الوسيط في تفسير القرآن المجيد — الأنعام 6:150 – الأعراف 7:57
المحتويات
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:164
- الأنعام 6:165
- الأعراف 7:1
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:4
- الأعراف 7:5
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:9
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:13
- الأعراف 7:14
- الأعراف 7:15
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:19
- الأعراف 7:20
- الأعراف 7:21
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:23
- الأعراف 7:24
- الأعراف 7:25
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:30
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:34
- الأعراف 7:35
- الأعراف 7:36
- الأعراف 7:37
- الأعراف 7:38
- الأعراف 7:39
- الأعراف 7:40
- الأعراف 7:41
- الأعراف 7:42
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:47
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
الأنعام 6:150
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ {١٤٨ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ١٤٩ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١٥٠ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٥١ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١٥٢ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٥٣ } [الأنعام: ١٤٨-١٥٣] سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٤٨] إذا لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨] قال المفسرون: إن المشركين جعلوا قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] حجة على إقامتهم على الشرك، فقالوا: إن الله تعالى رضي منا ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به، ولو لم يرض ذلك منا لحال بيننا وبينه.
ولا يكون هذا حجة لهم على أن ما هم عليه من الدين حق، لأن الأشياء كلها تجري بمشيئة الله تعالى، فلو كانوا على صواب لأن ذلك بمشيئة الله لكان من خالفهم وجب أن يكون عندهم أيضا على صواب، لأنهم أيضا على ما شاء، فينبغي ألا يقولوا: إنهم ضالون، فبان أنه لا حجة لهم في قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] ولو كان الأمر على ما قالوه، لأنهم تركوا أمر الله تعالى وتعلقوا بمشيئة الله.
وأمر الله بمعزل عن إرادته، لأنه يريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يتبع الأمر، وليس له أن يتعلق بالإرادة بعد ورود الأمر.
قوله: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام: ١٤٨] كما كذب هؤلاء كذب كفار الأمم الخالية أنبياءهم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨] شدة عذابنا، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام: ١٤٨] قال ابن عباس: من كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم.
إن تتبعون: ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن، لا العلم واليقين، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ [الأنعام: ١٤٨] وما أنتم إلا خارصين كاذبين.
قوله: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام: ١٤٩] قال الزجاج: حجته البالغة: تبيينه أنه الواحد وإرساله الأنبياء بالحجج التي يعجز عنها المخلوقون.
وهذا معنى قول المفسرين: ولله الحجة البالغة بالكتاب والرسول والبيان.
فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩] وهذا يدل على أنه ما شاء إيمان الكافر ولو شاء لهداه.
أخبرنا الأستاذ أبو منصور البغدادي، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعت علي بن زيد تلا هذه الآية: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩]، فنادى بأعلى صوته: انقطع والله ههنا كلام القدرية.
قوله: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [الأنعام: ١٥٠] الآية، هلم: كلمة دعوة إلى شيء، تقول: هلم يا رجل، وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث موحد، وهذه الكلمة تستعمل تارة بمعنى دعاء المخاطب كقولك: هلم إلي.
أي: ادن مني وتعال، وتارة تستعمل بمعنى التعدية كقولك: هلم الطعامَ.
وورد القرآن بالمعنيين، قال الله تعالى: وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب: ١٨]، وقال في هذه الآية: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [الأنعام: ١٥٠].
قال الزجاج: هاتوا وقربوا شهداءكم الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا [الأنعام: ١٥٠] يعني: ما ذكر من الحرث والأنعام مما حرمه المشركون، يقول: ائتوا بمن يشهد لكم أن هذا التحريم جاءكم من الله.
فإن شهدوا هم وقالوا: نشهد بذلك، فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [الأنعام: ١٥٠] لا توافقهم على دينهم ومقالتهم، وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام: ١٥٠] يعني: هؤلاء
المحرمين ما أحل الله، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١٥٠] يشركون الأصنام.
قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١٥١] الآية: يجوز أن يكون عليكم من صلة أتل كأنه قال: أتل عليكم ما حرم ربكم، ويجوز أن تكون من صلة التحريم.
قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون عليكم إغراء وانقطع عند قوله: مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ [الأنعام: ١٥١] ثم قال: عليكم ألا تشركوا به شيئا، كما قال عليكم أنفسكم.
وقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام: ١٥١] قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، فيكون: أتل عليكم ألا تشركوا، والمعنى: أتل عليكم تحريم الشرك.
قال: وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا به شيئا، لأن قوله: وبالوالدين إحسانا محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانا.
قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام: ١٥١] يقال: أملق الرجل فهو مملق.
إذا افتقر، قال ابن عباس: يريد: مخافة الفقر، وقد صرح بهذا في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: ٣١].
وهذا في النهي عن الوأد: كانوا يدفنون البنات أحياء خوف الفقر، فضمن الله لهم الرزق فقال: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يزنوا علانية فيفعلون ذلك سرا، فنهاهم الله عن الزنا سرا وعلانية.
قوله: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: إلا بالقود، يعني: القصاص.
٣٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كمارَوَيْهِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَابِقٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " كَانَ فِيمَا أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى فِي الأَلْوَاحِ: وَلا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُ إِلَّا بِالْحَقِّ فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الأَرْضُ بِرَحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخَطِي فِي النَّارِ "
وقوله: ذلكم يعني: ما ذكر في هذه الآية وصاكم: أمركم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: ١٥١] لكي تعرفوا ذلك.
قوله: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢] قال عطاء عن ابن عباس: يريد: إن كنت وصيا فأصلحت ماله، وقمت لله في ضيعته أكلت بالمعروف إن احتجت إليه، وإن كنت غنيا عنه فعف عن أكله.
وقال الزجاج: التي هي أحسن: هو حفظ ماله عليه، وتثميره بما يوجد السبيل إليه.
وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام: ١٥٢] الأشد: مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة.
قال الفراء: واحدها شد في القياس ولم أسمع لها بواحد.
وفسر بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام، وقال أبو إسحاق: بلوغ أشده: أن
يؤنس منه الرشد مع أن يكون بالغا، فحينئذ يجب دفع المال إليه.
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ [الأنعام: ١٥٢] أتموه ولا تنقصوا منه شيئا، والميزان أي: وزن الميزان بالقسط: بالعدل، لا بخس ولا شطط، لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأنعام: ١٥٢] إلا ما يسعها ولا تضيق عنه، وذلك أنه لو كلف المعطي الزيادة لضاقت نفسه عنها، وكذلك لو كلف الآخذ الرضا بالنقصان.
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام: ١٥٢] قال ابن عباس: إذا شهدتم أو تكلمتم فقولوا الحق، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام: ١٥٢] أي: ولو كان المشهود له وعليه ولدك وقرابتك، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام: ١٥٢] أي: وبما عاهدتم الله عليه فأوفوا به ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام: ١٥٢] لتتذكروه وتأخذوا به.
قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام: ١٥٣] قال الفراء: تفتح أن بمعنى: وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما.
وإن شئت قلت: ذلكم وصاكم به وبأن هذا.
وسيبويه يقول: التقدير: ولأن هذا صراطي مستقيم فاتبعوه، كقوله: وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: ٥٢]، قال سيبويه: ولأن هذه أمتكم.
وقرأ ابن عامر: وأنْ مفتوحة مخففة من المشددة، والتقدير: وأنه هذا، ثم حذف الضمير وخففت، ومن كسر إن استأنف بها.
قال ابن عباس: يريد: ديني دين الحنيفية أقوم الأديان وأحسنها.
وقال مقاتل: الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه صراطي مستقيما.
فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: ١٥٣] قال ابن عباس: اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأصنام.
وقال مجاهد: يعني: البدع والشبهات.
وقال مقاتل: يعني: طريق الضلالة فيما حرموا على
أنفسهم من الأنعام والحرث.
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] فتضل وتميل وتخالف بكم عن دينه، قال المفسرون: هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.
الأنعام 6:151
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ {١٤٨ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ١٤٩ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١٥٠ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٥١ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١٥٢ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٥٣ } [الأنعام: ١٤٨-١٥٣] سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٤٨] إذا لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨] قال المفسرون: إن المشركين جعلوا قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] حجة على إقامتهم على الشرك، فقالوا: إن الله تعالى رضي منا ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به، ولو لم يرض ذلك منا لحال بيننا وبينه.
ولا يكون هذا حجة لهم على أن ما هم عليه من الدين حق، لأن الأشياء كلها تجري بمشيئة الله تعالى، فلو كانوا على صواب لأن ذلك بمشيئة الله لكان من خالفهم وجب أن يكون عندهم أيضا على صواب، لأنهم أيضا على ما شاء، فينبغي ألا يقولوا: إنهم ضالون، فبان أنه لا حجة لهم في قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] ولو كان الأمر على ما قالوه، لأنهم تركوا أمر الله تعالى وتعلقوا بمشيئة الله.
وأمر الله بمعزل عن إرادته، لأنه يريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يتبع الأمر، وليس له أن يتعلق بالإرادة بعد ورود الأمر.
قوله: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام: ١٤٨] كما كذب هؤلاء كذب كفار الأمم الخالية أنبياءهم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨] شدة عذابنا، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام: ١٤٨] قال ابن عباس: من كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم.
إن تتبعون: ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن، لا العلم واليقين، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ [الأنعام: ١٤٨] وما أنتم إلا خارصين كاذبين.
قوله: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام: ١٤٩] قال الزجاج: حجته البالغة: تبيينه أنه الواحد وإرساله الأنبياء بالحجج التي يعجز عنها المخلوقون.
وهذا معنى قول المفسرين: ولله الحجة البالغة بالكتاب والرسول والبيان.
فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩] وهذا يدل على أنه ما شاء إيمان الكافر ولو شاء لهداه.
أخبرنا الأستاذ أبو منصور البغدادي، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعت علي بن زيد تلا هذه الآية: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩]، فنادى بأعلى صوته: انقطع والله ههنا كلام القدرية.
قوله: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [الأنعام: ١٥٠] الآية، هلم: كلمة دعوة إلى شيء، تقول: هلم يا رجل، وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث موحد، وهذه الكلمة تستعمل تارة بمعنى دعاء المخاطب كقولك: هلم إلي.
أي: ادن مني وتعال، وتارة تستعمل بمعنى التعدية كقولك: هلم الطعامَ.
وورد القرآن بالمعنيين، قال الله تعالى: وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب: ١٨]، وقال في هذه الآية: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [الأنعام: ١٥٠].
قال الزجاج: هاتوا وقربوا شهداءكم الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا [الأنعام: ١٥٠] يعني: ما ذكر من الحرث والأنعام مما حرمه المشركون، يقول: ائتوا بمن يشهد لكم أن هذا التحريم جاءكم من الله.
فإن شهدوا هم وقالوا: نشهد بذلك، فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [الأنعام: ١٥٠] لا توافقهم على دينهم ومقالتهم، وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام: ١٥٠] يعني: هؤلاء
المحرمين ما أحل الله، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١٥٠] يشركون الأصنام.
قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١٥١] الآية: يجوز أن يكون عليكم من صلة أتل كأنه قال: أتل عليكم ما حرم ربكم، ويجوز أن تكون من صلة التحريم.
قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون عليكم إغراء وانقطع عند قوله: مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ [الأنعام: ١٥١] ثم قال: عليكم ألا تشركوا به شيئا، كما قال عليكم أنفسكم.
وقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام: ١٥١] قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، فيكون: أتل عليكم ألا تشركوا، والمعنى: أتل عليكم تحريم الشرك.
قال: وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا به شيئا، لأن قوله: وبالوالدين إحسانا محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانا.
قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام: ١٥١] يقال: أملق الرجل فهو مملق.
إذا افتقر، قال ابن عباس: يريد: مخافة الفقر، وقد صرح بهذا في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: ٣١].
وهذا في النهي عن الوأد: كانوا يدفنون البنات أحياء خوف الفقر، فضمن الله لهم الرزق فقال: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يزنوا علانية فيفعلون ذلك سرا، فنهاهم الله عن الزنا سرا وعلانية.
قوله: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: إلا بالقود، يعني: القصاص.
٣٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كمارَوَيْهِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَابِقٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " كَانَ فِيمَا أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى فِي الأَلْوَاحِ: وَلا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُ إِلَّا بِالْحَقِّ فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الأَرْضُ بِرَحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخَطِي فِي النَّارِ "
وقوله: ذلكم يعني: ما ذكر في هذه الآية وصاكم: أمركم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: ١٥١] لكي تعرفوا ذلك.
قوله: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢] قال عطاء عن ابن عباس: يريد: إن كنت وصيا فأصلحت ماله، وقمت لله في ضيعته أكلت بالمعروف إن احتجت إليه، وإن كنت غنيا عنه فعف عن أكله.
وقال الزجاج: التي هي أحسن: هو حفظ ماله عليه، وتثميره بما يوجد السبيل إليه.
وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام: ١٥٢] الأشد: مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة.
قال الفراء: واحدها شد في القياس ولم أسمع لها بواحد.
وفسر بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام، وقال أبو إسحاق: بلوغ أشده: أن
يؤنس منه الرشد مع أن يكون بالغا، فحينئذ يجب دفع المال إليه.
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ [الأنعام: ١٥٢] أتموه ولا تنقصوا منه شيئا، والميزان أي: وزن الميزان بالقسط: بالعدل، لا بخس ولا شطط، لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأنعام: ١٥٢] إلا ما يسعها ولا تضيق عنه، وذلك أنه لو كلف المعطي الزيادة لضاقت نفسه عنها، وكذلك لو كلف الآخذ الرضا بالنقصان.
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام: ١٥٢] قال ابن عباس: إذا شهدتم أو تكلمتم فقولوا الحق، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام: ١٥٢] أي: ولو كان المشهود له وعليه ولدك وقرابتك، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام: ١٥٢] أي: وبما عاهدتم الله عليه فأوفوا به ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام: ١٥٢] لتتذكروه وتأخذوا به.
قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام: ١٥٣] قال الفراء: تفتح أن بمعنى: وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما.
وإن شئت قلت: ذلكم وصاكم به وبأن هذا.
وسيبويه يقول: التقدير: ولأن هذا صراطي مستقيم فاتبعوه، كقوله: وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: ٥٢]، قال سيبويه: ولأن هذه أمتكم.
وقرأ ابن عامر: وأنْ مفتوحة مخففة من المشددة، والتقدير: وأنه هذا، ثم حذف الضمير وخففت، ومن كسر إن استأنف بها.
قال ابن عباس: يريد: ديني دين الحنيفية أقوم الأديان وأحسنها.
وقال مقاتل: الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه صراطي مستقيما.
فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: ١٥٣] قال ابن عباس: اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأصنام.
وقال مجاهد: يعني: البدع والشبهات.
وقال مقاتل: يعني: طريق الضلالة فيما حرموا على
أنفسهم من الأنعام والحرث.
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] فتضل وتميل وتخالف بكم عن دينه، قال المفسرون: هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.
الأنعام 6:152
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ {١٤٨ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ١٤٩ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١٥٠ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٥١ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١٥٢ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٥٣ } [الأنعام: ١٤٨-١٥٣] سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٤٨] إذا لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨] قال المفسرون: إن المشركين جعلوا قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] حجة على إقامتهم على الشرك، فقالوا: إن الله تعالى رضي منا ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به، ولو لم يرض ذلك منا لحال بيننا وبينه.
ولا يكون هذا حجة لهم على أن ما هم عليه من الدين حق، لأن الأشياء كلها تجري بمشيئة الله تعالى، فلو كانوا على صواب لأن ذلك بمشيئة الله لكان من خالفهم وجب أن يكون عندهم أيضا على صواب، لأنهم أيضا على ما شاء، فينبغي ألا يقولوا: إنهم ضالون، فبان أنه لا حجة لهم في قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] ولو كان الأمر على ما قالوه، لأنهم تركوا أمر الله تعالى وتعلقوا بمشيئة الله.
وأمر الله بمعزل عن إرادته، لأنه يريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يتبع الأمر، وليس له أن يتعلق بالإرادة بعد ورود الأمر.
قوله: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام: ١٤٨] كما كذب هؤلاء كذب كفار الأمم الخالية أنبياءهم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨] شدة عذابنا، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام: ١٤٨] قال ابن عباس: من كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم.
إن تتبعون: ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن، لا العلم واليقين، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ [الأنعام: ١٤٨] وما أنتم إلا خارصين كاذبين.
قوله: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام: ١٤٩] قال الزجاج: حجته البالغة: تبيينه أنه الواحد وإرساله الأنبياء بالحجج التي يعجز عنها المخلوقون.
وهذا معنى قول المفسرين: ولله الحجة البالغة بالكتاب والرسول والبيان.
فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩] وهذا يدل على أنه ما شاء إيمان الكافر ولو شاء لهداه.
أخبرنا الأستاذ أبو منصور البغدادي، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعت علي بن زيد تلا هذه الآية: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩]، فنادى بأعلى صوته: انقطع والله ههنا كلام القدرية.
قوله: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [الأنعام: ١٥٠] الآية، هلم: كلمة دعوة إلى شيء، تقول: هلم يا رجل، وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث موحد، وهذه الكلمة تستعمل تارة بمعنى دعاء المخاطب كقولك: هلم إلي.
أي: ادن مني وتعال، وتارة تستعمل بمعنى التعدية كقولك: هلم الطعامَ.
وورد القرآن بالمعنيين، قال الله تعالى: وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب: ١٨]، وقال في هذه الآية: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [الأنعام: ١٥٠].
قال الزجاج: هاتوا وقربوا شهداءكم الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا [الأنعام: ١٥٠] يعني: ما ذكر من الحرث والأنعام مما حرمه المشركون، يقول: ائتوا بمن يشهد لكم أن هذا التحريم جاءكم من الله.
فإن شهدوا هم وقالوا: نشهد بذلك، فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [الأنعام: ١٥٠] لا توافقهم على دينهم ومقالتهم، وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام: ١٥٠] يعني: هؤلاء
المحرمين ما أحل الله، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١٥٠] يشركون الأصنام.
قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١٥١] الآية: يجوز أن يكون عليكم من صلة أتل كأنه قال: أتل عليكم ما حرم ربكم، ويجوز أن تكون من صلة التحريم.
قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون عليكم إغراء وانقطع عند قوله: مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ [الأنعام: ١٥١] ثم قال: عليكم ألا تشركوا به شيئا، كما قال عليكم أنفسكم.
وقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام: ١٥١] قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، فيكون: أتل عليكم ألا تشركوا، والمعنى: أتل عليكم تحريم الشرك.
قال: وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا به شيئا، لأن قوله: وبالوالدين إحسانا محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانا.
قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام: ١٥١] يقال: أملق الرجل فهو مملق.
إذا افتقر، قال ابن عباس: يريد: مخافة الفقر، وقد صرح بهذا في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: ٣١].
وهذا في النهي عن الوأد: كانوا يدفنون البنات أحياء خوف الفقر، فضمن الله لهم الرزق فقال: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يزنوا علانية فيفعلون ذلك سرا، فنهاهم الله عن الزنا سرا وعلانية.
قوله: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: إلا بالقود، يعني: القصاص.
٣٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كمارَوَيْهِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَابِقٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " كَانَ فِيمَا أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى فِي الأَلْوَاحِ: وَلا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُ إِلَّا بِالْحَقِّ فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الأَرْضُ بِرَحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخَطِي فِي النَّارِ "
وقوله: ذلكم يعني: ما ذكر في هذه الآية وصاكم: أمركم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: ١٥١] لكي تعرفوا ذلك.
قوله: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢] قال عطاء عن ابن عباس: يريد: إن كنت وصيا فأصلحت ماله، وقمت لله في ضيعته أكلت بالمعروف إن احتجت إليه، وإن كنت غنيا عنه فعف عن أكله.
وقال الزجاج: التي هي أحسن: هو حفظ ماله عليه، وتثميره بما يوجد السبيل إليه.
وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام: ١٥٢] الأشد: مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة.
قال الفراء: واحدها شد في القياس ولم أسمع لها بواحد.
وفسر بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام، وقال أبو إسحاق: بلوغ أشده: أن
يؤنس منه الرشد مع أن يكون بالغا، فحينئذ يجب دفع المال إليه.
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ [الأنعام: ١٥٢] أتموه ولا تنقصوا منه شيئا، والميزان أي: وزن الميزان بالقسط: بالعدل، لا بخس ولا شطط، لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأنعام: ١٥٢] إلا ما يسعها ولا تضيق عنه، وذلك أنه لو كلف المعطي الزيادة لضاقت نفسه عنها، وكذلك لو كلف الآخذ الرضا بالنقصان.
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام: ١٥٢] قال ابن عباس: إذا شهدتم أو تكلمتم فقولوا الحق، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام: ١٥٢] أي: ولو كان المشهود له وعليه ولدك وقرابتك، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام: ١٥٢] أي: وبما عاهدتم الله عليه فأوفوا به ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام: ١٥٢] لتتذكروه وتأخذوا به.
قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام: ١٥٣] قال الفراء: تفتح أن بمعنى: وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما.
وإن شئت قلت: ذلكم وصاكم به وبأن هذا.
وسيبويه يقول: التقدير: ولأن هذا صراطي مستقيم فاتبعوه، كقوله: وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: ٥٢]، قال سيبويه: ولأن هذه أمتكم.
وقرأ ابن عامر: وأنْ مفتوحة مخففة من المشددة، والتقدير: وأنه هذا، ثم حذف الضمير وخففت، ومن كسر إن استأنف بها.
قال ابن عباس: يريد: ديني دين الحنيفية أقوم الأديان وأحسنها.
وقال مقاتل: الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه صراطي مستقيما.
فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: ١٥٣] قال ابن عباس: اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأصنام.
وقال مجاهد: يعني: البدع والشبهات.
وقال مقاتل: يعني: طريق الضلالة فيما حرموا على
أنفسهم من الأنعام والحرث.
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] فتضل وتميل وتخالف بكم عن دينه، قال المفسرون: هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.
الأنعام 6:153
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ {١٤٨ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ١٤٩ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١٥٠ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٥١ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١٥٢ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٥٣ } [الأنعام: ١٤٨-١٥٣] سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٤٨] إذا لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨] قال المفسرون: إن المشركين جعلوا قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] حجة على إقامتهم على الشرك، فقالوا: إن الله تعالى رضي منا ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به، ولو لم يرض ذلك منا لحال بيننا وبينه.
ولا يكون هذا حجة لهم على أن ما هم عليه من الدين حق، لأن الأشياء كلها تجري بمشيئة الله تعالى، فلو كانوا على صواب لأن ذلك بمشيئة الله لكان من خالفهم وجب أن يكون عندهم أيضا على صواب، لأنهم أيضا على ما شاء، فينبغي ألا يقولوا: إنهم ضالون، فبان أنه لا حجة لهم في قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] ولو كان الأمر على ما قالوه، لأنهم تركوا أمر الله تعالى وتعلقوا بمشيئة الله.
وأمر الله بمعزل عن إرادته، لأنه يريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يتبع الأمر، وليس له أن يتعلق بالإرادة بعد ورود الأمر.
قوله: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام: ١٤٨] كما كذب هؤلاء كذب كفار الأمم الخالية أنبياءهم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨] شدة عذابنا، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام: ١٤٨] قال ابن عباس: من كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم.
إن تتبعون: ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن، لا العلم واليقين، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ [الأنعام: ١٤٨] وما أنتم إلا خارصين كاذبين.
قوله: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام: ١٤٩] قال الزجاج: حجته البالغة: تبيينه أنه الواحد وإرساله الأنبياء بالحجج التي يعجز عنها المخلوقون.
وهذا معنى قول المفسرين: ولله الحجة البالغة بالكتاب والرسول والبيان.
فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩] وهذا يدل على أنه ما شاء إيمان الكافر ولو شاء لهداه.
أخبرنا الأستاذ أبو منصور البغدادي، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعت علي بن زيد تلا هذه الآية: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩]، فنادى بأعلى صوته: انقطع والله ههنا كلام القدرية.
قوله: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [الأنعام: ١٥٠] الآية، هلم: كلمة دعوة إلى شيء، تقول: هلم يا رجل، وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث موحد، وهذه الكلمة تستعمل تارة بمعنى دعاء المخاطب كقولك: هلم إلي.
أي: ادن مني وتعال، وتارة تستعمل بمعنى التعدية كقولك: هلم الطعامَ.
وورد القرآن بالمعنيين، قال الله تعالى: وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب: ١٨]، وقال في هذه الآية: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [الأنعام: ١٥٠].
قال الزجاج: هاتوا وقربوا شهداءكم الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا [الأنعام: ١٥٠] يعني: ما ذكر من الحرث والأنعام مما حرمه المشركون، يقول: ائتوا بمن يشهد لكم أن هذا التحريم جاءكم من الله.
فإن شهدوا هم وقالوا: نشهد بذلك، فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [الأنعام: ١٥٠] لا توافقهم على دينهم ومقالتهم، وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام: ١٥٠] يعني: هؤلاء
المحرمين ما أحل الله، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١٥٠] يشركون الأصنام.
قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١٥١] الآية: يجوز أن يكون عليكم من صلة أتل كأنه قال: أتل عليكم ما حرم ربكم، ويجوز أن تكون من صلة التحريم.
قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون عليكم إغراء وانقطع عند قوله: مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ [الأنعام: ١٥١] ثم قال: عليكم ألا تشركوا به شيئا، كما قال عليكم أنفسكم.
وقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام: ١٥١] قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، فيكون: أتل عليكم ألا تشركوا، والمعنى: أتل عليكم تحريم الشرك.
قال: وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا به شيئا، لأن قوله: وبالوالدين إحسانا محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانا.
قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام: ١٥١] يقال: أملق الرجل فهو مملق.
إذا افتقر، قال ابن عباس: يريد: مخافة الفقر، وقد صرح بهذا في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: ٣١].
وهذا في النهي عن الوأد: كانوا يدفنون البنات أحياء خوف الفقر، فضمن الله لهم الرزق فقال: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يزنوا علانية فيفعلون ذلك سرا، فنهاهم الله عن الزنا سرا وعلانية.
قوله: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: إلا بالقود، يعني: القصاص.
٣٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كمارَوَيْهِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَابِقٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " كَانَ فِيمَا أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى فِي الأَلْوَاحِ: وَلا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُ إِلَّا بِالْحَقِّ فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الأَرْضُ بِرَحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخَطِي فِي النَّارِ "
وقوله: ذلكم يعني: ما ذكر في هذه الآية وصاكم: أمركم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: ١٥١] لكي تعرفوا ذلك.
قوله: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢] قال عطاء عن ابن عباس: يريد: إن كنت وصيا فأصلحت ماله، وقمت لله في ضيعته أكلت بالمعروف إن احتجت إليه، وإن كنت غنيا عنه فعف عن أكله.
وقال الزجاج: التي هي أحسن: هو حفظ ماله عليه، وتثميره بما يوجد السبيل إليه.
وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام: ١٥٢] الأشد: مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة.
قال الفراء: واحدها شد في القياس ولم أسمع لها بواحد.
وفسر بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام، وقال أبو إسحاق: بلوغ أشده: أن
يؤنس منه الرشد مع أن يكون بالغا، فحينئذ يجب دفع المال إليه.
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ [الأنعام: ١٥٢] أتموه ولا تنقصوا منه شيئا، والميزان أي: وزن الميزان بالقسط: بالعدل، لا بخس ولا شطط، لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأنعام: ١٥٢] إلا ما يسعها ولا تضيق عنه، وذلك أنه لو كلف المعطي الزيادة لضاقت نفسه عنها، وكذلك لو كلف الآخذ الرضا بالنقصان.
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام: ١٥٢] قال ابن عباس: إذا شهدتم أو تكلمتم فقولوا الحق، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام: ١٥٢] أي: ولو كان المشهود له وعليه ولدك وقرابتك، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام: ١٥٢] أي: وبما عاهدتم الله عليه فأوفوا به ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام: ١٥٢] لتتذكروه وتأخذوا به.
قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام: ١٥٣] قال الفراء: تفتح أن بمعنى: وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما.
وإن شئت قلت: ذلكم وصاكم به وبأن هذا.
وسيبويه يقول: التقدير: ولأن هذا صراطي مستقيم فاتبعوه، كقوله: وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: ٥٢]، قال سيبويه: ولأن هذه أمتكم.
وقرأ ابن عامر: وأنْ مفتوحة مخففة من المشددة، والتقدير: وأنه هذا، ثم حذف الضمير وخففت، ومن كسر إن استأنف بها.
قال ابن عباس: يريد: ديني دين الحنيفية أقوم الأديان وأحسنها.
وقال مقاتل: الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه صراطي مستقيما.
فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: ١٥٣] قال ابن عباس: اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأصنام.
وقال مجاهد: يعني: البدع والشبهات.
وقال مقاتل: يعني: طريق الضلالة فيما حرموا على
أنفسهم من الأنعام والحرث.
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] فتضل وتميل وتخالف بكم عن دينه، قال المفسرون: هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.
الأنعام 6:154
ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ {١٥٤ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ١٥٧ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ١٥٨ } [الأنعام: ١٥٤-١٥٨] وقوله: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الأنعام: ١٥٤] ثم أوجب تأخير الخبر بعد الخبر الأول، يريد: ثم أخبركم بعد ما أخبرتكم بنزول التوراة على موسى.
فدخلت ثم لتأخير الخبر، لا لتأخير النزول.
ذكر ذلك الزجاج، وابن الأنباري.
قوله: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: ١٥٤] أي: على الذي أحسنه موسى من العلم وكتب الله القديمة، فيكون أحسن بمعنى: علم، وأراد بقوله: تماما: على ذلك: زيادة على ذلك.
قال الزجاج: وتماما منصوب مفعول له، وكذلك وتفصيلا.
والمعنى: آتينا للتمام والتفصيل لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً [الأنعام: ١٥٤].
وقوله: لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٥٤] قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام: ٩٢] يعني: القرآن، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا [الأنعام: ١٥٥] : اتبعوا حلاله، واتقوا حرامه، لعلكم ترحمون: لتكونوا راجين للرحمة.
أن تقولوا: قال الفراء: أن متعلقة ب اتقوا، والتأويل: اتقوا أن تقولوا.
وعند البصريين معناه:
أنزلناه كراهة أن تقولوا، ثم حذف المضاف، إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ [الأنعام: ١٥٦] يعني: التوراة والإنجيل عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام: ١٥٦] يعني: اليهود والنصارى، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] وما كنا عن تلاوة كتبهم إلا غافلين.
قال المفسرون: الخطاب لأهل مكة.
والمراد: إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن كيلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما.
فقطع الله معاذيرهم بإنزال القرآن.
قال الكسائي: وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] لا نعلم ما هي، لأن كتابهم لم يكن بلغتنا.
فأنزل الله كتابا بلغتهم كيلا يعتذروا بأن الكتاب لم يأتهم، وأن الرسول لم يبعث إليهم، وهذا معنى قوله: أو تقولوا، يا معشر العرب: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام: ١٥٧] من اليهود والنصارى فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام: ١٥٧] رسول من ربكم بلسان عربي مبين حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين، وهدى ورحمة يعني: القرآن، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ [الأنعام: ١٥٧] بعد هذا البيان، وصدف: أعرض عنها، ثم أوعدهم فقال سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ [الأنعام: ١٥٧] الآية.
قوله: هل ينظرون: معنى ينظرون: ينتظرون، وهل استفهام معناه النفي، أي: لا ينتظرون إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: ١٥٨] عند الموت لقبض أرواحهم، وهذا خبر بمعنى النهي، أي: يجب أن لا ينتظروا بعد تكذيبك إلا أن تأتيهم الملائكة عند الموت فيقعوا في العذاب.
أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال ابن عباس: يتنزل أمر ربك فيهم بالقتل.
وقال الزجاج: المعنى: أو يأتي إهلاك ربك إياهم بعذاب عاجل أو بالقيامة.
أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال عامة المفسرين: يعني: طلوع الشمس من مغربها، وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من مكذبي هذه الأمة.
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [الأنعام: ١٥٨] أي: لا ينفعها الإيمان عند الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، لأن الله تعالى لو بعث على كل من لم يؤمن عذابا لاضطر الناس إلى الإيمان وسقط التكليف والجزاء.
٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]
وقوله: قل انتظروا قال ابن عباس: انتظروا يا أهل مكة، إنا منتظرون: بكم العذاب يوم القيامة أو قبلها في الدنيا.
الأنعام 6:155
ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ {١٥٤ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ١٥٧ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ١٥٨ } [الأنعام: ١٥٤-١٥٨] وقوله: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الأنعام: ١٥٤] ثم أوجب تأخير الخبر بعد الخبر الأول، يريد: ثم أخبركم بعد ما أخبرتكم بنزول التوراة على موسى.
فدخلت ثم لتأخير الخبر، لا لتأخير النزول.
ذكر ذلك الزجاج، وابن الأنباري.
قوله: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: ١٥٤] أي: على الذي أحسنه موسى من العلم وكتب الله القديمة، فيكون أحسن بمعنى: علم، وأراد بقوله: تماما: على ذلك: زيادة على ذلك.
قال الزجاج: وتماما منصوب مفعول له، وكذلك وتفصيلا.
والمعنى: آتينا للتمام والتفصيل لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً [الأنعام: ١٥٤].
وقوله: لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٥٤] قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام: ٩٢] يعني: القرآن، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا [الأنعام: ١٥٥] : اتبعوا حلاله، واتقوا حرامه، لعلكم ترحمون: لتكونوا راجين للرحمة.
أن تقولوا: قال الفراء: أن متعلقة ب اتقوا، والتأويل: اتقوا أن تقولوا.
وعند البصريين معناه:
أنزلناه كراهة أن تقولوا، ثم حذف المضاف، إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ [الأنعام: ١٥٦] يعني: التوراة والإنجيل عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام: ١٥٦] يعني: اليهود والنصارى، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] وما كنا عن تلاوة كتبهم إلا غافلين.
قال المفسرون: الخطاب لأهل مكة.
والمراد: إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن كيلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما.
فقطع الله معاذيرهم بإنزال القرآن.
قال الكسائي: وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] لا نعلم ما هي، لأن كتابهم لم يكن بلغتنا.
فأنزل الله كتابا بلغتهم كيلا يعتذروا بأن الكتاب لم يأتهم، وأن الرسول لم يبعث إليهم، وهذا معنى قوله: أو تقولوا، يا معشر العرب: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام: ١٥٧] من اليهود والنصارى فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام: ١٥٧] رسول من ربكم بلسان عربي مبين حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين، وهدى ورحمة يعني: القرآن، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ [الأنعام: ١٥٧] بعد هذا البيان، وصدف: أعرض عنها، ثم أوعدهم فقال سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ [الأنعام: ١٥٧] الآية.
قوله: هل ينظرون: معنى ينظرون: ينتظرون، وهل استفهام معناه النفي، أي: لا ينتظرون إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: ١٥٨] عند الموت لقبض أرواحهم، وهذا خبر بمعنى النهي، أي: يجب أن لا ينتظروا بعد تكذيبك إلا أن تأتيهم الملائكة عند الموت فيقعوا في العذاب.
أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال ابن عباس: يتنزل أمر ربك فيهم بالقتل.
وقال الزجاج: المعنى: أو يأتي إهلاك ربك إياهم بعذاب عاجل أو بالقيامة.
أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال عامة المفسرين: يعني: طلوع الشمس من مغربها، وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من مكذبي هذه الأمة.
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [الأنعام: ١٥٨] أي: لا ينفعها الإيمان عند الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، لأن الله تعالى لو بعث على كل من لم يؤمن عذابا لاضطر الناس إلى الإيمان وسقط التكليف والجزاء.
٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]
وقوله: قل انتظروا قال ابن عباس: انتظروا يا أهل مكة، إنا منتظرون: بكم العذاب يوم القيامة أو قبلها في الدنيا.
الأنعام 6:156
ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ {١٥٤ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ١٥٧ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ١٥٨ } [الأنعام: ١٥٤-١٥٨] وقوله: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الأنعام: ١٥٤] ثم أوجب تأخير الخبر بعد الخبر الأول، يريد: ثم أخبركم بعد ما أخبرتكم بنزول التوراة على موسى.
فدخلت ثم لتأخير الخبر، لا لتأخير النزول.
ذكر ذلك الزجاج، وابن الأنباري.
قوله: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: ١٥٤] أي: على الذي أحسنه موسى من العلم وكتب الله القديمة، فيكون أحسن بمعنى: علم، وأراد بقوله: تماما: على ذلك: زيادة على ذلك.
قال الزجاج: وتماما منصوب مفعول له، وكذلك وتفصيلا.
والمعنى: آتينا للتمام والتفصيل لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً [الأنعام: ١٥٤].
وقوله: لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٥٤] قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام: ٩٢] يعني: القرآن، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا [الأنعام: ١٥٥] : اتبعوا حلاله، واتقوا حرامه، لعلكم ترحمون: لتكونوا راجين للرحمة.
أن تقولوا: قال الفراء: أن متعلقة ب اتقوا، والتأويل: اتقوا أن تقولوا.
وعند البصريين معناه:
أنزلناه كراهة أن تقولوا، ثم حذف المضاف، إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ [الأنعام: ١٥٦] يعني: التوراة والإنجيل عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام: ١٥٦] يعني: اليهود والنصارى، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] وما كنا عن تلاوة كتبهم إلا غافلين.
قال المفسرون: الخطاب لأهل مكة.
والمراد: إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن كيلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما.
فقطع الله معاذيرهم بإنزال القرآن.
قال الكسائي: وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] لا نعلم ما هي، لأن كتابهم لم يكن بلغتنا.
فأنزل الله كتابا بلغتهم كيلا يعتذروا بأن الكتاب لم يأتهم، وأن الرسول لم يبعث إليهم، وهذا معنى قوله: أو تقولوا، يا معشر العرب: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام: ١٥٧] من اليهود والنصارى فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام: ١٥٧] رسول من ربكم بلسان عربي مبين حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين، وهدى ورحمة يعني: القرآن، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ [الأنعام: ١٥٧] بعد هذا البيان، وصدف: أعرض عنها، ثم أوعدهم فقال سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ [الأنعام: ١٥٧] الآية.
قوله: هل ينظرون: معنى ينظرون: ينتظرون، وهل استفهام معناه النفي، أي: لا ينتظرون إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: ١٥٨] عند الموت لقبض أرواحهم، وهذا خبر بمعنى النهي، أي: يجب أن لا ينتظروا بعد تكذيبك إلا أن تأتيهم الملائكة عند الموت فيقعوا في العذاب.
أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال ابن عباس: يتنزل أمر ربك فيهم بالقتل.
وقال الزجاج: المعنى: أو يأتي إهلاك ربك إياهم بعذاب عاجل أو بالقيامة.
أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال عامة المفسرين: يعني: طلوع الشمس من مغربها، وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من مكذبي هذه الأمة.
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [الأنعام: ١٥٨] أي: لا ينفعها الإيمان عند الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، لأن الله تعالى لو بعث على كل من لم يؤمن عذابا لاضطر الناس إلى الإيمان وسقط التكليف والجزاء.
٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]
وقوله: قل انتظروا قال ابن عباس: انتظروا يا أهل مكة، إنا منتظرون: بكم العذاب يوم القيامة أو قبلها في الدنيا.
الأنعام 6:157
ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ {١٥٤ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ١٥٧ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ١٥٨ } [الأنعام: ١٥٤-١٥٨] وقوله: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الأنعام: ١٥٤] ثم أوجب تأخير الخبر بعد الخبر الأول، يريد: ثم أخبركم بعد ما أخبرتكم بنزول التوراة على موسى.
فدخلت ثم لتأخير الخبر، لا لتأخير النزول.
ذكر ذلك الزجاج، وابن الأنباري.
قوله: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: ١٥٤] أي: على الذي أحسنه موسى من العلم وكتب الله القديمة، فيكون أحسن بمعنى: علم، وأراد بقوله: تماما: على ذلك: زيادة على ذلك.
قال الزجاج: وتماما منصوب مفعول له، وكذلك وتفصيلا.
والمعنى: آتينا للتمام والتفصيل لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً [الأنعام: ١٥٤].
وقوله: لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٥٤] قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام: ٩٢] يعني: القرآن، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا [الأنعام: ١٥٥] : اتبعوا حلاله، واتقوا حرامه، لعلكم ترحمون: لتكونوا راجين للرحمة.
أن تقولوا: قال الفراء: أن متعلقة ب اتقوا، والتأويل: اتقوا أن تقولوا.
وعند البصريين معناه:
أنزلناه كراهة أن تقولوا، ثم حذف المضاف، إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ [الأنعام: ١٥٦] يعني: التوراة والإنجيل عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام: ١٥٦] يعني: اليهود والنصارى، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] وما كنا عن تلاوة كتبهم إلا غافلين.
قال المفسرون: الخطاب لأهل مكة.
والمراد: إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن كيلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما.
فقطع الله معاذيرهم بإنزال القرآن.
قال الكسائي: وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] لا نعلم ما هي، لأن كتابهم لم يكن بلغتنا.
فأنزل الله كتابا بلغتهم كيلا يعتذروا بأن الكتاب لم يأتهم، وأن الرسول لم يبعث إليهم، وهذا معنى قوله: أو تقولوا، يا معشر العرب: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام: ١٥٧] من اليهود والنصارى فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام: ١٥٧] رسول من ربكم بلسان عربي مبين حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين، وهدى ورحمة يعني: القرآن، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ [الأنعام: ١٥٧] بعد هذا البيان، وصدف: أعرض عنها، ثم أوعدهم فقال سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ [الأنعام: ١٥٧] الآية.
قوله: هل ينظرون: معنى ينظرون: ينتظرون، وهل استفهام معناه النفي، أي: لا ينتظرون إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: ١٥٨] عند الموت لقبض أرواحهم، وهذا خبر بمعنى النهي، أي: يجب أن لا ينتظروا بعد تكذيبك إلا أن تأتيهم الملائكة عند الموت فيقعوا في العذاب.
أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال ابن عباس: يتنزل أمر ربك فيهم بالقتل.
وقال الزجاج: المعنى: أو يأتي إهلاك ربك إياهم بعذاب عاجل أو بالقيامة.
أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال عامة المفسرين: يعني: طلوع الشمس من مغربها، وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من مكذبي هذه الأمة.
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [الأنعام: ١٥٨] أي: لا ينفعها الإيمان عند الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، لأن الله تعالى لو بعث على كل من لم يؤمن عذابا لاضطر الناس إلى الإيمان وسقط التكليف والجزاء.
٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]
وقوله: قل انتظروا قال ابن عباس: انتظروا يا أهل مكة، إنا منتظرون: بكم العذاب يوم القيامة أو قبلها في الدنيا.
الأنعام 6:158
ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ {١٥٤ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ١٥٧ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ١٥٨ } [الأنعام: ١٥٤-١٥٨] وقوله: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الأنعام: ١٥٤] ثم أوجب تأخير الخبر بعد الخبر الأول، يريد: ثم أخبركم بعد ما أخبرتكم بنزول التوراة على موسى.
فدخلت ثم لتأخير الخبر، لا لتأخير النزول.
ذكر ذلك الزجاج، وابن الأنباري.
قوله: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: ١٥٤] أي: على الذي أحسنه موسى من العلم وكتب الله القديمة، فيكون أحسن بمعنى: علم، وأراد بقوله: تماما: على ذلك: زيادة على ذلك.
قال الزجاج: وتماما منصوب مفعول له، وكذلك وتفصيلا.
والمعنى: آتينا للتمام والتفصيل لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً [الأنعام: ١٥٤].
وقوله: لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٥٤] قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام: ٩٢] يعني: القرآن، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا [الأنعام: ١٥٥] : اتبعوا حلاله، واتقوا حرامه، لعلكم ترحمون: لتكونوا راجين للرحمة.
أن تقولوا: قال الفراء: أن متعلقة ب اتقوا، والتأويل: اتقوا أن تقولوا.
وعند البصريين معناه:
أنزلناه كراهة أن تقولوا، ثم حذف المضاف، إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ [الأنعام: ١٥٦] يعني: التوراة والإنجيل عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام: ١٥٦] يعني: اليهود والنصارى، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] وما كنا عن تلاوة كتبهم إلا غافلين.
قال المفسرون: الخطاب لأهل مكة.
والمراد: إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن كيلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما.
فقطع الله معاذيرهم بإنزال القرآن.
قال الكسائي: وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام: ١٥٦] لا نعلم ما هي، لأن كتابهم لم يكن بلغتنا.
فأنزل الله كتابا بلغتهم كيلا يعتذروا بأن الكتاب لم يأتهم، وأن الرسول لم يبعث إليهم، وهذا معنى قوله: أو تقولوا، يا معشر العرب: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام: ١٥٧] من اليهود والنصارى فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام: ١٥٧] رسول من ربكم بلسان عربي مبين حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين، وهدى ورحمة يعني: القرآن، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ [الأنعام: ١٥٧] بعد هذا البيان، وصدف: أعرض عنها، ثم أوعدهم فقال سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ [الأنعام: ١٥٧] الآية.
قوله: هل ينظرون: معنى ينظرون: ينتظرون، وهل استفهام معناه النفي، أي: لا ينتظرون إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: ١٥٨] عند الموت لقبض أرواحهم، وهذا خبر بمعنى النهي، أي: يجب أن لا ينتظروا بعد تكذيبك إلا أن تأتيهم الملائكة عند الموت فيقعوا في العذاب.
أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال ابن عباس: يتنزل أمر ربك فيهم بالقتل.
وقال الزجاج: المعنى: أو يأتي إهلاك ربك إياهم بعذاب عاجل أو بالقيامة.
أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: ١٥٨] قال عامة المفسرين: يعني: طلوع الشمس من مغربها، وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من مكذبي هذه الأمة.
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [الأنعام: ١٥٨] أي: لا ينفعها الإيمان عند الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، لأن الله تعالى لو بعث على كل من لم يؤمن عذابا لاضطر الناس إلى الإيمان وسقط التكليف والجزاء.
٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]
وقوله: قل انتظروا قال ابن عباس: انتظروا يا أهل مكة، إنا منتظرون: بكم العذاب يوم القيامة أو قبلها في الدنيا.
الأنعام 6:159
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ {١٥٩ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ١٦٠ } [الأنعام: ١٥٩-١٦٠] قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ [الأنعام: ١٥٩] قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي، والكلبي: هم اليهود والنصارى، وذلك أنهم اختلفوا فصاروا فرقا يكفر بعضهم بعضا، وآمنوا ببعض ما في أيديهم وكفروا ببعض، وذلك قوله: وكانوا شيعا أي: فرقا وأحزابا في الضلالة.
وقرأ حمزة: فارقوا دينهم أي: باينوه وخرجوا عنه، وهذا يأول إلى معنى: فرقوا ألا ترى أنهم لما آمنوا ببعض وكفروا ببعض فارقوه كله، فخرجوا عنه ولم يتبعوه.
وروي عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعائشة: " يا عائشة، إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الأنعام: ١٥٩] هم أصحاب البدع وأهل الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ".
٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحٍ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ: " إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الأنعام: ١٥٩] هُمْ أَصْحَابُ الأَهْوَاءِ وَأَصْحَابُ الضَّلالَةِ "
قوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩] قال المفسرون: يقول: لست من قتالهم في شيء ثم نسخته آية القتال.
هذا إذا كان المراد بالآية اليهود والنصارى على ما روي مرفوعا، معنى قوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩] أي: أنت منهم برئ وهم منك براء، أي: لم تتلبس بشيء من مذاهبهم، والعرب تقول: إن فعلت كذا فلست مني ولست منك، أي: كل واحد منا برئ من صاحبه.
قوله: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ [الأنعام: ١٥٩] يعني: في الجزاء والمكافأة، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩] إذا وردوا القيامة.
وقوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠] قال عطاء عن ابن عباس: يريد: من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات.
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ [الأنعام: ١٦٠] يريد: الخطيئة، فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا [الأنعام: ١٦٠] أي: إلا جزاء مثلها، لا يكون أكثر منها.
٣٤٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشَرَةُ أَمْثَالِهَا أَوْ أَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلِهَا أَوْ أَغْفِرُ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ
٣٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمّلِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «الْحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى الزِّيَادَةِ وَالسَّيِّئَةِ بِوَاحِدَةٍ، وَأَنَا أَغْفِرُ لابْنِ آدَمَ إِنْ لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ قُرَابُ الأَرْضِ ذُنُوبًا غَفَرْتُ لَهُ، وَلا أُبَالِي»
٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنَ التَّيْمِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا يَنْفَعُنِي، قَالَ: " إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْحَسَنَاتِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ
قوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأنعام: ١٦٠] قال ابن عباس: لا ينقص ثواب أعمالهم.
الأنعام 6:160
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ {١٥٩ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ١٦٠ } [الأنعام: ١٥٩-١٦٠] قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ [الأنعام: ١٥٩] قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي، والكلبي: هم اليهود والنصارى، وذلك أنهم اختلفوا فصاروا فرقا يكفر بعضهم بعضا، وآمنوا ببعض ما في أيديهم وكفروا ببعض، وذلك قوله: وكانوا شيعا أي: فرقا وأحزابا في الضلالة.
وقرأ حمزة: فارقوا دينهم أي: باينوه وخرجوا عنه، وهذا يأول إلى معنى: فرقوا ألا ترى أنهم لما آمنوا ببعض وكفروا ببعض فارقوه كله، فخرجوا عنه ولم يتبعوه.
وروي عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعائشة: " يا عائشة، إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الأنعام: ١٥٩] هم أصحاب البدع وأهل الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ".
٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحٍ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ: " إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الأنعام: ١٥٩] هُمْ أَصْحَابُ الأَهْوَاءِ وَأَصْحَابُ الضَّلالَةِ "
قوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩] قال المفسرون: يقول: لست من قتالهم في شيء ثم نسخته آية القتال.
هذا إذا كان المراد بالآية اليهود والنصارى على ما روي مرفوعا، معنى قوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩] أي: أنت منهم برئ وهم منك براء، أي: لم تتلبس بشيء من مذاهبهم، والعرب تقول: إن فعلت كذا فلست مني ولست منك، أي: كل واحد منا برئ من صاحبه.
قوله: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ [الأنعام: ١٥٩] يعني: في الجزاء والمكافأة، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩] إذا وردوا القيامة.
وقوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠] قال عطاء عن ابن عباس: يريد: من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات.
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ [الأنعام: ١٦٠] يريد: الخطيئة، فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا [الأنعام: ١٦٠] أي: إلا جزاء مثلها، لا يكون أكثر منها.
٣٤٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشَرَةُ أَمْثَالِهَا أَوْ أَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلِهَا أَوْ أَغْفِرُ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ
٣٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمّلِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «الْحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى الزِّيَادَةِ وَالسَّيِّئَةِ بِوَاحِدَةٍ، وَأَنَا أَغْفِرُ لابْنِ آدَمَ إِنْ لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ قُرَابُ الأَرْضِ ذُنُوبًا غَفَرْتُ لَهُ، وَلا أُبَالِي»
٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنَ التَّيْمِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا يَنْفَعُنِي، قَالَ: " إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْحَسَنَاتِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ
قوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأنعام: ١٦٠] قال ابن عباس: لا ينقص ثواب أعمالهم.
الأنعام 6:161
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {١٦١ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ١٦٤ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ١٦٥ } [الأنعام: ١٦١-١٦٥] قوله: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا [الأنعام: ١٦١] قال الزجاج: أما نصب دينا فمحمول على المعنى، لأنه لما قال: هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: ١٦١] دل على عرفني، فكأنه قال: عرفني.
قوله: قيِّما قال ابن عباس: مستقيما، ومن قرأ: قِيَما فهو مصدر كالصغر والكبر والشبع، وذكرنا معنى قيما في أول [النساء، وقوله:] مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [سورة الأنعام: ١٦١] ملة بدل من دينا قيما، وحنيفا منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى: عرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته.
قوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام: ١٦٢] قال ابن عباس: يريد: ذبيحتي.
وقال مقاتل: حججي.
وقال الزجاج: كل ما تقربت به إلى الله تعالى، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح.
وقوله: وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي [الأنعام: ١٦٢] أي: حياتي وموتي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢] أي: هو يحييني ويميتني.
وقرأ نافع: ومحياي ساكنة الياء، وهو شاذ غير مستعمل لأن فيه جمعا بين الساكنين لا يلتقيان على هذا الوجه، قال الزجاج: أما ياء محياي فلا بد من فتحها لأن قبلها
ساكنا، ومثل هذا ما جوزه يونس من قوله: اضربنان زيدا، واضربنان زيدا، وسيبويه ينكر ذلك من قول يونس.
ومعنى الآية: أنه يخبر بأنه إنما يتوجه بالصلاة وسائر المناسك إلى الله تعالى، لا إلى غيره كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم، فأعلم أنه لله وحده، لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٣].
وقوله: وبذلك أمرت: قال ابن عباس: بذلك أوحي إلي.
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣] قال قتادة: أول المسلمين من هذه الأمة.
وقال مقاتل: أول المخلصين من أهل مكة.
٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ عِمْرَانُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً "
قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: سيدا وإلها وهو سيد كل أحد، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا [الأنعام: ١٦٤] لا تجني نفس ذنبا إلا أخذت به وكان إثمه على الجاني نفسه، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم.
فقيل: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] ولا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ [الأنعام: ١٦٥] هو الذي جعلكم يا أمة محمد، خلائف الأمم الماضية في الأرض بأن أهلكهم وأورثكم الأرض بعدهم، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الأنعام: ١٦٥]، في المعاش والغنى والرزق.
قاله الكلبي، ومقاتل، والسدي، لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام: ١٦٥] ليختبركم فيما رزقكم، والمعنى: ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب.
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ [الأنعام: ١٦٥] لأعدائه، يعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهلاك أعدائه وقتلهم، وإنه لغفور: لأوليائه، رحيم: بهم.
٣٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لاتَّكَلْتُمْ عَلَيْهَا وَمَا عَمِلْتُمْ إِلَّا قَلِيلا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَظَنَنْتُمْ أَنْ لا تَنْجُوا وَأَنْ لا يَنْفَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ»
الأنعام 6:162
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {١٦١ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ١٦٤ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ١٦٥ } [الأنعام: ١٦١-١٦٥] قوله: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا [الأنعام: ١٦١] قال الزجاج: أما نصب دينا فمحمول على المعنى، لأنه لما قال: هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: ١٦١] دل على عرفني، فكأنه قال: عرفني.
قوله: قيِّما قال ابن عباس: مستقيما، ومن قرأ: قِيَما فهو مصدر كالصغر والكبر والشبع، وذكرنا معنى قيما في أول [النساء، وقوله:] مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [سورة الأنعام: ١٦١] ملة بدل من دينا قيما، وحنيفا منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى: عرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته.
قوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام: ١٦٢] قال ابن عباس: يريد: ذبيحتي.
وقال مقاتل: حججي.
وقال الزجاج: كل ما تقربت به إلى الله تعالى، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح.
وقوله: وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي [الأنعام: ١٦٢] أي: حياتي وموتي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢] أي: هو يحييني ويميتني.
وقرأ نافع: ومحياي ساكنة الياء، وهو شاذ غير مستعمل لأن فيه جمعا بين الساكنين لا يلتقيان على هذا الوجه، قال الزجاج: أما ياء محياي فلا بد من فتحها لأن قبلها
ساكنا، ومثل هذا ما جوزه يونس من قوله: اضربنان زيدا، واضربنان زيدا، وسيبويه ينكر ذلك من قول يونس.
ومعنى الآية: أنه يخبر بأنه إنما يتوجه بالصلاة وسائر المناسك إلى الله تعالى، لا إلى غيره كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم، فأعلم أنه لله وحده، لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٣].
وقوله: وبذلك أمرت: قال ابن عباس: بذلك أوحي إلي.
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣] قال قتادة: أول المسلمين من هذه الأمة.
وقال مقاتل: أول المخلصين من أهل مكة.
٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ عِمْرَانُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً "
قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: سيدا وإلها وهو سيد كل أحد، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا [الأنعام: ١٦٤] لا تجني نفس ذنبا إلا أخذت به وكان إثمه على الجاني نفسه، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم.
فقيل: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] ولا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ [الأنعام: ١٦٥] هو الذي جعلكم يا أمة محمد، خلائف الأمم الماضية في الأرض بأن أهلكهم وأورثكم الأرض بعدهم، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الأنعام: ١٦٥]، في المعاش والغنى والرزق.
قاله الكلبي، ومقاتل، والسدي، لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام: ١٦٥] ليختبركم فيما رزقكم، والمعنى: ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب.
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ [الأنعام: ١٦٥] لأعدائه، يعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهلاك أعدائه وقتلهم، وإنه لغفور: لأوليائه، رحيم: بهم.
٣٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لاتَّكَلْتُمْ عَلَيْهَا وَمَا عَمِلْتُمْ إِلَّا قَلِيلا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَظَنَنْتُمْ أَنْ لا تَنْجُوا وَأَنْ لا يَنْفَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ»
الأنعام 6:163
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {١٦١ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ١٦٤ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ١٦٥ } [الأنعام: ١٦١-١٦٥] قوله: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا [الأنعام: ١٦١] قال الزجاج: أما نصب دينا فمحمول على المعنى، لأنه لما قال: هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: ١٦١] دل على عرفني، فكأنه قال: عرفني.
قوله: قيِّما قال ابن عباس: مستقيما، ومن قرأ: قِيَما فهو مصدر كالصغر والكبر والشبع، وذكرنا معنى قيما في أول [النساء، وقوله:] مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [سورة الأنعام: ١٦١] ملة بدل من دينا قيما، وحنيفا منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى: عرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته.
قوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام: ١٦٢] قال ابن عباس: يريد: ذبيحتي.
وقال مقاتل: حججي.
وقال الزجاج: كل ما تقربت به إلى الله تعالى، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح.
وقوله: وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي [الأنعام: ١٦٢] أي: حياتي وموتي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢] أي: هو يحييني ويميتني.
وقرأ نافع: ومحياي ساكنة الياء، وهو شاذ غير مستعمل لأن فيه جمعا بين الساكنين لا يلتقيان على هذا الوجه، قال الزجاج: أما ياء محياي فلا بد من فتحها لأن قبلها
ساكنا، ومثل هذا ما جوزه يونس من قوله: اضربنان زيدا، واضربنان زيدا، وسيبويه ينكر ذلك من قول يونس.
ومعنى الآية: أنه يخبر بأنه إنما يتوجه بالصلاة وسائر المناسك إلى الله تعالى، لا إلى غيره كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم، فأعلم أنه لله وحده، لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٣].
وقوله: وبذلك أمرت: قال ابن عباس: بذلك أوحي إلي.
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣] قال قتادة: أول المسلمين من هذه الأمة.
وقال مقاتل: أول المخلصين من أهل مكة.
٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ عِمْرَانُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً "
قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: سيدا وإلها وهو سيد كل أحد، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا [الأنعام: ١٦٤] لا تجني نفس ذنبا إلا أخذت به وكان إثمه على الجاني نفسه، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم.
فقيل: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] ولا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ [الأنعام: ١٦٥] هو الذي جعلكم يا أمة محمد، خلائف الأمم الماضية في الأرض بأن أهلكهم وأورثكم الأرض بعدهم، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الأنعام: ١٦٥]، في المعاش والغنى والرزق.
قاله الكلبي، ومقاتل، والسدي، لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام: ١٦٥] ليختبركم فيما رزقكم، والمعنى: ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب.
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ [الأنعام: ١٦٥] لأعدائه، يعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهلاك أعدائه وقتلهم، وإنه لغفور: لأوليائه، رحيم: بهم.
٣٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لاتَّكَلْتُمْ عَلَيْهَا وَمَا عَمِلْتُمْ إِلَّا قَلِيلا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَظَنَنْتُمْ أَنْ لا تَنْجُوا وَأَنْ لا يَنْفَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ»
الأنعام 6:164
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {١٦١ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ١٦٤ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ١٦٥ } [الأنعام: ١٦١-١٦٥] قوله: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا [الأنعام: ١٦١] قال الزجاج: أما نصب دينا فمحمول على المعنى، لأنه لما قال: هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: ١٦١] دل على عرفني، فكأنه قال: عرفني.
قوله: قيِّما قال ابن عباس: مستقيما، ومن قرأ: قِيَما فهو مصدر كالصغر والكبر والشبع، وذكرنا معنى قيما في أول [النساء، وقوله:] مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [سورة الأنعام: ١٦١] ملة بدل من دينا قيما، وحنيفا منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى: عرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته.
قوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام: ١٦٢] قال ابن عباس: يريد: ذبيحتي.
وقال مقاتل: حججي.
وقال الزجاج: كل ما تقربت به إلى الله تعالى، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح.
وقوله: وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي [الأنعام: ١٦٢] أي: حياتي وموتي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢] أي: هو يحييني ويميتني.
وقرأ نافع: ومحياي ساكنة الياء، وهو شاذ غير مستعمل لأن فيه جمعا بين الساكنين لا يلتقيان على هذا الوجه، قال الزجاج: أما ياء محياي فلا بد من فتحها لأن قبلها
ساكنا، ومثل هذا ما جوزه يونس من قوله: اضربنان زيدا، واضربنان زيدا، وسيبويه ينكر ذلك من قول يونس.
ومعنى الآية: أنه يخبر بأنه إنما يتوجه بالصلاة وسائر المناسك إلى الله تعالى، لا إلى غيره كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم، فأعلم أنه لله وحده، لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٣].
وقوله: وبذلك أمرت: قال ابن عباس: بذلك أوحي إلي.
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣] قال قتادة: أول المسلمين من هذه الأمة.
وقال مقاتل: أول المخلصين من أهل مكة.
٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ عِمْرَانُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً "
قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: سيدا وإلها وهو سيد كل أحد، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا [الأنعام: ١٦٤] لا تجني نفس ذنبا إلا أخذت به وكان إثمه على الجاني نفسه، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم.
فقيل: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] ولا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ [الأنعام: ١٦٥] هو الذي جعلكم يا أمة محمد، خلائف الأمم الماضية في الأرض بأن أهلكهم وأورثكم الأرض بعدهم، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الأنعام: ١٦٥]، في المعاش والغنى والرزق.
قاله الكلبي، ومقاتل، والسدي، لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام: ١٦٥] ليختبركم فيما رزقكم، والمعنى: ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب.
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ [الأنعام: ١٦٥] لأعدائه، يعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهلاك أعدائه وقتلهم، وإنه لغفور: لأوليائه، رحيم: بهم.
٣٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لاتَّكَلْتُمْ عَلَيْهَا وَمَا عَمِلْتُمْ إِلَّا قَلِيلا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَظَنَنْتُمْ أَنْ لا تَنْجُوا وَأَنْ لا يَنْفَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ»
الأنعام 6:165
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {١٦١ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ١٦٤ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ١٦٥ } [الأنعام: ١٦١-١٦٥] قوله: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا [الأنعام: ١٦١] قال الزجاج: أما نصب دينا فمحمول على المعنى، لأنه لما قال: هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: ١٦١] دل على عرفني، فكأنه قال: عرفني.
قوله: قيِّما قال ابن عباس: مستقيما، ومن قرأ: قِيَما فهو مصدر كالصغر والكبر والشبع، وذكرنا معنى قيما في أول [النساء، وقوله:] مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [سورة الأنعام: ١٦١] ملة بدل من دينا قيما، وحنيفا منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى: عرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته.
قوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام: ١٦٢] قال ابن عباس: يريد: ذبيحتي.
وقال مقاتل: حججي.
وقال الزجاج: كل ما تقربت به إلى الله تعالى، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح.
وقوله: وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي [الأنعام: ١٦٢] أي: حياتي وموتي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢] أي: هو يحييني ويميتني.
وقرأ نافع: ومحياي ساكنة الياء، وهو شاذ غير مستعمل لأن فيه جمعا بين الساكنين لا يلتقيان على هذا الوجه، قال الزجاج: أما ياء محياي فلا بد من فتحها لأن قبلها
ساكنا، ومثل هذا ما جوزه يونس من قوله: اضربنان زيدا، واضربنان زيدا، وسيبويه ينكر ذلك من قول يونس.
ومعنى الآية: أنه يخبر بأنه إنما يتوجه بالصلاة وسائر المناسك إلى الله تعالى، لا إلى غيره كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم، فأعلم أنه لله وحده، لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٣].
وقوله: وبذلك أمرت: قال ابن عباس: بذلك أوحي إلي.
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣] قال قتادة: أول المسلمين من هذه الأمة.
وقال مقاتل: أول المخلصين من أهل مكة.
٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ عِمْرَانُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً "
قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: سيدا وإلها وهو سيد كل أحد، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا [الأنعام: ١٦٤] لا تجني نفس ذنبا إلا أخذت به وكان إثمه على الجاني نفسه، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم.
فقيل: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] ولا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ [الأنعام: ١٦٥] هو الذي جعلكم يا أمة محمد، خلائف الأمم الماضية في الأرض بأن أهلكهم وأورثكم الأرض بعدهم، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الأنعام: ١٦٥]، في المعاش والغنى والرزق.
قاله الكلبي، ومقاتل، والسدي، لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام: ١٦٥] ليختبركم فيما رزقكم، والمعنى: ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب.
إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ [الأنعام: ١٦٥] لأعدائه، يعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهلاك أعدائه وقتلهم، وإنه لغفور: لأوليائه، رحيم: بهم.
٣٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لاتَّكَلْتُمْ عَلَيْهَا وَمَا عَمِلْتُمْ إِلَّا قَلِيلا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَظَنَنْتُمْ أَنْ لا تَنْجُوا وَأَنْ لا يَنْفَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ»
الأعراف 7:1
سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان أخبرنا الشيخ الإمام الصالح الزاهد أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الفرخاني السمناني، بعد أن قدم حاجا في شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رحمة الله عليه، في سنة ست وستين وأربع مائة، قال: تفسير سورة الأعراف
٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ سِتْرًا، وَكَانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم المص {١ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ٣ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٥ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩ } [الأعراف: ١-٩] المص: قال ابن عباس: «أنا الله أعلم وأفصل».
كتاب أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] قال ابن عباس: ضيق.
والمعنى: لا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به.
وقوله: لتنذر به قال الفراء: اللام في لتنذر، منظوم بقوله: أنزل على تقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين: ومواعظ للمصدقين.
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣] اتبعوا القرآن، قال الحسن: يابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله، والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت، وما معناها.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣] لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله، قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٣] قليلا يا معشر المشركين، تذكركم واتعاظكم، والأصل: تتذكرون، فادغمت التاء في الذال، وحذف حمزة التاء فخفف الذال، وقرأ ابن عامر: يتذكرون، بياء وتاء، أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
ثم خوفهم بإهلاك من كذب قبلهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤] يعني: أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤] عذابنا ليلا، يقال: بات يبيت بياتا وبَيَّتَهُ.
والبيات هنا مصدر يراد به الصفة، أي: جاءهم
يأسنا بائتين نائمين، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] القيلولة: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الزجاج: «جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا، فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم».
ومعنى الآية: إنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهو نائمون، أو نهارا وهو قائلون.
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [الأعراف: ٥] أي: دعاؤهم وتضرعهم، والدعوى: اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء، حكى سيبويه: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين».
وقوله: إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف: ٥] : ٤ قال ابن الأنباري: يقول لم يكن قولهم أن جاءهم العذاب، إلا الاعتراف بالظلم، والإقرار بالإساءة.
قوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] قال الضحاك: الذين أرسل إليهم: الأمم الذين أتاهم الرسل يسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم.
ولنسألن المرسلين يعني: الأنبياء، هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابكم قومكم؟ وقال السدي: تُسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ويُسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: لنخبرنهم بما عملوا مَنًّا، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧] عن الرسل والأمم، وما بلغت، وما رد عليهم قومهم.
قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] يعني يوم السؤال.
وعامة المفسرين: على أن المراد بهذا الوزن وزن أعمال العباد.
قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفه الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]، وهذا كقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وإنما قال موازينه على الجمع، لأن من في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
قوله: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٩] قال ابن عباس: يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ٩] بجحودهم بما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣٥٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا أَبِي، أنا عِصَامُ بْنُ طُلَيْقٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي حِجْرِي، فَقَطَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ الْقِيَامَةَ وَهَوْلَهَا، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ أَحَدٌ فِيهَا أَحَدًا إِلَّا نَفْسَهُ، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ»
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
الأعراف 7:2
سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان أخبرنا الشيخ الإمام الصالح الزاهد أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الفرخاني السمناني، بعد أن قدم حاجا في شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رحمة الله عليه، في سنة ست وستين وأربع مائة، قال: تفسير سورة الأعراف
٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ سِتْرًا، وَكَانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم المص {١ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ٣ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٥ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩ } [الأعراف: ١-٩] المص: قال ابن عباس: «أنا الله أعلم وأفصل».
كتاب أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] قال ابن عباس: ضيق.
والمعنى: لا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به.
وقوله: لتنذر به قال الفراء: اللام في لتنذر، منظوم بقوله: أنزل على تقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين: ومواعظ للمصدقين.
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣] اتبعوا القرآن، قال الحسن: يابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله، والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت، وما معناها.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣] لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله، قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٣] قليلا يا معشر المشركين، تذكركم واتعاظكم، والأصل: تتذكرون، فادغمت التاء في الذال، وحذف حمزة التاء فخفف الذال، وقرأ ابن عامر: يتذكرون، بياء وتاء، أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
ثم خوفهم بإهلاك من كذب قبلهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤] يعني: أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤] عذابنا ليلا، يقال: بات يبيت بياتا وبَيَّتَهُ.
والبيات هنا مصدر يراد به الصفة، أي: جاءهم
يأسنا بائتين نائمين، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] القيلولة: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الزجاج: «جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا، فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم».
ومعنى الآية: إنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهو نائمون، أو نهارا وهو قائلون.
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [الأعراف: ٥] أي: دعاؤهم وتضرعهم، والدعوى: اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء، حكى سيبويه: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين».
وقوله: إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف: ٥] : ٤ قال ابن الأنباري: يقول لم يكن قولهم أن جاءهم العذاب، إلا الاعتراف بالظلم، والإقرار بالإساءة.
قوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] قال الضحاك: الذين أرسل إليهم: الأمم الذين أتاهم الرسل يسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم.
ولنسألن المرسلين يعني: الأنبياء، هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابكم قومكم؟ وقال السدي: تُسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ويُسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: لنخبرنهم بما عملوا مَنًّا، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧] عن الرسل والأمم، وما بلغت، وما رد عليهم قومهم.
قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] يعني يوم السؤال.
وعامة المفسرين: على أن المراد بهذا الوزن وزن أعمال العباد.
قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفه الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]، وهذا كقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وإنما قال موازينه على الجمع، لأن من في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
قوله: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٩] قال ابن عباس: يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ٩] بجحودهم بما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣٥٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا أَبِي، أنا عِصَامُ بْنُ طُلَيْقٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي حِجْرِي، فَقَطَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ الْقِيَامَةَ وَهَوْلَهَا، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ أَحَدٌ فِيهَا أَحَدًا إِلَّا نَفْسَهُ، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ»
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
الأعراف 7:3
سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان أخبرنا الشيخ الإمام الصالح الزاهد أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الفرخاني السمناني، بعد أن قدم حاجا في شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رحمة الله عليه، في سنة ست وستين وأربع مائة، قال: تفسير سورة الأعراف
٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ سِتْرًا، وَكَانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم المص {١ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ٣ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٥ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩ } [الأعراف: ١-٩] المص: قال ابن عباس: «أنا الله أعلم وأفصل».
كتاب أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] قال ابن عباس: ضيق.
والمعنى: لا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به.
وقوله: لتنذر به قال الفراء: اللام في لتنذر، منظوم بقوله: أنزل على تقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين: ومواعظ للمصدقين.
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣] اتبعوا القرآن، قال الحسن: يابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله، والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت، وما معناها.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣] لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله، قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٣] قليلا يا معشر المشركين، تذكركم واتعاظكم، والأصل: تتذكرون، فادغمت التاء في الذال، وحذف حمزة التاء فخفف الذال، وقرأ ابن عامر: يتذكرون، بياء وتاء، أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
ثم خوفهم بإهلاك من كذب قبلهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤] يعني: أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤] عذابنا ليلا، يقال: بات يبيت بياتا وبَيَّتَهُ.
والبيات هنا مصدر يراد به الصفة، أي: جاءهم
يأسنا بائتين نائمين، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] القيلولة: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الزجاج: «جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا، فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم».
ومعنى الآية: إنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهو نائمون، أو نهارا وهو قائلون.
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [الأعراف: ٥] أي: دعاؤهم وتضرعهم، والدعوى: اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء، حكى سيبويه: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين».
وقوله: إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف: ٥] : ٤ قال ابن الأنباري: يقول لم يكن قولهم أن جاءهم العذاب، إلا الاعتراف بالظلم، والإقرار بالإساءة.
قوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] قال الضحاك: الذين أرسل إليهم: الأمم الذين أتاهم الرسل يسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم.
ولنسألن المرسلين يعني: الأنبياء، هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابكم قومكم؟ وقال السدي: تُسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ويُسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: لنخبرنهم بما عملوا مَنًّا، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧] عن الرسل والأمم، وما بلغت، وما رد عليهم قومهم.
قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] يعني يوم السؤال.
وعامة المفسرين: على أن المراد بهذا الوزن وزن أعمال العباد.
قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفه الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]، وهذا كقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وإنما قال موازينه على الجمع، لأن من في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
قوله: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٩] قال ابن عباس: يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ٩] بجحودهم بما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣٥٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا أَبِي، أنا عِصَامُ بْنُ طُلَيْقٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي حِجْرِي، فَقَطَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ الْقِيَامَةَ وَهَوْلَهَا، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ أَحَدٌ فِيهَا أَحَدًا إِلَّا نَفْسَهُ، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ»
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
الأعراف 7:4
سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان أخبرنا الشيخ الإمام الصالح الزاهد أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الفرخاني السمناني، بعد أن قدم حاجا في شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رحمة الله عليه، في سنة ست وستين وأربع مائة، قال: تفسير سورة الأعراف
٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ سِتْرًا، وَكَانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم المص {١ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ٣ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٥ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩ } [الأعراف: ١-٩] المص: قال ابن عباس: «أنا الله أعلم وأفصل».
كتاب أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] قال ابن عباس: ضيق.
والمعنى: لا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به.
وقوله: لتنذر به قال الفراء: اللام في لتنذر، منظوم بقوله: أنزل على تقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين: ومواعظ للمصدقين.
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣] اتبعوا القرآن، قال الحسن: يابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله، والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت، وما معناها.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣] لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله، قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٣] قليلا يا معشر المشركين، تذكركم واتعاظكم، والأصل: تتذكرون، فادغمت التاء في الذال، وحذف حمزة التاء فخفف الذال، وقرأ ابن عامر: يتذكرون، بياء وتاء، أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
ثم خوفهم بإهلاك من كذب قبلهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤] يعني: أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤] عذابنا ليلا، يقال: بات يبيت بياتا وبَيَّتَهُ.
والبيات هنا مصدر يراد به الصفة، أي: جاءهم
يأسنا بائتين نائمين، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] القيلولة: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الزجاج: «جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا، فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم».
ومعنى الآية: إنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهو نائمون، أو نهارا وهو قائلون.
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [الأعراف: ٥] أي: دعاؤهم وتضرعهم، والدعوى: اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء، حكى سيبويه: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين».
وقوله: إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف: ٥] : ٤ قال ابن الأنباري: يقول لم يكن قولهم أن جاءهم العذاب، إلا الاعتراف بالظلم، والإقرار بالإساءة.
قوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] قال الضحاك: الذين أرسل إليهم: الأمم الذين أتاهم الرسل يسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم.
ولنسألن المرسلين يعني: الأنبياء، هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابكم قومكم؟ وقال السدي: تُسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ويُسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: لنخبرنهم بما عملوا مَنًّا، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧] عن الرسل والأمم، وما بلغت، وما رد عليهم قومهم.
قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] يعني يوم السؤال.
وعامة المفسرين: على أن المراد بهذا الوزن وزن أعمال العباد.
قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفه الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]، وهذا كقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وإنما قال موازينه على الجمع، لأن من في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
قوله: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٩] قال ابن عباس: يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ٩] بجحودهم بما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣٥٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا أَبِي، أنا عِصَامُ بْنُ طُلَيْقٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي حِجْرِي، فَقَطَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ الْقِيَامَةَ وَهَوْلَهَا، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ أَحَدٌ فِيهَا أَحَدًا إِلَّا نَفْسَهُ، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ»
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
الأعراف 7:5
سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان أخبرنا الشيخ الإمام الصالح الزاهد أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الفرخاني السمناني، بعد أن قدم حاجا في شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رحمة الله عليه، في سنة ست وستين وأربع مائة، قال: تفسير سورة الأعراف
٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ سِتْرًا، وَكَانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم المص {١ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ٣ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٥ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩ } [الأعراف: ١-٩] المص: قال ابن عباس: «أنا الله أعلم وأفصل».
كتاب أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] قال ابن عباس: ضيق.
والمعنى: لا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به.
وقوله: لتنذر به قال الفراء: اللام في لتنذر، منظوم بقوله: أنزل على تقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين: ومواعظ للمصدقين.
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣] اتبعوا القرآن، قال الحسن: يابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله، والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت، وما معناها.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣] لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله، قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٣] قليلا يا معشر المشركين، تذكركم واتعاظكم، والأصل: تتذكرون، فادغمت التاء في الذال، وحذف حمزة التاء فخفف الذال، وقرأ ابن عامر: يتذكرون، بياء وتاء، أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
ثم خوفهم بإهلاك من كذب قبلهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤] يعني: أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤] عذابنا ليلا، يقال: بات يبيت بياتا وبَيَّتَهُ.
والبيات هنا مصدر يراد به الصفة، أي: جاءهم
يأسنا بائتين نائمين، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] القيلولة: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الزجاج: «جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا، فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم».
ومعنى الآية: إنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهو نائمون، أو نهارا وهو قائلون.
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [الأعراف: ٥] أي: دعاؤهم وتضرعهم، والدعوى: اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء، حكى سيبويه: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين».
وقوله: إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف: ٥] : ٤ قال ابن الأنباري: يقول لم يكن قولهم أن جاءهم العذاب، إلا الاعتراف بالظلم، والإقرار بالإساءة.
قوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] قال الضحاك: الذين أرسل إليهم: الأمم الذين أتاهم الرسل يسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم.
ولنسألن المرسلين يعني: الأنبياء، هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابكم قومكم؟ وقال السدي: تُسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ويُسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: لنخبرنهم بما عملوا مَنًّا، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧] عن الرسل والأمم، وما بلغت، وما رد عليهم قومهم.
قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] يعني يوم السؤال.
وعامة المفسرين: على أن المراد بهذا الوزن وزن أعمال العباد.
قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفه الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]، وهذا كقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وإنما قال موازينه على الجمع، لأن من في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
قوله: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٩] قال ابن عباس: يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ٩] بجحودهم بما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣٥٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا أَبِي، أنا عِصَامُ بْنُ طُلَيْقٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي حِجْرِي، فَقَطَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ الْقِيَامَةَ وَهَوْلَهَا، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ أَحَدٌ فِيهَا أَحَدًا إِلَّا نَفْسَهُ، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ»
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
الأعراف 7:6
سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان أخبرنا الشيخ الإمام الصالح الزاهد أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الفرخاني السمناني، بعد أن قدم حاجا في شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رحمة الله عليه، في سنة ست وستين وأربع مائة، قال: تفسير سورة الأعراف
٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ سِتْرًا، وَكَانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم المص {١ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ٣ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٥ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩ } [الأعراف: ١-٩] المص: قال ابن عباس: «أنا الله أعلم وأفصل».
كتاب أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] قال ابن عباس: ضيق.
والمعنى: لا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به.
وقوله: لتنذر به قال الفراء: اللام في لتنذر، منظوم بقوله: أنزل على تقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين: ومواعظ للمصدقين.
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣] اتبعوا القرآن، قال الحسن: يابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله، والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت، وما معناها.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣] لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله، قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٣] قليلا يا معشر المشركين، تذكركم واتعاظكم، والأصل: تتذكرون، فادغمت التاء في الذال، وحذف حمزة التاء فخفف الذال، وقرأ ابن عامر: يتذكرون، بياء وتاء، أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
ثم خوفهم بإهلاك من كذب قبلهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤] يعني: أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤] عذابنا ليلا، يقال: بات يبيت بياتا وبَيَّتَهُ.
والبيات هنا مصدر يراد به الصفة، أي: جاءهم
يأسنا بائتين نائمين، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] القيلولة: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الزجاج: «جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا، فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم».
ومعنى الآية: إنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهو نائمون، أو نهارا وهو قائلون.
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [الأعراف: ٥] أي: دعاؤهم وتضرعهم، والدعوى: اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء، حكى سيبويه: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين».
وقوله: إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف: ٥] : ٤ قال ابن الأنباري: يقول لم يكن قولهم أن جاءهم العذاب، إلا الاعتراف بالظلم، والإقرار بالإساءة.
قوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] قال الضحاك: الذين أرسل إليهم: الأمم الذين أتاهم الرسل يسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم.
ولنسألن المرسلين يعني: الأنبياء، هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابكم قومكم؟ وقال السدي: تُسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ويُسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: لنخبرنهم بما عملوا مَنًّا، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧] عن الرسل والأمم، وما بلغت، وما رد عليهم قومهم.
قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] يعني يوم السؤال.
وعامة المفسرين: على أن المراد بهذا الوزن وزن أعمال العباد.
قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفه الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]، وهذا كقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وإنما قال موازينه على الجمع، لأن من في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
قوله: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٩] قال ابن عباس: يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ٩] بجحودهم بما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣٥٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا أَبِي، أنا عِصَامُ بْنُ طُلَيْقٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي حِجْرِي، فَقَطَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ الْقِيَامَةَ وَهَوْلَهَا، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ أَحَدٌ فِيهَا أَحَدًا إِلَّا نَفْسَهُ، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ»
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
الأعراف 7:7
سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان أخبرنا الشيخ الإمام الصالح الزاهد أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الفرخاني السمناني، بعد أن قدم حاجا في شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رحمة الله عليه، في سنة ست وستين وأربع مائة، قال: تفسير سورة الأعراف
٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ سِتْرًا، وَكَانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم المص {١ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ٣ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٥ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩ } [الأعراف: ١-٩] المص: قال ابن عباس: «أنا الله أعلم وأفصل».
كتاب أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] قال ابن عباس: ضيق.
والمعنى: لا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به.
وقوله: لتنذر به قال الفراء: اللام في لتنذر، منظوم بقوله: أنزل على تقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين: ومواعظ للمصدقين.
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣] اتبعوا القرآن، قال الحسن: يابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله، والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت، وما معناها.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣] لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله، قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٣] قليلا يا معشر المشركين، تذكركم واتعاظكم، والأصل: تتذكرون، فادغمت التاء في الذال، وحذف حمزة التاء فخفف الذال، وقرأ ابن عامر: يتذكرون، بياء وتاء، أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
ثم خوفهم بإهلاك من كذب قبلهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤] يعني: أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤] عذابنا ليلا، يقال: بات يبيت بياتا وبَيَّتَهُ.
والبيات هنا مصدر يراد به الصفة، أي: جاءهم
يأسنا بائتين نائمين، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] القيلولة: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الزجاج: «جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا، فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم».
ومعنى الآية: إنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهو نائمون، أو نهارا وهو قائلون.
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [الأعراف: ٥] أي: دعاؤهم وتضرعهم، والدعوى: اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء، حكى سيبويه: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين».
وقوله: إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف: ٥] : ٤ قال ابن الأنباري: يقول لم يكن قولهم أن جاءهم العذاب، إلا الاعتراف بالظلم، والإقرار بالإساءة.
قوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] قال الضحاك: الذين أرسل إليهم: الأمم الذين أتاهم الرسل يسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم.
ولنسألن المرسلين يعني: الأنبياء، هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابكم قومكم؟ وقال السدي: تُسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ويُسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: لنخبرنهم بما عملوا مَنًّا، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧] عن الرسل والأمم، وما بلغت، وما رد عليهم قومهم.
قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] يعني يوم السؤال.
وعامة المفسرين: على أن المراد بهذا الوزن وزن أعمال العباد.
قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفه الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]، وهذا كقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وإنما قال موازينه على الجمع، لأن من في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
قوله: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٩] قال ابن عباس: يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ٩] بجحودهم بما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣٥٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا أَبِي، أنا عِصَامُ بْنُ طُلَيْقٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي حِجْرِي، فَقَطَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ الْقِيَامَةَ وَهَوْلَهَا، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ أَحَدٌ فِيهَا أَحَدًا إِلَّا نَفْسَهُ، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ»
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
الأعراف 7:8
سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان أخبرنا الشيخ الإمام الصالح الزاهد أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الفرخاني السمناني، بعد أن قدم حاجا في شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رحمة الله عليه، في سنة ست وستين وأربع مائة، قال: تفسير سورة الأعراف
٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ سِتْرًا، وَكَانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم المص {١ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ٣ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٥ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩ } [الأعراف: ١-٩] المص: قال ابن عباس: «أنا الله أعلم وأفصل».
كتاب أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] قال ابن عباس: ضيق.
والمعنى: لا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به.
وقوله: لتنذر به قال الفراء: اللام في لتنذر، منظوم بقوله: أنزل على تقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين: ومواعظ للمصدقين.
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣] اتبعوا القرآن، قال الحسن: يابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله، والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت، وما معناها.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣] لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله، قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٣] قليلا يا معشر المشركين، تذكركم واتعاظكم، والأصل: تتذكرون، فادغمت التاء في الذال، وحذف حمزة التاء فخفف الذال، وقرأ ابن عامر: يتذكرون، بياء وتاء، أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
ثم خوفهم بإهلاك من كذب قبلهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤] يعني: أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤] عذابنا ليلا، يقال: بات يبيت بياتا وبَيَّتَهُ.
والبيات هنا مصدر يراد به الصفة، أي: جاءهم
يأسنا بائتين نائمين، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] القيلولة: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الزجاج: «جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا، فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم».
ومعنى الآية: إنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهو نائمون، أو نهارا وهو قائلون.
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [الأعراف: ٥] أي: دعاؤهم وتضرعهم، والدعوى: اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء، حكى سيبويه: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين».
وقوله: إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف: ٥] : ٤ قال ابن الأنباري: يقول لم يكن قولهم أن جاءهم العذاب، إلا الاعتراف بالظلم، والإقرار بالإساءة.
قوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] قال الضحاك: الذين أرسل إليهم: الأمم الذين أتاهم الرسل يسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم.
ولنسألن المرسلين يعني: الأنبياء، هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابكم قومكم؟ وقال السدي: تُسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ويُسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: لنخبرنهم بما عملوا مَنًّا، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧] عن الرسل والأمم، وما بلغت، وما رد عليهم قومهم.
قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] يعني يوم السؤال.
وعامة المفسرين: على أن المراد بهذا الوزن وزن أعمال العباد.
قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفه الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]، وهذا كقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وإنما قال موازينه على الجمع، لأن من في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
قوله: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٩] قال ابن عباس: يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ٩] بجحودهم بما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣٥٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا أَبِي، أنا عِصَامُ بْنُ طُلَيْقٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي حِجْرِي، فَقَطَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ الْقِيَامَةَ وَهَوْلَهَا، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ أَحَدٌ فِيهَا أَحَدًا إِلَّا نَفْسَهُ، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ»
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
الأعراف 7:9
سورة الأعراف
مكية وآياتها ست ومائتان أخبرنا الشيخ الإمام الصالح الزاهد أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الفرخاني السمناني، بعد أن قدم حاجا في شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة، قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رحمة الله عليه، في سنة ست وستين وأربع مائة، قال: تفسير سورة الأعراف
٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ سِتْرًا، وَكَانَ آدَمُ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم المص {١ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ٣ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ٥ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ٧ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩ } [الأعراف: ١-٩] المص: قال ابن عباس: «أنا الله أعلم وأفصل».
كتاب أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ٢] قال ابن عباس: ضيق.
والمعنى: لا يضق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به.
وقوله: لتنذر به قال الفراء: اللام في لتنذر، منظوم بقوله: أنزل على تقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين: ومواعظ للمصدقين.
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣] اتبعوا القرآن، قال الحسن: يابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله، والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت، وما معناها.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف: ٣] لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله، قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٣] قليلا يا معشر المشركين، تذكركم واتعاظكم، والأصل: تتذكرون، فادغمت التاء في الذال، وحذف حمزة التاء فخفف الذال، وقرأ ابن عامر: يتذكرون، بياء وتاء، أي: قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
ثم خوفهم بإهلاك من كذب قبلهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤] يعني: أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤] عذابنا ليلا، يقال: بات يبيت بياتا وبَيَّتَهُ.
والبيات هنا مصدر يراد به الصفة، أي: جاءهم
يأسنا بائتين نائمين، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف: ٤] القيلولة: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الزجاج: «جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا، فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم».
ومعنى الآية: إنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلا وهو نائمون، أو نهارا وهو قائلون.
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [الأعراف: ٥] أي: دعاؤهم وتضرعهم، والدعوى: اسم يقوم مقام الادعاء والدعاء، حكى سيبويه: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين».
وقوله: إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأعراف: ٥] : ٤ قال ابن الأنباري: يقول لم يكن قولهم أن جاءهم العذاب، إلا الاعتراف بالظلم، والإقرار بالإساءة.
قوله: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الأعراف: ٦] قال الضحاك: الذين أرسل إليهم: الأمم الذين أتاهم الرسل يسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم.
ولنسألن المرسلين يعني: الأنبياء، هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابكم قومكم؟ وقال السدي: تُسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ويُسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: لنخبرنهم بما عملوا مَنًّا، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧] عن الرسل والأمم، وما بلغت، وما رد عليهم قومهم.
قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] يعني يوم السؤال.
وعامة المفسرين: على أن المراد بهذا الوزن وزن أعمال العباد.
قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفه الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨]، وهذا كقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وإنما قال موازينه على الجمع، لأن من في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ٨] بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
قوله: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [الأعراف: ٩] قال ابن عباس: يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه، فذلك قوله: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: ٩] بجحودهم بما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣٥٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، أنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا أَبِي، أنا عِصَامُ بْنُ طُلَيْقٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي حِجْرِي، فَقَطَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرْتُ الْقِيَامَةَ وَهَوْلَهَا، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهَالِيكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ أَحَدٌ فِيهَا أَحَدًا إِلَّا نَفْسَهُ، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَأْخُذُ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ»
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
الأعراف 7:10
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:11
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:12
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:13
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:14
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:15
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:16
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:17
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:18
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:19
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:20
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:21
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:22
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:23
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:24
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:25
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ {١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ١٧ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ١٨ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢٢ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣ قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ٢٥ } [الأعراف: ١٠-٢٥] قوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: ملكناكم في الأرض، يريد ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام، ومعنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة والخطاب لقريش، وكان الله تعالى قد فضلهم على العرب، وكانوا يتجرون فيما بين مكة والشام واليمن آمنين، ويكسبون الأموال، وهو قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ [الأعراف: ١٠] وهي جمع المعيش والمعيشة وهي ما يعاش به من المكاسب والتجارات، وقوله: قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠] قال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين لأنعمي ولا طائعين.
ولقد خلقناكم يعني: آدم، وإنما قال بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وفي خلقه خلق من يخرج من صلبه، ثم صورناكم يعني ذريته في ظهر آدم، كما روي: «إن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر».
ويجوز أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] آدم، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ثم صورناكم تصوير ذريته في الأرحام، لقوله: ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الأعراف: ١١] لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
قوله عز وجل: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] معنى هذا السؤال: التوبيخ لإبليس لعنه الله وإظهار
عناده للأمر، ولا في قوله: ألا تسجد: قال الفراء: هي صلة، والمعنى: ما منعك أن تسجد، ونحو هذا قال الكسائي، والزجاج.
وقوله: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] معناه: منعني من السجود له فضلي عليه، وأني خير منه، إذ كنت ناريا وكان طينيا، وهو قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢] قال ابن عباس: «كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس، لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص».
قوله تعالى: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا [الأعراف: ١٣] أي: أنزل من السماء فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [الأعراف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون.
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: ١٣] الأذلاء، قال الزجاج: إن إبليس استكبر بإبائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك.
قال فأنظرني: أمهلني وأخرني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٤] إلى يوم البعث، فأبى الله ذلك عليه، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر، وإن لم تبين في هذه ال [وهو قوله:] فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ {٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨ } [سورة الحجر: ٣٧-٣٨] وهو النفخة الأولى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: ١٦] قال ابن عباس: أضللتني.
وقال ابن الأنباري: أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء.
والباء للقسم، أي: بإغوائك إياي، والمعنى: بقدرتك علي ونفاذ سلطانك فيّ، لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، وهو دين الله الإسلام، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المأثم.
٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو الْجَبَّرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ النَّسَائِيُّ، نا
أَبُو النَّضْرِ، نا أَبُو عُقَيْلٍ، نا مُوسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ مَثَلُ الْفَرَسِ فِي الطُّولِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: هُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَاتَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ "
قوله: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني: من الدنيا، ومن خلفهم من الآخرة، أتاهم من بين أيديهم، فزين لهم الدنيا ودعاهم إليها، ومن خلفهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة، ولا نار.
وقوله: وعن أيمانهم، قال الوالبي عن ابن عباس: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم.
وهذا قول قتادة، قال: وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم أبطئهم عنها، وعن شمائلهم: أزين لهم السيئات والمعاصي، وأدعوهم إليها وآمرهم بها، أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى.
وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى هذه الجهات مبالغة في التوكيد، والمعنى: ثم لآتينهم من جميع الجهات.
وهو اختيار الزجاج، قال الزجاج: الحقيقة والله أعلم: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس: يريد أن أكثرهم لإبليس طائعون، ولله عاصون.
قوله تعالى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا [الأعراف: ١٨] قال الكلبي: من الجنة.
مذءوما: الذأم: الاحتقار، يقال: ذأمت الرجل، أذأمه.
إذا احتقرته وذممته وعبته، قال ابن قتيبة: مذءوما: مذموما بأبلغ الذم.
مدحورا: منفيا مطرودا، والدحر: الطرد والإبعاد.
وقوله: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الأعراف: ١٨] أي: من ولد آدم، واللام لام القسم، على تقدير: والله لمن تبعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] قال ابن عباس: لمن أطاعك منهم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: ١٨] يعني المشركين والمنافقين والكافرين وقرناءهم من الشياطين.
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الأعراف: ١٩] الآية مفسرة في [البقرة، وقوله:] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سورة الأعراف: ٢٠] الوسوسة حديث النفس، قال الله تعالى: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، والمعنى: حدثهما الشيطان في أنفسهما ليبدي لهما: هذه لام العاقبة، وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، وإنما كانت الوسوسة للمعصية، لا لظهور العورة، ولكن تأدت العاقبة إلى ذلك فصار كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] ليكون له عدوا.
وقوله: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا [الأعراف: ٢٠] أي: ما ستر، من الموارا ومنه قوله: يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١].
قال ابن عباس: كانا قد ألبسا ثوبا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب.
وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] لا تموتان إلى يوم القيامة، كما لا تموت الملائكة، والتقدير: إلا أن لا تكونا، وعند البصريين: إلا كراهة أن تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] أي: لا تموتان فتبقيان أبدا.
وقاسمهما: قال ابن عباس، وقتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وإنما يخدع المؤمن بالله تعالى، قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأن أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
وكان بعض أهل العلم يقول: «إنه من خادعنا بالله خدعنا».
وقوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] أي: إني
أنصح لكما من دعائكما إلى أكل هذه الشجرة.
قوله: فدلاهما بغرور التدلية: إرسال الدلو في البئر، والمعنى ههنا: غرهما وأطمعهما، قال الأزهري: " أصله تدلية العطشان في البئر ليروى من الماء، فلا يجد الماء، فيكون مدلى بالغرور، ثم وضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا، فيقال: دلاه إذا أطمعه في غير مطمع.
قال ابن عباس: غرهما باليمن، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا.
قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا [الأعراف: ٢٢] قال الكلبي: " فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فاستحييا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] يقال: طفق يفعل كذا: إذا أخذ في فعله، ومعنى يخصفان: يطبقان على أبدانهما الورق، وقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سؤاتهما.
وقال قتادة: أقبلا، وجعلا يرقعان، ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] قال عطاء: بلغني أن الله تعالى ناداهما: أفرارا مني يا آدم؟ قال: لا، بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك كاذبا.
وقوله: وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: ٢٢] قال ابن عباس: بيّن العداوة حيث أبى السجود لآدم، وقال: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] ثم أقرا على أنفسهما بالظلم: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف: ٢٣] الآية، وذكرنا أن هذه الكلمات التي كانت سبب قبول توبتهما، وقوله: قال اهبطوا إلى آخر الآية مفسر في [البقرة.
قوله تعالى:] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ [سورة الأعراف: ٢٥] الآية: قال الكلبي: في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث.
ولما ذكر عري آدم من علينا باللباس الذي يستر به العورة.
الأعراف 7:26
{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ ٢٦ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ٢٧ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ٢٨ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٠ } [الأعراف: ٢٦-٣٠] فقال: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ [الأعراف: ٢٦] قال صاحب النظم: إن الله تعالى أنزل المطر، فأنبت به النبات، فاتخذ الناس من النبات اللباس، فأوقع الإنزال على اللباس لما كان يسببه ما ينزل، وهو المطر، وقوله: وريشا، وقرئ: ورياشا، وهما المال والمعاش، قال أبو عبيدة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس.
وقال الفراء: يجوز أن يكون الرياش جمع ريش كما قالوا: لبس ولباس.
وقال زيد بن علي: اللباس: هذا الذي تلبسون، يواري سوءاتكم، والريش والرياش الذي تتجملون به من الثياب.
وقوله: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] قرئ: بالنصب والرفع، فمن قرأ بالنصب حمل على أنزل، من قوله: قد أنزلنا والمعنى على هذه القراءة هو أن يتقي الله، فيستر عورته فلا يطوف عاريا كفعل أهل الجاهلية.
قال ابن الأنباري: ولباس التقوى هو اللباس الأول، وإنما أعاده لما أخبر عنه بأنه خير من التعري، إذ كان جماعة من أهل
الجاهلية يتعبدون بالتعري في الطواف بالبيت.
ومن رفع: فعلى أنه مبتدأ، ومعناه على هذه القراءة ما قال قتادة، والسدي: لباس التقوى الإيمان.
وقال عطية: العمل الصالح.
وقال سعيد بن جبير: السمت الحسن.
وقال الكلبي: العفاف.
والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق له من اللباس والرياش للتجميل.
وقوله: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الأعراف: ٢٦] أي: إنزاله اللباس، وخلقه إياه مما يدل على التوحيد لعلهم يذكرون لكي يتعظوا.
قوله: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: لا يخدعنكم.
وعنه أيضا: لا يضلنكم.
كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٧] يعني: آدم وحواء يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا [الأعراف: ٢٧] أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك، لأنه كان بسبب منه، فأسند ذلك إليه، ليريهما سوءاتهما ليري آدم سوءة حواء، ويري حواء سوءة آدم، واللام في ليريهما لام العاقبة.
وقوله: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: هو وولده.
وقال ابن زيد: نسله.
وقال ابن قتيبة: أصحابه
وجنده.
وقال مجاهد: قبيلة الجن والشياطين.
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: إن الله تعالى جعلهم يجرون من ابن آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، كما قال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: ٥]، فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم.
وقال قتادة: والله إن عدوا يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة، إلا من عصمه الله.
وقوله: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧] قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ [مريم: ٨٣] الآية.
وقوله: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [الأعراف: ٢٨] قال ابن عباس، ومجاهد: يعني طوافهم بالبيت عراة رجالا ونساء.
وقال عطاء: يريد: الشرك.
وقال الزجاج: الفاحشة ما يشتد قبحه من الذنوب.
قوله: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: بلا إله إلا الله.
وقال الضحاك: بالتوحيد.
وقال السدي: بالعدل.
وقال الزجاج: هذا رد لقولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف: ٢٨].
وقوله: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ
مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٢٩] قال مجاهد، والسدي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف: ٢٩] وحدوه ولا تشركوا به شيئا، كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: يبعث المؤمن مؤمنا والكافر كافرا.
وقال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون.
وقال القرظي: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كإبليس والسحرة.
وهذا القول اختيار القفال، قال: بدأكم في الخلق شقيا وسعيدا، وكذلك تعودون على الشقاء والسعادة.
ويدل على صحة هذه الأقوال ما
٣٥٢ - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ شَيْخُ الإِسْلامِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أنا جَدِّي، أنا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، أنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ
وقال الحسن، ومجاهد: كما بدأكم، فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.
وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: احتج الله تعالى عليهم في إنكارهم البعث فقال: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.
واختاره أبو علي الفارسي، وقال: الآية من باب حذف المضاف، والتقدير: كما بدأ خلقكم، ثم حذف المضاف.
وقيل: كما بدأكم: قوله: تعودون معناه: يعود خلقكم، ثم حذف المضاف، وصارت المخاطبة في الفعل، فقيل: تعودون.
وقوله: فريقا هدى: قال ابن عباس: أرشد إلى دينه وهم أولياؤه.
الأعراف 7:27
{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ ٢٦ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ٢٧ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ٢٨ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٠ } [الأعراف: ٢٦-٣٠] فقال: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ [الأعراف: ٢٦] قال صاحب النظم: إن الله تعالى أنزل المطر، فأنبت به النبات، فاتخذ الناس من النبات اللباس، فأوقع الإنزال على اللباس لما كان يسببه ما ينزل، وهو المطر، وقوله: وريشا، وقرئ: ورياشا، وهما المال والمعاش، قال أبو عبيدة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس.
وقال الفراء: يجوز أن يكون الرياش جمع ريش كما قالوا: لبس ولباس.
وقال زيد بن علي: اللباس: هذا الذي تلبسون، يواري سوءاتكم، والريش والرياش الذي تتجملون به من الثياب.
وقوله: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] قرئ: بالنصب والرفع، فمن قرأ بالنصب حمل على أنزل، من قوله: قد أنزلنا والمعنى على هذه القراءة هو أن يتقي الله، فيستر عورته فلا يطوف عاريا كفعل أهل الجاهلية.
قال ابن الأنباري: ولباس التقوى هو اللباس الأول، وإنما أعاده لما أخبر عنه بأنه خير من التعري، إذ كان جماعة من أهل
الجاهلية يتعبدون بالتعري في الطواف بالبيت.
ومن رفع: فعلى أنه مبتدأ، ومعناه على هذه القراءة ما قال قتادة، والسدي: لباس التقوى الإيمان.
وقال عطية: العمل الصالح.
وقال سعيد بن جبير: السمت الحسن.
وقال الكلبي: العفاف.
والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق له من اللباس والرياش للتجميل.
وقوله: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الأعراف: ٢٦] أي: إنزاله اللباس، وخلقه إياه مما يدل على التوحيد لعلهم يذكرون لكي يتعظوا.
قوله: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: لا يخدعنكم.
وعنه أيضا: لا يضلنكم.
كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٧] يعني: آدم وحواء يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا [الأعراف: ٢٧] أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك، لأنه كان بسبب منه، فأسند ذلك إليه، ليريهما سوءاتهما ليري آدم سوءة حواء، ويري حواء سوءة آدم، واللام في ليريهما لام العاقبة.
وقوله: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: هو وولده.
وقال ابن زيد: نسله.
وقال ابن قتيبة: أصحابه
وجنده.
وقال مجاهد: قبيلة الجن والشياطين.
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: إن الله تعالى جعلهم يجرون من ابن آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، كما قال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: ٥]، فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم.
وقال قتادة: والله إن عدوا يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة، إلا من عصمه الله.
وقوله: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧] قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ [مريم: ٨٣] الآية.
وقوله: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [الأعراف: ٢٨] قال ابن عباس، ومجاهد: يعني طوافهم بالبيت عراة رجالا ونساء.
وقال عطاء: يريد: الشرك.
وقال الزجاج: الفاحشة ما يشتد قبحه من الذنوب.
قوله: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: بلا إله إلا الله.
وقال الضحاك: بالتوحيد.
وقال السدي: بالعدل.
وقال الزجاج: هذا رد لقولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف: ٢٨].
وقوله: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ
مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٢٩] قال مجاهد، والسدي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف: ٢٩] وحدوه ولا تشركوا به شيئا، كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: يبعث المؤمن مؤمنا والكافر كافرا.
وقال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون.
وقال القرظي: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كإبليس والسحرة.
وهذا القول اختيار القفال، قال: بدأكم في الخلق شقيا وسعيدا، وكذلك تعودون على الشقاء والسعادة.
ويدل على صحة هذه الأقوال ما
٣٥٢ - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ شَيْخُ الإِسْلامِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أنا جَدِّي، أنا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، أنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ
وقال الحسن، ومجاهد: كما بدأكم، فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.
وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: احتج الله تعالى عليهم في إنكارهم البعث فقال: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.
واختاره أبو علي الفارسي، وقال: الآية من باب حذف المضاف، والتقدير: كما بدأ خلقكم، ثم حذف المضاف.
وقيل: كما بدأكم: قوله: تعودون معناه: يعود خلقكم، ثم حذف المضاف، وصارت المخاطبة في الفعل، فقيل: تعودون.
وقوله: فريقا هدى: قال ابن عباس: أرشد إلى دينه وهم أولياؤه.
الأعراف 7:28
{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ ٢٦ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ٢٧ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ٢٨ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٠ } [الأعراف: ٢٦-٣٠] فقال: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ [الأعراف: ٢٦] قال صاحب النظم: إن الله تعالى أنزل المطر، فأنبت به النبات، فاتخذ الناس من النبات اللباس، فأوقع الإنزال على اللباس لما كان يسببه ما ينزل، وهو المطر، وقوله: وريشا، وقرئ: ورياشا، وهما المال والمعاش، قال أبو عبيدة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس.
وقال الفراء: يجوز أن يكون الرياش جمع ريش كما قالوا: لبس ولباس.
وقال زيد بن علي: اللباس: هذا الذي تلبسون، يواري سوءاتكم، والريش والرياش الذي تتجملون به من الثياب.
وقوله: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] قرئ: بالنصب والرفع، فمن قرأ بالنصب حمل على أنزل، من قوله: قد أنزلنا والمعنى على هذه القراءة هو أن يتقي الله، فيستر عورته فلا يطوف عاريا كفعل أهل الجاهلية.
قال ابن الأنباري: ولباس التقوى هو اللباس الأول، وإنما أعاده لما أخبر عنه بأنه خير من التعري، إذ كان جماعة من أهل
الجاهلية يتعبدون بالتعري في الطواف بالبيت.
ومن رفع: فعلى أنه مبتدأ، ومعناه على هذه القراءة ما قال قتادة، والسدي: لباس التقوى الإيمان.
وقال عطية: العمل الصالح.
وقال سعيد بن جبير: السمت الحسن.
وقال الكلبي: العفاف.
والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق له من اللباس والرياش للتجميل.
وقوله: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الأعراف: ٢٦] أي: إنزاله اللباس، وخلقه إياه مما يدل على التوحيد لعلهم يذكرون لكي يتعظوا.
قوله: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: لا يخدعنكم.
وعنه أيضا: لا يضلنكم.
كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٧] يعني: آدم وحواء يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا [الأعراف: ٢٧] أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك، لأنه كان بسبب منه، فأسند ذلك إليه، ليريهما سوءاتهما ليري آدم سوءة حواء، ويري حواء سوءة آدم، واللام في ليريهما لام العاقبة.
وقوله: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: هو وولده.
وقال ابن زيد: نسله.
وقال ابن قتيبة: أصحابه
وجنده.
وقال مجاهد: قبيلة الجن والشياطين.
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: إن الله تعالى جعلهم يجرون من ابن آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، كما قال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: ٥]، فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم.
وقال قتادة: والله إن عدوا يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة، إلا من عصمه الله.
وقوله: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧] قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ [مريم: ٨٣] الآية.
وقوله: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [الأعراف: ٢٨] قال ابن عباس، ومجاهد: يعني طوافهم بالبيت عراة رجالا ونساء.
وقال عطاء: يريد: الشرك.
وقال الزجاج: الفاحشة ما يشتد قبحه من الذنوب.
قوله: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: بلا إله إلا الله.
وقال الضحاك: بالتوحيد.
وقال السدي: بالعدل.
وقال الزجاج: هذا رد لقولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف: ٢٨].
وقوله: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ
مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٢٩] قال مجاهد، والسدي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف: ٢٩] وحدوه ولا تشركوا به شيئا، كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: يبعث المؤمن مؤمنا والكافر كافرا.
وقال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون.
وقال القرظي: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كإبليس والسحرة.
وهذا القول اختيار القفال، قال: بدأكم في الخلق شقيا وسعيدا، وكذلك تعودون على الشقاء والسعادة.
ويدل على صحة هذه الأقوال ما
٣٥٢ - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ شَيْخُ الإِسْلامِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أنا جَدِّي، أنا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، أنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ
وقال الحسن، ومجاهد: كما بدأكم، فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.
وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: احتج الله تعالى عليهم في إنكارهم البعث فقال: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.
واختاره أبو علي الفارسي، وقال: الآية من باب حذف المضاف، والتقدير: كما بدأ خلقكم، ثم حذف المضاف.
وقيل: كما بدأكم: قوله: تعودون معناه: يعود خلقكم، ثم حذف المضاف، وصارت المخاطبة في الفعل، فقيل: تعودون.
وقوله: فريقا هدى: قال ابن عباس: أرشد إلى دينه وهم أولياؤه.
الأعراف 7:29
{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ ٢٦ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ٢٧ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ٢٨ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٠ } [الأعراف: ٢٦-٣٠] فقال: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ [الأعراف: ٢٦] قال صاحب النظم: إن الله تعالى أنزل المطر، فأنبت به النبات، فاتخذ الناس من النبات اللباس، فأوقع الإنزال على اللباس لما كان يسببه ما ينزل، وهو المطر، وقوله: وريشا، وقرئ: ورياشا، وهما المال والمعاش، قال أبو عبيدة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس.
وقال الفراء: يجوز أن يكون الرياش جمع ريش كما قالوا: لبس ولباس.
وقال زيد بن علي: اللباس: هذا الذي تلبسون، يواري سوءاتكم، والريش والرياش الذي تتجملون به من الثياب.
وقوله: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] قرئ: بالنصب والرفع، فمن قرأ بالنصب حمل على أنزل، من قوله: قد أنزلنا والمعنى على هذه القراءة هو أن يتقي الله، فيستر عورته فلا يطوف عاريا كفعل أهل الجاهلية.
قال ابن الأنباري: ولباس التقوى هو اللباس الأول، وإنما أعاده لما أخبر عنه بأنه خير من التعري، إذ كان جماعة من أهل
الجاهلية يتعبدون بالتعري في الطواف بالبيت.
ومن رفع: فعلى أنه مبتدأ، ومعناه على هذه القراءة ما قال قتادة، والسدي: لباس التقوى الإيمان.
وقال عطية: العمل الصالح.
وقال سعيد بن جبير: السمت الحسن.
وقال الكلبي: العفاف.
والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق له من اللباس والرياش للتجميل.
وقوله: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الأعراف: ٢٦] أي: إنزاله اللباس، وخلقه إياه مما يدل على التوحيد لعلهم يذكرون لكي يتعظوا.
قوله: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: لا يخدعنكم.
وعنه أيضا: لا يضلنكم.
كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٧] يعني: آدم وحواء يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا [الأعراف: ٢٧] أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك، لأنه كان بسبب منه، فأسند ذلك إليه، ليريهما سوءاتهما ليري آدم سوءة حواء، ويري حواء سوءة آدم، واللام في ليريهما لام العاقبة.
وقوله: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: هو وولده.
وقال ابن زيد: نسله.
وقال ابن قتيبة: أصحابه
وجنده.
وقال مجاهد: قبيلة الجن والشياطين.
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: إن الله تعالى جعلهم يجرون من ابن آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، كما قال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: ٥]، فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم.
وقال قتادة: والله إن عدوا يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة، إلا من عصمه الله.
وقوله: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧] قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ [مريم: ٨٣] الآية.
وقوله: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [الأعراف: ٢٨] قال ابن عباس، ومجاهد: يعني طوافهم بالبيت عراة رجالا ونساء.
وقال عطاء: يريد: الشرك.
وقال الزجاج: الفاحشة ما يشتد قبحه من الذنوب.
قوله: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: بلا إله إلا الله.
وقال الضحاك: بالتوحيد.
وقال السدي: بالعدل.
وقال الزجاج: هذا رد لقولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف: ٢٨].
وقوله: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ
مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٢٩] قال مجاهد، والسدي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف: ٢٩] وحدوه ولا تشركوا به شيئا، كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: يبعث المؤمن مؤمنا والكافر كافرا.
وقال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون.
وقال القرظي: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كإبليس والسحرة.
وهذا القول اختيار القفال، قال: بدأكم في الخلق شقيا وسعيدا، وكذلك تعودون على الشقاء والسعادة.
ويدل على صحة هذه الأقوال ما
٣٥٢ - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ شَيْخُ الإِسْلامِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أنا جَدِّي، أنا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، أنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ
وقال الحسن، ومجاهد: كما بدأكم، فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.
وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: احتج الله تعالى عليهم في إنكارهم البعث فقال: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.
واختاره أبو علي الفارسي، وقال: الآية من باب حذف المضاف، والتقدير: كما بدأ خلقكم، ثم حذف المضاف.
وقيل: كما بدأكم: قوله: تعودون معناه: يعود خلقكم، ثم حذف المضاف، وصارت المخاطبة في الفعل، فقيل: تعودون.
وقوله: فريقا هدى: قال ابن عباس: أرشد إلى دينه وهم أولياؤه.
الأعراف 7:30
{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ ٢٦ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ٢٧ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ٢٨ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٠ } [الأعراف: ٢٦-٣٠] فقال: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ [الأعراف: ٢٦] قال صاحب النظم: إن الله تعالى أنزل المطر، فأنبت به النبات، فاتخذ الناس من النبات اللباس، فأوقع الإنزال على اللباس لما كان يسببه ما ينزل، وهو المطر، وقوله: وريشا، وقرئ: ورياشا، وهما المال والمعاش، قال أبو عبيدة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس.
وقال الفراء: يجوز أن يكون الرياش جمع ريش كما قالوا: لبس ولباس.
وقال زيد بن علي: اللباس: هذا الذي تلبسون، يواري سوءاتكم، والريش والرياش الذي تتجملون به من الثياب.
وقوله: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] قرئ: بالنصب والرفع، فمن قرأ بالنصب حمل على أنزل، من قوله: قد أنزلنا والمعنى على هذه القراءة هو أن يتقي الله، فيستر عورته فلا يطوف عاريا كفعل أهل الجاهلية.
قال ابن الأنباري: ولباس التقوى هو اللباس الأول، وإنما أعاده لما أخبر عنه بأنه خير من التعري، إذ كان جماعة من أهل
الجاهلية يتعبدون بالتعري في الطواف بالبيت.
ومن رفع: فعلى أنه مبتدأ، ومعناه على هذه القراءة ما قال قتادة، والسدي: لباس التقوى الإيمان.
وقال عطية: العمل الصالح.
وقال سعيد بن جبير: السمت الحسن.
وقال الكلبي: العفاف.
والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق له من اللباس والرياش للتجميل.
وقوله: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الأعراف: ٢٦] أي: إنزاله اللباس، وخلقه إياه مما يدل على التوحيد لعلهم يذكرون لكي يتعظوا.
قوله: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: لا يخدعنكم.
وعنه أيضا: لا يضلنكم.
كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٧] يعني: آدم وحواء يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا [الأعراف: ٢٧] أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك، لأنه كان بسبب منه، فأسند ذلك إليه، ليريهما سوءاتهما ليري آدم سوءة حواء، ويري حواء سوءة آدم، واللام في ليريهما لام العاقبة.
وقوله: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: هو وولده.
وقال ابن زيد: نسله.
وقال ابن قتيبة: أصحابه
وجنده.
وقال مجاهد: قبيلة الجن والشياطين.
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: ٢٧] قال ابن عباس: إن الله تعالى جعلهم يجرون من ابن آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، كما قال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: ٥]، فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم.
وقال قتادة: والله إن عدوا يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة، إلا من عصمه الله.
وقوله: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧] قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ [مريم: ٨٣] الآية.
وقوله: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [الأعراف: ٢٨] قال ابن عباس، ومجاهد: يعني طوافهم بالبيت عراة رجالا ونساء.
وقال عطاء: يريد: الشرك.
وقال الزجاج: الفاحشة ما يشتد قبحه من الذنوب.
قوله: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: بلا إله إلا الله.
وقال الضحاك: بالتوحيد.
وقال السدي: بالعدل.
وقال الزجاج: هذا رد لقولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف: ٢٨].
وقوله: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ
مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٢٩] قال مجاهد، والسدي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف: ٢٩] وحدوه ولا تشركوا به شيئا، كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] قال ابن عباس: يبعث المؤمن مؤمنا والكافر كافرا.
وقال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون.
وقال القرظي: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كإبليس والسحرة.
وهذا القول اختيار القفال، قال: بدأكم في الخلق شقيا وسعيدا، وكذلك تعودون على الشقاء والسعادة.
ويدل على صحة هذه الأقوال ما
٣٥٢ - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ شَيْخُ الإِسْلامِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أنا جَدِّي، أنا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، أنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ
وقال الحسن، ومجاهد: كما بدأكم، فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.
وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: احتج الله تعالى عليهم في إنكارهم البعث فقال: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.
واختاره أبو علي الفارسي، وقال: الآية من باب حذف المضاف، والتقدير: كما بدأ خلقكم، ثم حذف المضاف.
وقيل: كما بدأكم: قوله: تعودون معناه: يعود خلقكم، ثم حذف المضاف، وصارت المخاطبة في الفعل، فقيل: تعودون.
وقوله: فريقا هدى: قال ابن عباس: أرشد إلى دينه وهم أولياؤه.
الأعراف 7:31
وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف: ٣٠] وهم أولياء الشيطان، فخذلهم الله، فصاروا أولياء لإبليس، ومعنى: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف: ٣٠] أي: بالكلمة الأزلية، والإرادة السابقة.
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {٣١ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣٢ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ٣٣ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ٣٤ } [الأعراف: ٣١-٣٤] قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١]
٣٥٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، نا شُعْبَةُ، نا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةٌ، وَهِيَ تَقُولُ: الْيَوْمُ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَلْبَسُوا ثِيَابَهُمْ وَلا
يَتَعَرَّوْا
وقال الكلبي: الزينة ما وارى العورة عند كل مسجد كطواف أو صلاة.
وقال طاوس: لم يأمرهم بالحرير ولا الديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عريان، ففي ذلك يقول: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١].
وهذا قول جماعة المفسرين.
وقوله: وكلوا واشربوا كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل.
فقال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] بتحريم ما أحللت لكم من اللحم والدسم، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: ٣١] يعني: الكافرين الذين فعلوا ذلك.
قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [الأعراف: ٣٢] أي: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم؟ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢] يعني: ما حرموه على أنفسهم أيام حجهم من اللحم والدسم، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢] قال الفراء: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف: ٣٢] مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة.
وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين: شارك المسلمين المشركون في الطيبات في الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من خيار ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله تعالى الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء.
وقرأ نافع: خالصةٌ رفعا على أنه خبر بعد خبر كما تقول: زيد عاقل لبيب.
والمعنى: قل هي ثابتة للمؤمنين في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة.
قوله: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ [الأعراف: ٣٢] نبينها، لقوم يعلمون: أني أنا الله لا شريك لي.
قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: ٣٣] قال ابن عباس: يريد: سر الزنا وعلانيته.
والإثم: قال الضحاك: الذنب الذي لا حد فيه.
وقال السدي: الإثم المعصية.
وقال عطاء: يريد الخمر.
قال ابن الأنباري: الإثم لا يكون من أسماء الخمر، لأن العرب ما سمتها إثما قط، لا في الجاهلية ولا في الإسلام ولكن قد تكون الخمر داخلة تحت الإثم كقوله: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة: ٢١٩].
والبغي ظلم الناس وهو أن يطلب ما ليس له، و وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف: ٣٣] قال مقاتل: ما لم ينزل به كتابا فيه حجة بأن معه شريكا.
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣] يعني: من تحريم الحرث والأنعام.
في قول مقاتل، وقال غيره: هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين.
قوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [الأعراف: ٣٤] قال عطاء،
والحسن، وابن عباس: يعني أجل الهلاك والعذاب، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف: ٣٤] للعذاب لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا، وذلك حين سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العذاب، فأنزلت هذه الآية.
الأعراف 7:32
وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف: ٣٠] وهم أولياء الشيطان، فخذلهم الله، فصاروا أولياء لإبليس، ومعنى: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف: ٣٠] أي: بالكلمة الأزلية، والإرادة السابقة.
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {٣١ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣٢ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ٣٣ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ٣٤ } [الأعراف: ٣١-٣٤] قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١]
٣٥٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، نا شُعْبَةُ، نا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةٌ، وَهِيَ تَقُولُ: الْيَوْمُ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَلْبَسُوا ثِيَابَهُمْ وَلا
يَتَعَرَّوْا
وقال الكلبي: الزينة ما وارى العورة عند كل مسجد كطواف أو صلاة.
وقال طاوس: لم يأمرهم بالحرير ولا الديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عريان، ففي ذلك يقول: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١].
وهذا قول جماعة المفسرين.
وقوله: وكلوا واشربوا كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل.
فقال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] بتحريم ما أحللت لكم من اللحم والدسم، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: ٣١] يعني: الكافرين الذين فعلوا ذلك.
قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [الأعراف: ٣٢] أي: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم؟ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢] يعني: ما حرموه على أنفسهم أيام حجهم من اللحم والدسم، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢] قال الفراء: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف: ٣٢] مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة.
وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين: شارك المسلمين المشركون في الطيبات في الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من خيار ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله تعالى الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء.
وقرأ نافع: خالصةٌ رفعا على أنه خبر بعد خبر كما تقول: زيد عاقل لبيب.
والمعنى: قل هي ثابتة للمؤمنين في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة.
قوله: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ [الأعراف: ٣٢] نبينها، لقوم يعلمون: أني أنا الله لا شريك لي.
قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: ٣٣] قال ابن عباس: يريد: سر الزنا وعلانيته.
والإثم: قال الضحاك: الذنب الذي لا حد فيه.
وقال السدي: الإثم المعصية.
وقال عطاء: يريد الخمر.
قال ابن الأنباري: الإثم لا يكون من أسماء الخمر، لأن العرب ما سمتها إثما قط، لا في الجاهلية ولا في الإسلام ولكن قد تكون الخمر داخلة تحت الإثم كقوله: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة: ٢١٩].
والبغي ظلم الناس وهو أن يطلب ما ليس له، و وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف: ٣٣] قال مقاتل: ما لم ينزل به كتابا فيه حجة بأن معه شريكا.
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣] يعني: من تحريم الحرث والأنعام.
في قول مقاتل، وقال غيره: هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين.
قوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [الأعراف: ٣٤] قال عطاء،
والحسن، وابن عباس: يعني أجل الهلاك والعذاب، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف: ٣٤] للعذاب لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا، وذلك حين سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العذاب، فأنزلت هذه الآية.
الأعراف 7:33
وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف: ٣٠] وهم أولياء الشيطان، فخذلهم الله، فصاروا أولياء لإبليس، ومعنى: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف: ٣٠] أي: بالكلمة الأزلية، والإرادة السابقة.
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {٣١ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣٢ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ٣٣ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ٣٤ } [الأعراف: ٣١-٣٤] قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١]
٣٥٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، نا شُعْبَةُ، نا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةٌ، وَهِيَ تَقُولُ: الْيَوْمُ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَلْبَسُوا ثِيَابَهُمْ وَلا
يَتَعَرَّوْا
وقال الكلبي: الزينة ما وارى العورة عند كل مسجد كطواف أو صلاة.
وقال طاوس: لم يأمرهم بالحرير ولا الديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عريان، ففي ذلك يقول: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١].
وهذا قول جماعة المفسرين.
وقوله: وكلوا واشربوا كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل.
فقال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] بتحريم ما أحللت لكم من اللحم والدسم، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: ٣١] يعني: الكافرين الذين فعلوا ذلك.
قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [الأعراف: ٣٢] أي: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم؟ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢] يعني: ما حرموه على أنفسهم أيام حجهم من اللحم والدسم، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢] قال الفراء: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف: ٣٢] مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة.
وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين: شارك المسلمين المشركون في الطيبات في الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من خيار ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله تعالى الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء.
وقرأ نافع: خالصةٌ رفعا على أنه خبر بعد خبر كما تقول: زيد عاقل لبيب.
والمعنى: قل هي ثابتة للمؤمنين في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة.
قوله: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ [الأعراف: ٣٢] نبينها، لقوم يعلمون: أني أنا الله لا شريك لي.
قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: ٣٣] قال ابن عباس: يريد: سر الزنا وعلانيته.
والإثم: قال الضحاك: الذنب الذي لا حد فيه.
وقال السدي: الإثم المعصية.
وقال عطاء: يريد الخمر.
قال ابن الأنباري: الإثم لا يكون من أسماء الخمر، لأن العرب ما سمتها إثما قط، لا في الجاهلية ولا في الإسلام ولكن قد تكون الخمر داخلة تحت الإثم كقوله: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة: ٢١٩].
والبغي ظلم الناس وهو أن يطلب ما ليس له، و وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف: ٣٣] قال مقاتل: ما لم ينزل به كتابا فيه حجة بأن معه شريكا.
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣] يعني: من تحريم الحرث والأنعام.
في قول مقاتل، وقال غيره: هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين.
قوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [الأعراف: ٣٤] قال عطاء،
والحسن، وابن عباس: يعني أجل الهلاك والعذاب، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف: ٣٤] للعذاب لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا، وذلك حين سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العذاب، فأنزلت هذه الآية.
الأعراف 7:34
وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف: ٣٠] وهم أولياء الشيطان، فخذلهم الله، فصاروا أولياء لإبليس، ومعنى: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف: ٣٠] أي: بالكلمة الأزلية، والإرادة السابقة.
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {٣١ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣٢ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ٣٣ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ٣٤ } [الأعراف: ٣١-٣٤] قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١]
٣٥٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، نا شُعْبَةُ، نا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةٌ، وَهِيَ تَقُولُ: الْيَوْمُ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَلْبَسُوا ثِيَابَهُمْ وَلا
يَتَعَرَّوْا
وقال الكلبي: الزينة ما وارى العورة عند كل مسجد كطواف أو صلاة.
وقال طاوس: لم يأمرهم بالحرير ولا الديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عريان، ففي ذلك يقول: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١].
وهذا قول جماعة المفسرين.
وقوله: وكلوا واشربوا كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل.
فقال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] بتحريم ما أحللت لكم من اللحم والدسم، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: ٣١] يعني: الكافرين الذين فعلوا ذلك.
قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [الأعراف: ٣٢] أي: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم؟ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢] يعني: ما حرموه على أنفسهم أيام حجهم من اللحم والدسم، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢] قال الفراء: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف: ٣٢] مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة.
وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين: شارك المسلمين المشركون في الطيبات في الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من خيار ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله تعالى الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء.
وقرأ نافع: خالصةٌ رفعا على أنه خبر بعد خبر كما تقول: زيد عاقل لبيب.
والمعنى: قل هي ثابتة للمؤمنين في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة.
قوله: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ [الأعراف: ٣٢] نبينها، لقوم يعلمون: أني أنا الله لا شريك لي.
قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: ٣٣] قال ابن عباس: يريد: سر الزنا وعلانيته.
والإثم: قال الضحاك: الذنب الذي لا حد فيه.
وقال السدي: الإثم المعصية.
وقال عطاء: يريد الخمر.
قال ابن الأنباري: الإثم لا يكون من أسماء الخمر، لأن العرب ما سمتها إثما قط، لا في الجاهلية ولا في الإسلام ولكن قد تكون الخمر داخلة تحت الإثم كقوله: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة: ٢١٩].
والبغي ظلم الناس وهو أن يطلب ما ليس له، و وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف: ٣٣] قال مقاتل: ما لم ينزل به كتابا فيه حجة بأن معه شريكا.
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣] يعني: من تحريم الحرث والأنعام.
في قول مقاتل، وقال غيره: هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين.
قوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [الأعراف: ٣٤] قال عطاء،
والحسن، وابن عباس: يعني أجل الهلاك والعذاب، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف: ٣٤] للعذاب لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا، وذلك حين سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العذاب، فأنزلت هذه الآية.
الأعراف 7:35
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ {٣٥ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٣٦ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ٣٧ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ٣٨ وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ٣٩ } [الأعراف: ٣٥-٣٩] قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأعراف: ٣٥] قال ابن عباس: فرائضي وأحكامي.
فمن اتقى: قال: يريد: اتقاني، وخافني، وأصلح: ما بيني وبينه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ٣٥] إذا خاف الناس وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأعراف: ٣٥] إذا حزنوا، ثم ذكر المكذبين فقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ٣٦] الآية.
قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] أيّ ظلم أشنع من الكذب على الله؟ ومعنى افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: جعل له صاحبة وولدا وشريكا.
أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأعراف: ٣٧] بالقرآن، أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من العذاب، وقضي عليهم وهو سواد الوجه، وزرقة العيون.
قال عطية عن ابن عباس: كتب لمن يفتري على الله تعالى أن وجهه مسود واحتج بقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] وقال الربيع، وابن زيد، والقرظي: نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار والآجال، فإذا فنيت جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: يعني الملائكة يقبضون
أرواحهم.
قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: ٣٧] سؤال تبكيت وتقريع، قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا [الأعراف: ٣٧] بطلوا وذهبوا، وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧] اعترفوا عند معاينة الموت، وأقروا على أنفسهم بالكفر.
قوله تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ [الأعراف: ٣٨] أي: قال الله لهم ادخلوا في أمم، يعني: مع أمم كافرة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ [الأعراف: ٣٨] من هذه الأمم النار، لعنت أختها يعني التي تسبقها إلى النار، وهي أختها في الدين لا في النسب، قال ابن عباس: يريد: يلعنون من كان قبلهم.
وقال الزجاج: لعنت أختها لأنهم ضل بعضهم بإتباع بعض.
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا [الأعراف: ٣٨] تداركوا وتلاحقوا فيها جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ [الأعراف: ٣٨] يعني: آخرهم دخولا النار وهم الأتباع، لأولاهم دخولا النار وهم القادة والرؤساء: رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا [الأعراف: ٣٨] قال ابن عباس: لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها، فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [الأعراف: ٣٨] أَضْعِفْ عليهم العذاب، بأشد ما تعذبنا به، قال: الله تعالى: لكل ضعف أي: للتابع والمتبوع عذاب مضاعف، لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعا، وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٨] ما لكل فريق من الكافرين منكم من العذاب.
الأعراف 7:36
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ {٣٥ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٣٦ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ٣٧ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ٣٨ وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ٣٩ } [الأعراف: ٣٥-٣٩] قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأعراف: ٣٥] قال ابن عباس: فرائضي وأحكامي.
فمن اتقى: قال: يريد: اتقاني، وخافني، وأصلح: ما بيني وبينه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ٣٥] إذا خاف الناس وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأعراف: ٣٥] إذا حزنوا، ثم ذكر المكذبين فقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ٣٦] الآية.
قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] أيّ ظلم أشنع من الكذب على الله؟ ومعنى افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: جعل له صاحبة وولدا وشريكا.
أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأعراف: ٣٧] بالقرآن، أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من العذاب، وقضي عليهم وهو سواد الوجه، وزرقة العيون.
قال عطية عن ابن عباس: كتب لمن يفتري على الله تعالى أن وجهه مسود واحتج بقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] وقال الربيع، وابن زيد، والقرظي: نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار والآجال، فإذا فنيت جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: يعني الملائكة يقبضون
أرواحهم.
قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: ٣٧] سؤال تبكيت وتقريع، قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا [الأعراف: ٣٧] بطلوا وذهبوا، وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧] اعترفوا عند معاينة الموت، وأقروا على أنفسهم بالكفر.
قوله تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ [الأعراف: ٣٨] أي: قال الله لهم ادخلوا في أمم، يعني: مع أمم كافرة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ [الأعراف: ٣٨] من هذه الأمم النار، لعنت أختها يعني التي تسبقها إلى النار، وهي أختها في الدين لا في النسب، قال ابن عباس: يريد: يلعنون من كان قبلهم.
وقال الزجاج: لعنت أختها لأنهم ضل بعضهم بإتباع بعض.
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا [الأعراف: ٣٨] تداركوا وتلاحقوا فيها جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ [الأعراف: ٣٨] يعني: آخرهم دخولا النار وهم الأتباع، لأولاهم دخولا النار وهم القادة والرؤساء: رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا [الأعراف: ٣٨] قال ابن عباس: لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها، فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [الأعراف: ٣٨] أَضْعِفْ عليهم العذاب، بأشد ما تعذبنا به، قال: الله تعالى: لكل ضعف أي: للتابع والمتبوع عذاب مضاعف، لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعا، وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٨] ما لكل فريق من الكافرين منكم من العذاب.
الأعراف 7:37
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ {٣٥ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٣٦ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ٣٧ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ٣٨ وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ٣٩ } [الأعراف: ٣٥-٣٩] قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأعراف: ٣٥] قال ابن عباس: فرائضي وأحكامي.
فمن اتقى: قال: يريد: اتقاني، وخافني، وأصلح: ما بيني وبينه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ٣٥] إذا خاف الناس وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأعراف: ٣٥] إذا حزنوا، ثم ذكر المكذبين فقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ٣٦] الآية.
قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] أيّ ظلم أشنع من الكذب على الله؟ ومعنى افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: جعل له صاحبة وولدا وشريكا.
أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأعراف: ٣٧] بالقرآن، أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من العذاب، وقضي عليهم وهو سواد الوجه، وزرقة العيون.
قال عطية عن ابن عباس: كتب لمن يفتري على الله تعالى أن وجهه مسود واحتج بقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] وقال الربيع، وابن زيد، والقرظي: نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار والآجال، فإذا فنيت جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: يعني الملائكة يقبضون
أرواحهم.
قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: ٣٧] سؤال تبكيت وتقريع، قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا [الأعراف: ٣٧] بطلوا وذهبوا، وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧] اعترفوا عند معاينة الموت، وأقروا على أنفسهم بالكفر.
قوله تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ [الأعراف: ٣٨] أي: قال الله لهم ادخلوا في أمم، يعني: مع أمم كافرة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ [الأعراف: ٣٨] من هذه الأمم النار، لعنت أختها يعني التي تسبقها إلى النار، وهي أختها في الدين لا في النسب، قال ابن عباس: يريد: يلعنون من كان قبلهم.
وقال الزجاج: لعنت أختها لأنهم ضل بعضهم بإتباع بعض.
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا [الأعراف: ٣٨] تداركوا وتلاحقوا فيها جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ [الأعراف: ٣٨] يعني: آخرهم دخولا النار وهم الأتباع، لأولاهم دخولا النار وهم القادة والرؤساء: رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا [الأعراف: ٣٨] قال ابن عباس: لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها، فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [الأعراف: ٣٨] أَضْعِفْ عليهم العذاب، بأشد ما تعذبنا به، قال: الله تعالى: لكل ضعف أي: للتابع والمتبوع عذاب مضاعف، لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعا، وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٨] ما لكل فريق من الكافرين منكم من العذاب.
الأعراف 7:38
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ {٣٥ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٣٦ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ٣٧ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ٣٨ وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ٣٩ } [الأعراف: ٣٥-٣٩] قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأعراف: ٣٥] قال ابن عباس: فرائضي وأحكامي.
فمن اتقى: قال: يريد: اتقاني، وخافني، وأصلح: ما بيني وبينه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ٣٥] إذا خاف الناس وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأعراف: ٣٥] إذا حزنوا، ثم ذكر المكذبين فقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ٣٦] الآية.
قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] أيّ ظلم أشنع من الكذب على الله؟ ومعنى افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: جعل له صاحبة وولدا وشريكا.
أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأعراف: ٣٧] بالقرآن، أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من العذاب، وقضي عليهم وهو سواد الوجه، وزرقة العيون.
قال عطية عن ابن عباس: كتب لمن يفتري على الله تعالى أن وجهه مسود واحتج بقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] وقال الربيع، وابن زيد، والقرظي: نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار والآجال، فإذا فنيت جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: يعني الملائكة يقبضون
أرواحهم.
قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: ٣٧] سؤال تبكيت وتقريع، قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا [الأعراف: ٣٧] بطلوا وذهبوا، وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧] اعترفوا عند معاينة الموت، وأقروا على أنفسهم بالكفر.
قوله تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ [الأعراف: ٣٨] أي: قال الله لهم ادخلوا في أمم، يعني: مع أمم كافرة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ [الأعراف: ٣٨] من هذه الأمم النار، لعنت أختها يعني التي تسبقها إلى النار، وهي أختها في الدين لا في النسب، قال ابن عباس: يريد: يلعنون من كان قبلهم.
وقال الزجاج: لعنت أختها لأنهم ضل بعضهم بإتباع بعض.
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا [الأعراف: ٣٨] تداركوا وتلاحقوا فيها جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ [الأعراف: ٣٨] يعني: آخرهم دخولا النار وهم الأتباع، لأولاهم دخولا النار وهم القادة والرؤساء: رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا [الأعراف: ٣٨] قال ابن عباس: لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها، فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [الأعراف: ٣٨] أَضْعِفْ عليهم العذاب، بأشد ما تعذبنا به، قال: الله تعالى: لكل ضعف أي: للتابع والمتبوع عذاب مضاعف، لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعا، وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٨] ما لكل فريق من الكافرين منكم من العذاب.
الأعراف 7:39
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ {٣٥ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٣٦ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ٣٧ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ٣٨ وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ٣٩ } [الأعراف: ٣٥-٣٩] قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأعراف: ٣٥] قال ابن عباس: فرائضي وأحكامي.
فمن اتقى: قال: يريد: اتقاني، وخافني، وأصلح: ما بيني وبينه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ٣٥] إذا خاف الناس وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأعراف: ٣٥] إذا حزنوا، ثم ذكر المكذبين فقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ٣٦] الآية.
قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] أيّ ظلم أشنع من الكذب على الله؟ ومعنى افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: جعل له صاحبة وولدا وشريكا.
أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأعراف: ٣٧] بالقرآن، أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من العذاب، وقضي عليهم وهو سواد الوجه، وزرقة العيون.
قال عطية عن ابن عباس: كتب لمن يفتري على الله تعالى أن وجهه مسود واحتج بقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] وقال الربيع، وابن زيد، والقرظي: نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف: ٣٧] ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار والآجال، فإذا فنيت جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ [الأعراف: ٣٧] قال ابن عباس: يعني الملائكة يقبضون
أرواحهم.
قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: ٣٧] سؤال تبكيت وتقريع، قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا [الأعراف: ٣٧] بطلوا وذهبوا، وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧] اعترفوا عند معاينة الموت، وأقروا على أنفسهم بالكفر.
قوله تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ [الأعراف: ٣٨] أي: قال الله لهم ادخلوا في أمم، يعني: مع أمم كافرة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ [الأعراف: ٣٨] من هذه الأمم النار، لعنت أختها يعني التي تسبقها إلى النار، وهي أختها في الدين لا في النسب، قال ابن عباس: يريد: يلعنون من كان قبلهم.
وقال الزجاج: لعنت أختها لأنهم ضل بعضهم بإتباع بعض.
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا [الأعراف: ٣٨] تداركوا وتلاحقوا فيها جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ [الأعراف: ٣٨] يعني: آخرهم دخولا النار وهم الأتباع، لأولاهم دخولا النار وهم القادة والرؤساء: رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا [الأعراف: ٣٨] قال ابن عباس: لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها، فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [الأعراف: ٣٨] أَضْعِفْ عليهم العذاب، بأشد ما تعذبنا به، قال: الله تعالى: لكل ضعف أي: للتابع والمتبوع عذاب مضاعف، لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعا، وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٨] ما لكل فريق من الكافرين منكم من العذاب.
الأعراف 7:40
وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ [الأعراف: ٣٩] قالت الرؤساء للأتباع: فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ [الأعراف: ٣٩] تخفيف من العذاب، لأنكم كفرتم كما كفرنا.
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ {٤٠ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ٤١ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٤٢ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣ } [الأعراف: ٤٠-٤٣] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ٤٠] أي: بحججنا وأعلامنا التي تدل على نبوة الأنبياء، وتوحيد الله تعالى، واستكبروا عنها: ترفعوا عن الإيمان بها، والانقياد لها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف: ٤٠] أي: لدعائهم ولا لأعمالهم، ولا لشيء مما يريدون به الله تعالى، وقال الضحاك، عن ابن عباس: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المسلمين.
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف: ٤٠] الولوج: الدخول، والسم: ثقب الإبرة، والخياط: ما يخاط به، والمعنى: لا يدخلون الجنة أبدا، وذلك: أن الشيء إذا علق كونه بما لا يجوز كونه، استحال كونه، كما يقال: لا يكون هذا حتى يشيب الغراب ويبَيضّ القار.
وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف: ٤٠] ومثل ما وصفنا نجزي من كذب بآياتنا واستكبر عن الإيمان بها.
قوله: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ [الأعراف: ٤١] أي:
فراش، وهو كل ما يمهد: أي: يبسط ويفرش، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف: ٤١] وهي: كل ما يغشاك، أي: يسترك.
قال المفسرون: هذا إخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش ولحاف، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤١] قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا به، واتخذوا من دونه إلها.
قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأعراف: ٤٢] وسع الإنسان: ما يقدر عليه، وليس معنى الوسع بذل المجهود وأقصى الطاقة، والله تعالى لم يكلف العباد ما يشق ويتعذر عليهم ولكنه كلفهم ما يطيقون، ولا يعجزون عنه، وقد قال معاذ بن جبل في الآية: إلا يسرها، لا عسرها، ولو كلفها طاقتها لبلغت مجهودها.
وقوله: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأعراف: ٤٢] فصل بين الابتداء والخبر بما ليس بأجنبي، لأنه ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل مما يسعهم ولا يعسر عليهم.
قوله تعالى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣] النزع: قلع الشيء من مكانه، والغل: الحقد الكامن في الصدور، والمعنى: أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في الدنيا، وإلى هذا أشار علي رضي الله عنه، فقال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير من الذين قال الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣].
٣٥٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، نا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ فِي قَوْلِهِ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣] قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُخَلَّصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى
قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ.
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَحَدِهِمْ أَهْدَى بِمَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا»
وقوله: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣] إذا استقر أهل الجنة في منازلهم، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣] أي: لهذا الثواب، بما وفقنا له من العمل الذي أدى إلى هذا، وهذا معنى قول الزجاج: هدانا لما صيَّرنا إلى هذا.
وقوله: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣] دليل على أن المهتدي مَن هداه الله، وأن من لم يهده الله لم يهتد، وقوله: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٤٣] هذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا، قالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ [الأعراف: ٤٣] قيل لهم هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها في الدنيا، أورثتموها: أوتيتم ميراثا من الكفار بإيمانكم وكفرهم، وذلك أنه ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ثم يقال لأهل الكفر يوم القيامة بعد ما يرون منازلهم في الجنة: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله.
ثم يقال: يا أهل الجنة، رثوهم بما كنتم تعملون، فيقسم بين أهل الجنة منازلهم.
٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ الْمُطَوَّعِيُّ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ مِنَ النَّارِ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَرِثُ الْمُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ، وَالْمُؤْمِنُ يَرِثُ الْكَافِرَ مَنْزِلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ»
الأعراف 7:41
وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ [الأعراف: ٣٩] قالت الرؤساء للأتباع: فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ [الأعراف: ٣٩] تخفيف من العذاب، لأنكم كفرتم كما كفرنا.
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ {٤٠ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ٤١ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٤٢ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣ } [الأعراف: ٤٠-٤٣] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ٤٠] أي: بحججنا وأعلامنا التي تدل على نبوة الأنبياء، وتوحيد الله تعالى، واستكبروا عنها: ترفعوا عن الإيمان بها، والانقياد لها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف: ٤٠] أي: لدعائهم ولا لأعمالهم، ولا لشيء مما يريدون به الله تعالى، وقال الضحاك، عن ابن عباس: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المسلمين.
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف: ٤٠] الولوج: الدخول، والسم: ثقب الإبرة، والخياط: ما يخاط به، والمعنى: لا يدخلون الجنة أبدا، وذلك: أن الشيء إذا علق كونه بما لا يجوز كونه، استحال كونه، كما يقال: لا يكون هذا حتى يشيب الغراب ويبَيضّ القار.
وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف: ٤٠] ومثل ما وصفنا نجزي من كذب بآياتنا واستكبر عن الإيمان بها.
قوله: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ [الأعراف: ٤١] أي:
فراش، وهو كل ما يمهد: أي: يبسط ويفرش، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف: ٤١] وهي: كل ما يغشاك، أي: يسترك.
قال المفسرون: هذا إخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش ولحاف، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤١] قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا به، واتخذوا من دونه إلها.
قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأعراف: ٤٢] وسع الإنسان: ما يقدر عليه، وليس معنى الوسع بذل المجهود وأقصى الطاقة، والله تعالى لم يكلف العباد ما يشق ويتعذر عليهم ولكنه كلفهم ما يطيقون، ولا يعجزون عنه، وقد قال معاذ بن جبل في الآية: إلا يسرها، لا عسرها، ولو كلفها طاقتها لبلغت مجهودها.
وقوله: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأعراف: ٤٢] فصل بين الابتداء والخبر بما ليس بأجنبي، لأنه ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل مما يسعهم ولا يعسر عليهم.
قوله تعالى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣] النزع: قلع الشيء من مكانه، والغل: الحقد الكامن في الصدور، والمعنى: أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في الدنيا، وإلى هذا أشار علي رضي الله عنه، فقال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير من الذين قال الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣].
٣٥٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، نا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ فِي قَوْلِهِ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣] قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُخَلَّصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى
قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ.
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَحَدِهِمْ أَهْدَى بِمَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا»
وقوله: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣] إذا استقر أهل الجنة في منازلهم، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣] أي: لهذا الثواب، بما وفقنا له من العمل الذي أدى إلى هذا، وهذا معنى قول الزجاج: هدانا لما صيَّرنا إلى هذا.
وقوله: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣] دليل على أن المهتدي مَن هداه الله، وأن من لم يهده الله لم يهتد، وقوله: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٤٣] هذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا، قالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ [الأعراف: ٤٣] قيل لهم هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها في الدنيا، أورثتموها: أوتيتم ميراثا من الكفار بإيمانكم وكفرهم، وذلك أنه ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ثم يقال لأهل الكفر يوم القيامة بعد ما يرون منازلهم في الجنة: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله.
ثم يقال: يا أهل الجنة، رثوهم بما كنتم تعملون، فيقسم بين أهل الجنة منازلهم.
٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ الْمُطَوَّعِيُّ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ مِنَ النَّارِ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَرِثُ الْمُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ، وَالْمُؤْمِنُ يَرِثُ الْكَافِرَ مَنْزِلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ»
الأعراف 7:42
وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ [الأعراف: ٣٩] قالت الرؤساء للأتباع: فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ [الأعراف: ٣٩] تخفيف من العذاب، لأنكم كفرتم كما كفرنا.
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ {٤٠ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ٤١ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٤٢ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣ } [الأعراف: ٤٠-٤٣] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ٤٠] أي: بحججنا وأعلامنا التي تدل على نبوة الأنبياء، وتوحيد الله تعالى، واستكبروا عنها: ترفعوا عن الإيمان بها، والانقياد لها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف: ٤٠] أي: لدعائهم ولا لأعمالهم، ولا لشيء مما يريدون به الله تعالى، وقال الضحاك، عن ابن عباس: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المسلمين.
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف: ٤٠] الولوج: الدخول، والسم: ثقب الإبرة، والخياط: ما يخاط به، والمعنى: لا يدخلون الجنة أبدا، وذلك: أن الشيء إذا علق كونه بما لا يجوز كونه، استحال كونه، كما يقال: لا يكون هذا حتى يشيب الغراب ويبَيضّ القار.
وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف: ٤٠] ومثل ما وصفنا نجزي من كذب بآياتنا واستكبر عن الإيمان بها.
قوله: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ [الأعراف: ٤١] أي:
فراش، وهو كل ما يمهد: أي: يبسط ويفرش، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف: ٤١] وهي: كل ما يغشاك، أي: يسترك.
قال المفسرون: هذا إخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش ولحاف، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤١] قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا به، واتخذوا من دونه إلها.
قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأعراف: ٤٢] وسع الإنسان: ما يقدر عليه، وليس معنى الوسع بذل المجهود وأقصى الطاقة، والله تعالى لم يكلف العباد ما يشق ويتعذر عليهم ولكنه كلفهم ما يطيقون، ولا يعجزون عنه، وقد قال معاذ بن جبل في الآية: إلا يسرها، لا عسرها، ولو كلفها طاقتها لبلغت مجهودها.
وقوله: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأعراف: ٤٢] فصل بين الابتداء والخبر بما ليس بأجنبي، لأنه ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل مما يسعهم ولا يعسر عليهم.
قوله تعالى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣] النزع: قلع الشيء من مكانه، والغل: الحقد الكامن في الصدور، والمعنى: أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في الدنيا، وإلى هذا أشار علي رضي الله عنه، فقال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير من الذين قال الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣].
٣٥٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، نا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ فِي قَوْلِهِ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣] قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُخَلَّصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى
قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ.
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَحَدِهِمْ أَهْدَى بِمَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا»
وقوله: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣] إذا استقر أهل الجنة في منازلهم، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣] أي: لهذا الثواب، بما وفقنا له من العمل الذي أدى إلى هذا، وهذا معنى قول الزجاج: هدانا لما صيَّرنا إلى هذا.
وقوله: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣] دليل على أن المهتدي مَن هداه الله، وأن من لم يهده الله لم يهتد، وقوله: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٤٣] هذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا، قالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ [الأعراف: ٤٣] قيل لهم هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها في الدنيا، أورثتموها: أوتيتم ميراثا من الكفار بإيمانكم وكفرهم، وذلك أنه ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ثم يقال لأهل الكفر يوم القيامة بعد ما يرون منازلهم في الجنة: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله.
ثم يقال: يا أهل الجنة، رثوهم بما كنتم تعملون، فيقسم بين أهل الجنة منازلهم.
٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ الْمُطَوَّعِيُّ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ مِنَ النَّارِ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَرِثُ الْمُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ، وَالْمُؤْمِنُ يَرِثُ الْكَافِرَ مَنْزِلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ»
الأعراف 7:43
وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ [الأعراف: ٣٩] قالت الرؤساء للأتباع: فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ [الأعراف: ٣٩] تخفيف من العذاب، لأنكم كفرتم كما كفرنا.
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ {٤٠ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ٤١ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٤٢ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣ } [الأعراف: ٤٠-٤٣] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ٤٠] أي: بحججنا وأعلامنا التي تدل على نبوة الأنبياء، وتوحيد الله تعالى، واستكبروا عنها: ترفعوا عن الإيمان بها، والانقياد لها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف: ٤٠] أي: لدعائهم ولا لأعمالهم، ولا لشيء مما يريدون به الله تعالى، وقال الضحاك، عن ابن عباس: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المسلمين.
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف: ٤٠] الولوج: الدخول، والسم: ثقب الإبرة، والخياط: ما يخاط به، والمعنى: لا يدخلون الجنة أبدا، وذلك: أن الشيء إذا علق كونه بما لا يجوز كونه، استحال كونه، كما يقال: لا يكون هذا حتى يشيب الغراب ويبَيضّ القار.
وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف: ٤٠] ومثل ما وصفنا نجزي من كذب بآياتنا واستكبر عن الإيمان بها.
قوله: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ [الأعراف: ٤١] أي:
فراش، وهو كل ما يمهد: أي: يبسط ويفرش، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف: ٤١] وهي: كل ما يغشاك، أي: يسترك.
قال المفسرون: هذا إخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش ولحاف، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤١] قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا به، واتخذوا من دونه إلها.
قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأعراف: ٤٢] وسع الإنسان: ما يقدر عليه، وليس معنى الوسع بذل المجهود وأقصى الطاقة، والله تعالى لم يكلف العباد ما يشق ويتعذر عليهم ولكنه كلفهم ما يطيقون، ولا يعجزون عنه، وقد قال معاذ بن جبل في الآية: إلا يسرها، لا عسرها، ولو كلفها طاقتها لبلغت مجهودها.
وقوله: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [الأعراف: ٤٢] فصل بين الابتداء والخبر بما ليس بأجنبي، لأنه ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل مما يسعهم ولا يعسر عليهم.
قوله تعالى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣] النزع: قلع الشيء من مكانه، والغل: الحقد الكامن في الصدور، والمعنى: أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في الدنيا، وإلى هذا أشار علي رضي الله عنه، فقال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير من الذين قال الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣].
٣٥٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، نا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ فِي قَوْلِهِ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣] قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُخَلَّصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى
قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ.
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَحَدِهِمْ أَهْدَى بِمَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا»
وقوله: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣] إذا استقر أهل الجنة في منازلهم، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣] أي: لهذا الثواب، بما وفقنا له من العمل الذي أدى إلى هذا، وهذا معنى قول الزجاج: هدانا لما صيَّرنا إلى هذا.
وقوله: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣] دليل على أن المهتدي مَن هداه الله، وأن من لم يهده الله لم يهتد، وقوله: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٤٣] هذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا، قالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ [الأعراف: ٤٣] قيل لهم هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها في الدنيا، أورثتموها: أوتيتم ميراثا من الكفار بإيمانكم وكفرهم، وذلك أنه ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ثم يقال لأهل الكفر يوم القيامة بعد ما يرون منازلهم في الجنة: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله.
ثم يقال: يا أهل الجنة، رثوهم بما كنتم تعملون، فيقسم بين أهل الجنة منازلهم.
٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ الْمُطَوَّعِيُّ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ مِنَ النَّارِ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَرِثُ الْمُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ، وَالْمُؤْمِنُ يَرِثُ الْكَافِرَ مَنْزِلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ»
الأعراف 7:44
فذلك قوله: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: ٤٣] قال ابن عباس: توحدون الله تعالى وتقومون بفرائضه.
وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ {٤٤ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ٤٥ } [الأعراف: ٤٤-٤٥] قوله: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا [الأعراف: ٤٤] قال ابن عباس: وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقا.
فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الأعراف: ٤٤] وهذا سؤال تعيير وتقرير، قالوا نعم، وقرأ الكسائي: نعِم بكسر العين، وهما لغتان في بعض الكلام، والمعروف بفتح العين، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ [الأعراف: ٤٤] فنادى مناد أسمع الفريقين: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٤] وقرئ مخففا: أن لعنة الله رفعا، على معنى أنه لعنةُ الله، ثم حذف الإضمار وخففت، كقوله: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ١٠]، ثم وصف الظالمين فقال الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأعراف: ٤٥] يمنعون الناس عن طاعة الله، ويبغونها عوجا: قال ابن عباس: يصلون لغير الله، ويعظمون ما لم يعظمه الله.
وهم بالآخرة أي: بالدار الآخرة والمصير إلى الله كافرون.
الأعراف 7:45
فذلك قوله: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: ٤٣] قال ابن عباس: توحدون الله تعالى وتقومون بفرائضه.
وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ {٤٤ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ٤٥ } [الأعراف: ٤٤-٤٥] قوله: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا [الأعراف: ٤٤] قال ابن عباس: وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقا.
فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الأعراف: ٤٤] وهذا سؤال تعيير وتقرير، قالوا نعم، وقرأ الكسائي: نعِم بكسر العين، وهما لغتان في بعض الكلام، والمعروف بفتح العين، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ [الأعراف: ٤٤] فنادى مناد أسمع الفريقين: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٤] وقرئ مخففا: أن لعنة الله رفعا، على معنى أنه لعنةُ الله، ثم حذف الإضمار وخففت، كقوله: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس: ١٠]، ثم وصف الظالمين فقال الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأعراف: ٤٥] يمنعون الناس عن طاعة الله، ويبغونها عوجا: قال ابن عباس: يصلون لغير الله، ويعظمون ما لم يعظمه الله.
وهم بالآخرة أي: بالدار الآخرة والمصير إلى الله كافرون.
الأعراف 7:46
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ {٤٦ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٤٧ } [الأعراف: ٤٦-٤٧] وبينهما يعني: بين أهل الجنة وأهل النار حجاب: وهو الأعراف التي قال الله تعالى فيها: وعلى
الأعراف: وهي جمع عرف وهو كل عال مرتفع، قال ابن عباس: يريد سور الجنة، وهو سور بين الجنة والنار.
وقوله: رجال قال ابن عباس والمفسرون: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فمنعتهم حسناتهم من النار ومنعتهم سيئاتهم من الجنة، فيقومون على سور الجنة، ثم يدخلهم الله الجنة برحمته، وهم آخر من يدخل الجنة.
وقوله: يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ [الأعراف: ٤٦] يعرفون أصحاب الجنة ببياض وجوههم، وأهل النار بسواد وجوههم، لأن موضعهم مرتفع، فهم يرون الفريقين، وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الأعراف: ٤٦] إذا نظروا إلى أهل الجنة سلموا عليهم، لم يدخلوها: لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون: في دخولها.
قال حذيفة: لم يكن الله ليخيب طمعهم.
وقال الحسن: والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم.
الأعراف 7:47
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ {٤٦ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٤٧ } [الأعراف: ٤٦-٤٧] وبينهما يعني: بين أهل الجنة وأهل النار حجاب: وهو الأعراف التي قال الله تعالى فيها: وعلى
الأعراف: وهي جمع عرف وهو كل عال مرتفع، قال ابن عباس: يريد سور الجنة، وهو سور بين الجنة والنار.
وقوله: رجال قال ابن عباس والمفسرون: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فمنعتهم حسناتهم من النار ومنعتهم سيئاتهم من الجنة، فيقومون على سور الجنة، ثم يدخلهم الله الجنة برحمته، وهم آخر من يدخل الجنة.
وقوله: يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ [الأعراف: ٤٦] يعرفون أصحاب الجنة ببياض وجوههم، وأهل النار بسواد وجوههم، لأن موضعهم مرتفع، فهم يرون الفريقين، وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الأعراف: ٤٦] إذا نظروا إلى أهل الجنة سلموا عليهم، لم يدخلوها: لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون: في دخولها.
قال حذيفة: لم يكن الله ليخيب طمعهم.
وقال الحسن: والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم.
الأعراف 7:48
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ [الأعراف: ٤٧] التلقاء: جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة، يقال: هو تلقاؤك كقولك هو حذاؤك، قال الكلبي: إذا نظروا إلى أهل النار تعوذوا بالله منها، وقالوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٧].
وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ {٤٨ أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ٤٩ } [الأعراف: ٤٨-٤٩] قوله: وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [الأعراف: ٤٨] ينادي أصحاب الأعراف قوما من أهل النار رؤساء المشركين، فيقولون لهم: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ [الأعراف: ٤٨] الأموال واستكبارهم عن عبادة الله ثم يرون في الجنة جماعة من ضعفاء المسلمين وفقراءهم، وهم: مثل بلال، صهيب، عمار، خباب، فيقولون للمشركين: أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ [الأعراف: ٤٩] حلفتم وأنتم في الدنيا: لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ [الأعراف: ٤٩]، وهذا استفهام إنكار، ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ [الأعراف: ٤٩] حين يخاف أهل النار، وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف: ٤٩] حين يحزنون.
الأعراف 7:49
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ [الأعراف: ٤٧] التلقاء: جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة، يقال: هو تلقاؤك كقولك هو حذاؤك، قال الكلبي: إذا نظروا إلى أهل النار تعوذوا بالله منها، وقالوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٧].
وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ {٤٨ أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ٤٩ } [الأعراف: ٤٨-٤٩] قوله: وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [الأعراف: ٤٨] ينادي أصحاب الأعراف قوما من أهل النار رؤساء المشركين، فيقولون لهم: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ [الأعراف: ٤٨] الأموال واستكبارهم عن عبادة الله ثم يرون في الجنة جماعة من ضعفاء المسلمين وفقراءهم، وهم: مثل بلال، صهيب، عمار، خباب، فيقولون للمشركين: أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ [الأعراف: ٤٩] حلفتم وأنتم في الدنيا: لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ [الأعراف: ٤٩]، وهذا استفهام إنكار، ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ [الأعراف: ٤٩] حين يخاف أهل النار، وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف: ٤٩] حين يحزنون.
الأعراف 7:50
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ {٥٠ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ٥١ } [الأعراف: ٥٠-٥١] قوله: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٥٠] الآية: قال عطاء، عن ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس، فقالوا: يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة، فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فنظروا إلى قرابتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم، فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قرابتهم من أهل جهنم، فلم يعرفوهم، قد اسودت وجوههم، وصاروا خلقا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف: ٥٠] قال السدي، وابن زيد: يعني: الطعام، قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب وإن كان معذبا.
فأعلمهم أهل الجنة أن الله حرم طعامهم وشرابهم على أهل النار بقولهم: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف: ٥٠]، وهذا تحريم منع، لا تحريم تعبد.
٣٥٦ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْمَارَوْدِيُّ، أنا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدُوَيْهِ، نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
مَنْصُورٍ الشِّيعِيُّ، نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، نا مُوسَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، نا أَبُو مُوسَى الصَّفَّارُ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ سُئِلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الْمَاءُ، أَمَا رَأَيْتَ أَهْلَ النَّارِ لَمَّا اسْتَغَاثُوا بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالُوا: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ "
٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَجَاءٍ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، نا أَبُو قُبَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: مَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ بَاعَدَهُ اللَّهُ بِهَا مِنَ النَّارِ بِقَدْرِ شَوْطِ فَرَسٍ
٣٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سَمَاعَةَ الْحَضْرَمِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ سَقَى شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ، حَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، أَعْطَاهُ اللَّهُ بِكُلِّ شَرْبَةٍ سَبْعِينَ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَإِذَا سَقَاهَا حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ عَشْرَ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف: ٥٠] قال: ينادي الرجل أخاه: يا أخي، قد احترقت فأغثني، فيقول: إن الله حرمهما على الكافرين.
٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عُمَرَ النَّيْسَابُورِيُّ، أنا حَمْزَةُ بْنُ شَبِيبٍ الْمَعْمَرِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أنا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقَرَظِيُّ، بَلَغَنِي، أَنَّهُ لَمَّا اشْتَكَى أَبُو طَالِبٍ شَكْوَاهُ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، قَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَرْسِلْ إِلَى ابْنِ أَخِيكَ، فَيُرْسِلُ إِلَيْكَ مِنْ هَذِهِ الْجَنَّةِ الَّتِي ذَكَرَ شَيْئًا يَكُونُ لَكَ شِفَاءً، فَخَرَجَ الرَّسُولُ، حَتَّى وَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ جَالِسًا مَعَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَمَّكَ يَقُولُ لَكَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي كَبِيرٌ ضَعِيفٌ سَقِيمٌ، فَأَرْسِلْ إِلَيَّ مِنْ جَنَّتِكَ هَذِهِ الَّتِي تَذْكُرُ مِنْ طَعَامِهَا وَشَرَابِهَا شَيْئًا يَكُونُ لِي فِيهِ شِفَاءٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ: بَلَّغْتُ مُحَمَّدًا الَّذِي أَرْسَلْتُمُونِي بِهِ فَلَمْ يَجْرِ إِلَيَّ شَيْئًا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ، فَحَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى أَرْسَلَ رَسُولا مِنْ عِنْدِهِ، فَوَجَدَهُ الرَّسُول فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ طَعَامَهَا وَشَرَابَهَا»
قوله: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا [الأعراف: ٥١] قال ابن عباس: يريد: المستهزئين، والمعنى: تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم، واستهزءوا به، فاليوم ننساهم: قال ابن عباس: نتركهم في جهنم.
كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف: ٥١] كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، يعني: تركهم العمل بطاعة الله لذلك اليوم، وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [الأعراف: ٥١]، ما: في موضع جر، بالعطف على ما في قوله كانوا، وما بمعنى المصدر، أي: ولجحودهم بآياتنا.
الأعراف 7:51
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ {٥٠ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ٥١ } [الأعراف: ٥٠-٥١] قوله: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٥٠] الآية: قال عطاء، عن ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس، فقالوا: يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة، فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فنظروا إلى قرابتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم، فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قرابتهم من أهل جهنم، فلم يعرفوهم، قد اسودت وجوههم، وصاروا خلقا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف: ٥٠] قال السدي، وابن زيد: يعني: الطعام، قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب وإن كان معذبا.
فأعلمهم أهل الجنة أن الله حرم طعامهم وشرابهم على أهل النار بقولهم: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف: ٥٠]، وهذا تحريم منع، لا تحريم تعبد.
٣٥٦ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْمَارَوْدِيُّ، أنا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدُوَيْهِ، نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
مَنْصُورٍ الشِّيعِيُّ، نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، نا مُوسَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، نا أَبُو مُوسَى الصَّفَّارُ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ سُئِلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الْمَاءُ، أَمَا رَأَيْتَ أَهْلَ النَّارِ لَمَّا اسْتَغَاثُوا بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالُوا: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ "
٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَجَاءٍ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، نا أَبُو قُبَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: مَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ بَاعَدَهُ اللَّهُ بِهَا مِنَ النَّارِ بِقَدْرِ شَوْطِ فَرَسٍ
٣٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سَمَاعَةَ الْحَضْرَمِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ سَقَى شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ، حَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، أَعْطَاهُ اللَّهُ بِكُلِّ شَرْبَةٍ سَبْعِينَ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَإِذَا سَقَاهَا حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ عَشْرَ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف: ٥٠] قال: ينادي الرجل أخاه: يا أخي، قد احترقت فأغثني، فيقول: إن الله حرمهما على الكافرين.
٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عُمَرَ النَّيْسَابُورِيُّ، أنا حَمْزَةُ بْنُ شَبِيبٍ الْمَعْمَرِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أنا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقَرَظِيُّ، بَلَغَنِي، أَنَّهُ لَمَّا اشْتَكَى أَبُو طَالِبٍ شَكْوَاهُ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، قَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَرْسِلْ إِلَى ابْنِ أَخِيكَ، فَيُرْسِلُ إِلَيْكَ مِنْ هَذِهِ الْجَنَّةِ الَّتِي ذَكَرَ شَيْئًا يَكُونُ لَكَ شِفَاءً، فَخَرَجَ الرَّسُولُ، حَتَّى وَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ جَالِسًا مَعَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَمَّكَ يَقُولُ لَكَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي كَبِيرٌ ضَعِيفٌ سَقِيمٌ، فَأَرْسِلْ إِلَيَّ مِنْ جَنَّتِكَ هَذِهِ الَّتِي تَذْكُرُ مِنْ طَعَامِهَا وَشَرَابِهَا شَيْئًا يَكُونُ لِي فِيهِ شِفَاءٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ: بَلَّغْتُ مُحَمَّدًا الَّذِي أَرْسَلْتُمُونِي بِهِ فَلَمْ يَجْرِ إِلَيَّ شَيْئًا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ، فَحَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى أَرْسَلَ رَسُولا مِنْ عِنْدِهِ، فَوَجَدَهُ الرَّسُول فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ طَعَامَهَا وَشَرَابَهَا»
قوله: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا [الأعراف: ٥١] قال ابن عباس: يريد: المستهزئين، والمعنى: تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم، واستهزءوا به، فاليوم ننساهم: قال ابن عباس: نتركهم في جهنم.
كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف: ٥١] كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، يعني: تركهم العمل بطاعة الله لذلك اليوم، وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [الأعراف: ٥١]، ما: في موضع جر، بالعطف على ما في قوله كانوا، وما بمعنى المصدر، أي: ولجحودهم بآياتنا.
الأعراف 7:52
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ {٥٢ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ٥٣ } [الأعراف: ٥٢-٥٣] قوله: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ [الأعراف: ٥٢] يعني القرآن، فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ [الأعراف: ٥٢] بيناه بعلم لم يقع منا فيه سهو ولا غلط، هدى ورحمة: قال الزجاج: أي: فصلناه هاديا وذا رحمة لقوم يؤمنون: به، وهذا يدل على أن القرآن جعل هدى لقوم أريد به هدايتهم دون غيرهم ممن كذب به، قوله: هل ينظرون أي: ما ينظرون إلا تأويله، يريد: عاقبته، وما وعد الله فيه من البعث والنشور، والعقاب والحساب، والمعنى: كأنهم ينتظرون ذلك وإن كانوا جاحدين،
لأنه يأتيهم لا محالة.
وقوله: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف: ٥٣] قال ابن عباس: يريد يوم القيامة.
يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ [الأعراف: ٥٣] أي: تركوا العمل له، والأيمان به من قبل مجيئه.
قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣] آمنوا وصدقوا حين لا ينفعهم ذلك، فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا [الأعراف: ٥٣] يطلبون شافعا يشفع لهم، أو: هل نرد: إلى الدنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [الأعراف: ٥٣] نوحد الله ونؤمن برسله.
قال الله تعالى: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٥٣] أهلكوها بالعذاب وصاروا إلى الخزي، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأعراف: ٥٣] سقط عنهم ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها آخر.
الأعراف 7:53
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ {٥٢ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ٥٣ } [الأعراف: ٥٢-٥٣] قوله: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ [الأعراف: ٥٢] يعني القرآن، فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ [الأعراف: ٥٢] بيناه بعلم لم يقع منا فيه سهو ولا غلط، هدى ورحمة: قال الزجاج: أي: فصلناه هاديا وذا رحمة لقوم يؤمنون: به، وهذا يدل على أن القرآن جعل هدى لقوم أريد به هدايتهم دون غيرهم ممن كذب به، قوله: هل ينظرون أي: ما ينظرون إلا تأويله، يريد: عاقبته، وما وعد الله فيه من البعث والنشور، والعقاب والحساب، والمعنى: كأنهم ينتظرون ذلك وإن كانوا جاحدين،
لأنه يأتيهم لا محالة.
وقوله: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف: ٥٣] قال ابن عباس: يريد يوم القيامة.
يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ [الأعراف: ٥٣] أي: تركوا العمل له، والأيمان به من قبل مجيئه.
قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣] آمنوا وصدقوا حين لا ينفعهم ذلك، فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا [الأعراف: ٥٣] يطلبون شافعا يشفع لهم، أو: هل نرد: إلى الدنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [الأعراف: ٥٣] نوحد الله ونؤمن برسله.
قال الله تعالى: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: ٥٣] أهلكوها بالعذاب وصاروا إلى الخزي، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأعراف: ٥٣] سقط عنهم ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها آخر.
الأعراف 7:54
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {٥٤ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٥٧ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ٥٨ } [الأعراف: ٥٤-٥٨] قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الأعراف: ٥٤] قال المفسرون: أراد في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف يكون يوم ولا شمس ولا سماء.
وهذا معنى قول مجاهد: إن ذلك رتب على الأيام الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة فاجتمع الخلق فيه.
قال ابن الأنباري: أراد الله أن يوقع في كل يوم أمرا من خلقه، تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له.
وقوله ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض.
وهذا قول
الفراء، وأبي العباس، والزجاج، وقال آخرون: استوى معناه: استولى، واحتجوا بقول البعيث:ثم استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
وخص العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات.
وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف: ٥٤]، وقرئ: بالتشديد والإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، قال الزجاج: والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه، ولم يقل: ويغشي النهار الليل، لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا كما قال: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد للعلم به، وقوله: يطلبه حثيثا: الحثيث: المعجل السريع، يقال: حثثت فلانا إذا أمرته بالعجلة، قال ابن عباس: يطلب الليل النهار لا غفلة له.
والمعنى: أن الليل يستمر في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب التأخر عن وقته.
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف: ٥٤] أي: وخلق هذه الأشياء جاريات في مجاريها بأمر الله تعالى، ومعنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وسير وأفول على حسب إرادة المدبر فيهم، وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الاستئناف، أَلا لَهُ الْخَلْقُ [الأعراف: ٥٤] لأنه خلقهم، والأمر، له أن يأمر في خلقه بما يشاء، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] قال ابن عباس: تبارك الله، أي: ارتفع، والمتبارك: المرتفع.
وقال ابن الأنباري: تبارك الله: باسمه يتبرك في كل شيء.
وقال أهل المعاني: تبارك الله، استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال.
وقوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] التضرع: التذلل والتخشع والخفية خلاف العلانية، ويقال: خِفية بالكسر، والسنة والأدب في الدعاء أن يكون خفيا لهذه الآية، ولما روي: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي».
وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد أدركنا أقواما ما كان وجه الأرض من عمل ويقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله سبحانه يقول ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] وأن الله ذكر عبدا صالحا، ورضي فعله، فقال: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم: ٣].
قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥] أي: بالجهر في الدعاء.
قاله الكلبي، ومعنى المعتدين: المجاوزين ما أمروا به.
وقوله: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ [الأعراف: ٥٦] قال المفسرون: الإفساد في الأرض: العمل فيها بالمعاصي وسفك الدماء.
وقوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا معنى قول الحسن، والسدي، والضحاك، والكلبي، وقال عطية: معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم.
وعلى هذا معنى قوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب، وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف: ٥٦] قال ابن عباس: خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه.
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] قال الزجاج: إنما قيل قريب لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد.
ونحو هذا قال الأخفش.
وأما الرحمة بمعنى الإنعام، فلذلك ذكر، وقال سيعد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب.
وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير، كقوله: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥].
قوله: وهو الذي يرسل الرياح نشرا جمع نشور، مثل رسول ورسل، والنشور بمعنى المنشر، كالركوب بمعنى المركوب، يقال: أنشر الله الريح، فنشرت.
أي: أحياها، فحييت، وخفف ابن عامر العين فقرأ: نشرا، كما يقال: كتب ورسل، وقرأ حمزة: نشرا وهو مصدر نشرت الشيء ضد طويته، والمراد بالمصدر المفعول، أرسلها الله منشورة بعد انطوائها، وقرأ عاصم بشرا بالباء جمع بشور، أي: تبشر بالمطر والرحمة، من قوله: يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا [الأعراف: ٥٧].
وقوله: {بَيْنَ يَدَيْ
رَحْمَتِهِ} [الأعراف: ٥٧] قال الكلبي: قدام مطره، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به.
حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ [الأعراف: ٥٧] أي: حملت هذه الرياح سحابا ثقالا: بما فيها من الماء، يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله، سُقْنَاهُ [الأعراف: ٥٧] سقنا السحاب لبلد ميت: قال ابن الأنباري: إلى بلد يحتاج إلى المطر لانقطاعها عنه، فأنزلنا به: بذلك البلد الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ [الأعراف: ٥٧] بذلك الماء مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى [الأعراف: ٥٧] نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات كإحياء الأرض بالنبات، لعلكم تذكرون: قال الزجاج: لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد الله، وأنه قادر على بعث الأموات.
قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨] الآية: قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة، وبالأرض السبخة الملحة، شبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله، وانتفع به، فبان أثره عليه بالبلد الطيب، إذ كان البلد الطيب يمرع يخصب، ويحسن أثر المطر عليه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن، ولا يؤثر فيه أثرا محمودا بالبلد الخبيث إذ كان لا يمرع، ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه.
وقوله: والذي خبث: قال الكلبي: هو السبخة من الأرض.
لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا [الأعراف: ٥٨] النكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير، والمصدر النكد، يقال: نكد نكدا فهو نكد وأنكد.
الأعراف 7:55
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {٥٤ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٥٧ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ٥٨ } [الأعراف: ٥٤-٥٨] قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الأعراف: ٥٤] قال المفسرون: أراد في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف يكون يوم ولا شمس ولا سماء.
وهذا معنى قول مجاهد: إن ذلك رتب على الأيام الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة فاجتمع الخلق فيه.
قال ابن الأنباري: أراد الله أن يوقع في كل يوم أمرا من خلقه، تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له.
وقوله ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض.
وهذا قول
الفراء، وأبي العباس، والزجاج، وقال آخرون: استوى معناه: استولى، واحتجوا بقول البعيث:ثم استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
وخص العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات.
وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف: ٥٤]، وقرئ: بالتشديد والإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، قال الزجاج: والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه، ولم يقل: ويغشي النهار الليل، لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا كما قال: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد للعلم به، وقوله: يطلبه حثيثا: الحثيث: المعجل السريع، يقال: حثثت فلانا إذا أمرته بالعجلة، قال ابن عباس: يطلب الليل النهار لا غفلة له.
والمعنى: أن الليل يستمر في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب التأخر عن وقته.
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف: ٥٤] أي: وخلق هذه الأشياء جاريات في مجاريها بأمر الله تعالى، ومعنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وسير وأفول على حسب إرادة المدبر فيهم، وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الاستئناف، أَلا لَهُ الْخَلْقُ [الأعراف: ٥٤] لأنه خلقهم، والأمر، له أن يأمر في خلقه بما يشاء، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] قال ابن عباس: تبارك الله، أي: ارتفع، والمتبارك: المرتفع.
وقال ابن الأنباري: تبارك الله: باسمه يتبرك في كل شيء.
وقال أهل المعاني: تبارك الله، استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال.
وقوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] التضرع: التذلل والتخشع والخفية خلاف العلانية، ويقال: خِفية بالكسر، والسنة والأدب في الدعاء أن يكون خفيا لهذه الآية، ولما روي: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي».
وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد أدركنا أقواما ما كان وجه الأرض من عمل ويقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله سبحانه يقول ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] وأن الله ذكر عبدا صالحا، ورضي فعله، فقال: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم: ٣].
قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥] أي: بالجهر في الدعاء.
قاله الكلبي، ومعنى المعتدين: المجاوزين ما أمروا به.
وقوله: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ [الأعراف: ٥٦] قال المفسرون: الإفساد في الأرض: العمل فيها بالمعاصي وسفك الدماء.
وقوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا معنى قول الحسن، والسدي، والضحاك، والكلبي، وقال عطية: معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم.
وعلى هذا معنى قوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب، وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف: ٥٦] قال ابن عباس: خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه.
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] قال الزجاج: إنما قيل قريب لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد.
ونحو هذا قال الأخفش.
وأما الرحمة بمعنى الإنعام، فلذلك ذكر، وقال سيعد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب.
وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير، كقوله: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥].
قوله: وهو الذي يرسل الرياح نشرا جمع نشور، مثل رسول ورسل، والنشور بمعنى المنشر، كالركوب بمعنى المركوب، يقال: أنشر الله الريح، فنشرت.
أي: أحياها، فحييت، وخفف ابن عامر العين فقرأ: نشرا، كما يقال: كتب ورسل، وقرأ حمزة: نشرا وهو مصدر نشرت الشيء ضد طويته، والمراد بالمصدر المفعول، أرسلها الله منشورة بعد انطوائها، وقرأ عاصم بشرا بالباء جمع بشور، أي: تبشر بالمطر والرحمة، من قوله: يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا [الأعراف: ٥٧].
وقوله: {بَيْنَ يَدَيْ
رَحْمَتِهِ} [الأعراف: ٥٧] قال الكلبي: قدام مطره، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به.
حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ [الأعراف: ٥٧] أي: حملت هذه الرياح سحابا ثقالا: بما فيها من الماء، يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله، سُقْنَاهُ [الأعراف: ٥٧] سقنا السحاب لبلد ميت: قال ابن الأنباري: إلى بلد يحتاج إلى المطر لانقطاعها عنه، فأنزلنا به: بذلك البلد الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ [الأعراف: ٥٧] بذلك الماء مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى [الأعراف: ٥٧] نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات كإحياء الأرض بالنبات، لعلكم تذكرون: قال الزجاج: لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد الله، وأنه قادر على بعث الأموات.
قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨] الآية: قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة، وبالأرض السبخة الملحة، شبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله، وانتفع به، فبان أثره عليه بالبلد الطيب، إذ كان البلد الطيب يمرع يخصب، ويحسن أثر المطر عليه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن، ولا يؤثر فيه أثرا محمودا بالبلد الخبيث إذ كان لا يمرع، ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه.
وقوله: والذي خبث: قال الكلبي: هو السبخة من الأرض.
لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا [الأعراف: ٥٨] النكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير، والمصدر النكد، يقال: نكد نكدا فهو نكد وأنكد.
الأعراف 7:56
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {٥٤ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٥٧ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ٥٨ } [الأعراف: ٥٤-٥٨] قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الأعراف: ٥٤] قال المفسرون: أراد في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف يكون يوم ولا شمس ولا سماء.
وهذا معنى قول مجاهد: إن ذلك رتب على الأيام الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة فاجتمع الخلق فيه.
قال ابن الأنباري: أراد الله أن يوقع في كل يوم أمرا من خلقه، تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له.
وقوله ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض.
وهذا قول
الفراء، وأبي العباس، والزجاج، وقال آخرون: استوى معناه: استولى، واحتجوا بقول البعيث:ثم استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
وخص العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات.
وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف: ٥٤]، وقرئ: بالتشديد والإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، قال الزجاج: والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه، ولم يقل: ويغشي النهار الليل، لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا كما قال: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد للعلم به، وقوله: يطلبه حثيثا: الحثيث: المعجل السريع، يقال: حثثت فلانا إذا أمرته بالعجلة، قال ابن عباس: يطلب الليل النهار لا غفلة له.
والمعنى: أن الليل يستمر في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب التأخر عن وقته.
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف: ٥٤] أي: وخلق هذه الأشياء جاريات في مجاريها بأمر الله تعالى، ومعنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وسير وأفول على حسب إرادة المدبر فيهم، وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الاستئناف، أَلا لَهُ الْخَلْقُ [الأعراف: ٥٤] لأنه خلقهم، والأمر، له أن يأمر في خلقه بما يشاء، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] قال ابن عباس: تبارك الله، أي: ارتفع، والمتبارك: المرتفع.
وقال ابن الأنباري: تبارك الله: باسمه يتبرك في كل شيء.
وقال أهل المعاني: تبارك الله، استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال.
وقوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] التضرع: التذلل والتخشع والخفية خلاف العلانية، ويقال: خِفية بالكسر، والسنة والأدب في الدعاء أن يكون خفيا لهذه الآية، ولما روي: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي».
وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد أدركنا أقواما ما كان وجه الأرض من عمل ويقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله سبحانه يقول ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] وأن الله ذكر عبدا صالحا، ورضي فعله، فقال: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم: ٣].
قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥] أي: بالجهر في الدعاء.
قاله الكلبي، ومعنى المعتدين: المجاوزين ما أمروا به.
وقوله: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ [الأعراف: ٥٦] قال المفسرون: الإفساد في الأرض: العمل فيها بالمعاصي وسفك الدماء.
وقوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا معنى قول الحسن، والسدي، والضحاك، والكلبي، وقال عطية: معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم.
وعلى هذا معنى قوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب، وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف: ٥٦] قال ابن عباس: خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه.
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] قال الزجاج: إنما قيل قريب لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد.
ونحو هذا قال الأخفش.
وأما الرحمة بمعنى الإنعام، فلذلك ذكر، وقال سيعد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب.
وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير، كقوله: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥].
قوله: وهو الذي يرسل الرياح نشرا جمع نشور، مثل رسول ورسل، والنشور بمعنى المنشر، كالركوب بمعنى المركوب، يقال: أنشر الله الريح، فنشرت.
أي: أحياها، فحييت، وخفف ابن عامر العين فقرأ: نشرا، كما يقال: كتب ورسل، وقرأ حمزة: نشرا وهو مصدر نشرت الشيء ضد طويته، والمراد بالمصدر المفعول، أرسلها الله منشورة بعد انطوائها، وقرأ عاصم بشرا بالباء جمع بشور، أي: تبشر بالمطر والرحمة، من قوله: يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا [الأعراف: ٥٧].
وقوله: {بَيْنَ يَدَيْ
رَحْمَتِهِ} [الأعراف: ٥٧] قال الكلبي: قدام مطره، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به.
حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ [الأعراف: ٥٧] أي: حملت هذه الرياح سحابا ثقالا: بما فيها من الماء، يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله، سُقْنَاهُ [الأعراف: ٥٧] سقنا السحاب لبلد ميت: قال ابن الأنباري: إلى بلد يحتاج إلى المطر لانقطاعها عنه، فأنزلنا به: بذلك البلد الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ [الأعراف: ٥٧] بذلك الماء مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى [الأعراف: ٥٧] نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات كإحياء الأرض بالنبات، لعلكم تذكرون: قال الزجاج: لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد الله، وأنه قادر على بعث الأموات.
قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨] الآية: قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة، وبالأرض السبخة الملحة، شبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله، وانتفع به، فبان أثره عليه بالبلد الطيب، إذ كان البلد الطيب يمرع يخصب، ويحسن أثر المطر عليه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن، ولا يؤثر فيه أثرا محمودا بالبلد الخبيث إذ كان لا يمرع، ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه.
وقوله: والذي خبث: قال الكلبي: هو السبخة من الأرض.
لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا [الأعراف: ٥٨] النكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير، والمصدر النكد، يقال: نكد نكدا فهو نكد وأنكد.
الأعراف 7:57
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {٥٤ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٥٧ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ٥٨ } [الأعراف: ٥٤-٥٨] قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الأعراف: ٥٤] قال المفسرون: أراد في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف يكون يوم ولا شمس ولا سماء.
وهذا معنى قول مجاهد: إن ذلك رتب على الأيام الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة فاجتمع الخلق فيه.
قال ابن الأنباري: أراد الله أن يوقع في كل يوم أمرا من خلقه، تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له.
وقوله ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض.
وهذا قول
الفراء، وأبي العباس، والزجاج، وقال آخرون: استوى معناه: استولى، واحتجوا بقول البعيث:ثم استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
وخص العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات.
وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف: ٥٤]، وقرئ: بالتشديد والإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، قال الزجاج: والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه، ولم يقل: ويغشي النهار الليل، لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا كما قال: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد للعلم به، وقوله: يطلبه حثيثا: الحثيث: المعجل السريع، يقال: حثثت فلانا إذا أمرته بالعجلة، قال ابن عباس: يطلب الليل النهار لا غفلة له.
والمعنى: أن الليل يستمر في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب التأخر عن وقته.
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف: ٥٤] أي: وخلق هذه الأشياء جاريات في مجاريها بأمر الله تعالى، ومعنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وسير وأفول على حسب إرادة المدبر فيهم، وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الاستئناف، أَلا لَهُ الْخَلْقُ [الأعراف: ٥٤] لأنه خلقهم، والأمر، له أن يأمر في خلقه بما يشاء، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] قال ابن عباس: تبارك الله، أي: ارتفع، والمتبارك: المرتفع.
وقال ابن الأنباري: تبارك الله: باسمه يتبرك في كل شيء.
وقال أهل المعاني: تبارك الله، استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال.
وقوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] التضرع: التذلل والتخشع والخفية خلاف العلانية، ويقال: خِفية بالكسر، والسنة والأدب في الدعاء أن يكون خفيا لهذه الآية، ولما روي: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي».
وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد أدركنا أقواما ما كان وجه الأرض من عمل ويقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله سبحانه يقول ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] وأن الله ذكر عبدا صالحا، ورضي فعله، فقال: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم: ٣].
قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥] أي: بالجهر في الدعاء.
قاله الكلبي، ومعنى المعتدين: المجاوزين ما أمروا به.
وقوله: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ [الأعراف: ٥٦] قال المفسرون: الإفساد في الأرض: العمل فيها بالمعاصي وسفك الدماء.
وقوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا معنى قول الحسن، والسدي، والضحاك، والكلبي، وقال عطية: معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم.
وعلى هذا معنى قوله: بعد إصلاحها بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب، وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف: ٥٦] قال ابن عباس: خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه.
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] قال الزجاج: إنما قيل قريب لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد.
ونحو هذا قال الأخفش.
وأما الرحمة بمعنى الإنعام، فلذلك ذكر، وقال سيعد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب.
وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير، كقوله: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥].
قوله: وهو الذي يرسل الرياح نشرا جمع نشور، مثل رسول ورسل، والنشور بمعنى المنشر، كالركوب بمعنى المركوب، يقال: أنشر الله الريح، فنشرت.
أي: أحياها، فحييت، وخفف ابن عامر العين فقرأ: نشرا، كما يقال: كتب ورسل، وقرأ حمزة: نشرا وهو مصدر نشرت الشيء ضد طويته، والمراد بالمصدر المفعول، أرسلها الله منشورة بعد انطوائها، وقرأ عاصم بشرا بالباء جمع بشور، أي: تبشر بالمطر والرحمة، من قوله: يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا [الأعراف: ٥٧].
وقوله: {بَيْنَ يَدَيْ
رَحْمَتِهِ} [الأعراف: ٥٧] قال الكلبي: قدام مطره، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به.
حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ [الأعراف: ٥٧] أي: حملت هذه الرياح سحابا ثقالا: بما فيها من الماء، يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله، سُقْنَاهُ [الأعراف: ٥٧] سقنا السحاب لبلد ميت: قال ابن الأنباري: إلى بلد يحتاج إلى المطر لانقطاعها عنه، فأنزلنا به: بذلك البلد الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ [الأعراف: ٥٧] بذلك الماء مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى [الأعراف: ٥٧] نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات كإحياء الأرض بالنبات، لعلكم تذكرون: قال الزجاج: لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد الله، وأنه قادر على بعث الأموات.
قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨] الآية: قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة، وبالأرض السبخة الملحة، شبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله، وانتفع به، فبان أثره عليه بالبلد الطيب، إذ كان البلد الطيب يمرع يخصب، ويحسن أثر المطر عليه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن، ولا يؤثر فيه أثرا محمودا بالبلد الخبيث إذ كان لا يمرع، ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه.
وقوله: والذي خبث: قال الكلبي: هو السبخة من الأرض.
لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا [الأعراف: ٥٨] النكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير، والمصدر النكد، يقال: نكد نكدا فهو نكد وأنكد.