Lafzullah

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — البقرة 2:32 – البقرة 2:106

المؤلف / المصدر: نجم الدين أحمد بن عمر الرازي المعروف بـ«داية» (ت 618هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 0618NajmDinAhmadIbnCumar.Tawilat.Tafsir03097-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. البقرة 2:32
  2. البقرة 2:33
  3. البقرة 2:34
  4. البقرة 2:35
  5. البقرة 2:36
  6. البقرة 2:37
  7. البقرة 2:38
  8. البقرة 2:39
  9. البقرة 2:40
  10. البقرة 2:41
  11. البقرة 2:42
  12. البقرة 2:43
  13. البقرة 2:44
  14. البقرة 2:45
  15. البقرة 2:46
  16. البقرة 2:47
  17. البقرة 2:48
  18. البقرة 2:49
  19. البقرة 2:50
  20. البقرة 2:51
  21. البقرة 2:52
  22. البقرة 2:53
  23. البقرة 2:54
  24. البقرة 2:55
  25. البقرة 2:56
  26. البقرة 2:57
  27. البقرة 2:58
  28. البقرة 2:59
  29. البقرة 2:60
  30. البقرة 2:61
  31. البقرة 2:62
  32. البقرة 2:63
  33. البقرة 2:64
  34. البقرة 2:65
  35. البقرة 2:66
  36. البقرة 2:67
  37. البقرة 2:68
  38. البقرة 2:69
  39. البقرة 2:70
  40. البقرة 2:71
  41. البقرة 2:72
  42. البقرة 2:73
  43. البقرة 2:74
  44. البقرة 2:75
  45. البقرة 2:76
  46. البقرة 2:77
  47. البقرة 2:78
  48. البقرة 2:79
  49. البقرة 2:80
  50. البقرة 2:81
  51. البقرة 2:82
  52. البقرة 2:83
  53. البقرة 2:84
  54. البقرة 2:85
  55. البقرة 2:86
  56. البقرة 2:87
  57. البقرة 2:88
  58. البقرة 2:89
  59. البقرة 2:90
  60. البقرة 2:91
  61. البقرة 2:92
  62. البقرة 2:93
  63. البقرة 2:94
  64. البقرة 2:95
  65. البقرة 2:96
  66. البقرة 2:97
  67. البقرة 2:98
  68. البقرة 2:99
  69. البقرة 2:100
  70. البقرة 2:101
  71. البقرة 2:102
  72. البقرة 2:103
  73. البقرة 2:104
  74. البقرة 2:105
  75. البقرة 2:106

البقرة 2:32

قوله تعالى: { ثم استوى إلى السمآء } [البقرة: 29]، أي: شرع في تسويتها { فسوهن سبع سموت } [البقرة: 29]، مستويات على مصالح الأرض ومنافع الخلق فيه، إشارة إلى أن وجود السماوات والأرض تبعا لوجود الإنسان؛ لأنه قال: { خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29]، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما فيهن وسواهن على وفق مصالحك وانتفاعك من وسلوكك وتربيتك فيهن، كذلك الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شآء ركبك [الانفطار: 7-8] بنفخ روحه فيك. كما قال تعالى: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29]، ثم سواك بالوحي والإلهام بقبول فيض تجلي صفاته تعالى فيك لك كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " ، قال تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]. قوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم } [البقرة: 29]، أي: عالم في خلق كل شيء كيف خلقه ولأي شيء خلقه، وكل ذرة من مخلوقاته وكل شيء من موجوداته يسبح ذاته وصفاته ويشهد بأحديته وصمديته ويقول: ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك [آل عمران: 191]، فلما ذكر أن السماوات والأرض خلقت للإنسان أخبر أن الإنسان لماذا خلق بقوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، والإشارة في تحقيق الآية: أن الله تعالى إنما قال { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، ولم يقل: إني خالق معنيين: أحدهما: إن الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفا بصفة الخلافة إذ ليس لكل مخلوق هذا الاختصاص كما قال تعالى: يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض [ص: 26] أي: خلقتك مستعدا للخلافة فأعطيناكها، والثاني: إن للجعلية اختصاصا بعالم الأمر وهو الملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات، كما قال تعالى: ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54]، أي: الملك والملكوت؛ فإنه تعالى حين ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر جعله بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى: الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور [الأنعام: 1]، فالسماوات والأرض لما كانت من الأجسام والمحسوسات ذكرها بالخلقية، والظلمات والنور لما كانت من غير المحسوسات ذكرها بالجعلية، وإنما قلنا إن الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فإنما هي من الملكوتيات لا من المحسوسات، والظلمات والنور التي من المحسوسات فإنها داخلة في السماوات والأرض فافهم جدا. فكذلك ما أخبر الله تعالى عن آدم مما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية، كما قال تعالى: إني خالق بشرا من طين [ص: 71]، وما أخبر عما يتعلق بروحانية ذكره بالجعلية فقال تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، وفي: { إني جاعل } إشارة أخرى وهو إظهار عزة آدم على الملائكة لينظروا إليه ينظر التعظيم ولا ينظروا إليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فإنه تعالى يقول: ولذلك خلقهم [هود: 119] وسماه خليفته، وما شرف شيئا من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وإنما، سمي خليفة لمعنيين: أحدهما: أنه يخلق عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها، وذلك لأن الله تعالى جمع فيه ما في العالم كله من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات والدنياويات والأخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والمكونيات، فهو بالحقيقة خليفة كل العوالم، وأكرمه باختصاص كرامة: ونفخت فيه من روحي [ص: 72] وما أكرم بها أحدا من العالمين، وأشار إلى هذا المعنى بقوله: ولقد كرمنا بني ءادم [الإسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلحت الموجودات كلها أن تكون خليفة لآدم عليه السلام وللحق تعالى. والثاني: أنه يخلف عن وجود الحق في الحقيقة؛ لأن وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني، وتخلف وحدانية الإنسان عن وحدانية الحق ذاته، وصفاته عن صفاته فتخلف حياته عن حياته، وقدرته، وإرداته عن إرادته، وسمعه عن سمعه، وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولإمكانية روحه عن الإمكانية ولجهته تفهم إنشاء الله، وليس لنوع من المخلوقات أن يخلف عنه كما يخلف آدم عليه السلام وإن كان فيهم بعض هذه الصفات؛ لأنه لا تجتمع صفات الحق في أحدكم وتجتمع في الإنسان ولا تتجلى صفة من صفاته لشيء كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان وصفاته. فأما الحيوانات وإن كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجودها وموجدها، وأما الملائكة فإنهم وإن كانوا عالمين بوجود موجدهم؛ ولكن لا يبلغ علمهم إلى أن يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته، ولهذا قولوا: { سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32]. وأما الإنسان فله الخلافة صورة ومعنى؛ أما صورة فلأن له علما بوجود موجده ويبلغ علمه إلى أن يعرف نفسه بجميع صفاته والحق سبحانه بجميع صفاته ولهذا كان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع أسماء الله تعالى. وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم تمسسه نار النور في مصباح السر فتيلة الخفي. فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى: يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله [ص: 26]. وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: بالمؤمنين رءوف رحيم [التوبة: 128]، وقال في حقه وحق المؤمنين: محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم [الفتح: 29]، ولا تظهر هذه الصفات على الحيوان ولا على الملك، وناهيك عن هذا حالة هاروت وماروت ولما أنكروا على ذرية آدم عليه السلام اتباع الهوى والقتل والظلم والفساد، قالوا: لو كنا بدلا منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون، فالله تعالى أنزلهما الأرض وألبس عليهما لباس البشرية، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر. قال قتادة: ما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا، وسجدا للصنم. فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيض نور الله تعالى، فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم تفتتن بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومين عن مثل هذه الأوصاف والأخلاق وكانت لازمة لصفاتهم البشرية؛ لكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنارت بنور قلوبهم جميع مشكات جسدهم ظاهرا وباطنا، وأشرقت الأرض بنور ربها فلم تبق لظلمات هذه الصفات مجالا للظهور مع استعلاء النور. فالملائكة من بدء الأمر لما نظروا إلى جسد آدم عليه السلام شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم. { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، فقولهم هذا يدل على معان مختلفة؛ أن الله تعالى أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة في جبلتنا مركبة فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها وما نبرؤها، كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام: ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي [يوسف: 53]. ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصة طينتا، كما قال الله تعالى: مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79]، وكل فساد وظلم لا يجري علينا، ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة ربه لقوله: إلا ما رحم ربي [يوسف: 53]. ومنها: لنعلم أن الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا مع الملائكة المقربين: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، من رحمته والتقطع عن خدمته. ومنها: لنعلم أن فينا استعداد أمر عظيم وبناء جسيم ليس للملائكة به علم وهو سر الخلافة فلا نتغافل عن هذه السعادة ونتقاعد عن هذه السيادة ونسعى في طلبها حق السعي. ومنها: أن الملائكة إنما { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، لأنهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات؛ بل عاينوها فإنها خلقت قبل آدم عليه السلام، فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحققوها، وهذا لا يكون غيبا في حقهم، وإنما يكون غيبا لنا لأننا ننظر بالحس، والملكوت يكون لأهل الحس غيبا، ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض [الأنعام: 75]، وقال تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض [الأعراف: 185]، فحينئذ لا يكون غيبا، فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة، فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب، وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة، وإن في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، وروحا من عالم الغيب الملكوتي المنزه عن المحسوس، وسرا مستعدا لقبول فيض النور الإلهي، بالترقية يترقى من عالم الشهادات إلى عالم الغيب وهو الملكوت، وبسر المتابعة ومخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظمة وهو غيب الغيب، ويشاهد بنور الله تعالى المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال في خلافة الحق عالم الغيب، كما أن الله تعالى هو عالم الغيب والشهادة فلا يظهر على غيبه أحدا [الجن: 26] أي: الغيب المخصوص وهو غيب الغيب { أحدا } يعني من الملائكة إلا من ارتضى من رسول يعني من الإنسان، فهذا هو السر المكنون والمدفون في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلمه منه والملائكة لا يعلمونه. كما قال تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، ومنها أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم، ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، يعني في الأرض { خليفة } [البقرة: 30]، مع أنه { يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30]، يعني نحن من هذه الأوصاف أحق بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين بعث لهم طالوت ملكا قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال [البقرة: 247]، فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك ليس بالمال إنما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم، وقال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء [البقرة: 247]. فكذلك هاهنا أجابهم الله تعالى بقوله: { قال إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30] لأنه فضله بقوله: إن الله اصطفى ءادم [آل عمران: 33]، وبقوله { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، وبقوله: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] ليعلم أن استعداد تلك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعة، ولكنه مالك الملك والملكوت يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما تفاخرت الملائكة بطاعتهم على آدم عليه السلام من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، فإنه أهل الفضل والمنة، وأين أهل الخدمة من أهل المنة، فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا أن الله تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجدا لهم ليعلموا وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء [الحديد: 29] وفي قوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، إشارة أخرى إلى أنه كما يدل على أن لآدم عليه السلام فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك رذائل أوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة؛ لأنهم لا يعلمون منه أوصافا مذمومة يعني من نتائج النفس الأمارة عند نتائج نظر الروح إلى النفس حاله استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والخسران واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات. ثم أخبر عن فضله مع آدم عليه السلام بقوله: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، إلى قوله { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى فضل آدم على الملائكة بفضائل جمة؛ منها: اختصاصه بتعليم الأسماء كلها ذكر الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس فيقتضي أن لا يكون شيء إلا وآدم يعلم اسمه وقوله: { كلها } أي: بكليتها، وهي حقائق بالمسميات ومعناها. وعلم آدم الأسماء والمسميات في حقائقها؛ مثاله أن الله تعالى علمك اسم الغنم فما اقتصر منه على جزء هذا الاسم؛ بل علمك أسماءه كلها؛ بأن علمك ببصرك اسم لون أبيض أم أسود، وعلمك اسم صوته بسمعك، واسم ريحه بشمك، واسم طعمه بذوقك، واسم لينه وخشونته بلمسك، وكذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه، وخواص منافعه ومضاره، علمك بقولك وفعلك، وعملك بإيمانك اسم خلقه، فلكل جزء من أجزائه اسم ولون وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية وحقيقة أخرى لا يعلمها إلا الإنسان؛ لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صورة الأشياء ومعانيها وحقائقها، وإن له بحسب كل شيء عن الجملة المذكورة آلة مدركة لذلك الشيء كما هي، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة المدركة العقلية الملكية؛ فلهذا لما قال: { ثم عرضهم على الملئكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صدقين } [البقرة: 31] أي: إن كان لكم على آدم فضيلة بالتسبيح والتقديس { قالوا سبحنك } [البقرة: 32]، أقروا له بالفخر والاعتذار عن الاعتراض وتنزيها لله أن يفرض في حكم من أحكامه { لا علم لنآ } [البقرة: 32]، بالأسماء وحقائقها { إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32]، مما أعطيتنا من النظر الملكوتي { إنك أنت العليم } [البقرة: 32]، الذي أحاط بكل شيء علما ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء [البقرة: 255]، { الحكيم } [البقرة: 32]، فيما حكمت وقدرت ودبرت الخلافة لآدم لا راد لحكمك ولا مفر من قضائك. فظهرت فضيلة آدم عليهم بفنون هذه العلوم وبعجزهم عن الإتيان بمثلها، فكما أن القرآن كان دليلا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفضيلته على الكافرين بإعجازهم عن إتيان مثله كذلك علم الأسماء، كان دليلا على خلافة آدم عليه السلام وفضيلته على الملائكة بإعجازهم عن إتيان مثله، وهذه الفضيلة كانت لآدم عليه السلام بعد تعلمه لأسماء المخلوقات، فلم يكن مستحقا لسجودهم بهذا المقدار، فما أقام استحقاقه للسجود كان بتعلم أسماء الله تعالى وصفاته بتعليم الله إياه بأن يجعل ذاته وصفاته مرآة قابلة لتجلي صفات جماله وجلاله تبارك وتعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " ، فالتجلي فيه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته، وهذا هو سر الخلافة على الحقيقة؛ لأن المرآة تكون خليفة المتجلي فيه وقوله تعالى: { أنبئوني بأسمآء هؤلاء } [البقرة: 31] أي: أسماء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته { إن كنتم صدقين } [البقرة: 31]، في دعواكم بالفضيلة على آدم لتسبيحكم وتقديسكم؛ أي: لأن الفضيلة ليست بمجرد هذا فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي كما قال تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44]، وإنما الفضيلة في العلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الحق، فالفضيلة لمن له صفة الحق والخلق جميعا أولى منها بمن له صفة الخلق فحسب، وهذا أحد أسرار الخلافة بأن يخلف عن الخلق بصفاتهم ويخلف عن الحق بصفاته. وقوله تعالى: { قال يآءادم أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، معان مختلفة: منها: إن من دلائل فضيلة آدم واستحقاقه لخلافة الحق احتياج الملائكة إليه بإنبائه الأسماء، وكان آدم عليه السلام أول الأنبياء وأول ما بدأ بإنباء الملائكة بأمر الحق، وهذا من جملة ما كان الله يعلمه من آدم ولا يعلمون الملائكة منه، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، وكان الإنباء بأسمائهم من إصلاح حالهم لا من الإفساد. ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم } ما قال: علمهم لأنه ما كان لهم من استعداد للتعلم؛ لأن التعلم موجب الترقي في العلم، كما قال تعالى: والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11]، فكلما ازداد علما ازداد درجة وليس للملائكة الترقي في الدرجات لقوله: وما منآ إلا له مقام معلوم [الصافات: 164]، ولما كان آدم مستعد للترقي فقال في حقه: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]. ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، وما قال بأسماء كلها، كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام وإلا لكان هذا الأمر تكليفا بما لا يطاق، وليس هذا من سنة الله تعالى؛ لقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286]، على أنا نقول لو كلف يجوز ولا يكون منه ظلما، ولكنه لا يكلف فإنه ليس من سنته ولن تجد لسنة الله تبديلا [الأحزاب: 62] وإنما قلنا أنه كان في حق آدم التكليف بما لا يطاق لأن الملائكة غير مستعدين لإنباء الأسماء كلها؛ لأن الأسماء على ثلاثة أقسام: منها أسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم، فلهم علم بعضها واستعداد أيضا لإنباء بما لا علم لهم بها، فإن الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا، والقسم الثاني: منها أسماء الجسمانيات وهي مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباءهم؛ لأن الجسمانيات لهم كالحيوانات بالنسبة إلينا فإنها مرتبة دون مرتبة الإنسان فيمكن للإنسان الإنباء بأحوالها، والقسم الثالث: منها أسماء الإلهيات وهي مرتبة فوق مرتبة الملائكة، كما قال تعالى: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50]، فلا يمكن للإنسان أن ينبئهم بها، ولا يمكن لهم الإنباء بما فوق ما علمهم الله منها؛ لأنها غيبهم وليس لهم الترقي إلى الغيب، ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه، وكذلك يمكن لهم النزول إلى هذا العالم، وذلك أيضا بالأمر لقوله تعالى: وما نتنزل إلا بأمر ربك [مريم: 64]، ولا يمكن لهم الترقي من سدرة المنتهى إلى عالم الجبروت؛ لأنهم أهل الملكوت كما قال جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ليلة المعراج " لو دنوت أنملة لأحترقت ". { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } [البقرة: 33] أي: بأسماء معرضهم على الملائكة وبأنفسهم، وإنما كان آدم عليه السلام مخصوصا بعلم الأسماء دون الملائكة، وهم محتاجون إليه بإنباء أسمائهم وأسماء غيرهم؛ لأن آدم عليه السلام كان بالحقيقة أفضل العالم وخلاصته، وكان روحه بذر شجرة العالم، وشخصه ثمرة شجرة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمامه بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة، وكما أن الثمرة تعبر عن أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء الشجرة الموجودات علوها وسفلها، وكان في جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فسمي كل شيء منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة والمصلحة والمفسدة بعلم علمه الله تعالى واختص به من الملائكة، وغيرهم هذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم عليه السلام والملائكة لا يعلمونه. وكان من كمال حال آدم عليه السلام أن أسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته ومصلحته ومفسدته فضلا عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقا كان الله خالقا، ولما كان مرزوقا كان الله رازقا، ولما كان عبدا كان الله معبودا، ولما كان معيوبا كان الله ستارا، ولما كان مذنبا كان الله غفارا، ولما كان تائبا كان الله توابا، ولما كان منتفعا كان الله نافعا، ولما كان متضررا كان الله ضارا، ولما كان ظالما كان الله عدلا، ولما كان مظلوما كان الله منتقما له، فعلى هذا قس الباقي، فلما أظهر من آدم ما كان خفيا ومغيبا فيه من إنباء الأسماء، قال الله تعالى: { قال ألم أقل لكم } [البقرة: 33]، حين قلتم: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } [البقرة: 30]، { إني أعلم غيب السموت } [البقرة: 33]، أي غيب أهل السماوات وهم الملائكة وغيبهم ما غاب عنهم من احتياجهم لآدم في إنباء الأسماء { والأرض } [البقرة: 33]، أي غيب أهل الأرض هو آدم وغيبه ما كان مغيبا مخفيا فيه من إنباء الملائكة بالأسماء { وأعلم ما تبدون } [البقرة: 33]، من الطعن في آدم واستحقاقه الخلافة، وإظهار طاعتكم بالتسبيح والتقديس تفاخرا به على آدم عليه السلام: { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، من غيرتكم على آدم، وحسبان استحقاقكم الخلافة. فلما أظهر عليهم من أمر آدم خلاف ما تصوروا فيه ومن أمرهم غير ما توهموه، أمرهم بالسجود لآدم إظهارا لاستغنائه عن طاعات المخلوقين وعصيانهم وشركهم وكفرانهم؛ لأنه ليس كفران ومعصية أكبر من السجود لغيره، واستغفارا لله باعتراضهم عليه وقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، واعتذارا من آدم عليه السلام عن قولهم { من يفسد فيها } [البقرة: 30]، وانكسارا لأنفسهم بإظهار { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30].

البقرة 2:33

قوله تعالى: { ثم استوى إلى السمآء } [البقرة: 29]، أي: شرع في تسويتها { فسوهن سبع سموت } [البقرة: 29]، مستويات على مصالح الأرض ومنافع الخلق فيه، إشارة إلى أن وجود السماوات والأرض تبعا لوجود الإنسان؛ لأنه قال: { خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29]، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما فيهن وسواهن على وفق مصالحك وانتفاعك من وسلوكك وتربيتك فيهن، كذلك الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شآء ركبك [الانفطار: 7-8] بنفخ روحه فيك. كما قال تعالى: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29]، ثم سواك بالوحي والإلهام بقبول فيض تجلي صفاته تعالى فيك لك كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " ، قال تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]. قوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم } [البقرة: 29]، أي: عالم في خلق كل شيء كيف خلقه ولأي شيء خلقه، وكل ذرة من مخلوقاته وكل شيء من موجوداته يسبح ذاته وصفاته ويشهد بأحديته وصمديته ويقول: ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك [آل عمران: 191]، فلما ذكر أن السماوات والأرض خلقت للإنسان أخبر أن الإنسان لماذا خلق بقوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، والإشارة في تحقيق الآية: أن الله تعالى إنما قال { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، ولم يقل: إني خالق معنيين: أحدهما: إن الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفا بصفة الخلافة إذ ليس لكل مخلوق هذا الاختصاص كما قال تعالى: يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض [ص: 26] أي: خلقتك مستعدا للخلافة فأعطيناكها، والثاني: إن للجعلية اختصاصا بعالم الأمر وهو الملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات، كما قال تعالى: ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54]، أي: الملك والملكوت؛ فإنه تعالى حين ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر جعله بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى: الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور [الأنعام: 1]، فالسماوات والأرض لما كانت من الأجسام والمحسوسات ذكرها بالخلقية، والظلمات والنور لما كانت من غير المحسوسات ذكرها بالجعلية، وإنما قلنا إن الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فإنما هي من الملكوتيات لا من المحسوسات، والظلمات والنور التي من المحسوسات فإنها داخلة في السماوات والأرض فافهم جدا. فكذلك ما أخبر الله تعالى عن آدم مما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية، كما قال تعالى: إني خالق بشرا من طين [ص: 71]، وما أخبر عما يتعلق بروحانية ذكره بالجعلية فقال تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، وفي: { إني جاعل } إشارة أخرى وهو إظهار عزة آدم على الملائكة لينظروا إليه ينظر التعظيم ولا ينظروا إليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فإنه تعالى يقول: ولذلك خلقهم [هود: 119] وسماه خليفته، وما شرف شيئا من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وإنما، سمي خليفة لمعنيين: أحدهما: أنه يخلق عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها، وذلك لأن الله تعالى جمع فيه ما في العالم كله من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات والدنياويات والأخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والمكونيات، فهو بالحقيقة خليفة كل العوالم، وأكرمه باختصاص كرامة: ونفخت فيه من روحي [ص: 72] وما أكرم بها أحدا من العالمين، وأشار إلى هذا المعنى بقوله: ولقد كرمنا بني ءادم [الإسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلحت الموجودات كلها أن تكون خليفة لآدم عليه السلام وللحق تعالى. والثاني: أنه يخلف عن وجود الحق في الحقيقة؛ لأن وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني، وتخلف وحدانية الإنسان عن وحدانية الحق ذاته، وصفاته عن صفاته فتخلف حياته عن حياته، وقدرته، وإرداته عن إرادته، وسمعه عن سمعه، وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولإمكانية روحه عن الإمكانية ولجهته تفهم إنشاء الله، وليس لنوع من المخلوقات أن يخلف عنه كما يخلف آدم عليه السلام وإن كان فيهم بعض هذه الصفات؛ لأنه لا تجتمع صفات الحق في أحدكم وتجتمع في الإنسان ولا تتجلى صفة من صفاته لشيء كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان وصفاته. فأما الحيوانات وإن كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجودها وموجدها، وأما الملائكة فإنهم وإن كانوا عالمين بوجود موجدهم؛ ولكن لا يبلغ علمهم إلى أن يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته، ولهذا قولوا: { سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32]. وأما الإنسان فله الخلافة صورة ومعنى؛ أما صورة فلأن له علما بوجود موجده ويبلغ علمه إلى أن يعرف نفسه بجميع صفاته والحق سبحانه بجميع صفاته ولهذا كان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع أسماء الله تعالى. وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم تمسسه نار النور في مصباح السر فتيلة الخفي. فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى: يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله [ص: 26]. وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: بالمؤمنين رءوف رحيم [التوبة: 128]، وقال في حقه وحق المؤمنين: محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم [الفتح: 29]، ولا تظهر هذه الصفات على الحيوان ولا على الملك، وناهيك عن هذا حالة هاروت وماروت ولما أنكروا على ذرية آدم عليه السلام اتباع الهوى والقتل والظلم والفساد، قالوا: لو كنا بدلا منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون، فالله تعالى أنزلهما الأرض وألبس عليهما لباس البشرية، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر. قال قتادة: ما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا، وسجدا للصنم. فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيض نور الله تعالى، فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم تفتتن بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومين عن مثل هذه الأوصاف والأخلاق وكانت لازمة لصفاتهم البشرية؛ لكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنارت بنور قلوبهم جميع مشكات جسدهم ظاهرا وباطنا، وأشرقت الأرض بنور ربها فلم تبق لظلمات هذه الصفات مجالا للظهور مع استعلاء النور. فالملائكة من بدء الأمر لما نظروا إلى جسد آدم عليه السلام شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم. { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، فقولهم هذا يدل على معان مختلفة؛ أن الله تعالى أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة في جبلتنا مركبة فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها وما نبرؤها، كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام: ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي [يوسف: 53]. ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصة طينتا، كما قال الله تعالى: مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79]، وكل فساد وظلم لا يجري علينا، ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة ربه لقوله: إلا ما رحم ربي [يوسف: 53]. ومنها: لنعلم أن الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا مع الملائكة المقربين: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، من رحمته والتقطع عن خدمته. ومنها: لنعلم أن فينا استعداد أمر عظيم وبناء جسيم ليس للملائكة به علم وهو سر الخلافة فلا نتغافل عن هذه السعادة ونتقاعد عن هذه السيادة ونسعى في طلبها حق السعي. ومنها: أن الملائكة إنما { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، لأنهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات؛ بل عاينوها فإنها خلقت قبل آدم عليه السلام، فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحققوها، وهذا لا يكون غيبا في حقهم، وإنما يكون غيبا لنا لأننا ننظر بالحس، والملكوت يكون لأهل الحس غيبا، ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض [الأنعام: 75]، وقال تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض [الأعراف: 185]، فحينئذ لا يكون غيبا، فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة، فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب، وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة، وإن في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، وروحا من عالم الغيب الملكوتي المنزه عن المحسوس، وسرا مستعدا لقبول فيض النور الإلهي، بالترقية يترقى من عالم الشهادات إلى عالم الغيب وهو الملكوت، وبسر المتابعة ومخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظمة وهو غيب الغيب، ويشاهد بنور الله تعالى المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال في خلافة الحق عالم الغيب، كما أن الله تعالى هو عالم الغيب والشهادة فلا يظهر على غيبه أحدا [الجن: 26] أي: الغيب المخصوص وهو غيب الغيب { أحدا } يعني من الملائكة إلا من ارتضى من رسول يعني من الإنسان، فهذا هو السر المكنون والمدفون في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلمه منه والملائكة لا يعلمونه. كما قال تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، ومنها أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم، ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، يعني في الأرض { خليفة } [البقرة: 30]، مع أنه { يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30]، يعني نحن من هذه الأوصاف أحق بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين بعث لهم طالوت ملكا قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال [البقرة: 247]، فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك ليس بالمال إنما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم، وقال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء [البقرة: 247]. فكذلك هاهنا أجابهم الله تعالى بقوله: { قال إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30] لأنه فضله بقوله: إن الله اصطفى ءادم [آل عمران: 33]، وبقوله { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، وبقوله: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] ليعلم أن استعداد تلك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعة، ولكنه مالك الملك والملكوت يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما تفاخرت الملائكة بطاعتهم على آدم عليه السلام من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، فإنه أهل الفضل والمنة، وأين أهل الخدمة من أهل المنة، فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا أن الله تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجدا لهم ليعلموا وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء [الحديد: 29] وفي قوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، إشارة أخرى إلى أنه كما يدل على أن لآدم عليه السلام فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك رذائل أوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة؛ لأنهم لا يعلمون منه أوصافا مذمومة يعني من نتائج النفس الأمارة عند نتائج نظر الروح إلى النفس حاله استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والخسران واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات. ثم أخبر عن فضله مع آدم عليه السلام بقوله: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، إلى قوله { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى فضل آدم على الملائكة بفضائل جمة؛ منها: اختصاصه بتعليم الأسماء كلها ذكر الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس فيقتضي أن لا يكون شيء إلا وآدم يعلم اسمه وقوله: { كلها } أي: بكليتها، وهي حقائق بالمسميات ومعناها. وعلم آدم الأسماء والمسميات في حقائقها؛ مثاله أن الله تعالى علمك اسم الغنم فما اقتصر منه على جزء هذا الاسم؛ بل علمك أسماءه كلها؛ بأن علمك ببصرك اسم لون أبيض أم أسود، وعلمك اسم صوته بسمعك، واسم ريحه بشمك، واسم طعمه بذوقك، واسم لينه وخشونته بلمسك، وكذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه، وخواص منافعه ومضاره، علمك بقولك وفعلك، وعملك بإيمانك اسم خلقه، فلكل جزء من أجزائه اسم ولون وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية وحقيقة أخرى لا يعلمها إلا الإنسان؛ لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صورة الأشياء ومعانيها وحقائقها، وإن له بحسب كل شيء عن الجملة المذكورة آلة مدركة لذلك الشيء كما هي، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة المدركة العقلية الملكية؛ فلهذا لما قال: { ثم عرضهم على الملئكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صدقين } [البقرة: 31] أي: إن كان لكم على آدم فضيلة بالتسبيح والتقديس { قالوا سبحنك } [البقرة: 32]، أقروا له بالفخر والاعتذار عن الاعتراض وتنزيها لله أن يفرض في حكم من أحكامه { لا علم لنآ } [البقرة: 32]، بالأسماء وحقائقها { إلا ما علمتنآ } [البقرة: 32]، مما أعطيتنا من النظر الملكوتي { إنك أنت العليم } [البقرة: 32]، الذي أحاط بكل شيء علما ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء [البقرة: 255]، { الحكيم } [البقرة: 32]، فيما حكمت وقدرت ودبرت الخلافة لآدم لا راد لحكمك ولا مفر من قضائك. فظهرت فضيلة آدم عليهم بفنون هذه العلوم وبعجزهم عن الإتيان بمثلها، فكما أن القرآن كان دليلا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفضيلته على الكافرين بإعجازهم عن إتيان مثله كذلك علم الأسماء، كان دليلا على خلافة آدم عليه السلام وفضيلته على الملائكة بإعجازهم عن إتيان مثله، وهذه الفضيلة كانت لآدم عليه السلام بعد تعلمه لأسماء المخلوقات، فلم يكن مستحقا لسجودهم بهذا المقدار، فما أقام استحقاقه للسجود كان بتعلم أسماء الله تعالى وصفاته بتعليم الله إياه بأن يجعل ذاته وصفاته مرآة قابلة لتجلي صفات جماله وجلاله تبارك وتعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " ، فالتجلي فيه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته، وهذا هو سر الخلافة على الحقيقة؛ لأن المرآة تكون خليفة المتجلي فيه وقوله تعالى: { أنبئوني بأسمآء هؤلاء } [البقرة: 31] أي: أسماء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته { إن كنتم صدقين } [البقرة: 31]، في دعواكم بالفضيلة على آدم لتسبيحكم وتقديسكم؛ أي: لأن الفضيلة ليست بمجرد هذا فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي كما قال تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44]، وإنما الفضيلة في العلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الحق، فالفضيلة لمن له صفة الحق والخلق جميعا أولى منها بمن له صفة الخلق فحسب، وهذا أحد أسرار الخلافة بأن يخلف عن الخلق بصفاتهم ويخلف عن الحق بصفاته. وقوله تعالى: { قال يآءادم أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، معان مختلفة: منها: إن من دلائل فضيلة آدم واستحقاقه لخلافة الحق احتياج الملائكة إليه بإنبائه الأسماء، وكان آدم عليه السلام أول الأنبياء وأول ما بدأ بإنباء الملائكة بأمر الحق، وهذا من جملة ما كان الله يعلمه من آدم ولا يعلمون الملائكة منه، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، وكان الإنباء بأسمائهم من إصلاح حالهم لا من الإفساد. ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم } ما قال: علمهم لأنه ما كان لهم من استعداد للتعلم؛ لأن التعلم موجب الترقي في العلم، كما قال تعالى: والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11]، فكلما ازداد علما ازداد درجة وليس للملائكة الترقي في الدرجات لقوله: وما منآ إلا له مقام معلوم [الصافات: 164]، ولما كان آدم مستعد للترقي فقال في حقه: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]. ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، وما قال بأسماء كلها، كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام وإلا لكان هذا الأمر تكليفا بما لا يطاق، وليس هذا من سنة الله تعالى؛ لقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286]، على أنا نقول لو كلف يجوز ولا يكون منه ظلما، ولكنه لا يكلف فإنه ليس من سنته ولن تجد لسنة الله تبديلا [الأحزاب: 62] وإنما قلنا أنه كان في حق آدم التكليف بما لا يطاق لأن الملائكة غير مستعدين لإنباء الأسماء كلها؛ لأن الأسماء على ثلاثة أقسام: منها أسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم، فلهم علم بعضها واستعداد أيضا لإنباء بما لا علم لهم بها، فإن الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا، والقسم الثاني: منها أسماء الجسمانيات وهي مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباءهم؛ لأن الجسمانيات لهم كالحيوانات بالنسبة إلينا فإنها مرتبة دون مرتبة الإنسان فيمكن للإنسان الإنباء بأحوالها، والقسم الثالث: منها أسماء الإلهيات وهي مرتبة فوق مرتبة الملائكة، كما قال تعالى: يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50]، فلا يمكن للإنسان أن ينبئهم بها، ولا يمكن لهم الإنباء بما فوق ما علمهم الله منها؛ لأنها غيبهم وليس لهم الترقي إلى الغيب، ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه، وكذلك يمكن لهم النزول إلى هذا العالم، وذلك أيضا بالأمر لقوله تعالى: وما نتنزل إلا بأمر ربك [مريم: 64]، ولا يمكن لهم الترقي من سدرة المنتهى إلى عالم الجبروت؛ لأنهم أهل الملكوت كما قال جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ليلة المعراج " لو دنوت أنملة لأحترقت ". { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } [البقرة: 33] أي: بأسماء معرضهم على الملائكة وبأنفسهم، وإنما كان آدم عليه السلام مخصوصا بعلم الأسماء دون الملائكة، وهم محتاجون إليه بإنباء أسمائهم وأسماء غيرهم؛ لأن آدم عليه السلام كان بالحقيقة أفضل العالم وخلاصته، وكان روحه بذر شجرة العالم، وشخصه ثمرة شجرة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمامه بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة، وكما أن الثمرة تعبر عن أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء الشجرة الموجودات علوها وسفلها، وكان في جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فسمي كل شيء منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة والمصلحة والمفسدة بعلم علمه الله تعالى واختص به من الملائكة، وغيرهم هذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم عليه السلام والملائكة لا يعلمونه. وكان من كمال حال آدم عليه السلام أن أسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته ومصلحته ومفسدته فضلا عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقا كان الله خالقا، ولما كان مرزوقا كان الله رازقا، ولما كان عبدا كان الله معبودا، ولما كان معيوبا كان الله ستارا، ولما كان مذنبا كان الله غفارا، ولما كان تائبا كان الله توابا، ولما كان منتفعا كان الله نافعا، ولما كان متضررا كان الله ضارا، ولما كان ظالما كان الله عدلا، ولما كان مظلوما كان الله منتقما له، فعلى هذا قس الباقي، فلما أظهر من آدم ما كان خفيا ومغيبا فيه من إنباء الأسماء، قال الله تعالى: { قال ألم أقل لكم } [البقرة: 33]، حين قلتم: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } [البقرة: 30]، { إني أعلم غيب السموت } [البقرة: 33]، أي غيب أهل السماوات وهم الملائكة وغيبهم ما غاب عنهم من احتياجهم لآدم في إنباء الأسماء { والأرض } [البقرة: 33]، أي غيب أهل الأرض هو آدم وغيبه ما كان مغيبا مخفيا فيه من إنباء الملائكة بالأسماء { وأعلم ما تبدون } [البقرة: 33]، من الطعن في آدم واستحقاقه الخلافة، وإظهار طاعتكم بالتسبيح والتقديس تفاخرا به على آدم عليه السلام: { وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33]، من غيرتكم على آدم، وحسبان استحقاقكم الخلافة. فلما أظهر عليهم من أمر آدم خلاف ما تصوروا فيه ومن أمرهم غير ما توهموه، أمرهم بالسجود لآدم إظهارا لاستغنائه عن طاعات المخلوقين وعصيانهم وشركهم وكفرانهم؛ لأنه ليس كفران ومعصية أكبر من السجود لغيره، واستغفارا لله باعتراضهم عليه وقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، واعتذارا من آدم عليه السلام عن قولهم { من يفسد فيها } [البقرة: 30]، وانكسارا لأنفسهم بإظهار { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30].

البقرة 2:34

ثم أخبر بقوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله { اسجدوا } ثلاثة معان: أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، خلافا للطبيعة بل تعبدوا رقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم. والثاني: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبه صلى الله عليه وسلم: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. والثالث: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، أي: لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين. أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى: لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفرا لهم { فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: " خلقت الملائكة من نور " والنور من شأنه الانقياد والطاعة، { إلا إبليس أبى } سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا { وكان من الكفرين } [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضا سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر. ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك في الجنة، فأسكنا في الجنة { وكلا منها } [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها { رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35]، تقربا التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، فلما قبلتما قولي وما أوفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولا بأنه لا يعلم أن ظلمه عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [البقرة: 57]. ومنها: إشارة بأن أبحت لك يا آدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملا تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضا، فاعلم إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 6-8]. ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفردا وحيدا وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: " قط قط " فافهم جدا. ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، واقنعا بها واستريحا، ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين: أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال. وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت المحبة غذاء روحانيا قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ببلاء طلب الرؤية، ويفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه اشتياقا إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ألقى جلباب الحياء وقال: رب أرني [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء وقال: لن تراني [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودله عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر. ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول العناية، مسجود الملائكة، متوجا بتاج الكرامة، ملبسا بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث { فأزلهما } يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها } أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب { فأخرجهما مما كانا فيه } من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شيء ومؤانسا مع كل أحد، ولذلك سمي إنسانا، فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوا، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس، ويقول: هذا ربي [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: لا أحب الآفلين [الأنعام: 76]، إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78]، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]. فلما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [إبراهيم: 25]. وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: " أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " ، فثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد. ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمت } [البقرة: 37]. والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطرت أمطار الربانية من حبة المحبة في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إليه، ويخسر رأس مال استعداد السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذروة مقام القربة فاستغاث إلى ربه وقال مضطرا، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]، للتائبين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دوحتها زهرة التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه: 122]. ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطا بالشروط لقوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه { فإما يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي { فمن تبع هداي } [البقرة: 38]، كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة { فلا خوف عليهم } [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال { الذين كفروا } [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري { وكذبوا بآيتنآ } [البقرة: 39]، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات { أولئك أصحب النار } [البقرة: 39]، نار جهنم ونار القطيعة { هم فيها خلدون } [البقرة: 39]؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين. ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة. فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار الدلائل والمعجزات. والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب { بلى } واستعدادكم للعقل، وهدايتكم للإيمان عليكم وآبائكم { وأوفوا بعهدي } [البقرة: 40]، الذي آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية { أوف بعهدكم } [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، { وإيي فارهبون } [البقرة: 40]، أي: فإن أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي.

البقرة 2:35

ثم أخبر بقوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله { اسجدوا } ثلاثة معان: أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، خلافا للطبيعة بل تعبدوا رقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم. والثاني: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبه صلى الله عليه وسلم: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. والثالث: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، أي: لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين. أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى: لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفرا لهم { فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: " خلقت الملائكة من نور " والنور من شأنه الانقياد والطاعة، { إلا إبليس أبى } سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا { وكان من الكفرين } [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضا سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر. ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك في الجنة، فأسكنا في الجنة { وكلا منها } [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها { رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35]، تقربا التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، فلما قبلتما قولي وما أوفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولا بأنه لا يعلم أن ظلمه عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [البقرة: 57]. ومنها: إشارة بأن أبحت لك يا آدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملا تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضا، فاعلم إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 6-8]. ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفردا وحيدا وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: " قط قط " فافهم جدا. ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، واقنعا بها واستريحا، ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين: أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال. وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت المحبة غذاء روحانيا قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ببلاء طلب الرؤية، ويفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه اشتياقا إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ألقى جلباب الحياء وقال: رب أرني [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء وقال: لن تراني [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودله عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر. ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول العناية، مسجود الملائكة، متوجا بتاج الكرامة، ملبسا بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث { فأزلهما } يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها } أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب { فأخرجهما مما كانا فيه } من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شيء ومؤانسا مع كل أحد، ولذلك سمي إنسانا، فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوا، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس، ويقول: هذا ربي [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: لا أحب الآفلين [الأنعام: 76]، إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78]، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]. فلما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [إبراهيم: 25]. وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: " أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " ، فثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد. ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمت } [البقرة: 37]. والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطرت أمطار الربانية من حبة المحبة في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إليه، ويخسر رأس مال استعداد السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذروة مقام القربة فاستغاث إلى ربه وقال مضطرا، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]، للتائبين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دوحتها زهرة التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه: 122]. ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطا بالشروط لقوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه { فإما يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي { فمن تبع هداي } [البقرة: 38]، كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة { فلا خوف عليهم } [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال { الذين كفروا } [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري { وكذبوا بآيتنآ } [البقرة: 39]، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات { أولئك أصحب النار } [البقرة: 39]، نار جهنم ونار القطيعة { هم فيها خلدون } [البقرة: 39]؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين. ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة. فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار الدلائل والمعجزات. والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب { بلى } واستعدادكم للعقل، وهدايتكم للإيمان عليكم وآبائكم { وأوفوا بعهدي } [البقرة: 40]، الذي آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية { أوف بعهدكم } [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، { وإيي فارهبون } [البقرة: 40]، أي: فإن أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي.

البقرة 2:36

ثم أخبر بقوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله { اسجدوا } ثلاثة معان: أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، خلافا للطبيعة بل تعبدوا رقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم. والثاني: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبه صلى الله عليه وسلم: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. والثالث: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، أي: لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين. أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى: لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفرا لهم { فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: " خلقت الملائكة من نور " والنور من شأنه الانقياد والطاعة، { إلا إبليس أبى } سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا { وكان من الكفرين } [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضا سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر. ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك في الجنة، فأسكنا في الجنة { وكلا منها } [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها { رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35]، تقربا التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، فلما قبلتما قولي وما أوفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولا بأنه لا يعلم أن ظلمه عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [البقرة: 57]. ومنها: إشارة بأن أبحت لك يا آدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملا تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضا، فاعلم إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 6-8]. ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفردا وحيدا وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: " قط قط " فافهم جدا. ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، واقنعا بها واستريحا، ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين: أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال. وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت المحبة غذاء روحانيا قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ببلاء طلب الرؤية، ويفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه اشتياقا إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ألقى جلباب الحياء وقال: رب أرني [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء وقال: لن تراني [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودله عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر. ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول العناية، مسجود الملائكة، متوجا بتاج الكرامة، ملبسا بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث { فأزلهما } يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها } أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب { فأخرجهما مما كانا فيه } من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شيء ومؤانسا مع كل أحد، ولذلك سمي إنسانا، فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوا، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس، ويقول: هذا ربي [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: لا أحب الآفلين [الأنعام: 76]، إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78]، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]. فلما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [إبراهيم: 25]. وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: " أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " ، فثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد. ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمت } [البقرة: 37]. والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطرت أمطار الربانية من حبة المحبة في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إليه، ويخسر رأس مال استعداد السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذروة مقام القربة فاستغاث إلى ربه وقال مضطرا، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]، للتائبين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دوحتها زهرة التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه: 122]. ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطا بالشروط لقوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه { فإما يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي { فمن تبع هداي } [البقرة: 38]، كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة { فلا خوف عليهم } [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال { الذين كفروا } [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري { وكذبوا بآيتنآ } [البقرة: 39]، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات { أولئك أصحب النار } [البقرة: 39]، نار جهنم ونار القطيعة { هم فيها خلدون } [البقرة: 39]؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين. ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة. فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار الدلائل والمعجزات. والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب { بلى } واستعدادكم للعقل، وهدايتكم للإيمان عليكم وآبائكم { وأوفوا بعهدي } [البقرة: 40]، الذي آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية { أوف بعهدكم } [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، { وإيي فارهبون } [البقرة: 40]، أي: فإن أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي.

البقرة 2:37

ثم أخبر بقوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله { اسجدوا } ثلاثة معان: أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، خلافا للطبيعة بل تعبدوا رقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم. والثاني: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبه صلى الله عليه وسلم: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. والثالث: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، أي: لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين. أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى: لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفرا لهم { فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: " خلقت الملائكة من نور " والنور من شأنه الانقياد والطاعة، { إلا إبليس أبى } سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا { وكان من الكفرين } [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضا سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر. ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك في الجنة، فأسكنا في الجنة { وكلا منها } [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها { رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35]، تقربا التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، فلما قبلتما قولي وما أوفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولا بأنه لا يعلم أن ظلمه عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [البقرة: 57]. ومنها: إشارة بأن أبحت لك يا آدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملا تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضا، فاعلم إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 6-8]. ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفردا وحيدا وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: " قط قط " فافهم جدا. ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، واقنعا بها واستريحا، ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين: أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال. وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت المحبة غذاء روحانيا قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ببلاء طلب الرؤية، ويفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه اشتياقا إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ألقى جلباب الحياء وقال: رب أرني [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء وقال: لن تراني [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودله عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر. ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول العناية، مسجود الملائكة، متوجا بتاج الكرامة، ملبسا بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث { فأزلهما } يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها } أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب { فأخرجهما مما كانا فيه } من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شيء ومؤانسا مع كل أحد، ولذلك سمي إنسانا، فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوا، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس، ويقول: هذا ربي [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: لا أحب الآفلين [الأنعام: 76]، إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78]، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]. فلما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [إبراهيم: 25]. وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: " أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " ، فثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد. ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمت } [البقرة: 37]. والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطرت أمطار الربانية من حبة المحبة في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إليه، ويخسر رأس مال استعداد السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذروة مقام القربة فاستغاث إلى ربه وقال مضطرا، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]، للتائبين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دوحتها زهرة التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه: 122]. ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطا بالشروط لقوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه { فإما يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي { فمن تبع هداي } [البقرة: 38]، كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة { فلا خوف عليهم } [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال { الذين كفروا } [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري { وكذبوا بآيتنآ } [البقرة: 39]، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات { أولئك أصحب النار } [البقرة: 39]، نار جهنم ونار القطيعة { هم فيها خلدون } [البقرة: 39]؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين. ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة. فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار الدلائل والمعجزات. والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب { بلى } واستعدادكم للعقل، وهدايتكم للإيمان عليكم وآبائكم { وأوفوا بعهدي } [البقرة: 40]، الذي آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية { أوف بعهدكم } [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، { وإيي فارهبون } [البقرة: 40]، أي: فإن أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي.

البقرة 2:38

ثم أخبر بقوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله { اسجدوا } ثلاثة معان: أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، خلافا للطبيعة بل تعبدوا رقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم. والثاني: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبه صلى الله عليه وسلم: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. والثالث: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، أي: لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين. أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى: لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفرا لهم { فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: " خلقت الملائكة من نور " والنور من شأنه الانقياد والطاعة، { إلا إبليس أبى } سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا { وكان من الكفرين } [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضا سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر. ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك في الجنة، فأسكنا في الجنة { وكلا منها } [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها { رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35]، تقربا التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، فلما قبلتما قولي وما أوفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولا بأنه لا يعلم أن ظلمه عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [البقرة: 57]. ومنها: إشارة بأن أبحت لك يا آدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملا تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضا، فاعلم إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 6-8]. ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفردا وحيدا وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: " قط قط " فافهم جدا. ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، واقنعا بها واستريحا، ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين: أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال. وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت المحبة غذاء روحانيا قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ببلاء طلب الرؤية، ويفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه اشتياقا إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ألقى جلباب الحياء وقال: رب أرني [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء وقال: لن تراني [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودله عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر. ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول العناية، مسجود الملائكة، متوجا بتاج الكرامة، ملبسا بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث { فأزلهما } يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها } أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب { فأخرجهما مما كانا فيه } من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شيء ومؤانسا مع كل أحد، ولذلك سمي إنسانا، فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوا، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس، ويقول: هذا ربي [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: لا أحب الآفلين [الأنعام: 76]، إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78]، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]. فلما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [إبراهيم: 25]. وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: " أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " ، فثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد. ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمت } [البقرة: 37]. والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطرت أمطار الربانية من حبة المحبة في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إليه، ويخسر رأس مال استعداد السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذروة مقام القربة فاستغاث إلى ربه وقال مضطرا، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]، للتائبين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دوحتها زهرة التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه: 122]. ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطا بالشروط لقوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه { فإما يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي { فمن تبع هداي } [البقرة: 38]، كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة { فلا خوف عليهم } [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال { الذين كفروا } [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري { وكذبوا بآيتنآ } [البقرة: 39]، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات { أولئك أصحب النار } [البقرة: 39]، نار جهنم ونار القطيعة { هم فيها خلدون } [البقرة: 39]؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين. ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة. فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار الدلائل والمعجزات. والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب { بلى } واستعدادكم للعقل، وهدايتكم للإيمان عليكم وآبائكم { وأوفوا بعهدي } [البقرة: 40]، الذي آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية { أوف بعهدكم } [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، { وإيي فارهبون } [البقرة: 40]، أي: فإن أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي.

البقرة 2:39

ثم أخبر بقوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله { اسجدوا } ثلاثة معان: أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، خلافا للطبيعة بل تعبدوا رقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم. والثاني: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبه صلى الله عليه وسلم: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. والثالث: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، أي: لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين. أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى: لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفرا لهم { فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: " خلقت الملائكة من نور " والنور من شأنه الانقياد والطاعة، { إلا إبليس أبى } سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا { وكان من الكفرين } [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضا سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر. ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك في الجنة، فأسكنا في الجنة { وكلا منها } [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها { رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35]، تقربا التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، فلما قبلتما قولي وما أوفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولا بأنه لا يعلم أن ظلمه عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [البقرة: 57]. ومنها: إشارة بأن أبحت لك يا آدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملا تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضا، فاعلم إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 6-8]. ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفردا وحيدا وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: " قط قط " فافهم جدا. ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، واقنعا بها واستريحا، ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين: أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال. وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت المحبة غذاء روحانيا قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ببلاء طلب الرؤية، ويفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه اشتياقا إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ألقى جلباب الحياء وقال: رب أرني [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء وقال: لن تراني [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودله عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر. ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول العناية، مسجود الملائكة، متوجا بتاج الكرامة، ملبسا بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث { فأزلهما } يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها } أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب { فأخرجهما مما كانا فيه } من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شيء ومؤانسا مع كل أحد، ولذلك سمي إنسانا، فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوا، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس، ويقول: هذا ربي [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: لا أحب الآفلين [الأنعام: 76]، إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78]، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]. فلما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [إبراهيم: 25]. وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: " أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " ، فثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد. ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمت } [البقرة: 37]. والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطرت أمطار الربانية من حبة المحبة في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إليه، ويخسر رأس مال استعداد السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذروة مقام القربة فاستغاث إلى ربه وقال مضطرا، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]، للتائبين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دوحتها زهرة التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه: 122]. ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطا بالشروط لقوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه { فإما يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي { فمن تبع هداي } [البقرة: 38]، كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة { فلا خوف عليهم } [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال { الذين كفروا } [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري { وكذبوا بآيتنآ } [البقرة: 39]، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات { أولئك أصحب النار } [البقرة: 39]، نار جهنم ونار القطيعة { هم فيها خلدون } [البقرة: 39]؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين. ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة. فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار الدلائل والمعجزات. والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب { بلى } واستعدادكم للعقل، وهدايتكم للإيمان عليكم وآبائكم { وأوفوا بعهدي } [البقرة: 40]، الذي آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية { أوف بعهدكم } [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، { وإيي فارهبون } [البقرة: 40]، أي: فإن أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي.

البقرة 2:40

ثم أخبر بقوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله { اسجدوا } ثلاثة معان: أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، خلافا للطبيعة بل تعبدوا رقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم. والثاني: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبه صلى الله عليه وسلم: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. والثالث: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، أي: لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين. أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى: لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفرا لهم { فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: " خلقت الملائكة من نور " والنور من شأنه الانقياد والطاعة، { إلا إبليس أبى } سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا { وكان من الكفرين } [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضا سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر. ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك في الجنة، فأسكنا في الجنة { وكلا منها } [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها { رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35]، تقربا التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، فلما قبلتما قولي وما أوفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولا بأنه لا يعلم أن ظلمه عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [البقرة: 57]. ومنها: إشارة بأن أبحت لك يا آدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملا تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضا، فاعلم إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 6-8]. ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفردا وحيدا وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: " قط قط " فافهم جدا. ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، واقنعا بها واستريحا، ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين: أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال. وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت المحبة غذاء روحانيا قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ببلاء طلب الرؤية، ويفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه اشتياقا إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ألقى جلباب الحياء وقال: رب أرني [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء وقال: لن تراني [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودله عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35]، إلى { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر. ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول العناية، مسجود الملائكة، متوجا بتاج الكرامة، ملبسا بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث { فأزلهما } يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها } أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب { فأخرجهما مما كانا فيه } من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شيء ومؤانسا مع كل أحد، ولذلك سمي إنسانا، فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوا، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس، ويقول: هذا ربي [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: لا أحب الآفلين [الأنعام: 76]، إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78]، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]. فلما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [إبراهيم: 25]. وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: " أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " ، فثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد. ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمت } [البقرة: 37]. والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطرت أمطار الربانية من حبة المحبة في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إليه، ويخسر رأس مال استعداد السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذروة مقام القربة فاستغاث إلى ربه وقال مضطرا، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]، للتائبين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دوحتها زهرة التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه: 122]. ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطا بالشروط لقوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه { فإما يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي { فمن تبع هداي } [البقرة: 38]، كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة { فلا خوف عليهم } [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال { الذين كفروا } [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري { وكذبوا بآيتنآ } [البقرة: 39]، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات { أولئك أصحب النار } [البقرة: 39]، نار جهنم ونار القطيعة { هم فيها خلدون } [البقرة: 39]؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين. ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة. فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار الدلائل والمعجزات. والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب { بلى } واستعدادكم للعقل، وهدايتكم للإيمان عليكم وآبائكم { وأوفوا بعهدي } [البقرة: 40]، الذي آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية { أوف بعهدكم } [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، { وإيي فارهبون } [البقرة: 40]، أي: فإن أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي.

البقرة 2:41

ثم أخبر عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل عليه حذر الفوات تلك السعادة؛ لقوله تعالى: { وآمنوا بمآ أنزلت } [البقرة: 41]. والإشارة فيها: أن الله تعالى أمرهم بالإيمان بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { مصدقا لما معكم } [البقرة: 41]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والقرآن مصدق ومقرر لما معكم من التوراة، والإيمان بموسى عليه السلام { ولا تكونوا أول كافر به } [البقرة: 41]، أول من يجحده ويسن سنة الكفر، فإن وزر المقتدي يكون على المبتدي كما يكون على المقتدي { ولا تشتروا بآيتي } [البقرة: 41]، من كشف الحقائق والأسرار والمشاهدات والأنوار { ثمنا قليلا } [البقرة: 41]. من مشارب النفس؛ يعني: الذي يرى المؤمنين في الآفاق وفي أنفسهم بالالتفات إلى حركات ومعاملات توجب الحجب والأستار بالركون إلى شيء من الأحوال والمقامات، فتقطعوا طريق ظهور الحق والوصول إليه على أنفسكم بالاختيار { وإيي فاتقون } [البقرة: 41] أي: اتقوا بي مني وفروا إلي مني لتسلموا من مكري وقهري وكيد أنفسكم وضلالتها. ثم أخبر عن تأكيد الاتقاء وترك الاشتراء بقوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالبطل } [البقرة: 42]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أي: لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بما سوى الله تعالى كما قال صلى الله عليه سلم قال: " إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". { وتكتموا الحق } [البقرة: 42] أي: ولا تكتموا الحق بالتفاتكم إلى غير الله { وأنتم تعلمون } [البقرة: 42]، أنه ليس لغير الله وجود حقيقي { وأقيموا الصلوة } [البقرة: 43]، بمراقبة القلوب وملازمة الخضوع والخشوع، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 43]، وأصل الزكاة الطهارة والنماء والزيادة أي: بالغوا في تزكية النفس عن الحرص الدنيوي والأخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية السيئة، وترك مطالبة ما سوى الله فإنه مع طلب الحق زيادة والزيادة على الكمال نقصان { واركعوا مع الركعين } [البقرة: 43] أي: اقتدوا مع الانكسار ونفي الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الجود. ثم أخبر عن فريق منهم بقوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } [البقرة: 44]، والإشارة فيها أنها شاملة لمن يحرض الناس على طلب الحق ومعاملة الصدق ويحذرهم الدنيا والهوى وينبئهم عن آفاتها، وهو تباعد عن ذلك، ولا ينتهي بنفسه مثل العلماء السوء والملتبسين الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ولا ينتهون عنه، { وأنتم تتلون الكتب } [البقرة: 44] أي: تقرؤون القرآن { أفلا تعقلون } [البقرة: 44]، معناه ولا تفهمون فحواه كي تنتهوا عن أفعالكم الردية وتعملوا بأقوالكم السنية. ثم أخبر عما يخرجهم إلى الحق وترك الباطل بقوله تعالى: { واستعينوا } [البقرة: 45]، والإشارة فيها أن قوله تعالى: { واستعينوا بالصبر } [البقرة: 45]، عن شهوات النفس ومتابعة هواها { والصلوة } [البقرة: 45] أي: دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب، { وإنها } [البقرة: 45] أي: الاستعانة بهما { لكبيرة } [البقرة: 45]، أمر عظيم وشأن صعب { إلا على الخشعين } [البقرة: 45]، وهم الذين تجلى الحق لأسرارهم فخشعت لأنفسهم كما قال صلى الله عليه وسلم: " إذا تجلى الله لشيء خضع له ".

البقرة 2:42

ثم أخبر عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل عليه حذر الفوات تلك السعادة؛ لقوله تعالى: { وآمنوا بمآ أنزلت } [البقرة: 41]. والإشارة فيها: أن الله تعالى أمرهم بالإيمان بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { مصدقا لما معكم } [البقرة: 41]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والقرآن مصدق ومقرر لما معكم من التوراة، والإيمان بموسى عليه السلام { ولا تكونوا أول كافر به } [البقرة: 41]، أول من يجحده ويسن سنة الكفر، فإن وزر المقتدي يكون على المبتدي كما يكون على المقتدي { ولا تشتروا بآيتي } [البقرة: 41]، من كشف الحقائق والأسرار والمشاهدات والأنوار { ثمنا قليلا } [البقرة: 41]. من مشارب النفس؛ يعني: الذي يرى المؤمنين في الآفاق وفي أنفسهم بالالتفات إلى حركات ومعاملات توجب الحجب والأستار بالركون إلى شيء من الأحوال والمقامات، فتقطعوا طريق ظهور الحق والوصول إليه على أنفسكم بالاختيار { وإيي فاتقون } [البقرة: 41] أي: اتقوا بي مني وفروا إلي مني لتسلموا من مكري وقهري وكيد أنفسكم وضلالتها. ثم أخبر عن تأكيد الاتقاء وترك الاشتراء بقوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالبطل } [البقرة: 42]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أي: لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بما سوى الله تعالى كما قال صلى الله عليه سلم قال: " إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". { وتكتموا الحق } [البقرة: 42] أي: ولا تكتموا الحق بالتفاتكم إلى غير الله { وأنتم تعلمون } [البقرة: 42]، أنه ليس لغير الله وجود حقيقي { وأقيموا الصلوة } [البقرة: 43]، بمراقبة القلوب وملازمة الخضوع والخشوع، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 43]، وأصل الزكاة الطهارة والنماء والزيادة أي: بالغوا في تزكية النفس عن الحرص الدنيوي والأخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية السيئة، وترك مطالبة ما سوى الله فإنه مع طلب الحق زيادة والزيادة على الكمال نقصان { واركعوا مع الركعين } [البقرة: 43] أي: اقتدوا مع الانكسار ونفي الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الجود. ثم أخبر عن فريق منهم بقوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } [البقرة: 44]، والإشارة فيها أنها شاملة لمن يحرض الناس على طلب الحق ومعاملة الصدق ويحذرهم الدنيا والهوى وينبئهم عن آفاتها، وهو تباعد عن ذلك، ولا ينتهي بنفسه مثل العلماء السوء والملتبسين الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ولا ينتهون عنه، { وأنتم تتلون الكتب } [البقرة: 44] أي: تقرؤون القرآن { أفلا تعقلون } [البقرة: 44]، معناه ولا تفهمون فحواه كي تنتهوا عن أفعالكم الردية وتعملوا بأقوالكم السنية. ثم أخبر عما يخرجهم إلى الحق وترك الباطل بقوله تعالى: { واستعينوا } [البقرة: 45]، والإشارة فيها أن قوله تعالى: { واستعينوا بالصبر } [البقرة: 45]، عن شهوات النفس ومتابعة هواها { والصلوة } [البقرة: 45] أي: دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب، { وإنها } [البقرة: 45] أي: الاستعانة بهما { لكبيرة } [البقرة: 45]، أمر عظيم وشأن صعب { إلا على الخشعين } [البقرة: 45]، وهم الذين تجلى الحق لأسرارهم فخشعت لأنفسهم كما قال صلى الله عليه وسلم: " إذا تجلى الله لشيء خضع له ".

البقرة 2:43

ثم أخبر عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل عليه حذر الفوات تلك السعادة؛ لقوله تعالى: { وآمنوا بمآ أنزلت } [البقرة: 41]. والإشارة فيها: أن الله تعالى أمرهم بالإيمان بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { مصدقا لما معكم } [البقرة: 41]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والقرآن مصدق ومقرر لما معكم من التوراة، والإيمان بموسى عليه السلام { ولا تكونوا أول كافر به } [البقرة: 41]، أول من يجحده ويسن سنة الكفر، فإن وزر المقتدي يكون على المبتدي كما يكون على المقتدي { ولا تشتروا بآيتي } [البقرة: 41]، من كشف الحقائق والأسرار والمشاهدات والأنوار { ثمنا قليلا } [البقرة: 41]. من مشارب النفس؛ يعني: الذي يرى المؤمنين في الآفاق وفي أنفسهم بالالتفات إلى حركات ومعاملات توجب الحجب والأستار بالركون إلى شيء من الأحوال والمقامات، فتقطعوا طريق ظهور الحق والوصول إليه على أنفسكم بالاختيار { وإيي فاتقون } [البقرة: 41] أي: اتقوا بي مني وفروا إلي مني لتسلموا من مكري وقهري وكيد أنفسكم وضلالتها. ثم أخبر عن تأكيد الاتقاء وترك الاشتراء بقوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالبطل } [البقرة: 42]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أي: لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بما سوى الله تعالى كما قال صلى الله عليه سلم قال: " إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". { وتكتموا الحق } [البقرة: 42] أي: ولا تكتموا الحق بالتفاتكم إلى غير الله { وأنتم تعلمون } [البقرة: 42]، أنه ليس لغير الله وجود حقيقي { وأقيموا الصلوة } [البقرة: 43]، بمراقبة القلوب وملازمة الخضوع والخشوع، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 43]، وأصل الزكاة الطهارة والنماء والزيادة أي: بالغوا في تزكية النفس عن الحرص الدنيوي والأخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية السيئة، وترك مطالبة ما سوى الله فإنه مع طلب الحق زيادة والزيادة على الكمال نقصان { واركعوا مع الركعين } [البقرة: 43] أي: اقتدوا مع الانكسار ونفي الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الجود. ثم أخبر عن فريق منهم بقوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } [البقرة: 44]، والإشارة فيها أنها شاملة لمن يحرض الناس على طلب الحق ومعاملة الصدق ويحذرهم الدنيا والهوى وينبئهم عن آفاتها، وهو تباعد عن ذلك، ولا ينتهي بنفسه مثل العلماء السوء والملتبسين الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ولا ينتهون عنه، { وأنتم تتلون الكتب } [البقرة: 44] أي: تقرؤون القرآن { أفلا تعقلون } [البقرة: 44]، معناه ولا تفهمون فحواه كي تنتهوا عن أفعالكم الردية وتعملوا بأقوالكم السنية. ثم أخبر عما يخرجهم إلى الحق وترك الباطل بقوله تعالى: { واستعينوا } [البقرة: 45]، والإشارة فيها أن قوله تعالى: { واستعينوا بالصبر } [البقرة: 45]، عن شهوات النفس ومتابعة هواها { والصلوة } [البقرة: 45] أي: دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب، { وإنها } [البقرة: 45] أي: الاستعانة بهما { لكبيرة } [البقرة: 45]، أمر عظيم وشأن صعب { إلا على الخشعين } [البقرة: 45]، وهم الذين تجلى الحق لأسرارهم فخشعت لأنفسهم كما قال صلى الله عليه وسلم: " إذا تجلى الله لشيء خضع له ".

البقرة 2:44

ثم أخبر عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل عليه حذر الفوات تلك السعادة؛ لقوله تعالى: { وآمنوا بمآ أنزلت } [البقرة: 41]. والإشارة فيها: أن الله تعالى أمرهم بالإيمان بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { مصدقا لما معكم } [البقرة: 41]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والقرآن مصدق ومقرر لما معكم من التوراة، والإيمان بموسى عليه السلام { ولا تكونوا أول كافر به } [البقرة: 41]، أول من يجحده ويسن سنة الكفر، فإن وزر المقتدي يكون على المبتدي كما يكون على المقتدي { ولا تشتروا بآيتي } [البقرة: 41]، من كشف الحقائق والأسرار والمشاهدات والأنوار { ثمنا قليلا } [البقرة: 41]. من مشارب النفس؛ يعني: الذي يرى المؤمنين في الآفاق وفي أنفسهم بالالتفات إلى حركات ومعاملات توجب الحجب والأستار بالركون إلى شيء من الأحوال والمقامات، فتقطعوا طريق ظهور الحق والوصول إليه على أنفسكم بالاختيار { وإيي فاتقون } [البقرة: 41] أي: اتقوا بي مني وفروا إلي مني لتسلموا من مكري وقهري وكيد أنفسكم وضلالتها. ثم أخبر عن تأكيد الاتقاء وترك الاشتراء بقوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالبطل } [البقرة: 42]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أي: لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بما سوى الله تعالى كما قال صلى الله عليه سلم قال: " إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". { وتكتموا الحق } [البقرة: 42] أي: ولا تكتموا الحق بالتفاتكم إلى غير الله { وأنتم تعلمون } [البقرة: 42]، أنه ليس لغير الله وجود حقيقي { وأقيموا الصلوة } [البقرة: 43]، بمراقبة القلوب وملازمة الخضوع والخشوع، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 43]، وأصل الزكاة الطهارة والنماء والزيادة أي: بالغوا في تزكية النفس عن الحرص الدنيوي والأخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية السيئة، وترك مطالبة ما سوى الله فإنه مع طلب الحق زيادة والزيادة على الكمال نقصان { واركعوا مع الركعين } [البقرة: 43] أي: اقتدوا مع الانكسار ونفي الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الجود. ثم أخبر عن فريق منهم بقوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } [البقرة: 44]، والإشارة فيها أنها شاملة لمن يحرض الناس على طلب الحق ومعاملة الصدق ويحذرهم الدنيا والهوى وينبئهم عن آفاتها، وهو تباعد عن ذلك، ولا ينتهي بنفسه مثل العلماء السوء والملتبسين الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ولا ينتهون عنه، { وأنتم تتلون الكتب } [البقرة: 44] أي: تقرؤون القرآن { أفلا تعقلون } [البقرة: 44]، معناه ولا تفهمون فحواه كي تنتهوا عن أفعالكم الردية وتعملوا بأقوالكم السنية. ثم أخبر عما يخرجهم إلى الحق وترك الباطل بقوله تعالى: { واستعينوا } [البقرة: 45]، والإشارة فيها أن قوله تعالى: { واستعينوا بالصبر } [البقرة: 45]، عن شهوات النفس ومتابعة هواها { والصلوة } [البقرة: 45] أي: دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب، { وإنها } [البقرة: 45] أي: الاستعانة بهما { لكبيرة } [البقرة: 45]، أمر عظيم وشأن صعب { إلا على الخشعين } [البقرة: 45]، وهم الذين تجلى الحق لأسرارهم فخشعت لأنفسهم كما قال صلى الله عليه وسلم: " إذا تجلى الله لشيء خضع له ".

البقرة 2:45

ثم أخبر عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل عليه حذر الفوات تلك السعادة؛ لقوله تعالى: { وآمنوا بمآ أنزلت } [البقرة: 41]. والإشارة فيها: أن الله تعالى أمرهم بالإيمان بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { مصدقا لما معكم } [البقرة: 41]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والقرآن مصدق ومقرر لما معكم من التوراة، والإيمان بموسى عليه السلام { ولا تكونوا أول كافر به } [البقرة: 41]، أول من يجحده ويسن سنة الكفر، فإن وزر المقتدي يكون على المبتدي كما يكون على المقتدي { ولا تشتروا بآيتي } [البقرة: 41]، من كشف الحقائق والأسرار والمشاهدات والأنوار { ثمنا قليلا } [البقرة: 41]. من مشارب النفس؛ يعني: الذي يرى المؤمنين في الآفاق وفي أنفسهم بالالتفات إلى حركات ومعاملات توجب الحجب والأستار بالركون إلى شيء من الأحوال والمقامات، فتقطعوا طريق ظهور الحق والوصول إليه على أنفسكم بالاختيار { وإيي فاتقون } [البقرة: 41] أي: اتقوا بي مني وفروا إلي مني لتسلموا من مكري وقهري وكيد أنفسكم وضلالتها. ثم أخبر عن تأكيد الاتقاء وترك الاشتراء بقوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالبطل } [البقرة: 42]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أي: لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بما سوى الله تعالى كما قال صلى الله عليه سلم قال: " إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". { وتكتموا الحق } [البقرة: 42] أي: ولا تكتموا الحق بالتفاتكم إلى غير الله { وأنتم تعلمون } [البقرة: 42]، أنه ليس لغير الله وجود حقيقي { وأقيموا الصلوة } [البقرة: 43]، بمراقبة القلوب وملازمة الخضوع والخشوع، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 43]، وأصل الزكاة الطهارة والنماء والزيادة أي: بالغوا في تزكية النفس عن الحرص الدنيوي والأخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية السيئة، وترك مطالبة ما سوى الله فإنه مع طلب الحق زيادة والزيادة على الكمال نقصان { واركعوا مع الركعين } [البقرة: 43] أي: اقتدوا مع الانكسار ونفي الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الجود. ثم أخبر عن فريق منهم بقوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } [البقرة: 44]، والإشارة فيها أنها شاملة لمن يحرض الناس على طلب الحق ومعاملة الصدق ويحذرهم الدنيا والهوى وينبئهم عن آفاتها، وهو تباعد عن ذلك، ولا ينتهي بنفسه مثل العلماء السوء والملتبسين الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ولا ينتهون عنه، { وأنتم تتلون الكتب } [البقرة: 44] أي: تقرؤون القرآن { أفلا تعقلون } [البقرة: 44]، معناه ولا تفهمون فحواه كي تنتهوا عن أفعالكم الردية وتعملوا بأقوالكم السنية. ثم أخبر عما يخرجهم إلى الحق وترك الباطل بقوله تعالى: { واستعينوا } [البقرة: 45]، والإشارة فيها أن قوله تعالى: { واستعينوا بالصبر } [البقرة: 45]، عن شهوات النفس ومتابعة هواها { والصلوة } [البقرة: 45] أي: دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب، { وإنها } [البقرة: 45] أي: الاستعانة بهما { لكبيرة } [البقرة: 45]، أمر عظيم وشأن صعب { إلا على الخشعين } [البقرة: 45]، وهم الذين تجلى الحق لأسرارهم فخشعت لأنفسهم كما قال صلى الله عليه وسلم: " إذا تجلى الله لشيء خضع له ".

البقرة 2:46

وقال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108] فالتجلي يورث الألفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق، { الذين يظنون } [البقرة: 46] أي: يوقنون بنور التجلي { أنهم ملقوا ربهم } [البقرة: 46]، أنهم يشاهدون كمال الحق، { وأنهم إليه رجعون } [البقرة: 46]، بجذبات الحق الذي جذبه منها توازي عمل الثقلين. ثم أخبر عن تأكيد ذكر النعمة لتجديد المنة بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، والإشارة في تحقيق الآية أن الخطاب في قوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا، فأسمعهم خطابه في السر، فذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وهي استعداد قبولهم رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من خاصة قبول ذلك الرشاش كما قال صلى الله عليه وسلم: " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". { وأني فضلتكم على العلمين } [البقرة: 47] أي: بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور مع العالمين { واتقوا يوما } [البقرة: 48] أي: عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله، كما قال تعالى: { واتقوا } [البقرة: 48]، ويخوف الخاص بصفاته كقوله تعالى: أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون [النحل: 23]، وقوله تعالى: ليسأل الصادقين عن صدقهم [الأحزاب: 8]، ويخوف خاص الخاص بذاته لقوله تعالى: ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28]، وقوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102]. { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } [البقرة: 48]، والأمر يومئذ لله [الانفطار: 19] { ولا يقبل منها شفعة } [البقرة: 48]، في حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الإذن، كقوله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255]، { ولا يؤخذ منها عدل } [البقرة: 48] أي: عدل لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، والسعي المشكور إنما يكون هاهنا { ولا هم ينصرون } [البقرة: 48]، لأنهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال تعالى: إن تنصروا الله ينصركم [محمد: 7]. ثم أخبر عن أنواع نعمته وأصناف كرمه معهم بقوله تعالى: { وإذ نجينكم من آل فرعون } [البقرة: 49]، والإشارة فيها أن النجاة من آل فرعون النفس الأمارة بالسوء، وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم: { يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } [البقرة: 49]، الروح والقلب بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة، واستحياء نساء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية لا تكن إلا بتنجية الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا ينجي أحدكم عمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته " { وفي ذلكم } [البقرة: 49] أي: في استيلاء صفات النفس على القلب والروح { بلاء من ربكم عظيم } [البقرة: 49]، في الخير والشر فمن يهدي الله ويصلح باله حتى يرجع إلى الله تعالى في طلب النجاة فينجيه الله تعالى ويهلك عدوه، ومن يضلله يخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطا، فيرديه الله تعالى ويغلب عدوه. ثم أخبر تعالى عن نعمته العظمى تارة بعد أخرى بقوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر } [البقرة: 50]، والإشارة فيها أن البحر هو الدنيا، ماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلونهم، وهم سائرون إلى الله تعالى من العدو وهم خلفهم وبحر الدنيا أمامهم، ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من العبور على البحر، ولو يخوضون البحر بلا ضرب عصا، " لا إله إلا الله " على يد موسى القلب، فإن له يدا بيضاء في هذا الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر، فلما أن ضرب موسى القلب بعصا الذكر بإذن الله تعالى مرة بعد أخرى ينفلق بحر الدنيا بنفي لا إله، ويتفرق ماء شهواته يمينا وشمالا ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا، فيصير يابسا من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته، فيتجاوزون وتنجيهم عناية: " إلا الله " إلى ساحل: وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] وقيل لفرعون النفس: أغرقوا فأدخلوا نارا [نوح: 25]، فافهم جدا، " فإن للقرآن ظهرا وبطنا ". ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله تعالى: { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } [البقرة: 51]، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد لاختصاصه في الكمالية ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة عدد في نفسها كاملة لقوله تعالى: تلك عشرة كاملة [البقرة: 196]، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام لقوله تعالى: " خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا " فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد. كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك... " " الحديث كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصا بالأربعين، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]. ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: { أربعين ليلة } فلمعنيين: أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل " وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا... " " الحديث، ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ومن الليل فتهجد به نافلة لك [الإسراء: 79]، وقال تعالى: سبحان الذى أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1]. والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله تعالى: هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا [يونس: 67]، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في الليل والنهار جميعا. ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى: ثم عفونا عنكم [البقرة: 52]، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة. فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر في الآيات السابقة بقوله تعالى: يبني إسرائيل اذكروا [البقرة: 40].

البقرة 2:47

وقال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108] فالتجلي يورث الألفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق، { الذين يظنون } [البقرة: 46] أي: يوقنون بنور التجلي { أنهم ملقوا ربهم } [البقرة: 46]، أنهم يشاهدون كمال الحق، { وأنهم إليه رجعون } [البقرة: 46]، بجذبات الحق الذي جذبه منها توازي عمل الثقلين. ثم أخبر عن تأكيد ذكر النعمة لتجديد المنة بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، والإشارة في تحقيق الآية أن الخطاب في قوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا، فأسمعهم خطابه في السر، فذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وهي استعداد قبولهم رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من خاصة قبول ذلك الرشاش كما قال صلى الله عليه وسلم: " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". { وأني فضلتكم على العلمين } [البقرة: 47] أي: بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور مع العالمين { واتقوا يوما } [البقرة: 48] أي: عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله، كما قال تعالى: { واتقوا } [البقرة: 48]، ويخوف الخاص بصفاته كقوله تعالى: أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون [النحل: 23]، وقوله تعالى: ليسأل الصادقين عن صدقهم [الأحزاب: 8]، ويخوف خاص الخاص بذاته لقوله تعالى: ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28]، وقوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102]. { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } [البقرة: 48]، والأمر يومئذ لله [الانفطار: 19] { ولا يقبل منها شفعة } [البقرة: 48]، في حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الإذن، كقوله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255]، { ولا يؤخذ منها عدل } [البقرة: 48] أي: عدل لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، والسعي المشكور إنما يكون هاهنا { ولا هم ينصرون } [البقرة: 48]، لأنهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال تعالى: إن تنصروا الله ينصركم [محمد: 7]. ثم أخبر عن أنواع نعمته وأصناف كرمه معهم بقوله تعالى: { وإذ نجينكم من آل فرعون } [البقرة: 49]، والإشارة فيها أن النجاة من آل فرعون النفس الأمارة بالسوء، وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم: { يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } [البقرة: 49]، الروح والقلب بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة، واستحياء نساء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية لا تكن إلا بتنجية الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا ينجي أحدكم عمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته " { وفي ذلكم } [البقرة: 49] أي: في استيلاء صفات النفس على القلب والروح { بلاء من ربكم عظيم } [البقرة: 49]، في الخير والشر فمن يهدي الله ويصلح باله حتى يرجع إلى الله تعالى في طلب النجاة فينجيه الله تعالى ويهلك عدوه، ومن يضلله يخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطا، فيرديه الله تعالى ويغلب عدوه. ثم أخبر تعالى عن نعمته العظمى تارة بعد أخرى بقوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر } [البقرة: 50]، والإشارة فيها أن البحر هو الدنيا، ماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلونهم، وهم سائرون إلى الله تعالى من العدو وهم خلفهم وبحر الدنيا أمامهم، ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من العبور على البحر، ولو يخوضون البحر بلا ضرب عصا، " لا إله إلا الله " على يد موسى القلب، فإن له يدا بيضاء في هذا الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر، فلما أن ضرب موسى القلب بعصا الذكر بإذن الله تعالى مرة بعد أخرى ينفلق بحر الدنيا بنفي لا إله، ويتفرق ماء شهواته يمينا وشمالا ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا، فيصير يابسا من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته، فيتجاوزون وتنجيهم عناية: " إلا الله " إلى ساحل: وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] وقيل لفرعون النفس: أغرقوا فأدخلوا نارا [نوح: 25]، فافهم جدا، " فإن للقرآن ظهرا وبطنا ". ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله تعالى: { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } [البقرة: 51]، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد لاختصاصه في الكمالية ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة عدد في نفسها كاملة لقوله تعالى: تلك عشرة كاملة [البقرة: 196]، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام لقوله تعالى: " خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا " فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد. كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك... " " الحديث كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصا بالأربعين، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]. ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: { أربعين ليلة } فلمعنيين: أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل " وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا... " " الحديث، ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ومن الليل فتهجد به نافلة لك [الإسراء: 79]، وقال تعالى: سبحان الذى أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1]. والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله تعالى: هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا [يونس: 67]، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في الليل والنهار جميعا. ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى: ثم عفونا عنكم [البقرة: 52]، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة. فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر في الآيات السابقة بقوله تعالى: يبني إسرائيل اذكروا [البقرة: 40].

البقرة 2:48

وقال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108] فالتجلي يورث الألفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق، { الذين يظنون } [البقرة: 46] أي: يوقنون بنور التجلي { أنهم ملقوا ربهم } [البقرة: 46]، أنهم يشاهدون كمال الحق، { وأنهم إليه رجعون } [البقرة: 46]، بجذبات الحق الذي جذبه منها توازي عمل الثقلين. ثم أخبر عن تأكيد ذكر النعمة لتجديد المنة بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، والإشارة في تحقيق الآية أن الخطاب في قوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا، فأسمعهم خطابه في السر، فذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وهي استعداد قبولهم رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من خاصة قبول ذلك الرشاش كما قال صلى الله عليه وسلم: " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". { وأني فضلتكم على العلمين } [البقرة: 47] أي: بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور مع العالمين { واتقوا يوما } [البقرة: 48] أي: عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله، كما قال تعالى: { واتقوا } [البقرة: 48]، ويخوف الخاص بصفاته كقوله تعالى: أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون [النحل: 23]، وقوله تعالى: ليسأل الصادقين عن صدقهم [الأحزاب: 8]، ويخوف خاص الخاص بذاته لقوله تعالى: ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28]، وقوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102]. { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } [البقرة: 48]، والأمر يومئذ لله [الانفطار: 19] { ولا يقبل منها شفعة } [البقرة: 48]، في حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الإذن، كقوله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255]، { ولا يؤخذ منها عدل } [البقرة: 48] أي: عدل لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، والسعي المشكور إنما يكون هاهنا { ولا هم ينصرون } [البقرة: 48]، لأنهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال تعالى: إن تنصروا الله ينصركم [محمد: 7]. ثم أخبر عن أنواع نعمته وأصناف كرمه معهم بقوله تعالى: { وإذ نجينكم من آل فرعون } [البقرة: 49]، والإشارة فيها أن النجاة من آل فرعون النفس الأمارة بالسوء، وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم: { يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } [البقرة: 49]، الروح والقلب بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة، واستحياء نساء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية لا تكن إلا بتنجية الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا ينجي أحدكم عمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته " { وفي ذلكم } [البقرة: 49] أي: في استيلاء صفات النفس على القلب والروح { بلاء من ربكم عظيم } [البقرة: 49]، في الخير والشر فمن يهدي الله ويصلح باله حتى يرجع إلى الله تعالى في طلب النجاة فينجيه الله تعالى ويهلك عدوه، ومن يضلله يخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطا، فيرديه الله تعالى ويغلب عدوه. ثم أخبر تعالى عن نعمته العظمى تارة بعد أخرى بقوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر } [البقرة: 50]، والإشارة فيها أن البحر هو الدنيا، ماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلونهم، وهم سائرون إلى الله تعالى من العدو وهم خلفهم وبحر الدنيا أمامهم، ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من العبور على البحر، ولو يخوضون البحر بلا ضرب عصا، " لا إله إلا الله " على يد موسى القلب، فإن له يدا بيضاء في هذا الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر، فلما أن ضرب موسى القلب بعصا الذكر بإذن الله تعالى مرة بعد أخرى ينفلق بحر الدنيا بنفي لا إله، ويتفرق ماء شهواته يمينا وشمالا ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا، فيصير يابسا من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته، فيتجاوزون وتنجيهم عناية: " إلا الله " إلى ساحل: وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] وقيل لفرعون النفس: أغرقوا فأدخلوا نارا [نوح: 25]، فافهم جدا، " فإن للقرآن ظهرا وبطنا ". ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله تعالى: { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } [البقرة: 51]، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد لاختصاصه في الكمالية ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة عدد في نفسها كاملة لقوله تعالى: تلك عشرة كاملة [البقرة: 196]، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام لقوله تعالى: " خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا " فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد. كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك... " " الحديث كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصا بالأربعين، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]. ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: { أربعين ليلة } فلمعنيين: أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل " وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا... " " الحديث، ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ومن الليل فتهجد به نافلة لك [الإسراء: 79]، وقال تعالى: سبحان الذى أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1]. والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله تعالى: هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا [يونس: 67]، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في الليل والنهار جميعا. ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى: ثم عفونا عنكم [البقرة: 52]، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة. فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر في الآيات السابقة بقوله تعالى: يبني إسرائيل اذكروا [البقرة: 40].

البقرة 2:49

وقال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108] فالتجلي يورث الألفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق، { الذين يظنون } [البقرة: 46] أي: يوقنون بنور التجلي { أنهم ملقوا ربهم } [البقرة: 46]، أنهم يشاهدون كمال الحق، { وأنهم إليه رجعون } [البقرة: 46]، بجذبات الحق الذي جذبه منها توازي عمل الثقلين. ثم أخبر عن تأكيد ذكر النعمة لتجديد المنة بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، والإشارة في تحقيق الآية أن الخطاب في قوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا، فأسمعهم خطابه في السر، فذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وهي استعداد قبولهم رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من خاصة قبول ذلك الرشاش كما قال صلى الله عليه وسلم: " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". { وأني فضلتكم على العلمين } [البقرة: 47] أي: بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور مع العالمين { واتقوا يوما } [البقرة: 48] أي: عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله، كما قال تعالى: { واتقوا } [البقرة: 48]، ويخوف الخاص بصفاته كقوله تعالى: أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون [النحل: 23]، وقوله تعالى: ليسأل الصادقين عن صدقهم [الأحزاب: 8]، ويخوف خاص الخاص بذاته لقوله تعالى: ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28]، وقوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102]. { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } [البقرة: 48]، والأمر يومئذ لله [الانفطار: 19] { ولا يقبل منها شفعة } [البقرة: 48]، في حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الإذن، كقوله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255]، { ولا يؤخذ منها عدل } [البقرة: 48] أي: عدل لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، والسعي المشكور إنما يكون هاهنا { ولا هم ينصرون } [البقرة: 48]، لأنهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال تعالى: إن تنصروا الله ينصركم [محمد: 7]. ثم أخبر عن أنواع نعمته وأصناف كرمه معهم بقوله تعالى: { وإذ نجينكم من آل فرعون } [البقرة: 49]، والإشارة فيها أن النجاة من آل فرعون النفس الأمارة بالسوء، وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم: { يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } [البقرة: 49]، الروح والقلب بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة، واستحياء نساء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية لا تكن إلا بتنجية الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا ينجي أحدكم عمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته " { وفي ذلكم } [البقرة: 49] أي: في استيلاء صفات النفس على القلب والروح { بلاء من ربكم عظيم } [البقرة: 49]، في الخير والشر فمن يهدي الله ويصلح باله حتى يرجع إلى الله تعالى في طلب النجاة فينجيه الله تعالى ويهلك عدوه، ومن يضلله يخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطا، فيرديه الله تعالى ويغلب عدوه. ثم أخبر تعالى عن نعمته العظمى تارة بعد أخرى بقوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر } [البقرة: 50]، والإشارة فيها أن البحر هو الدنيا، ماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلونهم، وهم سائرون إلى الله تعالى من العدو وهم خلفهم وبحر الدنيا أمامهم، ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من العبور على البحر، ولو يخوضون البحر بلا ضرب عصا، " لا إله إلا الله " على يد موسى القلب، فإن له يدا بيضاء في هذا الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر، فلما أن ضرب موسى القلب بعصا الذكر بإذن الله تعالى مرة بعد أخرى ينفلق بحر الدنيا بنفي لا إله، ويتفرق ماء شهواته يمينا وشمالا ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا، فيصير يابسا من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته، فيتجاوزون وتنجيهم عناية: " إلا الله " إلى ساحل: وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] وقيل لفرعون النفس: أغرقوا فأدخلوا نارا [نوح: 25]، فافهم جدا، " فإن للقرآن ظهرا وبطنا ". ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله تعالى: { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } [البقرة: 51]، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد لاختصاصه في الكمالية ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة عدد في نفسها كاملة لقوله تعالى: تلك عشرة كاملة [البقرة: 196]، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام لقوله تعالى: " خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا " فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد. كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك... " " الحديث كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصا بالأربعين، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]. ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: { أربعين ليلة } فلمعنيين: أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل " وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا... " " الحديث، ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ومن الليل فتهجد به نافلة لك [الإسراء: 79]، وقال تعالى: سبحان الذى أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1]. والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله تعالى: هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا [يونس: 67]، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في الليل والنهار جميعا. ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى: ثم عفونا عنكم [البقرة: 52]، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة. فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر في الآيات السابقة بقوله تعالى: يبني إسرائيل اذكروا [البقرة: 40].

البقرة 2:50

وقال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108] فالتجلي يورث الألفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق، { الذين يظنون } [البقرة: 46] أي: يوقنون بنور التجلي { أنهم ملقوا ربهم } [البقرة: 46]، أنهم يشاهدون كمال الحق، { وأنهم إليه رجعون } [البقرة: 46]، بجذبات الحق الذي جذبه منها توازي عمل الثقلين. ثم أخبر عن تأكيد ذكر النعمة لتجديد المنة بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، والإشارة في تحقيق الآية أن الخطاب في قوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا، فأسمعهم خطابه في السر، فذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وهي استعداد قبولهم رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من خاصة قبول ذلك الرشاش كما قال صلى الله عليه وسلم: " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". { وأني فضلتكم على العلمين } [البقرة: 47] أي: بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور مع العالمين { واتقوا يوما } [البقرة: 48] أي: عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله، كما قال تعالى: { واتقوا } [البقرة: 48]، ويخوف الخاص بصفاته كقوله تعالى: أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون [النحل: 23]، وقوله تعالى: ليسأل الصادقين عن صدقهم [الأحزاب: 8]، ويخوف خاص الخاص بذاته لقوله تعالى: ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28]، وقوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102]. { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } [البقرة: 48]، والأمر يومئذ لله [الانفطار: 19] { ولا يقبل منها شفعة } [البقرة: 48]، في حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الإذن، كقوله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255]، { ولا يؤخذ منها عدل } [البقرة: 48] أي: عدل لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، والسعي المشكور إنما يكون هاهنا { ولا هم ينصرون } [البقرة: 48]، لأنهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال تعالى: إن تنصروا الله ينصركم [محمد: 7]. ثم أخبر عن أنواع نعمته وأصناف كرمه معهم بقوله تعالى: { وإذ نجينكم من آل فرعون } [البقرة: 49]، والإشارة فيها أن النجاة من آل فرعون النفس الأمارة بالسوء، وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم: { يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } [البقرة: 49]، الروح والقلب بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة، واستحياء نساء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية لا تكن إلا بتنجية الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا ينجي أحدكم عمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته " { وفي ذلكم } [البقرة: 49] أي: في استيلاء صفات النفس على القلب والروح { بلاء من ربكم عظيم } [البقرة: 49]، في الخير والشر فمن يهدي الله ويصلح باله حتى يرجع إلى الله تعالى في طلب النجاة فينجيه الله تعالى ويهلك عدوه، ومن يضلله يخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطا، فيرديه الله تعالى ويغلب عدوه. ثم أخبر تعالى عن نعمته العظمى تارة بعد أخرى بقوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر } [البقرة: 50]، والإشارة فيها أن البحر هو الدنيا، ماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلونهم، وهم سائرون إلى الله تعالى من العدو وهم خلفهم وبحر الدنيا أمامهم، ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من العبور على البحر، ولو يخوضون البحر بلا ضرب عصا، " لا إله إلا الله " على يد موسى القلب، فإن له يدا بيضاء في هذا الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر، فلما أن ضرب موسى القلب بعصا الذكر بإذن الله تعالى مرة بعد أخرى ينفلق بحر الدنيا بنفي لا إله، ويتفرق ماء شهواته يمينا وشمالا ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا، فيصير يابسا من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته، فيتجاوزون وتنجيهم عناية: " إلا الله " إلى ساحل: وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] وقيل لفرعون النفس: أغرقوا فأدخلوا نارا [نوح: 25]، فافهم جدا، " فإن للقرآن ظهرا وبطنا ". ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله تعالى: { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } [البقرة: 51]، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد لاختصاصه في الكمالية ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة عدد في نفسها كاملة لقوله تعالى: تلك عشرة كاملة [البقرة: 196]، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام لقوله تعالى: " خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا " فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد. كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك... " " الحديث كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصا بالأربعين، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]. ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: { أربعين ليلة } فلمعنيين: أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل " وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا... " " الحديث، ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ومن الليل فتهجد به نافلة لك [الإسراء: 79]، وقال تعالى: سبحان الذى أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1]. والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله تعالى: هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا [يونس: 67]، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في الليل والنهار جميعا. ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى: ثم عفونا عنكم [البقرة: 52]، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة. فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر في الآيات السابقة بقوله تعالى: يبني إسرائيل اذكروا [البقرة: 40].

البقرة 2:51

وقال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108] فالتجلي يورث الألفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق، { الذين يظنون } [البقرة: 46] أي: يوقنون بنور التجلي { أنهم ملقوا ربهم } [البقرة: 46]، أنهم يشاهدون كمال الحق، { وأنهم إليه رجعون } [البقرة: 46]، بجذبات الحق الذي جذبه منها توازي عمل الثقلين. ثم أخبر عن تأكيد ذكر النعمة لتجديد المنة بقوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، والإشارة في تحقيق الآية أن الخطاب في قوله تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 47]، ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا، فأسمعهم خطابه في السر، فذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وهي استعداد قبولهم رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من خاصة قبول ذلك الرشاش كما قال صلى الله عليه وسلم: " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". { وأني فضلتكم على العلمين } [البقرة: 47] أي: بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور مع العالمين { واتقوا يوما } [البقرة: 48] أي: عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله، كما قال تعالى: { واتقوا } [البقرة: 48]، ويخوف الخاص بصفاته كقوله تعالى: أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون [النحل: 23]، وقوله تعالى: ليسأل الصادقين عن صدقهم [الأحزاب: 8]، ويخوف خاص الخاص بذاته لقوله تعالى: ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28]، وقوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102]. { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } [البقرة: 48]، والأمر يومئذ لله [الانفطار: 19] { ولا يقبل منها شفعة } [البقرة: 48]، في حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الإذن، كقوله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255]، { ولا يؤخذ منها عدل } [البقرة: 48] أي: عدل لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، والسعي المشكور إنما يكون هاهنا { ولا هم ينصرون } [البقرة: 48]، لأنهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال تعالى: إن تنصروا الله ينصركم [محمد: 7]. ثم أخبر عن أنواع نعمته وأصناف كرمه معهم بقوله تعالى: { وإذ نجينكم من آل فرعون } [البقرة: 49]، والإشارة فيها أن النجاة من آل فرعون النفس الأمارة بالسوء، وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم: { يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } [البقرة: 49]، الروح والقلب بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة، واستحياء نساء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية لا تكن إلا بتنجية الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا ينجي أحدكم عمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته " { وفي ذلكم } [البقرة: 49] أي: في استيلاء صفات النفس على القلب والروح { بلاء من ربكم عظيم } [البقرة: 49]، في الخير والشر فمن يهدي الله ويصلح باله حتى يرجع إلى الله تعالى في طلب النجاة فينجيه الله تعالى ويهلك عدوه، ومن يضلله يخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطا، فيرديه الله تعالى ويغلب عدوه. ثم أخبر تعالى عن نعمته العظمى تارة بعد أخرى بقوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر } [البقرة: 50]، والإشارة فيها أن البحر هو الدنيا، ماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلونهم، وهم سائرون إلى الله تعالى من العدو وهم خلفهم وبحر الدنيا أمامهم، ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من العبور على البحر، ولو يخوضون البحر بلا ضرب عصا، " لا إله إلا الله " على يد موسى القلب، فإن له يدا بيضاء في هذا الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر، فلما أن ضرب موسى القلب بعصا الذكر بإذن الله تعالى مرة بعد أخرى ينفلق بحر الدنيا بنفي لا إله، ويتفرق ماء شهواته يمينا وشمالا ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا، فيصير يابسا من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته، فيتجاوزون وتنجيهم عناية: " إلا الله " إلى ساحل: وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] وقيل لفرعون النفس: أغرقوا فأدخلوا نارا [نوح: 25]، فافهم جدا، " فإن للقرآن ظهرا وبطنا ". ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله تعالى: { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } [البقرة: 51]، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد لاختصاصه في الكمالية ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة عدد في نفسها كاملة لقوله تعالى: تلك عشرة كاملة [البقرة: 196]، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام لقوله تعالى: " خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا " فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد. كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك... " " الحديث كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصا بالأربعين، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]. ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: { أربعين ليلة } فلمعنيين: أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل " وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا... " " الحديث، ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ومن الليل فتهجد به نافلة لك [الإسراء: 79]، وقال تعالى: سبحان الذى أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1]. والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله تعالى: هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا [يونس: 67]، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في الليل والنهار جميعا. ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى: ثم عفونا عنكم [البقرة: 52]، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة. فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر في الآيات السابقة بقوله تعالى: يبني إسرائيل اذكروا [البقرة: 40].

البقرة 2:52

ومن نعمه الباطنة: ما ذكر في قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك } [البقرة: 52] أي: من بعد عبادتكم العجل { لعلكم تشكرون } [البقرة: 52]، والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالأقوال، وشكر بالأعمال، وشكر بالأحوال. فشكر الأقوال: أن يتحدث بالنعم مع نفسه إسرارا ومع غيره إظهارا ومع ربه افتقارا، كما قال تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11]، وقوله صلى الله عليه وسلم: " التحدث بالنعم شكر ". وشكر الأعمال: أن يعرف نعمة الله تعالى في طاعته ولا يعصيه بها، ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادر من المعاصي؛ لقوله تعالى: اعملوا آل داوود شكرا [سبأ: 13]. وشكر الأحوال: أن يتجلى المنعم بالصفة الشكورية على سر العبد، فلا يرى إلا المنعم في النعمة والشكور في الشكر، ويرى المنعم في النعمة من المنعم، والشكر في الشكر والشكر من الشكور، ويرى وجوده وشكر النعمتين من نعم المنعم ورؤية النعمة، فتكون نعمة وجوده مرآة جمال المنعم، ويكون شكره مرآة جمال الشكور، ورؤية النعمة والمنعم نعمة أخرى إلى غير نهاية، فيعلم ألا يقوم بأداء شكره ولا يشكره إلا الشكور ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور [الشورى: 23]. ثم أخبر عن إيتاء الكتاب أنها نعمة أخرى في هذا الباب بقوله تعالى: { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } [البقرة: 53]، والإشارة فيها أن الله تعالى آتى لموسى الكتاب وهي التوراة والفرقان وهو نور النبوة والحكمة يؤتيها الله تعالى أنبياءه مع الكتاب، فيفرقون بها بين الحق والباطل للأمة، ويبينون بها الكتاب، ويعلمهم الحكمة لقوله تعالى: أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة [الأنعام: 89]، وقوله تعالى: ويعلمكم الكتاب والحكمة [البقرة: 151]، قال صلى الله عليه وسلم: " أوتيت القرآن ومثله معه " ، { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا بنور الكتاب ونور حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن موعظته إلى التوبة الحقيقية، وهي الرجوع إلى الله تعالى بقتل النفس الأمارة التي تعبد عجل الهوى؛ كيلا يحتاجوا إلى قتل النفس في الصورة. فلما لم يهتدوا إلى هذه التوبة بالتعريض، أمرهم بالتصريح بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } [البقرة: 54]، والإشارة فيها أن لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله؛ قوم يعبدون عجل الدرهم والدينار قال صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة " ، وقوم يعبدون عجل الشهوات، وقوم يعبدون عجل الجاه، وعجل الهوى وهذه بغضها الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما عبد إله أبغض على الله من الهوى ". وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23]، فأرسل الله تعالى نبيه موسى قلب كل سعيد لقوله تعالى: { يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم } [البقرة: 54]، ارجعوا إلى الله تعالى بالخروج عما سواه، ولا يمكنكم إلا بقتل النفس { فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54]، بقمع الهوى لأن الهوى هو حياة، وبالهوى عبد ما عبد من دون الله على الحقيقة، وبالهوى ادعى فرعون الربوبية، وعبد بنو إسرائيل العجل، وبالهوى أبى واستكبر إبليس، وبه أكل آدم من الشجر، وبه عبدت الكواكب والأصنام. وفيه معنى آخر: { فتوبوا إلى بارئكم } ارجعوا إليه للاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها، فاقتلوا أنفسكم بنصر الله وعونه، فإن قتل النفس في الظاهر تيسر للمؤمنين والكافرين، وأما قتل النفس في الباطن وقهر ما قهر صعب لا يتيسر إلا خواص الحق بسيف الصدق ونصر الحق، ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء بقوله تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين [النساء: 69]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من غزو يقول: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وذلك لأن المجاهد إذا قتل سيف الكفار يستريح من النصب والتعب بمرة واحدة، وإذا قتل بسيف الصدق في يوم ألف مرة تحيى نفسه على بصيرة أخرى وتزداد في مكرها وخداعها وحيلها، فلا يستريح المجاهد طرفة من جهادها، ولا يأمن مكرها. وبالحقيقة: النفس صورة مكر الحق فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 99]. { ذلكم خير لكم عند بارئكم } [البقرة: 54] يعني: قتل النفس بسيف الصدق ألف مرة خير لكم؛ لأن بكل قتلة رفعة درجة لكم عند بارئكم، فأنتم تقربون إلى الله تعالى بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم، كما قال تعالى: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " ، وذلك قوله تعالى: { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 54]، أخبر عن سوء أعمالهم بمقالهم في قوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } [البقرة: 55]، الآيتين، الإشارة فيهما أن مطالبة الرؤية جهرة هي تعرض مطالعة الذات المقدسة، فتوجب سوء الأدب وترك الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقاوة، فمن سطوات العظمة والعزة أخذتهم الرجفة والصعقة إظهارا للعدل، ثم من سنة الكرم قاصد عليهم بحال النعم إسبالا للستر على هيئات العبيد والخدم فقال: { فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون } [البقرة: 55]، { ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } [البقرة: 56]، إظهارا للفضل. ثم أخبر عن نتائج الكرم بأنواع النعم بقوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى } [البقرة: 57]، والإشارة: لما ابتلاهم بألسنة العزة وأدبهم بسوط القوة، أدركهم بالرحمة في وسطة الكربة، فأكرمهم بالإنعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى، فما ازدادوا بشؤم الطبيعة ولؤم الوقيعة إلا في البلوى، كما قيل: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 57]، بأمر الشرع { وما ظلمونا } [البقرة: 57]، إذ تصرفوا فيها بالطبع { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: 57]، بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى.

البقرة 2:53

ومن نعمه الباطنة: ما ذكر في قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك } [البقرة: 52] أي: من بعد عبادتكم العجل { لعلكم تشكرون } [البقرة: 52]، والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالأقوال، وشكر بالأعمال، وشكر بالأحوال. فشكر الأقوال: أن يتحدث بالنعم مع نفسه إسرارا ومع غيره إظهارا ومع ربه افتقارا، كما قال تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11]، وقوله صلى الله عليه وسلم: " التحدث بالنعم شكر ". وشكر الأعمال: أن يعرف نعمة الله تعالى في طاعته ولا يعصيه بها، ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادر من المعاصي؛ لقوله تعالى: اعملوا آل داوود شكرا [سبأ: 13]. وشكر الأحوال: أن يتجلى المنعم بالصفة الشكورية على سر العبد، فلا يرى إلا المنعم في النعمة والشكور في الشكر، ويرى المنعم في النعمة من المنعم، والشكر في الشكر والشكر من الشكور، ويرى وجوده وشكر النعمتين من نعم المنعم ورؤية النعمة، فتكون نعمة وجوده مرآة جمال المنعم، ويكون شكره مرآة جمال الشكور، ورؤية النعمة والمنعم نعمة أخرى إلى غير نهاية، فيعلم ألا يقوم بأداء شكره ولا يشكره إلا الشكور ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور [الشورى: 23]. ثم أخبر عن إيتاء الكتاب أنها نعمة أخرى في هذا الباب بقوله تعالى: { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } [البقرة: 53]، والإشارة فيها أن الله تعالى آتى لموسى الكتاب وهي التوراة والفرقان وهو نور النبوة والحكمة يؤتيها الله تعالى أنبياءه مع الكتاب، فيفرقون بها بين الحق والباطل للأمة، ويبينون بها الكتاب، ويعلمهم الحكمة لقوله تعالى: أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة [الأنعام: 89]، وقوله تعالى: ويعلمكم الكتاب والحكمة [البقرة: 151]، قال صلى الله عليه وسلم: " أوتيت القرآن ومثله معه " ، { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا بنور الكتاب ونور حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن موعظته إلى التوبة الحقيقية، وهي الرجوع إلى الله تعالى بقتل النفس الأمارة التي تعبد عجل الهوى؛ كيلا يحتاجوا إلى قتل النفس في الصورة. فلما لم يهتدوا إلى هذه التوبة بالتعريض، أمرهم بالتصريح بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } [البقرة: 54]، والإشارة فيها أن لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله؛ قوم يعبدون عجل الدرهم والدينار قال صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة " ، وقوم يعبدون عجل الشهوات، وقوم يعبدون عجل الجاه، وعجل الهوى وهذه بغضها الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما عبد إله أبغض على الله من الهوى ". وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23]، فأرسل الله تعالى نبيه موسى قلب كل سعيد لقوله تعالى: { يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم } [البقرة: 54]، ارجعوا إلى الله تعالى بالخروج عما سواه، ولا يمكنكم إلا بقتل النفس { فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54]، بقمع الهوى لأن الهوى هو حياة، وبالهوى عبد ما عبد من دون الله على الحقيقة، وبالهوى ادعى فرعون الربوبية، وعبد بنو إسرائيل العجل، وبالهوى أبى واستكبر إبليس، وبه أكل آدم من الشجر، وبه عبدت الكواكب والأصنام. وفيه معنى آخر: { فتوبوا إلى بارئكم } ارجعوا إليه للاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها، فاقتلوا أنفسكم بنصر الله وعونه، فإن قتل النفس في الظاهر تيسر للمؤمنين والكافرين، وأما قتل النفس في الباطن وقهر ما قهر صعب لا يتيسر إلا خواص الحق بسيف الصدق ونصر الحق، ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء بقوله تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين [النساء: 69]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من غزو يقول: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وذلك لأن المجاهد إذا قتل سيف الكفار يستريح من النصب والتعب بمرة واحدة، وإذا قتل بسيف الصدق في يوم ألف مرة تحيى نفسه على بصيرة أخرى وتزداد في مكرها وخداعها وحيلها، فلا يستريح المجاهد طرفة من جهادها، ولا يأمن مكرها. وبالحقيقة: النفس صورة مكر الحق فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 99]. { ذلكم خير لكم عند بارئكم } [البقرة: 54] يعني: قتل النفس بسيف الصدق ألف مرة خير لكم؛ لأن بكل قتلة رفعة درجة لكم عند بارئكم، فأنتم تقربون إلى الله تعالى بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم، كما قال تعالى: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " ، وذلك قوله تعالى: { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 54]، أخبر عن سوء أعمالهم بمقالهم في قوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } [البقرة: 55]، الآيتين، الإشارة فيهما أن مطالبة الرؤية جهرة هي تعرض مطالعة الذات المقدسة، فتوجب سوء الأدب وترك الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقاوة، فمن سطوات العظمة والعزة أخذتهم الرجفة والصعقة إظهارا للعدل، ثم من سنة الكرم قاصد عليهم بحال النعم إسبالا للستر على هيئات العبيد والخدم فقال: { فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون } [البقرة: 55]، { ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } [البقرة: 56]، إظهارا للفضل. ثم أخبر عن نتائج الكرم بأنواع النعم بقوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى } [البقرة: 57]، والإشارة: لما ابتلاهم بألسنة العزة وأدبهم بسوط القوة، أدركهم بالرحمة في وسطة الكربة، فأكرمهم بالإنعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى، فما ازدادوا بشؤم الطبيعة ولؤم الوقيعة إلا في البلوى، كما قيل: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 57]، بأمر الشرع { وما ظلمونا } [البقرة: 57]، إذ تصرفوا فيها بالطبع { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: 57]، بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى.

البقرة 2:54

ومن نعمه الباطنة: ما ذكر في قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك } [البقرة: 52] أي: من بعد عبادتكم العجل { لعلكم تشكرون } [البقرة: 52]، والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالأقوال، وشكر بالأعمال، وشكر بالأحوال. فشكر الأقوال: أن يتحدث بالنعم مع نفسه إسرارا ومع غيره إظهارا ومع ربه افتقارا، كما قال تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11]، وقوله صلى الله عليه وسلم: " التحدث بالنعم شكر ". وشكر الأعمال: أن يعرف نعمة الله تعالى في طاعته ولا يعصيه بها، ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادر من المعاصي؛ لقوله تعالى: اعملوا آل داوود شكرا [سبأ: 13]. وشكر الأحوال: أن يتجلى المنعم بالصفة الشكورية على سر العبد، فلا يرى إلا المنعم في النعمة والشكور في الشكر، ويرى المنعم في النعمة من المنعم، والشكر في الشكر والشكر من الشكور، ويرى وجوده وشكر النعمتين من نعم المنعم ورؤية النعمة، فتكون نعمة وجوده مرآة جمال المنعم، ويكون شكره مرآة جمال الشكور، ورؤية النعمة والمنعم نعمة أخرى إلى غير نهاية، فيعلم ألا يقوم بأداء شكره ولا يشكره إلا الشكور ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور [الشورى: 23]. ثم أخبر عن إيتاء الكتاب أنها نعمة أخرى في هذا الباب بقوله تعالى: { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } [البقرة: 53]، والإشارة فيها أن الله تعالى آتى لموسى الكتاب وهي التوراة والفرقان وهو نور النبوة والحكمة يؤتيها الله تعالى أنبياءه مع الكتاب، فيفرقون بها بين الحق والباطل للأمة، ويبينون بها الكتاب، ويعلمهم الحكمة لقوله تعالى: أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة [الأنعام: 89]، وقوله تعالى: ويعلمكم الكتاب والحكمة [البقرة: 151]، قال صلى الله عليه وسلم: " أوتيت القرآن ومثله معه " ، { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا بنور الكتاب ونور حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن موعظته إلى التوبة الحقيقية، وهي الرجوع إلى الله تعالى بقتل النفس الأمارة التي تعبد عجل الهوى؛ كيلا يحتاجوا إلى قتل النفس في الصورة. فلما لم يهتدوا إلى هذه التوبة بالتعريض، أمرهم بالتصريح بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } [البقرة: 54]، والإشارة فيها أن لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله؛ قوم يعبدون عجل الدرهم والدينار قال صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة " ، وقوم يعبدون عجل الشهوات، وقوم يعبدون عجل الجاه، وعجل الهوى وهذه بغضها الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما عبد إله أبغض على الله من الهوى ". وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23]، فأرسل الله تعالى نبيه موسى قلب كل سعيد لقوله تعالى: { يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم } [البقرة: 54]، ارجعوا إلى الله تعالى بالخروج عما سواه، ولا يمكنكم إلا بقتل النفس { فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54]، بقمع الهوى لأن الهوى هو حياة، وبالهوى عبد ما عبد من دون الله على الحقيقة، وبالهوى ادعى فرعون الربوبية، وعبد بنو إسرائيل العجل، وبالهوى أبى واستكبر إبليس، وبه أكل آدم من الشجر، وبه عبدت الكواكب والأصنام. وفيه معنى آخر: { فتوبوا إلى بارئكم } ارجعوا إليه للاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها، فاقتلوا أنفسكم بنصر الله وعونه، فإن قتل النفس في الظاهر تيسر للمؤمنين والكافرين، وأما قتل النفس في الباطن وقهر ما قهر صعب لا يتيسر إلا خواص الحق بسيف الصدق ونصر الحق، ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء بقوله تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين [النساء: 69]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من غزو يقول: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وذلك لأن المجاهد إذا قتل سيف الكفار يستريح من النصب والتعب بمرة واحدة، وإذا قتل بسيف الصدق في يوم ألف مرة تحيى نفسه على بصيرة أخرى وتزداد في مكرها وخداعها وحيلها، فلا يستريح المجاهد طرفة من جهادها، ولا يأمن مكرها. وبالحقيقة: النفس صورة مكر الحق فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 99]. { ذلكم خير لكم عند بارئكم } [البقرة: 54] يعني: قتل النفس بسيف الصدق ألف مرة خير لكم؛ لأن بكل قتلة رفعة درجة لكم عند بارئكم، فأنتم تقربون إلى الله تعالى بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم، كما قال تعالى: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " ، وذلك قوله تعالى: { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 54]، أخبر عن سوء أعمالهم بمقالهم في قوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } [البقرة: 55]، الآيتين، الإشارة فيهما أن مطالبة الرؤية جهرة هي تعرض مطالعة الذات المقدسة، فتوجب سوء الأدب وترك الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقاوة، فمن سطوات العظمة والعزة أخذتهم الرجفة والصعقة إظهارا للعدل، ثم من سنة الكرم قاصد عليهم بحال النعم إسبالا للستر على هيئات العبيد والخدم فقال: { فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون } [البقرة: 55]، { ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } [البقرة: 56]، إظهارا للفضل. ثم أخبر عن نتائج الكرم بأنواع النعم بقوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى } [البقرة: 57]، والإشارة: لما ابتلاهم بألسنة العزة وأدبهم بسوط القوة، أدركهم بالرحمة في وسطة الكربة، فأكرمهم بالإنعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى، فما ازدادوا بشؤم الطبيعة ولؤم الوقيعة إلا في البلوى، كما قيل: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 57]، بأمر الشرع { وما ظلمونا } [البقرة: 57]، إذ تصرفوا فيها بالطبع { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: 57]، بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى.

البقرة 2:55

ومن نعمه الباطنة: ما ذكر في قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك } [البقرة: 52] أي: من بعد عبادتكم العجل { لعلكم تشكرون } [البقرة: 52]، والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالأقوال، وشكر بالأعمال، وشكر بالأحوال. فشكر الأقوال: أن يتحدث بالنعم مع نفسه إسرارا ومع غيره إظهارا ومع ربه افتقارا، كما قال تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11]، وقوله صلى الله عليه وسلم: " التحدث بالنعم شكر ". وشكر الأعمال: أن يعرف نعمة الله تعالى في طاعته ولا يعصيه بها، ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادر من المعاصي؛ لقوله تعالى: اعملوا آل داوود شكرا [سبأ: 13]. وشكر الأحوال: أن يتجلى المنعم بالصفة الشكورية على سر العبد، فلا يرى إلا المنعم في النعمة والشكور في الشكر، ويرى المنعم في النعمة من المنعم، والشكر في الشكر والشكر من الشكور، ويرى وجوده وشكر النعمتين من نعم المنعم ورؤية النعمة، فتكون نعمة وجوده مرآة جمال المنعم، ويكون شكره مرآة جمال الشكور، ورؤية النعمة والمنعم نعمة أخرى إلى غير نهاية، فيعلم ألا يقوم بأداء شكره ولا يشكره إلا الشكور ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور [الشورى: 23]. ثم أخبر عن إيتاء الكتاب أنها نعمة أخرى في هذا الباب بقوله تعالى: { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } [البقرة: 53]، والإشارة فيها أن الله تعالى آتى لموسى الكتاب وهي التوراة والفرقان وهو نور النبوة والحكمة يؤتيها الله تعالى أنبياءه مع الكتاب، فيفرقون بها بين الحق والباطل للأمة، ويبينون بها الكتاب، ويعلمهم الحكمة لقوله تعالى: أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة [الأنعام: 89]، وقوله تعالى: ويعلمكم الكتاب والحكمة [البقرة: 151]، قال صلى الله عليه وسلم: " أوتيت القرآن ومثله معه " ، { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا بنور الكتاب ونور حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن موعظته إلى التوبة الحقيقية، وهي الرجوع إلى الله تعالى بقتل النفس الأمارة التي تعبد عجل الهوى؛ كيلا يحتاجوا إلى قتل النفس في الصورة. فلما لم يهتدوا إلى هذه التوبة بالتعريض، أمرهم بالتصريح بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } [البقرة: 54]، والإشارة فيها أن لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله؛ قوم يعبدون عجل الدرهم والدينار قال صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة " ، وقوم يعبدون عجل الشهوات، وقوم يعبدون عجل الجاه، وعجل الهوى وهذه بغضها الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما عبد إله أبغض على الله من الهوى ". وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23]، فأرسل الله تعالى نبيه موسى قلب كل سعيد لقوله تعالى: { يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم } [البقرة: 54]، ارجعوا إلى الله تعالى بالخروج عما سواه، ولا يمكنكم إلا بقتل النفس { فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54]، بقمع الهوى لأن الهوى هو حياة، وبالهوى عبد ما عبد من دون الله على الحقيقة، وبالهوى ادعى فرعون الربوبية، وعبد بنو إسرائيل العجل، وبالهوى أبى واستكبر إبليس، وبه أكل آدم من الشجر، وبه عبدت الكواكب والأصنام. وفيه معنى آخر: { فتوبوا إلى بارئكم } ارجعوا إليه للاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها، فاقتلوا أنفسكم بنصر الله وعونه، فإن قتل النفس في الظاهر تيسر للمؤمنين والكافرين، وأما قتل النفس في الباطن وقهر ما قهر صعب لا يتيسر إلا خواص الحق بسيف الصدق ونصر الحق، ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء بقوله تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين [النساء: 69]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من غزو يقول: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وذلك لأن المجاهد إذا قتل سيف الكفار يستريح من النصب والتعب بمرة واحدة، وإذا قتل بسيف الصدق في يوم ألف مرة تحيى نفسه على بصيرة أخرى وتزداد في مكرها وخداعها وحيلها، فلا يستريح المجاهد طرفة من جهادها، ولا يأمن مكرها. وبالحقيقة: النفس صورة مكر الحق فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 99]. { ذلكم خير لكم عند بارئكم } [البقرة: 54] يعني: قتل النفس بسيف الصدق ألف مرة خير لكم؛ لأن بكل قتلة رفعة درجة لكم عند بارئكم، فأنتم تقربون إلى الله تعالى بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم، كما قال تعالى: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " ، وذلك قوله تعالى: { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 54]، أخبر عن سوء أعمالهم بمقالهم في قوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } [البقرة: 55]، الآيتين، الإشارة فيهما أن مطالبة الرؤية جهرة هي تعرض مطالعة الذات المقدسة، فتوجب سوء الأدب وترك الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقاوة، فمن سطوات العظمة والعزة أخذتهم الرجفة والصعقة إظهارا للعدل، ثم من سنة الكرم قاصد عليهم بحال النعم إسبالا للستر على هيئات العبيد والخدم فقال: { فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون } [البقرة: 55]، { ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } [البقرة: 56]، إظهارا للفضل. ثم أخبر عن نتائج الكرم بأنواع النعم بقوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى } [البقرة: 57]، والإشارة: لما ابتلاهم بألسنة العزة وأدبهم بسوط القوة، أدركهم بالرحمة في وسطة الكربة، فأكرمهم بالإنعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى، فما ازدادوا بشؤم الطبيعة ولؤم الوقيعة إلا في البلوى، كما قيل: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 57]، بأمر الشرع { وما ظلمونا } [البقرة: 57]، إذ تصرفوا فيها بالطبع { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: 57]، بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى.

البقرة 2:56

ومن نعمه الباطنة: ما ذكر في قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك } [البقرة: 52] أي: من بعد عبادتكم العجل { لعلكم تشكرون } [البقرة: 52]، والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالأقوال، وشكر بالأعمال، وشكر بالأحوال. فشكر الأقوال: أن يتحدث بالنعم مع نفسه إسرارا ومع غيره إظهارا ومع ربه افتقارا، كما قال تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11]، وقوله صلى الله عليه وسلم: " التحدث بالنعم شكر ". وشكر الأعمال: أن يعرف نعمة الله تعالى في طاعته ولا يعصيه بها، ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادر من المعاصي؛ لقوله تعالى: اعملوا آل داوود شكرا [سبأ: 13]. وشكر الأحوال: أن يتجلى المنعم بالصفة الشكورية على سر العبد، فلا يرى إلا المنعم في النعمة والشكور في الشكر، ويرى المنعم في النعمة من المنعم، والشكر في الشكر والشكر من الشكور، ويرى وجوده وشكر النعمتين من نعم المنعم ورؤية النعمة، فتكون نعمة وجوده مرآة جمال المنعم، ويكون شكره مرآة جمال الشكور، ورؤية النعمة والمنعم نعمة أخرى إلى غير نهاية، فيعلم ألا يقوم بأداء شكره ولا يشكره إلا الشكور ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور [الشورى: 23]. ثم أخبر عن إيتاء الكتاب أنها نعمة أخرى في هذا الباب بقوله تعالى: { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } [البقرة: 53]، والإشارة فيها أن الله تعالى آتى لموسى الكتاب وهي التوراة والفرقان وهو نور النبوة والحكمة يؤتيها الله تعالى أنبياءه مع الكتاب، فيفرقون بها بين الحق والباطل للأمة، ويبينون بها الكتاب، ويعلمهم الحكمة لقوله تعالى: أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة [الأنعام: 89]، وقوله تعالى: ويعلمكم الكتاب والحكمة [البقرة: 151]، قال صلى الله عليه وسلم: " أوتيت القرآن ومثله معه " ، { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا بنور الكتاب ونور حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن موعظته إلى التوبة الحقيقية، وهي الرجوع إلى الله تعالى بقتل النفس الأمارة التي تعبد عجل الهوى؛ كيلا يحتاجوا إلى قتل النفس في الصورة. فلما لم يهتدوا إلى هذه التوبة بالتعريض، أمرهم بالتصريح بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } [البقرة: 54]، والإشارة فيها أن لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله؛ قوم يعبدون عجل الدرهم والدينار قال صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة " ، وقوم يعبدون عجل الشهوات، وقوم يعبدون عجل الجاه، وعجل الهوى وهذه بغضها الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما عبد إله أبغض على الله من الهوى ". وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23]، فأرسل الله تعالى نبيه موسى قلب كل سعيد لقوله تعالى: { يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم } [البقرة: 54]، ارجعوا إلى الله تعالى بالخروج عما سواه، ولا يمكنكم إلا بقتل النفس { فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54]، بقمع الهوى لأن الهوى هو حياة، وبالهوى عبد ما عبد من دون الله على الحقيقة، وبالهوى ادعى فرعون الربوبية، وعبد بنو إسرائيل العجل، وبالهوى أبى واستكبر إبليس، وبه أكل آدم من الشجر، وبه عبدت الكواكب والأصنام. وفيه معنى آخر: { فتوبوا إلى بارئكم } ارجعوا إليه للاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها، فاقتلوا أنفسكم بنصر الله وعونه، فإن قتل النفس في الظاهر تيسر للمؤمنين والكافرين، وأما قتل النفس في الباطن وقهر ما قهر صعب لا يتيسر إلا خواص الحق بسيف الصدق ونصر الحق، ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء بقوله تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين [النساء: 69]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من غزو يقول: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وذلك لأن المجاهد إذا قتل سيف الكفار يستريح من النصب والتعب بمرة واحدة، وإذا قتل بسيف الصدق في يوم ألف مرة تحيى نفسه على بصيرة أخرى وتزداد في مكرها وخداعها وحيلها، فلا يستريح المجاهد طرفة من جهادها، ولا يأمن مكرها. وبالحقيقة: النفس صورة مكر الحق فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 99]. { ذلكم خير لكم عند بارئكم } [البقرة: 54] يعني: قتل النفس بسيف الصدق ألف مرة خير لكم؛ لأن بكل قتلة رفعة درجة لكم عند بارئكم، فأنتم تقربون إلى الله تعالى بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم، كما قال تعالى: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " ، وذلك قوله تعالى: { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 54]، أخبر عن سوء أعمالهم بمقالهم في قوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } [البقرة: 55]، الآيتين، الإشارة فيهما أن مطالبة الرؤية جهرة هي تعرض مطالعة الذات المقدسة، فتوجب سوء الأدب وترك الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقاوة، فمن سطوات العظمة والعزة أخذتهم الرجفة والصعقة إظهارا للعدل، ثم من سنة الكرم قاصد عليهم بحال النعم إسبالا للستر على هيئات العبيد والخدم فقال: { فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون } [البقرة: 55]، { ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } [البقرة: 56]، إظهارا للفضل. ثم أخبر عن نتائج الكرم بأنواع النعم بقوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى } [البقرة: 57]، والإشارة: لما ابتلاهم بألسنة العزة وأدبهم بسوط القوة، أدركهم بالرحمة في وسطة الكربة، فأكرمهم بالإنعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى، فما ازدادوا بشؤم الطبيعة ولؤم الوقيعة إلا في البلوى، كما قيل: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 57]، بأمر الشرع { وما ظلمونا } [البقرة: 57]، إذ تصرفوا فيها بالطبع { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: 57]، بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى.

البقرة 2:57

ومن نعمه الباطنة: ما ذكر في قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك } [البقرة: 52] أي: من بعد عبادتكم العجل { لعلكم تشكرون } [البقرة: 52]، والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالأقوال، وشكر بالأعمال، وشكر بالأحوال. فشكر الأقوال: أن يتحدث بالنعم مع نفسه إسرارا ومع غيره إظهارا ومع ربه افتقارا، كما قال تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11]، وقوله صلى الله عليه وسلم: " التحدث بالنعم شكر ". وشكر الأعمال: أن يعرف نعمة الله تعالى في طاعته ولا يعصيه بها، ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادر من المعاصي؛ لقوله تعالى: اعملوا آل داوود شكرا [سبأ: 13]. وشكر الأحوال: أن يتجلى المنعم بالصفة الشكورية على سر العبد، فلا يرى إلا المنعم في النعمة والشكور في الشكر، ويرى المنعم في النعمة من المنعم، والشكر في الشكر والشكر من الشكور، ويرى وجوده وشكر النعمتين من نعم المنعم ورؤية النعمة، فتكون نعمة وجوده مرآة جمال المنعم، ويكون شكره مرآة جمال الشكور، ورؤية النعمة والمنعم نعمة أخرى إلى غير نهاية، فيعلم ألا يقوم بأداء شكره ولا يشكره إلا الشكور ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور [الشورى: 23]. ثم أخبر عن إيتاء الكتاب أنها نعمة أخرى في هذا الباب بقوله تعالى: { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } [البقرة: 53]، والإشارة فيها أن الله تعالى آتى لموسى الكتاب وهي التوراة والفرقان وهو نور النبوة والحكمة يؤتيها الله تعالى أنبياءه مع الكتاب، فيفرقون بها بين الحق والباطل للأمة، ويبينون بها الكتاب، ويعلمهم الحكمة لقوله تعالى: أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة [الأنعام: 89]، وقوله تعالى: ويعلمكم الكتاب والحكمة [البقرة: 151]، قال صلى الله عليه وسلم: " أوتيت القرآن ومثله معه " ، { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا بنور الكتاب ونور حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن موعظته إلى التوبة الحقيقية، وهي الرجوع إلى الله تعالى بقتل النفس الأمارة التي تعبد عجل الهوى؛ كيلا يحتاجوا إلى قتل النفس في الصورة. فلما لم يهتدوا إلى هذه التوبة بالتعريض، أمرهم بالتصريح بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } [البقرة: 54]، والإشارة فيها أن لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله؛ قوم يعبدون عجل الدرهم والدينار قال صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة " ، وقوم يعبدون عجل الشهوات، وقوم يعبدون عجل الجاه، وعجل الهوى وهذه بغضها الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما عبد إله أبغض على الله من الهوى ". وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23]، فأرسل الله تعالى نبيه موسى قلب كل سعيد لقوله تعالى: { يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم } [البقرة: 54]، ارجعوا إلى الله تعالى بالخروج عما سواه، ولا يمكنكم إلا بقتل النفس { فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54]، بقمع الهوى لأن الهوى هو حياة، وبالهوى عبد ما عبد من دون الله على الحقيقة، وبالهوى ادعى فرعون الربوبية، وعبد بنو إسرائيل العجل، وبالهوى أبى واستكبر إبليس، وبه أكل آدم من الشجر، وبه عبدت الكواكب والأصنام. وفيه معنى آخر: { فتوبوا إلى بارئكم } ارجعوا إليه للاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها، فاقتلوا أنفسكم بنصر الله وعونه، فإن قتل النفس في الظاهر تيسر للمؤمنين والكافرين، وأما قتل النفس في الباطن وقهر ما قهر صعب لا يتيسر إلا خواص الحق بسيف الصدق ونصر الحق، ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء بقوله تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين [النساء: 69]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من غزو يقول: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وذلك لأن المجاهد إذا قتل سيف الكفار يستريح من النصب والتعب بمرة واحدة، وإذا قتل بسيف الصدق في يوم ألف مرة تحيى نفسه على بصيرة أخرى وتزداد في مكرها وخداعها وحيلها، فلا يستريح المجاهد طرفة من جهادها، ولا يأمن مكرها. وبالحقيقة: النفس صورة مكر الحق فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 99]. { ذلكم خير لكم عند بارئكم } [البقرة: 54] يعني: قتل النفس بسيف الصدق ألف مرة خير لكم؛ لأن بكل قتلة رفعة درجة لكم عند بارئكم، فأنتم تقربون إلى الله تعالى بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم، كما قال تعالى: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " ، وذلك قوله تعالى: { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 54]، أخبر عن سوء أعمالهم بمقالهم في قوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } [البقرة: 55]، الآيتين، الإشارة فيهما أن مطالبة الرؤية جهرة هي تعرض مطالعة الذات المقدسة، فتوجب سوء الأدب وترك الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقاوة، فمن سطوات العظمة والعزة أخذتهم الرجفة والصعقة إظهارا للعدل، ثم من سنة الكرم قاصد عليهم بحال النعم إسبالا للستر على هيئات العبيد والخدم فقال: { فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون } [البقرة: 55]، { ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } [البقرة: 56]، إظهارا للفضل. ثم أخبر عن نتائج الكرم بأنواع النعم بقوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى } [البقرة: 57]، والإشارة: لما ابتلاهم بألسنة العزة وأدبهم بسوط القوة، أدركهم بالرحمة في وسطة الكربة، فأكرمهم بالإنعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى، فما ازدادوا بشؤم الطبيعة ولؤم الوقيعة إلا في البلوى، كما قيل: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 57]، بأمر الشرع { وما ظلمونا } [البقرة: 57]، إذ تصرفوا فيها بالطبع { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: 57]، بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى.

البقرة 2:58

ثم أخبر عن خروجهم من تيه البلاء ودخولهم قرية الابتلاء لقوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } [البقرة: 58]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما علم من طينة الإنسان أن الأفعال والأقوال الطبيعية تنبت وتقوي ظلمة البشرية، وتزيد في حجب الروح العلوي أمرهم بالأفعال والأقوال الشرعية التي مودعة فيهما أنوار الشرع؛ لتكون مزيلة لتلك الظلمات الطبيعية، فلما أراد بنو إسرائيل أن يدخلوا قرية ويأكلوا من ثمارها وهذه القرية { فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا } [البقرة: 58] ليكون سجودكم مكفرا لخطايا أعمالكم الطبيعية { وقولوا حطة نغفر لكم خطيكم وسنزيد المحسنين } [البقرة: 58]، الذين يطيعوننا في أنوار إيمانهم وإحسانهم. فلما أخبر بنو إسرائيل سوء أفعالهم وبدلوا ما أمروا من مقالهم وظلموا على أنفسهم بأعمالهم وأقوالهم، { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا } [البقرة: 59]، بالقول والعمل { رجزا من السمآء } [البقرة: 59]، عذابا مهلكا في الدنيا وحجابا مبعدا في الآخرة { بما كانوا يفسقون } [البقرة: 59]، عن أمر ربهم ويتبعون أهواء أنفسهم، كذا من لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء لتجري عليه أحكام القضاء فامتحن بأنواع المحن والوباء. ثم أخبر عن إتمام النعماء بإجابة الدعاء عند الاستسقاء بقوله تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر } [البقرة: 60]، والإشارة فيها أن الروح الإنساني وصفاته في عالم الغيب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقي ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة، وهو مأمور بضرب عصا " لا إله إلا الله " ، ولها شعبتان من النفي والإثبات، فتتقدان نورا عند استيلاء ظلمات صفات النفس، وقد حمل من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة، { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } [البقرة: 60]، من ماء الحكمة لأن كلمة: " لا إله إلا الله " اثنا عشر حرفا كل حرف عين { قد علم كل أناس مشربهم } [البقرة: 60]، سبط من أسباط الصفاء الإنساني، وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس، ولكل واحد حيث ساقه سائقه، وقاده قائده، فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج؛ فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب تشرب من مشارب النفي والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] والخطي بخطى الاضمحلال في حقيقة الذات. { كلوا واشربوا } [البقرة: 60]، كل واحد منكم { من رزق الله } [البقرة: 60]، بأمره ورضاه، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [البقرة: 60]، ترك الأمر واختيار الغرور، وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على الآخرة واختيارها على المولى. ثم أخبر عن علامة نفس الإنسان وخستها ودناءة سمتها بقوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام واحد } [البقرة: 61]، والإشارة فيها أنه هكذا حال من لم يرض بقضائه، ولم يشكر على نعمائه، ولم يصبر على بلائه يكله إلى نفسه بالخذلان، ويرده إلى مقاساة الذل والهوى فيلقي جلباب الحياء، ويقطع حبل الوفاء بسكين الجفاء، ويبيح سفك دماء الأنبياء. روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كانت بنو إسرائيل تقتل في الغداة الواحدة ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقتلهم من آخر النهار، وما يكترثون بقتلهم، منهم من كان يأمر بالحق فينشر بالمنشار، ومنهم من كان يرجم " ويقال: كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم ومشتتي المقصود، ولم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام لما رأوا قوما ما يعبدون الصنم: اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] هكذا صفة أرباب التفرقة يجدون الصبر مع الواحد شديد، قال الله تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرءان [الإسراء: 46]، وحده ولوا على أدبرهم نفورا [الإسراء: 46] فكما أن بني إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء، وقال لموسى عليه السلام من خساسة طبعهم وركاكة عقلهم: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } [البقرة: 61]، كذلك نفس الإنسان من خسة طينتها ودناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها الرب الواحد واردات الغيب وإلهامات الرب، كما كان يصبر نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: " لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " بل تقول لموسى القلب: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت } أرض البشرية { من بقلها } [البقرة: 61]، الشهوات الحيوانية { وقثآئها } [البقرة: 61]، اللذات الجسمانية. { قال أتستبدلون الذي هو أدنى } [البقرة: 61]، من البقول الدنيوية الفانية { بالذي هو خير } [البقرة: 61]، أي: الباقيات الأخروية التي خير عند ربك { اهبطوا مصرا } [البقرة: 61]، القالب السفلي من مقامات الروح العلوي { فإن لكم ما سألتم } [البقرة: 61]، من المطالب الدنيوية والمقاصد الردية. { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } [البقرة: 61]، كالبهائم والأنعام بل هم أضل سبيلا؛ لأنهم { وبآءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } [البقرة: 61]، من الواردات الغيبية والمكاشفات الروحية ويئسوا منها وطلبوا غيرها { ويقتلون النبيين بغير الحق } [البقرة: 61] أي: يتركون ما يفتح الله لهم من أنباء الغيب في مقام الأنبياء إضرارا بهم { ذلك } [البقرة: 61] يعني: حصول هذه المقامات، { بما عصوا } [البقرة: 61]، ربهم في نقض العهد وتبدل المجهود في طاعة المقصود { وكانوا يعتدون } [البقرة: 61]، من طلب الحق في مطالبة ما سواه. ثم أخبر عن حال أهل السلامة من ثبت منهم على الاستقامة بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } [البقرة: 62]، والإشارة فيها بقول تعالى: { إن الذين آمنوا } [البقرة: 62]، من مدعي الإسلام وغيرهم { والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } [البقرة: 62] يعني: كان نور الله نور قلبه حتى آمن بذلك النور، كما قال تعالى: " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " ، كذلك هاهنا من آمن بالله من جملة المذكورين فبي يؤمن لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء وأهل البلد { فلهم أجرهم } [البقرة: 62] أي: ثوابهم وجزاؤهم { عند ربهم } [البقرة: 62] أي: مقام العندية والوصول، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، من حجب الأنانية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، بالأنانية لأن بها ينقطع الطالب عن المطلوب ويحتجب المحب عن المحبوب، ولذلك قال تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]، لأن الولي من أخرجه الله من ظلمات الأنانية والاثنينية إلى نور الوحدة والهوية، كما قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فافهم جدا. وفيه معنى آخر { من آمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 62]، بمعنى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعمل صالحا للقبول، فمعناه عمل على متابعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من يعمل على غير متابعة دين الإسلام لم يكن عمله صالحا للقبول، ويدل عليه قوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أدركني عيسى ابن مريم ثم لم يدخل شريعتي ومنهاج ديني لأكبه الله على وجهه في النار " ، ما استغنى [بنبوته] فكيف أنتم: { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 62]، لا عند غيره من الجنة والنار { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، فيما يرجعون إليه { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، على ما كانوا عليه، أو جعلهم الله من المقبولين له. ثم أخبر عن الميثاق عنهم وأن آبائهم عند رفع الطور فوقهم لابتلائهم بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } [البقرة: 63]، إلى قوله: وموعظة للمتقين [البقرة: 66] والإشارة فيها أن أخذ الميثاق كان عاما في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172] ولكن قوما أجابوه شوقا وقلقا، وقوما أجابوه خوفا وفرقا، ليتحقق أن الأمر بيد الله في كلتا الحالتين، يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة، فإنه لا برهان أظهر من رفع الطور عيانا، فلما أوبقهم الخذلان لم يكن ينفعهم البرهان والعيان في قوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [البقرة: 63]، إشارة إلى أن أخذ ما يؤتي الله تعالى من الأوامر والنواهي وسائر الطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن بقوة الإنسانية إلا بقوة ربانية وتأييد إلهي كما كان في حق يحيى عليه السلام قوله تعالى: ييحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12]، ربانية لأنه كما كان في حال صباه، ولم يكن له قوة نفسانية لقوله تعالى: وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12]. { واذكروا ما فيه } [البقرة: 63] أي: في كتاب الله تعالى من الرموز والإشارات والدقائق والحقائق { لعلكم تتقون } [البقرة: 63]، بالله عما سواه { ثم توليتم من بعد ذلك } [البقرة: 64] أي: أعرضتم عن طريق الاتباع للشريعة لاستيلاء القوة الطبيعية، وبعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاء ابتلاء من الله تعالى.

البقرة 2:59

ثم أخبر عن خروجهم من تيه البلاء ودخولهم قرية الابتلاء لقوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } [البقرة: 58]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما علم من طينة الإنسان أن الأفعال والأقوال الطبيعية تنبت وتقوي ظلمة البشرية، وتزيد في حجب الروح العلوي أمرهم بالأفعال والأقوال الشرعية التي مودعة فيهما أنوار الشرع؛ لتكون مزيلة لتلك الظلمات الطبيعية، فلما أراد بنو إسرائيل أن يدخلوا قرية ويأكلوا من ثمارها وهذه القرية { فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا } [البقرة: 58] ليكون سجودكم مكفرا لخطايا أعمالكم الطبيعية { وقولوا حطة نغفر لكم خطيكم وسنزيد المحسنين } [البقرة: 58]، الذين يطيعوننا في أنوار إيمانهم وإحسانهم. فلما أخبر بنو إسرائيل سوء أفعالهم وبدلوا ما أمروا من مقالهم وظلموا على أنفسهم بأعمالهم وأقوالهم، { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا } [البقرة: 59]، بالقول والعمل { رجزا من السمآء } [البقرة: 59]، عذابا مهلكا في الدنيا وحجابا مبعدا في الآخرة { بما كانوا يفسقون } [البقرة: 59]، عن أمر ربهم ويتبعون أهواء أنفسهم، كذا من لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء لتجري عليه أحكام القضاء فامتحن بأنواع المحن والوباء. ثم أخبر عن إتمام النعماء بإجابة الدعاء عند الاستسقاء بقوله تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر } [البقرة: 60]، والإشارة فيها أن الروح الإنساني وصفاته في عالم الغيب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقي ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة، وهو مأمور بضرب عصا " لا إله إلا الله " ، ولها شعبتان من النفي والإثبات، فتتقدان نورا عند استيلاء ظلمات صفات النفس، وقد حمل من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة، { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } [البقرة: 60]، من ماء الحكمة لأن كلمة: " لا إله إلا الله " اثنا عشر حرفا كل حرف عين { قد علم كل أناس مشربهم } [البقرة: 60]، سبط من أسباط الصفاء الإنساني، وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس، ولكل واحد حيث ساقه سائقه، وقاده قائده، فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج؛ فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب تشرب من مشارب النفي والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] والخطي بخطى الاضمحلال في حقيقة الذات. { كلوا واشربوا } [البقرة: 60]، كل واحد منكم { من رزق الله } [البقرة: 60]، بأمره ورضاه، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [البقرة: 60]، ترك الأمر واختيار الغرور، وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على الآخرة واختيارها على المولى. ثم أخبر عن علامة نفس الإنسان وخستها ودناءة سمتها بقوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام واحد } [البقرة: 61]، والإشارة فيها أنه هكذا حال من لم يرض بقضائه، ولم يشكر على نعمائه، ولم يصبر على بلائه يكله إلى نفسه بالخذلان، ويرده إلى مقاساة الذل والهوى فيلقي جلباب الحياء، ويقطع حبل الوفاء بسكين الجفاء، ويبيح سفك دماء الأنبياء. روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كانت بنو إسرائيل تقتل في الغداة الواحدة ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقتلهم من آخر النهار، وما يكترثون بقتلهم، منهم من كان يأمر بالحق فينشر بالمنشار، ومنهم من كان يرجم " ويقال: كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم ومشتتي المقصود، ولم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام لما رأوا قوما ما يعبدون الصنم: اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] هكذا صفة أرباب التفرقة يجدون الصبر مع الواحد شديد، قال الله تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرءان [الإسراء: 46]، وحده ولوا على أدبرهم نفورا [الإسراء: 46] فكما أن بني إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء، وقال لموسى عليه السلام من خساسة طبعهم وركاكة عقلهم: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } [البقرة: 61]، كذلك نفس الإنسان من خسة طينتها ودناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها الرب الواحد واردات الغيب وإلهامات الرب، كما كان يصبر نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: " لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " بل تقول لموسى القلب: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت } أرض البشرية { من بقلها } [البقرة: 61]، الشهوات الحيوانية { وقثآئها } [البقرة: 61]، اللذات الجسمانية. { قال أتستبدلون الذي هو أدنى } [البقرة: 61]، من البقول الدنيوية الفانية { بالذي هو خير } [البقرة: 61]، أي: الباقيات الأخروية التي خير عند ربك { اهبطوا مصرا } [البقرة: 61]، القالب السفلي من مقامات الروح العلوي { فإن لكم ما سألتم } [البقرة: 61]، من المطالب الدنيوية والمقاصد الردية. { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } [البقرة: 61]، كالبهائم والأنعام بل هم أضل سبيلا؛ لأنهم { وبآءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } [البقرة: 61]، من الواردات الغيبية والمكاشفات الروحية ويئسوا منها وطلبوا غيرها { ويقتلون النبيين بغير الحق } [البقرة: 61] أي: يتركون ما يفتح الله لهم من أنباء الغيب في مقام الأنبياء إضرارا بهم { ذلك } [البقرة: 61] يعني: حصول هذه المقامات، { بما عصوا } [البقرة: 61]، ربهم في نقض العهد وتبدل المجهود في طاعة المقصود { وكانوا يعتدون } [البقرة: 61]، من طلب الحق في مطالبة ما سواه. ثم أخبر عن حال أهل السلامة من ثبت منهم على الاستقامة بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } [البقرة: 62]، والإشارة فيها بقول تعالى: { إن الذين آمنوا } [البقرة: 62]، من مدعي الإسلام وغيرهم { والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } [البقرة: 62] يعني: كان نور الله نور قلبه حتى آمن بذلك النور، كما قال تعالى: " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " ، كذلك هاهنا من آمن بالله من جملة المذكورين فبي يؤمن لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء وأهل البلد { فلهم أجرهم } [البقرة: 62] أي: ثوابهم وجزاؤهم { عند ربهم } [البقرة: 62] أي: مقام العندية والوصول، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، من حجب الأنانية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، بالأنانية لأن بها ينقطع الطالب عن المطلوب ويحتجب المحب عن المحبوب، ولذلك قال تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]، لأن الولي من أخرجه الله من ظلمات الأنانية والاثنينية إلى نور الوحدة والهوية، كما قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فافهم جدا. وفيه معنى آخر { من آمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 62]، بمعنى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعمل صالحا للقبول، فمعناه عمل على متابعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من يعمل على غير متابعة دين الإسلام لم يكن عمله صالحا للقبول، ويدل عليه قوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أدركني عيسى ابن مريم ثم لم يدخل شريعتي ومنهاج ديني لأكبه الله على وجهه في النار " ، ما استغنى [بنبوته] فكيف أنتم: { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 62]، لا عند غيره من الجنة والنار { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، فيما يرجعون إليه { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، على ما كانوا عليه، أو جعلهم الله من المقبولين له. ثم أخبر عن الميثاق عنهم وأن آبائهم عند رفع الطور فوقهم لابتلائهم بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } [البقرة: 63]، إلى قوله: وموعظة للمتقين [البقرة: 66] والإشارة فيها أن أخذ الميثاق كان عاما في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172] ولكن قوما أجابوه شوقا وقلقا، وقوما أجابوه خوفا وفرقا، ليتحقق أن الأمر بيد الله في كلتا الحالتين، يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة، فإنه لا برهان أظهر من رفع الطور عيانا، فلما أوبقهم الخذلان لم يكن ينفعهم البرهان والعيان في قوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [البقرة: 63]، إشارة إلى أن أخذ ما يؤتي الله تعالى من الأوامر والنواهي وسائر الطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن بقوة الإنسانية إلا بقوة ربانية وتأييد إلهي كما كان في حق يحيى عليه السلام قوله تعالى: ييحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12]، ربانية لأنه كما كان في حال صباه، ولم يكن له قوة نفسانية لقوله تعالى: وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12]. { واذكروا ما فيه } [البقرة: 63] أي: في كتاب الله تعالى من الرموز والإشارات والدقائق والحقائق { لعلكم تتقون } [البقرة: 63]، بالله عما سواه { ثم توليتم من بعد ذلك } [البقرة: 64] أي: أعرضتم عن طريق الاتباع للشريعة لاستيلاء القوة الطبيعية، وبعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاء ابتلاء من الله تعالى.

البقرة 2:60

ثم أخبر عن خروجهم من تيه البلاء ودخولهم قرية الابتلاء لقوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } [البقرة: 58]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما علم من طينة الإنسان أن الأفعال والأقوال الطبيعية تنبت وتقوي ظلمة البشرية، وتزيد في حجب الروح العلوي أمرهم بالأفعال والأقوال الشرعية التي مودعة فيهما أنوار الشرع؛ لتكون مزيلة لتلك الظلمات الطبيعية، فلما أراد بنو إسرائيل أن يدخلوا قرية ويأكلوا من ثمارها وهذه القرية { فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا } [البقرة: 58] ليكون سجودكم مكفرا لخطايا أعمالكم الطبيعية { وقولوا حطة نغفر لكم خطيكم وسنزيد المحسنين } [البقرة: 58]، الذين يطيعوننا في أنوار إيمانهم وإحسانهم. فلما أخبر بنو إسرائيل سوء أفعالهم وبدلوا ما أمروا من مقالهم وظلموا على أنفسهم بأعمالهم وأقوالهم، { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا } [البقرة: 59]، بالقول والعمل { رجزا من السمآء } [البقرة: 59]، عذابا مهلكا في الدنيا وحجابا مبعدا في الآخرة { بما كانوا يفسقون } [البقرة: 59]، عن أمر ربهم ويتبعون أهواء أنفسهم، كذا من لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء لتجري عليه أحكام القضاء فامتحن بأنواع المحن والوباء. ثم أخبر عن إتمام النعماء بإجابة الدعاء عند الاستسقاء بقوله تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر } [البقرة: 60]، والإشارة فيها أن الروح الإنساني وصفاته في عالم الغيب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقي ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة، وهو مأمور بضرب عصا " لا إله إلا الله " ، ولها شعبتان من النفي والإثبات، فتتقدان نورا عند استيلاء ظلمات صفات النفس، وقد حمل من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة، { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } [البقرة: 60]، من ماء الحكمة لأن كلمة: " لا إله إلا الله " اثنا عشر حرفا كل حرف عين { قد علم كل أناس مشربهم } [البقرة: 60]، سبط من أسباط الصفاء الإنساني، وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس، ولكل واحد حيث ساقه سائقه، وقاده قائده، فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج؛ فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب تشرب من مشارب النفي والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] والخطي بخطى الاضمحلال في حقيقة الذات. { كلوا واشربوا } [البقرة: 60]، كل واحد منكم { من رزق الله } [البقرة: 60]، بأمره ورضاه، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [البقرة: 60]، ترك الأمر واختيار الغرور، وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على الآخرة واختيارها على المولى. ثم أخبر عن علامة نفس الإنسان وخستها ودناءة سمتها بقوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام واحد } [البقرة: 61]، والإشارة فيها أنه هكذا حال من لم يرض بقضائه، ولم يشكر على نعمائه، ولم يصبر على بلائه يكله إلى نفسه بالخذلان، ويرده إلى مقاساة الذل والهوى فيلقي جلباب الحياء، ويقطع حبل الوفاء بسكين الجفاء، ويبيح سفك دماء الأنبياء. روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كانت بنو إسرائيل تقتل في الغداة الواحدة ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقتلهم من آخر النهار، وما يكترثون بقتلهم، منهم من كان يأمر بالحق فينشر بالمنشار، ومنهم من كان يرجم " ويقال: كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم ومشتتي المقصود، ولم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام لما رأوا قوما ما يعبدون الصنم: اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] هكذا صفة أرباب التفرقة يجدون الصبر مع الواحد شديد، قال الله تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرءان [الإسراء: 46]، وحده ولوا على أدبرهم نفورا [الإسراء: 46] فكما أن بني إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء، وقال لموسى عليه السلام من خساسة طبعهم وركاكة عقلهم: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } [البقرة: 61]، كذلك نفس الإنسان من خسة طينتها ودناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها الرب الواحد واردات الغيب وإلهامات الرب، كما كان يصبر نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: " لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " بل تقول لموسى القلب: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت } أرض البشرية { من بقلها } [البقرة: 61]، الشهوات الحيوانية { وقثآئها } [البقرة: 61]، اللذات الجسمانية. { قال أتستبدلون الذي هو أدنى } [البقرة: 61]، من البقول الدنيوية الفانية { بالذي هو خير } [البقرة: 61]، أي: الباقيات الأخروية التي خير عند ربك { اهبطوا مصرا } [البقرة: 61]، القالب السفلي من مقامات الروح العلوي { فإن لكم ما سألتم } [البقرة: 61]، من المطالب الدنيوية والمقاصد الردية. { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } [البقرة: 61]، كالبهائم والأنعام بل هم أضل سبيلا؛ لأنهم { وبآءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } [البقرة: 61]، من الواردات الغيبية والمكاشفات الروحية ويئسوا منها وطلبوا غيرها { ويقتلون النبيين بغير الحق } [البقرة: 61] أي: يتركون ما يفتح الله لهم من أنباء الغيب في مقام الأنبياء إضرارا بهم { ذلك } [البقرة: 61] يعني: حصول هذه المقامات، { بما عصوا } [البقرة: 61]، ربهم في نقض العهد وتبدل المجهود في طاعة المقصود { وكانوا يعتدون } [البقرة: 61]، من طلب الحق في مطالبة ما سواه. ثم أخبر عن حال أهل السلامة من ثبت منهم على الاستقامة بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } [البقرة: 62]، والإشارة فيها بقول تعالى: { إن الذين آمنوا } [البقرة: 62]، من مدعي الإسلام وغيرهم { والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } [البقرة: 62] يعني: كان نور الله نور قلبه حتى آمن بذلك النور، كما قال تعالى: " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " ، كذلك هاهنا من آمن بالله من جملة المذكورين فبي يؤمن لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء وأهل البلد { فلهم أجرهم } [البقرة: 62] أي: ثوابهم وجزاؤهم { عند ربهم } [البقرة: 62] أي: مقام العندية والوصول، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، من حجب الأنانية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، بالأنانية لأن بها ينقطع الطالب عن المطلوب ويحتجب المحب عن المحبوب، ولذلك قال تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]، لأن الولي من أخرجه الله من ظلمات الأنانية والاثنينية إلى نور الوحدة والهوية، كما قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فافهم جدا. وفيه معنى آخر { من آمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 62]، بمعنى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعمل صالحا للقبول، فمعناه عمل على متابعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من يعمل على غير متابعة دين الإسلام لم يكن عمله صالحا للقبول، ويدل عليه قوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أدركني عيسى ابن مريم ثم لم يدخل شريعتي ومنهاج ديني لأكبه الله على وجهه في النار " ، ما استغنى [بنبوته] فكيف أنتم: { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 62]، لا عند غيره من الجنة والنار { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، فيما يرجعون إليه { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، على ما كانوا عليه، أو جعلهم الله من المقبولين له. ثم أخبر عن الميثاق عنهم وأن آبائهم عند رفع الطور فوقهم لابتلائهم بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } [البقرة: 63]، إلى قوله: وموعظة للمتقين [البقرة: 66] والإشارة فيها أن أخذ الميثاق كان عاما في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172] ولكن قوما أجابوه شوقا وقلقا، وقوما أجابوه خوفا وفرقا، ليتحقق أن الأمر بيد الله في كلتا الحالتين، يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة، فإنه لا برهان أظهر من رفع الطور عيانا، فلما أوبقهم الخذلان لم يكن ينفعهم البرهان والعيان في قوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [البقرة: 63]، إشارة إلى أن أخذ ما يؤتي الله تعالى من الأوامر والنواهي وسائر الطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن بقوة الإنسانية إلا بقوة ربانية وتأييد إلهي كما كان في حق يحيى عليه السلام قوله تعالى: ييحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12]، ربانية لأنه كما كان في حال صباه، ولم يكن له قوة نفسانية لقوله تعالى: وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12]. { واذكروا ما فيه } [البقرة: 63] أي: في كتاب الله تعالى من الرموز والإشارات والدقائق والحقائق { لعلكم تتقون } [البقرة: 63]، بالله عما سواه { ثم توليتم من بعد ذلك } [البقرة: 64] أي: أعرضتم عن طريق الاتباع للشريعة لاستيلاء القوة الطبيعية، وبعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاء ابتلاء من الله تعالى.

البقرة 2:61

ثم أخبر عن خروجهم من تيه البلاء ودخولهم قرية الابتلاء لقوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } [البقرة: 58]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما علم من طينة الإنسان أن الأفعال والأقوال الطبيعية تنبت وتقوي ظلمة البشرية، وتزيد في حجب الروح العلوي أمرهم بالأفعال والأقوال الشرعية التي مودعة فيهما أنوار الشرع؛ لتكون مزيلة لتلك الظلمات الطبيعية، فلما أراد بنو إسرائيل أن يدخلوا قرية ويأكلوا من ثمارها وهذه القرية { فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا } [البقرة: 58] ليكون سجودكم مكفرا لخطايا أعمالكم الطبيعية { وقولوا حطة نغفر لكم خطيكم وسنزيد المحسنين } [البقرة: 58]، الذين يطيعوننا في أنوار إيمانهم وإحسانهم. فلما أخبر بنو إسرائيل سوء أفعالهم وبدلوا ما أمروا من مقالهم وظلموا على أنفسهم بأعمالهم وأقوالهم، { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا } [البقرة: 59]، بالقول والعمل { رجزا من السمآء } [البقرة: 59]، عذابا مهلكا في الدنيا وحجابا مبعدا في الآخرة { بما كانوا يفسقون } [البقرة: 59]، عن أمر ربهم ويتبعون أهواء أنفسهم، كذا من لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء لتجري عليه أحكام القضاء فامتحن بأنواع المحن والوباء. ثم أخبر عن إتمام النعماء بإجابة الدعاء عند الاستسقاء بقوله تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر } [البقرة: 60]، والإشارة فيها أن الروح الإنساني وصفاته في عالم الغيب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقي ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة، وهو مأمور بضرب عصا " لا إله إلا الله " ، ولها شعبتان من النفي والإثبات، فتتقدان نورا عند استيلاء ظلمات صفات النفس، وقد حمل من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة، { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } [البقرة: 60]، من ماء الحكمة لأن كلمة: " لا إله إلا الله " اثنا عشر حرفا كل حرف عين { قد علم كل أناس مشربهم } [البقرة: 60]، سبط من أسباط الصفاء الإنساني، وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس، ولكل واحد حيث ساقه سائقه، وقاده قائده، فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج؛ فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب تشرب من مشارب النفي والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] والخطي بخطى الاضمحلال في حقيقة الذات. { كلوا واشربوا } [البقرة: 60]، كل واحد منكم { من رزق الله } [البقرة: 60]، بأمره ورضاه، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [البقرة: 60]، ترك الأمر واختيار الغرور، وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على الآخرة واختيارها على المولى. ثم أخبر عن علامة نفس الإنسان وخستها ودناءة سمتها بقوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام واحد } [البقرة: 61]، والإشارة فيها أنه هكذا حال من لم يرض بقضائه، ولم يشكر على نعمائه، ولم يصبر على بلائه يكله إلى نفسه بالخذلان، ويرده إلى مقاساة الذل والهوى فيلقي جلباب الحياء، ويقطع حبل الوفاء بسكين الجفاء، ويبيح سفك دماء الأنبياء. روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كانت بنو إسرائيل تقتل في الغداة الواحدة ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقتلهم من آخر النهار، وما يكترثون بقتلهم، منهم من كان يأمر بالحق فينشر بالمنشار، ومنهم من كان يرجم " ويقال: كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم ومشتتي المقصود، ولم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام لما رأوا قوما ما يعبدون الصنم: اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] هكذا صفة أرباب التفرقة يجدون الصبر مع الواحد شديد، قال الله تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرءان [الإسراء: 46]، وحده ولوا على أدبرهم نفورا [الإسراء: 46] فكما أن بني إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء، وقال لموسى عليه السلام من خساسة طبعهم وركاكة عقلهم: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } [البقرة: 61]، كذلك نفس الإنسان من خسة طينتها ودناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها الرب الواحد واردات الغيب وإلهامات الرب، كما كان يصبر نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: " لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " بل تقول لموسى القلب: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت } أرض البشرية { من بقلها } [البقرة: 61]، الشهوات الحيوانية { وقثآئها } [البقرة: 61]، اللذات الجسمانية. { قال أتستبدلون الذي هو أدنى } [البقرة: 61]، من البقول الدنيوية الفانية { بالذي هو خير } [البقرة: 61]، أي: الباقيات الأخروية التي خير عند ربك { اهبطوا مصرا } [البقرة: 61]، القالب السفلي من مقامات الروح العلوي { فإن لكم ما سألتم } [البقرة: 61]، من المطالب الدنيوية والمقاصد الردية. { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } [البقرة: 61]، كالبهائم والأنعام بل هم أضل سبيلا؛ لأنهم { وبآءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } [البقرة: 61]، من الواردات الغيبية والمكاشفات الروحية ويئسوا منها وطلبوا غيرها { ويقتلون النبيين بغير الحق } [البقرة: 61] أي: يتركون ما يفتح الله لهم من أنباء الغيب في مقام الأنبياء إضرارا بهم { ذلك } [البقرة: 61] يعني: حصول هذه المقامات، { بما عصوا } [البقرة: 61]، ربهم في نقض العهد وتبدل المجهود في طاعة المقصود { وكانوا يعتدون } [البقرة: 61]، من طلب الحق في مطالبة ما سواه. ثم أخبر عن حال أهل السلامة من ثبت منهم على الاستقامة بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } [البقرة: 62]، والإشارة فيها بقول تعالى: { إن الذين آمنوا } [البقرة: 62]، من مدعي الإسلام وغيرهم { والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } [البقرة: 62] يعني: كان نور الله نور قلبه حتى آمن بذلك النور، كما قال تعالى: " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " ، كذلك هاهنا من آمن بالله من جملة المذكورين فبي يؤمن لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء وأهل البلد { فلهم أجرهم } [البقرة: 62] أي: ثوابهم وجزاؤهم { عند ربهم } [البقرة: 62] أي: مقام العندية والوصول، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، من حجب الأنانية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، بالأنانية لأن بها ينقطع الطالب عن المطلوب ويحتجب المحب عن المحبوب، ولذلك قال تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]، لأن الولي من أخرجه الله من ظلمات الأنانية والاثنينية إلى نور الوحدة والهوية، كما قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فافهم جدا. وفيه معنى آخر { من آمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 62]، بمعنى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعمل صالحا للقبول، فمعناه عمل على متابعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من يعمل على غير متابعة دين الإسلام لم يكن عمله صالحا للقبول، ويدل عليه قوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أدركني عيسى ابن مريم ثم لم يدخل شريعتي ومنهاج ديني لأكبه الله على وجهه في النار " ، ما استغنى [بنبوته] فكيف أنتم: { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 62]، لا عند غيره من الجنة والنار { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، فيما يرجعون إليه { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، على ما كانوا عليه، أو جعلهم الله من المقبولين له. ثم أخبر عن الميثاق عنهم وأن آبائهم عند رفع الطور فوقهم لابتلائهم بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } [البقرة: 63]، إلى قوله: وموعظة للمتقين [البقرة: 66] والإشارة فيها أن أخذ الميثاق كان عاما في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172] ولكن قوما أجابوه شوقا وقلقا، وقوما أجابوه خوفا وفرقا، ليتحقق أن الأمر بيد الله في كلتا الحالتين، يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة، فإنه لا برهان أظهر من رفع الطور عيانا، فلما أوبقهم الخذلان لم يكن ينفعهم البرهان والعيان في قوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [البقرة: 63]، إشارة إلى أن أخذ ما يؤتي الله تعالى من الأوامر والنواهي وسائر الطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن بقوة الإنسانية إلا بقوة ربانية وتأييد إلهي كما كان في حق يحيى عليه السلام قوله تعالى: ييحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12]، ربانية لأنه كما كان في حال صباه، ولم يكن له قوة نفسانية لقوله تعالى: وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12]. { واذكروا ما فيه } [البقرة: 63] أي: في كتاب الله تعالى من الرموز والإشارات والدقائق والحقائق { لعلكم تتقون } [البقرة: 63]، بالله عما سواه { ثم توليتم من بعد ذلك } [البقرة: 64] أي: أعرضتم عن طريق الاتباع للشريعة لاستيلاء القوة الطبيعية، وبعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاء ابتلاء من الله تعالى.

البقرة 2:62

ثم أخبر عن خروجهم من تيه البلاء ودخولهم قرية الابتلاء لقوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } [البقرة: 58]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما علم من طينة الإنسان أن الأفعال والأقوال الطبيعية تنبت وتقوي ظلمة البشرية، وتزيد في حجب الروح العلوي أمرهم بالأفعال والأقوال الشرعية التي مودعة فيهما أنوار الشرع؛ لتكون مزيلة لتلك الظلمات الطبيعية، فلما أراد بنو إسرائيل أن يدخلوا قرية ويأكلوا من ثمارها وهذه القرية { فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا } [البقرة: 58] ليكون سجودكم مكفرا لخطايا أعمالكم الطبيعية { وقولوا حطة نغفر لكم خطيكم وسنزيد المحسنين } [البقرة: 58]، الذين يطيعوننا في أنوار إيمانهم وإحسانهم. فلما أخبر بنو إسرائيل سوء أفعالهم وبدلوا ما أمروا من مقالهم وظلموا على أنفسهم بأعمالهم وأقوالهم، { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا } [البقرة: 59]، بالقول والعمل { رجزا من السمآء } [البقرة: 59]، عذابا مهلكا في الدنيا وحجابا مبعدا في الآخرة { بما كانوا يفسقون } [البقرة: 59]، عن أمر ربهم ويتبعون أهواء أنفسهم، كذا من لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء لتجري عليه أحكام القضاء فامتحن بأنواع المحن والوباء. ثم أخبر عن إتمام النعماء بإجابة الدعاء عند الاستسقاء بقوله تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر } [البقرة: 60]، والإشارة فيها أن الروح الإنساني وصفاته في عالم الغيب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقي ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة، وهو مأمور بضرب عصا " لا إله إلا الله " ، ولها شعبتان من النفي والإثبات، فتتقدان نورا عند استيلاء ظلمات صفات النفس، وقد حمل من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة، { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } [البقرة: 60]، من ماء الحكمة لأن كلمة: " لا إله إلا الله " اثنا عشر حرفا كل حرف عين { قد علم كل أناس مشربهم } [البقرة: 60]، سبط من أسباط الصفاء الإنساني، وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس، ولكل واحد حيث ساقه سائقه، وقاده قائده، فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج؛ فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب تشرب من مشارب النفي والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] والخطي بخطى الاضمحلال في حقيقة الذات. { كلوا واشربوا } [البقرة: 60]، كل واحد منكم { من رزق الله } [البقرة: 60]، بأمره ورضاه، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [البقرة: 60]، ترك الأمر واختيار الغرور، وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على الآخرة واختيارها على المولى. ثم أخبر عن علامة نفس الإنسان وخستها ودناءة سمتها بقوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام واحد } [البقرة: 61]، والإشارة فيها أنه هكذا حال من لم يرض بقضائه، ولم يشكر على نعمائه، ولم يصبر على بلائه يكله إلى نفسه بالخذلان، ويرده إلى مقاساة الذل والهوى فيلقي جلباب الحياء، ويقطع حبل الوفاء بسكين الجفاء، ويبيح سفك دماء الأنبياء. روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كانت بنو إسرائيل تقتل في الغداة الواحدة ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقتلهم من آخر النهار، وما يكترثون بقتلهم، منهم من كان يأمر بالحق فينشر بالمنشار، ومنهم من كان يرجم " ويقال: كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم ومشتتي المقصود، ولم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام لما رأوا قوما ما يعبدون الصنم: اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] هكذا صفة أرباب التفرقة يجدون الصبر مع الواحد شديد، قال الله تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرءان [الإسراء: 46]، وحده ولوا على أدبرهم نفورا [الإسراء: 46] فكما أن بني إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء، وقال لموسى عليه السلام من خساسة طبعهم وركاكة عقلهم: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } [البقرة: 61]، كذلك نفس الإنسان من خسة طينتها ودناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها الرب الواحد واردات الغيب وإلهامات الرب، كما كان يصبر نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: " لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " بل تقول لموسى القلب: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت } أرض البشرية { من بقلها } [البقرة: 61]، الشهوات الحيوانية { وقثآئها } [البقرة: 61]، اللذات الجسمانية. { قال أتستبدلون الذي هو أدنى } [البقرة: 61]، من البقول الدنيوية الفانية { بالذي هو خير } [البقرة: 61]، أي: الباقيات الأخروية التي خير عند ربك { اهبطوا مصرا } [البقرة: 61]، القالب السفلي من مقامات الروح العلوي { فإن لكم ما سألتم } [البقرة: 61]، من المطالب الدنيوية والمقاصد الردية. { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } [البقرة: 61]، كالبهائم والأنعام بل هم أضل سبيلا؛ لأنهم { وبآءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } [البقرة: 61]، من الواردات الغيبية والمكاشفات الروحية ويئسوا منها وطلبوا غيرها { ويقتلون النبيين بغير الحق } [البقرة: 61] أي: يتركون ما يفتح الله لهم من أنباء الغيب في مقام الأنبياء إضرارا بهم { ذلك } [البقرة: 61] يعني: حصول هذه المقامات، { بما عصوا } [البقرة: 61]، ربهم في نقض العهد وتبدل المجهود في طاعة المقصود { وكانوا يعتدون } [البقرة: 61]، من طلب الحق في مطالبة ما سواه. ثم أخبر عن حال أهل السلامة من ثبت منهم على الاستقامة بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } [البقرة: 62]، والإشارة فيها بقول تعالى: { إن الذين آمنوا } [البقرة: 62]، من مدعي الإسلام وغيرهم { والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } [البقرة: 62] يعني: كان نور الله نور قلبه حتى آمن بذلك النور، كما قال تعالى: " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " ، كذلك هاهنا من آمن بالله من جملة المذكورين فبي يؤمن لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء وأهل البلد { فلهم أجرهم } [البقرة: 62] أي: ثوابهم وجزاؤهم { عند ربهم } [البقرة: 62] أي: مقام العندية والوصول، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، من حجب الأنانية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، بالأنانية لأن بها ينقطع الطالب عن المطلوب ويحتجب المحب عن المحبوب، ولذلك قال تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]، لأن الولي من أخرجه الله من ظلمات الأنانية والاثنينية إلى نور الوحدة والهوية، كما قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فافهم جدا. وفيه معنى آخر { من آمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 62]، بمعنى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعمل صالحا للقبول، فمعناه عمل على متابعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من يعمل على غير متابعة دين الإسلام لم يكن عمله صالحا للقبول، ويدل عليه قوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أدركني عيسى ابن مريم ثم لم يدخل شريعتي ومنهاج ديني لأكبه الله على وجهه في النار " ، ما استغنى [بنبوته] فكيف أنتم: { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 62]، لا عند غيره من الجنة والنار { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، فيما يرجعون إليه { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، على ما كانوا عليه، أو جعلهم الله من المقبولين له. ثم أخبر عن الميثاق عنهم وأن آبائهم عند رفع الطور فوقهم لابتلائهم بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } [البقرة: 63]، إلى قوله: وموعظة للمتقين [البقرة: 66] والإشارة فيها أن أخذ الميثاق كان عاما في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172] ولكن قوما أجابوه شوقا وقلقا، وقوما أجابوه خوفا وفرقا، ليتحقق أن الأمر بيد الله في كلتا الحالتين، يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة، فإنه لا برهان أظهر من رفع الطور عيانا، فلما أوبقهم الخذلان لم يكن ينفعهم البرهان والعيان في قوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [البقرة: 63]، إشارة إلى أن أخذ ما يؤتي الله تعالى من الأوامر والنواهي وسائر الطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن بقوة الإنسانية إلا بقوة ربانية وتأييد إلهي كما كان في حق يحيى عليه السلام قوله تعالى: ييحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12]، ربانية لأنه كما كان في حال صباه، ولم يكن له قوة نفسانية لقوله تعالى: وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12]. { واذكروا ما فيه } [البقرة: 63] أي: في كتاب الله تعالى من الرموز والإشارات والدقائق والحقائق { لعلكم تتقون } [البقرة: 63]، بالله عما سواه { ثم توليتم من بعد ذلك } [البقرة: 64] أي: أعرضتم عن طريق الاتباع للشريعة لاستيلاء القوة الطبيعية، وبعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاء ابتلاء من الله تعالى.

البقرة 2:63

ثم أخبر عن خروجهم من تيه البلاء ودخولهم قرية الابتلاء لقوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } [البقرة: 58]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما علم من طينة الإنسان أن الأفعال والأقوال الطبيعية تنبت وتقوي ظلمة البشرية، وتزيد في حجب الروح العلوي أمرهم بالأفعال والأقوال الشرعية التي مودعة فيهما أنوار الشرع؛ لتكون مزيلة لتلك الظلمات الطبيعية، فلما أراد بنو إسرائيل أن يدخلوا قرية ويأكلوا من ثمارها وهذه القرية { فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا } [البقرة: 58] ليكون سجودكم مكفرا لخطايا أعمالكم الطبيعية { وقولوا حطة نغفر لكم خطيكم وسنزيد المحسنين } [البقرة: 58]، الذين يطيعوننا في أنوار إيمانهم وإحسانهم. فلما أخبر بنو إسرائيل سوء أفعالهم وبدلوا ما أمروا من مقالهم وظلموا على أنفسهم بأعمالهم وأقوالهم، { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا } [البقرة: 59]، بالقول والعمل { رجزا من السمآء } [البقرة: 59]، عذابا مهلكا في الدنيا وحجابا مبعدا في الآخرة { بما كانوا يفسقون } [البقرة: 59]، عن أمر ربهم ويتبعون أهواء أنفسهم، كذا من لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء لتجري عليه أحكام القضاء فامتحن بأنواع المحن والوباء. ثم أخبر عن إتمام النعماء بإجابة الدعاء عند الاستسقاء بقوله تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر } [البقرة: 60]، والإشارة فيها أن الروح الإنساني وصفاته في عالم الغيب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقي ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة، وهو مأمور بضرب عصا " لا إله إلا الله " ، ولها شعبتان من النفي والإثبات، فتتقدان نورا عند استيلاء ظلمات صفات النفس، وقد حمل من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة، { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } [البقرة: 60]، من ماء الحكمة لأن كلمة: " لا إله إلا الله " اثنا عشر حرفا كل حرف عين { قد علم كل أناس مشربهم } [البقرة: 60]، سبط من أسباط الصفاء الإنساني، وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس، ولكل واحد حيث ساقه سائقه، وقاده قائده، فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج؛ فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب تشرب من مشارب النفي والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] والخطي بخطى الاضمحلال في حقيقة الذات. { كلوا واشربوا } [البقرة: 60]، كل واحد منكم { من رزق الله } [البقرة: 60]، بأمره ورضاه، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [البقرة: 60]، ترك الأمر واختيار الغرور، وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على الآخرة واختيارها على المولى. ثم أخبر عن علامة نفس الإنسان وخستها ودناءة سمتها بقوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام واحد } [البقرة: 61]، والإشارة فيها أنه هكذا حال من لم يرض بقضائه، ولم يشكر على نعمائه، ولم يصبر على بلائه يكله إلى نفسه بالخذلان، ويرده إلى مقاساة الذل والهوى فيلقي جلباب الحياء، ويقطع حبل الوفاء بسكين الجفاء، ويبيح سفك دماء الأنبياء. روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كانت بنو إسرائيل تقتل في الغداة الواحدة ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقتلهم من آخر النهار، وما يكترثون بقتلهم، منهم من كان يأمر بالحق فينشر بالمنشار، ومنهم من كان يرجم " ويقال: كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم ومشتتي المقصود، ولم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام لما رأوا قوما ما يعبدون الصنم: اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] هكذا صفة أرباب التفرقة يجدون الصبر مع الواحد شديد، قال الله تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرءان [الإسراء: 46]، وحده ولوا على أدبرهم نفورا [الإسراء: 46] فكما أن بني إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء، وقال لموسى عليه السلام من خساسة طبعهم وركاكة عقلهم: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } [البقرة: 61]، كذلك نفس الإنسان من خسة طينتها ودناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها الرب الواحد واردات الغيب وإلهامات الرب، كما كان يصبر نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: " لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " بل تقول لموسى القلب: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت } أرض البشرية { من بقلها } [البقرة: 61]، الشهوات الحيوانية { وقثآئها } [البقرة: 61]، اللذات الجسمانية. { قال أتستبدلون الذي هو أدنى } [البقرة: 61]، من البقول الدنيوية الفانية { بالذي هو خير } [البقرة: 61]، أي: الباقيات الأخروية التي خير عند ربك { اهبطوا مصرا } [البقرة: 61]، القالب السفلي من مقامات الروح العلوي { فإن لكم ما سألتم } [البقرة: 61]، من المطالب الدنيوية والمقاصد الردية. { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } [البقرة: 61]، كالبهائم والأنعام بل هم أضل سبيلا؛ لأنهم { وبآءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } [البقرة: 61]، من الواردات الغيبية والمكاشفات الروحية ويئسوا منها وطلبوا غيرها { ويقتلون النبيين بغير الحق } [البقرة: 61] أي: يتركون ما يفتح الله لهم من أنباء الغيب في مقام الأنبياء إضرارا بهم { ذلك } [البقرة: 61] يعني: حصول هذه المقامات، { بما عصوا } [البقرة: 61]، ربهم في نقض العهد وتبدل المجهود في طاعة المقصود { وكانوا يعتدون } [البقرة: 61]، من طلب الحق في مطالبة ما سواه. ثم أخبر عن حال أهل السلامة من ثبت منهم على الاستقامة بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } [البقرة: 62]، والإشارة فيها بقول تعالى: { إن الذين آمنوا } [البقرة: 62]، من مدعي الإسلام وغيرهم { والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } [البقرة: 62] يعني: كان نور الله نور قلبه حتى آمن بذلك النور، كما قال تعالى: " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " ، كذلك هاهنا من آمن بالله من جملة المذكورين فبي يؤمن لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء وأهل البلد { فلهم أجرهم } [البقرة: 62] أي: ثوابهم وجزاؤهم { عند ربهم } [البقرة: 62] أي: مقام العندية والوصول، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، من حجب الأنانية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، بالأنانية لأن بها ينقطع الطالب عن المطلوب ويحتجب المحب عن المحبوب، ولذلك قال تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]، لأن الولي من أخرجه الله من ظلمات الأنانية والاثنينية إلى نور الوحدة والهوية، كما قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فافهم جدا. وفيه معنى آخر { من آمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 62]، بمعنى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعمل صالحا للقبول، فمعناه عمل على متابعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من يعمل على غير متابعة دين الإسلام لم يكن عمله صالحا للقبول، ويدل عليه قوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أدركني عيسى ابن مريم ثم لم يدخل شريعتي ومنهاج ديني لأكبه الله على وجهه في النار " ، ما استغنى [بنبوته] فكيف أنتم: { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 62]، لا عند غيره من الجنة والنار { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، فيما يرجعون إليه { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، على ما كانوا عليه، أو جعلهم الله من المقبولين له. ثم أخبر عن الميثاق عنهم وأن آبائهم عند رفع الطور فوقهم لابتلائهم بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } [البقرة: 63]، إلى قوله: وموعظة للمتقين [البقرة: 66] والإشارة فيها أن أخذ الميثاق كان عاما في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172] ولكن قوما أجابوه شوقا وقلقا، وقوما أجابوه خوفا وفرقا، ليتحقق أن الأمر بيد الله في كلتا الحالتين، يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة، فإنه لا برهان أظهر من رفع الطور عيانا، فلما أوبقهم الخذلان لم يكن ينفعهم البرهان والعيان في قوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [البقرة: 63]، إشارة إلى أن أخذ ما يؤتي الله تعالى من الأوامر والنواهي وسائر الطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن بقوة الإنسانية إلا بقوة ربانية وتأييد إلهي كما كان في حق يحيى عليه السلام قوله تعالى: ييحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12]، ربانية لأنه كما كان في حال صباه، ولم يكن له قوة نفسانية لقوله تعالى: وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12]. { واذكروا ما فيه } [البقرة: 63] أي: في كتاب الله تعالى من الرموز والإشارات والدقائق والحقائق { لعلكم تتقون } [البقرة: 63]، بالله عما سواه { ثم توليتم من بعد ذلك } [البقرة: 64] أي: أعرضتم عن طريق الاتباع للشريعة لاستيلاء القوة الطبيعية، وبعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاء ابتلاء من الله تعالى.

البقرة 2:64

{ فلولا فضل الله عليكم ورحمته } [البقرة: 64]، وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط، وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية، { لكنتم من الخاسرين } [البقرة: 64]، المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران، والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والأولى، كما كان حال المصرين منكم والمعتدين بقوله تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } [البقرة: 65]، بالخذلان وتقديم العصيان { فقلنا لهم } [البقرة: 65]، قهرا وفرا { كونوا قردة } [البقرة: 65]، أمرا منا وحكما جزما { خاسئين } [البقرة: 65]، مردودين إلى دركات الحيوانات والسبعيات. { فجعلناها نكالا } [البقرة: 66]، فضيحة وغيره { لما بين يديها } [البقرة: 66]، لمن تكون في زمانهم وعهدهم { وما خلفها } [البقرة: 66]، ومن يكون بعد زمانهم إلى يوم القيامة فيعتبرون ويتعظون بهم المؤمنون المتقون عن البلايا بالرجوع إلى الحق عند الابتلاء. كما قال تعالى: { وموعظة للمتقين } [البقرة: 66]، فهذا البلاء والخسران جزاء فمن لم يعرف قدر الإحسان ويكافئ النعم بالكفران يرد من عزة الوصال إلى ذل الهجران ورسوم الصدود والخذلان، وكانت عقوبة الأمم بالمسخ والخسف على الأجساد، وهذه الأمة بالخسف والمسخ على القلوب، وعقوبات القلوب أشد من عقوبات النفوس، قال الله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم [الأنعام: 110]، هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك ينخرط في إيتاء السلوك، ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرقة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان. ثم أخبر عن ابتلائهم بذبح البقرة إظهارا لسر القدرة بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إلى قوله وما كادوا يفعلون [البقرة: 71] والإشارة في تحقيق الآيات الخمس في قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إشارة إلى ذبح بقرة النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني، وهذا هو الجهاد الأكبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بقوله: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ، ويقوله للمجاهد نفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " ، أيضا إشارة إلى هذا المعنى. { قالوا أتتخذنا هزوا } [البقرة: 67] أي: تستهزئ بنا في ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذي نفس دنية { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } [البقرة: 67]، الذين يظنون أن ذبح النفس أمر هين ويستبعد له كل تابع الهوى وعابد الدنيا { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } [البقرة: 68]، أن يبين { إنها بقرة } [البقرة: 68]، نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فإشارة إلى بقرة نفس { لا فارض } [البقرة: 68]، في سن الشيخوخة متعجزا عن سلوك الطريق لضعف المشيب وحملا لقوى النفسانية، كما قال بعض المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر. { ولا بكر } [البقرة: 68]، في سن الشباب فإنه بشهوته سكره { عوان بين ذلك } [البقرة: 68] أي: عند كمال العقل والكهولة تعبد الشيخوخة، وتجنن رعونة الشباب كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { فافعلوا ما تؤمرون } [البقرة: 68]، فإنكم إذا تقربتم إلى الله تعالى بما أمرتم فإن الله يتقرب إليكم بما وعدتم، فإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا في الشيب والشباب.

البقرة 2:65

{ فلولا فضل الله عليكم ورحمته } [البقرة: 64]، وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط، وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية، { لكنتم من الخاسرين } [البقرة: 64]، المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران، والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والأولى، كما كان حال المصرين منكم والمعتدين بقوله تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } [البقرة: 65]، بالخذلان وتقديم العصيان { فقلنا لهم } [البقرة: 65]، قهرا وفرا { كونوا قردة } [البقرة: 65]، أمرا منا وحكما جزما { خاسئين } [البقرة: 65]، مردودين إلى دركات الحيوانات والسبعيات. { فجعلناها نكالا } [البقرة: 66]، فضيحة وغيره { لما بين يديها } [البقرة: 66]، لمن تكون في زمانهم وعهدهم { وما خلفها } [البقرة: 66]، ومن يكون بعد زمانهم إلى يوم القيامة فيعتبرون ويتعظون بهم المؤمنون المتقون عن البلايا بالرجوع إلى الحق عند الابتلاء. كما قال تعالى: { وموعظة للمتقين } [البقرة: 66]، فهذا البلاء والخسران جزاء فمن لم يعرف قدر الإحسان ويكافئ النعم بالكفران يرد من عزة الوصال إلى ذل الهجران ورسوم الصدود والخذلان، وكانت عقوبة الأمم بالمسخ والخسف على الأجساد، وهذه الأمة بالخسف والمسخ على القلوب، وعقوبات القلوب أشد من عقوبات النفوس، قال الله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم [الأنعام: 110]، هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك ينخرط في إيتاء السلوك، ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرقة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان. ثم أخبر عن ابتلائهم بذبح البقرة إظهارا لسر القدرة بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إلى قوله وما كادوا يفعلون [البقرة: 71] والإشارة في تحقيق الآيات الخمس في قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إشارة إلى ذبح بقرة النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني، وهذا هو الجهاد الأكبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بقوله: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ، ويقوله للمجاهد نفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " ، أيضا إشارة إلى هذا المعنى. { قالوا أتتخذنا هزوا } [البقرة: 67] أي: تستهزئ بنا في ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذي نفس دنية { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } [البقرة: 67]، الذين يظنون أن ذبح النفس أمر هين ويستبعد له كل تابع الهوى وعابد الدنيا { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } [البقرة: 68]، أن يبين { إنها بقرة } [البقرة: 68]، نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فإشارة إلى بقرة نفس { لا فارض } [البقرة: 68]، في سن الشيخوخة متعجزا عن سلوك الطريق لضعف المشيب وحملا لقوى النفسانية، كما قال بعض المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر. { ولا بكر } [البقرة: 68]، في سن الشباب فإنه بشهوته سكره { عوان بين ذلك } [البقرة: 68] أي: عند كمال العقل والكهولة تعبد الشيخوخة، وتجنن رعونة الشباب كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { فافعلوا ما تؤمرون } [البقرة: 68]، فإنكم إذا تقربتم إلى الله تعالى بما أمرتم فإن الله يتقرب إليكم بما وعدتم، فإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا في الشيب والشباب.

البقرة 2:66

{ فلولا فضل الله عليكم ورحمته } [البقرة: 64]، وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط، وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية، { لكنتم من الخاسرين } [البقرة: 64]، المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران، والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والأولى، كما كان حال المصرين منكم والمعتدين بقوله تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } [البقرة: 65]، بالخذلان وتقديم العصيان { فقلنا لهم } [البقرة: 65]، قهرا وفرا { كونوا قردة } [البقرة: 65]، أمرا منا وحكما جزما { خاسئين } [البقرة: 65]، مردودين إلى دركات الحيوانات والسبعيات. { فجعلناها نكالا } [البقرة: 66]، فضيحة وغيره { لما بين يديها } [البقرة: 66]، لمن تكون في زمانهم وعهدهم { وما خلفها } [البقرة: 66]، ومن يكون بعد زمانهم إلى يوم القيامة فيعتبرون ويتعظون بهم المؤمنون المتقون عن البلايا بالرجوع إلى الحق عند الابتلاء. كما قال تعالى: { وموعظة للمتقين } [البقرة: 66]، فهذا البلاء والخسران جزاء فمن لم يعرف قدر الإحسان ويكافئ النعم بالكفران يرد من عزة الوصال إلى ذل الهجران ورسوم الصدود والخذلان، وكانت عقوبة الأمم بالمسخ والخسف على الأجساد، وهذه الأمة بالخسف والمسخ على القلوب، وعقوبات القلوب أشد من عقوبات النفوس، قال الله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم [الأنعام: 110]، هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك ينخرط في إيتاء السلوك، ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرقة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان. ثم أخبر عن ابتلائهم بذبح البقرة إظهارا لسر القدرة بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إلى قوله وما كادوا يفعلون [البقرة: 71] والإشارة في تحقيق الآيات الخمس في قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إشارة إلى ذبح بقرة النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني، وهذا هو الجهاد الأكبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بقوله: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ، ويقوله للمجاهد نفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " ، أيضا إشارة إلى هذا المعنى. { قالوا أتتخذنا هزوا } [البقرة: 67] أي: تستهزئ بنا في ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذي نفس دنية { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } [البقرة: 67]، الذين يظنون أن ذبح النفس أمر هين ويستبعد له كل تابع الهوى وعابد الدنيا { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } [البقرة: 68]، أن يبين { إنها بقرة } [البقرة: 68]، نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فإشارة إلى بقرة نفس { لا فارض } [البقرة: 68]، في سن الشيخوخة متعجزا عن سلوك الطريق لضعف المشيب وحملا لقوى النفسانية، كما قال بعض المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر. { ولا بكر } [البقرة: 68]، في سن الشباب فإنه بشهوته سكره { عوان بين ذلك } [البقرة: 68] أي: عند كمال العقل والكهولة تعبد الشيخوخة، وتجنن رعونة الشباب كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { فافعلوا ما تؤمرون } [البقرة: 68]، فإنكم إذا تقربتم إلى الله تعالى بما أمرتم فإن الله يتقرب إليكم بما وعدتم، فإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا في الشيب والشباب.

البقرة 2:67

{ فلولا فضل الله عليكم ورحمته } [البقرة: 64]، وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط، وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية، { لكنتم من الخاسرين } [البقرة: 64]، المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران، والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والأولى، كما كان حال المصرين منكم والمعتدين بقوله تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } [البقرة: 65]، بالخذلان وتقديم العصيان { فقلنا لهم } [البقرة: 65]، قهرا وفرا { كونوا قردة } [البقرة: 65]، أمرا منا وحكما جزما { خاسئين } [البقرة: 65]، مردودين إلى دركات الحيوانات والسبعيات. { فجعلناها نكالا } [البقرة: 66]، فضيحة وغيره { لما بين يديها } [البقرة: 66]، لمن تكون في زمانهم وعهدهم { وما خلفها } [البقرة: 66]، ومن يكون بعد زمانهم إلى يوم القيامة فيعتبرون ويتعظون بهم المؤمنون المتقون عن البلايا بالرجوع إلى الحق عند الابتلاء. كما قال تعالى: { وموعظة للمتقين } [البقرة: 66]، فهذا البلاء والخسران جزاء فمن لم يعرف قدر الإحسان ويكافئ النعم بالكفران يرد من عزة الوصال إلى ذل الهجران ورسوم الصدود والخذلان، وكانت عقوبة الأمم بالمسخ والخسف على الأجساد، وهذه الأمة بالخسف والمسخ على القلوب، وعقوبات القلوب أشد من عقوبات النفوس، قال الله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم [الأنعام: 110]، هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك ينخرط في إيتاء السلوك، ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرقة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان. ثم أخبر عن ابتلائهم بذبح البقرة إظهارا لسر القدرة بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إلى قوله وما كادوا يفعلون [البقرة: 71] والإشارة في تحقيق الآيات الخمس في قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إشارة إلى ذبح بقرة النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني، وهذا هو الجهاد الأكبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بقوله: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ، ويقوله للمجاهد نفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " ، أيضا إشارة إلى هذا المعنى. { قالوا أتتخذنا هزوا } [البقرة: 67] أي: تستهزئ بنا في ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذي نفس دنية { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } [البقرة: 67]، الذين يظنون أن ذبح النفس أمر هين ويستبعد له كل تابع الهوى وعابد الدنيا { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } [البقرة: 68]، أن يبين { إنها بقرة } [البقرة: 68]، نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فإشارة إلى بقرة نفس { لا فارض } [البقرة: 68]، في سن الشيخوخة متعجزا عن سلوك الطريق لضعف المشيب وحملا لقوى النفسانية، كما قال بعض المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر. { ولا بكر } [البقرة: 68]، في سن الشباب فإنه بشهوته سكره { عوان بين ذلك } [البقرة: 68] أي: عند كمال العقل والكهولة تعبد الشيخوخة، وتجنن رعونة الشباب كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { فافعلوا ما تؤمرون } [البقرة: 68]، فإنكم إذا تقربتم إلى الله تعالى بما أمرتم فإن الله يتقرب إليكم بما وعدتم، فإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا في الشيب والشباب.

البقرة 2:68

{ فلولا فضل الله عليكم ورحمته } [البقرة: 64]، وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط، وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية، { لكنتم من الخاسرين } [البقرة: 64]، المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران، والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والأولى، كما كان حال المصرين منكم والمعتدين بقوله تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } [البقرة: 65]، بالخذلان وتقديم العصيان { فقلنا لهم } [البقرة: 65]، قهرا وفرا { كونوا قردة } [البقرة: 65]، أمرا منا وحكما جزما { خاسئين } [البقرة: 65]، مردودين إلى دركات الحيوانات والسبعيات. { فجعلناها نكالا } [البقرة: 66]، فضيحة وغيره { لما بين يديها } [البقرة: 66]، لمن تكون في زمانهم وعهدهم { وما خلفها } [البقرة: 66]، ومن يكون بعد زمانهم إلى يوم القيامة فيعتبرون ويتعظون بهم المؤمنون المتقون عن البلايا بالرجوع إلى الحق عند الابتلاء. كما قال تعالى: { وموعظة للمتقين } [البقرة: 66]، فهذا البلاء والخسران جزاء فمن لم يعرف قدر الإحسان ويكافئ النعم بالكفران يرد من عزة الوصال إلى ذل الهجران ورسوم الصدود والخذلان، وكانت عقوبة الأمم بالمسخ والخسف على الأجساد، وهذه الأمة بالخسف والمسخ على القلوب، وعقوبات القلوب أشد من عقوبات النفوس، قال الله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم [الأنعام: 110]، هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك ينخرط في إيتاء السلوك، ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرقة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان. ثم أخبر عن ابتلائهم بذبح البقرة إظهارا لسر القدرة بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إلى قوله وما كادوا يفعلون [البقرة: 71] والإشارة في تحقيق الآيات الخمس في قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إشارة إلى ذبح بقرة النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني، وهذا هو الجهاد الأكبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بقوله: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ، ويقوله للمجاهد نفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " ، أيضا إشارة إلى هذا المعنى. { قالوا أتتخذنا هزوا } [البقرة: 67] أي: تستهزئ بنا في ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذي نفس دنية { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } [البقرة: 67]، الذين يظنون أن ذبح النفس أمر هين ويستبعد له كل تابع الهوى وعابد الدنيا { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } [البقرة: 68]، أن يبين { إنها بقرة } [البقرة: 68]، نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فإشارة إلى بقرة نفس { لا فارض } [البقرة: 68]، في سن الشيخوخة متعجزا عن سلوك الطريق لضعف المشيب وحملا لقوى النفسانية، كما قال بعض المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر. { ولا بكر } [البقرة: 68]، في سن الشباب فإنه بشهوته سكره { عوان بين ذلك } [البقرة: 68] أي: عند كمال العقل والكهولة تعبد الشيخوخة، وتجنن رعونة الشباب كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { فافعلوا ما تؤمرون } [البقرة: 68]، فإنكم إذا تقربتم إلى الله تعالى بما أمرتم فإن الله يتقرب إليكم بما وعدتم، فإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا في الشيب والشباب.

البقرة 2:69

{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } [البقرة: 69] يعني: لون بقرة نفس تصلح للذبح في الجهاد { قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها } [البقرة: 69] يعني: صفرة زين لا صفرة شين كما هي سيما الصالحين { تسر الناظرين } [البقرة: 69]، من نظر إليها يشاهدها في غرتهم، قد ألبست من آثر الطاعات ويطالع من طلعتهم أثار شواهد سيماهم في وجوههم من أثر السجود [الفتح: 29] وقوله عليه صلى الله عليه وسلم: " أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ". { إن البقر تشابه علينا } [البقرة: 70]، إشارة إلى كثرة تشبه الباطلين بزي الطالبين وكسوتهم وهيئاتهم { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } [البقرة: 70]، إلى الصادق منهم فالاهتداء يتعلق بمشيئة الله تعالى وبدلالته، كما كان حال موسى والخضر - عليهما السلام - فلو لم يدل الله موسى عليه السلام لما وجده قوله تعالى: { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض } [البقرة: 71]، إشارة إلى نفس الطالب الصادق التي لا تحتمل الذلة بأن تثير بآلة الحرص أرض الدنيا بطلب زخارفها، وتتبع هوى النفس وشهواتها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " عز من قنع وذل من طمع " وقال: " ليس للمؤمن أن يذل نفسه ". { ولا تسقي الحرث } [البقرة: 71]، حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وعند الحق، كقوله تعالى: ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20] { مسلمة لا شية فيها } [البقرة: 71] أي: نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لأحكام ربها ليس فيها غير الله ولا مقصد لها إلا الله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله [البقرة: 273] إلى إلحافا [البقرة: 273] قوله تعالى: { فذبحوها وما كادوا يفعلون } [البقرة: 71]. ثم أخبر عن قتلهم القتيل وإحياء القتيل بقوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } [البقرة: 72]، الآيتين والإشارة في تحقيقهم: أن قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا } فيها إشارة إلى قتل النفس، وإن القتيل هو القلب الروحاني، وإن إحياءه في قتل النفس البهيمية، كما قال قائلهم: أقتلوني يا ثقاتي إن قتلي حياتي وكما أشار بعضهم: سر بالإرادة تحيى بالطبيعة أو مت بالطبيعة تحيي بالحقيقة { فادارأتم فيها } فشككتم واختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أم من النفس الأمارة بالسوء. { والله مخرج ما كنتم تكتمون } [البقرة: 72]، بإحالة النفس إلى الشيطان ومكرها إلى الدنيا وزينتها والشيطان والدنيا يخيلان إلى النفس الأمارة وهواها { فقلنا اضربوه ببعضها } [البقرة: 73]، وكما أن الله تعالى أراد أن يحيي قتيلهم ليفصح بالشهادة على قاتله أمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله فكذلك إذا أراد الله أن يحيي قتيل قلب الإنسان أمر بقتل حيوان النفس بسيف المجاهدات ليحيى قتيل قلبه بأنوار الشهادات كقوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [الأنعام: 122]. وكما أن البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل قام بإذن الله تعالى، وقال: قتلني فلان، كذلك من ضرب لسان النفس المذبوح بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيي الله قلبه بنوره فيقول، ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53]. { كذلك يحيي الله الموتى } [البقرة: 73]، يحيي الله الأجساد في الآخرة والقلوب في الدنيا، { ويريكم آياته } [البقرة: 73]، دلالة مع الخواص وبراهينه مع أخص الخواص، كما قال تعالى في خواص المؤمنين سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال في يوسف عليه السلام وهو أخص الخواص: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24] { لعلكم تعقلون } [البقرة: 73]، فأثبت الله تعالى العقل لمن كان مستعدا لرؤية آياته باستحقاق إرادة الله تعالى آياته لا برؤية نفسه، فإن العقل الحقيقي هو المستفاد من أنوار مواهب الله تعالى، كما قال تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40]، وقال في الذين لهم عقل المعاش دون المستفاد: صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 18]. ثم أخبر عن أهل هذه الشقاوة ووصفهم بالقساوة بقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]، والإشارة في تحقيق الآية أن اليهود وإن شاهدوا عظيم الآيات، وطالعوا واضح البينات فحين لم تساعدهم العناية ولم توافقهم الهداية لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة على قسوة، ولم تنزلهم من مكامن التقدير إلا شقوة على شقوة، وذلك لأن الله تعالى أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحس، ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيعجزهم عن التكذيب والإنكار، يدل عليه قوله تعالى: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24]. وسئل الحسن ابن منصور رحمه الله عن البرهان فقال: البرهان واردات ترد على القلوب تعجز النفوس عن تكذيبها، فهكذا حال بعض المغرورين الممكورين من يدعي الطلب إذا لم يكن لهم شيخ كامل واصل حين شرعوا في الرياضة وأخذوا في المجاهدات بترك اللذات والشهوات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات، فإذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييد الإلهي مؤكدا بالعناية الأزلية لم يزدهم إلا العجب والغرور والخسران والقساوة والطغيان، وأكثر ما يقع هذا للرهبان والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون، وإنما شبه قلوبهم بالحجارة للقسوة وعدم اللين للذكر الحقيقي كقوله تعالى: ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر: 23]، والذكر الحقيقي ما يتداركه الحق بذكره كقوله تعالى: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152]. ثم بين أنها دون الحجارة بقوله: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } [البقرة: 74]، والإشارة فيها إلى مرتبة القلوب في القسوة؛ بعضها بمرتبة الحجارة التي تنفجر منها الأنهار، وهو قلب تظهر عليه تغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء } [البقرة: 74]، وهو قلب تظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية من أنوار الروح، فيريد بعض الآيات والمعاني المعقولة، كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يهبط من خشية الله } [البقرة: 74]، وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار الروح من وراء الحجب، فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض أهل الإيمان. وأهل هذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم، فالفرق بينهم أن أحوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الإسلام، فتزيد في قربهم وعلوهم ودرجاتهم ولغيرهم غير مؤيدة بالإيمان، فتزيد في غرورهم وردهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون من غيرهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق دون غيرهم، كما قال تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [الزمر: 22]، وسيجيء شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبعض القلوب بمرتبة الحجارة القاسية التي لا يؤثر فيه القرآن والأخبار والحكمة والموعظة لقوله تعالى: { أو أشد قسوة } [البقرة: 74]، وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق، فإنه قلب مختوم عليه وفيه الدلالة على أن القلوب على فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم بالابتكار والجحود واستيلاء حب الدنيا وزخارفها وتتبع الشهوات ولذاتها تقسوا وتشتد قسوتها، كقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]. { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 74] أي: يجازيكم عاجلا وآجلا، فأما عاجلا: بأن يجعل إنكاركم سبب غفلة وقسوة قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع إنكاركم وجحودكم كما قال تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم [النساء: 155]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه " وأما أجلا: فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيئات أعمالكم، كما قال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40].

البقرة 2:70

{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } [البقرة: 69] يعني: لون بقرة نفس تصلح للذبح في الجهاد { قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها } [البقرة: 69] يعني: صفرة زين لا صفرة شين كما هي سيما الصالحين { تسر الناظرين } [البقرة: 69]، من نظر إليها يشاهدها في غرتهم، قد ألبست من آثر الطاعات ويطالع من طلعتهم أثار شواهد سيماهم في وجوههم من أثر السجود [الفتح: 29] وقوله عليه صلى الله عليه وسلم: " أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ". { إن البقر تشابه علينا } [البقرة: 70]، إشارة إلى كثرة تشبه الباطلين بزي الطالبين وكسوتهم وهيئاتهم { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } [البقرة: 70]، إلى الصادق منهم فالاهتداء يتعلق بمشيئة الله تعالى وبدلالته، كما كان حال موسى والخضر - عليهما السلام - فلو لم يدل الله موسى عليه السلام لما وجده قوله تعالى: { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض } [البقرة: 71]، إشارة إلى نفس الطالب الصادق التي لا تحتمل الذلة بأن تثير بآلة الحرص أرض الدنيا بطلب زخارفها، وتتبع هوى النفس وشهواتها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " عز من قنع وذل من طمع " وقال: " ليس للمؤمن أن يذل نفسه ". { ولا تسقي الحرث } [البقرة: 71]، حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وعند الحق، كقوله تعالى: ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20] { مسلمة لا شية فيها } [البقرة: 71] أي: نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لأحكام ربها ليس فيها غير الله ولا مقصد لها إلا الله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله [البقرة: 273] إلى إلحافا [البقرة: 273] قوله تعالى: { فذبحوها وما كادوا يفعلون } [البقرة: 71]. ثم أخبر عن قتلهم القتيل وإحياء القتيل بقوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } [البقرة: 72]، الآيتين والإشارة في تحقيقهم: أن قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا } فيها إشارة إلى قتل النفس، وإن القتيل هو القلب الروحاني، وإن إحياءه في قتل النفس البهيمية، كما قال قائلهم: أقتلوني يا ثقاتي إن قتلي حياتي وكما أشار بعضهم: سر بالإرادة تحيى بالطبيعة أو مت بالطبيعة تحيي بالحقيقة { فادارأتم فيها } فشككتم واختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أم من النفس الأمارة بالسوء. { والله مخرج ما كنتم تكتمون } [البقرة: 72]، بإحالة النفس إلى الشيطان ومكرها إلى الدنيا وزينتها والشيطان والدنيا يخيلان إلى النفس الأمارة وهواها { فقلنا اضربوه ببعضها } [البقرة: 73]، وكما أن الله تعالى أراد أن يحيي قتيلهم ليفصح بالشهادة على قاتله أمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله فكذلك إذا أراد الله أن يحيي قتيل قلب الإنسان أمر بقتل حيوان النفس بسيف المجاهدات ليحيى قتيل قلبه بأنوار الشهادات كقوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [الأنعام: 122]. وكما أن البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل قام بإذن الله تعالى، وقال: قتلني فلان، كذلك من ضرب لسان النفس المذبوح بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيي الله قلبه بنوره فيقول، ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53]. { كذلك يحيي الله الموتى } [البقرة: 73]، يحيي الله الأجساد في الآخرة والقلوب في الدنيا، { ويريكم آياته } [البقرة: 73]، دلالة مع الخواص وبراهينه مع أخص الخواص، كما قال تعالى في خواص المؤمنين سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال في يوسف عليه السلام وهو أخص الخواص: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24] { لعلكم تعقلون } [البقرة: 73]، فأثبت الله تعالى العقل لمن كان مستعدا لرؤية آياته باستحقاق إرادة الله تعالى آياته لا برؤية نفسه، فإن العقل الحقيقي هو المستفاد من أنوار مواهب الله تعالى، كما قال تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40]، وقال في الذين لهم عقل المعاش دون المستفاد: صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 18]. ثم أخبر عن أهل هذه الشقاوة ووصفهم بالقساوة بقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]، والإشارة في تحقيق الآية أن اليهود وإن شاهدوا عظيم الآيات، وطالعوا واضح البينات فحين لم تساعدهم العناية ولم توافقهم الهداية لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة على قسوة، ولم تنزلهم من مكامن التقدير إلا شقوة على شقوة، وذلك لأن الله تعالى أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحس، ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيعجزهم عن التكذيب والإنكار، يدل عليه قوله تعالى: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24]. وسئل الحسن ابن منصور رحمه الله عن البرهان فقال: البرهان واردات ترد على القلوب تعجز النفوس عن تكذيبها، فهكذا حال بعض المغرورين الممكورين من يدعي الطلب إذا لم يكن لهم شيخ كامل واصل حين شرعوا في الرياضة وأخذوا في المجاهدات بترك اللذات والشهوات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات، فإذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييد الإلهي مؤكدا بالعناية الأزلية لم يزدهم إلا العجب والغرور والخسران والقساوة والطغيان، وأكثر ما يقع هذا للرهبان والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون، وإنما شبه قلوبهم بالحجارة للقسوة وعدم اللين للذكر الحقيقي كقوله تعالى: ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر: 23]، والذكر الحقيقي ما يتداركه الحق بذكره كقوله تعالى: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152]. ثم بين أنها دون الحجارة بقوله: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } [البقرة: 74]، والإشارة فيها إلى مرتبة القلوب في القسوة؛ بعضها بمرتبة الحجارة التي تنفجر منها الأنهار، وهو قلب تظهر عليه تغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء } [البقرة: 74]، وهو قلب تظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية من أنوار الروح، فيريد بعض الآيات والمعاني المعقولة، كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يهبط من خشية الله } [البقرة: 74]، وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار الروح من وراء الحجب، فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض أهل الإيمان. وأهل هذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم، فالفرق بينهم أن أحوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الإسلام، فتزيد في قربهم وعلوهم ودرجاتهم ولغيرهم غير مؤيدة بالإيمان، فتزيد في غرورهم وردهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون من غيرهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق دون غيرهم، كما قال تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [الزمر: 22]، وسيجيء شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبعض القلوب بمرتبة الحجارة القاسية التي لا يؤثر فيه القرآن والأخبار والحكمة والموعظة لقوله تعالى: { أو أشد قسوة } [البقرة: 74]، وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق، فإنه قلب مختوم عليه وفيه الدلالة على أن القلوب على فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم بالابتكار والجحود واستيلاء حب الدنيا وزخارفها وتتبع الشهوات ولذاتها تقسوا وتشتد قسوتها، كقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]. { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 74] أي: يجازيكم عاجلا وآجلا، فأما عاجلا: بأن يجعل إنكاركم سبب غفلة وقسوة قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع إنكاركم وجحودكم كما قال تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم [النساء: 155]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه " وأما أجلا: فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيئات أعمالكم، كما قال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40].

البقرة 2:71

{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } [البقرة: 69] يعني: لون بقرة نفس تصلح للذبح في الجهاد { قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها } [البقرة: 69] يعني: صفرة زين لا صفرة شين كما هي سيما الصالحين { تسر الناظرين } [البقرة: 69]، من نظر إليها يشاهدها في غرتهم، قد ألبست من آثر الطاعات ويطالع من طلعتهم أثار شواهد سيماهم في وجوههم من أثر السجود [الفتح: 29] وقوله عليه صلى الله عليه وسلم: " أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ". { إن البقر تشابه علينا } [البقرة: 70]، إشارة إلى كثرة تشبه الباطلين بزي الطالبين وكسوتهم وهيئاتهم { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } [البقرة: 70]، إلى الصادق منهم فالاهتداء يتعلق بمشيئة الله تعالى وبدلالته، كما كان حال موسى والخضر - عليهما السلام - فلو لم يدل الله موسى عليه السلام لما وجده قوله تعالى: { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض } [البقرة: 71]، إشارة إلى نفس الطالب الصادق التي لا تحتمل الذلة بأن تثير بآلة الحرص أرض الدنيا بطلب زخارفها، وتتبع هوى النفس وشهواتها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " عز من قنع وذل من طمع " وقال: " ليس للمؤمن أن يذل نفسه ". { ولا تسقي الحرث } [البقرة: 71]، حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وعند الحق، كقوله تعالى: ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20] { مسلمة لا شية فيها } [البقرة: 71] أي: نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لأحكام ربها ليس فيها غير الله ولا مقصد لها إلا الله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله [البقرة: 273] إلى إلحافا [البقرة: 273] قوله تعالى: { فذبحوها وما كادوا يفعلون } [البقرة: 71]. ثم أخبر عن قتلهم القتيل وإحياء القتيل بقوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } [البقرة: 72]، الآيتين والإشارة في تحقيقهم: أن قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا } فيها إشارة إلى قتل النفس، وإن القتيل هو القلب الروحاني، وإن إحياءه في قتل النفس البهيمية، كما قال قائلهم: أقتلوني يا ثقاتي إن قتلي حياتي وكما أشار بعضهم: سر بالإرادة تحيى بالطبيعة أو مت بالطبيعة تحيي بالحقيقة { فادارأتم فيها } فشككتم واختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أم من النفس الأمارة بالسوء. { والله مخرج ما كنتم تكتمون } [البقرة: 72]، بإحالة النفس إلى الشيطان ومكرها إلى الدنيا وزينتها والشيطان والدنيا يخيلان إلى النفس الأمارة وهواها { فقلنا اضربوه ببعضها } [البقرة: 73]، وكما أن الله تعالى أراد أن يحيي قتيلهم ليفصح بالشهادة على قاتله أمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله فكذلك إذا أراد الله أن يحيي قتيل قلب الإنسان أمر بقتل حيوان النفس بسيف المجاهدات ليحيى قتيل قلبه بأنوار الشهادات كقوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [الأنعام: 122]. وكما أن البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل قام بإذن الله تعالى، وقال: قتلني فلان، كذلك من ضرب لسان النفس المذبوح بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيي الله قلبه بنوره فيقول، ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53]. { كذلك يحيي الله الموتى } [البقرة: 73]، يحيي الله الأجساد في الآخرة والقلوب في الدنيا، { ويريكم آياته } [البقرة: 73]، دلالة مع الخواص وبراهينه مع أخص الخواص، كما قال تعالى في خواص المؤمنين سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال في يوسف عليه السلام وهو أخص الخواص: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24] { لعلكم تعقلون } [البقرة: 73]، فأثبت الله تعالى العقل لمن كان مستعدا لرؤية آياته باستحقاق إرادة الله تعالى آياته لا برؤية نفسه، فإن العقل الحقيقي هو المستفاد من أنوار مواهب الله تعالى، كما قال تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40]، وقال في الذين لهم عقل المعاش دون المستفاد: صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 18]. ثم أخبر عن أهل هذه الشقاوة ووصفهم بالقساوة بقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]، والإشارة في تحقيق الآية أن اليهود وإن شاهدوا عظيم الآيات، وطالعوا واضح البينات فحين لم تساعدهم العناية ولم توافقهم الهداية لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة على قسوة، ولم تنزلهم من مكامن التقدير إلا شقوة على شقوة، وذلك لأن الله تعالى أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحس، ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيعجزهم عن التكذيب والإنكار، يدل عليه قوله تعالى: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24]. وسئل الحسن ابن منصور رحمه الله عن البرهان فقال: البرهان واردات ترد على القلوب تعجز النفوس عن تكذيبها، فهكذا حال بعض المغرورين الممكورين من يدعي الطلب إذا لم يكن لهم شيخ كامل واصل حين شرعوا في الرياضة وأخذوا في المجاهدات بترك اللذات والشهوات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات، فإذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييد الإلهي مؤكدا بالعناية الأزلية لم يزدهم إلا العجب والغرور والخسران والقساوة والطغيان، وأكثر ما يقع هذا للرهبان والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون، وإنما شبه قلوبهم بالحجارة للقسوة وعدم اللين للذكر الحقيقي كقوله تعالى: ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر: 23]، والذكر الحقيقي ما يتداركه الحق بذكره كقوله تعالى: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152]. ثم بين أنها دون الحجارة بقوله: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } [البقرة: 74]، والإشارة فيها إلى مرتبة القلوب في القسوة؛ بعضها بمرتبة الحجارة التي تنفجر منها الأنهار، وهو قلب تظهر عليه تغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء } [البقرة: 74]، وهو قلب تظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية من أنوار الروح، فيريد بعض الآيات والمعاني المعقولة، كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يهبط من خشية الله } [البقرة: 74]، وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار الروح من وراء الحجب، فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض أهل الإيمان. وأهل هذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم، فالفرق بينهم أن أحوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الإسلام، فتزيد في قربهم وعلوهم ودرجاتهم ولغيرهم غير مؤيدة بالإيمان، فتزيد في غرورهم وردهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون من غيرهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق دون غيرهم، كما قال تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [الزمر: 22]، وسيجيء شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبعض القلوب بمرتبة الحجارة القاسية التي لا يؤثر فيه القرآن والأخبار والحكمة والموعظة لقوله تعالى: { أو أشد قسوة } [البقرة: 74]، وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق، فإنه قلب مختوم عليه وفيه الدلالة على أن القلوب على فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم بالابتكار والجحود واستيلاء حب الدنيا وزخارفها وتتبع الشهوات ولذاتها تقسوا وتشتد قسوتها، كقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]. { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 74] أي: يجازيكم عاجلا وآجلا، فأما عاجلا: بأن يجعل إنكاركم سبب غفلة وقسوة قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع إنكاركم وجحودكم كما قال تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم [النساء: 155]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه " وأما أجلا: فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيئات أعمالكم، كما قال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40].

البقرة 2:72

{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } [البقرة: 69] يعني: لون بقرة نفس تصلح للذبح في الجهاد { قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها } [البقرة: 69] يعني: صفرة زين لا صفرة شين كما هي سيما الصالحين { تسر الناظرين } [البقرة: 69]، من نظر إليها يشاهدها في غرتهم، قد ألبست من آثر الطاعات ويطالع من طلعتهم أثار شواهد سيماهم في وجوههم من أثر السجود [الفتح: 29] وقوله عليه صلى الله عليه وسلم: " أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ". { إن البقر تشابه علينا } [البقرة: 70]، إشارة إلى كثرة تشبه الباطلين بزي الطالبين وكسوتهم وهيئاتهم { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } [البقرة: 70]، إلى الصادق منهم فالاهتداء يتعلق بمشيئة الله تعالى وبدلالته، كما كان حال موسى والخضر - عليهما السلام - فلو لم يدل الله موسى عليه السلام لما وجده قوله تعالى: { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض } [البقرة: 71]، إشارة إلى نفس الطالب الصادق التي لا تحتمل الذلة بأن تثير بآلة الحرص أرض الدنيا بطلب زخارفها، وتتبع هوى النفس وشهواتها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " عز من قنع وذل من طمع " وقال: " ليس للمؤمن أن يذل نفسه ". { ولا تسقي الحرث } [البقرة: 71]، حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وعند الحق، كقوله تعالى: ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20] { مسلمة لا شية فيها } [البقرة: 71] أي: نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لأحكام ربها ليس فيها غير الله ولا مقصد لها إلا الله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله [البقرة: 273] إلى إلحافا [البقرة: 273] قوله تعالى: { فذبحوها وما كادوا يفعلون } [البقرة: 71]. ثم أخبر عن قتلهم القتيل وإحياء القتيل بقوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } [البقرة: 72]، الآيتين والإشارة في تحقيقهم: أن قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا } فيها إشارة إلى قتل النفس، وإن القتيل هو القلب الروحاني، وإن إحياءه في قتل النفس البهيمية، كما قال قائلهم: أقتلوني يا ثقاتي إن قتلي حياتي وكما أشار بعضهم: سر بالإرادة تحيى بالطبيعة أو مت بالطبيعة تحيي بالحقيقة { فادارأتم فيها } فشككتم واختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أم من النفس الأمارة بالسوء. { والله مخرج ما كنتم تكتمون } [البقرة: 72]، بإحالة النفس إلى الشيطان ومكرها إلى الدنيا وزينتها والشيطان والدنيا يخيلان إلى النفس الأمارة وهواها { فقلنا اضربوه ببعضها } [البقرة: 73]، وكما أن الله تعالى أراد أن يحيي قتيلهم ليفصح بالشهادة على قاتله أمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله فكذلك إذا أراد الله أن يحيي قتيل قلب الإنسان أمر بقتل حيوان النفس بسيف المجاهدات ليحيى قتيل قلبه بأنوار الشهادات كقوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [الأنعام: 122]. وكما أن البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل قام بإذن الله تعالى، وقال: قتلني فلان، كذلك من ضرب لسان النفس المذبوح بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيي الله قلبه بنوره فيقول، ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53]. { كذلك يحيي الله الموتى } [البقرة: 73]، يحيي الله الأجساد في الآخرة والقلوب في الدنيا، { ويريكم آياته } [البقرة: 73]، دلالة مع الخواص وبراهينه مع أخص الخواص، كما قال تعالى في خواص المؤمنين سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال في يوسف عليه السلام وهو أخص الخواص: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24] { لعلكم تعقلون } [البقرة: 73]، فأثبت الله تعالى العقل لمن كان مستعدا لرؤية آياته باستحقاق إرادة الله تعالى آياته لا برؤية نفسه، فإن العقل الحقيقي هو المستفاد من أنوار مواهب الله تعالى، كما قال تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40]، وقال في الذين لهم عقل المعاش دون المستفاد: صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 18]. ثم أخبر عن أهل هذه الشقاوة ووصفهم بالقساوة بقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]، والإشارة في تحقيق الآية أن اليهود وإن شاهدوا عظيم الآيات، وطالعوا واضح البينات فحين لم تساعدهم العناية ولم توافقهم الهداية لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة على قسوة، ولم تنزلهم من مكامن التقدير إلا شقوة على شقوة، وذلك لأن الله تعالى أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحس، ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيعجزهم عن التكذيب والإنكار، يدل عليه قوله تعالى: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24]. وسئل الحسن ابن منصور رحمه الله عن البرهان فقال: البرهان واردات ترد على القلوب تعجز النفوس عن تكذيبها، فهكذا حال بعض المغرورين الممكورين من يدعي الطلب إذا لم يكن لهم شيخ كامل واصل حين شرعوا في الرياضة وأخذوا في المجاهدات بترك اللذات والشهوات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات، فإذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييد الإلهي مؤكدا بالعناية الأزلية لم يزدهم إلا العجب والغرور والخسران والقساوة والطغيان، وأكثر ما يقع هذا للرهبان والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون، وإنما شبه قلوبهم بالحجارة للقسوة وعدم اللين للذكر الحقيقي كقوله تعالى: ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر: 23]، والذكر الحقيقي ما يتداركه الحق بذكره كقوله تعالى: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152]. ثم بين أنها دون الحجارة بقوله: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } [البقرة: 74]، والإشارة فيها إلى مرتبة القلوب في القسوة؛ بعضها بمرتبة الحجارة التي تنفجر منها الأنهار، وهو قلب تظهر عليه تغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء } [البقرة: 74]، وهو قلب تظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية من أنوار الروح، فيريد بعض الآيات والمعاني المعقولة، كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يهبط من خشية الله } [البقرة: 74]، وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار الروح من وراء الحجب، فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض أهل الإيمان. وأهل هذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم، فالفرق بينهم أن أحوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الإسلام، فتزيد في قربهم وعلوهم ودرجاتهم ولغيرهم غير مؤيدة بالإيمان، فتزيد في غرورهم وردهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون من غيرهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق دون غيرهم، كما قال تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [الزمر: 22]، وسيجيء شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبعض القلوب بمرتبة الحجارة القاسية التي لا يؤثر فيه القرآن والأخبار والحكمة والموعظة لقوله تعالى: { أو أشد قسوة } [البقرة: 74]، وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق، فإنه قلب مختوم عليه وفيه الدلالة على أن القلوب على فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم بالابتكار والجحود واستيلاء حب الدنيا وزخارفها وتتبع الشهوات ولذاتها تقسوا وتشتد قسوتها، كقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]. { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 74] أي: يجازيكم عاجلا وآجلا، فأما عاجلا: بأن يجعل إنكاركم سبب غفلة وقسوة قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع إنكاركم وجحودكم كما قال تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم [النساء: 155]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه " وأما أجلا: فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيئات أعمالكم، كما قال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40].

البقرة 2:73

{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } [البقرة: 69] يعني: لون بقرة نفس تصلح للذبح في الجهاد { قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها } [البقرة: 69] يعني: صفرة زين لا صفرة شين كما هي سيما الصالحين { تسر الناظرين } [البقرة: 69]، من نظر إليها يشاهدها في غرتهم، قد ألبست من آثر الطاعات ويطالع من طلعتهم أثار شواهد سيماهم في وجوههم من أثر السجود [الفتح: 29] وقوله عليه صلى الله عليه وسلم: " أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ". { إن البقر تشابه علينا } [البقرة: 70]، إشارة إلى كثرة تشبه الباطلين بزي الطالبين وكسوتهم وهيئاتهم { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } [البقرة: 70]، إلى الصادق منهم فالاهتداء يتعلق بمشيئة الله تعالى وبدلالته، كما كان حال موسى والخضر - عليهما السلام - فلو لم يدل الله موسى عليه السلام لما وجده قوله تعالى: { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض } [البقرة: 71]، إشارة إلى نفس الطالب الصادق التي لا تحتمل الذلة بأن تثير بآلة الحرص أرض الدنيا بطلب زخارفها، وتتبع هوى النفس وشهواتها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " عز من قنع وذل من طمع " وقال: " ليس للمؤمن أن يذل نفسه ". { ولا تسقي الحرث } [البقرة: 71]، حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وعند الحق، كقوله تعالى: ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20] { مسلمة لا شية فيها } [البقرة: 71] أي: نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لأحكام ربها ليس فيها غير الله ولا مقصد لها إلا الله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله [البقرة: 273] إلى إلحافا [البقرة: 273] قوله تعالى: { فذبحوها وما كادوا يفعلون } [البقرة: 71]. ثم أخبر عن قتلهم القتيل وإحياء القتيل بقوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } [البقرة: 72]، الآيتين والإشارة في تحقيقهم: أن قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا } فيها إشارة إلى قتل النفس، وإن القتيل هو القلب الروحاني، وإن إحياءه في قتل النفس البهيمية، كما قال قائلهم: أقتلوني يا ثقاتي إن قتلي حياتي وكما أشار بعضهم: سر بالإرادة تحيى بالطبيعة أو مت بالطبيعة تحيي بالحقيقة { فادارأتم فيها } فشككتم واختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أم من النفس الأمارة بالسوء. { والله مخرج ما كنتم تكتمون } [البقرة: 72]، بإحالة النفس إلى الشيطان ومكرها إلى الدنيا وزينتها والشيطان والدنيا يخيلان إلى النفس الأمارة وهواها { فقلنا اضربوه ببعضها } [البقرة: 73]، وكما أن الله تعالى أراد أن يحيي قتيلهم ليفصح بالشهادة على قاتله أمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله فكذلك إذا أراد الله أن يحيي قتيل قلب الإنسان أمر بقتل حيوان النفس بسيف المجاهدات ليحيى قتيل قلبه بأنوار الشهادات كقوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [الأنعام: 122]. وكما أن البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل قام بإذن الله تعالى، وقال: قتلني فلان، كذلك من ضرب لسان النفس المذبوح بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيي الله قلبه بنوره فيقول، ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53]. { كذلك يحيي الله الموتى } [البقرة: 73]، يحيي الله الأجساد في الآخرة والقلوب في الدنيا، { ويريكم آياته } [البقرة: 73]، دلالة مع الخواص وبراهينه مع أخص الخواص، كما قال تعالى في خواص المؤمنين سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال في يوسف عليه السلام وهو أخص الخواص: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24] { لعلكم تعقلون } [البقرة: 73]، فأثبت الله تعالى العقل لمن كان مستعدا لرؤية آياته باستحقاق إرادة الله تعالى آياته لا برؤية نفسه، فإن العقل الحقيقي هو المستفاد من أنوار مواهب الله تعالى، كما قال تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40]، وقال في الذين لهم عقل المعاش دون المستفاد: صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 18]. ثم أخبر عن أهل هذه الشقاوة ووصفهم بالقساوة بقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]، والإشارة في تحقيق الآية أن اليهود وإن شاهدوا عظيم الآيات، وطالعوا واضح البينات فحين لم تساعدهم العناية ولم توافقهم الهداية لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة على قسوة، ولم تنزلهم من مكامن التقدير إلا شقوة على شقوة، وذلك لأن الله تعالى أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحس، ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيعجزهم عن التكذيب والإنكار، يدل عليه قوله تعالى: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24]. وسئل الحسن ابن منصور رحمه الله عن البرهان فقال: البرهان واردات ترد على القلوب تعجز النفوس عن تكذيبها، فهكذا حال بعض المغرورين الممكورين من يدعي الطلب إذا لم يكن لهم شيخ كامل واصل حين شرعوا في الرياضة وأخذوا في المجاهدات بترك اللذات والشهوات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات، فإذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييد الإلهي مؤكدا بالعناية الأزلية لم يزدهم إلا العجب والغرور والخسران والقساوة والطغيان، وأكثر ما يقع هذا للرهبان والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون، وإنما شبه قلوبهم بالحجارة للقسوة وعدم اللين للذكر الحقيقي كقوله تعالى: ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر: 23]، والذكر الحقيقي ما يتداركه الحق بذكره كقوله تعالى: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152]. ثم بين أنها دون الحجارة بقوله: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } [البقرة: 74]، والإشارة فيها إلى مرتبة القلوب في القسوة؛ بعضها بمرتبة الحجارة التي تنفجر منها الأنهار، وهو قلب تظهر عليه تغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء } [البقرة: 74]، وهو قلب تظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية من أنوار الروح، فيريد بعض الآيات والمعاني المعقولة، كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يهبط من خشية الله } [البقرة: 74]، وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار الروح من وراء الحجب، فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض أهل الإيمان. وأهل هذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم، فالفرق بينهم أن أحوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الإسلام، فتزيد في قربهم وعلوهم ودرجاتهم ولغيرهم غير مؤيدة بالإيمان، فتزيد في غرورهم وردهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون من غيرهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق دون غيرهم، كما قال تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [الزمر: 22]، وسيجيء شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبعض القلوب بمرتبة الحجارة القاسية التي لا يؤثر فيه القرآن والأخبار والحكمة والموعظة لقوله تعالى: { أو أشد قسوة } [البقرة: 74]، وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق، فإنه قلب مختوم عليه وفيه الدلالة على أن القلوب على فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم بالابتكار والجحود واستيلاء حب الدنيا وزخارفها وتتبع الشهوات ولذاتها تقسوا وتشتد قسوتها، كقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]. { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 74] أي: يجازيكم عاجلا وآجلا، فأما عاجلا: بأن يجعل إنكاركم سبب غفلة وقسوة قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع إنكاركم وجحودكم كما قال تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم [النساء: 155]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه " وأما أجلا: فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيئات أعمالكم، كما قال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40].

البقرة 2:74

{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } [البقرة: 69] يعني: لون بقرة نفس تصلح للذبح في الجهاد { قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها } [البقرة: 69] يعني: صفرة زين لا صفرة شين كما هي سيما الصالحين { تسر الناظرين } [البقرة: 69]، من نظر إليها يشاهدها في غرتهم، قد ألبست من آثر الطاعات ويطالع من طلعتهم أثار شواهد سيماهم في وجوههم من أثر السجود [الفتح: 29] وقوله عليه صلى الله عليه وسلم: " أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ". { إن البقر تشابه علينا } [البقرة: 70]، إشارة إلى كثرة تشبه الباطلين بزي الطالبين وكسوتهم وهيئاتهم { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } [البقرة: 70]، إلى الصادق منهم فالاهتداء يتعلق بمشيئة الله تعالى وبدلالته، كما كان حال موسى والخضر - عليهما السلام - فلو لم يدل الله موسى عليه السلام لما وجده قوله تعالى: { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض } [البقرة: 71]، إشارة إلى نفس الطالب الصادق التي لا تحتمل الذلة بأن تثير بآلة الحرص أرض الدنيا بطلب زخارفها، وتتبع هوى النفس وشهواتها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " عز من قنع وذل من طمع " وقال: " ليس للمؤمن أن يذل نفسه ". { ولا تسقي الحرث } [البقرة: 71]، حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وعند الحق، كقوله تعالى: ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20] { مسلمة لا شية فيها } [البقرة: 71] أي: نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لأحكام ربها ليس فيها غير الله ولا مقصد لها إلا الله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله [البقرة: 273] إلى إلحافا [البقرة: 273] قوله تعالى: { فذبحوها وما كادوا يفعلون } [البقرة: 71]. ثم أخبر عن قتلهم القتيل وإحياء القتيل بقوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } [البقرة: 72]، الآيتين والإشارة في تحقيقهم: أن قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا } فيها إشارة إلى قتل النفس، وإن القتيل هو القلب الروحاني، وإن إحياءه في قتل النفس البهيمية، كما قال قائلهم: أقتلوني يا ثقاتي إن قتلي حياتي وكما أشار بعضهم: سر بالإرادة تحيى بالطبيعة أو مت بالطبيعة تحيي بالحقيقة { فادارأتم فيها } فشككتم واختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أم من النفس الأمارة بالسوء. { والله مخرج ما كنتم تكتمون } [البقرة: 72]، بإحالة النفس إلى الشيطان ومكرها إلى الدنيا وزينتها والشيطان والدنيا يخيلان إلى النفس الأمارة وهواها { فقلنا اضربوه ببعضها } [البقرة: 73]، وكما أن الله تعالى أراد أن يحيي قتيلهم ليفصح بالشهادة على قاتله أمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله فكذلك إذا أراد الله أن يحيي قتيل قلب الإنسان أمر بقتل حيوان النفس بسيف المجاهدات ليحيى قتيل قلبه بأنوار الشهادات كقوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [الأنعام: 122]. وكما أن البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل قام بإذن الله تعالى، وقال: قتلني فلان، كذلك من ضرب لسان النفس المذبوح بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيي الله قلبه بنوره فيقول، ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53]. { كذلك يحيي الله الموتى } [البقرة: 73]، يحيي الله الأجساد في الآخرة والقلوب في الدنيا، { ويريكم آياته } [البقرة: 73]، دلالة مع الخواص وبراهينه مع أخص الخواص، كما قال تعالى في خواص المؤمنين سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال في يوسف عليه السلام وهو أخص الخواص: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24] { لعلكم تعقلون } [البقرة: 73]، فأثبت الله تعالى العقل لمن كان مستعدا لرؤية آياته باستحقاق إرادة الله تعالى آياته لا برؤية نفسه، فإن العقل الحقيقي هو المستفاد من أنوار مواهب الله تعالى، كما قال تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40]، وقال في الذين لهم عقل المعاش دون المستفاد: صم بكم عمي فهم لا يرجعون [البقرة: 18]. ثم أخبر عن أهل هذه الشقاوة ووصفهم بالقساوة بقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]، والإشارة في تحقيق الآية أن اليهود وإن شاهدوا عظيم الآيات، وطالعوا واضح البينات فحين لم تساعدهم العناية ولم توافقهم الهداية لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة على قسوة، ولم تنزلهم من مكامن التقدير إلا شقوة على شقوة، وذلك لأن الله تعالى أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحس، ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيعجزهم عن التكذيب والإنكار، يدل عليه قوله تعالى: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24]. وسئل الحسن ابن منصور رحمه الله عن البرهان فقال: البرهان واردات ترد على القلوب تعجز النفوس عن تكذيبها، فهكذا حال بعض المغرورين الممكورين من يدعي الطلب إذا لم يكن لهم شيخ كامل واصل حين شرعوا في الرياضة وأخذوا في المجاهدات بترك اللذات والشهوات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات، فإذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييد الإلهي مؤكدا بالعناية الأزلية لم يزدهم إلا العجب والغرور والخسران والقساوة والطغيان، وأكثر ما يقع هذا للرهبان والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون، وإنما شبه قلوبهم بالحجارة للقسوة وعدم اللين للذكر الحقيقي كقوله تعالى: ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر: 23]، والذكر الحقيقي ما يتداركه الحق بذكره كقوله تعالى: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152]. ثم بين أنها دون الحجارة بقوله: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } [البقرة: 74]، والإشارة فيها إلى مرتبة القلوب في القسوة؛ بعضها بمرتبة الحجارة التي تنفجر منها الأنهار، وهو قلب تظهر عليه تغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء } [البقرة: 74]، وهو قلب تظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية من أنوار الروح، فيريد بعض الآيات والمعاني المعقولة، كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء. وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يهبط من خشية الله } [البقرة: 74]، وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار الروح من وراء الحجب، فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض أهل الإيمان. وأهل هذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم، فالفرق بينهم أن أحوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الإسلام، فتزيد في قربهم وعلوهم ودرجاتهم ولغيرهم غير مؤيدة بالإيمان، فتزيد في غرورهم وردهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون من غيرهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق دون غيرهم، كما قال تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [الزمر: 22]، وسيجيء شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبعض القلوب بمرتبة الحجارة القاسية التي لا يؤثر فيه القرآن والأخبار والحكمة والموعظة لقوله تعالى: { أو أشد قسوة } [البقرة: 74]، وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق، فإنه قلب مختوم عليه وفيه الدلالة على أن القلوب على فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم بالابتكار والجحود واستيلاء حب الدنيا وزخارفها وتتبع الشهوات ولذاتها تقسوا وتشتد قسوتها، كقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]. { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 74] أي: يجازيكم عاجلا وآجلا، فأما عاجلا: بأن يجعل إنكاركم سبب غفلة وقسوة قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع إنكاركم وجحودكم كما قال تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم [النساء: 155]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه " وأما أجلا: فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيئات أعمالكم، كما قال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40].

البقرة 2:75

ثم أخبر عن اليأس من إيمانهم بغاية خذلانهم بقوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } [البقرة: 75]، إلى قوله تعالى: { وما يعلنون } [البقرة: 77]، والإشارة في تحقيق الآيات بمجرد سماع الكلام من الله تعالى وإن كان بلا واسطة لا يحصل الإيمان الحقيقي، فإن الفريق الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ولو كان لهم من الإيمان الحقيقي حاصل ما حرفوا كلام الله وهم يعلمون العلم الحقيقي أنه حق، وهذا يدل على أن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله تعالى لا يفيد الإيمان الحقيقي إلا أن يزكيه الله تعالى بفضله ورحمته كما قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا [النور: 21]، وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75]، وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته قال في حقه: وكان من الكفرين [البقرة: 34]. { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } [البقرة: 76] يعني: إذ لم يكن سماع الكلام يفيد الفريق منهم فكيف يفيد هؤلاء منا: { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون } [البقرة: 76]، وهم من جهلهم وغفلتهم: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } [البقرة: 77]، فيطلع رسوله على أسرارهم، وهذا أحد معاني إعجاز القرآن؛ يخبرهم عن مخفيات ضمائرهم ومجيبات سرائرهم { وما يعلنون } [البقرة: 77]، من تصديق بلا تحقيق وهم من عمى بصائر قلوبهم لا يبصرون المعجزات ولا يؤمنون بها. ثم أخبر عن غاية جهلهم وخسة عقلهم بقوله تعالى: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: 78]، الآيتين، الإشارة فيهما: أن اليهود متفاوتون في مراتب كفرهم، فقوم منهم أميون لا يعلمون الكتاب ما هو في الحقيقة إلا أماني أي: ما يتمنون من عند أنفسهم كما قال تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: " ليس الدين بالتمني " فبعضهم أحسن درجة وأكثر جهلا، ركنوا إلى التقليد المحض، ولا يمكنهم استيفاء شهوة، بل اعترضوا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام، ومنهم: من أكثر شأنه ما يتمناه في نفسه ولا يساعده مكان إلا بظنون وتخمين، ومنهم: من يعتمد على كتب الأوائل وأقاويلهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ويكتبونه بأيديهم { ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } [البقرة: 79]، من الحطام الدنيوية والوجاهة عند الناس { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79]، من الكفر والإلحاد عن الحق والاعتقاد السوء، وإغواء الخلق وإضلالهم، كما قال تعالى: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا [المائدة: 77]، في هذه الآيات أيضا إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء وأرباب القلوب ظاهرا، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعا، وإذا قادته دواعي الحق يتكلف كرها من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية الحظوظ الفانية. ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: { وقالوا لن تمسنا النار } [البقرة: 80]، إلى قوله: { خالدون } البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلال الفلاسفة وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج الأعمال. { إلا أياما معدودة } [البقرة: 80]، وذلك من فطام الأرواح عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حسا وعقلا أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق الروح وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون مساويا بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ لقوله تعالى: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم [الملك: 22]، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } [البقرة: 81]، تظهر على مرآة قلبه بقدرها دينا، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى إذا أحاطت بمرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات وأحاط به الخطيئات { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 81]، والذي يدل على هذا قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، ومن كان في قلبه ذرة من الإيمان فلم يحط به خطيئته، وإن كان من أهل الكبائر يخرج من النار، ولا يخلد فيها بالشفاعة الشافعين، وجاء في الحديث الصحيح: " يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيكون مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات ". وفيه أيضا إشارة إلى بعض أرباب الطلب فمن يركن بنفسه في أثناء الطلب إلى شيء من الزخارف الدنيا ويميل إلى شيء من شهواتها، فيظهر عليه الشيطان بذلك فيوسوس له؛ ليقطع عليه الطلب ويغره بمعاملاته وزهده وعزلته فيوقعه في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير فيهلك المغرور، أو يغتر ببعض الأحوال التي تظهر على أهل الطلب في أثناء السلوك من الوقائع الصادقة والروايات الصالحات، وشيء من المشاهدات الروحانية الرحمانية، فيظن المغرور الممكور أن ليس وراء عيان هذه المقامات قرية، وأنه بلغ مبلغ الرجال البالغين ووصل إلى مقام الواصلين، فيسكن عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فيبقى بهذه الواقعة في نار الطبيعة ويرجع قهقرى إلى أسفل الطبيعة نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

البقرة 2:76

ثم أخبر عن اليأس من إيمانهم بغاية خذلانهم بقوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } [البقرة: 75]، إلى قوله تعالى: { وما يعلنون } [البقرة: 77]، والإشارة في تحقيق الآيات بمجرد سماع الكلام من الله تعالى وإن كان بلا واسطة لا يحصل الإيمان الحقيقي، فإن الفريق الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ولو كان لهم من الإيمان الحقيقي حاصل ما حرفوا كلام الله وهم يعلمون العلم الحقيقي أنه حق، وهذا يدل على أن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله تعالى لا يفيد الإيمان الحقيقي إلا أن يزكيه الله تعالى بفضله ورحمته كما قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا [النور: 21]، وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75]، وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته قال في حقه: وكان من الكفرين [البقرة: 34]. { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } [البقرة: 76] يعني: إذ لم يكن سماع الكلام يفيد الفريق منهم فكيف يفيد هؤلاء منا: { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون } [البقرة: 76]، وهم من جهلهم وغفلتهم: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } [البقرة: 77]، فيطلع رسوله على أسرارهم، وهذا أحد معاني إعجاز القرآن؛ يخبرهم عن مخفيات ضمائرهم ومجيبات سرائرهم { وما يعلنون } [البقرة: 77]، من تصديق بلا تحقيق وهم من عمى بصائر قلوبهم لا يبصرون المعجزات ولا يؤمنون بها. ثم أخبر عن غاية جهلهم وخسة عقلهم بقوله تعالى: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: 78]، الآيتين، الإشارة فيهما: أن اليهود متفاوتون في مراتب كفرهم، فقوم منهم أميون لا يعلمون الكتاب ما هو في الحقيقة إلا أماني أي: ما يتمنون من عند أنفسهم كما قال تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: " ليس الدين بالتمني " فبعضهم أحسن درجة وأكثر جهلا، ركنوا إلى التقليد المحض، ولا يمكنهم استيفاء شهوة، بل اعترضوا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام، ومنهم: من أكثر شأنه ما يتمناه في نفسه ولا يساعده مكان إلا بظنون وتخمين، ومنهم: من يعتمد على كتب الأوائل وأقاويلهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ويكتبونه بأيديهم { ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } [البقرة: 79]، من الحطام الدنيوية والوجاهة عند الناس { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79]، من الكفر والإلحاد عن الحق والاعتقاد السوء، وإغواء الخلق وإضلالهم، كما قال تعالى: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا [المائدة: 77]، في هذه الآيات أيضا إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء وأرباب القلوب ظاهرا، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعا، وإذا قادته دواعي الحق يتكلف كرها من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية الحظوظ الفانية. ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: { وقالوا لن تمسنا النار } [البقرة: 80]، إلى قوله: { خالدون } البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلال الفلاسفة وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج الأعمال. { إلا أياما معدودة } [البقرة: 80]، وذلك من فطام الأرواح عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حسا وعقلا أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق الروح وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون مساويا بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ لقوله تعالى: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم [الملك: 22]، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } [البقرة: 81]، تظهر على مرآة قلبه بقدرها دينا، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى إذا أحاطت بمرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات وأحاط به الخطيئات { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 81]، والذي يدل على هذا قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، ومن كان في قلبه ذرة من الإيمان فلم يحط به خطيئته، وإن كان من أهل الكبائر يخرج من النار، ولا يخلد فيها بالشفاعة الشافعين، وجاء في الحديث الصحيح: " يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيكون مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات ". وفيه أيضا إشارة إلى بعض أرباب الطلب فمن يركن بنفسه في أثناء الطلب إلى شيء من الزخارف الدنيا ويميل إلى شيء من شهواتها، فيظهر عليه الشيطان بذلك فيوسوس له؛ ليقطع عليه الطلب ويغره بمعاملاته وزهده وعزلته فيوقعه في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير فيهلك المغرور، أو يغتر ببعض الأحوال التي تظهر على أهل الطلب في أثناء السلوك من الوقائع الصادقة والروايات الصالحات، وشيء من المشاهدات الروحانية الرحمانية، فيظن المغرور الممكور أن ليس وراء عيان هذه المقامات قرية، وأنه بلغ مبلغ الرجال البالغين ووصل إلى مقام الواصلين، فيسكن عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فيبقى بهذه الواقعة في نار الطبيعة ويرجع قهقرى إلى أسفل الطبيعة نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

البقرة 2:77

ثم أخبر عن اليأس من إيمانهم بغاية خذلانهم بقوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } [البقرة: 75]، إلى قوله تعالى: { وما يعلنون } [البقرة: 77]، والإشارة في تحقيق الآيات بمجرد سماع الكلام من الله تعالى وإن كان بلا واسطة لا يحصل الإيمان الحقيقي، فإن الفريق الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ولو كان لهم من الإيمان الحقيقي حاصل ما حرفوا كلام الله وهم يعلمون العلم الحقيقي أنه حق، وهذا يدل على أن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله تعالى لا يفيد الإيمان الحقيقي إلا أن يزكيه الله تعالى بفضله ورحمته كما قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا [النور: 21]، وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75]، وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته قال في حقه: وكان من الكفرين [البقرة: 34]. { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } [البقرة: 76] يعني: إذ لم يكن سماع الكلام يفيد الفريق منهم فكيف يفيد هؤلاء منا: { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون } [البقرة: 76]، وهم من جهلهم وغفلتهم: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } [البقرة: 77]، فيطلع رسوله على أسرارهم، وهذا أحد معاني إعجاز القرآن؛ يخبرهم عن مخفيات ضمائرهم ومجيبات سرائرهم { وما يعلنون } [البقرة: 77]، من تصديق بلا تحقيق وهم من عمى بصائر قلوبهم لا يبصرون المعجزات ولا يؤمنون بها. ثم أخبر عن غاية جهلهم وخسة عقلهم بقوله تعالى: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: 78]، الآيتين، الإشارة فيهما: أن اليهود متفاوتون في مراتب كفرهم، فقوم منهم أميون لا يعلمون الكتاب ما هو في الحقيقة إلا أماني أي: ما يتمنون من عند أنفسهم كما قال تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: " ليس الدين بالتمني " فبعضهم أحسن درجة وأكثر جهلا، ركنوا إلى التقليد المحض، ولا يمكنهم استيفاء شهوة، بل اعترضوا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام، ومنهم: من أكثر شأنه ما يتمناه في نفسه ولا يساعده مكان إلا بظنون وتخمين، ومنهم: من يعتمد على كتب الأوائل وأقاويلهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ويكتبونه بأيديهم { ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } [البقرة: 79]، من الحطام الدنيوية والوجاهة عند الناس { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79]، من الكفر والإلحاد عن الحق والاعتقاد السوء، وإغواء الخلق وإضلالهم، كما قال تعالى: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا [المائدة: 77]، في هذه الآيات أيضا إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء وأرباب القلوب ظاهرا، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعا، وإذا قادته دواعي الحق يتكلف كرها من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية الحظوظ الفانية. ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: { وقالوا لن تمسنا النار } [البقرة: 80]، إلى قوله: { خالدون } البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلال الفلاسفة وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج الأعمال. { إلا أياما معدودة } [البقرة: 80]، وذلك من فطام الأرواح عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حسا وعقلا أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق الروح وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون مساويا بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ لقوله تعالى: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم [الملك: 22]، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } [البقرة: 81]، تظهر على مرآة قلبه بقدرها دينا، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى إذا أحاطت بمرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات وأحاط به الخطيئات { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 81]، والذي يدل على هذا قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، ومن كان في قلبه ذرة من الإيمان فلم يحط به خطيئته، وإن كان من أهل الكبائر يخرج من النار، ولا يخلد فيها بالشفاعة الشافعين، وجاء في الحديث الصحيح: " يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيكون مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات ". وفيه أيضا إشارة إلى بعض أرباب الطلب فمن يركن بنفسه في أثناء الطلب إلى شيء من الزخارف الدنيا ويميل إلى شيء من شهواتها، فيظهر عليه الشيطان بذلك فيوسوس له؛ ليقطع عليه الطلب ويغره بمعاملاته وزهده وعزلته فيوقعه في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير فيهلك المغرور، أو يغتر ببعض الأحوال التي تظهر على أهل الطلب في أثناء السلوك من الوقائع الصادقة والروايات الصالحات، وشيء من المشاهدات الروحانية الرحمانية، فيظن المغرور الممكور أن ليس وراء عيان هذه المقامات قرية، وأنه بلغ مبلغ الرجال البالغين ووصل إلى مقام الواصلين، فيسكن عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فيبقى بهذه الواقعة في نار الطبيعة ويرجع قهقرى إلى أسفل الطبيعة نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

البقرة 2:78

ثم أخبر عن اليأس من إيمانهم بغاية خذلانهم بقوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } [البقرة: 75]، إلى قوله تعالى: { وما يعلنون } [البقرة: 77]، والإشارة في تحقيق الآيات بمجرد سماع الكلام من الله تعالى وإن كان بلا واسطة لا يحصل الإيمان الحقيقي، فإن الفريق الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ولو كان لهم من الإيمان الحقيقي حاصل ما حرفوا كلام الله وهم يعلمون العلم الحقيقي أنه حق، وهذا يدل على أن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله تعالى لا يفيد الإيمان الحقيقي إلا أن يزكيه الله تعالى بفضله ورحمته كما قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا [النور: 21]، وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75]، وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته قال في حقه: وكان من الكفرين [البقرة: 34]. { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } [البقرة: 76] يعني: إذ لم يكن سماع الكلام يفيد الفريق منهم فكيف يفيد هؤلاء منا: { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون } [البقرة: 76]، وهم من جهلهم وغفلتهم: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } [البقرة: 77]، فيطلع رسوله على أسرارهم، وهذا أحد معاني إعجاز القرآن؛ يخبرهم عن مخفيات ضمائرهم ومجيبات سرائرهم { وما يعلنون } [البقرة: 77]، من تصديق بلا تحقيق وهم من عمى بصائر قلوبهم لا يبصرون المعجزات ولا يؤمنون بها. ثم أخبر عن غاية جهلهم وخسة عقلهم بقوله تعالى: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: 78]، الآيتين، الإشارة فيهما: أن اليهود متفاوتون في مراتب كفرهم، فقوم منهم أميون لا يعلمون الكتاب ما هو في الحقيقة إلا أماني أي: ما يتمنون من عند أنفسهم كما قال تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: " ليس الدين بالتمني " فبعضهم أحسن درجة وأكثر جهلا، ركنوا إلى التقليد المحض، ولا يمكنهم استيفاء شهوة، بل اعترضوا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام، ومنهم: من أكثر شأنه ما يتمناه في نفسه ولا يساعده مكان إلا بظنون وتخمين، ومنهم: من يعتمد على كتب الأوائل وأقاويلهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ويكتبونه بأيديهم { ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } [البقرة: 79]، من الحطام الدنيوية والوجاهة عند الناس { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79]، من الكفر والإلحاد عن الحق والاعتقاد السوء، وإغواء الخلق وإضلالهم، كما قال تعالى: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا [المائدة: 77]، في هذه الآيات أيضا إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء وأرباب القلوب ظاهرا، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعا، وإذا قادته دواعي الحق يتكلف كرها من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية الحظوظ الفانية. ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: { وقالوا لن تمسنا النار } [البقرة: 80]، إلى قوله: { خالدون } البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلال الفلاسفة وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج الأعمال. { إلا أياما معدودة } [البقرة: 80]، وذلك من فطام الأرواح عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حسا وعقلا أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق الروح وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون مساويا بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ لقوله تعالى: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم [الملك: 22]، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } [البقرة: 81]، تظهر على مرآة قلبه بقدرها دينا، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى إذا أحاطت بمرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات وأحاط به الخطيئات { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 81]، والذي يدل على هذا قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، ومن كان في قلبه ذرة من الإيمان فلم يحط به خطيئته، وإن كان من أهل الكبائر يخرج من النار، ولا يخلد فيها بالشفاعة الشافعين، وجاء في الحديث الصحيح: " يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيكون مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات ". وفيه أيضا إشارة إلى بعض أرباب الطلب فمن يركن بنفسه في أثناء الطلب إلى شيء من الزخارف الدنيا ويميل إلى شيء من شهواتها، فيظهر عليه الشيطان بذلك فيوسوس له؛ ليقطع عليه الطلب ويغره بمعاملاته وزهده وعزلته فيوقعه في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير فيهلك المغرور، أو يغتر ببعض الأحوال التي تظهر على أهل الطلب في أثناء السلوك من الوقائع الصادقة والروايات الصالحات، وشيء من المشاهدات الروحانية الرحمانية، فيظن المغرور الممكور أن ليس وراء عيان هذه المقامات قرية، وأنه بلغ مبلغ الرجال البالغين ووصل إلى مقام الواصلين، فيسكن عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فيبقى بهذه الواقعة في نار الطبيعة ويرجع قهقرى إلى أسفل الطبيعة نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

البقرة 2:79

ثم أخبر عن اليأس من إيمانهم بغاية خذلانهم بقوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } [البقرة: 75]، إلى قوله تعالى: { وما يعلنون } [البقرة: 77]، والإشارة في تحقيق الآيات بمجرد سماع الكلام من الله تعالى وإن كان بلا واسطة لا يحصل الإيمان الحقيقي، فإن الفريق الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ولو كان لهم من الإيمان الحقيقي حاصل ما حرفوا كلام الله وهم يعلمون العلم الحقيقي أنه حق، وهذا يدل على أن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله تعالى لا يفيد الإيمان الحقيقي إلا أن يزكيه الله تعالى بفضله ورحمته كما قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا [النور: 21]، وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75]، وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته قال في حقه: وكان من الكفرين [البقرة: 34]. { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } [البقرة: 76] يعني: إذ لم يكن سماع الكلام يفيد الفريق منهم فكيف يفيد هؤلاء منا: { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون } [البقرة: 76]، وهم من جهلهم وغفلتهم: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } [البقرة: 77]، فيطلع رسوله على أسرارهم، وهذا أحد معاني إعجاز القرآن؛ يخبرهم عن مخفيات ضمائرهم ومجيبات سرائرهم { وما يعلنون } [البقرة: 77]، من تصديق بلا تحقيق وهم من عمى بصائر قلوبهم لا يبصرون المعجزات ولا يؤمنون بها. ثم أخبر عن غاية جهلهم وخسة عقلهم بقوله تعالى: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: 78]، الآيتين، الإشارة فيهما: أن اليهود متفاوتون في مراتب كفرهم، فقوم منهم أميون لا يعلمون الكتاب ما هو في الحقيقة إلا أماني أي: ما يتمنون من عند أنفسهم كما قال تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: " ليس الدين بالتمني " فبعضهم أحسن درجة وأكثر جهلا، ركنوا إلى التقليد المحض، ولا يمكنهم استيفاء شهوة، بل اعترضوا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام، ومنهم: من أكثر شأنه ما يتمناه في نفسه ولا يساعده مكان إلا بظنون وتخمين، ومنهم: من يعتمد على كتب الأوائل وأقاويلهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ويكتبونه بأيديهم { ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } [البقرة: 79]، من الحطام الدنيوية والوجاهة عند الناس { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79]، من الكفر والإلحاد عن الحق والاعتقاد السوء، وإغواء الخلق وإضلالهم، كما قال تعالى: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا [المائدة: 77]، في هذه الآيات أيضا إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء وأرباب القلوب ظاهرا، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعا، وإذا قادته دواعي الحق يتكلف كرها من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية الحظوظ الفانية. ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: { وقالوا لن تمسنا النار } [البقرة: 80]، إلى قوله: { خالدون } البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلال الفلاسفة وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج الأعمال. { إلا أياما معدودة } [البقرة: 80]، وذلك من فطام الأرواح عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حسا وعقلا أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق الروح وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون مساويا بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ لقوله تعالى: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم [الملك: 22]، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } [البقرة: 81]، تظهر على مرآة قلبه بقدرها دينا، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى إذا أحاطت بمرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات وأحاط به الخطيئات { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 81]، والذي يدل على هذا قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، ومن كان في قلبه ذرة من الإيمان فلم يحط به خطيئته، وإن كان من أهل الكبائر يخرج من النار، ولا يخلد فيها بالشفاعة الشافعين، وجاء في الحديث الصحيح: " يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيكون مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات ". وفيه أيضا إشارة إلى بعض أرباب الطلب فمن يركن بنفسه في أثناء الطلب إلى شيء من الزخارف الدنيا ويميل إلى شيء من شهواتها، فيظهر عليه الشيطان بذلك فيوسوس له؛ ليقطع عليه الطلب ويغره بمعاملاته وزهده وعزلته فيوقعه في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير فيهلك المغرور، أو يغتر ببعض الأحوال التي تظهر على أهل الطلب في أثناء السلوك من الوقائع الصادقة والروايات الصالحات، وشيء من المشاهدات الروحانية الرحمانية، فيظن المغرور الممكور أن ليس وراء عيان هذه المقامات قرية، وأنه بلغ مبلغ الرجال البالغين ووصل إلى مقام الواصلين، فيسكن عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فيبقى بهذه الواقعة في نار الطبيعة ويرجع قهقرى إلى أسفل الطبيعة نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

البقرة 2:80

ثم أخبر عن اليأس من إيمانهم بغاية خذلانهم بقوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } [البقرة: 75]، إلى قوله تعالى: { وما يعلنون } [البقرة: 77]، والإشارة في تحقيق الآيات بمجرد سماع الكلام من الله تعالى وإن كان بلا واسطة لا يحصل الإيمان الحقيقي، فإن الفريق الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ولو كان لهم من الإيمان الحقيقي حاصل ما حرفوا كلام الله وهم يعلمون العلم الحقيقي أنه حق، وهذا يدل على أن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله تعالى لا يفيد الإيمان الحقيقي إلا أن يزكيه الله تعالى بفضله ورحمته كما قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا [النور: 21]، وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75]، وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته قال في حقه: وكان من الكفرين [البقرة: 34]. { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } [البقرة: 76] يعني: إذ لم يكن سماع الكلام يفيد الفريق منهم فكيف يفيد هؤلاء منا: { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون } [البقرة: 76]، وهم من جهلهم وغفلتهم: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } [البقرة: 77]، فيطلع رسوله على أسرارهم، وهذا أحد معاني إعجاز القرآن؛ يخبرهم عن مخفيات ضمائرهم ومجيبات سرائرهم { وما يعلنون } [البقرة: 77]، من تصديق بلا تحقيق وهم من عمى بصائر قلوبهم لا يبصرون المعجزات ولا يؤمنون بها. ثم أخبر عن غاية جهلهم وخسة عقلهم بقوله تعالى: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: 78]، الآيتين، الإشارة فيهما: أن اليهود متفاوتون في مراتب كفرهم، فقوم منهم أميون لا يعلمون الكتاب ما هو في الحقيقة إلا أماني أي: ما يتمنون من عند أنفسهم كما قال تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: " ليس الدين بالتمني " فبعضهم أحسن درجة وأكثر جهلا، ركنوا إلى التقليد المحض، ولا يمكنهم استيفاء شهوة، بل اعترضوا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام، ومنهم: من أكثر شأنه ما يتمناه في نفسه ولا يساعده مكان إلا بظنون وتخمين، ومنهم: من يعتمد على كتب الأوائل وأقاويلهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ويكتبونه بأيديهم { ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } [البقرة: 79]، من الحطام الدنيوية والوجاهة عند الناس { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79]، من الكفر والإلحاد عن الحق والاعتقاد السوء، وإغواء الخلق وإضلالهم، كما قال تعالى: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا [المائدة: 77]، في هذه الآيات أيضا إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء وأرباب القلوب ظاهرا، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعا، وإذا قادته دواعي الحق يتكلف كرها من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية الحظوظ الفانية. ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: { وقالوا لن تمسنا النار } [البقرة: 80]، إلى قوله: { خالدون } البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلال الفلاسفة وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج الأعمال. { إلا أياما معدودة } [البقرة: 80]، وذلك من فطام الأرواح عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حسا وعقلا أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق الروح وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون مساويا بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ لقوله تعالى: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم [الملك: 22]، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } [البقرة: 81]، تظهر على مرآة قلبه بقدرها دينا، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى إذا أحاطت بمرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات وأحاط به الخطيئات { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 81]، والذي يدل على هذا قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، ومن كان في قلبه ذرة من الإيمان فلم يحط به خطيئته، وإن كان من أهل الكبائر يخرج من النار، ولا يخلد فيها بالشفاعة الشافعين، وجاء في الحديث الصحيح: " يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيكون مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات ". وفيه أيضا إشارة إلى بعض أرباب الطلب فمن يركن بنفسه في أثناء الطلب إلى شيء من الزخارف الدنيا ويميل إلى شيء من شهواتها، فيظهر عليه الشيطان بذلك فيوسوس له؛ ليقطع عليه الطلب ويغره بمعاملاته وزهده وعزلته فيوقعه في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير فيهلك المغرور، أو يغتر ببعض الأحوال التي تظهر على أهل الطلب في أثناء السلوك من الوقائع الصادقة والروايات الصالحات، وشيء من المشاهدات الروحانية الرحمانية، فيظن المغرور الممكور أن ليس وراء عيان هذه المقامات قرية، وأنه بلغ مبلغ الرجال البالغين ووصل إلى مقام الواصلين، فيسكن عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فيبقى بهذه الواقعة في نار الطبيعة ويرجع قهقرى إلى أسفل الطبيعة نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

البقرة 2:81

ثم أخبر عن اليأس من إيمانهم بغاية خذلانهم بقوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } [البقرة: 75]، إلى قوله تعالى: { وما يعلنون } [البقرة: 77]، والإشارة في تحقيق الآيات بمجرد سماع الكلام من الله تعالى وإن كان بلا واسطة لا يحصل الإيمان الحقيقي، فإن الفريق الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ولو كان لهم من الإيمان الحقيقي حاصل ما حرفوا كلام الله وهم يعلمون العلم الحقيقي أنه حق، وهذا يدل على أن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله تعالى لا يفيد الإيمان الحقيقي إلا أن يزكيه الله تعالى بفضله ورحمته كما قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا [النور: 21]، وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75]، وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته قال في حقه: وكان من الكفرين [البقرة: 34]. { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } [البقرة: 76] يعني: إذ لم يكن سماع الكلام يفيد الفريق منهم فكيف يفيد هؤلاء منا: { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون } [البقرة: 76]، وهم من جهلهم وغفلتهم: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } [البقرة: 77]، فيطلع رسوله على أسرارهم، وهذا أحد معاني إعجاز القرآن؛ يخبرهم عن مخفيات ضمائرهم ومجيبات سرائرهم { وما يعلنون } [البقرة: 77]، من تصديق بلا تحقيق وهم من عمى بصائر قلوبهم لا يبصرون المعجزات ولا يؤمنون بها. ثم أخبر عن غاية جهلهم وخسة عقلهم بقوله تعالى: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: 78]، الآيتين، الإشارة فيهما: أن اليهود متفاوتون في مراتب كفرهم، فقوم منهم أميون لا يعلمون الكتاب ما هو في الحقيقة إلا أماني أي: ما يتمنون من عند أنفسهم كما قال تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: " ليس الدين بالتمني " فبعضهم أحسن درجة وأكثر جهلا، ركنوا إلى التقليد المحض، ولا يمكنهم استيفاء شهوة، بل اعترضوا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام، ومنهم: من أكثر شأنه ما يتمناه في نفسه ولا يساعده مكان إلا بظنون وتخمين، ومنهم: من يعتمد على كتب الأوائل وأقاويلهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ويكتبونه بأيديهم { ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } [البقرة: 79]، من الحطام الدنيوية والوجاهة عند الناس { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79]، من الكفر والإلحاد عن الحق والاعتقاد السوء، وإغواء الخلق وإضلالهم، كما قال تعالى: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا [المائدة: 77]، في هذه الآيات أيضا إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء وأرباب القلوب ظاهرا، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعا، وإذا قادته دواعي الحق يتكلف كرها من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية الحظوظ الفانية. ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: { وقالوا لن تمسنا النار } [البقرة: 80]، إلى قوله: { خالدون } البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلال الفلاسفة وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج الأعمال. { إلا أياما معدودة } [البقرة: 80]، وذلك من فطام الأرواح عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حسا وعقلا أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق الروح وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون مساويا بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ لقوله تعالى: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم [الملك: 22]، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } [البقرة: 81]، تظهر على مرآة قلبه بقدرها دينا، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى إذا أحاطت بمرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات وأحاط به الخطيئات { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 81]، والذي يدل على هذا قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، ومن كان في قلبه ذرة من الإيمان فلم يحط به خطيئته، وإن كان من أهل الكبائر يخرج من النار، ولا يخلد فيها بالشفاعة الشافعين، وجاء في الحديث الصحيح: " يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيكون مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات ". وفيه أيضا إشارة إلى بعض أرباب الطلب فمن يركن بنفسه في أثناء الطلب إلى شيء من الزخارف الدنيا ويميل إلى شيء من شهواتها، فيظهر عليه الشيطان بذلك فيوسوس له؛ ليقطع عليه الطلب ويغره بمعاملاته وزهده وعزلته فيوقعه في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير فيهلك المغرور، أو يغتر ببعض الأحوال التي تظهر على أهل الطلب في أثناء السلوك من الوقائع الصادقة والروايات الصالحات، وشيء من المشاهدات الروحانية الرحمانية، فيظن المغرور الممكور أن ليس وراء عيان هذه المقامات قرية، وأنه بلغ مبلغ الرجال البالغين ووصل إلى مقام الواصلين، فيسكن عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فيبقى بهذه الواقعة في نار الطبيعة ويرجع قهقرى إلى أسفل الطبيعة نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

البقرة 2:82

{ والذين آمنوا } [البقرة: 82]، من أهل الطلب بأن المنازل إلى المقصد، وإن كانت متناهية، فإن السير في المقصد غير متناه { وعملوا } [البقرة: 82]، على قانون الشريعة بإشارة شيخ الطريقة { الصالحات } [البقرة: 82]، وهي المبلغات إلى الحقيقة أولئك أصحاب الوصول إلى جناب الأصول خالدين فيها بالسير إلى أبد الآباد، وكذلك من اكتسب اعتقادا فاسدا من المتفلسفة على خلاف الشريعة وأحاطت به خطيئته فيبقى عليه إلى إن يموت فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة: 81] أبد الآباد، ولن تنفعهم المجاهدات ولا النظر في المعقولات ولا الاستدلال بالشبهات، والذين آمنوا منهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات من المأمورات وغير المنهيات، { أولئك أصحاب الجنة } [البقرة: 82]، وأهل الدرجات والغرفات في الجنات { هم فيها خالدون } [البقرة: 82]. ثم أخبر الميثاق والعبودية على الإطلاق بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84]، إلى قوله: { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86] والإشارة فيها { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84] أي: في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172]، { لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: 84]، بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس، فإنه يسعى في إراقة دماء قلوبكم، كما قال بعضهم: إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي وكذلك لا تسفكون بتربص الشيطان بينكم تسفكوا دماءكم بعضكم دماء بعض، كما قالت الملائكة في حقكم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } [البقرة: 84]، غير دينكم الذي كنتم عليه في أصل الفطرة { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } [البقرة: 84]، بقولكم: { بلى } شهدنا والذي يدل على هذا التأويل، قوله تعالى: ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين [يس: 60]، { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } [البقرة: 85]، باستيفاء حظوظ النفس ولذاتها وشهواتها، فإن المجرمين اقتضوا بأيديهم حتفهم وآثروا باختيارهم ما فيه هلاكهم واستئصالهم، قال بعضهم: بعين نفسي أصبت نفسي فالله بيني وبين عيني { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } [البقرة: 85]، فيعاون بعضكم بعضا على الإعراض عن الله تعالى والتساعد في مزاولة الحظوظ والخروج عن مقامات الحقوق فآفات أحوالكم غير لازمة عليكم بل هي متعدية عنكم إلى إخوانكم وقرنائكم { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } [البقرة: 85] أي: مضرتكم لإخوانكم على بلائهم مظاهرة الشيطان ونصرته عليهم بما فيه هلاك أنفسهم. { وإن يأتوكم أسارى } [البقرة: 85]، وهم أصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فإنقاذه بأن يدله على الهدى، ومن أسير بقيد حب الدنيا فخلاصه في إخلاص ذكر المولى، ومن أسير بقى في قيد الوسواس فقد استهواه الشيطان ففداؤه أن يرشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمة التقليد وما تعود بالتلقين، ومن أسير تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ذلك أسير في إرشاده إلى إقلاعها وإعانته وإنجازه على ارتداعها، ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في أن تدله على الحق فيما تحل عنه وثاق الكون، ومن أسير تجده في قبضة الحق فبجزائه ليس لأسراهم فداء ولا لقتلهم قود ولا لربيطهم خلاص، ولا لبطشهم مناص ولا عنهم بدل ولا معهم جدل، ولا إليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم إلا بهم دليل ولا منهم فرار ولا معهم قرار: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } [البقرة: 85] أي: بالذي سمعتموه من ربكم في أول الخطاب بقوله تعالى: ألست بربكم [الأعراف: 172]، آمنتم وقلتم { بلى }. { وتكفرون ببعض } [البقرة: 85] أي: بالذي عاهدتم عليه عند أخذ الميثاق ألا تعبدوا غيره من الشيطان والدنيا والنفس والهوى { فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } [البقرة: 85]، وهو عمى القلب عن المشاهدة والعمى في تيه الباطل { في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } [البقرة: 85]، وهو المبالغة في عمى القلب، كما قال تعالى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا [الإسراء: 72] { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا } [البقرة: 86]، نعيمها ولذاتها وشهواتها { بالآخرة } [البقرة: 86]، برفعة درجاتها وعلو عرفانها { فلا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 86]، برحمة رب العالمين { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86]، بشفاعة الشافعين. ثم أخبر عن كمال فضله وغاية جهلهم وسنة عدله بقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } [البقرة: 87]، والإشارة فيها أنا وصلنا لهم الخطاب وأردفنا رسولا بعد رسول والجميع دعوا إلى واحد لكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه وما استثقلته أهواءهم هجروه، وهذا حال أكثر البطالين الذين تلبسوا وتشبهوا بالطالبين الصادقين بعضهم بالزي واللباس وبعضهم بالعلم والوعظ والاقتصاص قبول الناس في هذا مع أهل البصيرة من المشايخ الواصلين والعلماء الراسخين يصغون إلى كلماتهم وإشاراتهم ليسمع الهوى فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استكرهته أهواءهم واستغرتهم عقولهم نبذوه وراء ظهورهم بل طعنوا فيه وشنعوا عليه بجهالتهم ونكره لمقالهم، فيكذبون فريقا منهم قرارا عن تحمل أعباء الطلب ويقاتلون فريقا بالجدال وإثارة الفتنة حسدا وإنكارا والفتنة أشد من القتل.

البقرة 2:83

{ والذين آمنوا } [البقرة: 82]، من أهل الطلب بأن المنازل إلى المقصد، وإن كانت متناهية، فإن السير في المقصد غير متناه { وعملوا } [البقرة: 82]، على قانون الشريعة بإشارة شيخ الطريقة { الصالحات } [البقرة: 82]، وهي المبلغات إلى الحقيقة أولئك أصحاب الوصول إلى جناب الأصول خالدين فيها بالسير إلى أبد الآباد، وكذلك من اكتسب اعتقادا فاسدا من المتفلسفة على خلاف الشريعة وأحاطت به خطيئته فيبقى عليه إلى إن يموت فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة: 81] أبد الآباد، ولن تنفعهم المجاهدات ولا النظر في المعقولات ولا الاستدلال بالشبهات، والذين آمنوا منهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات من المأمورات وغير المنهيات، { أولئك أصحاب الجنة } [البقرة: 82]، وأهل الدرجات والغرفات في الجنات { هم فيها خالدون } [البقرة: 82]. ثم أخبر الميثاق والعبودية على الإطلاق بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84]، إلى قوله: { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86] والإشارة فيها { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84] أي: في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172]، { لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: 84]، بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس، فإنه يسعى في إراقة دماء قلوبكم، كما قال بعضهم: إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي وكذلك لا تسفكون بتربص الشيطان بينكم تسفكوا دماءكم بعضكم دماء بعض، كما قالت الملائكة في حقكم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } [البقرة: 84]، غير دينكم الذي كنتم عليه في أصل الفطرة { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } [البقرة: 84]، بقولكم: { بلى } شهدنا والذي يدل على هذا التأويل، قوله تعالى: ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين [يس: 60]، { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } [البقرة: 85]، باستيفاء حظوظ النفس ولذاتها وشهواتها، فإن المجرمين اقتضوا بأيديهم حتفهم وآثروا باختيارهم ما فيه هلاكهم واستئصالهم، قال بعضهم: بعين نفسي أصبت نفسي فالله بيني وبين عيني { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } [البقرة: 85]، فيعاون بعضكم بعضا على الإعراض عن الله تعالى والتساعد في مزاولة الحظوظ والخروج عن مقامات الحقوق فآفات أحوالكم غير لازمة عليكم بل هي متعدية عنكم إلى إخوانكم وقرنائكم { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } [البقرة: 85] أي: مضرتكم لإخوانكم على بلائهم مظاهرة الشيطان ونصرته عليهم بما فيه هلاك أنفسهم. { وإن يأتوكم أسارى } [البقرة: 85]، وهم أصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فإنقاذه بأن يدله على الهدى، ومن أسير بقيد حب الدنيا فخلاصه في إخلاص ذكر المولى، ومن أسير بقى في قيد الوسواس فقد استهواه الشيطان ففداؤه أن يرشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمة التقليد وما تعود بالتلقين، ومن أسير تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ذلك أسير في إرشاده إلى إقلاعها وإعانته وإنجازه على ارتداعها، ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في أن تدله على الحق فيما تحل عنه وثاق الكون، ومن أسير تجده في قبضة الحق فبجزائه ليس لأسراهم فداء ولا لقتلهم قود ولا لربيطهم خلاص، ولا لبطشهم مناص ولا عنهم بدل ولا معهم جدل، ولا إليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم إلا بهم دليل ولا منهم فرار ولا معهم قرار: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } [البقرة: 85] أي: بالذي سمعتموه من ربكم في أول الخطاب بقوله تعالى: ألست بربكم [الأعراف: 172]، آمنتم وقلتم { بلى }. { وتكفرون ببعض } [البقرة: 85] أي: بالذي عاهدتم عليه عند أخذ الميثاق ألا تعبدوا غيره من الشيطان والدنيا والنفس والهوى { فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } [البقرة: 85]، وهو عمى القلب عن المشاهدة والعمى في تيه الباطل { في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } [البقرة: 85]، وهو المبالغة في عمى القلب، كما قال تعالى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا [الإسراء: 72] { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا } [البقرة: 86]، نعيمها ولذاتها وشهواتها { بالآخرة } [البقرة: 86]، برفعة درجاتها وعلو عرفانها { فلا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 86]، برحمة رب العالمين { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86]، بشفاعة الشافعين. ثم أخبر عن كمال فضله وغاية جهلهم وسنة عدله بقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } [البقرة: 87]، والإشارة فيها أنا وصلنا لهم الخطاب وأردفنا رسولا بعد رسول والجميع دعوا إلى واحد لكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه وما استثقلته أهواءهم هجروه، وهذا حال أكثر البطالين الذين تلبسوا وتشبهوا بالطالبين الصادقين بعضهم بالزي واللباس وبعضهم بالعلم والوعظ والاقتصاص قبول الناس في هذا مع أهل البصيرة من المشايخ الواصلين والعلماء الراسخين يصغون إلى كلماتهم وإشاراتهم ليسمع الهوى فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استكرهته أهواءهم واستغرتهم عقولهم نبذوه وراء ظهورهم بل طعنوا فيه وشنعوا عليه بجهالتهم ونكره لمقالهم، فيكذبون فريقا منهم قرارا عن تحمل أعباء الطلب ويقاتلون فريقا بالجدال وإثارة الفتنة حسدا وإنكارا والفتنة أشد من القتل.

البقرة 2:84

{ والذين آمنوا } [البقرة: 82]، من أهل الطلب بأن المنازل إلى المقصد، وإن كانت متناهية، فإن السير في المقصد غير متناه { وعملوا } [البقرة: 82]، على قانون الشريعة بإشارة شيخ الطريقة { الصالحات } [البقرة: 82]، وهي المبلغات إلى الحقيقة أولئك أصحاب الوصول إلى جناب الأصول خالدين فيها بالسير إلى أبد الآباد، وكذلك من اكتسب اعتقادا فاسدا من المتفلسفة على خلاف الشريعة وأحاطت به خطيئته فيبقى عليه إلى إن يموت فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة: 81] أبد الآباد، ولن تنفعهم المجاهدات ولا النظر في المعقولات ولا الاستدلال بالشبهات، والذين آمنوا منهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات من المأمورات وغير المنهيات، { أولئك أصحاب الجنة } [البقرة: 82]، وأهل الدرجات والغرفات في الجنات { هم فيها خالدون } [البقرة: 82]. ثم أخبر الميثاق والعبودية على الإطلاق بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84]، إلى قوله: { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86] والإشارة فيها { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84] أي: في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172]، { لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: 84]، بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس، فإنه يسعى في إراقة دماء قلوبكم، كما قال بعضهم: إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي وكذلك لا تسفكون بتربص الشيطان بينكم تسفكوا دماءكم بعضكم دماء بعض، كما قالت الملائكة في حقكم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } [البقرة: 84]، غير دينكم الذي كنتم عليه في أصل الفطرة { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } [البقرة: 84]، بقولكم: { بلى } شهدنا والذي يدل على هذا التأويل، قوله تعالى: ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين [يس: 60]، { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } [البقرة: 85]، باستيفاء حظوظ النفس ولذاتها وشهواتها، فإن المجرمين اقتضوا بأيديهم حتفهم وآثروا باختيارهم ما فيه هلاكهم واستئصالهم، قال بعضهم: بعين نفسي أصبت نفسي فالله بيني وبين عيني { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } [البقرة: 85]، فيعاون بعضكم بعضا على الإعراض عن الله تعالى والتساعد في مزاولة الحظوظ والخروج عن مقامات الحقوق فآفات أحوالكم غير لازمة عليكم بل هي متعدية عنكم إلى إخوانكم وقرنائكم { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } [البقرة: 85] أي: مضرتكم لإخوانكم على بلائهم مظاهرة الشيطان ونصرته عليهم بما فيه هلاك أنفسهم. { وإن يأتوكم أسارى } [البقرة: 85]، وهم أصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فإنقاذه بأن يدله على الهدى، ومن أسير بقيد حب الدنيا فخلاصه في إخلاص ذكر المولى، ومن أسير بقى في قيد الوسواس فقد استهواه الشيطان ففداؤه أن يرشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمة التقليد وما تعود بالتلقين، ومن أسير تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ذلك أسير في إرشاده إلى إقلاعها وإعانته وإنجازه على ارتداعها، ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في أن تدله على الحق فيما تحل عنه وثاق الكون، ومن أسير تجده في قبضة الحق فبجزائه ليس لأسراهم فداء ولا لقتلهم قود ولا لربيطهم خلاص، ولا لبطشهم مناص ولا عنهم بدل ولا معهم جدل، ولا إليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم إلا بهم دليل ولا منهم فرار ولا معهم قرار: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } [البقرة: 85] أي: بالذي سمعتموه من ربكم في أول الخطاب بقوله تعالى: ألست بربكم [الأعراف: 172]، آمنتم وقلتم { بلى }. { وتكفرون ببعض } [البقرة: 85] أي: بالذي عاهدتم عليه عند أخذ الميثاق ألا تعبدوا غيره من الشيطان والدنيا والنفس والهوى { فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } [البقرة: 85]، وهو عمى القلب عن المشاهدة والعمى في تيه الباطل { في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } [البقرة: 85]، وهو المبالغة في عمى القلب، كما قال تعالى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا [الإسراء: 72] { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا } [البقرة: 86]، نعيمها ولذاتها وشهواتها { بالآخرة } [البقرة: 86]، برفعة درجاتها وعلو عرفانها { فلا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 86]، برحمة رب العالمين { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86]، بشفاعة الشافعين. ثم أخبر عن كمال فضله وغاية جهلهم وسنة عدله بقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } [البقرة: 87]، والإشارة فيها أنا وصلنا لهم الخطاب وأردفنا رسولا بعد رسول والجميع دعوا إلى واحد لكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه وما استثقلته أهواءهم هجروه، وهذا حال أكثر البطالين الذين تلبسوا وتشبهوا بالطالبين الصادقين بعضهم بالزي واللباس وبعضهم بالعلم والوعظ والاقتصاص قبول الناس في هذا مع أهل البصيرة من المشايخ الواصلين والعلماء الراسخين يصغون إلى كلماتهم وإشاراتهم ليسمع الهوى فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استكرهته أهواءهم واستغرتهم عقولهم نبذوه وراء ظهورهم بل طعنوا فيه وشنعوا عليه بجهالتهم ونكره لمقالهم، فيكذبون فريقا منهم قرارا عن تحمل أعباء الطلب ويقاتلون فريقا بالجدال وإثارة الفتنة حسدا وإنكارا والفتنة أشد من القتل.

البقرة 2:85

{ والذين آمنوا } [البقرة: 82]، من أهل الطلب بأن المنازل إلى المقصد، وإن كانت متناهية، فإن السير في المقصد غير متناه { وعملوا } [البقرة: 82]، على قانون الشريعة بإشارة شيخ الطريقة { الصالحات } [البقرة: 82]، وهي المبلغات إلى الحقيقة أولئك أصحاب الوصول إلى جناب الأصول خالدين فيها بالسير إلى أبد الآباد، وكذلك من اكتسب اعتقادا فاسدا من المتفلسفة على خلاف الشريعة وأحاطت به خطيئته فيبقى عليه إلى إن يموت فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة: 81] أبد الآباد، ولن تنفعهم المجاهدات ولا النظر في المعقولات ولا الاستدلال بالشبهات، والذين آمنوا منهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات من المأمورات وغير المنهيات، { أولئك أصحاب الجنة } [البقرة: 82]، وأهل الدرجات والغرفات في الجنات { هم فيها خالدون } [البقرة: 82]. ثم أخبر الميثاق والعبودية على الإطلاق بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84]، إلى قوله: { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86] والإشارة فيها { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84] أي: في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172]، { لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: 84]، بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس، فإنه يسعى في إراقة دماء قلوبكم، كما قال بعضهم: إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي وكذلك لا تسفكون بتربص الشيطان بينكم تسفكوا دماءكم بعضكم دماء بعض، كما قالت الملائكة في حقكم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } [البقرة: 84]، غير دينكم الذي كنتم عليه في أصل الفطرة { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } [البقرة: 84]، بقولكم: { بلى } شهدنا والذي يدل على هذا التأويل، قوله تعالى: ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين [يس: 60]، { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } [البقرة: 85]، باستيفاء حظوظ النفس ولذاتها وشهواتها، فإن المجرمين اقتضوا بأيديهم حتفهم وآثروا باختيارهم ما فيه هلاكهم واستئصالهم، قال بعضهم: بعين نفسي أصبت نفسي فالله بيني وبين عيني { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } [البقرة: 85]، فيعاون بعضكم بعضا على الإعراض عن الله تعالى والتساعد في مزاولة الحظوظ والخروج عن مقامات الحقوق فآفات أحوالكم غير لازمة عليكم بل هي متعدية عنكم إلى إخوانكم وقرنائكم { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } [البقرة: 85] أي: مضرتكم لإخوانكم على بلائهم مظاهرة الشيطان ونصرته عليهم بما فيه هلاك أنفسهم. { وإن يأتوكم أسارى } [البقرة: 85]، وهم أصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فإنقاذه بأن يدله على الهدى، ومن أسير بقيد حب الدنيا فخلاصه في إخلاص ذكر المولى، ومن أسير بقى في قيد الوسواس فقد استهواه الشيطان ففداؤه أن يرشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمة التقليد وما تعود بالتلقين، ومن أسير تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ذلك أسير في إرشاده إلى إقلاعها وإعانته وإنجازه على ارتداعها، ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في أن تدله على الحق فيما تحل عنه وثاق الكون، ومن أسير تجده في قبضة الحق فبجزائه ليس لأسراهم فداء ولا لقتلهم قود ولا لربيطهم خلاص، ولا لبطشهم مناص ولا عنهم بدل ولا معهم جدل، ولا إليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم إلا بهم دليل ولا منهم فرار ولا معهم قرار: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } [البقرة: 85] أي: بالذي سمعتموه من ربكم في أول الخطاب بقوله تعالى: ألست بربكم [الأعراف: 172]، آمنتم وقلتم { بلى }. { وتكفرون ببعض } [البقرة: 85] أي: بالذي عاهدتم عليه عند أخذ الميثاق ألا تعبدوا غيره من الشيطان والدنيا والنفس والهوى { فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } [البقرة: 85]، وهو عمى القلب عن المشاهدة والعمى في تيه الباطل { في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } [البقرة: 85]، وهو المبالغة في عمى القلب، كما قال تعالى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا [الإسراء: 72] { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا } [البقرة: 86]، نعيمها ولذاتها وشهواتها { بالآخرة } [البقرة: 86]، برفعة درجاتها وعلو عرفانها { فلا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 86]، برحمة رب العالمين { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86]، بشفاعة الشافعين. ثم أخبر عن كمال فضله وغاية جهلهم وسنة عدله بقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } [البقرة: 87]، والإشارة فيها أنا وصلنا لهم الخطاب وأردفنا رسولا بعد رسول والجميع دعوا إلى واحد لكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه وما استثقلته أهواءهم هجروه، وهذا حال أكثر البطالين الذين تلبسوا وتشبهوا بالطالبين الصادقين بعضهم بالزي واللباس وبعضهم بالعلم والوعظ والاقتصاص قبول الناس في هذا مع أهل البصيرة من المشايخ الواصلين والعلماء الراسخين يصغون إلى كلماتهم وإشاراتهم ليسمع الهوى فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استكرهته أهواءهم واستغرتهم عقولهم نبذوه وراء ظهورهم بل طعنوا فيه وشنعوا عليه بجهالتهم ونكره لمقالهم، فيكذبون فريقا منهم قرارا عن تحمل أعباء الطلب ويقاتلون فريقا بالجدال وإثارة الفتنة حسدا وإنكارا والفتنة أشد من القتل.

البقرة 2:86

{ والذين آمنوا } [البقرة: 82]، من أهل الطلب بأن المنازل إلى المقصد، وإن كانت متناهية، فإن السير في المقصد غير متناه { وعملوا } [البقرة: 82]، على قانون الشريعة بإشارة شيخ الطريقة { الصالحات } [البقرة: 82]، وهي المبلغات إلى الحقيقة أولئك أصحاب الوصول إلى جناب الأصول خالدين فيها بالسير إلى أبد الآباد، وكذلك من اكتسب اعتقادا فاسدا من المتفلسفة على خلاف الشريعة وأحاطت به خطيئته فيبقى عليه إلى إن يموت فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة: 81] أبد الآباد، ولن تنفعهم المجاهدات ولا النظر في المعقولات ولا الاستدلال بالشبهات، والذين آمنوا منهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات من المأمورات وغير المنهيات، { أولئك أصحاب الجنة } [البقرة: 82]، وأهل الدرجات والغرفات في الجنات { هم فيها خالدون } [البقرة: 82]. ثم أخبر الميثاق والعبودية على الإطلاق بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84]، إلى قوله: { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86] والإشارة فيها { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84] أي: في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172]، { لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: 84]، بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس، فإنه يسعى في إراقة دماء قلوبكم، كما قال بعضهم: إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي وكذلك لا تسفكون بتربص الشيطان بينكم تسفكوا دماءكم بعضكم دماء بعض، كما قالت الملائكة في حقكم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } [البقرة: 84]، غير دينكم الذي كنتم عليه في أصل الفطرة { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } [البقرة: 84]، بقولكم: { بلى } شهدنا والذي يدل على هذا التأويل، قوله تعالى: ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين [يس: 60]، { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } [البقرة: 85]، باستيفاء حظوظ النفس ولذاتها وشهواتها، فإن المجرمين اقتضوا بأيديهم حتفهم وآثروا باختيارهم ما فيه هلاكهم واستئصالهم، قال بعضهم: بعين نفسي أصبت نفسي فالله بيني وبين عيني { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } [البقرة: 85]، فيعاون بعضكم بعضا على الإعراض عن الله تعالى والتساعد في مزاولة الحظوظ والخروج عن مقامات الحقوق فآفات أحوالكم غير لازمة عليكم بل هي متعدية عنكم إلى إخوانكم وقرنائكم { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } [البقرة: 85] أي: مضرتكم لإخوانكم على بلائهم مظاهرة الشيطان ونصرته عليهم بما فيه هلاك أنفسهم. { وإن يأتوكم أسارى } [البقرة: 85]، وهم أصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فإنقاذه بأن يدله على الهدى، ومن أسير بقيد حب الدنيا فخلاصه في إخلاص ذكر المولى، ومن أسير بقى في قيد الوسواس فقد استهواه الشيطان ففداؤه أن يرشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمة التقليد وما تعود بالتلقين، ومن أسير تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ذلك أسير في إرشاده إلى إقلاعها وإعانته وإنجازه على ارتداعها، ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في أن تدله على الحق فيما تحل عنه وثاق الكون، ومن أسير تجده في قبضة الحق فبجزائه ليس لأسراهم فداء ولا لقتلهم قود ولا لربيطهم خلاص، ولا لبطشهم مناص ولا عنهم بدل ولا معهم جدل، ولا إليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم إلا بهم دليل ولا منهم فرار ولا معهم قرار: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } [البقرة: 85] أي: بالذي سمعتموه من ربكم في أول الخطاب بقوله تعالى: ألست بربكم [الأعراف: 172]، آمنتم وقلتم { بلى }. { وتكفرون ببعض } [البقرة: 85] أي: بالذي عاهدتم عليه عند أخذ الميثاق ألا تعبدوا غيره من الشيطان والدنيا والنفس والهوى { فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } [البقرة: 85]، وهو عمى القلب عن المشاهدة والعمى في تيه الباطل { في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } [البقرة: 85]، وهو المبالغة في عمى القلب، كما قال تعالى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا [الإسراء: 72] { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا } [البقرة: 86]، نعيمها ولذاتها وشهواتها { بالآخرة } [البقرة: 86]، برفعة درجاتها وعلو عرفانها { فلا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 86]، برحمة رب العالمين { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86]، بشفاعة الشافعين. ثم أخبر عن كمال فضله وغاية جهلهم وسنة عدله بقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } [البقرة: 87]، والإشارة فيها أنا وصلنا لهم الخطاب وأردفنا رسولا بعد رسول والجميع دعوا إلى واحد لكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه وما استثقلته أهواءهم هجروه، وهذا حال أكثر البطالين الذين تلبسوا وتشبهوا بالطالبين الصادقين بعضهم بالزي واللباس وبعضهم بالعلم والوعظ والاقتصاص قبول الناس في هذا مع أهل البصيرة من المشايخ الواصلين والعلماء الراسخين يصغون إلى كلماتهم وإشاراتهم ليسمع الهوى فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استكرهته أهواءهم واستغرتهم عقولهم نبذوه وراء ظهورهم بل طعنوا فيه وشنعوا عليه بجهالتهم ونكره لمقالهم، فيكذبون فريقا منهم قرارا عن تحمل أعباء الطلب ويقاتلون فريقا بالجدال وإثارة الفتنة حسدا وإنكارا والفتنة أشد من القتل.

البقرة 2:87

{ والذين آمنوا } [البقرة: 82]، من أهل الطلب بأن المنازل إلى المقصد، وإن كانت متناهية، فإن السير في المقصد غير متناه { وعملوا } [البقرة: 82]، على قانون الشريعة بإشارة شيخ الطريقة { الصالحات } [البقرة: 82]، وهي المبلغات إلى الحقيقة أولئك أصحاب الوصول إلى جناب الأصول خالدين فيها بالسير إلى أبد الآباد، وكذلك من اكتسب اعتقادا فاسدا من المتفلسفة على خلاف الشريعة وأحاطت به خطيئته فيبقى عليه إلى إن يموت فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة: 81] أبد الآباد، ولن تنفعهم المجاهدات ولا النظر في المعقولات ولا الاستدلال بالشبهات، والذين آمنوا منهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات من المأمورات وغير المنهيات، { أولئك أصحاب الجنة } [البقرة: 82]، وأهل الدرجات والغرفات في الجنات { هم فيها خالدون } [البقرة: 82]. ثم أخبر الميثاق والعبودية على الإطلاق بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84]، إلى قوله: { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86] والإشارة فيها { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: 84] أي: في عهد ألست بربكم [الأعراف: 172]، { لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: 84]، بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس، فإنه يسعى في إراقة دماء قلوبكم، كما قال بعضهم: إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي وكذلك لا تسفكون بتربص الشيطان بينكم تسفكوا دماءكم بعضكم دماء بعض، كما قالت الملائكة في حقكم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } [البقرة: 84]، غير دينكم الذي كنتم عليه في أصل الفطرة { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } [البقرة: 84]، بقولكم: { بلى } شهدنا والذي يدل على هذا التأويل، قوله تعالى: ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين [يس: 60]، { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } [البقرة: 85]، باستيفاء حظوظ النفس ولذاتها وشهواتها، فإن المجرمين اقتضوا بأيديهم حتفهم وآثروا باختيارهم ما فيه هلاكهم واستئصالهم، قال بعضهم: بعين نفسي أصبت نفسي فالله بيني وبين عيني { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } [البقرة: 85]، فيعاون بعضكم بعضا على الإعراض عن الله تعالى والتساعد في مزاولة الحظوظ والخروج عن مقامات الحقوق فآفات أحوالكم غير لازمة عليكم بل هي متعدية عنكم إلى إخوانكم وقرنائكم { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } [البقرة: 85] أي: مضرتكم لإخوانكم على بلائهم مظاهرة الشيطان ونصرته عليهم بما فيه هلاك أنفسهم. { وإن يأتوكم أسارى } [البقرة: 85]، وهم أصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فإنقاذه بأن يدله على الهدى، ومن أسير بقيد حب الدنيا فخلاصه في إخلاص ذكر المولى، ومن أسير بقى في قيد الوسواس فقد استهواه الشيطان ففداؤه أن يرشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمة التقليد وما تعود بالتلقين، ومن أسير تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ذلك أسير في إرشاده إلى إقلاعها وإعانته وإنجازه على ارتداعها، ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في أن تدله على الحق فيما تحل عنه وثاق الكون، ومن أسير تجده في قبضة الحق فبجزائه ليس لأسراهم فداء ولا لقتلهم قود ولا لربيطهم خلاص، ولا لبطشهم مناص ولا عنهم بدل ولا معهم جدل، ولا إليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم إلا بهم دليل ولا منهم فرار ولا معهم قرار: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } [البقرة: 85] أي: بالذي سمعتموه من ربكم في أول الخطاب بقوله تعالى: ألست بربكم [الأعراف: 172]، آمنتم وقلتم { بلى }. { وتكفرون ببعض } [البقرة: 85] أي: بالذي عاهدتم عليه عند أخذ الميثاق ألا تعبدوا غيره من الشيطان والدنيا والنفس والهوى { فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } [البقرة: 85]، وهو عمى القلب عن المشاهدة والعمى في تيه الباطل { في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } [البقرة: 85]، وهو المبالغة في عمى القلب، كما قال تعالى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا [الإسراء: 72] { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا } [البقرة: 86]، نعيمها ولذاتها وشهواتها { بالآخرة } [البقرة: 86]، برفعة درجاتها وعلو عرفانها { فلا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 86]، برحمة رب العالمين { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86]، بشفاعة الشافعين. ثم أخبر عن كمال فضله وغاية جهلهم وسنة عدله بقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } [البقرة: 87]، والإشارة فيها أنا وصلنا لهم الخطاب وأردفنا رسولا بعد رسول والجميع دعوا إلى واحد لكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه وما استثقلته أهواءهم هجروه، وهذا حال أكثر البطالين الذين تلبسوا وتشبهوا بالطالبين الصادقين بعضهم بالزي واللباس وبعضهم بالعلم والوعظ والاقتصاص قبول الناس في هذا مع أهل البصيرة من المشايخ الواصلين والعلماء الراسخين يصغون إلى كلماتهم وإشاراتهم ليسمع الهوى فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استكرهته أهواءهم واستغرتهم عقولهم نبذوه وراء ظهورهم بل طعنوا فيه وشنعوا عليه بجهالتهم ونكره لمقالهم، فيكذبون فريقا منهم قرارا عن تحمل أعباء الطلب ويقاتلون فريقا بالجدال وإثارة الفتنة حسدا وإنكارا والفتنة أشد من القتل.

البقرة 2:88

ثم أخبر عن إنكارهم واستهزائهم بقوله تعالى: { وقالوا قلوبنا غلف } [البقرة: 88]، والإشارة فيها أنت المريد إذا ابتلي في أثناء الطلب بالوقفة والفترة ما دام متمسكا بذيل الإرادة لا يضره أحد بل يرجى رجوعه إلى صدق الطلب بمدد هذا الشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة فأظهر الاعتراض والإنكار على شيخه ويعرض عنه حتى أدركته رد ولاية الشيخ وطرده، فابتلي بموت القلب فلا يرجي رجوعه إلى صدق الطلب حتى قال الجنيد رحمه الله: من قال لأستاذه لم لا يفلح أبدا. ثم أخبر عن نتائج إنكارهم بقوله تعالى: { ولما جآءهم كتاب من عند الله } [البقرة: 89]، الآيتين الإشارة فيهما أن بعض إقرار الزهاد والمتقشفين من أهل العلم في كل زمان يتمنون أن يتبركوا بأحد من الأولياء والعلماء المخصوصين بالمكاشفات والمشاهدات والعلوم اللدنية، ويتوسلون بهم إلى الله تعالى عند رفع حوائجهم في مصالح دعائهم ويظهرون محبته عند الخلق، فلما وجدوا واحدا من هذا القوم ما عرفوا قدره وحدوده وطعنوا فيه وأنكروا على كلماته وأظهروا عداوته فيكون حاصل أمرهم فيه الطرد من غيرة ولاية والبعد من الله باللعن. { بئسما اشتروا به أنفسهم } [البقرة: 90]، أن ينكروا على أولياء الله { أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا } [البقرة: 90]، فتح الله لهم من حقائق العلوم حسدا { أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب } [البقرة: 90]، من رد ولاية الأولياء { على غضب } [البقرة: 90]، من الله لأوليائه فإنه في الحديث الصحيح: " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده " وللمنكرين { وللكافرين عذاب مهين } [البقرة: 90]، في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالهوان عند أهل النظر الواقفين على أحوالهم وبالحرمان عن تنسم نغمات ألطاف الحق، وفي الآخرة بالخسران والفضوح وإن الإنكار على أهل العرفان يورث الحرمان والخسران. ثم أخبر عن إصرارهم على جحودهم بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } [البقرة: 91]، والإشارة فيها أنه إذا قيل للمنكرين اعتقدوا مواهب الحق التي ألهمها الله إلى أوليائه من أسرار القرآن ومعانيه وحقائقه هي مؤكدة بالبراهين من الآيات والأخبار المنقولة من المشايخ المتقدمين سمحت نفوسهم ببعض ما التمس منهم مما يوافق عقولهم وأهواءهم، وقالوا: تعتقد القرآن وما بعد له ظاهرا، ثم ينكرون بما وراء حظوظهم مع أنه الحق من ربهم محققا لما معهم من العلوم الظاهرة قال الله تعالى في جوابهم: فلو تقاتلوا وتجادلوا أولياء الله إن كنتم معتقدين للقرآن، فإن ما نطق به الأولياء فهو من أسرار القرآن وحقائقه، فالذي ينكرها فلا يكون معتقدا للقرآن بحقيقته والمقاتلة مع الأولياء مقاتلة مع الأنبياء والإنكار على كلماتهم يكون إنكارا على القرآن بحقيقة؛ لقوله تعالى: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم [الأحقاف: 11]. ثم كرر الإخبار عن إصرارهم على الجحود مع وضوح الآيات من موسى عليه السلام وغلوهم في حب العجل بقوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى بالبينات } [البقرة: 92]، الآيتين والإشارة فيهما أن الأنبياء - عليهم السلام - يدعون العباد إلى التوحيد وإقرار العبودية عن كل مشهود ومحدود ومعدود، ولكنهم لم يحتجوا إلا بعبادة ما لا يليق بقصر نظرهم وخسة همتهم، فقوم عبدوا الصنم وقوم عبدوا الهوى، وقوم عبدوا الدنيا، وإنهم قد ظلموا على أنفسهم بوضعهم عبادتها في غير معبودا مع أن الله تعالى أخذ ميثاقهم بعبوديته من غير شرك، ورفع فوقهم طور الأمانة التي عرضها وحملها الإنسان في الميثاق الأول، وقال: { خذوا مآ ءاتينكم } [البقرة: 93]، من خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، { بقوة } [البقرة: 93]، بشوق وصدق في جواب بلى { واسمعوا } [البقرة: 93]، الخطاب يسمع الإجابة في الثبات على العبودية { قالوا سمعنا } [البقرة: 93]، اجبنا بقولهم بلى { وعصينا } [البقرة: 93] أي: بالثبات والاستقامة { وأشربوا في قلوبهم } [البقرة: 93]، حب عجل الدنيا { بكفرهم } [البقرة: 93]، بزلة أقدامهم عن صراط مستقيم العبودية بالميل إلى الدنيا وحب الدنيا رأس كل خطيئة، كما أن الكفر رأس كل خطيئة { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } [البقرة: 93]، أن تعبدوا عجل الدنيا { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 93]، حقيقة لا مجازا بالرسم والعادة فإن من علامة الإيمان ما أخبر عنه حارثة حين " سأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يزاورون وإلى أهل النار يتضاغون وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال: أصبت فألزم ".

البقرة 2:89

ثم أخبر عن إنكارهم واستهزائهم بقوله تعالى: { وقالوا قلوبنا غلف } [البقرة: 88]، والإشارة فيها أنت المريد إذا ابتلي في أثناء الطلب بالوقفة والفترة ما دام متمسكا بذيل الإرادة لا يضره أحد بل يرجى رجوعه إلى صدق الطلب بمدد هذا الشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة فأظهر الاعتراض والإنكار على شيخه ويعرض عنه حتى أدركته رد ولاية الشيخ وطرده، فابتلي بموت القلب فلا يرجي رجوعه إلى صدق الطلب حتى قال الجنيد رحمه الله: من قال لأستاذه لم لا يفلح أبدا. ثم أخبر عن نتائج إنكارهم بقوله تعالى: { ولما جآءهم كتاب من عند الله } [البقرة: 89]، الآيتين الإشارة فيهما أن بعض إقرار الزهاد والمتقشفين من أهل العلم في كل زمان يتمنون أن يتبركوا بأحد من الأولياء والعلماء المخصوصين بالمكاشفات والمشاهدات والعلوم اللدنية، ويتوسلون بهم إلى الله تعالى عند رفع حوائجهم في مصالح دعائهم ويظهرون محبته عند الخلق، فلما وجدوا واحدا من هذا القوم ما عرفوا قدره وحدوده وطعنوا فيه وأنكروا على كلماته وأظهروا عداوته فيكون حاصل أمرهم فيه الطرد من غيرة ولاية والبعد من الله باللعن. { بئسما اشتروا به أنفسهم } [البقرة: 90]، أن ينكروا على أولياء الله { أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا } [البقرة: 90]، فتح الله لهم من حقائق العلوم حسدا { أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب } [البقرة: 90]، من رد ولاية الأولياء { على غضب } [البقرة: 90]، من الله لأوليائه فإنه في الحديث الصحيح: " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده " وللمنكرين { وللكافرين عذاب مهين } [البقرة: 90]، في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالهوان عند أهل النظر الواقفين على أحوالهم وبالحرمان عن تنسم نغمات ألطاف الحق، وفي الآخرة بالخسران والفضوح وإن الإنكار على أهل العرفان يورث الحرمان والخسران. ثم أخبر عن إصرارهم على جحودهم بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } [البقرة: 91]، والإشارة فيها أنه إذا قيل للمنكرين اعتقدوا مواهب الحق التي ألهمها الله إلى أوليائه من أسرار القرآن ومعانيه وحقائقه هي مؤكدة بالبراهين من الآيات والأخبار المنقولة من المشايخ المتقدمين سمحت نفوسهم ببعض ما التمس منهم مما يوافق عقولهم وأهواءهم، وقالوا: تعتقد القرآن وما بعد له ظاهرا، ثم ينكرون بما وراء حظوظهم مع أنه الحق من ربهم محققا لما معهم من العلوم الظاهرة قال الله تعالى في جوابهم: فلو تقاتلوا وتجادلوا أولياء الله إن كنتم معتقدين للقرآن، فإن ما نطق به الأولياء فهو من أسرار القرآن وحقائقه، فالذي ينكرها فلا يكون معتقدا للقرآن بحقيقته والمقاتلة مع الأولياء مقاتلة مع الأنبياء والإنكار على كلماتهم يكون إنكارا على القرآن بحقيقة؛ لقوله تعالى: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم [الأحقاف: 11]. ثم كرر الإخبار عن إصرارهم على الجحود مع وضوح الآيات من موسى عليه السلام وغلوهم في حب العجل بقوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى بالبينات } [البقرة: 92]، الآيتين والإشارة فيهما أن الأنبياء - عليهم السلام - يدعون العباد إلى التوحيد وإقرار العبودية عن كل مشهود ومحدود ومعدود، ولكنهم لم يحتجوا إلا بعبادة ما لا يليق بقصر نظرهم وخسة همتهم، فقوم عبدوا الصنم وقوم عبدوا الهوى، وقوم عبدوا الدنيا، وإنهم قد ظلموا على أنفسهم بوضعهم عبادتها في غير معبودا مع أن الله تعالى أخذ ميثاقهم بعبوديته من غير شرك، ورفع فوقهم طور الأمانة التي عرضها وحملها الإنسان في الميثاق الأول، وقال: { خذوا مآ ءاتينكم } [البقرة: 93]، من خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، { بقوة } [البقرة: 93]، بشوق وصدق في جواب بلى { واسمعوا } [البقرة: 93]، الخطاب يسمع الإجابة في الثبات على العبودية { قالوا سمعنا } [البقرة: 93]، اجبنا بقولهم بلى { وعصينا } [البقرة: 93] أي: بالثبات والاستقامة { وأشربوا في قلوبهم } [البقرة: 93]، حب عجل الدنيا { بكفرهم } [البقرة: 93]، بزلة أقدامهم عن صراط مستقيم العبودية بالميل إلى الدنيا وحب الدنيا رأس كل خطيئة، كما أن الكفر رأس كل خطيئة { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } [البقرة: 93]، أن تعبدوا عجل الدنيا { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 93]، حقيقة لا مجازا بالرسم والعادة فإن من علامة الإيمان ما أخبر عنه حارثة حين " سأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يزاورون وإلى أهل النار يتضاغون وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال: أصبت فألزم ".

البقرة 2:90

ثم أخبر عن إنكارهم واستهزائهم بقوله تعالى: { وقالوا قلوبنا غلف } [البقرة: 88]، والإشارة فيها أنت المريد إذا ابتلي في أثناء الطلب بالوقفة والفترة ما دام متمسكا بذيل الإرادة لا يضره أحد بل يرجى رجوعه إلى صدق الطلب بمدد هذا الشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة فأظهر الاعتراض والإنكار على شيخه ويعرض عنه حتى أدركته رد ولاية الشيخ وطرده، فابتلي بموت القلب فلا يرجي رجوعه إلى صدق الطلب حتى قال الجنيد رحمه الله: من قال لأستاذه لم لا يفلح أبدا. ثم أخبر عن نتائج إنكارهم بقوله تعالى: { ولما جآءهم كتاب من عند الله } [البقرة: 89]، الآيتين الإشارة فيهما أن بعض إقرار الزهاد والمتقشفين من أهل العلم في كل زمان يتمنون أن يتبركوا بأحد من الأولياء والعلماء المخصوصين بالمكاشفات والمشاهدات والعلوم اللدنية، ويتوسلون بهم إلى الله تعالى عند رفع حوائجهم في مصالح دعائهم ويظهرون محبته عند الخلق، فلما وجدوا واحدا من هذا القوم ما عرفوا قدره وحدوده وطعنوا فيه وأنكروا على كلماته وأظهروا عداوته فيكون حاصل أمرهم فيه الطرد من غيرة ولاية والبعد من الله باللعن. { بئسما اشتروا به أنفسهم } [البقرة: 90]، أن ينكروا على أولياء الله { أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا } [البقرة: 90]، فتح الله لهم من حقائق العلوم حسدا { أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب } [البقرة: 90]، من رد ولاية الأولياء { على غضب } [البقرة: 90]، من الله لأوليائه فإنه في الحديث الصحيح: " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده " وللمنكرين { وللكافرين عذاب مهين } [البقرة: 90]، في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالهوان عند أهل النظر الواقفين على أحوالهم وبالحرمان عن تنسم نغمات ألطاف الحق، وفي الآخرة بالخسران والفضوح وإن الإنكار على أهل العرفان يورث الحرمان والخسران. ثم أخبر عن إصرارهم على جحودهم بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } [البقرة: 91]، والإشارة فيها أنه إذا قيل للمنكرين اعتقدوا مواهب الحق التي ألهمها الله إلى أوليائه من أسرار القرآن ومعانيه وحقائقه هي مؤكدة بالبراهين من الآيات والأخبار المنقولة من المشايخ المتقدمين سمحت نفوسهم ببعض ما التمس منهم مما يوافق عقولهم وأهواءهم، وقالوا: تعتقد القرآن وما بعد له ظاهرا، ثم ينكرون بما وراء حظوظهم مع أنه الحق من ربهم محققا لما معهم من العلوم الظاهرة قال الله تعالى في جوابهم: فلو تقاتلوا وتجادلوا أولياء الله إن كنتم معتقدين للقرآن، فإن ما نطق به الأولياء فهو من أسرار القرآن وحقائقه، فالذي ينكرها فلا يكون معتقدا للقرآن بحقيقته والمقاتلة مع الأولياء مقاتلة مع الأنبياء والإنكار على كلماتهم يكون إنكارا على القرآن بحقيقة؛ لقوله تعالى: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم [الأحقاف: 11]. ثم كرر الإخبار عن إصرارهم على الجحود مع وضوح الآيات من موسى عليه السلام وغلوهم في حب العجل بقوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى بالبينات } [البقرة: 92]، الآيتين والإشارة فيهما أن الأنبياء - عليهم السلام - يدعون العباد إلى التوحيد وإقرار العبودية عن كل مشهود ومحدود ومعدود، ولكنهم لم يحتجوا إلا بعبادة ما لا يليق بقصر نظرهم وخسة همتهم، فقوم عبدوا الصنم وقوم عبدوا الهوى، وقوم عبدوا الدنيا، وإنهم قد ظلموا على أنفسهم بوضعهم عبادتها في غير معبودا مع أن الله تعالى أخذ ميثاقهم بعبوديته من غير شرك، ورفع فوقهم طور الأمانة التي عرضها وحملها الإنسان في الميثاق الأول، وقال: { خذوا مآ ءاتينكم } [البقرة: 93]، من خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، { بقوة } [البقرة: 93]، بشوق وصدق في جواب بلى { واسمعوا } [البقرة: 93]، الخطاب يسمع الإجابة في الثبات على العبودية { قالوا سمعنا } [البقرة: 93]، اجبنا بقولهم بلى { وعصينا } [البقرة: 93] أي: بالثبات والاستقامة { وأشربوا في قلوبهم } [البقرة: 93]، حب عجل الدنيا { بكفرهم } [البقرة: 93]، بزلة أقدامهم عن صراط مستقيم العبودية بالميل إلى الدنيا وحب الدنيا رأس كل خطيئة، كما أن الكفر رأس كل خطيئة { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } [البقرة: 93]، أن تعبدوا عجل الدنيا { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 93]، حقيقة لا مجازا بالرسم والعادة فإن من علامة الإيمان ما أخبر عنه حارثة حين " سأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يزاورون وإلى أهل النار يتضاغون وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال: أصبت فألزم ".

البقرة 2:91

ثم أخبر عن إنكارهم واستهزائهم بقوله تعالى: { وقالوا قلوبنا غلف } [البقرة: 88]، والإشارة فيها أنت المريد إذا ابتلي في أثناء الطلب بالوقفة والفترة ما دام متمسكا بذيل الإرادة لا يضره أحد بل يرجى رجوعه إلى صدق الطلب بمدد هذا الشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة فأظهر الاعتراض والإنكار على شيخه ويعرض عنه حتى أدركته رد ولاية الشيخ وطرده، فابتلي بموت القلب فلا يرجي رجوعه إلى صدق الطلب حتى قال الجنيد رحمه الله: من قال لأستاذه لم لا يفلح أبدا. ثم أخبر عن نتائج إنكارهم بقوله تعالى: { ولما جآءهم كتاب من عند الله } [البقرة: 89]، الآيتين الإشارة فيهما أن بعض إقرار الزهاد والمتقشفين من أهل العلم في كل زمان يتمنون أن يتبركوا بأحد من الأولياء والعلماء المخصوصين بالمكاشفات والمشاهدات والعلوم اللدنية، ويتوسلون بهم إلى الله تعالى عند رفع حوائجهم في مصالح دعائهم ويظهرون محبته عند الخلق، فلما وجدوا واحدا من هذا القوم ما عرفوا قدره وحدوده وطعنوا فيه وأنكروا على كلماته وأظهروا عداوته فيكون حاصل أمرهم فيه الطرد من غيرة ولاية والبعد من الله باللعن. { بئسما اشتروا به أنفسهم } [البقرة: 90]، أن ينكروا على أولياء الله { أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا } [البقرة: 90]، فتح الله لهم من حقائق العلوم حسدا { أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب } [البقرة: 90]، من رد ولاية الأولياء { على غضب } [البقرة: 90]، من الله لأوليائه فإنه في الحديث الصحيح: " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده " وللمنكرين { وللكافرين عذاب مهين } [البقرة: 90]، في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالهوان عند أهل النظر الواقفين على أحوالهم وبالحرمان عن تنسم نغمات ألطاف الحق، وفي الآخرة بالخسران والفضوح وإن الإنكار على أهل العرفان يورث الحرمان والخسران. ثم أخبر عن إصرارهم على جحودهم بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } [البقرة: 91]، والإشارة فيها أنه إذا قيل للمنكرين اعتقدوا مواهب الحق التي ألهمها الله إلى أوليائه من أسرار القرآن ومعانيه وحقائقه هي مؤكدة بالبراهين من الآيات والأخبار المنقولة من المشايخ المتقدمين سمحت نفوسهم ببعض ما التمس منهم مما يوافق عقولهم وأهواءهم، وقالوا: تعتقد القرآن وما بعد له ظاهرا، ثم ينكرون بما وراء حظوظهم مع أنه الحق من ربهم محققا لما معهم من العلوم الظاهرة قال الله تعالى في جوابهم: فلو تقاتلوا وتجادلوا أولياء الله إن كنتم معتقدين للقرآن، فإن ما نطق به الأولياء فهو من أسرار القرآن وحقائقه، فالذي ينكرها فلا يكون معتقدا للقرآن بحقيقته والمقاتلة مع الأولياء مقاتلة مع الأنبياء والإنكار على كلماتهم يكون إنكارا على القرآن بحقيقة؛ لقوله تعالى: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم [الأحقاف: 11]. ثم كرر الإخبار عن إصرارهم على الجحود مع وضوح الآيات من موسى عليه السلام وغلوهم في حب العجل بقوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى بالبينات } [البقرة: 92]، الآيتين والإشارة فيهما أن الأنبياء - عليهم السلام - يدعون العباد إلى التوحيد وإقرار العبودية عن كل مشهود ومحدود ومعدود، ولكنهم لم يحتجوا إلا بعبادة ما لا يليق بقصر نظرهم وخسة همتهم، فقوم عبدوا الصنم وقوم عبدوا الهوى، وقوم عبدوا الدنيا، وإنهم قد ظلموا على أنفسهم بوضعهم عبادتها في غير معبودا مع أن الله تعالى أخذ ميثاقهم بعبوديته من غير شرك، ورفع فوقهم طور الأمانة التي عرضها وحملها الإنسان في الميثاق الأول، وقال: { خذوا مآ ءاتينكم } [البقرة: 93]، من خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، { بقوة } [البقرة: 93]، بشوق وصدق في جواب بلى { واسمعوا } [البقرة: 93]، الخطاب يسمع الإجابة في الثبات على العبودية { قالوا سمعنا } [البقرة: 93]، اجبنا بقولهم بلى { وعصينا } [البقرة: 93] أي: بالثبات والاستقامة { وأشربوا في قلوبهم } [البقرة: 93]، حب عجل الدنيا { بكفرهم } [البقرة: 93]، بزلة أقدامهم عن صراط مستقيم العبودية بالميل إلى الدنيا وحب الدنيا رأس كل خطيئة، كما أن الكفر رأس كل خطيئة { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } [البقرة: 93]، أن تعبدوا عجل الدنيا { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 93]، حقيقة لا مجازا بالرسم والعادة فإن من علامة الإيمان ما أخبر عنه حارثة حين " سأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يزاورون وإلى أهل النار يتضاغون وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال: أصبت فألزم ".

البقرة 2:92

ثم أخبر عن إنكارهم واستهزائهم بقوله تعالى: { وقالوا قلوبنا غلف } [البقرة: 88]، والإشارة فيها أنت المريد إذا ابتلي في أثناء الطلب بالوقفة والفترة ما دام متمسكا بذيل الإرادة لا يضره أحد بل يرجى رجوعه إلى صدق الطلب بمدد هذا الشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة فأظهر الاعتراض والإنكار على شيخه ويعرض عنه حتى أدركته رد ولاية الشيخ وطرده، فابتلي بموت القلب فلا يرجي رجوعه إلى صدق الطلب حتى قال الجنيد رحمه الله: من قال لأستاذه لم لا يفلح أبدا. ثم أخبر عن نتائج إنكارهم بقوله تعالى: { ولما جآءهم كتاب من عند الله } [البقرة: 89]، الآيتين الإشارة فيهما أن بعض إقرار الزهاد والمتقشفين من أهل العلم في كل زمان يتمنون أن يتبركوا بأحد من الأولياء والعلماء المخصوصين بالمكاشفات والمشاهدات والعلوم اللدنية، ويتوسلون بهم إلى الله تعالى عند رفع حوائجهم في مصالح دعائهم ويظهرون محبته عند الخلق، فلما وجدوا واحدا من هذا القوم ما عرفوا قدره وحدوده وطعنوا فيه وأنكروا على كلماته وأظهروا عداوته فيكون حاصل أمرهم فيه الطرد من غيرة ولاية والبعد من الله باللعن. { بئسما اشتروا به أنفسهم } [البقرة: 90]، أن ينكروا على أولياء الله { أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا } [البقرة: 90]، فتح الله لهم من حقائق العلوم حسدا { أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب } [البقرة: 90]، من رد ولاية الأولياء { على غضب } [البقرة: 90]، من الله لأوليائه فإنه في الحديث الصحيح: " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده " وللمنكرين { وللكافرين عذاب مهين } [البقرة: 90]، في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالهوان عند أهل النظر الواقفين على أحوالهم وبالحرمان عن تنسم نغمات ألطاف الحق، وفي الآخرة بالخسران والفضوح وإن الإنكار على أهل العرفان يورث الحرمان والخسران. ثم أخبر عن إصرارهم على جحودهم بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } [البقرة: 91]، والإشارة فيها أنه إذا قيل للمنكرين اعتقدوا مواهب الحق التي ألهمها الله إلى أوليائه من أسرار القرآن ومعانيه وحقائقه هي مؤكدة بالبراهين من الآيات والأخبار المنقولة من المشايخ المتقدمين سمحت نفوسهم ببعض ما التمس منهم مما يوافق عقولهم وأهواءهم، وقالوا: تعتقد القرآن وما بعد له ظاهرا، ثم ينكرون بما وراء حظوظهم مع أنه الحق من ربهم محققا لما معهم من العلوم الظاهرة قال الله تعالى في جوابهم: فلو تقاتلوا وتجادلوا أولياء الله إن كنتم معتقدين للقرآن، فإن ما نطق به الأولياء فهو من أسرار القرآن وحقائقه، فالذي ينكرها فلا يكون معتقدا للقرآن بحقيقته والمقاتلة مع الأولياء مقاتلة مع الأنبياء والإنكار على كلماتهم يكون إنكارا على القرآن بحقيقة؛ لقوله تعالى: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم [الأحقاف: 11]. ثم كرر الإخبار عن إصرارهم على الجحود مع وضوح الآيات من موسى عليه السلام وغلوهم في حب العجل بقوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى بالبينات } [البقرة: 92]، الآيتين والإشارة فيهما أن الأنبياء - عليهم السلام - يدعون العباد إلى التوحيد وإقرار العبودية عن كل مشهود ومحدود ومعدود، ولكنهم لم يحتجوا إلا بعبادة ما لا يليق بقصر نظرهم وخسة همتهم، فقوم عبدوا الصنم وقوم عبدوا الهوى، وقوم عبدوا الدنيا، وإنهم قد ظلموا على أنفسهم بوضعهم عبادتها في غير معبودا مع أن الله تعالى أخذ ميثاقهم بعبوديته من غير شرك، ورفع فوقهم طور الأمانة التي عرضها وحملها الإنسان في الميثاق الأول، وقال: { خذوا مآ ءاتينكم } [البقرة: 93]، من خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، { بقوة } [البقرة: 93]، بشوق وصدق في جواب بلى { واسمعوا } [البقرة: 93]، الخطاب يسمع الإجابة في الثبات على العبودية { قالوا سمعنا } [البقرة: 93]، اجبنا بقولهم بلى { وعصينا } [البقرة: 93] أي: بالثبات والاستقامة { وأشربوا في قلوبهم } [البقرة: 93]، حب عجل الدنيا { بكفرهم } [البقرة: 93]، بزلة أقدامهم عن صراط مستقيم العبودية بالميل إلى الدنيا وحب الدنيا رأس كل خطيئة، كما أن الكفر رأس كل خطيئة { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } [البقرة: 93]، أن تعبدوا عجل الدنيا { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 93]، حقيقة لا مجازا بالرسم والعادة فإن من علامة الإيمان ما أخبر عنه حارثة حين " سأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يزاورون وإلى أهل النار يتضاغون وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال: أصبت فألزم ".

البقرة 2:93

ثم أخبر عن إنكارهم واستهزائهم بقوله تعالى: { وقالوا قلوبنا غلف } [البقرة: 88]، والإشارة فيها أنت المريد إذا ابتلي في أثناء الطلب بالوقفة والفترة ما دام متمسكا بذيل الإرادة لا يضره أحد بل يرجى رجوعه إلى صدق الطلب بمدد هذا الشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة فأظهر الاعتراض والإنكار على شيخه ويعرض عنه حتى أدركته رد ولاية الشيخ وطرده، فابتلي بموت القلب فلا يرجي رجوعه إلى صدق الطلب حتى قال الجنيد رحمه الله: من قال لأستاذه لم لا يفلح أبدا. ثم أخبر عن نتائج إنكارهم بقوله تعالى: { ولما جآءهم كتاب من عند الله } [البقرة: 89]، الآيتين الإشارة فيهما أن بعض إقرار الزهاد والمتقشفين من أهل العلم في كل زمان يتمنون أن يتبركوا بأحد من الأولياء والعلماء المخصوصين بالمكاشفات والمشاهدات والعلوم اللدنية، ويتوسلون بهم إلى الله تعالى عند رفع حوائجهم في مصالح دعائهم ويظهرون محبته عند الخلق، فلما وجدوا واحدا من هذا القوم ما عرفوا قدره وحدوده وطعنوا فيه وأنكروا على كلماته وأظهروا عداوته فيكون حاصل أمرهم فيه الطرد من غيرة ولاية والبعد من الله باللعن. { بئسما اشتروا به أنفسهم } [البقرة: 90]، أن ينكروا على أولياء الله { أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا } [البقرة: 90]، فتح الله لهم من حقائق العلوم حسدا { أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب } [البقرة: 90]، من رد ولاية الأولياء { على غضب } [البقرة: 90]، من الله لأوليائه فإنه في الحديث الصحيح: " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده " وللمنكرين { وللكافرين عذاب مهين } [البقرة: 90]، في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالهوان عند أهل النظر الواقفين على أحوالهم وبالحرمان عن تنسم نغمات ألطاف الحق، وفي الآخرة بالخسران والفضوح وإن الإنكار على أهل العرفان يورث الحرمان والخسران. ثم أخبر عن إصرارهم على جحودهم بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } [البقرة: 91]، والإشارة فيها أنه إذا قيل للمنكرين اعتقدوا مواهب الحق التي ألهمها الله إلى أوليائه من أسرار القرآن ومعانيه وحقائقه هي مؤكدة بالبراهين من الآيات والأخبار المنقولة من المشايخ المتقدمين سمحت نفوسهم ببعض ما التمس منهم مما يوافق عقولهم وأهواءهم، وقالوا: تعتقد القرآن وما بعد له ظاهرا، ثم ينكرون بما وراء حظوظهم مع أنه الحق من ربهم محققا لما معهم من العلوم الظاهرة قال الله تعالى في جوابهم: فلو تقاتلوا وتجادلوا أولياء الله إن كنتم معتقدين للقرآن، فإن ما نطق به الأولياء فهو من أسرار القرآن وحقائقه، فالذي ينكرها فلا يكون معتقدا للقرآن بحقيقته والمقاتلة مع الأولياء مقاتلة مع الأنبياء والإنكار على كلماتهم يكون إنكارا على القرآن بحقيقة؛ لقوله تعالى: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم [الأحقاف: 11]. ثم كرر الإخبار عن إصرارهم على الجحود مع وضوح الآيات من موسى عليه السلام وغلوهم في حب العجل بقوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى بالبينات } [البقرة: 92]، الآيتين والإشارة فيهما أن الأنبياء - عليهم السلام - يدعون العباد إلى التوحيد وإقرار العبودية عن كل مشهود ومحدود ومعدود، ولكنهم لم يحتجوا إلا بعبادة ما لا يليق بقصر نظرهم وخسة همتهم، فقوم عبدوا الصنم وقوم عبدوا الهوى، وقوم عبدوا الدنيا، وإنهم قد ظلموا على أنفسهم بوضعهم عبادتها في غير معبودا مع أن الله تعالى أخذ ميثاقهم بعبوديته من غير شرك، ورفع فوقهم طور الأمانة التي عرضها وحملها الإنسان في الميثاق الأول، وقال: { خذوا مآ ءاتينكم } [البقرة: 93]، من خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172]، { بقوة } [البقرة: 93]، بشوق وصدق في جواب بلى { واسمعوا } [البقرة: 93]، الخطاب يسمع الإجابة في الثبات على العبودية { قالوا سمعنا } [البقرة: 93]، اجبنا بقولهم بلى { وعصينا } [البقرة: 93] أي: بالثبات والاستقامة { وأشربوا في قلوبهم } [البقرة: 93]، حب عجل الدنيا { بكفرهم } [البقرة: 93]، بزلة أقدامهم عن صراط مستقيم العبودية بالميل إلى الدنيا وحب الدنيا رأس كل خطيئة، كما أن الكفر رأس كل خطيئة { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } [البقرة: 93]، أن تعبدوا عجل الدنيا { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 93]، حقيقة لا مجازا بالرسم والعادة فإن من علامة الإيمان ما أخبر عنه حارثة حين " سأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يزاورون وإلى أهل النار يتضاغون وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال: أصبت فألزم ".

البقرة 2:94

ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } [البقرة: 94]، إلى قوله { والله بصير بما يعملون } [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة تمنيه الموت لقوله تعالى: { فتمنوا الموت } [البقرة: 94]، قال عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني { إن كنتم صادقين } [البقرة: 94]، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون بوصف حالكم. ثم قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم } [البقرة: 95]، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل الله تعالى أمارة أهل النجاة السلامة من الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي وحال المنكرين من أهل الأهواء والبدع والعلماء الحريصين على الدنيا بخلاف هذا، فإنهم لن يتمنوه أبدا قال تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } [البقرة: 96] لأن المشرك وإن كان حريصا على الحياة، ولكن لم يكن له خوف العذاب لإنكاره البعث ولمنكر المعرفة حرص الحياة وخوف العذاب، فيكون أحرص على الحياة من المشرك، وفيه أن حب الحياة من نتيجة الغفلة عن الله، فأشدهم عنه غفلة أحبهم للبقاء في الدنيا وحال المؤمن على ضده فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده والعبد الآبق لا يريد الرجوع إلى سيده، وفي الحديث الصحيح: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " أي: محبة العبد للقاء نتيجة محبة الله للقاء العبد كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]. ثم أخبر عن غاية خذلانهم من عداوتهم لجبريل لقوله تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل } [البقرة: 97]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الأنبياء بإنزال القرآن على قلبه، فإن جميع الكتب كان ينزل ظاهرا جملة واحدة في الألواح والصحائف مكتوبة. * فمن فوائد ضرورة القرآن معجزة بأن يأتي بمثل هذا القرآن الذي لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله لآية. ومنها: أن القرآن لما أنزل على قلبه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه آية وآيات أو سورة بدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة من سني النبوة؛ ليتصف قلبه بأخلاق القرآن، وما أشير إليه فيه ويتأدب بآدابه كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها حين سئلت ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4]، قالت: " كان خلقه القرآن " كقوله تعالى في جواب الكفار حين قالوا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة قال تعالى: كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا [الفرقان: 32]، ومنها أن القرآن لما نزل أنزل على قلبه صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية الله تعالى حتى قال: " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه " ، وهذا من خصائص إنزال القرآن على قلبه لقوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر: 21]، ولو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السلام لا في الألواح ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما يحتاج إلى صحبة الخضر عليه السلام لتعلم العلم اللدني. وقوله تعالى: { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكل فإن الله عدو للكافرين } [البقرة: 98] أي: عدواتهم لله وملائكته لأن الله وملائكته عدو لهم يعني عداوتهم لله نتيجة عداوة الله تعالى لهم كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فإن محبة المؤمنين نتيجة محبة الله تعالى لهم؛ لأن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، فلما نظر الله تعالى بنظر القهر والجلال والخذلان إلى ذات الكافرين، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، صار ذلك النظر بذر شجرة شقاوتهم فأثمرت الشجرة شجرة العداوة لله تعالى وملائكته، وكذا أحوال المؤمنين على الضد من هذا. ثم قال تعالى في جواب ابن صوريا حين قال: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها بقوله: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات } [البقرة: 99]، إلى قوله: { لا يؤمنون } الآيتين والإشارة فيهما أن معجزة كل نبي كان ظهورها على الأنبياء في الظاهر كإحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام واليد والعصا لموسى عليه السلام وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى عليه السلام فهم والخلق في مشاهدتها سواء، وكان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات البينات على قلبه فكان ظهورها في نفسه صلى الله عليه وسلم أولا، ثم تظهر على الخلق ثانيا بعد أن صارت خلقه، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " حديث متفق على صحته. فالآيات البينات هي أنواع معجزات القرآن منها: جزالة لفظه، وفصاحة عبارته، وبلاغة نظمه الذي عجز عنها فصحاء العالم وبلغاؤه من حين نزوله إلى الآن، ومنها: أن الله تعالى جمع بلفظ معاني وحكم كثيرة في الألفاظ يسيرة، ومنها: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف منه تضمن كثيرا من المعاني والحقائق وأنواعا من الأحكام بحيث لا يتصور مثله من غير الله تعالى، ومنها: إدراج ما اشتملت عليه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - فيه من الأحكام والمواعظ والحكم مع ما تضمنه ما لم يشتمل عليه الكتب المنزلة سواه كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " أوتيت جوامع الكلم " ، ومنها: أن الله تعالى أنزل فيه ما أكمل به الدين وأتم به نعمته على عباده من أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة بحيث لم يترك دقيقة يحتاج إليها الكاملون الواصلون البالغون في أثناء سلوكهم وسيرهم إلى الله تعالى إلا أودعها فيه، كما قال تعالى: ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين [الأنعام: 59]، هذا مما يعجز عنه جميع الخلائق، ومنها: الإخبار عن شهود الأشياء الكامنة في الغيب إلى يوم القيامة فظهر كثير منها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى الآن كما أخبر عنه القرآن وغير ذلك من الآيات الواضحات. { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } [البقرة: 99]، الخارجون عن نور الروحانية إلى الظلمات البشرية الحيوانية وشدت عن إدراك بصائرهم، وسبق الشقاوة من الله تعالى قسمتهم؛ فكما لا عقل لمن يجحد أن النهار نهار، فكذلك لا إدراك لمن لم يساعده من الحق أنوار واستبصار لا جرم كلما عاهدوا عهدا كان يشوشهم سابق التقدير لهم وينقص عليهم حق التدبير فيهم والله غالب على أمره، ولما جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر والإلهامات، فكذبوا رسولهم الذي آتاهم في الظاهر، فيا جهلا ما فيه شظية من العرفان، ويا حرمانا قارنه خذلان، حيث كذبوا رسله ورفضوا بارة كتابه واتبعوا السحر.

البقرة 2:95

ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } [البقرة: 94]، إلى قوله { والله بصير بما يعملون } [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة تمنيه الموت لقوله تعالى: { فتمنوا الموت } [البقرة: 94]، قال عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني { إن كنتم صادقين } [البقرة: 94]، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون بوصف حالكم. ثم قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم } [البقرة: 95]، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل الله تعالى أمارة أهل النجاة السلامة من الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي وحال المنكرين من أهل الأهواء والبدع والعلماء الحريصين على الدنيا بخلاف هذا، فإنهم لن يتمنوه أبدا قال تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } [البقرة: 96] لأن المشرك وإن كان حريصا على الحياة، ولكن لم يكن له خوف العذاب لإنكاره البعث ولمنكر المعرفة حرص الحياة وخوف العذاب، فيكون أحرص على الحياة من المشرك، وفيه أن حب الحياة من نتيجة الغفلة عن الله، فأشدهم عنه غفلة أحبهم للبقاء في الدنيا وحال المؤمن على ضده فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده والعبد الآبق لا يريد الرجوع إلى سيده، وفي الحديث الصحيح: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " أي: محبة العبد للقاء نتيجة محبة الله للقاء العبد كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]. ثم أخبر عن غاية خذلانهم من عداوتهم لجبريل لقوله تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل } [البقرة: 97]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الأنبياء بإنزال القرآن على قلبه، فإن جميع الكتب كان ينزل ظاهرا جملة واحدة في الألواح والصحائف مكتوبة. * فمن فوائد ضرورة القرآن معجزة بأن يأتي بمثل هذا القرآن الذي لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله لآية. ومنها: أن القرآن لما أنزل على قلبه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه آية وآيات أو سورة بدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة من سني النبوة؛ ليتصف قلبه بأخلاق القرآن، وما أشير إليه فيه ويتأدب بآدابه كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها حين سئلت ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4]، قالت: " كان خلقه القرآن " كقوله تعالى في جواب الكفار حين قالوا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة قال تعالى: كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا [الفرقان: 32]، ومنها أن القرآن لما نزل أنزل على قلبه صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية الله تعالى حتى قال: " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه " ، وهذا من خصائص إنزال القرآن على قلبه لقوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر: 21]، ولو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السلام لا في الألواح ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما يحتاج إلى صحبة الخضر عليه السلام لتعلم العلم اللدني. وقوله تعالى: { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكل فإن الله عدو للكافرين } [البقرة: 98] أي: عدواتهم لله وملائكته لأن الله وملائكته عدو لهم يعني عداوتهم لله نتيجة عداوة الله تعالى لهم كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فإن محبة المؤمنين نتيجة محبة الله تعالى لهم؛ لأن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، فلما نظر الله تعالى بنظر القهر والجلال والخذلان إلى ذات الكافرين، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، صار ذلك النظر بذر شجرة شقاوتهم فأثمرت الشجرة شجرة العداوة لله تعالى وملائكته، وكذا أحوال المؤمنين على الضد من هذا. ثم قال تعالى في جواب ابن صوريا حين قال: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها بقوله: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات } [البقرة: 99]، إلى قوله: { لا يؤمنون } الآيتين والإشارة فيهما أن معجزة كل نبي كان ظهورها على الأنبياء في الظاهر كإحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام واليد والعصا لموسى عليه السلام وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى عليه السلام فهم والخلق في مشاهدتها سواء، وكان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات البينات على قلبه فكان ظهورها في نفسه صلى الله عليه وسلم أولا، ثم تظهر على الخلق ثانيا بعد أن صارت خلقه، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " حديث متفق على صحته. فالآيات البينات هي أنواع معجزات القرآن منها: جزالة لفظه، وفصاحة عبارته، وبلاغة نظمه الذي عجز عنها فصحاء العالم وبلغاؤه من حين نزوله إلى الآن، ومنها: أن الله تعالى جمع بلفظ معاني وحكم كثيرة في الألفاظ يسيرة، ومنها: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف منه تضمن كثيرا من المعاني والحقائق وأنواعا من الأحكام بحيث لا يتصور مثله من غير الله تعالى، ومنها: إدراج ما اشتملت عليه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - فيه من الأحكام والمواعظ والحكم مع ما تضمنه ما لم يشتمل عليه الكتب المنزلة سواه كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " أوتيت جوامع الكلم " ، ومنها: أن الله تعالى أنزل فيه ما أكمل به الدين وأتم به نعمته على عباده من أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة بحيث لم يترك دقيقة يحتاج إليها الكاملون الواصلون البالغون في أثناء سلوكهم وسيرهم إلى الله تعالى إلا أودعها فيه، كما قال تعالى: ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين [الأنعام: 59]، هذا مما يعجز عنه جميع الخلائق، ومنها: الإخبار عن شهود الأشياء الكامنة في الغيب إلى يوم القيامة فظهر كثير منها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى الآن كما أخبر عنه القرآن وغير ذلك من الآيات الواضحات. { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } [البقرة: 99]، الخارجون عن نور الروحانية إلى الظلمات البشرية الحيوانية وشدت عن إدراك بصائرهم، وسبق الشقاوة من الله تعالى قسمتهم؛ فكما لا عقل لمن يجحد أن النهار نهار، فكذلك لا إدراك لمن لم يساعده من الحق أنوار واستبصار لا جرم كلما عاهدوا عهدا كان يشوشهم سابق التقدير لهم وينقص عليهم حق التدبير فيهم والله غالب على أمره، ولما جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر والإلهامات، فكذبوا رسولهم الذي آتاهم في الظاهر، فيا جهلا ما فيه شظية من العرفان، ويا حرمانا قارنه خذلان، حيث كذبوا رسله ورفضوا بارة كتابه واتبعوا السحر.

البقرة 2:96

ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } [البقرة: 94]، إلى قوله { والله بصير بما يعملون } [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة تمنيه الموت لقوله تعالى: { فتمنوا الموت } [البقرة: 94]، قال عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني { إن كنتم صادقين } [البقرة: 94]، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون بوصف حالكم. ثم قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم } [البقرة: 95]، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل الله تعالى أمارة أهل النجاة السلامة من الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي وحال المنكرين من أهل الأهواء والبدع والعلماء الحريصين على الدنيا بخلاف هذا، فإنهم لن يتمنوه أبدا قال تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } [البقرة: 96] لأن المشرك وإن كان حريصا على الحياة، ولكن لم يكن له خوف العذاب لإنكاره البعث ولمنكر المعرفة حرص الحياة وخوف العذاب، فيكون أحرص على الحياة من المشرك، وفيه أن حب الحياة من نتيجة الغفلة عن الله، فأشدهم عنه غفلة أحبهم للبقاء في الدنيا وحال المؤمن على ضده فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده والعبد الآبق لا يريد الرجوع إلى سيده، وفي الحديث الصحيح: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " أي: محبة العبد للقاء نتيجة محبة الله للقاء العبد كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]. ثم أخبر عن غاية خذلانهم من عداوتهم لجبريل لقوله تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل } [البقرة: 97]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الأنبياء بإنزال القرآن على قلبه، فإن جميع الكتب كان ينزل ظاهرا جملة واحدة في الألواح والصحائف مكتوبة. * فمن فوائد ضرورة القرآن معجزة بأن يأتي بمثل هذا القرآن الذي لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله لآية. ومنها: أن القرآن لما أنزل على قلبه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه آية وآيات أو سورة بدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة من سني النبوة؛ ليتصف قلبه بأخلاق القرآن، وما أشير إليه فيه ويتأدب بآدابه كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها حين سئلت ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4]، قالت: " كان خلقه القرآن " كقوله تعالى في جواب الكفار حين قالوا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة قال تعالى: كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا [الفرقان: 32]، ومنها أن القرآن لما نزل أنزل على قلبه صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية الله تعالى حتى قال: " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه " ، وهذا من خصائص إنزال القرآن على قلبه لقوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر: 21]، ولو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السلام لا في الألواح ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما يحتاج إلى صحبة الخضر عليه السلام لتعلم العلم اللدني. وقوله تعالى: { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكل فإن الله عدو للكافرين } [البقرة: 98] أي: عدواتهم لله وملائكته لأن الله وملائكته عدو لهم يعني عداوتهم لله نتيجة عداوة الله تعالى لهم كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فإن محبة المؤمنين نتيجة محبة الله تعالى لهم؛ لأن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، فلما نظر الله تعالى بنظر القهر والجلال والخذلان إلى ذات الكافرين، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، صار ذلك النظر بذر شجرة شقاوتهم فأثمرت الشجرة شجرة العداوة لله تعالى وملائكته، وكذا أحوال المؤمنين على الضد من هذا. ثم قال تعالى في جواب ابن صوريا حين قال: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها بقوله: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات } [البقرة: 99]، إلى قوله: { لا يؤمنون } الآيتين والإشارة فيهما أن معجزة كل نبي كان ظهورها على الأنبياء في الظاهر كإحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام واليد والعصا لموسى عليه السلام وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى عليه السلام فهم والخلق في مشاهدتها سواء، وكان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات البينات على قلبه فكان ظهورها في نفسه صلى الله عليه وسلم أولا، ثم تظهر على الخلق ثانيا بعد أن صارت خلقه، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " حديث متفق على صحته. فالآيات البينات هي أنواع معجزات القرآن منها: جزالة لفظه، وفصاحة عبارته، وبلاغة نظمه الذي عجز عنها فصحاء العالم وبلغاؤه من حين نزوله إلى الآن، ومنها: أن الله تعالى جمع بلفظ معاني وحكم كثيرة في الألفاظ يسيرة، ومنها: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف منه تضمن كثيرا من المعاني والحقائق وأنواعا من الأحكام بحيث لا يتصور مثله من غير الله تعالى، ومنها: إدراج ما اشتملت عليه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - فيه من الأحكام والمواعظ والحكم مع ما تضمنه ما لم يشتمل عليه الكتب المنزلة سواه كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " أوتيت جوامع الكلم " ، ومنها: أن الله تعالى أنزل فيه ما أكمل به الدين وأتم به نعمته على عباده من أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة بحيث لم يترك دقيقة يحتاج إليها الكاملون الواصلون البالغون في أثناء سلوكهم وسيرهم إلى الله تعالى إلا أودعها فيه، كما قال تعالى: ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين [الأنعام: 59]، هذا مما يعجز عنه جميع الخلائق، ومنها: الإخبار عن شهود الأشياء الكامنة في الغيب إلى يوم القيامة فظهر كثير منها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى الآن كما أخبر عنه القرآن وغير ذلك من الآيات الواضحات. { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } [البقرة: 99]، الخارجون عن نور الروحانية إلى الظلمات البشرية الحيوانية وشدت عن إدراك بصائرهم، وسبق الشقاوة من الله تعالى قسمتهم؛ فكما لا عقل لمن يجحد أن النهار نهار، فكذلك لا إدراك لمن لم يساعده من الحق أنوار واستبصار لا جرم كلما عاهدوا عهدا كان يشوشهم سابق التقدير لهم وينقص عليهم حق التدبير فيهم والله غالب على أمره، ولما جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر والإلهامات، فكذبوا رسولهم الذي آتاهم في الظاهر، فيا جهلا ما فيه شظية من العرفان، ويا حرمانا قارنه خذلان، حيث كذبوا رسله ورفضوا بارة كتابه واتبعوا السحر.

البقرة 2:97

ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } [البقرة: 94]، إلى قوله { والله بصير بما يعملون } [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة تمنيه الموت لقوله تعالى: { فتمنوا الموت } [البقرة: 94]، قال عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني { إن كنتم صادقين } [البقرة: 94]، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون بوصف حالكم. ثم قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم } [البقرة: 95]، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل الله تعالى أمارة أهل النجاة السلامة من الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي وحال المنكرين من أهل الأهواء والبدع والعلماء الحريصين على الدنيا بخلاف هذا، فإنهم لن يتمنوه أبدا قال تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } [البقرة: 96] لأن المشرك وإن كان حريصا على الحياة، ولكن لم يكن له خوف العذاب لإنكاره البعث ولمنكر المعرفة حرص الحياة وخوف العذاب، فيكون أحرص على الحياة من المشرك، وفيه أن حب الحياة من نتيجة الغفلة عن الله، فأشدهم عنه غفلة أحبهم للبقاء في الدنيا وحال المؤمن على ضده فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده والعبد الآبق لا يريد الرجوع إلى سيده، وفي الحديث الصحيح: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " أي: محبة العبد للقاء نتيجة محبة الله للقاء العبد كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]. ثم أخبر عن غاية خذلانهم من عداوتهم لجبريل لقوله تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل } [البقرة: 97]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الأنبياء بإنزال القرآن على قلبه، فإن جميع الكتب كان ينزل ظاهرا جملة واحدة في الألواح والصحائف مكتوبة. * فمن فوائد ضرورة القرآن معجزة بأن يأتي بمثل هذا القرآن الذي لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله لآية. ومنها: أن القرآن لما أنزل على قلبه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه آية وآيات أو سورة بدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة من سني النبوة؛ ليتصف قلبه بأخلاق القرآن، وما أشير إليه فيه ويتأدب بآدابه كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها حين سئلت ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4]، قالت: " كان خلقه القرآن " كقوله تعالى في جواب الكفار حين قالوا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة قال تعالى: كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا [الفرقان: 32]، ومنها أن القرآن لما نزل أنزل على قلبه صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية الله تعالى حتى قال: " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه " ، وهذا من خصائص إنزال القرآن على قلبه لقوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر: 21]، ولو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السلام لا في الألواح ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما يحتاج إلى صحبة الخضر عليه السلام لتعلم العلم اللدني. وقوله تعالى: { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكل فإن الله عدو للكافرين } [البقرة: 98] أي: عدواتهم لله وملائكته لأن الله وملائكته عدو لهم يعني عداوتهم لله نتيجة عداوة الله تعالى لهم كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فإن محبة المؤمنين نتيجة محبة الله تعالى لهم؛ لأن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، فلما نظر الله تعالى بنظر القهر والجلال والخذلان إلى ذات الكافرين، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، صار ذلك النظر بذر شجرة شقاوتهم فأثمرت الشجرة شجرة العداوة لله تعالى وملائكته، وكذا أحوال المؤمنين على الضد من هذا. ثم قال تعالى في جواب ابن صوريا حين قال: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها بقوله: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات } [البقرة: 99]، إلى قوله: { لا يؤمنون } الآيتين والإشارة فيهما أن معجزة كل نبي كان ظهورها على الأنبياء في الظاهر كإحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام واليد والعصا لموسى عليه السلام وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى عليه السلام فهم والخلق في مشاهدتها سواء، وكان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات البينات على قلبه فكان ظهورها في نفسه صلى الله عليه وسلم أولا، ثم تظهر على الخلق ثانيا بعد أن صارت خلقه، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " حديث متفق على صحته. فالآيات البينات هي أنواع معجزات القرآن منها: جزالة لفظه، وفصاحة عبارته، وبلاغة نظمه الذي عجز عنها فصحاء العالم وبلغاؤه من حين نزوله إلى الآن، ومنها: أن الله تعالى جمع بلفظ معاني وحكم كثيرة في الألفاظ يسيرة، ومنها: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف منه تضمن كثيرا من المعاني والحقائق وأنواعا من الأحكام بحيث لا يتصور مثله من غير الله تعالى، ومنها: إدراج ما اشتملت عليه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - فيه من الأحكام والمواعظ والحكم مع ما تضمنه ما لم يشتمل عليه الكتب المنزلة سواه كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " أوتيت جوامع الكلم " ، ومنها: أن الله تعالى أنزل فيه ما أكمل به الدين وأتم به نعمته على عباده من أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة بحيث لم يترك دقيقة يحتاج إليها الكاملون الواصلون البالغون في أثناء سلوكهم وسيرهم إلى الله تعالى إلا أودعها فيه، كما قال تعالى: ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين [الأنعام: 59]، هذا مما يعجز عنه جميع الخلائق، ومنها: الإخبار عن شهود الأشياء الكامنة في الغيب إلى يوم القيامة فظهر كثير منها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى الآن كما أخبر عنه القرآن وغير ذلك من الآيات الواضحات. { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } [البقرة: 99]، الخارجون عن نور الروحانية إلى الظلمات البشرية الحيوانية وشدت عن إدراك بصائرهم، وسبق الشقاوة من الله تعالى قسمتهم؛ فكما لا عقل لمن يجحد أن النهار نهار، فكذلك لا إدراك لمن لم يساعده من الحق أنوار واستبصار لا جرم كلما عاهدوا عهدا كان يشوشهم سابق التقدير لهم وينقص عليهم حق التدبير فيهم والله غالب على أمره، ولما جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر والإلهامات، فكذبوا رسولهم الذي آتاهم في الظاهر، فيا جهلا ما فيه شظية من العرفان، ويا حرمانا قارنه خذلان، حيث كذبوا رسله ورفضوا بارة كتابه واتبعوا السحر.

البقرة 2:98

ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } [البقرة: 94]، إلى قوله { والله بصير بما يعملون } [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة تمنيه الموت لقوله تعالى: { فتمنوا الموت } [البقرة: 94]، قال عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني { إن كنتم صادقين } [البقرة: 94]، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون بوصف حالكم. ثم قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم } [البقرة: 95]، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل الله تعالى أمارة أهل النجاة السلامة من الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي وحال المنكرين من أهل الأهواء والبدع والعلماء الحريصين على الدنيا بخلاف هذا، فإنهم لن يتمنوه أبدا قال تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } [البقرة: 96] لأن المشرك وإن كان حريصا على الحياة، ولكن لم يكن له خوف العذاب لإنكاره البعث ولمنكر المعرفة حرص الحياة وخوف العذاب، فيكون أحرص على الحياة من المشرك، وفيه أن حب الحياة من نتيجة الغفلة عن الله، فأشدهم عنه غفلة أحبهم للبقاء في الدنيا وحال المؤمن على ضده فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده والعبد الآبق لا يريد الرجوع إلى سيده، وفي الحديث الصحيح: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " أي: محبة العبد للقاء نتيجة محبة الله للقاء العبد كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]. ثم أخبر عن غاية خذلانهم من عداوتهم لجبريل لقوله تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل } [البقرة: 97]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الأنبياء بإنزال القرآن على قلبه، فإن جميع الكتب كان ينزل ظاهرا جملة واحدة في الألواح والصحائف مكتوبة. * فمن فوائد ضرورة القرآن معجزة بأن يأتي بمثل هذا القرآن الذي لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله لآية. ومنها: أن القرآن لما أنزل على قلبه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه آية وآيات أو سورة بدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة من سني النبوة؛ ليتصف قلبه بأخلاق القرآن، وما أشير إليه فيه ويتأدب بآدابه كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها حين سئلت ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4]، قالت: " كان خلقه القرآن " كقوله تعالى في جواب الكفار حين قالوا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة قال تعالى: كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا [الفرقان: 32]، ومنها أن القرآن لما نزل أنزل على قلبه صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية الله تعالى حتى قال: " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه " ، وهذا من خصائص إنزال القرآن على قلبه لقوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر: 21]، ولو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السلام لا في الألواح ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما يحتاج إلى صحبة الخضر عليه السلام لتعلم العلم اللدني. وقوله تعالى: { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكل فإن الله عدو للكافرين } [البقرة: 98] أي: عدواتهم لله وملائكته لأن الله وملائكته عدو لهم يعني عداوتهم لله نتيجة عداوة الله تعالى لهم كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فإن محبة المؤمنين نتيجة محبة الله تعالى لهم؛ لأن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، فلما نظر الله تعالى بنظر القهر والجلال والخذلان إلى ذات الكافرين، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، صار ذلك النظر بذر شجرة شقاوتهم فأثمرت الشجرة شجرة العداوة لله تعالى وملائكته، وكذا أحوال المؤمنين على الضد من هذا. ثم قال تعالى في جواب ابن صوريا حين قال: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها بقوله: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات } [البقرة: 99]، إلى قوله: { لا يؤمنون } الآيتين والإشارة فيهما أن معجزة كل نبي كان ظهورها على الأنبياء في الظاهر كإحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام واليد والعصا لموسى عليه السلام وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى عليه السلام فهم والخلق في مشاهدتها سواء، وكان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات البينات على قلبه فكان ظهورها في نفسه صلى الله عليه وسلم أولا، ثم تظهر على الخلق ثانيا بعد أن صارت خلقه، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " حديث متفق على صحته. فالآيات البينات هي أنواع معجزات القرآن منها: جزالة لفظه، وفصاحة عبارته، وبلاغة نظمه الذي عجز عنها فصحاء العالم وبلغاؤه من حين نزوله إلى الآن، ومنها: أن الله تعالى جمع بلفظ معاني وحكم كثيرة في الألفاظ يسيرة، ومنها: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف منه تضمن كثيرا من المعاني والحقائق وأنواعا من الأحكام بحيث لا يتصور مثله من غير الله تعالى، ومنها: إدراج ما اشتملت عليه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - فيه من الأحكام والمواعظ والحكم مع ما تضمنه ما لم يشتمل عليه الكتب المنزلة سواه كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " أوتيت جوامع الكلم " ، ومنها: أن الله تعالى أنزل فيه ما أكمل به الدين وأتم به نعمته على عباده من أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة بحيث لم يترك دقيقة يحتاج إليها الكاملون الواصلون البالغون في أثناء سلوكهم وسيرهم إلى الله تعالى إلا أودعها فيه، كما قال تعالى: ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين [الأنعام: 59]، هذا مما يعجز عنه جميع الخلائق، ومنها: الإخبار عن شهود الأشياء الكامنة في الغيب إلى يوم القيامة فظهر كثير منها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى الآن كما أخبر عنه القرآن وغير ذلك من الآيات الواضحات. { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } [البقرة: 99]، الخارجون عن نور الروحانية إلى الظلمات البشرية الحيوانية وشدت عن إدراك بصائرهم، وسبق الشقاوة من الله تعالى قسمتهم؛ فكما لا عقل لمن يجحد أن النهار نهار، فكذلك لا إدراك لمن لم يساعده من الحق أنوار واستبصار لا جرم كلما عاهدوا عهدا كان يشوشهم سابق التقدير لهم وينقص عليهم حق التدبير فيهم والله غالب على أمره، ولما جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر والإلهامات، فكذبوا رسولهم الذي آتاهم في الظاهر، فيا جهلا ما فيه شظية من العرفان، ويا حرمانا قارنه خذلان، حيث كذبوا رسله ورفضوا بارة كتابه واتبعوا السحر.

البقرة 2:99

ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } [البقرة: 94]، إلى قوله { والله بصير بما يعملون } [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة تمنيه الموت لقوله تعالى: { فتمنوا الموت } [البقرة: 94]، قال عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني { إن كنتم صادقين } [البقرة: 94]، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون بوصف حالكم. ثم قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم } [البقرة: 95]، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل الله تعالى أمارة أهل النجاة السلامة من الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي وحال المنكرين من أهل الأهواء والبدع والعلماء الحريصين على الدنيا بخلاف هذا، فإنهم لن يتمنوه أبدا قال تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } [البقرة: 96] لأن المشرك وإن كان حريصا على الحياة، ولكن لم يكن له خوف العذاب لإنكاره البعث ولمنكر المعرفة حرص الحياة وخوف العذاب، فيكون أحرص على الحياة من المشرك، وفيه أن حب الحياة من نتيجة الغفلة عن الله، فأشدهم عنه غفلة أحبهم للبقاء في الدنيا وحال المؤمن على ضده فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده والعبد الآبق لا يريد الرجوع إلى سيده، وفي الحديث الصحيح: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " أي: محبة العبد للقاء نتيجة محبة الله للقاء العبد كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]. ثم أخبر عن غاية خذلانهم من عداوتهم لجبريل لقوله تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل } [البقرة: 97]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الأنبياء بإنزال القرآن على قلبه، فإن جميع الكتب كان ينزل ظاهرا جملة واحدة في الألواح والصحائف مكتوبة. * فمن فوائد ضرورة القرآن معجزة بأن يأتي بمثل هذا القرآن الذي لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله لآية. ومنها: أن القرآن لما أنزل على قلبه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه آية وآيات أو سورة بدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة من سني النبوة؛ ليتصف قلبه بأخلاق القرآن، وما أشير إليه فيه ويتأدب بآدابه كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها حين سئلت ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4]، قالت: " كان خلقه القرآن " كقوله تعالى في جواب الكفار حين قالوا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة قال تعالى: كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا [الفرقان: 32]، ومنها أن القرآن لما نزل أنزل على قلبه صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية الله تعالى حتى قال: " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه " ، وهذا من خصائص إنزال القرآن على قلبه لقوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر: 21]، ولو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السلام لا في الألواح ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما يحتاج إلى صحبة الخضر عليه السلام لتعلم العلم اللدني. وقوله تعالى: { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكل فإن الله عدو للكافرين } [البقرة: 98] أي: عدواتهم لله وملائكته لأن الله وملائكته عدو لهم يعني عداوتهم لله نتيجة عداوة الله تعالى لهم كقوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فإن محبة المؤمنين نتيجة محبة الله تعالى لهم؛ لأن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، فلما نظر الله تعالى بنظر القهر والجلال والخذلان إلى ذات الكافرين، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، صار ذلك النظر بذر شجرة شقاوتهم فأثمرت الشجرة شجرة العداوة لله تعالى وملائكته، وكذا أحوال المؤمنين على الضد من هذا. ثم قال تعالى في جواب ابن صوريا حين قال: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها بقوله: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات } [البقرة: 99]، إلى قوله: { لا يؤمنون } الآيتين والإشارة فيهما أن معجزة كل نبي كان ظهورها على الأنبياء في الظاهر كإحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام واليد والعصا لموسى عليه السلام وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى عليه السلام فهم والخلق في مشاهدتها سواء، وكان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات البينات على قلبه فكان ظهورها في نفسه صلى الله عليه وسلم أولا، ثم تظهر على الخلق ثانيا بعد أن صارت خلقه، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " حديث متفق على صحته. فالآيات البينات هي أنواع معجزات القرآن منها: جزالة لفظه، وفصاحة عبارته، وبلاغة نظمه الذي عجز عنها فصحاء العالم وبلغاؤه من حين نزوله إلى الآن، ومنها: أن الله تعالى جمع بلفظ معاني وحكم كثيرة في الألفاظ يسيرة، ومنها: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف منه تضمن كثيرا من المعاني والحقائق وأنواعا من الأحكام بحيث لا يتصور مثله من غير الله تعالى، ومنها: إدراج ما اشتملت عليه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - فيه من الأحكام والمواعظ والحكم مع ما تضمنه ما لم يشتمل عليه الكتب المنزلة سواه كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " أوتيت جوامع الكلم " ، ومنها: أن الله تعالى أنزل فيه ما أكمل به الدين وأتم به نعمته على عباده من أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة بحيث لم يترك دقيقة يحتاج إليها الكاملون الواصلون البالغون في أثناء سلوكهم وسيرهم إلى الله تعالى إلا أودعها فيه، كما قال تعالى: ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين [الأنعام: 59]، هذا مما يعجز عنه جميع الخلائق، ومنها: الإخبار عن شهود الأشياء الكامنة في الغيب إلى يوم القيامة فظهر كثير منها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى الآن كما أخبر عنه القرآن وغير ذلك من الآيات الواضحات. { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } [البقرة: 99]، الخارجون عن نور الروحانية إلى الظلمات البشرية الحيوانية وشدت عن إدراك بصائرهم، وسبق الشقاوة من الله تعالى قسمتهم؛ فكما لا عقل لمن يجحد أن النهار نهار، فكذلك لا إدراك لمن لم يساعده من الحق أنوار واستبصار لا جرم كلما عاهدوا عهدا كان يشوشهم سابق التقدير لهم وينقص عليهم حق التدبير فيهم والله غالب على أمره، ولما جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر والإلهامات، فكذبوا رسولهم الذي آتاهم في الظاهر، فيا جهلا ما فيه شظية من العرفان، ويا حرمانا قارنه خذلان، حيث كذبوا رسله ورفضوا بارة كتابه واتبعوا السحر.

البقرة 2:100

كما أخبر عنهم بقوله: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم } [البقرة: 101]، الآيات الثلاث والإشارة في تحقيقها أن الروح الإنساني في أصل الفطرة كان مناسبا للأرواح الملكية في استماع خطاب الحق واستماع مكالمته قبل هبوط إلى العالم الجسماني، كما أخبر عنه بقوله: ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا { بلى } وأخذ منهم العهد على هذا، ثم نبذ ذلك العهد فريق منهم بعد هبوطهم إلى العالم الجسماني بتعلقات الحيواني وتتبعات النفساني، ولما جاءهم رسول من إلهامات الحق موافق لما معهم من كتاب العهد والميثاق عند استماع الخطاب { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله } [البقرة: 101]، الذي ألهموا والذي عاهدوا عليه { ورآء ظهورهم } [البقرة: 101]، بترك العمل به { كأنهم لا يعلمون } [البقرة: 101]، في أصل الفطرة { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } [البقرة: 102]، النفوس { على ملك سليمن } [البقرة: 102]، الروح الذي هو خليفة الله في أرضه أي: ما حدثت به أنفسهم استهوتهم الشياطين وغرتهم به أنه من سليمان الروح { وما كفر سليمن } [البقرة: 102]، الروح { ولكن الشيطين } [البقرة: 102]، النفس والهوى { كفروا يعلمون الناس السحر } [البقرة: 102]، من تخيلات الهواجس وتمويهات الوساوس التي تملي النفس ببيان وهو بمثابة السحر لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا " { ومآ أنزل } [البقرة: 102]، فتنة وخذلانا من العلوم { على الملكين ببابل هروت ومروت } [البقرة: 102]، أي: الروح والقلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى أرض العالم الجسماني بالخلافة؛ لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الدنيا واتباعا خداعها؛ فوقعا في شبكة الشهوات التي ركبت فيها ابتلاء وامتحانا، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل وزينا ببغي الدنيا الدنيوية، وعبدا صنم الهوى وعلقا منكسين رءوسها بالالتفات إلى السفليات، وإعراضهما عن العلويات فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5]، وفي كبتها عن استقامتها وحرما عن سماع خطاب الحق، وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية ابتليا بإنزال أباطيل العلوم الضارة المؤدية إلى التفرقة مثل شبهات زنادقة الفلاسفة من قدم العالم وسلب الاختيار عن الله ونفي العلم بالجزئيات عنه وأمثال هذه الكفريات التي زلت بهما أقدام خلق كثير عظيم في الجاهلية والإسلام، وكذلك شبهات أهل الأهواء والبدع التي يكفر بها بعضهم بعضا ويقتلون عليها فإنها علوم يجب الاستعاذة منها لقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع " ، ومع هذا من خصوصيته الروحية الملكية { وما يعلمان من أحد حتى يقولا } [البقرة: 102]، من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية والقوى البشرية التي يلهماها { إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } [البقرة: 102]، مرء القلب وزوج دينه، وفي هذه القصة إشارة أخرى إلى أن من مال في هذا الطريق إلى تمويه وتلبيس وإظهار دعوى تلبيس، فهو يستهزئ بمن اتبعه ويلقيه في جهنم بباطله ويصده بتمويه ظلماته عن طريق رشده، ومن اعتبر عبر بالسلامة فتارة ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتك إشارة ظهر لذوي البصائر أغواره { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله }؛ لأن الضار هو الله تعالى ولكن الجرم أنهم { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم } [البقرة: 102] أي: باعوا بالحظوظ النفسانية الحقوق الروحانية { لو كانوا يعلمون } [البقرة: 102]، غاية ما خسروا من دولة الإيمان وسعادة العرفان ونهاية ما يصيرون إليه من العقاب والحرمان { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } [البقرة: 103]، بما أعد الله لخواص عباده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ما يستمدون به إلى استجلاب الحظوظ وترك الحقوق، وأثروا الإقبال على الله ما شغلهم عن الله لا يثبتوا على ما لهم فيه خير وخير الدارين، ووصلوا إلى غير الكونين ولكنهم كبتهم وصرفهم سطوات القهر فأثبتهم في مواطن العجز. ثم أخبر عن خيانة عقائد اليهود ومكائدهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } [البقرة: 104]، الآيتين والإشارة فيهما إلى أن أثر العناية في حق الأولياء يظهر في كل شيء من أخلاق قلوبهم وأوصاف نفوسهم وأعمال أبدانهم وأقوال لسانهم، ففي عهد النبوة وأيام دولة الرسالة كان في قولهم: راعنا للنبي صلى الله عليه وسلم شائبة ترك أدب نهوا عنه وفي قولهم: انظر فارا عن أدب أمروا به، وأما بعد عهد النبوة وانقطاع الوحي فأكرموا بخواطر الزماني وإلهامات الرباني ودلوا بها على الفجور والتقوى بقوله تعالى: ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 7-8]، وعلى الضدين هذا في حق الأعداء ظهور أثر الخذلان عليهم فإن قصورهم في جميع أحوالهم من أعمالهم وأقوالهم قصور خشية وعلى مناهجهم بينوا فيما يأتون ويذرون، ومن نتائج خذلانهم يحسدون أولياء الله على ما آتاهم الله من فضله وما يردون أن ينزل عليهم من خير من ربهم { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته } [البقرة: 105]، بأصناف ألطافه { من يشآء والله ذو الفضل العظيم } [البقرة: 105]، لا ينقص مثقال ذرة من بحر أفضاله بأن يفيض على العالمين سجال نواله.

البقرة 2:101

كما أخبر عنهم بقوله: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم } [البقرة: 101]، الآيات الثلاث والإشارة في تحقيقها أن الروح الإنساني في أصل الفطرة كان مناسبا للأرواح الملكية في استماع خطاب الحق واستماع مكالمته قبل هبوط إلى العالم الجسماني، كما أخبر عنه بقوله: ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا { بلى } وأخذ منهم العهد على هذا، ثم نبذ ذلك العهد فريق منهم بعد هبوطهم إلى العالم الجسماني بتعلقات الحيواني وتتبعات النفساني، ولما جاءهم رسول من إلهامات الحق موافق لما معهم من كتاب العهد والميثاق عند استماع الخطاب { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله } [البقرة: 101]، الذي ألهموا والذي عاهدوا عليه { ورآء ظهورهم } [البقرة: 101]، بترك العمل به { كأنهم لا يعلمون } [البقرة: 101]، في أصل الفطرة { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } [البقرة: 102]، النفوس { على ملك سليمن } [البقرة: 102]، الروح الذي هو خليفة الله في أرضه أي: ما حدثت به أنفسهم استهوتهم الشياطين وغرتهم به أنه من سليمان الروح { وما كفر سليمن } [البقرة: 102]، الروح { ولكن الشيطين } [البقرة: 102]، النفس والهوى { كفروا يعلمون الناس السحر } [البقرة: 102]، من تخيلات الهواجس وتمويهات الوساوس التي تملي النفس ببيان وهو بمثابة السحر لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا " { ومآ أنزل } [البقرة: 102]، فتنة وخذلانا من العلوم { على الملكين ببابل هروت ومروت } [البقرة: 102]، أي: الروح والقلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى أرض العالم الجسماني بالخلافة؛ لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الدنيا واتباعا خداعها؛ فوقعا في شبكة الشهوات التي ركبت فيها ابتلاء وامتحانا، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل وزينا ببغي الدنيا الدنيوية، وعبدا صنم الهوى وعلقا منكسين رءوسها بالالتفات إلى السفليات، وإعراضهما عن العلويات فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5]، وفي كبتها عن استقامتها وحرما عن سماع خطاب الحق، وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية ابتليا بإنزال أباطيل العلوم الضارة المؤدية إلى التفرقة مثل شبهات زنادقة الفلاسفة من قدم العالم وسلب الاختيار عن الله ونفي العلم بالجزئيات عنه وأمثال هذه الكفريات التي زلت بهما أقدام خلق كثير عظيم في الجاهلية والإسلام، وكذلك شبهات أهل الأهواء والبدع التي يكفر بها بعضهم بعضا ويقتلون عليها فإنها علوم يجب الاستعاذة منها لقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع " ، ومع هذا من خصوصيته الروحية الملكية { وما يعلمان من أحد حتى يقولا } [البقرة: 102]، من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية والقوى البشرية التي يلهماها { إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } [البقرة: 102]، مرء القلب وزوج دينه، وفي هذه القصة إشارة أخرى إلى أن من مال في هذا الطريق إلى تمويه وتلبيس وإظهار دعوى تلبيس، فهو يستهزئ بمن اتبعه ويلقيه في جهنم بباطله ويصده بتمويه ظلماته عن طريق رشده، ومن اعتبر عبر بالسلامة فتارة ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتك إشارة ظهر لذوي البصائر أغواره { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله }؛ لأن الضار هو الله تعالى ولكن الجرم أنهم { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم } [البقرة: 102] أي: باعوا بالحظوظ النفسانية الحقوق الروحانية { لو كانوا يعلمون } [البقرة: 102]، غاية ما خسروا من دولة الإيمان وسعادة العرفان ونهاية ما يصيرون إليه من العقاب والحرمان { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } [البقرة: 103]، بما أعد الله لخواص عباده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ما يستمدون به إلى استجلاب الحظوظ وترك الحقوق، وأثروا الإقبال على الله ما شغلهم عن الله لا يثبتوا على ما لهم فيه خير وخير الدارين، ووصلوا إلى غير الكونين ولكنهم كبتهم وصرفهم سطوات القهر فأثبتهم في مواطن العجز. ثم أخبر عن خيانة عقائد اليهود ومكائدهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } [البقرة: 104]، الآيتين والإشارة فيهما إلى أن أثر العناية في حق الأولياء يظهر في كل شيء من أخلاق قلوبهم وأوصاف نفوسهم وأعمال أبدانهم وأقوال لسانهم، ففي عهد النبوة وأيام دولة الرسالة كان في قولهم: راعنا للنبي صلى الله عليه وسلم شائبة ترك أدب نهوا عنه وفي قولهم: انظر فارا عن أدب أمروا به، وأما بعد عهد النبوة وانقطاع الوحي فأكرموا بخواطر الزماني وإلهامات الرباني ودلوا بها على الفجور والتقوى بقوله تعالى: ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 7-8]، وعلى الضدين هذا في حق الأعداء ظهور أثر الخذلان عليهم فإن قصورهم في جميع أحوالهم من أعمالهم وأقوالهم قصور خشية وعلى مناهجهم بينوا فيما يأتون ويذرون، ومن نتائج خذلانهم يحسدون أولياء الله على ما آتاهم الله من فضله وما يردون أن ينزل عليهم من خير من ربهم { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته } [البقرة: 105]، بأصناف ألطافه { من يشآء والله ذو الفضل العظيم } [البقرة: 105]، لا ينقص مثقال ذرة من بحر أفضاله بأن يفيض على العالمين سجال نواله.

البقرة 2:102

كما أخبر عنهم بقوله: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم } [البقرة: 101]، الآيات الثلاث والإشارة في تحقيقها أن الروح الإنساني في أصل الفطرة كان مناسبا للأرواح الملكية في استماع خطاب الحق واستماع مكالمته قبل هبوط إلى العالم الجسماني، كما أخبر عنه بقوله: ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا { بلى } وأخذ منهم العهد على هذا، ثم نبذ ذلك العهد فريق منهم بعد هبوطهم إلى العالم الجسماني بتعلقات الحيواني وتتبعات النفساني، ولما جاءهم رسول من إلهامات الحق موافق لما معهم من كتاب العهد والميثاق عند استماع الخطاب { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله } [البقرة: 101]، الذي ألهموا والذي عاهدوا عليه { ورآء ظهورهم } [البقرة: 101]، بترك العمل به { كأنهم لا يعلمون } [البقرة: 101]، في أصل الفطرة { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } [البقرة: 102]، النفوس { على ملك سليمن } [البقرة: 102]، الروح الذي هو خليفة الله في أرضه أي: ما حدثت به أنفسهم استهوتهم الشياطين وغرتهم به أنه من سليمان الروح { وما كفر سليمن } [البقرة: 102]، الروح { ولكن الشيطين } [البقرة: 102]، النفس والهوى { كفروا يعلمون الناس السحر } [البقرة: 102]، من تخيلات الهواجس وتمويهات الوساوس التي تملي النفس ببيان وهو بمثابة السحر لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا " { ومآ أنزل } [البقرة: 102]، فتنة وخذلانا من العلوم { على الملكين ببابل هروت ومروت } [البقرة: 102]، أي: الروح والقلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى أرض العالم الجسماني بالخلافة؛ لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الدنيا واتباعا خداعها؛ فوقعا في شبكة الشهوات التي ركبت فيها ابتلاء وامتحانا، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل وزينا ببغي الدنيا الدنيوية، وعبدا صنم الهوى وعلقا منكسين رءوسها بالالتفات إلى السفليات، وإعراضهما عن العلويات فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5]، وفي كبتها عن استقامتها وحرما عن سماع خطاب الحق، وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية ابتليا بإنزال أباطيل العلوم الضارة المؤدية إلى التفرقة مثل شبهات زنادقة الفلاسفة من قدم العالم وسلب الاختيار عن الله ونفي العلم بالجزئيات عنه وأمثال هذه الكفريات التي زلت بهما أقدام خلق كثير عظيم في الجاهلية والإسلام، وكذلك شبهات أهل الأهواء والبدع التي يكفر بها بعضهم بعضا ويقتلون عليها فإنها علوم يجب الاستعاذة منها لقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع " ، ومع هذا من خصوصيته الروحية الملكية { وما يعلمان من أحد حتى يقولا } [البقرة: 102]، من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية والقوى البشرية التي يلهماها { إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } [البقرة: 102]، مرء القلب وزوج دينه، وفي هذه القصة إشارة أخرى إلى أن من مال في هذا الطريق إلى تمويه وتلبيس وإظهار دعوى تلبيس، فهو يستهزئ بمن اتبعه ويلقيه في جهنم بباطله ويصده بتمويه ظلماته عن طريق رشده، ومن اعتبر عبر بالسلامة فتارة ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتك إشارة ظهر لذوي البصائر أغواره { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله }؛ لأن الضار هو الله تعالى ولكن الجرم أنهم { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم } [البقرة: 102] أي: باعوا بالحظوظ النفسانية الحقوق الروحانية { لو كانوا يعلمون } [البقرة: 102]، غاية ما خسروا من دولة الإيمان وسعادة العرفان ونهاية ما يصيرون إليه من العقاب والحرمان { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } [البقرة: 103]، بما أعد الله لخواص عباده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ما يستمدون به إلى استجلاب الحظوظ وترك الحقوق، وأثروا الإقبال على الله ما شغلهم عن الله لا يثبتوا على ما لهم فيه خير وخير الدارين، ووصلوا إلى غير الكونين ولكنهم كبتهم وصرفهم سطوات القهر فأثبتهم في مواطن العجز. ثم أخبر عن خيانة عقائد اليهود ومكائدهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } [البقرة: 104]، الآيتين والإشارة فيهما إلى أن أثر العناية في حق الأولياء يظهر في كل شيء من أخلاق قلوبهم وأوصاف نفوسهم وأعمال أبدانهم وأقوال لسانهم، ففي عهد النبوة وأيام دولة الرسالة كان في قولهم: راعنا للنبي صلى الله عليه وسلم شائبة ترك أدب نهوا عنه وفي قولهم: انظر فارا عن أدب أمروا به، وأما بعد عهد النبوة وانقطاع الوحي فأكرموا بخواطر الزماني وإلهامات الرباني ودلوا بها على الفجور والتقوى بقوله تعالى: ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 7-8]، وعلى الضدين هذا في حق الأعداء ظهور أثر الخذلان عليهم فإن قصورهم في جميع أحوالهم من أعمالهم وأقوالهم قصور خشية وعلى مناهجهم بينوا فيما يأتون ويذرون، ومن نتائج خذلانهم يحسدون أولياء الله على ما آتاهم الله من فضله وما يردون أن ينزل عليهم من خير من ربهم { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته } [البقرة: 105]، بأصناف ألطافه { من يشآء والله ذو الفضل العظيم } [البقرة: 105]، لا ينقص مثقال ذرة من بحر أفضاله بأن يفيض على العالمين سجال نواله.

البقرة 2:103

كما أخبر عنهم بقوله: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم } [البقرة: 101]، الآيات الثلاث والإشارة في تحقيقها أن الروح الإنساني في أصل الفطرة كان مناسبا للأرواح الملكية في استماع خطاب الحق واستماع مكالمته قبل هبوط إلى العالم الجسماني، كما أخبر عنه بقوله: ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا { بلى } وأخذ منهم العهد على هذا، ثم نبذ ذلك العهد فريق منهم بعد هبوطهم إلى العالم الجسماني بتعلقات الحيواني وتتبعات النفساني، ولما جاءهم رسول من إلهامات الحق موافق لما معهم من كتاب العهد والميثاق عند استماع الخطاب { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله } [البقرة: 101]، الذي ألهموا والذي عاهدوا عليه { ورآء ظهورهم } [البقرة: 101]، بترك العمل به { كأنهم لا يعلمون } [البقرة: 101]، في أصل الفطرة { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } [البقرة: 102]، النفوس { على ملك سليمن } [البقرة: 102]، الروح الذي هو خليفة الله في أرضه أي: ما حدثت به أنفسهم استهوتهم الشياطين وغرتهم به أنه من سليمان الروح { وما كفر سليمن } [البقرة: 102]، الروح { ولكن الشيطين } [البقرة: 102]، النفس والهوى { كفروا يعلمون الناس السحر } [البقرة: 102]، من تخيلات الهواجس وتمويهات الوساوس التي تملي النفس ببيان وهو بمثابة السحر لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا " { ومآ أنزل } [البقرة: 102]، فتنة وخذلانا من العلوم { على الملكين ببابل هروت ومروت } [البقرة: 102]، أي: الروح والقلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى أرض العالم الجسماني بالخلافة؛ لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الدنيا واتباعا خداعها؛ فوقعا في شبكة الشهوات التي ركبت فيها ابتلاء وامتحانا، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل وزينا ببغي الدنيا الدنيوية، وعبدا صنم الهوى وعلقا منكسين رءوسها بالالتفات إلى السفليات، وإعراضهما عن العلويات فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5]، وفي كبتها عن استقامتها وحرما عن سماع خطاب الحق، وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية ابتليا بإنزال أباطيل العلوم الضارة المؤدية إلى التفرقة مثل شبهات زنادقة الفلاسفة من قدم العالم وسلب الاختيار عن الله ونفي العلم بالجزئيات عنه وأمثال هذه الكفريات التي زلت بهما أقدام خلق كثير عظيم في الجاهلية والإسلام، وكذلك شبهات أهل الأهواء والبدع التي يكفر بها بعضهم بعضا ويقتلون عليها فإنها علوم يجب الاستعاذة منها لقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع " ، ومع هذا من خصوصيته الروحية الملكية { وما يعلمان من أحد حتى يقولا } [البقرة: 102]، من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية والقوى البشرية التي يلهماها { إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } [البقرة: 102]، مرء القلب وزوج دينه، وفي هذه القصة إشارة أخرى إلى أن من مال في هذا الطريق إلى تمويه وتلبيس وإظهار دعوى تلبيس، فهو يستهزئ بمن اتبعه ويلقيه في جهنم بباطله ويصده بتمويه ظلماته عن طريق رشده، ومن اعتبر عبر بالسلامة فتارة ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتك إشارة ظهر لذوي البصائر أغواره { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله }؛ لأن الضار هو الله تعالى ولكن الجرم أنهم { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم } [البقرة: 102] أي: باعوا بالحظوظ النفسانية الحقوق الروحانية { لو كانوا يعلمون } [البقرة: 102]، غاية ما خسروا من دولة الإيمان وسعادة العرفان ونهاية ما يصيرون إليه من العقاب والحرمان { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } [البقرة: 103]، بما أعد الله لخواص عباده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ما يستمدون به إلى استجلاب الحظوظ وترك الحقوق، وأثروا الإقبال على الله ما شغلهم عن الله لا يثبتوا على ما لهم فيه خير وخير الدارين، ووصلوا إلى غير الكونين ولكنهم كبتهم وصرفهم سطوات القهر فأثبتهم في مواطن العجز. ثم أخبر عن خيانة عقائد اليهود ومكائدهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } [البقرة: 104]، الآيتين والإشارة فيهما إلى أن أثر العناية في حق الأولياء يظهر في كل شيء من أخلاق قلوبهم وأوصاف نفوسهم وأعمال أبدانهم وأقوال لسانهم، ففي عهد النبوة وأيام دولة الرسالة كان في قولهم: راعنا للنبي صلى الله عليه وسلم شائبة ترك أدب نهوا عنه وفي قولهم: انظر فارا عن أدب أمروا به، وأما بعد عهد النبوة وانقطاع الوحي فأكرموا بخواطر الزماني وإلهامات الرباني ودلوا بها على الفجور والتقوى بقوله تعالى: ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 7-8]، وعلى الضدين هذا في حق الأعداء ظهور أثر الخذلان عليهم فإن قصورهم في جميع أحوالهم من أعمالهم وأقوالهم قصور خشية وعلى مناهجهم بينوا فيما يأتون ويذرون، ومن نتائج خذلانهم يحسدون أولياء الله على ما آتاهم الله من فضله وما يردون أن ينزل عليهم من خير من ربهم { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته } [البقرة: 105]، بأصناف ألطافه { من يشآء والله ذو الفضل العظيم } [البقرة: 105]، لا ينقص مثقال ذرة من بحر أفضاله بأن يفيض على العالمين سجال نواله.

البقرة 2:104

كما أخبر عنهم بقوله: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم } [البقرة: 101]، الآيات الثلاث والإشارة في تحقيقها أن الروح الإنساني في أصل الفطرة كان مناسبا للأرواح الملكية في استماع خطاب الحق واستماع مكالمته قبل هبوط إلى العالم الجسماني، كما أخبر عنه بقوله: ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا { بلى } وأخذ منهم العهد على هذا، ثم نبذ ذلك العهد فريق منهم بعد هبوطهم إلى العالم الجسماني بتعلقات الحيواني وتتبعات النفساني، ولما جاءهم رسول من إلهامات الحق موافق لما معهم من كتاب العهد والميثاق عند استماع الخطاب { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله } [البقرة: 101]، الذي ألهموا والذي عاهدوا عليه { ورآء ظهورهم } [البقرة: 101]، بترك العمل به { كأنهم لا يعلمون } [البقرة: 101]، في أصل الفطرة { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } [البقرة: 102]، النفوس { على ملك سليمن } [البقرة: 102]، الروح الذي هو خليفة الله في أرضه أي: ما حدثت به أنفسهم استهوتهم الشياطين وغرتهم به أنه من سليمان الروح { وما كفر سليمن } [البقرة: 102]، الروح { ولكن الشيطين } [البقرة: 102]، النفس والهوى { كفروا يعلمون الناس السحر } [البقرة: 102]، من تخيلات الهواجس وتمويهات الوساوس التي تملي النفس ببيان وهو بمثابة السحر لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا " { ومآ أنزل } [البقرة: 102]، فتنة وخذلانا من العلوم { على الملكين ببابل هروت ومروت } [البقرة: 102]، أي: الروح والقلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى أرض العالم الجسماني بالخلافة؛ لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الدنيا واتباعا خداعها؛ فوقعا في شبكة الشهوات التي ركبت فيها ابتلاء وامتحانا، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل وزينا ببغي الدنيا الدنيوية، وعبدا صنم الهوى وعلقا منكسين رءوسها بالالتفات إلى السفليات، وإعراضهما عن العلويات فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5]، وفي كبتها عن استقامتها وحرما عن سماع خطاب الحق، وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية ابتليا بإنزال أباطيل العلوم الضارة المؤدية إلى التفرقة مثل شبهات زنادقة الفلاسفة من قدم العالم وسلب الاختيار عن الله ونفي العلم بالجزئيات عنه وأمثال هذه الكفريات التي زلت بهما أقدام خلق كثير عظيم في الجاهلية والإسلام، وكذلك شبهات أهل الأهواء والبدع التي يكفر بها بعضهم بعضا ويقتلون عليها فإنها علوم يجب الاستعاذة منها لقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع " ، ومع هذا من خصوصيته الروحية الملكية { وما يعلمان من أحد حتى يقولا } [البقرة: 102]، من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية والقوى البشرية التي يلهماها { إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } [البقرة: 102]، مرء القلب وزوج دينه، وفي هذه القصة إشارة أخرى إلى أن من مال في هذا الطريق إلى تمويه وتلبيس وإظهار دعوى تلبيس، فهو يستهزئ بمن اتبعه ويلقيه في جهنم بباطله ويصده بتمويه ظلماته عن طريق رشده، ومن اعتبر عبر بالسلامة فتارة ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتك إشارة ظهر لذوي البصائر أغواره { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله }؛ لأن الضار هو الله تعالى ولكن الجرم أنهم { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم } [البقرة: 102] أي: باعوا بالحظوظ النفسانية الحقوق الروحانية { لو كانوا يعلمون } [البقرة: 102]، غاية ما خسروا من دولة الإيمان وسعادة العرفان ونهاية ما يصيرون إليه من العقاب والحرمان { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } [البقرة: 103]، بما أعد الله لخواص عباده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ما يستمدون به إلى استجلاب الحظوظ وترك الحقوق، وأثروا الإقبال على الله ما شغلهم عن الله لا يثبتوا على ما لهم فيه خير وخير الدارين، ووصلوا إلى غير الكونين ولكنهم كبتهم وصرفهم سطوات القهر فأثبتهم في مواطن العجز. ثم أخبر عن خيانة عقائد اليهود ومكائدهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } [البقرة: 104]، الآيتين والإشارة فيهما إلى أن أثر العناية في حق الأولياء يظهر في كل شيء من أخلاق قلوبهم وأوصاف نفوسهم وأعمال أبدانهم وأقوال لسانهم، ففي عهد النبوة وأيام دولة الرسالة كان في قولهم: راعنا للنبي صلى الله عليه وسلم شائبة ترك أدب نهوا عنه وفي قولهم: انظر فارا عن أدب أمروا به، وأما بعد عهد النبوة وانقطاع الوحي فأكرموا بخواطر الزماني وإلهامات الرباني ودلوا بها على الفجور والتقوى بقوله تعالى: ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 7-8]، وعلى الضدين هذا في حق الأعداء ظهور أثر الخذلان عليهم فإن قصورهم في جميع أحوالهم من أعمالهم وأقوالهم قصور خشية وعلى مناهجهم بينوا فيما يأتون ويذرون، ومن نتائج خذلانهم يحسدون أولياء الله على ما آتاهم الله من فضله وما يردون أن ينزل عليهم من خير من ربهم { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته } [البقرة: 105]، بأصناف ألطافه { من يشآء والله ذو الفضل العظيم } [البقرة: 105]، لا ينقص مثقال ذرة من بحر أفضاله بأن يفيض على العالمين سجال نواله.

البقرة 2:105

كما أخبر عنهم بقوله: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم } [البقرة: 101]، الآيات الثلاث والإشارة في تحقيقها أن الروح الإنساني في أصل الفطرة كان مناسبا للأرواح الملكية في استماع خطاب الحق واستماع مكالمته قبل هبوط إلى العالم الجسماني، كما أخبر عنه بقوله: ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا { بلى } وأخذ منهم العهد على هذا، ثم نبذ ذلك العهد فريق منهم بعد هبوطهم إلى العالم الجسماني بتعلقات الحيواني وتتبعات النفساني، ولما جاءهم رسول من إلهامات الحق موافق لما معهم من كتاب العهد والميثاق عند استماع الخطاب { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله } [البقرة: 101]، الذي ألهموا والذي عاهدوا عليه { ورآء ظهورهم } [البقرة: 101]، بترك العمل به { كأنهم لا يعلمون } [البقرة: 101]، في أصل الفطرة { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } [البقرة: 102]، النفوس { على ملك سليمن } [البقرة: 102]، الروح الذي هو خليفة الله في أرضه أي: ما حدثت به أنفسهم استهوتهم الشياطين وغرتهم به أنه من سليمان الروح { وما كفر سليمن } [البقرة: 102]، الروح { ولكن الشيطين } [البقرة: 102]، النفس والهوى { كفروا يعلمون الناس السحر } [البقرة: 102]، من تخيلات الهواجس وتمويهات الوساوس التي تملي النفس ببيان وهو بمثابة السحر لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا " { ومآ أنزل } [البقرة: 102]، فتنة وخذلانا من العلوم { على الملكين ببابل هروت ومروت } [البقرة: 102]، أي: الروح والقلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى أرض العالم الجسماني بالخلافة؛ لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الدنيا واتباعا خداعها؛ فوقعا في شبكة الشهوات التي ركبت فيها ابتلاء وامتحانا، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل وزينا ببغي الدنيا الدنيوية، وعبدا صنم الهوى وعلقا منكسين رءوسها بالالتفات إلى السفليات، وإعراضهما عن العلويات فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5]، وفي كبتها عن استقامتها وحرما عن سماع خطاب الحق، وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية ابتليا بإنزال أباطيل العلوم الضارة المؤدية إلى التفرقة مثل شبهات زنادقة الفلاسفة من قدم العالم وسلب الاختيار عن الله ونفي العلم بالجزئيات عنه وأمثال هذه الكفريات التي زلت بهما أقدام خلق كثير عظيم في الجاهلية والإسلام، وكذلك شبهات أهل الأهواء والبدع التي يكفر بها بعضهم بعضا ويقتلون عليها فإنها علوم يجب الاستعاذة منها لقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع " ، ومع هذا من خصوصيته الروحية الملكية { وما يعلمان من أحد حتى يقولا } [البقرة: 102]، من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية والقوى البشرية التي يلهماها { إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } [البقرة: 102]، مرء القلب وزوج دينه، وفي هذه القصة إشارة أخرى إلى أن من مال في هذا الطريق إلى تمويه وتلبيس وإظهار دعوى تلبيس، فهو يستهزئ بمن اتبعه ويلقيه في جهنم بباطله ويصده بتمويه ظلماته عن طريق رشده، ومن اعتبر عبر بالسلامة فتارة ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتك إشارة ظهر لذوي البصائر أغواره { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله }؛ لأن الضار هو الله تعالى ولكن الجرم أنهم { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم } [البقرة: 102] أي: باعوا بالحظوظ النفسانية الحقوق الروحانية { لو كانوا يعلمون } [البقرة: 102]، غاية ما خسروا من دولة الإيمان وسعادة العرفان ونهاية ما يصيرون إليه من العقاب والحرمان { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } [البقرة: 103]، بما أعد الله لخواص عباده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ما يستمدون به إلى استجلاب الحظوظ وترك الحقوق، وأثروا الإقبال على الله ما شغلهم عن الله لا يثبتوا على ما لهم فيه خير وخير الدارين، ووصلوا إلى غير الكونين ولكنهم كبتهم وصرفهم سطوات القهر فأثبتهم في مواطن العجز. ثم أخبر عن خيانة عقائد اليهود ومكائدهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } [البقرة: 104]، الآيتين والإشارة فيهما إلى أن أثر العناية في حق الأولياء يظهر في كل شيء من أخلاق قلوبهم وأوصاف نفوسهم وأعمال أبدانهم وأقوال لسانهم، ففي عهد النبوة وأيام دولة الرسالة كان في قولهم: راعنا للنبي صلى الله عليه وسلم شائبة ترك أدب نهوا عنه وفي قولهم: انظر فارا عن أدب أمروا به، وأما بعد عهد النبوة وانقطاع الوحي فأكرموا بخواطر الزماني وإلهامات الرباني ودلوا بها على الفجور والتقوى بقوله تعالى: ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 7-8]، وعلى الضدين هذا في حق الأعداء ظهور أثر الخذلان عليهم فإن قصورهم في جميع أحوالهم من أعمالهم وأقوالهم قصور خشية وعلى مناهجهم بينوا فيما يأتون ويذرون، ومن نتائج خذلانهم يحسدون أولياء الله على ما آتاهم الله من فضله وما يردون أن ينزل عليهم من خير من ربهم { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته } [البقرة: 105]، بأصناف ألطافه { من يشآء والله ذو الفضل العظيم } [البقرة: 105]، لا ينقص مثقال ذرة من بحر أفضاله بأن يفيض على العالمين سجال نواله.

البقرة 2:106

ثم أخبر تعالى عن كمال فضله في حق عباده بقوله: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: 106]، الآيتين والإشارة فيهما أن تبدل أحوال أهل العناية في أثناء السلوك ومقام الوصول لترقيهم من مقام إلى فوقه وتقلبهم من حال إلى حال أعلى منه، فتحن باطنهم أبدا خبره، ويختم وصلهم أبدا ظاهره، فلا ننسخ من آثار عبادتهم شيئا إلا بدلنا منها شيئا من أقمار الربوبية قائدا أسرارهم في الترقي وأقدارهم في الزيادة بحسن القبول، بل ترقيهم عن محل العبودية إلا أقمناهم يشاهدون من شواهد الألوهية، وفيه إشارة إخرى وهي: أن أرباب السلوك عند الترقي من مقام إلى مقام ربما يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في صورة لطيفة كستهما للتحلية بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون تلك المشاهدة فيه فيظن لك العزيز أنه حجب عن ذلك المقام والحال فأشار بقوله: { ما ننسخ من آية } [البقرة: 106] من آيات المقام { أو ننسها } بأن نمحوها من إدراك خيالك إلا { نأت بخير منها } من تلك المشاهدة { أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106] أي: قادر على أمثال هذا { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض } [البقرة: 107]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تعلم؛ إذ شاهدت ليلة المعراج بعين اليقين وكوشفت بحق اليقين أنه سبحانه كيف يجذب أوليائه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه، ثم يأخذ من مطالعة ملكه لشهود فيأخذهم من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عين الذات ثم يمحوهم عن العيان وسيمتهم { وما لكم من دون الله من ولي } [البقرة: 107]، يتوله لكم أمثال هذا { ولا نصير } [البقرة: 107]، ينصركم على هذا. ثم أخبر عن مكائدة المشركين واليهود وافترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } [البقرة: 108]، والإشارة فيها أن طبيعة الإنسان تنافي اللطف الرباني حتى لو وكل الأولون والآخرون إلى أنفسهم لا يؤمن منهم أحد أبد؛ لأن الإيمان نور يهدي الله لنوره من يشآء [النور: 35] وكان قوم موسى عليه السلام في الأولين يؤذون موسى عليه السلام بكثرة السؤال مع ظهور الآيات ورؤية المعجزات، وكان قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الآخر يؤذونه مع نزول الآيات الواضحات بسؤالات المجادلات، إلا أن الله تعالى خاطب مستعدي الإيمان في الأزل بخطاب يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى [الأحزاب: 69]، كما خاطب النار: ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم [الأنبياء: 69]، فكانت كما أمرت فكذلك آمنوا، وما كانوا يؤذون رسوله بالسؤال وغيره فأما مستعدي الكفر، فما أدركهم الخطاب ولا لسان الكتاب وبدلوا الكفر بالإيمان وضلوا عن سواء صراط الله تعالى، وتاهوا في بيداء طبيعة الإنسان بقدم تمتعات الحيوان، فلم يقدروا على الرجوع بقدم العبودية إلى عالم الربوبية. ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب } [البقرة: 109]، والإشارة فيهما أن من أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان بقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه. كما أخبر تعالى بقوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [البقرة: 110]، والإشارة فيها أن كل من كان مشارا إليه في علم الله تعالى عند الخطاب { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } في الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه } [البقرة: 110]، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية { عند الله } [البقرة: 110]، في أم الكتاب مبرما أزليا ليقضي الله أمرا كان مفعولا يدل على هذا المعنى قوله تعالى: كان ذلك في الكتاب مسطورا [الإسراء: 58]، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وفيه معنى آخر { وما تقدموا لأنفسكم } أي: تقربتم به إلى الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " ، فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات. ثم أخبر تعالى عن دعاوي باطلة لليهود وبقوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: 111]، الآيتين الإشارة فيهما أن كل ممكور مغرور يظن النجاة نفسه، ونيل الدرجات سهمه، وهو مصر على حسابه أن ليس أحد في نصابه { تلك أمانيهم } [البقرة: 111]، الكاذبة وشهواتهم الغالبة { قل هاتوا برهانكم } [البقرة: 111]، من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطلة { إن كنتم صادقين } [البقرة: 111]، في دعواكم بإتيان البرهان من إظهار معناكم، فإن مجرد الإحسان دون تحقيق البرهان لا يأتي بحاصل ولا يجود بطائل، ثم بين برهان أهل الحق ودعوى الصدق بقوله: { بلى من أسلم وجهه لله } يعني: أهل الحق من يكون توجهه بالكلية إلى الله خالصا لله لا لطمع الجنة ولا لخوف النار لقوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها ما { وهو محسن } ، في توجهه بمزاولة الحسنات القالبية والقلبية ويكون نظره في جميع الحالات يرى في تعبده التوفيق من الله تعالى وذهابه إليه وفي الهداية إليه والهدايات منه، فإن " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " وقال الخليل عليه السلام: وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99]، { فله أجره عند ربه } [البقرة: 112]، فله الوصول إلى مقام عندية الرب { ولا خوف عليهم } [البقرة: 112]، على مخلصي الحق في توجههم إلى الله تعالى من قطاع الطريق كقوله: إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر: 40]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 112]، على ما فاتهم في طلب عند وجدان الحق.