج } [البقرة: 25]، أي: لأرباب الشهود في جنات القربات أزواج من أبكار الغيب { مطهرة } [البقرة: 25]، من ملامسة الأغيار
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن
[الرحمن: 56].
{ وهم فيها } [البقرة: 25]، في اقتضاء، فهم { خلدون } [البقرة: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله ".
واعلم أن كل شيء يشاهد في الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى بقوله:
" أرنا الأشياء كما هي "
فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقائقها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني على الصورة غالبة فترى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: { هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها، إذا طعنت تفجر دما فاللون لون الدم والعرف عرف المسك "
فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جدا واغتنم.
ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } [البقرة: 26]، إلى قوله: { الفسقين } [البقرة: 26]، { إن الله لا يستحى } أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلا { ما بعوضة } [البقرة: 26]، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة { فما فوقها } [البقرة: 26]، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتلفت فهذه تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى كما قال تعالى:
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
[الشورى: 27].
وقال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، ومنها أن البعوضة خلقت على صورة الفيل وفيها معان:
منها: أن القدرة على إيجاد كل واحد منها غير منقادة ليس خلق أحدها بأهون على الله تعالى من الأخرى.
ومنها: أن البعوضة إذا أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيت الفيل الكبير القوي.
وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق كل شيء على صورته "
أي: على صفته فعلى قدر صفة الإنسان أعطاه الله من كل صفة من صفات جلاله وجماله أنموذجا ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
، ليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان.
كما قال تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وفيها وفي أمثالها دلالات يطول شرحها فقس الباقي على نداء { فأما الذين آمنوا } [البقرة: 26]، بنور الإيمان يشاهدون المعاني والحقائق في صورة الأمثلة { فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا } [البقرة: 26]، جحدوا الحق ظلمة إنكارهم غشاوة أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الأمثلة كما أن العجمي لا يشاهد المعاني في كسوة اللغة العربية فيسأل عن الحيرة: " ماذا أراد العربي بهذه اللفظة " ، فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في إدراك حقائق الأمثال قالوا: { فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } [البقرة: 26]، فبجهلهم زاد إنكارهم على الإنكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة.
{ يضل به كثيرا } [البقرة: 26]، ممن أخطأه رشاش النور في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل "
، فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يهتدي، ومن أصابه ذلك هناك أصابه هاهنا نور الإيمان، ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: { ويهدي به كثيرا } [البقرة: 26]، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: { وما يضل به إلا الفسقين } [البقرة: 26]، والفاسق الخارج من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة.
ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } [البقرة: 27]، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } [البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.
كما قال تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعا كاملا عن غيره { ويفسدون في الأرض } [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح { أولئك هم الخسرون } [البقرة: 27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3].
ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنسيان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28]، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: { كيف } خطاب التهديد للكافرين عموما وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصا وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصا، فتهديد الكافرين { كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا } [البقرة: 28]، نطفا في أصلاب آبائكم { فأحيكم } [البقرة: 28]، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، { ثم يميتكم } [البقرة: 28]، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم { وكنتم أموتا } [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: { بلى } رغبة لا رهبة { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطبيعة الإنسانية { ثم يحييكم } [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.
وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: { كيف تكفرون } [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت
لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22].
{ ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج لقوله تعالى:
ارجعي إلى ربك راضية مرضية
[الفجر: 28]، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون إليه { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك، فبقدر ما تكون لي أكون لك، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من كان لله كان الله له "
وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو.
البقرة 2:26
حجبوا عن مشاهدة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنعوا عن طاعة الكتاب قال لهم: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } [البقرة: 23] سماه بالعبد المطلق ولم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه كما قال تعالى:
واذكر عبدنآ أيوب
[ص: 41]، وذلك أن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين وهو كمال حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال العبودية في كمال الحرية عما سوى الله تعالى وهو مختص بهذه الكرامة كما أثنى الله تعالى عليه بذلك وقال:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 16-17]، فلما اختص بهذه الحرية أكرمه باسم العبد المطلق كما قال تعالى:
فأوحى إلى عبده
[النجم: 10] إنما ذكره في هذه الآية بعبدنا أمر في الآيات المتقدمة بالعبودية الخالصة وترك الأنداد، ولقوله
اعبدوا ربكم
[البقرة: 21]، وقوله تعالى:
فلا تجعلوا لله أندادا
[البقرة: 22]، أي: أحبابا من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانية والآخرة ونعيمها والروح وما لو فاتها من المستحسنات الروحانية وما صح لأحد من العالمين من هذه المرتبة من العبودية الخالصة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم فذكره في هذا المعرض وسماه بعبدنا مطلقا.
وقال تعالى:
إن كنتم في شك
[يونس: 104] مما أنعمنا على عبدنا محمد لحسن استعداده في كمال العبودية بإنعام الوحي ونعمة القرآن، { فأتوا بسورة من مثله } [البقرة: 23]، مثل القرآن من أنفسكم { وادعوا شهدآءكم } [البقرة: 23]، الحاضرين معكم يوم الميثاق لأنكم وأنهم ومحمد صلى الله عليه وسلم كنتم جميعا مستمعين لخطاب،
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، مجتمعين في جواب { بلى } ، فلو كان محمد قادرا على إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري سواء، فأتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم أيضا.
{ من دون الله إن كنتم صدقين } [البقرة: 23]، إنه لقوله من عنده والذي يدل عليه قوله
قل إنمآ أنا بشر مثلكم
[الكهف: 110]، يعني: في الاستعداد البشري
يوحى إلي
[الكهف: 110] ولكن خصصت بالوحي.
ثم أخبر عن عجزهم بالإتيان بمثل القرآن في الاستقبال { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } [البقرة: 24] أي: لا تقدرون أنتم ولا من يجيء بعدكم أبدا لأن " لن " للتأبيد وهذا من جملة معجزات القرآن، { فاتقوا النار التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، هي صفة القهر وصورة غضب الحق كما جاء في الحديث الصحيح:
" قال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ".
{ التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، أنانية الإنسان التي نسيان الله من خصوصيتها { والحجارة } [البقرة: 24]، أي: الذهب لأن به تحصيل مرادات النفس وشهواتها وما يميل إليه الهوى، فعبر عما يعبده أنانية نفس الإنسان بالحجارة؛ لأن أكثر الأصنام كانت من الحجارة وعن أنانيته الإنسان بالناس؛ لأنه طلبت غير الله تعالى وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق، ثم جعل وقودها الناس لقوله تعالى
إنكم وما تعبدون من دون الله
[الأنبياء: 98].
ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم:
" إن للقرآن ظهرا وبطنا "
فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط أن يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهي إلحاد وزندقة لقوله تعالى:
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59].
قوله تعالى: { أعدت للكفرين } [البقرة: 24]، أي: خلقت وهيأت للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:
" خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون "
فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار بقوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا } [البقرة: 25]، الإشارة في تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور الأخروية.
{ وعملوا الصلحت } [البقرة: 25]، أي: الصالحات التي تنبت بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر: 10]، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة وغيرها، { أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهر } [البقرة: 25] أي: يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات.
وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما شاهدوا وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد جنات من أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطف والفضل.
{ كلما رزقوا منها } [البقرة: 25]، أي: من هذه الأشجار { من ثمرة } [البقرة: 25]، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال { رزقا } [البقرة: 25]، أي: عطفا وختما وعطية { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25]، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحوالا شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله شاهد السالك نورا في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في صورة نار كما قال:
إني آنست نارا
[طه: 10]، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون
نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة
[الهمزة: 6-7] فتخرق عليهم بيت وجودهم
إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة
[الهمزة: 8-9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض.
كما قال تعالى: { وأتوا به متشبها } [البقرة: 25]، ولكن السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة فافهم واغتنم فإنك لم تجد ولا تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى.
{ ولهم فيهآ أزوج } [البقرة: 25]، أي: لأرباب الشهود في جنات القربات أزواج من أبكار الغيب { مطهرة } [البقرة: 25]، من ملامسة الأغيار
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن
[الرحمن: 56].
{ وهم فيها } [البقرة: 25]، في اقتضاء، فهم { خلدون } [البقرة: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله ".
واعلم أن كل شيء يشاهد في الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى بقوله:
" أرنا الأشياء كما هي "
فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقائقها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني على الصورة غالبة فترى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: { هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها، إذا طعنت تفجر دما فاللون لون الدم والعرف عرف المسك "
فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جدا واغتنم.
ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } [البقرة: 26]، إلى قوله: { الفسقين } [البقرة: 26]، { إن الله لا يستحى } أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلا { ما بعوضة } [البقرة: 26]، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة { فما فوقها } [البقرة: 26]، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتلفت فهذه تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى كما قال تعالى:
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
[الشورى: 27].
وقال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، ومنها أن البعوضة خلقت على صورة الفيل وفيها معان:
منها: أن القدرة على إيجاد كل واحد منها غير منقادة ليس خلق أحدها بأهون على الله تعالى من الأخرى.
ومنها: أن البعوضة إذا أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيت الفيل الكبير القوي.
وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق كل شيء على صورته "
أي: على صفته فعلى قدر صفة الإنسان أعطاه الله من كل صفة من صفات جلاله وجماله أنموذجا ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
، ليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان.
كما قال تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وفيها وفي أمثالها دلالات يطول شرحها فقس الباقي على نداء { فأما الذين آمنوا } [البقرة: 26]، بنور الإيمان يشاهدون المعاني والحقائق في صورة الأمثلة { فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا } [البقرة: 26]، جحدوا الحق ظلمة إنكارهم غشاوة أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الأمثلة كما أن العجمي لا يشاهد المعاني في كسوة اللغة العربية فيسأل عن الحيرة: " ماذا أراد العربي بهذه اللفظة " ، فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في إدراك حقائق الأمثال قالوا: { فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } [البقرة: 26]، فبجهلهم زاد إنكارهم على الإنكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة.
{ يضل به كثيرا } [البقرة: 26]، ممن أخطأه رشاش النور في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل "
، فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يهتدي، ومن أصابه ذلك هناك أصابه هاهنا نور الإيمان، ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: { ويهدي به كثيرا } [البقرة: 26]، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: { وما يضل به إلا الفسقين } [البقرة: 26]، والفاسق الخارج من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة.
ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } [البقرة: 27]، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } [البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.
كما قال تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعا كاملا عن غيره { ويفسدون في الأرض } [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح { أولئك هم الخسرون } [البقرة: 27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3].
ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنسيان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28]، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: { كيف } خطاب التهديد للكافرين عموما وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصا وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصا، فتهديد الكافرين { كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا } [البقرة: 28]، نطفا في أصلاب آبائكم { فأحيكم } [البقرة: 28]، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، { ثم يميتكم } [البقرة: 28]، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم { وكنتم أموتا } [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: { بلى } رغبة لا رهبة { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطبيعة الإنسانية { ثم يحييكم } [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.
وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: { كيف تكفرون } [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت
لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22].
{ ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج لقوله تعالى:
ارجعي إلى ربك راضية مرضية
[الفجر: 28]، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون إليه { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك، فبقدر ما تكون لي أكون لك، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من كان لله كان الله له "
وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو.
البقرة 2:27
حجبوا عن مشاهدة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنعوا عن طاعة الكتاب قال لهم: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } [البقرة: 23] سماه بالعبد المطلق ولم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه كما قال تعالى:
واذكر عبدنآ أيوب
[ص: 41]، وذلك أن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين وهو كمال حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال العبودية في كمال الحرية عما سوى الله تعالى وهو مختص بهذه الكرامة كما أثنى الله تعالى عليه بذلك وقال:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 16-17]، فلما اختص بهذه الحرية أكرمه باسم العبد المطلق كما قال تعالى:
فأوحى إلى عبده
[النجم: 10] إنما ذكره في هذه الآية بعبدنا أمر في الآيات المتقدمة بالعبودية الخالصة وترك الأنداد، ولقوله
اعبدوا ربكم
[البقرة: 21]، وقوله تعالى:
فلا تجعلوا لله أندادا
[البقرة: 22]، أي: أحبابا من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانية والآخرة ونعيمها والروح وما لو فاتها من المستحسنات الروحانية وما صح لأحد من العالمين من هذه المرتبة من العبودية الخالصة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم فذكره في هذا المعرض وسماه بعبدنا مطلقا.
وقال تعالى:
إن كنتم في شك
[يونس: 104] مما أنعمنا على عبدنا محمد لحسن استعداده في كمال العبودية بإنعام الوحي ونعمة القرآن، { فأتوا بسورة من مثله } [البقرة: 23]، مثل القرآن من أنفسكم { وادعوا شهدآءكم } [البقرة: 23]، الحاضرين معكم يوم الميثاق لأنكم وأنهم ومحمد صلى الله عليه وسلم كنتم جميعا مستمعين لخطاب،
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، مجتمعين في جواب { بلى } ، فلو كان محمد قادرا على إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري سواء، فأتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم أيضا.
{ من دون الله إن كنتم صدقين } [البقرة: 23]، إنه لقوله من عنده والذي يدل عليه قوله
قل إنمآ أنا بشر مثلكم
[الكهف: 110]، يعني: في الاستعداد البشري
يوحى إلي
[الكهف: 110] ولكن خصصت بالوحي.
ثم أخبر عن عجزهم بالإتيان بمثل القرآن في الاستقبال { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } [البقرة: 24] أي: لا تقدرون أنتم ولا من يجيء بعدكم أبدا لأن " لن " للتأبيد وهذا من جملة معجزات القرآن، { فاتقوا النار التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، هي صفة القهر وصورة غضب الحق كما جاء في الحديث الصحيح:
" قال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ".
{ التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، أنانية الإنسان التي نسيان الله من خصوصيتها { والحجارة } [البقرة: 24]، أي: الذهب لأن به تحصيل مرادات النفس وشهواتها وما يميل إليه الهوى، فعبر عما يعبده أنانية نفس الإنسان بالحجارة؛ لأن أكثر الأصنام كانت من الحجارة وعن أنانيته الإنسان بالناس؛ لأنه طلبت غير الله تعالى وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق، ثم جعل وقودها الناس لقوله تعالى
إنكم وما تعبدون من دون الله
[الأنبياء: 98].
ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم:
" إن للقرآن ظهرا وبطنا "
فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط أن يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهي إلحاد وزندقة لقوله تعالى:
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59].
قوله تعالى: { أعدت للكفرين } [البقرة: 24]، أي: خلقت وهيأت للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:
" خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون "
فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار بقوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا } [البقرة: 25]، الإشارة في تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور الأخروية.
{ وعملوا الصلحت } [البقرة: 25]، أي: الصالحات التي تنبت بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر: 10]، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة وغيرها، { أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهر } [البقرة: 25] أي: يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات.
وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما شاهدوا وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد جنات من أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطف والفضل.
{ كلما رزقوا منها } [البقرة: 25]، أي: من هذه الأشجار { من ثمرة } [البقرة: 25]، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال { رزقا } [البقرة: 25]، أي: عطفا وختما وعطية { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25]، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحوالا شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله شاهد السالك نورا في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في صورة نار كما قال:
إني آنست نارا
[طه: 10]، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون
نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة
[الهمزة: 6-7] فتخرق عليهم بيت وجودهم
إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة
[الهمزة: 8-9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض.
كما قال تعالى: { وأتوا به متشبها } [البقرة: 25]، ولكن السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة فافهم واغتنم فإنك لم تجد ولا تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى.
{ ولهم فيهآ أزوج } [البقرة: 25]، أي: لأرباب الشهود في جنات القربات أزواج من أبكار الغيب { مطهرة } [البقرة: 25]، من ملامسة الأغيار
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن
[الرحمن: 56].
{ وهم فيها } [البقرة: 25]، في اقتضاء، فهم { خلدون } [البقرة: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله ".
واعلم أن كل شيء يشاهد في الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى بقوله:
" أرنا الأشياء كما هي "
فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقائقها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني على الصورة غالبة فترى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: { هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها، إذا طعنت تفجر دما فاللون لون الدم والعرف عرف المسك "
فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جدا واغتنم.
ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } [البقرة: 26]، إلى قوله: { الفسقين } [البقرة: 26]، { إن الله لا يستحى } أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلا { ما بعوضة } [البقرة: 26]، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة { فما فوقها } [البقرة: 26]، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتلفت فهذه تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى كما قال تعالى:
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
[الشورى: 27].
وقال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، ومنها أن البعوضة خلقت على صورة الفيل وفيها معان:
منها: أن القدرة على إيجاد كل واحد منها غير منقادة ليس خلق أحدها بأهون على الله تعالى من الأخرى.
ومنها: أن البعوضة إذا أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيت الفيل الكبير القوي.
وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق كل شيء على صورته "
أي: على صفته فعلى قدر صفة الإنسان أعطاه الله من كل صفة من صفات جلاله وجماله أنموذجا ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
، ليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان.
كما قال تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وفيها وفي أمثالها دلالات يطول شرحها فقس الباقي على نداء { فأما الذين آمنوا } [البقرة: 26]، بنور الإيمان يشاهدون المعاني والحقائق في صورة الأمثلة { فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا } [البقرة: 26]، جحدوا الحق ظلمة إنكارهم غشاوة أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الأمثلة كما أن العجمي لا يشاهد المعاني في كسوة اللغة العربية فيسأل عن الحيرة: " ماذا أراد العربي بهذه اللفظة " ، فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في إدراك حقائق الأمثال قالوا: { فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } [البقرة: 26]، فبجهلهم زاد إنكارهم على الإنكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة.
{ يضل به كثيرا } [البقرة: 26]، ممن أخطأه رشاش النور في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل "
، فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يهتدي، ومن أصابه ذلك هناك أصابه هاهنا نور الإيمان، ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: { ويهدي به كثيرا } [البقرة: 26]، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: { وما يضل به إلا الفسقين } [البقرة: 26]، والفاسق الخارج من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة.
ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } [البقرة: 27]، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } [البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.
كما قال تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعا كاملا عن غيره { ويفسدون في الأرض } [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح { أولئك هم الخسرون } [البقرة: 27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3].
ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنسيان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28]، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: { كيف } خطاب التهديد للكافرين عموما وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصا وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصا، فتهديد الكافرين { كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا } [البقرة: 28]، نطفا في أصلاب آبائكم { فأحيكم } [البقرة: 28]، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، { ثم يميتكم } [البقرة: 28]، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم { وكنتم أموتا } [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: { بلى } رغبة لا رهبة { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطبيعة الإنسانية { ثم يحييكم } [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.
وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: { كيف تكفرون } [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت
لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22].
{ ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج لقوله تعالى:
ارجعي إلى ربك راضية مرضية
[الفجر: 28]، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون إليه { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك، فبقدر ما تكون لي أكون لك، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من كان لله كان الله له "
وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو.
البقرة 2:28
حجبوا عن مشاهدة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنعوا عن طاعة الكتاب قال لهم: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } [البقرة: 23] سماه بالعبد المطلق ولم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه كما قال تعالى:
واذكر عبدنآ أيوب
[ص: 41]، وذلك أن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين وهو كمال حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال العبودية في كمال الحرية عما سوى الله تعالى وهو مختص بهذه الكرامة كما أثنى الله تعالى عليه بذلك وقال:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 16-17]، فلما اختص بهذه الحرية أكرمه باسم العبد المطلق كما قال تعالى:
فأوحى إلى عبده
[النجم: 10] إنما ذكره في هذه الآية بعبدنا أمر في الآيات المتقدمة بالعبودية الخالصة وترك الأنداد، ولقوله
اعبدوا ربكم
[البقرة: 21]، وقوله تعالى:
فلا تجعلوا لله أندادا
[البقرة: 22]، أي: أحبابا من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانية والآخرة ونعيمها والروح وما لو فاتها من المستحسنات الروحانية وما صح لأحد من العالمين من هذه المرتبة من العبودية الخالصة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم فذكره في هذا المعرض وسماه بعبدنا مطلقا.
وقال تعالى:
إن كنتم في شك
[يونس: 104] مما أنعمنا على عبدنا محمد لحسن استعداده في كمال العبودية بإنعام الوحي ونعمة القرآن، { فأتوا بسورة من مثله } [البقرة: 23]، مثل القرآن من أنفسكم { وادعوا شهدآءكم } [البقرة: 23]، الحاضرين معكم يوم الميثاق لأنكم وأنهم ومحمد صلى الله عليه وسلم كنتم جميعا مستمعين لخطاب،
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، مجتمعين في جواب { بلى } ، فلو كان محمد قادرا على إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري سواء، فأتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم أيضا.
{ من دون الله إن كنتم صدقين } [البقرة: 23]، إنه لقوله من عنده والذي يدل عليه قوله
قل إنمآ أنا بشر مثلكم
[الكهف: 110]، يعني: في الاستعداد البشري
يوحى إلي
[الكهف: 110] ولكن خصصت بالوحي.
ثم أخبر عن عجزهم بالإتيان بمثل القرآن في الاستقبال { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } [البقرة: 24] أي: لا تقدرون أنتم ولا من يجيء بعدكم أبدا لأن " لن " للتأبيد وهذا من جملة معجزات القرآن، { فاتقوا النار التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، هي صفة القهر وصورة غضب الحق كما جاء في الحديث الصحيح:
" قال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ".
{ التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، أنانية الإنسان التي نسيان الله من خصوصيتها { والحجارة } [البقرة: 24]، أي: الذهب لأن به تحصيل مرادات النفس وشهواتها وما يميل إليه الهوى، فعبر عما يعبده أنانية نفس الإنسان بالحجارة؛ لأن أكثر الأصنام كانت من الحجارة وعن أنانيته الإنسان بالناس؛ لأنه طلبت غير الله تعالى وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق، ثم جعل وقودها الناس لقوله تعالى
إنكم وما تعبدون من دون الله
[الأنبياء: 98].
ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم:
" إن للقرآن ظهرا وبطنا "
فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط أن يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهي إلحاد وزندقة لقوله تعالى:
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59].
قوله تعالى: { أعدت للكفرين } [البقرة: 24]، أي: خلقت وهيأت للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:
" خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون "
فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار بقوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا } [البقرة: 25]، الإشارة في تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور الأخروية.
{ وعملوا الصلحت } [البقرة: 25]، أي: الصالحات التي تنبت بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر: 10]، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة وغيرها، { أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهر } [البقرة: 25] أي: يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات.
وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما شاهدوا وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد جنات من أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطف والفضل.
{ كلما رزقوا منها } [البقرة: 25]، أي: من هذه الأشجار { من ثمرة } [البقرة: 25]، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال { رزقا } [البقرة: 25]، أي: عطفا وختما وعطية { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25]، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحوالا شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله شاهد السالك نورا في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في صورة نار كما قال:
إني آنست نارا
[طه: 10]، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون
نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة
[الهمزة: 6-7] فتخرق عليهم بيت وجودهم
إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة
[الهمزة: 8-9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض.
كما قال تعالى: { وأتوا به متشبها } [البقرة: 25]، ولكن السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة فافهم واغتنم فإنك لم تجد ولا تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى.
{ ولهم فيهآ أزوج } [البقرة: 25]، أي: لأرباب الشهود في جنات القربات أزواج من أبكار الغيب { مطهرة } [البقرة: 25]، من ملامسة الأغيار
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن
[الرحمن: 56].
{ وهم فيها } [البقرة: 25]، في اقتضاء، فهم { خلدون } [البقرة: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله ".
واعلم أن كل شيء يشاهد في الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى بقوله:
" أرنا الأشياء كما هي "
فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقائقها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني على الصورة غالبة فترى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: { هذا الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها، إذا طعنت تفجر دما فاللون لون الدم والعرف عرف المسك "
فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جدا واغتنم.
ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } [البقرة: 26]، إلى قوله: { الفسقين } [البقرة: 26]، { إن الله لا يستحى } أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلا { ما بعوضة } [البقرة: 26]، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة { فما فوقها } [البقرة: 26]، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتلفت فهذه تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى كما قال تعالى:
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
[الشورى: 27].
وقال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، ومنها أن البعوضة خلقت على صورة الفيل وفيها معان:
منها: أن القدرة على إيجاد كل واحد منها غير منقادة ليس خلق أحدها بأهون على الله تعالى من الأخرى.
ومنها: أن البعوضة إذا أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيت الفيل الكبير القوي.
وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق كل شيء على صورته "
أي: على صفته فعلى قدر صفة الإنسان أعطاه الله من كل صفة من صفات جلاله وجماله أنموذجا ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
، ليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان.
كما قال تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وفيها وفي أمثالها دلالات يطول شرحها فقس الباقي على نداء { فأما الذين آمنوا } [البقرة: 26]، بنور الإيمان يشاهدون المعاني والحقائق في صورة الأمثلة { فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا } [البقرة: 26]، جحدوا الحق ظلمة إنكارهم غشاوة أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الأمثلة كما أن العجمي لا يشاهد المعاني في كسوة اللغة العربية فيسأل عن الحيرة: " ماذا أراد العربي بهذه اللفظة " ، فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في إدراك حقائق الأمثال قالوا: { فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } [البقرة: 26]، فبجهلهم زاد إنكارهم على الإنكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة.
{ يضل به كثيرا } [البقرة: 26]، ممن أخطأه رشاش النور في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل "
، فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يهتدي، ومن أصابه ذلك هناك أصابه هاهنا نور الإيمان، ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: { ويهدي به كثيرا } [البقرة: 26]، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: { وما يضل به إلا الفسقين } [البقرة: 26]، والفاسق الخارج من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة.
ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } [البقرة: 27]، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } [البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.
كما قال تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعا كاملا عن غيره { ويفسدون في الأرض } [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح { أولئك هم الخسرون } [البقرة: 27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 1-3].
ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنسيان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28]، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: { كيف } خطاب التهديد للكافرين عموما وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصا وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصا، فتهديد الكافرين { كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا } [البقرة: 28]، نطفا في أصلاب آبائكم { فأحيكم } [البقرة: 28]، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، { ثم يميتكم } [البقرة: 28]، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم { وكنتم أموتا } [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: { بلى } رغبة لا رهبة { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطبيعة الإنسانية { ثم يحييكم } [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.
وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: { كيف تكفرون } [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت
لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
{ ثم يحييكم } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22].
{ ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج لقوله تعالى:
ارجعي إلى ربك راضية مرضية
[الفجر: 28]، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون إليه { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك، فبقدر ما تكون لي أكون لك، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من كان لله كان الله له "
وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو.
البقرة 2:29
قوله تعالى: { ثم استوى إلى السمآء } [البقرة: 29]، أي: شرع في تسويتها { فسوهن سبع سموت } [البقرة: 29]، مستويات على مصالح الأرض ومنافع الخلق فيه، إشارة إلى أن وجود السماوات والأرض تبعا لوجود الإنسان؛ لأنه قال: { خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29]، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما فيهن وسواهن على وفق مصالحك وانتفاعك من وسلوكك وتربيتك فيهن، كذلك
الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شآء ركبك
[الانفطار: 7-8] بنفخ روحه فيك.
كما قال تعالى:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، ثم سواك بالوحي والإلهام بقبول فيض تجلي صفاته تعالى فيك لك كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
، قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53].
قوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم } [البقرة: 29]، أي: عالم في خلق كل شيء كيف خلقه ولأي شيء خلقه، وكل ذرة من مخلوقاته وكل شيء من موجوداته يسبح ذاته وصفاته ويشهد بأحديته وصمديته ويقول:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]، فلما ذكر أن السماوات والأرض خلقت للإنسان أخبر أن الإنسان لماذا خلق بقوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، والإشارة في تحقيق الآية: أن الله تعالى إنما قال { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، ولم يقل: إني خالق معنيين: أحدهما: إن الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفا بصفة الخلافة إذ ليس لكل مخلوق هذا الاختصاص كما قال تعالى:
يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض
[ص: 26] أي: خلقتك مستعدا للخلافة فأعطيناكها، والثاني: إن للجعلية اختصاصا بعالم الأمر وهو الملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات، كما قال تعالى:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54]، أي: الملك والملكوت؛ فإنه تعالى حين ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر جعله بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى:
الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور
[الأنعام: 1]، فالسماوات والأرض لما كانت من الأجسام والمحسوسات ذكرها بالخلقية، والظلمات والنور لما كانت من غير المحسوسات ذكرها بالجعلية، وإنما قلنا إن الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، فإنما هي من الملكوتيات لا من المحسوسات، والظلمات والنور التي من المحسوسات فإنها داخلة في السماوات والأرض فافهم جدا.
فكذلك ما أخبر الله تعالى عن آدم مما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية، كما قال تعالى:
إني خالق بشرا من طين
[ص: 71]، وما أخبر عما يتعلق بروحانية ذكره بالجعلية فقال تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، وفي: { إني جاعل } إشارة أخرى وهو إظهار عزة آدم على الملائكة لينظروا إليه ينظر التعظيم ولا ينظروا إليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فإنه تعالى يقول:
ولذلك خلقهم
[هود: 119] وسماه خليفته، وما شرف شيئا من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وإنما، سمي خليفة لمعنيين:
أحدهما: أنه يخلق عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها، وذلك لأن الله تعالى جمع فيه ما في العالم كله من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات والدنياويات والأخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والمكونيات، فهو بالحقيقة خليفة كل العوالم، وأكرمه باختصاص كرامة:
ونفخت فيه من روحي
[ص: 72] وما أكرم بها أحدا من العالمين، وأشار إلى هذا المعنى بقوله:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلحت الموجودات كلها أن تكون خليفة لآدم عليه السلام وللحق تعالى.
والثاني: أنه يخلف عن وجود الحق في الحقيقة؛ لأن وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني، وتخلف وحدانية الإنسان عن وحدانية الحق ذاته، وصفاته عن صفاته فتخلف حياته عن حياته، وقدرته، وإرداته عن إرادته، وسمعه عن سمعه، وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولإمكانية روحه عن الإمكانية ولجهته تفهم إنشاء الله، وليس لنوع من المخلوقات أن يخلف عنه كما يخلف آدم عليه السلام وإن كان فيهم بعض هذه الصفات؛ لأنه لا تجتمع صفات الحق في أحدكم وتجتمع في الإنسان ولا تتجلى صفة من صفاته لشيء كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان وصفاته.
فأما الحيوانات وإن كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجودها وموجدها، وأما الملائكة فإنهم وإن كانوا عالمين بوجود موجدهم؛ ولكن لا يبلغ علمهم إلى أن يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته، ولهذا قولوا: { سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32].
وأما الإنسان فله الخلافة صورة ومعنى؛ أما صورة فلأن له علما بوجود موجده ويبلغ علمه إلى أن يعرف نفسه بجميع صفاته والحق سبحانه بجميع صفاته ولهذا كان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع أسماء الله تعالى. وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم تمسسه نار النور في مصباح السر فتيلة الخفي.
فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى:
يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26].
وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]، وقال في حقه وحق المؤمنين:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم
[الفتح: 29]، ولا تظهر هذه الصفات على الحيوان ولا على الملك، وناهيك عن هذا حالة هاروت وماروت ولما أنكروا على ذرية آدم عليه السلام اتباع الهوى والقتل والظلم والفساد، قالوا: لو كنا بدلا منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون، فالله تعالى أنزلهما الأرض وألبس عليهما لباس البشرية، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر.
قال قتادة: ما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا، وسجدا للصنم. فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيض نور الله تعالى، فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم تفتتن بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومين عن مثل هذه الأوصاف والأخلاق وكانت لازمة لصفاتهم البشرية؛ لكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنارت بنور قلوبهم جميع مشكات جسدهم ظاهرا وباطنا، وأشرقت الأرض بنور ربها فلم تبق لظلمات هذه الصفات مجالا للظهور مع استعلاء النور. فالملائكة من بدء الأمر لما نظروا إلى جسد آدم عليه السلام شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم.
{ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، فقولهم هذا يدل على معان مختلفة؛ أن الله تعالى أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة في جبلتنا مركبة فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها وما نبرؤها، كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام:
ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53].
ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصة طينتا، كما قال الله تعالى:
مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك
[النساء: 79]، وكل فساد وظلم لا يجري علينا، ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة ربه لقوله:
إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53].
ومنها: لنعلم أن الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا مع الملائكة المقربين: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، من رحمته والتقطع عن خدمته.
ومنها: لنعلم أن فينا استعداد أمر عظيم وبناء جسيم ليس للملائكة به علم وهو سر الخلافة فلا نتغافل عن هذه السعادة ونتقاعد عن هذه السيادة ونسعى في طلبها حق السعي.
ومنها: أن الملائكة إنما { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، لأنهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات؛ بل عاينوها فإنها خلقت قبل آدم عليه السلام، فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحققوها، وهذا لا يكون غيبا في حقهم، وإنما يكون غيبا لنا لأننا ننظر بالحس، والملكوت يكون لأهل الحس غيبا، ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى:
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض
[الأنعام: 75]، وقال تعالى:
أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض
[الأعراف: 185]، فحينئذ لا يكون غيبا، فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة، فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب، وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة، وإن في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، وروحا من عالم الغيب الملكوتي المنزه عن المحسوس، وسرا مستعدا لقبول فيض النور الإلهي، بالترقية يترقى من عالم الشهادات إلى عالم الغيب وهو الملكوت، وبسر المتابعة ومخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظمة وهو غيب الغيب، ويشاهد بنور الله تعالى المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال في خلافة الحق عالم الغيب، كما أن الله تعالى هو عالم الغيب والشهادة
فلا يظهر على غيبه أحدا
[الجن: 26] أي: الغيب المخصوص وهو غيب الغيب { أحدا } يعني من الملائكة إلا من ارتضى من رسول يعني من الإنسان، فهذا هو السر المكنون والمدفون في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلمه منه والملائكة لا يعلمونه.
كما قال تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، ومنها أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم، ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، يعني في الأرض { خليفة } [البقرة: 30]، مع أنه { يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30]، يعني نحن من هذه الأوصاف أحق بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين بعث لهم طالوت ملكا قالوا:
أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال
[البقرة: 247]، فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك ليس بالمال إنما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم، وقال:
إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء
[البقرة: 247].
فكذلك هاهنا أجابهم الله تعالى بقوله: { قال إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30] لأنه فضله بقوله:
إن الله اصطفى ءادم
[آل عمران: 33]، وبقوله { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، وبقوله:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75] ليعلم أن استعداد تلك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعة، ولكنه مالك الملك والملكوت يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما تفاخرت الملائكة بطاعتهم على آدم عليه السلام من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، فإنه أهل الفضل والمنة، وأين أهل الخدمة من أهل المنة، فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا أن الله تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجدا لهم ليعلموا
وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء
[الحديد: 29] وفي قوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، إشارة أخرى إلى أنه كما يدل على أن لآدم عليه السلام فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك رذائل أوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة؛ لأنهم لا يعلمون منه أوصافا مذمومة يعني من نتائج النفس الأمارة عند نتائج نظر الروح إلى النفس حاله استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والخسران واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات.
ثم أخبر عن فضله مع آدم عليه السلام بقوله: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، إلى قوله { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى فضل آدم على الملائكة بفضائل جمة؛ منها: اختصاصه بتعليم الأسماء كلها ذكر الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس فيقتضي أن لا يكون شيء إلا وآدم يعلم اسمه وقوله: { كلها } أي: بكليتها، وهي حقائق بالمسميات ومعناها.
وعلم آدم الأسماء والمسميات في حقائقها؛ مثاله أن الله تعالى علمك اسم الغنم فما اقتصر منه على جزء هذا الاسم؛ بل علمك أسماءه كلها؛ بأن علمك ببصرك اسم لون أبيض أم أسود، وعلمك اسم صوته بسمعك، واسم ريحه بشمك، واسم طعمه بذوقك، واسم لينه وخشونته بلمسك، وكذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه، وخواص منافعه ومضاره، علمك بقولك وفعلك، وعملك بإيمانك اسم خلقه، فلكل جزء من أجزائه اسم ولون وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية وحقيقة أخرى لا يعلمها إلا الإنسان؛ لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صورة الأشياء ومعانيها وحقائقها، وإن له بحسب كل شيء عن الجملة المذكورة آلة مدركة لذلك الشيء كما هي، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة المدركة العقلية الملكية؛ فلهذا لما قال: { ثم عرضهم على الملئكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صدقين } [البقرة: 31] أي: إن كان لكم على آدم فضيلة بالتسبيح والتقديس { قالوا سبحنك } [البقرة: 32]، أقروا له بالفخر والاعتذار عن الاعتراض وتنزيها لله أن يفرض في حكم من أحكامه { لا علم لنآ } [البقرة: 32]، بالأسماء وحقائقها { إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32]، مما أعطيتنا من النظر الملكوتي { إنك أنت العليم } [البقرة: 32]، الذي أحاط بكل شيء علما
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255]، { الحكيم } [البقرة: 32]، فيما حكمت وقدرت ودبرت الخلافة لآدم لا راد لحكمك ولا مفر من قضائك.
فظهرت فضيلة آدم عليهم بفنون هذه العلوم وبعجزهم عن الإتيان بمثلها، فكما أن القرآن كان دليلا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفضيلته على الكافرين بإعجازهم عن إتيان مثله كذلك علم الأسماء، كان دليلا على خلافة آدم عليه السلام وفضيلته على الملائكة بإعجازهم عن إتيان مثله، وهذه الفضيلة كانت لآدم عليه السلام بعد تعلمه لأسماء المخلوقات، فلم يكن مستحقا لسجودهم بهذا المقدار، فما أقام استحقاقه للسجود كان بتعلم أسماء الله تعالى وصفاته بتعليم الله إياه بأن يجعل ذاته وصفاته مرآة قابلة لتجلي صفات جماله وجلاله تبارك وتعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
، فالتجلي فيه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته، وهذا هو سر الخلافة على الحقيقة؛ لأن المرآة تكون خليفة المتجلي فيه وقوله تعالى: { أنبئوني بأسمآء هؤلاء } [البقرة: 31] أي: أسماء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته { إن كنتم صدقين } [البقرة: 31]، في دعواكم بالفضيلة على آدم لتسبيحكم وتقديسكم؛ أي: لأن الفضيلة ليست بمجرد هذا فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي كما قال تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، وإنما الفضيلة في العلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الحق، فالفضيلة لمن له صفة الحق والخلق جميعا أولى منها بمن له صفة الخلق فحسب، وهذا أحد أسرار الخلافة بأن يخلف عن الخلق بصفاتهم ويخلف عن الحق بصفاته.
وقوله تعالى: { قال يآءادم أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، معان مختلفة:
منها: إن من دلائل فضيلة آدم واستحقاقه لخلافة الحق احتياج الملائكة إليه بإنبائه الأسماء، وكان آدم عليه السلام أول الأنبياء وأول ما بدأ بإنباء الملائكة بأمر الحق، وهذا من جملة ما كان الله يعلمه من آدم ولا يعلمون الملائكة منه، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، وكان الإنباء بأسمائهم من إصلاح حالهم لا من الإفساد.
ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم } ما قال: علمهم لأنه ما كان لهم من استعداد للتعلم؛ لأن التعلم موجب الترقي في العلم، كما قال تعالى:
والذين أوتوا العلم درجات
[المجادلة: 11]، فكلما ازداد علما ازداد درجة وليس للملائكة الترقي في الدرجات لقوله:
وما منآ إلا له مقام معلوم
[الصافات: 164]، ولما كان آدم مستعد للترقي فقال في حقه: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31].
ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، وما قال بأسماء كلها، كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام وإلا لكان هذا الأمر تكليفا بما لا يطاق، وليس هذا من سنة الله تعالى؛ لقوله
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
[البقرة: 286]، على أنا نقول لو كلف يجوز ولا يكون منه ظلما، ولكنه لا يكلف فإنه ليس من سنته
ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الأحزاب: 62] وإنما قلنا أنه كان في حق آدم التكليف بما لا يطاق لأن الملائكة غير مستعدين لإنباء الأسماء كلها؛ لأن الأسماء على ثلاثة أقسام: منها أسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم، فلهم علم بعضها واستعداد أيضا لإنباء بما لا علم لهم بها، فإن الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا، والقسم الثاني: منها أسماء الجسمانيات وهي مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباءهم؛ لأن الجسمانيات لهم كالحيوانات بالنسبة إلينا فإنها مرتبة دون مرتبة الإنسان فيمكن للإنسان الإنباء بأحوالها، والقسم الثالث: منها أسماء الإلهيات وهي مرتبة فوق مرتبة الملائكة، كما قال تعالى:
يخافون ربهم من فوقهم
[النحل: 50]، فلا يمكن للإنسان أن ينبئهم بها، ولا يمكن لهم الإنباء بما فوق ما علمهم الله منها؛ لأنها غيبهم وليس لهم الترقي إلى الغيب، ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه، وكذلك يمكن لهم النزول إلى هذا العالم، وذلك أيضا بالأمر لقوله تعالى:
وما نتنزل إلا بأمر ربك
[مريم: 64]، ولا يمكن لهم الترقي من سدرة المنتهى إلى عالم الجبروت؛ لأنهم أهل الملكوت كما قال جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ليلة المعراج
" لو دنوت أنملة لأحترقت ".
{ فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } [البقرة: 33] أي: بأسماء معرضهم على الملائكة وبأنفسهم، وإنما كان آدم عليه السلام مخصوصا بعلم الأسماء دون الملائكة، وهم محتاجون إليه بإنباء أسمائهم وأسماء غيرهم؛ لأن آدم عليه السلام كان بالحقيقة أفضل العالم وخلاصته، وكان روحه بذر شجرة العالم، وشخصه ثمرة شجرة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمامه بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة، وكما أن الثمرة تعبر عن أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء الشجرة الموجودات علوها وسفلها، وكان في جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فسمي كل شيء منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة والمصلحة والمفسدة بعلم علمه الله تعالى واختص به من الملائكة، وغيرهم هذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم عليه السلام والملائكة لا يعلمونه.
وكان من كمال حال آدم عليه السلام أن أسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته ومصلحته ومفسدته فضلا عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقا كان الله خالقا، ولما كان مرزوقا كان الله رازقا، ولما كان عبدا كان الله معبودا، ولما كان معيوبا كان الله ستارا، ولما كان مذنبا كان الله غفارا، ولما كان تائبا كان الله توابا، ولما كان منتفعا كان الله نافعا، ولما كان متضررا كان الله ضارا، ولما كان ظالما كان الله عدلا، ولما كان مظلوما كان الله منتقما له، فعلى هذا قس الباقي، فلما أظهر من آدم ما كان خفيا ومغيبا فيه من إنباء الأسماء، قال الله تعالى: { قال ألم أقل لكم } [البقرة: 33]، حين قلتم: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } [البقرة: 30]، { إني أعلم غيب السموت } [البقرة: 33]، أي غيب أهل السماوات وهم الملائكة وغيبهم ما غاب عنهم من احتياجهم لآدم في إنباء الأسماء { والأرض } [البقرة: 33]، أي غيب أهل الأرض هو آدم وغيبه ما كان مغيبا مخفيا فيه من إنباء الملائكة بالأسماء { وأعلم ما تبدون } [البقرة: 33]، من الطعن في آدم واستحقاقه الخلافة، وإظهار طاعتكم بالتسبيح والتقديس تفاخرا به على آدم عليه السلام: { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، من غيرتكم على آدم، وحسبان استحقاقكم الخلافة.
فلما أظهر عليهم من أمر آدم خلاف ما تصوروا فيه ومن أمرهم غير ما توهموه، أمرهم بالسجود لآدم إظهارا لاستغنائه عن طاعات المخلوقين وعصيانهم وشركهم وكفرانهم؛ لأنه ليس كفران ومعصية أكبر من السجود لغيره، واستغفارا لله باعتراضهم عليه وقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، واعتذارا من آدم عليه السلام عن قولهم { من يفسد فيها } [البقرة: 30]، وانكسارا لأنفسهم بإظهار { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30].
البقرة 2:30
قوله تعالى: { ثم استوى إلى السمآء } [البقرة: 29]، أي: شرع في تسويتها { فسوهن سبع سموت } [البقرة: 29]، مستويات على مصالح الأرض ومنافع الخلق فيه، إشارة إلى أن وجود السماوات والأرض تبعا لوجود الإنسان؛ لأنه قال: { خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29]، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما فيهن وسواهن على وفق مصالحك وانتفاعك من وسلوكك وتربيتك فيهن، كذلك
الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شآء ركبك
[الانفطار: 7-8] بنفخ روحه فيك.
كما قال تعالى:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، ثم سواك بالوحي والإلهام بقبول فيض تجلي صفاته تعالى فيك لك كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
، قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53].
قوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم } [البقرة: 29]، أي: عالم في خلق كل شيء كيف خلقه ولأي شيء خلقه، وكل ذرة من مخلوقاته وكل شيء من موجوداته يسبح ذاته وصفاته ويشهد بأحديته وصمديته ويقول:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]، فلما ذكر أن السماوات والأرض خلقت للإنسان أخبر أن الإنسان لماذا خلق بقوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، والإشارة في تحقيق الآية: أن الله تعالى إنما قال { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، ولم يقل: إني خالق معنيين: أحدهما: إن الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفا بصفة الخلافة إذ ليس لكل مخلوق هذا الاختصاص كما قال تعالى:
يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض
[ص: 26] أي: خلقتك مستعدا للخلافة فأعطيناكها، والثاني: إن للجعلية اختصاصا بعالم الأمر وهو الملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات، كما قال تعالى:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54]، أي: الملك والملكوت؛ فإنه تعالى حين ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر جعله بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى:
الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور
[الأنعام: 1]، فالسماوات والأرض لما كانت من الأجسام والمحسوسات ذكرها بالخلقية، والظلمات والنور لما كانت من غير المحسوسات ذكرها بالجعلية، وإنما قلنا إن الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، فإنما هي من الملكوتيات لا من المحسوسات، والظلمات والنور التي من المحسوسات فإنها داخلة في السماوات والأرض فافهم جدا.
فكذلك ما أخبر الله تعالى عن آدم مما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية، كما قال تعالى:
إني خالق بشرا من طين
[ص: 71]، وما أخبر عما يتعلق بروحانية ذكره بالجعلية فقال تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، وفي: { إني جاعل } إشارة أخرى وهو إظهار عزة آدم على الملائكة لينظروا إليه ينظر التعظيم ولا ينظروا إليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فإنه تعالى يقول:
ولذلك خلقهم
[هود: 119] وسماه خليفته، وما شرف شيئا من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وإنما، سمي خليفة لمعنيين:
أحدهما: أنه يخلق عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها، وذلك لأن الله تعالى جمع فيه ما في العالم كله من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات والدنياويات والأخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والمكونيات، فهو بالحقيقة خليفة كل العوالم، وأكرمه باختصاص كرامة:
ونفخت فيه من روحي
[ص: 72] وما أكرم بها أحدا من العالمين، وأشار إلى هذا المعنى بقوله:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلحت الموجودات كلها أن تكون خليفة لآدم عليه السلام وللحق تعالى.
والثاني: أنه يخلف عن وجود الحق في الحقيقة؛ لأن وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني، وتخلف وحدانية الإنسان عن وحدانية الحق ذاته، وصفاته عن صفاته فتخلف حياته عن حياته، وقدرته، وإرداته عن إرادته، وسمعه عن سمعه، وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولإمكانية روحه عن الإمكانية ولجهته تفهم إنشاء الله، وليس لنوع من المخلوقات أن يخلف عنه كما يخلف آدم عليه السلام وإن كان فيهم بعض هذه الصفات؛ لأنه لا تجتمع صفات الحق في أحدكم وتجتمع في الإنسان ولا تتجلى صفة من صفاته لشيء كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان وصفاته.
فأما الحيوانات وإن كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجودها وموجدها، وأما الملائكة فإنهم وإن كانوا عالمين بوجود موجدهم؛ ولكن لا يبلغ علمهم إلى أن يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته، ولهذا قولوا: { سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32].
وأما الإنسان فله الخلافة صورة ومعنى؛ أما صورة فلأن له علما بوجود موجده ويبلغ علمه إلى أن يعرف نفسه بجميع صفاته والحق سبحانه بجميع صفاته ولهذا كان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع أسماء الله تعالى. وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم تمسسه نار النور في مصباح السر فتيلة الخفي.
فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى:
يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26].
وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]، وقال في حقه وحق المؤمنين:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم
[الفتح: 29]، ولا تظهر هذه الصفات على الحيوان ولا على الملك، وناهيك عن هذا حالة هاروت وماروت ولما أنكروا على ذرية آدم عليه السلام اتباع الهوى والقتل والظلم والفساد، قالوا: لو كنا بدلا منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون، فالله تعالى أنزلهما الأرض وألبس عليهما لباس البشرية، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر.
قال قتادة: ما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا، وسجدا للصنم. فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيض نور الله تعالى، فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم تفتتن بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومين عن مثل هذه الأوصاف والأخلاق وكانت لازمة لصفاتهم البشرية؛ لكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنارت بنور قلوبهم جميع مشكات جسدهم ظاهرا وباطنا، وأشرقت الأرض بنور ربها فلم تبق لظلمات هذه الصفات مجالا للظهور مع استعلاء النور. فالملائكة من بدء الأمر لما نظروا إلى جسد آدم عليه السلام شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم.
{ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، فقولهم هذا يدل على معان مختلفة؛ أن الله تعالى أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة في جبلتنا مركبة فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها وما نبرؤها، كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام:
ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53].
ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصة طينتا، كما قال الله تعالى:
مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك
[النساء: 79]، وكل فساد وظلم لا يجري علينا، ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة ربه لقوله:
إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53].
ومنها: لنعلم أن الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا مع الملائكة المقربين: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، من رحمته والتقطع عن خدمته.
ومنها: لنعلم أن فينا استعداد أمر عظيم وبناء جسيم ليس للملائكة به علم وهو سر الخلافة فلا نتغافل عن هذه السعادة ونتقاعد عن هذه السيادة ونسعى في طلبها حق السعي.
ومنها: أن الملائكة إنما { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، لأنهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات؛ بل عاينوها فإنها خلقت قبل آدم عليه السلام، فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحققوها، وهذا لا يكون غيبا في حقهم، وإنما يكون غيبا لنا لأننا ننظر بالحس، والملكوت يكون لأهل الحس غيبا، ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى:
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض
[الأنعام: 75]، وقال تعالى:
أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض
[الأعراف: 185]، فحينئذ لا يكون غيبا، فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة، فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب، وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة، وإن في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، وروحا من عالم الغيب الملكوتي المنزه عن المحسوس، وسرا مستعدا لقبول فيض النور الإلهي، بالترقية يترقى من عالم الشهادات إلى عالم الغيب وهو الملكوت، وبسر المتابعة ومخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظمة وهو غيب الغيب، ويشاهد بنور الله تعالى المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال في خلافة الحق عالم الغيب، كما أن الله تعالى هو عالم الغيب والشهادة
فلا يظهر على غيبه أحدا
[الجن: 26] أي: الغيب المخصوص وهو غيب الغيب { أحدا } يعني من الملائكة إلا من ارتضى من رسول يعني من الإنسان، فهذا هو السر المكنون والمدفون في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلمه منه والملائكة لا يعلمونه.
كما قال تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، ومنها أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم، ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، يعني في الأرض { خليفة } [البقرة: 30]، مع أنه { يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30]، يعني نحن من هذه الأوصاف أحق بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين بعث لهم طالوت ملكا قالوا:
أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال
[البقرة: 247]، فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك ليس بالمال إنما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم، وقال:
إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء
[البقرة: 247].
فكذلك هاهنا أجابهم الله تعالى بقوله: { قال إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30] لأنه فضله بقوله:
إن الله اصطفى ءادم
[آل عمران: 33]، وبقوله { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، وبقوله:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75] ليعلم أن استعداد تلك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعة، ولكنه مالك الملك والملكوت يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما تفاخرت الملائكة بطاعتهم على آدم عليه السلام من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، فإنه أهل الفضل والمنة، وأين أهل الخدمة من أهل المنة، فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا أن الله تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجدا لهم ليعلموا
وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء
[الحديد: 29] وفي قوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، إشارة أخرى إلى أنه كما يدل على أن لآدم عليه السلام فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك رذائل أوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة؛ لأنهم لا يعلمون منه أوصافا مذمومة يعني من نتائج النفس الأمارة عند نتائج نظر الروح إلى النفس حاله استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والخسران واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات.
ثم أخبر عن فضله مع آدم عليه السلام بقوله: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، إلى قوله { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى فضل آدم على الملائكة بفضائل جمة؛ منها: اختصاصه بتعليم الأسماء كلها ذكر الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس فيقتضي أن لا يكون شيء إلا وآدم يعلم اسمه وقوله: { كلها } أي: بكليتها، وهي حقائق بالمسميات ومعناها.
وعلم آدم الأسماء والمسميات في حقائقها؛ مثاله أن الله تعالى علمك اسم الغنم فما اقتصر منه على جزء هذا الاسم؛ بل علمك أسماءه كلها؛ بأن علمك ببصرك اسم لون أبيض أم أسود، وعلمك اسم صوته بسمعك، واسم ريحه بشمك، واسم طعمه بذوقك، واسم لينه وخشونته بلمسك، وكذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه، وخواص منافعه ومضاره، علمك بقولك وفعلك، وعملك بإيمانك اسم خلقه، فلكل جزء من أجزائه اسم ولون وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية وحقيقة أخرى لا يعلمها إلا الإنسان؛ لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صورة الأشياء ومعانيها وحقائقها، وإن له بحسب كل شيء عن الجملة المذكورة آلة مدركة لذلك الشيء كما هي، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة المدركة العقلية الملكية؛ فلهذا لما قال: { ثم عرضهم على الملئكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صدقين } [البقرة: 31] أي: إن كان لكم على آدم فضيلة بالتسبيح والتقديس { قالوا سبحنك } [البقرة: 32]، أقروا له بالفخر والاعتذار عن الاعتراض وتنزيها لله أن يفرض في حكم من أحكامه { لا علم لنآ } [البقرة: 32]، بالأسماء وحقائقها { إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32]، مما أعطيتنا من النظر الملكوتي { إنك أنت العليم } [البقرة: 32]، الذي أحاط بكل شيء علما
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255]، { الحكيم } [البقرة: 32]، فيما حكمت وقدرت ودبرت الخلافة لآدم لا راد لحكمك ولا مفر من قضائك.
فظهرت فضيلة آدم عليهم بفنون هذه العلوم وبعجزهم عن الإتيان بمثلها، فكما أن القرآن كان دليلا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفضيلته على الكافرين بإعجازهم عن إتيان مثله كذلك علم الأسماء، كان دليلا على خلافة آدم عليه السلام وفضيلته على الملائكة بإعجازهم عن إتيان مثله، وهذه الفضيلة كانت لآدم عليه السلام بعد تعلمه لأسماء المخلوقات، فلم يكن مستحقا لسجودهم بهذا المقدار، فما أقام استحقاقه للسجود كان بتعلم أسماء الله تعالى وصفاته بتعليم الله إياه بأن يجعل ذاته وصفاته مرآة قابلة لتجلي صفات جماله وجلاله تبارك وتعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
، فالتجلي فيه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته، وهذا هو سر الخلافة على الحقيقة؛ لأن المرآة تكون خليفة المتجلي فيه وقوله تعالى: { أنبئوني بأسمآء هؤلاء } [البقرة: 31] أي: أسماء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته { إن كنتم صدقين } [البقرة: 31]، في دعواكم بالفضيلة على آدم لتسبيحكم وتقديسكم؛ أي: لأن الفضيلة ليست بمجرد هذا فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي كما قال تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، وإنما الفضيلة في العلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الحق، فالفضيلة لمن له صفة الحق والخلق جميعا أولى منها بمن له صفة الخلق فحسب، وهذا أحد أسرار الخلافة بأن يخلف عن الخلق بصفاتهم ويخلف عن الحق بصفاته.
وقوله تعالى: { قال يآءادم أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، معان مختلفة:
منها: إن من دلائل فضيلة آدم واستحقاقه لخلافة الحق احتياج الملائكة إليه بإنبائه الأسماء، وكان آدم عليه السلام أول الأنبياء وأول ما بدأ بإنباء الملائكة بأمر الحق، وهذا من جملة ما كان الله يعلمه من آدم ولا يعلمون الملائكة منه، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، وكان الإنباء بأسمائهم من إصلاح حالهم لا من الإفساد.
ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم } ما قال: علمهم لأنه ما كان لهم من استعداد للتعلم؛ لأن التعلم موجب الترقي في العلم، كما قال تعالى:
والذين أوتوا العلم درجات
[المجادلة: 11]، فكلما ازداد علما ازداد درجة وليس للملائكة الترقي في الدرجات لقوله:
وما منآ إلا له مقام معلوم
[الصافات: 164]، ولما كان آدم مستعد للترقي فقال في حقه: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31].
ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، وما قال بأسماء كلها، كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام وإلا لكان هذا الأمر تكليفا بما لا يطاق، وليس هذا من سنة الله تعالى؛ لقوله
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
[البقرة: 286]، على أنا نقول لو كلف يجوز ولا يكون منه ظلما، ولكنه لا يكلف فإنه ليس من سنته
ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الأحزاب: 62] وإنما قلنا أنه كان في حق آدم التكليف بما لا يطاق لأن الملائكة غير مستعدين لإنباء الأسماء كلها؛ لأن الأسماء على ثلاثة أقسام: منها أسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم، فلهم علم بعضها واستعداد أيضا لإنباء بما لا علم لهم بها، فإن الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا، والقسم الثاني: منها أسماء الجسمانيات وهي مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباءهم؛ لأن الجسمانيات لهم كالحيوانات بالنسبة إلينا فإنها مرتبة دون مرتبة الإنسان فيمكن للإنسان الإنباء بأحوالها، والقسم الثالث: منها أسماء الإلهيات وهي مرتبة فوق مرتبة الملائكة، كما قال تعالى:
يخافون ربهم من فوقهم
[النحل: 50]، فلا يمكن للإنسان أن ينبئهم بها، ولا يمكن لهم الإنباء بما فوق ما علمهم الله منها؛ لأنها غيبهم وليس لهم الترقي إلى الغيب، ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه، وكذلك يمكن لهم النزول إلى هذا العالم، وذلك أيضا بالأمر لقوله تعالى:
وما نتنزل إلا بأمر ربك
[مريم: 64]، ولا يمكن لهم الترقي من سدرة المنتهى إلى عالم الجبروت؛ لأنهم أهل الملكوت كما قال جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ليلة المعراج
" لو دنوت أنملة لأحترقت ".
{ فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } [البقرة: 33] أي: بأسماء معرضهم على الملائكة وبأنفسهم، وإنما كان آدم عليه السلام مخصوصا بعلم الأسماء دون الملائكة، وهم محتاجون إليه بإنباء أسمائهم وأسماء غيرهم؛ لأن آدم عليه السلام كان بالحقيقة أفضل العالم وخلاصته، وكان روحه بذر شجرة العالم، وشخصه ثمرة شجرة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمامه بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة، وكما أن الثمرة تعبر عن أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء الشجرة الموجودات علوها وسفلها، وكان في جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فسمي كل شيء منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة والمصلحة والمفسدة بعلم علمه الله تعالى واختص به من الملائكة، وغيرهم هذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم عليه السلام والملائكة لا يعلمونه.
وكان من كمال حال آدم عليه السلام أن أسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته ومصلحته ومفسدته فضلا عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقا كان الله خالقا، ولما كان مرزوقا كان الله رازقا، ولما كان عبدا كان الله معبودا، ولما كان معيوبا كان الله ستارا، ولما كان مذنبا كان الله غفارا، ولما كان تائبا كان الله توابا، ولما كان منتفعا كان الله نافعا، ولما كان متضررا كان الله ضارا، ولما كان ظالما كان الله عدلا، ولما كان مظلوما كان الله منتقما له، فعلى هذا قس الباقي، فلما أظهر من آدم ما كان خفيا ومغيبا فيه من إنباء الأسماء، قال الله تعالى: { قال ألم أقل لكم } [البقرة: 33]، حين قلتم: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } [البقرة: 30]، { إني أعلم غيب السموت } [البقرة: 33]، أي غيب أهل السماوات وهم الملائكة وغيبهم ما غاب عنهم من احتياجهم لآدم في إنباء الأسماء { والأرض } [البقرة: 33]، أي غيب أهل الأرض هو آدم وغيبه ما كان مغيبا مخفيا فيه من إنباء الملائكة بالأسماء { وأعلم ما تبدون } [البقرة: 33]، من الطعن في آدم واستحقاقه الخلافة، وإظهار طاعتكم بالتسبيح والتقديس تفاخرا به على آدم عليه السلام: { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، من غيرتكم على آدم، وحسبان استحقاقكم الخلافة.
فلما أظهر عليهم من أمر آدم خلاف ما تصوروا فيه ومن أمرهم غير ما توهموه، أمرهم بالسجود لآدم إظهارا لاستغنائه عن طاعات المخلوقين وعصيانهم وشركهم وكفرانهم؛ لأنه ليس كفران ومعصية أكبر من السجود لغيره، واستغفارا لله باعتراضهم عليه وقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، واعتذارا من آدم عليه السلام عن قولهم { من يفسد فيها } [البقرة: 30]، وانكسارا لأنفسهم بإظهار { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30].
البقرة 2:31
قوله تعالى: { ثم استوى إلى السمآء } [البقرة: 29]، أي: شرع في تسويتها { فسوهن سبع سموت } [البقرة: 29]، مستويات على مصالح الأرض ومنافع الخلق فيه، إشارة إلى أن وجود السماوات والأرض تبعا لوجود الإنسان؛ لأنه قال: { خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29]، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما فيهن وسواهن على وفق مصالحك وانتفاعك من وسلوكك وتربيتك فيهن، كذلك
الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شآء ركبك
[الانفطار: 7-8] بنفخ روحه فيك.
كما قال تعالى:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، ثم سواك بالوحي والإلهام بقبول فيض تجلي صفاته تعالى فيك لك كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
، قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53].
قوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم } [البقرة: 29]، أي: عالم في خلق كل شيء كيف خلقه ولأي شيء خلقه، وكل ذرة من مخلوقاته وكل شيء من موجوداته يسبح ذاته وصفاته ويشهد بأحديته وصمديته ويقول:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]، فلما ذكر أن السماوات والأرض خلقت للإنسان أخبر أن الإنسان لماذا خلق بقوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، والإشارة في تحقيق الآية: أن الله تعالى إنما قال { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، ولم يقل: إني خالق معنيين: أحدهما: إن الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفا بصفة الخلافة إذ ليس لكل مخلوق هذا الاختصاص كما قال تعالى:
يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض
[ص: 26] أي: خلقتك مستعدا للخلافة فأعطيناكها، والثاني: إن للجعلية اختصاصا بعالم الأمر وهو الملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات، كما قال تعالى:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54]، أي: الملك والملكوت؛ فإنه تعالى حين ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر جعله بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى:
الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور
[الأنعام: 1]، فالسماوات والأرض لما كانت من الأجسام والمحسوسات ذكرها بالخلقية، والظلمات والنور لما كانت من غير المحسوسات ذكرها بالجعلية، وإنما قلنا إن الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، فإنما هي من الملكوتيات لا من المحسوسات، والظلمات والنور التي من المحسوسات فإنها داخلة في السماوات والأرض فافهم جدا.
فكذلك ما أخبر الله تعالى عن آدم مما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية، كما قال تعالى:
إني خالق بشرا من طين
[ص: 71]، وما أخبر عما يتعلق بروحانية ذكره بالجعلية فقال تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، وفي: { إني جاعل } إشارة أخرى وهو إظهار عزة آدم على الملائكة لينظروا إليه ينظر التعظيم ولا ينظروا إليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فإنه تعالى يقول:
ولذلك خلقهم
[هود: 119] وسماه خليفته، وما شرف شيئا من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وإنما، سمي خليفة لمعنيين:
أحدهما: أنه يخلق عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها، وذلك لأن الله تعالى جمع فيه ما في العالم كله من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات والدنياويات والأخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والمكونيات، فهو بالحقيقة خليفة كل العوالم، وأكرمه باختصاص كرامة:
ونفخت فيه من روحي
[ص: 72] وما أكرم بها أحدا من العالمين، وأشار إلى هذا المعنى بقوله:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلحت الموجودات كلها أن تكون خليفة لآدم عليه السلام وللحق تعالى.
والثاني: أنه يخلف عن وجود الحق في الحقيقة؛ لأن وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني، وتخلف وحدانية الإنسان عن وحدانية الحق ذاته، وصفاته عن صفاته فتخلف حياته عن حياته، وقدرته، وإرداته عن إرادته، وسمعه عن سمعه، وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولإمكانية روحه عن الإمكانية ولجهته تفهم إنشاء الله، وليس لنوع من المخلوقات أن يخلف عنه كما يخلف آدم عليه السلام وإن كان فيهم بعض هذه الصفات؛ لأنه لا تجتمع صفات الحق في أحدكم وتجتمع في الإنسان ولا تتجلى صفة من صفاته لشيء كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان وصفاته.
فأما الحيوانات وإن كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجودها وموجدها، وأما الملائكة فإنهم وإن كانوا عالمين بوجود موجدهم؛ ولكن لا يبلغ علمهم إلى أن يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته، ولهذا قولوا: { سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32].
وأما الإنسان فله الخلافة صورة ومعنى؛ أما صورة فلأن له علما بوجود موجده ويبلغ علمه إلى أن يعرف نفسه بجميع صفاته والحق سبحانه بجميع صفاته ولهذا كان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع أسماء الله تعالى. وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم تمسسه نار النور في مصباح السر فتيلة الخفي.
فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى:
يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26].
وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم:
بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]، وقال في حقه وحق المؤمنين:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم
[الفتح: 29]، ولا تظهر هذه الصفات على الحيوان ولا على الملك، وناهيك عن هذا حالة هاروت وماروت ولما أنكروا على ذرية آدم عليه السلام اتباع الهوى والقتل والظلم والفساد، قالوا: لو كنا بدلا منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون، فالله تعالى أنزلهما الأرض وألبس عليهما لباس البشرية، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر.
قال قتادة: ما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا، وسجدا للصنم. فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيض نور الله تعالى، فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم تفتتن بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومين عن مثل هذه الأوصاف والأخلاق وكانت لازمة لصفاتهم البشرية؛ لكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنارت بنور قلوبهم جميع مشكات جسدهم ظاهرا وباطنا، وأشرقت الأرض بنور ربها فلم تبق لظلمات هذه الصفات مجالا للظهور مع استعلاء النور. فالملائكة من بدء الأمر لما نظروا إلى جسد آدم عليه السلام شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم.
{ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، فقولهم هذا يدل على معان مختلفة؛ أن الله تعالى أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة في جبلتنا مركبة فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها وما نبرؤها، كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام:
ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53].
ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصة طينتا، كما قال الله تعالى:
مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك
[النساء: 79]، وكل فساد وظلم لا يجري علينا، ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة ربه لقوله:
إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53].
ومنها: لنعلم أن الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا مع الملائكة المقربين: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، من رحمته والتقطع عن خدمته.
ومنها: لنعلم أن فينا استعداد أمر عظيم وبناء جسيم ليس للملائكة به علم وهو سر الخلافة فلا نتغافل عن هذه السعادة ونتقاعد عن هذه السيادة ونسعى في طلبها حق السعي.
ومنها: أن الملائكة إنما { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، لأنهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات؛ بل عاينوها فإنها خلقت قبل آدم عليه السلام، فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحققوها، وهذا لا يكون غيبا في حقهم، وإنما يكون غيبا لنا لأننا ننظر بالحس، والملكوت يكون لأهل الحس غيبا، ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى:
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض
[الأنعام: 75]، وقال تعالى:
أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض
[الأعراف: 185]، فحينئذ لا يكون غيبا، فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة، فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب، وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة، وإن في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، وروحا من عالم الغيب الملكوتي المنزه عن المحسوس، وسرا مستعدا لقبول فيض النور الإلهي، بالترقية يترقى من عالم الشهادات إلى عالم الغيب وهو الملكوت، وبسر المتابعة ومخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظمة وهو غيب الغيب، ويشاهد بنور الله تعالى المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال في خلافة الحق عالم الغيب، كما أن الله تعالى هو عالم الغيب والشهادة
فلا يظهر على غيبه أحدا
[الجن: 26] أي: الغيب المخصوص وهو غيب الغيب { أحدا } يعني من الملائكة إلا من ارتضى من رسول يعني من الإنسان، فهذا هو السر المكنون والمدفون في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلمه منه والملائكة لا يعلمونه.
كما قال تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، ومنها أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم، ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، يعني في الأرض { خليفة } [البقرة: 30]، مع أنه { يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30]، يعني نحن من هذه الأوصاف أحق بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين بعث لهم طالوت ملكا قالوا:
أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال
[البقرة: 247]، فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك ليس بالمال إنما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم، وقال:
إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء
[البقرة: 247].
فكذلك هاهنا أجابهم الله تعالى بقوله: { قال إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30] لأنه فضله بقوله:
إن الله اصطفى ءادم
[آل عمران: 33]، وبقوله { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، وبقوله:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75] ليعلم أن استعداد تلك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعة، ولكنه مالك الملك والملكوت يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما تفاخرت الملائكة بطاعتهم على آدم عليه السلام من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، فإنه أهل الفضل والمنة، وأين أهل الخدمة من أهل المنة، فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا أن الله تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجدا لهم ليعلموا
وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء
[الحديد: 29] وفي قوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، إشارة أخرى إلى أنه كما يدل على أن لآدم عليه السلام فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك رذائل أوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة؛ لأنهم لا يعلمون منه أوصافا مذمومة يعني من نتائج النفس الأمارة عند نتائج نظر الروح إلى النفس حاله استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والخسران واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات.
ثم أخبر عن فضله مع آدم عليه السلام بقوله: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، إلى قوله { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى فضل آدم على الملائكة بفضائل جمة؛ منها: اختصاصه بتعليم الأسماء كلها ذكر الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس فيقتضي أن لا يكون شيء إلا وآدم يعلم اسمه وقوله: { كلها } أي: بكليتها، وهي حقائق بالمسميات ومعناها.
وعلم آدم الأسماء والمسميات في حقائقها؛ مثاله أن الله تعالى علمك اسم الغنم فما اقتصر منه على جزء هذا الاسم؛ بل علمك أسماءه كلها؛ بأن علمك ببصرك اسم لون أبيض أم أسود، وعلمك اسم صوته بسمعك، واسم ريحه بشمك، واسم طعمه بذوقك، واسم لينه وخشونته بلمسك، وكذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه، وخواص منافعه ومضاره، علمك بقولك وفعلك، وعملك بإيمانك اسم خلقه، فلكل جزء من أجزائه اسم ولون وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية وحقيقة أخرى لا يعلمها إلا الإنسان؛ لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صورة الأشياء ومعانيها وحقائقها، وإن له بحسب كل شيء عن الجملة المذكورة آلة مدركة لذلك الشيء كما هي، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة المدركة العقلية الملكية؛ فلهذا لما قال: { ثم عرضهم على الملئكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صدقين } [البقرة: 31] أي: إن كان لكم على آدم فضيلة بالتسبيح والتقديس { قالوا سبحنك } [البقرة: 32]، أقروا له بالفخر والاعتذار عن الاعتراض وتنزيها لله أن يفرض في حكم من أحكامه { لا علم لنآ } [البقرة: 32]، بالأسماء وحقائقها { إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32]، مما أعطيتنا من النظر الملكوتي { إنك أنت العليم } [البقرة: 32]، الذي أحاط بكل شيء علما
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255]، { الحكيم } [البقرة: 32]، فيما حكمت وقدرت ودبرت الخلافة لآدم لا راد لحكمك ولا مفر من قضائك.
فظهرت فضيلة آدم عليهم بفنون هذه العلوم وبعجزهم عن الإتيان بمثلها، فكما أن القرآن كان دليلا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفضيلته على الكافرين بإعجازهم عن إتيان مثله كذلك علم الأسماء، كان دليلا على خلافة آدم عليه السلام وفضيلته على الملائكة بإعجازهم عن إتيان مثله، وهذه الفضيلة كانت لآدم عليه السلام بعد تعلمه لأسماء المخلوقات، فلم يكن مستحقا لسجودهم بهذا المقدار، فما أقام استحقاقه للسجود كان بتعلم أسماء الله تعالى وصفاته بتعليم الله إياه بأن يجعل ذاته وصفاته مرآة قابلة لتجلي صفات جماله وجلاله تبارك وتعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
، فالتجلي فيه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته، وهذا هو سر الخلافة على الحقيقة؛ لأن المرآة تكون خليفة المتجلي فيه وقوله تعالى: { أنبئوني بأسمآء هؤلاء } [البقرة: 31] أي: أسماء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته { إن كنتم صدقين } [البقرة: 31]، في دعواكم بالفضيلة على آدم لتسبيحكم وتقديسكم؛ أي: لأن الفضيلة ليست بمجرد هذا فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي كما قال تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، وإنما الفضيلة في العلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الحق، فالفضيلة لمن له صفة الحق والخلق جميعا أولى منها بمن له صفة الخلق فحسب، وهذا أحد أسرار الخلافة بأن يخلف عن الخلق بصفاتهم ويخلف عن الحق بصفاته.
وقوله تعالى: { قال يآءادم أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، معان مختلفة:
منها: إن من دلائل فضيلة آدم واستحقاقه لخلافة الحق احتياج الملائكة إليه بإنبائه الأسماء، وكان آدم عليه السلام أول الأنبياء وأول ما بدأ بإنباء الملائكة بأمر الحق، وهذا من جملة ما كان الله يعلمه من آدم ولا يعلمون الملائكة منه، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، وكان الإنباء بأسمائهم من إصلاح حالهم لا من الإفساد.
ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم } ما قال: علمهم لأنه ما كان لهم من استعداد للتعلم؛ لأن التعلم موجب الترقي في العلم، كما قال تعالى:
والذين أوتوا العلم درجات
[المجادلة: 11]، فكلما ازداد علما ازداد درجة وليس للملائكة الترقي في الدرجات لقوله:
وما منآ إلا له مقام معلوم
[الصافات: 164]، ولما كان آدم مستعد للترقي فقال في حقه: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31].
ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، وما قال بأسماء كلها، كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام وإلا لكان هذا الأمر تكليفا بما لا يطاق، وليس هذا من سنة الله تعالى؛ لقوله
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
[البقرة: 286]، على أنا نقول لو كلف يجوز ولا يكون منه ظلما، ولكنه لا يكلف فإنه ليس من سنته
ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الأحزاب: 62] وإنما قلنا أنه كان في حق آدم التكليف بما لا يطاق لأن الملائكة غير مستعدين لإنباء الأسماء كلها؛ لأن الأسماء على ثلاثة أقسام: منها أسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم، فلهم علم بعضها واستعداد أيضا لإنباء بما لا علم لهم بها، فإن الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا، والقسم الثاني: منها أسماء الجسمانيات وهي مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباءهم؛ لأن الجسمانيات لهم كالحيوانات بالنسبة إلينا فإنها مرتبة دون مرتبة الإنسان فيمكن للإنسان الإنباء بأحوالها، والقسم الثالث: منها أسماء الإلهيات وهي مرتبة فوق مرتبة الملائكة، كما قال تعالى:
يخافون ربهم من فوقهم
[النحل: 50]، فلا يمكن للإنسان أن ينبئهم بها، ولا يمكن لهم الإنباء بما فوق ما علمهم الله منها؛ لأنها غيبهم وليس لهم الترقي إلى الغيب، ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه، وكذلك يمكن لهم النزول إلى هذا العالم، وذلك أيضا بالأمر لقوله تعالى:
وما نتنزل إلا بأمر ربك
[مريم: 64]، ولا يمكن لهم الترقي من سدرة المنتهى إلى عالم الجبروت؛ لأنهم أهل الملكوت كما قال جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ليلة المعراج
" لو دنوت أنملة لأحترقت ".
{ فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } [البقرة: 33] أي: بأسماء معرضهم على الملائكة وبأنفسهم، وإنما كان آدم عليه السلام مخصوصا بعلم الأسماء دون الملائكة، وهم محتاجون إليه بإنباء أسمائهم وأسماء غيرهم؛ لأن آدم عليه السلام كان بالحقيقة أفضل العالم وخلاصته، وكان روحه بذر شجرة العالم، وشخصه ثمرة شجرة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمامه بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة، وكما أن الثمرة تعبر عن أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء الشجرة الموجودات علوها وسفلها، وكان في جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فسمي كل شيء منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة والمصلحة والمفسدة بعلم علمه الله تعالى واختص به من الملائكة، وغيرهم هذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم عليه السلام والملائكة لا يعلمونه.
وكان من كمال حال آدم عليه السلام أن أسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته ومصلحته ومفسدته فضلا عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقا كان الله خالقا، ولما كان مرزوقا كان الله رازقا، ولما كان عبدا كان الله معبودا، ولما كان معيوبا كان الله ستارا، ولما كان مذنبا كان الله غفارا، ولما كان تائبا كان الله توابا، ولما كان منتفعا كان الله نافعا، ولما كان متضررا كان الله ضارا، ولما كان ظالما كان الله عدلا، ولما كان مظلوما كان الله منتقما له، فعلى هذا قس الباقي، فلما أظهر من آدم ما كان خفيا ومغيبا فيه من إنباء الأسماء، قال الله تعالى: { قال ألم أقل لكم } [البقرة: 33]، حين قلتم: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } [البقرة: 30]، { إني أعلم غيب السموت } [البقرة: 33]، أي غيب أهل السماوات وهم الملائكة وغيبهم ما غاب عنهم من احتياجهم لآدم في إنباء الأسماء { والأرض } [البقرة: 33]، أي غيب أهل الأرض هو آدم وغيبه ما كان مغيبا مخفيا فيه من إنباء الملائكة بالأسماء { وأعلم ما تبدون } [البقرة: 33]، من الطعن في آدم واستحقاقه الخلافة، وإظهار طاعتكم بالتسبيح والتقديس تفاخرا به على آدم عليه السلام: { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، من غيرتكم على آدم، وحسبان استحقاقكم الخلافة.
فلما أظهر عليهم من أمر آدم خلاف ما تصوروا فيه ومن أمرهم غير ما توهموه، أمرهم بالسجود لآدم إظهارا لاستغنائه عن طاعات المخلوقين وعصيانهم وشركهم وكفرانهم؛ لأنه ليس كفران ومعصية أكبر من السجود لغيره، واستغفارا لله باعتراضهم عليه وقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، واعتذارا من آدم عليه السلام عن قولهم { من يفسد فيها } [البقرة: 30]، وانكسارا لأنفسهم بإظهار { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30].